قوله: (باب) أي هذا باب الصلاة يذكر فيه أوقات الصلاة ومسائلها وهو أطول أبواب هذا المختصر وفيه فصول وبدء تختلف بتبيين الأوقات.
الوقت هو الزمان الذي حده الشارع لفعل الصلاة فيه وهو قسمان وقت أداء، ووقت قضاء.
فوقت الأداء ما قيد فعل الصلاة به أولا، أي حين فرضت الصلاة. ووقت القضاء ما بعد وقت الأداء، ووقت الضرورة ما أبيح لأجل الضرورة. انتهى.
قال القرافي في ذخيرته: فائدة: نصب الله تعالى الأوقات أسبابا للأحكام، كالفجر والزوال ورؤية الهلال. كما نصب الأفعال أسبابا. نحو السرقة والزنا.
والأوقات تختلف بحسب الأقطار، فما من زوال لقوم إلا وهو فجر لقوم وعصر لقوم ومغرب لقوم، ونصف الليل لقوم، بل كلما تحركت الشمس درجة، فتلك الدرجة بعينها هي الفجر وطلوع الشمس والزوال والغروب ونصف الليل ونصف النهار، وسائر أسماء الزمان تنسب إليها بحسب أقطار مختلفة، وخاطب الله كل قوم بما يتحقق في قطرهم، لا في قطر غيرهم، فلا يخاطب أحد بزوال غير بلده ولا بفجره، وهذا مجمع عليه، وكذلك يخاطب كل أحد بهلال قطره، ولا يلزمه حكم غيره، ولو ثبت بالطرق القاطعة، كما لا يلزمنا الصبح وإن قطعنا بأن الفجر قد طلع على مشرق غيرنا. انتهى (^١).
[فصل في بيان أوقات الصلوات الخمس]
قوله: (الوقت المختار للظهر: من زوال الشمس لأخر القامة بغير ظل الزوال) أي أول وقت المختار للظهر من زوال الشمس وهو زوالها عن أعلى درجات السماء ارتفاعا وذلك ممتد إلى آخر القامة الأولى.
قال أبو طالب (^٢) في إكمال الإكمال: في القوت: والزوال ثلاثة: زوال لا يعلمه
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٤٩٠.
(٢) أبو طالب: محمد بن علي بن عطية الحارثي المشهور بأبي طالب المكي واعظ زاهد فقيه من.
[ ١ / ٢١٠ ]
إلا الله، وزوال يعلمه الملائكة المقربون ﵈، وزوال يعرفه الناس. وجاء في الحديث أنه ﷺ سأل جبريل ﵇: «هل زالت الشمس؟» فقال: لا نعم. فقال له: ما معنى لا نعم. قال: يا رسول الله قطعت الشمس من فلكها بين قولي لا نعم مسيرة خمس مائة عام (^١). انتهى (^٢).
والقامة لكل أحد سبعة أقدام ونصف قدم بقدمه أو أربعة أذرع بذراعه لا غيره ولا يحسب من ذلك الظل الذي زالت عليه الشمس.
قوله: (وهو أول وقت العصر للاصفرار) أي وآخر القامة الأولى هو أول وقت العصر وهو ممتد إلى إصفرار الشمس.
قوله: (واشتركتا) أي الظهر والعصر (بقدر) وقوع صلاة (إحداهما) مشتركتان في الوقت خلافا لمن قال: لا يشتركان بل اختص الظهر بمقدار أربع ركعات بعد الزوال واختص العصر بمقدار ذلك ويشتركان فيما بين ذلك المشهور الاشتراك بقدر إحداهما (وهل) ذلك الاشتراك (في آخر القامة الأولى) فيكون العصر هو الآخذ في وقت الظهر (أو) الاشتراك إنما يقع في (أول) القامة (الثانية؟ خلاف) فيكون الظهر هو الآخذ في وقت العصر فيه (خلاف) مبناء ما روي في الحديث «أنه ﷺ صلى به جبريل ال من الغد في الوقت الذي صلى فيه العصر (^٣) وهل بمعنى شرع أو فرغ وجبريل ال هو الذي حدد الأوقات.
قوله: (وللمغرب غروب الشمس يقدر بفعلها بعد شروطها) أي والوقت المختار للمغرب غروب قرص الشمس عن ذلك القطر وهو ممتد بقدر فعلها بعد أداء شروطها من التطهير من الخبث والحدث والستر والتاذين والإقامة واستقبال القبلة.
قوله: (وللعشاء من غروب حمرة الشفق للثلث الأول) أي وأول وقت المختار للعشاء ممتد من غروب حمرة الشفق إلى انقضاء ثلث الليل الأول ولا يعتبر الصفرة الباقية بعد حمرة الشفق.
=
_________________
(١) مؤلفاته: قوت القولوب وغيره مات ببغداد سنة: ٣٨٦ هـ الأعلام للزركلي: ج ٦، ص: ٢٧٤.
(٢) الحديث ذكره الآبي في إكمال الإكمال: ج ٢، ص: ٥٤١
(٣) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٥٤١.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه (٢) - كتاب الصلاة. (١) - باب ما جاء في مواقيت الصلاة. الحديث: ١٤٩. وأخرجه أبو داود في سننه (٢) - كتاب الصلاة. ٢ - ت. 2 م باب في المواقيت. الحديث: 393.
[ ١ / ٢١١ ]
قوله: (وللصبح من الفجر الصادق للإسفار الأعلى) أي وأول الوقت المختار للصبح ممتد من الفجر الصادق إلى الاسفار الأعلى وهو الذي تظهر فيه الأشياء وقيل إلى طلوع الشمس.
قال القاضي أبو بكر: هذا هو الصحيح عن مالك، ولا وقت الضرورة لها. قاله ابن شاس (^١).
قوله: (وهي الوسطى) أي والصبح هي الصلاة الوسطي أي الخيار وسط كل خيار ولكل شيء خياره، وقيل: صلاة العصر، وقيل: الظهر، وقيل: المغرب، وقيل: العشاء، وقيل: هي الصلاة على النبي ﷺ، وقال ﷾: ﴿حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وقوموا لله قنتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] ولا قنوت إلا في الصبح، ولتوسطها بين ليلتين جهرتين ونهاريتين سريتين، والمشقة فيهما في الفصلين بالبرد في الشتاء وقصر الليل في الصيف، لأنها في الوقت الذي النوم فيه، وقال ابن عباس (^٢) ﵁: لأنها تصلى في سواد من الليل وبياض من النهار (^٣).
قوله: (وإن مات) أي وإن مات المكلف بالصلاة في (وسط الوقت بلا أداء) هذه الوقتية (لم يعص) ربه توسعة من الرحمن (إلا أن يظن الموت) ويؤخرها فإنه حينئذ عاص بتأخيره.
قوله: (والأفضل لفذ تقديمها مطلقا) أي والأفضل لمريد الصلاة منفردا تقديم الصلاة مطلقا أول الوقت كانت ظهرا أو غيرها سقيما كان أو صحيحا صيفا أو شتاء لقوله ﷺ: «أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها» (^٤) ولما فيه من المبادرة إلى امتثال أمر الله ﷺ وخوف قاطع عن فعلها من موت أو غيره، وركعة من الصلاة خير من الدنيا وما فيها.
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس: ج ١، ص: ٨١
(٢) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، حبر الأمة ولد بمكة سنة ثلاث قبل الهجرة نشأ في بدء عصر النبوة ولازم رسول الله ﷺ، وروى عنه وشهد الجمل وصفين، توفي بالطائف وله في الصحيحين وغيرهما قال ابن مسعود نعم ترجمان القرآن ابن عباس مات سنة ٦٨ هـ، انظر الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني: ط ١: ١٣٢٨ هـ، ج ٢، الترجمة: ٤٧٨١.
(٣) الاستذكار لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري: ج ٢، ص: ١٨٩، ط: ٢٠٠٠ م، تحقيق: سالم محمد عطاء محمد علي معوض دار الكتب العلمية.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠٠) - كتاب التوحيد (٤٨) - باب وسمى النبي ﷺ الصلاة عملا الحديث: ٧٠٩٦
[ ١ / ٢١٢ ]
قوله: (وعلى جماعة آخره) أي والصلاة أول الوقت لفذ أفضل من صلاته آخره في جماعة ورجح الشيخ هنا فضيلة أول الوقت عن فضيلة الجماعة.
قال البساطي: ويتولد من هذا أنه لا يعيد في الجماعة لأنه فعل الأفضل.
قوله: (وللجماعة تقديم غير الظهر، وتأخيرها لربع القامة ويزاد لشدة الحر) أي والأفضل للجماعة تقديم الصلاة أول وقتها غير صلاة الظهر وأفضل لها تأخيرها إلى ربع القامة صيفا وشتاء ويزاد التأخير لشدة الحر وذلك يختلف باختلاف الأيام مفهومه لا يزاد إلا لشدة الحر ولم يبين الشيخ قدر الزيادة قيل الزائد إلى نصف القامة أو فوقه بيسير وقيل ما لم يصل آخر الوقت وقيل ما لم يخرج الوقت وصوب المازري كونه لانقطاع حر يومه المعين ما لم يخرج الوقت. انتهى.
وقال ﷺ: «شدة الحر من فيح جهنم» (^١).
المازري: قال الليث (^٢): الفيح سطوع الحر، فاحت القدر أي غلت. انتهى (^٣).
وفي الذخيرة تمهيد: الأصل أن المبادرة إلى طاعة الله تعالى في سائر الأحوال أفضل لما فيه من إظهار الطواعية والأمن من تفويت مصلحة العبادة، إلا أن يقوم عارض أرجح كالحر فإن الإبراد مقدم على مصلحة العبادة لأن المشي في الحر الشديد يذهب الخشوع الذي هو أحد أوصاف الصلاة، ولهذا أمر بالمشي إلى الجماعة بالسكينة والوقار، وإن فاتت المبادرة وصلاة الجماعة وبركة الإقتداء، وهذا عممه الشرع في سائر الصلوات، ولذلك قال صاحب القبس: إذا تعارض الشغل والصلاة، فالأخيار من العلماء على تقديم الشغل ليتفرغ للخشوع.
الأصل في كثرة الثواب والعقاب وقلتهما أن يتبعا كثرة المصلحة في الفعل وقلتها، وكثرة المفسدة وقلتها، كتفضيل التصدق بالدينار على الدرهم، وإحياء الرجل الأفضل أفضل من إحياء المفضول، وإثم الأذية في الأعراض والنفوس أعظم من إثم الإذاية في الأموال، وكذلك غالب الشريعة وقد يستوي الفعلان في المصلحة
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٣) - كتاب مواقيت الصلاة (٨) - باب الإبراد بالظهر في شدة الحر الحديث: ٥١٠ وأخرجه مسلم في صحيحه (٥) - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٣٢) - باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر الحديث: ١٨٠ - (٦١٥)
(٢) الليث: الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري: ثقة ثبت فقيه إمام مشهور من السابعة. مات سنة: ١٧٥ هـ. تقريب التهذيب: ص: ٤٠٠، الترجمة: ٥٦٨٤.
(٣) إكمال الإكمال: ج ٢، ص: ٥٥١.
[ ١ / ٢١٣ ]
والمفسدة من كل وجه ويوجب الله تعالى أحدهما دون الآخر كإيجاب الفاتحة في الصلاة دون غيرها مع مساواتها لنفسها، وكتكبيرة الإحرام دون غيرها من التكبيرات، وأبعد من هذا عن القاعدة تفضيل الأقل مصلحة على الأكثر، كتفضيل القصر على الإتمام مع اشتمال الإتمام على مزيد الخضوع والإجلال وأنواع التقرب، وكتفضيل الصبح على سائر الصلوات عندنا، وكتفضيل العصر على رأي مع قصر القراءة فيها على ما وردت السنة به، وكتفضيل ركعة الوتر على ركعتي الفجر، والله تعالى هو الفاعل المختار يفضل ما شاء على ما شاء ومن شاء على من شاء ﷾ ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣] ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ [هود: ٤] (^١). انتهى
واستحب ابن حبيب تعجيل العصر يوم الجمعة أكثر من تعجيلها في غيرها رفقا بالناس لأنهم يهجرون.
قال ابن القاسم: وذكرته لمالك فقال: ما سمعته من عالم وهم يفعلونه وإنه لواسع (^٢).
قوله: (وفيها) أي وفي المدونة (ندب تأخير العشاء قليلا) أتى الشيخ بها استشكالا وأنكر مالك رحمة الله أن يؤخرها الحرس في الرباط إلى ثلث الليل إنكارا شديدا (^٣).
قوله: (وإن شك في دخول الوقت لم تجز ولو وقعت فيه) الشك هنا عدم الجزم أي وإن شك المكلف في دخول الوقت فدخل في الصلاة بشكه لم تجزه ولو وقعت في الوقت لأن الصلاة في ذمته ولا يبرأ منها إلا بيقين وأما من طرأ عليه الشك في أثناء الصلاة ثم تبين أنه صلى في الوقت أو لم يتبين فإنه يجزيه لوجود الجزم أولا حين دخوله وأشار بلو إلى خلاف أنها تجزيه إن وقعت في الوقت.
قوله: (والضروري بعد المختار للطلوع) لما فرغ من ذكر وقت المختار شرع يذكر وقت الضروري وهو ما أبيح فيه الصلاة لأجل الضرورة أي والضروري مبدأه بعد
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٣٠ - ٣٣.
(٢) إكمال الإكمال الآبي: ج ٢، ص: ٥٥٣.
(٣) المدونة الكبرى للإمام مالك بن أنس رواية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم ومعها المقدمات لابن رشد: ج ١، ص: ٦١، ط: ٢٠٠٤ دار الفكر.
[ ١ / ٢١٤ ]
المختار إلى الطلوع (في الصبح) هذا هو المشهور خلافا للرسالة بأن لا ضروري للصبح.
قوله: (وللغروب في الظهرين) أي ووقت الضرورة في الظهرين: الظهر، والعصر ممتد من وقت المختار لهما إلى الغروب.
قوله: (وللفجر في العشائين) أي ووقت الضروري من المغرب والعشاء ممتد من وقت المختار لهما إلى طلوع الفجر وبيان مقدار وقت الضرورة يفيد أن وقت الاختيار للثانية من المشتركتين ضروري للأولى وكذلك ضروريه ضروري للأولى.
قوله: (وتدرك فيه الصبح بركعة) أي ويدرك المكلف في وقت الضروري في الصبح بركعة كاملة بقراءة الفاتحة فقط مع الطمأنينة، وقيل: لا يعتبر الطمأنينة. انتهى.
وهذا يفيد أن وقت الاختياري لا يدرك إلا بمقدار صلاة كاملة لا بركعة.
قوله: (لا أقل) أي لا يدرك الضروري في الصبح بأقل من ركعة كاملة بسجدتيها وطمأنينتها.
قوله: (والكل أداء) أي والركعات كلها في الصبح أداء وعليه فإن حاضت بعد أن ركعت ركعة فخرج الوقت فلا قضاء عليها.
قال في إكمال الإكمال: القول بأن الصلاة كلها أداء هو قول اصبغ، سحنون: قضاء، اللخمي: الأول هو المشهور والثاني أبين. انتهى (^١).
قوله: (والظهران والعشاآن) أي ويدرك الضروري في الظهر والعصر والمغرب والعشاء (بفضل) وقوع ركعة عن الأولى) منهما (لا) بفضل ركعة من (الأخيرة) خلافا لمن قال به. قاله الشارح في الصغير (^٢).
وإلا الأخيرة أي فإن لم يكن في الوقت سعة لفضل ركعة عن الأولى بل ضاق الوقت ولم يتسع إلا دون ذلك فالأخيرة هي المدركة منهما وذلك لأن آخر الوقت لآخر الصلاتين اتفاقا ولكن إنما يتصور ذلك في صلاتي الليل.
قوله: (كحاضر سافر، وقادم) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يقصر الحاضر إذا سافر في وقت يفضل ركعة بعد الصلاة الأولى لأنه سافر في وقتيهما ولكنه أثم
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٥٣٥.
(٢) الشرح الصغير للشيخ بهرام: ج ١، ص: ٢٤.
[ ١ / ٢١٥ ]
لتأخيره إلى هذا الوقت وكذلك القادم من سفره فإنه يتمهما لأنه قدم في وقتيهما.
قوله: (وأثم إلا لعذر بكفر، وإن بردة، وصبا، وإغماء، وجنون، ونوم، وغفلة، كحيض) أي وأثم من أخر الصلاة عن وقتها المختار إلى الضروري إلا أن يكون التأخير لأجل عذر فلا يأثم والعذر المسقط للإثم الكفر الأصلي والطارئ بالردة والعياذ بالله لأن «الإسلام يجب ما قبله» (^١)، ومن الأعذار الصبا والإغماء وهو مرض في باطن الجسم يذهب منه العقل ومنها الجنون لعدم التكليف ومنها النوم إذا لم يتعمده بظنة خروج الوقت الاختياري ومنها الغفلة وهي النسيان ومنها الحيض والنفاس مسقط للإثم والقضاء.
ولو قال الشيخ: وكحيض ليشمل النفاس لكان أولى.
قوله: (لا سكر) أي والسكر ليس من الأعذار المسقطة للإثم إذا كان هو الذي أدخله على نفسه وأما إن سكر بشيء لم يعلم أنه مسكر فلا إثم حينئذ ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة الآية: ٢٨٦].
قوله: (والمعذور، وغير كافر) أي وكل معذور (يقدر له الظهر) من الحدث الأصغر والأكبر فيوسع عليه بمقدار الطهارة بحيث لا يأثم إلا الكافر بنوعيه فلا يوسع له بمقدار الطهارة لأن المنع من الإسلام من قبله واكتسابه بناء على أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في التكليف.
قوله: (وإن ظن إدراكهما) أي وإن ظن من زال عذره إدراك الصلاتين في الوقت (فركع) ركعة (فخرج الوقت قضى) الصلاة (الأخيرة) لأنه لحق وقتها وأما التي صلى فيها ركعة، فإنه يشفع الركعة، فإن كان قد صلى فيها ثلاثا أتمها وقضى الأخيرة، وقيل يقطعها فلا يشفع ولا يتمها.
فرع: وهل يعتبر مقدار الطهارة لأهل الأعذار في طرف السقوط؟ قال به اللخمي (^٢).
قال الشيخ في توضيحه ولم أره لغيره. انتهى (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه -١ - كتاب الإيمان (٥٤) - باب كون الإسلام يهدم ما قبله ولفظه: أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله إلخ الحديث: ١٩٢ - (١٢١)
(٢) التوضيح: ج ١، ص: ٢٧٨
(٣) التوضيح: ج ١، ص: ٢٧٨
[ ١ / ٢١٦ ]
قوله: (وإن تطهر فأحدث، أو تبين عدم طهورية الماء أو ذكر ما يرتب فالقضاء) أي وإن تطهر ذو العذر ثم أحدث غلبة أو عمدا وأتم به أو تبين له عدم طهورية الماء الذي تطهر به أو تطهر بطهور ثم ذكر صلاة يجب عليه ترتيبها فالقضاء في الفروع الثلاثة ثابت عليه، ابن القاسم في الموازية: لا قضاء عليه.
قوله: (وأسقط عذر حصل - غير نوم ونسيان - المدرك) أي وأسقط عذر حصل عن المكلف الصلاة غير النائم والناسي فإن الصلاة لا تسقط بعذر النوم والنسيان فالقضاء عليهما بالفور، بخلاف قضاء الصوم لقول النبي ﷺ: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها» (^١) في أي وقت من ليل أو نهار قال الله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾ [طه: ١٤] فتضمن هذا الحديث وجوب القضاء على النائم والناسي وأنه على الفور؛ لقوله «… . إذا ذكرها …» في أي وقت ذكر؛ من ليل أو نهار وأما الإثم فساقط عنهما. انتهى من اللخمي (^٢).
وقوله: (وأمر صبي بها لسبع وضرب لعشر) أي وأمر صبي ذكرا كان أو أنثى بالصلاة إذا دخل في السنة السابعة بلا ضرب عليها وضرب عليها إذا دخل في السنة العاشرة، والفرق بينها وبين الصوم فلا يؤمر به لكثرة مسائلها، وقيل لسهولتها، وقيل الأصل عدم الأمر، وخرجت الصلاة عن الأصل وبقي عليه الصوم.
قوله: (ومنع نفل وقت طلوع شمس وغروبها) أي ومنع التنفل بالصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها لأن الشمس تطلع وتغرب على قرن الشيطان.
قال صاحب إكمال الإكمال: لأن الشيطان ينتصب قائما في وجه الشمس عند طلوعها ليكون طلوعها بين قرنيه أي فوديه فيصير مستقبلا لمن يسجد للشمس فتصير عبادتهم له، فنهوا عن الصلاة في ذلك الوقت مخالفة لعبدة الشيطان. انتهى (^٣).
وسكت الشيخ نعم الله عن وقت استواء الشمس في كبد السماء، والمشهور جوازه، وسكت أيضا عن النفل عند دخول الإمام للجمعة، فإن كان قد أحرم أتم
_________________
(١) أخرجه مسلم صحيحه (٥) - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥٥) - باب قضاء الصلاة الفائية الحديث: ٦٨٤.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٤٩١ دون قوله: وأما الإثم فساقط عنهما.
(٣) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٥٤٧.
[ ١ / ٢١٧ ]
بالتخفيف، ولا يبدأ به بعد دخوله، وعبر بالمنع لأنه ظاهر النهي الوارد في الحديث، وغالب عبارة الأصحاب الكراهة، واحترز بالنفل من الفرض فإنه لا يمنع في كل وقت من الأوقات.
وقوله: (وخطبة جمعة) أي ومنع النفل وقت خطبة جمعة ولو تحية مسجد إلا أن يلغو الخطيب فيجوز النفل حنيئذ، واحتزر بخطبة الجمعة من خطبة العيد والاستسقاء فإن النفل لا يمنع وقتهما، وقال أبو حنيفة: يجوز النفل في كل وقت.
قوله: (وكره بعد فجر، وفرض عصر، إلى أن ترتفع قيد رمح، وتصلى المغرب إلا ركعتي الفجر، والورد قبل الفرض لنائم عنه) لما فرغ من الوقت الممنوع فيه النفل، شرع يذكر الوقت المكروه أي وتكره صلاة النفل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر إلى أن ترفع الشمس قيد رمح أي قدر رمح العرب وهو ستة أذرع إلا وقت الطلوع فإنه محرم وقد تقدم، وإلا الورد قبل فرض الصبح لنائم عنه أي عن ورده أي إنما يجوز له صلاة الورد بعد الفجر إذا نام عنه غلبة، وأما إن تعمد النوم فلا يرخص له، وكذلك يكره النفل بعد صلاة عصر نفسه إلى أن تصلى المغرب.
مسألة: فلو أحرم بالعصر ثم ذكر أنه صلاها وقد صلى ركعة قال مالك: يشفعها لأنه لم يقصد مخالفة السنة، ولقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] ولو ذكر قبل الركوع فالأظهر القطع.
قوله: (وجنازة وسجود تلاوة) أي وتجوز الصلاة على الجنازة اتفاقا وسجود تلاوة على مذهب المدونة خلافا للموطأ (قبل إسفار) في الصبح (واصفرار) بعد العصر، وهذا إذا لم يخف عليه التغير، وأما إن خيف عليه فإنه يصلى عليه بعد إسفار واصفرار.
قوله: (وقطع محرم بوقت نهي) أي ومن أحرم بصلاة نفل في وقت نهي تحريما كان أو كراهة، فإنه يقطع إذ هو مقتضى المنع، إذ لا يتقرب إلى الله بما نهى عنه ولا قضاء عليه، لأن القطع أمر به الشرع.
قوله: (وجازت) أي جازت الصلاة (بمربض بقر أو غنم) لطهارة أروائها.
المريض: بكسر الباء كمجلس وفتحها كمقعد.
قوله: (كمقبرة ولو لمشرك، ومزبلة ومحجة ومجزرة) أي كما تجوز الصلاة على المقبرة ولو كانت لمشرك، والدليل أن النبي ﷺ بنى مسجده على مقبرة
[ ١ / ٢١٨ ]
المشركين (^١).
وظاهر كلام الشيخ: سواء كان القبر قديما أو حادثا. المقبرة بفتح الباء وضمها وكسرها، وكذلك تجوز الصلاة على المزبلة، ومحجة الطريق أي وسطها، وعلى المجزرة. المزبلة بفتح الباء وضمها، والمجزرة بتفح الزاء وكسرها.
وقوله: (إن أمنت) راجع إلى ما بعد الكاف من قوله: كمقبرة على قاعدة الأكثرية أي إن أمنت هذه المواضع (من النجس).
قال القلشاني: قال بعضهم: النهي عن الصلاة في المزبلة والمحجة والمجزرة إما معلل بالنجاسة وإما باستدبار القبلة وإما بالاستهزاء بالعبادة بفعلها بموضع لا يضمن الحكم فيها. انتهى.
قال اللخمي: قال ابن حبيب من صلى في بيت نصراني أو مسلم لا ينفك من النجاسة أعاد أبدا. انتهى.
قال مالك في النوادر في مساجد البوادي والأفنية يمشي عليها الكلاب والدجاج: لا بأس بالصلاة بها (^٢).
قوله: (وإلا فلا إعادة) أي وإن لم تؤمن النجاسة في هذه المواضع المذكورة وصلى بها ولو ظانا فلا إعادة أبدا عليه (على) القول (الأحسن إن لم تتحقق) النجاسة وإن تحققت فلابد من الإعادة أبدا عليه وأما في الوقت فإنه يعيد وإن لم تتحقق.
قوله: (وكرهت بكنيسة، ولم تعد، وبمعطن إبل ولو أمن، وفي الإعادة قولان) أي وكرهت الصلاة في الكنائس والبيع لأجل نجاسة أقدامهم، ولأنها أسست على غير التقوى، فإن اجترأ وصلى فيها فلا إعادة الأبدية عليه، وأما الإعادة في الوقت فلابد، وكذلك تكره الصلاة في معاطن الإبل، ولو أمن من النجاسة لأنه تعبد، فإن اجترأ وصلى فيه ففي حد الإعادة قولان من غير ترجيح.
ابن حبيب يعيد أبدا في العمد والجهل وفي الوقت مع النسيان.
وقال بعضهم: الإعادة في الوقت لا غير عامدا كان أو جاهلا (^٣).
قوله: (ومن ترك فرضا أخر لبقاء ركعة بسجدتيها من الضروري، وقتل بالسيف حدا
_________________
(١) التمهيد لابن عبد البر: ج ٥، ص: ٣٣٢ - ص: ١٣٨٧ تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكريم البكري، الناشر وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية.
(٢) النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني: ج ١، ص: ٥٣٤.
(٣) التوضيح: ج ١، ص: ٢٨٧.
[ ١ / ٢١٩ ]
(ولو قال أنا أفعل، وصلى عليه غير فاضل، ولا يطمس قبره) أي ومن ترك من المكلفين فرضا وقتيا أخر إلى بقاء قدر صلاة ركعة بسجدتيها من وقت الضروري، لأن الدماء عظيمة القدر فليبالغ في تأخيره إلى الوقت الذي يكون من صلى بعده يعد قاضيا لا مؤديا فإن أبى أن يصلي في الوقت قتل بالسيف، حدا خلافا لمن قال: ينغر بالسيف إلى آخر الوقت، وقتله قتل حد لا قتل كفر خلافا لابن حبيب من ترك الصلاة متعمدا أو مفرطا كان كافرا، والأول هو المشهور، فيقتل ولو وعد بالصلاة ويقول أنا أفعلها، وعلى المشهور يصلي عليه غير فاضل من المسلمين ويرثه ورثته ولا يطمس قبره، إذ لا يكفر بترك فعل علم وجوبه، ولو جحد الوجوب لكان كافرا إن لم يكن قرب عهده بالاسلام أو من بعدت داره فإنه يعلم.
قال: واختلف في تارك غيرها من الفرائض، فقال مالك: من قال لا أتوضا ولا أصوم يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإن قال: لا أزكي، أخذت منه كرها، فإن أبي قوتل، وإن قال لا أحج لم يجبر لأنه على التراخي.
وقال ابن حبيب: من قال: لا أتوضأ أولا أغتسل أولا أصوم أو ترك الزكاة أو الحج فهو كافر، وقاله جماعة من السلف. انتهى (^١).
قوله: (لا فائتة) أي لا يقتل إن أبى أن يقضي صلاة فائتة (على) القول (الأصح. و) أما (الجاحد) لفريضة من الفرائض فهو (كافر).
مسألة: فإن قلت: هل تصلى الصبح قبل طلوع الفجر والظهر قبل الزوال والمغرب قبل غروب الشمس؟ قلت: نعم هو حكم الأيام التي تحتجب الشمس فيها عن الطلوع عند إرادة الله تعالى طلوع الشمس من مغربها، فإن اللازم تقدير أوقات الصلاة، وتؤدى الصبح عند وقت طلوع الفجر، وليس ثم فجر، وكذلك في الزوال والغروب، والحديث في ذلك ثابت في الصحيح، وهذا الحكم نص عليه الشارح.
انتهى من درة الغواص لابن فرحون (^٢).
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ١، ص: ٣١٢.
(٢) درة الغواص في محاضرات الخواص تأليف برهان الدين إبراهيم بن فرحون المالكي تحقيق محمد أبو الأجفان وعثمان بطيخ ص: ١٠٣ - ١٠٢، دار التراث المكتبة العتيق تونس
[ ١ / ٢٢٠ ]
فصل [في الأذان والإقامة وما يتعلق بها]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه الأذان ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (سن الأذان) أي الأذان للصلاة سنة خلافا للرسالة القائل بوجوبه (لجماعة) لا فذ وإن طلب غيره (طلبت غيرها في فرض وقتي) لا يفوت به لا في نفل ولا فائتة إذ هو لا يدعو أحدا ويزيدها الأذان تفويتا وأما السنن فالثابت عن النبي ﷺ أنه لم يكن يؤذن لها وهو في الجوامع والمساجد أكد لأنه حفظ للأوقات وأن الدار دار الإسلام وإظهار لشعائره وإقامة الجماعة.
وقوله: (ولو جمعة) أشار بلو إلى خلاف أن الأذان في الجمعة واجب والسنية فيه على المشهور.
قوله: (وهو مثنى، ولو: الصلاة خير من النوم) أي والأذان مثنى ألفاظه لعمل أهل المدينة.
قال المازري: ولو أوتر الأذان لم يجزه (^١).
قوله: (مرجع الشهادتين) أي في حال كونه مرجع الشهادتين ظاهره ولو كثر الموذنون وهو كذلك.
قوله: (بأرفع من صوته أولا) هل ليتحقق السامع؟ أو ليغيظ الكفار.
وقوله: ولو الصلاة خير من النوم أي وألفاظ الأذان كله مثنى ولو الصلاة خير من النوم ظاهره وإن لم يكن هناك غيره أو تعدد المؤذنون.
قال ابن الجلاب: وإن أراد الأذان فأقام أو الإقامة فأذن، أعاد حتى يكون على نية لفعله (^٢)، فعلى هذا تجب النية فيهما وقد صرح بذلك الأبهري وعبد الحق في التهذيب واحتج بأنه قربة فتجب فيه النية لقوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات» (^٣).
_________________
(١) مواهب الجليل للحطاب: ج ١، ص: ٤٥٩.
(٢) التفريع لأبي القاسم عبيد الله بن الحسين بن الحسن بن الجلاب البصري، دراسة وتحقيق: د. حسين ط ١: ١٩٨٧ م، ص: ٢٢١. دار الغرب الإسلامي.
(٣) الحديث متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه: (١) - باب بدء الخلق (١) - باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ. الحديث: ١. وأخرجه مسلم في صحيحه: (٢٣) - كتاب الإمارة. =
[ ١ / ٢٢١ ]
انتهي (^١).
ولو نكس الأذان ابتدأ.
قوله: (مجزوم بلا فصل، ولو بإشارة لكسلام، وبنى إن لم يطل) أي والأذان مجزوم بلا فصل أي الأذان مجزوم بالوقف، لأن كلمات الأذان لما وضعت للاستدعاء نزلت منزلة الأصوات فلم يكن لها حظ في الإعراب فبنيت لذلك وليس كذلك الإقامة فإنها معربة على صورة التلاوة، وأجاز شيوخ القرويين إعراب الأذان.
قوله: بلا فصل أي الأذان متصل الألفاظ بلا فصل فلا يشتغل المؤذن بغير أذانه ولو كان الاشتغال بإشارة لرد السلام أو دخول أو غيره، فإن اجترأ واشتغل بغيره بنى إن لم يطل الفصل وإن طال ابتدأ وإن رعف فيه تمادى وإن خرج فلا يبني.
قوله: (غير مقدم على الوقت؛ إلا الصبح فبسدس الليل الأخير) أي وشرط الأذان أن لا يقدم على الوقت لأنه اعلام بدخوله إلا نداء الصبح، فإنه يجوز أن يقدم على الوقت بالسدس الآخر من الليل فإن قدم غير نداء الصبح أعيد ولا يعيده غير المؤذن له بنفسه ليسمعه الناس أيضا ويعيد من صلى بأذانه الأول وفي الإعادة فائدتان: تحصيل الأذان في الوقت وإعادة من صلى بالأذان الأول. انتهى.
قوله: (وصحته بإسلام) لما فرغ تحلله من حكم الأذان وصفته ووقته شرع يذكر صحته أي وصحة الأذان بإسلام المؤذن له إسلاما مستمرا إلى وقوع الصلاة به فلا يصح أذان الكافر ولكن يكون به مسلما انظر كيف لا يعتد به وقد أسلم بسببه إلا إذا قيل: إذا اجتمع الشرط والمشروط معا هل يجزيه؟ أم لا فيه خلاف.
قوله: (وعقل، وذكورة، وبلوغ) أي ومن شروط صحة الأذان أن يكون المؤذن له عاقلا لا مجنونا أو سكرانا وكذلك من شروط صحته ذكورة المؤذن، لأن الأذان ليس من شأن النساء لأن صوتهن عورة، وكذلك من شروط صحة الأذان أن يكون المؤذن بالغا، وأما غير البالغ فلا يعتد بأذانه، لأن الأذان وسيلة إلى أفضل القربات، والصبي ليس من أهل التقرب، وقيل: يجوز أذانه لأنه ذكر وإخبار عن أمر وقع،
_________________
(١) = (٤٥) - باب قوله ﷺ: إنما الأعمال بالنية. الحديث: ١٥٥/ ١٩٠٧.
(٢) الذخيرة للقرافي: ج: ٣، ص: ٢٩٦. والحديث أخرجه البخاري -١ باب كيف كان بدء الوحي. الحديث الأول. وأخرجه مسلم في صحيحه، (٣٣) - كتاب الإمارة. (٤٥) - باب قول النبي ﷺ: إنما الأعمال بالنية الحديث: ١٩٠٧.
[ ١ / ٢٢٢ ]
كالإستيذان والرسائل. انتهى.
وزاد الجزولي على هذه الشروط الحرية، فلا يعتد بأذان عبد، ويجب كونه عدلا عارفا بالأوقات إن اقتدي به فيها. انتهى (^١).
قال ابن عبد السلام: قد ابتلي المسلمون بتقديم من ليس بأمين في أمر دينهم ودنياهم لا سيما الإمامة والأذان، وأما القضاء فالابتلاء به قديم لأمور يعلمه الله.
قوله: (وندب متطهر صيت) أي وندب للمؤذن أن يكون متطهرا من الحدث والخبث حين تأذينه وكذلك ندب أن يكون ذا صوت رفيع وأن يكون حسن الصوت والتطريب منكر إذا غيرت الحروف وإلا فتحسين الصوت للذكر مندوب.
قوله: (مرتفع، قائم إلا لعدر، مستقبل إلا للإسماع) أي ويندب للمؤذن حين الأذان أن يكون بمكان مرتفع ولو بركوب وأن يكون قائما إلا لعذر لأن ذلك أبلغ للإسماع وأن يكون مستقبل القبلة لأنها أشرف الجهات إلا أن يكون أستدباره لها لأجل إسماع وأنكر مالك تخلله أذان القاعد لأن المقصود من الأذان الإعلام والإبلاغ ولذلك شرع الأذان على المنار.
مسألة: قال سحنون: إذا كان المؤذن إذا صعد المنار عاين ما في الدور وطلب أهلها منعه من ذلك فإنه يمنع لدفع الضرر (^٢).
قوله: (وحكايته لسامعه لمنتهى الشهادتين، مثنى) أي وندب لسامع الأذان حكايته ظاهره ولو كثر المؤذنون وظاهره ولو أذن هو والحكاية إلى منتهى الشهادتين مثنى وقيل إلى منتهى الأذان والشاذ هنا أظهر من المشهور.
وفي الشفا في تعريف حقوق المصطفى ﷺ: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتي محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له الشفاعة يوم القيامة (^٣)».
ابن عمر (^٤): سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ١، بعد قول خليل: وعقل وذكورة وبلوغ. بتصرف.
(٢) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ١، ص: ٤١١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (١٤) - ٨ - كتاب الأذان (٨) - باب الدعاء عند النداء. الحديث: ٥٨٩. وانظر الشفا للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٤٣٦
(٤) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القريشي أمه زينب بنت مظعون الجمحية، ولد سنة ثلاثة من البعثة النبوية كما جزم به الزبير بن بكار قال هاجر وهو ابن عشر سنين وعن الهيتمي أنه مات وله =
[ ١ / ٢٢٣ ]
يقول وصلوا علي، فإنه من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشرا، ثم اسألوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (^١). انتهى (^٢).
قوله: (ولو متنفلا) أي وندبت له الحكاية وإن كان في أثناء نفل لخفة أمر النفل (لا مفترضا)، وقيل يحكيه في أثناء الفرض، وقيل يحكيه بعد سلامه وقيل حتى المتنفل لا يحكيه.
قوله: (وأذان فد إن سافر) أي وندب للفذ أن يؤذن لصلاته إذا كان مسافرا مفهومه إذا لم يكن مسافرا فلا ندب.
قوله: (لا جماعة لم تطلب غيرها على المختار) أي لا يندب لجماعة لم تطلب زيادة غيرها على ما اختاره اللخمي من الخلاف كأهل الرباط واختلف هل الإمام أفضل أو المؤذن أفضل فإن قلنا إن المؤذن أفضل، فإن قلت: فلم لم يؤذن النبي ﷺ إلا مرة واحدة في السفر لأن أفضل الخلق شأنه المواظبة على أفضل الأعمال بل كان إماما جوابه من وجوه:
أحدها أن الأذان مشتمل على دعاء الناس إلى الصلاة، فلو أذن لكان التخلف عن إجابته شديد الحرج، فكان يشق على الناس.
وثانيها أنه إن قال أشهد أني محمد رسول الله غير نظم الأذان، وإن قال أشهد أن محمدا رسول الله أوهم رسالة غيره.
وثالثها أن الأذان يحتاج إلى رصد ومراقبة، والإشتغال بأعباء الرسالة ومصالح الأمة يمنع من ذلك بخلاف الإمامة، وقيل: الإمامة أفضل لإفادتها فضل الجماعة. انتهى من الذخيرة (^٣).
وقيل: إنما ترك ﷺ الأذان تواضعا لاشتماله على تعظيم قدره.
قوله: (وجاز أعمى) أي وجاز أذان أعمى ولكن يقلد العدل العارف بالأوقات
=
_________________
(١) ٨٧ سنة، انظر الإصابة في تمييز الصحابة: ج ٢، ص ٣٤٧، الترجمة: ٤٨٣٤.
(٢) أخرجه النسائي في سننه (٧) - كتاب الأذان (٣٧) - الصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان الحديث: ٦٨٠.
(٣) الشفا للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٤٣٤.
(٤) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٦٤.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وكان عبد الله ابن أم مكتوم (^١) يؤذن للنبي ﷺ وهو رجل أعمى.
قوله: (وتعددهم): أي وجاز تعدد المؤذن لمسجد واحد وإن التصق مسجدان أو كان واحد فوق واحد أو كان بين قوم فوقعت بينهم الفتنة فقسماه فلابد لكل واحد من مؤذن يؤذن لأهله.
قوله: (وترتبهم): أي ويجوز ترتب المؤذنين واحدا بعد واحد في صلاة واحدة ما لم يؤد إلى خروج الوقت المستحب (إلا) صلاة (المغرب) فإنه لا يجوز ترتبهم لضيق وقتها (و) يجوز (جمعهم) على أذانه بشرط أن يكون (كل) منهم (على أذانه) فلا يعتد بأذان صاحبه في شيء من ألفاظه بل كل منهم على أذان نفسه.
قوله: (وإقامة غير من أذن): أي وجاز إقامة رجل لصلاة غير من أذن لها كما يجوز أن يؤم فيها غير من أذن لها ومن أقام لها.
قوله: (وحكايته قبله): أي وجاز حكاية السامع للأذان قبل المؤذن ظاهره وإن لم يكن في ذكر أو شغل وهو ظاهر المدونة وقيده بعضهم بما إذا كان في ذكر أو شغل ولكن الإتباع بالحكاية أحسن.
قوله: (وأجرة عليه): أي وجاز أجرة على الأذان وحده (أو مع صلاة) فتكون تبعا له فرضا كانت أو نفلا هذا هو المشهور.
وقيل: يجوز عليها وحدها، فالأجرة على الصلاة فيها ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع الثالث الفرق بين أن يضم إليها الأذان فتصح أو لا يضم إليها فلا يصح، ووجه المنع أن ثواب صلاته له، فلو حصلت له الأجرة أيضا لحصل العوض والمعوض وهو غير جائز، وحجة الجواز أن الأجرة بإزاء الملازمة في المكان المعين، وهو غير الصلاة، ووجه التفرقة أن الأذان لا يلزمه، فيصح أخذ الأجرة عليه، فإذا ضم إلى الصلاة قرب العقد من الصحة وهو المشهور. انتهى من أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي (^٢).
_________________
(١) عبد الله ابن أم مكتوم، قال بعضهم: هو عمرو وهو ابن قيس من بني عامر، وأم مكتوم اسمها عاتكة قدم المدينة بعد بدر وقد ذهب بصره واستخلفه رسول الله ﷺ على المدينة في غزواته ويؤذن في مسجده وفيه قال رسول الله ﷺ إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم. الأنساب للسمعاني: ص: ١٩١
(٢) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي الفرق الرابع عشر والمائة بين قاعدة ما يصح اجتماع العوضي فيه لشخص واحد وبين قاعدة ما لا يصح أن يجتمع فيه العوضان لشخص واحد.
[ ١ / ٢٢٥ ]
قال مالك ﵁: لأن يؤجر نفسه في سوق الإبل أحب إلي من أن يعمل عملا لله بالأجرة أي الدنيوية.
قال سحنون: لأن أطلب الدنيا بالدف والمزمار أحب إلي من أن أطلبها بالدين. وعن عيسى (^١) ﵇ أنه قال: «إن الله يحب العبد يتخذ المهنة يستغني بها عن الناس ويبغض العبد يتخذ الدين مهنة» (^٢).
قوله: (وكره عليها، وسلام عليه كملب) أي وكرهت الأجرة على الصلاة وحدها، وقد تقدم ما في ذلك من الخلاف، والأحباس التي يتخذها أئمة المساجد هل من باب المعونة أو الأجرة قولان، وكذلك يكره السلام على المؤذن حين اشتغاله بالأذان، وكذلك يكره السلام على الملبي في حين اشتغاله بالتلبية.
قال بعض الشيوخ (^٣): ومن شغل مشغولا بالله تعالى عن الله ﷾ أدركه المقت في الوقت (^٤)، ومما يكره في السلام السلام على قاضي حاجة الإنسان حين قضائه ومنها السلام على الآكل حين الأكل ومنه السلام على الشابة وتردد النووي في المشتغل بالدعاء والذكر.
قال الشيخ في التوضيح: الفرق بين الأذان والصلاة أن الأذان عبادة ليس لها في النفس موقع كالصلاة وإذا أجزنا فيه الرد بالإشارة لتطرق إلى الكلام بخلاف الصلاة لعظمها في النفس لا يتطرق فيها من جواز الإشارة إلى الكلام والملبي ملحق بالمؤذن. انتهى (^٥).
قوله: (وإقامة راكب) أي كره إقامة راكب لأجل اتصال الإقامة بالصلاة وقيل إلا إذا كان لا يتكلف في نزوله.
قوله: (أو معيد لصلاته كأذانه) أي ويكره إقامة معيد لصلاته لفضل الجماعة كما
_________________
(١) هو عيسى بن مريم أمه من نسل نبي الله داود ﵇ وهو كما قال الله تعالى ﷿: ﴿إذ قالت الملئكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين﴾ [آل عمران: ٤٥] خلقه الله من غير أب وتكلم في المهد بإذن الله يدعوا إلى الله على بصيرة. قصص الأنبياء لابن كثير: ص: ٥٥٩.
(٢) التاج والإكليل للمواق: ج ١ وص: ٤٩٠.
(٣) هو الشيخ أبو تراب النخشبي
(٤) تفسير حقي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن﴾ [يوسف: ٣٤].
(٥) التوضيح: ج ١، ص: ٢٩٥.
[ ١ / ٢٢٦ ]
لا يؤم فيها كما كره أذانه ظاهره ولو كان لم يؤذن لها أولا، فإن وقع ونزل وأقام لهم معيد لصلاته أو أذن لهم، فإنهم يعيدون الأذان والإقامة ما لم يصلوا.
غفل الشارح هنا نعم الله. انتهى.
فائدة: قال في إكمال الكمال وفي الحديث: «إذا سمع الشيطان الأذان أدبر وله» (^١) ضراط
قال عياض: ذهابه هروبا لئلا يسمع الإعلان بالإيمان كما يفعل بعرفة لما يرى من اجتماع الناس على البر والتقوى وما ينزل عليهم من الرحمة وقيل هروبه لانقطاع طمعه من الوسوسة عند الإعلان بالتوحيد إذ لا يقدر أن يصرف عنه الناس حينئذ، فإذا سكت المؤذن رجع إلى حالته التي أقدره الله ﷾ عليها من تشويش خاطر المصلي (^٢)، وقال عياض فيه أيضا: عقيدة الإيمان الموقوف عليه دخول الجنة هي الاعتراف بالذات وبما يجب لها وما يستحيل عليها، وما يجوز في فعلها من بعث الرسل والتزام التكليف، والاعتراف بوقوع الجزاء عليه في الدار الآخرة. والأذان مشتمل عليها على هذا الترتيب، فالله أكبر اعتراف بالذات منزهة عما يستحيل عليها من الأضداد لأنه تعالى الأكبر، وأشهد أن لا إله إلا الله اعتراف بما يجب له من الوحدانية، وأشهد أن محمدا رسول الله اعتراف بما يجوز في فعله من بعثة الرسل، وإثبات لرسالته ﷺ رسولا لهداية الخلق، وإلى ها هنا انتهى ما ثبت بدليل العقل من العقيدة، وحي على الصلاة دعاء إلى امتثال التكليف بها، وحي على الفلاح دعاء إلى البقاء في دار الجزاء على التكليف وهذا آخر العقيدة، ولما كانت الحكاية متشملة على الأذان مع ما فيها من التفويض والاستسلام بقوله: لا حول ولا قوة إلا بالله وجب بذكرها دخول الجنة.
قلت: هذا يرجح أنها إلى آخر الأذان وأنها أفضل. انتهى (^٣).
وقال: وقوله: «رضيت بالله ربا، وبحمد ﷺ رسولا، وبالإسلام دينا» (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٤) - كتاب الصلاة (٨) - باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند ٣٨٨ - ٣٨٩: سماعه الحديث
(٢) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٢٤٩.
(٣) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٢٤٩.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٤) - كتاب الصلاة (٧) - باب استحباب القول مثل قول المؤذن. الحديث: ١٣ - (٣٨٦)
[ ١ / ٢٢٧ ]
عياض: كان قوله ذلك موجبا للمغفرة لأن الرضا بالله تعالى ربا يستلزم المعرفة بوجوده وبما يجب له وما يستحيل عليه وما يجوز في فعله والرضا بمحمد ﷺ رسولا يستلزم العلم برسالته.
وهذه الفصول علم التوحيد والرضا بالإسلام دينا التزام بجميع تكاليفه (^١). قوله: (وتسن إقامة مفردة، وتثنى تكبيرها لفرض، وإن قضاء) أي وتسن إقامة لكل مصل فرض وإن قضاء فذا كان أوفي جماعة في حال كونها مفردة الجمل أي وترها إلا التكبيرات منها فإنها تثنى.
وقال في إكمال الإكمال: وهذا عمل أهل المدينة وهو المذهب، وكذلك عند الشافعي الله إلا قد قامت الصلاة فإنه يكررها، وهو عمل أهل مكة، ووجه تشفيع الأذان دون الإقامة أن الأذان لإعلام النائمين فبولغ فيه ولذا قال العلماء: يكون الصوت فيه أرفع من الإقامة. انتهى (^٢).
قال القلشاني: لو شفع الإقامة سهوا فقال أصبغ: يجزئه والمشهور الإعادة (^٣)، وأما الأذان إذا أوتر أعيد، فإن قيل ما الفائدة في الإقامة؟ فالجواب أن الإقامة أهبة الصلاة.
وفي بعض الطرر قال أشهب من خاف فوات الوقت فليترك الإقامة.
قوله: (وصحت ولو تركت عمدا) أي وصحت الصلاة إن تركت الإقامة ولو عمدا ولكن يستغفر الله العامد فإن قيل: الاستغفار يختص بالذنوب، وترك السنة ليس بذنب حتى يستغفر الله منه جوابه أن الله يحرم العبد من التقرب إليه بالفرائض والنوافل عقوبة له على ذنبه، ويعينه على القربات بسبب طاعته له لقوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] الآية ولقوله تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى﴾ [الليل: ٥ - ٧] وهو إنما يستغفر الله من الذنب الذي من أجله منع الإستقامة.
ابن كنانة (^٤): يعيد في
_________________
(١) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٢٤٦.
(٢) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٢٣٧.
(٣) شرح الرسالة للقلشاني: ج ١، ص: ١٠٦ مخطوط.
(٤) ابن كنانة: عثمان بن عيسى ابن كنانة قال ابن شعبان يكنى أبى عمرو، وكنانة مولى عثمان بن عفان أخذ عن مالك، وهو الذي جلس في حلقة مالك بعد وفاته، مات سنة: ١٨٦ هـ، قال سحنون:
[ ١ / ٢٢٨ ]
الوقت (^١).
وقوله: ﴿وإن أقامت المرأة﴾ أي وإن أقامت لصلاتها (سرا فحسن).
قال أشهب: يكره (^٢).
وإسرار الإقامة للمنفرد حسن، لأن المقصود منه إشعار النفس بالتأهب للصلاة، ولو اختير فيه الرفع لكان أحسن، لأن الشيطان إذا سمع النداء أدبر، ومباعدة الشيطان مطلوب.
تنبيه: لا يتأول من هذا أن الأذان والإقامة أفضل من الصلاة، لهروب الشيطان منهما دون الصلاة، لأن المفضول قد يختص بما لا يختص به الفاضل ولا يقدح ذلك في الفاضل.
وقال ﷺ: «أقضاكم على (^٣) وأقرؤكم أبي (^٤) وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ (^٥) وأفرضكم زيد (^٦)
_________________
(١) = سنة: خمس بمكة وهو حاج. التعريف بالرجال المذكورون في جامع الأمهات: ص: ٢٠٤/ الترجمة: ٦٧.
(٢) شرح الرسالة للقلشاني: ج ١، ص: ١٠٦.
(٣) ورد في التوضيح: ج ١، ص: ٢٩٢، ما نصه: ولأشهب قول ثالث بالكراهة.
(٤) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو الحسن أول الناس إسلاما في قول كثير من أهل العلم ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح فتربى في حجر النبي ﷺ ولم يفارقه وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، بويع بالخلافة بعد عثمان. روى عن النبي ﷺ، وروى عنه الحسن والحسين وابن عباس وابن مسعود وغيرهم الإصابة في تمييز الصحابة: ج ٤، ص: ٥٦٤، الترجمة: ٥٦٩٢
(٥) أبي بن كعب بن قيس الأنصاري النجاري أبو المنذر وأبو الطفيل سيد القراء كان من أصحاب العقبة الثانية وشهد بدرا والمشاهد مع رسول ﷺ، قال له النبي ﷺ: إن الله أمرني: أن أقرء عليه القرآن، وعده مسروق في الستة من أصحاب الفتيا قال الواقدي هو أول من كتب للنبي ﷺ روى عنه ابن عباس وأبو هريرة وغيرهما مات سنة ٣٠ هـ، وقيل غيرها. الإصابة في تمييز الصحابة: مج ١، ص: ١٩، الترجمة: ٣٢.
(٦) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن جشم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة الثانية، وشهد بدرا وما بعدها مع رسول الله ﷺ وآخا النبي ﷺ بينه وبين عبد الله ابن مسعود، أسلم وهو في الثامنة من عمره، وفي الحديث: خذ القرآن من أربع ومنهم معاذ، روى عن النبي ﷺ، وروى عنه من الصحابة أنس وابن عمر وغيرهم. ومن التابعين جبير وغيره. مات في طاعون عمواس سنة: ١٨ هـ وقيل: سنة: ١٠ هـ والأول أصح. الإصابة في تمييز الصحابة: ج ٤، ص: ٤١٨، الترجمة: ٤٩٥٣.
(٧) زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي أبو سعيد وقيل أبو ثابت وقيل غير ذلك في كنيته =
[ ١ / ٢٢٩ ]
بن ثابت (^١).
مع كون الصديق (^٢) أفضلهم، وقد تعرض الشيطان للنبي ﷺ وهرب من عمر ﵁ ويختص الله من يشاء بما يشاء وقيل إن إبليس لعنه الله ما أرقط إلا لأربع يوم لعن ويوم أهبط إلى الأرض ويوم نزول الفاتحة ويوم ولد محمد ﷺ والخنثى المكشل يقيم كالرجل وسرا كالمرأة.
قوله: (وليقم معها أو بعدها بقدر الطاقة) أي وليقم المصلي مع الإقامة أو بعدها بقدر طاقته، وليس الضعيف كالقوي.
قال سند إذا كان المستحب اتصال الإقامة بالصلاة، فهل يبعد المؤذن من الإمام مثل الجامع الواسع ليخرج على بابه، أو يصعد إلى سطحه، فقال ابن القاسم: يفعله إذا كان بذلك يسمع من حوله وإلا فلا.
فرع ولا بأس بالكلام الخفيف بعد الإقامة ما لم يحرم الإمام، فإذا أحرم فلا يتكلم، والتثويب بدعة وضلالة والأصح فيه أنه قول المؤذن إذا أبطؤوا بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، ومعنى حي على الصلاة، حي على الفلاح، أي تعال إلى الصلاة وإلى الفلاح، وقال سفيان بن عيينة ﵀: إن من تزيين الصلاة أن لا تأتيها دبارا. انتهى.
أي بل قبل الإقامة أفضل.
_________________
(١) = يقال أنه شهد أحدا، ويقال أول مشاهده الخندق كتب الوحي للنبي ﷺ كان من علماء الصحابة روى عنه أبو هريرة وغيره مات سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين وقيل غير ذلك. الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر: ج ٢، ص: ٥٩٢، الترجمة: ٢٨٨٢.
(٢) أخرجه ابن ماجه في سنه ٠ 1 كتاب السنة، 16 ١١ - فضائل خباب الحديث: ١٥٤. ومصنف عبد الرزاق - باب أصحاب النبي ﷺ الحديث: ٢٠٣٨٧.
(٣) عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التميمي أبو بكر الصديق بن أبي قحافة خليفة رسول الله ﷺ أمه أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر ابنة عم أبيه ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر أول من أسلم من الرجال شهد المشاهد مع النبي ﷺ وصحبه في الهجرة إلى المدينة وهو أول الخلفاء الراشدين روى عن النبي ﷺ وروى عنه عمر وابن عباس وأبو هريرة وابن مسعود وغيرهم مات سنة: ١٣ هـ الإصابة: ج ٤، ص: ١٦٩، الترجمة: ٤٨٢٠.
[ ١ / ٢٣٠ ]
فصل [في شروط صحة الصلاة: طهارة الحدث والخبث]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه شروط الصلاة، ليس مما تقدم فيناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (شرط لصلاة طهارة حدث وخبث) أي شرط لكل صلاة فرضا كانت أو نفلا، طهارة من حدث صغير أو كبير، ابتداء ودواما بالماء أو بالصعيد اتفاقا، وكذلك شرط لها الطهارة من الخبث على المشهور.
الفرق بين الشرط والفرض أن الشرط خارج عن الماهية، والفرض داخل فيها، الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، ولما كانت الطهارة شرطا للصلاة، عدمت الصلاة بعدمها، ولم توجد بوجودها، فقد تصح الطهارة وتكمل، ولا تصح الصلاة. انتهى من تفسير الحدود.
قوله: (وإن رعف قبلها ودام: أخر لآخر الاختياري وصلى) أي وان رعف مريد الصلاة قبل الشروع فيها ودام عليه ذلك الرعاف، أخر صلاته إلى آخر الوقت المختار، حيث يكمل فيه صلاته قبل خروجه، فإن لم ينقطع صلى على حالته التي كان عليها، لأن المحافظة على الوقت مقدمة على طهارة الخبث.
قوله: (أو فيها وإن عيدا أو جنازة وظن دوامه له) أي وإن رعف في أثناء الصلاة، وإن كان في صلاة عيد أو جنازة، والحال أنه ظن دوام الرعاف إلى آخر المختار (أتمها)، ولا يقطعها (إن لم يلطخ فرش مسجد) وإلا قطع.
قوله: (وأوما لخوف تأنيه، أو تلطخ ثوبه) أي وحيث قلنا يتم صلاته في حال الرعاف، فإنه يومئ لركوعه قائما ولسجوده جالسا، لأجل خوف تأذي جسمه بالركوع والسجود اتفاقا، وكذلك يومئ لهما إذا خشي تلطخ ثوبه على قول، وقيل: له ذلك بلا خلاف.
قوله: (لا جسده) أي ولا يومئ لخوف تطلخ بدنه قولا واحدا، إذ لا مشقة في غسله غالبا.
قوله: (وإن لم يظن، ورشح فتله بأنامل يسراه، فإن زاد عن درهم قطع) أي وإن رعف في أثناء الصلاة، ولم يظن دوامه والحال أن الرعاف رشح ولم يسل ولم يقطر، فتله بأنامل يسراه الخمس، فإن زاد المفتول بعد انتقاله إلى الأنامل الوسطى عن درهم
[ ١ / ٢٣١ ]
بغلي قطع، جعل الدرهم هنا من حيز اليسير، وجعله في المعفوات من حيز الكثير، حيث قال: ودون درهم من دم مطلقا، تبع هناك قولا وهنا قولا، وقد يفعله.
قوله: (كأن لطخه، أو خشي تلوث مسجد) - الله أعلم أن الناسخ ترك شيئا هنا - لو قال: فإن زاد عن درهم قطع كأن سال أو قطر إن لطخه أو خشي تلوث مسجد.
قوله: (وإلا فله القطع) أي وإن لم يلطخ ولا خشي تلوث مسجد فله القطع لحصول المنافي للصلاة وهو النجس وهو قول ابن القاسم.
قوله: (وندب البناء، فيخرج ممسك أنفه ليغسل، إن لم يجاوز أقرب مكان ممكن قرب، ويستدبر قبلة بلا عذر، ويطأ نجسا، ويتكلم ولو سهوا وإن كان بجماعة. واستخلف الإمام، وفي بناء الفذ خلاف) أي وندب له البناء لعمل السلف الصالح فيخرج في حال كونه ممسكا لأنفه من أعلاه ليغسل ما خرج من الدم فلا تبطل صلاته بما فعل من المشي لأجل غسله بشرط أن لا يجاوز أقرب مكان يمكن فيه غسل الدم وأن يكون ذلك المكان قريبا، وقد يكون المكان ممكنا وليس بقريب، وأن لا يستدبر قبلة إلا لعذر، وأن لا يطأ نجسا رطبا أو يابسا ذهابا وإيابا غير أرواث الدواب وأبوالها، وأما أرواث الدواب وأبوالها فلا تبطل بوطئها صلاته، وأن لا يتكلم ولو سهوا، وهو إنما ساغ له البناء إذا كان في صلاة جماعة مأموما كان أو إماما، ويستخلف ندبا، وأما الفذ ففي بنائه خلاف، منشؤه هل رخصة البناء لحرمة الصلاة للمنع من إبطال العمل؟ أو لتحصيل فضل الجماعة وفي البناء خمسة أقوال: واجب وممنوع ومندوب ومباح، وترك البناء خير عند ابن القاسم، لحصول المنافي.
قوله: (وإذا بنى لم يعتد إلا بركعة كملت، وأتم مكانه إن ظن فراغ إمامه وأمكن) أي وإذا بنى الراعف الذي ساغ له البناء، لم يعتد في صلاته إلا بركعة كاملة بسجدتيها، ولغى ما فعل غيرها.
قال ابن مسلمة: يبني على ما عمل وهو الظاهر (^١)، فإن غسل الدم أتم صلاته حيث غسل الدم إن ظن فراغ إمامه وأحرى إن علمه، إذا كان ذلك المكان تمكن فيه الصلاة، ظاهره وإن كان إمامه في أحد المسجدين العيظيمين، وهو كذلك على المشهور.
_________________
(١) التوضيح: ج ١، ص: ٨٦.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وروى النسائي (^١) عن مالك: أنه يرجع لأحد المسجدين، مسجد مكة والمدينة، طمع بإدراك إمامه أم لا.
قوله: ﴿وإلا فالأقرب إليه﴾ أي وإن لم يمكن الإتمام حيث غسل الدم فإنه يتم في أقرب مكان إليه تمكنه فيه الصلاة فلا يتعداه، فإن تعداه بطلت صلاته، لأنه خالف ما أمر به، وإليه أشار بقوله: (وإلا بطلت).
قوله: (ورجع إن ظن بقاءه، أو شك ولو بتشهد) أي فإن غسل الدم رجع إلى مصلاه إن ظن بقاء إمامه في الصلاة أو شك فيه ولو في تشهده، أشار بلو إلى ما حكى ابن شعبان: إن لم يرج إدراك ركعة كاملة أتم مكانه (^٢).
وقوله: (وفي الجمعة مطلقا لأول الجامع) أي ويرجع إلى صلاته في الجمعة مطلقا، ظن بقاءه أم لا إلى أول الجامع بعينه لأن الجمعة لا تصح إلا في الجامع فلا يتعدى منه حيث تصح فيه الجمعة.
قوله: (وإلا بطلتا) أي وإن لم يرجع من ظن بقاء إمامه، أو لم يرجع إلى الجامع الذي رعف فيه، بطلت صلاته، لتركه ما أمر به. غفل الشارح هنا ج، وكم أجاد وأصلح.
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه (^٣)
فرع: قال اللخمي: فإن تبين له أنه أخطأ في التقدير، وأنه كان يدركه لورجع، أجزأته صلاته. وهو قول ابن القاسم في المبسوط. وإن رجى أن يدركه رجع، فإن وجده قد أتم صلاته أتم هو ولم تفسد صلاته. انتهى (^٤).
قوله: (وإن لم يتم ركعة) أي وإن لم يتم الراعف (في) صلاة (الجمعة) ركعة كاملة، (ابتدأ ظهرا بإحرام جديد) حيث شاء، إن لم يكن هناك جامع يطمع إدارك الجمعة فيه.
_________________
(١) هو أحمد بن علي بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي القاضي الحافظ شيخ الإسلام أصله من نسا بخراسان، من مؤلفاته: سنن النسائي وغيره الأعلام للزركلي: ج ١، ص: ١٧١.
(٢) التوضيح: ج ١، ص: ٨٧.
(٣) شطر بيت أوله: من ذا الذي ترضى سجاياه كلها … ليزيد بن محمد المهلبي أنظر: زهر الآداب وثمر الألباب تأليف: أبي إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني. تحقيق: أ، د: يوسف على طويل. ج ١، ص: ٦٣، ط ١: ١٩٩٧ م، دار الكتب العلمية.
(٤) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ١٥٩.
[ ١ / ٢٣٣ ]
قوله: (وسلم وانصرف إن رعف بعد سلام إمامه) أي وإن رعف في الصلاة بعد سلام إمامه، فإنه يسلم وينصرف ارتكابا لأخف الضررين، لأن سلامه حاملا للنجاسة أخف من خروجه وزيادة في صلاته.
وقال في المدونة مثله، وأخذ بعضهم من ذلك أن السلام غير فرض، كما حكى الباجي عن ابن القاسم: أن من أحدث في آخر صلاته أجزأته (^١).
ولم يرتض معظم الأشياخ هذا الأخذ. انتهى.
وارتكاب اخف الضررين قاعدة مجمع عليها.
قوله: (لا قبله) أي فإن رعف قبل سلام إمامه - وإن بعد تمام التشهد - فلا يسلم، بل يخرج ويغسل الدم ويبني كما تقدم، فيجلس ثم يسلم، هذا كله إذا لم يسلم الإمام قبل خروجه من المسجد، وأما إن سلم الإمام قبل أن يخرج هو من المسجد، فإنه يسلم بسلامه، كما لو رعف بعد سلام إمامه.
قوله: (ولا يبني بغيره كظنه فخرج فظهر نفيه) أي ولا يبني مصل في غير الرعاف من النجاسات كما لا يبني إذا ظن الرعاف فخرج ليغسل الدم فظهر له أنه غير الرعاف لأنه فرط في تحقيق ذلك.
قوله: (ومن ذرعه قيء) أي ومن غلبه قيء طاهر (لم تبطل صلاته) إذا كان قليلا ولم يرجع منه شيء بعد إمكان طرحه وأما إذا كان القيء نجسا أو كان طاهرا كثيرا أو رجع منه شيء بعد إمكان الطرح فإن صلاته تبطل.
قوله: (وإذا اجتمع بناء وقضاء لراعف أدرك الوسطيين، أو إحداهما، أو لحاضر أدرك ثانية صلاة مسافر، أو خوف بحضر) إلى قوله: (قدم البناء وجلس في آخرة الإمام، ولو لم تكن ثانيته) البناء عبارة عن ما فاته بعد الدخول مع الإمام.
والقضاء: عبارة عن ما فاته قبل دخوله معه.
لو قال الشيخ: لكرعاف ليشمل المزحوم والناعس والغافل لأن حكم هؤلاء واحد أي وإذا اجتمع بناء وقضاء لراعف أو مزحوم، أو غافل، أو ناعس، أو مشتغل أدرك الركعتين الوسطيين وفاتته الأولى قبل دخوله مع الإمام، والرابعة بعد دخوله معه، أو أدرك إحدى الوسطيين، أو اجتمع البناء والقضاء الحاضر أدرك ثانية صلاة مسافر مقصر، أو حاضر أدرك ثانية صلاة خوف مع الطائفة الأولى في حضر، فإنه
_________________
(١) التوضيح: ج ١، ص: ٣٦٧.
[ ١ / ٢٣٤ ]
يقدم البناء في الوجوه كلها عند ابن القاسم، لأنه كان مدركا وانسحب عليه حكم الإمام لم يقض ما فاته قبل الدخول معه.
وقال سحنون: يقدم القضاء، فعلى قول ابن القاسم يقرأ فيما يبني بأم القرآن وحدها لأنه مدرك سواء كان قبل البناء في ركعة أو ركعتين، لأنه إنما كان بانيا في الثالثة والرابعة أو في واحدة منهما، وإنما يفترق الجواب في الجلوس، فإذا أدرك الوسطيين وبنى، يأتي بالتي رعف فيها بأم القرآن فقط ويجلس، لأنها رابعة إمامه عند ابن القاسم، ابن حبيب: لا يجلس لأنها ثالثته.
قال اللخمي: وهو احسن وليس ذلك بموضع جلوس، وإنما كان جلوسه مع الإمام لئلا يخالفه، ابن القاسم من أدرك الثانية من الظهر يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس لأنها ثانيته، ثم ركعة بأم القرآن ويجلس لأنها رابعة إمامه، ثم ركعة القضاء بأم القرآن وسورة. انتهى من تبصرة اللخمي (^١).
قوله: أو لحاضر أدرك ثانية صلاة مسافر أي فإن أدرك الحاضر ثانية صلاة مسافر، ثم رعف فخرج لغسل الدم وبنى فإنه يقرأ بأم القرآن فقط ويجلس لأنها ثانيته وآخر صلاة إمامه، ثم يقوم فيأتي بركعة بأم القرآن، ثم يقضي الركعة التي فاتته بأم القرآن وسورة.
قوله: أو خوف بحضر أي وإن أدرك ثانية صلاة خوف في حضر وفاتته الأولى منها، فإنه يمضي مع الطايفة الأولى التي أدرك الركعة معها اتجاه العدو، فإنه يأتي بالركعتين الأخيرتين بأم القرآن فقط ثم يقضي التي فاتته قبل الدخول مع الإمام بأم القرآن وسورة جهرا إن كانت جهرية كما فاتته وكذلك كل ركعة قضاها بعد البناء. انتهى.
فصل [في ستر العورة وصفة الساتر]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه حكم ستر العورة وصفة الساتر وحد العورة وما يتعلق بذلك ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب. العورة في اللغة الخلل في الثغر وغيره، وما يتوقع منه ضرر أعور المكان إذا
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٣٦.
[ ١ / ٢٣٥ ]
صار ذا عورة، ومنه قوله تعالى: ﴿إن بيوتنا عورة﴾ [الأحزاب: ١٣] أي خالية لتوقع الفساد فيها، فلذلك سميت السوأتان عورة، لأن كشفهما يوجب خللا في حرمة مكشوفهما، والمرأة عورة لأنها يتوقع من رؤيتها أو سماع كلامها خلل في الدين والعرض وليس المراد بالعورة المستقبح فإن المرأة الجميلة تميل النفس إليها انتهى من الذخيرة (^١).
قوله: (هل ستر عورته بكثيف) سؤال من الشيخ على لسان سائل فقال: هل ستر عورة المصلي بلباس كثيف؟ الكثيف: هو ما لا يظهر فيه سطح البدن، وقيل ما يظهر فيه حرارة البدن وبرودته، لأن الساتر الشاف كالعدم.
الكثيف بثاء مثلثة الغليظ.
قال اللخمي: فستر العورة عن أعين المخلوقين فرض، وعن أعين الملائكة مستحب، واختلف في سترها في الصلاة إذا كان مخليا في بيته هل هو فرض أو سنة (^٢).
قوله: (وإن بإعارة، أو طلب، أو نجس وحده كحرير - وهو مقدم -) أي وإن كان هذا الساتر بإعارة بلا طلب منه أو بطلبه، أو باشتراء، أو إجارة، أو هبة، أو كان نجسا وحده، أو حريرا وحده، فإن اجتمعا فالحرير مقدم على النجس عند ابن القاسم، فإن وجد غيره يعيد في الوقت كما سيذكره.
قال أصبغ: يصلي بالنجس ويعيد في الوقت، وإن صلى في الحرير فلا إعادة. ووجه قول ابن القاسم أنه يلبس في الغزو إرهابا للعدو، ويلبسه النساء، ويلسبه من به حكة تداويا، ووجه تقديم النجس أنه يلبس في غير الصلاة.
واختلف فيمن لم يجد إلا ثوب حرير، فقال اشهب في كتاب محمد: يصلي عريانا أحب إلي. وقاله ابن القاسم في سماع اصبغ عنه، وهو خلاف قوله في المدونة في المسألة الأولى؛ لأنه قال: يصلي به مع وجود غيره إذا كان غيره نجسا.
وقوله الأول أحسن؛ لأنه ثوب طاهر والنهي فيه لمكان السرف، وهذا مضطر غير قاصد إلى السرف، وقد أباح النبي ﷺ لباسه لمن به حكة، وهو في ستر العورة في الصلاة أعذر. انتهى من اللخمي (^٣).
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ١٠١.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٣٦٧.
(٣) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ١٤٥ - ١٤٦.
[ ١ / ٢٣٦ ]
فرع: قال ابن قداح المالكي: إذا كان الثوب مخلوطا بالحرير، فإن كان أقل من النصف جاز لبسه، وإن كان النصف أو أكثر كره لبسه، وإن كان حريرا خالصا لم يجز لبسه، وإن كان قد صلى به فصلاته صحيحة (^١).
ولا يجوز للرجل أن يبطن ثوبه بالحرير على المشهور.
قال البرزلي: قلت: يتخرج على المغشى برصاص أو غيره.
قوله: (شرط إن ذكر وقدر) أي وهل ستر العورة واجب شرطا، أو واجب غير شرط فيه خلاف، وعلى الشرطية بطلت الصلاة لتركه، وعلى الثاني لا تبطل ولكن أثم، فإن قلنا بشرطيته، فليس من الشروط التي يلزم من عدمها العدم.
قوله: إن ذكر وقدر شرطان، وأما إن لم يذكر، أو ذكر ولم يقدر، فليس بواجب عليه أصلا، قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية.
قوله: (وإن بخلوة للصلاة؟) أي وإن كان المصلى في خلوة، إذ لا فرق بين ستر عورة المصلى في الخلوة وغيرها على المشهور، وقيل: لا يجب عليه سترها في الصلاة في بيته في الخلوة.
قوله: (خلاف) أي فيه خلاف في شرطية وجوب ستر العورة، أو واجب غير شرط.
قوله: (وهي من رجل، وأمة - وإن بشائبة - وحرة مع امرأة، ما بين سرة وركبة) شروع منه ﵀ في بيان العورة ما هي؟ فقال: هي من رجل حر، أو عبد، أو من أمة قنا، أو فيها شائبة رق كأم الولد، والمكاتبة، والمدبرة، والمعتقة إلى أجل، والمعتق بعضها، ما بين السرة والركبة، ويفهم منه أن السرة والركبة لا يدخلان، وكذلك جمع حرة مع امرأة حرة أو أمة مسلمة، عورتهما ما بين سرة وركبة، والحرة المسلمة مع الكافرة كالمسلمة مع رجل أجنبي.
قوله: (ومع أجنبي) أي وعورة الحرة مع رجل أجنبي كل بدنها (غير الوجه والكفين)، إلا أن يخشى منها الفتنة، فيكون حينئذ الوجه واليدان منها عورة.
قال صاحب اكمال الإكمال: لاخلاف أن للمرأة أن تخرج فيما تحتاج إليه من أمورها الجائزة، لكن على حال بذاذة وتستر وخشونة ملبس، والحاصل أنها تخرج على حالة لا تمتد إليها فيها الأعين.
_________________
(١) مسائل ابن قداح، المسألة: ٢٤٤.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وما أعدم الأمر اليوم لما يظهرن من الزينة والطيب والتخير من الملابس الحسان وذلك معصية ظاهرة.
وقول عمر ﵁ للنبي ﷺ: أحجب نساءك. هي مصلحة ظهرت له وأشار بها، ولم تكن تلك المصلحة خفيت عنه ﷺ لكن كان ينتظر الوحي، فلذلك لم يتابع عمر ﵁ حين إشارته، وكانت عادة العرب أن لا يحجبوا النساء لكرم أخلاق الرجال وعفة النساء غالبا، فلما لم تكن هناك ريبة تركهن ولم يمنعهن استصحابا للعادة.
وكراهة ابتداع أمر فإنه كان يحب التخفيف عن أمته، وحمل عمر شدة الأنفة من أن يطلع أحد على حرم رسول الله ﷺ حتى صرح له بقوله: أحجب نساءك فإنهن يراهن البر والفاجر.
ولم يزل ذلك عنده إلى أن نزل الحجاب وبعده فإنه كان يريد أن لا يخرجن أصلا.
ولا خلاف أنه يجب عليهن أن يسترن جميع أشخاصهن وإن كن مستترات.
وقد كن إذا خرجن لضرورة جلس النساء خلف الحجاب، وإذا خرجن لضرورة سترن أشخاصهن (^١).
قوله: (وأعادت لصدرها، وأطرافها، بوقت، ككشف أمة فخذا) أي وأعادت الحرة لأجل كشف صدرها وأطرافها بوقت الاصفرار.
الأطراف الرأس واليدان والرجلان إلى الكعبين كما تعيد الأمة صلاتها إذا صلت مكشوفة الفخذ في الوقت.
الفخذ مثلثة الخاء وذال معجمة.
وقوله: (لا رجل) أي ولا يعيد الرجل إذا صلى مكشوف الفخذ. والفخذ في الأمة أشد من الرجل.
قوله: (ومع محرم غير الوجه والأطراف، وترى من الأجنبي ما يراه من محرمه، ومن المحرم كرجل مع مثله) أي وعورة المرأة مع رجل من محارمها هي ما عدى الوجه والأطراف وهي الرأس واليدان وأعالي الصدر والقدمين، وهي ترى من الرجل الأجنبي ما يراه الرجل من محرمه وهو الأطراف والوجه، وترى من محرمها ما يراه
_________________
(١) إكمال الإكمال للآبي بتصرف وجيز: ج ٧، ص: ٣٣٦ - ٣٣٧ - ٣٣٨.
[ ١ / ٢٣٨ ]
الرجل من مثله وهو ما عدى ما بين السرة والركبة.
قوله: (ولا تطلب أمة بتغطية رأس) أي ولا تطلب أمة بتغطية رأسها في صلاة كانت الأمة علية أو وخشا هل ذلك إيجابا؟ أو استحبابا يريد إلا أن يخشى منها الفتنة، وقيل إنما ذكر عن عمر ابن الخطاب ﵁ في منع الأمة من تغطية رأسها لئلا يلحق الفساد إلى الحرائر لأن ذلك الزمان لا يمد الأشرار أيديهم إلا للإماء.
قوله: (وندب سترها بخلوة، ولأم ولد وصغيرة، ستر واجب على الحرة) أي وندب في غير الصلاة ستر العورة في الخلوة، وكذلك يندب لأم ولد أو حرة صغيرة في الصلاة ستر ما هو واجب ستره على الحرة البالغة. الستر بفتح السين مصدر وبكسرها اسم لما يستتر به.
قوله: (وأعادت إن راهقت للاصفرار) أي وأعادت الحرة الصغيرة إن راهقت البلوغ إن تركت ستر ما وجب على الحرة ستره من القناع، ما دام الوقت ممتدا إلى الاصفرار وفي العشاءين من الليل كله.
قوله: (ككبيرة إن ترك القناع) تشبيه أي كما تعيد الكبيرة ما دام الوقت ممتدا إلى الاصفرار إن تركت القناع ظاهره وإن كانت عامدة. قاله أصبغ. خالف الشيخ هنا قاعدته الأكثرية، أن الشرط إنما يرجع إلى ما بعد الكاف. القناع اسم لما تتقنع به المرأة.
قوله: (كمصل بحرير، وإن انفرد، أو بنجس) أي كما يعيد المصلي بحرير وإن انفرد ما دام الوقت إلى الاصفرار. ابن حبيب: يعيد أبدا، وكذلك يعيد في الوقت إذا صلى بنجس ما دام الوقت.
وقوله: (بغير أو بوجود مطهر، وإن ظن عدم صلاته وصلى بطاهر) راجع إليهما أي فإن وجد غير الحرير وغير النجس أو بوجود مطهر للنجس فإنه يعيد في الوقت، وإن كان حين صلى بهما ظانا أنه لم يصل فصلى بطاهر أو غير حرير ثم ذكر أنه صلى بهما فإنه يعيد في الوقت لأن الإعادة تفتقر إلى نية وهو لم ينوها.
فائدة: المعيدون في الوقت ثلاثون: عشرة للاصفرار وعشرة للغروب وعشرة لآخر المختار.
قال ابن غازي: وقد نظمت أصولها في ثلاثة أبيات فقلت (^١):
_________________
(١) الأبيات لابن غازي انظر: شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ١٧١ - ١٧٢.
[ ١ / ٢٣٩ ]
لوقت للاصفرار في المدونة … طهران ليس قبلة مبينة
ومطلق العذر إلى الغروب … كالعجز عن طهر وكالترتيب
ولاختيار مقتد بمبتدع … ومطلق المسح ففصل تطلع
قوله: (لا عاجز صلى عريانا) أي لا يعيد العاجز عن الساتر صلى عريان لأن العاجز انقطع رجاؤه.
قوله: (كفائتة) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يعيد من صلى فائتة بحرير أو نجس لأن بالفراغ منها خرج وقتها.
قوله: (وكره محدد، لا بريح) أي وكره ساتر محدد لصورة العورة وتظهر منه حدوده، يعني تحديدا بغير ريح لا إن حددتها الريح فإنه لا يضر.
قوله: (وانتقاب امرأة) أي وكذلك يكره انتقاب المرأة في الصلاة لأنه غلو في الدين قال تعالى: ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ [المائدة: ٧٧]، والرجل أحرى من المرأة إذ هو في الرجل من الكبر وفي المرأة ثلاث لغات امرأة مرأة مرة.
قوله: (ككف كل وشعر لصلاة، وتلثم) أي كما يكره لمن أراد أن يصلي أن يكفت أكمامه أو شعره لئلا يناله التراب لأن الصلاة بنيت على الخشوع والخضوع والتضرع، وكذلك يكره له التلثم في الصلاة. التلثم ستر الفم فقط، والتنقب ستر الأنف إنما يكره له ذلك إذا فعله لأجل الصلاة وأما إذا كان ذلك عادته أو فعله لأجل عمل فلا يكره أن يصلي كذلك وكذلك إذا كان لباسه عدته أنه يضم شعره فلا بأس.
تنبيه: لو قدم الشيخ لفظ وتلثم عن قوله للصلاة لأنه من المكروهات لأجل الصلاة انتهى.
ابن عرفة في مختصره: لا بأس أن تصلي المرأة بلا مرط ولا قلادة إنما يفتي بهذا العجائز.
فقال ابن رشد: أكره صلاتها دون قلادة.
ابن سرن (^١): للتشبه بالرجال.
_________________
(١) محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء أبو بكر ولد بالبصرة سنة: ٣٣ هـ. اشتهر بالورع وتعبير الرؤيا نسب له كتاب تعبير الرؤيا ومنتخب الكلام في تفسير الأحلام، مات سنة: ١١٠ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٦، ص: ١٥٤.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وأفتى أنس بن مالك (^١): لا تصلي امرأة إلا بقلادة في عنقها وإن لم تجد إلا سيرا. انتهى (^٢).
قوله: (ككشف مشتر صدرا أو سافا) صوابه سادلا أي كما يكره كشف سادل طرفي ثوبه على منكبيه، ويكشف صدره وفي وسطه ميزر أو سراويل ولكن صلاته تامة لأنه مستور العورة. قاله ابن ناجي (^٣).
وفي بعض النسخ ككشف مشتر صدرا أو ساقا، وفي بعضها ككشف صدر أو ساق، وفي بعضها ككشف مشتر صدرا أو ساقا أي وكذلك يكره لمريد شراء أمة أن يكشف عن صدرها أو ساقها لينظر إليه وعلى هذه النسخة، فالمسألة غريبة مقحمة هنا والله أعلم.
قوله: (وصماء بستر، وإلا منعت) أي ومما يكره اشتمال الصماء مع ستر وأما إذا كانت بغير ساتر فإنها تمنع.
المواق: قال ابن عرفة يكره اشتمال الصماء أن يشتمل بثوب يلقيه على منكبيه مخرجا يده اليسرى من تحته ولا إزار عليه، وكرهه مالك وابن القاسم مع الأزار، وكان مالك يقول بجوازها مع الإزار وارتضاه ابن رشد. انته (^٤).
وفي إكمال الإكمال: قال عياض: فسر اللغويون الصماء أن يجلل جسده بالثوب ولا يبقي فيه فرجة يخرج منها يده وسميت بذلك؛ لأنه سد المنافذ كالصخرة الصماء التي لا خرق فيها وفسرها الفقهاء أن يشتمل بثوب ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جوانبه على كتفه، فعلة النهي على الأول خوف أن يرفع فيها إلى حالة يداخله فيها بعض الهوام المهلكة فلا يمكنه نقضه عنه، وعلته على الثاني ما فيه من كشف العورة. انتهى (^٥).
_________________
(١) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم أبو حمزة الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله ﷺ وأحد المكثرين من الرواية عنه صح عنه أنه قال: قدم النبي ﷺ المدينة وأنا بن عشر سنين وأن أمه أم سليم أتت به النبي ﷺ لما قدم فقالت له هذا أنس غلام يخدمك فقبله وأن النبي ﷺ كناه أبا حمزة شهد المشاهد مع النبي ﷺ وروى عنه. ومات سنة: ٩٣ هـ. الإصابة: ج ١، ص: ١٢٦، الترجمة: ٢٧٧.
(٢) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ١، ص: ٢٥٦.
(٣) شرح الرسالة لابن ناجي: ج ١، ص: ٩٨.
(٤) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٥٤٥.
(٥) إكمال الإكمال للآبي: ج ٧، ص: ٢٤٦.
[ ١ / ٢٤١ ]
قوله: (كاحتباء لا سترمعه) أي كما منع الاحتباء التي لاستر معها وأما بستر فلا تمنع وصفة الاحتباء أن يدير الجالس ظهره وركبتيه إلى صدره بثوبه معتمدا عليه انتهى.
وأما التوشيح قال البوني (^١) في شرح الموطأ هو أن يلتحف بثوب ويخالف بين طرفيه ويعقده في عنقه.
قوله: (وعصي وصح إن لبس حريرا، أوذهبا، أو سرق) أي وعصى المصلي ربه إن لبس في صلاته حريرا أو ذهبا أو فضة غير خاتم سنة أو تلبس فيها بمحرم كالسرقة أو نظر نظرا محرما فيها ولكن صلاته صحيحة لا تعاد، وقد تكمل الصلاة ولا يثاب عليها.
وفي اكمال الإكمال: قال النووي: (^٢) لا يحتاج إلى تأويل لأنه إنما نفى القبول، ويصح في عمل المسلم أن يكون صحيحا غير متقبل كالصلاة في الدار المغصوبة، هي صحيحة أي مسقطة للقضاء غير متقبلة إلاذلا ثواب لها على الصحيح، وما قاله ظاهر لاشك في حسنه (^٣).
قوله: (أو نظر محرما فيها) ظاهره ولو كان عورة إمامه أو عورة نفسه.
ابن عرفة من نظر إلى عورة إمامه أو عورة نفسه بطلت صلاته، وقيل لا تبطل ما لم يشغله ذلك أو يتلذذ به. انتهى (^٤).
وأما النظر إلى عورة نفسه في غير الصلاة فغاية ما ذكر أبو عبد الله بن الحاج في المدخل من آداب الأحداث أن لا ينظر إلى عورته ولا إلى الخارج منها إلا لضرورة.
_________________
(١) أبو عبد الله مروان بن محمد الأسدي المالكي من أهل قرطبة، روى عن عبد الرحمن بن فطيس وغيره وروى عنه حاتم بن محمد وغيره. مات بونة قبل سنة: ٤٤٠ هـ. من آثاره كتاب كبير شرح فيه الموطأ. معجم كحالة: ج ١، ص: ١٧٠. شجرة النور الزكية ج ١، ص: ١٧٠، الترجمة: ٣٤٩.
(٢) هو عثمان بن عبد الرحمن صلاح الدين ابن عثمان بن موسى الشهرزوري الكردي الشرخاني أبو عمر تقي الدين المعروف بابن الصلاح، ولد في شرخان سنة: ٥٧٧ هـ. ولي التدريس في الصالحية، ومات سنة: ٦٤٣ هـ. من مؤلفاته معرفة أنواع الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح وغيره. الأعلام للزركلي: ج ٤، ص: ٢٠٧.
(٣) إكمال الإكمال للآبي: ج ١، ص: ٢٩٦.
(٤) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ١٧٤.
[ ١ / ٢٤٢ ]
انتهى (^١).
وقال في اكمال الإكمال واختلف في علة النهي عن لبس الحرير.
قال الأبهري: لئلا يتشبه بالنساء، وقال غيره: لما فيه من الخيلا (^٢).
المازري كره مالك لباس الملاحف المعصفرة في المحافل والخروج إلى السوق، لما فيه من الشهرة وأجازه في البيوت وأفنية الدور.
عياض: أجاز لباسه جماعة من السلف والفقهاء والشافعي وأهل الكوفة.
وقال مالك: لا أعلمه حراما وغيره أحب إلي واختلف فيه عن ابن عمر، وكره بعضهم جميع ألوان الحمرة (^٣).
قوله: (وإن لم يجد إلا سترا لأحد فرجيه فثالثها يخير أي وإن لم يجد من يريد الصلاة إلا سترا لأحد فرجيه ففيه ثلاثة أقوال:
يستر القبل لأنه مكشوف في حال القيام قاله الكافي (^٤).
وقيل: يستر الدبر لأنه يكشف عند الركوع والسجود. قاله الطرطوشي (^٥).
وثالث الأقوال يخير في ستر أيهما شاء وهو الذي اختاره المصنف، وهذا كله في موضع لا حائط فيه ونحوه، فأما إن كان هناك حائط أونحوه خلفه ستر القبل، وإن كان بين يديه سترا ستر الدبر، ويستر الواجد للحشيش به، أو الطين فليلطخ به عورته، ويستتر بالثوب النجس اتفاقا، وأما نجس العين كجلد الكلب والخنزير فظاهر المذهب أنه كذلك وعلى قول عبد الملك بعدم الانتفاع بالنجاسة لا يستتر به. انتهى.
وإنما يستتر بالنجس لأن في العري هتك حرمتين الستر عن الأبصار وحرمة
_________________
(١) المدخل لابن الحاج: ج ١، ص: ٢٨.
(٢) إكمال الإكمال للآبي: ج ٧، ص: ٢١٠ - ٢١١.
(٣) إكمال الإكمال: ج ٧، ص: ٢٢٥.
(٤) ذكر ابن عبد البر في الكافي ما نصه: وإن وجد عريان ما يواري به أحد فرجيه وارى قبله. الكافي في فقه أهل المدينة المالكي تأليف: أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري القرطبي: ص: ٦٤، ط ٣: ٢٠٠٢، دار الكتب العلمية.
(٥) محمد بن الوليد الطرطوشي القرشي الفهري، يعرف بابن أبي رندة وكنيته أبو بكر، صحب القاضي أبا الوليد الباجي وأخذ نه وأجازه، وتفقه على الجرجاني والتستري، من مؤلفاته: كتاب في مسائل الخلاف وكتاب البدع وغيرها. كان مولده سنة: ٤٥١ هـ تقريبا ومات سنة: ٥٢٠ هـ. سير أعلام النبلاء للذهبي: ج ١٩، ص: ٤٩٠، الترجمة: ٢٨٥.
[ ١ / ٢٤٣ ]
الستر للصلاة.
قوله: (ومن عجز صلى عريانا، فإن اجتمعوا بظلام فكالمستورين) أي وإن عجز مريد الصلاة عن كل ساتر ولو حشيشا أو طينا صلى عريانا إذ لا تترك الصلاة بذلك إذ خطرها عظيم في الشرع فسبب ذلك إن اجتمع العراة في ظلام فهم كالمستورين يركعون ويسجدون.
قال القرافي في ذخيرته: النصوص الدالة على وجوب الركوع والسجود وأنها أركان متفق عليها والسترة شرط مختلف فيه، والأركان مقدمة على الشروط، والمجمع عليه مقدم على المختلف فيه.
قاعدة الوسائل أبدا أخفض رتبة من المقاصد إجماعا فمتى تعارضا تقدم المقاصد عن الوسائل ولذلك قدمنا الركوع والسجود اللذين هما مقصدان على الستر التي هي وسيلة ولو اجتمعوا نهارا (^١).
قوله: (وإلا تفرقوا، فإن لم يمكن صلوا قياما غالين إمامهم وسطهم) أي وإن لم يكونوا بظلام تفرقوا في الأمكنة فإن لم يمكن لهم التفرق لخوف أو ضيق مكان صلوا قياما غاضين أبصارهم وإمامهم وسطهم لا بين أيديهم، وإن كان معهم نساء صلين جانبا ويتوارين عن الرجال فيصلون جلوسا.
قوله: (وإن علمت في صلاة بعتق مكشوفة رأس، أو وجد عريان ثوبا استترا إن قرب، وإلا أعادا بوقت) أي فإن علمت الأمة في الصلاة بعتقها وهي مكشوفة الرأس سواء حصل العتق في الصلاة أو قبلها أو وجد عريان في الصلاة ثوبا استترا ويبنيان على ما تقدم من صلاتهما إن قرب الستر وإلا أي وإن لم يكن قريبا أعادا بوقت يحتمل أنهما تماديا في صلاتهما ويحتمل القطع وإن لم يقطعا أعادا بوقت، هكذا قرره بعضهم.
وقال صاحب مغني النبيل: وإلا أي وإن لم يكن الساتر قريبا بل بعد قطعا وإن لم يقطعا أعادا بوقت.
وقال في إكمال الإكمال: قال أصبغ: تبطل صلاتها وظاهر قول ابن القاسم أنها لا تبطل فتتمادى لكن إن أمكنها ما تستتر به بالقرب تستتر به أو وجدت من يناوله إياها تعين عليها وهو قول أكثر أصحابنا. انتهى (^٢).
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ١٠٧.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٤٢٠.
[ ١ / ٢٤٤ ]
قوله: (وإن كان لعراة ثوب صلوا أفذاذا، ولأحدهم ندب له إعارتهم) أي وإن كان لجماعة عراة ثوب واحد صلوا أفذاذا به إن اتسع الوقت.
وإن ضاق الوقت أو تنازعوا في الابتداء لأجل فضل الوقت اقترعوا في أيهم يبدأ بالصلاة به، وإن كان الثوب لأحدهم ندب له أن يعيرهم إياه ليصلوا به.
وقد ورد الحديث بوجوب المواساة فيما يكون من أمور الدنيا فهو فيما يتعلق بالدين أولى، فإن لم يجد مالك الثوب ما يستر به عورته لم يجز أن يتعرى منه. قاله اللخمي (^١).
فصل [في استقبال القبلة وما يتعلق به]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه حكم استقبال القبلة وما يتعلق به ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب وهي آخر شروط الصلاة، الفرق بين الشرط والفرض أن الشرط خارج عن الماهية والفرض داخل فيها.
قوله: (ومع الأمن استقبال عين الكعبة لمن بمكة، فإن شق ففي الاجتهاد نظر) هو معطوف على قوله شرط لصلاة طهارة حدث وخبث أي وشرط للصلاة مع الأمن والإمكان استقبال عين الكعبة أي ذاتها وسمتها لمن في مكة زادها الله تعالى تشريفا بأن يستقبل شيئا منها بوجهه يقينا لا اجتهادا لأن من بمكة لا يشق عليه ذلك فيجب عليه استقبالها كان بينه وبنيها حاجز أم لا، فإن شق عليه ذلك الإستقبال بالعين وهو بمكة كمريض أو شيخ بأن لا يجد من يستقبل به عينها، ففي جواز اجتهاده فيها ومنعه نظر للتردد بين نفي الحرج في الدين لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] وإمكان اليقين لاستقبالها. انتهى.
ومن بالمدينة المشرفة يستدل بمحراب النبي ﷺ لأنه قطعي والقدرة على اليقين بمصادفتها تمنع من الاجتهاد وعلى الاجتهاد تمنع من التقليد. انتهى.
ومن منعه عذر من الاستقبال انتظر زواله كانتظار الماء في التيمم.
قوله: (وإلا فالأظهر جهتها) أي فإن لم يكن بمكة بل بغيرها من غير المدينة شرفها الله وغير مسجد عمرو بن العاص ﵁ فالأظهر عند ابن رشد استقبال الجهة
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٦٣٢. بتصرف.
[ ١ / ٢٤٥ ]
واقتصر عليه في مقدماته ولا اعتراض على الشيخ. القبلة خمسة أقسام قبلة عيان كمن بمكة، وقبلة وحي وهي قبلة مسجد النبي ﷺ، وقبلة إجماع كمسجد عمرو بن العاص، وقبلة مسجد النبي ﷺ من البيت للميزاب فمن أخطأ القبلة في هذه الثلاثة أعاد أبدا، وقبلة اجتهاد، وقبلة تقليد.
ابن شاس: ومن بالمدينة ينزل محراب النبي ﷺ في حقه بمنزلة الكعبة وليس له الاجتهاد في التيامن والتياسر. انتهى (^١).
والذي بعد عن مكة لا يقول أحد أن الله تعالى أو جب عليه استقبال عين الكعبة ومعاينتها لأن ذلك تكليف مالا يطاق بل الواجب عليه أن يبذل جهده في تعيين جهة يغلب على ظنه أن الكعبة وراءها، وإذا غلب على ظنه بعد بذل الجهد في الأدلة الدالة على الكعبة أنها وراء الجهة التي عينتها أدلته وجب عليه استقبالها اجماعا فصارت الجهة مجمعا عليها، والسمت الذي هي العين مجمع على عدم التكليف به. انتهى.
وقوله: (اجتهادا) هو حال عند الشارح وتمييز عند البساطي (^٢).
قوله: (كأن نقضت) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يستقبل جهة الكعبة إذا نقضت عن مكانها والعياذ بالله، لأن النبي ﷺ قال: «يخرب الكعبة ذو السويقين من الحبشة» (^٣) السويقين تصغير ساقين وصغرهما لرقتهما وهي صفة سوق السودان غالبا، وقد وصفه في قوله الآخر: «كأني به أسود أفحج» (^٤)، والفحج بعد ما بين أوساط الساقين. وتخريبها ليس معارضا لقوله تعالى: ﴿حرما آمنا﴾ [العنكبوت: ٦٧] لأن معناه آمنا إلى قرب قيام الساعة أو أنه مخصص للآية أي آمنا إلا ما قدر الله من أمر ذي السويقين. انتهى من إكمال الإكمال (^٥).
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٩٥.
(٢) فتح الجليل: ج ١، ص: ١٢٨ مخطوط.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٢) كتاب الحج (٤٦) - باب قول الله تعالى ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس﴾ الآية … الحديث ١٥١٤ - ١٥٩١ - ١٥٩٦ وأخرجه مسلم في صحيحه (٥٢) كتاب الفتن (١٨) - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء الحديث: ٢٩٠٩.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٢) كتاب الحج. (٤٨) باب هدم الكعبة، الحديث: ١٥١٨.
(٥) إكمال الإكمال: ج ٩، ص: ٣٦٠.
[ ١ / ٢٤٦ ]
قوله: (وبطلت إن خالفها) أي وبطلت صلاة من خالف عمدا الجهة التي أدى إليها اجتهاده (وإن صادف) القبلة.
قال اللخمي في تبصرته واختلف في الجاهل والناسي والمجتهد يخطئ، فقال عبد الملك ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب تجزيه صلاته ويعيد في الوقت، وخالفه ابن حبيب في الجاهل خاصة وقال: لا تجزيه الصلاة ويعيد وإن ذهب الوقت لأنه عنده كالعامد (^١).
قوله: (وصوب سفر قصر لراكب دابة فقط، وإن بمحمل بدل في نفل، وإن وترا وإن سهل الابتداء لها) أي وجهة سفر قصر لا دونه كاف ولو سهل الابتداء إلى القبلة لراكب دابة فقط في نفل وإن وترا.
القاعدة الوسائل أبدا اخفض رتبة من المقاصد إجماعا فمهما تعارضا تقدم المقاصد على الوسائل، وأقام الشرع جهة السفر بدلا من جهة القبلة في حق المتنفل لأن تحصيل مقاصد الصلاة أولى من رعاية شرط من شروطها، ولو منع التنفل في الأسفار لغير القبلة لامتنع الأبرار من الأسفار حرصا على النوافل (^٢).
واحترز بقوله قصر من سفر دون القصر وبقوله لراكب من الماشي وإن كان الراكب على محمل وخصه بالذكر إذ قد يتوهم أن المحمل كالسفينة، والمحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية مركب النساء وبكسر الميم الأولى وفتح الثانية علاقة السيف واحترز بالدابة من السفينة وفي ألفاظ الشيخ تقديم وتأخير.
قوله: (لا سفينة) وهو مفهوم قوله: لراكب دابة تارة يستغني بالمفهوم وتارة لا يستغني به لعله يرتب عليه ما بعده من قوله: (فيدور معها إن أمكن، وهل إن أومأ، أو مطلقا؟ تأويلان) أي فبسبب ما قلنا فيدور راكب السفينة للقبلة إن أمكن الدوران وإلا فلا، وهل المنع إذا كان يومئ وأما إن كان يركع ويسجد فكالدابة أو يمنع مطلقا يركع ويسجد أم لا فيه تأويلات لابن البناء (^٣) وابن أبي زيد.
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٧٨.
(٢) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ١٠٧ - ١٢٢.
(٣) أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي العدوي المراكشي المعروف بابن البناء، أخذ عن القلانسي وتفقه على أبي بكر الزناتي وغيرهما وأخذ عنه ابن الحاج والبجائي وغيرهما. من مصنفاته: منتهى السول في علم الأصول وغيره، كان مولده سنة: ٦٥٤ هـ وقيل غيرها. معجم كحالة: ج ٢، ص: ١٢٦. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣١٠، الترجمة: ٧٩١.
[ ١ / ٢٤٧ ]
قوله: (ولا يقلد مجتهد غيره، ولا محرابا، إلا لمصر وإن أعمى وسأل عن الأدلة) أي من المجتهدين لأن قدرته على الاجتهاد مانعة من ذلك إذ التقليد فرع عن الاجتهاد، والقدرة على الاجتهاد تمنع من التقليد، وكذلك لا يقلد المجتهد محرابا إلا أن يكون لمصر كبير وإن كان ذلك المجتهد أعمى ولكن يسأل العدل العارف عن الأدلة.
قوله: (وقلد غيره مكلفا، عارفا، أو محرابا، فإن لم يجد، أو تحير مجتهد تخير، ولو صلى أربعا لحسن واختير) أي وقلد غير المجتهد المكلف العدل العارف أو محرابا معتبرا فإن لم يجد من يقلده أو كان مجتهدا أو تحير لأجل الغيم وشبهه تخير جهة يصلي إليها ولو صلى أربعا صلوات لأربع جهات لحسن واختير أي واختاره اللخمي في نفسه وهذا بخلاف ما تقدم في قوله: وإن نسي إحدى الخمس تيمم خمسا، لأن هناك لابد أن يصيب بخلاف ما هنا إذ لا يتحقق الإصابة للقبلة.
قوله: (وإن تبين خطأ بصلاة) أي وإن تبين للمصلي في أثناء الصلاة أنه أخطأ القبلة (قطع غير أعمى، ومنحرف) عنها (يسيرا، فيستقبلانها) حينئذ. الخطأ نقيض الصواب، وأما إن شك فلا يقطع.
قوله: (وبعدها أعاد في الوقت المختار) أي وإن تبين له بعد أن صلى أنه أخطأ القبلة فيها أعادها في الوقت المختار وانظر قوله في الوقت المختار مع ما في المدونة من أن الإعادة إلى الإصفرار.
وقال في تقريب الفلاح وهو بخلاف ذي العذر فإن وقت ذي العذر باق ما لم تغرب الشمس، والفرق بينهما أن ذا العذر يصلي فرضه وإعادة هذا مستحبة فتمنع في الإصفرار كسائر النوافل.
قوله: (وهل يعيد الناسي أبدا؟) أي وهل يعيد الناسي للإستقبال أبدا أو إنما يعيد في الوقت فيه (خلاف).
قوله: (وجازت سنة فيها، وفي الحجر لأي جهة) أي وجازت صلاة سنة في وسط الكعبة والحجر لأنه من البيت، وهذا خلاف ما في المدونة أنه لا يصلى فيها الوتر ولا ركعتي الفجر، والله أعلم أنه وهم من الشيخ ﵀.
قوله: (لا فرض فيعاد في الوقت) أي لا تجوز صلاة فرض في داخل الكعبة لأنه يستدبر بعض القبلة فإن وقع ونزل يعيدها في الوقت إلى الإصفرار.
[ ١ / ٢٤٨ ]
قوله: (وأول بالنسيان وبالإطلاق) أي وأول ما وقع في المدونة من الإعادة في الوقت بالنسيان وأما العامد فإنه يعيد أبدا وأول أيضا بالإطلاق عمدا كان أو سهوا. انتهى.
وأما الجاهل بوجوب استقبال القبلة فإنه يعيد أبدا اتفاقا لأنه لا يعذر بالجهل في مثل هذا.
قوله: (وبطل فرض على ظهرها) أي وبطلت صلاة فرض على ظهر الكعبة لعدم تحقق الاستقبال، وهل يزول ذلك النهي إذا كان شيء من بنيانها بين يديه أم لا فإذا منعت الصلاة على ظهرها وأحرى الصلاة تحتها في مطمورة وهل يمنع النفل على ظهرها كالفرض أم لا قولان.
قوله: (كالراكب، إلا لالتحام أو خوف من كسبع، وإن لغيرها. وإن أمن أعاد الخائف بوقت) أي كما تبطل صلاة فرض لراكب على دابة إلا لعذر وذلك كالالتحام وهو شدة الحرب، التحم الحرب إذا اشتد أو لأجل خوف من كسبع أو لصوص فإنه يصليها كيف ما أمكن له وإن لغير القبلة، وإن أمن الخائف من سبع أو لصوص أعاد في الوقت لأن السبع لا يعقل واللص الغالب عليه أنه إنما يطلب المال ولهذا لا يعيد الخائف من عدوه الكفار لأنهم يقاتلون على دينهم ولأنهم يطلبون النفوس، هذا هو الفرق بين اللصوص وعدو الكفار.
قوله: (وإلا لخضخاض لا يطيق النزول به، أو لمرض) معطوف على قوله: إلا لالتحام أي وتبطل صلاة راكب إلا إذا كان في خضخاض من الطين ولا يطيق النزول به لأجل مرض به أو خوف على نفس أو تلطخ ثوبه فإنه يصلي راكبا مستقبلا للقبلة وإليه أشار بقوله: (ويؤديها عليها كالأرض فلها) أي فللقبلة.
وقوله: (وفيها) أي وفي المدونة (كراهة) الفرع (الأخير) أتى الشيخ به استشكالا.
[ ١ / ٢٤٩ ]
فصل [في فرائض الصلاة وسننها ومندوباتها ومكروهاتها]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه فرائض الصلاة وسننها وفضائلها وما جاز فيها وما يكره فيها ليس مما تقدم فنا سب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قال القرافي في أنوار البروق ويدل على شرف الصلاة من حيث أنها لم تفرض إلا بالمحل الأعلى والتكليف إذا بلغ وجبت ثلاث عبادات اعتقاد الوجوب، والعزم على الفعل، والامتثال، وفي الحديث: «إن المصلي ليصلي الصلاة وماله نصفها وربعها إلى العشر» (^١) فهي خمس في حق من كتب له عشرها، وعشر في حق من كتب له أكثر من ذلك، وخمسون في حق من أداها مستوفاة الخشوع والأركان. انتهى.
اعلم أن الصلاة تبرء منها الذمة ويسقط قضاؤها ولم تقبل. انتهى.
قال تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: ٢٧] ومن أتى بالصلاة كما هي ولكن لم يميز بين الفرض والسنة برئت ذمته منها لأن جبريل ﵇ لما صلى بالنبي ﷺ الصلاة كاملة بجميع فرائضها وسننها وفضائلها، وقد ثبت أنه ﷺ قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (^٢) فلم يأمرهم بسوى فعل ما رأو وإنما يحتاج لتبيين فرائضها وسننها وفضائلها وقد ثبت لأجل خوف الإخلال وما يجزئ سجود السهو له وما لا يجزي. انتهى.
قوله: (فرائض الصلاة) أي للصلاة خمسة عشر فرضا أولها (تكبيرة الإحرام) لقوله ﵇: «الطهور مفتاح الصلاة وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (^٣)، الإحرام.
_________________
(١) أخرج الدارمي في سننه (٢) - كتاب الصلاة. (١٢٦) - باب ما جاء في نقصان الصلاة. الحديث: ٧٨٥. ما نصه: عن عمار بن ياسر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها».
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٤٤٣ - باب من سها فترك ركنا عاد إلى ما ترك الحديث: ٤٠٢٢ والشافعي في مسنده من كتاب الإمامة الحديث: ٢٢٨ وأخرجه البخاري في صحيحه (١٤) - كتاب الأذان (١٨) - باب الأذان للمسافر الحديث: ٦٠٥.
(٣) أخرجه سليمان بن أحمد الطبراني في مسند الشاميين عبد العزيز عن أبي نضرة المنذر بن مالك العبدي الحديث: ١٣٦٠.
[ ١ / ٢٥٠ ]
أن يدخل في حرمة الصلاة ويترك ما ينافيها.
قال صاحب إكمال الإكمال: قلت: الإحرام النية، فمعنى تكبيرة الإحرام التكبيرة المقارنة للنية، والذي يجب أن ينويه الداخل في الصلاة هو التقرب إلى الله ﷺ بأداء ما افترض عليه من الصلاة التي يعينها الوقت (^١).
قوله: (وقيام لها) هذا هو الفرض الثاني أي ومن فروض الصلاة القيام لأجل تكبيرة الإحرام فلا يكبر لها وهو قاعد.
وقوله: (إلا لمسبوق فتأويلان) أي والقيام لأجل تكبيرة الإحرام فرض إلا أن يكون مسبوقا مدركا يجد الإمام راكعا فيحرم هاويا للركوع ناويا بها الإحرام ففي فرض القيام لها وعدم فرضيته عليه تأويلان على المدونة.
الباجي وابن بشير: لا يجب وهو ظاهر المدونة، وقيل يجب فإن أحرم راكعا لا تصح له تلك الركعة، وتأولت المدونة عليه أيضا، وصرح عياض بمشهوريته وإليه ذهب ابن المواز. انتهى (^٢).
لو قال الشيخ: ولو لمسبوق وينبغي له أن يسبق المشهور.
قوله: (وإنما يجزئ «الله أكبر») أي وإنما يجزئ في الإحرام لفظة الله أكبر لا غيره، اتفق أهل المذهب أن غير الله أكبر لا يجزئ ولو كان اللفظ مجانسا كالله الأكبر أو الله الأجل أو أعظم، ولا يجوز مد الباء حتى يصير أكبار لأن ذلك كفر.
الكبار: طبل.
ولو أسقط حرفا واحدا في لفظة الله أكبر لم يجزه، وأما قول العامة الله وأكبر فله مدخل في الجواز لأن الهمزة إذا وليت ضمة جاز أن تقلب واوا. انتهى.
قال في إكمال الإكمال: أبو حنيفة ﷺ يجزيه الدخول في الصلاة بكل لفظ يشعر بتعظيم الله ﷺ وأجازه الشافعي بلفظ الله الأكبر ومالك ﷺ لا يجزئ إلا الله أكبر لأنه المسموع المعروف في عرف الشرع واللغة.
قلت: واختلف في أكبر فقيل إنه بمعنى كبير، وقيل على بابه والمعنى أكبر من أن يدرك كنه عظمته.
عياض: قال بعض المتكلمين وحكمة ابتداء الصلاة بالتكبير أنه حمد الله على
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص ٢٥٥.
(٢) الشرح الصغير للشيخ بهرام ج ١، ص ١٨.
[ ١ / ٢٥١ ]
الهداية للتوحيد والعبادة وامتثال لما أمر به وحض عليه في قوله تعالى: ﴿لتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥] ثم طابق ذلك أول ما يستفتح به في قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]. انتهى (^١).
قوله: (فإن عجز سقط) أي فإن عجز عن التلفظ بالتكبير بأن كان أبكم أو لم يعلم لغة العرب سقطت عنه فرضيته ولا يجب التعويض.
قوله: (ونية الصلاة المعينة) هذا هو الفرض الثالث أي ومن فروض الصلاة نية الصلاة المعينة، والنية في اللغة القصد، وفي الشرع قصد المكلف الشيء المأمور به بأن يقصد بقلبه الدخول في الصلاة المعينة ويكون قصده مقارنا بالإحرام فالنية لا تحتاج إلى نية لئلا يلزم التسلسل ولا حاجة به بل صورة النية كافية في تحصيل مصلحتها لأن مصلحتها التمييز وهو حاصل بها قصد ذلك أو لم يقصده.
قلت: الأولى أن يقال هو من القسم الذي لا تصلح فيه النية كالنظر الأول في إثبات الصانع. انتهى من البقوري.
ابن الماجشون كل فرض معين لا يفتقر إلى نية قاعدة حكيمة.
قوله: (ولفظه واسع وإن تخالفا فالعقد) أي ولفظ المصلى الدال على الصلاة المعينة واسع فلا بأس به وإن تخالف لفظه وعقده فالمعتبر العقد إن صح فصحيح وإلا فلا.
قوله: (والرفض مبطل كسلام أو ظنه فأتم بنفل إن طالت، أو ركع) أي ورفض نية الصلاة مبطل لها ظاهره ولو بعد السلام منها واستشكل لأن رفع الواقع محال والرفض للنية مبطل للصلاة والصوم بخلاف الوضوء والحج قيل أن الفرق أن الصلاة والصيام الأجزاء فيهما متصلة بخلاف الوضوء والحجج.
قوله: كسلام أو ظنه تشبيه لإفادة الحكم يعني أن من سلم من صلاته ظانا إتمامها أو لم يسلم منها ولكن ظن أنه سلم منها فأتم الصلاة في الصورتين بنية نفل فقط فإن صلاته تبطل إن طالت القراءة وإن لم يركع أو عقد ركوعا وإن لم يطل القراءة.
قوله: (، وإلا فلا) وإن لم يطل القراءة ولا ركع فلا تبطل صلاته.
قوله: (كأن لم يظنه، أو عزبت) أي كما لا تبطل صلاته إن ظن أنه لم يسلم منها
_________________
(١) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص ٢٥٥ - ٢٥٦
[ ١ / ٢٥٢ ]
بل اعتقد أنه في نافلة والفرق بينها والتي قبلها أنه هنا لم يقصد الخروج ولا اعتقده وفي تلك اعتقد الخروج من الفريضة حين ظن السلام وكذلك لا تبطل صلاته إن عزبت النية فيها بعد عقدها في محلها لأن استصحاب النية من أول الصلاة إلى آخرها حرج ومشقة وقد ارتفع في الدين قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] العزوب الذهول عن الشيء فالنية إنما يلزم استصحابها حكما لا ذكرا.
قال ابن العربي ﵀: أن الله ﷾ سمح للعبد في استرسال الخواطر في الصلاة، فإذا ذكر عاد إليها فإن استمر مختارا بطلت صلاته. انتهى (^١).
قوله: (أو لم ينو الركعات، أو الأداء أو ضده) أي وكذلك لا تبطل صلاته إن لم ينو عدد ركعاتها لاستلزام الظهر والعصر والعشاء أربعا والمغرب ثلاثا والصبح اثنتين وكذلك لا تبطل صلاته إذا لم ينو بها أداء ولا قضاء لاستلزام كون الوقتية أداء والفائتة قضاء فلو دخل بنية الأداء ثم تبين أنه خرج الوقت فإنه لا يضره وكذلك إذا ظن أن الوقت فات فأحرم بنية القضاء ثم يتبين أن الوقت لم يفت فإن ذلك لا يضره.
قوله: (ونية اقتداء المأموم) أي ومن فروض الصلاة أن ينوي المأموم الإقتداء بإمامه وإلا بطلت صلاته وعادة الشيوخ يذكرون هذا، وهناك ما يدل عليه كإتيان المسجد طلبا لفضل الجماعة والجلوس فيه حتى يأتي وذلك يدل على أن نيته الإقتداء ولعلهم يذكرونه للإحتراز من الإمام وليس عليه أن ينوي الاقتداء به إلا في المواضع الأربع خوفا واستخلافا وجمعة وجمعا وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله.
وقوله: (وجاز له دخول على ما أحرم به الإمام) أي وجاز لمدرك وجد الإمام قد أحرم ولا يدري ما أحرم به من الصلوات أن ينوي بإحرامه ما أحرم به الإمام.
قال ابن غازي: هذا والله سبحانه أعلم خاص بمسألة الجمعة والظهر ومسألة القصر والإتمام (^٢).
_________________
(١) القبس في شرح موطأ مالك بن أنس تأليف: القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي الأندلسي المالكي: ج ١، ص: ٢٣٧. تحقيق: أيمن نصر وعلاء إبراهيم. دار الكتب العلمية.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ١٧٩.
[ ١ / ٢٥٣ ]
قال اللخمي: في المسألة الأولى أجازه أشهب، ويجزئه ما صادف من ذلك، ولقول ابن رشد في الثانية: ولو دخل خلفهم ينوي صلاتهم وهو لا يعلم أكانوا مقيمين، أو مسافرين لأجزأته صلاته قولا واحدا، والعمدة في ذلك ما ورد أن عليا ﵁ أحرم في الحج بما أحرم به النبي ﷺ وصححه النبي ﵇ (^١).
قوله: (وبطلت بسببقها) أي وبطلت النية بسبقها تكبيرة الإحرام (إن كثر) السبق (وإلا فخلاف) أي وإن لم يكثر السبق ففي بطلانها وعدم بطلانها خلاف في التشهير والأفضل أن تقترن النية وتكبيرة الإحرام معا.
قوله: (وفاتحة بحركة لسان على إمام وفذ وإن لم يسمع نفسه) أي ومن فروض الصلاة قراءة سورة الفاتحة فيها لإمام وفذ وإن لم يسمع بها نفسه في السرية والجهرية وأما المأموم فسيأتي إن شاء الله والقراءة إنما تكون بحركة لسان وهو أقل السر وأكثره إسماع لنفسه واستحبه ابن القاسم، وأما القراءة بغير حركة لسان فإنه تكفر ألا ترى أن الجنب يقرأ في نفسه والحالف لا يقرأ فلا يحنث إذا قرأ في نفسه. انتهى.
والتنزيل في القراءة هو الثاني، والتمهيل وتبيين الحروف والحركات. انتهى. ولو قرأ شيئا من التورية والإنجيل أو غيرهما من الكتب غير القرآن وهو يحسنه أم لا فسدت صلاته إذ هو كالكلام فيها لعدم العلم بكونه منه بعد انقطاع الوحي.
قوله: (وقيام لها) أي ومن فروض الصلاة قيام لقراءة الفاتحة فيها لأن الظروف حكمها حكم ما يعمل فيها وللفاتحة أسماء عدة، أم القرآن، أم الكتاب، وكره ابن سيرين أن يقال لها أم القرآن (^٢)، وجوزه جمهور العلماء، وكره الحسن ابن أبي الحسن (^٣) أن يقال لها أم الكتاب (^٤) وأجازه ابن عباس وغيره، وسميت فاتحة لأنها
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٤٠٣. باب في اختلاف نية الإمام والمأموم مسألة واختلف إذا تقدم الحضري هل يتم السفري خلفه أو يسلم من ركعته. بتصرف.
(٢) تفسير البحر المحيط للعلامة أبي حيان الأندلسي: ج ١، ص: ١٥٣.
(٣) هو الحسن بن يسار بن أبي الحسن أبو سعيد البصري مولي زيد، قال أبو برده أدركت الصحابة فما رأيت أحدا أشبه بهم من الحسن البصري، مات سنة ١١٠ هـ، وكان مولده سنة ٢١ هـ بالبصرة، وله كتاب في فضائل مكة، روى عن أنس وابن عمر وغيرهما، وروى عنه الشعبي وغيره. سير أعلام النبلاء للذهبي: ص: ٥٦٤، ط ٢، مج ٤، الترجمة: ٢٢٣
(٤) تفسير البحر المحيط - موافق للمطبوع المؤلف: محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي: ج ١، ص: ١٥٣. دار النشر: دار الكتب العلمية - لبنان/ بيروت - ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م الطبعة:
[ ١ / ٢٥٤ ]
تفتح بها المصاحف. انتهى.
قال اللخمي: واستحب بعض العلماء إذا كان قائما أن يجعل بصره موضع سجوده لأن فيه ضرب من الخشوع واستشعار الحياء ممن هو واقف بين يديه. انتهى من تبصرته (^١).
قوله: (فيجب تعلمها إن أمكن) أي فبسبب فرضية قراءة الفاتحة في الصلاة يجب على المكلف تعلمها إن أمكنه التعلم بوجود المعلم وقبول التعليم واتساع الوقت.
قوله: (وإلا انتم، فإن لم يمكنا فالمختار سقوطهما) أي وإن لم يمكن له التعلم لها لعدم المعلم أو لم يقبل التعليم أو ضاق عليه الوقت أتم في صلاته بإمام فإن لم يمكن التعليم ولا الإتمام فالمختار عند اللخمي سقوطهما أي الفاتحة والقيام لها بغير إبدال بذكر.
قال ابن سحنون (^٢): فرضه ذكر الله وعلى الأول لا يجب التعويض قياسا على تكبيرة الإحرام ولأن البدل يفتقر إلى نص فإذا لم يجب البدل فعند القاضي عبد الوهاب يقف وقوفا ما فإن لم يفعل أجزأه وإليه أشار بقوله: (وندب فصل بين تكبيره وركوعه). انتهى (^٣).
قال اللخمي في تبصرته وإن فرط في التعليم قضى كل صلاة صلاها فذا بعد قدر ما يتعلم به الفاتحة (^٤).
فرع: قال ابن عرفة: ولو افتتح الصلاة غير عالم الفاتحة بالشروط المتقدمة فطرا عليه علمها في داخل الصلاة بأن يكون شديد الحفظ وسمع من يقرؤها وتعلقت بحفظه فلا يستأنف الصلاة لأنه أدى ما مضى له فيها على حسب ما مر به قاله في كتاب ابن سحنون.
=
_________________
(١) الأولى. تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض. شارك في التحقيق ١ - د. زكريا عبد المجيد النوقي. -٢ - د. أحمد النجولي الجمل
(٢) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٢٩٥.
(٣) أبو عبد الله محمد بن سحنون الإمام بن الإمام تفقه بأبيه وسمع ابن أبي حسان وغيره، من مؤلفاته: المسند وكتاب تفسير الموطأ وغيرهما. كان مولده سنة: ٢٠٢ هـ ومات سنة: ٢٥٥ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص ١٠٤، الترجمة: ١٢٥.
(٤) الشرح الصغير للشيخ بهرام ج ١، ص: ١٠٩. مخطوط.
(٥) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٢٥٧.
[ ١ / ٢٥٥ ]
فرع: وإن عجز عن قراءة الفاتحة قائما جلس ويقرؤها وأما إن عجز عن سورة فإنه يتركها كمن عنده ماء لا يكفيه لفرائض وضوئه وسننه، فإنه يترك السنن ويستعمل الماء في الفرائض. انتهى (^١).
فرع: قال ابن وضاح (^٢): رأيت لمالك ﷺ في بعض الأسمعة أحب للإمام أن لا يعجل بقراءة أم القرآن في الركعتين الأخيرتين حتى يتمكن من خلفه من قراءتها. ورأيت له أيضا أن لا يتعجل بالتشهد حتى يتمكن من خلفه منها.
فرع: قال الصقلي عن بعض القرويين: لا يقطع من لا يحسن القراءة صلاته بإتيان محسنها. انتهى.
قوله: (وهل تجب الفاتحة في كل ركعة، أو الجل؟) أي وهل تجب قراءة الفاتحة المذكورة في كل ركعة من الصلاة أو إنما تجب في جلها والباقي من الصلاة فيه (خلاف) والقولان لمالك في المدونة وشهر ابن شاس الرواية الأولى.
عبد الوهاب: (وهو الصحيح من المذهب) (^٣) وهو رأي العراقيين (^٤)، واختاره ابن عبد البر (^٥) وجماعة من الأصحاب وهو الراجح من طريق النظر والذي رجع إليه مالك ﷺ.
الرواية الثانية:
قال القرافي: وهو ظاهر المذهب. انتهى من حلى المختصرى.
قال بعضهم: والصحيح وجوبها في كل ركعة وعلى القول بالوجوب في الجل
_________________
(١) مختصر ابن عرفة: ص: ٣٨/¬٤٢.
(٢) أبو عبد الله محمد بن وضاح القرطبي، فقيه محدث، أخذ عن يحي بن معين وغيره من مؤلفاته مكنون السر ومستخرج العلم في فروع الفقه المالكي وغيره. كان مولده سنة: ١٩٩ هـ، ومات سنة: ٢٨٦ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١١٣، الترجمة: ١٥٤.
(٣) الإشراف على نكت مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب: ج ١، ص: ٢٣٦، الترجمة: ٢٢٧، ط: ١٩٩٩ م، دار ابن حزم
(٤) أظنه يشير إلى القاضي إسماعيل، والقاضي عبد الوهاب، والقاضي أبو الحسن بن القضار، والقاضي أبو الفرج، والشيخ أبو بكر الأبهري وأمثالهم.
(٥) أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري الأندلسي الإمام الحافظ شيخ علماء الأندلس أخذ عن ابن الفرضي وغيره وأخذ عنه أبو العباس الدلائي والحميدي وغيرهم. من مؤلفاته: التمهيد والاستذكار وغيرهما. كان مولده سنة ٣٦٨ هـ ومات بشاطبة سنة ٤٦٣ هـ شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٧٦، الترجمة: ٣٧٣.
[ ١ / ٢٥٦ ]
لا في الكل يسجد قبل السلام وإنما يصح ذلك في ما عدى الثنائية ووجهه أنه مسألة اجتهاد فيستصحب ترك الأقل.
قوله: (وإن ترك آية منها سجد) أي وإن ترك المصلي قراءة آية من الفاتحة في ركعة واحدة سجد قبل السلام لخفة الآية ظاهره على كل من القولين. انتهى.
وكل ما ذكره في قراءة الفاتحة إنما هو في صلاة فرض، وأما النقل فقراءتها فيه سنة.
قوله: (وركوع تقرب راحتاه فيه من ركبتيه، وندب تمكينهما منهما، ونصبهما) أي ومن فرائض الصلاة ركوع وهو انحناء الظهر أقله ما تقرب راحتاه فيه من ركبتيه، وندب له تمكين الراحتين من الركبتين وهاذا خلاف ظاهر المدونة الراحة باطن الكف، وكذلك يندب نصب الركبتين أي مدهما معتدلتين.
قوله: (ورفع منه) أي ومن فروض الصلاة الرفع من الركوع فإن انحط من ركوعه بلا رفع رأسه بطلت صلاته إن كان عامدا وإن كان سهوا رجع له محدودبا وإلا بطلت.
قوله: (وسجود على جبهته، وأعاد لترك أنفه بوقت) أي ومن فرائض الصلاة السجود على جبهته ولا يشترط السجود على جميع الجبهة بل يكفي بعضها، فإن ترك ذلك بطلت صلاته فيعيد أبدا.
الجبهة ما بين الحاجب والناصية، والمطلوب أن يسجد على الجبهة والأنف معا فإن سجد على الجبهة دون الأنف أعاد في الوقت خلافا لابن حبيب أنه يعيد أبدا.
قوله: (وسن على أطراف قدميه وركبتيه كيديه على الأصح) أي وسن السجود على أطراف أصابع قدميه وعلى ركبتيه كما سن السجود على يديه على القول الأصح في المسائل الثلاث، خالف الشيخ هنا تعلله قاعدته الأكثرية أن الشرط راجع إلى ما بعد الكاف.
الحاصل في اليدين ثلاثة أقوال إن ترك الاعتماد عليهما في سجوده: قيل: تبطل صلاته، وقيل: لا تبطل، وقيل: إن اعتمد على واحدة فلا تبطل وإلا بطلت، وقيل أن السجود على أطراف قدميه وركبتيه ويديه أنه فرض. انتهى.
ولا يجب كشف الكفين في السجود ولكن يستحب.
قال اللخمي: فإذا سجد أبرز يديه من كميه ويباشر بهما الأرض إلا أن يتقي
[ ١ / ٢٥٧ ]
بكميه حر الأرض أو بردها والتواضع لله أفضل فيباشر بيديه الأرض أو ما يسجد عليه. انتهى (^١).
قوله: (ورفع منه) أي ومن فرائض الصلاة رفع رأس من السجود أولا، وثانيا. السجود لغة الميل ومنه يقال للنخلة المائلة ساجدة.
قوله: (وجلوس لسلام) أي ومن فروض الصلاة جلوس في التشهد الأخير قدر إيقاع السلام والزائد عليه سنة وسيأتي في السنن.
قوله: (وسلام عرف بأل) أي ومن فرائض الصلاة السلام منها عرف بالألف واللام فلو نكر السلام أو نونه.
قال عبد الوهاب وابن أبي زيد: لا تجزيه صلاته وهو المشهور.
ابن القاسم وابن شبلون (^٢): يجزيه وقيل يجزيه سلام عليكم وهو تحية أهل الجنة ﴿سلام عليكم طبتم﴾ [الزمر: ٧٣] ﴿سلام عليكم بما صبرتم﴾ [الرعد: ٢٤] ولو قال: السلام عليكم، فجمع بين التعريف والتنوين.
قال أبو محمد صالح (^٣) وأبو عمران الجوزي (^٤): صلاته باطلة.
وقال الشار مساحي: يدخل فيه ما يدخل في صلاة اللحان، وهذا كله في تسليم التحليل، وأما سلام الرد فقال أشهب يجوز أن يقول سلام عليكم.
قوله: (وفي اشتراط نية الخروج به) أي وفي اشتراط نية الخروج في الصلاة بالسلام وعدم اشتراطه (خلاف).
الفاكهاني المشهور عدم الإشتراط.
قال صاحب الإشراف: (لا تجزيه إذا سلم بغير تجديد النية) (^٥) ووافقه صاحب
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٣٠٢. بتصرف.
(٢) أبو القاسم عبد الخالق بن خلف بن سعيد ابن شبلون القيرواني العالم الجليل والإمام الفاضل تفقه بابن أخي هشام، وسمع من ابن مسرور الحجاج وكان الاعتماد عليه بالقيروان ألف كتاب المقصد أربعين جزءا مات سنة: ٣٩١ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٤٤، الترجمة: ٢٦٦.
(٣) أبو محمد صالح بن محمد الفاسي، أخذ عن ابن بشكوال وابن مدين الغوث، وعنه أخذ راشد بن أبي راشد وغيره. له تأليف في الفقه مات سنة: ٦٣١ هـ كما في الديباج وفي سلوة الأنفاس أن المذكور في الديباج غير صاحب الترجمة وصاحب الترجمة مات سنة ثلاث أو ست وخمسين وست مائة. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٢٦٦، الترجمة: ٦٤٩.
(٤) أبو عمران الجوزي لم أطلع على ترجمته بعد
(٥) الإشراف للقاضي عياض: ج ١، ص: ٢٥٥، الترجمة: ٢٦٣.
[ ١ / ٢٥٨ ]
الطراز.
قوله: (وأجزأ في تسليمة الرد سلام عليكم، وعليك السلام) أي ويجزئ في تسلمة الرد سلام عليكم بلا تعريف وعليك السلام بالتعريف، وإن كان الأصل في تسليم الرد أنه كالتحليل، واختلف في القاضي هل يرد؟ وعلل رده ببقاء حكم الإمام عليه، وعلل نفيه بأن شرط الرد الإتصال. انتهى.
قال عياض في الشفا واستحب أهل العلم أن ينوي الإنسان حين سلامه كل عبد صالح في السماء والأرض من الملائكة وبني آدم والجن قال مالك في المجموعة: وأحب للمأموم إذا سلم إمامه أن يقول السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم (^١).
قوله (وطمأنينة) أي ومن فروض الصلاة طمأنينة وهي استقرار الأعضاء في منتهى الافعال الواجبة، وقيل أنها غير فرض، وقال بعضهم: لا تطلب سرعة العمل واطلب جودته فإن الناس لا يسألون في كم فرغ هذا العمل، وإنما يسألون عن جودة صفته.
قوله: (وترتيب أداء) أي ومن فروض الصلاة ترتيب أدائها فيها اتفاقا فتكون تكبيرة الإحرام قبل القراءة والقراءة قبل الركوع والركوع قبل السجود والسجود قبل الجلوس للسلام فإن نكس بطلت صلاته.
قوله: (واعتدال على الأصح، والأكثر على نفيه) أي ومن فرائض الصلاة الاعتدال بأن يرفع من الركوع حتى ينتصب قائما ثم يهوي ساجدا ومن السجود حتى يستوي جالسا على القول الأصح وقد تكون الطمأنينة ولم يكن الاعتدال ويكون الإتعدال ولم تكن الطمانية فلا يتلازمان الاعتدال استقرار كل عضو في محله والأكثر من الشيوخ على نفي فرضية الاعتدال، واختلف في وجوب الاعتدال فمن رآه مطلوب الذات أوجبه، ومن رآه مطولبا للفصل وهو يحصل دون اعتدال جعل الزائد سنة. انتهى.
تنبيه: الأفعال في الصلاة كلها فرائض إلا ثلاثا رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام والجلسة الوسطى والتيامن بالسلام، الأقوال كلها فيها سنة ليست بفرائض إلا ثلاثا
_________________
(١) كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض بن موسى اليحصبي، تحقيق ودراسة وتوثيق النصوص: د. عبد السلام البكاري المساوي: ص: ٤٢٩، ط ١: ٢٠٠٣ م، دار الفكر.
[ ١ / ٢٥٩ ]
تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة والسلام.
[سنن الصلاة]
قوله: (وسنتها سورة بعد الفاتحة في الأولى والثانية) أي وسنن الصلاة قراءة سورة بعد الفاتحة وإن قرأها قبلها أعادها بعدها ويقرؤها في الركعة الأولى والثانية من الرباعية والثلاثية وفي الثنائية كالجمعة والعيدين وصلاة القصر، وقيل قراءة السورة مستحبة لا سنة.
اللخمي: وهو الأحسن.
قوله: سورة يقتضي أن كمال السورة في الركعة سنة وليس كذلك على ظاهر قولهم وإنما السنة مطلق الزيادة على الفاتحة وهو المشهور.
قوله: (وقيام لها) أي ومن سنن الصلاة قيام لأجل قراءة السورة لأن حكم الظروف حكم ما يعمل فيها. انتهى.
وقد أجاز الإمام مالك تحلله في مختصر ابن عبد الحكم أن يقرأ في كل ركعة من الركعتين الأوليين بالسورتين والثلاث (^١)، فإذا جاز أن يزيد على سورة في الأوليتين: جاز أن يقرأ السورة في الأخيرتين. قال: ولا بأس إذا قرأ في الأولى سورة بعد الفاتحة أن يقرأ في الثانية سورة قبلها، وأن يقرأ بما بعدها أحسن، ولا يقرأ بسورة واحدة في ركعتين، وإن فعل أجزه.
وقال في المجموعة: لا بأس به، وما هو بالشأن. انتهى من تبصرة اللخمي (^٢).
قال الباجي: يكره في الثانية قراءة سورة قبل السورة الأولى.
قال عياض: لا اختلاف في جوازه وإنما يكره في ركعة واحدة، وسمع ابن القاسم: هو عمل الناس وهو والترتيب سواء، ابن حبيب وابن عبد الحكم ورواية مطرف الترتيب أفضل.
قال ابن رشد لعمري أنه أحسن لأنه جل عمل الناس، ويكره تكريره السورة الأولى في الثانية، وروى ابن حبيب يتمها ولو ذكرها في أولها. انتهى من ابن عرفة (^٣).
_________________
(١) المختصر الكبير لابن عبد الحكم كتاب الصلاة، باب السنة في الصلاة، ص: ٧٠
(٢) تبصرة اللخمي: ص: ٢٧٦.
(٣) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ١٣٦
[ ١ / ٢٦٠ ]
سميت السورة سورة لأن قارئها يشرف بقراءتها عما لم يكن عنده كسور البناء ولأنها حافظة على قارئها.
وقيل: سميت سورة لتمامها، ومنه قيل للنافلة التامة سورة، وقيل من السور وهو القطعة ومنه السؤر هو البقية في الإناء.
قوله: (وجهر أقله - أقله أن يسمع نفسه ومن يليه - وسر بمحلهما) أي ومن سنن الصلاة الجهر بالقراءة وسر في محلهما، وأقل الجهر أن يسمع نفسه ومن يليه، وأكثر السر أن يمسع نفسه وهو مستحب للرجل وأقله حركة اللسان.
قال ابن عرفة: روى علي جهر المرأة إسماع نفسها فقط، فجهر المرأة مستحب للرجل في السر (^١).
قال سند والإمام يرفع صوته ما أمكنه ليسمع الجماعة، والمنفرد بين ذلك (^٢).
قوله: (وكل تكبيرة) أي وكل تكبيرة من تكبيرات الصلاة سنة مستقلة بنفسها، خلافا لمن قال: أنها كلها سنة واحدة (إلا الإحرام).
قوله: (وسمع الله لمن حمده) أي وكل ما في الصلاة من سمع الله لمن حمده كل منها سنة مستقلة بنفسها (الإمام وفذ) وأما المأموم فسيأتي حكمه ومعنى سمع الله لمن حمده يحتمل أن يكون خبرا عن فضل الله تعالى أي أجاب الله دعاء من حمده ويحتمل أن يكون دعاء بلفظ الخبر وهو الأظهر وتقديره اللهم اسمع لمن حمدك وعبر بالسماع عن المكافات أي أجب.
قال الباجي: الأظهر عنده أن سمع الله لمن حمده للترغيب في الحمد وسببه أن أبا بكر الصديق ﵁ ملازم للصلاة خلف النبي ﷺ فدخل يوما والنبي ﷺ في الصلاة فلما أدركه فيها قال: الحمد لله، فنزل جبريل ﵇ على النبي ﷺ فقال: سمع الله لمن حمده (^٣) وشرع حينئذ، وكان النبي ﷺ يكبر في الانحطاط للركوع وفي الرفع منه، وفي سماع ابن وهب عن مالك قال: (أحب للمأموم ألا يجهر بالتكبير وبربنا ولك الحمد، ولو جهر بذلك جهرا يسمع نفسه ومن يليه فلا بأس) (^٤)،
_________________
(١) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ١٣٨.
(٢) هذا نص ما في الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٢٠٨. دون أن ينسبه لسند
(٣) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني تأليف: أحمد بن غنيم بن سالم النفراوي (المتوفى: ١١٢٦ هـ): ج ١، ص: ٤٦٦، المحقق: رضا فرحات الناشر: مكتبة الثقافة الدينية.
(٤) المنتقى للباجي: ج ١، ص: ١٧٤.
[ ١ / ٢٦١ ]
وأما الإمام الشأن أن يجهر بالتكبير ونحوه ليقتدي به من خلفه في الركوع والسجود والرفع منهما.
قوله: (وكل تشهد) أي وكل واحد من التشهدين سنة مستقلة خلافا للرسالة، لأنه قال: والتشهدين سنة وهو خلاف المشهور إلا أن يقال معناه وكل واحد من التشهدين سنة على حذف المضاف يتفق مع المشهور. انتهى.
قال صاحب اكمال الإكمال وسمي التشهد تشهدا لاشتماله على الشهادتين (^١).
قوله: (والجلوس الأول والزائد على قدر السلام من الثاني وعلى الطمأنينة) أي والجلوس في التشهد الأول سنة مستقلة فإن تركه ترك ثلاث سنن التهشد والجلوس له والتكبير، وكذلك الزايد في الجلوس للتشهد الثاني على قدر إيقاع السلام سنة وأما قدر إيقاع السلام منه فقد تقدم أنه فرض وكذلك الزايد على الطمأنينة فهو من كل ركن سنة مستقلة.
قوله: (ورد مقتد على إمامه، ثم يساره وبه أحد) أي ومن سنن الصلاة لمتقد بإمام رد السلام على إمامه ثم على من هو في يساره إذا كان به أحد وإن لم يسلم عليه بعد فإنه مدرك.
قوله: (وجهر بتسليمة التحليل فقط) أي ومن سنن الصلاة الجهر بتسليم التحليل فقط بخلاف تسليم الرد على الإمام ومن على يساره فإنه يرد عليهما سرا.
قوله: (وإن سلم على يساره) أي وإن سلم المصلي في الصلاة على يساره (ثم تكلم لم تبطل) صلاته لأنه لم يترك إلا التيامن إلا أن ينوي بسلامه الرد فإن كان عمدا بطلت صلاته وإن كان سهوا سجد بعد السلام.
قوله: (وسترة لإمام وفد) أي ومن سنن الصلاة لإمام وفذ اتخاذ سترة (إن خشيا مرورا) بين أيديهما وإن لم يخشيا المرور ندب لهما السترة فيكون (بطاهر) لا نجس (ثابت) لا تحركه الرياح عادة وأن يكون (غير مشغل) للمصلي ويكون (في غلظ رمح وطول ذراع) ذكر الشيخ خليل السترة وصفتها ولم يذكر حد قربها وبعدها.
قال ابن العربي: ليس للمصلي حريم إلا مقدار ثلاثة أذرع، وأنه لا إثم على من مر بين يديه فيما هو أبعد من ذلك. انتهى.
قال عياض: وسر اتخاذها منع من يمر بقربه وكف البصر عن النظر إلى ما
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٢٨٠.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وراءها. انتهى (^١).
وعنه ﷺ: «إذا صلى أحدكم فليدن من سترته فإن الشيطان يحول بينه وبينها» (^٢) فأبان أنه إذا أدنى لم يقدره الله على الجواز.
قوله: (لا دابة وحجر واحد وخط وأجنبية، وفي المحرم قولان) أي لا يجوز أن يستتر بدابة لنجاسة بولها.
ابن الجلاب: ولا بأس أن يستتر ببعير أو بقرة ولا يصلي إلى بغل أو حمار انتهى (^٣).
وكذلك لا يستتر بحجر واحد بخلاف البناء، وكذلك لا يجوز أن يستتر بخط يخطه بين يديه سواء خطه يمينا أو شمالا أو طولا، لأن الخط باطل، وكذلك لا يستتر بامرأة أجنبية ولو كانت زوجته أو أمته خوفا أن يفتتن بها أو تشغله، والمراد بالأجنبية هنا غير المحرم، وفي الإستتار بالمحرم قولان في الجواز والمنع، أجازه ابن الجلاب ومنعه في المجموعة فلا يستتر بنائم لأن عورته قد تظهر، ومفهوم قوله: أجنبية أنه يستتر بأجنبي وهو كذلك، إذا كان مستيقظا غير متكلم وظهره تلقاء وجهه وأمن من ذهابه أو كحلقة إن سكت أهلها ولا بأس بالصلاة إلى الطائفين لأنهم بمعنى من هو في الصلاة، ولا يصمد المصلي سترته صمدا بل ينحرف عنها يمينا أو شمالا، ولا يناول من على يمينه ما على يساره بين يديه أو العكس. انتهى.
قوله: (وأثم مار له مندوحة) أي وأثم مار بين يدي المصلي إذا كانت له مندوحة أي سعة يجوز فيها غيرها بين يديه، وأما إن لم تكن له مندوحة عنه فلا إثم عليه، وخص الإثم بمن له مندوحة للدلالة على رفع الإثم على المضطر.
وفي إكمال الإكمال وفي الحديث: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه» (^٤) أي من إثم المرور لكان أن يقف أربعين وقد شك الراوي في الأربعين أي
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٣٩٠.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي: ٣٦٠ - باب الدنو من السترة. الحديث: ٣٦١٥ وفي حديث مسلم ما نصه: إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبال من مر وراء ذلك.
(٣) التفريع لابن الجلاب: ج ١، ص: ٢٣٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ١٢ - أبواب سترة المصلي -١١ باب إثم المار بين يدي المصلي الحديث: ٤٨٨ وأخرجه مسلم في صحيحه ٤ - كتاب الصلاة ٤٨ باب منع المار بين يدي المصلي الحديث: ٢٦١ - (٥٠٧).
[ ١ / ٢٦٣ ]
يقف ولا يمر لأن عذاب الدنيا وإن عظم يسير.
قلت: الأظهر في ماذا أنها للتعظيم.
وذكر ابن أبي شيبة (^١) الحديث وفيه: «لكان أن يقف مائة عام» والحديث من حيث الجملة يدل على إثم المار مطلقا، وقسمه أهل المذهب على أربعة أقسام (^٢).
قوله: (ومصل تعرض) أي وكذلك يأثم مصل تعرض للمرور بين يديه بأن يصلي في الممر عادة وله منه مندوحة وإلا فلا يأثم.
الحاصل: أنهما يأثمان لا يأثمان، يأثم المار وحده، يأثم المصلي وحده. انتهى.
واستحسن موعظته.
وقوله في الحديث: «فليقاتله» (^٣) المقاتلة هنا المدافعة.
وقوله: فإنما هو شيطان أي فعل الشيطان.
قوله: (تعرض وإنصات مقتد ولو سكت إمامه) أي ومن سنن الصلاة إنصات مأموم في الجهرية ولو كان إمامه ممن يسكت بين تكبيرة الإحرام والفاتحة وبين الفاتحة والسورة.
قال ابن غازي: هذا خلاف ما قاله في توضيحه فإنه قال فيه ما نصه: والقراءة مع الإمام فيما يجهر فيه مكروهة وهذا إذا كان الإمام يصل القراءة بالتكبيرة فإن كان الإمام ممن يسكت بعد التكبير سكتة ففي المجموعة من رواية ابن نافع عن مالك: يقرأ من خلفه في سكتته أم القرآن وإن كان قبل قراءته.
قال الباجي: ووجه ذلك أن اشتغاله بالقراءة أولى من تفرغه للوسواس وحديث النفس، إذا لم يقرأ الإمام قراءة ينصت لها، ويتدبر معها.
قال المصنف: وعلى هذا إذا كان الإمام ممن يسكت بعد الفاتحة كما تفعل الشافعية فيقرأها المأمومون. انتهى (^٤).
_________________
(١) عثمان بن محمد بن أبي شيبة الكوفي العبسي أبو الحسن من حفاظ الحديث رحل من الكوفة إلى مكة وصنف المسند والتفسير وكان ثقة مأمونا، كان مولده سنة: ١٥٦ هـ، ومات سنة: ٢٣٩ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٤، ص: ٣٧٦.
(٢) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٣٩٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه -٨ - كتاب الصلاة، -١٠ - باب يرد المصلي من مر بين يديه. وأخرجه مسلم في صحيحه (٤) - كتاب الصلاة، (٤٨) - باب منع المار بين يدي المصلي، الحديث: ٢٥٨ - (٥٠٥).
(٤) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ١٨٠. والتوضيح للشيخ خليل: ج ١، ص: ٣٣٨.
[ ١ / ٢٦٤ ]
فظاهر ما في التضويح أنه جعل رواية ابن نافع تفسيرا وظاهر ما هنا أنه جعله خلافا وأشار لها بلو وقد اختصر ابن عرفة على نقل هذه الرواية من طريق الباجي. انتهى.
وفي درة الغواص لابن فرحون فإن قلت هل يجب عليه أن يقرأ مع الإمام في الجهرية.
قلت: نعم إذا كان في موضع لا يسمع قراءة الإمام.
قال ابن العربي في أحكام القرآن: الصحيح وجوبها في السرية وإذا لم يسمع الإمام حكمه حكم الصلاة السرية. انتهى (^١).
[مندوبات الصلاة]
قوله: (وندبت إن أسر) لما فرغ تعالاى من السنن بعد الفرائض شرع يذكر المندوبات بدأ الله بالأوكد فالأوكد أي وندبت القراءة.
المفهومة من سياق الكلام إن أسر إمامه القراءة في الفاتحة والسورة، فإن فرغ من السورة قبل فراغ إمامه قرأ سورة أخرى، أو يدعوا أو يسكت.
وإن ركع إمامه قبل فراغه بادر لمتابعته.
قوله: (كرفع يديه مع إحرامه) أي كما يندب له رفع يديه مع تكبيرة الإحرام لا قبلها ولا بعدها وهذا رواية مطرف وينبغي أن يعد من السنن لصحته عنه ﵇. انتهى.
والقصد برفع اليدين عند الإحرام استعظام ما يدخل فيه وليس المراد به الدعاء ولا القبلة وكثير مما يجري من شأن الناس عند ما يفاجئه أمر يستعظمه رفع اليدين كالفزع منه.
قوله: (حين شروعه) متسغنى عنه لأنه لما قال: مع إحرامه، علمنا أنه حين الشروع ولم يتعرض الشيخ لحد الرفع كما في الرسالة ولم يتعرض أيضا إلى كيفة الرفع، قيل بطونهما إلى الأرض رهبة، وقيل إلى السماء رغبة. انتهى.
وما ذكره الشيخ هنا من ندبية رفع اليدين عند الإحرام خلافا للرسالة لأنه قال: ورفع اليدين سنة.
_________________
(١) درة الغواص في محاضرات الخواص لابن فرحون: ص: ١٢٧.
[ ١ / ٢٦٥ ]
قوله: (وتطويل قراءة بصبح) أي ومن المندوب تطويل القراءة في الصبح (والظهر تليها) في الطول لأنهما ليستا وقت عياء ولا حاجة ويجهر بالقراءة في الصبح لأنه ليس وقت الأصوات ويسرها في الظهر والعصر لأنه وقت الأصوات وأيضا فصلاة النهار تأتي وخواطر الناس متعلقة بأعمالهم، فقراءة السر أجمع للخواطر وأبعث على التدبير، وللشرع حكمة في ترتيب القراءة على هذا النحو. قاله القرافي.
قوله: (وتقصيرها بمغرب وعصر، كتوسط بعشاء) أي وندب تقصير القراءة في صلاة المغرب والعصر على أن المغرب أقصر لأن العصر وقت إرادة حاجة، والمغرب وقت عياء، وكذلك يندب توسط القراءة في صلاة العشاء لأن وقتها ليس بوقت عياء ولكن وقت إرادة النوم، ويجهر في الأوليين منها ومن المغرب، لأنهما ليستا من وقت الأصوات.
قوله: (وثانية عن أولى) أي وندب تقصير قراءة الركعة الثانية عن القراءة في الأولى.
قوله: (وجلوس أول وقول مقتد وفذ ربنا ولك الحمد) أي وندب تقصير الجلوس للتشهد الأول إذ يكره فيه الدعاء، وكذلك يندب لمقتد بإمام وفذ أن يقول في رفع الرأس من الركوع ربنا ولك الحمد، وجاز إسقاط الواو في ولك، وأما الإمام يقول سمع الله لمن حمده والفذ يجمعهما فيقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فمعنى ربنا ولك الحمد اللهم يا ربنا أي يا مصلح أمورنا ويا خالقنا لك الحمد على إجابة دعائنا.
قوله: (وتسبيح بركوع وسجود) أي ويندب للمصلي تسبيح في ركوعه فيقول: سبحان الله العظيم أو سبحان ربي الأعلى، وكذلك في سجوده فيقول: سبحانك رب إني ظلمت نفسي، وعملت بسوء فاغفر لي.
قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق: فاعلم أن المطلوبين في الشريعة قد يكون الجمع بينهما غير مطلوب، وربما كان منهيا عنه، وقد يكون الجمع بينهما مطلوبا والدعاء مطلوب في نفسه والسجود في الصلاة مطلوب في نفسه والجمع بينهما مطلوب كالتسبيح والتهليل كل منهما مطلوب في نفسه والركوع في الصلاة مطلوب في نفسه والجمع بينهما مطلوب ومن الشرع ما يطلب منفردا، قراءة القرآن مطلوبة والركوع والسجود مطلوبان ومع ذلك فقد ورد النهي عن الجمع بينهما لقوله
[ ١ / ٢٦٦ ]
﵇ «نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا» (^١) عكس ما ورد في الدعاء مع السجود والتسبيح مع الركوع لقوله ﵇: «أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء» (^٢) فعسى أن يستجاب لكم. انتهى (^٣).
قمن وقمين وحر وحرى وجدير معناها كلها أولى.
قوله: (وتأمين فذ مطلقا، وإمام بسر ومأموم بسر أو جهر) أي وندب للفظ أن يؤمن بعد قراءة الفاتحة في الجهرية والسرية وإليه أشار بالإطلاق، وفي التأمين ثلاث لغات آمين بالمد أمين بلا مد آمن بلا ياء ومعناه اللهم استجب لنا وكذلك يندب التأمين للمأموم في السرية والجهرية وفي السرية لقراءة نفسه وفي الجهرية لقراءة إمامه (إن سمعه) اتفاقا وإن لم يسمعه فلا يؤمن تحريا (على الأظهر).
قوله: (وإسرارهم به) أي ومما يندب الإسرار بالتأمين إماما كان أو مأموما أو فذا.
قوله: (وقنوت سرا بصبح فقط) أي ومما يندب في صلاة الصبح فقط قراءة القنوت وهو «اللهم إنا نستعينك» (^٤) أي نطلب منك العون في أمورنا دينية ودنيوية «ونستغفرك» أي نطلب منك الغفران من ذنوبنا «ونومن بك» أي نصدق بوجودك ووحدانيتك ونخنع لك أي نخضع لك ونتضرع إليك «ونخلع» أي نخلع عمن سواك ونترك من يكفرك أي من يكفر بك «اللهم إياك نعبد» أي لا نعبد إلا إياك «ولك نصلي ونسجد» أي لا نصلي إلا لك «وإليك نسعى» أي نعمل «ونحفد» أي إليك نسرع «نرجو رحمتك» التي وسعت كل شيء «ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق أي لا حق، لو قال الشيخ: وقنوت وسر به لكان أولى لأن السر فيه مندوب.
قوله: (وقبل الركوع ولفظه وهو:) أي وندب إيقاع القنوت قبل الركوع لفوائد
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، ٤ - كتاب الصلاة. ٤١ - باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود. الحديث: ٤٧٩
(٢) صحيح مسلم الحديث: ٤٧٩، المتقدم.
(٣) الفروق للقرافي: ج ٢، ص: ٣. الفرق السادس والأربعين.
(٤) السنن الكبرى وفي ذيله الجوهر النقي المؤلف: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ج ٢، ص: ٢١٠. الحديث: ٣٢٦٣. الناشر: مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة في الهند ببلدة حيدر آباد الطبعة: الطبعة: الأولى: ١٣٤٤ هـ.
[ ١ / ٢٦٧ ]
ثلاث الرفق للمسبوق ولتتصل القراءة بعضها ببعض ولئلا يبعد ما بين الركوع والسجود ويجوز فيه كل دعاء ولفظه الوارد عن النبي ﷺ: (اللهم إنا نستعينك إلى آخره).
ابن رشد ومن أدرك ركوع الثانية في الصبح لم يقنت في قضائه أدرك القنوت مع الإمام أم لا على القول إنما أدرك آخر صلاته، وعلى القول أنه أولها يقنت. انتهى (^١).
قوله: (وتكبيره في الشروع) أي وندب للمصلي تكبيره عند الشروع في الأفعال كالركوع والسجود لأن الأركان عظام ومخها أذكار وليعمر أفعال الصلاة كلها بالذكر.
قال النووي: فيستحب أن يمد صوته بالتكبير ليعمر الركن كله بالذكر (^٢).
قوله: (إلا في قيامه من اثنتين فاستقلاله) أي فإنه إنما يكبر بعد أن يستقل قائما لأنه للشعور بالشروع إلى ركن من آخر وقيل لئلا يتابع تكبيرتين في فور، والمأموم لا يقوم حتى يستقل الإمام قائما من الجلوس الأول.
قوله: (والجلوس كله بإفضاء اليسرى للأرض واليمنى عليها، وإبهامها للأرض ووضع يديه على ركبتيه بركوعه ووضعهما حذو أذنيه، أو قربهما بسجود) أي ويندب للمصلي أن يكون جلوسه من فرض وغيره بإفضاء الرجل اليسرى إلى الأرض ورجله اليمنى عليها وإبهامها إلى الأرض، وكذلك يندب له في جلوسه ذلك وضع يديه على ركبتيه ووضعهما في سجوده حذو أذنيه أو قربهما، ولا يشترط أن يكون على الراحة والأصابع بل أحدهما كاف ولا يكفي على ظاهر الكف ويندب له أن لا يبسط ذراعيه إذا سجد كبسط السبع بل يدعم على راحتيه.
قال مالك: إلا فيما طال من السجود من النوافل. قاله اللخمي (^٣).
قال صاحب حلية الأولياء (^٤): قال رسول الله ﷺ: «لا تبسط ذراعيك إذا
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٦١٣.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٢٥٨.
(٣) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٢٨٦.
(٤) هو أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني حافظ مؤرخ من الثقات، من تصانيفه: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ومعرفة الصحابة وغيرهما. كان مولده سنة: ٣٣٦ هـ ومات سنة: ٤٣٠ هـ. الأعلام للزركلي: ج ١، ص: ١٥٧.
[ ١ / ٢٦٨ ]
سجدت وادعم على راحتيك وتجاف عن ضبعيك فإنك إذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك» (^١). انتهى (^٢).
وإن اعتمد على يديه يخف اعتماده على وجهه فيسلم من إذاية الأرض.
قوله: (ومجافاة رجل فيه بطنه فخذيه ومرفقيه وركبتيه) أي وندب له مباعدة بطنه فخذيه إذا كان ذكرا وأما المرأة فتكون منضمة منزوية، وكذلك يندب له مباعدة مرفقيه من ركبتيه وجنبيه ويفرج ما بين الركبتين لأنه إذا فعل ذلك كان اعتماده على يديه.
قوله: (والرداء) أي وندب للمصلي أن يكون الرداء على مكتبيه فيها، كذلك يندب له (وسدل يديه) فيها أي إرسالهما في قيام فرض (وهل يجوز القبض) لليدين (في النفل) بلا كراهة أو يكره (أو) إنما يجوز (إن طول؟) النفل وإلا فلا، والقبض هو وضع اليد اليمنى على اليسرى إذا كان قائما فيه تأويلان.
قوله: (وهل كراهته في الفرض للاعتماد، أو خيفة اعتقاد وجوبه، أو إظهار خشوع؟ تأويلان أي وهل كراهة القبض في الفرض لأجل الاعتماد وأما إن فعله للسنية فلا يكره أو الكراهة خيفة اعتقاد وجوبه وليس بواجب أو الكراهة لأجل إظهار خشوع وليس في قلبه خشوع تأويلان.
وفي الحديث: «أعوذ بالله من خشوع النفاق» (^٣) وهو الخشوع الذي ليس في القلب في ذلك ثلاث تأويلات.
الخشوع: هو (تذلل القلوب لعلام الغيوب) (^٤)، وقيل تذلل الأعضاء المتركب من تذلل القلوب. انتهى.
ورأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلا طأطأ رقبته تخشعا فقال له: يا هذا ارفع
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك باب التيمم الحديث: ٨٢٧ وابن حبان في صحيحه ذكر الأمر بالإدعام على الراحتين عند السجود الحديث: ١٩١٤ وابن خزيمة في صحيحه باب الاعتداد في السجود والنهي عن افتراش الذراعين الحديث: ٦٤٥
(٢) أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: ج ٨، ص: ٢٢٧، ص: ١٤٠٥، دار الكتب العلمية
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: ج ٥، ص: ٣٦٤، ط ١: ١٤١٠ هـ تحقيق: محمد السعيد زغلول. الحديث: ٦٩٦٧ دار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
(٤) قاله الجنيد انظر الرسالة القشيرية: ص: ٢١٨، تحقيق ودراسة: هاني الحاج، المكتبة التوفيقية.
[ ١ / ٢٦٩ ]
رقبتك الخشوع ها هنا فأشار إلى قلبه لا هاهنا فأشار إلى رقبته.
قوله: (وتقديم يديه في سجوده) أي وندب له إذا هوى للجسود تقديم يديه إلى الأرض (وتأخيرهما عند القيام) منه لأن غير ذلك لا يقدر عليه إلا الشاب القوي فخيره مالك مرة وقال يفعل ما هو الأرفق به وقال مرة يعتمد عليهما لأنه أقرب إلى السكينة.
قال الثوري (^١): لا يعتمد إلا أن يكون شيخا (^٢).
قوله: (وعقده يمناه في تشهديه الثلاث، ماذا السبابة والإبهام وتحريكها دائما) أي وندب له عقد أصابعه الثلاث من يده اليمنى الخنصر والبنصر والوسطى في تشهده في حال كونه مادا السبابة والإبهام ملتصقين وحرف السبابة لوجهه، وندب له تحريك السبابة والإبهام دائما أي من أول تشهده إلى آخره، وهل إذا عدمت اليمنى صارت اليسرى كذلك قاله بعضهم أو تبقى على حالها وهو ظاهر الرسالة.
قال القلشاني: إنما اختصت السبابة بالإشارة بها دون غيرها لأن عروقها متصلة بنياط القلب فإذا تحركت انزعج القلب فتنبه لذلك. انتهى (^٣).
وقيل: يشير بها تقريرا على نفسه، وقيل: يشير بها عند الوحدانية، وقيل: ينصبها من غير تحريك مشيرا إلى الوحدانية، وقيل: للتذكر أنه في صلاة، وقيل أنه صفة المتذلل الخاضع، وقيل: الإشارة إلى التوحيد.
قوله: (وتيامن بالسلام) أي وندب للمصلي التيامن بسلامه منها كان إماما أو مأموما أو فذا في السلام المفروض بحيث يرى صفحة وجهه بعد أن يشير به إلى قبالته.
قوله: (ودعاء بتشهد ثان) المراد بتشهد ثان تشهد السلام وإن لم يكن ثانيا إنما
_________________
(١) هو سفيان بن سيعد الثوري أبو عبد الله الكوفي ولد بالكوفة سنة ٩٧ هـ وتوفي بالبصرة سنة ١٦١ هـ من شيوخه والده سعيد بن مسروق الثوري وحدث عن ابن المبارك وحدث عنه ابن المبارك وغيره، من مؤلفاته الجامع الكبير والصغير وكلاهما في الحديث وغيرهما، انظر الأعلام للزركلي، مج ٣، ص ١٠٤، وسير أعلام النبلاء للذهبي: ط ٢: ١٩٨٢ م، مج ٧، ص: ٢٩٩، الترجمة: ٨٢. شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن الفلاح عبد الحي بن العماد، المكتبة التجارية بيروت، لبنان: ج ١، ص: ٢٥٠ - ٢٥١
(٢) - التمهيد: ج ١٩، ص: ٢٥٦
(٣) القلشاني على الرسالة: ج ١، ص: ١٢٣، مخطوط.
[ ١ / ٢٧٠ ]
قال ذلك لأنه الغالب أي وندب له في تشهد السلام أن يدعو فيه لمصالحه وللمسلمين.
قال في العتبية: ومن لم يتشهد حتى سلم الإمام فليتشهد ولا يدعو ثم يسلم (^١).
قوله: (وهل لفظ التشهد والصلاة على النبي ﷺ سنة، أو فضيلة؟ خلاف) أي وهل لفظ التشهد الوارد بعينه الذي كان عمر بن الخطاب ﵁ يعلمه للناس على المنبر، وهل الصلاة على نبيه أي على نبي المصلي سنة أو فضيلة خلاف في كل من الفرعين، أبو محمد: سنة. ابن الجلاب: فضيلة.
وقيل: الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة فرض. انتهى.
التحيات جمع تحية، والتحية السلام لقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [النساء: ٨٦] والتحية الملك والتحية أيضا البقاء.
قال في فتح الجليل: والحكمة في أن الله تعالى أمرنا أن نصلي عليه ونحن نقول: اللهم صل على محمد فنسأل الله أن يصلي عليه ولا نصلي عليه بأنفسنا لأنه ﷺ طاهر لا عيب فيه ولا نقص وفينا العيب والنقص فكيف يثني ذو العيب على طاهر فسألنا الله أن يصلي عليه لتكون الصلاة من رب العالمين طاهر على نبي طاهر. انتهى (^٢).
(وإنما خص إبراهيم ﷺ من بين سائر الأنبياء بذكر آله لوجهين أحدهما أن النبي ﷺ رأى ليلة المعراج جميع الأنبياء وسلم عليه كل نبي ولم يسلم أحد منهم على أمته غير إبراهيم ﷺ فأمرنا النبي ﷺ أن نصلي عليه في آخر كل صلاة إلى يوم القيامة مجازاة على إحسانه، والثاني أن إبراهيم ﷺ لما فرغ من بناء الكعبة جلس مع أهله فبكى ودعى فقال: اللهم من حج هذا البيت من شيوخ أمة محمد فهبه مني السلام، فقال أهل بيته: آمين.
ثم قال إسحاق ﷺ: اللهم من حجه من كهول أمة محمد ﷺ فهبه مني السلام فقالوا: آمين.
فقال إسماعيل: اللهم من حج هذا البيت من شباب أمة محمد فهبه مني السلام فقالوا: آمين. وقالت سارة مثل ذلك لنساء أمة محمد، فلما سبق منهم السلام أمرنا
_________________
(١) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ١، ص: ٣٦١.
(٢) فتح الجليل: ج ١، ص: ١٦١.
[ ١ / ٢٧١ ]
بذكرهم في الصلاة مجازاة لهم على حسن صنيعهم) (^١)، ومحله التشهد الأخير.
عن أبي بكر الصديق: الصلاة على النبي ﷺ أمحق للذنوب من الماء البارد للنار (^٢).
قوله: (ولا بسملة فيها) أي في التشهد، وتكره الصلاة على النبي ﷺ في سبعة مواضع عند الذبح وعند العطاس وعند الجماع وعند العثرة وعند التعجب وعند البيع وعند قضاء الحاجة.
قوله: (وجازت كتعوذ بنفل، وكرها بفرض) أي البسملة كما يجوز التعوذ في صلاة نفل وكرها في فرض.
قال سند: لم يختلف في أنها لا تفسد الفريضة وله أن يتعوذ ويبسمل في النفل، هل ذلك في غير الفاتحة؟ وهو رواية ابن القاسم في العتبية، أو في الفاتحة وغيرها وهو حكاية الباجي من العراقيين وهل يجهر بها؟ أم لا، وهل يقولها في كل ركعة، أو في الركعة الأولى خاصة، ولفظها عند مالك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قوله: (كدعاء قبل قراءة، وبعد فاتحة وأثناءها، وأثناء سورة وركوع، وقبل تشهد، وبعد سلام إمام وتشهد أول) عد الشيخ تكلله ثمانية مواضع التي يكره فيه الدعاء في الصلاة:
الأولى: الدعاء قبل القراءة لأن الاشتغال بالفريضة أولى.
الثاني: دعاء بعد قراءة الفاتحة وقبل قراءة السورة.
الثالثة: الدعاء في أثناء الفاتحة.
الرابع: الدعاء في أثناء السورة.
الخامس: الدعاء في الركوع.
السادس: الدعاء قبل التشهد الثاني.
السابع: بعد سلام الإمام وقبل سلام الماموم.
الثامن: الدعاء في التشهد الأول.
ولذلك طلب بتقصيره والمكروه لا ينبغي فعله لأن في فعله ترك الأجر، وينبغي للمؤمن أن يكون في دينه نهابا لما فيه الأجر كما قال بضعهم: الليل والنهار يمضيان
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ١، ص: ١٦١ - ١٦٢.
(٢) الشفا للقاضي عياض، الفصل السادس في ذم من لم يصل على النبي ﷺ وإثمه: ص: ٤٣٧.
[ ١ / ٢٧٢ ]
فيك فانهب فيهما بالأعمال.
قوله: (لا بين سجدتيه) أي لا يكره الدعاء بين سجدتيه ولا قبل ركوع ولا بعده.
قوله: (ودعا بما أحب - وإن لدنيا - وسمى من أحب ولو قال: يا فلان فعل الله بك كذا) أي ودعى المصلي حيث لا يكره له بما أحب من أمور الدنيا والآخرة واستحسن له تكرار رب اغفرلي.
قال سند قال مالك: إلا أنه يستحب له التأدب فلا يقول: اللهم أرزقني وهو كثير الدراهم، وليدع بما يدعوا به الصالحون، ويجووز له أن يسمي في دعائه من أحب الدعاء له بالخير أو عليه بالشر ولو قال يا فلان فعل الله بك كذا من خير أو شر حاضرا أو غائبا (لم تبطل) صلاته سواء قدم النداء على الدعاء أم لا على المشهور. انتهى.
فائدة: عياض: الدنيا إسم لهذه الحياة، وسميت دنيا لدنوها لأهلها وبعدها عن الآخرة، وقيل: اسم لما على الأرض، وقيل: اسم للجواهر والأغراض.
قوله: (وكره سجود على ثوب) أي وكره للمصلي أن يسجد على ثوب قطنا كان أو صوفا لأنه ليس من طبع الأرض فإن قلت: لم كرر كره هنا ولم يعطف بالواو قلت لئلا يتوهم أنه معطوف على الجائزات بغير كراهة.
قوله: (لا حصير) أي لا يكره السجود على الحصير (و) لكن (تركه أحسن) لقوله ﵇: «يا رباح (^١) عفر وجهك بالأرض (^٢)».
قوله: (ورفع موم ما يسجد عليه وسجود على كور، عمامته أو طرف كم ونقل حصباء من
_________________
(١) رباح مولى أم سلمة، روى النسائي من طريق كريب عن أم سلمة قالت: مر النبي ﷺ بغلام لنا يقال له رباح وهو يصلي فنفخ فقال: ترب وجهك ورواه الباوردي من طريق حماد بن سلمة عن أبي حمزة عن أبي صالح عن أم سلمة وفيه قصته وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين من طريق داود بن أبي هند عن أبي صالح مولى طلحة عن أم سلمة نحوه. الإصابة ج ٢، ص: ٤٥٢، الترجمة: ٢٥٦٤. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير أبو صالح مولي طلحة بن عبيد الله الحديث: ٧٤٢ وابن حبان في صحيحه وذكره الأمر أن يقصد المرء في سجوده التراب الحديث: ١٩١٣.
(٢) الحديث أخرجه أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابي الحنفي بدر الدين العيني (المتوفى: ٨٥٥ هـ) في شرحه لسنن أبي داود: (٨٦) - باب الصلاة على الحصير. في شرحه للحديث: ٦٣٨. ج ٣، ص: ٢٠٣. المحقق: أبو المنذر خالد بن إبراهيم المصري الناشر: مكتبة الرشد - الرياض الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.
[ ١ / ٢٧٣ ]
ظل له) أي وكره لمن فرضه الإيماء أن يرفع إلى جبهته ما يسجد عليه وهذا إذا أدى ما عليه من الإيماء وإلا بطلت صلاته، وكذلك يكره له السجود على كور عمامته. الكور يطلق على الزيادة ومنه (أعوذ بالله من الجور بعد الكور) (^١) أي من النقصان بعد الزيادة، وكذلك يكره له السجود على طرف كمه. الكم بضم الكاف، وكذلك يكره له نقل حصباء من ظل لأجل السجود عليه في مسجد لأن ذلك يؤذي المارين والمصلين.
وقوله: (بمسجد) شرط ولكن ليس في المدونة.
قوله: (وقراءة بركوع أو سجود) لقوله ﷺ: «نهيت أن أقرأ راكعا أوساجدا أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء» (^٢).
قال القرافي: فاعلم أن المطلوبين في الشريعة قد يكون الجمع بينهما غير مطلوب وربما كان منهيا عنه (^٣).
قوله: (ودعاء خاص، أو بعجمية لقادر) أي ويكره له دعاء مخصوص في الصلاة بل يدعو بما شاء، ويستحب له أن يدعو بما يدعو به الصالحون، وكذلك يكره له دعاء بلفظ عجمي إذا كان قادرا على العربية وإن لم يقدر على العربية فلا كراهة، سئل فيه الإمام مالك ﵁ فقال: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قوله: (والتفات بلا حاجة) أي ويكره الإلتفات في الصلاة فإن فعل فلا تبطل صلاته ما لم يستدبر قبلة قال ﷺ: «الالتفات في الصلاة هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» (^٤) «فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه العبد
_________________
(١) يعني كما قال القرطبي: تشتت أمر الرجل بعد اجتماعه الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج ١٦، ص: ٦٧ تفسير سورة الزخرف.
(٢) أخرجه مسلم (٤) - كتاب الصلاة (٤١) - باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود الحديث: ٢٠٧/ (٤٧٩) عن ابن عباس ورواه أبو داود (٢) كتاب الصلاة، (٢٢) - باب الدعاء في الركوع والسجود الحديث: ٨٧٦ وروى أحمد في مسنده مسند ابن عباس الحديث: ١٩٠٠ وابن حبان في صحيحه (٩) - كتاب الصلاة (١٠) باب صفة الصلاة الحديث: ١٨٩٦
(٣) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي الفرق السادس والأربعون بين قاعدة ما يطالب جمعه وافتراقه وبين قاعدة ما يطلب افتراقه دون جمعه وبين قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراق: ج ٢: ص: ٣.
(٤) أخرجه البخاري (١٦) - كتاب الصلاة (١١) - باب الالتفات في الصلاة الحديث: ٧١٨.
[ ١ / ٢٧٤ ]
في الصلاة ما لم يلتفت (^١) «ما التفت عبد قط إلا قال الله تعالى أنا خير مما التفت إليه» «أما يخاف الوجه الذي يفعل هذا أن يحول الله وجهه وجه حمار» (^٢). انتهى.
قوله: (وتشبيك أصابع وفرقعتها) أي وكره في الصلاة لا في غيرها تشبيك الأصابع بعضها ببعض، وكذلك يكره فرقعة الأصابع في الصلاة.
قوله: (وإفعاء) أي وكره الإقعاء في الصلاة وهو أن يجلس على صدور قدميه ماسا بعقبيه إليتيه.
قال صاحب إكمال الإكمال: قال أبو عبيد (^٣): هو أن يلصق إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه بالأرض كفعل الكلب.
وفسره الفقهاء بأن يضع إليتيه على عقبيه بين السجدتين.
وقال النضر (^٤): هو أن يجلس على وركيه وهو الاحتفاز والإستيفاز.
وحكى الثعالبي عن الأئمة في كيفية الجلوس: أقعى إذا ألصق أليتيه بعقبيه واستوفز واحتفز واقعنفز وجلس القعفزى إذا جلس كأنه يريد أن ينهض. وقرطش إذا ألصق إليته بالأرض وتوسد ساقيه. انتهى (^٥).
قوله: (وتخصر) أي ومما يكره في الصلاة التخصر هو أن يجعل يده على خاصرته لأنه راحة اليهود وهم أهل النار وقيل لأنه فعل أهل الكبر والصلاة موضع تذلل وخضوع، كذلك يكره (تعميض بصره) في الصلاة إلا لكحضور قلب أو لعذر، ولا يرفع بصره إلى السماء وهو في الصلاة لقوله ﵇: «ما بال أقوام يرفعون
_________________
(١) المعجم الكبير للطبراني أبو سلامة الأسود عن الحارث الأشعري الحديث: ٣٤٢٧ والحديث ٣٣٤٩، وأخرجه الترمذي في سننه (٤٢) - كتاب الأمثال (٣) - باب ما جاء مثل الصلاة والصيام والصدقة الحديث: ٢٨٦٣
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه -٤ كتاب الصلاة، ٢٥ - باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما، الحديث: ٤٢٧
(٣) أبو عبيد: معمر بن المثنى التيمي بالولاء البصري النحوي العلامة. من مؤلفاته: مجاز القرآن وكتاب غريب الحديث، وكتاب غريب القرآن وغيرهم. كان مولده سنة: ١١٠ هـ، ومات سنة: ٢٠٩ هـ. التعريف بالرجال المذكورين في جامع الأمهات لابن الحاجب. تأليف: محمد بن عبد السلام الأموي، الترجمة: ١١٢، ص: ٢٦٧ - ٢٦٨.
(٤) النضر بن شميل المازني التميمي أبو الحسن كان عارفا بأيام العرب ورواية الحديث وفقه اللغة ولد بمرو سنة: ١١٢ هـ. ومات سنة: ٢٠٣ هـ من مؤلفاته: غريب الحديث وكتاب السلاح وغيرهما. الأعلام للزركلي: ج ٨، ص: ٣٣.
(٥) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٤٣٢
[ ١ / ٢٧٥ ]
أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ثم قال: «لينتهين عن ذلك أو ليخطفن أبصارهم» (^١) أخرجه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).
قوله: (ورفعه رجلا ووضع قدم على أخرى، وإقرانهما) أي ومما يكره في الصلاة رفع رجل كما تفعله الدابة، وكذلك يكره له فيها وضع إحدى قدميه على الأخرى، وكذلك يكره له إقران قدميه كالمقيد.
قوله: (وتفكر بدنيوي) أي ويكره للمصلي التفكر في أمر دنيوي إذا لم يذهله ذلك عنها لأن المصلي يناجي ربه «إن في الصلاة شغلا» (^٤) يعني عن غيرها. فوظيفة المصلي الإقبال عليها وتدبر ما يقول والإعراض عن غيره (^٥). ومفهوم قوله: بدنيوي أن الأخروي ليس بمكروه والمفهوم صحيح.
قوله: (وحمل شيء بكم، أو فم) أي ومما يكره في الصلاة حمل شيء في كمه أو فمه ما لم يشغله ما في الكم أو يمنعه ما في الفم من القراءة وإلا فممنوع.
قوله: (وتزويق قبلة) أي ويكره تزويق قبلة المصلين أو الكتابة فيه لأن ذلك مما يشغل.
قوله: (وتعمد مصحف فيه ليصلي له) أي وكره للمصلي تعمد وضع مصحف في قبلة مصلاه ليصلي إليه تبركا لأن ذلك يشبه الصنم وأما إذا كان ذلك الموضع موضعه فلا بأس به.
قوله: (وعبث بلحية) أي ومما يكره للمصلي العبث بلحيته (أو غيرها).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠) باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة الحديث: ٧١٧ وأخرجه مسلم في صحيحه (٤) - كتاب الصلاة (٢٦) باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة الحديث: ٤٢٨/ ٤٢٩.
(٢) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجعفي أبو عبد الله حبر الإسلام الحافظ لحديث رسول الله ﷺ ولد سنة: ١٩٤ هـ ببخارى من مؤلفاته الجامع الصحيح المعروف بصحيح البخاري وغيره، مات سنة: ٢٥٦ هـ الأعلام للزركلي: ج ٦، ص: ٣٤.
(٣) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري أبو الحسين حافظ من أئمة الحديث، ولد بنيسابور سنة: ٢٠٤ هـ ومات بظاهر نيسابور سنة: ٢٦١ هـ من أشهر كتبه: صحيح مسلم والمسند الكبير وغيرهما. الأعلام للزركلي: ج ٧، ص: ٢٢١.
(٤) إن في الصلاة شغلا، أخرجه البخاري في صحيحه (٢٧) - أبواب العمل في الصلاة -٢ - باب ما ينهي من الكلام في الصلاة الحديث: ١١٤١ وأخرجه مسلم في صحيحه (٥) -كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٧ - باب تحريم الكلام في الصلاة … الحديث: ٥٣٨.
(٥) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٤٤٠.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وقيل: لا بأس أن يحول خاتمه في أصابعه لعدد الركعات خوف السهو. انتهى من اللخمي (^١).
قوله: (كبناء مسجد غير مربع، وفي كره الصلاة به قولان) تشبيه في الكراهة أي كما يكره بناء مسجد بناء غير مربع لأنه لا يمكن فيه تسوية الصفوف، وكذلك يكره المربع غير المستقبل فإن وقع ونزل بنيت كذلك ففي كره الصلاة فيه وعدم كراهته قولان. كرر الشيخ الكاف في كبناء مسجد ولم يعطفه بالواو لئلا يتوهم أنه معطوف على عبث بلحيته. انتهى.
وسئل أبو حازم (^٢) ﵁ كيف تصلي؟ قال: إذا قرب وقت الصلاة اسبغت الوضوء بتمام فروضه وسننه ثم استقبل القبلة وأمثل البيت الحرام بين حاجبي والجنة عن يميني والنار عن شمالي، والصراط تحت قدمي والله مطلع علي وأظن أن صلاتي تلك لا أصلي بعدها وأكبر بتعظيم وأقرء بتفكر وأركع بتذلل وأسجد بتواضع وأسلم على التمام وأقوم على الرجل لا أدري تقبل مني أو يضرب بها وجهي قال له السائل: منذ كم تصلي هذه الصلاة قال: منذ أربعين سنة. قال: وددت لو صليت في عمري كله صلاة واحدة مثل هذه الصلاة فأكون من الفائزين. انتهى من حلية الأولياء (^٣).
قال رباح بن أحمد الهروي (^٤) في حلية الأولياء: مر عاصم بن يوسف (^٥) بحاتم الأصم (^٦) وهو يتكلم في مجلسه. فقال: يا حاتم تحسن تصلي قال: نعم. قال: كيف. قال حاتم: أقوم بالأمر وأمشي بالخشية وأدخل بالنية وأكبر بالعظمة وأقرأ بالترتيل والتفكر وأركع بالخشوع وأسجد بالتواضع وأجلس للتشهد بالتمام وأسلم بالسبيل والسنة وأسلمها بالإخلاص إلى الله وأرجع على نفسي بالخوف أخاف أن لا
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٢٩٧.
(٢) أبو حازم سلمة بن دينار المخزومي الأعرج عالم المدينة بعث إليه أمير المؤمنين سليمان فرفض قائلا إن كانت له حاجة فليأت، وأما أنا فما لي إليه حاجة. الأعلام للزركلي: ج ٣، ص: ١١٣.
(٣) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم
(٤) رباح بن أحمد الهروي لم أطلع على ترجمته بعد
(٥) عاصم بن يوسف لم أطلع على ترجمته بعد
(٦) حاتم بن عوان أبو عبد الرحمن المعروف بالأصم زاهد اشتهر بالورع، له كلام مدون في الزهد من أهل بلخ وكان يقال له حاتم هذه الأمة مات سنة: ٢٣٧ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٢، ص: ١٥١.
[ ١ / ٢٧٧ ]
يقبل مني وأحفظه بالجهد إلى الموت قال: تكلم فأنت تحسن تصلي. انتهى (^١).
ولا ينبغي أن يصلي وهو ناعس لقوله ﷺ: «إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر الله فيسب نفسه» (^٢)، وفي هذا الحديث دليل على أن العبد يثاب ويعاقب بالنطق من غير نية، كما استجاب الله دعاء إسحاق ونيته كانت ليعصوا على جميعهم السلام. انتهى من البرزلي.
فصل [في القيام وبدله ومراتبهما]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه صلاة المريض ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب وينبغي للعبد أن يحفظ هذا الفصل إذ لا معصوم من المرض.
قوله: يجب بفرض قيام إلا لمشقة، أو لخوفه به فيها، أو قبل ضررا كالتيمم أي يجب في صلاة فرض وقتي أو فائت قيام إلا لأجل مشقة تخل بخشوعه فيسقط عنه القيام بذلك فإن تكلف القيام أجزأه وكذلك يسقط عنه القيام فيها لأجل خوفه به أي بالقيام فيها أي في الصلاة او قبل دخوله فيها ضررا كما تقدم في التيمم من خوف مرض أو زيادة.
قوله: (إلا لمشقة) قال تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ [النور: ٦١] الثعالبي (^٣): ظاهر الآية وأمر الشريعة أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر وتقتضي نيتهم الإتيان به بالأكمل ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص فالحرج عنهم مرفوع. انتهى من الجواهر الحسان (^٤).
_________________
(١) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: ج ٨، ص: ٧٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٦) - كتاب صلاة المسافرين (٣١) - باب أمر من نفس في صلاته. الحديث: ٧٨٦ وأخرجه مالك في الموطأ (٧) كتاب صلاة الليل - باب ما جاء في صلاة لليل الحديث: ٣.
(٣) عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي الجزائري أبو زيد مفسر من أعيان الجزائر من مؤلفاته: الجواهر الحسان في تفسير القرآن وغيره. ولد سنة: ٧٨٦ هـ ومات سنة: ٨٧٥ هـ الأعلام للزركلي: ج ٣، ص: ٣٣١.
(٤) الجواهر الحسان في تفسير القرآن تأليف: الأمام العلامة الشيخ سيد عبد الرحمن حقيقة وأخرج
[ ١ / ٢٧٨ ]
قوله: (كخروج ريح) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يسقط عنه القيام في الصلاة لخوف خروج ريح منه بسبب القيام فيها فإذا جلس اتمها متوضئا.
وقوله: كخروج ريح، يحتمل أن يكون تمثيلا للمشقة، ويحتمل أن يكون تمثيلا للضرر، والأصح أنه تشبيه لإفادة الحكم.
قوله: (ثم استناد. لا لجنب وحائض) أي فإن سقط عنه القيام مستقلا فإنه يستند قائما لشيء طاهر غير جنب ذكرا أو أنثى أو حائض أو نفساء لغلبة نجاسة ثيابهما أو جسدهما فلو طهرا فلا بأس باستناد هما.
قال القاضي: لا يجوز لإعانتهما في الصلاة فلزم غير المتوضئ (^١).
قال اللخمي: لأنهما كنجس لمنعهما المسجد. انتهى من ابن عرفة (^٢).
قوله: (ولهما أعاد في الوقت) أي فإن وقع ونزل واستند إليهما أعاد تلك الصلاة في الوقت الضروري.
قوله: (ثم جلوس كذلك) أي فإن لم يقدر على القيام مستندا فإنه يجلس مستقلا، فإن لم يقدر على الجلوس مستقلا استند جالسا، الصور أربع: مستقل قائم، قائم مستند، جالس مستقل، جالس مستند، فإن ترك الأعلى مع القدرة بطلت صلاته.
قوله: (وتربع كالمتنفل، وغير جلسته بين سجدتيه) أي فإن ساغ له الجلوس في صلاة فرض جلس تربعا استحبابا كما يفعله المتنفل جالسا لان التربع أقرب إلى القيام، وقيل يجلس كالمتشهد لأنه جلوس الادنى بين يدي الأعلى فإن تربع في جلوسه غير جلسته بين سجدتيه وفي التشهد ندبا وكيف ما جلس أجزأه.
قوله: (ولو سقط قادر بزوال عماد بطلت) أي ولو سقط قادر على القيام أو الجلوس مستقلا واستند استنادا يسقط بزوال عماد المستند إليه بطلت صلاته لإخلاله بالركن.
قوله: (وإلا كره) أي وإن لم يسقط بزواله صحت صلاته وفعل مكروها.
قوله: (ثم ندب على أيمن، ثم أيسر ثم ظهر) أي فإن سقط عنه الجلوس مستندا
=
_________________
(١) أحاديث ووثق أصوله أبو محمد الغماري الأدريسي الحسني: ج ٢، ص: ٤٥٧، ط: ١٩٩٦، دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
(٢) مختصر ابن عرفة: ص: ١٣٩ مخطوط
(٣) مختصر ابن عرفة: ص: ١٣٩ مخطوط
[ ١ / ٢٧٩ ]
بالعجز عنه فاضطجع ليصلي ندب له أن يضجعه على جنبه الأيمن كما في القبر إن أمكن له ذلك بلا مشقة ولا خوف ضرر فإن لم يمكن له ذلك ندب له أن يصلي مضطجعا على جنبه الأيسر فإن لم يكن له ذلك فعلى ظهره مستلقيا ورجلاه إلى القبلة وقيل إن لم يقدر على جنبه الأيمن فإنه يصلي مستلقيا على ظهره ثم على جنبه الأيسر.
قوله: (وأوما عاجز إلا عن القيام) أي والعاجز عن كل ركن فعلي إلا عن القيام فقط فإنه يومئ للركوع في قيامه، ويومئ للسجود في قيامه أخفض من إيمائه بالركوع.
قوله: (ومع الجلوس أوما للسجود منه) أي وإن قدر على القيام مع الجلوس ولم يقدر على الركوع والسجود فإنه يومئ للسجود من الجلوس لأن كلا من الركنين أقرب إلى ما الإيماء منه من غير، غفل الشارح هنا ﴿تعللته﴾ غفلة عظيمة ظاهرة وكم أجاد وبين.
كفى المرأ نبلا أن تعد معايبه
قوله: (وهل يجب فيه الوسع) أي وهل يجب على من فرضه الإيماء الطاقة في إيمائه فيفعل غاية مقدوره التي منه بداية المعجوز عنه أولا يجب عليه بل يكفيه مطلق الإيماء فيه تأويلان.
قوله: (ويجزئ إن سجد على أنفه؟) أي وهل يجزئ ذو كجرح في جبهته إن سجد على أنفه لأنه فعل الإيماء وزاد أو لا يجزئ أي فرضه الإيماء فيه (تأويلان) أيضا.
قوله: (وهل يومئ بيديه أو يضعهما على الأرض وهو المختار) أي وهل يومئ من فرضه الإيماء بيديه حين يومئ لسجوده وهو قول ابن نافع، أولا يومئ بهما بل يضعهما على الأرض وهو المختار للخمي فيه تأويلان. انتهى.
ومن الورع الخروج من الخلاف.
قوله: (كحسر عمامته بسجود؟ تأويلان) تشبيه أي كما يحسر عمامته عن جبهته حين إيمائه لسجوده بلا خلاف، أتى به دليلا على ما اختاره اللخمي انتهى.
قوله: (وإن قدر على الكل، وإن سجد لا ينهض أتم ركعة، ثم جلس) أي وإن قدر المصلي على الأركان كلها ولكن إن سجد لا يقدر على النهوض بباقي الركعات أتم ركعة كاملة، ثم يجلس فيتم ما بقي من صلاته لأن المطلوب من المكلف تحصيل
[ ١ / ٢٨٠ ]
ما كلف به أولا إلى أن ينتهي ما كلف به أو يعجز عنه فيسقط ما عجز عنه، وقيل يصلي الثلاث الأولى ويركع فيها ويومئ بسجودها ويصلي الرابعة يركع فيها ويسجد، والذي راعى هذا القول أنه إذا دار الأمر بين تصحيح الركوع والسجود فالركوع أولى لأن من أدرك الركوع فقد أدرك السجدة، ومن فاته الركوع فاته السجود والأول أظهر.
قوله: (وإن خف معذور انتقل للأعلى) أي وإن وجد معذور في صلاته خفة في نفسه بزوال عذره انتقل عن ما كان معذورا فيه للأعلى الذي هو الأصل، فإن خف وهو مضطجع، انتقل إلى الجلوس مستندا، وإن خف المستند انتقل للجلوس مستقلا، فإن خف انتقل إلى القيام مستندا، فإن خف فيه انتقل إلى القيام مستقلا، وإن خالف ما أمر به بطلت صلاته، وكذلك إذا عجز في أثناء صلاته فإنه ينتقل إلى الأدنى، وقيل يستأنف الصلاة.
قوله: (وإن عجز عن فاتحة قائما جلس) أي وإن عجز المريض عن قراءة الفاتحة قائما فإنه يجلس فيقرؤها، وأما إن عجز عن سورة فإنه يتركها ويركع، كمن عنده ماء لا يكفيه لفرائض وضوئه وسننه، فإنه يترك السنن ويستعمله في الفرائض.
قوله: (وإن لم يقدر إلا على نية، أو مع إيماء بطرف فقال وغيره: لا نص، ومقتضى المذهب الوجوب) أي وإن لم يقدر المريض إلا على نية الصلاة أو على النية مع الإيماء بطرف، فقال المازري وغيره وهو ابن بشير: لا نص فيه في المذهب، ومقتضى المذهب الوجوب (^١).
قال صاحب فتح الجليل: لابد في قول الشيخ من تقديم وتأخير تقديره وإن لم يقدر إلا على نية قال ابن بشير: لا نص في المذهب، وإن لم يقدر إلا على نية مع إيماء بطرفه، فقال المازري: لا نص فيه ومقتضى المذهب الوجوب (^٢)، وبهذا التقدير يوافق النقول، واعترض قوله: لا نص، لقول ابن الجلاب ولا تسقط عنه الصلاة ومعه شيء من عقله (^٣).
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ٢٧١.
(٢) فتح الجليل: ج ١، ص: ١٦٩ مخطوط
(٣) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني بعد قول ابن أبي زيد ولا يؤخر الصلاة إذا كان في عقله
[ ١ / ٢٨١ ]
وقال في الرسالة: ولا يؤخر الصلاة إذا كان في عقله (^١)، ظاهره وإن لم يقدر إلا على نية، وهذه النصوص فقهية، ومذهب أبي حنيفة السقوط لأن النية إنما هي للتمييز وليس هنا، ومذهب الشافعية الوجوب.
قوله: (وجاز قدح عين أذى لجلوس لا استلقاء، فيعيد أبدا، وصحح عذره أيضا) القدح هو استخراج الماء من العين يجوز إذا كان إنما يؤدي إلى الجلوس في الصلاة ولا يجوز إذا أدى إلى الاستلقاء في الصلاة فنسيان فعله أدى إلى الإستلقاء فإنه يعيد ما صلى مستلقيا أبدا عند ابن القاسم وصحح أشهب عذره، لما اختار الشيخ قول ابن القاسم قدمه عن قول أشهب ولو استويا عنده لقال: قولان أو خلاف، وهذا الخلاف فيما إذا كان قدح العين لأجل طلب الرأية إذا عمي، وأما إذا قدح لأجل الصداع فلا خلاف في جوازه وإن أدى إلى الإستلقاء، لما جاز له التعرض للتيمم بالأسفار بسبب الأرباح فيها والإنتقال من غسل إلى المسح في القصد فيها بهاهنا أولا.
قوله: (ولمريض ستر نجس بطاهر ليصلي عليه كالصحيح على الأرجح) أي وجاز لمريض ستر شيء نجس بشيء طاهر كثيف ليصلى عليه كما يجوز للصحيح أن يفعل ذلك على ما رجحه ابن يونس لو عكس الشيخ فيقول: وجاز للصحيح ستر نجس بطاهر كما يجوز للمريض إذ المريض لا ولمريض ستر نجس بطاهر ليصلي عليه كالصحيح على الأرجح خلاف في جواز ذلك له والخلاف الذي في الصحيح فيما غير الارض من الفراشات وأما الأرض فلا فرق بين الصحيح والمريض، الفرق أن الفراش يتحرك والأرض لا تتحكر.
قوله: (ولمتنفل جلوس ولو في أثنائها إن لم يدخل على الإثمام) أي وجاز لمتنفل جلوس في الصلاة بلا عذر ولو دخل بنية أن يصلي قائما ولو في أثنائها قاله ابن القاسم خلافا لأشهب وهو المشار إليه بلو، ابن القاسم يجوز له الجلوس في أثنائها إن لم يدخل على الإتمام قائما ملتزما له.
قوله: (لا اضطجاع، وإن أولا) أي ولا يجوز التنفل في حال الاضطجاع وإن دخل فيه مضطجعا ظاهره وإن كان مريضا وقيل يجوز ذلك للمريض وقيل يجوز حتى للصحيح ثلاثة أقوال.
_________________
(١) متن الرسالة لابن أبي أزيد ١٢ باب جامع في الصلاة، ص: ٣٩.
[ ١ / ٢٨٢ ]
فصل [في قضاء الفائتة مطلقا]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه قضاء الفوائت، ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (وجب قضاء فائتة مطلقا) أي ووجب على كل مكلف مسلم ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا قضاء كل صلاة فائتة مطلقا على الفور، سواء تركها عمدا أو سهوا كثيرة كانت أو يسيرة، وفي كل وقت من ليل أو نهار كما توجه عليه الخطاب بها حين الأداء من جهر أو سر أو إتمام أو قصر على قدر طاقته فلا يؤخرها، فإن لم يقدر على الإتيان بجميعها في فور أتى بما يقدر عليه ثم كذلك حتى يستوفي جميعها، ولا يتنفل بقيام رمضان ولا غيره إلا ركعتي الفجر والشفع والوتر واختلف الشيوخ في القضاء هل هو بالأمر الأول أو بأمر جديد ويجب القضاء على المستحاضة تركت الصلاة تظنه كالحيض جهلا، وكذلك من اسلم بدار الحرب فلم يصل حتى خرج منه فإنه يجب عليه قضاء كل صلاة بعد إسلامه إذ لا يعذر بالجهل، لأن كل جهل يمكن للمكلف رفعه، فلا يعذر به.
قال في إكمال الإكمال: قال ابن عبد الحكم: لا قضاء عليه، وأما المستحاضة فذكر ابن رشد فيها ثلاثة أقوال لا يفرق في الثالث بين أن تقل فتقضي أولا فلا. انتهى (^١).
فائدة: قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق: العبادات على ثلاثة أقسام منها ما يوصف بالأداء والقضاء كالصلوات الخمس ورمضان، ومنها ما لا يوصف بهما كالنوافل إلا إذا شرع فيها وأبطلها ومنها ما يوصف بالأداء فقط كصلاة الجمعة. انتهى (^٢).
وقال: القضاء في اصطلاح جملة الشريعة لفظ مشترك يطلق على ثلاثة معان: أحدها إيقاع الواجب خارج وقته المحدود له شرعا، وثانيها إيقاع الواجب بعد تعيينه بالشروع ومنه حجة القضاء، ومنه قضاء النوافل إذا شرع فيها، وثالثها ما وقع على خلاف وضعه في الشريعة، مع قطع النظر عن الوقت والتعيين بالشروع، ومنه قضاء
_________________
(١) اكمال الإكمال: ج ٢، ص: ٦٣٢.
(٢) أنوار البرق في أنواع الفروق للقرافي: ج ٢، ص: ٦٥، الفرق السادس والستون بتصرف وجيز
[ ١ / ٢٨٣ ]
المأموم لأن الركعتين الأخيرتين من العشاء يجهر فيهما فهو خلاف الوضع الشرعي تقديما؛ لأن الوضع الشرعي تقديم الجهر على السر، فتأخره خلاف الوضع. انتهى (^١).
قوله: (ومع ذكر ترتيب حاضرتين شرطا) أي وجب مع الذكر ترتيب صلاتين حاضرتين في حال كونه وجوبا شرطا، فلو خالف فقدم العصر مثلا على الظهر أعاد العصر لبطلانها إن تعمد ذلك أو جهله، ولو بدأ بالعصر قبل الظهر سهوا أعاد ما دام الوقت فقط. انتهى.
قوله: (والفوائت) أي وجب ترتيب الفوائت (في أنفسها) يقدم الأولى فالأولى ولكن ليس بواجب شرطا فمن فاته صبح يومه وعليه فوائت كثيرة أو يسيرة فلا يقضى الصبح حتى يصلي جميع ما عليه من الفوائت ولم يذكر الشيخ هنا شرطا فلذلك لا يعيد إن خالف عمدا لأن وقتها خرج بنفس السلام منها.
قوله: (ويسيرها مع حاضرة) أي ويجب ترتيب يسير الفوائت مع الحاضرة (وإن خرج وقتها) كان يسير الفوائت يسيرة أصلا، أو بقيت من فوائت كثيرة وهذا هو المشهور.
ولو قال الشيخ: ولو خرج وقتها، ليشير إلى قول ابن وهب، لكان أحسن.
قوله: (وهل أربع، أو خمس؟ خلاف. فإن خالف ولو عمدا أعاد بوقت الضرورة، وفي إعادة مأمومه خلاف) أي وهل هذه اليسيرة المذكورة أربع وهو ظاهر كلام أبي محمد أو هي خمس.
قال المازري: هو مهشور مذهب مالك.
ابن الجلاب والترتيب في الصلوات الفوائت إذا ذكرها مستحق في خمس صلوات فما دونهن وغير مستحق في ست صلوات فما فوقهن. انتهى (^٢).
وعلى المشهور فإن قدم الحاضرة على يسير الفوائت، ولو فعل ذلك عمدا أعاد الحاضرة في وقت الضروري، ويعيد الجمعة ظهرا، والضروري في الظهرين إلي
_________________
(١) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي: ج ٢، ص: ٦٥، الفرق السادس والستون.
(٢) التفريع لأبي القاسم عبيد الله بن الحسين بن الحسن بن الجلاب البصري ت: ٣٧٨ هـ .. ج ١، ص: ٢٥٣. دراسة وتحقيق: د. حسين بن سالم الدهماني الطبعة الأولى: ١٤٠٨ هـ، دار الغرب الإسلامي.
[ ١ / ٢٨٤ ]
الغروب، وفي العشائين إلى الفجر، وفي إعادة مأمومه وعدم إعادته خلاف، قيل: يعيد بناء على أن كل خلل في صلاة الإمام خلل في صلاة مأمومه، وقيل: لا يعيد لأن ذلك إنما هو للخلل في نفسها وليس ذلك هنا.
قوله: ﴿وإن ذكر اليسير في صلاة ولو جمعة قطع فة، وشفع إن ركع، وإمام ومأمومه لا مؤتم، فيعيد في الوقت ولوجمعة﴾ أي وإن ذكر صلوات يسيرة في أثناء الصلاة ولو صلاة جمعة، قطع فذ وجوبا.
وقيل: مستحب، وشفع إن عقد ركعة، فإن كان إماما قطع هو ومأمومه شفع أم لا، ويقطع المأموم بناء على أن صلاته مرتبطة بصلاة إمامه، وهذه إحدى المسائل التي يقطع فيها الإمام ومأمومه.
الثانية: النية والشك فيها.
الثالثة: تكبيرة الإحرام والشك فيها.
الرابعة: ذاكر الوتر وهو في صلاة الصبح على القول وفرق بينه وبين ذكر الإمام أنه محدث أنه يستخلف بفروق أحدها صحتها هنا على قول، فصار كالمختار في قطعها، بخلاف ذاكر الحدث لفساد صلاته إجماعا. انتهى من ابن ناجي (^١).
قوله: قطع ولمالك قول باستحباب القطع.
قوله: لا مؤتم أي فإن كان الذاكر في أثناء الصلاة يسير الفوائت ماموما فإنه لا يقطع لحرمة الإمام إذ هو من مساجين الإمام فلا يقطع ولو كان ذلك في صلاة جمعة بناء على أن الجمعة له بدل من الظهر، وأما على القول بأنه فرض يومه فلا يقطع.
قال أشهب: إن خاف فوات الجمعة تمادى مع إمامه ولا يعيد ظهرا، فإن لم يذكرها حتى سلم من صلاة الجمعة، فأكثر الروايات يعيد في الوقت بناء على أنه بدل من الظهر، ورجع إليه ابن القاسم بعد أن قال بعدم الإعادة أصلا. انتهى من ابن الحاجب (^٢).
قوله: ﴿وكمل فة بعد شفع من المغرب كثلاث من غيرها﴾ أي وإن ذكر اليسير في صلاة المغرب وهو فذ بعد أن صلى ركعتين كملهما أو ذكرها بعد ركعة في الثانئية فإنه
_________________
(١) انتهى من أبن ناجي. لم أطلع على هذه الإحالة
(٢) ابن الحاجب لم أطلع على هذه الإحالة
[ ١ / ٢٨٥ ]
يكمل كما يكملها إن عقد ثلاث ركعات في الرباعية فلا يقطع لعلتين إحداهما في المغرب أن لا نافلة قبل المغرب.
الثانية: أن ما قارب الشيء فله حكمه، وحيث قلنا: لا يقطع، فإنه يعيدها في الوقت بعد أن صلى يسير الفوائت.
قوله: (وإن جهل عين منسية مطلقا صلى خمسا، وإن علمها دون يومها صلاها ناويا له) أي سفرية أو حضرية ليلية أو نهارية وكذلك إن تركها عمدا ولا يدرى هل هي ظهر أو عصر أو مغرب أو عشاء أو صبح فإنه يصلى الصلوات الخمس مرتبا إذ هو مطلوب بتحقق براءة ذمته.
وقوله: وإن جهل الجهل يشمل الظن والشك والوهم.
قوله: وإن علمها أي وإن علم عين المسنية دون يومها صلاها ناويا ليومها بخلاف الحاضرة إذ لا يلزم أن ينوي يومها لأن فعلها يستلزم وقتها.
قوله: (وإن نسي صلاة وثانيتها صلى سنا، وندب تقديم ظهر) أي وإن نسي عين صلاة وثانيتها صلى ست صلوات مرتبات يختم بالتي بدأ بها وندب له أن يبدأ بالظهر لأنها أول صلاة صلاها جبريل ﵇ بالنبي ﷺ وله أن يبدأ بأيها شاء.
قوله: (وفي ثالثتها، أو رابعتها، أو خامستها كذلك يثني بالمنسي) أي وإن نسي صلاة وثالثتها أو رابعتها أو خامستها فإنه يصلى ست صلوات غير أن كيفية الصلاة في هذه الصور يثني بالمنسي فثالثة الظهر المغرب ورابعتها العشاء وخامستها الصبح فإن بدأ بالظهر في نسيان صلاة وثالثتها فإنه يثني بالمغرب ثم الصبح ثم العصر ثم العشاء ثم الظهر الذي بدأ بها وفي نسيان صلاة ورابعتها، وبدأ بالظهر فإنه يثني بالعشاء، ثم يصلي العصر ثم الصبح ثم المغرب ثم الظهر التي بدأبها، وفي نسيان صلاة وخامستها وقلنا يبدأ بالظهر فإنه يثني بالصبح ثم يصلي العشاء ثم المغرب ثم العصر ثم الظهر التي بدأ بها وذلك ست صلوات في كل فرع.
قوله: (وصلى الخمس مرتين في سادستها وحادية عشرتها) أي وإن نسي عين صلاة أو سادستها وحادية عشريتها فإنه يصلي الخمس مرتين إذ بذلك تبرأ ذمته منها.
قوله: (وفي صلاتين من يومين معينين) صوابه وفي صلاتين متعينتين من يومين لا يدري السابقة منهما إذ لا عبرة بالأيام أي وإن نسي صلاتين من يومين معينين (لا يدري السابقة) منهما لعدم علم سابقية أحد اليومين (صلاهما) معا ويعيد المبتدءة فله
[ ١ / ٢٨٦ ]
أن يبدأ بأيهما شاء فلابد أن يقع الترتيب.
وقول الشيخ وفي صلاتين من يومين معينين قصد الوجه المشكل.
وقوله: (وأعاد المبتدأة) أي خلاف المدونة إذ بنفس السلام يخرج وقتها.
قوله: (ومع الشك في القصر) أي وإن حصل ذلك مع الشك هل هما حضريتين أو سفريتين (أعاد إثر كل) صلاة (حضرية سفرية) لكن إنما يتصور هذا في الرباعية فإن صلى الظهر حضرية صلاها أيضا سفرية ثم كذلك في العصر ويعيد المبتدأة حضرية ثم سفرية إنما يبدأ بالحضرية لأنها تغني عن السفرية ولا ينعكس.
قوله: (وثلاثا كذلك سبعا) أي وإن نسي ثلاث صلوات معينات لا يدري السابقة صلى سبع صلوات الثلاث مرتين وأعاد الأولى فلابد حينئذ من الترتيب.
قوله: (وأربعا) أي وإن كانت المنسيات أربعا معينات لا يدري السابقة صلى (ثلاث عشرة) صلاة (وخمسا) إن كن (إحدى وعشرين) صلى إحدى وعشرين صلاة وضابط ذلك أن تضرب عدد المنسيات في أقل منها بواحدة وتزيد على الخارج واحدة ثم تصلى بعدده.
قوله: (وصلى في ثلاث مرتبة من يوم لا يعلم الأولى سبعا، وأربعا ثمانيا، وخمسا تسعا) أي وإن نسي ثلاث صلوات مرتبة من يوم لا يعلم الأولى فإنه يصلى سبعة صلوات مرتبة وإن كانت تلك المنسيات أرابعا صلى ثمان صلوات وإن كن خمسا صلى تسع صلوات مرتبة فلا بد أن يقع الترتيب.
فصل [في حكم سجود السهو وما يتعلق به]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه أحكام السهو في الصلاة ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب، أجاد المنصف الله في هذا الفصل.
قوله: (سن لسهو) بدأ بحكم السجود في السهو بقوله: سن خلافا لمن قال بوجو به من أهل المذهب ثم ذكر موجبه بقوله: (لسهو - وإن تكرر) ثم ذكر سببه بقوله: (بنقص سنة مؤكدة أو مع زيادة -)، ثم ذكر قدره بقوله: (سجدتان)، ثم ذكر المحل بقوله: (قبل سلامه) وبقوله: وإلا فبعده أي سن لسهو أي سن لأجل سهو في الصلاة بنقص سنة مؤكدة لا لفرض ولا لسنة غير مؤكدة سجدتان وإن تكرر السهو فيها مرات أو نقص سنة مع زيادة قبل سلامه وسجود السهو إجبار للصلاة والإكتفاء بالجبر أولى
[ ١ / ٢٨٧ ]
من القطع ومن الإعادة، ولأنه ترغيم للشيطان ولأن يأتي بقربة لموضع غفلته عن أن يكون قبله فيما أو جب الله تعالى من تلك القربة. قاله اللخمي (^١).
الخير كله في الاتباع والشر كله في الإبتداع (^٢).
قوله: (وبالجامع في الجمعة) أي وإن كان السهو بنقص سنة مؤكدة في صلاة الجمعة فإنه لا يسجد له إلا في الجامع لأنهما كبعض الصلاة فإن سجدهما في غير الجامع لم تجزه وكذلك من نسي السلام فإن قلت: كيف يتصور هذا لأنه بالخروج من الجامع تبطل صلاته.
قلت: إنما يتكلم هنا على مسائل السهو، ولو سئل عن بطلان صلاته لأجاب ببطلانها، ومثله كثير في هذا المختصر وأما السجدتان في غير الجمعة فإنه يسجدهما حيث شاء في كل وقت من ليل أو نهار إذا كانتا من فرض وأما إذا كانتا من النفل، قال بعضهم: لا يسجد إلا في وقت يحل فيه النفل، وقال بعضهم: يسجد كالفرض.
قوله: (وأعاد تشهده) أي وإذا سجد القبلي أعاد تشهده ليكون السلام عقب التشهد ولفعله العا ولكن لا يدعو في تشهده ذلك ولا يطول فيه بل يتشهد ويسلم.
قوله: (كترك جهر وسورة بفرض) وهذه من أمثلة للسنة المؤكدة أي وإن ترك الجهر في محله في فرض أو ترك فيه قراءة سورة سجد قبل السلام لا إن ترك الجهر أو السورة في نفل فإنه لا سجود عليه، فسهو النافلة كالفرض إلا في خمس مسائل: الجهر والسر وترك السروة.
ومن أخل منه بركن وطال فلا قضاء عليه بخلاف الفريضة ومن قام إلى ثالثة في النفل وعقدها فإنه يتمادى ويتم أربعا بخلاف من قام إلى خامسة في الفرض والنفل فإنه يقطع.
فرع: فلو سجد للنقص ثم تكلم ساهيا، فإنه يسجد بعد السلام، لأنه قد زاد في صلاته، فلو سهى في سجود السهو فسجد ثلاثا، فإن كان سجوده قبل السلام فليسلم ثم يسجد بعد السلام، كأنه زاد في صلاته وإن كان السجود بعد السلام أجزأه ولا
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٥٢٥.
(٢) هذا نص ما ذكره القرافي في الفروق: الفرق الثاني والخمسين والمائتان: ج ٤، ص: ١٥٨، ط: ٢٠٠٣ م، المكتبة العصرية. والشاطبي في الاعتصام ص: ١٢٩.
[ ١ / ٢٨٨ ]
شيء عليه.
فرع: لو تيقن بالسجود وشك في محله قال في العتبية: يسجد قبل السلام (^١). قال بعضهم: لأن الأصل النقص.
فائدة واعلم أن السهو وإن كثرت فروعه ودقت بعض مسائله فإنه بالالتفات إلى قوانينه وأصوله يسهل الوصول إلى تحصيله. انتهى.
ولا يشترط للإمام أن يكون عارفا لجميع مسائل السهو.
قوله: (وتشهدين) أي وإن سهى عن التشهدين معا سجد قبل السلام، واستشكل، فإن موجب السجود فوت الإتيان بما سهى عنه في محله، والتشهد الثاني لم يفت محله، فبقي التشهد الأول على انفراده، والمهذب أنه لا سجود فيه.
قال ابن عبد السلام: أجيب بأن السجود إنما كان لنقص التشهد الأول مع زيادته الكائنة عن تأخير الثاني في محله.
قال شهاب الدين (^٢): ويتصور فوت الإتيان به في محله للثاني في ثلاث مسائل أحدها الراعف المسبوق بركعة خلف الإمام.
الثانية: المقيم المسبوق يصلي خلف مسافر.
الثالث: المقيم يصلى الركعة الثانية في صلاة الخوف في سفر القصر خلف الإمام. انتهى (^٣).
قوله: (وإلا فبعده) أي وإن لم يكن السهو بنقص سنة مؤكدة ولا مع زيادة بل محض زيادة فإنه يسجد بعد السلام.
قوله: (كمتم لشك) شروع منه ﵀ يذكر أمثلة الزيادة المحضة ومن شك في صلاته هل هي تامة أم لا فإنه يتمها لأجل الشك لتبرأ ذمته منها ثم يسجد بعد السلام لاحتمال الزيادة، وهو كما للشيخ أبي محمد في رسالته: ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات أم أربعا، بنى على اليقين وصلى ما شك فيه وأتى برابعة فعليه
_________________
(١) البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، تحقيق: د. محمد حجي وآخرون: ط ٢: ١٤٠٨ هـ، ج ٢، ص: ٢٥، دار الغرب الإسلامي بيروت.
(٢) شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي وقد تقدمت ترجمته.
(٣) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٣١٣.
[ ١ / ٢٨٩ ]
أن يسجد بعد السلام. انتهى (^١).
فإن كان قد صلى خمسا شفعن له صلاته وإن كان صلى إتماما كانت ترغيما للشيطان.
قوله: (ومقتصر على شفع شك أهو به أو بوتر) وهو من أمثلة الزيادة المحضة أي ومن لم يدر أجلوسه الذي هو فيه هل في شفعه أو في وتره فإنه يسلم ويسجد بعد السلام ثم يوتر بواحدة عبر الشيخ ﵀ عن الأول بمتم حين يأتي بما شك فيه وعن الثاني بمقتصر حين لا يأتي بشيء ولو شك في الأولى أو الثانية من الشفع كان متما لأنه يبني على اليقين ويأتي بماشك فيه من الركعة.
قوله: (أوترك سر بفرض) أي وإن ترك سرا في محله وجهر فإنه يسجد بعد السلام لزيادة الجهر واحترز بالفرض من النفل فإنه لا سجود عليه إذا جهر في محل السر وهو من المسائل التي افترق فيه الفرض مع النفل.
قوله: (أو استنكحه الشك ولهي عنه) أي ومن استنكحه الشك في السهو فليله عنه ولا إصلاح عليه ولكن يسجد بعد السلام ترغيما للشيطان المستنكح هو الذي يشك في كل يوم مرة وهذا شاك مستنكح والأول شاك غير مستنكح.
قوله: (كطول بمحل لم يشرع به) أي كما يسجد بعد السلام إذا أطال في صلاته في محل لم يشرع فيه الطول كالقيام بعد الرفع من الركوع أو الجلوس بين السجدتين وأما إن شرع فيه الطول فلا سجود عليه على الأظهر عند ابن رشد وهو قول أشهب.
ابن رشد: هو أصح من قول ابن القاسم لا يسجد مطلقا، لأن ترك التطويل بعد الرفع من الركوع وبين سجدتين سنة، وأصح من قول سحنون: يسجد مطلقا.
قوله: (وإن بعد شهر) أي ومن عليه سجود بعد السلام فليسجده عقب سلامه فإن نسيه سجده متى ذكره وإن بعد شهر لأنه كصلاة مستقلة ولذلك يفعله بإحرام جديد وتشهد وسلام يجهر به إلا أنه لا يطول فيه ولا يدعو في تشهده، فإن قلت: أمر به ولو بعد شهر وليس هو بفرض وعنده أن النافلة لا تقضى فالجواب أنه لما كان جابرا للفرض أمر به للتبعية لا لنفسه.
قوله: (بإحرام، وتشهد، وسلام جهرا) أي ويسجد بإحرام جديد ويكفيه عن تكبيرة
_________________
(١) متن الرسالة (١٢) - باب جامع في الصلاة: ص: ٣٥.
[ ١ / ٢٩٠ ]
الهوي ظاهره يحرم له قرب أم بعد، وقيل: لا يحرم له مطلقا، وقيل: يحرم له إن بعد عن محله وإلا فلا.
قوله: (وصح إن قدم أو أخر) أي وصح السجود إن قدم البعدي عن محله وسجده قبل سلامه، أو أخر القبلي عن محله وسجده بعد سلامه وإن تعمد ذلك.
قوله: (لا إن استنكحه السهو ويصلح) هذا شروع منه الله فيما لا سجود في سهوه يريد أن من استنكحه السهو فلا سجود عليه للضرر ولكن يصلح بأن يأتي بما سهى عنه وهذا موقن مستنكح.
قوله: (أو شك هل سها أو سلم) يعني أن من شك في صلاته هل سهى فيها شيئا؟ أم لا ثم تيقن عدم السهو فإنه لا سجود عليه، وكذلك إن شك هل سلم من صلاته أم لا فإنه يسلم الآن ولا سجود عليه لأنه إن لم يسلم منها فهذا سلام وإن كان قد سلم منها فإنه ليس في صلاته.
قوله: (أو سجد واحدة في شكه فيه) أي وإن شك في سجود السهو (هل سجد اثنتين) أو إنما سجد واحدة فإنه يبني على اليقين فيسجد سجدة أخرى ثم يسلم ولا يسجد بعد السلام.
قال النحاة: الصغير لا يصغر مرتين.
قوله: (أو زاد سورة في أخرييه، أو خرج من سورة لغيرها) أي فإن زاد سورة في الركعتين الأخيرتين أو إحداهما فلا سجود عليه لأنها زيادة غير متفق عليها في المذهب بل استحبه بعضهم وكذلك لا سجود عليه إذا خرج من سورة قرأ بعضها إلى غيرها إلا أنه لا ينبغي له أن يفعل ذلك. قاله ابن عبد السلام.
ابن الجلاب: إن شرع في السورة القصيرة يستحب له أن ينتقل إلى أطول منها (^١).
وكذلك لا سجود عليه إن قدم السورة عن الفاتحة ثم أعادها بعدها.
قوله: (أوقاء غلبة أو قلس) يريد أن من غلبه القيء الطاهر في صلاته أو قلس فيها فلا تبطل صلاته ولا سجود عليه وليس بتكرار مع قوله في باب الطهارة وقيء إلا المتغير عن الطعام لأنه تكلم هنا على أن لا سجود عليه وهناك تكلم على طهارته. القلس ماء حامض تقذفه المعدة.
_________________
(١) التفريع لابن الجلاب: ج ١، ص: ٢٢٧.
[ ١ / ٢٩١ ]
قوله: (ولا لفريضة، ولا غير مؤكدة): (أي ولا سجود في ترك فريضة من الصلاة لأن السجود لا يجبرها وكذلك لا سجود في سهو سنة غير مؤكدة ولم يكتف الشيخ هنا بالمفهوم عن ذكرهما لأنه قال: سن لسهو بنقص سنة مفهومه أن الفرض لا يسجد له وقال: مؤكدة ومفهومه أن غير المؤكدة لا يسجد لها وقد يكتفي بالمفهوم وقد لا يكتفي به.
قوله: (كتشهد. ويسير جهر أو سر) هذه أمثلة للسنة غير المؤكدة أي فلا سجود عليه لترك تشهد واحد لخفته، وكذلك إذا جهر في السرية جهرا يسيرا أوترك جهرا في الجهرية تركا يسيرا فلا سجود عليه، وإنما يسجد إذا تركهما في محلهما تركا بينا.
قوله: (وإعلان بكآية) أي فلا سجود عليه إذا أعلن في السرية أو أسر في الجهرية بكآية أو آيتين لخفة ذلك. لو قال الشيخ: وكإعلان بآية ليشمل السر.
قوله: (وإعادة سورة فقط لهما) أي ولا سجود عليه إذا ترك الجهر بالسورة أو السر فيها بمحلهما ثم أعاد السورة لأجل الجهر أو السر واحترز بقوله: فقط من إعادة أم القرآن أو السورة معها لأجل الجهر والسر.
قوله: (ولتكبيرة) أي فلا سجود في ترك تكبيرة واحدة أو تحميدة واحدة.
قوله: (وفي إبدالها بسمع الله لمن حمده أو عكسه تأويلان) أي فإن أبدل التكبيرة الواحدة بسمع الله لمن حمده ففي سجوده وعدم سجوده تأويلان، من قال بسجوده لأنه تركها وأتى بما ليس عليه، ومن قال بعدمه لأنه كالتارك له وكذلك العكس وهو أن يبدل سمع الله لمن حمده بالتكبير اعلم أن ما تقدم سهوا ولا سجود ولا كراهية.
قوله: (ولا لإدارة مؤتم وإصلاح رداء أو سترة سقطت) شروع منه في ما لا سجود فيه وإن تعمده أي وإن صلى واحد مع الإمام فوقف بيساره فأداره الإمام خلفه إلى يمينه فلا سجود على الإمام ولا عليه وكذلك لا سجود عليه باشتغال بإصلاح ردائه أو عمامته أو إصلاح سترة سقطت أو كادت أن تسقط.
قوله: (أو كمشي صفين لسترة أو فرجة، أو دفع مار أو ذهاب دابته وإن بجنب، أو قهقرة) صوابه أو مشى كصفين أي فلا سجود عليه في مشي صفين أو ثلاث لأجل إدارة سترة أو لفرجة أو لدفع مار بين يديه أو لأجل ذهاب دابته أو خطف ردائه وإن كان
[ ١ / ٢٩٢ ]
هذا المشي لهذه الأشياء بجنب أو قهقرة خلفه ولكن صوابه أو قهقرا.
قال أشهب في المار: إن كان قريبا مشى إليه وإن كان بعيدا أشار إليه.
ابن عبد السلام: وهذا عندي خلاف ما قاله ابن العربي أن ليس للمصلي حريم إلا مقدار ثلاثة أذرع (^١) وأنه لا إثم على من مربين يديه فيما هو أبعد من ذلك. انتهى (^٢).
وأما ذهاب الدابة فإن بعد طلبها قطع وطلبها.
قال في البيان: وهذا إذا كان في سعة من الوقت وإلا تمادى وذهب إلا أن يكون بمفازة يخشى على نفسه من الهلاك إن تركها (^٣).
قلت: ولو قيل يصلي من طلبها كصلاة المسافر ما بعد.
قوله: (وفتح على إمامه إن وقف) أي ولا سجود على مأموم فتح على إمامه إن وقف ظاهره طلب الفتح أم لا وقف في الفاتحة أو غيرها، لا إن خرج من سورة أو آية لغيرها إلا أن يخلط بما يغير المعنى. الفتح على أربعة أقسام: إما أن يكون الفاتح معه في الصلاة، أو كان غير مصل وفتح على مصل فهذا جائز، وأما مصل على مصل في صلاة أخرى أو فتح على غير مصل فلا يجوز الفتح عليه وإن فتح عليه بطلت صلاته.
قوله: (وسد فيه لتثاؤب، ونفث بثوب لحاجة) أي ولا سجود عليه في سد فيه بيده أو غيرها لأجل تثاؤب في الصلاة ولا في نفث فيها في ثوب أو غيره لأجل حاجة لذلك انتهى.
ابن عباس: «ما تثاءب نبي قط ولا احتلم نبي قط ولا زنت امرأة نبي قط». انتهى.
وفي إكمال الإكمال وفي الحديث: «التثاؤب من الشيطان» (^٤) نسب إلى الشيطان لأنه من تكسيله وسببه، وقيل: أضيف إليه لأنه يرضيه.
_________________
(١) التوضيح: ج ٢، ص: ٦.
(٢) التوضيح: ج ١، ص: ٣٩٦. بتصرف في آخره
(٣) البيان والتحصيل لا بن رشيد: ج ٢، ص: ١١٤
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٦٣) كتاب بدء الخلق (١١) - باب صفة ابليس وجنوده الحديث: ٣١١٥ وأخرجه مسلم في صحيحه (٥٣) - كتاب الزهد والرقائق (٩) باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب الحديث: ٢٩٩٤
[ ١ / ٢٩٣ ]
قال بعض الشافعية: وإنما ينشأ عن امتلاء وثقل النفس وكدورة الحواس ويورث الغفلة والكسل وسوء الفهم ولذلك كرهه الله تعالى وأحبه الشيطان وضحك منه (^١).
قوله: «فليكظم ما استطاع» (^٢)، وأمره ﷺ بالكظم ليرد التثاؤب وأمر بوضع اليد على الفم لئلا يبلغ الشطان أمله لما يرى من تشويه خلقه ودخوله في فمه، وكذلك يضحك منه، وأمره بالتفل ليطرح ما عسى أن يكون الشيطان ألقاه في فمه أو لامسه من ريقه إن كان دخله.
قلت: وفي المدونة: وكان مالك إذا تثاءب سد فاه بيده ونفث في غير الصلاة وما أدري ما فعله في الصلاة والعطاس لما كان سببا لخفة الدماغ واستفراغ الفضلات وصفاء الروح وتقوية الحواس كان أمره بالعكس. انتهى (^٣).
قوله: (كتنحنح والمختار عدم الإبطال به لغيرها) أي كما لا سجود عليه في التنحنح للحاجة وكذلك التاخ أي بقول أخ أخ والمختار للخمي عدم الإبطال به بغير الحاجة.
قوله: (وتسبيح رجل أو امرأة لضرورة، ولا يصفقن) أي وكذلك لا سجود في تسبيح رجل أو امرأة لضرورة الحاجة به كتنبيه على أمر أو على سارق لقوله ﷺ: «من نابه شيء في صلاته فليسبح» (^٤) فالنساء يسبحن ولا يصفقن، وقيل يصفقن، التصفيق: ضرب أصبعين من اليمنى في باطن اليسرى. انتهى (^٥).
ومن شروط الصلاة ترك الأفعال الكثيرة فيها، والكثير ما يخيل للناظر الإعراض عن الصلاة بإفساد نظامها ومنع اتصالها، فلا تبطل بما دون ذلك من تحريك الأصابع في تسبيح أو حكة ولا بمشي يسير وإن كره ذلك إذا لم يكن لمصحة
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٩، ص: ٤٦٢
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٥٣) - كتاب الزهد والرقائق (٩) - باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب الحديث: ٥٦ - (٢٩٩٤)
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٩، ص: ٤٦٢ - ٤٦٣.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٧) - أبواب العمل في الصلاة (١٦) باب رفع الأبدي في الصلاة الحديث: ١١٦٠. وأخرجه مسلم في صحيحه (٤) - كتاب الصلاة (٢٢) - باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام الحديث: ٤٢١.
(٥) إكمال الإكمال: ج ٢، ص: ٣١٢
[ ١ / ٢٩٤ ]
الصلاة أو لما دعت إليه الضرورة. انتهى.
اللخمي وكره الإنحراف أو القطع على الشاة تأكل عجينا أو ثوبا.
ابن حبيب: إن كان فسادا كثيرا قطع.
ابن القاسم: إذا خطف ثوبه فلا بأس أن يقطع ويذهب في طلبه. انتهى منه (^١).
قوله: (وكلام الإصلاحها بعد سلام) يريد أن الكلام لإصلاح الصلاة لا سجود فيه ولا يبطلها إذا كان بعد السلام كما إذا اعتقد الإمام أنه كمل صلاته لما جاء في حديث ذي اليدين حين سلم رسول الله ﷺ من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله فقال ﷺ: «لم يكن شيء من ذلك فقال: أحق ما قال ذو اليدين فقالوا له: نعم كان أحد الأمرين فقام رسول الله ﷺ وأتى بركعتين (^٢)، ولا ينبغي لأحد أن يفعله اليوم.
قوله: (ورجع إمام فقط لعدلين) أي ويرجع الإمام إلى قول عدلين إن لم يتيقن كلماه أو سبحا له بزيادة أو نقص ظاهره كانا معه في الصلاة أم لا، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب، وهو خلاف ظاهر المدونة، وقيل: يشترط أن يكونا مأمومين، لأن من شاركه في الصلاة يكون أضبط لعدد الركعات من غيره. انتهى.
ومفهوم عدلين لا يرجع إلى قول المجهولين والمسخوطين أحرى، ومفهوم العدد لا يرجع إلى قول عدل واحد واحترز بقوله: فقط من الفذ.
ومفهوم قوله: (إن لم يتيقن) أنه لو تيقن لا يرجع إلى قولهما (إلا لكثرتهم جدا) بحيث يفيد خبرهم العلم فإنه يرجع إلى خبرهم ويترك اعتقاده انتهى.
وقيل: يرجع إلى قول عدل واحد بناء على أنه من باب الخبر فلا يشترط العدد والذكورية والحرية وعلى المهشور يشترط العدد والذكروية والحرية بناء على أنه من باب الشهادة.
قوله: (ولا لحمد عاطس، أو مبشر) أي فلا سجود على من حمد الله لأجل عطس أو أخبر بشيء يبشره فحمد الله لأن ذلك ذكر.
_________________
(١) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ٢، ص: ١١١.
(٢) أخرجه البخاري (٢٨) - أبواب السهو (٤) - باب من لم يشهد في سجدتي السهو الحديث: ١١٧٠. أخرجه مسلم في صحيحه (٥) - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١٩) - باب السهو في الصلاة السجود له الحديث: ٥٧٣.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وفي المدونة: لا يحمد الله المصلي إن عطس فإن فعل ذلك ففي نفسه (^١).
وحكى ابن العربي في ذلك خلافا. انتهى من المبرزلي (^٢). (وقدب تركه).
قوله: (ولا لجائز كإنصات قل لمخبر، وترويح رجليه وقتل عقرب تريده) أي ولا سجود عليه في فعل أمر جائز في الصلاة، وذكر لذلك أمثلة وقال: كإنصات قل لمخبر يخبره.
ومفهوم قوله: قل إن كثر الإنصات بطلت صلاته والمفهوم صحيح، وإن توسط الإنصات يسجد بعد السلام، وكذلك لا سجود عليه في ترويح رجليه في صلاته طال قيامه أم لا، وكذلك لا سجود عليه في قتل عقرب تريده، والحية أحرى لعظم المفسدة، وأما إن لم تضره فمكروه.
قوله: (وإشارة لسلام أو حاجة) أي وكذلك لا سجود عليه بسبب إشارة لأجل رد السلام أو لأجل حاجة.
ابن القاسم: لا بأس بالإشارة الخفيفة في الصلاة إلى الرجل لبعض حوائجه، وقد أجاز له مالك أن يرد جوابا بالإشارة (^٣).
وقد أومأت عائشة ﵂ إلى نسوة وهي في الصلاة، ولهذا لم يكره مالك السلام على المصلي.
قوله: (لا على مشمت) أي لا يرد وهو في الصلاة على مشمت شمته بالإشارة. التشميت دعاء العالطس بالخير ويقال له التسميت بالسين المهملة.
قوله: (كأنين لوجع) لو عطف الشيخ بالواو لكان أولى أي ومن الجائزات التي لا سجود فيها أنين لأجل وجع به قال مالك في من أضطره أنين من وجع: لم تفسد صلاته.
قال صاحب فتح الجليل: ظاهره وإن كان من الأصوات الملحقة بالكلام لأنه محل ضرورة. انتهى (^٤).
قوله: (وبكاء تخشع) أي وكذلك لا سجود عليه بالبكاء في الصلاة تخشعا.
_________________
(١) المدونة: ج ١، ص: ٩٨.
(٢) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٤٥٢.
(٣) التاج والإكليل: ج ٢، ص: ٣١٤ - ٣١٥.
(٤) فتح الجليل: ج ١، ص: ١٨٤.
[ ١ / ٢٩٦ ]
قوله: (وإلا فكالكلام): أي وإن لم يكن الأنين لأجل وجع بل لغيره أو كان البكاء لغير تخشع كمصيبة فكالكلام يفرق بين عمده وسهوه وكثرته وقلته.
قال سند: البكاء بصوت مبطل للصلاة اتفاقا (^١)، وإن كان من مصيبة أو وجع، وإن كان من الخشوع فلا شيء عليه، حكاه عنه اللخمي.
ابن عطاء الله: البكاء المسموع إذا لم يتعلق بالصلاة والخشوع ملحق بالكلام، وإن كان للخشوع فلا شيء عليه في غلبته، لخبر عائشة ﵂ فيها: «إن أبا بكر كان إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء (^٢) يحتمل بكاءه ويحتمل بكاء الناس من خلفه، لرؤيتهم غير النبي ﷺ في موضعه.
وكان صوت عمر عاليا. انتهى بمعناه. فقول المصنف: تخشع ظاهره كان غلبة أم لا، وفي الإرشاد (^٣): البكاء غير غلبة لا يبطل (^٤)، وظاهره سواء تعلق بالصلاة أم لا؟ فانظرهما مع كلام ابن عطاء الله. انتهى من فتح الجليل (^٥).
فلو نهق كالحمار أو نعق كالغراب ونحوه قال سند تبطل صلاته.
قوله: (كسلام على مفترض) أي كما يجوز السلام على من في صلاة فريضة والمتنفل أحرى.
قوله: (ولا لتبسم) هذا شروع منه ﵀ في المكروهات أي ولا سجود على من تبسم في الصلاة سهوا أو عمدا ولكن يكره لمنافاته الخشوع، التبسم هو الضحك الذي لا صوت له، وهو ضحك النبي ﷺ.
قال عياض في إكمال الإكمال الضحك حالة تغير يوجبها سرور يغلب فتنبسط.
_________________
(١) فتح الجليل: ج ١، ص: ١٨٤.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٢٨ - باب الكلام إذا أقيمت الصلاة ١٥ - كتاب الجماعة والإمام ١٨ - باب أهل العلم والفصل أحق بالإمامة الحديث: ٦٤٧ - ٦٤٧. وأخرجه مسلم في صحيحه (٤) - كتاب الصلاة (٢١) - ٢١ - باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض … الحديث: ٤٢٠.
(٣) الإرشاد أظنه لابن عسكر لعدم تطابق الكلام في اللفظ والمعنى واحد
(٤) وفي إرشاد السالك إلى أشرف المسالك في فقه الإمام مالك تأليف: شهاب الدين عبد الرحمن بن محمد بن عسكر المالكي البغدادي ما نصه الكلام لا لإصلاحها مبطل وإن قل لا السهو إلا أن يكثر وسعال وعطاس وغلبة البكاء الإرشاد لابن عسكر: ص: ٢٢ دار الفكر وبهامشه: تقريرات لإبراهيم بن حسن.
(٥) فتح الجليل للتنائي: ج ١، ص: ١٨٤ - ١٨٥.
[ ١ / ٢٩٧ ]
له عروق القلب فيجري فيها الدم فيفيض إلى سائر عروق الجسد فتثور لذلك حرارة ينبسط لها الوجه ويضيق عنه الفم وينفتح وهو التبسم. فإذا زاد السرور وتمادى ولم يضبط الإنسان نفسه قهقهة. انتهى (^١).
قوله: (وفرقعة أصابع، والتفات بلا حاجة) أي ومما يكره في الصلاة فرقعة الأصابع ولكن لا سجود فيه، وكذلك لا سجود في الإلتفات في الصلاة بلا حاجة وبالحاجة أحرى أن لا سجود ولكن فعل مكروها، لأن الإلتفات في الصلاة اختلاس الشيطان منها.
قوله: (وتعمد بلع ما بين أسنانه، وحك جسده) أي ولا سجود في تعمد بلع ما بين أسنانه في الصلاة. وقول المصنف أعم من قوله: فلقة حبة بين أسنانه.
ابن ناجي: ظاهرها لو رفع الحبة من الأرض وابتلعها فإنه يقطع، والصواب لا شيء عليه ليسارته، ولعله إنما ذكر بين اسنانه لأنه الغالب (^٢).
قال المغربي (^٣): ولو ابتلعه عمدا ليسارته وهو بعيد لأن كونها بين أسنانه قرينة في الغلبة فما دلت المدونة إلا على ذلك والحكم سواء. انتهى من فتح الجليل (^٤).
قوله: (وذكر قصد التفهيم به بمحله) أي ولا سجود في ذكر قصد به المصلي التفهيم لأمر بشرط أن يكون ذلك الذكر في محله في الصلاة، كما إذا قال: سمع الله لمن حمده عند الرفع من الركوع، أو التكبير في محله قاصدا به التفهيم، والمراد بالذكر هنا ما شرع في الصلاة.
قوله: (وإلا بطلت) أي وإن لم يكن الذكر في محله المشروع فيه وقصد به التفهيم بطلت صلاته قل أو كثر إن كان عمدا أو سهوا إن كان كثيرا قال أشهب: لا تبطل صلاته في الفرعين.
قوله: (كفتح على من ليس معه في صلاة على الأصح) أي كما تبطل صلاته بفتح على من ليس معه في صلاة، كان في صلاة أم لا على القول الأصح وهو قول ابن القاسم وسحنون، أشهب لا تبطل وأساء، وفهم من قوله: من ليس معه في صلاة صحت
_________________
(١) إكمال الإكمال للآبي: ج ١، ص: ٥٦٣ - ٥٦٤.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ١، ص: ١٨٥. مخطوط. ومواهب الجليل للحطاب: ج ٢، ص: ٤٠.
(٣) المغربي: هو أبو الحسن الصغير وقد تقدمت ترجمته
(٤) فتح الجليل للتتائي: ج ١، ص: ١٨٥ مخطوط
[ ١ / ٢٩٨ ]
صلاة مأموم على مثله فانظره. انتهى بمعناه من فتح الجليل (^١).
وقول المصنف: على الأصح، راجع على الفرعين.
قوله: (وبطلت بقهقهة) أي وبطلت الصلاة بسبب قهقهة فيها إجماعا.
قال اللخمي: فرقوا بينه وبين الكلام؛ لأن فيه أمرا زائدا على الكلام، هو قلة الوقار، وفيه ضرب من اللعب (^٢) سواء عمده وسهوه وغلبته لمنا قضته الخشوع، ظاهره ولو كان ذلك لقهقهة لأجل ما سمعه من أخبار الجنة وهو ظاهر المذهب، وقيل: لا تبطل بهذا بل هو مأجور.
القهقهة من الضحك ما فيه صوت.
قوله: (وتمادى المأموم إن لم يقدر على الترك) أي وإن كان الذي يقهقه في صلاته مأموما فلا يقطع، بل يتمادى مع إمامه لأنه من مساجين الإمام، ويعيد صلاته أبدا، إنما يتمادى مع إمامه إن لم يقدر على ترك ذلك في القهقهة بل غلب عليه، وأما إن قدر على تركه فإنه يقطع ويبتدء وأما الفذ أو الإمام إن حصل له ذلك قطع، ومن خلف الإمام يقطعون.
قوله: (كتكبيره للركوع بلانية إحرام) وهذا أيضا من مساجين الإمام، فإذا كبر للركوع ولم ينو به الإحرام فإن صلاته تبطل، ولكن يتمادى مع الإمام ويعيدها أبدا.
قوله: (وذكر فائتة) أي وهذا أيضا من مساجن الإمام أي وتبطل صلاة من ذكر فيها صلاة فائتة، ولكن إن كان مأموما يتمادى مع إمامه وقد تقدم ذكره، كرره هنا لأجل عدها من مساجين الإمام.
قوله: (وبحدث وبسجوده لفضيلة أو لتكبيرة) أي وتبطل الصلاة بسبب حدث سهوا كان أو عمدا، وكذلك تبطل صلاته بالسجود القبلي لترك فضيلة كالقنوت مثلا، أو لترك سنة غير مؤكودة كتكبيرة واحدة أو تحميدة.
قوله: (وبمشغل عن فرض) أي وتبطل الصلاة بكل مشغل للمصلي عن فرض من فروض صلاته كتمام ركوع أو سجود كما إذا أصابه حقن أو قرقرة أو عطش أشغله عن الفرض.
قوله: (وعن سنة يعيد في الوقت) أي وأما إذا شغله عن ترك سنة من سننها فإنه
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي ج ١، ص: ١٨٥، مخطوط.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٤٠٠.
[ ١ / ٢٩٩ ]
عيدها في الوقت ويستغفر الله. انتهى.
وسئل عز الدين عمن يحس بالحدث من نفسه من ريح أو بول فيدافعه فيذهب عنه ما يجد من حركته ويصلي بعد ذلك، هل تكره صلاته بهذا الوضوء ويستحب له التجديد؟ أم لا جوابها أما إذا زالت مدافعة الحدث قبل الصلاة لم تكره الصلاة مع زوال المدافعة، ولا يستحب له الوضوء لأجل ذلك، ولا ينبغي مدافعة الحدث قبل الصلاة لأنه مؤذ من جهة الطب. انتهى من البرزلي (^١).
قوله: (وبزيادة أربع كركعتين في الثنائية) أي وتبطل الصلاة الرباعية بسبب زيادة أربع ركعات فيها، كما تبطل الثنائة بزيادة ركعتين، وسكت الشيخ عن الثلاثية وهي تبطل بزيادة أربع.
قوله: (وبتعمد كسجدة، أو نفخ أو أكل أو شرب، أو قيء أو كلام وإن بكره أو وجب لإنقاذ أعمى؛ إلا لإصلاحها فبكثيره) أي وتبطل الصلاة بتعمد الزيادة فيها وإن قلت كسجدة واحدة أو ركوع واحد وكذلك تبطل بتعمد نفخ فيها أو تعمد أكل أو شرب فيها وإن قل أو تعمد قيء أو تعمد كلام وإن كان بكره أو واجبا كإنقاذ أعمى ونحوه إلا أن يكون الكلام لإصلاح الصلاة فتبطل بكثيره لا بقليله بعد سلام كجواب سؤال إمامه عن الكمال نعم إلا أن يكون الكلام من الإمام قبل سلامه فإنها تبطل.
قوله: (وبسلام وأكل وشرب وفيها إن أكل أو شرب انجبر، وهل اختلاف أو لا للسلام في الأولى أو للجمع؟ تأويلان) أي وتبطل الصلاة بسبب سلام منها مع أكل وشرب سهوا وفي المدونة: من سلم من اثنتين ساهيا فأكل وشرب ابتدأ وإن لم يطل (^٢)، وفيها أيضا إن أكل أو شرب انجبر بالسجود الأول في صلاة الأولى والثاني في صلاة الثاني منها، وهل ذلك اختلاف من المدونة أو ليس بخلاف فيه تأويلان، وإن قلنا اختلاف فلا كلام، وإن قلنا ليس باختلاف بل وفاق واختلف الموفقون في كيفية الإتفاق فقال بعضهم: لأجل السلام في المسألة الأولى فلو أكل أو شرب من غير سلام لم تبطل بهما ولو سلم لبطلت بإحداهما قال بعضهم للجمع بين الأكل والشرب فلو أنفرد أحدهما وإن بعد السلام لم تبطل انتهى لو قال الشيخ تأويلان لكان أولى.
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٢١١.
(٢) المدونة الكبرى: ج ١، ص: ١٠٢.
[ ١ / ٣٠٠ ]
قوله: (وبانصراف لحدث ثم تبين نفيه. كمسلم شك في الإثمام ثم ظهر الكمال) أي وتبطل صلاته لأجل انصرافه لظن حدث ثم تبين نفيه كما تبطل صلاة من سلم فيها في حال كونه شاكا في إتمامها ثم تيقن أنه أكملها (على الأظهر) إذ الواجب عليه أن لا يسلم حتى يأتي بما شك فيه ومقابل الأظهر لا تبطل وهو قول ابن حبيب قياسا على من تزوج امرأة لها زوج غائب لا تدري أحي هو أم ميت ثم ثبت أنه قد مات لمثل ما تنقضي فيه عدتها قبل نكاحه إياها أن النكاح ماض. انتهى من ابن ناجي.
قوله: (وبسجود المسبوق مع الإمام بعديا أو قبليا إن لم يلحق ركعة) أي وتبطل الصلاة بسجود المسبوق مع الإمام بعديا تعمدا ألحق ركعة أم لا، وكذلك تبطل إن سجد معه القبلي إن لم يلحق ركعة يعتد بها.
قوله: (وإلا سجد ولو ترك إمامه، أو لم يدرك موجبه) أي وإن لحق مع الإمام ركعة فإنه يسجد القبلي معه إن لم يؤخره الإمام وأما إن أخره فإنه لا يسجده حتى يتم صلاته ويسجده ولو تركه إمامه أو لم يدرك موجبه فتصح صلاته وإن بطلت صلاة إمامه إذا كان عن ثلاث سنن وطال وهذا أحد المواضع التي تبطل فيه صلاة الإمام دون صلاة المأموم.
الثاني: سبق حدث.
الثالث: ذكر حدث.
وفي غير هذه الثلاث صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام.
قوله: (وأخر البعدي) أي ويؤخر المسبوق السجود البعدي بعديا يريد إن لم يقدمه الإمام فإن قدمه سجد معه.
قوله: (ولا سهو على مؤتة حالة القدوة أي ولا سجود للسهو على مؤتم فيما أخل به مما يوجب السجود حالة القدوة بإمامه فإن فارقه لقضاء ما سبقه به فإنه يسجد لسهوه كالمنفرد وإن سجد القبلي مع إمامه.
قوله: (وبترك قبلي عن ثلاث سنن وطال) أي وتبطل الصلاة بترك قبلي عن ثلاث سنن مؤكدة وطال طولا يفيت التدارك كما إذا ترك الجلسة الوسطى وهو سنة والتشهد فيه سنة والتكبير سنة وذلك ثلاث سنن أو ترك ثلاث تكبيرات وطال ذلك وفات التدارك.
قوله: (لا أقل، فلا سجود) أي لا تبطل بترك قبلي ترتب عن ترك أقل من ثلاث
[ ١ / ٣٠١ ]
سنن مؤكدة ولا سجود فيه إن طال.
قوله: (وإن ذكره في صلاة وبطلت فكذاكرها) أي وإن ذكر القبلي الذي ترتب عن ثلاث سنن في صلاة وبطلت أي وحكمنا ببطلانها بسبب فوت التدارك وهو كذاكر صلاة في صلاة فرض أو نفل.
قوله: (وإلا فكبعض فمن فرض إن أطال القراءة أو ركع بطلت، وأتم النفل وقطع غيره، وندب الإشفاء إن عقد ركعة) أي وإن لم نحكم ببطلانها لانتفاء الطول فكذاكر بعض فيها فإن كان ذلك القبلي المرتب عن ثلاث سنن من صلاة فرض فإنه إن أطال القراءة طولا يفيت التدارك، وإن لم يركع أو عقد ركوعا وإن لم يطل القراءة بطلت صلاته تلك، فإن كان في نفل أتمه إن اتسع الوقت، وإلا قطع إن لم يركع، وقطع غير النفل لأجل الترتيب إن لم يكن مأموما، وندب له حينئذ الإشفاع إن عقد ركعة.
قوله: (وإلا رجع بلا سلام) أي وإن لم يطل القراءة ولا ركع رجع من حينه الإصلاح الأولى بلا سلام من الثانية، لئلا يدخل على نفسه زيادة أخرى، فإذا أصلح الأولى سجد بعد السلام.
قوله: (ومن نفل في فرض تمادى، كفي نفل إن أطالها أو ركع) أي وإن كان ذلك من نفل فذكره في فرض أو نفل فإن كان في فرض تمادى فلا يقطع لخفة النفل طال أو عقد وإن ذكره في نفل فإنه يتمادى أيضا إن أطال القراءة وإن لم يركع أو ركع وإن لم يطل ولا ركع رجع إلى إصلاح الأولى ولا قضاء عليه في الثاني إذا لم يقطعه متعمدا الحاصل أن الصور أربع من فرض في فرض أو نفل من نفل أو من فرض في نفل أو من نفل في فرض.
قوله: (وهل بتعمد ترك سنة) أي وهل تبطل صلاته بتعمد ترك سنة واحدة لأنه كالمتلاعب (أولا) تبطل به (ولا سجود؟) عليه لا على القول بالبطلان لأنه تعمد ولا على القول بعدم البلطلان لأنها سنة واحدة وهو قول ابن القاسم ولا سجود ولا بطلان.
قوله: (خلاف. وبترك ركن وطال كشرط) أي وتبطل الصلاة بترك ركن منها عمدا أو جهلا مطلقا عمدا وسهوا إن طال ذلك طولا يفيت التدارك والبناء كما تبطل بترك شرط من شروطها مع القدرة عليه من طهارة حدث أو خبثت أو استقبال أوغيرها. الفرق بين الركن والشرط أن الركن داخل في الماهية والشرط خارج عن الماهية.
[ ١ / ٣٠٢ ]
قوله: (وتداركه، إن لم يسلم ولم يعقد ركوعا. وهو رفع رأس، إلا لترك ركوع فبالإنحناء: كسر وتكبير عيد وسجدة تلاوة وذكر بعض وإقامة مغرب عليه) أي وإن ترك ركنا في صلاته ولم يطل تداركه بالإصلاح وإن لم يسلم في الركعة الأخيرة وإن سلم منها بنى على ما صح ويأتي بركعة كاملة لفوات محل التدارك وإن كان ذلك في غير الأخيرة يتدارك الركن ما لم يفت بعقد ركوع وإن فات بعقد الركوع في التي تليها ألغاها وصير المعقودة مكانها لفواتها بالعقد وعقد الركوع هو رفع الرأس منه إلا في سبع مسائل هي التي ذكر هنا وهي:
ترك ركوع فإنه يفيت التدارك بالانحناء فقط.
الثانية من ترك سرا في محله فإنه يرجع إليه ما لم ينحن للركوع وكذلك ترك الجهر في محله.
الرابعة من ترك تكبيرات صلاة عيد ثم يذكرها فإنه يرجع إليها ويكبرها ويسجدها ما لم ينحن للركوع. الخامسة من نسي سجدة تلاوة في صلاته فإنه يرجع إليها ويسجدها ما لم ينحن للركوع.
السادسة من ذكر بعض صلاة في صلاة فإنه يرجع إلى إصلاح الأولى ما لم ينحن للركوع في الثانية. السابعة من دخل في صلاة المغرب وأقيمت عليه، فإنه يقطع ويدخل مع الإمام ما لم ينحن للركوع فيها، لقول ابن القاسم: من أقيمت عليه المغرب وهو في الثالثة منها إن أمكن يديه من ركبتيه أتمها وخرج وفي قول المصنف إجمال في قوله: (وهو بها) لأنه يحتمل أنه فوت مع عقد الركعة الأولى وهو قول ابن القاسم في المجموعة ويحتمل مع عقد الركعة الثانية وهو لابن القاسم أيضا كما قاله في توضيحه (^١).
ويحتمل مع عقد ركوع الثالثة وهو لابن القاسم أيضا. انتهى (^٢).
قوله: (وبنى إن قرب ولم يخرج من المسجد بإحرام ولم تبطل بتركه) أي وإذا فات التدارك بالسلام فإنه يبني على ما صح له من صلاته إن قرب ذلك منها وهو لم يخرج من المسجد وأما لو خرج منه فإن صلاته تبطل لأن الخروج مع السلام ينزل
_________________
(١) التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب: ج ١، ص: ٤١٩ - ٤٢٠. بتصرف
(٢) فتح الجليل للتتائي: ص: ١٩٢.
[ ١ / ٣٠٣ ]
منزلة الطول وحيث يبني فإنه يبني بإحرام جديد ظاهره وإن قرب جدا ولم تبطل صلاته إذا لم يحرم لذلك البناء مراعاة للخلاف.
قوله: (وجلس له على الأظهر) أي: وجلس لذلك الإحرام إن تذكر وهو قائم ليأتي به في حالة جلوسه إذ هي التي فارق فيها صلاته لأن نهضته قبل لم يكن لها على ما اختاره ابن رشد لقوله في مقدماته: إنما هو الصواب أن يجلس ثم يكبر فيبني لأنه إذا كبر قائما فقد زاد في صلاته الإنحطاط من حال القيام إلى الجلوس (^١).
وفهم من قوله وجلس أنه تذكر ذلك قائما وهو قول ابن شبلون (^٢).
وقال قدماء أصحاب مالك يحرم قائما ليكون إحرامه على الفور، وفهم منه أيضا أنه لو تذكره جالسا أحرم جالسا على حاله ولم يطلب منه قيام وهو كذلك اتفاقا، وإطلاق المصنف جلس له يشمل من سلم من اثنتين أو من واحدة أو ثلاث، وهو ظاهر قول ابن يونس. فتح الجليل (^٣).
قوله: (وأعاد تارك السلام التشهد) أي وإذا نسي السلام فإنه يرجع ويتشهد ليقع السلام بعد التشهد، وهذا إذا لم يكن قريبا جدا، وأما إن كان قريبا جدا فلا يعيد التشهد وإنما يعيده إذا طال طولا لا يفيت التدارك وأما إن طال كثيرا فإن صلاته تبطل لأن السلام ركن.
قوله: (وسجد إن انحرف) أي إن مال (عن القبلة) يحتمل أن يعود إليهما أي وأعاد التشهد إن انحرف عن القبلة وإلا فلا يعيده ويحتمل وسجد إن انحرف عن القبلة وإلا فلا.
قوله: (ورجع تارك الجلوس الأول إن لم يفارق) أي وإن سهى عن الجلوس الأول فإنه يرجع إليه ما لم يفارق (الأرض بيديه وركبتيه، ولا سجود) عليه لأجل تلك الحركة لأن ذلك مما لا يبطل عمده فلا سجود في سهوه.
قوله: (وإلا فلا) أي وإن فارق الأرض بيديه وركبتيه فلا يرجع إلى الجلوس لأن السجود قد ترتب فلا يسقط بالرجوع فلا فائدة فيه وقيل يرجع لأنه لم يتلبس بالركن
_________________
(١) المقدمات لابن رشد، ج ١، ص: ٧٦، ط ١/ ٢٠٠٢ م، خرج آياته وأحاديثه: الشيخ زكريا عميرات. دار الكتب العلمية.
(٢) تقدمت ترجمته
(٣) فتح الجليل: ج ١، ص: ١٩٢
[ ١ / ٣٠٤ ]
فإذا رجع فالأقرب من القولين السجود بعد السلام. قوله: فلا يرجع.
قال ابن ناجي: يؤخذ منه عدم رجوع ذاكر المضمضة والاستنشاق بعد أن شرع في غسل الوجه أنه يتمادى على وضوئه ويفعلهما بعد فراغه.
قال: وبه أفتى شيخنا أبو محمد الشبيبي وشيخنا حفظه الله وحمل قول مالك في الموطأ برجوعه على غير السهو لأن أصول مذهبه تدل على خلافه منها هذه، ومنها من نسي السورة أو الجهر أو الإسرار أو تكبيرة العيدين حتى ركع (^١)، وأفتى فيها شيخنا أبو يوسف الزغبي (^٢) برجوعه فأنكر عليه فتواه الفتوى من ذكر بخلافه فوقف بعض طلبته على قول الموطأ فعرفه فتمادى على فتواه، وأخذ منها أيضا عدم رجوع الإمام شرع في الخطبة ظانا فراغ المؤذن الثاني فراغ المؤذن الثالث ثم سمع الثالث يؤذن. ووقعت بتونس بجامع القصبة (^٣) لشيخنا أبي مهدي فتمادى وبابن عرفة بجامع الزيتونة (^٤) فرجع والأول هو الصواب. انتهى (^٥).
قوله: ﴿ولا تبطل إن رجع ولو استقل وتبعه مأمومه وسجد بعده﴾ أي فإن وقع ونزل ورجع بعد أن فارق الأرض فلا تبطل صلاته، وإن استقل قائما والإمام في ذلك كغيره وتبعه مأمومه في قيامه ورجوعه، ويسجد بعد السلام لأجل الرجوع لتمحض الزيادة.
قوله: (كنفل لم يعقد ثالثته) أي كما يرجع في النفل إذا قام إلى ركعة ثالثة ما لم يعقد ركوعا ويسجد بعد السلام.
قوله: (وإلا كمل أربعا وفي الخامسة مطلقا، وسجد قبله فيهما) أي وإن عقد ثالثة في النفل فإنه يكمل أربع ركعات مراعاة للخلاف وسجد قبل السلام وأما إذا قام إلى خامسة في النفل فإنه يرجع مطلقا عقد ركعة أم لا لضعف الخلاف فيه وسجد قبله في الفرعين لأنه ترك السلام في الركعتين منها لأن النفل مثنى مثنى، ولم يفرق
_________________
(١) شرح الرسالة لابن ناجي: ج ١، ص: ٢١١. بتصرف
(٢) أبو يوسف الزغبي التونسي، قاضي الجماعة بها أبو يوسف من أكابر أصحابه ابن عرفة ولي قضاء القيروان، ثم الجماعة بتونس بعد أبي مهدي أخذ عنه الثعالبي وابن ناجي وغيرهم. كفاية المحتاج: ج ٢، ص: ٢٦٤، الترجمة: ٦٧١.
(٣) جامع القصبة:
(٤) جامع الزيتونة:
(٥) مواهب الجليل للحطاب: ج ٢، ص: ٥٦.
[ ١ / ٣٠٥ ]
الشيخ ﵀ بين الليل والنهار ولا بين ركعتي الفجر من غيرهما.
قوله: (وتارك ركوع يرجع قائما) أي وإن ترك الركوع ساهيا فإنه يرجع إليه في حال كونه قائما إن أمكن تداركه بناء على أن الحركة إلى الأركان مقصودة، (وندب أن يقرأ) شيئا في قيامه ذلك قبل ركوعه.
قوله: (وسجدة يجلس لا سجدتين) أي وإن سهى عن سجدة واحدة فإنه يرجع إليها ويجلس ثم يسجدها وقيده في توضيحه بما إذا لم يجلس قبله، وظاهر ما قال هنا أنه يجلس له مطلقا، وهو ظاهر كلام غيره، فلا يرجع للجلوس إن ترك سجدتين بل يخر لهما كما يصنع إذا لم ينسهما فإن ذكر ذلك وهو جالس أو ساجد فليرجع إلى القيام فإن لم يفعل وسجد على حاله فقد نقص الإنحطاط فيسجد قبل السلام إذا ترك ذلك سهوا.
قوله: (ولا يجبر ركوع أولاه بسجود ثانيته) أي وإن ركع في الركعة الأولى ولم يسجد فيها وسجد في الثانية ناسيا ركوعها فإنه لا يجبر ركوع الأولى بسجود الثانية والعكس أحرى في عدم الجبر فلا يجبر سجودا أولاه بركوع الثانية.
قوله: (وبطل بأربع سجدات من أربع ركعات الأول) أي وبطل بنسيان أربع سجدات من أربع ركعات الركعات الثلاث الأول لأنه إذا رفع رأسه من الركوع من الثانية فات تدارك الأولى ومن الثالثة فات تدارك الثانية ومن الرابعة فات تدارك الثالثة فيسجد ثانية للرابعة وتصير أولاه من الثالثة فيسجد ثانية للرابعة وتصير أولاه ثم يأتي بالثانية بأم القرآن وسورة فيجلس ثم بركعتين بأم القرآن فقط ويسجد قبل السلام لنقص السورة من الأولى وزيادة الركعات الثلاث.
قوله: (ورجعت الثانية أولى ببطلانها لفة وإمام) أي وإن بطلت الركعة الأولى فإن الثانية تصير أولاه وتصير الثالثة ثانية والرابعة ثالثة إنما يكون هذا للفذ أو الإمام هكذا قيده المصنف في كتابه وأما المأموم إذا بطلت عليه الأولى فإن ثانيته ثانية اتفاقا لأن ركعاته مبنية على ركعات إمامه فإن سلم الإمام فإنه يتم قضاء ولا سجود عليه لسهوه في حكم إمامه.
قوله: (وإن شك في سجدة لم يدر محلها سجدها وفي الأخيرة يأتي بركعة وقيام ثالثته بثلاث، ورابعته بركعتين وتشهد) أي وإن شك في ترك سجدة وهو لم يدر محلها سجدها الآن إذ لعل محل التدارك لم يفت، ويحتمل قوله: أن يكون شك في السجدة هل تركها أم لا، وعلى الشك شك في محلها أيضا وحمل اللفظ على
[ ١ / ٣٠٦ ]
فائدتين أولى من حمله على فائدة واحدة. انتهى.
وإن حصل له هذا الشك وهو في تشهد الركعة الأخيرة سجدها إذ لعل محل التدارك لم يفت ثم يأتي بركعة إذ لعل محل التدارك فات فإن حصل له الشك في قيام ثالثة سجدها ثم يأتي بثلاث ركعات ويسجد بعد السلام وإن حصل له هذا الشك في قيام الركعة الرابعة سجدها وجلس ويتشهد لأنه ليس معه شيء محقق إلا ركعتان ويسجد قبل السلام وسكت الشيخ عما إذا حصل له ذلك في قيام ثانية لوضوحه إذ لا شك أن السجدة من الأولى وتداركه لم يفت.
قوله: (وإن سجد إمام سجدة لم يتبع، وسبح به، فإذا خيف عقده قاموا؛ فإذا جلس قاموا: كقعوده بثالثة، فإذا سلم أتوا بركعة، وأمهم أحدهم، وسجدوا قبله) أي وإن سجد إمام سجدة واحدة وسهى عن الأخرى وقام لم يتبع في قيامه ذلك وسبح له فإن رجع فلا كلام وإن لم يرجع وخافوا عقده للركعة التي قام إليها قاموا لئلا يفوتهم العقد معه إذ لابد من بطلان إحدى الركعتين والبطلان مع موافقة الإمام أولى من البطلان مع مخالفته كما يقومون إذا قعد في ثالثته ظانا أنها رابعته وهي ثالثته في نفس الأمر فإذا سلم الإمام معتقدا الكمال أتوا بركعة وأمهم فيها أحدهم وإن صلوا أفذاذا أجزأتهم وسجدوا قبله لنقص السورة، وهذه المسألة أصلها لسحنون في النوادر وفيها نظر؛ لأنهم متعمدون إبطال الأولى لتركهم السجود، ومن تعمد إبطال ركعة من الصلاة تبطل جميعها.
ولو قيل: أنهم يسجدون سجدة ويدركون الثانية معه، فتصح لهم الركعتان ما بعد. فإن قلت: في ذلك مخالفة الإمام وقضاء في حكمه، وهو غير جائز. قلت: أما المخالفة فهي لازمة لهم أيضا لأن الإمام قام وهم جلوس وأما القضاء في حكمه فقد أجيز مثله في الناعس والغافل والمزحوم خوفا من إبطال ركعة فكذلك هنا. انتهى من التوضيح (^١).
قوله: (وإن روحم مؤتم عن ركوع أو نعس أو نحوه اتبعه في غير الأولى ما لم يرفع من سجودها) أي وإن زوحم مصل مؤتم عن ركوع أو نعس عنه أو غفل أو اشتغل بإصلاح ردائه ونحوه اتبع إمامه بأن يأتي بما فاته معه إن كان في غير أولاه ما لم يرفع الإمام رأسه من سجودها وأما إن نابه ذلك في الركعة الأولى فلا يفعل ما فاته
_________________
(١) التوضيح: ج ١، ص: ٤٢٤.
[ ١ / ٣٠٧ ]
لأن تلك الركعة قد فاتته بل يتبعه في الركعات الباقية.
قوله: (أو سجدة فإن لم يطمع فيها قبل عقد إمامه تمادى، وقضى ركعة، وإلا سجدها) أي وإن زوحم مؤتم عن سجدة واحدة والسجدتين أحرى فإن لم يطمع بالإتيان بها كان في الركعة الأولى لخوف عقد الإمام الركعة التي تليها تمادى مع إمامه وقضى ركعة بعد سلام إمامه وإلا أي وإن طمع بإدراكه قبل عقده سجدها (ولا سجود عليه إن تيقن) أنه تركها لأن الركعة التي فاتته فيها السجدة كانت مع الإمام وهو يحملها عنه وإن لم يتيقن تركها فإنه يسجد بعد السلام لاحتمال أنه لم يتركها وقد أتي بركعة.
قوله: (وإن قام إمام لخامسة) أي وإن قام إمام لركعة خامسة في الرباعية أو رابعة في الثلاثية أو إلى ثالثة في الثنائية في ظاهر الحال (فمتيقن) من المأمومين (انتفاء موجبها) لعلمه أن لا خلل في صلاته فإنه (يجلس) لزوما ولا يتبعه ويسبح به.
قوله: (وإلا اتبعه، فإن خالف عمدا بطلت فيهما) أي وإن لم يتيقن يشمل أربعا أي أن يعتقد الموجب أو ظنه أو شك فيه أو توهمه فإنه يتبعه وجوبا لأنها ليست خامسة حقيقة المراد باليقين هنا الإعتقاد ليس باليقين الذي هو أعلا مراتب العلم إذ العلم لا يعود جهلا أبدا فإن خالف من وجب عليه الجلوس فتبعه في قيامه أو من وجب عليه الإتباع في القيام فجلس عمدا بطلت صلاته في الصورتين أي من أمر بالجلوس وتبعه في القيام ومن أمر بالإتباع في القيام فجلس فعل ذلك عمدا أو جهلا.
قوله: (لا) إن خالف (سهوا فيأتي الجالس بركعة، ويعيدها المتبع) أي فإن خالف ما أمر به سهوا فلا تبطل صلاته لأنه معذور وإذا لم تبطل فيأتي الجالس التارك للقيام سهوا بركعة لاحتمال أن يكون إمامه قام الموجب وأما من وجب عليه الجلوس واتبعه في الخامسة ساهيا فقد أتى بركعة زائدة سهوا فإنه يعيد هذه الركعة إن تبين له صحتها لأن تيقنه انتفاء الموجب قطع نيته عنها وأتى بها بغير نية وإعادته لهذه الركعة.
قال ابن عبد السلام وابن هارون: هو على أصل المشهور لكن ابن الحاجب إنما فرع هذا تبعا لابن شاس على ما إذا قال الإمام: قمت لموجب، وقدر المصنف قول ابن الحاجب عقب قوله: قمت لموجب، وفي إعادة التابع الساهي لها قولان. فتح الجليل (^١).
_________________
(١) فتح الجليل: ج ١، ص: ١٩٧.
[ ١ / ٣٠٨ ]
قوله: (وإن قال: قمت لموجب) أي وإن قال الإمام بعد سلامه لمن تبعه في خامسة ولمن لم يتبعه فيها: قمت لموجب في هذه الخامسة في ظنكم لأجل ترك الفاتحة مثلا فهي رابعة لا خامسة ولم أفعل ذلك سهوا (صحت) هذه الصلاة (لمن لزمه اتباعه) وهو ثلاثة من تيقن اتباعه في القيام لموجب أو ظنه أو شك فيه (وتبعه، وتصح (لمقابله) وهو من لزمه الجلوس فجلس إن سبح بإمامه وإلا أعاد أبدا لأنه أعان على بطلان صلاة إمامه لتفريطه.
وقوله: (إن سبح كمتبع تأول وجوبه على المختار) شرط في كل ما خالف فيه إمامه وإنما صحت لمن فعل ما أمر به في الظاهر، وإن خالف ما عليه في الباطن لعذره، كمبتع تأول من جهله وجوب إتباعه على ما اختاره اللخمي في تبصرته من الخلاف المنصوص.
قال سحنون: أرجو أن تجزئه وأحب إلي أن يعيد.
قوله: (لا لمن لزمه اتباعه في نفس الأمر) أي لا تصح لمن لزمه اتباعه في نفس الأمر (ولم يتبع) كمأموم جلس وهو في نفس الأمر يلزمه القيام لترك الإمام ما أوجب الخماسية، وإنما لم يذكر المصنف اختيار اللخمي في هذه، لأنه اختيار له من نفسه مخالف للنص، واقتصر هو على النص، وتأمل تقرير هذا المحل منصفا يتبين لك صحة كلام المصنف والرد على الشراح فيما تعقبوه عليه.
قوله: (ولم تجز مسبوقا) أي ولم تجز هذه الخامسة عند مالك مسبوقا بركعة أو أكثر علم بخامسيتها) والحالة أن الإمام قال: قمت لموجب وتبعه ظانا أنه لا يجوز له مفارقته فإن هذه الركعة لا تجزيه عن الركعة الفائتة لزيادتها ولابد من الإتيان بركعة بدلها، وإن فعلها بنية التي سبق بها.
قوله: (وهل كذا إن لم يعلم أو تجز إلا أن يجمع مأمومه على نفي الموجب؟ قولان أي وهل لا تجزئه هذه الركعة إن لم يعلم بخامسيتها وهو موافق لقول، أو تجزئه إن لم يعلم وهو موافق لقول آخر، إلا أن يجمع أي يتفق جميع مأموميه على نفي الموجب، وأحرى إذا وافقهم الإمام في ذلك قولان.
قال الشيخ في توضيحه وهذا الخلاف إنما هو إذا تبين انه قام لموجب (^١).
قوله: (وتارك سجدة من كأولاه لا تجزئه الخامسة إن تعمدها) أي وإذا ترك سجدة
_________________
(١) التوضيح: ج ١، ص: ٤٠٥.
[ ١ / ٣٠٩ ]
من أولاه أو ثانيته أو ثالثته، وهو المراد بإدخال الكاف على أولاه، وجد بخط المؤلف، إنما قلت: كأولاه ليدخل الثانية والثالثة أي فإن قام تارك السجدة من إحدى الثلاث لخامسة عمدا وهو ذا هل عن نقص السجدة لا تجزئه هذه الخامسة عن الركعة التي أخل منها بالسجدة، وهذا هو المشهور.
قال أبو اسحاق الأشبه الإجزاء، لأنه لم يأت بها إلا على أنها فريضة وتصير له رابعة لما بطلت الأولى، وقد اختلف فيمن تعمد مالا يجوز له فعله، فكشف الغيب عن وجوبه عليه كخامسة عمدا، ثم ذكر سجدة من الأولى فقيل: تجزئ.
وقيل: لا تجزئ لقصده العبث في الصلاة، حكاه ابن يونس وابن ناجي. انتهى (^١).
وما ذكره ابن غازي في هذا المحل ليس ببين وهو بعيد انتهى مختصرا من فتح الجليل (^٢).
الحاصل وفي إجزاء هذه الخامسة وعدمه قولان لكن شهر بعضهم القول بعدم الإجزاء في العمد وفي السهو القول بالإجزاء. انتهى.
وفي التنوير (^٣): قال ﷺ لما سئل أي الأعمال أفضل فقال: «الصلاة في وقتها» (^٤)، وقال ﷺ: «إن المصلي يناجي ربه» (^٥)، وقال: «أقرب ما يكون العبد من ربه في السجود» (^٦)، والصلاة شأنها عظيم وأمرها عند الله جسيم ولذلك قال الله سبحانه: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥] ورأينا أن
_________________
(١) فتح الجليل لتتائي: ج ١، ص: ١٩٩.
(٢) فتح الجليل لتتائي: ج ١، ص: ١٩٩.
(٣) التنوير في إسقاط التدبير للإمام أحمد بن عطاء الله السكندرني.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (١٠٠) - كتاب التوحيد (٤٨) - باب وسمي النبي ﷺ الصلاة عملا الحديث ٧٠٩٦ وأخرجه مسلم في صحيحه -١ - كتاب الإيمان (٣٦) - باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال. الحديث: ٨٥
(٥) أخرجه مالك في الموطأ (٣) كتاب الصلاة (٦) - باب العمل في القراءة الحديث ٢٩ وأخرجه أبو داود (٥) - كتاب الصلاة ٢٥ باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل وأخرجه البخاري في صحيحه (١٣) كتاب مواقيت الصلاة (٧) - باب المصلي يناجي ربه الحديث: ٥٠٨ ولفظه فيه (إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه ..).
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه (٤) - كتاب الصلاة (٤٢) - باب ما يقول في الركوع والسجود الحديث: ٤٨٢ أخرجه النسائي في سننه (١٢) - كتاب التطبيق (٧٨) - أقرب ما يكون العبد من الله ﷺ.
[ ١ / ٣١٠ ]
الصلاة اجتمع فيها من العبادات ما لم يجتمع في غيرها منها الطهارة والصمت واستقبال القبلة والاستفتاح بالتكبير والقراءة والقيام والركوع والسجود والتسبيح في الركوع والسجود والدعاء في السجود إلى غير ذلك، فهي مجموع عبادات عديدة لأن الذكر بمجرده عبادة والقراءة بمجردها عبادة وكذلك التسبيح والدعاء والركوع والسجود والقيام فكل واحد منها بمجرده عبادة، ولولا خشية الإطالة لبسطت الكلام في أسرارها وشوارق أنوارها وهذه اللمعة كافية هنا وقوله تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها﴾ [طه: ١٣٢] فيه إشارة إلى أن في الصلاة تكليفا للنفوس شاقا عليها لأنها تأتي في أوقات ملاه العباد وأشغالهم فتطالبهم بالخروج عن ذلك كله إلى القيام بين يدي الله تعالى، والفراغ مما سوى الله، ألا ترى أن صلاة الغداة تأتيهم في وقت منامهم في وقت ألذ ما يكون المنام فيه فطلب الحق سبحانه منهم ترك حظوظهم لحقوقه ومرادهم لمراده، وصلاة الظهر تأتيهم في وقت قيلولتهم ورجوعهم من تعب أسبابهم، والعصر تأتيهم وهم في متاجرهم وصنائعهم، والمغرب تأتيهم في وقت تناولهم لأغذيتهم وما يقيمون به وجود بنيتهم، وأما العشاء فتأتيهم وقد كثرت عليهم متاعب الأسباب التي كانوا فيها في نهارهم فلذلك قال الله سبحانه: ﴿واصطبر عليها﴾ [طه: ١٣٢] وقال: ﴿حفظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. انتهى (^١).
فصل [في سجود التلاوة]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل سجود التلاوة، والسجود نوعان سجود سهو، وسجود تلاوة، فسجود السهو سجدتان، وسجود التلاوة واحد.
قوله: (سجد بشرط الصلاة - بلا إحرام وسلام - قارى ومستمع فقط، إن جلس ليتعلم، ولو ترك القارئ إن صلح ليؤم، ولم يجلس ليسمع) قوله: سجد لفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر أي يسجد بشروط الصلاة من الطهارة وستر العورة والإستقبال ظاهره وإن كان راكبا في صلاة التنفل، يسجد بلا إحرام اتفاقا وبلا سلام على المشهور قارئ
_________________
(١) التنوير في مسائل التدبير لأحمد بن عطاء الله السكندري، تحقيق: محمد أحمد: ص: ٩٥/ ٩٦ - ٩٧. المكتبة التوفيقية.
[ ١ / ٣١١ ]
ومستمع فقط لا من حضر بلا استماع، وإنما يطلب المستمع بالسجود بشرطين، أحدهما أن يجلس ليتعلم لا لثواب، الثاني إن لم يجلس القارئ ليسمع الناس قراءته، فإذا توفرت هذه الشروط فإنه يسجد، ولو ترك القارئ هذا في غير الصلاة وأما في الصلاة فإنه يفعل ما فعل الإمام بلا خلاف، وذلك كله إن صلح القارئ أن يكون إماما بأن يكون ذكرا بالغا، وإن كان القارئ ممن لا يؤتم به كالمرأة والصبي والفاسق أو من على غير طهارة أو كان السامع لم يقصد الإستماع لم يكن عليه سجود.
قوله: (في إحدى عشرة، لا ثانية الحج والنجم والإنشقاق والقلم. وهل سنة، أو فضيلة؟ خلاف. وكبر لخفض ورفع ولو بغير صلاة، وص: ﴿وأناب﴾. وفصلت: ﴿تعبدون﴾) أي وإنما يتأكد السجود المذكور للعزائم ومواضعه إحدى عشر سجدة الأولى في آخر الأعراف عند قوله تعالى: ﴿ويسبحونه وله يسجدون﴾ * [الأعراف: ٢٠٦] الثانية في الرعد عند قوله تعالى: ﴿وظلالهم بالغدو والآصال﴾ * [الرعد: ١٥]، الثالثة في النحل عند قوله تعالى: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ * [النحل: ٥٠]، الرابعة في الإسراء عند قوله تعالى: ﴿ويزيدهم خشوعا﴾ * [الإسراء: ١٠٩]، والخامسة في مريم عند قوله تعالى: ﴿سجدا وبكيا﴾ * [مريم: ٥٨]، السادسة في الحج عند قوله تعالى: ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾ * [الحج: ١٨]، السابعة في الفرقان عند قوله تعالى: ﴿وزادهم نفورا﴾ * [الفرقان: ٦٠]، الثامنة في النمل عند قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ * [النمل: ٢٦]، التاسعة في الم تنزيل عند قوله تعالى: ﴿وهم لا يستكبرون﴾ * [السجدة: ١٥]، وهذه التسعة ليس فيها خلاف، والخلاف في محل السجدة في الإثنتين الباقيتين، والمشهور أن يسجد في ص عند قوله تعالى: ﴿وأناب﴾ * [ص: ٢٤] خلافا لابن حبيبة، وفي حم فصلت عند قوله تعالى: ﴿تعبدون﴾ * [فصلت: ٣٧]، لا عند قوله: ﴿لا يسأمون﴾ * [فصلت: ٣٨] خلافا لابن وهب، ومن أراد الخروج من الخلاف فليسجد عند الأخيرة فيهما. الخروج من الخلاف من الورع وكذلك تارك القنوت فإن أراد أن يخرج من الخلاف فليسجد بعد السلام.
قوله: (لا ثانية الحج والنجم والإنشقاق والقلم) أي لا يسجد في هذه الأربعة خلافا لمن قال يسجد فيها والحج عند قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ * [الحج: ٧٧] وأما في النجم فعند قوله تعالى: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ * [النجم: ٦٢] وفي الانشقاق عند قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ * [الانشقاق: ٢١].
[ ١ / ٣١٢ ]
وفي العلق عند قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩].
قوله: (وهل سنة، أو فضيلة؟ خلاف. وكبر لخفض ورفع) أي وكبر الساجد لخفض في السجود وللرفع منه وفي المسألة أربعة أقوال: قيل: لا يكبر لهما والقولان لمالك. ابن القاسم يخير، وكلهم في المدونة.
الرابع في الرسالة: يكبر في الخفض وفي الرفع منه سعة، وهل سجود التلاوة سنة؟ قاله ابن عطاء الله.
أو هو فضيلة وهو ظاهر قول ابن الحاجب.
قوله: (وكره سجود شكر، أو زلزلة) شروع منه لحله فيما ليس بسجود التلاوة ومكروه. اختلف في سجود شكر، كمن بشر بشيء يفرح به، فسجد شكرا لله تعالى، اختلف فيه على ثلاثة أقوال: الجواز والمنع والكراهة، وهو المشهور، وعلى الجواز لا شرط لها سوى القبلة.
وقال بعض المتأخرين: لابد من الطهارة محتجا بأن السجود صلاة. انتهى.
قال ابن العربي: لا يكره سجود الشكر والسجود لله دائما هو الواجب، فإن وجدت أدنى سبب للسجود فاغتنمه (^١). وكذلك كره السجود لأجل زلزلة الأرض.
قوله: (وجهر بها بمسجد، وقراءة بتلحين) أي وكره الجهر بقراءة السجدة في مسجد ونحوه مداومة خصوصا مع تعيين بعض الأيام كسجدة ﴿حم تنزيل﴾ [فصلت: ١] في صبح الجمعة حتى اعتقد عوام مصر البطلان بتركها، وكذلك كره قراءة بتلحين وهو تغيير النغم بحسب الأوزان على نحو ما يفعل في الغناء.
قوله: (كجماعة، وجلوس لها، لا لتعليم، وأقيم القارئ في المسجد يوم خميس أو غيره) أي ومما يكره اجتماع الجماعة يقرؤون القرآن في السورة الواحدة لأنه أمر مبتدع، وكذلك يكره جلوسه متعمدا لقراءة القرآن، وسجوده إذا كان بغير تعليم يعني ولا ثواب فإن جلس لها لغير تعليم ولا ثواب أقيم في المسجد ونحوه ولا يترك كان في يوم خميس أو غيره من الأيام. انتهى.
قوله: (وفي كره قراءة الجماعة على الواحد) أي وفي كره قراءة الجماعة على الواحد لتخليط ولعدم سماع بعضهم بعضا وعدم كرهه (روايتان) ووجه الكراهة بين لأنه إذا قرأ عليه جماعة في مرة واحدة لابد أن يفوته سماع ما يقرأ به بعضهم ما دام
_________________
(١) انظر التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ٧٣.
[ ١ / ٣١٣ ]
يصغي إلى غيره ويشتغل بالرد على الذي يصغي له، فقد يخطئ في ذلك الحين ويظن أنه قد سمعه وأجاز قراءته فيحمل عنه الخطأ ويظنه مذهبا له ووجه تخفيف ذلك للمشقة الداخلة على المقري بانفراد كل واحد من القراء عليه إذا كثروا وقد لا يعمهم وقراءة أجمعهم في القراءة أحسن من القطع ببعضهم.
قوله: (واجتماع لدعاء) أي ومما يكره اجتماع الناس لأجل دعاء (يوم عرفة) وكذلك عند ختم القرآن لأن السلف لم يفعلوه وما تكره السلف الصالح تركناه، الخير كله في الإتباع والشر كله في الإبتداع.
قوله: (ومجاوزتها لمتطهر وقت جوان أي ومما يكره مجاوزة السجدة لمتطهر في وقت يجوز فيه النفل.
قوله: (وإلا، فهل يجاوز محلها أو الآية؛ تأويلان) أي وإن لم يكن متطهرا أو كان متطهرا ولم يكن في وقت يجوز فيه النفل فلا يقرأها.
قال في المدونة: لا أحب له قراءتها حينئذ وليتعدها (^١) وعلى هذا فهل يجاوز محلها لأنه الموافق للفظ الكتاب في قوله: وليتعدها أو يجاوز الآية كلها إذ هو الموافق لآداب القرآن لئلا يقرأ بعض الآية ويترك بعضها تأويلان.
قوله: (واقتصار عليها وأول بالكلمة، والآية. قال: وهو الأشبه) أي ومما يكره الإقتصار على قراءة محل السجدة بأن لم يقرأ قبلها ولا بعدها بل قرأها وحدها، وأول ما وقع في المدونة بالاقتصار على الكلمة التي فيها السجدة فقط، وأول أيضا على الإقتصار على الآية كلها.
قال المازري في نفسه: وهذا أشبه للقواعد من التأويل الأول.
قوله: (وتعمدها بفريضة أو خطبة) أي وكره تعمد قراءة السجدة في صلاة فرض، لأنه إن كان إماما لبس على نفسه وعلى المأمومين وأدخل في الفرض ما ليس فيه وإن كان فذا أدخل في الفرض ما ليس فيه.
المازري: كره في المدونة للإمام أن يقرأ بسورة فيها سجدة خوف التخليط وعلله بعض أصحابنا بأن سجدات الصلاة محصورة فزيادة سجدة خلاف التحديد لأن ذلك يؤثر وقيل تجوز قراءتها في صلاة الجهر. انتهى من إكمال الإكمال (^٢).
_________________
(١) المدونة الكبرى كتاب الصلاة الثاني - ما جاء في سجود القرآن: ج ١، ص: ١٠٥.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٢٥٠.
[ ١ / ٣١٤ ]
وكذلك يكره قراءة محل السجدة في الخطبة لأن ذلك يؤثر في نظام الخطبة.
قوله: (لا نفل مطلقا) أي فلا يكره قراءة محل السجدة في النفل مطلقا أي فذا كان أو في جماعة يأمن التخليط أم لا ليلا أو نهارا.
قوله: (وإن قرأها في فرض سجد، لا خطبة) أي وإن تجرأ وفعل المكروه بأن قرأ محل السجدة في فرض سجدها فذا كان أو إماما وإن قرأها في خطبة فلا يسجدها لأنه يقطعها وهو المراد بقوله: لا خطبة.
قوله: (وجهر إمام السرية) أي فإن قرأها إمام في القراءة السرية فإنه يجهر بمحل السجدة ليعلم المأمومين أنه لم يسه (وإلا اتبع) أي وإن لم يجهر بها وسجد فقال ابن القاسم: يتبعه مأمومه لأن الأصل عدم السهو.
سحنون: لا يتبعه لأن أكثر الناس لا يقرؤها في الفريضة.
قوله: (ومجاوزها بيسير يسجد، وبكثير يعيدها بالفرض ما لم ينحن، وبالنفل في ثانيته ففي فعلها قبل الفاتحة قولان) أي وإن تجاوز القارئ محل السجدة بيسير كالآية والا يتين فإنه يسجدها لأن ما قارب الشيء له حكمه ولا يعيد قراءتها فإن تجاوزها بكثير من القراءة فإن كان في فرض فإنه يعيد قراءة محلها ويسجدها ما دام لم ينحن لركوع الركعة التي تليها إذ بالانحناء تفوت وقد ذكره فيما تقدم في النظائر وهذا محلها فإن كان في النفل فإنه يعيدها في الركعة الثانية وحيث قلنا يعيدها في الركعة الثانية في النفل ففي فعلها قبل قراءة الفاتحة منها أو بعد قراءة الفاتحة قولان.
قوله: (وإن قصدها فركع سهوا اعتد به) أي وإن قصد السجدة وانحط لها، فلما وصل حيث يركع سهى عن السجدة وركع، فإنه يعتد بذلك الركوع عند مالك، ابن القاسم وعليه يخر لها ولا سجود للسهو عليه، وإليه أشار بقوله: (ولا سهو).
قوله: (بخلاف تكريرها، أو سجود قبلها سهوا) أي بخلاف تكرير سجدة التلاوة فإن سجدها مرتين فإنه يسجد بعد السلام وكذلك إن سجد قبل محل السجدة فإن وصل إليها سجدها ثم يسجد بعد السلام.
قوله: سهوا راجع إليهما.
قوله: (قال: وأصل المذهب تكريرها إن كرر حزبا. إلا المعلم والمتعلم فأول مرة) أي قال المازري في نفسه: وأصل قواعد المذهب تكرير السجدة إن كرر قراءة حزب أو سورة فيها سجدة إلا أن يكون القارئ معلما أو متعلما وكانا بالغين فإنه يسجد أول مرة لا غير لمشقة التكرار.
[ ١ / ٣١٥ ]
قوله: (وندب لساجد الأعراف قراءة قبل ركوعه) أي وندب لقارئ سورة الأعراف إذا سجد فيها أن يقرأ قبل ركوعه ليكون الركوع عقب القراءة وكذلك غير الأعراف.
قوله: (ولا يكفي عنها ركوع) أي ولا يكفى ركوع عن سجدة التلاوة وإن قصد به أداءها للخروج عما جعله الشارع لها.
قوله: (وإن تركها وقصده) أي وإن ترك السجدة وقصد الركوع (صح) الركوع (و) لكن (كره) ما فعل.
قوله: (وسهوا) أي فإن تركها سهوا اعتد به عند مالك لا) عند (ابن القاسم) وعلى قول ابن القاسم فيخر ساجدا (فيسجد) بعد السلام (إن اطمأن به) وإلا فلا سجود فيه الفرق بين.
قوله: وإن قصدها فركع سهوا وبين قوله وسهوا اعتد به عند مالك لابن القاسم أن الأول قصد السجود أولا ثم نسي في حال الانحطاط به والثاني نسي السجود أولا وقصد الركوع.
فصل [في بيان صلاة النافلة وحكمها]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه النفل ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب. النفل في اللغة الزيادة وفي الشرع هو ما زاد على الفرض.
قوله: (ندب نفل) أي ندب صلاة النفل لقوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج: ٧٧] وذكر أن الفرائض تكمل ما نقص منها بالنوافل في الآخرة ولكن هذا إذا تركها سهوا وأما إن تعمد تركها فلا يؤخذ منها نفل وإن صلى مائة ركعة فلا تؤخذ منها ركعة واحدة من الفرض.
قوله: (وتأكد بعد مغرب) أي وتأكد الندب في النفل بعد المغرب لقوله ﵊: «من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم بينهن بسوء عدلن له عبادة اثنى عشر سنة» (^١) وخبر رسول الله ﷺ خبر صدق.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه (٢) - كتاب الصلاة عن رسول الله ﷺ (٢٠٩) - باب ما جاء في فصل التطوع وست ركعات بعد المغرب الحديث: ٤٣٥ وباب ما جاء في الصلاة بين المغرب والعشاء الحديث: ١٣٧٤.
[ ١ / ٣١٦ ]
قوله: (كظهر) أي كما يتأكد ندب النفل بعد صلاة الظهر (وقبلها) لقوله ﵊: «من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار» (^١) فإن كان قوله ذلك ﷺ خبرا وخبره صدق وإن كان دعاء فدعاؤه مستجاب.
قوله: (كعصر بلا حد) أي كما يتأكد ندب النفل قبل صلاة العصر لقوله ﵊: «رحم الله امرء صلى قبل العصر أربعا» (^٢)، ودعاؤه ﷺ مستجاب وأقل النفل ركعتان ولا حد لأكثره.
قوله: (والضحى وسر به نهارا، وجهر ليلا) أي وتأكد ندب النفل في وقت الضحى وأقله أربع وأكثره ثمانية ومما يندب في صلاة النفل سر القراءة فيه بالنهار وجهر بها في الليل إن لم يشوش على غيره وإلا فليسر قراءته.
قوله: (وتأكد بوتر. وتحية مسجد) أي وتأكد الندب أي ندب الجهر في الوتر حتى قيل بوجوبه وكذلك تأكد الندب في صلاة تحية مسجد.
قوله: (وجاز ترك مان في المسجد صلاة التحية (وتأدت) تحية مسجد (ب) صلاة (فرض) لأن الغرض من التحية مطلق صلاة الفرق بين المسجد وغيره.
قوله: (وبدء بها بمسجد المدينة قبل السلام عليه ﷺ أي وجاز بدأ بالتحية في مسجد المدينة قبل السلام عليه ﷺ لأن ذلك من تعظيمه ﷺ لأنه فعل ما أمره به الشرع وقيل ليخلو قلبه للسلام عليه ﷺ وقيل الداخل بمسجد المدينة اعترضه قربتان قربة تحية المسجد وقربة السلام على النبي ﷺ فقدم الشرع قربة صلاة تحية المسجد لأنه حق الله وحقه تعالى مقدم على غيره.
قوله: (وإيقاع نفل به بمصلاه ﷺ، والفرض بالصف الأول) أي ومما يندب إيقاع نفل في مسجد المدينة في مصلاه ﷺ وأحبه فيه حيث العمود المخلوف والتنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في البيوت، وكذلك يندب إيقاع الفرض بالصف
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه (٢) - كتاب إقامة الصلاة … ١٠٧/ ١٠٨ - باب ما جاء فيمن صلى قبل الظهر أربعا وبعدها أربعا … الحديث: ١٦٠.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه (٢) - كتاب الصلاة (٢٠٦) - باب ما جاء في الأربع قبل العصر الحديث: ٤٣٠. وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة باب الصلاة قبل العصر الحديث: ١٢٧١، وأخرجه الشوكاني في نيل الأوطار (٤) - كتاب الصلاة (١٤٨) - باب فضل الأربع قبل الظهر وبعدها وقبل العصر وبعد العشاء الحديث: ٨٩٦، عن ابن عمر.
[ ١ / ٣١٧ ]
الأول في مسجد المدينة وغيرها ترغيبا لما ورد فيه، أعلم أن الترغيب فيه إنما هو والله أعلم إشارة إلى المسابقة إليه في أول الوقت لا أن يجلس حتى تقام الصلاة فيأتيها دبارا لغير عذر، ويزاحم من يبكر إليها لأن من تزيين الصلاة ألا تأتيها دبارا، سؤال شرف الصف الأول معلل بسماع القرآن، وإرشاد الإمام وتوقع الإستخلاف، ومقتضى ذلك أن يكون من الثاني والثالث أفضل من آخر الأول إذا طال، جوابه أن ذلك معارض بكون الواقف في الصف الأول متصفا بكونه من السابقين وحكى أبو عمر في التمهيد الخلاف بين العلماء هل الصف الأول الذي يلي الإمام أو السابق حيث كان (^١)، لانزاع أن الصلاة مع الصلحاء والعلماء والكثير من أهل الخير أفضل من غيرهم لشمول الدعاء وسرعة الإجابة وكثرة الرحمة وقبول الشفاعة، وإنما الخلاف في زيادة الفضيلة التي شرعت الإعادة لأجلها، فالمذهب أن تلك الفضيلة لا تزيد وإن حصلت فضائل أخر لكن لم يدل دليل على جعلها سببا للإعادة، لا نزاع أن مدرك التشهد له أجر وأنه مأموم بذلك.
فرع: وقال أبو الطاهر: لا يجوز تعدي المسجد إلى غيره إلا أن يكون إمامه لا يصح الإقتداء به فإن فعل فلا تبطل صلاته عندنا. انتهى من الذخيرة (^٢).
قوله: (وتحية مسجد مكة الطواف، وتراويح وانفراد بها إن لم تعطل المساجد، والختم فيها، وسورة تجزئ) أي ويكفي الطواف في تحية مسجد مكة إن أراد الطواف وإلا فيركع كغيره ومما يندب ويتأكد صلاة التراويح وهي قيام رمضان، وندب الإنفراد فيها لمن حسنت نيته إن لم يؤد الإنفراد بها إلى تعطيل المساجد منها بتخلفه عنها واستحب غير مالك أن يكون في المساجد لأنه فعله ﷺ ولأن عمر استحسنه حين رد الناس عليه ولأنه أبقى المعالم الشريعة، وكذلك يندب فيها ختم القرآن وإن مرة واحدة، وقراءة سورة واحدة فيها تجزئ لمن اقتصر عليها وإن كررها من أول الشهر إلى آخره.
قوله: (ثلاث وعشرون) أي التراويح قدرها ثلاث وعشرون ركعة بحسب الوتر يحسب الوتر (ثم جعلت) بعد ذلك (ستا وثلاثين) بلا شفع والوتر تخفيفا للقيام وزيادة العدد لأنه أسهل، واستظهر أفضلية الأولى لجمع عمر الناس بأبي بن كعب.
_________________
(١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر: ج ٢٢، ص: ١٠٢.
(٢) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٢٧٣.
[ ١ / ٣١٨ ]
قوله: (وخفف مسبوقها ثانيته ولحق) أي وإن دخل ووجد الناس في الركعة الثانية فإنه يدخل مع الإمام فإن سلم الإمام قام فيأتي بالركعة المسبوق بها ويخففها ويلحق الإمام وإن دخل من لم يصل العشاء ووجد الناس يصلون التراويح فإنه يصليها واختلف هل يصليها في وسط الناس أو يصليها في ناحية منهم قولان، وهل يوتر وهم يصلون أم لا قولان.
قوله: (وقراءة شفع بسبح والكافرون، ووتر بإخلاص ومعوذتين، إلا لمن له حزب فمنه فيهما) أي وندب قراءة ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] في الركعة الأولى من الشفع وفي الثانية ب ﴿قل يتأيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١] ويندب في الوتر قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين، إلا لمن له حزب فمن ذلك الحزب فيهما، وهذا خلاف ظاهر المدونة والرسالة لأن ظاهرهما كان له حزب أم لا. انتهى.
والوتر بفتح الواو وكسرها وتاء مثناة وأما الوثر بثاء مثلثة وهو ماء الفحل إذا اجتمع في رحم الناقة والوثر بكسر الواو وبالثاء المثلثة فراش الوطئ.
قوله: (وفعله لمنتبه آخر الليل، ولم يعده مقدم، ثم صلى وجاز، وعقيب شفع منفصل عنه بسلام، إلا لاقتداء بواصل وكره وصله، ووتر بواحدة) أي وفعل الوتر لمنتبه في آخر الليل مستحب فإن قدمه وصلى النفل بعده لم يعده ويجوز التنفل بعد الوتر، ومما يندب للوتر أن يكون عقب شفع منفصل عنه بسلام إلا أن يكون مقتديا بإمام واصل لهما كحنفي فإنه يتبعه ولو مسبوقا بركعة لقوله ﵇: «لا تختلفوا عليه» (^١).
وكره وصل الوتر بالشفع لغير مقتد بواصل بينهما وكذلك يكره أن يقصر في الوتر بركعة واحدة.
قال المازري: ولم يختلف المذهب في كراهة الاقتصار على ركعة واحدة في حق المقيم الذي لا عذر له وإنما الخلاف للمسافر. انتهى.
الوتر جاء على خلاف الأصل أن كثرة الثواب بكثرة العمل والعقاب بكثرة العصيان.
_________________
(١) أخرجه محمد بن إسحاق بن خزيمة في صحيحه بأمر المأمومين بالإقتداء بالإمام والنهي عن مخالفتهم إياه الحديث: ١٥٧٥، ط: ١٩٧٠، ج ٣، ص: ٣٤. تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي المكتبة الإسلامية.
[ ١ / ٣١٩ ]
ابن القاسم: ومن أحرم للوتر فله أن يشفعه وكذلك العكس (^١).
ابن المواز: إن أحرم للوتر فله أن يشفعه بخلاف العكس.
أصبغ: وإن فعل في الوجهين أجزاه (^٢).
قوله: (وقراءة ثان من غير انتهاء الأول، ونظر بمصحف في فرض، أو أثناء نفل، لا أوله) أي وكره قراءة إمام ثان في التراويح أو غيرها من غير انتهاء قراءة الأول إن عرفه ومما يكره نظر بمصحف في صلاة فرض لا في أولها ولا في أثنائها ويكره له ذلك في أثناء النفل لا في أوله لأن الطلب في أثنائها مما يشغله بخلاف أوله والفرق بين الفرض والنفل في ذلك لخفة النفل.
قوله: (وجمع كثير لنفل أو بمكان مشتهر) أي وكره جمع نفر كثير لصلاة نفل وإن لم يكن المكان مشتهرا أو كان المكان مشتهرا وإن لم يكن النفر كثيرا.
قوله: (وإلا فلا) أي وإن لم يكن الجمع كثيرا ولم يكن المكان مشتهرا للجمع القليل فلاكراهة لفقدان علة خوف الرياء.
قال البرزلي مفتي تونس: من أجوبة عز الدين: فاعلم أن الأعمال على ثلاثة أقسام: أحدها: ما شرع فيه السر والخفاء كقيام الليل وإسرار الذكر والدعاء، فهذا لا يظهره ولا يجهر به لأنه إذا أظهره فقد خالف سنته مع تعرضه للسمعة والرياء.
القسم الثاني: ما شرعت على نيته كالأذان وتشييع الجنائز والجهاد والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والولايات الشرعية كالقضاء والإمامة. فهذا لا يترك خوفا من الرياء والسمعة.
الثالث: ما خير الشرع فيه بين إظهاره وإخفائه كالصدقات فإنه تعالى قال فيها: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١] فهذا إخفاؤه خير من إظهاره لما فيه من الحزم من حفظ العمل من خواطر الرياء. انتهى (^٣).
قوله: (وكلام بعد صبح لقرب الطلوع. لا بعد فجر) أي وكره كلام بعد صلاة صبح.
_________________
(١) ورد في الجامع لابن يونس ج ٢، ص: ٧٢٧ ما نصه: قال ابن القاسم: ومن أحرم للشفع فلا يجعلها وترا، وإن أحرم للوتر فلا يجعلها شفعا.
(٢) الجامع لابن يونس: ج ٢، ص: ٧٢٧.
(٣) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٣٧١.
[ ١ / ٣٢٠ ]
إلى قرب طلوع الشمس لأن ترك الكلام حينئذ مطلوب، ولا يكره بعد صلاة ركعتي الفجر وقبل صلاة الصبح وكان مالك ﵀ يتحدث بعد أن ركع الفجر ويسأل فإذا صلى الصبح فلا يتحدث ولا يتكلم.
قوله: (وضجعة بين صبح وركعتي فجر) أي ومما يكره الضجعة بين صلاة الفجر والصبح إن أراد بذلك أنه مشروع، وأما إن قصد به الراحة فلاكراهة كفعله ﷺ.
قوله: (والوتر سنة آكد، ثم عيد، ثم كسوف، ثم استسقاء) أي وحكم صلاة الوتر أنها سنة مؤكدة حتى قال سحنون: (ويجرح تاركه) (^١) ويؤدب، ثم أي يليه من السنن في التأكيد صلاة العيدين وهما سيان، ثم يليهما في تأكيد السنية صلاة الكسوف ولو كان مقدما على العيدين إذا اتفقا لأجل خوف فوات الكسوف فلأجل ذلك يقدم لا لأنه أكد منه ثم يليها في التأكيد صلاة الإستسقاء.
قوله: (ووقته بعد عشاء صحيحة وشفق للفجر) أي ووقت الوتر المختار له بعد صلاة عشاء صحيحة لا فاسدة إذ المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، ويكون وقوعه بعد مغيب شفق لا قبله كجمع ليلة المطر فلا يصليه إلا بعد غيبوبة الشفق.
قوله: (وضروريه للصبح) أي ووقت الضروري للوتر ممتد إلى صلاة الصبح، (وندب قطعها له لفذ) لأجل صلاة الوتر وقيل لا يقطع والخلاف إذ اتسع الوقت، وأما إن ضاق فلا يقطع.
قوله: (لا مؤتم) أي فلا يقطع ذاكر صلاة الوتر في أثناء صلاة الصبح إذا كان مأموما لأن فضل الجماعة أوكد، وقيل يقطع لأنه إن ترك فضل جماعة صلى صلاة سنة.
قوله: (وفي الإمام روايتان) أي وفي قطع الإمام إن ذكر الوتر في صلاة الصبح وعدم قطعه روايتان، فعلى رواية القطع هل يقطع مأمومه أم لا قولان فإن قلنا بعدم القطع يأتم بهم أحدهم.
قوله: (وإن لم يتسع الوقت إلا لركعتين: تركه) أي وإن لم يتسع الوقت على ذاكر الوتر في صلاة الصبح إلا لقدر ركعتين ترك الوتر غفل ابن الحاجب هنا ﵀.
قوله: (لا لثلاث ولخمس صلى الشفع ولو قدم، ولسبع زاد الفجر) أي لا يترك الوتر إن اتسع الوقت لقدر ثلاث ركعات والأربعة أحرى فإن التسع الوقت لقدر خمس
_________________
(١) التاج والإكليل: ج ٢، ص: ٨٩.
[ ١ / ٣٢١ ]
ركعات فإنه يصلي الشفع والوتر ثم يصلي الصبح ولو كان قد قدم الشفع قبل ذلك وهو خلاف قول ابن القاسم، فإن اتسع الوقت لقدر سبع ركعات صلى ركعتي الفجر إنما أخر ركعتي الفجر بالذكر لأنها تقضى بعد ذلك إلى الزوال.
قوله: (وهي رغيبة تفتقر لنية تخصها) أي وركعتي الفجر رغيبة قال أشهب: هي سنة.
ومنشأ الخلاف هل السنة ما فعله ﷺ وداوم عليه أو حتى أظهره والرغيبة دون السنة والنفل دون الرغيبة وركعتي الفجر تفتقر لنية تخصها عن مطلق النوافل.
فرع: اختلف إذا صلى الفجر ثلاث ركعات هل تبطل؟ لأنها محدودة أم يتمها أربعا كالنوافل، وإذا قلنا يتمها فاستحب مالك الإعادة خلافا لمطرف. انتهى من الطرر (^١).
قوله: (ولا تجزئ إن تبين تقدم إحرامها للفجر ولو بتحي) أي ولا تجزئ ركعتا الفجر إن تبين تقدم الإحرام بها على طول الفجر ولو كان بتحر إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه خلاف للضحية إذا تحرى فيها وقت ذبح الإمام أضحيته للمشقة في الضحية دون ركعتي الفجر.
قوله: (وندب الاقتصار على الفاتحة) أي وندب الإقتصار على قراءة الفاتحة فقط في صلاة ركعتي الفجر واختلف في علة ذلك وقيل ليدرك أول وقت الصبح وقيل لأن ذلك قدر حساب هذه الأمة، وقيل لأنهما كالركعتين الأخيرتين في الظهر وهذا بعيد.
قوله: (وإيقاعها بمسجد، ونابت عن التحية، وإن فعلها ببيته لم يركع) أي وندب إيقاع ركعتي الفجر في المسجد ونابت عن تحية المسجد، عكس الشيخ تتله في قوله: وإيقاعها بمسجد، لأنه جعلها كسنة وإن صلى الفجر في بيته ثم أتى المسجد لم يركع تحية المسجد ولا غيرها.
قوله: (ولا يقضى غير فرض، إلا هي فللزوال) أي ولا يقضي غير فرض من النوافل إلا ركعتي الفجر فإنها تقضى إلى الزوال، وقيل لا تقضى فإن قلنا بفعلها فهل ذلك قضاء أو ركعتان ينوب له ثوابهما عن ثواب ركعتي الفجر.
_________________
(١) هذا مضمون ما ذكره القرافي في الذخيرة: ج ٢، ص: ٣٠٩ وأما الطرر فلم أطلع عليه فيما وجدته منسوبا إليها.
[ ١ / ٣٢٢ ]
قال الشيخ أبو بكر (^١): وهذ الجاري على أصل المذهب، وذكر القضاء تجوز. انتهى من ابن شاس (^٢).
قوله: ولا يقضى غير فرض إلا هي ظاهره ولو لم يستيقظ من النوم إلا بعد طلوع الشمس وقال مالك: لا يصليها وقال أشهب يصليها قبل الصبح وسبب الخلاف هل صلاها النبي ﷺ حين طلعت عليه الشمس يوم الوادي.
قوله: (وإن أقيمت الصبح وهو بمسجد تركها) أي وإن أقيمت الصبح على من لم يصل ركعتي الفجر وهو في ذلك المسجد الذي أقيمت فيه الصبح فإنه يترك الفجر ويدخل مع الإمام ثم يقضي الفجر من حل النفل إلى الزوال واستحب أشهب أن يركعها في حال الإقامة وأما الوتر يخرج ويركعه لفواته بالصبح.
قوله: (وخارجه ركعها إن لم يخف فوات ركعة) أي وإن أقيمت الصبح على من لم يركع الفجر وهو خارج المسجد في غير أفنيته الملاصقة له ركعها فيه إن لم يخف فوات ركعة وقيل إن لم يخف فوات صلاة الصبح كلها. انتهى.
قال صاحب إكمال الإكمال: قلت: الفناء ما يلي الجدار من الشارع النافذ المتسع فلا فناء للشارع الضيق لأنه لا يفضل منه شيء عن المارة وكذا لا فناء لغير النافذ ولأن للأفنية حكم الطريق، جاز للجنب أن يمر بفناء الجامع. انتهى (^٣).
قوله: (وهل الأفضل كثرة السجود، أو طول القيام؟ قولان) أي وهل الأفضل للمتنفل كثرة السجود أن يكثر عدد الركعات ليكثر السجود لما روي عن ابن عمر أنه رأى فتى يصلي وقد أطال الصلاة وأطنب فيها، فقال: أيكم يعرف هذا الرجل؟.
قال رجل: أنا أعرفه، فقال: أما إني لو عرفته لأمرته أن يكثر الركوع والسجود فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن العبد إذا قام إلى الصلاة أتى بذنوبه كلها فوضعت على عاتقه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه». انتهى من حلية الأولياء (^٤).
وطول القيام في النفل أفضل، وهو الظاهر لفعله ﷺ، فإنه كان يقوم حتى ورمت رجلاه، فقيل له في ذلك ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر
_________________
(١) محمد بن صالح الأبهري البغدادي تقدمت ترجمته.
(٢) الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس: ج ١، ص: ١٣٥.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٤٥٠.
(٤) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم احمد بن عبد الله الأصبهاني: ج ٢، ص: ٣٢٠، ط ٤: ١٤٠٥ هـ، دار الكتاب الغربي.
[ ١ / ٣٢٣ ]
فقال ﷺ: «أفلا أكون عبدا شكورا (^١) وقيل طول القيام في الليل أفضل وفي النهار كثرة السجود وقيل ما ينشط به هو الأفضل.
فصل [في صلاة الجماعة وما يتصل بها من أحكام]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه حكم الجماعة في الفرض وغير ذلك من المسائل أجاد فيه الشيخ - تعالله ونور الله ضريحه - وبدأ فيه بحكم الجماعة في الفرض فقال: (الجماعة بفرض غير جمعة سنة) لا واجب ولا مندوب، وأما الجماعة في الجمعة ففرض وأقل الجماعة اثنان بالغان ذكران أو ذكر وأنثى أو أنثيين.
قوله: (ولا تتفاضل) الجماعة بكثرة العدد ولا بحسن حال الإمام تفاضلا تعاد لأجله الصلاة وفي الموطأ عن عبد الله ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» (^٢) انتهى (^٣).
فتكون صلاة من صلى في الجماعة ثمانية وعشرين درجة، ويحتمل أن التضعيف بمجرد الجماعة وخروجه من بيته لا ينهزه إلا الصلاة أي لا يحركه إلا الصلاة، وسيره إلى المسجد وصلاة الملائكة ﵈ عليه وكونه في صلاة ما انتظر الصلاة، وشهادة الملائكة ﵈ له بذلك وإجابة الداعي، ودعاؤه عند دخول المسجد، وسلامه على النبي ﷺ عند خروجه منه وسلامه على أهل المسجد، أو على عباد الله الصالحين إن لم يجد فيه أحدا، وتحية المسجد، وإقامة الصف والإنصات للإمام وغير ذلك، هذه كلها درجات زيادات مع ما له من شهود صلاة العشاء والصبح. انتهى.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٥) - أبواب التهجد -٦ - باب قيام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه الحديث: ١٠٧٨ أخرجه مسلم في صحيحه (٥٠) - كتاب صفات المنافقين (١٨) باب إكثار الأعمال والاجتهاد، الحديث: ٢٨١٩ - ٢٨٢٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١٥) - كتاب الجماعة والإمامة -١ - باب وجوب صلاة الجماعة الحديث: ٦١٩. وأخرجه مسلم في صحيحه (٥) - كتاب المساجد (٤٢) - باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها الحديث: ٦٥٠. وأخرجه مالك في الموطأ (٨) كتاب صلاة الجماعة (١) - باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ الحديث: ٢.
(٣) الموطأ للإمام مالك: ج ١، ص: ١٢٩ صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق محمد فؤاد عبد الباقي ط: ١٩٨٨ م المكتبة الثقافية.
[ ١ / ٣٢٤ ]
قال القرافي في الذخيرة: لا نزاع أن الصلاة مع الصلحاء والعلماء والكثير من أهل الخير أفضل من غيرهم، لشمول الدعاء وسرعة الإجابة وكثرة الرحمة، وقبول الشفاعة وإنما الخلاف في زيادة الفضيلة التي شرع الله تعالى الإعادة لأجلها فالمذهب أن تلك الفضيلة لا تزيد وإن حصلت فضائل أخرى لكن لم يدل دليل على جعلها سببا للإعادة. انتهى (^١).
قال صاحب التنوير: ينبغي أن لا تفوته ملازمة الخمس في الجماعة لتكون ملازمته لها سببا لتجديد الأنوار موجبا لوجود الاستبصار وقد قال ﷺ: «تفضل صلاة الجماعة صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة» (^٢) ولو شرع للعباد أن يصلي كل أحد في حانوته أو داره لتعطلت المساجد التي قال فيها الحق سبحانه: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ [النور: ٣٦] ولأن الجماعة إذا اجتمعت انبسطت بركات قلوبهم على من حضرهم وامتدت أنوارهم لمن شهدهم، ولأن ملازمة الخمس في جماعة اجتماع القلوب وتناصرها ورؤية المؤمنين واجتماعهم، وقال ﷺ: «يد الله مع الجماعة» (^٣)، وإن ضيعها اشتغالا بسبب استوجب المقت من ربه ورفع البركة من كسبه وليستحي أن يراه الحق سبحانه مشغولا بحظوظ نفسه عن حقوق ربه، وقد كان بعض السلف يكون في صنعته فربما رفع المطرقة وسمع المؤذن فرماها من خلفه لئلا يكون ذلك شغلا بعد أن دعي إلى طاعة الله وليذكر إذا سمع المؤذن قوله ﷾: ﴿يتأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ [الأنفال: ٢٤]. انتهى (^٤).
والصلاة في الجماعة مستحبة للرجل في خاصة نفسه، وأما إقامة الجماعة في الصلواة فإنها فرض في الجملة وسنة في كل مسجد سواء كان جامعا أو غيره خلافا لابن حبيب قال: مسجد الجامع أفضل من غيره، والجماعة الكثيرة أفضل من غيرها، وقد جاء أن الصلاة في مسجد الجامع حيث المنبر والخطبة أفضل من خمس
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٢٦٥.
(٢) أخرجه البخاري صحيحه (١٥) - كتاب الجماعة والإمام (١) باب وجوب صلاة الجماعة الحديث: ٦٢٠. وأخرجه مسلم في صحيحه (٥) المساجد (٤٢) باب فضل صلاة الجماعة الحديث: ٦٤٩.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه (٣١) - كتاب الفتن (٧) - باب لزوم الجماعة الحديث: ٢١٦٦.
(٤) التنوير في إسقاط التدبير لأحمد بن عطاء الله السكندري: ص: ٧٠ - ٧١ - ٧٢ - ٧٣.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وسبعين صلاة في غيره.
قوله: (وإنما يحصل فضلها بركعة) أي وإنما يحصل فضل الجماعة بحصول ركعة كاملة مع الإمام وأحرى أكثر، فمن لم يدرك مع الإمام إلا أقل منها فإنه لم يحصل له فضل الجماعة وهو كالفذ في إتمام صلاته فلا تفسد عليه إن أفسدها الإمام، سحنون وأحب له أن يبتدئ احتياطا.
قوله: (وندب لمن لم يحصله كمصل بصبي) أي ويستحب لمن لم يحصل له فضل الجماعة بأن صلى فذا أو لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة أن يعيدها في جماعة، كما ندب لمصل مع صبي أن يعيد صلاته في جماعة، ويحتمل قوله: كمصل بصبي أن يكون تمثيلا لمن لم يحصل له فضل الجماعة، وقيل لا يعيد من صلى مع صبي.
قوله: (لا امرأة - أن يعيد مفوضا مأموما) أي فلا يعيد في الجماعة من صلى مع امرأة واحدة وقيل يعيد، وحيث أمر بالإعادة فإنه لا بد أن يكون مأموما فلا يكون إماما فيها فإن فعل أعاد مأمومه أبدا لأن الصلاة نافلة ويعيدها مفوضا الأمر إلى الله في قبول أي الفرضين شاء، ولكن لابد أن ينوي به الفرض، فقيل في نية العود للمفروض أربعة: فرض ونفل وتفويض وإكمال.
قوله: (ولومع واحد) أي يعيدها ولو مع واحد يأتم به هو.
ولو قال الشيخ: لا مع واحد لكان أولى.
قال ابن غازي: عول في الإعادة مع الواحد غير الإمام الراتب على صاحب اللباب وابن عبد السلام، وما كان ينبغي له ذلك؛ فإن الحفاظ لم يجدوه في المذهب حتى انتقد على ابن الحاجب جعله مقابل الأصح، فقال ابن عرفة: ونقل ابن الحاجب تعاد مع واحد، لا أعرفه. انتهى (^١).
قال ابن ناجي: وكان بعض من لقيناه يقول: إن نقل صاحب اللباب لا يعول عليه لأنه لم يكن بذلك، ويكفي فيما قلناه أنه جعله ظاهر المذهب مع أن الأول هو المذهب. انتهى من شرحه للرسالة (^٢).
قوله: (غير مغرب كعشاء بعد وتر) أي إنما يعيد لأجل فضل الجماعة فرضا غير مغرب وغير عشاء بعد صلاة وتر لاستلزام إعادة المغرب الشفق ولأنها وتر صلاة.
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٢١٨.
(٢) شرح الرسالة لابن ناجي: ج ١، ص: ١٩٥.
[ ١ / ٣٢٦ ]
النهار وفي إعادة العشاء إعادة الوتر ولا وتران في ليل.
قوله: (فإن أعاد ولم يعقد قطع) أي وإن وقع ونزل وأعاد المغرب أو العشاء بعد الوتر قطع إن لم يعقد ركعة (وإلا شفع) أي وإن عقد ركعة شفعها، (وإن أتم) المغرب - (ولو سلم - أتى برابعة) فيها (إن قرب) وإلا فلا شيء عليه، ويحتمل قوله: وإن أتم إنشاء، ويحتمل تأكيدا، ويحتمل قوله: ولو سلم إنشاء يحتمل إغياء.
قوله: (وأعاد مؤتم بمعيد أبدا أفذاذا) أي ومن ائتم بمعيد صلاته لأجل فضل الجماعة فإنه يعيد صلاته أبدا لاحتمال أن تكون الثانية نافلة في حال كونه فذا لا في جماعة لاحتمال أن تكون الثانية فرضا.
قوله: (وإن تبين عدم الأولى أو فسادها أجزأت) أي وحيث أعاد الصلاة لأجل طلب فضل الجماعة ثم تبين له عدم الأولى أو فسادها أجزأته الثانية، وهذا إذا دخل بنية التفويض أو الفرض.
لو قال الشيخ: وإن تبين عدم الأولى أو فساد إحداهما أجزأت لشملها بالنص.
قوله: (ولا يطال ركوع لداخل) أي ولا يطيل الإمام الركوع لأجل داخل ليدرك معه الركعة لأن حق من خلفه أكد ولأنه لو كان مشروعا لصرف نفوس المصلين إلى انتظار الداخلين فيذهب إقبالهم على الصلاة وأدبهم مع ربهم.
قلت: فعلى هذه العلة لا يجوز الإنتظار ولو كان فذا، وجعل اللخمي علة المنع حق المأموم لأنه قال: (ومن وراءه أعظم عليه حقا ممن أتى) (^١) فعلى هذا يجوز له إن كان فذا، وأجاز سحنون انتظاره مطلقا لأنه إعانة على قربة. انتهى.
قال القلشاني: أجاز ذلك سحنون ومنعه ابن حبيب، وأجاز بعضهم ما قرب، واختار ابن عرفة الجواز إن كانت الأخيرة، واختار عياض قول سحنون، ويشهد له انتظار الطائفة في صلاة الخوف، وتخفيف الصلاة لبكاء الصبي. انتهى (^٢).
وقوله: ولا يطال ركوع لداخل هو قول ابن حبيب.
قال صاحب إكمال الإكمال: عياض: شدد بعضهم الكراهة في ذلك جدا ورآه من التشريك في العمل لغير الله. ولم يقل شيئا، بل كله لله ل لأنه إنما فعله ليحوز به أجر إدراك الداخل. انتهى (^٣).
_________________
(١) قاله اللخمي أنظر التاج والإكليل عند قول خليل: وإن تبين عدم الأولى أو فسادها أجزأت
(٢) شرح الرسالة للقلشاني: ج ١، ص: ١٣٧.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٣٤٦.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وفي البرزلي: من أحرم منفردا ثم أحس بداخل فنوى الإمامة مكانه يحصل الفضل (^١).
قوله: (والإمام الراتب كجماعة) الراتب هو الذي انتصب للإمامة والتزمها فهو كجماعة فلا يعيد في جماعة إذا صلى وحده، ويجمع وحده في مسجده وقته المعتادله وأذن وأقام فلا تجمع الصلاة بعده ويجمع وحده ليلة المطر. انتهى.
قال صاحب المنهاج: يوجد في الشرع إيجاد المعدوم وهو الجنين، وإعدام الموجود وهو المفقود والمنفوذ المقاتل، وتبعيد القريب وهو القاتل عمدا إذا قتل قريبه، وكذلك الكافر، وتقريب البعيد مثل إذا كان للميت أب وجد وكان الأب كافرا فإن الجد يرثه ولا يرثه الأب، واتحاد المتعدد وهو أن مائة امرأة كامرأتين وإعداد المتحد وهو الإمام الراتب يقوم مقام الجماعة. انتهى من الجزولي (^٢).
قوله: (ولا تبتدأ صلاة بعد الإقامة) يحتمل نهي التحريم ويحتمل نهي الكراهة. نكر الشيخ لفظ الصلاة ليشمل فرضا أو نفلا لأن في ذلك صلاتين معا وهذا في المساجد وأما الصحراء فلا بأس.
قوله: (وإن أقيمت) أي وإن أقيمت الصلاة وهو في المسجد (وهو في صلاة قطع) أي قطعها فرضا كانت أو نفلا إن خشي فوات ركعة) ولو وجب تقديمها، فيدخل مع الإمام ثم يبتدئ الصلاتين.
قوله: (وإلا أتم النافلة، أو فريضة غيرها) أي وإن لم يخش فوات ركعة أتمها إن كانت نافلة أو فرضا غير الذي أقيمت عليه عقد ركعة أم لا.
قوله: (وإلا انصرف في الثالثة عن شفع كالأولى إن عقدها) أي وإن كانت التي أقيمت عليه هي التي هو فيها انصرف في الثالثة عن شفع فإن لم يعقدها انصرف عن ذلك الشفع كما انصرف عنه في الأولى إن عقدها وإلا قطع أي وإن عقد ثالثة أتم الصلاة.
قوله: (والقطع بسلام أو مناف) أي وحيث قلنا يقطع قطع بسلام أو مناف للصلاة (وإلا) أي وإن لم يقطع بسلام ولا مناف للصلاة بل دخل مع الإمام كذلك (أعاد) تلك الصلاة أبدا لأنه أحرم قبل إمامه إذ لم ينفصل عن إحرامه الأول.
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٤٤٤. بتصرف.
(٢) أظنه والله أعلم أحد شروح الرسالة الثلاث للجزولي وأظنه الكبير، والله أعلم.
[ ١ / ٣٢٨ ]
قوله: (وإن أقيمت بمسجد على محصل الفضل وهو به خرج ولم يصلها ولا غيرها) أي وإن أقيمت الصلاة في مسجد على محصل فضل الجماعة وهو في ذلك المسجد فإنه يخرج منه ممسكا أنفه خشية الطعن بالإمام ولا يصليها لأن الفضل قد حصل ولا يصلي غيرها لما فيه من صلاتين معا (وإلا لزمته كمن لم يصلها) أي وإن لم يكن قد حصل له فضل الجماعة لزمته تلك الصلاة مع الإمام وإن صلاها قبل كما تلزم من لم يصل تلك الصلاة بعد أن يدخل مع الإمام.
قوله: (وببيته يتمها) أي وإن أقيمت الصلاة وهو قد أحرم بها في بيته فإنه يتمها ولا يقطع لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعملكم﴾ [محمد: ٣٣] ولأن الموجب لقطعه إذا كان في المسجد إنما هو ظن خشية مخالفة الإئمة أو وقوعه في صلاتين معا.
قوله: (وبطلت بافتداء بمن بان كافرا، أو امرأة أو خنثى مشكلا، أو مجنونا) شروع منه في حكم الإمامة وشروط الإمام.
فقال: وبطلت باقتداء بمن بان كافرا إلى آخره أي وبطلت أي الصلاة باقتداء بمن ظهر أنه كافر سواء تبين له ذلك في أثناء الصلاة أو بعدها أو تبين أنه امرأة أو خنثى مشكلا أو مجنونا وهل يقتل الكافر المقتدى به أم لا.
وقوله: (أو فاسقا بجارحة) أي وتبطل صلاة من اقتدى بفاسق بجارحة كالزاني والغاصب ونحوه من مرتكب الكبائر. أنتهى.
لو قال الشيخ: لا فاسقا لكان أولى، إذ هو المشهور، إذ صلاته هو بنفسه صحيحة فكيف بصلاة من أقتدى به.
قال ابن غازي: جعله أسوء حالا من المبتدع وقد اختلف في إعادة من صلى خلفه. انتهى (^١).
مع أن أبا العباس القباب (^٢) قال: أعدل المذاهب أنه لا يقدم فاسق للشفاعة والإمامة، ولكن لا إعادة على من صلى خلفه إن كان يتحفظ على أمر الصلاة. قال:
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٢٢٠.
(٢) أبو العباس أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن الجذامي المعروف بالقباب الفقيه الحافظ، أخذ عن ابن فرحون وغيره وعنه الشاطبي وغيره، تولى الفتيا بفاس من مؤلفاته: شرح قواعد عياض وشرح مسائل ابن جماعة في البيوع وغيرهما مات سنة: ٧٧٩ هـ أو ٧٧٨ هـ. معجم كحالة، ج ٢، ص: ٤٩، وشجرة النور الزكية: ج ١، ص ٣٣٨، الترجمة: ٨٧٣.
[ ١ / ٣٢٩ ]
وهذا هو مرتضى التونسي واللخمي وابن يونس. انتهى (^١).
وما كان ينبغي للمصنف أن يعدل عن المرتضى عند هؤلاء الأئمة إلى تشهير ابن بزيزة، وما ذكره في المبتدع إذهو في المبتدع صواب؛ إذ هو مذهب ابن القاسم في المدونة.
وللمصنف أن يقول بالموجب في جعل الفاسق أسوء حالا من المبتدع، بالإعتبار الذي أشار إليه ابن عبد السلام: أن فسق الإعتقاد لا ينفي ظن صدق الفاسق ألا ترى أن كتب الصحاح في الحديث اشتملت على جواز التحدث عن جماعة من هذا الصنف، وإنما اجتنب المحدثون الرواية عن من كان من هذا الجنس داعيا إلى مذهبه، ومن لم يكن كذلك لم يجتنبوا الرواية عنه، بخلاف فسق الجوارح. انتهى (^٢).
قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق: وتشترط العدالة في محل الحاجات كإمامة الصلاة فإن الأئمة شفعاء والحاجة داعية لإصلاح حال الشفيع عند المشفوع عنده وإلا لم تقبل شفاعته فيشترط فيهم العدالة. انتهى (^٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الإمام ضامن والمؤذن أمين، أرشد الله الأئمة وأعان المؤذنين» (^٤).
قوله: (أو مأموما) أي وكذلك تبطل صلاة من اقتدى فيها بمأموم كمن أدرك ركعة مع الإمام فقام بعد سلام الإمام لقضاء ما فاته وجاء من لم يصل واقتدى به.
قوله: (أو محدثا إن تعمد أو علم مؤته) أي وتبطل صلاة من ائتم فيها بمحدث تعمد الصلاة وهو محدث، أو علم من ائتم به أنه محدث، وإن لم يعلم هو مفهومه أنه إن لم يتعمد الصلاة محدثا، ولم يعلم المؤتم به أن صلاة المؤتم به صحيحة والمفهوم صحيح.
قوله: (وبعاجز عن ركن أو علم، إلا كالقاعد بمثله فجائن أي وتبطل صلاة من اقتدى فيها بعاجز عن ركن كالقيام والركوع والرفع أو عاجز عن علم لا تصح
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ١١١.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٢٢٠.
(٣) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي الفرق العشرون المائتان: ج ٤، ص: ٣٧.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه باب المؤذن أمين والإمام ضامن الحديث: ١٨٣٨. ومسند الإمام أحمد بن حنبل مسند أبي هريرة وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء: ج ٨، ص: ١١٨.
[ ١ / ٣٣٠ ]
الصلاة إلا به، إلا كقاعد بمثله فإنه يجوز أن يقتدي به، وهو مستثنى من قوله: وبعاجز عن ركن، والكاف في كقاعد كاف الشمول.
ابن القاسم: وإذا كانوا لا يستطيعون الجلوس هم ولا هو، فلا إمامة مع هذا الإمام، ولم تأت بهذا سنة، كما جاء في صلاة الجالس.
قال يحي بن عمر (^١): إن فعلوا أجزأ الإمام وأعادوا الصلاة (^٢).
وقال في الإختصار في تعريف رجال الموطأ: والإمامة في حال الجلوس خاصة بالنبي ﷺ، ابن حبيب عن مالك: إن ذلك منسوخ، وهو نسخ السنة بالإجماع، إذ لم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه أم جالسا. انتهى.
قوله: (أو بأمي إن وجد قارى) أي وكذلك تبطل صلاة من اقتدى بأمي وهو الذي لا يقرأ وهو منسوب إلى أمه أي هو كما ولدته أمه.
قال صاحب مغني النبيل: الأمي هو الذي لا يقرأ الفاتحة وإن قرأ وكتب انتهى. وإنما تبطل صلاته إن وجد قارئا وإلا فيجوز إذ هو مثله.
قوله: (أو قارئ بكقراءة ابن مسعود) أي وكذلك تبطل صلاة من اقتدى بمن يقرأ في صلاته بمثل قراءة ابن مسعود أي عبد الله ابن مسعود (^٣) خص ابن مسعود بالذكر لجلالته، وقد يقرأ غيره بالشواذ، وابن مسعود يقرأ ويفسر ويقرأ بالشواذ.
قال ابن عرفة: الصقلي: كان يقرأ ويفسر في غير الصلاة، وفيها لا يفسر فقارئها بتلك يعيد أبدا لأنه خلاف مصحف عثمان (^٤) ﵁.
_________________
(١) يحيى بن عمر بن يوسف بن عامر الكناني أبو بكر زكرياء الأندلسي سمع من سحنون وغيره من مؤلفاته كتاب اختلاف ابن القاسم وأشهب واختصار المستخرجه. والحجة في الرد على الشافعي. مات سنة: ٢٨٩ هـ. ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض: ج ٣/ ص: ٢٤٠.
(٢) الجامع لابن يونس: ج ١/ ص: ٥١٤.
(٣) عبد الله ابن مسعود أبو عبد الرحمن الهذلي المخزومي حليف بني زهرة، أسلم وشهد بدرا والمشاهد بعدها ولازم رسول الله ﷺ، روى عن النبي ﷺ وعمر وسعد بن معاذ وروى عنه أبناه عبد الرحمن وأبو عبيدة وأبو موسي وجابر وأنس وغيرهم، الإصابة في تمييز الصحابة: مج ٢/ ص: ٣٦٨، الترجمة: ٤٩٥٤.
(٤) عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أمية أمير المؤمنين ذو النورين وثالث الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة من السابقين الأولين أسلم قبل الهجرة قديما شهد المشاهد مع رسول الله ﷺ وقتل شهيدا سنة: ٣٥ هـ. الإصابة: ج ٤/ ص: ٤٥٦.
[ ١ / ٣٣١ ]
ابن محرز (^١) وابن شعبان: لو بدل المغضوب بالمسخوط، وأنعمت بأفضلت، منع إجماعا (^٢).
قوله: (أو عبد في جمعة، أو صبي في فرض، وبغيره تصح وإن لم تجز وهل بلاحن مطلقا، أو في الفاتحة. وبغير مميز بين ضاد وظاء خلاف) أي وتبطل صلاة من اقتدى بعبد في صلاة جمعة لأنه لم تجب عليه، وكذلك تبطل صلاة فرض بمن اقتدى فيها بصبي، وتصح إن اقتدى به في غير صلاة فرض وإن لم يجز له ذلك ابتداء، وهل بلاحن؟ أي وهل تبطل صلاة من اقتدى بلاحن مطلقا أي في الفاتحة أم لا، غير المعنى أم لا أو إنما تبطل في اللاحن في الفاتحة فقط لكونها فرضا فيها في ذلك قولان.
قال القرافي: ومنشأ الخلاف هل اللحن يخرج القرآن عن كونه قرآنا أم لا وفي الحديث: «من قرأ القرآن وأعربه كان له بكل حرف عشر حسنات فإن لم يعربه كان له بكل حرف حسنة» (^٣) فأثبت القرآن مع اللحن (^٤).
واللحن: الخطأ في الإعراب (^٥) ويقال ترك الصواب. انتهى (^٦).
وكذلك اختلف في بطلان صلاة من اقتدى بمن لم يميز في قراءته بين ضاد وظاء أو بين صاد وسين وعدم بطلانها.
قوله: (وأعاد بوقت في كحروري) أي ومن اقتدى بأحد من أهل الأهواء كحروري وقدري (^٧) وخارجي، فإن صلاته صحيحة ولكن يعيدها في الوقت، هذا قول ابن
_________________
(١) أبو القاسم عبد الرحمن بن محرز القيرواني الفقيه المحدث، تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي عمران الفاسي وأبو حفص العطار، وبه تفقه عبد الحميد الصائغ، وأبو الحسن اللخمي. من مؤلفاته: التبصرة وهي تعليق على المدونة. مات حوالي سنة: ٤٥٠ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٦٣، الترجمة: ٣٢٤.
(٢) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ١٣٤. مخطوط
(٣) الحديث ذكره القرافي في الذخيرة: ج ٢، ص: ٢٤٥ ولم أطلع عليه في غيره.
(٤) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٢٤٥.
(٥) تفسير حقي: ج ٨، ص: ٤٠٦.
(٦) لسان العرب مادة لحن
(٧) القدرية: فرقة من المعتزلة سموا بذلك، لأنهم يقولون: إن الله - تعالى - غير خالق لأفعال الناس، ولا لشيء من أعمال الحيوانات، وأن الناس هم الذين يقدرون أعمالهم، ولذلك سماهم العلماء بالقدرية. روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. تأليف: ابن قدامة المقدسي: ج ١، ص: ٢٦١، الناشر: مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع. الطبعة الثانية: ١٤٢٣ هـ-٢٠٠٢ م.
[ ١ / ٣٣٢ ]
القاسم، وأما الإمام مالك توقف في صلاة من صلى خلف مبتدع.
الحاصل فيه أربعة أقوال اثنان في المدونة الوقف والإعادة في الوقت وقيل يعيد أبدا وقيل لا يعيد، وسبب الخلاف هل تجوز الصلاة خلف فاسق ولا تعاد أو تمنع فتعاد أبدا أو تكره فتعاد في الوقت أو يشك في أمرها فيوقف.
حرورا قرية بقرب الكوفة (^١) اجتمع فيها الخوارج وتعاقدوا فنسبوا إليها.
قوله: (وكره أقطع وأشل) لما فرغ من ذكر الممنوع إمامته شرع يذكر من تكره إمامته ولو في صلاة واحدة أي وكره الإقتداء بأقطع العضو لموجب أو غيره.
قال سند: وفي كل عيوب البدن لم يراع إلا نقص اليدين، أو ما يؤثر في ركن كقطع اللسان (^٢).
وكذلك تكره إمامة الأشل وهو قول ابن وهب، وهو خلاف قول مالك: إنما العيب في اليدين لا في البدن.
قوله: (وأعرابي لغيره، وإن أقرأ) أي ومما يكره إمامة الأعرابي وهو البدوي للحاضر لجهل البدوي بالسنن والمداومته على ترك الجماعة والجمعة وبفوته كثيرا من مشاهد الخير ولأن البدو أشباه الناس لكتاب النبي ﷺ الذي كتبه: من محمد ابن عبد الله إلى ورثة الأنبياء وإلى الناس وإلى أشباه الناس فقال: ورثة الأنبياء العلماء والناس أهل الحضر وأشباه الناس أهل البادية. انتهى.
وقوله: لغيره، قال البساطي: راجع إلى الثلاث من صحيح وحضري ورد الكلام إلى فائدتين أولى من رده إلى فائدة واحدة.
وقوله: وإن أقرأ تأكيد للأعرابي ويحتمل وإن أقرأ أكثر مما قرأ الحضري ويحتمل أنه أفصح منه ويحتمل أنه أعلم منه بمخارج الحروف.
قوله: (وذو سلس وقرح لصحيح) أي وتكره إمامة ذو سلس بول أو مذي أو ودي
_________________
(١) الكوفة: بالضم: المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق ويسميها قوم خذ العذراء، قال أبو بكر محمد ابن القاسم: سميت الكوفة لاستدارتها أخذا من قول العرب: رأيت كوفانا وكوفانا، بضم الكاف وفتحها، للرميلة المستديرة، وقيل: سميت الكوفة كوفة لاجتماع الناس بها من قولهم: قد تكوف الرمل، وطول الكوفة تسع وستون درجة ونصف، وعرضها إحدى وثلاثون درجة وثلثان، وهي في الإقليم الثالث، يتكوف تكوفا إذا ركب بعضه بعضا، ويقال: أخذت الكوفة من الكوفان. معجم البلدان ج ٤، ص: ٤٩١
(٢) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٢٥٣.
[ ١ / ٣٣٣ ]
أو مني أو ريح لصحيح وكذلك ذو قروح تكره إمامته لصحيح القرح بفتح القاف وضمها، وتجوز إمامة من تكره إمامته لمثله في الصفة.
قوله: (وإمامة من يكره) أي وتكره إمامة من يكره لدنيا لما في الترمذي (^١) لعن النبي ﷺ ثلاثة «رجل أم قوما وهم له كارهون» (^٢) الله أعلم هذا إذا كرهوه لأجل الدنيا ولا فرق بين كراهة جميعهم أو أكثرهم أو أهل الفضل منهم وإن كانوا أقل وأما إن كرهوه لأجل دينه فلا يضره.
قوله: (وترتب خصي ومأبون وأغلف وولد زنا ومجهول حال وعبد بفرض) لما فرغ من ذكر من كرهت إمامته ولو في صلاة واحدة، شرع يذكر من كره ترتب إمامته لا في صلاة واحدة أي وكره أن يكون الخصي إماما راتبا لدنوه من الأنوثة والمجبوب أحرى وكذلك المأبون قال الجوهري (^٣): هو المتهم، الزبيدي: هو المقذوف بسوء. وقال القرافي داء في الدبر يؤدي إلى طلب صاحبه ما يحكه عليه (^٤).
وقيل: ضعيف العقل، وقيل هو الذي يحقر، وكذلك يكره ترتب إمامة الأغلف، ويقال: الأقلف بالقاف، ويقال له: الأغرر، وهو الذي لم يختتن للتتكلم فيه بما يعاب شرعا بتركه سنة أو واجبا، وكذلك يكره ترتب إمامة ولد زنى لرميه بالكلام وإن لم يكن له ذنب وقد يحقره الناس، وكذلك يكره ترتب إمامة مجهول حال هل هو عدل أم لا وكذلك يكره ترتب إمامة عبد في فرض لا نفل وإنما كره ذلك في الفرض، لأنه يؤدي إلى الطعن على الجماعة بأن مملوكا أفضلهم.
هنا انتهى حكم الإمامة، والجامع بينه وبين ما يأتي الكراهة لا غير.
قوله: (وصلاة بين الأساطين أو أمام الإمام بلا ضرورة) أي وتكره الصلاة بين الأساطين أو أمام الإمام بغير ضرورة ألجأت إليه، وعلة الكراهة بين الأساطين
_________________
(١) الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك وقيل بن السكن السلمي أبو عيسى الترمذي، صاحب الجامع: أحد الأئمة، من الثانية عشر، مات سنة: ٢٧٩ هـ. تقريب التهذيب لابن حجر: ص: ٤٣٥، الترجمة: ٦٢٠٦.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه (٢) - كتاب الصلاة (١٥٤) - باب ما جاء من أم قوما وهم له كارهون الحديث: ٣٥٨.
(٣) أبو القاسم عبد الرحمان بن عبد الله الغافقي الجوهري، الإمام الفقيه العالم المحدث الثقة، سمع من ابن شعبان والحسن بن رشيد وغيرهما. ألف كتاب مسند الموطأ وكتاب مسند ما ليس في الموطأ مات سنة ٣٨٥ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٣٩، الترجمة: ٢٥١.
(٤) الذخيرة للقرافي: ج ١٢، ص: ٩٦.
[ ١ / ٣٣٤ ]
لتقطيع الصفوف، ولما جاء من أنها مصلى مؤمن الجن، كذلك يكره (واقتداء من بأسفل السفينة بمن بأعلاها) وأجازوا عكسه مع أن العلة واحدة.
قوله: (كأبي قبيس) أي كما يكره اقتداء من على أبي قبيس (^١) بمن هو في المسجد الحرام لبعده منه وكذلك قيقعان.
قوله: (وصلاة رجل بين نساء وبالعكس وإمامة بمسجد بلا رداء وتنفله بمحرابه) أي ويكره لرجل صلاة بين نساء وامرأة بين رجال وهو المراد بالعكس، وكذلك تكره إمامة في المسجد بغير رداء وأما غير الإمام أو في غير مسجد فلا كراهة، وكذلك يكره للإمام التنفل في محراب المسجد لأن فيه اللبس على الناس ولأنه لا يستحق ذلك الموضع إلا وقت الصلاة.
قال القرافي: كره مالك وجماعة من العلماء ﵏ لأئمة المساجد والجماعات الدعاء عقيب الصلوات المكتوبات جهرا للحاضرين، فيجتمع لهذا الإمام التقدم في الصلاة وشرف كونه نصب نفسه واسطة بين الله تعالى وبين عباده في تحصيل مصالحهم على يده بالدعاء.
ويوشك أن تعظم نفسه عنده، فيفسد قلبه، ويعصي ربه في هذه الحالة أكثر مما يطيعه.
ويروى أن بعض الأئمة استأذن عمر بن الخطاب ﵁ في أن يدعو لقومه بعد الصلوات بدعوات، فقال له: لا. إني أخشى عليك أن تشمخ حتى تصل إلى الثريا.
وهذه الإشارة لما ذكرناه، ويجري هذا المجرى كل من نصب نفسه للدعاء لغيره. انتهى (^٢).
_________________
(١) أبو قبيس: جبل أبي قبيس، وهو الجبل الذي يشرف على الصفا إلى السويداء إلى الخندمة، وكان يسمى في الجاهلية الأمين. قال الزبير بن بكار: وإنما سمي الأمين لأن الركن [الأسود] «١» كان مستودعا فيه من الطوفان، فلما بنى إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام البيت ناداهما أن الركن في موضع كذا وكذا. وسمي أبا قبيس لأن أول من نهض للبناء فيه رجل من مذحج - ويقال من إياد يقال له أبو قبيس، ويقال لأن الركن اقتبس منه. وفي هذا الجبل موضع يقال له الجر والميزاب وهما موضعان يسكبان الماء إذا كان المطر يصب أحدهما على الآخر، لأن الأعلى منهما الجر والميزاب هو الأسفل. وعلى رأسه حجارة مشرفة يقال لها الكبش. المسالك والممالك. المؤلف: أبو بكر المشهور بالبكري) بن محمد شطا الدمياطي: ج ١، ص: ٣٣٤.
(٢) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي الفرق الرابع والسبعون والمائتان بين قاعدة ماهو كروه من الدعاء وقاعدة ما ليس بمكروه: ج ٤، ص: ٢٣٣.
[ ١ / ٣٣٥ ]
قوله: (وإعادة جماعة بعد الراتب وإن أذن) أي وكره صلاة جماعة في مسجد بعد أن صلى فيه الإمام في الوقت الذي ينبغي له وإن أذن لهم الإمام في ذلك لما فيه من تفريق الجماعة وأن الكراهة لا تختص بحقه، ولأن من أذن لك أن تؤذيه فلا تؤذيه، ومفهوم قوله: وإعادة جماعة أن الفذ لا يكره له ذلك إن لم يتعمد مخالفة الإمام. قاله ابن ناجي (^١).
قال ابن العربي في القبس انفرد مالك من بين سائر العلماء بأنه لا يصلي بمسجد واحد مرتين. انتهى من ابن ناجي (^٢).
وجمعهم في المسجد الحرام أربع جهات كل جهة بإمام واضح؛ لأنها صارت كل جهة كأنها مسجد لاختصاص إمام بها ومسجد المدينة لا يصلي فيه إلا إمام واحد. انتهى (^٣).
قوله: (وله الجمع إن جمع غيره قبله إن لم يؤخر كثيرا) أي وللإمام الراتب الجمع في المسجد إن جمع غيره قبله إن لم يتأخر عن عادته تأخيرا كثيرا.
قوله: (وخرجوا إلا بالمساجد الثلاثة فيصلون بها أفذاذا إن دخلوها) أي وحيث فاتتهم الجماعة في مسجد ومنعوا الجمع فيه خرجوا منه لغيره للفضل إلا في مسجد المدينة ومكة وبيت المقدس فإنهم يصلون فيه أفذاذا لأنه أعظم أجرا إن دخلوه وإن لم يدخلوه يمشون إلى غيره فيجتمعون فيه. انتهى.
وفي إكمال الإكمال: قال ﷺ: «صلاة واحدة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا في المسجد الحرام» (^٤).
عياض: المعنى أنها تزيد على ألف صلاة والله أعلم بقدر تلك الزيادة قلت: وكان شيخنا أبو عبد الله يحكي أنه كان يقال: إن هذا مع اتحاد المصلى، فلا يقال مثلا إن صلاة زيد الظهر به أفضل من صلاة علي بن أبي طالب (^٥) في الظهر
_________________
(١) شرح الرسالة لابن ناجي: ج ١، ص: ١٩٨.
(٢) شرح الرسالة لابن ناجي: ج ١، ص: ١٩٨.
(٣) هذا نص ما ذكره الحطاب وعزاه لابن ناجي في شرح المدونة.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٦) - أبواب التطوع (١٤) - باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة الحديث ١١٣٣ - ١١٩٠ وأخرجه مسلم في صحيحه (١٥) - كتاب الحج (٩٤) - باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة الحديث: ١٣٩٤.
(٥) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو الحسن أول الناس إسلاما في قول كثير
[ ١ / ٣٣٦ ]
بمسجد الكوفة (^١).
قال النووي: التفضيل مختص بمسجده الذي كان في زمنه صلى الله دون ما زيد فيه بعد ذلك (^٢).
فينبغي أن يتفطن لهذا. قلت: فلا يتناول التفضيل ما زاد فيه عثمان (^٣) ﵁.
عياض: وأجمعوا أن موضع قبره صلى الله أفضل من بقاع الأرض، وأن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض. ثم اختلفوا فيما عدا موضع قبره صلى الله من المدينة ومكة أيهما أفضل؟
عياض: ذهب عمر، وبعض الصحابة، ومالك إلى أن المدينة افضل، وقالوا معنى الإستثناء إلا المسجد الحرام فإنها في مسجده صلى الله أفضل منها فيه بأقل من ألف. وذهب ابن وهب، وابن حبيب والشافعي، والمكيون والكوفيون إلى أن مكة أفضل. انتهى (^٤).
قوله: (وقتل كبرغوث بمسجد وفيها يجوز طرحها خارجه واستشكل) أي وكره قتل برغوث ونحوه من أقراد أو قملة في مسجد وفيها أي وفي المدونة: يجوز طرح القملة خارج المسجد (^٥) واستشكل مع ما وقع في المدونة لما فيه من تعذيب الحيوان ورفع عبد الوهاب الإشكال بأن الطرح بعد الموت. انتهى.
وللإمام مالك كراهة قتل ما كثر من القمل والبراغيث في المسجد واستخفاف ما قل منها، قال بعضهم: كره قتل البرغوث بمسجد للاختلاف في نجاسته وهو منزه
_________________
(١) = من أهل العلم ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح فربى في حجر النبي صلى الله ولم يفارقه وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، وهو رابع الخلفاء الراشدين، قتل شهيدا سنة أربعين للهجرة النبوية.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٥٠٦.
(٣) صحيح مسلم بشرح الإمام - يحيى بن شرف النووي طبعة جديدة ومنقحه ومزيدة: ج ٩، ص: ١٣١، ط: ٢٠٠٣ اعتنى به محمد بن عبادي مكتبة الصفا.
(٤) عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي أمير المؤمنين، ولد بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح، روى عن النبي صلى الله، وروى عنه أولاده وابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وغيرهم، مات شهيدا مظلوما يوم الجمعة سنة ٣٥ هـ. الإصابة: ج ٢، ص: ٤٦٢ - ٤٦٣، الترجمة: ٥٤٤٨.
(٥) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٥٠٦ - ٥٠٧.
(٦) المدونة الكبرى: ج ١، ص: ١٠٠.
[ ١ / ٣٣٧ ]
عنها لأنه محل الرحمة.
البرغوث بضم الباء وبالثاء المثلثة.
قوله: (وجاز اقتداء: بأعمى ومخالف في الفروع) أي وجاز الإقتداء في الصلاة برجل أعمى، وقيل: هو أفضل من غيره لما فيه من الخشوع، وقيل: البصير أفضل لأنه يتحفظ من النجاسة وقيل: لا فرق. وكذلك يجوز الاقتداء في الصلاة بمخالف له في الفروع الظنية التي لا تعلق لها بالصلاة وإن ترك ما يوجبه مأمومه لإجماع العلماء على ذلك.
قوله: (وألكن) أي ويجوز الإقتداء في الصلاة برجل ألكن والألكن هو الذي لا يقدر على إخراج الحروف من مخارجها أصلا، أو يخرجها مغيرة.
قال اللخمي: ولا أعلمهم يختلفون أن صلاة من إئتم بالأ لكن ما ضية ولا إعادة على من ايتم به، وليس كالذي يلحن؛ لأنا نأمره إن كان يلحن أن يصلي مأموما، ولا نأمر بذلك الألكن. انتهى (^١).
قوله: (ومحدود وعنين) أي وكذلك يجوز الإئتمام برجل محدود في الزنى أو القذف أو السرقة أو الشرب إذا تاب وحسن حاله. وكذلك يجوز الإقتداء في الصلاة بالعنين بوصفيه أن يكون ذكره كالأصبع أو المعترض وهما في الدية سيان.
قوله: (ومجدم) أي ويجوز الإقتداء برجل مجذم (إلا أن يشتد) عليه الجذام (فلينجم) عن الإمامة لكراهية النفس طبعا، وينبغي أن يلحق به الأبرص، والجذام بضم الجيم وذال معجمة مرض معروف، (و) كذلك يجوز اقتداء (صبي بمثله) اتفاقا لتنفل كل منهما.
قوله: (وعدم إلصاق من على يمين الإمام أو يساره بمن حذوه، وصلاة منفرد خلف صف، ولا يجذب أحدا، وهو خطة منهما الجامع بين ما شرع فيه الآن وما قبله الجواز لا غير أي وجاز عدم إلصاق من كان على يمين الإمام أو من كان على يساره ممن خلفه وهذا مذهب المدونة، وقد تعقبه ابو إسحاق التونسي بأن ذلك تقطيع الصفوف، وحمل ابن رشد ذلك على أنه بعيد الوقوع ويكره ابتداء، قال ﵊: ﴿ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها﴾ (^٢)، وكذلك تجوز صلاة منفرد خلف
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٣٢٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤) - كتاب الصلاة (٢٧) - باب الأمر بالسكون في الصلاة. الحديث: =
[ ١ / ٣٣٨ ]
صف ولا يجذب من الصف أحدا ليصلي معه فإذا جذبه وطاوعه المجذوب فذلك خطأ منهما على أن المجذوب أخطأ مرتين لخروجه من الصف ولكن لا تبطل صلاتهما بذلك.
قوله: (وإسراع لها بلا خبب وقتل عقرب أو فأر بمسجد وإحضار صبي به لا يعبث ويكف إذا نهي، وبصق به إن حصب، أو تحت حصيره ثم قدمه، ثم يمينه، ثم أمامه) أي ويجوز لخاشي فوات الصلاة إسراع إليها بلا خبب وهو الهرولة وهي بين المشي والجري، وكذلك يجوز قتل عقرب أو فأر في مسجد وليس بتكرار لما تقدم من قوله: وقتل عقرب تريده لأنه تكلم هناك على السجود وهنا على الجواز، وكذلك يجوز إحضار صبي في مسجد إذا كان لا يعبث به أصلا أو يعبث ولكن يكف إذا نهي وينهى قبل العبث، وكذلك يجوز أن يبصق في مسجد إذا كان محصبا أو تحت حصيره إن كان محصرا وقيده بعضهم بإن لم يكثر ثم تحت قدمه إن لم يكن المسجد محصبا ولا محصرا ثم يساره إن لم يمكنه ذلك، ثم يمينه ثم أمامه فلا ينتقل عن جهة لأخرى إلا لضرورة.
البصاق والبساق بالصاد المهملة وبالسين المهملة وبالزاي بمعنى واحد.
البصاق من الفم، والنخامة من الصدر، ويقال فيها نخاعة كما يقال تنخم وتنخع، والمخاط من الأنف التفل بالتاء المثناة وسكون الفاء البصاق وأما النفث فهو بالمثلثة والفرق بينهما أن النفث لا ريق معه والتفل معه شيء منه.
عياض: الثعلبي (^١): المج الرمي بالريق والتفل أقل منه والنفث أقل من التفل. انتهى من إكمال الإكمال (^٢).
قوله: (وخروج متجالة لعيد واستسقاء وشابة لمسجد ولا يقضى على زوجها به،
_________________
(١) = ٤٣٠، وأخرجه ابن ماجه في سننه (٠٠٠ %) - كتاب إقامة الصلاة والسنة (٥٠/ ٨٩) - باب إقامة الصفوف الحديث: ٩٩٢
(٢) الثعلبي: ورد في إكمال الإكمال قال الثعلبي والظاهر أنه الثعالبي انظر فقه اللغة وأسرار العربية لأبي منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي الباب التاسع عشر الفصل: ٣٧، ص: ٢٣٢ ط ٢ - ٢٠٠٠ المكتبة العصرية للطباعة والنشر، طبعه وعلق على حواشيه وقدم له وضبط فهارسه: د. ياسين الأبوي والثعالبي من أئمة اللغة والأدب. من أهل نيسابور. كان مولده سنة: ٣٥٠ هـ، ومات سنة: ٩٦١ هـ. من مؤلفاته: يتيمة الدهر وفقه اللغة. الأعلام للزركلي: ج ٤، ص: ١٦٣.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٤٥٦.
[ ١ / ٣٣٩ ]
واقتداء ذوي سفن بإمام، وفضل مأموم بنهر صغير، أو طريق) أي ويجوز خروج متجالة لحضور عيد واستسقاء. المتجالة هي التي لا إرب فيها للرجال، وكذلك يجوز لشابة خروج إلى المسجد ولكن لا يقضى على زوجها به، وهذا إن لم يخش منها الفتنة وأما إن خشي منها الفتنة فلا تخرج أصلا، وكذلك يجوز اقتداء ذوي سفن بإمام في إحداها إذا كانت متلاصقة وإن فرقهم الرياح استخلفوا من يتم بهم أو صلوا أفذاذا وإن اجتمعوا قبل الإستخلاف تمادوا على الإقتداء بإمامهم وكذلك يجوز فصل مأموم عن إمامه بنهر صغير أو طريق بحيث يرى أو يسمع.
قوله: (وعلو مأموم ولو بسطح لا عكسه، وبطلت بقصد إمام ومأموم به الكبر، إلا بكشبر، وهل يجوز إن كان مع الإمام طائفة كغيرهم؟ تردد) أي ومما يجوز علو مأموم في موضع أعلا من موضع إمامه ولو كان ذلك العلو بسطح ولا يجوز عكس ذلك وهو أن يكون الإمام أعلى من مأموميه إلا أن يكون ذلك العلو كشبر أو شبرين فيجوز، إلا إذا قصد به الكبر فلا يجوز، لأن الإمامة حالة تقتضي الترفع، فإذا انضاف إلى ذلك علوه عليهم في المكان دل على قصد التكبر، وفعل ذلك للإمام حرام مبطل لصلاته وصلاة من خلفه لأنهم متلاعبون.
قال اللخمي: قال مالك في الإمام يصلي على أرفع مما كان يصلي عليه من خلفه، مثل الدكان يكون في المحراب تكون عليهم الإعادة وإن خرج الوقت، لأن هؤلاء يعبثون. انتهى (^١).
قوله: بقصد إمام ومأموم به الكبر أي كما تبطل صلاة إمام ومأموم بمجرد قصد الكبر بالعلو وإن قل وهل يجوز أي وهل يجوز علو الإمام إن كان معه طائفة كغيرهم من سائر الناس أولا يجوز وإن كانوا معه في ذلك تردد في الفهم عن المتقدمين وأما إن كان الذين مع الإمام في العلو أشراف الناس فلا يجوز وهذا أشد وأشر.
قوله: (ومسمع، واقتداء به، أو برؤية، وإن بدار) أي وتجوز صلاة مسمع وإن لم يأذن له الإمام ويجوز الاقتداء به وهل يشترط أن يكون المسمع ذكرا بالغا متطهرا مصليا أم لا قولان وقوى أن عدم هذه الشروط لا يضر وبضع جهلة المؤذنين يسمع الناس ثم يحرم وشأن الناس أن يسمع بالإحرام، فإن قلت: مأموم لا يصح إحرامه
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٣١٧.
[ ١ / ٣٤٠ ]
إلا بعد إحرام مأموم معه.
قلت: هو المصلي بالمسمع، وكذلك يجوز الإقتداء برؤية الإمام أو برؤية مأمومه وإن كان المقتدي في داره في غير الجمعة.
قوله: (وشرط الاقتداء نيته) أي وللإقتداء شروط منها النية وهي قصد الإقتداء بإمامه وإلا لما وقع التمييز بينه وبين الفذ إنما تلزمه نية الاقتداء، لأنه تسقط عنه القراءة وسجود السهو الذي يخصه، فلابد من نية تؤثر في ذلك ولو تركها تبطل صلاته، ولكن هناك ما يستلزم النية وهو إتيانه المسجد ونحوه، وأن لا يحرم إلا بعد إحرام إمامه، فذلك هو النية بعينها.
قوله: (بخلاف الإمام، ولو بجنازة) أي فلا يشترط في حقه أن ينوي الإمامة ولو كان في صلاة جنازة، وقيل: لابد أن ينوي الإمامة في الجنازة، والأول هو المشهور لأن الفذ يصلي على الجنازة.
قوله: (إلا جمعة وجمعا وخوفا ومستخلفا) أي فلا يشترط للإمام أن ينوي الإمامة إلا إذا كان في صلاة الجمعة إذ لابد فيها من الجماعة فلا بد أن يقصد ما يستلزمها وكذلك ينوي الإمامة عند الجمع ليلة المطر وفي الجمع في عرفة والمزدلفة، وأما الجمع في السفر فلا يشتطر ذلك لأنه له أن يجمع وحده، وكذلك لابد أن ينوي الإمامة في صلاة الخوف لاستلزام صلاة الخوف الجماعة وكذلك عند الإستخلاف لانتقاله عن حال المأمومية إلى الإمامة.
وقيل: هذا خلاف المشهور لأنهم لهم أن يصلوا أفذاذا.
قوله: (كفضل الجماعة، واختار في الأخير خلاف الأكثر) أي كما ينوي الإمامة ليحصل له فضل الجماعة وإنما لكل امرئ ما نوى (^١) فإذا صلى الرجل منفردا فجاء من اقتدى به بعد أن أحرم فإن فضل الجماعة يحصل للمأموم دون الإمام لأنه لم ينوها، واختار اللخمي في نفسه أنه تحصل له فضل الجماعة، وهو خلاف قول الأكثر.
قال البرزلي: ولو أحرم منفردا ثم أحس بداخل فنوى الإمامة مكانه يحصل له
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١) - باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، وأخرجه مسلم في صحيحه (٣٣) كتاب الإمارة (٤٥) - باب قول النبي ﷺ إنما الأعمال بالنية، الحديث: ١٩٠٧
[ ١ / ٣٤١ ]
الفضل. انتهى (^١).
فائدة: ولو حلف ألا يؤم لفلان فأحرم، فجاء فلان فأحرم مقتديا به فحس به ونوى أن لا يؤمه فلا يحنث.
قوله: (ومساواة في الصلاة، وإن بأداء وقضاء) هذا هو الشرط الثاني أي ومن شروط الاقتداء مساواة في الصلاة وإن في أداء أو قضاء فلا يصلي مؤد بعد قاض ولا قاض بعد مؤد ولا مصلي ظهر بعد مصل عصر وعكسه.
قوله: (أو بظهرين من يومين) أي ومساواة في الصلاة وإن كانا في صلاة ظهرين من يومين فلا يضرهما اختلاف اليومين وهذا الذي ذهب إليه الشارح في الكبير والمتوسط. وأما في الصغير والبساطي فلا يصح ذلك، وكل تبع قولا، والقولان في المذهب.
قوله: (إلا نفلا خلف فرض) هذا مستثنى من قوله: ومساواة في الصلاة أي فإنه يجوز أن يصلي المتنفل خلف المفترض.
ابن عرفة: هذا إذا كان الإمام في صلاة القصر أو على القول بجواز التنفل بأربع ولا تجوز صلاة نافلة خلف متنفل مخالف في الهيئة كالمتنفل بركعتين خلف المصلي للكسوف لأن ذلك اختلاف (^٢).
قوله: (ولا ينتقل منفرد لجماعة كالعكس) أي ومن أحرم منفردا فإنه لا ينتقل لد خول في جماعة، لأن محل نية الاقتداء قد فات، وكذلك من كان في جماعة فلا ينتقل منها للإنفراد لأنه قد ألزم نفسه حكم الاقتداء.
المازري: إذا خرج الإمام عن العادة في التطويل، وخشي المأموم تلف بعض ماله أو خوف ما ضرره أشد، فله أن يقطع لأن الإمام تعدى. انتهى من اكمال الاكمال (^٣).
قوله: (وفي مريض اقتدى بمثله فصح قولان) لما قال ولا يتنقل منفرد لجماعة كالعكس فقال: وفي مريض اقتدى بمثله أي فإن اقتدى مريض بمريض ثم صح المأموم هل ينتقل للأعلى؟ لأن المعذور إذا خف انتقل للأعلى أم لا، فذهب
_________________
(١) نوازل البرزلي
(٢) مختصر ابن عرفة
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٣٥٦.
[ ١ / ٣٤٢ ]
سحنون أنه يخرج عن حكم صلاة الإمام ويتم لنفسه منفردا، كما يصير الإمام مأموما لوجود عذر حدث له.
قال يحيى ابن عمر (^١): يتمادى معه لأنه داخل على أمر جائز له (^٢).
وقيل: يقطع.
قوله: (ومتابعة في إحرام وسلام فالمساواة وإن بشك في المأمومية - مبطلة) هذا هو الشرط الثالث أي وشرط صحة الاقتداء متابعة لإمامه في إحرامه وسلامه، فبسبب ذلك فالمساواة فيهما مبطلة للصلاة وإن بشك في المأمومية وأحرى إن علم أنه مأموم.
أصل المسألة: وسئل سحنون عن رجلين ائتم أحدهما بالآخر، ثم نسيا قبل السلام من الإمام منهما، فقال: إن سبق أحدهما بالسلام أعاد الصلاة، وإن سلما معا جرت على اختلاف أصحابنا في المساواة في الإحرام، ولهذا الاختلاف المذكور كان المطلوب أن يختطف الإمام إحرامه وسلامه لئلا يشاركه المأموم فتبطل صلاته.
قال أبو القاسم بن عيسى: وهذه إحدى المسائل التي يعلم بها فقه الإمام، وثانيها تقصير الجلوس الوسط، وثالثها دخوله المحراب بعد فراغ الإقامة. انتهى من ابن ناجي (^٣).
قوله: (لا المساوقة) أي لا تبطل الصلاة بالمساوقة في الإحرام والسلام وهي الملاحقة أن يشرع فيها بين شروع الإمام وفراغه.
قوله: (كغيرهما) أي كما لا تبطل في مساواته في غير الإحرام والسلام وكذلك لا تبطل صلاته بسبق إمامه في غير إحرام وسلام و(لكن سبقه ممنوع) لأن المطلوب من المأموم متابعة إمامه في جميع صلاته.
الحاصل: فإن لم يتابعه في إحرام وسلام بطلت صلاته وفي غيرهما لم تبطل
_________________
(١) هو أبو زكريا يحيى بن عمر بن يوسف الكناني الأندلسي القيرواني الإمام الفقيه الزاهد، سمع من سحنون وأصبغ وغيرهما وعنه أخذ ابن اللباد والأبياني وغيرهما من مؤلفاته: اختصاره المستخرجة وكتاب في أصول السنن وغيرهما. كان مولده بالأندلس سنة: ٢٢٣ هـ ومات بسوسة سنة: ٢٨٩ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٠٩، الترجمة: ١٤١، ط ١: ٢٠٠٣، دار الكتاب العربي.
(٢) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ١٤٥.
(٣) انتهى من شرح الرسالة لابن ناجي: ج ١، ص: ٢٠٠.
[ ١ / ٣٤٣ ]
ولكن منع فعله إن كان مساوقة.
قوله: (وإلا كره) أي وإن لم يسبقه في غير الإحرام والسلام بل ساواه كره فعله.
قوله: (وأمر الرافع بعوده) أي وأمر الرافع قبل إمامه من ركوع أو سجود بعوده له (إن علم إدراكه قبل رفعه) منه لأن القصد إلى الركوع أو السجود مطلوب فإن لم يفعل فصلاته صحيحة على المنصوص وقيل يؤمر بالعود وإن علم أنه لا يدركه.
قوله: (لا إن خفض) أي فإن خفض قبل إمامه إلى الركوع أو السجود فإنه لا يؤمر بالرفع بل يمكث فيه حتى يلحقه فيه لأن الخفض غير مقصود في نفسه وأما الركوع أو السجود فإنه مقصود في نفسه وهذا هو الفرق بين الرافع فيؤمر بالعود وبين الخافض فلا يؤمر. انتهى.
وقوله: (وندب تقديم سلطان، ثم رب منزل، والمستأجر على المالك) هذا شروع منه كلام في المندوبات في حق الإمام أي وندب لأهل بلد فيه سلطان تقديمه للإمامة في الصلاة إذا كان ممن تؤدى به الطاعات لأن مستحق الإمامة أمس الناس بها أي أولى الناس بها من جهة الحكم والأحكام وإنما كان السلطان أولى لأن في تقديم غيره إطراح لأمره ولأنه ﵇ قال: «لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه (^١)، وأما المتغلب فلا إثم إن لم يكن سلطان مستحق لها فرب منزل يقدم في الإمامة في منزله لأنه اعرف بقبلته ولأنه يعرف الموضع الطاهر منه ولأنه سلطان في بيته وإنما كان صاحب المنزل أولى لأن تقديم غيره يثير البغض.
وقوله: ثم رب منزل استشكل لأن الصلاة أفضل الأعمال بعد الإيمان فكأن رعايتها أولى من رعاية صاحب المنزل، وليس فيه مصلحة تترك له مصلحة الصلاة بخلاف السلطان فإن فيه مصلحة العامة. انتهى.
فكيف به ﷺ وهو أحق بالإمامة حيث حل، والإمامة حق لصاحب المنزل مع غيره ﷺ. راجع إكمال الإكمال (^٢).
وكذلك يقدم المستأجر في الإمامة على مالك رقبة الدار لأنه مالك
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٥) - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥٣) - باب من أحق بالإمامة الحديث: ٦٧٣. وأخرجه الترمذي في سننه (٢) - كتاب الصلاة (٦٢) - باب من أحق بالإمامة الحديث: ٢٣٥.
(٢) إكمال الإكمال: ج ٢، ص: ٦١١.
[ ١ / ٣٤٤ ]
منفعتها الآن.
قوله: (وإن عبدا كامرأة، واستخلفت. ثم زائد فقه، ثم حديث ثم قراءة، ثم عبادة، ثم بسن إسلام، ثم بنسب، ثم بخلق، ثم بخلق، ثم بلباس) أي وإن كان رب المنزل عبدا أو المستأجر له عبدا أو إمرأة ولكن تستخلف المرأة من يؤمهم وأما العبد فإنه يصلي بهم إن كان أهلا للإمامة وإن أبت المرأة أن تستخلف فإنهم يستخلفون من يصلي بهم، ثم بعد هؤلاء يقدم زائد فقه على غيره لأن ثمرته تظهر في إكمال الصلاة.
الفقيه: هو العالم بالأحكام الشرعية العملية بالإستدلال ثم بعد هؤلاء يقدم زائد علم حديث على عالم بالحديث ثم بعد هذا يقدم زائد قراءة على قارئ غيره بأن حفظ القرآن كله وغيره يحفظ بعضه أو كان أقرأ منه بالفصاحة ومخارج الحروف، ثم يقدم في الإمامة زائد عبادة عن عابد غيره ثم يقدم من هو أكبر من غيره في سن الإسلام على من هو أصغر منه إن تساويا، لقوله ﵇: «البركة مع أكابركم» (^١)، ولأنه أطاع الله قبله، وكذلك يقدم من ولد في الإسلام على من أسلم وإن كان أكبر منه، ثم إن تساووا فإنه يقدم في الإمامة ذو نسب فاضل فالهاشمي والمطلبي مقدم على سائر قريش، وقريش مقدم على سائر العرب، والعرب مقدم على العجم، والعجم كلهم اكفاء إلا من يثبت له نسب فاضل، ثم إن لم يوجد فإنه يقدم من كان أحسن خلقا بفتح الخاء، لأن كمال الخلق يدل على كمال الأخلاق غالبا، ولأن الغالب على حسن الصورة التقوى، ولأنه أهيب في النفس، ثم بخلق أي ثم يقدم ذو الخلق الحسن لأن حسن الأخلاق من صفة أهل الجنة، ويقدم بعض النسخ هذا عن صاحب الخلقة الجملية، ثم يقدم ذو اللباس الحسن عن غيره لأن حسن اللباس يدل على شرف النفس والبعد عن النجاسات.
قوله: (إن عدم نقص منع أو كره، واستنابة الناقص) أي وهذا شرط في جميع من ذكر أي وإنما يقدم الرجل للإمامة بتلك الأوصاف المذكورة إن عدم فيه نقص منع أو كره وقد تقدم ذكره هنا وإن كان فيه نقص منع فلا يقدم أصلا بل يندب له الإستنابة للسالم من النقص وإن أبى استخلفوا من يصلي بهم، وكذلك يندب له الإستنابة إن كان نقصه نقص كراهة وإليها أشار بقوله: وندب استنابة الناقص أي
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك كتاب الإيمان الحديث: ٢١٠ وأبو نعيم في الحلية: ج ٨، ص: ١٧٢. والمعجم الأوسط للطبراني: ج ٩، ص: ١٦ الحديث: ٨٩٩١.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وندب لهما ذلك لأجل حقهما في التدقيم بسبب السلطنة أو المنزل.
قوله: (- كوقوف ذكر عن يمينه، واثنين خلفه. وصبي عقل القربة كالبالغ. ونساء خلف الجميع) أي كما يندب وقوف ذكر واحد عن يمين الإمام تعظيما للإمام، لأن اليسار أشرف الجهات ولذلك اختير للأمام، وكذلك يندب وقوف اثنين فأكثر خلف الإمام، والصبي العاقل للقربة وهو ما فيه الثواب والعقاب، ويعلم أنه من دخل في الصلاة فلا يقطعها هو كالبالغ إن صلى مع الإمام وحده قام عن يمينه وإن كان مع غيره وقفا خلفه، والنساء يقفن خلف الجميع، والخنثى مع الذكر كالأ نثى ومع الأنثى كالذكر.
قوله: (ورب الدابة أولى بمقدمها) هذا دليل على أن ألأفقه أولى من غيره، القاعدة أنه يقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها على من هو دونه، فيقدم في ولاية الصلاة من هو أعرف بأحكامها وعوارض سهوها واستخلافها وغير ذلك من عوارضها ومصالحها. انتهى قاله القرافي في أنوار البروق (^١).
قوله: (والأورع، والعدل، والحر، والأب، والعم على غيرهم؛ وإن تشاح متساوون - لا لكبر - اقترعوا) أي وندب تقديم من هو أورع على ورع دونه.
وقوله: العدل المراد به هنا الأعدل أي وندب تقديم من هو أعدل على عدل، وكذلك يندب تقديم الحر على العبد إذا استويا في حق الإمامة، وكذلك يقدم الأب على ابنه والعم على ابن أخيه وإن كان العم أصغر سنا، فإن تشاح متساوون في الفضل والدرجة طلبا للثواب اقترعوا على التقدم لا إن تشاحوا لكبر فإنهم يتركون ولا يقدمون لظهور فسقهم، وروي أن رجلين تشاحا لكبر فابتلعتهما الأرض.
قوله: (وكبر المسبوق لركوع أو سجود بلا تأخير) أي وإن وجد المسبوق الإمام في سجوده، فإنه يبادر بتكبرة الإحرام، فلا ينتظره حتى يرفع لأن التأخير فيه مخالفة الإمام، ولأن الرحمة تنزل في الصلاة فلا يدري وقت نزولها ثم يكبر للسجود وإن لم يعتد به، وكذلك إذا أدركه راكعا فإنه يبادر للإحرام ثم يكبر للركوع، وهذا مستغنى عنه لأن مدرك الركوع يعتد بالركعة لأنه لما كان يحرم للسجود الذي لم يعتد به وأحرى للركوع الذي يعتد به.
وقوله: وكبر المسبوق ظاهره الوجوب ولفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر.
قوله: (لا لجلوس) أي فإن وجده جالسا فإنه يبادر بتكبيرة الإحرام، ويجلس
_________________
(١) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي الفرق السادس والتسعون: ج ٢، ص: ١٦٢.
[ ١ / ٣٤٦ ]
ولكن لا يكبر للجلوس.
قوله: (وقام بتكبير) أي ويقوم المسبوق بعد سلام إمامه لتكميل صلاته بتكبير إن كان قد جلس معه في ثانيته هو بعد أن يستقل قائما كما تقدم فيمن قام من اثنتين بخلاف ما إن أدرك ركعة أو ثالثة فإنه يقوم بغير تكبير وهو مفهوم قوله: (إن جلس في ثانيته).
وقوله: (إلا مدرك التشهد) مستثنى من هذا المفهوم أي وإن جلس في غير ثانيته فإنه يقوم بغير تكبير، إلا أن يكون مدرك التشهد فإنه يقوم بتكبير فقالوا: لأنه مفتتح للصلاة الآن.
قال ابن رشد: (هذا تناقض) (^١) ولم يرض بما فرقوا به. انتهى. وإنما يؤمر مدرك التشهد بالإحرام وإن كان فيه زيادة في الصلاة لأن له فضل في إدراك التشهد ويحرم بنية الإتمام وإن كان لم يشاركه في الصلاة.
وفي إكمال الإكمال: قال عياض: وكما أن ما دون الركعة لا يحصل به فضل التضعيف فكذا لا يلزم به حكم الصلاة مما يلزم الإمام من سجود السهو أو انتقال فرض من اثنين إلى أربع في الجمعة أو انتقاله في حكم نفسه إن اختلفت حاله من سفر وإقامة.
وعن أبي هريرة ﵁ وغيره من السلف أنه إذا أدركهم في التشهد أو قد سلموا فقد دخل في الفضل.
قلت: ما ذكر عن أبي هريرة وبعض السلف، قال بالأول منها ابن رشد وابن يونس. انتهى من إكمال الإكمال (^٢).
قوله: (وقضى القول وبنى الفعل. وركع من خشي فوات ركعة دون الصف إن ظن إدراكه قبل الرفع، يدب كالصفين لآخر فرجة قائما، أوراكعا) أي وقضى المسبوق القول فيتبع فيه الإمام كما فعل، ويبني الفعل كالمصلي وحده أي فمن أدرك ركعة من الصبح فإنه يصلي ركعة بأم القرآن وسورة فلا يقنت لأنه بان في الأفعال قاض في الأقوال وقد قرأ القنوت في الركعة التي أدركها ومدرك رابعة العشاء يصلي ركعة بأم القرآن وسورة جهرا لأنه قاض في القراءة ويجلس لأنها ثانيته لصيرورة المدركة فيها أولاه.
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ١٥٤.
(٢) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٥٣٣ بتصرف.
[ ١ / ٣٤٧ ]
قوله: وركع من خشي فوات ركعة لفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر أي ويركع من خشي فوات ركعة مع الإمام دون الصف إن ظن إدراك الصف قبل رفع الإمام من الركوع مفهومه إن لم يظنه فلا يركع حتى يدخل الصف لأن إدراك الصف أفضل من إدراك الركعة عند مالك فإن فعل ودب له أساء وأجزأه وإنما يدب من أمر بالإحرام دون الصف مثل عرض الصفين أو ثلاثا لآخر فرجة تليه من الصفوف.
فقال بعضهم: يدب قائما في الركعة التي تليها وهو المشهور وهو خلاف ظاهر كلام الشيخ قال بعضهم: إنما يدب قائما إذا خاب ظنه عن إدراكه وأما الدب راكعا فظاهر.
وقوله: خشي عادة الشيوخ أنهم يعبرون بلفظ خشي إذا ظن وبلفظ خاف إذا كان دون الظن. انتهى.
وقوله: دون الصف ظرف لركع.
قوله: (لا ساجدا، أو جالسا) أي لا يدب ساجدا ولا جالسا لأن ذلك يغير هيئة الصلاة.
قوله: (وإن شك في الإدراك ألفاها). الشك هنا عدم اليقين لأن الظن لا يعمل به عند مالك وأصحابه في الصلاة والطهارة أي وإن لم يتقين إدراك الركعة مع الإمام ألغاها ثم قضاها ويسجد بعد السلام لاحتمال زيادة تلك الركعة ولكن لا ينبغي له أن يحرم حيث يشك في الإدراك.
قوله: (وإن كبر لركوع ونوى بها العقد، أو نواهما، أو لم ينوهما أجزاه؛ وإن لم ينوه ناسيا له تمادى المأموم فقط، وفي تكبير السجود تردد. وإن لم يكبر استأنف) إلى آخره أي وإن كبر المأموم لعقد ركعوع ونوى به تكبيرة الإحرام ظاهره كبر له قائما أو محدودبا وهو موافق لتأويل عند قوله قبل لا لمسبوق فتأويلان، وكذلك إذا كبر ونوى بتكبيره العقد والركوع أو كبر ولم ينوهما ساهيا لهما أجزأه ما فعل في الصور الثلاث لأن التكبيرة التي كبرها تنضم إلى النية التي قام بها إلى الصلاة إذ يجوز تقديم النية قبل الإحرام بيسير على القول بعدم البطلان بالتقديم اليسير.
قوله: وإن لم ينوه ناسيا له أي وإن لم ينو به العقد في حال كونه ناسيا له أي بل نوى به الركوع تمادى المأموم فقط ثم أعاد صلاته.
قوله: تمادى المأموم أوقع الظاهر فيه موقع المضمر وأما الإمام والفذ فإنه
[ ١ / ٣٤٨ ]
يقطع.
قوله: وفي تكبير السجود تردد أي وفي الإجزاء بتكبير السجود وعدم إجزائه تردد هل هو كتكبير الركوع فيجزئ أو لا يجزئ وإن لم يكبر للإحرام ولا غيره استأنف الصلاة.
فصل [في أحكام الاستخلاف]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه الاستخلاف ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (ندب الإمام خشي تلف مال، أو نفس، أو منع الإمامة لعجز، أو الصلاة برعاف، أو سبق حدث، أو ذكره: استخلاف وإن بركوع، أو سجود. ولا تبطل إن رفعوا برفعه قبله، ولهم إن لم يستخلف ولو أشار لهم بالانتظار) أي ندب لإمام إذا خشي تلف مال له أو لغيره أو خشي على نفس محترمة أو منع الإمامة لأجل عجز عن ركن من أركان الصلاة سواء كان الركن فعلي أو قولي أو منع الصلاة بسبب رعاف أو لأجل سبق حدث أو ذكره استخلاف عاجلا لأنه أعلم بمن يستحق الاستخلاف واقطع للنزاع وإن كان في حال ركوع أو سجود فيدب كذلك متأخرا لا يرفع حتى يستخلف ولا تبطل صلاة مأموميه إن رفعوا رؤوسهم برفعه قبل الإستخلاف، فإن خرج الإمام ولم يستخلف ندب لهم الإستخلاف أمكنه الاستخلاف أم لا ولو أشار لهم بأن ينتظروه إذ هو حق لهم وهذا الاغياء يقتضي أن ترك الإنتظار مستحب.
وما قاله ابن غازي هنا ليس بظاهر (^١).
قوله: (واستخلاف الأقرب، وترك كلام في كحدث) أي وندب للإمام إن استخلف أن يستخلف من هو أقرب منه ولذلك ينبغي ألا يقف في قرب الإمام إلا من يستحق الاستخلاف ويرشده إن سها، وكذلك يندب له ترك كلام في استخلافه في حدث أو رعاف بل يستخلف بالإشارة وإن تكلم في الرعاف بطلت صلاته ولا تبطل صلاة
_________________
(١) قال ابن غازي ما نصه: يقتضي هذا الإغياء أن عدم انتظاره مندوب، وهو خلاف قوله: كعود الإمام لإتمامها والخلاف في الموضعين ولا يلزم أن يكون في الثاني مرتبا على الأول. والله أعلم. انتهى من شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٢٣٤
[ ١ / ٣٤٩ ]
المأمومين لأنه صار أجنبيا وأما إن تكلم في خروجه للحدث فليس في صلاة أصلا.
قوله: (وتأخر مؤتما في العجز، ومسك أنفه في خروجه، وتقدمه إن قرب، وإن بجلوسه) أي وإذا كان عذر الإمام العجز عن ركن فإنه يستخلف ثم يتأخر في حال كونه ناويا الإقتداء بالمستخلف كما ينوي هو الإمامة واغتفر صرف النية في هذا بغير إحرام، ومما يندب للإمام مسك أنفه في خروجه لحدث تسترا لنفسه ليوهم أنه رعف وكذلك يندب تقدم المستخلف إلى موقف الإمام إن قرب منه وليبادر له على أي هيئة كان وإن كان في الجلوس.
قوله: (وإن تقدم غيره صحت) أي وإن تقدم بهم غير الذي استخلف الإمام صحت صلاتهم.
قوله: (كأن استخلف مجنونا، ولم يقتدوا به، أو أتموا وحدانا، أو بعضهم أو بإمامين) تشبيه أي كما تصح صلاتهم إن استخلف مجنونا ونحوه ممن لا يقتدى به ولم يقتدوا به وكذلك تصح صلاتهم إن لم يقتدوا بإمام بل أتموا وحدانا أو بعضهم بإمام وبعضهم أفذاذا أو اقتدوا بإمامين (إلا الجمعة) فإنها لا تجزيهم إن صلوا أفذاذا لأن من شرط الجمعة الجماعة والإمام ويحتمل إلا الجمعة فلا تصح بإمامين وهما في المذهب.
قوله: (وقرأ من انتهاء الأول، وابتدأ بسرية إن لم يعلم الأول) أي وقرأ الإمام الثاني من حيث انتهاء قراءة الأول إن علمه لأنه قريب منه أو أعمله بالآية وإلا ابتدأ، ويبتدئ بالسرية إن لم يعلم حيث انتهى. وإن مكث ما يقرأ فيه الفاتحة لاحتمال السهو.
قوله: (وصحته بإدراك ما قبل الركوع، وإلا فإن صلى لنفسه، أو بنى بالأولى أو الثالثة صحت) أي وصحة الإستخلاف مشروطة بإدراك ما قبل عقد ركوع وإلا أي وإن لم يدرك ما قبل ركوع فلا يصح استخلافه، فإن صلى لنفسه ولم يبن على صلاة الإمام فإن لم تكمل الركعة في الفرض المذكور وابتدأ قراءة الفاتحة والسورة، فإن صلاته صحيحة لأنها صلاة منفرد، وكذلك إن بنى على صلاة الإمام، على أنه مستخلف في الركعة الأولى في الفرض المذكور، فإن صلاته صحيحة بلا إشكال، إذا قرأ الفاتحة والسورة فيها وفي الثانية إذ لا مخالفة، وكذلك تصح صلاته إن بنى على صلاة الإمام في الركعة الثالثة في الرباعية.
[ ١ / ٣٥٠ ]
ابن عبد السلام: وهو الأظهر إن كانت سرا لأن المخالفة إنما تقع في ترك قراءة السورة التي مع أم القرآن في الأوليين، وليس ذلك بمبطل على ظاهر المذهب، وإن كانت صلاته جهرا جرى ذلك على الخلاف فيمن ترك الجهر متعمدا أو جاهلا، وينضم له هنا ترك القراءة، وقال ابن حبيب: تبطل مطلقا. انتهى.
وأما ابن الحاجب وابن عبد السلام وابن عرفة والشيخ في توضيحه فرضوا المسألة فيما إذا جاء المستخلف بعد حصول العذر وفرضه الشيخ فيمن لم يحصل له ما يعتد به وإن جاء قبل العذر لأنه رأى أنه من باب لا فرق.
قوله: (وإلا فلا) أي وإن لم يبن في الأولى ولا في الثالثة بل بنى في الثانية أو الرابعة فلا تصح صلاته لجلوسه في غير محل الجلوس.
قوله: (كعود الإمام لإثمامها. وإن جاء بعد العذر فكأجنبي تشبيه أي كما لا تصح إذا أعاد الإمام بعد أن زال عذره وأتم لهم صلاتهم، ويحتمل أن يكون تشبيها للصحة وهو قول ابن القاسم وأشهب والأول قول ابن كنانة، فإن كان المستخلف إنما جاء بعد حصول العذر، فإنه كالأجنبي لا يصح استخلافه اتفاقا، الفرق بين من جاء قبل العذر ولم يحصل له ما يعتد به، وبين من جاء بعد العذر، أن من جاء بعد العذر لا يصح استخلافه اتفاقا بخلاف من جاء قبل العذر ولكن لم يحصل له ما يعتد به، فإن فيه الخلاف.
قوله: (وجلس لسلامه المسبوق) أي وإن استخلف المسبوق وكان من المأمومين مسبوقا فإن هذا المسبوق لا يقوم لقضاء ما فاته مع الإمام حتى يستكمل المسبوق المستخلف صلاته فيسلم لسلامه إن تمت صلاته وإلا قام لقضائه.
قوله: (كأن سبق هو) أي كما يجلس المأموم إذا تمت صلاته حتى يفرغ المتسخلف المسبوق ويسلم معه لأنه ألزم نفسه مع الأول وهذا ثانيه.
قال في المسبوق في الجواهر: فإن كان مسبوقا أشار إليهم إذا أكمل صلاة الإمام كالأمر لهم بالجلوس ثم نهض للقضاء، فإذا فرغ منه سلم بهم لأن السلام من بقية صلاة الأول، وقد حل محله في الإمامة فيه، فلا يصح الخروج عن ذلك لغير معنى يقتضيه، وانتظار القوم لفراغه من القضاء أخف من الخروج من إمامته، وقيل يسختلف من يسلم بالقوم لأن السلام من بقية صلاة الأول، ولا ينبغي له أن يقضي قبل فراغ الصلاة، وخروج القوم عن الإقتداء به إلى الإقتداء بمن أقامه مقامه أخف من انتظاره، وسبب هذا الاختلاف أن الضرورة دافعة للمصلي إلى الخروج عن
[ ١ / ٣٥١ ]
الأصل على المذهبين جميعا والنظر في أي الخروجين أخف، ولو ساوت هذا المستخلف طائفة من القوم في فوات ما فاته فقال سحنون من أصحابنا من يقول: يقوم المستخلف وحده للقضاء ثم يسلم ثم يقضون بعده، ومنهم من يقول إذا قام يقضي قام كل واحد يصلي لنفسه ثم يسلمون بسلامه فإن أتموا به أبطلوا على أنفسهم وصلاة المستخلف تامة، وذكر ابن سحنون عن أبيه أنه قال: تجزئهم ثم رجع فقال: أحب إلي أن يعيدوا. انتهى منه (^١).
قوله: (لا المقيم يستخلفه مسافر، لتعذر مسافر، أو جهله: فيسلم المسافر ويقوم غيره للقضاء) أي فلا ينتظر مستخلف مقيم على مقيمين ومسافرين يستخلفه إمام مسافر وكأن سائلا سأله كيف يستخلف مقيما على مسافرين وهو مخالف للسنة إذ إمامة المسافر للمسافرين أحسن، فأجابه بقوله: لتعذر استخلاف المسافر لبعده مثلا أو لعدم صلاحيته للإمامة أو جهله عينه أو أنه خلفه فيسلم المأموم المسافر عند قيام الإمام إذا أكمل صلاته وأتم تشهده ولا ينتظر المستخلف لأن المستخلف دخل على عدم الإقتداء بالإمام الأول في السلام رواه ابن حبيب عن مالك. انتهى من فتح الجليل (^٢).
وأما المقيم فإنه يقوم لقضاء ما فاته.
قوله: (وإن جهل ما صلى أشار فأشاروا) أي وإن جهل المستخلف ما صلى الإمام أشار للمأمومين كم صلى فأشاروا له بقدره (وإلا سبح به) أي وإن لم يفهم بالإشارة سبحوا له قال بعضهم: وإن لم يفهم بالتسبيح تكلموا له ولم يذكر الشيخ هذا لأنه اعترضه في توضيحه.
قوله: (وإن قال للمسبوق:) أي وإن قال الإمام للمسبوق المستخلف (أسقطت ركوعا عمل عليه من لم يعلم خلافه، وسجد قبله-إن لم تتمخض زيادة - بعد صلاة إمامه) أي من لم يعتقد خلاف ما قال بأن شك أو ظن أو توهم وسجد قبل السلام بعد صلاة الإمام إن لم تتمحض زيادة أما إن تمحضت الزيادة فإنه يسجد بعد السلام.
لو قال الشيخ: وإن قال للمسبوق: اسقطت كالركوع ليشمل كل ركن من سجود وفاتحة وغير ذلك لكان أشمل.
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ١٤٨ - ١٤٩.
(٢) فتح الجليل: ج ١، ص: ٢٢٨.
[ ١ / ٣٥٢ ]
فصل في [أحكام صلاة السفر]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل القصر في السفر والجمع فيه، وجمع المريض، والجمع ليلة المطر، ولم يذكر هنا الجمع بعرفة والمزدلفة وذكرهما في باب الحج. السفر في اللغة: قطع المسافة.
قلت: وإن كثرت.
ومصلحة المكلف في راحته، وصلاح جسمه يوجب أن المشقة إذا عرضت توجب عنه تخفيف العبادة لئلا تعظم المشقة فتضيع مصالحه بإضعاف جسمه وإنهاك قوته بحفظ صحة الجسم وتوفير قوته، هو المصلحة والحكمة الموجبة لاعتبار وصف المشقة بسبب الترخص بالمشقة.
قاعدة: الأصل اعتبار الأوصاف المشتملة على الحكم فإذا تعذر اعتبارها إما لعدم انضباطها أو لخفائها أقيمت مظنتها مقامها، فكان الأصل إناطة الأحكام بالعقل حالة وجوده، ولكنه لما لم ينضبط زمانه أقيم البلوغ مقامه لكونه مظنة له، وموجب انتقال الأملاك الرضى ولما لم يعلم أقيم الإيجاب والقبول مقامه، والمشقة سبب الترخص بالقصر فلما لم تنضبط أقيمت المساحة مقامها لكونها مظنة لها. انتهى من الذخيرة (^١).
ومظنة الشيء بكسر الظاء موضع يظن فيه وجوده وأظننته عرضته قاموس. فائدة: ضرب في الأرض إذا سافر للتجارة، وضرب الأرض إذا سافر للحج والغزو فكان الأول لما كان طالبا لمتاع الدنيا كان ملتبسا بها وفيها، والثاني عابرها إلى الآخرة.
قوله: (سن لمسافر غير عاص به، ولاه) بدء بحكم القصر فقال: سن بخلاف من قال بوجوب القصر ومن قال باستحبابه ولمن قال بالإباحة أي سن لمسافر غير عاص بسفره كالآبق والعاق مثلا وغير لاه بسفره فالعاصي بسفره لا يترخص له إلا في أكل الميتة على الأصح، وروى زياد بن عبد الرحمن (^٢) جواز ترخص العاصي
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ١، ص: ٣٦٠.
(٢) زياد بن عبد الرحمن، يلقب بشبطون القرطبي أبو عبد الله سمع من مالك الموطأ وله عنه في الفتاوي كتاب سماع معروف بسماع زياد، وهو أول من أدخل الموطأ للأندلس مات سنة ١٩٣ =
[ ١ / ٣٥٣ ]
بسفره كالعاصي في سفره، وإذا فرعنا على المشهور فلو طرأت المعصية بالسفر في أثنائه لم يترخص له ولو طرأت التوبة في أثناء سفر المعصية ترخص له. انتهى (^١).
قوله: (أربعة برد، ولو ببحر ذهابا) أي من المسافر سافر مسافة أربعة برد برا أو بحرا أو بعضها في البر وبعضها في البحر ذهابا لا إيابا وهو تمييز للأربعة البرد.
قوله: (قصدت) أي قصدت الأربعة البرد شرط، لأن قطعها بغير قصد لها كالهائم الذي لا يعزم على مسافة القصر.
وفي إكمال الإكمال المازري: لم يحد بعض الناس مسافة القصر، واحتج بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١] الآية، وروى الأكثر تحديدها لأن القصر إنما شرع تخفيفا فلا يكون إلا فيما فيه مشقة، واختلفت أقوالهم في تقدير المسافة بحسب الضابط لتلك المشقة، فحدها مالك والشافعي وأصحابهما باليوم التام وهو يوم وليلة لأنها المسافة التي سماها الشارع سفرا في قوله ﷺ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما وليلة إلا ومعها ذو محرم» (^٢) وحدها مالك مرة بثمانية وأربعين ميلا، وفي المذهب رواية أنه يقصر في خمسة وأربعين ميلا وفيه رواية يقصر في أربعين ميلا. انتهى منه (^٣).
قوله: (دفعة) شرط وتمييز للقصد أي قصدت دفعة واحدة، وهو بفتح الدال اسم للفعل.
قوله: (إن عدى البلدي البساتين المسكونة) أي فيقصر إن عدى البلدي البساتين المسكونة لأهل البلد، ولا عبرة للبساتين غير المسكونة ولا المزارع.
قوله: (وتؤولت أيضا) أي وتأولت المدونة أيضا (على مجاوزة ثلاثة أميال بقرية الجمعة)، لما قال أيضا علمنا أن الأول هو التأويل والأول هو المشهور كان بالبلد
_________________
(١) = هـ، وقيل ١٩٤ هـ، أنظر ترتيب المدارك للقاضي عياض اليحصبي، ضبطه وصححه: محمد سالم هاشم: ج ١، ص: ٢٠٠، ط ١: ١٩٩٨ م، دار الكتب العلمية.
(٢) الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس: ج ١، ص: ١٥٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٤)، أبواب تقصير الصلاة (٤) باب في حكم بقصر الصلاة الحديث: ١٠٣٨/ ١٠٨٨. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٥) - كتاب الحج (٧٤) - باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره الحديث ٤٢١ (١٣٣٩).
(٤) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٤ - ٥.
[ ١ / ٣٥٤ ]
جمعة أم لا، فإذا فرعنا على المشهور فهل الثلاثة الأميال محسوبة من الثمانية والأربعين ميلا كما هو ظاهر كلامهم، أولا يحسب لأجل أنه لما حكم بأنه يتم فيها بأنه وطنه.
قال ابن ناجي: لم أر في ذلك نصا، وهي أول مسألة استشكلتها في صغري فلم يجبني عنها من سألته حينئذ قائلا: لا أدري، وهو الشيخ أبو محمد الشبيبي تخلله واختاره غير واحد ممن لقيته بعد أنها تحسب، والصواب عندي أنها لا تحسب. انتهى منه (^١).
قوله: (والعمودي حلته، وانفصل غيرهما) أي وعدى العمودي حلته، والعمودي ساكن البدو، وينفصل غير البلدي والعمودي عن محله كمن هو ساكن في موضع لابناء فيه ونحوه.
قوله: (قصر رباعية وقتية، أو فائتة فيه، وإن نوتيا بأهله إلى محل البدء) أي هو نائب عن الفاعل أي من المسافر مسافة القصر قصر صلاة رباعية لا ثلاثية ولا ثنائية بل رباعية وقتية أو رباعاية فائتة في سفر وإن كان المسافر نوتيا مع أهله فإنه يقصر في سفره إلى محل البدء بالقصر.
قوله: (لا أقل - إلا كمكي في خروجه لعرفة ورجوعه) أي لا يكون له القصر في أقل من مسافة أربعة برد إلا أن يكون المسافر مكيا ونحوه من الحجاج في خروجه لعرفة، فإنه يقصر في خروجه ذلك وفي رجوعه، وإن لم يكن فيه مسافة القصر للسنة إلا العرفي والمنوي في وطنه.
قوله: (ولا راجع لدونها، ولو بشيء نسيه. ولا عادل عن قصير بلا عذر. ولا هائم وطالب رعي، إلا أن يعلم قطع المسافة قبله ولا منفصل ينتظر رفقة إلا أن يجزم بالسير دونها) أي وكذلك لا يقصر من نوى سفر القصر ولكن رجع دونه إلى وطنه ولو لشيء نسيه، وكذلك لا يقصر من عدل أي مال عن طريق قصير إلى طريق فيه مسافة القصر إذا كان عدوله ذلك بغير عذر وأما إذا كان لعذر كخوف المكس وشبهه أو وعر طريق فإنه يقصر، وكذلك لا يقصر الهائم وهو الذي لا يعزم على مسافة معلومة، وكذلك لا يقصر طالب رعي أي كلاء إلا أن يعلم قطع مسافة المقصر قبل منتهى سفره وكذلك لا يقصر مسافر منفصل عن البلدي ينتظر رفقة فيما دون مسافة القصر إلا أن
_________________
(١) شرح الرسالة لابن ناجي: ج ١، ص: ٢٤١.
[ ١ / ٣٥٥ ]
يجزم هو بالسير دون الرفقة فإنه يقصر حينئذ.
قوله: (وقطعه دخول بلده، وإن بريح إلا متوطن كمكة رفض سكناها ورجع ناويا السفر. وقطعه دخول وطنه، أو مكان زوجة دخل بها فقط وإن بريح غالبة ونية دخوله وليس بينه وبينه المسافة، ونية إقامة أربعة أيام صحاح، ولو بخلاله) أي وقطع القصر المذكور دخول المسافر بلده المراد بالبلد هنا الموضع الذي تقدمت له فيه إقامة سواء كان وطنه أم لا، وإن كان دخوله ذلك بسبب رد ريح له إلا أن يكون الداخل متوطن مكة ونحوها خرج منها رافضا لسكناها ورجع إليها ناويا السفر عنها عاجلا فإنه يقصر في ذهابه ورجوعه وفيها إذ ليست بوطنه ولا مستوطنه حينئذ، وكذلك يقطعه دخول وطنه وإن بريح غالبة، الفرق بينها وبين الأولى أن الأولى غلبته بالرجوع وهذه غلبته بالدخول، وقيل الفرق بينهما أن الأول راجع إلى محل استيطانه وهذا راجع إلى وطنه، وكذلك يقطعه دخول مكان زوجة دخل بها فقط لا زوجة لم يدخل بها، وقيل السرية كالزوجة، وكذلك يقطع القصر نية دخول بلده أو وطنه أو مكان زوجة دخل بها وإن لم يدخله إذا كان ليس بينه وبين مبدء قصره مسافة القصر لا إن بعد منه، وكذلك يقطعه نية إقامته أربعة أيام صحاح في موضع فلا يحسب يوم خروجه ولا يوم دخوله بل أربعة أيام صحاح ولو كانت الإقامة في خلال السفر.
قوله: (- إلا العسكر بدار الحرب - أو العلم بها عادة) هذا مستثنى من قوله: ونية إقامة أربعة أيام أي إلا العسكر بدار الحرب لا غيره فإنهم يقصرون وإن حضروا حصنا، لأن دار الحرب ليس كغيره لأنهم يمدد حدوث رغبة أو رهبة تقضها ولم تكن نيتهم جازمة، وأما الأسير فإنه يتم صلاته إلا أن يسافر وإن أخبروه أن المسافة مسافة قصر صدقهم، والأيام الملغات سبعة نظمها بعضهم.
مسافر وحلف ومولود وبدء عدة … وكراء وخيار وأجل في البيع
وهذه الملغات عند ابن القاسم.
قال ابن ناجي: قلت: وبقي عليه العهدة الصغرى والكبرى، وكان شيخنا حفظه الله يزيد تلومات القاضي، وذكرته في درس شيخنا أبي مهدي الله فلم يرتضه، واختار أنه يرجع إلى اجتهاد القاضي وهو الصواب وبه حكمت، فتارة اعتبرته وتارة ألغيته. انتهى منه (^١).
_________________
(١) انتهى من ابن ناجي لم أطلع على هذه الإحالة بعد.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وكذلك يقطع القصر العلم بإقامة أربعة أيام عادة في ذلك الموضع.
قوله: (لا الإقامة) أي لا يقطعها للإقامة المجردة عن النية (وإن تأخر سفره) وفي بعض النسخ وإن بآخر سفره.
قوله: (وإن نواها بصلاة شفع) أي وإن نوى الإقامة في أثناء صلاة السفر فإنه يشفع عقد ركعة أم لا، فالتشفيع بعد عقد الركعة ظاهر.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: وأما قبل عقد الركعة فلا أدري.
قوله: (ولم تجز حضرية ولا سفرية) أي ولم تجز هذه الصلاة حضرية إن أتمها ولا سفرية إن قصرها لرفض النية فيعيدها أبدا.
قوله: (وبعدها أعاد في الوقت) أي وإن نوى الإقامة بعد أن صلى فإنه يعيدها في الوقت فإن قلت: كيف يعيدها؟ قلت: لأن الغالب تردد النية لعل النية وقعت في الصلاة.
قوله: (وإن اقتدى مقيم به فكل على سنته، وكره كعكسه وتأكد، وتبعه ولم يعد) أي وإن اقتدى مقيم بمسافر فإن كلا منهما على سنته، فيقصر الإمام ويتم المأموم، ولا ينبغي أن يقتدي به بل كره اقتداؤه به، كما كره عكسه، وهو اقتداء المسافر بالمقيم وتأكد فيه الكره لأنه يغير سنته، ولكن يتبعه في الإتمام وهو المشهور لحرمة الإمام، وقيل: يجلس عند تمام صلاته إلى أن يتم الإمام صلاته فيسلم بسلامه وقيل لا ينتظره بل يسلم عند تمام صلاته فإن تبعه في الإتمام فلا يعيدها بعد وقصر المسافر فذا أفضل من صلاته مع جماعة إتماما.
قوله: (وإن أتم مسافر نوى إثماما أعاد بوقت، وإن سهوا سجد) أي وإن أتم مسافر نوى إتماما ساهيا أنه مسافر أو ساهيا عن القصر سجد بعد السلام للزيادة ولكن هذه الزيادة غير محققة، فلذلك اكتفى فيه بالسجود وليس كمن زاد في الصلاة مثلها.
قوله: (والأصح إعادته كمأمومه بوقت، والأرجح الضروري) أي والأصح من القولين إعادته في الفرعين، كما يعيد مأمومه بوقت، والأرجح عند ابن يونس في هذا الوقت أنه الضروري.
وقوله: (إن تبعه) شرط في المأموم وإن لم يتبعه بطلت صلاته وإليه أشار بقوله: (وإلا بطلت).
قوله: (كأن قصر عمدا. والساهي كأحكام السهو) أي كما تبطل صلاته إن نوى إتماما ثم قصر عمدا، وإن كان ذلك منه سهوا، وقد تقدم في أحكام السهو فيبني إن
[ ١ / ٣٥٧ ]
قرب وتصح.
قوله: (وكأن أتم ومأمومه بعد نية قصر عمدا) أي كما تبطل صلاته وصلاة مأمومه إن أتم الصلاة بعد نية قصر عمدا، وقيل: تصح.
قوله: (وسهوا أو جهلا ففي الوقت، وسبح مأمومه ولا يتبعه وسلم المسافر بسلامه، وأتم غيره بعده أفدادا وأعاد فقط بالوقت) أي وإن أتم مسافر صلاته سهوا أو جهلا أو تأويلا فإنه يعيد في الوقت المذكور وهو الضروري فإن كان خلفه مأموم سبح به ليرجع ولا يتبعه وسلم المسافر بسلامه وأتم غيره وهو المقيم بعده أفذاذا إذ لا يكون في صلاة واحدة إمامان إلا في الإستخلافات، وأعاد الإمام فقط بالوقت المذكور.
قوله: (وإن ظنهم سفرا فظهر خلافه أعاد أبدا، إن كان مسافرا) أي وإن ظن الداخل القوم مسافرين فنوى قصرا فظهر خلاف ظنه بأنهم مقيمون أعاد أبدا إن كان مسافرا أتم معهم أو قصر وأما المقيم إذا ظنهم مسافرين ودخل معهم فإن صلاته لا تبطل لأنه دخل على الإتمام ولم تكن منه مخالفة إلا بنيته الزيادة على ركعاته، إنما تبطل صلاة المسافر لأنه دخل على القصر.
قوله: (كعكسه) والعكس أن يظنهم الداخل مقيمين وهو مقيم ولكن إنما فرضوا المسألة في المسافر في الفرعين.
قوله: (وفي ترك نية القصر والإثمام تردد) لعدم النص هل يتم الآن أي وإن دخل مسافر الصلاة ولم ينو إتماما ولا قصرا فيه تردد لعدم النص هل يتم لأن الإتمام هو الأصل أو يقصر لأنه سنة سواء ترك تلك النية سهوا أو عمدا غفل الشارح هنا ﵀ غفلة عظيمة، كل قول فيه مقبول ومردود إلا قول رسول الله ﷺ (^١).
فمن ذا الذي ترضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
قوله: (وندب: تعجيل الأوبة، والدخول ضحى) شرع هنا تخلله يذكر شيئا من آداب السفر وترك منها كثيرا أي وندب للمسافر تعجيل الأوبة أي الرجوع إلى أهله والدخول إليهم ضحى، ويستحب للمسافر الرفق بدوابه وإنزالها منازلها في الخصب والنجاء عليها بنفيها في الجدب، ولا بأس بالإسراع في السير وطي المنازل فيه عند
_________________
(١) ورد في المدخل لابن الحاج: ج ١، ص: ١٧٤ - ١٧٥ ما نصه: ولقد نطق مالك بالحكمة في قوله: كل كلام مأخوذ منه ومتروك إلا كلام صاحب هذا القبر.
[ ١ / ٣٥٨ ]
الحاجة إلى ذلك فقد سار ابن عمر (^١) وسعيد بن أبي هند (^٢) وكانا من خيار الناس من مكة إلى المدينة في ثلاثة أيام (^٣) وهي مسيرة عشرة أيام بالسير المعتاد وأن لا يعرسوا على الطريق لأنها طرق الدواب ومأوى الحياة وأن يقول إذا نزلوا منزلا «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق الله» (^٤) فقد ضمن عدم الضرر فيها، قال القاضي أبو بكر: فلعمري أنبئكم لقد جربتها إحدى عشر عاما فوجدتها، «وأن لا يأتي أهله طروقا» (^٥) كما جاء في الحديث.
قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله تعالى -: أعلم أن هذا في غير هذا الزمان لخوف المكس أي الظلم.
قوله: (ورخص) أي والرخصة ما شرع للتخفيف والمسامحة وهو جواز الإقدام على الشيء الممنوع مع قيام سبب المانع، ورخص (له جمع) بين (الظهرين ببر، وإن قصر ولم يجد، بلاكره) أي ورخص للمسافر جمع الظهر والعصر في سفر بر لا في سفر بحر وإن قصر سفره عن مسافة القصر راكبا كان أو ماشيا، رجلا أو امرأة، ولو لم يجد سيره بلاكراهة فيه خلاف لمن قال: يكره له الجمع. وكره له.
_________________
(١) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي أمه زينب بنت مظعون الجمحية ولد سنة ثلاث من المبعث النبوي وهو من المكثرين عن النبي ﷺ وروى أيضا عن أبي بكر وعمر وغيرهما. قال ضمرة بن ربيعة في تاريخه: مات سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين للهجرة. الإصابة: ج ٤، ص: ١٨١، الترجمة: ٤٨٣٧.
(٢) سعيد بن أبي هند الفزاري مولى سمرة بن جندب روى عن أبي موسى وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم وعنه ابنه عبد الله ويزيد بن أبي حبيب وابن إسحاق وعبد الله بن محمد بن أبي يحيى ونافع مولى ابن عمر وأسامة بن زيد الليثي وغيرهم. قال ابن سعد توفي في أول خلافة هشام بن عبد الملك وله أحاديث صالحة. تهذيب التهذيب: ج ١٤، ص: ١٥٤، الترجمة: ١٥٨. تأليف: أحمد بن علي بن محمد ابن حجر العسقلاني ت: ٨٥٢ هـ الناشر: مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند الطبعة الأولى: ١٣٢٦ هـ
(٣) جامع الأمهات لابن الحاجب ص: ٥٦٥.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٤٨) - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (١٦) - باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره الحديث: ٢٧٠٨، وأخرجه الترمذي في سننه (٤٦) - كتاب الدعوات عن رسول الله ﷺ (٤١) - باب ما جاء ما يقول إذا نزل منزلا الحديث: ٣٤٣٧.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه: (٧٠) - كتاب النكاح (١١٩) - باب لا يطرق أهله ليلا الحديث: ٤٩٤٥ - ٤٩٤٦. وأخرجه مسلم في صحيحه: (٣٣) - كتاب الإمارة (٥٦) باب كراهة الطروق .. الحديث: ١٨٢ - (٧١٥).
[ ١ / ٣٥٩ ]
قوله: ولو لم يجد مخالف لقوله: ببر. انتهى.
قال في النكت (^١): لأنا إنما نبيح للمسافر في البر الجمع من أجل جد السير وخوف فوات أمر وهذا غير موجود في المسافر بالريح. انتهى (^٢).
وشرط في التهذيب أن يجد به السير وأن يخاف فوات أمر مهم وأما الرسالة اشترط جد السير فقط فقال: وإذا جد السير بالمسافر (^٣) وزاد بعضهم على التهذيب فقال: وفوات أمر مهم والأول الذي اقتصر عليه الشيخ هو المشهور.
قوله: (وفيها شرط الجد: لإدراك أمر) أتى بهذا استشكالا.
قوله: (بمنهل زالت به، ونوى النزول بعد الغروب) أي ورخص الجمع للمسافر في الظهرين في منهل وهو المنزل سماه منهلا، لأن عادة الناس أن لا ينزلوا إلا في المنهل عند الماء فيجمع فيه الظهرين إذا زالت الشمس وهو فيه والحال أن نيته النزول بعد غروب الشمس.
قوله: (وقبل الإصفرار أخر العصر) أي وإن نوى النزول قبل دخول الاصفرار صلى الظهر بالمنهل ويؤخر العصر حتى ينزل قبل الاصفرار لأن كلا منهما يصليها في وقتها المختار.
قوله: (وبعده خير فيها) أي وإن نوى النزول بعد دخول الاصفرار فإنه يخير في إيقاع العصر بعد الظهر في المنهل وإيقاعها بعد نزوله لأن عصره لابد على كل حال أنها تقع في وقت الضروري.
قال بعضهم: تأخيرها لا يستلزم إيقاعها بوقت مكروه وتقديمها قبل الوقت رخصة إذ الأصل عدم الجواز لولا السنة.
قوله: (وإن زالت راكبا أخرهما؛ إن نوى الإصفرار) أي وإن زالت الشمس في حال كونه راكبا أخرهما إن نوى النزول عند دخول الاصفرار فيجمعهما حينئذ.
قوله: (أو قبله) مستغنى عنه لأنه لما كان يؤخرهما إلى عند دخول الاصفرار
_________________
(١) النكت والفروق لمسائل المدونة تأليف: أبي محمد عبد الحق بن محمد بن هارون الصقلي. المملكة العربية السعودية جامعة أم القرى كلية الشريعة قسم الدراسات العليا الشرعية. رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الفقه والأصول. تحقيق: أحمد بن إبراهيم. إشراف: د. محمد العمروسي عبد القادر.
(٢) النكت والفروق لعبد الحق بن هارون: ص: ٢١١ الرقم: ٧٢
(٣) متن الرسالة لابن أبي زيد (١٢) - باب جامع في الصلاة: ص: ٣٧.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وقبله أحرى.
قوله: (وإلا ففي وقتيهما، كمن لا يضبط نزوله وكالمبطون) أي وإن نوى النزول بعد دخول الاصفرار فإنه يصليهما في وقتيهما آخر وقت الظهر وأول وقت العصر يجمعهما جمعا صوريا كما يجمعها في وقتيهما جمعا صوريا من لا يضبط وقت نزوله وكذلك المبطون ونحوه له أن يجمعهما جمعا صوريا.
قوله: (وللصحيح فعله) أي وللصحيح غير المسافر فعل الجمع الصوري لأنه لم يخرج الصلاتين عن وقتيهما بل فعل كل منهما في وقتها، ونقل الباجي اتفاق فقهاء الأمصار.
قوله: (وهل العشاآن كذلك؟) أي وهل المغرب والعشاء كالظهرين فيما تقدم كله الغروب كالزوال الثلث الأول كقبل الاصفرار وطلوع الفجر كالغروب أو العشاءان كذلك فيما إذا غربت الشمس راكبا لا إن غربت وهو في المنهل لأن عادة الناس لا يرتحلون عند الغروب فيه (تأويلان).
قوله: (وقدم خائف الإغماء، والنافض، والميد) أي وقدم خائف الإغماء العصر أو العشاء عند الزوال بعد الظهر أو الغروب بعد المغرب واستشكل لأنه إن غمي فيها في وقتها فإنها تسقط عنه ولكن أمر بتقديمها احتياطا وليس برخصة وكذلك للخائف من الحمى النافض هي الرعدة تقديم العصر أو العشاء وكذلك من خاف الميد.
قوله: (وإن سلم، أو قدم ولم يرتحل، أو ارتحل قبل الزوال ونزل عنده فجمع: أعاد الثانية في الوقت) أي فإن قدم خائف الإغماء وخائف الحمى النافض وخائف الميد وسلم مما كان يخافه فإنه يعيدها ما دام في الوقت وكذلك إذا جمع بين صلاتين في المنهل وحدث أنه لم يرتحل منه أو كان ارتحل قبل الزوال ونزل عنده فجمع متأولا ظانا أنه يجوز له أعاد كلامنهما الثانية في الوقت وأما الأولى فقد وقعت في وقتها.
قوله: (وفي جمع العشاءين فقد بكل مسجد لمطر أو طين مع ظلمة، لا طين، أو ظلمة) أي ورخص في جمع العشاءين فقط لا الظهرين في كل مسجد خلافا لمن قال: خص ذلك بمسجد النبي ﷺ لأجل مطر وحده، وأحرى إذا كان مع طين أو ظلمة أو لأجل طين مع ظلمة لا طين وحده على المشهرو ولا لظلمة وحدها اتفاقا.
قوله: (أذن للمغرب كالعادة) لما ذكر الحكم شرع ﵀ يذكر كيفية الجمع. فقال: أذن للمغرب كالعادة أول الوقت خارج المسجد على المنار وأخر قليلا بعد ذلك ليتحقق السبب ثم صليا فلا يفصل بينهما إلا قدر أذان منخفض لأن الوقت
[ ١ / ٣٦١ ]
قد دخل فلا يحتاج إلى الإعلان به في داخل المسجد وإقامة.
قوله: (وأخر قليلا، ثم صليا ولاء، إلا قدر أذان منخفض بمسجد، وإقامة).
قال ابن ناجي: وتردد شيوخ شيوخنا هل تأخير المغرب على المشهور أمر واجب لا بد منه أم ذلك على طريق الندب فمنهم من ذهب إلى الأول ومنهم من ذهب إلى الثاني (^١).
قوله: (ولا تنفل بينهما، ولم يمنعه) أي ولا تنفل بين المغرب والعشاء عند الجمع فإن وقع ونزل وتنفل بينهما لم يمنع ذلك التنفل الجمع المرخص فيه غفل الشارح هنا نعمله.
قوله: (ولا بعدهما) أي ولا تنفل بعد الجمع بين الصلاتين في المسجد.
قوله: (وجاز لمنفرد بالمغرب، يجدهم بالعشاء) أي وجاز الجمع المذكور لمنفرد بصلاة المغرب يجدهم في صلاة العشاء لأن علة الجمع فضل الجماعة والمسجد وقد حصلا وهذا بناء على أن الجمع لا يحتاج إلى نية لأن محل النية قد فات.
قوله: (ولمعتكف بمسجد) أي وجاز الجمع لمعتكف بالمسجد وإن لم يكن عليه الحرج لأنه تابع للجماعة كتبعية المسافر والعبد والمرأة في صلاة الجمعة ولهذا استحب بعضهم للإمام المعكتف أن يستخلف من يصلي بالناس ويصلي وراء المستخلف.
قوله: (كأن انقطع المطر بعد الشروع) أي كما يجوز لهم التمادي في الجمع إن انقطع المطر بعد أن شرعوا فيه بنيته لأن السبب إنما يطلب ابتداء لا دواما ولأن عودته لا تؤمن ولكن ربما وجدت أمارة تدل على عدم العودة.
قوله: (لا إن فرغوا فيؤخر للشفق، إلا بالمساجد الثلاثة) أي وهذا راجع لقوله: وجاز لمنفرد بالمغرب يجدهم بالعشاء أي لا إن فرغوا منها فإنه لا يجمع فبسبب ذلك يؤخر صلاته إلى مغيب الشفق إلا أن يكون بأحد المساجد الثلاثة فإنه يصلي فيها قبل الشفق فذا لفضلها.
قوله: (ولا إن حدث السبب بعد الأولى، ولا المرأة والضعيف ببيتهما ولا منفرد بمسجد: كجماعة لا حرج عليهم) أي وكذلك لا يجمعون إن حدث السبب بعد المغرب لافتقار الجمع إلى النية وقد فات محلها انظر هذا مع ما قبله من قوله: وجاز لمنفرد
_________________
(١) شرح الرسالة لابن ناجي: ج ١، ص: ٢٢١.
[ ١ / ٣٦٢ ]
بالمغرب يجدهم بالعشاء وكذلك لا تجمع المرأة ولا الضعيف في بيتهما مقتديان بصلاة الإمام في المسجد وكذلك لا يجمع المنفرد في مسجد إلا أن يكون إماما راتبا كما لا تجمع جماعة لا حرج عليهم كأهل الزوايا والرباط والمدارس.
فصل [في صلاة الجمعة]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه حكم صلاة الجمعة، يوم الجمعة يوم عظيم وفيه ساعة لا يسأل العبد ربه فيها إلا استجاب له وفيه خلق آدم ﵇، وفيه تاب الله عليه وفيه أهبط إلى الأرض وفيه يموت وفيه تقوم الساعة والجمعة من خصائص هذه الأمة وفي الحديث: «خير يوم طلعت عليه الشمس» (^١).
النووي: يعني من أيام الأسبوع (^٢) وأما أيام السنة فخيرها يوم عرفة.
والجمعة بضم الجيم وفتحها وسكونها قاله الواحدي (^٣) عن الفراء (^٤).
قال عياض في إكمال الإكمال: الظاهر أن هذه المعدودات ليست لبيان فضله لأن إخراج آدم ﵇ وقيام الساعة لا يعد فضيلة وإنما هو تعداد لما وقع فيه وما سيقع من عظائم الأمور وبحسب ذلك تكثر فيه الأعمال الصالحة لنيل رحمة الله تعالى ودفع نقمه.
النووي: قال ابن العربي: الجميع من الفضائل خروج آدم ﵇ سبب لهذا النسل العظيم الذي منه الأنبياء والرسل ﵈ ولم يخرج منها طردا بل لقضاء أو طار ويعود إليها وقيام الساعة سبب لتعجيل جزاء الثلاثة الأصناف الأنبياء
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٧) - كتاب الجمعة (٥) - باب فضل يوم الجمعة الحديث ٨٥٤. وأخرجه الترمذي في سننه (٤) - كتابا لجمعة (١) باب فضل صلاة الجمعة الحديث: ٤٨٨.
(٢) شرح النووي لصحيح مسلم: ج ٦، ص: ١١٩ عند شرحه للحديث: ٨٥٤.
(٣) الواحدي: هو علي بن أحمد بن محمد أبو الحسن الواحدي: مفسر عالم بالأدب، نعته الذهبي بإمام علماء التأويل، من مؤلفاته: الوجيز وأسباب النزول وغيرهما مات سنة: ٤٦٨ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٤، ص: ٢٥٥.
(٤) هو يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي مولى بني أسد أو بني منقر، أبو زكريا المعروف بالفراء إمام الكوفيين كان يقال الفراء أمير المؤمنين في النحو، ولد بالكوفة سنة: ١٤٤ هـ، ومات سنة: ٢٠٧ هـ، من مؤلفاته: المقصور والممدود وغيره. الأعلام للزركلي: ج ٨، ص: ١٤٥.
[ ١ / ٣٦٣ ]
والأولياء والصديقين وإظهار كرامتهم. انتهى (^١).
[شروط صحة الجمعة]
قوله: (شرط الجمعة: وقوع كلها بالخطبة وقت الظهر للغروب) أي شرط صحة الجمعة هذه الشروط المذكورة، وأما شروط وجوبها فحرية وبلوغ وذكورية، والفرق بين شرط الصحة وشرط الوجوب، أن شرط الصحة ما يطلب به المكلف، كشروط الصلاة وغير ذلك من الشروط المذكورة، وشرط الوجوب ما لا يطلب به المكلف كالحرية والبلوغ والذكورية، قال بعضهم: صلاة الجمعة فرض على الأعيان لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩] والأمر للوجوب، وقال بعضهم: على الكفاية، ومنشأ الخلاف هل المقصود إصلاح القلوب بالمواعظ والخشوع فيعم أو إظهار الشعائر وهذا حاصل بالبعض فيخص.
تمهيد: يحكي جماعة من الأصحاب الخلاف هل الجمعة بدل من الظهر أم لا، وأنت تعلم أن البدل لا يفعل إلا عند تعذر المبدل، والجمعة يتعين فعلها مع إمكان الظهر فهو مشكل، والحق أن يقال بدل من الظهر في المشروعية، والظهر بدل منها في الفعل. انتهى من الذخيرة (^٢).
وشرط صحة الجمعة وقوع صلاتها كلها مع الخطبة وقت الظهر وهو الزوال، وإن سبق أحدهما الزوال فإن الصلاة تبطل.
القرافي: تنبيه: لما كانت القلوب تصدأ بالغفلات والخطيئات كما يصدأ الحديد، اقتضت الحكمة الإلهية جلاءها في كل أسبوع بمواعظ الخطباء، وأمرنا بالإجتماع ليتعظ الغني بالفقير والقوي بالضعيف والصالح بالطالح، ولذلك أمر باجتماع أهل الآفاق في الحج مرة في العمر لئلا يشق عليهم بخلاف أهل البلد. انتهى (^٣).
قال البرزلي: وسئل بعض فقهاء إفريقية عن الخطيب الذي يكذب في خطبته بمدح الظلمة.
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٢١٥.
(٢) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٣٣٠.
(٣) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٣٢٩.
[ ١ / ٣٦٤ ]
فأجاب: إذا كان يريد بذلك التقرب والتودد وتعطفهم عليه، فهو جرحة، وإن كان يخاف على نفسه الموت فالصلاة خلفه جائزة. انتهى (^١).
قوله: (وهل إن أدرك ركعة من العصر؟ وصحح، أو لا: رويت عليهما) أي وهل يشترط في صلاة الجمعة أن يدرك ركعة من العصر قبل الغروب وصحح، أو لا يشترط ذلك فيه قولان رويت المدونة عليهما.
قوله: (باستيطان بلد أو أخصاص) أي هذا هو الشرط الثاني في صحة الجمعة، أن يكون مستوطنا بالبلد، والإستيطان نية الإقامة على التأبيد، ولو مرت جماعة بقرية خالية فنووا إقامة سنة فيها فلا يصلوا الجمعة. انتهى.
وكذلك تجب الجمعة باستيطان أخصاص، والأخصاص جمع خص وهو بيت من قصب، فإن كان مسجدهم خصا صلوا فيه الجمعة، وإن اختلط البناء بالخصوص فحكمها حكم البناء.
قوله: (لا خيم) أي لا جمعة على أهل الخيم. الخيمة هي بيت من وبر أوصوف أو شعر أو قطن أو أدم.
قوله: (وبجامع مبني متحد، والجمعة للعتيق وإن تأخر أداء) هذا هو الشرط الثالث أي وشرط صحة صلاة الجمعة أن يكون وقوعها في جامع مبني بناء له بال، إلا أن يكون البلد اخصاصا كله فإنهم يصلونها في خص إن لم يكن لهم مسجد مبني، ومن شروط الجامع أن يكون داخل البلد، وأن يكون متحدا في البلد، ولكن العمل على التعدد لكثرة الناس، وإن كان في البلد جامعان فإن الجمعة إنما تصح لمن صلى في العتيق أي المتقدم وإن تأخر أداء وإن تساويا في الحدوث فالجمعة لمن سبق له إذن الإمام، وإن لم يكن إذن فلمن سبق بالإحرام، وإن لم يعلم السابق أعادوا ظهرا، وإن أحرموا معا أعادوا الجمعة. انتهى.
قال في الجواهر: ولو أصاب الناس ما يمنعهم من الجامع في يوم ما، لم تصح لهم جمعة في غيره من المساجد ذلك اليوم، إلا أن يحكم له الإمام بحكم الجامع، وينقل الحكم إليه عن الجامع الممنوع، فيبطل حكم الجمعة في المسجد الأول، وينتقل إلى هذا الثاني، وإنما يوصف بأنه جامع لاجتماع الناس كلهم فيه لصلاة الجمعة، وهذا حكم يختص بهذا المسجد دون غيره من المساجد، فلا يصح أن تقام
_________________
(١) فتاوي البرزلي: ج ١، ص: ٣٢٣
[ ١ / ٣٦٥ ]
الجمعة في غيره من المساجد مما لا يحكم له بهذا الحكم حتى يحكم له به على التأبيد، دون أن ينتقل إليه هذا الحكم في يوم بعينه. انتهى (^١).
كل جامع مسجد وليس كل مسجد جامع.
قوله: (لا ذي بناء خف، وفي اشتراط سقفه، وقصد تأبيدها به، وإقامة الخمس تردد) أي لا تصلى الجمعة في جامع ذي بناء خفيف، وفي اشتراط دوام سقف الجامع وعدم اشتراطه، واشتراط قصد تأبيد صلاة الجمعة فيه وعدم اشتراطه، واشتراط إقامة الصلوات الخمس فيه، في المسائل الثلاث تردد لعدم النص فيها.
قال ابن غازي: أما الأولان فمعروفان وأما الثالث فقال ابن بشير: وقد سمعت أنه لابد من أن يكون الصف دائما فيه، إلا أن تزيله الأعذار التي لابد منها. انتهى (^٢).
ولا أعرفه لغيره وعنه نقله في التوضيح بلا تردد ولم يذكره ابن عرفة.
قوله: (وصحت برحبته وطرق متصلة إن ضاق أو اتصلت الصفوف) أي وصحت صلاة الجمعة في رحبة الجامع وهل هو صحن المسجد وما يحوزه خلفه؟ أو حريم خارجه فيه تفسيران.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: الله أعلم أنه حريم خارجه لأن الصحن من المسجد، وكذلك تصح صلاة الجمعة في الطرق المتصلة بالجامع إن ضاق بأهله وإن لم تتصل الصفوف، أو اتصلت الصفوف وإن لم يضق الجامع، لا إن لم يضق ولم تتصل الصفوف فإن الصلاة فيها لا تجزئ، وإليه أشار بقوله: (لا انتفيا).
قوله: (كبيت القناديل وسطحه، ودار وحانوت) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا تصح صلاة الجمعة في بيت القناديل وإن كان في وسط المسجد لأنه محوز، وكذلك لا تجزئ صلاة الجمعة في سطح المسجد لأنه ليس منه.
ابن القاسم في المدونة: إن صلاها على ظهر المسجد يعيد وإن ذهب الوقت. وقال مالك ومطرف وابن الماجشون واصبغ في ثمانية أبي زيد (^٣): صلاته صحيحة
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ١٦٢.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٢٤١.
(٣) عبد الرحمن بن ابراهيم بن عيسى بن يحيى بن يزيد بن بدير القرطبي أبو زيد، محدث رحل إلى المشرق والحجاز ورجع إلى بلده ومات في جماد الآخر سنة ٢٥٩ هـ، له ثمانية أبي زيد وهي ثمانية كتب من سؤاله المدنيين. معجم المؤلفين، تأليف: عمر رضا كحالة: ج ٥، ص: ١١٣/ ١١٤.
[ ١ / ٣٦٦ ]
ولا إعادة عليه. انتهى من اللخمي (^١).
وكذلك لا تصح صلاة الجمعة في دار ولا في حوانيت محجورة بملك وإن أذن أهلها، إذ لا تصلى الجمعة في الأملاك.
قوله: (وبجماعة تتقرى بهم قرية، بلاحد) أي تجتمع بهم قرية، يستغنون عن غيرهم في غالب حاجتهم، لاستغلالهم بأنفسهم، وبالدفع عن أنفسهم، وذلك يختلف باختلاف الأزمان.
قوله: (أولا) أي وإنما تشترط الجماعة المذكورة في إقامتها في ابتداء إقامة الجمعة، ولا حد لتلك الجماعة في الكثرة، بل بحيث يساعد بعضهم بعضا في دفع من يقصدهم بشر.
قوله: (وإلا فتجوز باثني عشر باقين لسلامها) أي وإن لم يكن في ابتداء الأمر فتجوز بإثنى عشر رجلا مع الإمام باقين من الإحرام إلى السلام منها.
قوله: (بإمام مقيم - إلا الخليفة يمر بقرية جمعة - ولا تجب عليه) أي والإمام المقيم شرط أداء في صلاة الجمعة، وإن لم تكن إقامته استيطانا، بل الإقامة الشرعية كافية، وهو أن ينوي إقامة أربعة أيام صحاح لأنه متم لصلاته، إلا أن يكون الإمام خليفة وهو الإمام الأعظم يمر في سفره بقرية جمعة في عمله فإنه له أن يصلي بهم الجمعة فتجزيه وتجزيهم لأنه الأصل والإمام نائبه، ولا يجب عليه ذلك لأنه مسافر.
قوله: (وبغيرها تفسد عليه وعليهم) أي وإن صلى بهم الخليفة الجمعة في غير قرية الجمعة فإنها تفسد عليه لأنه جهر في موضع السر عمدا وهذا على القول ببطلانها بترك السنة عمدا وتفسد عليهم لأن صلاتهم أربعا.
قوله: (وبكونه الخاطب إلا لعذر ووجب انتظاره لعذر قرب على الأصح) أي ومن شروط صلاة الجمعة أن يكون الإمام هو الخاطب إلا إذا حدث به عذر، فإن كان به عذر وجب انتظاره فيما قرب على القول الأصح ومقابله لا ينتظر مطلقا.
قوله: (وبخطبتين قبل الصلاة مما تسميه العرب خطبة، تحضرهما الجماعة) أي ومن شروط أداء الجمعة أن تكون قبل الصلاة خطبتين لفعله ﷺ، ولأنهما شرط والشرط يقدم على المشروط، وخطبة عرفة فرض إلا أنه تعليم للحاج، وقدمت ليكون الدعاء إثر الصلاة وخطبة الجمعة تحميد لله، وتصلية على نبيه ﷺ ون وشكر، وأمر بمعروف،
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٥٦٩.
[ ١ / ٣٦٧ ]
ونهي عن منكر، وتحذير من الذنوب، وتبشير بالثواب، وقراءة القرآن، وشروطهما أن تحضرهما الجماعة المشروطة في الجمعة.
البرزلي: وسئل عز الدين هل يستحب للخطيب ذكر الصحابة في الخطب على ما جرت به العادة في زماننا أم لا؟ وإذا صلى على النبي ﷺ هل يصلي على أصحابه أم لا؟ فأجاب ذكر الصحابة والخلفاء والسلاطين بدعة غير محبوبة، ولا يذكر في الخطبة إلا ما يوافق مقاصدها من الثناء والدعاء والترغيب والترهيب وتلاوة القرآن. والأولى أن يقتصر في الصلاة على الرسول ﷺ على ما صح في الحديث ولا يزيد عليه بذكر الصحابة ولا غيرهم، وصح أنه ﵇ نص على أزواجه وذريته في الصلاة عليه (^١).
قوله: (واستقبله غير الصف الأول) أي واستقبل الإمام ظاهره الوجوب وهو كذلك، مشى الشيخ هنا على خلاف المذهب وهو قول اللخمي.
قال صاحب مغني النبيل: واستقبله من هو في غير الصف الأول كذي الصف الأول، وأسقط اللخمي عنه وجوب استقباله بعض المتأخرين.
المازري: هو خلاف المذهب.
قوله: (وفي وجوب قيامه لهما) أي وفي وجوب قيام الإمام بخطبتين وسنيته (تردد) لعدم النص.
المازري: القيام شرط في صحة الخطبة خلافا لأبي حنيفة.
ابن القصار الذي يقوى في نفسي أنه سنة.
عياض: المذهب أنه ليس بشرط، ومن خطب جالسا أساء وتجزيه خلافا للشافعي أنها لا تجزئ، وأول من خطب جالسا معاوية (^٢) حين ثقل) إكمال الإكمال (^٣).
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٣٢٢ - ٣٢٣.
(٢) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أمير المؤمنين ولد قبل البعثة بخمس سنين وهو الأشهر، وحكى الواقدي أنه أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه حتى أظهره عام الفتح وكان يكتب للنبي ﷺ ولاه عمر الشام بعد أخيه يزيد مات في رجب سنة: ٦٠ هـ. الإصابة: ج ٦، ص: ١٦٨.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٢٢٥.
[ ١ / ٣٦٨ ]
[شروط وجوب الجمعة]
قوله: (ولزمت المكلف الحر الذكر بلا عذر المتوطن) أي وتلزم صلاة الجمعة المكلف الحر الذكر المتوطن بلا عذر مسقط أتى بهذا تكميلا للشروط، وأما التكليف فشرط في كل فرض.
قوله: (وإن بقرية نائية بكفرسح من المنار) أي وإن كان المتوطن في قرية بعيدة من البلد بكفرسخ وما قرب منه وإليه أشار بالكاف من المنار ومذهب الرسالة من البلد.
الفرسخ فارسي أعرب وهو ثلاثة أميال، والميل يشبه أن يكون من الميل بفتح الميم لأن البصر يميل فيه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه.
قوله: (كأن أدرك المسافر النداء قبله) أي كما تلزم الجمعة المتوطن المسافر أدركه النداء قبل قطع مسافة الفرسخ وما قرب منه، يريد إذا طمع بالإدراك وإلا فلا فائدة في رجوعه.
قوله: (أو صلى الظهر ثم قدم، أو بلغ أوزال عذره) أي فإن صلى الظهر في سفره ثم قدم البلد قبل أن يصلوا الجمعة فإنه يلزمه أن يصليها معهم لأنه قد تبين استعجاله. وقيل: لا يلزمه لأنه فعل ما خوطب به، وكذلك إن صلى الصبي الظهر ثم نام واحتلم قبل صلاة الجمعة فإنها تلزمه، وكذلك إن منع الملكف إتيان الجمعة لأجل عذر به كالعبد يصلي الظهر ثم عتق قبل صلاة الجمعة أو المريض فأفاق أو كان خائفا فزال خوفه فإنه يلزمه أن يصلي معهم الجمعة.
قوله: (لا بالإقامة إلا تبعا) هذا راجع لقوله: باستطان بلد أي لا تجب الجمعة بسبب الإقامة المجردة الموجبة لإتمام الصلاة وإن طالت الإقامة إلا أن يكون تبعا فتجب عليه.
ابن رشد: المرابطون بموضع ستة أشهر وأكثر إن كان أهل ذلك الموضع يجمعون وجبت على هؤلاء المرابطين الجمعة، وأما إن لم يبلغ أهل ذلك الموضع العدد المشترط في وجوب الجمعة إلا بمن معهم من المرابطين فلا جمعة عليهم. انتهى من التاج والإكليل (^١).
_________________
(١) التاج والإكليل: ج ٢، ص: ٢٠٠.
[ ١ / ٣٦٩ ]
[مندوبات الجمعة]
قوله: (وندب تحسين هيئة) أي وندب لمريد صلاة الجمعة تحسين هيئته بقص الشارب والسواك وحلق العانة، ويندب له لبس ثياب جميلة وإليه أشار بقوله: (وجميل ثياب، وطيب) وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وعبارة المصنف أحسن من عبارة الرسالة: ويلبس أحسن ثيابه (^١)، إذ قد يكون أحسن ثيابه وليس بحسن. أنتهى.
قال القاضي أبو الوليد: وقد شرع في الصلاة التجمل (^٢) وحسن الزي والهيئة، ومنع الإحترام وتشمير الكمين وما جرى مجرى ذلك مما ينافي زي الوقار، وكذلك يشرع في أيام الجمع التجمل بالملبس، والتطيب لاجتماع الناس (^٣)، وكذلك في الأعياد والمحافل وجميع مجامع الإسلام، لأن فيه إظهار الإسلام وجماله وغيظ الكفار إلا أن تكون المجامع لحوادث مخوفة كالكسوف والزلازل والإستسقاء فليس موضع تجمل بل موضع تضرع وإظهار فاقة وسكينة. انتهى من إكمال الإكمال (^٤).
والعالم يجتمع إليه الناس شرع له التجمل في الملبس دون أن يخرج عن عادة مثله، وكذلك العباد لا يستحسن لهم الخروج عن حسن الزي إلى الملبس الخشن، لأن ذلك خروج عن العادة ودخول فيما يشهره، وقد قال إبراهيم بن أدهم (^٥) لرجل تنسك فلبس الصوف: رأيته نسك نسكا أعجميا فعاب عليه. ومن قسم المندوبات لبس الثياب الجميلة في الأعياد.
قال القاضي: ويتبع ذلك الزينة والطيب وما في معناه، وماهو من حقوق
_________________
(١) متن الرسالة: باب في صلاة الجمعة، ص: ٤٧.
(٢) المنتقى شرح الموطا المؤلف: أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي القرطبي الباجي الأندلسي (المتوفى: ٤٧٤ هـ) ج ٧، ص: ٢٢٠. الناشر: مطبعة السعادة - بجوار محافظة مصر، الطبعة: الأولى، ١٣٣٢ هـ
(٣) هذا مضمون ما في متن الرسالة -١٥ باب في صلاة الجمعة، ص: ٤٣.
(٤) إكمال الإكمال للأبي: ج ٧، ص: ٢١٠.
(٥) إبراهيم بن أدهم بن منصور التميمي أبو إسحاق البلخي، أحد العلماء الزهاد، كان يعيش من عمل يده ويشارك في جهاد الروم، مات سنة: ١٧١ هـ. البداية والنهاية: ج ١٠، ص: ١٣٥.
[ ١ / ٣٧٠ ]
الآدميين مما يتجملون به، ويدفع الإزدراء عنهم وهدم المروءات، وينبغي لأهل العلم أن يكون زيهم حسنا، ولا يستحسن لهم مفارقة ذلك، ففي الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: إني لأحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب (^١).
وقد روي عن عبد الله ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله جميل يحب الجمال، والكبر من بطر الحق وغمط الناس» (^٢). وسئل مالك ﵀ عن قوله تعالى: ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ [القصص: ٧٧] فقال: أن يعيش ويأكل ويشرب غير مضيق عليه. انتهى من جامع ابن شاس (^٣).
قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواء الفروق: والتجمل قد يكون واجبا في ولاة الأمور وغيرهم إذ توقف عليه تنفيذ الواجب، فإن الهيئة الرثة لا تحصل معها مصالح العامة من ولاة الأمور، وقد يكون مندوبا في الصلواة والجماعات، وفي الحروب لرهبة العدو، والمرأة لزوجها، وفي العلماء لتعظيم العلم في نفوس الناس، وقد يكون حراما إذا كان وسيلة لمحرم كمن تزين للنساء الأجنبيات ليزني بهن، وقد يكون مباحا إذا عرى عن هذه الأسباب.
وانقسم التجمل إلى هذه الأحكام الخمسة، وكذلك الكبر أيضا قد يجب غيظا للكفار في الحرب وغيرها، وقد يندب على أهل البدع تقليلا للبدعة، وقد يحرم إذا كان بطر الحق وغمض الناس واحتقارهم، والإباحة فيه بعيدة، وأصل التجمل الإباحة، فإذا عدم المعارض الناقل عن الإباحة بقيت الإباحة.
وأصل الكبر التحريم، فإذا عدم المعارض الناقل عن التحريم استصحب التحريم فيه، والكبر من أعمال القلوب، والتجمل من أفعال الجوارح. انتهى (^٤).
ولا ينبغي أن يغفل في المباحات عن حسن النية ففي الخبر: «أن العبد ليسأل
_________________
(١) موطأ الإمام مالك (٤٨) - كتاب اللباس (١) - باب ما جاء في لبس الثياب للجمال بها الحديث: ٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١) - كتاب الإيمان. (٣٩) - باب تخريج الكبر. الحديث: ٩١. وأخرجه الترمذي في سننه (٢٥) - كتاب البر والصلة (٦١) باب ما جاء في الكبر الحديث:. ١٩٩٩
(٣) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٣، ص: ١٢٨٨ - ١٢٨٩.
(٤) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي. الفرق التاسع والخمسون والمائتان بين قاعدة الكبر وقاعدة التجمل بالملابس والمراتب وغير ذلك: ج ٤، ص: ١٧٢.
[ ١ / ٣٧١ ]
يوم القيامة عن كل شيء حتى عن كحل عينيه، وعن فتات الطين بأصبعيه، وعن لمسه ثوب أخيه (^١).
فمثال النية في المباحات أن من يتطيب يوم الجمعة يمكنه أن يقصد التنعم بلذته، والتفاخر بإظهار ثروته، والتزويق للنساء وأخدان الفساد، ويتصور أن ينوي اتباع السنة، وتعظيم بيت الله تعالى، واحترام يوم الجمعة، ودفع الأذا عن غيره بدفع الرائحة الكريهة، وإيصال الراحة إليهم بالرائحة الطيبة، وحسم باب الغيبة إذا شموا منه رائحة كريهة، وإلى الفريقين الإشارة بقوله ﷺ: «من تطيب الله ﷿ جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة» (^٢). انتهى من العبدري (^٣).
قوله: (ومشي، وتهجير) أي ومما يندب لمريد صلاة الجمعة أن يأتي الجامع ماشيا لقوله ﷺ: «من أغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله عليه النار» (^٤) وأما في رجوعه إلى منزله فلا يندب له ترك الركوب، وكذلك يندب لمريد الجمعة المشي في التهجير، والتهجير شدة الحر، فلا يكون قبل الهاجرة لأنه مما يخشى فيه الرياء، ولأن السلف لم يفعلوه.
قوله: (وإقامة أهل السوق مطلقا) أي وندب للإمام أن يوكل من لا تلزمه الجمعة يقيم الناس في الأسواق، كانوا ممن تلزمهم الجمعة أم لا سدا للذريعة لئلا يتذرع من تلزمه فيتركها، وقيل: لئلا يستبد بالربح عن غيرهم.
قوله: (بوقتها، وسلام خطيب لخروجه لاصعوده، وجلوسه أولا، وبينهما، وتقصيرهما والثانية أقصر، ورفع صوته) أي والوقت الذي يقامون في الأسواق هو إذا أخذ المؤذنون في الأذان فوق المنابر، ومما يندب للإمام الخطيب سلامه على الناس حين خروجه أي حين دخوله، والخروج هنا بمعنى الدخول لا وقت صعوده على المنبر فإنه لا يسلم عليهم، ومما يندب له أيضا جلوسه أولا قبل الخطبتين، وكذلك
_________________
(١) أخرجه الغزالي في الإحياء كتاب النية والإخلاص والصدق، ج ٢، ص: ١٧٥٨، دار ابن هيثم وقال العراقي في المغني عن جمل الأسفار وهو بهامش الإحياء: لم أجد له إسنادا.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، باب المرأة تصلي وليس في رقبتها قلادة. الحديث: ٧٩٣٣.
(٣) المدخل لابن حاج: ج ١، ص: ١٣ - ١٤.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ١٧/ كتاب الجمعة ١٦/ باب المشي إلى الجمعة، الحديث: ٩٠٧ - ٨٦٥.
[ ١ / ٣٧٢ ]
يندب له جلوسه بين الخطبتين قدر الجلوس بين السجدتين، وندب له تقصير الخطبتين لاسيما في هذا الزمان، وندب له أن تكون خطبته الثانية أقصر من الأولى، وندب له رفع صوته بالخطبة فوق الجهر، وأما الجهر فيه فواجب، لأن إسرارها كالعدم.
فرع: قال البرزلي في جامعه: ولا تشترط النية في شيئ من الخطبة لأنها أذكار وأمر بمعروف ونهي عن منكر ودعاء وقراءة، ولا تشترط النية في شيء من ذلك، لأنه ممتاز بصورته، منصرف إلى الله ل بحقيقته، فلا يفتقر إلى نية تعرف إليه. انتهى (^١).
قوله: (واستخلافه لعذر حاضرها، وقراءة فيهما، وختم الثانية بيغفر الله لنا ولكم، وأجزأ اذكروا الله يذكركم، وتوكو على كقوس، وقراءة الجمعة وإن لمسبوق، وهل أتاك. وأجاز بالثانية بسبح أو المنافقون) أي وندب للخطيب استخلافه لأجل عذر حدث به حاضر الخطبة، ومما يندب للخطيب أن يقرأ شيئا من القرآن في خطبته، وندب له أن يختم خطبته الثانية بقوله: يغفر الله لنا ولكم أي غفر الله ذنوبنا وذنوبكم وأجزأ في ذلك: اذكر الله يذكركم أي يجازيكم عن ذكركم.
قال البساطي: لو قال: وأجزي أي كفي لكان أولى، وندب له أيضا توكأ يسير بيسراه على كقوس أو سيف أو عصى ونحو ذلك، لئلا يعبث بلحيته أوغيرها، وقيل: علته أن من لم يكتف بالموعظة فالقوس أو السيف أو العصى فوقه، ومما يندب في صلاة الجمعة، قراءة سورة الجمعة فيها في الركعة الأولى وإن كان مسبوقا بالأولى وقراءة ﴿هل أتنك حديث الغشية﴾ [الغاشية: ١] في الركعة الثانية، واستحب قراءة سورة الجمعة فيها لما فيها من أحكامها، وفي الثانية بالغاشية لما فيها من المواعظ، وبالمنافقين لما فيها من توبيخهم لاجتماعهم، لأنه قل من يتخلف عنها منهم. انتهى من إكمال الإكمال (^٢).
وأجاز الإمام مالك تخلله فيها قراءة سبح اسم ربك الأعلى وسورة المنافقين والجهر في العيدين والإستسقاء لأنهما يشهد هما الناس وفيهم الأعراب والجهلة فيشرع فيهما الجهر.
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٣٤٥.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٢٤٩.
[ ١ / ٣٧٣ ]
قوله: (وحضور مكاتب، وصبي، وعبد، ومدبر أذن سيدهما) أي وندب للمكاتب حضور الجمعة وإن لم يأذن له السيد لما فيه من شائبة الحرية، وكذلك يندب لصبي لا يعبث أو يعبث ولكن يكف إذا نهي وينهى قبل الصلاة، وكذلك يندب للعبد القن والمدبر حضور الجمعة إن أذن سيدهما لحق الخدمة ولا تجب عليهما بإذنه وإنما سقطت الجمعة عن العبد لطول أمرها.
قوله: (وأخر الظهر راج زوال عذره) أي وأخر الراجي زوال عذره في الوقت المختار قبل فوات الجمعة ظهر يومه استحبابا وهو المنصوص، وظاهر كلام الشيخ الوجوب قبل فوات الجمعة.
قوله: (وإلا) أي وإن لم يرج زوال عذره قبل فوات الجمعة (فله التعجيل) قبل صلاة الجمعة.
قوله: (وغير المعذور إن صلى الظهر مدركا لركعة لم يجزه) أي وإن صلى غير المعذور الظهر في حال كونه مدركا لركعة في صلاة الجمعة لو أتى إليها لم تجزه تلك الصلاة عن ظهره سواء عزم على تركها أو ليس له عزم، لأن فرضه الجمعة ولم يصلها.
فرع: المغيرة (^١): لو ظن أنه لا يدرك الجمعة فصلى ظهرا، ثم أدرك الجمعة فصلاها، ثم ذكر أنه أحدث قبلها أعادها ظهرا، ولو صلى الظهر قبل صلاتهم لوقت لوسعى فيه لم يدركه أجزأته اتفاقا.
قوله: (ولا يجمع الظهر إلا ذو عدر) أي ولا يصلي يوم الجمعة في جماعة إلا ذو الأعذار سدا للباب، لئلا يطرق أهل البدع بالتخلف عن الجمعة.
قال الشار مساحي: ووجهه أن يحرم من تخلف عنها لغير عذر أجر الجماعة حتى ينتهي عن ذلك (^٢).
قوله: (واستؤذن إمام. ووجبت إن منع وأمنوا) أي واستؤذن إمام القرية استحبابا في إقامة الجمعة فيها ووجب إقامتها إن منع من إقامتها إذا أمنوا على أنفسهم.
_________________
(١) المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني. كنيته أبو هشام روى عن أبيه ومالك وغيرهما وروى عنه ابناه ويحيى ابن بكير وابن مهدي وغيرهما. كان مولده سنة: ١٢٤ هـ قال الزبيدي مات سنة: ١٨٨ هـ وقال البخاري مات سنة: ١٨٦ هـ. انظر التعريف بالرجال المذكورين في جامع الأمهات لابن الحاجب ص: ٢٠٧ - ٢٠٨ - ٢٠٩، الترجمة: ٧٢.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ١٥١
[ ١ / ٣٧٤ ]
قوله: (وإلا) أي وإن لم يستأذنوا أو استأذنوا ولم يأمنوا على أنفسهم (لم تجن) من الأجزاء لأن مخالفة الإمام لا تجوز، وما قال الشارح هنا ضعيف، هكذا قرره شيخنا محمود بن عمر حفظه الله ورعاه.
[مسنونات الجمعة]
قوله: (وسن غسل متصل بالرواح ولو لم تلزمه) أي لما فرغ من المندوبات شرع يذكر السنن أي وسن المريد صلاة الجمعة غسل متصل بالرواح، والرواح ما بعد الزوال، وصفة الغسل لها كصفة غسل الجنابة ندب له الغسل ولو لم تجب عليه صلاة الجمعة كالعبد والمرأة والصبي والمسافر لأن سببه الرائحة.
قوله: (وأعاد إن تغذى، أو نام اختيارا. لا لأكل خف) أي ويعيد الغسل إن تغذى بعده أونام اختيارا، لأن النوم اختيارا مظنة الطول، وأما إن نام لغير اختيار فإنه لا يعيد الغسل بل يتوضأ إن ثقل نومه.
الغذاء بكسر الغين وبالذال المعجمة اسم لما يعيش به، وفي نسخة البساطي: «وأعاد إن بعد» أي: وأعاد الغسل إن بعد ما بين الغسل والصلاة. انتهى.
وكذلك يعيد الغسل إذا مشى بعده لموضع بعيد ولا يعيد الغسل إذا أكل بعده أكلا خفيفا.
[جائزات الجمعة]
قوله: (وجاز تخط قبل جلوس الخطيب، واحتباء فيها وكلام بعدها للصلاة، وخروج كمحدث بلا إذن) لما فرغ من السنة شرع يذكر الجائز لمريد الجمعة إماما كان أوغيره أي وجاز تخط الرقاب لداخل قبل جلوس الخطيب قاصدا فرجة بين يديه، وهذا كله إذا كان الصف الأول عامرا، وأما إن لم يكن عامرا فإنه يجوز له التخطي إذ لا حرمة لهم، ومحل النهي عن التخطي على ما إذا جلس وقد نهى الشرع عن التأخير مع إمكان التقديم، وكذلك يجوز للإمام الإحتباء في الخطبة وكذلك المأمومون، وكذلك يجوز الكلام بعد الخطبة إلى دخول الصلاة، وكذلك يجوز الخروج لمن أحدث أو رعف أو له عذر يوجب له الخروج بلا إذن من الإمام ولا استيذانه يوم الجمعة.
وروي أن الإمام مالك رحمة الله تعالى قال: معنى ذلك في من يخرج من العسكر لا يخرج
[ ١ / ٣٧٥ ]
إلا بإذن الإمام ولو كان في الصلاة لكان ضيقا وحرجا والله قد رفع الحرج عن هذه الأمة.
قوله: (وإقبال على ذكر قل سرا، كتأمين وتعوذ عند ذكر السبب، كحمد عاطس سرا. ونهي خطيب، أو أمره وإجابته) أي وجاز الإقبال على ذكر حالة الخطبة بشرطين أن يكون الذكر قليلا وأن يكون سرا، وكذلك الصلاة على النبي ﷺ تجوز سرا.
قوله: كتأمين يحتمل التشبيه في التقليل وفي السر ويحتمل التشبيه في الجواز، وكذلك التعوذ عند ذكر ما يتعوذ منه كالنار والشيطان، وكذلك يجوز وقت الخطبة حمد عاطس سرا. انتهى.
وكذلك يجوز للخطيب النهي عن المنكر والأمر بالمعروف في خطبته، وكذلك يجوز لمن كلمه الخطيب أن يجيبه عن كلامه فلا يعد به لاغ.
[مكروهات الجمعة]
قوله: (وكره ترك طهر فيهما والعمل يومها) لما فرغ من الجائزات جعل يذكر المكروهات أي وكره للخطيب ترك طهر في الخطبتين بل يندب له أن يكون متطهرا فيهما، وكذلك يكره ترك العمل في يوم الجمعة كما تفعل اليهود في السبت والنصارى في يوم الأحد، هذا إذا تركه لذلك، وأما إذا تركه للراحة فلا بأس به.
قوله: (وبيع كعبد بسوق وقتها، وتنفل إمام قبلها) أي وكره للعبد وشبهه من صبي وامرأة أن يبيع سلعته في السوق وقت الخطبة، وأما في غير السوق كالدور فلا يكره له، وكذلك يكره للإمام التنفل في الجامع قبل الصلاة إن كان إنما دخل للصلاة وإلا فيجوز له، وأما بعد الصلاة فلا يتنفل في المسجد اتفاقا.
قوله: (أو جالس عند الأذان، وحضور شابة) أي وكره التنفل لجالس عند سماع الأذان الأول كما يفعله أهل مصر لا إن استمر به التنفل إليه، وكذلك يكره حضور شابة للجمعة إن لم يخش منها الفتنة، وأما إذا كانت ممن تخشى منها الفتنة فلا تخرج لها أصلا.
قوله: (وسفر بعد الفجر، وجاز قبله، وحرم بالزوال) أي وكره لمن تلزمه الجمعة أن يسافر بعد الفجر يوم الجمعة لئلا يفوته ما في حضورها من الخير الكثير، وجاز له السفر بلا كراهة قبل طلوع فجر يومها، ويحرم عليه السفر إذا زالت عليه الشمس وهو بالبلد أو حيث تلزمه.
[ ١ / ٣٧٦ ]
قوله: (ككلام في خطبتيه بقيامه وبينهما ولو لغير سامع، إلا أن يلغو على المختار) أي كما يحرم الكلام لحاضر الجمعة وقت الخطبة مع قيامه وبين الخطبتين، ولو كان غير سامع للخطبة لبعد أو صمم ظاهره ولو من في خارج المسجد إلا أن يلغو الخطيب فإنه للسامع الكلام على ما اختاره اللخمي من الخلاف، وهو خلاف ظاهر المدونة والرسالة. انتهى.
وقيل: فيه نزل قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. انتهى.
وسئل بعض فقهاء افريقية عن الخطيب الذي يكذب في خطبته بمدح الظلمة. فأجاب: إذا كان يريد بذلك التقرب والتودد إليهم وتعطفهم عليه فهو جرحة، وإن كان يخاف على نفسه فالصلاة خلفه جائزة.
فالخطب ثلاثة أقسام قسم ينصت فيه وهي خطبة الجمعة، وقسم لا ينصت فيه وهو خطب الحج كلها، وقسم اختلف فيه وهي خطب العيدين والاستسقاء. انتهى.
قوله: (وكسلام ورده، ونهي لاغ، وحصبه أو إشارة له) أي ويحرم السلام على أحد في وقت الخطبة، ولا يرد السلام على من سلم عليه، وكذلك يحرم عليه أن ينهي لاغ في وقت الخطبة ولا يرمه بحصباء ولا يشير له لينتهي، لأن ذلك يؤدي إلى اشتغاله عن سماع الخطبة.
قوله: (وابتداء صلاة بخروجه. وإن لداخل) أي وحرم عليه ابتداء صلاة عند خروج الإمام على الناس أي ظهوره وإن كان داخلا الآن وهو مذهب المدونة وهو الأصح. وقال السيوري: والأولى له أن يركع التحية فلما حرم ابتداء الصلاة على الداخل حينئذ والجالس أحرى منه (^١).
قوله: (ولا يقطع إن دخل) قال البساطي: أي ولا يقطع هذا المبتدئ الصلاة. قال غيره من الشراح: ولا يقطع من كان في صلاة إن دخل الإمام، ولكن يخفف ولا يدعو في التشهد.
قال البرزلي: إذا خرج الإمام يوم الجمعة وهو يصلي النافلة أتمها، وإن ابتدأها وهو جالس على المنبر وقام يخطب، ففي التمادي وهو قول سحنون وابن وهب،
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٣٧ بالمعنى
[ ١ / ٣٧٧ ]
والقطع وهو قول ابن شعبان. انتهى (^١).
قوله: (وفسخ بيع وإجارة وتولية وشركة وإقالة وشفعة) إلى آخر ما ذكر أي وفسخ عقد بيع أو إجارة أو تولية أو شركة أو إقالة أو شفعة عند أذان ثان، والفسخ يتضمن التحريم، والتحريم لا يتضمن الفسخ سواء تقدم الأذان العقد أو قارنه، سواء اعتاد ذلك أم لا.
قوله: (بأذان ثان، فإن فات فالقيمة حين القبض) قلت: الأذان الذي يجب به السعي ويحرم الإشتغال عنه بغيره وهو أذان جلوس الإمام على المنبر في حق من يدرك الجمعة لسعيه حينئذ فيجب عليه السعي، وأما من بعد فيجب عليه السعي بمقدار ما يدرك به أقل ما تدرك به الجمعة. وعلى القول بوجوب سماع الخطبة، يجب السعي بمقدار ما يدرك به سماعها.
ولوجوب السعي لسماع أذان الجلوس جعله ابن عبد الحكم واجبا (^٢). إكمال الإكمال (^٣).
وقوله: فسخ لفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر، والفسخ لمالك في المدونة وهو المشهور.
وقال في المجموعة: البيع ماض وليستغفر الله، وقال المغيرة: يفسخ ما لم يفت، فإن فات بتغير الأسواق مضى بالثمن، وقال ابن القاسم وأشهب في الواضحة: يفسخ ما لم يفت فإن فات مضى بالقيمة. خ (^٤).
المشهور يفسخ البيع فيه إلا إذا كان محدثا ولم يجد ما يتطهر به إلا بالشراء، فإنه يجوز له حينئذ الشراء، لأن الشراء عون على إدراك صلاة الجمعة، وكذلك إذا كان به عطش لا يقدر معه على الصبر ولم يجد الماء إلا ببيع، نص ابن أبي زيد على الأول وابن بشير على الثاني، وهل يرخص للبائع هنا كما رخص للمشتري تردد فيه شيوخ ابن ناجي، وإنما تعتبر القيمة إذا فات يوم القبض لا وقت العقد ولا وقت الفوات.
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٥٠٠
(٢) المختصر الكبير لابن عبد الحكم، باب النداء صلاة الجمعة ومواقيتها، ص: ٨٠
(٣) إكمال الإكمال للآبي: ج ٣، ص: ٢٠٢.
(٤) خ: يشير والله أعلم بخاء لتبصرة اللخمي، وهذا نص ما ذكره اللخمي في تبصرته: ج ٢، ص: ٥٧٣.
[ ١ / ٣٧٨ ]
قوله: (كالبيع الفاسد) هو تشبيه الشيء بنفسه أي كسائر البيوع الفاسدة.
قوله: (لا نكاح وهبة وصدقة) أي لا يفسخ عقد النكاح والهبة إن عقدا عند الأذان الثاني وكذلك عقد الصدقة.
وقال ابن القاسم في العتبية: النكاح يمضي بالعقد ولا يفسخ.
قال: والهبة والصدقة نافذة إلا في البيع.
وقال أصبغ في النكاح: يفسخ لأنه بيع.
قال الشيخ: قول ابن القاسم في هذا أحسن، فلا يفسخ النكاح ويحتاط للفروج، ولا يباح لأحد مع قوة الخلاف، وتمضى الهبة والصدقة بالعقد، بخلاف البيع، لأنه في البيع يرد إلى كل واحد ماله، فلا يلحقه كبير مضرة، بخلاف الهبة والصدقة، لأنه ملك شيئا بغير عوض، فيبطل عليه. انتهى من اللخمي (^١).
ابن ناجي: واختلف في فسخ بيع من باع لخمس ركعات للغروب وعليه ظهر يومه وعصره.
فقال إسماعيل القاضي (^٢) وأبو عمران: يفسخ.
وقال سحنون: لا يفسخ، وصوبه ابن محرز وغيره، وفرقوا بأن الجمعة لا تقضى. انتهى (^٣).
قوله: (وعذر تركها والجماعة)، هذا شروع منه تخلله في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة فقال: شدة وحل ومطر، أو جدام ومرض، وتمريض، وإشراف قريب ونحوه، وخوف على: مال، أو حبس، أو ضرب والأظهر والأصح أو حبس معس أي وعذر ترك حضور صلاة الجمعة لمن تلزمه أو حضور الجماعة شدة وحل وهو طين رقيق. قاله الجوهري.
لو قال الشيخ: وشدة كطين ليشمل الطين وغيره. الوحل بفتح الحاء وسكونها. ومن الأعذار المسقطة لها شدة جذام أو نحوه، وشدة مرض به، وشدة تمريض وهو القيام بالمريض وإن لم يكن قريبا، والتمريض واجب على القريب أو الصاحب أو
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٥٧٥.
(٢) القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق البغدادي: كان فقيها حافظا سمع أباه وابن المديني وغيرهما من مؤلفاته: أحكام القرآن والمبسوط في الفقه وغيرهما. كان مولده سنة: ٢٠٠ هـ ومات سنة: ٢٨٤ هـ أو ٢٨٢ هـ. شجرة النور الزكية:
(٣) ابن ناجي في شرحه للرسالة: ج ١، ص: ٢٤٦.
[ ١ / ٣٧٩ ]
الجيران أو المسلمين إن لم يكن هؤلاء، ومنها إشراف قريب ونحوه من زوجة أو مملوك أو معلم أو صديق على الموت، وفي بعض الطرر ونحوه بالضم معطوف على إشراف كتجهيزه إذا خيف عليه التغيير ومن الأعذار المسقطة لهما خوف على المال من سرقة أو غصب وغير ذلك من خوف حبس أو ضرب والأظهر عند ابن رشد والأصح عند غيره أن من الأعذار خوف حبس وهو معسر لأنه مظلوم في الباطن إذ لا حبس على معدم وهو غير مظلوم في الظاهر.
قوله: والأصح صوابه والمختار لأن اللخمي له الإختيار هنا.
قوله: (وعري، ورجاء عفو قود، وأكل كثوم) أي ومن الأعذار المسقطة لحضور الجمعة والجماعة عري يضر بمثله، ومنها رجاء عفو قود، كان القود نفسا أو دونها ورخص له وإن كان ظالما، ومنها أكل ثوم.
لو قال الشيخ: أكل كثوم لأشمل كل ما له رائحة كريهة. وفي إكمال الإكمال: قال المازري: وألحق أهل المذهب بذلك أهل الصنائع المنتنة كالحواتين والجزارين.
قلت: وألحق الشيخ بذلك كثير الصنان والبرص الذي يتأذى بريحه. وأفتى ابن رشد بمنع ذي البرص أن يبيع المعجون.
عياض: قال الخطابي (^١): وعد قوم أكل الثوم من الأعذار المبيحة للتخلف عن صلاة الجمعة والجماعة لهذ الحديث ولا حجة فيه لأن الحديث إنما ورد مورد التوبيخ والعقوبة لأكلها بما حرمه من فضل الجماعة.
قالوا: وتخصيص النهي بالمساجد يدل على جواز دخول الأسواق وغيرها لأنه ليس لها حرمة المسجد ولا هي محل الملائكة ﵈، ولأنه إذا تأذى أحد بذلك في سوق تنحى إلى غيره وليس ذلك في المسجد لأنه ينتظر الصلاة ولو خرج فاتته. انتهى (^٢).
قوله: (كريح عاصفة بليل) وهذا بالنسبة إلى حضور الجماعة لأن الجمعة لا تكون في ليل.
_________________
(١) حمد بن محمد الخطابي السبتي أبو سليمان محدث من مؤلفاته: معالم السنن. كان مولده سنة: ٣١٩ هـ ومات سنة: ٣٨٨ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٢، ص: ٢٧٣.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٤٦٦/ ٤٦٧.
[ ١ / ٣٨٠ ]
قال اللخمي: وكذلك شدة البرد.
وقوله: بليل مفهومه أن الريح العاصفة في نهار لا يعذر به.
وقيل: الليل ليس بشرط، وكذلك النهار إذا اشتدت الريح أو كان هو ضعيفا. انتهى. قال ﵊: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» (^١) عياض:
الصبا الريح الشرقية وهو مقصور، والدبور بفتح الدال الريح الغربية (^٢).
قوله: (لا عرس، أو عمى، أو شهود عيد، وإن أذن الإمام) أي والعرس هو النكاح ليس بعذر يسقط الجمعة والجماعة وإن كانت العروس بكرا، وكذلك العمى ليس من الأعذار المسقطة لهما وأطلق الشيخ فيه ولم يقيده بقائد ولا بأن يهتدي بنفسه والشارح قيده بذلك، وكذلك شهود عيد ليس من الأعذار المسقطة لحضور الجمعة يومها وأن لأهل العوالي وإن أذن لهم الإمام في التخلف عنها بل عليهم أن يحضروها لأن العيد سنة فلا يسقط الفرض.
فصل [في صلاة الخوف]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل صلاة الخوف ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب، الخوف غم على ما يأتي والحزن غم على ما فات جعلنا الله من الذين ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [٦٢: يونس].
تنبيه: شرعية صلاة الخوف تدل على أن مصلحة الوقت الاختياري أعظم من مصالح استيفاء الأركان وحصول الخشوع واستقبال القبلة وإلا لجوز الشرع التأخير للأمن مع أنا لم نشعر بمصلحة الوقت البتة ويتحقق شرف هذه المصالح، ونظيره الصلاة بالتيمم تدل على أن مصلحة الوقت أعظم من مصلحة طهارة الماء. انتهى من الذخيرة (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، ٢١ - كتاب الاستسقاء، ٢٥ - باب قول النبي ﷺ (نصرت بالصبا) الحديث ٩٨٨. وأخرجه مسلم في صحيحه (٩) - كتاب الاستسقاء (٤) - باب في ريح الصبا والدبون، الحديث: ٩٠٠.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٢٨٧.
(٣) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٤٤٣.
[ ١ / ٣٨١ ]
وقوله: (رخص لقتال جائز) أي هذا حكم صلاة الخوف، الرخصة ما شرع على وجه التخفيف والمسامحة وهو خلاف الرسالة أنها سنة وضعف لأنه لو كانت سنة لأعادوا في الوقت.
وقوله: رخص لقتال جائز أي إنما رخص لصلاة الخوف لأجل قتال جائز كقتال الكفار والمحاربين لا في قتال حرام كالفتنة بين المسلمين والهزيمة الممنوعة إذ لا يرخص للعاصي.
وقوله: (أمكن تركه لبعض: قسمهم، وإن وجاه القبلة) أي أمكن ترك القتال لبعضهم وإن لم يكن فسيأتي ذكره. وقوله: قسمهم نائب عن الفاعل أي رخص قسمهم وإن وجاه القبلة أي وإن كان العدو من جهة القبلة خلافا لمن قال: إذا كان العدو من جهة القبلة لا يرخص لهم صلاة الخوف وما ذكره الشيخ هو المشهور الوجاه بضم الواو وكسرها المقابلة.
وقوله: (أو على دوابهم) أي وإذا كان المقاتلين على دوابهم لمشقة النزول.
وقوله: (قسمين) أي وقسمهم الإمام جزئين متساويين أو متفاوتين.
قوله: (وعلمهم) أي وعلم الإمام القوم كيفية صلاة الخوف وهي كصلاة الأمن في العدد في الحضر وفي السفر ولا يعتبر الخوف في أعدادها.
قوله: (وصلى بأذان وإقامة بالأولى في الثنانية ركعة، وإلا فركعتين، ثم قام ساكتا أو داعيا أو قارنا في الثنانية، وفي قيامه بغيرها تردد) شروع منه في تبيين الكيفية أي وصلى الإمام فيها بأذان وإقامة بالطائفة الأولى في الثانية كالصبح أو الظهر أو العصر أو العشاء في السفر ركعه وإلا أي وإن لم تكن الثنائية بل رباعية أو ثلاثية فإنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين ثم يقوم من جلوسه في حال كونه ساكتا في قيامه ذلك في الكل أو داعيا أو مهللا أو مسبحا أعني بالكل الثنائية وغيرها أو قارئا في الثانية لأنه يقرأ فيها سورة وفي قراءته في قيامه في غير الثنائية تردد، وما قاله الشارح هنا ليس ببين الكمال لله لا لغيره.
قوله: (وأتمت الأولى وانصرفت ثم صلى بالثانية ما بقي وسلم. فأتموا لأنفسهم) أي وإذا قام الإمام ينتظر الطائفة الثانية أتمت الطائفة الأولى صلاتهم وانصرفوا اتجاه العدو، ثم صلى بالطائفة الثانية ما بقي من صلاته ويسلم فيتموا لأنفسهم كالمسبوق.
[ ١ / ٣٨٢ ]
وقوله: (ولو صلوا بإمامين أو بعض فذا جاز) أي ولو صلوا المقاتلين بإمامين، أو بعضهم بإمام وبعضهم فذا جاز، وفي الحرب شغل.
قوله: (وإن لم يمكن أخروا لآخر الاختياري، وصلوا إيماء) أي وإن لم يمكن تركه لبعض لأجل كثرة العدو أو شجاعتهم، أخروا الصلاة إلى آخر المختار حيث إذا سلموا منها خرج الوقت وصلوا حينئذ إيماء كيف ما أمكن لهم إذا كانوا على طهارة أو أمكنهم التيمم وإن لم يكونوا على طهارة ولم يمكنهم التيمم فإن الصلاة تسقط وقد تقدم فيمن لم يجد ماء ولا صعيدا.
وقوله: (كأن دهمهم عدو بها) تشبيه أي كما يصلوا إيماء إذا غشيهم العدو وهم في أثناء الصلاة صلوا إيماء آخذين سلاحهم لأن الصلاة على قدر الطاقة.
قوله: (وحل للضرورة مشي وركض، وطعن، وعدم توجه وكلام) أي وحل للمقاتل لأجل الضرورة مشي في أثناء الصلاة وركض فيها وطعن وعدم توجه للقبلة إذ شرط الاستقبال الأ من ويجوز له الكلام فيها إذا اضطر إليه لكتنبيه ولو كان الكلام في غير إصلاح الصلاة.
قوله: (وإمساك ملطخ) أي ويجوز إمساك سلاح ملطخ بدم أو غيره إذا كان لا يتسغني عنه أو يستغني عنه وخاف تلفه وإلا فلا يمسكه.
قوله: (وإن أمنوا بها أتمت صلاة أمن) أي وإن أمن المقاتلون في أثناء الصلاة أتموا ما بقي منها صلاة أمن لأن المعذور إذا زال عذره انتقل عما كان فيه للأعلى منه.
وقوله: (وبعدها لا إعادة، كسواد ظن عدوا فظهر نفيه) أي وإن حصل لهم الأمن من العدو بعد أن صلوا صلاة الخوف فلا إعادة عليهم كمالا إعادة عليهم إذا رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا صلاة الخوف ثم ظهر أن ذلك السواد ليس بعدو، والسواد شخص، وقيل: عدد كثير.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: الله اعلم بالمراد هنا بالسواد عدد كثير.
قوله: (وإن سها مع الأولى سجدت بعد إكمالها، وإلا سجدت القبلي معه، والبعدي بعد القضاء) أي وإن سهى الإمام مع الطائفة الأولى سجدت بعد إكمالها صلاتها كان السجود قبليا أو بعديا وإلا أي وإن كان سهوه مع الطائفة الثانية سجدت القبلي معه والبعدي بعد القضاء لما فاتها، وسكت الشيخ عن سجود الطائفة الثانية لسهو الإمام مع الأولى.
[ ١ / ٣٨٣ ]
قال صاحب مغني النبيل: وكذلك تسجد لسهوه مع الأولى.
قوله: (وإن صلى في ثلاثية أو رباعية بكل ركعة بطلت الأولى، والثالثة في الرباعية) أي وإن صلى الإمام في صلاة ثلاثية أو رباعية بكل طائفة ركعة فإن صلاة الطائفة الأولى بطلت فيهما وكذلك تبطل صلاة الثالثة في الرباعية لأنهم فارقوا الإمام في غير موضع المفارقة وذلك كالقضاء قبل سلام الإمام.
وقوله: (كغيرهما على الأرجح، وصحح خلافه) أي كما تبطل صلاة غيرهما وهم الطائفة الثانية والرابعة في الرباعية على ما رجحه ابن يونس وهو قول سحنون وصحح خلاف هذا الترجيح وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وصلاة الإمام صحيحة، لأن علة البطلان هنا مفارقته والقضاء في حكمه في غير الوجه المرخص فيه.
فصل [في صلاة العيد]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل صلاة العيد ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب بدأ الشيخ فيه بالحكم. فقال: سن، خلافا لمن قال هو فرض كفاية.
قال صاحب إكمال الإكمال: قال ابن بشير: لا يبعد كونها فرض كفاية. ابن عبد السلام: واختاره بعض الأندلسيين. انتهى (^١).
وفيه: وكان للجاهلية يومان معدان للعب فعوض الله سبحانه منهما للمسلمين العيدين، لما يظهر فيهما من تكبير الله ﷾ وتحميده إغاظة للكفار، وقيل شرعت شكرا عند الفطر على إتمام الصوم، والأضحى على العبادة الواقعة في عشر ذي الحجة. انتهى (^٢).
قوله: (سن لعيد ركعتان لمأمور الجمعة، من حل النافلة للزوال) أي سن لأجل عيد ركعتان لمأمور الجمعة، وهو المخاطب بحضور العيد، وقد تقدم ذكر من تلزمه
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٢٥٥.
(٢) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٢٥٦.
[ ١ / ٣٨٤ ]
الجمعة من أهل بلد أو أخصاص من حر مكلف ذكر.
وقوله: لمأمور الجمعة متعلق بسن.
وقوله: ركعتان تبيين لقدر ما يصلى فيه.
وقوله: من حل النفل إلى الزوال تبيين للوقت الذي تصلى فيه فلا تصلى بعد الزوال، ولا عند طلوع الشمس. (ولا ينادى) لها: (الصلاة جامعة)، والصلاة منصوب على الإغراء، وجامعة حال.
قوله: (وافتتح بسبع تكبيرات بالإحرام، ثم بخمس غير القيام، موالى، إلا بتكبير المؤتم، بلا قول) لما فرغ من ذكر الحكم فيها وذكر قدرها وذكر من يخاطب بها ووقتها التي تقام فيه، شرع يذكر كيفيتها فقال: وافتتح أي مصليها الركعة الأولى بسبع تكبيرات فيها تكبيرة الإحرام، ثم الركعة الثانية بخمس تكبيرات غير تكبيرة القيام وهي ست بها، ويوالي التكبيرات إلا قدر ما يكبر فيه المأموم لئلا يخلط على المأموم بالإسراع ويكون في إمهاله ذلك بلا قول من تهليل أو تسبيح بل يسكت في خلال تكبيره حتى يكبر المؤتم وهو المراد بقوله: بلا قول، والشافعية يهلل أو يسبح.
قال صاحب إكمال الإكمال: قال المازري: قال بعض أصحابنا: على مذهبنا في أنه سبع في الأولى وست في الثانية معنى لطيف لأنه ﷺ أراد أن يجعل في هاتين الركعتين تكبير الأربعة ركعات، كما فعل في صلاة الكسوف، جعل في الركعتين ركوع أربع تضعيفا للأجر وكأن المصلي فعل أربع ركعات. انتهى (^١).
قوله: (وتحراه مؤتم لم يسمع) أي ويتحرى المؤتم وقت تكبير الإمام إذا كان في موضع لا يسمعه لبعد ثم لا شيء عليه إن أخطأ في تحريه فتقدم تكبيره عن تكبير الإمام.
قوله: (وكبر ناسيه إن لم يركع، وسجد بعده، وإلا تمادى) أي وإن نسي التكبيرات فإنه يكبرها إماما كان أو مأموما، ويعيد القراءة ما لم ينحن للركوع، وقد تقدم عند ذكر النظائر أن عقد الركوع في نسيان تكبير العيد هو الإنحناء وسجد بعده أي ويسجد بعد السلام لزيادته الفرق بينه وبين من زاد سورة في أخرييه أنه لا يسجد لأن الزيادة هنا متفق عليها وهناك غير متفق عليها بل استحبها بعضهم وإلا أي وإن لم يذكر حتى انحنى للركوع تمادى على صلاته لفوات التدارك (وسجد غير المؤتم
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٢٦٤.
[ ١ / ٣٨٥ ]
(قبله) أي وسجد غير المأموم وهو الإمام قبل السلام وأما المأموم فلا يسجد إن نسيها لأن الإمام حملها عنه.
قال في الرسالة: وكل سهو سهاه المأموم فالإمام يحمله عنه إلا ركعة أو سجدة (^١).
قال أشهب في كتاب محمد: وإن كبر الإمام في الأولى أكثر من سبع وفي الثانية أكثر من خمس لم يتبع (^٢).
قوله: (ومدرك القراءة يكبر) أي وإن فاتته التكبيرات مع الإمام ولكن أدرك القراءة فإنه يكبر التكبيرات كلها ولا يقال أنه قضاء في حكم الإمام لخفة الأمر في ذلك.
قوله: (فمدرك الثانية يكبر خمسا، ثم سبعا بالقيام) أي وإن فاتته الركعة الأولى مع الإمام وأدرك الثانية معه فإنه يكبر خمس تكبيرات لتكون له مع تكبيرة الإحرام ست ثم إذا قام لقضاء الأولى كبر لها سبعا بتكبيرة القيام وإليه أشار بقوله ثم سبعا بالقيام لأنه يقوم لها بتكبير لخصوصية العبد بزيادة التكبير (وإن فاتت) أي وإن فاتت الثانية أيضا كما إذا لم يدرك إلا التشهد (قضى) الركعة الأولى بست) تكبيرات (وهل) هذه الست (بغير) تكبيرة (القيام؟) وهو قول ابن رشد، عبد الحق يكبر ستا لا غير فيه (تأويلان).
قوله: (وندب إحياء ليلته، وغسل، وبعد الصبح وتطيب وتزين، وإن لغير مصل، ومشي في ذهابه) شروع منه ﵀ يذكر مندوبات العيد أي وندب إحياء ليلة العيد بالعبادة، روي: «من أحيا ليلة العيد أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب (^٣)» ومما يندب لمريد حضور العيد الغسل لجميع بدنه ويندب له أن يكون غسله ذلك بعد صلاة الصبح ومما يندب له التطيب فيه بروائح طيبة والتزين بما يليق بمثله وإن لغير مصل لأن التطيب والتزين لليوم لا للصلاة بخلاف الجمعة. انتهى.
وفي اكمال الإكمال واختلف السلف في خروج النساء فأجازه أبو بكر وعلي
_________________
(١) متن الرسالة: ص: ٣٤.
(٢) فتاوي البرزلي: ج: ١، ص: ٣٢٣.
(٣) أخرجه ابن الأعرابي في معجمه باب: من أحيى ليلة الصيد، الحديث: ٢١٩٤. عن ابن فردوس عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ: من أحيا ليلة العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب.
[ ١ / ٣٨٦ ]
وابن عمر ووغيرهم ومنعه عروة (^١) والقاسم (^٢) وأجازه مالك ويحيى ابن سعيد (^٣) للمتجالة دون الشابة.
قلت: هذا في خروجهن إلى الصلاة، وأما اليوم فلا يختلف في منعهن لأنهن لا يخرجن إلى الصلاة، ويتأكد على الرجل منع زوجته منه ولا يكون جرحة إن تركها لأنها لا تعرف عينها، ويتأكد المنع إذا كانت الزوجة تسرع إليها العيون. ورآ الأجمي (^٤) قاضي الأنكحة بتونس امرأة بالشارع على هذه الصفة فأرسل إلى زوجها وقدم إليهما أنه إن رآها بعد اليوم أدبه وأدبها. انتهى (^٥).
ومن قسم المندوبات لبس الثياب الجميلة في الأعياد، قال القاضي: ويتبع ذلك الزينة والطيب وما في معناه، وماهو من حقوق الآدميين مما يتجملون به ويدفع الإزدراء عنهم وهدم المروة. انتهى.
ومما يندب لمريد العيد مشي في ذهابه إليها لا رجوعه عنها لأنه في ذهابه عبد ذاهب إلى ربه ليتقرب إليه فينبغي أن يذهب راجلا متذللا وهو سير العبد إلى مولاه ففارق الرجوع. انتهى من اللخمي (^٦).
قوله: (وفطر قبله في الفطر، وتأخيره في النحر، وخروج بعد الشمس، وتكبير فيه
_________________
(١) عروة بن الزبير ابن العوام القرشي الأسدي كنيته أبو عبد الله وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق وهي ذات النطاقين، روى عن أبويه وخالته عائشة أم المؤمنين وعلي ابن أبي طالب وزيد أبي هريرة وغيرهم وروى عنه بنوه وعطاء ومجاهد والزهري وغيرهم وهو أحد الفقهاء السبعة. قال الزهري: عروة لا تكدره الدلاء. مات سنة: ٩٣ هـ. التعريف بالرجال المذكورين في جامع الأمهات لابن الحاجب تأليف: محمد بن عبد السلام الأموي ص: ١٤٩ - ١٥٠، الترجمة: ٤٤.
(٢) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أبو محمد أحد الفقهاء السبعة في المدينة، ولد فيها ومات حاجا أو معتمرا، وكان صالحا ثقة من سادات التابعين. الأعلام للزركلي: ج ٥، ص: ١٨١.
(٣) يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري كنيته أبو سعيد روى عن أنس وابن المسيب والقاسم وغيرهم. روى عنه مالك والليث وابن جرير وغيرهم. قال ابن حنبل: يحيى بن سعيد أثبت الناس وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث حجة. التعريف بالرجال المذكورين في.
(٤) هو الإمام القاضي أبو عبد الله محمد بن علي الأجمي التونسي قاضي الأنكحة بها ثم الجماعة بعد ابن عبد السلام أخذ عنه ابن عرفة وغيره. مات سنة: ٧٤٩ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣٠١، الترجمة: ٧٦٤. وكفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج للشيخ أحمد بابا التمبكتي: ج ٢، ص: ٤٧، الترجمة: ٤٥٨.
(٥) إكمال الإكمال للآيي: ج ٣، ص: ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٦) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٦٣٠.
[ ١ / ٣٨٧ ]
حينئذ لا قبله، وصحح خلافه، وجهر به وهل لمجيء الإمام أو لقيامه للصلاة؟ تأويلان أي ويندب له أن يفطر يوم عيد الفطر قبل ذهابه إليها ليفرق بين يومه الذي وجب فيه الفطر وأمسه الذي حرم فيه، وندب له تأخير الفطر في يوم عيد الأضحى حتى يصلي ليأكل من كبد أضحيته، ومما يندب له أن يخرج إلى صلاة العيد بعد طلوع الشمس، وندب له التكبير في خروجه حينئذ فلا يندب له التكبير إن خرج قبل طلوع الشمس وصحح خلاف هذا وهو قول مالك أيضا، فيكبر في خروجه وإن قبل طلوع الشمس، ويندب له الجهر بالتكبير بحيث يسمع من يليه، وهذا أحد المواضع الذي يندب فيه الجهر بالذكر وهل منتهى هذا التكبير مجيء الإمام إلى المصلى أو إلى قيامه للصلاة وهو رواية ابن وهب فيه تأويلان للخمي وابن يونس.
قوله: (ونحره أضحيته بالمصلى، وإيقاعها به إلا بمكة، ورفع يديه في أولاه فقط، وقراءتها بكسبح والشمس، وخطبتان كالجمعة، وسماعهما، واستقباله، وبعديتهما، وأعيدتا إن قدمتا، واستفتاح بتكبير، وتخللهما به بلا حد) أي وندب لإمام صلاة عيد الأضحى نحر أضحيته إن كان مما ينحر أو ذبحه إن كان مما ذكاته الذبح في المصلى ليعلم الناس ذلك لئلا يذبحوا قبله، فلا ينحر الإمام أضحية قبل الخطبة فإن فعل أعاد، ومما يندب إيقاع صلاة العيد بالمصلى خارج البلد إلا في مكة زاده الله تشريفا فإنها تقام في مسجدها نص عليه مالك.
قال ابن بشير: لئلا يخرجوا عن الحرم، والحرم أفضل من خارجه واعترضه التادلي (^١) بأنه يلزم عليه ألا تقام خارج مسجد المدينة، وقد أقامها ﷺ خارجه بالمصلى، وإنما العلة والله أعلم هي أن في صلاتها في المسجد الحرام مشاهدة الكعبة وهي عبادة لما أخرجه الحافظ أبو عبد الله محمد (^٢) أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل كل يوم على البيت مائة وعشرون رحمة، ستون للطائفين، وأربعون للصملين، وعشرون للناظرين» (^٣)، وهذه الخصوصية مفقودة في غيره من المساجد. انتهى من
_________________
(١) أحمد بن عبد الرحمن التادلي الفاسي، فقيه أصولي. توفي بالمدينة من تصانيفه: شرح الرسالة ابن أبي زيد القيرواني وشرح عمدة الأحكام في الحديث. مات سنة: ٧٤١ هـ. معجم كحالة: ج ١، ص: ٢٦٥.
(٢) أبو عبد الله محمد
(٣) أخرجه الغزالي في إحياء علوم الدين: ج ١، ص: ٢٨٣، قال الحافظ العراقي في المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من أخبار وأخرجه ابن حبان في الضعفاء والبيهقي في الشعب =
[ ١ / ٣٨٨ ]
ابن ناجي (^١).
ومما يندب لمصلي صلاة العيدين أن يرفع يديه في أولى التكبير فيحرم بها لا غير أولاه وندب له أن يقرأ في الركعة الأولى ب ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١] وفي الثانية ب ﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١] ويندب له أن يخطب فيهما خطبتان كالجمعة في الصفة يجلس عند أولهما وبينهما، لا تشبيها بخطبة الجمعة في الحكم لأن خطبة العيد مستحب، وإن أحدث في أثنائها تمادى، ومما يندب سماع الخطبتين، واستقبال الإمام فيهما، وأن تكون الخطبتان بعد الصلاة وإن قدمتا عنها أعيدتا إن قرب وإلا فلا، ويندب للإمام أن يستفتح الخطبتان بالتكبير ويخللهما به ولا حد في كثرة ذلك ولا في قلته خلافا لمن حد.
وقال: يستفتح بسبع ثم ثلاث في أثناء الخطبة.
قوله: (وإقامة من لم يؤمر بها أو فاتته) أي وندب لمن لم يخاطب بها، وهو من لم يؤمر بالجمعة كالعبد والمسافر إقامة صلاة العيد، وإن أقامها المسافر فلا خطبة عليه وإن خطب فحسن، وهل يجتمعون أو يصلون أفذاذا فيه خلاف، وكذلك يندب إقامتها لمن فاتته.
قوله: (وتكبيره إثر خمس عشرة فريضة وسجودها البعدي من ظهر يوم النحر) أي يندب للمصلي أن يكبر في عيد الأضحى أيام التشريق إثر خمس عشرة صلاة فريضة وبعد سجوده البعدي ومبدأه ظهر يوم النحر.
ابن ناجي: وظاهره أن النساء يكبرن كغيرهن وهو كذلك.
وفي المختصر: لا يكبرن إلا أن يكون معهن رجل حكاه المازري وحكاه عبد الحميد (^٢) دون استثناء. انتهى (^٣).
لما بين قدر وقتها ومبدأها علمنا أن الصبح من يوم الرابع متنهاها.
_________________
(١) = من حديث ابن عباس بإسناد حسن، وقال أبو حاتم حديث منكر المغني عن حمل الأسفار بهامش الإحياء، الهامش: ٧، دار ابن هيثم القاهرة.
(٢) شرح الرسالة لابن ناجي: ج - ١، ص: ٢٥٦.
(٣) عبد الحميد بن أبي أويس المعروف بالأعمش روى عن خاله وابن عمه مالك بن أنس وغيره وروى عنه ابن عبد الحكم وغيره وخرج له الشيخان ومات سنة: ٢٠٢ هـ شجرة النور الزكية: ج - ١، ص: ٨٤، الترجمة: ٥٢. والله أعلم.
(٤) ابن ناجي في شرح الرسالة بتصرف: ج - ١، ص: ٢٥٩
[ ١ / ٣٨٩ ]
قال ابن العربي: والحكمة في ذلك ما ذكره علماؤنا الإقبال على الذكر عند قضاء المناسك شكرا على ما أولى نا من الهداية وأنقذ به من الغواية وبدلا عما كانت الجاهلية تفعله من التفاخر بالآباء وتعداد المناقب. انتهى (^١).
قوله: (لا نافلة ومقضية فيها مطلقا، وكبر ناسيه إن قرب والمؤتم إن تركه إمامه) أي لا يكبر أثر صلاة نافلة ولا إثر مقضية فيها أي في تلك الأيام سواء كانت المقضية من أيام التشريق أم لا وإليه أشار بقوله مطلقا، وكبر ناسي التكبيرات إن قرب والطول فيه مفارقة المجلس ويكبر المؤتم إن تركه إمامه.
قوله: (ولفظه وهو الله أكبر ثلاثا) أي ولفظ هذا التكبير الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاث مرات (وإن قال بعد تكبيرتين:) منها ﴿لا إله إلا الله، ثم تكبيرتين ولله الحمد، ف﴾ ذلك (حسن).
قوله: (وكره تنفل بمصلى قبلها وبعدها. لا بمسجد فيهما) أي وكره التنفل في مصلى العيد قبل صلاتها وبعدها فلا يكره له ذلك قبلها ولا بعدها إذا صلى العيد بمسجد. انتهى.
وفي الواضحة قال مالك في قول الرجل لأخيه في العيد: تقبل الله منا ومنك، وغفر الله لنا ولك: ما أعرفه، ولا أنكره.
قال ابن حبيب لم يعرفه سنة، ولا أنكره لأنه قول حسن، ورأيت من أدركت من أصحابه لا يبدؤون به، ولا ينكرونه على من قاله لهم، ويردون عليه مثله، قال: ولا بأس به عندي أن يبتدئ به. انتهى من اللخمي (^٢).
وسمي العيد عيدا لعوده وتكرره.
وقيل: تفاؤلا ليعود على من أدركه، كما سميت القافلة قافلة تفاؤلا بأن يرجع المسافر، ويسمى اللديغ سليما تفاؤلا للسلامة. انتهى.
_________________
(١) أحكام القرآن لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي. راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد عبد القادر عطا: ج ١، ص: ١٢٦، دار الفكر.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٦٤٤
[ ١ / ٣٩٠ ]
فصل [في حكم صلاة الكسوف والخسوف]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه حكم صلاة الخسوف وكيفيتها ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب الأصل فيه قول النبي ﷺ: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة حتى تنجلي» (^١)، وقال تعالى: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن﴾ [فصلت: ٣٧].
وقوله: سن هذا هو الحكم على المشهور وقال بعضهم بل باتفاق المذهب وقال بعضهم بل بإجتماع العلماء.
قوله: (سن - وإن لعمودي ومسافر لم يجد سيره لكسوف الشمس - ركعتان سرا) أي وسن لأجل كسوف الشمس صلاة ركعتين وإن لعمودي وهو البدوي وأحرى الحضري أو كان مسافرا والمقيم أحرى وإنما تسن على مسافر إذا لم يجد سيره وأما إن جد به السير فلا تسن في حقه.
وقوله: سرا أي والقراءة فيها سرا لأنها نهارية لا خطبة فيها.
وقوله: (بزيادة قيامين وركوعين) تبيين لكيفية الصلاة في كسوف الشمس أي يزيد فيها قياما في الأولى والثانية، وزيادة ركوع فيهما، والركوع الثاني من كل ركعة هو الأصل والأول زائد.
قوله: (وركعتان ركعتان لخسوف قمر كالنوافل جهرا بلا جمع) أي وسن لأجل خسوف القمر صلاة ركعتين ركعتين إلى أن ينجلي كالصلاة المعهودة في النوافل وقال بعضهم: المشهور في صلاة خسوف القمر أنها فضيلة لا سنة وتجهر فيها القراءة لأنها صلاة ليل.
وقوله: بلا جمع أي فلا يؤمرون بالجمع في صلاة خسوف القمر، فيصلونها في بيوتهم أفذاذا ولا يكلفون الخروج إلى المسجد ليلا للمشقة في ذلك عليهم خوفا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٢) - كتاب الكسوف (١٥) - باب الدعاء في الكسوف، الحديث: ١٠١١. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٥) - كتاب الكسوف (١) باب صلاة الكسوف، الحديث: ٣ - (٩٠١).
[ ١ / ٣٩١ ]
من الضرر، وهذا هو المعروف من المذهب.
قال مالك في المجموعة: يفزع الناس في خسوف القمر إلى الجامع ويصلون به أفذاذا (^١).
قوله: (وندب بالمسجد، وقراءة البقرة، ثم موالياتها في القيامات، ووعظ بعدها) أي وندب إيقاع صلاة كسوف الشمس في المسجد لا في المصلى، لأنهم إذا خرجوا إلى المصلى يخافون فواتها بالإنحناء، ولأنها في نهار ولا ضرورة على الناس في الجمع فيه، ويندب فيها قراءة سورة البقرة في القيام الأول، ثم قراءة السورة التي تلي سورة البقرة في القيامات الباقية، ويقرأ أم القرآن في كل قيام، وندب له أن يعظ الناس بعدها ويذكرهم ما يؤولون إليه.
قوله: (وركع كالقراءة) أي ويركع فيها ركوعا طويلا كالقراءة التي تقدم ذكرها (وسجد) سجودا طويلا (كالركوع) المتقدم.
قال في الطراز: فإن سهى عن طوله سجد لأنه من سننها فأشبه تكبيرات العيد، وهذا كله مع اتساع الوقت (^٢) وإلا فلا، وهذا خلاف الرسالة لأنه قال: فيها سجدتين تامتين (^٣)، ولا يدعوا في الركوع ولا يقرأ فيه بل يسبح أو يهلل. انتهى.
قال في اكمال الإكمال: وقوله: آية من آيات الله.
قال عياض: في كل شيء آية. ولكن لما كانت الجاهلية تعتقد أنهما إنما يخسفان لموت عظيم، والمنجمون يعتقدون تأثيرهما في العالم، وكثير من الكفرة يعتقد تعظيمهما لكونهما أعظم الأنوار، حتى أفضت الحال إلى أن عبدهما كثير منهم خصهما ﷺ بالذكر تنبيها على سقوطهما عن هذه المنزلة، لما يعرض من النقص لهما وذهاب ضوئهما الذي عظما في النفوس من أجله. وأيضا فلما جاء أن الساعة تكون وهما مكسوفان، ولذا قال في الآخر: «فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة» (^٤).
وأيضا فإن غيرهما من الآيات كطلوعهما وشروقهما وجري البحار وتفجير
_________________
(١) التوضيح: ج ٢، ص: ٩٣.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ١، ص: ٢٧٨.
(٣) متن الرسالة. ١٨ - باب في صلاة الخسوف: ص: ٤٦.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (١٠) - كتاب الكسوف. (٥) - باب ذكر النداء بصلاة الكسوف. الحديث: ٩١٢.
[ ١ / ٣٩٢ ]
الأنهار ونمو الثمار مألوف، وهذه غير مألوفة في سائر الأوقات، ولهذا أشار بقوله في الآخر: «يخوف بهما عباده (^١)» قلت: واختلف في سبب الكسوف والخسوف.
فقال ابن العربي وغيره هما أثران يخلقهما الله تعالى متى شاء في جزء من الشمس والقمر دون توقف على سبب أو ربط باقتران.
قال بعضهم: وهذا هو مذهب أهل التوحيد.
قال عياض: هما خلقان من خلقه يحدث فيهما ذلك للتخويف، وهما مفترقان في كشف ما نزل بهما من ذلك إلى دعاء بني آدم لا كما يقوله من يعتقد تأثيرهما في العالم بالكون والفساد. انتهى (^٢).
قوله: (ووقتها كالعيد) لما ذكر الحكم والكيفية شرع يذكر الوقت الذي تقام فيه أي ووقت صلاة كسوف الشمس كوقت صلاة العيد، وهو من حيث تجوز صلاة النفل من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال، فإن طلعت مكسوفة فلا يصلى لها إلى أن يحل وقت النفل.
قوله: (وتدرك الركعة بالركوع) أي وتدرك الركعة في صلاة الكسوف بالركوع الحقيقي ولو في الركوع الثاني لأنه الأصل.
قوله: (ولا تكرر. وإن انجلت في أثنائها، ففي إثمامها كالنوافل قولان) أي فإن تمت الصلاة وهي لم تنجل لا تكرر لها الصلاة، وإن انجلت في أثناء الصلاة ففي إتمامها كصلاة النوافل فيفرد الركوع أو يتم على هيأتها من غير إطالة فيه قولان. وظاهر كلام الشيخ عقد ركعة أم لا.
وقال بعضهم: هذا إذ انجلت بعد عقد ركعة منها وأما إذا انجلت قبل عقد ركعة ففي قطعها أو إتمامها كالنوافل قولان.
قوله: (وقدم فرض خيف فواته) أي كان الفرض صلاة أو غيرها، فإن قيل ما الفرض في وقت صلاة الكسوف قلت جنازة خيف عليه التغير بالتأخير، وإن طلع القمر مخسوفا في وقت المغرب قدم صلاة المغرب لأنها فرض وإن خسف بعد طلوع الفجر فلا يصلي له للاستغناء عنه بضوء النهار.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٢) - كتاب الكسوف (٦) - باب قول النبي ﷺ: (يخوف الله عباده بالكسوف). الحديث: ١٠٠١.
(٢) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٢٩١ - ٢٩٢ - ٢٩٨.
[ ١ / ٣٩٣ ]
قوله: (ثم كسوف، ثم عيد، وأخر الاستسقاء ليوم آخر) أي ثم صلاة كسوف تقدم لخوف فواتها ثم صلاة عيد بعدها واعترض بأن الكسوف أكثر ما يكون في آخر الشهر والعيد في أوله فلا يلتقيان عادة ورد الاعتراض بأنه تقدير أن لو وقع ورد هذا بأن الفقهاء ليس من عادتهم التقدير ويقدم العيد على الاستسقاء لأن العيد يوم تجمل وفرح، والاستسقاء يوم رهبة وسكون، فيؤخر الاستسقاء ليوم آخر إن أمكن تأخيره وإن لم يمكن تأخيره لخوف عطش أقاموه قبل العيد.
فصل [في صلاة الاستسقاء]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه حكم صلاة الإستسقاء وقدرها وما يتعلق بذلك، وبدأ فيه بالحكم فقال: (سن الاستسقاء لزرع، أو شرب بنهر، أو غيره وإن بسفينة ركعتان جهرا) أي من صلاة الإستسقاء أي لطلب السقي لأجل زرع لم ينبت، أو نبت وخافوا عليه العطش، أو احتاجوا الشرب لأنفسهم أو دوابهم، لأجل تخلف نهر كنيل مصر أو غيره أو احتاجوا المطر أو غور عين، ويستسقون للشرب وإن كانوا في سفينة بحر مالح، أو كان في غير إبان المطر، ولا يقال أنهم طلبوا خرق العادة.
وقوله: ركعتان تبيين لقدر صلاتها أي وصلاة الإستسقاء قدرها ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، لأنها صلاة فيها خطبة، وينبغي أن يؤمهم فيها صالحهم لمظنة الإجابة.
قوله: (وكرر إن تأخر) أي وكرر فعل الاستسقاء إن تأخر المطلوب وهو السقي، والأصل في تكرره قوله ﷺ: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي (^١) فيتحسر عند ذلك ويدع الدعاء» (^٢). انتهى.
كرر الاستسقاء في مصر وفيهم ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون خمسة
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٨٣) - كتاب الدعوات (٢١) - باب يستجاب للعبد ما لم يعجل الحديث: ٥٩٨. أخرجه مسلم في صحيحه (٤٨) - كتاب الذكر والدعاء. (٢٥) - باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل. الحديث: ٢٧٣٥.
(٢) أخرجه بهذه الزيادة: سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني في مسند الشاميين الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الأولى: ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٤ م. تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وعشرين يوما. انتهى (^١).
وقد يؤخر الله تعالى إجابة عبده وهو يحبه ليسمع تضرعه، ويعجل إجابة الفاجر كراهية له.
قوله: ﴿وخرجوا ضحى﴾ أي ويخرج المستسقون وقت الضحى.
وقال في الكسوف ووقته كالعيد ولم يقله هنا.
وقوله: ﴿مشاة، ببذلة وتخشع:﴾ اللخمي لأنه صفة سير المذنب إذا أخذ بذنبه وكان يسعى في الفكاك أي ويخرجون إليها مشاة على أرجلهم لا بسين البذلة من الثياب وهي التي لا تصان متذللين متخشعين.
ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ إلى الاستسقاء متبذلا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى (^٢).
وقوله: ﴿مشايخ ومتجالة، وصبية﴾ أي فيهم مشايخ إذ هم مظنة الإجابة وتخرج إليه المتجالة وهي التي لا إرب للرجال فيها ويخرج إليه الصبيان العقلاء (لا من لا يعقل منهم وبهيمة) خلاف لمن قال يخرج بها ولا بهيمة ﴿و﴾ لا ﴿حائض﴾ ولا شابة.
اللخمي: ولا يدعوا يومئذ للأمير، فليس هو يوم ذلك، ويخلص الأمر لله ﷾. انتهى (^٣).
قوله: ﴿ولا يمنع ذمي وانفرد لا بيوم﴾ أي من الخروج إلى الاستسقاء طلبا لرزقهم من خالفهم ولكن يكونوا منعزلين في ناحيتهم منفردين ولكن لا ينفردون بيوم ولا بساعة خشية أن يسبق القدر لسقياهم فيفتتن ضعفاء المسلمين، ولا يتقرب إلى الله سبحانه بأعدائه. انتهى.
ويدعوا بالاستصحاء، إذا أضر المطر بالناس في زرعهم أو غير ذلك من أملاكهم. قاله اللخمي. انتهى (^٤).
عياض: قوله ﵊: «اللهم حوالينا ولا علينا» (^٥) فيه أدبه الكريم
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ١٧٨.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٣) - باب الاستسقاء (١) - باب حدثنا أحمد. الحديث: ١١٦٣
(٣) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٦٢٣
(٤) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٦٢٠
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (١٧) - كتاب الجمعة (٣٣) - باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، الحديث: ٨٩١. وأخرجه مسلم في صحيحه (٩) - كتاب الاستسقاء (٢) - باب الدعاء في
[ ١ / ٣٩٥ ]
وخلقه العظيم، إذ لم يدع برفعه لأنه رحمة بل دعا بكشف ما يضرهم وتصييره إلى حيث يبقى نفعه وخصبه، ولا يستضر به ساكن ولا ابن سبيل. انتهى (^١).
قوله: (ثم خطب كالعيد وبدل التكبير بالاستغفار، وبالغ في الدعاء آخر الثانية مستقبلا) أي في الصفة بأن يجلس أولهما وبينهما ويستقبل الناس بوجهه مستدبرا القبلة ثم يخطب ثم يحول وجهه ويستسقي مستقبلا للقبلة مستدبرا على الناس وبعض الأئمة يعلمهم أن ما أصابهم مما كسبت أيديهم وبدل التكبير الذي في خطبة العيد بالإستغفار لأنه مظنة الغيث لقوله تعالى: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ [نوح: ١٠ - ١١] ويبالغ في الدعاء آخر الخطبة الثانية مستقبلا.
قال في إكمال الإكمال: استحب مالك في الدعاء أن يكون ظهر كفيه إلى السماء وبه فسر الرهب في قوله تعالى: ﴿ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ [الأنبياء: ٩٠] قالوا وأما عند المسألة فيجعل ظهورهما إلى الأرض، وبه فسر الرغب.
قال ابن عطية (^٢): ووجه ذلك أن الراغب لما كان طالبا وكان الكف آلة الأخذ ناسب أن يبسط نحو المطلوب، ولما كان الرهب دفع مضر حسن معه نبذ الأشياء وتركها خلف. انتهى (^٣).
قوله: (ثم حول رداءه: يمينه يساره) ظاهره أن التحويل بعد الدعاء وهو خلاف المدونة والرسالة وغيرهما، ويحول ما على يمينه إلى يساره مبقيا حاشيته الأعلى أعلى فلا ينكس خلافا لمن قال: ينكس بأن يجعل ما كان أعلى أسفل وهذا التحويل تفاؤلا أي يتحول الحال عما هي عليه من الجدب إلى الخصب ومن العطش إلى السقي ومن الشدة إلى الرخاء. انتهى.
وفي إكمال الإكمال وذكر الواقدي (^٤) أن رداءه ﷺ كان طول ستة أذرع في
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٢٨١.
(٢) عبد الحق بن غالب بن عطية الغرناطي أبو محمد مفسر وفقيه أندلسي من أهل غرناطة من مؤلفاته: المحرر والوجيز في تفسير الكتاب العزيز وغيره كان مولده سنة: ٤٨١ هـ ومات سنة: ٥٤٢ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٣، ص: ٢٨٢.
(٣) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٢٧٨. وتفسير ابن عطية: ج ٤، ص: ١١٩.
(٤) محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء المدني أبو عبد الله الواقدي من كتبه المغازي
[ ١ / ٣٩٦ ]
عرض ثلاثة وشبرين وأن إزاره ﷺ كان من نسج عمار (^١) طول أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر يلبسهما يوم الجمعة والعيد ثم يطويان وذكر أبو سعيد (^٢) أن رداءه ﷺ كان طول أربعة أذرع في عرض ذراعين وشبر (^٣).
قوله: (بلا تنكيس، وكذا الرجال فقد قعودا) أي يحول رداءه بلا تنكيس فلا يجعل الحاشية الأعلى أسفل خلافا لمن قال به، وكذلك الرجال يحولون أرديتهم بخلاف النساء لأن فيه كشفهن، والتحويل المذكور في الرجال إنما يكون في حال قعودهم.
قوله: (وندب خطبة بالأرض، وصيام ثلاثة أيام قبله، وصدقة ولا يأمر بهما الإمام بل بتوبة، ورد تبعة، وجاز تنقل قبلها وبعدها) أي وندب للإمام أن يخطب على الأرض لا على المنبر لأن ذلك أخشع له وأقرب للتواضع إذ هو يوم استكانة وخضوع، ومما يندب صيام ثلاثة أيام قبل الاستسقاء، وكذلك يندب صدقة قبله ولكن لا يأمر بهما الإمام أمر تكليف بل يأمر بهما أمر ندب ويأمر بتوبة ورد تبعة أمر تكليف ويأمرهم بالصدقة ترغيبا.
وفي إكمال الإكمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دعائم الإسلام المجمع على وجوبهما ولم يخالف فيه إلا من لا يعتد بخلافه من الروافض.
قال النووي: فإن احتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ [المائدة: ١٠٥] الآية ورد بأن معنى الآية عند المحققين إن امتثلتم لا يضركم تقصير من لم يمتثل. انتهى (^٤).
قال صاحب مغني النبيل: وليس من السنة الأمر بالصيام قبله واستحبه ابن حبيب. انتهى.
_________________
(١) = النبوية وتفسير القرآن وغيرهما. كان مولده سنة: ١٣٠ هـ ومات سنة: ٢٠٨ هـ. الأعلام للزركلي: ٣١١: ج ٦، ص
(٢) عمار بن ياسر العنسي أبو اليقظان أمه سمية كان من السابقين الأولين هو وأبوه وكانوا ممن يعذب في الله فكان النبي ﷺ يمر عليهم فيقول صبرا آل ياسر موعدكم الجنة وشهد المشاهد كلها ثم شهد اليمامة فقطعت أذنه بها ثم استعمله عمر علي الكوفة. روى عن النبي ﷺ وروى عنه من الصحابة ابن عباس وغيره قتل بصفين سنة سبع وثمانين في ربيع وله ثلاث وتسعون سنة. الإصابة: ج ٤، ص: ٥٧٥، الترجمة: ٥٧٠٨.
(٣) أبو سعيد تقدمت ترجمته
(٤) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٢٧٦.
(٥) إكمال الإكمال: ج ١، ص ٢٥١.
[ ١ / ٣٩٧ ]
وتجوز صلاة النفل في المصلى قبل صلاة الاستسقاء وبعدها.
قوله: (واختار إقامة غير المحتاج بمحله لمحتاج. قال: وفيه نظر) أي واختار اللخمي في نفسه إقامة غير المحتاج إلى الاستسقاء لمحتاج إليه لأنه من التعاون.
وقال المازري: وفي اختياره هذا نظر لأنه لم يقم على صلاتهم دليل، وأما الدعاء لمحتاج فمندوب (^١).
قال صاحب إكمال الإكمال: قلت: وصلاتها عند الخطبة إنما هو ما لم يؤد إلى أمر أشد احتيج إلى الاستسقاء بتونس مرارا وإمام جامعها الشيخ ولم يصلها بالناس. وقال: خفت إن صليتها أن يشتد أمر الطعام ويقوي الهرج والغلاء. انتهى (^٢).
ومن دعائه ﷺ في الاستسقاء: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت إلينا قوة وبلاغا إلى حين» (^٣)، ومنه «اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا» (^٤).
ومنه: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير آجال» (^٥)، ومنه «اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك على أرضك وأحي بلدك الميت» (^٦). انتهى.
_________________
(١) التوضيح: ج ٢، ص: ٩٤.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٢٧٤.
(٣) أخرجه أبو داوود في سننه (٢٥٨) باب رفع اليدين في الاستسقاء الحديث: ١١٧٠. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: (٨) كتاب صلاة الاستسقاء (٨) باب ذكر الأخبار التي تدل على أنه دعا أو خطب قبل الصلاة الحديث: ٦٦٣٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٢١) كتاب الاستسقاء، (٦) باب الاستسقاء في خطبة الجمع، غير مستقبل القبلة الحديث: ٩٦٨. وأخرجه مسلم (٩) - كتاب صلاة الاستسقاء (٢) باب الدعاء في الاستسقاء الحديث: ٨٩٧.
(٥) أخرجه أبو داوود في سننه (٢٥٨) باب رفع اليدين في الاستسقاء الحديث: ١١٦٦. وأخرجه ابن ماجه في سننه (٥/¬٥) - كتاب إقامة الصلاة (١٥٤/ ١٩٣) باب ما جاء في الدعاء في الاستسقاء، الحديث: ١٢٦٩ - ١٢٧٠.
(٦) أخرجه مالك في الموطأ (١٣) كتاب الاستسقاء (٢) باب ما جاء في الاستسقاء، الحديث: ٢. وأخرجه أبو داوود في سننه (٢٥٨) باب رفع اليدين في الاستسقاء الحديث: ١١٧٣.
[ ١ / ٣٩٨ ]
فصل [في صلاة الجنازة وما يتعلق بالميت]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل الجنائز، والنظر فيه مما يتعلق فيه بآداب المحتضر، وتغسيل الميت وتكفينه ودفنه والصلاة عليه وحمله والتعزية والبكاء عليه.
يقال: الميت بكسر الياء وتشديدها، وبسكون الياء الموت وهو زوال الحياة، وقيل فساد بنية الحياة، وهو ليس بفناء صرف وإنما هو تبديل الحال من حال لحال، وانقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وانتقال من دار إلى دار.
قوله: (في وجوب غسل الميت بمطهر، ولو بزمزم، والصلاة عليه، كدفنه وكفنه) إلى قوله: (وسنيتهما، خلاف)، وخلاف مبتدأ مؤخر أي وفي وجوب غسل الميت والصلاة عليه وسنيتهما خلاف.
قال صاحب إكمال الإكمال: القول بالسنية لابن أبي زيد والأكثر. والقول بالوجوب أي على الكفاية للبغداديين.
ابن العربي: ولا أدري كيف يقال بعدم الوجوب مع تكرار الأمر به ومصاحبة العمل له. المازري: قيل الغسل سنة. وقيل واجب.
وسبب الخلاف قوله ﷺ: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا إن رأيتن ذلك» (^١) هل يرجع إلى الغسل؟ أو إلى الزيادة في العدد؟ وفي هذا الأصل خلاف في الأصول وهو الاستثناء أو الشرط المعقب جملا هل يرجع إلى الجميع إلا ما أخرجه الدليل أو إلى الأخير؟
قلت: والإجزاء على رجوع الشرط إلى الغسل ضعيف. انتهى (^٢).
قوله: كدفنه وكفنه أي كما يجب الدفن والكفن بلا خلاف.
الكفن بفتح الفاء اسم لما يكفن به، وسكونها اسم للفعل.
وقوله: بمطهر أي يغسل الميت بماء مطهر، ولو كان بماء زمزم بل هو أولى لما
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه -٢٩ كتاب الجنائز -٨ باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر. الحديث: ١١٩٥. وأخرجه مسلم في صحيحه -١١ كتاب الجنائز -١٢ باب في غسل الميت. الحديث: ٩٣٩.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٣٣٨.
[ ١ / ٣٩٩ ]
يرجى من بركته.
ابن شعبان لا يغسل الميت بماء زمزم، ولا تغسل به النجاسة وإليه أشار بلو.
وقوله: (وتلازما، وغسل كالجنابة) أي الصلاة على الميت وغسله متلازمان فمن وجبت الصلاة عليه وجب عليه الغسل، ومن لا يصلى عليه فلا يغسل إما لشرفه كالشهداء لكرامتهم أو الكفار لدناءتهم.
وفي إكمال الإكمال واختلف هل صلي على النبي ﷺ، فقيل: لم يصل عليه وإنما كان الناس يدخلون فيدعون وينصرفون، وقيل: بل صلوا عليه أفذاذا فوجا بعد فوج، واختلف في علة القول بعدم الصلاة عليه، فقيل: لأن الصلاة شفاعة وهو شفيع فلا يكون مشفوعا له. وقيل لأنه شهيد.
وقيل: لعدم الإمام لأن البيعة لم تتم لأبي بكر حينئذ. انتهى (^١).
وينوي المصلي على الجنازة الصلاة عليها وأنها فرض كفاية أو سنة كفاية فإن غفل عن الأخير فلا يضره وصفة غسل الميت كغسل الجنابة.
قوله: (تعبدا بلا نية) أي وغسل الميت تعبد التعبد ما كلفنا به ولم تظهر لنا حكمته مع أنا جزمنا على وجود الحكمة ولا يحتاج الغاسل إلى نية الغسل لأنه في غير المتعبد به.
قوله: (وقدم الزوجان إن صح النكاح، إلا أن يفوت فاسده) أي وقدم الزوجان على الأولياء بالقضاء إذا حصل بينهم تنازع في تغسيل أحدهما الآخر أما الزوجة فلأنها في عدته لأن المعتبر حال الموت وقد غسل أبو بكر وأبو موسى الأشعري (^٢) زوجاهما ولم ينكر قول عائشة ﵂: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ غير أزواجه (^٣).
وأما الزوج فلغسل علي فاطمة (^٤) ﵂.
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٣٦٦ - ٣٧٩.
(٢) أبو موسى الأشعري: عبد الله بن قيس الأشعري، صاحب رسول الله ﷺ، أمه ظبية بنت وهب أسلم وهاجر إلى الحبشة، وكان عامل رسول الله ﷺ على زيبد وعدن، مات بالكوفة سنة: ٤٢ هـ. أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير: ج ٣، ص: ٣٠٦، الترجمة: ٣١٣٥.
(٣) أخرجه أبو داوود في سننه (١٥) - كتاب الجنائز، (٣٢) - باب في ستر الميت عند غسله، الحديث: ٣١٣٩. وأخرجه ابن ماجه في سننه ٤/¬٦ في كتاب الجنائز (٩/¬٩) - باب ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها الحديث: ١٤٦٤.
(٤) فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ تلقب بالزهراء روت عن أبيها وروى عنها ابناها وأبوهما =
[ ١ / ٤٠٠ ]
ابن عرفة الزوج أحق بإدخال زوجته قبرها، فإن لم يكن فأقرب محارمها. ابن القاسم: فإن لم يكونوا فأهل الفضل.
قال سحنون: إن لم يكونوا فالنساء، وإن لم يكن فأهل الفضل.
ابن حبيب وأصبغ: إن لم يكونوا فقواعد النساء، فإن لم يكن فأهل الفضل.
ابن حبيب وللزوج الاستعانة بذي محرم، فإن لم يكن فبذي الفضل عند أعلاها، والزوج عند أسفلها، قالوا: ويستر قبرها بثوب.
أشهب ولا أكرهه في الرجل. انتهى (^١).
وإنما يقدم الزوجان في اغتسال أحدهما الآخر إن كان نكاحهما صحيحا، لا إن كان فاسدا لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، إلا أن يفوت الفاسد بما يفوت به من الدخول فقط أو الدخول مع الطول أو الطول مع الأولاد إذ في الأنكحة الفاسدة ما قد يفوت بالدخول فقط، ومنها ما لا يفوت إلا بالدخول والطول معا كما سيأتي في موضعه إن شاء الله، فإن فات بما يفوت به يكون حينئذ كالصحيح.
وقوله: (بالقضاء) متعلق بقوله: وقدم الزوجان إذ من له حق يحكم له به.
قوله: (وإن رقيقا أذن سيده، أو قبل بناء، أو بأحدهما عيب أو وضعت بعد موته، والأحب نفيه إن تزوج أختها، أو تزوجت غيره) أي وإن كان أحد الزوجين رقيقا إذ حكم الزوجين من الرقيق كالأحرار إلا أن استيفاء الحق في العبيد يوقف على إذن السادة فلا يغسله إلا بإذن سيده، وكذلك إن مات أحد الزوجين قبل البناء أو كان به عيب يوجب الخيار، فإن الآخر منهما يقدم على الأولياء في اغتساله لأن النكاح ثابت والمعتبر وقت الموت، وكذلك هي أحق باغتسال زوجها إن مات قبل وضعها ووضعت بعد موته وقبل غسله، لأن المعتبر حال الموت وهي فيه زوجة، والأحب نفي اغتساله لها إن تزوج أختها، وكذلك إن تزوجت هي.
قوله: (لا رجعية) أي لا تغسله المطلقة الرجعية لأنها حال الموت ليست بزوجة وهو المعتبر، الفرق بينه وبين من تزوجت غيره أن الرجعية لا تحل له وقت الموت،
_________________
(١) = وعائشة وأنس وغيرهم. وهي زوج علي بن أبي طالب وأم الحسن والحسين. وقال الواقدي: توفيت فاطمة ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة. الإصابة: ج ٤، ص: ٣٧٧ - ٣٧٨ - ٣٧٩ - ٣٨٠، الترجمة: ٨٣٠.
(٢) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ٣٣٠. مخطوط
[ ١ / ٤٠١ ]
والمتزوجة تحل له وقت الموت.
قوله: (وكتابية) أي لا تغسله زوجته الكتابية (إلا بحضرة مسلم) وأما الزوج فلا يغسل زوجته الكتابية.
وقوله: (وإباحة الوطء للموت برق) ضابط حسن أي وإباحة الوطء المستمر إلى الموت برق (تبيح الغسل من الجانبين) فتغسل الأمة سيدها ويغسلها مدبرة كانت أو قنا وإن مع مانع طارئ كالظهار والنفاس فلا يغسل مكاتبته ولا معتق بعضها ولا معتقة إلى أجل ولا مشتركة أو كان مدينا وحجر عليه لعدم إباحة الوطء فيهن حين الموت.
قوله: (ثم أقرب أوليائه، ثم أجنبي، ثم امرأة محرم. وهل تستره، أو عورته؟ تأويلان، ثم يمم لمرفقيه: كعدم الماء، وتقطيع الجسد، وتزليعه، وصب على مجروح أمكن ماء كمجدور؛ إن لم يخف تزلعه) أي فإن لم يكن زوج أو أبى من الاغتسال فأقرب أوليائه كالأولياء في النكاح أولى باغتساله فإن لم يكن ولي فرجل أجنبي فإن لم يكن فامرأة محرم وإن بمصاهرة فإن غسلته فهل تستر بدنه كله حين الاغتسال أو إنما تستر عورته فقط فيه تأويلان.
فإن لم تكن امرأة محرم يمم النساء وجهه ويديه إلى مرفقيه كما يمم لعدم الماء، وهو تشبيه لإفادة الحكم أو دليل على أن الغسل تعبد، وكذلك يمم إذا خيف تقطيع الجسد بالغسل أو تزلعه به إن سلم محل التيمم، ويصب الماء على المجروح إن أمكن الصب عليه وإلا يمم، كما يصب الماء على مجدور وإن لم يخف تزلعه، خالف الشيخ هنا قاعدته الأكثرية أن الشرط راجع إلى ما بعد الكاف وقد يفعله.
قوله: (والمرأة أقرب امرأة، ثم أجنبية، ولف شعرها، ولا يضفر، ثم محرم فوق ثوب، ثم يممت لكوعيها)، لما فرغ ممن يغسل الرجل شرع يذكر من يغسل المرأة أي فإن لم يكن زوج يغسلها فأولى بغسلها أقرب امرأة إليها كبنت أو أم، فإن لم تكن فامرأة أجنبية، فإن لم تكن امرأة أجنبية فرجل محرم وإن بمصاهرة وإن فوق ثوب صبا ودلكا، فإن لم يكن رجل محرم يممت إلى كوعيها، ويلف شعرها بعد الغسل ولا يضفر خلافا لمن قال: يضفر ثلاث ذوائب.
قوله: (وستر من سرته لركبتيه وإن زوجا) أي ويستر الميت عند الإغتسال من سرته إلى ركبتيه، وصفة الستر أن يجمع ثوب ويجعل هناك ولا يبسط لأنه يصفه،
[ ١ / ٤٠٢ ]
وإن كان الغاسل زوجا وأحرى غيره.
ابن حبيب: يجوز غسله بادي العورة. انتهى (^١).
وروي أن امرأة غسلت امرأة فوضعت يدها على فرجها فلصقت يدها به، فاختلف فيه الفقهاء فقال بعضهم: يقطع الفرج ارتكابا لأخف الضررين، فسئل فيه الإمام مالك ﵀ فقال: اسئلوها عما قالت حين وضعت يدها على الفرج.
فقالت: قلت: طالما عصى الله هذا الفرج. فقال: قذفتها.
اجلدوها حد القذف، فجلدت فارتفعت يدها، ولذلك لا ينبغي لأحد أن يفتي بحضرة مالك. انتهى.
قوله: (وركنها النية وأربع تكبيرات. وإن زاد لم ينتظر) أي وركن الصلاة على الميت النية وينوي بها فرض الكفاية، والركن الثاني أربع تكبيرات وإن زاد الإمام عنها لم ينتظر لأنه مبتدع بل يسلمون ولا ينتظرونه، وهذا بخلاف ما تقدم من أن المقتدي في الوتر يواصل يتبعه، الفرق بينهما أن الخلاف هناك قوي وهو هنا ضعيف، وقيل: ينتظر فيسلم بسلامه.
قال صاحب إكمال الإكمال: وهو قول ابن وهب وأشهب وعبد الملك. واختلف هل يعتد به المسبوق فيكبرها أو لا يعتد به فلا يكبرها، واختلف إن نقص من الأربع فسلم من ثلاث. ابن حبيب: يتمها إن قرب وإلا ابتدأ فإن دفن فالصحيح أنه لا يخرج لإتمام التكبيرات ويكبرها على القبر. انتهى (^٢).
قوله: (والدعاء، ودعا بعد الرابعة على المختار) هذا هو الركن الثالث هو ان يدعو المصلي للميت، وأقله: اللهم اغفر له بعد كل تكبيرة من الأربع ولا حد لأكثره، ويدعو له بعد التكبيرة الرابعة على ما اختاره اللخمي وهو قول سحنون خلافا لابن حبيب.
قوله: (وإن والاه، أو سلم بعد ثلاث أعاد. وإن دفن، فعلى القبر) أي وإن والى الإمام التكبيرات الأربع فسلم ولم يخلل بينهما بالدعاء أو سلم بعد ثلاثة تكبيرات، أعاد الصلاة إن فات التدارك، وإن دفن قبل الإعادة فعلى القبر تعاد كمن دفن بغير صلاة.
قوله: (وتسليمة خفيفة) هذا هو الركن الرابع أن يسلم منها تسليمة خفيفة،
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ١٨٢.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٣٦٣.
[ ١ / ٤٠٣ ]
(وسمع الإمام من يليه)، وزاد بعضهم ركنا خامسا هو القيام فيها.
قوله: (وصبر المسبوق للتكبير ودعا إن تركت) أي ويصبر المسبوق بتكبيرته إلى أن يكبر الإمام التكبيرة التي بين يديه ليدخل مع الإمام بها، وذلك إن بعد منه ما قبله وأما إن قرب فإنه يكبر لأن ما قارب الشيء له حكمه، وإنما يصبر إن بعد لأنه إذا كبر إما أن يكون قضاء قبل سلام الإمام، وإما أن يكون التكبير قبل إمامه، وإن كان لزيادة فلا زيادة فيها، ولكن يدعو في صبره ذلك، كما يدعو المسبوق بالرابعة إن بعد منها، لأنه لم يبق له من الصلاة ما يعتد به، ويدعو المسبوق إن تركت له (وإلا) أي وإن لم تترك له الجنازة (والى) التكبيرات ويسلم، هنا انتهى الصلاة على الميت.
قال ابن مسعود: «والذي نفسي بيده ما من نفس منفوسة إلا والموت خير لها، لأنها إن كانت من أهل السعادة فما عند الله خير وأبقى، وإن كانت من أهل الشقاء فالله تعالى يقول: ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ [آل عمران: ١٧٨]». انتهى (^١).
فالمؤمن يستريح من تعب الدنيا، والفاجر راحة العباد منه، لأنهم إذا أنكروا عليه نالهم أذاه وإن تركوه أثموا، وراحت البلاد والدواب لما ينالهم من الجدب بسبب معاصيه، الميت من حيث هو مستريح أو مستراح منه. انتهى.
قوله: (وكفن بملبوسه لجمعة) أي لما فرغ من الصلاة شرع يذكر صفة الكفن وقدره أي وكفن المية بملبوسه للجمعة لأنه ثوب العبادة، وكذلك الثوب الذي أحرم فيه، وينبغي أن يوصي به لما يرجى من بركته.
قوله: (وقدم: كمؤونة الدفن على دين غير المرتهن. ولو سرق، ثم إن وجد وعوض ورث إن فقد الدين، كأكل السبع الميت) أي وقدم الكفن في مال الميت كما يقدم مؤنة دفنه على جميع الديون غير المرتهن فيه، ولو سرق الكفن بعد دفنه ولو قسم المال، ثم إن وجد المسروق والحال أنه عوض بدله ورث إن فقد الدين المستغرق له، كما يورث إن أكل السبع الميت إن لم يكن عليه دين.
وفي إكمال الإكمال والكفن ملك الميت وحق له ما دام محتاجا إليه وكذا قال بعض شيوخ البغداديين لو أكلت السباع الميت رجع الكفن إلى الورثة. وقال: قال النووي: ووجه أنه من رأس المال مقدم على الدين أنه ﷺ أمر بتكفينه في النمرة ولم يسأل هل عليه دين. ولا يبعد من حال من ليس له إلا نمرة أن يكون عليه دين.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٣٥٩.
[ ١ / ٤٠٤ ]
انتهى (^١).
قال ابن فرحون في درة الغواص: لعل مرادهم أن السباع أخرجته من كفنه وذهبت بأعضائه فلم توجد، وأما إن أكلت السباع لحمه وبقي عظامه فإنه يكفن بالكفن ويدفن فتأمله (^٢).
قوله: (وهو) أي والكفن، ومؤنة الدفن من غسل وحمل وحفر قبر وحراسته على المنفق (عليه (ب) سبب (قرابة أو رق) كالأولاد الصغار والكبار الزمناء الذين لا مال لهم والأبوين الفقيرين ولا فرق بين النفقة، والكسوة والكفن والمؤن، حتى يواريه في قبره، وقد فهم من الشرع أن الله ﷾ خص كل واحد من هؤلاء بالقيام بالآخر عند العدم لدفع المعرة. انتهى من اللخمي (^٣).
وكذلك من تلزمه نفقته بسبب رق الإجماع على أن على السيد أن يكفن عبده وإن سقط عنه ملكه بالموت.
قوله: (لا زوجية) أي لا على المنفق بسبب زوجية، وهو في مالها لانقطاع العصمة بالموت وهذا هو المشهور، وقيل على الزوج، وقيل إن كان لها مال فعليها وإلا فعلى الزوج (و) أما كفن (الفقير من) زوجة وغيرها فمن (بيت المال) إن كان وأمكن الوصول إليه (وإلا فعلى المسلمين) أي وإن لم يكن بيت المال أو كان ولم يمكن الوصول إليه كما في هذا الزمان فكفنه ومؤنة دفنه فعلى المسلمين بكفاية.
قوله: (وندب تحسين ظنه بالله تعالى، وتقبيله عند إحداده على أيمن، ثم ظهر، وتجنب حائض وجنب له، وتلقينه الشهادة، وتغميضه، وشد لحييه إذا قضى، وتليين مفاصله برفق، ورفعه عن الأرض، وستره بثوب، ووضع ثقيل على بطنه) لما فرغ من الكفن وتوابعه، شرع يذكر المندوبات فقال: وندب أي وندب للمحتضر أن يحسن ظنه بالله تعالى ويذكر سعة رحمته التي وسعت كل شيء ويذكر الآية الكريمة: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ [الزمر: ٥٣] ويذكر عفو الله وغفرانه، ويندب له تقبيله أي توجهه حينئذ إلى القبلة عند إحداده أي عند شخوص بصره ويكون على جنبه الأيمن إن أمكن وإلا كيف ما
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٣٤٤.
(٢) درة اغواص لابن فرحون: ١٥٠.
(٣) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٧٠٢.
[ ١ / ٤٠٥ ]
أمكن ويندب حينئذ تجنب حائض أي إبعاد حائض أو جنب منه إكراما للملائكة الطائفين بالرحمة لأنهم لا يأتون المكان الذي فيه حائض أو جنب أو آلة اللهو أو الكلب وأما الملكان الكاتبان لأعمال العباد فلا يفارقانه إلى أن يموت، ومما يندب تلقين المحتضر الشهادتين، لا إله إلا الله محمد رسول الله من غير إلحاح عليه لئلا يضجر فإن قالها ترك، وإن تكلم بعدها لقن أيضا لأنه ﷺ قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^١).
المازري: وتلقين المحتضر يحتمل أنها ساعة يحضرها الشيطان ليفسد العقيدة فيحتاج فيها إلى التنبيه على التوحيد، ويحتمل أنه ليكون آخر كلامه ذلك، لحديث: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» انتهى من إكمال الإكمال (^٢).
ويندب تغميض بصره، وشد لحيته إذا قضى أي إذا مات.
عياض: ندب تغميض بصره لما فيه من تحسين وجه الميت وستر تغير بصره ويشد لحييه الأعلى والأسفل بعصابة فيربط من فوق رأسه لئلا يسترخي لحياة فينفتح فاه وتدخل الهوام وتفتح منظره، ويندب تليين مفاصله برفق ليسهل غسله، ومما يندب رفعه على مرتفع عن الأرض خيفة التغير ويساء به الظن، ويستحب ستره بثوب، ووضع شيء ثقيل على بطنه دفعا للإنتفاخ.
قوله: (وإسراع تجهيزه إلا الفرق) أي ويندب الإسراع في تجهيز الميت، بغسله وكفنه والصلاة عليه ودفنه خيفة التغير وللرائحة والإنفجار إلا أن يكون غريقا فإنه لا يسرع به بل يمهل إذ قد يمنع النفس ما يغمر القلب من الماء ثم يزول. ويروى عن علي ﷺ أنه تأذى به يوما وليلة. انتهى.
ولا حجة في تأخير غسل النبي ﷺ لأن التغيير مأمون في حقه.
قال صاحب إكمال الإكمال واختلف في علة تأخير تجهيز النبي ﷺ فقيل لاختلافهم هل مات؟ وقيل لاشتغالهم بالبيعة، وقيل لاختلافهم في موضع دفنه، وقيل ليتسامع الناس فيأتون للتبرك بالصلاة، وقيل دهشا لعظم المصيبة. انتهى (^٣).
قوله: (وللغسل سدر، وتجريده، ووضعه على مرتفع، وإيتاره كالكفن لسبع) أي وندب
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (١٥) - كتاب الجنائز/ (٢٠) باب في التلقين، الحديث: ٣١١٤.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٣١٠.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٣٥٢.
[ ١ / ٤٠٦ ]
للغسل أن يجعل في مائه سدر تفاؤلا لسدرة المنتهى، ولأنه ينقي.
ويندب تجريده عند اغتساله فيما عدى الساتر للعورة، لأن تجريده أبلغ في إنقائه، وعدم التجريد مختص بالنبي صلى الله عليه، ويندب غسله على مرتفع للصون عن ماء الغسل، ومما يندب إيتار غسله أي كونه وترا، كما يندب إيتار الكفن إلى سبع فيهما.
قوله: (ولم يعد كالوضوء لنجاسة وغسلت، وعصر بطنه برفق، وصب الماء في غسل مخرجيه بخرقة، وله الإقضاء إن اضطر، وتوضنته) أي ولم يعد الغسل كما لا يعيد توضئته لأجل خروج نجاسة بعد الغسل، وتغسل النجاسة عنه وتزال إذ المطلوب إزالتها ومن ثم ندب عصر بطنه برفق مخافة خروجها بعد الكفن، ويكون ذلك العصر برفق لئلا يخرج شيء من الأمعاء، ويندب للغاسل صب الماء في غسل مخرج الميت صبا منقيا لئلا يشعر بما يخرج منه من النجاسة فيغسل ذلك المحل بخرقة في يده ملفوف عليها، وله الإفضاء باليد إن اضطر إليه والضرورات تبيح الحظورات، ومما يندب في غسل الميت توضيته وضوء الصلاة وهل ذلك في الغسلة الأولى فقط أو في كل غسلة قولان.
وقال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: يعني عن هذا.
قوله: (وتعهد أسنانه وأنفه بخرقة، وإمالة رأسه برفق لمضمضة وعدم حضور غير معين، وكافور في الأخيرة) أي ومما يندب في غسل الميت تعهد أسنانه وأنفه بخرقة طاهرة، وندب للغاسل أن يميل رأس الميت لإخراج الماء من فيه لأجل مضمضة، ومما يندب حين الغسل عدم حضور غير معين للغاسل ولو أسقط الشيخ هذا لكان أولى لأنه سيذكره في المكروهات، ويندب جعل كافور في ماء الغسلة الأخيرة لأنه يمنع سرعة التغيير وينقي الجسد ولتطييب رائحة الميت للمصلين والملائكة ﵈، وإن عدم الكافور فغيره من الطيب.
قوله: (ونشف) أي ومما يندب تنشيف الميت بعد غسله ندبا، وهل ينجس الثوب الذي نشف فيه أم لا سحنون لا ينجس. ابن عبد الحكم ينجس.
قوله: (واغتسال غاسله. وبياض الكفن)، أي وندب اغتسال غاسل الميت.
قال مالك في العتبية وعليه أدركت الناس، واستحبه ابن القاسم.
ابن حبيب لا غسل عليه. قيل: وجه الإستحباب لئلا يتوقى الغاسل ما يصيبه فلا يبالغ في غسله لتحفظه منه. انتهى.
[ ١ / ٤٠٧ ]
ومما يندب بياض الكفن لقوله ﷺ: «أحسن ثيابكم البيض» (^١).
تمهيد: واختلف في لباس الأحمر، وقد جاء فيه حديثان، وأما لباس الأصفر لم يأت فيه نص، وأما السواد فقد خرج رسول الله ﷺ وعليه ثوب أسود وعلى رأسه يوم فتح مكة عمامة سوداء ورايته راية سوداء.
قوله: (وتجميره، وعدم تأخره عن الغسل. والزيادة على الواحد، ولا يقضى بالزائد إن شح الوارث؛ إلا أن يوصي ففي ثلثه) أي ويندب تجمير الميت أي تغطيته وفي بعض النسخ وتجميره بالجمراء أي تبخيره بالبخور.
ومما يندب عدم تأخير تكفينه عن الغسل، ولكن إن تأخر فلا يعيد الغسل، وندب الزيادة في الكفن على ثوب واحد لأن ذلك أستر، ولا يقضى بالزائد على الوارث إن شح بها، لأن الزائد على الواحد مستحب، والمستحب لا يقضى به إلا أن يوصي الميت بالزائد فيكون في ثلثه لأنه وصية لجسده.
قوله: (وهل الواجب ثوب يستره، أو ستر العورة والباقي سنة؟ خلاف) أي وهل الواجب في الكفن ثوب يستر جميع جسد الميت، أو إنما يجب فيه ستر العورة فقط والباقي سنة فيه خلاف، وعلى القول بالسنية في الباقي فلا يقضى به.
وفي إكمال الإكمال عياض: الكفن إذا لم يستر جميعه، فالرأس أولى من الرجلين، يستر تغير الوجه بالموت إكراما للوجه والرأس. وإن ضاق عن الوجه والعورة فالعورة أولى وما أمكن من أعلاه.
قلت: قال الإمام في كتابه الكبير: إذا لم يستر ما على الشهيد جميعه ستر باقيه. اللخمي: اتفاقا. انتهى (^٢).
وقوله: (ووتره، والإثنان على الواحد، والثلاثة على الأربعة، وتقميصه، وتعميمه، وعذبة فيها، وأزرة، ولفافتان، والسبع للمرأة) هذا مستغنى عنه لأنه تقدم إيتار الكفن وهو تكرار، وقال بعضهم: ليس بتكرار وهذا موضع ذكره، وما تقدم إنما جرى على الكلام. ومما يندب كون الكفن اثنان على الواحد لأن الاثنان أستر منه، والثلاثة
_________________
(١) لم أطلع عليه بلفظ أحسن وأخرج البيهقي في السنن الكبرى، (٩٨) باب خير ثيابكم البيض، الحديث: ٦١٨١/ وأخرجه أحمد في مسنده الحديث: ٣٠٣٥، وفي مسند الشهاب، الحديث: ١٢٥٤.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٣٤٤.
[ ١ / ٤٠٨ ]
على الأربعة لأن الستر والوتر حصلا بالثلاث، والأربعة لم يحصل فيه إلا الستر.
ومما يندب في الكفن تقميص الميت وتعميمه كالحي، وتكون عذبة في العمامة مقدار ذراع يرسل على وجهه.
العذبة بالذال المعجمة طرف الشيء. والخمار للمرأة كالعمامة للرجل.
وندب أن يكون في الكفن إزار ولفافتان وذلك خمسة أثواب، وإن كانت اللفافات أربع فذلك سبع، ولا يزاد على السبع لأنه سرف، والله لا يحب المسرفين. وندب أن يكون كفن المرأة سبعا.
قوله: (وحنوط داخل كل لفافة، وعلى قطن يلصق بمنافذه، والكافور فيه وفي مساجده وحواسه ومراقه، وإن محرما ومعتدة، ولا يتولياه) الحنوط بفتح الحاء كل ما يحنط به أي وندب جعل الحنوط في داخل كل لفافة ولا يجعل فوق الكفن وهو قول مالك في المدونة، ويندب أن يجعل الحنوط على قطن يلصق بمنافذه من العينين والمنخرين والأذنين والفم والدبر ولا يدخل ذلك في المنافذ، ويكون الكافور في الحنوط، ويندب أن يجعل الحنوط في مساجده السبعة الجبهة والأنف والركبتين وأطراف الأصابع من الرجلين.
قال اللخمي وأراه فعل ذلك إكراما لتلك المواضع لما كان يتقرب بها إلى الله تعالى (^١).
وقوله: وحواسه مستغنى عنه لأنه يدخل في قوله بمنافذه المنافذ أعم لدخول الدبر فيها. والحواس العينان والأذنان والمنخران.
ويندب أن يجعل الحنوط في مراقه وهي مارق من جسده كالإبطين والرفقين، وإن كان محرما أو معتدة لزوال التكليف بالموت، ولا يتولى فعل ذلك الحنوط محرم ولا معتدة وفاء لبقاء التكليف عليهما.
قوله: (ومشي مشيع، وإسراعه، وتقدمه وتأخر راكب ومرأة) أي ومما يندب لمشيع جنازة المشي على قدميه وإسراعه في مشيه، ظاهره كان حاملا له أم لا وقيده البساطي بالحامل له. انتهى.
وفي إكمال الإكمال ومعنى هذا الإسراع عند بعضهم ترك التراخي والزهد في المشي لا الإسراع الذي يشق على تابعيها ويجرد الميت وربما كان سببا لخروج
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٧٠٠.
[ ١ / ٤٠٩ ]
شيء منه فإن ذلك مكروه (^١).
ومما يندب للمشيع الماشي تقدمه عن الجنازة ليصح له أجر التشييع والإسراع والتقدم، وندب تأخير الراكب خلف الجنازة وامرأة مشيعة خلف الركبان.
قال صاحب الجواهر: قال ابن حبيب يكره خروج النساء في الجنائز وإن كن غير نوائح ولا بواكي في جنائز أهل الخاصة من ذوي القرابة وغيرهم، وينبغي للإمام أن يمنعهن من ذلك، فقد أمر النبي ﷺ بطرد امرأة رآها في جنازة فطردت حتى لم يرها (^٢)، وقال لنساء رآهن في جنازة: «أتحملنه فيمن يحمله قلن: لا. قال: أفتدخلنه قبره فيمن يدخله؟ قلن: لا. قال: أفتحثين عليه التراب فيمن يحثي عليه. قلن: لا. قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات» (^٣).
وفيه قال: كان مسروق (^٤) يحثي في وجوههن التراب ويطردهن فإن رجعن وإلا رجع. وكان الحسن (^٥) يطردهن، وإذا لم يرجعن لم يرجع، ويقول: لا ندع حقا لباطل (^٦).
قوله: (وسترها بقبة) أي وندب ستر جنازة المرأة بقبة لئلا يعلم طولها من قصرها وهزالها من سمنها، أول النساء سترت بقبة زينب زوج النبي ﷺ. وقيل: فاطمة بنت محمد ﷺ.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٣٥١.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه باب منع النساء اتباع الجنائز، الحديث: ٦٢٩١.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه باب منع النساء اتباع الجنائز الحديث: ٦٢٩٨.
(٤) مسروق: مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية الوداعي الكوفي أبو عائشة الفقيه روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ثقة وله أحاديث صالحة مات سنة: ٦٢ هـ، التهذيب: ج ١٠، ص: ١٥٩.
(٥) هو الحسن بن يسار بن أبي الحسن أبو سعيد البصري مولي زيد بن ثابت، قال أبو برده أدركت الصحابة فما رأيت أحدا أشبه بهم من الحسن البصري، مات سنة: ١١٠ هـ، وكان مولده سنة: ٢١ هـ بالبصرة، وله كتاب في فضائل مكه، روى عن أنس بن مالك وابن عمر وابي زرعه وغيرهم، وروى عنه الشعبي ويونس بن عبيد وغيرهم، انظر كتاب الجرح والتعديل لشيخ الإسلام الحافظ أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهندي، ط ١ - ١٩٥٢ م، دار الكتب العلمية، بيروت مج ٣، ص: ٤٠، الترجمة: ١٧٧.
(٦) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ١٨٧.
[ ١ / ٤١٠ ]
وفي المدارك: وقد سئل أبو عمر أحمد بن حسين القاضي (^١) عن المرأة الميتة لم خصت بوضع القبة على نعشها، على ما استمر عليه عمل المسلمين من صدر هذه الأمة، إلى الآن وقد كانت تدفن ليلا في عهد رسول الله ﷺ وهي في حياتها لا يلزم إخفاء شخصها بل ستر جسدها.
فقال: علة ذلك لما حملت على الأعناق وتعين عينها، زيد في سترها حتى لا يعلم طولها من قصرها، وسمنها من هزالها، وفي حياتها هي مختلطة بغيرها فلم تتعين. وأما أبو عمران فأجاب: أنها لم تملك من أمرها شيئا، فلذلك جعل لها أتم ستر. انتهى (^٢).
قوله: (ورفع اليدين بأولى التكبير، وابتداء بحمد وصلاة على نبيه ﵊ وإسرار دعاء، ورفع صغير على أكف، ووقوف إمام بالوسط ومنكبي المرأة) أي ومما يندب للمصلي على الميت رفع يديه عند التكبيرة الأولى فقط.
وقيل: يرفع يديه عند كل تكبيرة.
وقيل: لا يرفع في الجميع، وقيل: يرفع في الأولى ويخير في غيرها، ولم يذكر افتقارها إلى سترة، والأظهر أنها تفتقر ولكن يكفي الستر، وكذلك يندب له ابتداء فيها بحمد الله والصلاة على نبيه ﷺ، وكان مالك يستحب من الدعاء بعد الحمد والصلاة على نبيه ما رواه أبو هريرة قال: «اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدك ورسولك وأنت أعلم به اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده» (^٣)، ويندب له الإسرار بالدعاء عليه. وذكر الشيخ لفظ الحمد لله والصلاة، والدعاء لأجل عدم تعيين ذلك، ومما يندب رفع ميت صغير على أكف، ويندب للإمام الوقوف عند وسط الرجل حين الصلاة عليه وعند منكبي المرأة.
قوله: (رأس الميت عن يمينه. ورفع قبر كشبر مسنما وتؤولت أيضا على كراهته، فيسطح) أي والحال أن رأس الميت حين الصلاة عليه على يمين الإمام، وكذلك
_________________
(١) أبو عمر أحمد بن حسين القاضي بدانية من أهل العلم والقرآن. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٣١٦.
(٢) ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٣١٧.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (١٦) - كتاب الجنائز. (٦) - باب ما يقول المصلي على الجنازة، الحديث: ١٧.
[ ١ / ٤١١ ]
يندب رفع القبر رفعا يسيرا كشبر في حال كونه مسنما وهو علو وسطه، وقبره، مسنم، وكذلك قبر أبي بكر وعمر، وتولت المدونة أيضا على كراهة التسنيم، فعليه يسطح ولا يسنم لأن قبور المهاجرين والأنصار في البقيع مسطحات، وأنه لسطح قبر ولده إبراهيم، لما قال الشيخ: أيضا، علمنا أن الأول تأويل.
قوله: (وحثو قريب فيه ثلاثا، وتهيئة طعام لأهله، وتعزية، وعدم عمقه، واللحد، وضجع فيه على أيمن مقبلا، وتدورك إن خولف بالحضرة) أي ومما يندب لقريب من القبر عند دفنه أن يحثو عليه ثلاث حثيات، ليكون له أجر الموارات والقرب من على شفير القبر، مشى الشيخ هنا ﵀ على غير ما مشى عليه الإمام مالك لأنه قال: لا أعرفه ولا ينبغي العدول عنه، ومما يندب تهيئة الطعام لأهل الميت إن لم يجتمعوا للبكاء لأنهم مشغولون عن تهيئة الطعام لأنفسهم.
قوله: (وتعزية) أي وندب تعزية أهل الميت. التعزية هي التقوية على الصبر بوعد الأجر كأجركم الله في مصيبتكم وأعقبكم خيرا منها ظاهره كان الميت ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا صغيرا أو كبيرا، والأدب أن يمشي إلى داره فيعزيه فيها، وظاهره سواء كان ذلك قبل الصلاة أو بعدها، وعن معاذ بن جبل أنه مات له ابن فكتب إليه رسول الله يعزيه عليه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله الهنية وعواريه المستودعة نتمتع بها إلى أجل معلوم ويقبضها لوقت
وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كبير، إن احتسبت فاصبر ولا يحبط جزعك أجرك فتندم وأعلم أن الجزع لا يرد شيئا ولا يدفع حزنا وما هو نازل فكأن قد كان والسلام» (^١).
وفي العبدري المواق: وقد روي عن مالك أن للرجل أن يعزي جاره الكافر بموت أبيه الكافر لذمام الجوار، فيقول: بلغني الذي كان من مصابك بأبيك، ألحقه الله بكبار أهل دينه وخيار ذوي ملته.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، الحديث: ٥١٩٣.
[ ١ / ٤١٢ ]
قال سحنون: يقول له: أخلف الله لك المصيبة (^١)، وجزاك أفضل ما جزا به أحدا من أهل دينه.
وفي طرر ابن عات (^٢): لا بأس أن يحضر وليمة الذمي ويأكل منها. انتهى.
وكذلك يندب عدم عمق الميت في القبر، لأن الرحمة على أعلا الأرض لا في أسفلها إلا لضرورة كأرض فيها سباع فيعمق القبر إلى حيث يؤمن عليه من نبش السباع.
ومما يندب أن يكون القبر لحدا لأنه قبر رسول الله ﷺ، لما مات العلاء، أرسل إلى حفرة القبور وحفرة اللحد من سبق فهو، فسبق حافر اللحد، وعلموا حينئذ أنه أفضل من غيره، وندب أن يضطجع الميت في لحده أو قبره على جنبه الأيمن مستقبلا للقبلة فإن خولف ووضع على أيسر أو غيره ووجه للقبلة تدورك إذا كان بالحضرة ولم يخف تغيره.
وقوله: (كتنكيس رجليه، وكترك الغسل، ودفن من أسلم بمقبرة الكفار إن لم يخف التغير، وسده بلبن، ثم لوح، ثم قرمود، ثم آجر، ثم قصب).
مثال: قال بعض الشراح: هو تشبيه لإفادة الحكم.
وقال شيخنا محمود حفظه الله ورعاه: فإذا لم يكن مثال فما معناه إذ المخالفة هو التنكيس لعدم التوجه أو الضجع على الأيسر، وكذلك تدورك بالحضرة إذا دفن قبل الغسل، أو دفن من أسلم في مقبرة الكفار.
وقوله: إن لم يخف التغير يحتمل إن يرجع إلى الجميع، ويحتمل أن يرجع إلى الأخيرين، ويحتمل أن يرجع إلى الأخير فقط، وكذلك يندب سد القبر بلبن أي طوب ثم يليه في الفضل بلوح ثم قرمود ثم آجر ثم حجر ثم قصب ثم ما أمكن.
قوله: (وسن التراب أولى من التابوت) من التابوت السن والشن بفتح السين المهملة والمعجمة الصب أي وصب التراب على الميت أولى من جعله في التابوت لأن جعله في التابوت مكروه.
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ٢٧٥.
(٢) هارون بن أحمد بن جعفر بن عات، أبو محمد النفزي الشاطبي: قاض، من فقهاء المالكية. استقضي بشاطبة وحمدت سيرته، له تأليف منها «الطرر الموضوعة على الوثائق المجموعة». الأعلام للزركلي: ج ٨، ص: ٥٩.
[ ١ / ٤١٣ ]
قوله: (وجاز غسل امرأة ابن كسبع ورجل كرضيعة) لما فرغ من ذكر المندوبات شرع في الجائزات وبعدها في المكروهات، وهو ترتيب حسن أي وجاز غسل المرأة صبيا سنه سبع سنين أو ثمانية، وروي ابن تسع ولا تغسل مراهقا، ويجوز لرجل غسل صبية صغيرة جدا كرضيعة، وهو خلاف ظاهر الرسالة لأنه قال: ولا يغسل الرجال الصبية (^١)، ظاهره وإن كانت في المهد وهو موافق لقول.
قوله: (والماء المسخن، وعدم الدلك لكثرة الموتى، وتكفين بملبوس أو مزعفر، أو مورس) أي ويجوز تغسيل الميت بالماء المسخن خلافا للشافعية، وكذلك يجوز عدم دلك الميت في غسله لأجل كثرة الموتى، وكذلك يجوز تكفين الميت بثوب ملبوس، وكذلك يجوز تكفين الميت بثوب مصبوغ بزعفران أو مورس لأنهما من الطيب.
قوله: (وحمل غير أربعة، وبدء بأي ناحية، والمعين مبتدع) أي ويجوز أن يحمل الميت غير أربعة رجال ولا حد فيمن يحمله، وكذلك يجوز ابتداء في حمله بأي ناحية والمعين للإبتداء باليمين مبتدع.
قوله: (وخروج متجالة، أو إن لم يخش منها الفتنة في كأب، وزوج، وابن، وأخ) أي وجاز خروج متجالة لكل جنازة قريبا كان أو أجنبيا، وكذلك يجوز خروج شابة لم يخش منها الفتنة في جنازة أب أو إبن أو أخ أو زوج أو ابن أخ لا غير هولاء، وأما إن كانت ممن يخشى منها الفتنة فلا تخرج أصلا.
قوله: (وسبقها. وجلوس قبل وضعها) أي ويجوز سبق الجنازة لمكان دفنها ويجوز لمشيعها جلوس قبل وضعها.
قوله: (ونقل وإن من بدو) أي وجاز نقل الميت من مكان إلى مكان وإن من بدو إلى حضر، لو عكس الشيخ في هذا الإغياء ويقول: وإن من حضر لبدو لكان أولى. انتهى.
مات سعيد بن زيد (^٢)
_________________
(١) متين الرسالة للقيرواني -٢٢/ باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله: ص: ٥٣.
(٢) سعيد بن زيد العدوي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة أمه فاطمة الخزاعية أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم، هاجر وشهد أحدا والمشاهد بعدها، ورى عنه من الصحابة ابن عمر وغيره، ومن كبار التابعين ابن المسيب وغيره. مات سنة: ٥٠ هـ الإصابة في تمييز الصحابة، تأليف: شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت: ٨٥٢ هـ =
[ ١ / ٤١٤ ]
وسعد بن أبي وقاص (^١) بالعقيق (^٢) فحملا إلى المدينة رواه ابن وهب.
قوله: (وبكى عند موته وبعده، بلا رفع صوت وقول قبيح) أي وجاز بكاء بالدموع عند الموت وبعده بلا رفع صوت وبلا قول قبيح. قال النبي ﷺ: «ليس منا من حلق ولا من خرق ولا من دلق ولا سلق» (^٣)، والحلق حلق الشعر، والخرق خرق الجيوب، والدلق ضرب الخدود، والصلق الصياح في البكاء، وقبيح القول.
ابن عرفة: قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام (^٤) رحمة الله يقول: إن بعض المراثي حرام كالنواح، وتحرير القول فيهما وضبطهما، أن النوح إنما حرم؛ لأنه يقتضي نسبة الرب ﷾ إلى الجور في قضائه والتبرم بقدره، وأن الواقع من موت هذا الميت لم يكن مصلحة بل مفسدة عظيمة، وتكون النائحة تذكر كلاما يقرر ذلك في النفوس، وتوضحه للأفهام، وتحمل السامعين على اعتقاد ذلك، فكل لفظ تضمن ذلك كان حراما، نظما كان أو نثرا، مرثية أو نواحا، وقد جاء في الحديث الصحيح عنه ﵊ التصريح بتحريم النواح، وورد في الحديث «أن النائحة تكسى يوم القايمة قميصين، قميص من جرب وقميص من قطران» (^٥)، وسره أن الأجرب سريع الألم؛ لتقرح
_________________
(١) = وبهامشه الإستعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر القرطبي: ت: ٤٦٣ هـ: ط ١: ١٣٢٨، ج ٢، ص: ٤٦، الترجمة: ٣٢٦١. دار التراث العربي بيروت.
(٢) سعد بن أبي وقاص: هو مالك بن أهيب بن عبد مناف يكنى أبا إسحاق، وأمه حمنة بنت أبي سفيان، صحابي جليل شهد بدرا وغيرها. وهو الذي افتتح القادسية، ونزل الكوفة واليا لعمر ابن الخطاب، وعثمان ابن عفان. مات بالعقيق سنة: ٥٥ هـ بعد أن ذهب بصره وقد زاد على السبعين. الطبقات الكبرى لابن سعد، لابن سعد: ج ٦، ص: ١٢.
(٣) العقيق: بفتح أوله، وكسر ثانيه، وقافين بينهما ياء مثناة من تحت. قال أبو منصور: والعرب تقول لكل مسيل ماء شقه السيل في الأرض فأنهره ووسعه عقيق. قال: وفي بلاد العرب أربعة أعقة وهي أودية عادية شقتها السيول، وقال الأصمعي: الأعقة الأودية.
(٤) الحديث بهذا المعنى أخرجه مسلم في صحيحه، ١ - كتاب الإيمان (٤٤) - باب تحرير ضرب الخدود وشق الجيوب. الحديث: ١٠٤، ولفظه «أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق». وأخرجه النسائي في سننه (٢١) - كتاب الجنائز (١٨) - السلف الحديث: ١٨٦٣، ولفظه «ليس منا من حلق ولا خرق ولا سلق».
(٥) عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، عز الدين الملقب بسلطان العلماء: فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد. كان مولده سنة: ٥٧٧ هـ، ومات سنة: ٦٦٠ هـ من مؤلفاته: قواعد الأحكام في اصطلاح الأنام والتفسير الكبير. الأعلام للزركلي: ج ٤، ص: ٢١.
(٦) هذه مضمون ما أخرجه مسلم في صحيحه، ١١ - كتابا لجنائز، (١٠) - باب التشديد في النياحة. =
[ ١ / ٤١٥ ]
جلده، والقطران يقوي شعلة النار. انتهى (^١).
وقوله: وبعده خلاف لظاهر الرسالة، لأنه قال: ولا بأس بالبكاء بالدموع حينئذ (^٢) أي حين الموت ظاهره لا يجوز بعده.
قوله: (وجمع أموات بقبر لضرورة، وولي القبلة الأفضل) أي ويجوز جمع أموات في قبر واحد لأجل الضرورة كضيق المكان أو عدم الحفار، وأما لغير الضرورة فلا يجوز، وحيث يجوز الجمع هل يجعل بينهم حاجز؟ أو الأكفان كافية، فإن جمعوا جعل الأفضل منهم مما يلي القبلة، إنما يكون أفضل بالعلم أو العبادة وإن اجتمع العلم مع العبادة في واحد هو أفضل من العابد وإن تشاحوا فالقرعة.
قوله: (أو بصلاة يلي الإمام رجل، فطفل، فعبد، فخصي، فخنثى كذلك) أي ويجوز جمع الأموات في صلاة واحدة، ويلي الإمام فيها رجل حر ثم طفل حر ثم رجل عبد ثم طفل عبد ثم خصي حر ثم طفل حر خصي ثم رجل عبد خصي ثم طفل عبد خصي ثم خنثى حر جل ثم خنثى طفل حر ثم رجل عبد خنثى ثم طفل عبد خنثى المراد بالخثنى هنا المشكل، وإلى هذا الترتيب أشار بقوله: فطفل فعبد فخصي فخنثى كذلك.
قوله: (وفي الصنف أيضا الصف) أي وتجوز الصفة المتقدمة في الصنف الواحد، ويجوز فيه أيضا الصف أي كونهم صفا واحدا.
قوله: (وزيارة القبور بلا حد) أي وتجوز زيارة القبور بلاحد في القلة والكثرة ولا في يوم معين، وينوي الزائر أن ينتفع الميت بزيارته لا أن ينتفع هو به، وإن كان قد قيل: يتوسل به إلى الله تعالى. انتهى. قوله: (وكره: حلق شعره، وقلم ظفره، وهو بدعة) لما فرغ من الجائزات شرع يذكر المكروهات، وهو ترتيب حسن أي وكره حلق شعر الميت من شعر رأس أو عانة أو إبط، وكذلك يكره قلم ظفره وهو بدعة والبدعة ما خالف ما عليه السلف الصالح والبدعة تعود إلى الضلال والضلال يعود إلى النار، وكذلك يكره له بنفسه حلق
_________________
(١) = الحديث: ٩٣٤.
(٢) أنوار البروق في أنواع الفروق، الفرق المائة بين قاعدة النواح حرام وبين قاعدة المراثي مباحة: ج ٢، ص: ١٧٢.
(٣) متن الرسالة لابن أبي زيد، ص: ٢٠، باب ما يفعل بالمحتضر: ص: ٤٨.
[ ١ / ٤١٦ ]
شعره وقلم ظفره واستعداد للموت وأما من الراحة بإزالته فلابأس.
قوله: ﴿وضم معه إن فعل﴾ أي وإن وقع ونزل فحلق شعر الميت أو قلم ظفره ضم معه في الدفن، لئلا يدفن بعض الميت ويترك بعضه بلا دفن.
قوله: ﴿ولا تنكأ قروحه﴾ أي ولا تعصر قروح الميت عند الغسل ﴿ويؤخذ عفوها﴾ لكن ﴿وقراءة عند موته﴾ أي يغسل ما سال منها ويزال عنه.
قوله: ﴿وقراءة عند موته﴾ أي وتكره القراءة عند موته لأن القارئ يتدبر قراءته، وذلك يشغله عن غيره.
قوله: ﴿كتجمير الدار﴾ تشبيه لإفادة الحكم أي كما كره تجمير الدار عند الموت، كره ذلك السماع ابن القاسم وأشهب قول مالك: ليست القراءة أو البخور من العمل انتهى.
أي ليس من عمل السلف الصالح، وما تركه السلف الصالح تركناه. انتهى.
قال ابن حبيب: لا بأس عند رأسه بقراءة القرآن يس أو غيرها، إنما كرهه استنانا.
قوله: ﴿وبعده، وعلى قبره﴾ أي وكرهت القراءة بعد الموت أو على القبر، وحقه أن يقدم هذان عن قوله: كتجمير الدار. انتهى.
ابن عرفة: قبل عياض استحباب بعض العلماء القراءة على القبر لحديث الجريدتين، وقاله الشافعي. انتهى (^١).
وفي الإحياء: لا بأس بالقراءة على القبور (^٢).
وفيه: وفي مسالك ابن العربي يستحب تلقينه بعد الدفن. انتهى (^٣).
وتلقينه أن يقول الملقن: يا عبد الله اذكر ما كنت عليه في دار الدنيا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
قوله: ﴿وصياح خلفها، وقول استغفروا لها، وانصراف عنها بلا صلاة، أو بلا إذن، إن لم يطولوا، وحملها بلا وضوء، وإدخاله بمسجد، والصلاة عليه فيه﴾ أي وكره صياح خلفها أي الجنازة بتعريف أو غيره.
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ٢٨٢.
(٢) إحياء علوم الدين للغزالي: ج ٢، ص: ١٨٩٢.
(٣) التاج والإكليل: ج ٢، ص: ٢٨٢.
[ ١ / ٤١٧ ]
وكذلك يكره الصياح بالقول استغفروا لها، ومما يكره انصراف عن الميت قبل الصلاة عليه، لأن ذلك مما يسيئ الظن بالميت، وكذلك يكره انصراف عن الميت بلا إذن من أهله، إن لم يطولوا المقام عنده لخوف إذاية نفوسهم، ومما يكره حمل الجنازة بلا وضوء.
ابن رشد: إنما كرهه لأنه يحمل ولا يصلي، ولو علم أنه يجد من الماء في موضع الجنازة ما يتوضأ به، لم يكره حمله على غير وضوء. انتهى (^١).
ومما يكره إدخال الميت في مسجد، هذا على القول بأنه طاهر، وأما على القول بأنه نجس فممنوع.
وقد قال في أول مختصره: ولو قملة وآدميا.
ومما يكره أيضا الصلاة على الميت في المسجد، ظاهره وإن كان الميت خارج المسجد.
قال بعضهم: يريد إن لم يضق خارج المسجد.
قال في المدونة: ولا يصلى عليها في المسجد إلا أن توضع بقربه فيصلي عليها من في المسجد بصلاة الإمام، إذا ضاق خارجه بأهله (^٢).
ابن ناجي: ضيق المسجد ليس بشرط، وكذلك إن لم يضق. انتهى.
قوله: (وتكرارها) أي وكره تكرار الصلاة على الميت وإن كان من صلى عليه فذا، وقيده بعضهم بما إذا كانت الأولى جماعة، سؤال يشكل بالصلاة على الجنازة، فإن مصلحتها إعفاء الميت من العقوبة بقبول الشفاعة وهذا غير معلوم، فينبغي أن تكرر وأن يجيب على الأعيان.
جوابه أن المطلوب من العباد إنما هو فعل صورة الشفاعة وهذا علم حصوله، وأما المغفرة فأمر مغيب. انتهى من الذخيرة للقرافي (^٣).
قوله: (وتفسيل جنب) هذا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل أي ويكره للجنب أن يغسل الميت إذا وجد غيره.
قوله: (كسقط وتحنيطه، وتسميته، وصلاة عليه، ودفنه بدار، وليس عيبا بخلاف
_________________
(١) مواهب الجليل للحطاب: ج ٢، ص: ٢٨٢.
(٢) المدونة الكبرى: ج ١، ص: ١٦١.
(٣) الذخيرة للقرافي: ج ٣، ص: ٣٨٨.
[ ١ / ٤١٨ ]
الكبير أي هو من باب إضافة المصدر إلى المفعول أي وكره غسل السقط وتحنيطه وتسميته وصلاة عليه ودفنه في دار، ولكن إن دفن فيها ليس بعيب ترد به، بخلاف دفن الكبير فإنه عيب، واعترض بأنه عيب يسير، وأجيب بأنه إن كان يسيرا لا يمكن إزالته فأشبه الكثير.
قوله: (لا حائض) أي فلا يكره تغسيل الحائض ميتا الفرق بينها وبين الجنب أن الجنب قادر على إزالة حدث الجنابة عن نفسه بخلاف الحائض.
قوله: (وصلاة فاضل على بدعي أو مظهر كبيرة، والإمام على من حده القتل بحد أو قود، ولو تولاه الناس دونه) أي ومما يكره صلاة إنسان فاضل بالعلم أو بالعبادة على مبتدع، هذا بناء على فسقهم وأما على القول بكفرهم فممنوع، وكذلك يكره لفاضل صلاة على مظهر كبيرة ردعا وزجرا لأمثالهم.
وكذلك صلاة الإمام على من حده القتل بقود أو حد كزان محصن قتل أو أبا أن يصلي في آخر الوقت أو سب نبيا من الأنبياء، وإن تولى الناس قتله دون الإمام، وأحرى إن تولاه بنفسه، لأن الإمام ينتقم لله فلا يكون شافعا فينتقم ويشفع غيره. انتهى.
وأما من ضربه الإمام فمات من ذلك الضرب، فإن الإمام يصلي عليه لأن حده الجلد ولم يكن القتل.
قوله: (وإن مات قبله فتردد) أي وإن مات من حده القتل قبل إقامة الحد عليه ففي صلاة الإمام عليه وعدمها تردد في الفهم لأبي عمران واللخمي.
قوله: (وتكفين بحرير، أو نجس، وكأخضر، ومعصفر أمكن غيره) أي وكره تكفين بحرير لأنه سرف، وقيل: يجوز للنساء، وقيل: يجوز مطلقا. وكذلك يكره تكفين بشيء نجس وبأخضر وشبهه كأزرق أو مصبوغ بكعصفور، إنما يكره التكفين بهذه الأصناف إذا أمكن غيره وأما إن لم يمكن فيجوز بلا كراهة.
قوله: (وزيادة رجل على خمسة واجتماع نساء لبكى وإن سرا، وتكبير نعش، وفرشه بحرير، وإتباعه بنار، ونداء به بمسجد أو بابه، لا بكحلق بصوت خفي) أي ومما يكره في كفن الرجل الزيادة على خمسة أثواب قميص وميزر وعمامة ولفافتان.
قال ابن غازي: لم أر من صرح بكراهته، وأخذ من قول ابن حبيب: أحب إلى مالك خمسة أثواب لا يلزم. انتهى (^١).
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٢٥٥.
[ ١ / ٤١٩ ]
وكذلك يكره اجتماع نساء لبكاء، وإن كن إنما يبكين سرا، ومما يكره تكبير النعش وفرشه بحرير، ومما يكره اتباع نعش الميت بنار تفاؤلا للبعد منها.
ومما يكره نداء بالميت في مسجد أو بابه لأنه رآه من النهي، وكانت الجاهلية إذا مات فيهم شريف بعثوا راكبا ينعاه في القبائل فنهى الشرع عن ذلك. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
ولا يكره النداء به في كحلق أي جماعة بصوت خفي.
قوله: (وقيام لها) أي ومما يكره القيام للجنازة حين المرور بها، وجوز ذلك ابن الماجشون وجعل القائم للجنازة حين المرور بها مأجورا، ولا شيء عليه إن ترك.
ابن حبيب وإن مرت به الجنازة فلا يعرض عنها لأن ذلك من الجفاء انتهى (^٢). وأما القيام للأحياء فعلى خمسة أقسام الشرع.
قال شهاب الدين القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق في الفرق التاسع والستين والمائتين يباح من إكرام الناس قسمان الأول ما وردت به نصوص الشريعة كإفشاء السلام، والثاني ما لم يرد في النصوص ولا كان في السلف، لأنه إذا لم تكن أسباب اعتباره موجودة حينئذ، وتجددت في عصرنا فتعين فعله لتجدد أسبابه؛ كأنواع المخاطبات للملوك، وأولي الرفعة من الولاة والعظماء، والقيام للكرام، فهذا كله ونحوه من الأمور العادية ولم تكن في السلف، ونحن اليوم نفعله في المكارمات والموالاة، وهو جائز مأمور به وإن كان بدعة، ولقد حضرت يوما عند الشيخ عز الدين ابن عبد السلام وكان من أعيان العلماء، وأولي الجد في الدين، والثبات على الكتاب والسنة، غير مكترث بالملوك فضلا عن غيرهم، لا تأخذه في الله لومة لائم، فقدمت إليه فتيا فيها ما تقول أئمة الدين في القيام الذي أحدث أهل زماننا، مع أنه لم يكن في السلف، هل يجوز أم لا يجوز ويحرم؟، فقال: قال رسول الله ﷺ: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» (^٣).
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٣٦١.
(٢) منح الجليل في شرح مختصر خليل.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٠١) باب من سأل الله العافية الحديث ٧٤٥. أخرجه البخاري في صحيح دون قوله ﷺ: ولا تقاطعوا (٨١) كتاب الأدب، (٥٧) باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر الحديث: ٥٧١٨ وأخرجه مسلم في صحيحه دون قوله ولا تقاطعوا =
[ ١ / ٤٢٠ ]
وترك القيام في هذا الوقت يفضي للمقاطعة والمدابرة، فلو قيل بوجوبه ما كان بعيدا. وهذا نص ما كتب وهو معنى قول عمر بن عبد العزيز (^١): تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وهذا بشرط أن لا يستبيح محرما، ولا يترك واجبا، وإنما هذه أمور لولا هذه الأسباب المتجددة كانت مكروهة من غير تحريم، فلما تجددت هذه الأسباب صار تركها يوجب المقاطعة المحرمة، وإذا تعارض المكروه والمحرم قدم المحرم والتزم دفعه وحسم مادة المحرم وإن وقع المكروه. انتهى (^٢).
قال البرزلي: وأما الكفار والفساق فلا يقام لأحد منهم لأنا أمرنا بإهانتهم وإلزامهم بإظهار الصغار. وكيف يفعل ذلك بمن يكذب الله ورسوله. فإن خفنا من شرهم ضررا عظيما فلا بأس بذلك، لأن التلفظ بكلمة الكفر جائز عند الإكراه. وأما إكرامهم بالألقاب والكنى فلا يجوز إلا لضرورة أو حاجة ماسة. وينبغي أن يهان الكفرة والفسقة زجرا عن كفرهم وفسقهم غيرة الله تعالى. انتهى منه (^٣).
قوله: ﴿وتطبين قبر أو تبييضه، وبناء عليه أو تحوين، وإن بوهي به حرم﴾. وجاز للتمييز، كحجر أو خشبة بلا نقش. ولا يغسل شهيد معترك فقط، ولو ببلد الإسلام أو لم يقاتل، (وإن أجنب على الأحسن) أي ومما يكره تطيين وسط القبر بالطين.
وكذلك يكره تبييضه وبناء عليه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا جصص القبر لم يسمع صاحبه الأذان ولا يدري بمن يزوره»، وقال ﷺ: «إن أهل القبور يرتجون أصحابهم وأهاليهم وزوارهم إلى أربعين سنة، فمن أيسهم أيسه الله يوم القيامة». انتهى من كتاب مناف الكنز والعدة والرفيق في الوحدة.
وكذلك يكره تحويز القبر بالتحويط عليه، وهذا إذا لم يقصد به المباهات، وأما إن قصد به المباهات فحرام.
_________________
(١) = (٤٥) - كتاب البر والصلة والآداب - (٧) باب تحرير التحاسد والتباغض والتدابر الحديث: ٢٥٥٩
(٢) عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي القرشي أبو حفص الخليفة الصالح العادل وربما قيل له خامس الخلفاء الراشدين كان مولده سنة: ٦١ هـ ومات سنة ١٠١ هـ ولي الخلافة بعهد من سلمان سنة: ٩٩ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٥، ص: ٥٠.
(٣) أنوار البروق في أنواع الفروق. الفرق التاسع والستون والمائتان: ج ٤، ص: ١٩٤ - ١٩٥.
(٤) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٣٤٦.
[ ١ / ٤٢١ ]
وجاز البناء على القبر إن قصد به تمييزه لأجل الزيارة. كما يجوز تمييزه بحجر أو خشبة بلا نقش عليهما، واعترض لأن قبور العلماء والصالحين شرقا وغربا عليها نقش، هذا قبر فلان بن فلان ولا تجتمع هذه الأمة المحمدية على الضلال، ووجه من كرهه لعدم خلوه عن المدح غالبا. انتهى.
ابن عرفة في مختصره: وقال الحاكم (^١) في مستدركه إثر تصحيحه أحاديث النهي عن البناء والكتب على القبر: ليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين شرقا وغربا مكتوب على قبورهم، وهو عمل أخذه الخلف عن السلف (^٢).
وأفتى ابن رشد بوجوب هدم ما بنى في مقابر المسلمين من السقائف والقبب والروضات وألا يبقى من جدرانها شيئا إلا قدر ما يميز به الرجل قبر قريبه لئلا يأتي من يريد الدفن بذلك الموضع. انتهى (^٣).
قوله: ولا يغسل شهيد معترك فقط واختصاصه بعدم الغسل لأجل شرفه، ولأنه يأتي يوم القيامة اللون لون الدم والرائحة كرائحة المسك ولأنهم ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩]، كان هذا الشهيد ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا، قاتل أولم يقاتل فر أم لا، ولو قتل في بلد الإسلام، وأحرى بلاد الحرب، وظاهره وإن كان نائما وإن كان هذا الشهيد مات جنبا على القول الأحسن سواء أجنب قبل اللقاء أو بعده.
وقال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله ورعاه كيف يجنب بعده، واحترز بقوله: فقط من الشهيد في غير المعترك كالمبطون والغريق والحريق، ومن مات تحت الهدم، وامرأة ماتت بجمع أي من ولادة وغيرهم، فإنهم يغسلون ويصلى عليهم.
قوله: (لا إن رفع حيا وإن أنفذت مقاتله إلا المغمور، ودفن بثيابه إن سترته، وإلا زيد بخف وقلنسوة ومنطقة قل ثمنها، وخاتم قل فصه أي لا إن رفع هذا الشهيد حيا ثم مات، وإن كان بمعنى الميت، كما لو نفذت مقاتله لصدق الحياة عليه، إلا أن يكون مغمورا لم يفق بعد إنفاذ المقاتل، فيحلق بالمقتول في المعترك لأنه في حكم العدم،
_________________
(١) الحاكم النيسابوري: محمد بن عبد الله الشهير بالحاكم، يعرف بابن البيع، أبو عبد الله من أكابر حفاظ الحديث كان مولده سنة: ٣٦١ هـ ومات سنة: ٤٠٥ هـ. من مؤلفاته: المستدرك على الصحيحين وتراجم الشيوخ وغيرهما. الأعلام للزركلي: ج ٦/ ٢٢٧.
(٢) المستدرك للحاكم: ج ١/ ٥٢٥، بعد الحديث: ١٣٧٠.
(٣) مختصر ابن عرفة: ج ١/ ٣٢٨. مخطوط
[ ١ / ٤٢٢ ]
ويدفن شهيد المعترك بثيابه إن سترته وإلا أي وإن لم تستره زيد عليها ما يستره وإن لم يوجد إلا دون ذلك ستر من سرته إلى ركبتيه، ويدفن مع خف عليه وقلنسوة ومنطقة قل ثمنها لا ما كثر ثمنه. وكذلك يدفن مع خاتم سني عليه إذا كان فضة قليلا وإلا فلا يدفن معه، والخاتم السني ما وزنه مع فصه در همان، فلا يدفن بخاتم غير سني.
قوله: (لا درع وسلاح) أي لا يدفن الشهيد مع الدرع ولا مع سلاح مطلقا.
قوله: (ولا دون الجل، ولا محكوم بكفره، وإن صغيرا ارتد، أو نوى به سابيه الإسلام؛ إلا أن يسلم: كأن أسلم ونفر من أبويه) أي ولا يغسل من الميت ما دون الجل منه وإن كان نصفا بل يجمع ويدفن.
وكذلك لا يغسل محكوم بكفره لأجل دنائته، كان كفره أصليا أو تبعا كولده الصغير أو طارئا وإن صغيرا مميزا حكم بإسلامه أو بإسلام أبيه وارتدى أو نوى به سابيه الإسلام إلا أن يسلم بما يعلم به أنه عقل الإسلام فإنه يغسل ويصلى عليه كما إذا أسلم وفر من أبويه فإنه يغسل ويصلى عليه هذا قول ابن القاسم جعل ارتداده هنا ارتداد، وإسلامه إسلاما.
وقد كان اسلام علي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله ابن عباس ﵄ قبل البلوغ.
وكان محلهما عند النبي ﷺ أنهما مسلمين.
قوله: (وإن اختلطوا غسلوا وكفنوا، وميز المسلم بالنية في الصلاة، ولا سقط لم يستهل، ولو تحرك، أو عطس، أو بال، أو رضع: إلا أن تتحقق الحياة، وغسل دمه، ولف بخرقة، وووري) أي وإن اختلط من يغسل ويصلى عليه مع موتى الكفار بحيث لا يعرفون فإنهم يغسلون كلهم، ويكفنون احتياطا وميز المؤمن المسلم بالنية في الصلاة.
قوله: ولا سقط وقد تقدم هذا ولكن كرره ليرتب عليه ما لم يذكر فيه أي ولا يغسل السقط ولا يصلى عليه إن لم يستهل صارخا ولوا استهل لغسل فلا يغسل ولو تحرك أو عطس لأن العطاس ليس بحيات وإنما هو ريح يخرج من الرأس.
وكذلك إن بال لأنه من استرخاء المواسك. وكذلك إن رضع فلا يغسل، إلا أن تحقق الحياة منه، كما إذا بقى زمنا طويلا، ويغسل دم السقط، ويلف بخرقة، ووري أي ستر بالتراب.
قوله: (ولا يصلى على قبر، إلا أن يدفن بغيرها، ولا غائب) أي ولا يصلى على قبر
[ ١ / ٤٢٣ ]
الميت إلا أن يدفن بغير صلاة فيصلى عليه، إلا أن يطول الزمان، حيث يعلم أنه لم يبق فيه.
وفي إكمال الإكمال: المازري واختلف الناس في الصلاة على القبر، ومشهور قول مالك المنع، والشاذ جوازها فيمن دفن بغير صلاة.
عياض: تحصيل الصلاة على القبر أنه إن دفن الميت بغير صلاة فإنه يخرج ما لم يفت، فإن فات فالمشهور أنه يصلى عليه وهو في القبر.
وقال أشهب وسحنون: أنه لا يصلى على القبر وفيما يفوت به أربعة أقوال.
أشهب: بإهالة التراب.
عس ابن دينار (^١): بالفراغ من دفنه.
ابن القاسم: ما لم يخف تغيره. سحنون: أن يطول.
وقال أبو حنيفة بالزيادة على ثلاثة أيام.
أبو عمر: وأجمع من قال بالصلاة على القبر أنه فيما قرب، وأقل ما قيل في القرب أنه شهر. انتهى (^٢).
وكذلك لا يصلى على ميت غائب لاحتمال أنه صلى عليه ولا يقال أن النبي ﷺ صلى على غائب إذ يحتمل أنه رفع الحجاب بينه وبينه ويحتمل أنه من خصائصه ﷺ.
قوله: (ولا تكرر. والأولى بالصلاة: وصي رجي خيره، ثم الخليفة، لا فرعه، إلا مع الخطبة، ثم أقرب العصبة) أي ولا تكرر الصلاة على الميت وقد تقدم قوله والأولى أي الأولى بالصلاة على الميت وصي بها رجى خيره لأن ذلك من حق الميت فهو أعلم بمن يستشفع له.
قال مالك في العتبية: إلا أن يعلم أن ذلك من الميت لعداوة كانت بينه وبين وليه وإنما أراد أن يقبضه فلا تجوز وصيته بذلك يريد إذا كان الولي أولى ممن له دين وفضل وإلا كان الوصى إليه أولى لأن الولي إذا لم يكن معروفا بالخير وكانت
_________________
(١) أبو محمد عيسى بن دينار بن وهب القرطبي الفقيه القاضي العادل سمع من ابن القاسم وصحبه ألف في الفقه كتابه الهدية مات ببلده طليطلة سنة: ٢١٢ هـ شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٩٥، الترجمة: ٩٢.
(٢) إكمال الإكمال: ج ٣، ص: ٣٦٥.
[ ١ / ٤٢٤ ]
العداوة بنيهما اتهم في التقصير له في الدعاء (^١).
ثم الخليفة العباسي لا فرعه أي لا نائبه إلا أن يكون صاحب الخطبة في الجامع فيقدم على العصبة وهذا كله إن عدم نقص منع أو كره في الإمامة فإن لم يكن الخليفة ولا نائبه الخطيب فأقرب العصبة.
قوله: (وأفضل ولي، ولو ولي امرأة، وصلى النساء دفعة، وصحح ترتبهن) أي وقدم للصلاة على الميت أفضل ولي من أوليائه أو أفضل ولي من أولياء الأموات ولو كان ولي المرأة هو الأفضل فإنه يقدم وإن كان ميته مؤخر.
وقيل يقدم ولي أفضل الموتى؛ لأنه هو الذي يلي الإمام، ومثله إذا كان رجلا وامرأة، وكان ولي المرأة أفضل، فقول مالك يتقدم ولي المرأة، وقول ابن الماجشون: يتقدم ولي الرجل لأنه يقول هذا وليي، فأنا أقدم على القول الأحسن عليه، وغيره تبع. انتهى من اللخمي (^٢).
وهو قول مالك خلافا لعبد الملك. فإن لم يوجد من يصلي على الميت من الرجال المتأهل لذلك، فالنساء يصلين دفعة واحدة وحدانا، وصحح ترتبهن واحدة بعد واحدة، ولا يقال أنه تكرار للصلاة لأجل نقصهن.
قوله: (والقبر حبس: لا يمشى عليه، ولا ينبش؛ ما دام به) أي والقبر حبس على من هو فيه لا يمشى عليه ولا ينبش ما دام به، فإن نقل منه أو ظن عوده ترابا، وفي تقديره بعشرين سنة نظر لاختلاف التراب.
وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (^٣) ولأن للميت حرمة ومن حقه ألا يمتهن بالقعود عليه والإتكاء.
قال ابن عرفة: إن طال فله الانتفاع بظاهر أرضه.
ابن رشد: لو كانت ملكهم كان لهم نبشها وتحويلهم لمقابر المسلمين وفعله معاوية لما أراد إجراء العين التي بحذاء أحد.
قال جابر: لما أراده نادى مناديه بالمدينة، من كان له بها قتيل فليخرجه
_________________
(١) هذا نص ما في مواهب الجليل للحطاب: ج، ص:
(٢) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص ٦٧٩
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (١١) - كتاب الجنائز (٣٣) - باب النهي عن الجلوس على القبر، الحديث: ٩٧٢. وأخرجه الترمذي في سننه (٨) - كتاب الجنائز، (٥٧) - باب ما جاء في كراهية المشي على القبور، الحديث: ١٠٥٠
[ ١ / ٤٢٥ ]
وليحوله، فأخرجناهم رطابا. انتهى من مختصره (^١).
ابن عبد السلام: ووقع في كتب بعض أهل المذهب عن بعضهم أنه يجوز حرث البقيع بعد عشرة أعوام ووقع أيضا لبعضهم أنه إذا حرثت المقابر أخذ كراؤها ممن حرثها وصرف في جهاز الموتى. انتهى من التوضيح (^٢).
قوله: (إلا أن يشح رب كفن غصبه، أو قبر بملكه أونسي معه مال، وإن كان بما يملك فيه الدفن بقي وعليهم قيمته) أي ولا ينبش القبر ما دام به الميت إلا أن يشح مالك كفن أو غيره غصبه أو يشح رب قبر غصبه بملكه أو نسي معه مال وإن من تركته فإنه ينبش لهذه الأشياء لحق الغير، وإن كان القبر المغصوب في أرض يملك فيه الميت الدفن كالمقبرة، أو أرض مباح لا ملك لأحد فيه، فإن الميت يبقى فيه للشبهة، وليس على أهله نبشه، ولكن عليهم قيمة الحفر.
قوله: (وأقله ما منع رائحته وحرسه) أي وأقل حفر القبر ما منع رائحة الميت وحرسه من السباع.
قوله: (وبقر عن مال كثر) أي ويبقر الميت عن مال كثير ابتلعه ابتلاعا شرعيا أم لا أو قصد به حرمان الورثة (ولو) كان إثبات ذلك ﴿بشاهد ويمين﴾ وأحرى بشاهدين إذ يقضى بالشاهد واليمين، واختلف في حد الكثير، قال بعضهم: هو نصاب القطع في السرقة، وقال بعضهم: هو نصاب الزكاة.
قوله: (لا عن جنين، وتؤولت أيضا على البقر إن رجي، وإن قدر على إخراجه من محله فعل) أي لا تبقر المرأة عن جنين وإن رجى حياته، وهو قول مالك وتأول عليه المدونة، فقدم مالك ﴿تخلله﴾ حق الأم لأن ذلك مثلة، وتأولت أيضا المدونة على البقر إن رجي حياته، وقدم حق الولد.
اللخمي: وهو أحسن. وإحياء نفس أولى من صيانة الميت لحرمتها، وعلى البقر (^٣).
قال سند: من خاصرتها اليسرى لأنها أقرب للولد، ويلي ذلك أخص أقاربها والزوج أحسن (^٤)، وهذا الخلاف في الآدمية لحرمتها، فإن فرعنا على عدم البقر فلا
_________________
(١) محتصر ابن عرفة: ج ١، ص: ٣٢٨/ ٣٢٩.
(٢) التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب للشيخ خليل: ج ٢، ص: ١٦٧.
(٣) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٧١٧.
(٤) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٤٧٩.
[ ١ / ٤٢٦ ]
تدفن حتى يموت الجنين.
الحاصل: إن رجي جنين الآدمية ففي البقر عليه تأويلان.
وأما إن لم يرج فلا تبقر بلا خلاف، وأما البهيمة فلا خلاف أنها تبقر عن جنينها.
مسألة: رمكة ماتت وفي بطنها ولدها، فاستخرجه غير مالكها.
قال التونسي: فيمن ماتت له ناقة، أو بقرة، أو دابة في بطنها ولدها، فطرحها فجاء رجل فاستخرج منها الجنين.
قال سحنون مرة: لمستخرجه، ومرة قال: لصاحبها، وأرى أن يكرى عليه من بيت المال حتى يكبر فيباع ويتصدق بثمنه، وإن أخذه صاحب الرمكة، فلابد من التربية لئلا يذهب عمله. انتهى.
قوله: (والنص عدم جواز أكله لمضطر، وصحح أكله أيضا) أي والنص للعلماء عدم أكل ميتة الآدمي لمضطر خاف على نفسه الموت، إذ تحرم لحوم بني آدم إكراما لهم وتشريفا، وحرمته حيا وميتا سواء، وصحح أكله لمضطر لعموم الآية، وعلى القول الصحيح إن لم يجد ميتا فإنه يأكل من حده القتل، وإن لم يوجد فإنه يأكل من نفسه حتى يستغني، إن لم يخف على نفسه.
النص: ما رفع في بيانه إلى غاية.
وقيل: النص ما ليس فيه احتمال أو كان فيه احتمال ضعيف.
قوله: (ودفنت مشركة حملت من مسلم بمقبرتهم) أي ودفنت كافرة ماتت وهي حامل من مسلم في مقبرة الكفار، إذ لا حرمة لجنينها إذ هو كعضو منها، ويلي دفنها أهل دينها.
قال ابن غازي: قال ابن عرفة: ونقل ابن غلاب (^١) عن المذهب تدفن بطرف مقبرة المسلمين، وهم (^٢).
قوله: (ولا يستقبل بها قبلتنا ولا قبلتهم) قال المواق في التاج والإكليل: ليس هذا موضع هذا الفرع.
_________________
(١) عبد السلام بن غالب، أبو محمد المسراتي القيرواني، المعروف بابن غلاب: فقيه مالكي، أصله من «مسراتة» في ليبية. كان مولده سنة: ٥٧٦ هـ وتوفي بالقيروان سنة: ٦٤٦ هـ. له كتب، منها «الوجيز» في الفقه، و«الزهر الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى» الأعلام للزركلي: ج ٤، ص: ٧.
(٢) التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ٣٠٠.
[ ١ / ٤٢٧ ]
قال ابن غازي: فإن قلت إنما يلي دفنها أهل دينها بمقبرتهم، كما صرح به في النوادر (^١) وغيرها فما فائدة قول المصنف: لا تستقبل قبلتنا ولا قبلتهم؟ وإنما وقع هذا في المدونة عن ربيعة (^٢) في المسلم يواري أباه الكافر (^٣).
قلت: كأنه احترز به من قول بعض العلماء: يجعل ظهرها إلى القبلة؛ لأن وجه الجنين إلى ظهرها، على أن في التعبير عن هذا المقصد بهذه العبارة بعد. والله أعلم. انتهى (^٤).
قال ابن عرفة: وسئلت عن امرأة ماتت فأراد زوجها دفنها في مقبرته، وأراد عصبتها دفنها في مقبرتهم، فأجبت بأن القول قول عصبتها، أخذا من هذه المسألة لعدم النص فيها.
القلشاني: والمسألة المأخوذة منها، قوله في المدونة: تتنوي البدوية حيث انتوى أهلها، لا حيث انتوى أهل الزوج (^٥).
قوله: (ورمي ميت البحر به مكفنا إن لم يرج البر قبل تغيره) أي وإن مات مسلم في بحر، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ثم يرمى في البحر إن لم يرج وصول البر قبل تغيره، ولا يثقل ليهبط إلى قاع البحر، خلافا لمن قال: يثقل ليهبط. وأما إن رجي البر قبل تغيره، فإنه يستأنى به ليدفن فيه.
قوله: (ولا يعذب ببكاء لم يوص به) أي ولا يعذب الميت ببكاء عليه إن لم يوص به وإن بلسان حاله.
وقال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: ورد في الحديث عنه ﷺ: «أن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه» (^٦) أخرجه مالك في الموطأ. فأشكل
_________________
(١) النوادر والزيادات لابن أبي زيد: ج ١، ص: ٥٩٧/ ٥٩٨.
(٢) أبو عثمان ربيعة بن عبد الرحمن فروخ الأنصاري المدني المعروف بربيعة الرأي مفتي المدينة أدرك جماعة من الصحابة وأخذ عنهم منهم أنس ﵁، وعنه مالك وغيره. مات سنة: ١٣٦ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٧٠، الترجمة: ٣٠.
(٣) المدونة: ج ١، ص: ١٨٧.
(٤) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٢٥٨.
(٥) هذا مضمون ما ذكره القلشاني في شرحه للرسالة: ج ١، ص: ١٩٨. مخطوط
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه (٢٩) - كتاب الجنائز (٣٢) باب قول النبي ﷺ يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه الحديث: ١٢٢٨. وأخرجه مسلم في صحيحه (١١) - كتاب الجنائز (٩) - باب الميت يعذب ببكاء أهله الحديث: ٩٢٧/ ٩٣٢. وأخرجه مالك في الموطأ (١٦) - كتاب
[ ١ / ٤٢٨ ]
ظاهر الحديث من جهة أن الإنسان لا يؤاخذ بفعل غيره، وهي قاعدة صحيحة تعارض هذه القاعدة، وحصل الفرق من وجوه أحدها، أنه محمول على ما إذا أوصى بالنياحة كما قال طرفة (^١):
فإن مت فانعني بما أنا أهله … وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
وثانيها أنهم كانوا يذكرون في نواحهم مفاخر هي مخاز عند الشرع، كالغصب والفسوق، فيعذب بها، فيكون المعنى أن الميت يعذب بمدلول ما يقع في البكاء من الألفاظ، ولما كان بين البكاء وبين تلك الأمور ملازمة قد حصلت في الواقع، عبر بالبكاء عنها مجازا (^٢).
قوله: ﴿ولا يترك مسلم لوليه الكافر ولا يغسل مسلم أبا كافرا ولا يدخله قبره إلا أن يضيع فليواره﴾ أي ولا يترك المسلمون مسلما لوليه الكافر في التمريض والتجهيز، لأن عداوة الدين أشد من محبة القرابة، فإن مات كافر فلا يغسله ابنه المسلم ولا يدخله قبره، إلا أن يخاف أن يضيع فليواريه في الأرض، ولا يستقبل به قبلتنا ولا قبلتهم، لأنه ليس من أهل قبلتنا، ولا نعظم نحن قبلتهم.
قال المواق: وهذا موضع ما تقدم ذكره من قوله: ولا تستقبل قبلتنا ولا قبلتهم، لعل الناسخ وضعه في غير موضعه.
قوله: ﴿والصلاة أحب من النفل إذا قام بها الغير إن كان كجار أو صالحا﴾ أي والصلاة على الميت أحب عند مالك من النفل، ومن الجلوس في المسجد، إذا قام الغير بالصلاة عليه، إن كان الميت كجار أو صديق أو صالح أوشيخ أو معلم وأما إن لم يكن الميت مثل هؤلاء، فالنفل والجلوس في المسجد أحب إليه، وهذا إذا قام الغير بالصلاة عليه، وأما إذا لم يقم به الغير فإنها تتعين عليه.
_________________
(١) = الجنائز، (١٢) - باب النهي عن البكاء على الميت الحديث: ٣٧.
(٢) طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد، البكري الوائلي، أبو عمرو: شاعر جاهلي، من الطبقة الأولى. ولد في بادية البحرين نحو سنة ٨٦ ق. ب، وتنقل في بقاع نجد. وقتل سنة: ٦٠ ق. ب. الأعلام للزركلي: ج ٣، ص: ٢٢٥. والبيت من معلقته انظر ديوان طرفة تحقيق: د. درويش الجويدي: ص: ٥٦، ط ١: ١٤٢٩ هـ. المكتبة المصرية.
(٣) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي الفرق: ١٠١: ج ٢، ص: ١٧٥.
[ ١ / ٤٢٩ ]