قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الطهارة، وما يتطهر به، وما لا يتطهر به وما اختلف فيه.
الطهارة في الشرع قسمان: عينية وحكميه، فالعينية عبارة عن إزالة النجاسة، والحكمية عبارة عن الطهارة التي هي الوضوء والغسل وليس المقصود بها إزالة شيء وإنما هي ما تعبدنا بها، فكانت حكمية لا عينية والطهارة الحكمية هي صفة توجب لموصوفها استباحة الصلاة به أوفيه أوله والأولان للخبث والأخير للحدث، والحدث عبارة تطلق في اصطلاح الفقهاء على كل ما ينقض الطهارة بنفسه أو غيره، والطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة.
بدأ الشيخ حمدلله بالطهارة، لأنها قبل الصلاة.
اعلم - رحمك الله - أنه يجب أن تعتقد أن الله تعالى ما أمر بشيء، إلا وفيه مصلحة عاجلة أو آجلة أو كلاهما، وما نهى عن شيء إلا وفيه مفسدة عاجلة أو آجلة أو كلاهما، وما أباح الله شيئا إلا وفيه مصلحة عاجلة أو آجلة، وأكثر هذه المصالح والمفاسد ظاهر جلي، فيستدل عليها بأدلتها التي نصبها الله تعالى لها، ومنها ما لا تظهر فيه مصلحة ولا مفسدة، سواء جلب الثواب أو دفع العقاب، ويعبر عنه بالتعبد. انتهى من البقوري (^١).
قوله: (يرفع الحدث) أي الحدث الأصغر الذي هو ما ينقض الوضوء، والأكبر الذي هو الجنابة، وحكم الخبث.
قال الشيخ: يرفع الحدث، ولم يقل رافع الحدث لأنه مجاز.
قال صاحب التلقين (^٢): معنى رفع الحدث استباحة كل فعل كان الحدث مانعا
_________________
(١) أظنه محمد بن إبراهيم أبو عبد الله البقوري ولد بالأندلس سمع من القاضي أبي عبد الله محمد الأندلسي، مات بمراكش سنة: ٧٠٧ هـ، الديباج: ج ٢، ص: ٣١٦.
(٢) أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي الفقيه الحافظ الحجة المتقن. العلم الماهر والأديب الشاعر. أخذ عن أبي بكر الأبهري وأجازه وأخذ عن غيره كابن القصار وبن الجلاب وغيرهما. وأخذ عنه أبو الفضل مسلم الدمشقي وغيره وروى جماعة منهم عبد الحق بن هارون وغيره. تولي القضاء بعدة جهات من العراق ثم انتقل إلى مصر من مؤلفاته: النصرة لمذهب =
[ ١ / ٩٣ ]
منه (^١).
قوله: (وحكم الخبث بالمطلق) إنما قاله لأن العين يزول بغير المطلق، ورفع حكم الخبث يستلزم رفع العين، ولا ينعكس، فلا يعترض علينا بالإستجمار، لأن الإستجمار رخصة، والمشهور أن التيمم لا يرفع الحدث، إنما يبيح الصلاة ونحوها من مس المصحف وغير ذلك، والمطلق غير المقيد، ويقال: طهور (وهو ما صدق عليه اسم ماء بلا قيد) لغيره.
قال بعضهم: هذا إذا قيد بغير محله كماء ورد أو زعفران مثلا، وأما المقيد بمحله كماء البحر فهو طهور، والمقيد المعنوي فغير طهور، وهو كونه مغلوبا بما يفارقه غالبا، من طاهر أو نجس.
قوله: (وإن جمع من ندى) أي يرفع الحدث وحكم الخبث بالماء المطلق، وإن كان قد جمع من ندى، (أو ذاب بعد جموده) إن كان جامدا، (أو كان سور بهيمة).
البهيمة: الحيوان غير الناطق مأكول اللحم أم لا، (أو) كان المطلق سؤر شرب (حائض أو جنب، أو كان فضلة) ماء (طهارتهما، أو كان كثيرا خلط بنجس)، وأحرى بطاهر (لم يغير) وصفا من أوصافه.
وقوله: أو كثيرا خلط بنجس أحترز به من المجاور الذي لم يخالط، ومفهوم قوله: كثيرا أن القليل يضر وسيأتي حكمه إن شاء الله.
النجس بفتح الجيم وكسرها ويقال بكسر النون وسكون الجيم، وقيل النجس بالفتح النجس نفسه، وبالكسر الشيء المتنجس.
قوله: (أو شك في مغيره) أي أو كان هذا الماء شك في مغيره (هل يضر؟)، فيسلب الطهورية كالطعام، أو ما لا يسلب الطهورية كالتراب، فيستصحب حال الماء.
قال المازري: ولا ينتقل الماء عن أصله حتى يتحقق ما يؤثر فيه. انتهى (^٢).
_________________
(١) = مالك في مائة جزء فوقع الكتاب بخطه بيد بعض قضاة الشافعية فألقاه في النيل والمعونة بمذهب عالم المدينة والأدلة في مسائل الخلاف وشرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني وشرح المدونة. وله التلقين وشرحه … إلخ. كان مولده سن ٣٦٣ هـ. ومات سنة ٤٢٢ هـ أو ٤٢١ هـ وقبره قريب من قبر ابن القاسم وأشهب شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٥٤ - ١٥٥، الترجمة: ٣٠٢.
(٢) التلقين في الفقه المالكي، تأليف: الإمام القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن على بن نصر البغدادي: ص: ١٨، ط: ٢٠٠٤ وهامشه: تصحيح ثلج التقين لأبي الفضل السجلماسي تحقيق الشيخ الفقيه أبي أويس محمد وأبي الفضل بدل، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
(٣) هذا نص ما ذكر الخرشي في شرحه بعد قول صاحب المختصر: أوشك في مغيره هل يضر دون =
[ ١ / ٩٤ ]
وكذلك الغدير (أو) بئر بصحراء لا يدري سبب نتنه، لاحتمال أنه من طول ركوده، وكذلك إذا (تغير) الماء (ب) سبب (مجاوره وإن) كان المجاور (بدهن لأصق) وأحرى إن لم يلاصق.
ابن عبد السلام (^١): الدهن يجاور ولا يلاصق. انتهى.
وقيل: إلا الدهن الذائب فإنه يمازج، (أو) كان تغير المطلق (برائحة قطران وعاء مسافر، أو بمتولد منه). أطلق الشيخ رحمة الله المسافر وقيده بعضهم بسفر الحج، وقيد بالرائحة، وأطلق بعضهم.
وقال بعضهم: وكذلك تغير ماء القربة بالدباغ، لا يسلب الماء طهوريته، وكذلك إن إذا تغير المطلق بما يتولد منه، لطول المكث كالطحلب، أو بشيء يشبه الدهن فوق الماء فلا يضر.
قوله: (أو بقراره) أي وكذلك تغير الماء لأجل قراره، (كملح) أو كبريت ونحو ذلك، وخص الشيخ الملح بالذكر إذ قد يتوهم أنه طعام، فيسلب الطهورية.
قوله: (أو بمطروح ولو قصدا) أي وتغير وصف من أوصاف المطلق بسبب شيء مطروح فيه، (من تراب أو ملح)، فإن ذلك لا يسلب الطهورية، ولو كان الطرح فيه مقصودا، وأحرى غير مقصود، (والأرجح) عند ابن يونس من الأقوال السلب) أي سلب طهوريته (بالملح) إذا طرح فيه قصدا. انتهى.
وقال المواق (^٢): فالصواب أنه لا يجوز الوضوء به، لأنه إذا فارق الأرض كان طعاما، ولا يتيمم عليه. انتهى (^٣).
_________________
(١) = ذكر المازري.
(٢) ابن عبد السلام: أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الهواري التونسي، قاضي الجماعة الشيخ الفقيه الحافظ العمدة المحقق، أخذ عن ابن هارون وابن جماعة وغيرهما. وأخذ عنه ابن عرفة وابن خلدون وغيرهما. تولي التدريس والفتياء والقضاء. له تبيين الطالب لفهم مختصر ابن الحاجب وهو أحد الشروح الثلاثة التي اعتمدها خليل في توضيحه. مات سنة: ٧٤٩. شجرة النور الزكية. ٧٦٣: ١/ ٣٠١، ص: الترجمة.
(٣) هو أبو عبد الله محمد بن يوسف العبدري الأندلسي الغرناطي المالكي الشهير بالمواق. إمام عالم حافظ. أخذ عن القاضي أبي القاسم بن السراج وغيره. وأخذ عنه الزقاق وغيره له التاج والإكليل في شرح مختصر خليل وغيره. مات سنة: ٨٩٧ هـ. كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج لأحمد بابا التنبكتي. ج ٢، ص: ٢٠٣. الترجمة: ٦٠٤. ط: ٢٠٠٤. مكتبة الثقافة الدينية القاهرة. وشجرة النور الزكية. ج ١. ص: ٣٧٨. الترجمة: ٩٨٨ وفيها العبدوسي بدل العبدري.
(٤) التاج والإكليل لمختصر خليل، لأبي عبد الله محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري الشهير =
[ ١ / ٩٥ ]
المشهور أنه طهور إلحاقا للطارء الأعلى.
قوله: (وفي الاتفاق على السلب به إن صنع تردد) أي وفي الاتفاق وعدمه على سلب طهوريته بالملح المصنوع تردد في فهم النقل.
قال بعضهم: المذهب على ثلاثة أقوال السلب وعدمه، والفرق بين المعدني والمصنوع فيسلب المصنوع دون المعدني.
وقال بعضهم: المذهب كله على قول، ومن قال بالسلب فهو إذا كان مصنوعا، ومن قال لا يسلب فهو إذا كان معدنيا.
وقوله: ولو هو أول اصطلاحاته في كتابه هذا.
قوله: (لا بمتغير لونا، أو طعما، أو ريحا، بما يفارقه غالبا من طاهر أو نجس، كدهن خالط أو بخار مصطكى) أي لا يرفع الحدث وحكم الخبث بماء متغير لونا أو طعما بلا خلاف فيهما، أو بمتغير ريحا على المشهور.
ابن الحاجب (^١): ولم يعتبر (^٢).
ابن الماجشون (^٣): الريح (^٤)، والتغير إنما يسلب طهوريته إذا كان بما يفارقه غالبا من طاهر أو نجس، وذلك كدهن خالط، أو تغير برائحة دخان مصطكى أو غيره. قال اللخمي روائح الطيب وغيرها إن كانت عما حل فيه كان مضافا، وإن كان
_________________
(١) = بالمواق ت: ٨٩٨ هـ وهو بهامش مواهب الجليل للحطاب: ط ١: ٢٠٠٢ م، ج ١، ص: ٥٩، دار الفكر.
(٢) ابن الحاجب هو أبو عمر جمال الدين عثمان بن عمر بن أبي بكر المعروف بابن الحاجب المصري ولد سنة: ٥٧٠ هـ. أخذ عن أبي الحسن الأنباري وعليه اعتماده وقرأ على الإمام الشاطبي القراءات. وعنه الشهاب القرافي والأنباري والزواوي. من مؤلفاته: - مختصره الفرعي الذي أعتني به العلماء ووضعوا عليه شروحا كثيرة منها التوضيح للشيخ خليل، ومنها منتهي السول والأمل في علمي الأصول والجدل، والكافية في النحو وله مؤلفات أخرى في غاية الجودة والإتقان. توفي بالإسكندرية في شوال سنة: ٦٥٥ هـ عن ٨٥ سنة. شجرة النور الزكية ص: ٢٤١. الترجمة: ٥٤١.
(٣) جامع الأمهات لابن الحاجب: ص: ٣٢.
(٤) ابن الماجشون عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله التميمي بالولاء أبو عمران بن الماجشون، أحد فقهاء المالكية أخذ عن أبيه ومالك وغيرهما وعنه أخذ ابن حبيب وسحنون وابن المعذل وغيرهم. مات سنة: ٢١٢ هـ، شجرة النور الزكية، ج ١، ص: ٨٥، الترجمة: ٥٦.
(٥) جامع الأمهات تأليف: جمال الدين بن عمر ابن الحاجب المالكي ص: ٣٢ ط ٢٠٠٠ حققه وعلق عليه: أبو عبد الرحمن الأخضري اليماني للطباعة والنشر.
[ ١ / ٩٦ ]
عن مجاورة لم يضف إلا ما كان من البخور؛ فإن له حكم المضاف، لأن النار تصعد بأجزاء منه، ويوجد طعم ما يبخر به من المصطكى (^١) ..
ابن عرفة: هذا صواب. انتهى من المواق (^٢).
قوله: (وحكمه كمغيره) أي وحكم المطلق المتغير وصف من أوصافه، حكم ما غيره إن طاهرا فطاهر وإن كان نجسا فنجس، ويستعمل الطاهر في العادات ويراق النجس.
قوله: (ويضر بين تغير بحبل سانية) وهو إضافة الصفة إلى الموصوف، ومفهومه أن التغير إن لم يتبين لا يضر والمفهوم صحيح، وحبل السانية ليس بشرط، وكذلك ماء تغير بمكثه في إناء جديد.
قوله: (كندير بروث ماشية) أي كما يضر تغير المطلق بروث ماشية، وإن لم يتعين تغيره، وبهذا يوافق النقول.
ابن غازي (^٣): التشبيه في الحكم فقط، إذ لا يشترط التبيين (^٤) هنا.
قال الشارح (^٥): التشبيه في الصورة والحكم. انتهى (^٦).
وقول ابن غازي: وروى ابن غانم (^٧): لا يعجبني الوضوء به ولا أحرمه، ففي
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٤٤.
(٢) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٦٠.
(٣) ابن غازي: هو أبو عبد الله محمد بن غازي العثماني المكناسي ثم الفاسي. العلامة الحافظ الحجة. أخذ عن أبي مرزوق وأبي عبد الله السراج وغيرهم وأخذ عنه عبد الواحد الونشريسي وأحمد الدقوق وغيرهما. من مؤلفاته: شفاء الغليل في حل مقفل خليل وتكميل التقييد وتحليل التعقيد وغيرهما من المؤلفات. كان مولده سنة: ٨٤١ هـ ومات سنة: ٩١٩ هـ. شجرة النور الزكية. ج ١، ص: ٣٩٨، الترجمة: ١٠٥٤.
(٤) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ١٢٥. بتصرف.
(٥) هو بهرام بن عبد الله. قاضي القضاة بمصر. أبو البقاء الدميري تاج الدين. كان علامة حافظا، أخذ عن الشيخ خليل وغيره. ولد سنة: ٧٢٤ هـ، ومات سنة: ٨٠٥ هـ. له ثلاث شروح على مختصر شيخه خه خليل. مات. أنظر كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج. لأحمد باب التنبكتي: ج ١، ص: ١١٢، تحقيق د/ على عمر. الناشر. مكتبة الثقافة الدينية. الطبعة الأولى. شجرة النور الزكية ج ١، ص: ٣٤٤ - ٣٤٥، الترجمة: ٨٨٧.
(٦) لم أطلع عليه.
(٧) عبد الله بن عمر بن غانم بن شرحبيل الرعيني، أبو عبد الرحمن: قاض فقيه ورع، من سكان إفريقية. دخل الشام والعراق في طلب العلم وولاه هارون الرشيد قضاء إفريقية سنة: ١٧١ هـ فاستمر قاضيا إلى أن مات في القيروان أخباره كثيرة. وكان من الثقاة. جمع ما سمعه من الإمام. =
[ ١ / ٩٧ ]
المجموعة: في الغدير ترده الماشية فتبول وتروث فيها حتى يتغير لون الماء وطعمه، لا يعجبني الوضوء به من غير تحريم (^١).
قال البرزلي (^٢): فعليه فالصلاة بوضوئه مجزية، والإعادة في الوقت استحبابا، ويجمع بينه وبين التيمم. انتهى من نوازل البرزلي (^٣).
قوله: (أو بئر بورق شجر أو تبن) أي وكذلك يضر ماء البئر ويسلب طهوريته، بتغير وصف من أوصافه وإن لم يتبين تغيره بسبب ورق شجر أو تبن يسقط فيه، وقيل مكروه، (والأظهر) عند ابن رشد في بئر البادية بهما الجوان.
وقال: سئلت عن آبار الصحاري التي تدعو الضرورة إلى طيها، بالخشب والعشب، لعدم ما تطوى به سوى ذلك، فيتغير لون الماء وطعمه وريحه، هل يجوز الغسل والوضوء به فأجبت بأن ذلك جائز واحتج له، وذكر له في آخر احتجاجه أن قول بعض المتأخرين في الماء المتغير في الأودية والغدر مما يسقط فيه، من أوراق الشجر النابتة عليه، والتي جلبت الرياح إليها، لا يجوز الوضوء به، شاذ خارج عن أصل المذهب، فلا ينبغي أن يلتفت إليه، ولا يعرج عليه. انتهى كلامه. ودل آخر كلامه أن فتياه غير قاصرة على ما يطوى به البئر من ذلك، فإطلاق المؤلف صواب. انتهى من ابن غازي (^٤).
قوله: (وفي جعل المخالط الموافق كالمخالف نظر) أي وفي تقدير المخالط للماء،
_________________
(١) = مالك بن أنس في كتاب سمي (ديوان ابن غانم) كان مولده سنة: ١٢٨ هـ، ومات سنة: ١٩٠ هـ الأعلام للزركلي: ج ٤، ص: ١٠٩
(٢) شفاء الغليل في حل مقفل خليل تأليف: محمد بن أحمد بن غازي العثماني: ج ١، ص: ١٢٦، ط ١: ٢٠٠٨، دراسة وتحقيق: د. أحمد بن عبد الكريم نجيب، الناشر: مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث.
(٣) هو أبو القاسم بن أحمد البرزلي البلوي القيرواني إمام حافظ محقق. أخذ عن ابن عرفة وغيره وأخذ عنه ابن ناجي وحلو لو وغيرهما له ديوان كبير في الفقه وله الحاوي في النوازل. وقد طبع له كتاب: فتاوى البرزلي. مات سنة ٨٤١ هـ أو ٨٤٤ هـ وعمره: ١٠٣ سنة. معجم المؤلفين. عمر رضا كحاله: ج ٨، ص: ٩٤. الناشر مكتبة المثنى - بيروت دار إحياء التراث العربي بيروت الشجرة: ج ١، ص: ٣٥٢. الترجمة: ٩٠٧. الأعلام للزركلي: ج ٢، ط ٣، ص: ٦.
(٤) فتاوى البرزلي جامع مسائك الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام تأليف: أبي القاسم بن أحمد التونسي المعروف بالبرزلي: ج ١، ص: ١٣٦، ط ١: ٢٠٠٢، تحقيق: د. محمد الحبيب دار الغرب الإسلامي.
(٥) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ١٢٦ - ١٢٧.
[ ١ / ٩٨ ]
الموافق لأوصافه، وعدم تقديره، كالمخالف له ليستدل بهما نظر للأشياخ، لو قال الشيخ تردد لعدم النص.
ابن عطاء الله (^١): لا نص في هذه المسألة (^٢)، ولكن عنده إن وجد غيره تركه، وإلا تطهر به ويتيمم احتياطا.
قوله: (وفي التطهير بماء جعل في الفم قولان)، التطهير به لابن القاسم بناء على الأصل، وعدمه لأشهب، بناء على الغالب، واتفقا إن خرج ولم يتغير على التطهير به، وكذلك اتفقا على عدم التطهير به إن خرج متغيرا، فالخلاف في حال إذا تعارض الأصل والغالب، هل يغلب الأصل أو الغالب خلاف.
قوله: (وكره ماء مستعمل في حدث)، لما فرغ تعلله مما يرفع الحدث وحكم الخبث وما لا يرفع به شرع يذكر المكروه من المياه، فقال: وكره ماء مستعمل في حدث أي حدث أصغر أو أكبر، واختلف في علة الكراهة.
قال بعضهم: لأن السلف لم يفعلوه مع قلة الماء في الحجاز، وقيل لأنه ماء الذنوب، وقيل ماء رفع به مانع ولا يرفع به مانع آخر، وقيل لأنه أديت به عبادة، وقيل مخافة الوسخ، وظاهر كلام المؤلف وجد غيره أم لا.
قوله: (وفي غيره تردد) أي وفي الماء المستعمل في غير الحدث كالغسلة الثانية، أو لتجديد الوضوء تردد في فهم النقل.
قوله: (ويسير كانية وضوء وغسل بنجس لم يغير أي ومما يكره الماء اليسير خولط بنجس قليل لم يغير وصفا من أوصافه، ومثل الشيخ القدر اليسير بآنية وضوء وآنية غسل. انتهى.
قال المواق: انظر لم يذكر الشيخ الحكم إن لم يوجد غيره، والنص لابن القاسم أنه يتيمم ويتركه (^٣).
_________________
(١) ابن عطاء الله السكندراني: أبو الفضل تاج الدن احمد بن محمد بن الحسين بن عطاء الله السكندري الزاهد، تلميذ الشيخ ياقوت، مات سنة: ٧٠٧ هـ وذكر الزركلي أنه مات سنة: ٧٠٩ هـ بالقاهرة، من مؤلفاته: كتاب التنوير في إسقاط التدبير، وكتاب الحكم وغيرهما. انظر طبقات الشاذلية الكبرى، تأليف: الحسن بن محمد الكوهن، ص: ٩٤، ط ٢: ٢٠٠٥، الترجمة: ٢٣. والأعلام للزركلي: ج ١، ص: ٢٢١ - ٢٢٢.
(٢) فتح الجليل شرح مختصر خليل، تأليف: محمد بن إبراهيم التتائي: ج ١، ص: ٢. مخطوط.
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٧٦.
[ ١ / ٩٩ ]
قوله: (أو ولغ فيه كلب) أي ومما يكره ماء يسير ولغ فيه كلب، أذن في اتخاذه أم لا.
المواق: انظر لم يذكر الشيخ الحكم إن لم يجد غيره، والنص لابن القاسم أنه يتوضأ به ولا يتيمم (^١)، لأنه يصيره كالقليل، وهو معلل عند ابن القاسم، وأما الإمام مالك ﵀ جعله تعبدا، لأنه قال: هو ماء فاسد (^٢).
قوله: (وراكد يغتسل فيه) أي وكره راكد وهو الموافق يغتسل فيه لأنه يصير به كالقليل بخلاف ما فسره الشارح إلا إن كثر جدا.
قوله: (وسور شارب خمر، وما أدخل يده فيه) أي ومما يكره سؤر شارب خمر، من ماء يسير مسلما كان أو كافرا، لأنه كماء يسير خلط بنجس لم يغيره، وكذلك يكره ماء يسير أدخل شارب الخمر يده فيه، والعلة فيه كالعلة في سؤره.
قوله: (وما لا يتوقى نجسا) أي ومما يكره من الماء سؤر ما لا يتوقى نجسا أو ما أدخل يده فيه، يريد إذا كان هناك نجس ولم يربط عنها، وأما إن لم يكن هناك نجس أو ربط عنها فلا يكره، وحيث يكره سؤره، إذا لم تر النجاسة على فيه حين شرب منه، وأما إذا ريئت فإنه يعمل عليها كما يأتي.
قوله: (من ماء) راجع على الثلاثة والله أعلم، واحترز بقوله: من ماء من الطعام إذ لا يكره بسبب ذلك، لأن الطعام لا يترك بالشك لحرمته، بخلاف الماء لخفته.
قوله: (لا إن عسر الاحتراز منه، أو كان طعاما) أي لا يكره سؤر ما يعسر الاحتراز منه، كالهر والفأر، أو كان السؤر طعاما.
قوله: (كمشمس) أي كما لا يكره استعمال ماء مشمس في الطهارة، وقيل يكره للطب.
قال ابن الحاجب المسخن بالنار والمشمس كغيره (^٣).
قوله: (وإن رينت على فيه وقت استعماله عمل عليها) أي وإن ريئت النجاسة على فم ما لا يتوقى نجسا أو يده وقت استعماله في الماء، عمل على مقتضاها، بما تقدم
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٧٦.
(٢) لم أطلع عليه.
(٣) جامع الأمهات تأليف: الفقيه جمال الدين ابن عمر ابن الحاجب ص: ٣١ تحقيق: أبو عبد الرحمن الأخضر الأخضري. ط: ٢٠٠٠ م اليمامة للنشر والتوزيع.
[ ١ / ١٠٠ ]
ذكره أي فإن غيرت الماء سلبت الطهورية بلاخلاف، وإن لم تغيره فإن كان الماء كثيرا فلا يضره، وإن كان قليلا كآنية وضوء وغسل كره، وقد تقدم ذكره، وذكر الطعام يأتي حكمه في الفصل الذي بعد هذا.
قوله: ﴿وإذا مات بري ذو نفس﴾ أي دم سائلة براكد ولم يتغير ندب نزح بقدرهما) أي وإذا مات حيوان بري ذو نفس سائلة بكجرح في ماء راكد، ولم يتغير وصف من أوصاف ذلك الماء، ندب نزح ذلك الماء بقدره وقدر الدابة، إن كان الماء كثيرا والدابة صغيرة نزح من الماء قليل، والعكس نزح الكثير منه، فإن استويا نزح الوسط، واعلم - رحمك الله - أن في كل لفظة من هذه الجملة فائدة، فقال: وإذا مات احترز به مما إذا وقع في الماء ميتا، أو وقع فيه وخرج حيا، واحترز بالبري من البحري، فلا ينجس ماء مات فيه، واحترز بذي نفس سائلة من بري لا دم له من نفسه ولا من غيره كالزنبور والعقرب والخنفسا، فإنه لا يضر الماء، واحترز براكد من ماء جار، واحترز بقوله: ولم يتغير مما إذا تغير وصف من أوصافه فإنه يجب نزحه. انتهى.
الحاصل: وإذا انخرم شرط من هذه الشروط إما إن وجب النزح أو لا يستحب فتأملها.
فرع: القلشاني (^١): ما لا مادة له، كالماء تموت فيه دجاجة ولم يتغير ماؤها، هل حكمه كالذي قبله في تطهيره؟ بنزع ما يصيبه أو بنزع كله قولان الأول لابن وهب، والثاني للمدونة. انتهى (^٢).
فائدة: قال البرزلي مفتي تونس: الخشاش ماله قشر يابس، والهوام ما ليس كذلك (^٣).
قوله: (لا إن وقع ميتا) مفهوم قوله: وإذا مات، تارة يكتفي بالمفهوم وتارة لا يكتفي به.
_________________
(١) القلشاني: أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله القلشاني الإمام الحافظ أخذ عن والده وابن عرفة والغبريني وغيرهم، وعنه القلصادي وغيره. له شرح على الرسالة سماه: تحرير المقالة في شرح الرسالة، وشرح مختصر ابن الحاجب والمدونة. مات سنة: ٨٦٣ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣٧٢، الترجمة: ٩٧٠
(٢) شرح الرسالة للقلشاني: مخطوط، ج ١، ص: ٥٨.
(٣) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٦٣٩.
[ ١ / ١٠١ ]
قوله: (وإن زال تغير النجس لا بكثرة مطلق) أي وإن زال تغير الماء النجس، بغير كثرة ماء مطلق، ورد عليه بل زال تغير النجس بنفسه، أو بقليل مطلق، أو بطول المكث، أو بالتراب، (فاستحسن الطهورية) لزوال المانع، لأن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما، إذا ارتفعت العلة ارتفع معلولها.
قوله: (وعدمها أرجح) أي وعدم الطهورية أرجح لعدم مقتضى الطهارة، إلا أن هذا الترجيح ليس في ابن يونس.
قال صاحب مغني النبيل (^١): علة سلب الطهورية غلبة ذلك الأجنبي عليه، بدليل تغيره به والأصل بقاؤها وإن ذهب دليلها، لأنه كثيرا ما يزول العرض ويبقى جوهره، ولا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. انتهى.
وأما لو زال تغيره بكثرة المطلق، فلا خلاف في طهوريته. انتهى.
وهذ الخلاف في البول نفسه إذا ذهب تغيره، وكذلك بول المريض إذا لم يتغير، لأجل ألا يستقر في بطنه. انتهى.
قال ابن عرفة (^٢): الطهورية صفة حكمية توجب الموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أو له فالأوليان من خبث والأخيرة من حدث، والنجاسة توجب له منعها به أو فيه، والحدث يأتي، والطهورية توجب له كونه بحيث يصير المزال به نجاسة طاهرا (^٣).
قوله: (وقبل خبر الواحد إن بين وجهها، أو اتفقا مذهبا) أي ويقبل خبر المسلم الواحد البالغ ذكرا كان أو أنثى ضبطه لما أخبر به أرجح من سهوه، في كون الماء طاهرا أو نجسا، إن بين وجه النجاسة، وإن لم يتفق السائل والمسؤول مذهبا، أو اتفقا فيه وإن لم يبين وجهها.
_________________
(١) هو محمد بن عبد الكريم المغيلي تقدمت ترجمته.
(٢) محمد ابن عرفة الورغمي أبو عبد الله التونسي علامة الدنيا وعمدة أهل التحقيق والرسوخ أستاذ الأساتذة الحافظ أخذ عن ابن عبد السلام ومحمد بن هارون وابن قداح والشريف التلمساني وغيرهم وأخذ عنه الأبي والبرزلي وابن ناجي والوانوغي وبن فرحون وغيرهم. من مؤلفاته مختصره في الفقه والحدود الفقهية وتأليف في الأموال وغير ذلك. تولى إمامة جامع الزيتون والخطابة به والفتيا. كان مولده سنة: ٧١٦ هـ ومات سنة: ٨٠٣ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣٢٦ - ٣٢٧ الترجمة ٨٤٥.
(٣) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ٣ نسخة مصورة من نسخة الشيخ أن بن الصف ﵀ وهذ نسخة أصلها موجود في مكتبة العلامة محمد سالم بن المختار بن المحبوب ﵀.
[ ١ / ١٠٢ ]
قوله: (وإلا) أي وإن لم يتفقا مذهبا، ولم يبين وجه النجاسة.
(فقال) المازري: (يستحسن تركه). انتهى.
وهذا إن وجد غيره، وعبارة ابن عرفة الاستحباب.
قوله: (وورود الماء على النجاسة كعكسه)، والعكس هو ورود النجاسة على الماء، خلافا لمن قال: وورود النجاسة على الماء أشد.
فصل [في بيان الأعيان الطاهرة من الأعيان النجسة]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه الشيء الطاهر والنجس.
الفصل: الحاجز بين شيئين، ليس مما تقدمه فناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب، بدأ الشيخ بالطهارة فقال: (الطاهر ميت ما لا دم له) من نفس سائلة من نفسه ولا من غيره، كالعقرب ونحوه من خشاش الأرض، لأن علة الدم الإستقذار، والإستقذار علة النجاسة، وخفف بعضهم جلد القملة الميتة.
قوله: (والبحري ولو طالت حياته ببر) أي ومما هو طاهر ميت البحر، ولو كانت حياته تطول في البر، كالتمساح والضفدع خلافا لابن نافع (^١)، الضفدع بكسر الضاد أفصح اللغات فيه.
قوله: (وما ذكي وجزؤه) أي ومن الطاهر ما ذكي ذكاة شرعية، من نحر وذبح وعقر، وجزء منه، من كعظم وعصب وجنين ومرارة، خلافا للشافعي أن المرارة ليست بطاهرة. كل حيوان له مرارة إلا الإبل والنعامة. انتهى.
والحكم على الكل بالطهارة لا يستلزم طهارة كل الأجزاء.
قوله: (إلا محرم الأكل) أي فإنه ليس بطاهر وإن ذكي، وأما المكروه فمذكاه طاهر، وهذه من المسائل التي خالف فيها الإمام مالك ﵀ العلماء، وهي الصلاة على جلود السباع المذكاة، وأكل ما أكلت منه الجوارح، وبيع ما عدى الطعام
_________________
(١) ابن نافع: أبو محمد عبد الله بن نافع مولى بني مخزوم المعروف بالصائغ، تفقه بمالك ونظرائه وصحبه أربعين سنة، وكان حافظا سمع منه سحنون، وروى عنه يحيى بن يحيى، وله تفسير في الموطأ، مات سنة: ١٨٦ هـ، بالمدينة. شجرة النور الزكية، ص: ٨٤، الترجمة: ٤٩.
[ ١ / ١٠٣ ]
قبل قبضه.
قوله: (وصوف، ووبر، وزغب ريش، وشعر ولو من خنزير) إلى قوله: (إن جزت) أي والصوف للضأن، والوبر للإبل والأرانب، وزغب ريش طير لا قصبه وشعر آدمي ومعز وخنزير طاهر إن جزت الأربعة وإن بعد الموت، وأما إن نتفت فليست بطاهرة، لأن أجزاء الميتة تعلقت فيه.
قال أصبغ (^١): شعر الخنزير غير طاهر مطلقا (^٢). الوبر بفتح الباء، وأما بسكون الباء فهو دويبة معروفة.
ابن عرفة: في ريش الميتة طرق (^٣) وروى الباجي (^٤) ما له سنخ في اللحم مثله، وما لا كالزغب طاهر.
ابن علاق (^٥): روى ابن المواز (^٦) عن مالك: يجوز بيع ريش الميتة الذي له سنخ
_________________
(١) هو أبو عبد الله أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع المصري. الإمام الثقة الفقيه المحدث روي عن يحي بن سلام وعبد الرحمن بن زيد وسمع ابن القاسم وأشهب وابن وهب. وتفقه معهم وكان كاتبا لابن وهب. روى عنه البخاري والذهبي وأبو حاتم الرازي وابن وضاح وغيرهم. من مؤلفاته: كتاب الأصول وتفسير أحاديث الموطأ وكتاب سماعه من ابن القاسم وغيرهم. كان مولده بعد سنة: ١٥٠ هـ ومات بمصر سنة ٢٢٥ هـ. ترتيب المدارك ٢/ ٥٦١. الديباج: ٣/ ٢٩٩. شجرة النور الزكية. ج ١، ص: ٩٩. الترجمة: ١٠٢.
(٢) هذا مضمون ما في: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة تأليف: أبي الوليد محمد بن رشد القرطبي: ت: ٤٥٠ هـ، ج ٨، ص ٤٦ حققه: د محمد حجي وغيره دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان الطبعة: ٢، ١٤٠٨ هـ -١٩٨٨ م.
(٣) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ١٢. مخطوط.
(٤) الباجي: القاضي أبو الوليد الباجي سليمان بن خلف التميمي الفقيه الحافظ والعالم المتقن. أخذ عن أبي الأصبغ بن شاكر والقاضي يونس بن عبد الله بن مغيب وغيرهم. وأخذ عنه ابن أحمد وأبو عبد الله الحميدي وأبو بكر الطرطوشي والحافظان أبو علي الجياني الصدفي وأبو القاسم المعارفي وغيرهم. من مؤلفاته: أحكام الفصول في أحكام الأصول وشرح الموطأ وهو نسختان. الاستيفاء وهو كتاب مفيد كثير العلم ثم انتقي منها فوائد سماها المنتقي وله كتاب الحدود ومختصر المختصر في مسائل المدونة شجرة النور الزكية، ج ١، ص: ١٧٨، الترجمة: ٣٧٨.
(٥) أبو عبد الله محمد بن علي عرف بابن علاق الغرناطي الحافظ قاضي الجماعة أخذ عن ابن لب وابن مرزوق وغيرهما وعنه ابن سراج وغيره. له شرح على ابن الحاجب الفرعي مات سنة ٨١١ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣٥٥، الترجمة: ٩١٦.
(٦) ابن المواز: هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن زياد بن المواز. الإمام الفقيه الحافظ. تفقه على ابن الماجشون وابن عبد الحكم واعتمد أصبغ وروي عن ابن القاسم الصغير من مؤلفاته: كتابه الكبير المعروف بالموازية وهي من أجل وأصح ما ألفه المالكية. رجحها القابسي على سائر =
[ ١ / ١٠٤ ]
يكون فيه الدم.
السنخ: الأصل، وأسناخ الأسنان أصولها، سنخ في العلم رسخ فيه. انتهى (^١). قوله: (والجماد) أي والجماد طاهر اتفاقا، (وهو جسم غير حي، ومنفصل عنه) أي لم تحله الحياة وهو كقول ابن شاس (^٢): يعني بالجماد ما ليس بذي روح ولا منفصل عن ذي روح (^٣).
قوله: (إلا المسكر) أي والجماد ومنفصل عنه طاهر إلا أن يكون مسكرا، فإنه ينجس وإن كان غير مستقذر، لأن مراد الشرع استبعاده.
قال القرافي (^٤) ﵀ فمتى كانت العين غير مستقذرة، فحكم الله تعالى في تلك العنين عدم النجاسة، وأن تكون طاهرة، فعلة الطهارة عدم علة النجاسة، إلا أن يحدث معارض من جهة أخرى يعارضنا عند عدم العلة، كما في الخمر، فإنها ليست بمستقذرة، وإنما قضى بتنجيسها لأنها مطلوبة الإبعاد، وتنجيسها يفضي إلى إبعادها، وما يفضي إلى المطلوب مطلوب، فهذه علة أخرى غير الإستقذار وجدت عند عدمه فقامت مقامه. انتهى من كتابه أنوار البروق في أنواء الفروق (^٥).
_________________
(١) = الأمهات. كان مولده سنة ١٨٠ هـ ومات في دمشق سنة ٢٦٩ هـ أو ٢٨١ هـ. الأعلام ٦/ ١٨٣. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٠٢، الترجمة: ١١٦.
(٢) التاج والإكليل للمواق وهو بهامش الحطاب: ج ١، ص: ١٠٥.
(٣) هو نجم الدين الجلال أبو محمد عبد الله بن محمد بن شاس الجذامي السعدي. الفقيه الحافظ. أخذ عن أئمة حدث عنه الحافظ زكي الدين المنذري. ألف عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة وغيره. مات سنة ٦١٠ هـ بدمياط مجاهدا في سبيل الله. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٢٣٨، الترجمة: ٥٥٣.
(٤) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، تأليف جلال الدين بن عبد الله نجم بن شاس: ج ١، ص: ١٠، ط ١: ٢٠٠٣ تحقيق: د. حميد بن محمد لحمر. دار الغرب الإسلامي.
(٥) هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي الصنهاجي المصري. الإمام الحافظ المؤلف المتقن. أخذ عن جمال الدين ابن الحاجب والعز بن عبد السلام وغيرهما. من مؤلفاته: الذخيرة والفروق وشرح التهذيب وشرح الجلاب وغيرهم. مات سنة ٦٨٤ هـ شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٢٧٠، الترجمة: ٦٦١.
(٦) أنوار البروق في أنواء الفروق للإمام شهاب الدين أبي العباس الصنهاجي المشهور بالقرافي وبهامشه إدرار الشروق على أنواء الفروق للإمام أبي القاسم بن عبد الله بن الشاط. وبحاشية الكتابين تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية للشيخ محمد على بن حسين المكي المالكي الطبعة الأولى: ١٩٩٨ م دار الكتب العلمية بيروت لبنان. ج ٢، ص: ٦٤، الفرق التاسع والخمسون بين قاعدة عدم علة الإذن أو التحريم وبين عدم علة غيرهما من العلل.
[ ١ / ١٠٥ ]
والمسكر ما غيب العقل دون الحواس، ومعه نشوة فرح الفرق بينه وبين المفسد والمرقد أن الخمر نجس، ويحرم قليله وفيه الحد، والمرقد والمفسد طاهران، ولا حد على شاربهما، فالمرقد يغيب العقل والحواس، حتى لا يدري ما يفعل في بدنه، والمفسد: ما يغيب العقل دون الحواس من غير نشوة فرح، كالبنج والسيكران والبلادوري. انتهى.
قوله: (والحي، ودمعه) أي والحي كله طاهر، وإن كان وزغا أو دود ميتة خنزير، كان الآدمي مسلما أو كافرا، حتى الجنين يخرج وعليه رطوبة الفرج، ولا يدخله الخلاف الذي في رطوبة الفرج. انتهى.
لو قال الشيخ والحي طاهر ولو كان كلبا أو خنزيرا ليشير إلى الخلاف، وسئل عن الشيطان - لعنه الله - هل هو طاهر؟ أو نجس فأجيب بأنه طاهر لأنه حي، وكل حي طاهر، وكذلك دمع كل حي، (وعرقه ولعابه ومخاطه) طاهر، وإن كان المخاط مستقذرا للضرورة.
قال ابن شاس: أما الأجزاء المنفصلة عن باطن الحيوان، فهي قسمان الأول كل مترشح ليس له قرار يستحيل فيه، كالدمع والعرق واللعاب، وما في معنى ذلك فهو طاهر من كل حيوان، وما ذكرناه من طهارة اللعاب، يقتضي طهارة أسار جميع الحيوان، وقد انفرد سؤر الكلب بحكم أثبته له الحديث الصحيح، هو غسل إناء الماء من ولوغه سبعا (^١). انتهى (^٢).
اللعاب طاهر لكن لا يمحى به القرآن العزيز، وقد اشتد نكير ابن العربي في العارضة على من يلطخ صفحات أوراق المصحف أو غيره، ليسهل قلبها، قائلا إنا لله على غلبة الجهل المؤدي إلى الكفر. انتهى (^٣).
وقال ابن الحاج (^٤) في المدخل: لا يجوز مسح لوح القرآن أو بعضه بالبصاق،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب إذا شرب الكلب من إناء أحدكم الحديث: ١٧٢ وأخرجه مسلم (٢) - كتاب الطهارة (٢٧) - باب حكم ولوغ الكلب الحديث: ٨٩ - (٢٧٩) عن أبي هريرة
(٢) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ١٢
(٣) شرح مختصر خليل للخرشي بعد قول خليل في المختصر: وفي التطهير بماء
(٤) أبو عبد الله محمد بن محمد العبدري الفاسي المعروف بابن الحاج، العالم الزاهد، أخذ عن أبي إسحاق المطماطي، وصحب ابن أبي جمرة. وأخذ عنه: الشيخ عبد الله المنوفي، والشيخ خليل =
[ ١ / ١٠٦ ]
ويتعين على معلم الصبيان منعهم من ذلك (^١). انتهى من التقييد.
الوانوغي (^٢) في الروضة قال النووي: الماء الذي يخرج من فم النائم، إن تغير فهو نجس وإلا فهو طاهر، وإذا قلنا بنجاسته، وكان ملازما لشخص، فهو كدم البراغيث (^٣)، قال: فانظره على قواعد المذهب.
قوله: (وبيضه ولو أكل نجسا، إلا المدر) أي البيضة الفاسدة، بمعنى صارت دما وأنتنت أي وبيض الحي طاهر ولو أكل نجسا لأنه انقلب من فساد إلى صلاح، بناء على أن انقلاب الأعيان له تأثير في الأحكام، إلا أن يكون البيض مذرا أي المنتن الفاسد، وظاهر كلام الشيخ وإن كان البيض من الحشرات، قال بعضهم: المراد من البيض بيض مأكول اللحم من الطير، وأما بيض الحشرات، أشار ابن بشير إلى أنه ملحق بلحمها.
قوله: (والخارج بعد الموت) راجع إلى البيض وما قبله أي إلا المذر والخارج بعد الموت من عرق ولعاب ومخاط وبيض، وهذا أعم من رجوعه على البيض فقط، حمل اللفظ على فوائد أولى من حمله على فائدة واحدة.
قوله: (ولبن آدمي إلا الميت، ولبن غيره تابع) أي ولبن آدمي إنسان ذكرا أو أنثى مسلما أو كافرا طاهر إلا لبن الميت فإنه نجس، وأما لبن غير اللآدمي تابع للحم مذكاه في الطهارة وعدمها، فلبن محرم الأكل نجس، ولبن المباح والمكروه طاهر. قال محمد بن عبد الكريم ﵀: قلت: قولهم في تفسير التبعية إن كان مباح الأكل
_________________
(١) = وغيرهما. ألف كتابه المدخل مات بالقاهرة سنة: ٧٢٧ هـ شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣١٣، الترجمة: ٨٠٠.
(٢) المدخل لابن الحاج: ج ٢، ص: ٣١٨، دار الفكر.
(٣) أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن عمر التونسي المالكي نزيل الحرمين يعرف بالوانوغي، ولد ظنا سنة: ٧٥٩ هـ بتونس الموافق ١٣٥٨ م عالم بالتفسير والأصلين والعربية والمنطق والحساب، مات بمكة، من مؤلفاته: حاشية على التهذيب للبراذعي وتأليف على قواعد ابن عبد السلام. شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ج ١ ص: ٣٥٠ الترجمة: ٨٩٩، ط: ٢٠٠٣ منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية: بيروت - لبنان.
(٤) تعليقة الوانوغي ج ١، ص: ٣٠، الطبعة الأولى بتحقيق د. أحمد بن عبد الكريم نجيب، ود. حافظ بن عبد الرحمن خير (ط ١)، كلية الإمام مالك للشريعة والقانون، دبي: ٢٠١٤ م). وروضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي: ج ١، ص: ٦٣ الناشر المكتب الإسلامي سنة: ١٤٠٥ هـ بيروت. بتصرف.
[ ١ / ١٠٧ ]
فلبنه طاهر، ومحرم الأكل فلبنه نجس، ومكروه الأكل فلبنه مكروه، وهم منهم لأنه يقتضي أن لبن المكروه ليس بطاهر ولا نجس، وليس كذلك، إذ لا واسطة بين الطاهر والنجس، وقد تقدم أن مذكى المكروه طاهر وإن كره أكله، فكذلك لبنه طاهر وإن كره شربه.
فرع: يجوز شرب لبن المحرم والأجنبية وبيعه، ولا يجوز شراء لبن الكلاب والحمير وإن قلنا أنه طاهر جاز بيعه، وبول الوطواط نجس.
قوله: (وبول وعذرة من مباح)، صوابه وبول وروث، لأن العذرة من الآدمي، والروث من البهائم.
قوله: (إلا المفتذي بنجس) أي وبول وروث من مباح الأكل طاهر، إلا المتغذي بنجس فإن بوله وروثه نجس، لأنه انقلب من فساد إلى فساد، وبول الوطواط وبعره نجس، واختلف في علة نجاسته قيل لغذائه بالنجس، وقيل لأنه ليس من الطير، لأنه يلد ولا يبيض، وفي حياة الحيوان أن الوطواط أبر الحيوان لأبويه، لأنه إذا كبر أحدهما حمله على نفسه حتى يموت (^١).
قوله: (وقيء) أي والقيئ طاهر (إلا المتغير) منه (عن) وصف (الطعام)، تغيرا بينا فإنه نجس، وأما القلس فهو ماء حامض، تقذفه المعدة فطاهر. قوله: (وصفراء، وبلغم) أي ومما هو طاهر من الإنسان، صفراء وبلغم، (ومرارة) كذلك (مباح) الأكل طاهر.
قوله: (ودم لم يسفح) أي والدم الذي لم يسفح أي لم يبرز عن محله طاهر، كالباقي في العروق ونحوها. انتهى. قال المواق: وقال عز الدين: يجب غسل محل الذكاة بالماء. انتهى.
وقال بعض شيوخنا: يجب أن يرفع أنف البهيمة ليخرج الدم المسفوح (^٢).
قوله: (ومسك وفأرته) أي وعاؤه فأرته والمسك طاهر، وحكى بعضهم الإجماع على طهارته، وفأرته (^٣) هو الخارج الذي يجتمع فيه من ذلك الحيوان وهو من غزال
_________________
(١) حياة الحيوان الكبرى تأليف: كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى الدميري: ج ٢، ص: ٣٧٢، ط: ٢٠٠٣/ تحقيق: أحمد حسن. دار الكتب العلمية.
(٢) التاج والإكليل للمواق بهامش الحطاب: ج ١، ص: ١١١.
(٣) ن: وعاؤه
[ ١ / ١٠٨ ]
معروف له أنياب كأنياب الفيل. انتهى.
إنما ذكر الشيخ لفظ مسك لئلا يتوهم متوهم أنه منفصل عن حي.
قوله: (وزرع بنجس) أي والزرع المسقى، أي بذره بنجس طاهر، لأنه انقلب من فساد إلى صلاح.
قوله: (وخمر تحجر أو خلل) أي ويطهر الخمر إذا يبس وصار كالحجر، ويقال له حينئذ الطرطر، وكذلك يطهر الخمر إن فعل به ما يصيره خلا، وأحرى إن تخللت بنفسها.
قال الغزالي (^١) ﵀: أسباب الطهارة، إزالة كالغسل بالماء، أو إحالة كانقلاب الخمر خلا والدم منيا ثم آدميا وهما كالدباغ. انتهى (^٢).
قال البرزلي: إذا وقع ثوب في جرة خمر، ثم تخللت من نفسها والثوب فيها، صارا طاهران، قلت: ويتخرج على عدم طهارة الخل كذلك الثوب. انتهى من نوازله (^٣).
قوله: (والنجس ما استثني) لما فرغ ﵀ من الطاهر شرع يذكر النجس، فقال: والنجس أي هو المستثنى مما تقدم ذكره، وهو محرم الأكل، والمسكر ولبن الميتة، وبول المتغذي بنجس وروثه، والقيء المتغير عن وصف الطعام تغيرا بينا.
قوله: (وميت غير ما ذكر ولو قملة) أي وميت غير ما ذكر مما تقدم، وهو ما لا نفس له سائلة، وغير ميت البحر أي وميت غير هذا نجس، ولو كان قملة، وفاقا للأكثر من الأشياخ، وخفف بعضهم جلدته.
قوله: (وآدميا والأظهر طهارته) أي وميت الآدمي غير نبي نجس، وفاقا لابن القاسم، ابن رشد: والأظهر طهارة ميت الآدمي.
الحاصل: وفي ميت الآدمي غير نبي من الأنبياء ثلاثة أقوال: الطهارة وعدمها، والفرق بين المسلم والكافر، وقد قبل رسول الله ﷺ وجه رجل (^٤) من أصحابه بعد
_________________
(١) هو محمد بن أحمد بن أحمد أبو حامد الطوسي الغزالي، ولد بطوس سنة: ٤٥٠ هـ كان من أفقه أقرانه وإمام أهل زمانه، توفي سنة ٥٠٥ هـ له مؤلفات كثيرة منها إحياء علوم الدين والمستصفي للغزالي وغيرهما، سير أعلام النبلاء للذهبي: ج ١٢، ص: ٧٥. وفيات الأعيان وأنباء أخبار الزمان لابن خلكان: مج ١، ص: ٥٨٦
(٢) هذا نص ما ذكره القرافي في الذخيرة ولم ينسبه للغزالي: ج ٤، ص: ١١٩.
(٣) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٤٢٧.
(٤) هو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب القرشي الجمحي، أبو السائب، صحابي جليل. هاجر =
[ ١ / ١٠٩ ]
موته، ودموعه تجري (^١)، ولو كان المسلم نجسا ما قبله ﷺ، فقالت عائشة ﵂: سبحان الله المؤمن لا ينجس (^٢) حيا أو ميتا، ولذلك قال ابن رشد: والأظهر طهارته.
قوله: (وما أبين من حي وميت: من قرن وعظم وظلف وظفر وعاج وقصب ريش) أي وما قطع من كل حي أو ميت غير ما ذكر وإن آدميا نجس، وكذلك ما لم يبن، ولكن وصل إلى حيث لا يعود إلى حاله، وذلك من قرن وإن طرفه الأعلى، خلافا للرسالة، ومن عظم ومن ظلف، الظلف للبقر والغنم أو ظفر، ومن عاج إذا لم يذكى الفيل، وأما إن ذكي فعاجه طاهر، وظفر من إنسان أو إبل أو أنعام أو إوز أو كان من قصب ريش، وإن أعلاه.
قال المواق في التاج والإكليل: فمقتضى نصوص الأئمة أن العاج وأطراف القرون وأطراف الأظلاف الأمر فيها قريب قصارى ما في ذلك الكراهة. انتهى (^٣).
قال صاحب الطراز (^٤): إذا سقطت السن فهل يجوز له ردها على قولنا إن الإنسان لا ينجس بالموت قال: الظاهر أنه لا يجوز، وهو قول الشافعي، لأن ما أبين عن الحي فهو ميتة، وأجازه أبو حنيفة، وهو مقتضى مذهب ابن وهب، وابن المواز، لأنه ينجس جملته بالموت، وكذلك بعضه بخلاف الأنعام فإن جملتها تنجس بالموت، فينجس جزؤها إذ انفصل منها. انتهى من الذخيرة (^٥).
_________________
(١) = الهجرتين، وشهد بدرا. ومات بالمدينة سنة ٢ هـ، ودفن بالبقيع. له ترجمة في: الإصابة: القسم الرابع ص: ٤٦١، طبعة دار نهضة مصر.
(٢) الحديث أخرجه الترمذي في سننه (٨) كتاب الجنائز - باب تقبيل الميت الحديث: ٩٨٩ وأخرجه الطيالسي في مسنده الحديث: ١٥٢٧ عن عائشة ﵂.
(٣) أخرجه الحسين بن مسعود البغوي في شرح السنة، باب مصافحة الجنب ومخالطته الحديث: ٢٦١، ج ٢، ص: ٣٠. وأخرجه محمد الطاهر في تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد: ج ٢٢، ص: ٤٨، ط: ١٩٨٤، الناشر الدار التونسية.
(٤) التاج والإكليل للمواق وهو بهامش الحطاب: ج ١، ص: ١٠٨.
(٥) هو أبو علي سند بن عنان بن إبراهيم الأسدي المصري، تفقه بأبي بكر الطرطوشي وروى عن أبي طالب السلفي. وعنه أخذ أبو الطاهر إسماعيل وغيره ألف الطراز كتاب حسن مفد شرح به المدونة اعتمده الحطاب. مات بالإسكندرية سنة: ٥٤١ هـ، شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٨٤، الترجمة: ٣٩٨.
(٦) الذخيرة لشهاب الدين أحمد القرافي: ج ٢، ص: ٨١، ط: ١٩٩٤ تحقيق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي.
[ ١ / ١١٠ ]
قوله: (وجلد ولو ذبغ، ورخص فيه مطلقا إلا من خنزير بعد دبغه بيابس وماء) أي وينجس ما أبين من حي وميت من جلد ولو دبغ، خلافا لسحنون ﵀ ورخص في الجلد مطلقا أي مأكول اللحم أم لا، بأن يستعمل في يابس الطعام أو غيره أوفي الماء في المائعات، لأن للماء مزية على غيره، لتطهيره غيره ويدفع عن نفسه، وقيل: يستعمل في المائعات كلها، وهو ظاهر الرسالة، بناء على أنه يطهر بالدباغ طهارة تامة، وهو رواية في العتبية. انتهى. الدباغ: هو ما أزال الدسم والرطوبة والشعر، واعترض لأن الدبغ يحصل والشعر باق الجلد. انتهى.
قال صاحب إكمال الإكمال (^١): والأظهر أن الدبغ ما أزال الريح والرطوبة، ويحفظ الجلد من الإستحالة، كما تحفظه في الحياة، والجلد الذي يزال شعره هو الذي تصنع منه الأنعلة، لا التي يجلس عليها وتصنع منها الأفرية (^٢).
قوله: (وفيها كراهة العاج، والتوقف في الكيمخت) أي وفي المدونة كراهة العاج، وهو أنياب الفيل، أتى الشيخ ﵀ به استشكالا، إلا أن يحمل لفظ الكراهة على التحريم، فيكون وفاقا لما تقدم، وهذا كله إذا لم يذكى، وأما إن ذكي فطاهر أجزاؤه كله، وتوقف الإمام مالك ﵀ في الكيمخت، إنما هو في الصلاة به، لأن السلف الصالح ﵃ كانوا يصلون بسيوفهم وهو بها، وهو من جلود الخيل والبغال والحمير، وأما في غير الصلاة فكغيره من جلود الميتة، واختلف هل التوقف قول أو ليس بقول، والمشهور أنه ليس بقول، وقيل قول، وتوقف الإمام مالك ﵀ لأجل تعارض الأدلة، لا غير.
قوله: (ومني ومذي وودي) أي والمني نجس ظاهره وإن من مباح الأكل، واختلف في علة نجاسته، قيل لأن أصله الدم، وقيل: لمجراه الذي هو مجرى البول، وعليه مني المباح طاهر. المني بكسر النون وسكونها وكذلك المذي والودي نجسان، والذال فيهما معجمة، وتسكن فيهما وتكسر.
_________________
(١) محمد بن خلف الأبي الوشناني المالكي، عالم بالحديث من أهل تونس نسبته إلى أبة من قراها له إكمال إكمال المعلم وشرح للمدونة وغير ذلك مات بتونس سنة: ٨٢٧ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٦، ص: ١١٥.
(٢) إكمال الإكمال المعلم للآبي: ج ٢، ص: ٢٠٦/ ٢٠٧.
[ ١ / ١١١ ]
قوله: (وقيح، وصديد) أي والقيح والصديد نجسان، والقيح هو الأبيض، والصديد ما اختلط منه بالدم.
قوله: (ورطوبة فرج) أي ورطوبة الفرج نجس، قبلا كان أو دبرا من ذكر أو أنثى، لأجل مجرى البول والغائط. انتهى.
قال ابن عرفة: وفي العفو عن عرق محل الاستجمار يصيب الثوب ونجاسته قولا الباجي وابن القصار (^١) (^٢).
قوله: (ودم مسفوح، ولو من سمك وذباب) أي ومن ما هو نجس دم مسفوح، وهو الذي زال عن محله، ولو كان دم سمك أو ذباب، خلافا للقابسي (^٣) في السمك، وخلافا للرواية في دم الذباب السمك بالتحريك الحوت وبالسكون السقف.
قال البرزلي: الدم الذي يخرج من نحر الشاة بعد سلخها فيه قولان، الذي كان يمضي لنا أنه بقية الدم المسفوح وجعله هنا أن الخارج من العروق بعد خروج الدم المسفوح، وهو خلاف الشهادة. انتهى منه (^٤).
قوله: (وسوداء) أي والسوداء نجس، (و) كذلك (رماد نجس ودخانه) نجسان، لأن النار لا تطهر، وقيل طاهر لأن النار طهرته.
قوله: (وبول وعذرة من آدمي) أي وبول وعذرة من آدمي، صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا كان أو أنثى، غير نبي من الأنبياء، إذ كل ما يخرج من الأنبياء طاهر. انتهى وقيل إن في بول الآدمي الصغير ثلاثة أقوال: الطهارة وعدمها، والفرق بين الذكر والأنثى. وقيل: هذا في بول الصغير الذي لم يأكل الطعام أنه ليس بنجس، واختلف هل الطعام المعهود أو اللبن. انتهى.
_________________
(١) هو علي بن أحمد أبو الحسن المعروف بابن القصار. قاضي بغداد كان إماما فقيها أصوليا حافظا. تفقه بالأبهري وغيره، وبه تفقه أبو ذر الهروي، والقاضي عبد الوهاب وغيرهم. له كتاب في مسائل الخلاف لا يعرف للمالكية كتاب في الخلاف أكبر منه. مات سنة: ٣٩٨ هـ.، شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٣٨، الترجمة: ٢٤٦.
(٢) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ٥٨ مخطوط.
(٣) أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعارفي المعروف بأبي الحسن القابسي الفقيه الأصولي المتكلم، سمع من الأبياني والتستري وغيرهم، وسمع منه ابن أبي صفرة وغيره. من مؤلفاته: الممهد في الفقه وأحكام الدنيا والمنقذ من شبه التأويل وغيرهم مات سنة: ٤٠٣ هـ بالقيروان وكان مولده سنة: ٣٢٤ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٤٥، الترجمة: ٢٦٨.
(٤) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٤٢٧.
[ ١ / ١١٢ ]
والعذرة لغة فناء الدار، وسمي الغائط به لأنه يلقى فيه، وهو من باب تسمية الشيء باسم محله.
قوله: (ومحرم ومكروه) أي ومما هو نجس بول محرم الأكل ومكروه الأكل وروثهما.
قوله: (وينجس كثير طعام مائع بنجس قل) أي وينجس كثير طعام مائع بسبب نجس قليل حل فيه، والنجس الكثير أحرى، وقليل الطعام أحرى، إذ الطعام لا يدفع عن نفسه كما في الماء. وقوله: مائع شرط.
قوله: (كجامد إن أمكن السريان) أي كما ينجس الطعام الجامد بنجس حل فيه إن أمكن سريانه في كله، (وإلا فبحسبه) أي وإن لم يمكن السريان في جميعه طرح من الطعام بحساب ما سرت فيه خاصة بحسب طول مكثها وقصره.
قوله: (ولا يطهر زيت خولط ولحم طبخ وزيتون ملح وبيض صلق بنجس، وفخار بغواص) أي ولا يقبل الزيت التطهير إن خولط مع نجس، خلافا لمن قال أنه يقبل التطهير، ومنشأ الخلاف هل يمكن انفكاكه عنها فيقبل الطهارة، أو لا يمكن. قال ابن شاس وروى ابن نافع أنه يقبل التطهير.
وروى ابن القاسم في الواضحة (^١) والمستخرجة (^٢) نحوه، وكذلك لا يقبل اللحم التطهير إذا طبخ مع نجس، والطبخ ليس بشرط، وكذلك إن وقع فيه بعد الطبخ. انتهى.
وفرق ابن رشد بين ما وقع فيه أول الطبخ وآخره، فيقبل الطهارة في الثاني دون الأول، وكذلك لا يقبل بيض صلق مع نجس التطهير.
ابن القاسم وابن وهب: إذا طبخت البيضة مع أخرى فيها فرخ، فإنها نجسة لسقيه إياها (^٣).
قال اللخمي: تؤكل السليمة على أحد قولي مالك، لأن صحيح البيض لا ينفذه مائع (^٤).
_________________
(١) الواضحة: لعبد الملك بن حبيب
(٢) المستخرجة لمحمد بن عتاب
(٣) مواهب الجليل للحطاب: ج، ص: وتبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٤٩ دون ذكر ابن وهب.
(٤) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٤٩
[ ١ / ١١٣ ]
وكذلك زيتون ملح أي جعل فيه ملح نجس، فإنه لا يقبل التطهير، وكذلك لا يقبل الفخار التطهير إذا جعل فيه نجس غواص كالبول والدم، واحترز بالفخار من آنية النحاس أو الرصاص أو الزجاج إذ لا يغوص فيها، واحترز بالغواص من النجس الذي ليس بغواص فإنه لا يضر.
قوله: «وينتفع بمتنجس لا نجس في غير مسجد وآدمي» أي وينتفع بمتنجس وهو الطاهر أصله في غير مسجد، إذ يحرم إدخال النجس المسجد، فلا يستصبح به فيه، وكذلك الآدمي لا ينتفع بنفسه بالمتنجس، وإن في ظاهر بدنه، بل ينتفع به في غير بدنه، وأما النجس أصلا فلا ينتفع به، ولا يجره لكلابه بل يشيل الكلاب عليه، وقيل ينتفع به كالبول في غسل الجرح وشبهه، قياسا على جلد الميتة.
قوله: «ولا يصلى بلباس كافر» أي ولا تجوز الصلاة بلباس كافر، كتابي أم لا معاهد أم لا، وإن لم يباشر جلده أو منزه عن النجاسة عادة كالعمامة، لأن من لا يرى نجاسة شيء لا يتوقى منه، وفي صلاته هو به إن أسلم قولان، وإن تيقن طهارته فعلى عرفه لا يجزي. انتهى من حلي المختصر (^١).
قوله: «بخلاف نسجه» أي فتجوز الصلاة بمنسوج الكافر، لفعل السلف الصالح ﵃ ولأنهم يصونونه طلبا للثمن.
قوله: «ولا بما ينام فيه مصل آخر» أي ولا يجوز أن يصلي بثوب ينام فيه مصل آخر، لأنه محمول على النجاسة حتى يثبت خلافه. وقوله: مصل آخر مفهومه أنه يصلي بثوب ينام فيه بنفسه، إذ يغتفر ذلك في ثيابه بنفسه للمشقة، وإن نام فيه المرة بعد المرة، واحتمال نجس لم يشعر به لغو، وإن أخبر غيره بطهارته، فإنه يصلي به. قال الشارح: فيه نظر، إذا كان معدا للنوم دائما (^٢).
قال صاحب فتح الجليل (^٣): لا نظر فيه … … … … …
_________________
(١) حلي المختصر لم أطلع عليه.
(٢) تحبير المختصر وهو الشرح الأوسط على مختصر خليل في الفقه المالكي تأليف: تاج الدين بهرام بن عبد الله الدميري بتحقيق: د. أحمد بن عبد الكريم نجيب ود. حافظ عبد الرحمن خير ج ١، ص: ١١٨ الطبعة الأولى ٢٠١٣ م مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث والشرح الصغير للشيخ بهرام: ج ١، ص: ٥ مخطوط.
(٣) هو محمد بن إبراهيم التتائي، أبو عبد الله شمس الدين. أخذ عن النور السنهوري واللقاني وغيرهما. تولى القضاء ثم تركه واشتغل بالتصنيف والتدريس. شرح المختصر بشرحين كبير. =
[ ١ / ١١٤ ]
إذا علم طهارته. انتهى (^١).
قوله: (ولا بثياب غير مصل) أي ولا تجوز الصلاة بثياب مسلم غير مصل، إلا أن تكون مما على الرأس، كالعمامة والقلنسوة، فتجوز الصلاة به، لأن الغالب سلامته منها.
قال اللخمي: إلا أن يكون ممن يشرب الخمر فلا يصلى بما على رأسه (^٢).
قوله: (إلا لرأسه) يحتمل أن يرجع إلى الفرعين، ويحتمل أن يرجع إلى الأخير.
قوله: (ولا بمحاذي فرج غير عالم) أي ولا تجوز الصلاة بثوب محاذي فرج غير عالم بالإستبراء، وإن كان غير عالم لغيره، إذ ليس من شرط المتولي حكما أن يكون عالما لغير ما تولاه.
قوله: (وحرم استعمال ذكر محلى)، لما فرغ ﵀ من الطاهر ومن النجس، شرع يذكر مسائل من الجامع، فقال: وحرم استعمال ذكر شيئا محلى بذهب أو فضة، سواء كان الذكر صغيرا أو كبيرا مسلما أو كافرا، لأن الكفار يخاطبون بفروع الشريعة على المشهور.
قال المازري: وعلة التحريم في ذلك لما فيه من السرف والتشبه بالعجم (^٣).
قوله: (ولو منطقة، وآلة حرب) أي وحرم استعمال ذكر محلى ولو كان الشيء المحلى منطقة وآلة حرب، خلافا لمن أجازه فيهما، المنطقة والمنطق ما تشد به وسطك، والنطاق إزار فيه نكث تنتطق به المرأة.
قوله: (إلا المصحف، والسيف) أي إلا أن يكون الشيء المحلى مصحفا، فإنه يجوز أن يحلى بالذهب أو الفضة تعظيما له، والاستثناء فيه متصل، وكذلك يجوز
_________________
(١) = سماه فتح الجليل شرح مختصر خليل وصغير سماه: جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر وشرح الإرشاد والجلاد والقرطبية وغيرهم. مات سنة: ٩٤٢ هـ. أنظر شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣٠٢/ ٣٩٣، الترجمة: ١٠٣٣/ والأعلام للزركلي: ج ٥، ص: ٣٠٢
(٢) فتح الجليل شرح مختصر خليل لمحمد بن إبراهيم التتائي: ج ١، ص: ٣١، مخطوط.
(٣) تبصرة اللخمي: ج ١، باب الصلاة في ثوب الكافر ومن لا يتوقى النجاسة من المسلمين … ص: ١٥٠
(٤) صحيح مسلم للإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري مع شرحه المسمى: إكمال إكمال المعلم للإمام محمد بن خليفة الوشناني الأبي. وشرحه المسمى: مكمل إكمال الإكمال للإمام محمد السنوسي. ضبطه وصححه محمد سالم هاشم. ج ٧، ص: ٢٠٠ الطبعة الأولى: ٢٠٠٨ م دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان.
[ ١ / ١١٥ ]
تحلية السيف بالذهب والفضة إرهابا للعدو.
قوله: (والأنف) الاستثناء في الأنف منقطع، لأنه ليس بمحلى، وكذلك الاستثناء في السن أي ويجوز لأقطع الأنف أن يجعل عليه ما يستره من ذهب أو فضة، كذلك يجوز له (وربط سن) انشق بخيوط من ذهب أو فضة، ومفهوم قوله: وربط سن أن السن إذا سقطت لا تجعل في موضعها سن من ذهب أو فضة، وقيل يجوز أن يعمل في موضعها سنا من ذهب أو فضة.
وقوله: (مطلقا) أي سواء كان الحلي بالذهب أو بالفضة راجع إلى المصحف وما بعده.
قال البرزلي في نوازله: وإذا قلع السن وربط فلا تجوز الصلاة به، فإن رده لموضعه فالتحم، جازت الصلاة به للضرورة انتهى (^١).
قوله: (وخاتم الفضة) أي ومما يجوز للذكر استعمال خاتم فضة، بل هو مستحب، فلم يذكر الشيخ قدره، وهو وفصه وزن درهمين، وأما لبس خاتم النحاس فمكروه، إلا من به صفراء فيتختم به تداويا قاله البرزلي في نوازله (^٢).
قوله: (لاما بعضه ذهب ولو قل) أي ولا يجوز تختم رجل بخاتم فضة بعضه ذهب، وإن قل ما فيه من الذهب على المشهور، وأحرى في المنع إذا كان كله ذهب.
قوله: (وإناء نقد) أي وحرم استعمال إناء نقد، (واقتناؤه) خوف الاستعمال
(وإن لامرأة).
قال صاحب إكمال الإكمال: والصحيح أن تحريم آنيتهما لعينهما، أو لأنهما قيم المتلفات وأرش الجنايات، فإذا اتخذت منهما الأواني قلت في أيدي الناس. انتهى (^٣).
وقال: إذا توضأ في آنية الفضة فعندنا أن الوضوء صحيح والفعل حرام.
وقال: قال عياض وأجمعوا على إيجاب الزكاة إذا بلغ زنتهما النصاب. انتهى (^٤). قال القاضي أبو الوليد ووجه تحريمه ما فيه من السرف والتشبه بالعجم،
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٢٢٤.
(٢) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٤٥٠.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٧، ص: ٢٠٠.
(٤) إكمال الإكمال للأبي: ج ٧، ص: ٢٠١.
[ ١ / ١١٦ ]
وأما اتخاذها من غير استعمال فقال الشيخ أبو القاسم بن الجلاب (^١): اقتناؤها محرم، وقال القاضي أبو الوليد لو لم يجز اتخاذها لوجب فسخ بيعها، وقد أجازه في غير مسألة من المدونة.
قال أبو بكر بن ساق (^٢): هذا غير صحيح، لأن ملكها يجوز إجماعا، بخلاف اتخاذها. قال: وإنما نتصور فائدة الخلاف بأنا لا نجيز الاستئجار على عملها، ولا نوجب الضمان على من أفسدها إذا لم يتلف من عينها شيئا، والمخالف يجيز الاستئجار ويوجب الضمان على من أفسدها. انتهى من الجواهر (^٣).
قوله: (وفي المغشى والمموه والمضبب وذي الحلقة وإناء الجوهر قولان) إلى آخر الفصل أي وهي خمسة فروع في كل فرع منها قولان في تحريم استعماله وعدم تحريمه.
والمغشى إناء من ذهب أو فضة غشي بنحاس أو رصاص أو غيره، ومن نظر إلى الظاهر منه أجاز، ومن نظر إلى الباطن منع والمموه إناء نحاس أو غيره، غشي بذهب أو فضة من نظر إلى الظاهر منه منع، ومن نظر إلى الباطن أجاز، وهو عكس الأول، وقال بعضهم الظاهر في هذا الجواز نظرا إلى الأصل، والمضبب إناء مكسور أو غيره فشعب بخيط ذهب أو فضة، وذو الحلقة إناء أو غيره علق عليه حلق من ذهب أو فضة، وكذلك استعمال إناء الجوهر قولان، من منعه فلأجل السرف، ومن أجازه نظر إلى عينه لأنه ليس بذهب ولا فضة.
قوله: (وجاز للمرأة الملبوس مطلقا ولو نعلا لا كسرير) أي وجاز للمرأة استعمال الملبوس كله وإن نعلا مطلقا سواء كان ذهبا أو فضة، وأما غير الملبوس فلا يجوز لها استعماله فيه كالسرير والمكحلة والمرآة والمشط.
الحاصل أن كل ما يكون على بدنها يجوز ومالا فلا يجوز. انتهى.
_________________
(١) أبو القاسم عبيد الله بن الحسن بن الجلاب عراقي أخذ عن الأبهري وغيره كان حافظا من مؤلفاته التفريع في المذهب وكتاب في مسائل الخلاف: ت: ٣٧٨ هـ شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٣٧، الترجمة: ٢٤٣.
(٢) هو محمد بن ساق بن عبد الله بن ساق الأموي، فقيه، حافظ للمذهب، مات سنة: ٣٠٨ هـ الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون: ج ٢، ص: ١٩٢، ط ١: ١٩٩٦ م.
(٣) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٢٦ - ٢٧.
[ ١ / ١١٧ ]
فصل [في حكم إزالة النجاسة وما يعفى عنه منها]
قوله: (فصل) أي هذا فصل، الفصل: الحاجز بين الشيئين، ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد منه فيناسب الباب، الفصل مشتمل على مسائل، والمسألة مشتملة على سؤال وجواب، وأما الباب فيشتمل على فصول، شرع ﵀ يذكر في هذا الفصل إزالة النجاسة، وما تزال به، وما عفي عنه منها تخفيفا وتيسيرا على العباد.
ويجب على المصلي أن يتقرب إلى الله تعالى بجسد طاهر وثوب طاهر في موضع طاهر. قاله اللخمي (^١).
وقوله: (هل إزالة النجاسة عن ثوب مصل) أي عن ثوب مريد الصلاة، سؤال من المصنف على لسان الطالب، فقال: هل إزالة النجاسة عن ثوب مريد الصلاة (ولو طرف عمامته وبدنه ومكانه لا طرف حصيره سنة أو واجبة إن ذكر وقدر) خلاف، يعني أنه اختلف في إزالة النجاسة عن ثوب من أراد الصلاة به أو عن بدنه أو عن مكانه المماس لأعضائه. لا أمامه ولا خلفه ولا يمينه ولا شماله.
قال المواق: قال عياض: وسقوط طرف ثوبه على جاف نجاسة بغير محله لغو. انتهى (^٢).
قال القاضي عبد الوهاب: لا خلاف في سنيته (^٣).
وقال في البيان: المشهور من قول ابن القاسم عن مالك أن إزالتها سنة (^٤).
وشهره أيضا في تهذيب الطالب (^٥)، ابن يونس: هو الصحيح.
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ١٠٥.
(٢) التاج والإكليل للمواق وهو بهامش الحطاب، ج ١، ص: ١٣٨.
(٣) البيان والتحصيل لابن رشد ج ١، ص: ٤٢. بتصرف.
(٤) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ١، ص: ٤١.
(٥) تهذيب الطالب تأليف: عبد الحق بن محمد ابن هارون أبو محمد الصقلي تفقه على يد أبي بكر بن عبد الرحمن وأبو عمران وغيرهما. من مؤلفاته: النكت والفروق لمسائل المدونة وكتاب تهذيب الطالب وفائدة الراغب وغيرهما من المؤلفات مات بالإسكندرية سنة: ٤٦٦ هـ. التعريف =
[ ١ / ١١٨ ]
وقال بعض الأشياخ: هو واجب إن ذكرها وقدر على إزالة النجاسة، وإزالة النجاسة مستحبة.
قوله: (وإلا أعاد الظهرين للاصفرار؟ خلاف) أي وإن لم يذكرها أو ذكرها ولم يقدر على إزالتها لعدم الماء، أعاد الظهرين التي صلى بها إن وجد الماء إلى الاصفرار، وسكت الشيخ ﵀ عن العشاءين والصبح، فقيل يعيد العشاءين إلى ثلث الليل الأول والصبح إلى الإسفار البين، وقيل يعيد العشاءين في الليل كله، الفرق أن الإعادة في الوقت مستحبة وهي كالنفل، ويجوز النفل في الليل كله، بخلاف ما بعد الاصفرار، وضعف هذا الفرق بأن النفل لا يحل بعد العصر، وقيل يعيد الصبح إلى طلوع الشمس.
قوله: (ولو طرف عمامته) أي ولو كانت النجاسة على طرف عمامته وإن لم يحرك الطرف بتحريكه، الطرف بالتحريك آخر الشيء، والطرف بالسكون البصر.
قوله: (لا طرف حصيره) أي لا إن تعلق النجس بطرف حصيره وإن تحرك بتحركه فإن قلنا بسنية زوال النجاسة فلا يعيد الناسي ولا العاجز في الوقت، وفي إعادة العامد قولان، فإذا قلنا بوجوب زوالها مع الذكر والقدرة يعيد الناسي والعاجز في الوقت، ويعيد العامد أبدا.
قوله: (وبدنه) ظاهره ظاهر البدن وباطنه.
قال ابن عرفة في مختصره: وفي كون نجاسة أدخلت في باطن الجسد كما بظاهره ولغوها نقل اللخمي عن رواية محمد يعيد شارب قليل الخمر لا يسكره صلاته أبدا مدة ما يرى بقاؤها ببطنه.
وقال التونسي (^١): ما يداخل الجسم من طهارة أو نجاسة لغو. انتهى (^٢).
_________________
(١) = بالرجال المذكورين في جامع الأمهات: ص: ٢٢٨، الترجمة: ٨٥.
(٢) أبو إسحاق إبراهيم بن حسن بن إسحاق التونسي الإمام الفقيه الحافظ الأصولي المحدث تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران الفاسي وغيرهما، وأخذ عنه عبد الحميد الصائغ وغيره له شروح حسنة وتعاليق متنافس فيها على كتاب ابن المواز والمدونة شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٦١ - ١٦٢، الترجمة: ٣٢١. التعريف بالرجال المذكورين في جامع الأمهات لابن الحاجب، تأليف: محمد بن عبد السلام الأموي، من علماء القرن التاسع، ص: ٣١٤، الترجمة: ٧٧، ط: ١٩٧٤ م.
(٣) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ٢٠ - ٢١. مخطوط.
[ ١ / ١١٩ ]
قال ابن فرحون (^١) في كتابه درة الغواص: فإن قلت رجل أكل خبزا بزيت وجبن وصلى وحكمنا ببطلان صلاته، قلت هو جبن رومي والمذهب أنه نجس، وقد تنجس به الخبز والزيت، وصلى حاملا للنجاسة لأن الجبن الرومي إنما يعمل بأنفحة الميتة ولذلك تنجس، وقيل أنه طاهر وهو شاذ. انتهى (^٢).
الفرق بين ما نشأ في باطن الحيوانات من النجاسة وبين ما ورد عليها منها، أن الذي نشأ فيه أصله الطهارة، فاستصحب، والوارد قضى عليه بالنجاسة قبل الورود، فكان الأصل فيه النجس، فاستصحب باستصحاب الحكمين فيهما أوجب الحكمين المختلفين، سواء في هذا الدم والسوداء والبول والغائط والصفراء والبلغم وسائر الأنفال والفضلات، وإنما وقع التنجيس بعد الإنفصال في البعض لا في الكل، إذ الصفراء والبلغم ونحوه ليست بنجسة بخلاف الدم والسوداء والبول والمني والمذي والودي. انتهى.
وقال القرافي في ذخيرته: من انكسر عظمه فجبر بعظم الميتة، قال صاحب الإشراف (^٣) وأبو حنيفة: لا يجب عليه كسره.
قال الشافعي ﵀: يكسر وينزع إذا خاف المشقة دون التلف. قال بعض أصحابه: يقلع وإن أدى إلى التلف، حجتنا أنه جرح فيسقط كدم الجراح ولأنه صار باطنا فأشبه ما لو أكل الميتة. انتهى (^٤).
انظر قوله: هل إزالة النجاسة، قال المواق: انظره في ما يأتي في قوله: شرط
_________________
(١) هو قاضي المدينة المنورة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ أبي الحسن علي بن فرحون المدني. أخذ عن والده وعمه والإمام ابن عرفة وأجازه. ووالده وابن الحبان وابن مرزوق الجد وابن جابر وجماعة وعنه ابنه أبو اليمن وغيره. من مؤلفاته: شرح على مختصر ابن الحاجب الفرعي … في ثمانية أسفار وتبصرة الحكام في أصول الأقضية والديباج المذهب في أعيان المذهب. عاش وهو يسكن في دار بالكراء. توفي في ذي الحجة سنة: ٧٩٩ هـ. شجرة النور الزكية في طبقات المالكية. تأليف العلامة الجليل الأستاذ/ الشيخ محمد بن محمد مخلوف: ط: ١٣٩٤ هـ، ص: ٢٢٢/ الناشر: دار الكتاب العربي. بيروت لبنان.
(٢) درة الغواص في محاضرات الخواص تأليف: برهان الدين إبراهيم بن فرحون المالكي تحقيق: محمد أبو الأجفان وعثمان بطيخ: ص: ١٢٦ رقم الترتيب: ١٢٠. دار التراث القاهرة - المكتبة العتيقة - تونس.
(٣) هو كتاب الإشراف على نكت مسائل الخلاف للقاضي أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي.
(٤) الذخيرة للقرافي: ج ٢، ص: ٨٠.
[ ١ / ١٢٠ ]
الصلاة طهارة حدث وخبث (^١).
قوله: (وسقوطها في صلاة مبطل) أي وسقوط النجاسة على المصلي في الصلاة مبطل لتلك الصلاة، إن قدر على الصلاة بغيرها في الوقت، وإن خرج الوقت فلا تبطل لأن المحافظة بالوقت أكد من إزالة النجاسة.
قوله: (كذكرها فيها) أي كما تبطل الصلاة إذا ذكر وهو فيها النجاسة وإن نسيها بعد لأنه بنفس الذكر تبطل صلاته لأن أجزاء الصلاة متصلة إذا بطل جزء منها بطل كلها.
قوله: (لا قبلها) أي فلا تبطل الصلاة التي صلاها إن ذكر النجاسة قبل دخوله فيها ثم نسيها حين صلى لأنه لا يخاطب بإزالتها إلا عند الصلاة، وهو قد نسيها عند دخوله فيها.
فرع: وإن وقف في صلاة فوقعت رجله على حاجة منجوسة ودفعها بيده أو رجله بطلت صلاته لأنه متى بطل جزء من الصلاة لأجل النجاسة بطلت كلها.
مسألة: إذا صلى رجل بإزاء رجل وفي ثوب أحدهما نجاسة، لم يضر صاحب الثوب الطاهر ملاصقته لذي الثوب النجس إلا أن يجلس أو يسجد عليه فتبطل صلاته.
مسألة: إذا تعلق طفل صغير على مصل وهو يصلي، فإن غلب على ظنه طهارة ثوبه فلاشيء عليه، وإن تيقن نجاسته فإن جلس عليه أو سجد بطلت صلاته وإلا فلاشيئ لم تبطل (^٢). قاله ابن قداح المالكي (^٣).
قوله: (أو كانت أسفل نعل فخلعها) أي وكذلك إن ذكر نجاسة في أسفل نعله في الصلاة فخلعه ووقف عليه فلا تبطل صلاته، وهي كنجاسة تحت حصيره.
قال المازري عن بعضهم من علم نجاسة بنعله، إن أخرج رجله دون تحريك
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق بهامش الحطاب: ج ١، ص: ١٣٧ - ١٣٨.
(٢) فتاوي البرزلي: ج ١، ص: ٢٢٣.
(٣) أبو حفص عمر بن علي بن قداح الهواري التونسي، فقيه حافظ، عليه مدار الفتوى مع ابن عبد الرفيع أخذ عن ابن أبي الدنيا وغيره، وأخذ عنه ابن عرفة وغيره له رسائل قيدت عنه مشهورة تولى قضاء الجماعة بعد ابن عبد الرفيع، مات سنة: ٧٣٤ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٢٩٧، الترجمة: ٧٥٣.
[ ١ / ١٢١ ]
صحت صلاته (^١)، ولو رآ نجاسة بمحل سجوده بعد رفعه منه، أو بعضا منه بعد سقوطها عنه وفي قطعه أو تمامه منحنيا ثم يعيد في الوقت قولان لابن عرفة وبعض أصحابه.
وقال ابن غازي ﵀ يقبل صورتين إحداهما ما في الذخيرة عن الأبياني (^٢) أنه قال: إذا كان في أسفل نعله نجاسة فنزعه ووقف عليه جاز كظهر حصير (^٣). والثاني ما ذكره المازري عن بعضهم أن من علم بنعله نجاسة وهو في الصلاة فأخرج رجله دون تحريك صحت صلاته.
قلت: ولكن ترجح ترجيحا أنه أراد الأول فقط لاقتصاره عليه في التوضيح، وتقييده هنا النجاسة بالأسفلية، وكونه لم يشترط عدم التحريك، وعدم مناقضة ما تقدم في قوله: وسقوطها في صلاة مبطل كذكرها فيها، والله ﷾ أعلم (^٤).
قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله -: وإذا خلعها في الصلاة وصلى مناقض لقوله: كذكرها فيها.
قال ابن فرحون في تبصرته: إذا أخبرك رجل بأن هذا الثوب نجس، وقال رجل آخر بل أصابت النجاسة هذا الثوب الآخر لم يصل بهما لأن صدقهما ممكن. انتهى (^٥).
قوله: (وعفي عما يعسر) لما فرغ ﵀ من النجاسة المغلظة، جعل يذكر الخفيفة.
وقوله: مايعسر ضابط حسن، إذ كل ما يعسر على الإنسان من فعل أو ترك سقط الأمر به والنهي عنه لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] أي
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق وهو بهامش الحطاب: ج ١، ص: ١٥٠.
(٢) عبد الله ابن احمد التونسي أبو العباس المعروف بالأبياني، تفقه بيحيى بن عمر وابن حارث وغيرهم وروى عنه جماعة منهم ابن أبي زيد والأصيلي والقابسي وغيرهم. وصنف مسائل السماسرة في البيوع، مات سنة: ٣٥٢ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٤، ص: ٦٦. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٢٨، الترجمة: ٢١١.
(٣) الذخيرة للقرافي: ج ١، ص: ١٩٥.
(٤) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ١٣٢/ ١٣٣.
(٥) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام تأليف: برهان الدين أبي الوفاء إبراهيم ابن محمد بن فرحون ص: ٢٤٨ خرج أحاديثه وعلق عليه الشيخ جمال مرعشي منشورات محمد على بيضون دار الكتب العلمية.
[ ١ / ١٢٢ ]
من ضيق، ولقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي طاقتها، وقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]. انتهى.
قال القرافي في الذخيرة: أعلم أنه يجب على المكلف فعل المأمورات وترك المنهيات، إلا ما أسقطت الشريعة على المكلف من جهة المشقات التي تؤدي إلى فساد بدن أو مال في الحال والمآل ومشقة التكرار ومشقة الإحتراز، لأن كل مأمور بشيئ يشق على العباد فعله يسقط الأمر به، وكل منهي عنه شق عليه اجتنابه سقط النهي به. انتهى (^١).
قوله: (كحدث مستنكح وبلل باسور في يد إن كثر الرد أو توب) هذا شروع منه ﵀ كله بذكر أمثلة ما يعسر على الإنسان، ذكر أمثلة بعضها ولم يذكر البعض ولكن ضبطه ضبطا حسنا بقوله: ما يعسر، ومما يعسر على الإنسان حدث مستنكح وبلل باسور في يد يرده به إن كثر عليه رده أو كثر بلله في ثوب يعسر حفظه منه.
الباسور ورم مخرج الغائط، ويقال الباسور بالباء وبالنون.
(وثوب مرضعة) مما يعسر حفظه من النجاسة (تجتهد) في التحفظ من النجاسة والغسل، والاجتهاد شرط في العفو، وهذا الذي ذكر هو في المرضعة ولدها، أو تعين عليها الإرضاع لعدم من يرضعه غيرها، أو كانت محتاجة فاستأجرت في الإرضاع.
قال أبو الحسن علي الصغير بن محمد بن عبد الحق الزرويلي (^٢) في التقييد: الجزار والكناف كالأم وانظر الظئر. انتهى (^٣).
وهذا لا يحتاج إلى النظر لأنه لما عفى عن الجزار والكناف فالظئر أحرى.
قال صاحب تكميل التقييد وتحليل التعقيد ابن عرفة: قال الوانوغي: إذا سلم إلحاق الجزار والكناف فالظئر أحرى، وأيضا قد يشملها لفظ المدونة لأنها أم
_________________
(١) انظر آخره في الذخيرة للقرافي: ج ١، ص: ١٩٦.
(٢) أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الحق الزرويلي عرف بالصغير أخذ عن راشد بن أبي راشد وأبي الحسن بن سليمان وغيرهما. وأخذ عنه، عبد العزيز الغوري وأبو سالم إبراهيم التسولي الشهير بابن أبي يحي وغيرهما. له فتاوي قيدها عنه تلاميذه وغيرها. مات سنة: ٧١٩ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣٠٩، الترجمة: ٧٨٩
(٣) لم أطلع عليه فيما وجدته من التقييد.
[ ١ / ١٢٣ ]
بالرضاع والعلة فيها موجودة فلا معنى للتوقف فيها (^١)] (^٢). انتهى.
قوله: (وندب لها ثوب للصلاة) أي وندب للمرضعة اتخاذ ثوب تصلي به غير الثوب الذي ترضع ولدها فيه، ولم يذكر هذا في صاحب الدمل والجروح والله أعلم لأن سبب عذرها منفصل، وسبب عذر صاحب الدمل والجروح متصل.
قوله: (ودون درهم من دم) أي ومما عفي عنه مادون درهم البغلي (مطلقا، وقيح وصديد) أي سواء كان الدم أو القيح أو الصديد من بدنه أو من غيره، كان من دم سمك أو من دم حيض أو ميتة، وظاهر كلام الشيخ العفو مطلقا كان داخل الصلاة أو خارجها، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب، وفي المدونة العفو مقيد بما إذا رآه في الصلاة، وأما إذا رآه خارجها فإنه يؤمر بغسله.
وقوله ودون درهم من دم مخالف لقوله في الرعاف فإن زاد عن درهم. وقال ابن الحاجب وفي الدرهم روايتان (^٣).
قوله: (وبول فرس لغاز بأرض حرب) أي ومما يعفى عنه مصيب كبول فرس لغاز بأرض حرب لا غير أي لا غيرها من بلاد الإسلام إن لم يجد ممسكا له غيره، وأما في بلد الإسلام فليتقه ما استطاع، ودين الله يسر.
قوله: (وأثر ذباب من عذرة) أي ومما يعفى عنه أثر ذباب نزل على عذره ثم نزل على ثوب أو بدن لعسر الاحتراز منه، (وموضع حجامة مسح) مما يعفى عنه (مسح) بعد الحجامة، المسح شرط العفو وإن لم يمسح فلا يعفى عنه (فإذا برئ) الموضع (غسل).
قوله: (وإلا أعاد في الوقت) أي وإن لم يغسله بعد البرء أعاد في الوقت، (وأول) أيضا ما وقع في المدونة من الإعادة في الوقت (بالنسيان) وهو تأويل أبي محمد وابن يونس، وأما العامد فيعيد أبدا (و) أول أيضا (بالإطلاق) أي يعيد في الوقت في العمد والنسيان وهو تأويل أبي عمران (^٤).
_________________
(١) تعليقة الوانوغي ج ١، ص: ٦١.
(٢) تكميل التقييد: ج ١، ص: ٢٤٦، الطبعة الأولى دار المذهب ١٤٣٤ هـ ٢٠١٣ م
(٣) جامع الأمهات لابن الحاجب: ص: ٣٧، تحقيق: أبو عبد الرحمن الأخضر. اليمامة للطباعة والنشر
(٤) هو أبو عمران الفاسي: موسى بن عيسى الفاسي كنيته أبو عمران أصله من فاس تفقه عند أبي الحسن القابسي والأصيلي. وأحمد بن القاسم البزار وغيرهم. ألف تعلقة على مذهب مالك، =
[ ١ / ١٢٤ ]
قوله: (وكطين مطر) لو قال الشيخ: وطين كمطر ليدخل طين الرش. المعنى: وعفي عن مصيب طين مطر ونحوه (وإن اختلطت العذرة بالمصيب) ظاهره وإن جف ذلك الطين على البدن أو الثوب وطال الزمان.
وقال بعضهم: لا نص في ذلك، وغفل ابن عرفة ﵀ هنا وكان الصحابة ﵃ يخوضون في طين المطر، ولا يغسلونه لأنه مما يعسر التحفظ منه.
قوله: (لا إن غلبت وظاهرها العفو) أي لا يعفى عن الطين إذا غلبت عليه العذرة ولكن ظاهر المدونة العفو وإن غلبت العذرة على المصيب.
قوله: (ولا إن أصاب عينها) أي وكذلك لا يعفى إذا أصاب عين العذرة الثوب أو البدن، إلا إذا تساوت الطرق في ذلك ولم يمكن الانفكاك عنه غالبا. انتهى.
إنما أخر الشيخ قوله: ولا إن أصاب عينها لئلا ينطبق عليه قوله: وظاهرها العفو.
قوله: (وذيل امرأة مطال للستر) أي ومما يعفى عنه مصيب ذيل امرأة مطال بكذراع لأجل الستر لا للخيلاء (و) كذلك يعفى عن (رجل بلت يمران) الذيل والرجل بنجس يبس يطهران بما بعده أي فيطهران بالمرور بعد ذلك على موضع طاهر.
وقوله: بنجس يابس شرط وأما إذا مرا بنجس رطب فلا عفو وإن مر على الطاهر بعده. انتهى.
وفي كتاب الاختصار والتقريب في ذكر رجال الموطأ والمراد بذلك أنه إن لم يتعلق بالثوب شيء فلاشيء عليها، وأن لفظة يطهره ما بعده إعلام بأنه كان طاهرا وبقي طاهرا. انتهى.
فعلل اللخمي بأن رفع رجليه يمنع اتصال نجاسة بهما إلا مالا قدر له.
قال ابن عرفة في مختصره: قال المازري عن بعضهم بأن الماء يدفع عن نفسه، فلا ينجسه إلا ما يغيره، ولا ينحل من النجاسة ما يغير ماء رجليه، وحملها ابن رشد على قدر لم توقن نجاسته ولو تيقنت وجب غسل رجليه، لتعلق النجاسة بهما
_________________
(١) = وكتاب النظائر ومولده سنة ٣٦٨ هـ، ومات سنة ٤٣٠ هـ وقيل مات سنة: ٤٢٩ هـ. التعريف بالرجال المذكورين في جامع الأمهات لابن الحاجب ص: ٢٦٩ - ٢٧٠ - ٢٧١/، الترجمة:. ١١٣
[ ١ / ١٢٥ ]
لبللهما. انتهى (^١).
قوله: (وخف ونعل) أي ومما يعفى عنه مصيب خف أو نعل من روث دواب وبولها ﴿إن ذلكا﴾ ذلك عنهما، وأما إن لم يدلك بل بقا عليهما فلا يعفى عنه، المراد بالدواب هنا الخيل والبغال والحمير.
النعل كلما وقى الرجل عفي عن ذلك للضرورة، ولأجل الخلاف في نجاسة أرواثها وأبوالها. انتهى.
وظاهر كلام الشيخ كثرة الدواب أم لا خلافا لسحنون، فإنه قيد ذلك بما إذا كثرت. انتهى.
قال صاحب إكمال الإكمال الأبي ﵀: قال عياض: الصلاة في النعال رخصة مباحة فعلها ﷺ وأصحابه ﵃، وذلك ما لم تعلم نجاسة النعل، فإن علمت وكانت نجاسة متفقا عليها كالدم لم يطهرها إلا الماء، وإن كانت مختلفا فيها كأرواث الدواب وأبوالها، ففي تطهيرها بالدلك بالتراب عندنا قولان، وأطلق الأوزاعي (^٢) والثوري (^٣) إجزاء الدلك، وقال أبو حنيفة: لا يجزئ في البول، ورطب الروث إلا الغسل، وقال الشافعي: لا يطهر شيئا من ذلك إلا الماء واختلف عندنا فيما أصاب الرجل من المختلف فيه هل يكفي فيه الدلك بالتراب بالاجزاء.
قال الثوري: وبعدمه قال أبويوسف، وفي الصلاة في النعل، حمل الجلد على الطهارة، ما لم يتعين أنها ميتة، أو جلد خنزير، واختلف العلماء فيهما إذا كانا مدبوغين، وفيه حمل الطرقات والتراب على الطهارة حتى تتيقن النجاسة.
قلت: رجع مالك في غسل النعل والخف إلى الاكتفاء فيهما بالدلك. انتهى (^٤).
_________________
(١) مختصر ابن عرفة: ١/¬٢٥.
(٢) عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي إمام أهل الشام في وقته نزل بيروت، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا فاضلا صدوقا كثير الحديث والفقه روى عن عطاء وابن سيرين وغيرهما. روى عنه أبو حنيفة وقتادة والزهري وغيرهم، ولد سنة: ٨٨ هـ ومات سنة: ١٥٧ هـ، انظر ترجمته في طبقات الحفاظ للسيوطي: ص: ٧٩، الترجمة: ١٦٨.
(٣) هو سفيان بن سيعد الثوري أبو عبد الله الكوفي ولد بالكوفة سنة: ٩٧ هـ وتوفي بالبصرة سنة: ١٦١ هـ من شيوخه والده سعيد بن مسروق الثوري وحدث عن ابن المبارك وحدث عنه ابن المبارك وغيره، من مؤلفاته الجامع الكبير والصغير وغيرهما. انظر الأعلام للزركلي: مج ٣، ص: ١٠٤. وسير أعلام النبلاء للذهبي: ٢: ١٩٨٢ م، مج ٧، ص: ٢٩٩، الترجمة: ٨٢
(٤) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٤٥٨ - ٤٥٩.
[ ١ / ١٢٦ ]
قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواء الفروق في الفرق التاسع والثلاثين والمائتين منه: الغالب على النعال مصادفة النجاسة ولا سيما نعل مشى به حكم سنة، ويجلس به في مواضع قضاء الحاجة سنة ونحوها، فالغالب النجاسة، والنادر سلامتها من النجاسة ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب وأثبت النادر، فجاءت السنة في الصلاة بالنعل حتى قال بعضهم إن خلع النعال في الصلاة بدعة، وكل ذلك رحمة من الله تعالى وتوسعة على العباد. انتهى (^١).
فرع: وفي تكميل التقييد (^٢): سألت شيخنا الحافظ أبو عبد الله القوري (^٣) عن مس النعال في الصلاة والجلوس عليها، وهل القباقب مثلها أو أخف منها، وعن دخول دار الوضوء المحبسة عليه بالقباقب، فكتب لي بخطه ما نصه: رأيت في بعض المقيدات عن الشيخ الفقيه الصالح أبو حفص عمر الرجراجي (^٤)، أنه سمع ابن عبد الكريم وابن عبدون (^٥) يفتيان بالبطلان في النعال والأخفاف.
قال: والقباقب أخف لأنها مما يغسل، وسمعت الفقيه أبي القاسم التازغدري (^٦) ينقل مثل ذلك عن غيره، وأفتى هو وشيخنا أبو محمد عبد الله العبدوسي (^٧) بالصحة وليس عندي غير الصحة إلا أن الاحتياط الاحتراز من ذلك، وكنت أفتي بمنع دخول
_________________
(١) أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي، الفرق التاسع والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما اعتبر من الغالب وبين ما ألغى
(٢) تكميل التقييد وتحليل التعقيد لابن غازي.
(٣) أبو عبد الله القوري: محمد بن قاسم اللخمي الأندلسي الأصل المكناسي الفاسي فقيه صوفي ولد بمكناسة الزيتون في أول القرن التاسع من تصانيفه: شرح لمختصر خليل مات سنة: ٨٧٢ هـ. معجم المؤلفين: ج ١١، ص: ١٤٣.
(٤) أبو حفص عمر الرجراجي
(٥) أظنه محمد بن عبدون أخذ عن ابن وضاح وغيره كان حافظا للفقه بصيرا بالوثائق مات سنة: ٣٧٨ هـ ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ١٠٣.
(٦) محمد بن عبد العزيز أبو القاسم التازغدري، أخذ عن عيسى بن هلال. له تعليق على شرح المدونة لأبي الحسن الصغير مات مقتولا ولم يعرف قاتله سنة: ٨٣٢ هـ، كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الدباج: ج ٢، ص: ١٣٣، الترجمة: ٥٢٥. وشجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣٦٣، الترجمة: ٩٤٢.
(٧) أظنه والله أعلم: عبد الله بن محمد العبدوسي مفتي فاس مات سنة: ٧٤٩ هـ أخذ عنه القوري وغيره وهو الذي يشير إليه ابن غازي بقوله: شيخ شيوخنا. له نظم في شهادة السماع وفتاوي كثيرة. كفاية المحتاج: ج ١، ص: ١٧٥، الترجمة: ٣١٩
[ ١ / ١٢٧ ]
دار الوضوء بالقباقب لأشياء منها تغيير الحبس ومنها تنجيسها بسبب ذلك، وأكثر الناس لا يفتقدونها ولا يغسلونها فتنجس يديه وثيابه والمسجد. انتهى (^١).
قوله: (لا غيره) من النجاسات أي ولا يعفى عن غير المذكور وهو روث الدواب وأبوالها إذا أصاب الخف أو النعل لعدم الضرورة ولعدم الخلاف في غيره من النجاسات، (ف) بسبب ذلك إذا أصاب الخف أو النعل (يخلعه الماسح) الذي (لا ماء معه ويتيمم) وينتقل من الطهارة المائية إلى الترابية لأن صلاة المتيمم طاهر الأعضاء أرجح من صلاة المتوضئ نجس الأعضاء، ولأن الوضوء له بدل وهو التيمم.
فرع: إذا لم يجد من الماء إلا ما يكفيه لإحدى الطهارتين حدث أو خبث بغير أعضاء الوضوء.
قال المازري: لا نص فيها، وعلى أن غسل النجاسة سنة يتوضأ، وعلى رواية ابن حبيب (^٢) في من يمسح على خفيه ثم وطئ على عذرة أو دم ولم يجد ما يغسلها به أنه ينزع الخف وينتقل إلى التيمم فيزيل النجاسة بالماء.
وقال ابن العربي: يغسل النجاسة إذ لا بدل عن غسلها وعن الوضوء بدل (^٣).
قوله: (وأختار إلحاق رجل الفقير) أي واختار اللخمي في نفسه إلحاق رجل الفقير الذي يعجز عن شراء النعل إلى الخف والنعل. انتهى.
قوله: (وفي غيره للمتأخرين قولان) أي وأما رجل غير الفقير ففي إلحاقه برجل الفقير وعدم إلحاقه به قولان للمتأخرين.
قوله: (وواقع على مار) أي ومما يعفى عنه بلل واقع على مار في الطريق، فلا يكلف بالسؤال عن حال البلل الواقع عليه (وإن سأل صدق المسلم) فيما أخبره به من حال البلل الواقع عليه من طهارة أو نجاسة، وأما غير المسلم فلا يصدقه.
_________________
(١) تكميل التقييد وتحليل التعقيد لابن غازي
(٢) عبد الملك بن حبيب السلمي: يكنى: أبا مروان. روى عن صعصعة بن سلام، وزياد بن عبد الرحمن ابن الماجشون، وأصبغ، وغيرهم. وانصرف إلى الأندلس وقد جمع علما عظيما، وله مؤلفات منها: الواضحة. لم يؤلف مثلها؛ وكتاب: تفسير الموطأ. وغير ذلك من كتبه المشهورة. انظر، شجرة النور الزكية: ج ١/ ١١١، الترجمة: ١٤٧. التعريف بالرجال المذكورين في جامع الأمهات: ص: ٢٣٤ - ٢٣٥، الترجمة: ٨٩.
(٣) التاج والإكليل للمواق وهو بهامش الحطاب: ج ١/ ١٦٤
[ ١ / ١٢٨ ]
مسألة: هل يكفي مج الريق من الفم حتى ينقطع الدم منه أو لابد من الغسل بالماء فيه قولان ورجح اللخمي الأول وابن العربي الثاني وهو الأصل، والأول رآه ضرورة لكثرته في الناس. انتهى من القلشاني (^١).
قوله: (وكسيف صقيل الإفساده) أي ومما يعفى عنه مصيب سيف صقيل ونحوه من سكين ورمح (من دم مباح) كدم حربي، أو ذكاة شرعية لأجل خوف فساده بالغسل ومن ثم لا يلحق به ما لا يبقي المسح عين النجاسة عليه ولا أثرها مما لا مسام له لصقالته كالظفر وقوله: من دم شرط فلا يعفى فيه عن غير الدم من النجاسات.
قوله: مباح شرط فلا يعفى عن دم العدوان، واقتصر على الدم المباح لأنها رخصة معللة.
قوله: (وأثر دمل) أي ومما يعفى عنه مصيب أثر دمل إذا ﴿لم ينك، وندب إن تفاحش﴾ أي لم يعتصر.
قال ابن شاس: معفو عنه في حق من وجد منه، فإن أصابه من غيره ففي العفو منه قولان. انتهى (^٢).
قال ابن عبد السلام: هذا من دمل واحد، وأما الدماميل كالجرب فلابد من أن تنكأ لكثرة الحك. انتهى (^٣).
الدمل بتشديد الميم وتخفيفها، فإن تفاحش أثر الدمل ندب غسله، وتفاحشه أن تكون له رائحة أو يسحى لأجله.
قوله: (كدم البراغيث) تشبيه أي كما يندب غسل مصيب دم البراغيث إن تفاحش، البراغيث جمع برغوث بضم الباء.
قوله: (إلا في صلاة) أي فإن لم ير ذلك إلا في داخل صلاة - فرضا كانت أو نفلا - فلا يقطع الصلاة لأجله بل يتمادى في صلاته وقوله: إلا في صلاة راجع على الفرعين. انتهى ما ذكره الشيخ من المعفوات.
قوله: (ويطهر محل النجس بلانية بغسله) أي فلا يحتاج إلى نية لأن الفعل في غير المتعبد بنفسه، ولفظ الغسل يدل على الدلك، ويطهر (إن عرف) محل النجاسة ﴿وإلا
_________________
(١) تحرير المقالة في شرح الرسالة للقلشاني: ج ١، ص: ٦٢. مخطوط
(٢) انظر عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ١٨.
(٣) هذا مضمون ما في الحطاب: ج ١، ص: ١٦٦.
[ ١ / ١٢٩ ]
فبجميع المشكوك فيه) أي وإن لم يعرف محلها غسل جميع المشكوك فيه.
قوله: (ككفيه) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يغسل كميه المتصلين معا حين الإصابة إذا شك في أيهما تنجس وإن انفصلا حين يريد تطهيرهما، وهما (بخلاف ثوبيه فيتحرى، بطهور منفصل كذلك) إذا تنجس أحدهما ولم يعرف عينه فإنه يتحرى أحدهما فيغسله ويصلي به ويكونان طاهران بذلك الغسل، وظاهر كلام الشيخ ﵀ سواء كان معه ماء يغسلهما به أم لا وهو ظاهر كلام ابن شاس وابن الحاجب، وظاهر كلام الأشياخ كالنصوص، وقيده سند بما إذا لم يكن ماء يغسلهما به. انتهى (^١).
قوله: (ولا يلزم عصره) أي ولا يلزم عصر محل النجس (مع زوال طعمه) ويلزم مع بقائه وإن عسر، و(لا) يلزم زوال (لون وريح عسرا) أي عسر إزالتهما وأما إن لم يعسر زوا لهما فإن المحل نجس ما زال فيه لون أو ريح.
قوله: (والغسالة المتغيرة) أي وماء الغسالة المتغيرة لونا أو طعما أو ريحا حين انفصالها عن المحل (نجسة) وكل ما أصابته أنجسته.
قوله: (ولو زال عين النجاسة بغير المطلق لم يتنجس ملاقي محلها) أي ولو ذهب عين النجاسة عن محلها أو زال بغير المطلق بل بغيره لم يتنجس ملاقي ذلك المحل لأن النجاسة قد ارتفع عينها، ولعدم انتقال عين الحكم عن محل النجاسة.
قوله: (وإن شك في إصابتها لثوب)، لما فرغ الشيخ ﵀ من النجاسة المحققة الإصابة، شرع يذكر حكم النجاسة المشكوك في إصابتها أي وإن شك في إصابة النجاسة لثوب (وجب نضحه) إن عرف الموضع المشكوك فيه، وإن شك في موضع منه وتحقق إصابتها في موضع آخر منه نضح ما شك فيه وغسل ما تحقق فيه الإصابة.
قال مالك ﵀: النضح من أمر الناس وهو طهور لكل ما شك فيه (^٢). وقال عبد الوهاب: النضح مستحب وهو أحسن، ولو كان ذلك على الوجوب لوجب الغسل. انتهى من اللخمي (^٣).
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ١، ص: ١٩. مخطوط.
(٢) التاج والإكليل للمواق وهو بهامش الحطاب: ج ١، ص: ١٦٤
(٣) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ١١٢ - ١١٣.
[ ١ / ١٣٠ ]
وما ذكره الشيخ هو المشهور.
وفي التقييد: وفائدة النضح أنه إن وجد بعد ذلك بلة فيمكن أن تكون من النضح، فتطمئن نفسه ويزول عنه الوسواس. انتهى.
قوله: (وإن ترك أعاد الصلاة كالغسل) أي وإن ترك الشاك في إصابة النجاسة النضح، أعاد ما صلى بذلك الثوب بعد الشك، كما يعيد تارك غسل النجاسة، وقد تقدم ذكره، وهذ التشبيه إنما يرادبه التكميل.
قال أشهب (^١) وابن الماجشون وابن نافع: لا إعادة عليه (^٢).
قوله: (وهورة باليد) أي والنضح هو رش باليد خلافا لمن قال: هو إجراء الماء على المحل المشكوك فيه.
قوله: باليد خلافا لمن قال: هو رش بالفم.
قوله: (بلا نية) فلا يحتاج إلى النية لأنه يفعله في غير نفسه، والقول بوجوب النية لظهور التعبد لأن الرش يزيد في كمية النجاسة بخلاف الغسل. انتهى من القلشاني (^٣).
قوله: (لا إن شك في نجاسة المصيب) أي لا يلزم النضح إذا شك في نجاسة المصيب وإن حقق الإصابة.
وقوله: (أو فيهما) مستغنى عنه لأنه لما لم يلزمه النضح حيث شك في نجاسة المصيب مع تحقق إصابته، وأحرى ألا يلزمه النضح حيث شك في نجاسة المصيب مع تحقق إصابته، وأحرى ألا يلزم النضح حيث شك في النجاسة مع الشك في الإصابة، ولكن عادة الشيوخ يذكرون وجوه المسألة كلها وإن اندرج بعضها في
_________________
(١) هو مسكين بن عبد العزيز بن داوود القيسي أبو عمر العامري المصري روي عن مالك وبه تفقه والليث والفضيل بن عياض وروى عنه سحنون والحارث بن مسكين وعبد الحكم وزنان وغيرهم. تولي رئاسة المالكية بعد عبد الرحمن بن القاسم وخرج عنه أصحاب السنن وعدة كتب سماعه عشرون. كان مولده سنة ١٤٠ هـ ومات بمصر سنة ٢٠٤ هـ بعد موت الشافعي بثمانية عشر يوما. أنظر ترتيب المدارك: ص: ٤٤٧/ ٤٥٢. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٨/¬٩. الترجمة: ٧١.
(٢) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٢٢.
(٣) تحرير المقالة في شرح الرسالة لأبي العباس أحمد بن القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد الله القلشاني: ج ١، ص: ٦١ مخطوطة توجد عندي نسخة من الجزء الأول منها مصور من الخزانة العامة في الرباط بالمملكة المغربية.
[ ١ / ١٣١ ]
بعض.
قوله: (وهل الجسد كالثوب أو يجب غسله) أي وهل الجسد كالثوب إذا شك في إصابة النجاسة له فيكفي فيه النضح أو يجب غسله لخفة الغسل فيه ولسهولته. قال ابن شاس: ظاهر المدونة لا فرق. انتهى (^١).
وسكت الشيخ عن البقعة هل تغسل اتفاقا لأنه قادر على الانتقال عنها أوفيها (خلاف).
وقال في حلي المختصر: وفي كون البقعة كالجسد أو تغسل اتفاقا تردد.
قوله: (وإذا اشتبه طهور بمتنجس أو نجس صلى بعدد النجس وزيادة إناء) أي وإذا اشتبه آنية ماء طهور مع آنية ماء متنجس، أو آنية نجس بأصله كالبول المنقطع رائحته، أو بول مريض لا يستقر الماء في جوفه، فإنه يتوضأ ويصلي بعدد آنية النجس، وزيادة إناء ماء من الطهور ليتحقق صلاته بطهور، الفرق بين الماء والثوبين، يتحرى في الثوبين دون الماء، لخفة النجاسة للاختلاف فيهما، ولأن الطهارة لابد لها من مطلق.
قال ابن العربي: إنما كان يجتهد في أحد الثوبين، لأن الأصل في كل واحد من الثوبين على انفراده الطهارة، فيستند اجتهاده إلى الأصل، بخلاف الكمين مع الاتصال، فلو فصلهما لجاز له التحرى كأحد الثوبين. انتهى (^٢).
وأما إذا اشتبه الطهور بماء طاهر غير مطهر فإنه يتوضأ بهما ويصلي صلاة واحدة.
قال ابن شاس: فرع: وإذا اشتبهت الأواني على رجلين، فيتحرى كل واحد منهما غير ما تحراه الآخر، قال الإمام أبو عبد الله: لا يصلي أحد هما مؤتما بصاحبه في الصلاة التي تطهر لها بالماء الذي خالفه فيه لاعتقاده أنه مخطئ. انتهى. (^٣).
فرع: وإذا اشتبه طهور واحد بمتنجس واحد فلانص والقياس أن يتيمم ويصلي ويتوضأ ويصلي.
قوله: (وندب غسل إناء ماء ويراق) أي وندب غسل إناء ماء فقط (لا طعام وحوض
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٢٢.
(٢) الحطاب بتصرف: ج ١، ص: ١٧٠ - ١٧١.
(٣) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٢٥.
[ ١ / ١٣٢ ]
تعبدا سبعا ب (سبب ولوغ كلب) ولغ فيه أو كلاب (مطلقا) أي نهي عن اتخاذه أم لا، ويراق ذلك الماء لاستجازة طرحه، وذلك الغسل تعبد لا معلل، وقيل معلل من أجل قذارته وقيل لنجاسته، وقيل: لأنهم نهو عن اتخاذها، لأنها تؤذي الضيف والغريب ولم ينتهوا.
التعبد عبارة عن الحكم الذي لم تظهر لنا حكمته، مع أنا نجزم أنه لابد له من حكمة.
قوله: (لا غيره) أي لا غير الكلب وإن كان محرما كالخنزير والأسد، ويحتمل لا غير الولوغ كيده أورجله.
قوله: (عند قصد الاستعمال بلانية) أي إنما يؤمر بغسل ذلك الإناء عند إرادة استعماله ويجزء قبله، فلا يحتاج ذلك الغسل إلى نية (ولا تتريب) أي يجعل التراب مع الماء عند غسله.
قوله: (ولا يتعدد) أي ولا يتعدد الغسل المذكور (ب) تعدد (ولوغ كلب) واحد (أو) ولوغ (كلاب) متعددة لأن الأسباب إذا تساوت موجباتها تداخلت كالحدود.
فصل [في فرائض الوضوء وسننه وفضائله]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل الوضوء، ليس مما تقدم فناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب.
عياض: الوضوء لغة: الحسن والنظافة، وفي الشرع تطهير أعضاء مخصوصة بالماء، لتحسن وتنظف، ويرتفع عنها حكم الحدث، لتستباح به العبادة، والأعضاء المخصوصة به هي: الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان، هي الطهارة من ابن آدم غالبا، والتي تحتاج إلى التنظيف، أما الوجه هو سمة ابن آدم ومحياه، وهو نصب بفتح الهواجر ومثار نقع الأقدام والحوافر، وفيه مسام تقذف بأوساخها من قذى عين ومخاط أنف وكل يحتاج إلى التنظيف فشرع لجميعها الغسل والتكرار، ولما كان الرأس مستورا غالبا، شرع فيه المسح اكتفاء بدهنه بالماء لإزالة شعثه، ولأن غسله عند كل حدث مما يشق ويهلك، وأما اليدان والرجلان فلما يعيلني بها من الأعمال التي تعقب الأدناس والأوساخ وتلاقي من الأمور التي ينتج عنها الدرن. انتهى من
[ ١ / ١٣٣ ]
المدارك (^١).
ابن ناجي (^٢): «الوضوء من خصائص هذه الأمة إكراما لها واعتذروا عن قوله ﷺ: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» (^٣) فإنه لم يصح، فإن سلمنا صحته فالخصوصية للأنبياء لا لأممهم، ولأن الفضيلة في الدار الآخرة إنما هي لهذه الأمة الغرة، والتحجيل لهم في الحشر دون سائر الأمم. انتهى (^٤).
قوله: (فرائض الوضوء)، بدأ الشيخ بالفرائض وثنى بالسنن وثلث بالمندوبات
الأوكد فالأوكد الفرض والواجب بمعنى، وقيل الفرض ما أوجبته السنة والواجب
ما أوجب الكتاب.
قال القرافي في ذخيرته: الواجب له معنيان:
الأول: ما يأثم المكلف بتركه كالصلوات الخمس وهذا هو المعنى المشهور.
والثاني: ما يتوقف عليه الشيء وإن لم يأثم بتركه، كقولنا الوضوء واجب في صلاة التطوع ونحوه، مع أن المتطوع لو ترك ذلك التطوع لم يأثم، وإنما معناه أن الصلاة تتوقف صحتها على الطهارة والستارة ونحوهما. انتهى (^٥).
فرائض الوضوء لفرض أو نفل (غسل) الوجه عرضا وهو (ما بين الأذنين) وهذا هو المشهور، وقيل: ما بين العذار إلى العذار وهو ظاهر الكتاب، (ومنابت شعر الرأس المعتاد، والذقن، وظاهر اللحية) حد الوجه طولا من منابت شعر الرأس المعتاد والذقن وظاهر اللحية، وأحترز بالمعتاد من الأصلع والأغم، والذقن بكسر الذال المعجمة مجتمع اللحيين لغير الملتحي، وأما الملتحي الكث اللحية فإنه يغسل ظاهرها وإن طالت لأن ما اتصل إلى شيء له حكمه، وصفة غسله أن يصب الماء
_________________
(١) ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض: ج ١، ص: ٤١.
(٢) أبو الفضل وأبو القاسم قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني، الفقيه الزاهد، والقاضي العادل، أخذ عن ابن عرفة والبرزلي وغيرهما. وعنه أخذ حلولو وغيره. له شرح على الرسالة، وشرحان على المدونة. مات سنة: ٨٣٧ هـ أو ٨٣٨ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣٥٢، الترجمة: ٩٠٦. وكفاية المحتاج: ج ٢، ص: ١٣، الترجمة: ٤٠٢.
(٣) أخرجه البيهقي في الكبير -١ - كتاب الطهارة ٨٩ - باب فضل التكرار في الوضوء. الحديث: ٣٨٤
(٤) لم أطلع عليه في شرح الرسالة لابن ناجي وهذا مضمون ما في إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٤٦
(٥) الذخيرة لقرافي: ج ٩، ص: ١٠٨.
[ ١ / ١٣٤ ]
من أعلا جبهته ولا يرسله من يده ثم يغسل كما يفعل كثير من العوام لأن ذلك مسح.
قوله: (فيغسل الوترة، وأسارير جبهته) أي فبسبب أنه مطلوب بغسل جميع الوجه، يغسل الوترة وهو ما بين المنخرين، ويغسل تكاسير جبهته (وظاهر شفتيه) لا باطنهما.
قوله: (بتخليل شعر) أي يجب عليه غسل جميع وجهه مع تخليل شعر فيه (تظهر البشرة تحته).
البشرة: ظاهر البدن والأدمة باطنها، مفهومه إن لم تظهر البشرة تحته فليس عليه تخليل والمفهوم صحيح.
قوله: (لا جرحا برئ، أو خلق غائرا) أي ليس عليه تخليل موضع جرح برئ غائرا أو موضع من بدنه خلق غائرا بدأ الشيخ ﵀ بالوجه وثنى باليدين وثلث بالرأس وربع بالرجلين كما في الكتاب العزيز: ﴿يتأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦] الآية.
قوله: (ويديه بمرفقيه) أي هذا هو الفرض الثاني أي ومن فروض الوضوء غسل يديه إلى مرفقيه وإدخالهما هو المشهور.
وقيل لا يدخلان ومنشأ الخلاف هل هما حد المتروك فيدخلان أو حد المفعول فلا يدخلان.
قالت طائفة من العلماء: لا يدخلان لأن إلى غاية تحول بين ما قبلها وما بعدها. وقالت طائفة: يدخلان في الغسل لأن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها فهو داخل فيه. انتهى.
قال القاضي أبو محمد وتحرير العبارة في هذا المعنى أن يقال: إذا كان ما بعد إلى ليس مما قبلها فالحد أول المذكور بعدها، وإذا كان ما بعدها من جملة ما قبلها، فالاحتياط يعطي أن الحد آخر المذكور بعدها، ولهذا يترجح دخول المرفقين في الغسل، والروايتان محفوظتان عن مالك ﵀. انتهى (^١) من ابن عطية (^٢).
_________________
(١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز تأليف: أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، تحقيق عبد السلام الشافي محمد: ج ٢، ص: ١٨٩ بعد قوله تعالى وأيديكم إلى المرافق الآية: ٦ من سورة المائدة، دار الكتب العلمية.
(٢) أبو محمد عبد الحق بن أبي بكر بن غالب: الفقيه المحدث المفسر روى عن أبوي علي الغساني والصدفي ومحمد بن الطلاع، وعنه ابنه حمزة وأبو جعفر وجماعة. ألف كتابه الوجيز في التفسير وغيره، كان مولده سنة: ٤٨١ هـ، ومات في رمضان سنة: ٥٤٢ هـ. شجرة النور الزكية، ج ١، ص: ١٨٩، الترجمة: ٤١٢.
[ ١ / ١٣٥ ]
قوله: (وبقية معصم) أي ويجب غسل بقية معصم (إن قطع)، وأحرى إن خلق بلا كف، المعصم عظم الذراع، سمي معصما لأنه يعصم به نفسه، العصم: المنع.
قوله: (ككف بمنكب) أي كما يجب عليه غسل كف غرز بمنكب، والمنكب مجتمع العضد والكتف.
قوله: (بتخليل أصابعه) أي ويجب عليه غسل اليدين مع تخليل الأصابع من جهة ظاهر الكف، وقيل تخليل الأصابع مستحب.
وسئل السيوري (^١) هل يلزم زوال وسخ الأظفار في الوضوء أم لا؟ فأجاب: لا يعلق قلبك بهذا إن أطعتني واترك ذلك الوسواس، واسلك ما عليه جمهور السلف الصالح تسلم، قلت: أراد أن الذي عليه السلف الصالح ترك هذا التعمق. انتهى من نوازل البرزلي (^٢).
قال ابن عرفة: من لا يد له ولا رجل سقط عنه فرض اليد والرجل (^٣).
قال اللخمي: الفرق بين وجوب تخليل الأصابع في اليدين وندبه في الرجلين من ثلاثة أوجه، أحدها الوجوب لأجل التفريج الذي بين أصابع اليدين، الثاني أن اليدين لم يختلف في أن الفرض فيهما الغسل فيجب استيعابهما بخلاف الرجلين فإن العلماء اختلفوا في أن الفرض فيهما الغسل أو المسح أو التخيير، الثالث أن الرجلين يسقط فرض غسلهما بالمسح على الخفين، ويسقطان في التيمم واليدان بخلاف ذلك لابد من غسلهما في الوضوء ومسحهما في التيمم. انتهى (^٤).
_________________
(١) أبو القاسم عبد الخالق بن عبد الوارث السيوري، تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران الفاسي وغيرهما. وأخذ عنه أبو عبد الله المقري وعبد الحميد الصائغ واللخمي وغيرهم. له تعليق حسن على المدونة. مات بالقيروان سنة: ٤٦٠ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٢٧٢، الترجمة: ٣٥٩.
(٢) مواهب الجليل للحطاب: ج ١، ص: ٢١٣.
(٣) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ٤١ مخطوط.
(٤) تبصرة اللخمي: ص: ٥ - ٦.
[ ١ / ١٣٦ ]
قوله: (لا إجالة خاتمه) أي ليس عليه إجالة خاتمه في غسل يديه في الغسل ولا في الوضوء وأحرى نزعه لأن الماء أدق الأشياء، وهذا كله في خاتم السنة وهو وفصه زنة درهمين، ولم يذكر الشيخ قدره.
قوله: (ونقض غيره) أي وكذلك ليس عليه نقض غير الخاتم كالسوار وحلقة الرماة، ويحتمل ونقض بالفعل الماضي أي ونقض المتوضئ غير الخاتم.
مسألة: قال صاحب مغني النبيل: ولو نبتت ذراع أخرى في العضد وامتدت إلى الذراع الأصلية ففي وجوب غسل الثانية قول بعضهم وتردد عبد الحميد. انتهى من مغني النبيل.
وفيه أيضا: ونسمة من سرتها لأسفل خلق واحدة، ومن فوق خلق اثنتين، تغسل أيديهما الأربع، وتمسح رأسيهما. انتهى.
وفي مختصر ابن عرفة ويصح وطؤها بنكاح، وتعقبه عياض بأنهما أختان ورده ابن عرفة بمنع ذلك، لوحدة متعة الوطء لاتحاد محله (^١).
قوله: (ومسح ما على الجمجمة بعظم صدغيه) هذا هو الفرض الثالث أي ومن فروض الوضوء، مسح ما على الجمجة من الشعر مع صدغيه، والصدغ ما بين الأذن والعين (مع المسترخي) من شعره وإن طال لأن المتصل بالشيء له حكمه. الجمجمة: عظم الرأس، المشتمل على الدماغ.
ومن الرأس البياض الذي بين شعر الرأس والأذن. قاله اللخمي (^٢).
وفي القلشاني: هذا كله بناء على أن الباء في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦] باء الإلصاق، أو زائدة لا للتبعيض، فيكفي مسح البعض. انتهى (^٣).
وقال ابن عرفة وجعل ابن رشد مسح رأسه بما ناله من رش دون يديه مجزئا عند ابن القاسم خلاف نقل بعض شيوخنا ومن لقيناه عدم إجزائه اتفاقا. انتهى (^٤).
وقال ابن عرفة: إن كانت الحناء بباطن الشعر لم يمنع كالتلبيد (^٥). قاله صاحب الطراز.
_________________
(١) مواهب الجليل للحطاب: ج ١، ص: ٢٠٥
(٢) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٢٦.
(٣) القلشاني: ج ١، ص: ٧٥
(٤) مواهب الجليل للحطاب: ج ١، ص: ٢٣٥.
(٥) مواهب الجليل للحطاب: ج ١، ص: ٢٢٠
[ ١ / ١٣٧ ]
قيل لأشهب: هل للمرأة أن تختضب على يديها وهي جنب أو حائض، قال: نعم.
قال ابن القاسم: من توضأ على مداد بيده لم يضره، قيده الطراز بالكتاب، وبعض شيوخ ابن عرفة برقته وعدم تجسده ولأنه مداد من مضى (^١).
قال اللخمي: إن كثرت شعرها بصوف أو غيره، لم يجز مسحه حتى تنزعه.
قوله: (ولا ينقض ضفره رجل أو امرأة) أي ولا ينقض رجل ولا امرأة ضفر شعر رأسه في الوضوء ولا في الغسل، هذا إذا كان الضفر مرخيا وأما شديد الضفر بحيث لا يصل الماء إلى باطن الشعر فلابد حينئذ من نقضه في الغسل، ويفهم من قوله: ولا ينقض أن الترك أولى.
قوله: (ويدخلان يديهما تحته) أي ويدخل الرجل والمرأة أيديهما تحت الضفر (في رد المسح).
قوله: (وغسله مجزئ) أي وغسل الرأس عوضا عن مسحه في الوضوء مجزئ لحصوله وزيادة وله نظائر منها من زاد على الصاع في زكاة الفطر، ومنها من هو مأمور بالإيماء وسجد، ومنها من أقام الصلاة مثنى مثنى، ومنها من ذبح شاة ونحوها مما ذكاته الذبح فترامت يده حتى قطع الرأس، ومنها من غسل خفا عوضا عن مسحه، ومنها المظاهر المعسر تكلف عتق رقبة، ومنها من ملك امرأته في طلقة فطلقت نفسها ثلاثا، ففي كل مسألة من هذه المسائل قولان أحدهما يجزي لأنه أتى بما أمر به وزيادة، والثاني لا يجزي لأنه غير ما أمر به.
قوله: (وغسل رجليه بكعبيه) هذا هو الفرض الرابع أي ومن فروض الوضوء غسل رجليه مع كعبيه (الناتنين) أي المرتفعتين (بمفصلي الساقين، وندب تخليل أصابعهما)، وقد تقدم ذكر الفرق بين وجوب تخليل أصابع اليدين وندبيته في أصابع الرجلين.
قوله: (ولا يعيد من قلم ظفره أو حلق رأسه) أي ولا يعيد من قلم ظفره بعد وضوئه غسل محل القطع، وكذلك إن قطعت يده أو بضعة منها لأن موجب الأمر قد حصل أولا في محل الأصل، وكذلك إن حلق رأسه بعد وضوئه فلا يعيد مسحه لأن المأمور به قد فعله في محله الأصلي (و) من ثم كان (في) إعادة من حلق (لحيته) بعد
_________________
(١) هذا مضمون ما في مواهب الجليل للحطاب: ج ١، ص: ٢١٣.
[ ١ / ١٣٨ ]
وضوئه (قولان) لأن الأمر كان متعلقا بالبشرة أولا، والقولان لابن الطلاع (^١)، وابن القصار قال: لا إعادة غسل المحل عليه.
قوله: (والدلك) هذا هو الفرض الخامس أي ومن فروض الوضوء دلك المغسول منه، والمراد به إيعاب المغسول بإمرار اليد عليه لا العرك جدا ولو كان الدلك بعد صب الماء على العضو ولكن مع الصب أفضل، واتفقوا على أن من تطهر وصلى وهو موسخ الأعضاء أن صلاته صحيحة.
فرع: قال ابن ناجي في شرح التهذيب: قال ابن بزيزة (^٢): وتجوز النيابة في صب الماء على العضو ولا يجوز ذلك في عركها إلا لمرض لا يقدر معه عليه، قلت: ما ذكر في الأول هو المشهور ومنعه ابن الماجشون وسحنون وما ذكره في الثاني خالف فيه ابن رشد إلا أن يكون تكبرا ولم يحك الجزولي (^٣) غيره. انتهى.
والدلك يكون باليد أو غيرها وإن تعذر سقط.
قال في الجزولي: فرع وصبه الماء على العضو بقوة يقوم مقام الدلك، وكذلك إذا كان يعوم في النهر فإن ذلك يقوم له مقام التدلك، نسخته من خط شيخنا محمود بن عمر حفظه الله بمنه وكرمه.
فرع: وفي أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي ﵀ الماء مادام على العضو فلاخلاف أنه طهور مطلق ما دام مترددا، فإذا انفصل عن العضو اختلف في بقائه صالحا للتطهير أم لا انتهى (^٤).
_________________
(١) أبو عبد الله محمد بن الفرج القرطبي المالكي المعروف بابن الطلاع فقيه محدث ولد سنة: ٤٠٤ هـ وروى عن مكي بن أبي طالب المقري وعبد الله والعقيلي وغيرهم. مات سنة: ٤٩٧ هـ. من مؤلفاته: نوازل الأحكام النبوية وكتاب في الوثائق والأقضية وغيرهما. شجرة النور الزكية، ١٨٢: ج ١، ص، ١٨١ - الترجمة ٣٩١.
(٢) أبو محمد عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد القرشي التميمي التونسي، المعروف بابن بزيزة، صوفي فقيه مفسر ولد بتونس سنة: ٦٠٦ هـ وأخذ عن أبي عبد الله الرعيني وغيره ومات سنة: ٦٦٢ هـ من مؤلفاته: شرح التلقين وتفسير للقرآن الكريم وغيرهما. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٢٧٢ - ٢٧٣، الترجمة: ٦٧١.
(٣) عبد الرحمن بن عفان الجزولي أبو زيد فقيه مالكي من أهل فاس كان أعلم الناس في عصره بمذهب مالك، قيدت عنه ثلاث شروح للرسالة أحدها في سبعة مجلدات والثاني في ثلاثة والآخر في إثنين عاش أكثر من مائة وعشرين سنة، مات سنة: ٧٤١ هـ أو ٧٤٤ هـ، الأعلام للزركلي، ج ٤، ص: ٣١٦. وشجرة النور الزكية، ج ١، ص: ٣١٤، الترجمة: ٨٠٣.
(٤) أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي الفرق الثالث والثمانون الفرق بين قاعدة الماء المطلق وبين =
[ ١ / ١٣٩ ]
قوله: (وهل الموالاة واجبة إن ذكر وقدر - وبنى بنية إن نسي مطلقا، وإن عجز ما لم يطل بجفاف أعضاء بزمن اعتدل - أو سنة؟ خلاف) إلى آخره.
الموالاة هي الفور وهي عمل الوضوء متصلا غير منفصل انفصالا كثيرا، وأما اليسير فمغتفر، وهل هي واجبة إن ذكر وقدر وعلى الوجوب إن ذكر وقدر بنى بنية جديدة إن فرق فيه بالنسيان مطلقا أي طال مابين التفريق أم لا لأجل بطلان النية وبالنسيان، وإن كان عدم الفور لأجل عجز مائه بنى ما لم يطل ذلك، والطول يكون بجفاف أعضائه المعتدلة وفي الزمن المعتدل، فلا يعتبر جفاف أعضاء الشيخ في الشتاء لعدم سرعة جفافها ولا لأعضاء الشاب في الصيف لسرعة جفافها. انتهى.
فإن قيل الفرض لا يسقط بالنسيان.
قلت: نعم لضعف مدرك الوجوب.
وقوله: وإن عجز بنى ما لم يطل، ظاهره أعد ما يكفيه من الماء أم لا، وقال بعضهم: هذا إذا لم يعد من الماء ما يكفيه وأما إذا أعده فإنه يبني وإن طال. انتهى.
وفي كون فقد الماء حين ذكره كعجز ماء وضوئه أو كدوام نسيانه ما لم يفرط في طلبه نقله عبد الحق عن بعض شيوخه والأبياني، والقول بسنية الفور شهره صاحب المقدمات.
قوله: (ونية رفع الحدث عند وجهه، أو الفرض) هذا هو الفرض السادس أي ومن فرائض الوضوء نية رفع الحدث عند أول الفروض وهو الوجه.
الحدث: هو المعنى المرتب على الأعضاء المانع من الإقدام على الصلاة ونحوها من مس مصحف.
وقيل: النية إنما تكون عند أول الوضوء وهو غسل اليدين لئلا تبقى اليدان والمضمضة والإستنشاق بلانية بل ينوي عند غسل اليدين والمضمضة والإستنشاق السنية وعند غسل الوجه الفرض، أو ينوي بفعل وضوئه الفرض الذي كتبه الله عليه، (أو) ينوي به (استباحة ممنوع) فعله لأجل الحدث فتجزيه تالك النية (وإن) كانت (مع) نية (تبرد).
النية في اللغة: القصد، وفي الشرع: قصد المكلف الشيء المأمور به والعزيمة عليه، فلا تحتاج النية إلى نية، لأن ذلك يؤدي إلى التسلسل.
_________________
(١) = قاعدة الماء المستعمل لا يجوز استعماله أو يكره على الخلاف: ج ٢، ص: ١٢٥.
[ ١ / ١٤٠ ]
قوله: (أو أخرج بعض المستباح، أو نسي حدثا) أي وإن نوى بوضوئه بعض المستباح به وأخرج البعض كما إذا نوى بوضوئه الظهر لا العصر فإن ذلك لا يؤثر في وضوئه بل يجزيه لعصره وغيره، وكذلك يجزيه وضوؤه إذا توضأ لحدث أو غائط مثلا ناسيا للآخر كان المنسي أولا أو آخرا فإنه يجزيه لهما.
قوله: (لا أخرجه أو نوى مطلق الطهارة أو استباحة ما ندبت له أو قال: إن كنت أحدثت فله، أو جدد النية أي فلا يجزيه ذلك الوضوء إن أخرج الحدث بنية، كما إذا نوى بوضوئه حدث البول مثلا دون حدث الغائط وقد حصلا منه، فإنه لا يجزيه للتناقض، وكذلك إذا نوى بوضوئه مطلق الطهارة، فإنه لا يجزيه لأن المنوي لا بد من كونه معلوما أو مظنونا، فلا تنعقد النية في المشكوك لترددها، وكذلك إن نوى بوضوئه استباحة ماندبت له الطهارة، كقراءة القرآن في غير المصحف، أو للدخول على الملوك أو للنوم، فإنه لا يجزيه للصلاة ومس المصحف، وكذلك إن نوى بوضوئه إن كنت أحدثت فهذ الوضوء لذلك الحدث ثم تبين حدثه. انظر هذا في التجويز العقلي والوهم وأما ذا الشاك فإنه يجزيه.
وقال في الرسالة: ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث ابتدأ الوضوء (^١).
وقال ابن عرفة - فيمن أيقن بالوضوء وشك في الحدث: من تأمل وأنصف يقول: لا شيء عليه لأن الحدث مانع والشك في المانع لا أثر له، وكذلك لا يجزيه الوضوء المنوي به التجديد ثم تبين الحدث لقصر النية على الفضيلة (^٢).
وقوله: (فتبين حدثه، أو ترك لمعة فانغسلت بنية الفضل) راجع إلى الفرعين، وكذلك لا يجزيه وضوءه إذا ترك من أعضائه لمعة في الغسلة الأولى فانغسلت في الثانية بنية الفضيلة على المشهور فلأجل خوف ذلك ينوي بعضهم بالغسلات الثلاث كلها الفرض.
قال الشيخ في توضيحه فائدة: اختلف عندنا في مسائل هل يجزئ فيها ما ليس بواجب عن الواجب، منها هذه إذا ترك لمعة في الفرض فانغسلت بينة الفضيلة، ومنها من اغتسل للجمعة ناسيا للجنابة، ومنها من سلم من ركعتين ثم قام إلى نافلة،
_________________
(١) متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني ت: ٣٨٦ هـ، ط ١، ٢٠٠٢ م، ص: ٣٨، ١ 2 - باب جامع في الصلاة، دار الفكر.
(٢) مختصر ابن عرفة: ج 1، ص: 65
[ ١ / ١٤١ ]
ومنها لم يسلم ولكن ظن أنه سلم ومنها إذا بطلت عليه ركعة ثم قام إلى خامسة ساهيا، ومنها من نسي سجدة ثم سجد سجدة سهوا أو سجد للسهو والمشهور في هذه عدم الإجزاء، ومنها من طاف طواف الوداع ناسيا لطواف الإفاضة، ومنها من ساق هديا تطوعا ثم تمتع، ومنها من قام إلى ثالثة من غير تسليم ولا ظن سلام والمشهور في هذه الثلاثة الإجزاء، ومنها ما وقع لعبد الملك (^١) في من نسي رمي جمرة العقبة ثم رماها ساهيا أنها تجزئه. انتهى (^٢).
قوله: (أو فرق النية على الأعضاء) أي وكذلك لا يجزيه الوضوء الذي فرق فيه النية على الأعضاء بأن خص كل عضو بنية رفع الحدث عنه مع قطع النظر عما بعده بناء على أنه عبادة واحدة (والأظهر) عند ابن رشد (في) هذا الفرع (الأخير الصحة) بناء على أن الحدث يرتفع عن كل عضو لفعله ورد ما أورد عليه بأن المنع متعلق بالمكلف إذ هو الممنوع من الصلاة والمنع باق ولو بقيت لمعة.
قوله: (وعزوبها بعده ورفضها منتفر) أي ودوام النية بعد عقدها في محلها مطلوب وعزوبها بعده ورفضها مغتفر لأن رفع الواقع محال يعني في المفعول وأما الباقي منه فلابد فيه من نية فالنية إنما يستلزم استصحابها حكما لا ذكرا انتهى.
قال ابن العربي ﵀: إن الله ﷾ يسمح للعباد في استرسال الخواطر في الصلاة فإذا ذكر عاد إليها فإن استمر مختارا بطلت صلاته. انتهى (^٣).
وهذه المسألة موضع ذكرها فصل السهو في الصلاة وسبق العلم بها هنا.
مسألة: قال ابن شاس: لو رفض النية بعد كمال الطهارة، ففي نقضها بذلك روايتان، منشأهما أنها كجزء من أجزاء الوضوء فيجب استصحابها، أو المقصود بها
_________________
(١) هو أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي أبو الوليد ولد سنة: ٢٦ هـ، انتقلت إليه الخلافة بعد موت أبيه سنة: ٨٦ هـ، ومات سنة: ٨٦ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٤، ص: ١٦٥.
(٢) التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب، تأليف: خليل بن إسحاق الجندي المالكي ت: ٧٧٦ هـ. ضبطه وصححه: د. أحمد بن عبد الكريم نجيب: ج ١، ص: ١٠٣/ ١٠٤، ط ١: ٢٠٠٨ م.
(٣) القبس في شرح موطأ ابن أنس. تأليف: القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي الأندلسي المالكي: ج ١، ص: ٢٣٧، ط: ١٩٩٨ م. تحقيق أيمن نصر الأزهري وعلاء إبراهيم الأزهري. دار الكتب العلمية.
[ ١ / ١٤٢ ]
تصحيح الفعل وقد حصل. انتهى (^١).
قوله: (وفي تقدمها بيسير خلاف) أي وفي إجزاء تقدم النية عن محلها بيسير وعدم إجزائها خلاف وأما تقدمها عن محلها بكثير فلاخلاف في عدم إجزائها.
فرع واختلف فيما ينوي به صاحب السلس والمستحاضة، قال بعضهم: ينويان استباحة الصلاة لأن رفع الحدث كالتيمم، وقال آخرون: ينويان رفع الحدث والذي يسيل منهما بعد الوضوء ليس بحدث قال البساطي (^٢): وهو الظاهر. انتهى.
وفي العبدري وينظر إلى حكمة الشرع في غسل هذه الأعضاء المعلومة دون ما عداها من سائر البدن وذلك أنه ليس في البدن ما يتحرك للمخالفة أسرع من هذه الأعضاء، فأمر الشارع أولا بغسلها تنبيها منه ﵇ على طهارتها الباطنة، «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (^٣) ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ [النساء: ١٤٧]، فالمطلوب والمقصود هو الباطن ثم إذا رتب غسلها على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة فما كان منها إلى التحريك أسرع من غيره أمر بغسله قبل صاحبه فأمر بغسل الوجه أولا وفيه الفم والأنف والعينان فابتدء بالمضمضة أولا على سبيل السنة لأنه أكثر الأعضاء وأشدها حركة وإنما أمر بالمسح للرأس لأنه لم تقع منه المخالفة وهو مجاور لمن تقع منه المخالفة وهو اللسان والعينان فلأجل المجاورة للمخالف أعطي حكما بين حكمين فأمر بالمسح ولم يؤمر بغسله. انتهى (^٤).
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٢٨.
(٢) هو محمد بن أحمد الطائي البساطي شمس الدين. قاضي القضاة أبو عبد الرحمن بن أحمد البساطي. الإمام الفقيه المتفنن. أخذ عن بهرام وغيره. وأخذ عنه النور السنهوري ومحمد بن فرحون وغيرهما. من مؤلفاته: شفاء العليل على خليل ولم يكمله وأكمله أبو القاسم النوري والمغني في الفقه وغيرهما. كان مولده سنة ٧٦٨ هـ وتوفي سنة ٨٤٢. شجرة النور الزكية. ج ١. ص ٣٤٧. الترجمة: ٨٩٣. كفاية المحتاج. ج ٢ ص ١٤٩. الترجمة: ٥٣٣
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه. (٤٥) / كتاب البر والصلة. (١٠) / باب تحريم ظلم المسلم وخذله … الحديث: (٣٤) / ٢٥٦٤
(٤) المدخل لابن الحاج: ج ١، ص: ٣٦ - ٣٧ - ٣٨. دار الفكر.
[ ١ / ١٤٣ ]
[سنن الوضوء]
قوله: (وسننه) لما فرغ ﵀ من ذكر فرائض الوضوء، شرع يذكر سننه أي وسنن الوضوء (غسل يديه أولا، ثلاثا، تعبدا بمطلق ونية) قبل كل فعل منه إلى كوعيه ثلاث مرات تعبدا وهو المشهور ولأجله قال: (ولو نظيفتين)، وقيل للنظافة وهو قول أشهب، يغسلهما بماء مطلق بنية لأنه تعبد في نفسه، وتحديد غسل اليدين بالثلاث يدل على أنه تعبد.
قوله: (أو أحدث في أثنائه) مستغنى عنه لأنه داخل في قوله: ولو نظيفتين.
قوله: (مفترقتين) أي يغسلهما مفترقتين اليمنى باليسرى ثم اليسرى باليمني بناء على أنه تعبد وأما على القول بأنه للنظافة فلا.
وقوله: (ومضمضة) هذه هي السنة الثانية المضمضة تحريك الماء في الفم.
وقوله: (واستنشاق) سنة ثالثة، الإستنشاق هو جذب الماء بنفسه وهو من التنشق وهو الشم.
قال عياض في الإكمال: الحكمة في تقديم المضمضة والإستنشاق على الوجه اختبار رائحة الماء وطعمه إذ لونه مشاهد بالعين فجعل مبدأ الوضوء لئلا يبتدئ بما لا يجوز. انتهى (^١).
قال صاحب التلقين: وصفة المضمضة أن يوصل الماء إلى فيه ثم يخضخضه ويمجه (^٢).
قال الفاكهاني (^٣) في شرح العمدة: فقوله: ويمجه فأدخل المج في حقيقة
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٢٩.
(٢) التلقين في الفقه المالكي تأليف: القاضي أبي محمد عبد الوهاب وبهامشه تحصيل ثلج اليقين للسجلماسي: ص: ٢٠، ط ١: ١٤٢٥ هـ، تحقيق: الشيخ الفقيه أبي أويس محمد وأبي الفضل بدر. منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية.
(٣) هو عمر بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندراني تاج الدين الفاكهاني. عالم بالنحو زار دمشق واجتمع بابن كثير) صاحب البداية والنهاية (وقال: سمعنا عليه ومعه وحج ورجع إلى الإسكندرية. كان مولده سنة: ٦٥٤ هـ الموافق ١٢٥٦ م. ومات سنة: ٧٣٤ هـ الموافق: ١٣٣٤ م من مؤلفاته: الإشارة في النحو والمنهج المبين في شرح الأربعين للنووي وله شرح الرسالة أبن أبي زيد القيرواني ورياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام في الحديث. الأعلام للزركلي: ج ٥، ص: ٢١٧ - ٢١٨. ومعجم المؤلفين: ج ٧، ص: ٢٩٩.
[ ١ / ١٤٤ ]
المضمضة فعلى هذا لو ابتلع ماءها لم يكن آتيا بالسنة، ويمكن أن يكون ذكر ذلك؛ لأنها العادة والغالب، لا أنها تتوقف على المج) (^١). انتهى من تكميل التقييد (^٢).
وفيه أيضا: وقد سمعت شيخنا الفقيه الحافظ أبا عبد الله القوري يعارض اشتراط المج فيها بقول: قال المازري: رأيت اللخمي يتوضأ في المسجد ولعله كان يبتلع ماء المضمضة ولست أذكر الآن المحل الذي قاله فيه المازري، وزاد الشار مساحي (^٣): وهل يمجه بأن يدفعه أو يتركه يسيل دون دفع قولان. انتهى (^٤).
قوله: (وبالغ مفطر، وفعلهما بست أفضل، وجازا أو إحداهما بغرفة) أي في المضمضة والإستنشاق، وأما الصائم فلا لئلا يسبقه الماء إلى حلقه والأفضل في المضمضة والإستنشاق فعلهما بست غرفات كل واحد بثلاث، ويجوز فعلهما معا أو أحدهما بغرفة واحدة.
قوله: (واستنثار) هذا هو السنة الرابعة، وقيل إن الإستنشاق والإستنثار سنة واحدة، الإستنثار بثاء مثلثة وهو دفع ماء الإستنشاق بنفسه في كل غرفة ويده على أنفه كهيئة امتخاطه.
قوله: (ومسح وجهي كل أذن) هذا هو السنة الخامسة وهو مسح وجهي كل أذن حتى الصماخ ظاهرهما وباطنهما، خلافا لمن قال بوجوب مسح ظاهرهما، واختلف هل باطن الأذن ما يلي الوجه أو ما يلي الرأس، فمن نظر إلى الأصل قال: الباطن مايلي الوجه لأن الأصل كان منكمشا، ومن نظر إلى الظاهر قال: الباطن ما يلي الرأس، الأذن مأخوذ من أذن إذنا وهو من الإستماع.
قوله: (وتجديد مائهما) هذا هو السنة السادسة هو تجديد قبض الماء لمسح الأذنين يفرغ الماء على سبابتيه وإبهاميه أو يغمسهما في الماء ثم يمسح بهما أذنيه.
_________________
(١) انظر رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام. تأليف: الإمام تاج الدين الفاكهاني أبي حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري المالكي المجلد الأول تحقيق ودراسة: نور الدين طالب بالتعاون مع لجنة مختصة، ص: ١٢١، ط: ٢٠١٠ م، دار النوادر.
(٢) تكميل التقييد: ج ١، ص: ١٨٨ - ١٨٩
(٣) عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد المغربي الأصل الشار مساحي، من مؤلفاته نظم الدرر في اختصار المدونة والفوائد في الفقه والتعليق في علم الخلاف وشرح الجلاب. كان مولده سنة: ٥٨٩ هـ ومات سنة: ٦٦٩ هـ. وشار مساح اسم لبلد في مصر. الديباج المذهب في معرفة علماء أعيان المذهب لابن فرحون: ج ١، ص: ٨٢.
(٤) تكميل التقييد: ج ١، ص: ١٨٩
[ ١ / ١٤٥ ]
قوله: (ورد مسح رأسه) هذا هو السنة السابعة أي ورد يديه في مسح رأسه إلى حيث بدأ مقدما أو مؤخرا أوغيره سنة.
قوله: (وترتيب فرائضه) أي والسنة الثامنة ترتيب فرائضه في أنفسها بأن يبدأ بغسل الوجه ثم اليدين إلى المرفقين ثم يمسح الرأس ثم غسل الرجلين.
قوله: (فيعاد المنكس) أي فبسبب سنية الترتيب فإن نكس وقدم المؤخر عن المقدم فإنه يعيد غسل العضو المنكس إن كان مغسولا أو المسح إن كان رأسا (وحده إن بعد) وضوءه والبعد يكون (بجفاف) يدل على الطول أو زمن لو قدر معتدلا لجفت فيه الأعضاء المعتدلة وكذلك لو وضأه أربعة دفعة فإنه يعاد المنكس وحده. قوله: (وإلا مع تابعه) أي وإن لم يبعد ما بين ذلك لعدم حصول الجفاف يعاد المنكس مع تابعه إن كان له تابع.
قال ابن حبيب: يعاد مع تابعه طال أم لا (^١)، واختاره ابن عبد السلام. انتهى.
انظر جمع إعادة المنكس وحده لم يحصل الترتيب.
قال القلشاني في شرحه للرسالة: قال المازري: واختلف في تريب الفرائض، فقيل: واجب.
وقيل: سنة، وقيل: مستحب.
قال: ووجه القول بوجوبه أن الله ﷾ أمر بغسل أعضاء مخصوصة، عطف بعضها على بعض بالواو وهي للترتيب على ما ذكره الفراء (^٢) وغيره فوجب الترتيب لذلك، وأيضا فإنه فرق ﷾ بين متجانسين في حكم الغسل وهما اليدان والرجلان بمخالف لهما في الحكم وهو الرأس دل على الترتيب، ووجه القول بأنها سنة أن الواو لا توجب الترتيب وإنما هي لمطلق الجمع على المشهور، وإنما فرق بين المغسولين وذكر الرأس بعد اليدين وهو أقرب للوجه إنما ذلك لمجانسة حكم الوجه لليدين في أنهما مغسولان، ولأن الرأس يشارك الرجلين في بعض الأحكام وهو سقوطه مع الرجلين في التيمم فحسن تأخير ذكره لذلك.
_________________
(١) الجامع لابن يونس: ج ١، ص: ١٨٨. بتصرف
(٢) يحي بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي مولى بني أسد أو بني منقر، أبو زكريا المعروف بالفراء، إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب، كان يقال الفراء أمير المؤمنين في النحو. ولد بالكوفة سنة: ١٤٤ هـ، ومات في طريق مكة سنة ٢٠٧ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٨، ص: ١٤٥
[ ١ / ١٤٦ ]
انتهى (^١).
قوله: (ومن ترك فرضا) أي ومن ترك فرضا من فروض الوضوء أو الغسل (أتى به) وإن قل (وبالصلاة) التي صلى بتلك الطهارة أبدا، قال ابن رشد: ومن صلى الخمس بوضوء وجب لكل صلاة فذكر مسح رأسه من وضوء أحدها ولم يعرفها بعينها مسحه وأعاد الخمس (^٢). انتهى من مختصر ابن عرفة.
قوله: (وسنة فعلها لما يستقبل أي فإن ترك سنة من سنن الوضوء أو الغسل فعلها لما يستقبل من الصلوات إن أراد أن يصلي بذلك الوضوء، ولا يعيد الصلاة التي قد صلى به.
قال ابن ناجي: وقد قال ابن بشير كل سنة في الوضوء لم تخل عن فعل فإنها إذا تركت لا تعاد كمن ترك غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء والإستنثار ورد اليدين في مسح الرأس. انتهى (^٣).
هنا انتهى من السنن وتليها الفضائل.
رتب الشيخ هنا ﵀ أفعال الوضوء الأوكد فالأوكد.
[فضائل الوضوء]
قوله: (وفضائله موضع طاهر، وقلة الماء) أي وفضائل الوضوء فعله بموضع طاهر لأنه أسلم له وأن لا يتكلم حين يتوضأ، ومن فضائله قلة مائه (بلا حد) في القلة وإن توضأ في نهر ولكن كل أحد بحسبه في جسمه وعلمه بإتقان الوضوء.
قوله: (كالمسل) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن من فضائل الغسل قلة مائه بلاحد، وموضع طاهر، وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لا تسرف في الماء عند الطهور وإلا لطال عليك الحساب».
وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ: «كان يغسله الصاع ويوضؤه المد» (^٤)، وفي
_________________
(١) شرح الرسالة للقلشاني: ج ١، ص: ٧٨.
(٢) مواهب الجليل للحطاب: ج ١، ص: ٢٢٢.
(٣) التنبيه لأبي الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير تحقيق د. محمد حسان: ج ١، ص: ٢٦٤، دار ابن حزم
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه. (٣) - كتاب الحيض. (١٠) باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة … الحديث: ٣٢٦
[ ١ / ١٤٧ ]
البخاري مثل ذلك (^١)، وقال مالك في المجموعة: رأيت عياش بن عبد الله بن معبد (^٢). وكان فاضلا - يتوضأ بثلث مد هشام ويفضل له منه، فأعجب ذلك مالكا.
وقال ابن القاسم: سمعت مالكا يذكر قول الناس في الوضوء حتى يقطر أو يسيل، فسمعته يقول: (قطر قطرا) إنكارا لذلك. انتهى من تبصرة اللخمي (^٣).
قوله: (وتيمن أعضاء) أي ومن فضائل الوضوء التيمن بأعضائه بأن يقدم اليمنى فاليمني، فيغسل يده اليمنى ثم اليسرى ثم رجله اليمنى ثم اليسرى، ولذلك قال بعض العلماء: يبدء في تخليل أصابع يده اليمنى بالخنصر ويبدأ في تخليل أصابع اليسرى بإبهامها.
قوله: (وإناء إن فتح) أي ومن فضائل الوضوء كون الإناء عن يمينه إن كان الإناء واسع الفم وإلا فحيث تيسر له.
قوله: (وبدء بمقدم رأسه) أي ومن فضائل الوضوئ البدء في مسح الرأس بمقدمه إلى منتهى آخره، وكيف ما مسح أجزأه.
قوله: (وشفع غسله، وتثليته) أي ومن فضائل الوضوء شفع غسل وجهه ويديه بنية الفضيلة.
قال صاحب إكمال الإكمال: حكى الإسفرائيني (^٤) عن مالك وجوب الثانية، المازري وغيره في روايته ذلك كراهية مالك الاكتفاء بالواحدة من غير العالم، وفي إعادة المكرر بنية الفضيلة أو الوجوب أو بنية ما عسى أن يكون تركه من الأولى، أو نية إكمال الفرض أربعة أقوال وعلى الأول لو تبين نقض الأولى، فقال عبد الحق: الأرجح أن الثانية لا تجزئ. ابن بشير (^٥): وأجمعوا على منع
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥) - كتاب الغسل (٣) - باب الغسل بالصاع ونحوه. الحديث: ٢٤٨.
(٢) عياش بن عبد الله بن معب لم أطلع بعد على ترجمته.
(٣) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٩٩.
(٤) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد فقيه أصولي من مؤلفاته: كتاب الجامع في أصول الدين وله رسالة في أصول الفقه كان ثقة في رواية الحديث وله مناظرات مع المعتزلة مات في نيسابور سنة: ٤١٨ هـ الأعلام للزركلي: ج ١، ص: ٦١.
(٥) أبو الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي المهدوي. إمام جليل وفقيه حافظ نبيل. أخذ عن السيوري وغيره. ألف كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه والتهذيب على التهذيب وكتاب المختصر. مات شهيدا. ذكر في كتاب المختصر أنه أكمله سنة: ٥٢٦ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، =
[ ١ / ١٤٨ ]
الرابعة. انتهى (^١).
وفضيلة التكرار في الوضوء مقصورة على الغسل دون المسح.
قال ابن شاس: والتكرار الذي نمنعه ونقول أنه لا فضيلة فيه هو أن يكون بماء جديد فأما بماء واحد فلا يمنعه أصحابنا. انتهى (^٢).
وقد توضأ النبي ﷺ واحدة واحدة واثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وليس متناقضا مع الفعل، بل هو توسعة. انتهى.
قال في الرسالة والنهاية أحسن (^٣).
قوله: (وهل الرجلان كذلك) أي وهل غسل الرجلين كالوجه واليدين في أن الثانية والثالثة فضيلة (أو المطلوب) في غسلهما (الإنقاء) وإن حصل بأقل من ثلاث، وعن المازري: إن كانتا نقيتين فثلاث كسائر الأعضاء وإلا فلا تجديد إجماعا (^٤). ولو دلك إحدى رجليه بالأخرى وقد حصل بذلك الإيعاب أجزأ، قاله مالك في المجموعة (^٥).
قوله: (وهل تكره الرابعة) أي وهل تكره الغسلة الرابعة في الوجه واليدين وعليه اختصر صاحب المقدمات (^٦) (أو تمنع؟ خلاف) في الفرعين.
قوله: (وترتيب سننه أو مع فرائضه) أي ومن فضائل الوضوء ترتيب سننه في أنفسها بأن يبدء بغسل اليدين قبل دخولهما في الإناء ثم بالمضمضة ثم بالإستنشاق ثم بالإستنثار بعد كل غرفة ثم رد مسح الرأس وكذلك من فضائل الوضوء ترتيب السنن مع فرائضه فيكون رد مسح الرأس بعد الوجه واليدين ومسح الرأس.
_________________
(١) = الترجمة: ٤٠٤، ص: ١٨٦.
(٢) إكمال الإكمال: ج ٢، ص ١٥.
(٣) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة تأليف: جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس: ج ١، ص: ٣٧، ط ٢٠٠٣ تحقيق ودراسة أ. د. حمد بن محمد لحمر، دار الغرب الإسلامي.
(٤) رسالة ابن أبي زيد -٤ باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمار ص: ١٥.
(٥) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ١٧.
(٦) مواهب الجليل للحطاب: ج ١، ص: ٢٣٥.
(٧) المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات تأليف: أبي الوليد ابن رشد القرطبي: ج ١، ص: ٧٤ تحقيق د. محمد حجي، ط: ١٩٨٨ دار الغرب الإسلامي.
[ ١ / ١٤٩ ]
قوله: (وسواك) أي والسواك من فضائل الوضوء وينوي به الإقتداء بسنة رسول الله ﷺ وصفته أن يستاك عرضا لأن الاستياك طولا يضر باللثاث، والسواك فيه خصال محمودة، مطهرة للفم، ومرضاة للرب سبحانه، ومطردة للشيطان مفرحة للملائكة، ويذهب الحفر، ويجلو البصر، ويكفر الخطيئة.
قال ابن عرفة: وباليمني أولى.
الشارمساحي: هو باليسرى أولى كالامتخاط (^١).
قال صاحب إكمال الإكمال: وإذا كان بالأصبع فاستحب بعضهم أن يكون باليمنى لأن الشمال مست الأذى، قال ابن العربي: يكون بقضيب الشجر وأفضله الآراك وبالأخضر للمفطر وضعف قول من كرهه بذي صبغ للتشبه بالنساء لجواز الاكتحال. انتهى (^٢).
وكه ابن حبيب الاستياك بعود الرمان والريحان (^٣) وزاد بعضهم القصب والحلفاء.
وقوله: (وإن بإصبع) أي وإن كان الإستياك بأصبع يريد الأصبع المتصل، وأما المنفصل عنه فنجس ويكون السواك مع الماء أو قبله.
قوله: (فصلاة بعدت منه) أي كما أن السواك لصلاة بعدت من الوضوء فضيلة.
قوله: (وتسمية) أي التسمية: بسم الله في الوضوء فضيلة، (وتشرع) التسمية (في) كل أمر ذي بال لم يستلزم ابتداؤه ذكر الله ولا خص به نوع آخر من ذكر من ذكر الله وذلك ك (غسل، وتيمم، وأكل، وشرب) وإن في أثنائهما (وذكاة) وإن لجلد (وركوب دابة وسفينة، ودخول وضده) أي خروج (لمنزل) أو غيره، (ومسجد، ولبس) ثوب أو غيره ونزع له (وغلق باب)، وفتحه (وإطفاء مصباح، ووطء) مباح وأما المحرم فمكروه، لا يراد منهما الترك ولا الكثرة (وصعود خطيب منبرا) عند (وتغميض ميت ولحده) وإدخاله القبر ولا تشرع في ابتداء ذكر كدعاء وأذان أو خص بابتدائه نوع آخر من ذكر الله كصلاة وحج وعمرة وتكره البسملة في ابتداء أمر لا بال له ككل أمر محرم أو مكروه إذ البسملة إنما يراد منها التبرك والكثرة والمحرم والمكروه لا يراد منهما
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٢٧٩.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ٥٨.
(٣) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٥٨ بتصرف
[ ١ / ١٥٠ ]
التبرك ولا الكثرة، فالأقسام ثلاثة ما تشرع فيه البسملة وما لم تشرع فيه وما تكره فيه، إنما قال الشيخ ﵀: وتشرع إذ قد تجب وتباح وتكره والشرع جامع لذلك.
قال بعض العلماء: لا تكمل البسملة في سبعة مواضع: عند الأكل، وعند الشرب، وعند الذبح، وعند الجماع، وعند الوضوء، وعند ركوبه دابة أو سفينة.
قوله: (ولا تندب إطالة الغرة ومسح الرقبة وترك مسح الأعضاء) أي ولا يندب للمتوضيء أن يطيل الغرة بأن يغسل ما فوق المفروض.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يكون ذلك من الفضائل (^١)، وكذلك لا يندب له مسح رقبته عند مسح الرأس، وكذلك لا يندب له ترك مسح أعضاء الوضوء بالمنديل ونحوه.
قوله: (وإن شك في ثالثة ففي كراهتها) أي وإن شك المتوضي في غسلة من غسلات عضو يريد تثليثه هل هي ثانية أو ثالثة ففي كراهة إتيانه بغسلة أخرى (وندبها) وجوازه (قولان) مبنيان على ترجيح السلامة من ممنوع على تحصيل فضيلة وعلى اعتبار أصل العدم كالشك في الركعات أتى بها، ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات أم أربعا بنى على اليقين وصلى ما شك فيه.
قوله: (قال: كشكه في صوم يوم عرفة هل هو العيد) أي وخرج المازري عليهما حكم صوم يوم شك فيه هل هو يوم عرفة أو يوم العيد (^٢). انتهى.
قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله - عكس الشيخ.
فصل [في آداب قضاء الحاجة والاستنجاء]
قوله: (فصل) أي هذا فصل ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب، وهذا فصل يذكر فيه آداب قضاء حاجة الإنسان والإستجمار منه وما يستجمر به وحقه أن يوصله بفصل زوال النجاسة.
قوله: (ندب لقاضي الحاجة) أي حاجة الإنسان من بول (جلوس) برخو طاهر ليأمن من النجس، (ومنع) له الجلوس (برخو نجس) ولزمه الجلوس بصلب طاهر،
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي مخطوط: ج ١، ص: ٥٨.
(٢) هذا مضمون ما ذكره الحطاب: ج ١، ص: ٢٨٢.
[ ١ / ١٥١ ]
وأما الغائط فلابد من الجلوس له.
(وتعين القيام) ابن عرفة عن الباجي (^١) وابن بشير: قيامه بطاهر رخو جائز ومقابله يدعه، وجلوسه بصلب طاهر لازم ومقابله مقابله.
التلقين: يجوز له البول قائما في الرمل والمواضع التي يأمن تطايره عليه (^٢). انتهى من المواق (^٣).
ابن عبد الكريم وعلى كل حال تتحفظ من النجاسة ما أمكنك من غير حرج ولا إسراف.
قوله: (واعتماد على رجل، واستنجاء بيد يسريين) أي ومما يندب لقاضي حاجة الإنسان اعتماده في جلوسه على رجله اليسرى لأنه أعون له على استفراغ الخبث، ويندب له الإستنجاء بيده اليسرى تكرمة لليمنى عن مس محل الأذى، ولأنه أقرب إليه وأنظف له، فلا ينبغي أن يقرب يمناه خبثا فلا يمس ذكره بها ولا يمتخط بها إلا الضرورة تلجئه إلى شيئ من ذلك.
قوله: (وبلها قبل لقي الأذى، وغسلها بكتراب) أي ويندب له بل يسراه قبل الإستنجاء بها دفعا لكمال تعلقه بها فإذا نسي الإستنجاء حتى توضأ فإن كان القبل غسله بحائل، وإن كان دبرا يغسله وإن صلى به أعاد في الوقت. انتهى.
(بعده) فإذا استنجى بيده ندب له غسلها بتراب ونحوه كالصابون، طلبا لسرعة النظافة وكمالها.
قوله: (وستر إلى محله، وإعداد مزيله، ووتره) أي وندب لمريد قضاء حاجة الإنسان، إدامة ستر إلى محل لا بدله من تشمير ثوبه، وكذلك يندب له إعداد المزيل للخبث قبل شروعه فيه من ماء أو حجر أو مدر أو غيره ليزيل النجاسة عند فراغها لئلا يتحرك لطلبه فيتعدى النجس لثوبه أو جسده، ويندب له أن يكون المزيل وترا ثلاثا أو خمسا، فإن أنقى الموضع بإثنين، يزيد ثلاثا، أو بأربع يزيد خمسا، أو بستة
_________________
(١) ورد في أغلب النسخ لفظ القاضي بدل الباجي إلا أنني أثبت ما في النسخة الموافقة للأصل المنقول منه وهو التاج والإكليل للمواق.
(٢) التلقين في الفقه المالكي تأليف الإمام القاضي أبي محمد عبد الوهاب بن على بن نصر البغدادي ص: ٢٨/ ط: ٢٠٠٤ ومعه في الحاشية كتاب تحصيل ثلج اليقين للسجلماسي تحقيق: أبي أويس محمد التطواني وبدر بن عبد الله الطنجي. دار الكتب العلمية.
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٣٨٧.
[ ١ / ١٥٢ ]
يزيد بها سبعا، واختلف هل يقوم حجر واحد ذي ثلاث شعب مقام ثلاثة أحجار، (و) يندب له (تقديم قبله) بالإستجمار لئلا تتنجس يده أو ذراعه، إلا أن يعتاد إدرار البول عند غسل دبره، فلافائدة حينئذ في تقديم القبل.
قال ابن عرفة: قال القرافي مغسول الثيب من فرجها في البول كالبكر، لأن مخرج البول قبل مخرج البكارة والثيوبة، وتغسل الثيب في الحيض كل ما ظهر من فرجها حين جلوسها للاستنجاء، والبكر ما دون العذارة، ويحتمل أن يقال إن البول يجري عليه وإليه فيغسل والأول أظهر. انتهى من مختصره (^١).
قال الأبي في إكمال الإكمال: وجاء في الحديث: انتضاح الانتضاح بالماء، أن يأخذ قليل ماء فيرش به مذاكره، ليذهب الوسواس، وكان رسول الله ﷺ يفعله قطعا للوسواس، وإن كان محفوظا منه، لكن يفعله تعليما للأمة، أو كان يفعله ليرتد البول ولا ينزل منه شيء بعد شيء. انتهى (^٢).
(و) يندب له حين قضاء الحاجة (تفريج فخذيه، واسترخاؤه) لأن ذلك أبلغ في الإستفراغ لما في المحل من الأذى.
قوله: (وتغطية رأسه) أي ومما يندب لمريد قضاء الحاجة تغطية رأسه حينئذ حياء من الله تعالى، وقيل إن تغطية الرأس أجمع لمسام البدن، وأسرع لخروج الخبث، (و) كذلك يندب له (عدم التفاته) حين قضائه للحاجة، لئلا يرى ما يخجله وأما قبل ذلك فمندوب له الإلتفات.
قوله: (وذكر ورد بعده وقبله) أي وندب القاضي الحاجة أن يذكر الذكر الذي ورد ذكره بعد قضاء الحاجة، وهو: «الحمد لله الذي سوغنيه طيبا، وأخرجه عني خبيثا، وأبقى في جسمي قوته» (^٣)، وأما الذكر الذي ورد ذكره قبله هو: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (^٤).
_________________
(١) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ٥٦. والذخيرة للقرافي: ج ١، ص: ٢٠٧.
(٢) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٦٨.
(٣) الحديث بهذا اللفظ ذكره الحطاب وغيره من شروح المختصر بعد قول خليل: وندب ذكر ورد بعده وذكره الأبي في إكمال الإكمال: ج ٢، ص: ٨٦ ونسبه لسنن أبي داود ولم أطلع عليه في كتب الحديث بعد.
(٤) أخرج البخاري في صحيحه (٤) الوضوء (٩) - باب ما يقول عند الخلاء الحديث: ١٤٢، وأخرجه مسلم في صحيحه (٣) - كتاب الحيض (٣٢) - باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء. =
[ ١ / ١٥٣ ]
الخبث ذكران الشياطين، والخبائث إناثها.
قال صاحب كتاب الاختصار والتقريب في ذكر رجال الموطأ: وهذه الاستعاذة تكون من اغتمام الشياطين عدم الذكر في ذلك الموضع إذ بذكر الله سبحانه يطرد الشيطان فألجأ ﷺ إلى الاستعاذة قبل ذلك عصمة بينه وبين الشيطان حتى يخرج وكان ﷺ قد عصم من الشيطان بشرط الاستعاذة. انتهى (^١).
وقيل: إن الشياطين تتضاخم عند كشف العورة للبراز، فإذا ذكر الله هربت.
قوله: (فإن فات ففيه إن لم يعد) أي فإن فات ذكر الذكر المذكور قبله، فإنه يذكره في موضع قضاء الحاجة، إن لم يكن معدا لها، كالمرحاض ونحوه، والحال أنه لم يشرع في قضاء الحاجة، وأما إن كان الموضع معدا لذلك أولا ولكن قد شرع في قضاء الحاجة فلا يذكره فيه لأن الموضع نجس، وورد النهي عن حمد العاطس وهو يبول، فقال ابن رشد: ذكر الله يصعد إلى السماء فلا يتعلق به من دناءة المحل شيء. قال: فلا ينبغي أن يمتنع من ذكر الله على كل حال إلا بنص ليس فيه احتمال. انتهى من العبدري (^٢).
قوله: (وسكوت إلا لمهم) أي وندب لقاضي الحاجة سكوت عند قضاء الحاجة، إلا أن ينابه أمر مهم، كإنقاذ نفس أو مال، فلا يرد السلام على من سلم عليه، ولا يشمت عاطسا، ولا يحكى أذانا ولا يحمد إن عطس.
قوله: (وبالفضاء تستر) أي وندب لمريد قضاء الحاجة في الفضاء، تستر خلف ساتر من شجر أو حجر عن أعين الناس، (و) كذلك يندب له فيه (بعد) عن سمع أصوات، وشم رائحة، ولا يبول قائما.
قوله: (واتقاء جحر وريح) أي ومما يندب له حين يريد قضاء حاجته اتقاء قضائها في جحر أو مهوات لئلا يخرج منه ما يؤذيه ولأنها مساكن الجن وينبغي أن يبول دونها ويجري إليها البول، وكذلك يندب له اتقاء مقابلة الريح خيفة رده النجاسة عليه.
قوله: (ومورد وطريق، وشط، وظل، وصلب) إلى آخره أي ومما يندب لمريد قضاء
_________________
(١) = الحديث: ٣٧٥.
(٢) الاختصار والتقريب في ذكر رجال الموطأ لم أطلع عليه بعد ولا على ترجمة مؤلفه.
(٣) التاج والإكليل للمواق وهو بهامش الحطاب: ج ١، ص: ٢٨٦.
[ ١ / ١٥٤ ]
الحاجة أن يتقي ما كان من أمكنة الملاعن، وهي مورد الماء ومصدر عنه، وطريق، وظل من جدار أو شجر، وسميت ملاعن للعن قاصدها من يشينها، وكذلك يندب له أن يتقي فيه موضعا صلبا، خيفة التطاير عليه.
قوله: (وبكنيف نحى ذكر الله، ويقدم يسراه دخولا، ويمناه خروجا) أي وندب لمريد قضاء الحاجة في الكنيف أن ينحي عن نفسه شيئا فيه اسم الله وذكره قبل دخوله فيه أي الكنيف والمرحاض والمذهب والخلاء والمرفق والغائط والبراز والمدفع، أسماء للمرحاض.
قال عياض: الحشوش بالحاء المهملة المضمومة وبالشينين المعجمتين المراحاض (^١). ويندب له تقديم يسراه في دخول المرحاض ويمناه خروجا منه تكرمة لليمنى ومن ثم يندب (عكس) ذلك في (مسجد) ونحوه من الأمكنة الفاضلة بأن يقدم يمناه دخولا فيه ويسراه خروجا منه، (و) أما (المنزل) فإنه يقدم (يمناه بهما) دخولا وخروجا. هنا انتهى.
المندوبات
قوله: (وجاز بمنزل وطء وبول وغائط) أي وجاز في منزل ونحوه مما ليس بفضاء وطء مباح وبول وغائط مستقبل قبلة ومستدبرا) لها (وإن لم يلجأ) إلى ذلك وهو المشهور، وقال في الواضحة: لا يجوز إلا أن يضطر (^٢).
قوله: (وأول بالساتر) أي وأول بالساتر ما وقع في المدونة من الجواز أنه إذا كان له ساترا وإن لم يكن ساترا به فلايجوز كما في الفيافي أول أيضا (وبالإطلاق) أي كان بساتر أم لا.
قوله: (لا في الفضاء) أي لا يجوز ذلك في الفضاء إذا كان بغير ستر وفي جواز ذلك فيه (وبستر: قولان تحتملهما) المدونة (والمختار) فيهما للخمي (الترك) أي ترك ذلك، ومبنى القولين هل أنه للمصلين فيجوز أو للقبلة فلا.
_________________
(١) مواهب الجليل للحطاب: ج ١، ص: ٢٩٤.
(٢) الواضحة لابن حبيب
[ ١ / ١٥٥ ]
قال صاحب إكمال الإكمال: قال النووي (^١): شرط أصحابنا أن يكون بعد الساتر ثلاثة أذرع فأقل، وأن يكون ارتفاعه مما يستر أسفل القاعد وأقل ذلك مؤخرة الرحل ثلثى ذراع، فإن فقد أحد الشرطين حرم الإستقبال. انتهى (^٢).
الفضاء: هو المرتفع من الأرض.
قوله: (لا القمرين) أي ولا ينهى فاعل ذلك من استقبال القمرين ولا استدبارهما لعدم ورود النهي في ذلك، (و) كذلك لا ينهى عن استقبال (بيت المقدس) بذلك ولا استدباره لأنه ليس بقبلة القمران الشمس والقمر، لما كانت الشمس مؤنثة والقمر مذكر غلب المذكر وعادة العرب أن تغلب المذكر على المؤنث إذا اجتمعا.
قوله: (ووجب استبراء باستفراغ أخبثيه مع سلت ذكر ونتر خفا) أي ويجب على قاضي الحاجة طلب البراءة مما يخرج منه من مخرجيه من الخبث باستفراغ ما فيهما مع سلت ذكره من أصله إلى طرفه سلتا خفيفا ثلاثا ويجعله بين السبابة والإبهام من يده اليسرى إن أمكنه وإلا مسك بيمينه ما يستجمر به، ويحرك ذكره بشماله إليه وينتر ذكره نترا خفيفا أي يجذبه جذبا خفيفا، النتر بالتاء المثنات الجذب، ابن القاسم: ليس القعود والقيام وكثرة السلت بصواب (^٣).
قال اللخمي: من عادته أن يحتبس بوله حتى يقوم ويجلس، وجب عليه أن يقوم ثم يقعد فإن لم يفعل وخرج منه شيء بعد وضوئه انتقض وضوءه.
قال البرزلي في نوازله: وسئل اللخمي عن المتوضئ يجد بللا على رأس الذكر وقد كان استقضى الاستبراء فأجاب: ليس عليه أكثر مما فعل، والزيادة على ذلك حرج لا سيما إذا كان ذلك يتكرر عليه. انتهى (^٤).
_________________
(١) هو محيي الدين أبو زكرياء يحي بن شرف بن مرى النووي الخزامي الحوراني الشافعي. الإمام الحافظ شيخ الإسلام. كان حافظا متقنا وكان أيضا شديد الورع والزهد. ولد سنة ٦٣١ هـ سمع من الرضي بن البرهان والنعمان بن أبي اليسر. من مؤلفاته: شرح صحيح مسلم. وله كتاب الأذكار للنووي وغيرهما مات سنة ٦٧٦ هـ. طبقات الحفاظ للسيوطي: ج ١، ص: ٥١٠، الترجمة ١١٣٠.
(٢) هذا مضمون ما في شرح صحيح مسلم للنووي: ج ٤، ص: ١٧٣. ولم أطلع عليه في إكمال الإكمال
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٢٩٨.
(٤) نوازل البزرلي: ج ١، ص: ١٨٤.
[ ١ / ١٥٦ ]
وفيه: سئل أبو محمد عن من يكون في الصلاة فيحس ببلل فيقطع فلا يجد شيئا ثم يعرض له هذا في صلاة أخرى فيقطع فيجد البلل كيف يصنع؟ فهل يجزيه التمادي على الشك ثم يختبر بعد السلام؟، فقال: يقطع صلاته ويستبرئ فإن تمادى على شكه، وظهرت سلامته، فابن القاسم يقول: تصح صلاته، وغيره يرى إعادتها. انتهى (^١).
قوله: (وندب جمع ماء وحجر ثم ماء) أي وندب في الاستجمار جمع ماء وحجر أو نحوه ليزيل العين بالحجر والأثر بالماء فإن اقتصر على أحدهما أجزأه والإقتصار على الماء أفضل من الإقتصار على غيره لأن الغسل أطهر وأحب إلى العلماء.
قال الأبي في إكمال الإكمال: قال القرطبي (^٢): تطهير محل الأذى يسمى استنجاء واستجمارا واستطابة، إلا أن الاستنجمار مختص بالأحجار والآخران يكونان بالماء والأحجار (^٣).
قال الهروي (^٤): الإستجمار مسح محل البول والغائط بالجمار (^٥).
قوله: (وتعين في مني) إلى آخره أي وتعين الماء في إزالة مني ومذي (وحيض، ونفاس، ودم (بول امرأة) كذلك يتعين في بول امرأة لتعذر الإستجمار من بولها لانتشاره، وكذلك يتعين الماء في بول المجبوب لأنه ينتشر وقوله: ومني قال الشارح: هذا في حق من فرضه التيمم ومعه من الماء ما يزيل به النجاسة وإلا فغسل
_________________
(١) نوازل البزرلي: ج ١، ص: ١٧٩.
(٢) أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي المالكي من شيوخه أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي وغيره، توفي سنة: ٦٧١ هـ الموافق: ١٢٧٣ م، من مؤلفاته: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنته من السنة وآي الفرقان، وله كتاب الأسني في شرح أسماء الله الحسني، والتذكرة في أمور الآخرة وغيرهم، وكانت وفاته بمنية بني خصيب ودفن بها. معجم المؤلفين تأليف: عمر رضا كحالة: مج ٨، ص: ٢٣٩، ونفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تأليف: الشيخ أحمد المقري التلمساني، تحقيق د. إحسان عباس: ط: ١٩٦٨، مج ٢، ص: ٢١٠، الترجمة: ١٢٢ دار صادر، بيروت - لبنان.
(٣) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٣٤ - ٣٥.
(٤) محمد بن عطاء الله بن محمد الرازي الأصل الهروي أبو عبد الله شمس الدين، قاض من فقهاء الشافعية من ذرية الفخر الرازي من مؤلفاته: فضل المنعم في شرح صحيح مسلم وغيره، مات سنة: ٧٢٩ هـ الأعلام للزركلي: ج ٦، ص: ٢٦٩.
(٥) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ٣٤.
[ ١ / ١٥٧ ]
كل البدن واجب. انتهى (^١).
قال المواق: قال ابن عبد السلام: إن عنى بالمني مني الصحة فغير محتاج إليه لإيجاب غسل جميع الجسد وإن عنى به مني ذي السلس فلم لا يكون كالبول. انتهى (^٢).
قوله: (ومنتشر عن مخرج كثيرا) أي ويتعين الماء في إزالة الخبث إن انتشر عن مخرجه انتشارا كثيرا لخروجه عن محل الرخصة، وأما إن لم يكن الإنتشار كثيرا فلا يتعين الماء لزواله.
قوله: (ومذي بغسل ذكره) أي ويتعين الماء في إزالة المذي مع غسل ذكره (كله) عند إرادة الوضوء أو قبله وهو على الخلاف في تعليق الحكم بأول الإسم أو بآخره لأن الذكر يطلق على الكل وعلى البعض.
قوله: (ففي النية وبطلان صلاة تاركها أو تارك كله قولان) أي ففي وجوب النية في غسل الذكر كله لأنه تعبد ولأنه تعدى عن موجبه وعدم وجوب النية فيه لأن تعديه معلل بالقصد إلى قطع أصل المذي قولان في الوجوب وعدمه، فإن غسل ذكره بلانية أو غسل بعضه دون بعض ففي بطلان صلاته إن صلى بذلك الوضوء قولان.
قوله: (ولا يستنجى من ريح) أي ولا يلزم الاستنجاء من خروج ريح لقوله ﷺ: «من استنجى من الريح فليس منا» (^٣) إذ لو لزم ذلك للزم غسل ثوبه.
وقوله: (وجاز بيابس طاهر منق. غير مؤذ ولا محترم) إلى آخر ما ذكر شروع منه ﵀ يذكر ما يستجمر به وما لا أي وجاز الاستجمار بشيء يابس كان من جنس الأرض كالحديد ونحوه أو من غير جنسها كالنبات، واحترز باليابس من المائع والمبتل، وأن يكون اليابس طاهرا وأن يكون منق للمحل وأن يكون غير مؤذ ولا محترم.
_________________
(١) شرح بهرام الوسط على مختصر خليل: ج ١، ص ١٦٢، والشرح الصغير: ج ١، ص:، ١٣ بعد قول صاحب المختصر وتعين في مني وحيض ونفاس.
(٢) التاج والإكليل للمواق بهامش الحطاب: ج ١، ص: ٣٠١.
(٣) أخرجه زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: ١٠٣١ هـ) في فيض القدير، ج ٦، ص: ٧٨ الحديث: ٨٤٢٩ الناشر: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
[ ١ / ١٥٨ ]
قوله: (لا مبتل، ونجس وأملس، ومحدد، ومحترم من مطعوم ومكتوب، وذهب وفضة، وجدار وعظم وروث) أي فلا يستنجى بالمبتل لأنه يلطخ المحل ويزيده تلوثا وإن كان المبتل من حجر أو ثوب لأنه وإن قلع النجس فليس بغسل ولا مسح، وكذلك لا يستنجي بنجس لأنه يزيد النجس، ولا بشيء أملس لأنه لا ينقي، ولا بمحدد لأنه يؤذي، ولا بمحترم من مطعوم وإن قبل طيبه وإن قبل تهيئته للأكل كالجلد، ولا بمحترم من مكتوب وإن حرفا واحدا، ولا بذهب أو فضة أو زبرجد أو ياقوت وإن في معدنها، ولا بثوب حرير أو رفيع من غيره لأن ذلك كله سرف «والله لا يحب المسرفين» (^١)، وكذلك لا يستجمر بجدار وإن في ملكه وإن مرحاض ياقوت وأحرى جدار مسجد، وكثير من الناس اليوم يتساهلون في هذه الأشياء، وقد ينزل المطر، أو يصيبه بلل من السماء ويلتصق به هو أو غيره فتصيبه النجاسة فيصلي بها. ووجه آخر وهو أن يكون في الحائط حيوان فيلسعه فيتأذى به، ورأيت عيانا بعض الناس استجمر بحائط فلسعته عقرب كانت هناك على رأس ذكره ورآ من ذلك شدة عظيمة. انتهى من العبدري (^٢).
وكذلك لا يستجمر بروث وإن طاهرا لأنه لا يثبت عند العرك ويتفتت ولا ينظف ويتعلق فيه حق الجن لأنه زاد دوابهم، وكذلك لا يستجمر بعظم لحرمته وإن باليا لأنه زاد إخواننا من مؤمن الجن، وكذلك لا يستجمر بفحم لأنه يلوث المحل وحد العلماء - رحمة الله عليهم - للإستجمار حدا يجمع كل ما تقدم من آلات الإستجمار لكل جامد طاهر منق قلاع للأثر غير مؤذ ليس بذي حرمة ولا سرف ولا يتعلق به حق الغير، وهو ضابط جيد.
قوله: (فإن أنقت أجزات) أي فإن أنقت هذه الأشياء الممنوع الاستجمار بها أجزأت وإن متعمدا لأن الإنقاء هو المطلوب.
قوله: (كاليد) تشبيه أي كما يجزي الإنقاء باليد إذا استجمر بها (ودون الثلاث) كذلك إذا حصل الإنقاء بدون الثلاث أجزء لأنه المطلوب.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان الباب التاسع والثلاثون الفصل الثاني في ذم كثرة الأكل. الحديث: ٥٦٤٠
(٢) المدخل لابن الحاج: أبو عبد الله محمد بن محمد العبدري: ج ١، ص: ٣١ - ٣٢، دار الفكر.
[ ١ / ١٥٩ ]
فصل [في آداب قضاء الحاجة والاستنجاء]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه نواقض الوضوء من حدث وسبب، ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (نقض الوضوء بحدث، وهو الخارج المعتاد في الصحة)، والخروج شرط في النقض وأما قبله فلا ينقض وإن تهيأ للخروج، والخارج جنس يشمل البول والغائط والريح والمذي والودي والحصى والدود، وأخرج بقوله: المعتاد الحصى والدود والسلس، وإليه أشار بقوله: (لا حصى ودود ولو ببلة) أي ولو خرج معه بلة فإنه لا ينقض الوضوء.
البلة بكسر الباء البلل وبفتحها مصدر يقابله بلة.
قوله: (وبسلس فارق أكثر) أي وينتقض الوضوء بخروج شيء من سلس بول أو غائط أو ريح أو دم استحاضة إن كان فراقه أكثر من إتيانه في الأزمنة، مفهومه وإن تساويا فلا ينتقض والمفهوم صحيح وأحرى إذا كان إتيانه أكثر.
قوله: (كسلس مذي قدر) أي كما ينتقض وضوءه بسلس مذي قدر (على رفعه) بالتزويج أو التسري وإن لم يفارقه أكثر الأوقات، وقوله: قدر على رفعه يحتمل رجوعه على الفرعين إذ قد يقدر على رفع السلس بالتداوي.
قوله: (وندب إن لازم أكثر) أي وإن كان السلس لازمه أكثر الأوقات ندب له الوضوء لكل صلاة وأحرى إن تساوت الأوقات ف (لا) يندب له (إن شق) عليه الوضوء لبرد ونحوه كما إذا كان يخرج ذلك منه قبل صلاته بوضوئه إذ لا فائدة له حينئذ في وضوئه ولا استنجائه.
قوله: (وفي اعتبار الملازمة) أي وفي اعتبار الملازمة المذكورة (في وقت الصلاة لا غيره (أو) يعتبر (مطلقا) وقت الصلاة وغيره (تردد) فيه الأشياخ لعدم النص.
قال ابن ناجي: وحيث يستحب من السلس الوضوء، فقال سحنون: لا يستحب غسل فرجه لأن النجاسة أخف من الحدث.
وقال صاحب الطراز: بل يستحب كهو، واختلف هل يلزم صاحبه أن يعد خرقة
[ ١ / ١٦٠ ]
عند صلاته أم لا، على قولين للأبياني وسحنون وكلاهما نقله القرافي (^١).
وفي لزوم غسل الخرقة عند الصلاة قولان.
قوله: (من مخرجيه أو تقبة تحت المعدة إن انسدا) أي إنما ينتقض الوضوء بالخارج المعتاد من مخرجيه أو من ثقبة تحت المعدة إن انسد مخرج الخارج منهما.
قوله: (وإلا فقولان) هذا يشمل صورتين الأولى أن لا ينسد المخرج وتكون الثقبة تحت المعدة، الثانية أن تكون الثقبة فوق المعدة وانسد المخرج لذلك الخارج فقولان في النقض وعدمه. انتهى.
ابن عرفة: ومن لا ذكر له ولا دبر وفضلته من سرته فهي كدبره معنا (^٢). انتهى
من النواقض بالأحداث وشرع يذكر النواقض بالأسباب فقال: (وبسببه) أي وينتقض الوضوء بسبب الحدث (وهو) مظنة حصوله مما أدى إلى (زوال عقل، وإن بنوم ثقل، ولو قصر) أي ولو كان قصيرا والإغماء والسكر أحرى، وعلامة ثقل النوم أن لا يعلم ما جرى من غيره من صوت وغيره مما لا يخفى على الضابط لنفسه لأن النوم موت وأيضا فإنه هواء ينزل من أعلى الدماغ يفقد معه الحس.
قوله: (لا خف، وندب إن طال) أي لا ينتقض الوضوء بسبب نوم خفيف وإن طال لكن يندب له الوضوء إن طال نومه والنوم الخفيف القصير لا ينقض اتفاقا، الفرق بين الحدث والسبب أن الحدث ينتقض قليله بخلاف السبب لأنه مظنة فينتقض الوضوء بما تحقق فيه المظنة دون ما يندر فيه غالبا.
قال القرافي في الذخيرة: العينان وكاء السه، الوكاء الخيط الذي يربط به الشيء والسه أصله العجز ويقولون رجل سته وامرأة ستهاء إذا كانا كبيري العجز ثم يستعمل مجازا في حلقة الدبر وهو المراد ههنا، وأصل اللفظة ستة مثل قلم فحذفت التاء التي هي عين الكلمة فبقي سه ويروى بحذف لام الكلمة التي هي الهاء وإثبات العين التي هي التاء. فشبه ﵊ الإنسان بزق مفتوح لا يمنع خروج الريح منه إلا الحواس وذهابها بمنزلة ذهاب الخيط الذي يشد به الزق. انتهى (^٣).
_________________
(١) شرح الرسالة لابن ناجي: ج/ ١، ص: ٧٦.
(٢) شرح الرسالة لقاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي بهامش شرح زروق لها: ج/ ١، ص: ٧٦، ط: ١٩٨٢ م دار الفكر.
(٣) الذخيرة للقرافي: ج/ ١، ص: ٢٣٠.
[ ١ / ١٦١ ]
قوله: (ولمس يلتد صاحبه به عادة، ولو لظفر، أو شعر، أو حائل، وأول بالخفيف وبالإطلاق) أي ومما ينقض الوضوء لمس يلتذ صاحبه به عادة لامسا كان أو ملموسا ولو كان اللمس بظفر أو سن أو شعر أو فوق حائل وأول ما في المدونة بالحائل الخفيف وأوله بعضهم على الإطلاق خفيفا كان أو كثيفا، ونص المدونة: وإذا مس الرجل المرأة بيده للذة أو مست المرأة الرجل للذة من فوق الثوب أو من تحته فهو بمنزلة واحدة. انتهى (^١).
وهذ كله إذا كان اللمس باليد وأما إن ضمها فالكثيف كالخفيف ومذهب الإمام مالك ﵁ على ما فهم من احتياطه أن التقاء البشرتين موجب، والمراعى من ذلك أن كل ما يتولد منه خروج المني أو المذي أو الودي فإنه موجب.
قوله: (إن قصد لذة، أو وجدها) أي إنما ينتقض وضوء اللامس إن قصد به لذة وإن لم يجدها أو وجدها وإن لم يقصدها لامسا كان أو ملموسا.
قوله: (لا انتفيا، إلا القبلة بفم مطلقا وإن بكره أو استغفال، لا لوداع أو رحمة) أي لا ينتقض الوضوء بلمس لم يقصد به اللذة ولا وجدها إلا أن يكون اللمس قبلة بفم فإنه ينقض الوضوء لأنه مظنة للذة غالبا وإن كانت بسبب كره أو استغفال إلا أن تكون القبلة لأجل وداع أو رحمة إلا أن يقصد بها اللذة أو وجدها عند التقبيل.
قوله: (ولا لذة بنظر كإنعاظ ولذة بمحرم على الأصح) أي ولا ينتقض الوضوء بسبب لذة بنظر وأحرى بتفكر كما لا ينتقض الوضوء بالإنعاظ وإن انتشر الذكر انتشارا كثيرا كاملا إلا أن ينكسر عن مذي وكذلك لا ينتقض وضوءه بسبب لذة بمحرم على القول الأصح يريد إذا عرفها ولم يكن ممن يلتذ بها عادة.
قوله: (ومطلق مس ذكره المتصل) أي وينتقض الوضوء بسبب مس ذكره المتصل به لا ذكره المقطوع ولا ذكر غيره فإنه لا ينتقض وضوءه بمس ذكر غيره والمراد بالمطلق سواء كان اللمس عمدا أو سهوا من الحشفة أو غيرها. انتهى.
وقال: وفي سماع ابن وهب (^٢): الوضوء من مس الذكر حسن وليس بسنة
_________________
(١) المدونة الكبرى للإمام مالك بن أنس الأصبحي رواية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم. ومعها مقدمات ابن رشد، ج ١، ص: ١٣، باب ما جاء في الملامسة، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان.
(٢) أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم. الإمام الجامع بين الفقه والحديث أثبت الناس في الإمام مالك الحافظ الحجة. روى عن أربعمائة عالم منهم الليث وابن أبي ذؤيب =
[ ١ / ١٦٢ ]
واختلف فيه عن ابن القاسم فقال: يجب منه الوضوء وروى عنه سحنون أنه قال: لا إعادة. وعن ابن القاسم من مس ذكره وصلى ولم يتوضأ لا يعيد ووجهه قوة الخلاف فيه.
قال ابن نافع: يعيد أبدا ووجهه قوله ﵇: «من مس ذكره فليتوضأ» (^١) ولم يفرق.
ابن حبيب: يعيد في العمد أبدا وفي السهو في الوقت، ووجهه أن الغالب في السهو عدم اللذة. انتهى (^٢).
واختلف في المجبوب إذا مس موضع الجب ومقتضى القواعد عدم النقض.
قوله: (ولو خنثى مشكلا) أي ولو كان اللامس لذكره خنثى مشكلا أو عنينا أو شيخا فانيا فإنه ينتقض وضوءه وأما غير المشكل فعلى حكمه بالذكورية أو الأنوثة.
قوله: (ببطن أو جنب لكف أو إصبع وإن زائدا حس) أي إنما ينتقض وضوء اللامس لذكره إذا كان مسه له ببطن كف أو جنبها أو بطن أصبع أو جنبها وإن كان أصبعا زائدا إذا كان يحس إحساس الأصبع خلافا لأشهب الحس الحركة.
قوله: (وبردة) أي ومما ينقض الوضوء ردة عن الإسلام والعياذ بالله لأن الوضوء عمل من العبادات والردة محبطة للأعمال، فإن رجع إلى الإسلام تطهر بوضوء جديد إن لم يجنب.
قوله: (وبشك في حدث بعد طهر علم) أي ومما ينتقض الوضوء بسببه شك في الحدث بعد تيقن طهارة وأحرى إن لم يعلم بها وهذا إذ استمر شكه لأن الصلاة في ذمته بيقين فلا يبرأ منها إلا بيقين الطهارة، واليقين لا يرفع بشك وهذا هو المشهور، ومقابله لا ينتقض وضوءه المتيقن به بالشك استصحابا لأن الأصل الطهارة، واليقين
_________________
(١) = والسفيانان وابن جريج وابن دينار وابن أبي حازم ومالك وبه تفقه صحبه عشرين سنة. له تأليف حسنة عظيمة المنفعة منها: سماعه من مالك وموطئه الكبير وموطئه الصغير والمجالسات وغير ذلك، روي عنه سحنون وابن عبد الحكم وأبو مصعب الزهري وأحمد بن صالح والحارث بن مسكين وأصبغ بن وزذان وجماعة خرج عنه البخاري وغيره. مولده في ذي القعدة سنة: ١٢٥ هـ ومات بمصر في شعبان سنة: ١٩٧ هـ له فضائل جمة أنظر شجرة النور الزكية. ص: ٥٨.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك كتاب الطهارة، الحديث: ٤٧٤. وأخرجه مالك في الموطأ ٢/ كتاب الطهارة. ١٥ - باب الوضوء من مس الفرج. الحديث: ٥٨. والترمذي في سننه ١/ كتاب الطهارة، ٦١ - باب الوضوء من مس الذكر.
(٣) الجامع لابن يونس: ج: ١، ص: ١٦٢.
[ ١ / ١٦٣ ]
لا يرفع بالشك.
قال ابن عرفة: من تأمل وأنصف قال: لا وضوء عليه لأن الشك في المانع لا أثر له والمانع الحدث وإنما يؤثر الشك في الشرط. انتهى (^١).
قوله: (إلا المستنكح) أي الشاك المستنكح فإنه لا ينتقض منه الوضوء وقيل يبني على أول خاطره.
قوله: (وبشك في سابقيهما) أي ومما يوجب الوضوء الشك في سابقية الحدث أو الوضوء لأن الشك في الشرط مؤثر.
قوله: (لا بمس دبر، أو أنثيين، أو فرج صغيرة) أي لا ينتقض الوضوء بسبب مس حلقة الدبر ولا بمس أنثييه ولا بمس فرج صغيرة لا تشتهى عادة إلا أن يكون من عادته أن يلتذ بمثلها فينتقض بمسه.
قوله: (وقيء، وأكل لحم جزور، وذبح وحجامة وفصد) أي ومما لا ينقض الوضوء خروج قيء ولا استخراجه ولا بأكل لحم جزور والجزور البعير ولا ذبح بهيمة ولا احتجام أو احجام.
قوله: (وقهقهة بصلاة، ومس امرأة فرجها، وأولت) أي ومما لا ينتقض الوضوء منه قهقهة وإن في صلاة ولا في مس امرأة فرجها مطلقا ألطفت أم لا وهو تأويل ووجهه أن الحديث ورد في الذكر، وأول في المدونة (أيضا) أن عدم النقض مشروط بعدم الإلطاف) وأما إذا ألطفت فإن وضوءها ينتقض.
قال الصقلي (^٢): إن قبضت عليه أو ألطفت نقض اتفاقا (^٣) للزوم اللذة وإلا فقولان.
قوله: (وندب غسل فم من لحم ولبن) أي وندب لمريد الصلاة وبفمه أو يده أثر من لحم أو لبن ونحوهما مما له دسم أن يغسل ذلك عنه بغير طعام ونحوه. انتهى.
قال ابن رشد: الغسل بالعسل واللبن والنخالة وامتشاط المرأة بالنطوح يعمل من
_________________
(١) مختصر ابن عرفة:
(٢) أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي الفقيه المجاهد أخذ عن أبي الحسن الحصائري القاضي وغيره ألف كتابا في الفرائض وكتابا حافلا للمدونة أضاف إليها غيرها من الأمهات. مات سنة: ٤٥١ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٦٤/ ١٦٥، الترجمة: ٣٣٠.
(٣) الجامع لابن يونس: ج ١، ص: ١٦٣. والتاج والإكليل للمواق
[ ١ / ١٦٤ ]
التمر والزبيب، الروايات كراهته لا تحريمه (^١).
قوله: (وتجديد وضوء إن صلي به) أي وندب تجديد وضوء لكل صلاة لأنه نور على نور لكن بشرط أن يصلي بالوضوء صلاة فرضا كان أو نفلا وإلا فلا يفعله إذ هو بمعنى الزيادة على الثلاث.
قوله: (ولو شك في صلاته ثم بان الطهر) أي وإن دخل في صلاته متيقنا للطهارة ثم شك في أثنائها في الطهارة فتمادى على شكه فأكملها ثم تبين له أنه على طهارة (لم يعد) تلك الصلاة تبين له ذلك في داخل الصلاة أو بعدها لأنه دخل على أمر جائز وبئس ما صنع في تماديه على الشك وأما إن كان شاكا في طهارته ودخل الصلاة على الشك بطلت صلاته وإن تبين طهارته بان الطهر في الصلاة أو بعدها انتهى.
قوله: (ومنع حدث صلاة، وطوافا، ومس مصحف وإن بقضيب، وحمله وإن بعلاقة أو وسادة إلا بأمتعة قصدت. وإن على كافر) إلى آخره هذا شروع منه يرتلئه في موانع الحدث أي ومنع حدث أصغر وأسبابه صلاة فرضا أو نفلا وطوافا فرضا كان أو نفلا ومس مصحف كاملا كان أو جزء منه وإن كان اللمس بقضيب وإن بتقليب أو راقه وحمله وإن بعلاقة أو على وسادة إلا أن يكون مع أمتعة قصدت بالحمل ظاهره قصد المصحف أم لا وإن كان على كافر.
قوله: (لا درهم وتفسير ولوح لمعلم ومتعلم. وإن حائضا. وجزء لمتعلم وإن بلغ، وحرز بساتر وإن لحائض) أي ولا يمنع الحدث حمل درهم مكتوب فيه شيء من القرآن ولا حمل تفسير وإن كتب فيه جميع القرآن كابن عطية، وكذلك لا يمنع الحدث لمس لوح لمعلم ولا لمتعلم وإن كان حائضا لأجل الضرورة ومن ثم رخص لمتعلم لا لمعلم في مس جزء من المصحف.
قال ابن بشير: أما المتعلم فلا خلاف في جواز مسه المصحف بغير طهارة لأنه مضطر إلى مسه ويشق عليه تكرار الوضوء وأما المعلم ففيه قولان أحدهما كالمتعلم والثاني أنه كسائر الناس إذ لا ضرورة به. انتهى من التقييد.
وخفف مالك ﵁ الصبي للجامع وكرهه ابن حبيب، وكذلك لا يمنع الحدث حمل حرز مكتوب فيه شيء من القرآن على وجه التعوذ إن كان عليه ساتر
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٣٢١.
[ ١ / ١٦٥ ]
يكنه جلد أو غيره وإن حائضا. انتهى.
ونص النهي عن مس القرآن بغير طهارة يتناول غير المكلف.
فصل [في أحكام الغسل]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه التطهير من الحدث الأكبر ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (يجب غسل ظاهر الجسد بمني. وإن بنوم، أو بعد ذهاب لذة بلا جماع، ولم يغتسل) أي يجب غسل ظاهر الجسد لا باطنه بسبب خروج مني شعر بخروجه أم لا في نوم أو يقظة أو خرج بعد ذهاب لذة بلا جماع إن لم يغتسل بعد اللذة لموجب الغسل قبل تلك اللذة، كما إذا التذ ولم يخرج منه شيء ثم ذكر أنه كان جنبا، أو كانت حائضا، فاغتسل لذلك ثم خرج منه المني فإنه لا غسل عليه، لأن الغسل لخروج مني اللذة، يندرج في الغسل الواجب قبلها. انتهى.
قال في إكمال الإكمال فلو اضطرب البدن لمبادي خروج المني ولم يخرج، أو نزل المني إلى أصل الذكر، أو وصل إلى وسطه ولم يخرج فلا غسل، ولو وصل مني المرأة إلى المحل الذي تغسله في الإستنجاء، وهو ما يظهر عند جلوسها لقضاء الحاجة، اغتسلت لأنه كحكم الظاهر، والبكر لا يلزمها ذلك حتى يبرز عنها لأن داخل فرجها كداخل الإحليل. انتهى (^١).
قوله: (لا بلا لذة) أي فلا يجب الغسل بخروج مني بلا لذة تقارنه أو بعده (أو) خرج بلذة (غير معتادة) كمن ضرب فأمنى أو لدغته عقرب أو نزل في ماء حار أو حك لجرب أو أصابه فرح فأمنى لأن اللذة في هذه الأشياء غير معتادة، لكن (ويتوضأ) في الصورتين.
قال ابن عرفة في مختصره وتجويز جنابة دون شك لغو لو اغتسل له ثم تيقن لم يجز.
قلت: قاله ابن القاسم، وقال عيسى (^٢):
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٢، ص: ١٥٠
(٢) عيسى بن دينار بن وهب القرطبي أبو محمد سمع من ابن القاسم وصحبه. له عشرون كتاب في =
[ ١ / ١٦٦ ]
يجزيه. انتهى (^١).
قوله: (كمن جامع) تشبيه أي كما يتوضأ من جامع جماعا يوجب الغسل، ولكن لم ينزل، (فاغتسل) للجماع، (ثم أمنى) أي خرج منه مني بعد غسله فلا غسل عليه ثانيا، (ولا يعيد الصلاة) التي صلى بعد الغسل وقبل خروج المني بل يتوضأ والجاري على القواعد لا وضوء عليه لأنه الخارج غير المعتاد. انتهى.
وروى ابن حبب خروج ماء الرجل من فرجها بعد غسلها كبولها.
قال صاحب الطراز: خروج ماء المرأة ليس بشرط في جنابتها لأن عادته ينعكس إلى الرحم ليخلق منه الولد فإذا أحست بنزوله وجب عليها الغسل وإن لم يبرز. انتهى من ابن ناجي (^٢).
قال صاحب إكمال الإكمال عند حديث شبه الولد، «إن سبق ماء الرجل وعلا أذكر الولد وأشبه أعمامه، وإن سبق ماء المرأة وعلا أنث وأشبه أخواله، وإن سبق ماء الرجل وعلى ماؤها أذكر وأشبه الولد أخواله، وإن سبق ماء المرأة وعلا ماؤه أنث وأشبه الولد أعمامه» (^٣)، قال: وقال عياض: زعم بعضهم أن الولد إنما هو من ماء المرأة وماء الرجل إنما هو للعقد كالمنفاح للبن والحديث يرد عليه لأن انقسام الشبه يدل على أنه من الماءين وقيل لا من مائهما بل هو من دم الحيض، وقيل بل من الرغوة والزبد الذي يكون بين ماء الزوجين، والصحيح ما دل عليه الحديث أنه منهما (^٤).
قوله: (وبمغيب حشفة بالغ لا مراهق، أو قدرها: في فرج وإن من بهيمة، وميت أي ويجب الغسل بسبب مغيب حشفة أو قدرها من مقطوعها من بالغ من وطئ مباح أو حرام في قبل أو دبر، وإن من بهيمة، أو ميتة آدميا كان أو غيره ذكرا كان أو أنثى، كان ذو الحشفة فحلا أو خصيا أو خنثى مشكلا أو شيخا فانيا أو عنينا أو مكرها أو
_________________
(١) سماعه، ألف في الفقه كتاب الهدية، مات بطليطلة سنة: ٢١٢ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٩٥، الترجمة: ٩٢.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ١، ص: ٧٩ مخطوط.
(٣) شرح الرسالة لابن ناجي: ج ١، ص: ٨٠.
(٤) صحيح مسلم بكتاب الحيض ٧/ باب وجوب الغسل على المرأة خروج المني منها حديث: ٣١١ - ٣١٢ - ٣١٣ - ٣١٤
(٥) إكمال الإكمال: ج ٢، ص: ١٥١.
[ ١ / ١٦٧ ]
ذاهب عقل، فمغيب بعض الحشفة لغو.
قال ابن العربي: ومغيبها ملفوفة، فالأشبه إن كانت اللفافة رقيقة أو جب (^١) الغسل وفي سماع ابن القاسم، ورواه مطرف (^٢) لا غسل على الموطئ في الدبر. انتهى.
والمرأة مع غير الآدمي كالرجل معه، وبلوغ المفعول به شرط في وجوب الغسل عليه، وبلوغ الفاعل شرط في وجوبه عليهما إن كان كل منهما بالغا، واختلف في النائمة والمكرهة تجامع هل عليها الغسل أم لا، ولا خلاف في وجوب الغسل على الراكب تهزه الدابة حتى ينزل.
قوله: لا مراهق أي لا يجب الغسل بمغيب حشفة مراهق في قبل أو دبر بالنسبة له ولا موطوء ته البالغة على المشهور.
فتح الجليل: وأما الصغير غير المراهق فيفهم من هذا عدم وجوبه عليه اتفاقا وهو صحيح (^٣).
قوله: (وندب لمراهق) أي وندب الغسل لمراهق بسبب مغيب حشفة.
قوله: (كصغيرة) أي كما يندب الغسل لصغيرة أو مراهقة إذا (وطئها بالغ).
قوله: (لا بمني وصل للفرج) أي فلا يجب الغسل على امرأة جومعت في ما دون الفرج فوصل المني إلى داخل فرجها (ولو التدت) به إلا أن تنزل هي فيجب عليها الغسل وأشار بلو إلى خلاف الباجي إذ التذت يجب عليها الغسل.
فرع فإن جومعت بكر تظن أنها لم تبلغ ثم تبين حملها فقد ظهر أنها كانت بالغة يوم وطئها فوجب الغسل عليها لأن المرأة لا تحمل حتى تنزل.
فرع: قال العوفي (^٤): لو علم من زوجته أو أمته أنهما لا تغتسلان من الجنابة
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٣٢٩.
(٢) أبو مصعب مطرف بن عبد الله بن مطرف الهلالي المدني الثقة الأمين الفقيه روى عن جماعة منهم مالك وبه تفقه، وعنه أبوزرعة والبخاري وخرج له في الصحيح قال ابن حنبل: كانوا يقدمونه على أصحاب مالك مات سنة: ٢٢٠ هـ شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٨٦، الترجمة: ٥٩.
(٣) فتح الجليل للتنائي: ج ١، ص: ٧٧ مخطوط.
(٤) في تكميل التقييد نسخة القرويين لوحة: ٣١٣٥ أ: العوفي وفاقا لنسخة واحدة مجهولة المصدر ومبتورة الأطراف وهو الصواب والله أعلم. وفي غيرها القرافي ولم أطلع على مثله في مؤلفاته المطبوعة.
[ ١ / ١٦٨ ]
فهل يحرم عليه وطؤهما لأنه إعانة على معصية أم لا؟
الجواب زجرهما فإن تعذر فهو مخير بين الإمساك مع عدم الوطئ والطلاق فإن لم يقدر وجب عليه طلاقها فإن تبعتها نفسه لم يجز له وطؤها إلا عند خوف العنت. قال الوانوغي: قوله: منع عدم الوطء خلاف ظاهر قول ابن القاسم في العتبية في من قالت: لا أغتسل من الجنابة، قال: لا يجبر على فراقها فقد جوز له البقاء مع جواز الوطئ وعلمه أنها لا تغتسل. انتهى من تكميل التقييد وتحليل التعقيد (^١).
قال البرزلي في نوازله: وسئل ابن رشد في امتناعهن من مباشرة أزواجهن في الشتاء خوفا على أنفسهن من الاغتسال فيه هل لهن ذلك أم لا وهل على الزوج حرج في إكراههن على ذلك وإن أدى إلى تضييع صلاة الصبح أم لا، فأجاب بأن قال: إن استعمال الماء عند الخوف منه لبرد ونحوه فالتيمم يكفي منه، واكتساب معنى ينقل المكلف من الطهارة المائية إلى الترابية لا يجوز إلا عند حاجة وحدوث ضرورة تكتسب منه، وأيضا فالمعونة على المعصية لا تجوز، وعلى هذا الأصل يدور جواب هذا السؤال أما الزوجة إن أمكنها استعمال الماء بتسخينه أو غيره من الوجوه فلا يحل عدولها إلى التيمم ولا تأبى منه إذا طلبها فإن لم يمكنها استعمال الماء على حالة فتمكينها أو اكتسابها ما يمنع طهارة الماء لا يجوز إلا عند شدة الضرورة اللاحقة للزوج من ترك جماعها، ولا يجوز له الجبر مع اعتقاده أنها تترك الصلاة، كما لا يجوز للقادم من السفر وطء زوجته الصائمة المكلفة بالصوم وإن كان له مباحا فلا يباح له أن يعينها على معصية (^٢).
قوله: ﴿وبحيض ونفاس بدم واستحسن وبغيره﴾ أي ويجب الغسل بسبب خروج دم حيض أو نفاس، واستحسن وجوب الغسل بنفاس بغير خروج دم مع الولد وأصله في سماع أشهب بأن من ولدت دون دم اغتسلت.
فقال اللخمي: (هذا استحسان لأنه للدم لا للولد، ولو اغتسلت لخروج الولد دون الدم لم يجزها) (^٣)، وقال ابن رشد: معنى سماع أشهب دون دم كثير إذ خروجه بلا دم معه ولا بعده محال عادة، وهذا تحصيل ابن عرفة (^٤) قال: ونقل ابن الحاجب
_________________
(١) تكميل التقييد نسخة القرويين لوحة: ٣١٣٥ أ.
(٢) هذا مضمون ما ذكر البرزلي ونسبه للماززي - نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٢٠٣.
(٣) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ٢١٥ بتصرف.
(٤) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ٩٥. وانظر التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٣٣٠ - ٣٣١.
[ ١ / ١٦٩ ]
نفيه رواية ابن بشير لا أعرفه. انتهى (^١).
قال ابن ناجي وكان بعض من أدركنا يحكي عمن يثق بقوله أنه شاهد خروج الولد من زوجته بلا دم ولم يعقبه دم بعد. انتهى (^٢).
قوله: (لا بإستحاضة وندب لإنقطاعه) أي فلا يجب الغسل بسبب انقطاع دم الإستحاضة لشبهه بالحيض بل ندب الغسل لانقطاعه، وقيل يجب وتجبر الذمية على الغسل من حيضتها ونفاسها لحق زوجها المسلم لا من جنابتها، ويصح غسلها دون نية لأنه تعبد في غير المتعبد، ويستحب للحائض ونحوها إذا طهرت أن تدخل خرقة مطيبة في فرجها في إثر الدم لتزيل رائحته.
قوله: (ويجب غسل كافر بعد الشهادة) أي ويجب الغسل على كافر أسلم بعد التلفظ بالشهادتين (ب) سبب حصول ﴿ما ذكر﴾ منه من خروج مني وغيره مما يوجب الغسل.
قوله: (وصح قبلها) أي ويصح غسله قبل التلفظ بالشهادتين ﴿وقد أجمع على الإسلام﴾ هو قد أجمع على الإسلام أي عزم عليه بقلبه العزم هو التصميم وتوطين النفس عليه.
قال في إكمال الإكمال: قال ابن رشد: أجزأه لأن إسلامه بقلبه إسلام لو مات مات مؤمنا. انتهى (^٣).
وإن لم يكن منه ما يوجب الغسل قبل الإسلام فلا غسل عليه إذا أسلم إذ لا يؤمر بعد إسلامه إلا بما يقتضيه الإسلام.
قال القاضي: غسله تعبد لا لجنابة لأن الإسلام يجب ما قبله، وقيل: غسله مستحب وهو شاذ، وعزاه ابن العربي لابن شعبان (^٤) والمازري لإسماعيل (^٥) محتجا
_________________
(١) فتح الجليل للتنائي: ج ١، ص: ٧٨ مخطوط
(٢) شرح الرسالة لابن ناجي: ج ١، ص: ٨٧
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ١، ص: ١١١
(٤) هو محمد بن القاسم أبو إسحاق القرطبي المصري فقيه حافظ متقن انتهت إليه رئاسة المالكية بمصر. أخذ عن أبي بكر بن صدقه وغيره. وأخذ عنه عبد الرحمن التجيبي وغيره. ألف الزاهي في الفقه وكتاب أحكام القرآن وكتاب مختصر ما ليس في المختصر وكتاب السنن وغيرهم. مات سنة ٣٥٥ هـ. شجرة النور الزكية ج ١، ص: ١٢٠، الترجمة: ١٨٢.
(٥) إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد الجهضمي، تفقه بابن المعدل، وسمع علي بن المديني وروى عنه عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل وغيره. من مؤلفاته: أحكام القرآن
[ ١ / ١٧٠ ]
بالإسلام يجب ما قبله فألزم الوضوء، وفي كون الوضوء لجنابته أو تعبدا أو لإسلامه لنص ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨] ثلاثة أقوال لابن القاسم وابن شعبان والمازري عن القائلين باستحبابه وعلى الأولين تيممه لفقد الماء وسقوطه عمن يجنب وثبوته، اللخمي: إن لم يكن جنبا اغتسل لنجاسة جسمه وإن قرب عهده بالماء فلا. انتهى من ابن عرفة.
ويؤمر من أسلم بالاختتان.
قوله: (لا الإسلام إلا لعجز) أي فلا يصح له الإسلام قبل التلفظ بالشهادتين بل بالتلفظ بهما يصح إلا أن يكون عدم التلفظ بهما بسبب عجز عن التلفظ بهما فيصح له الإسلام ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] وإن أسلم وهو جنب ولم يجد ماء تيمم كالمسلم الأصلي.
قوله: (وإن شك أمدي أو مني اغتسل) أي وإن وجد في ثوبه بللا شك فيه هل هو مذي أم مني وجب عليه الغسل لأن الشك في الحدث كتحققه، وأعاد ما صلى من آخر نومة نامها فيه لعدم جزمه ببطلان ما صلى قبله، وقد جاء عن مالك قال: لا أدري ما هذا توقف في شك مذي أم مني ولم يتوقف ﵀ في الشك في الحدث الأصغر.
قال أهل العلم: توقفه في الشك في الغسل للمشقة فيه دون الوضوء، فإن كان ما شك فيه يابسا صب عليه الماء، فإن ابتلعه فهو مني وإلا فهو مذي، وإن كان غير يابس فرائحة المني ظاهرة، وتجويز وجود جنابة من غير شك لغو، وليس الغسل على من رآه احتلاما ولم ير له أثرا، فلو اغتسل لتجويز صلاته ثم تيقن أنه كان جنبا لم يجزه غسله والمرأة كالرجل في ذلك كله، وقال ابن شعبان: فإن أكره مسلم زوجته الكتابية على الغسل من الحيض ثم أسلمت مكانها لم يجزها عن غسل الإسلام، لأنها لم تنوه (^١).
قوله: (وأعاد من آخر نومة كتحققه) أي كما يعيد الغسل من آخر نومة نامها فيه، إذا تحقق أنه المني. هنا انتهى موجبات الغسل.
_________________
(١) = والمبسوط في الفقه وغيرهما كان مولده سنة: ٢٠٠ هـ ومات سنة: ٢٨٤ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٩٧/ ٩٨، الترجمة: ٩٩.
(٢) الجامع لابن يونس: ج ١، ص: ٢٧١.
[ ١ / ١٧١ ]
وشرع ﵀ يذكر واجباته وسننه ومندوباته فقال: (وواجبه) أي وواجب الغسل نية وهي قصد رفع المانع، والغسل عبادة تفتقر إلى نية كالصلاة والصوم، لأن امتثال أوامر الله يتعلق بها الثواب والمخالفة يتعلق بها الإثم والعقاب إن شاء، ولا يكون ممتثلا منقادا لأمر الله تعالى إلا بنية لذلك الفعل المأمور به، فيثاب لامتثال أمره وانقياده له، ويكون قد أطاعه في أمره.
وأجاز ابن القاسم إذا لم تكن النية مقارنة للوضوء والغسل وقرب ما بينهما، فقال في من دخل الحمام ليغتسل من الجنابة فخرج للطهور فتطهر وهو ناس لجنابته أنه يجزئه.
قال: وكذلك الذي يأتي النهر ليغتسل من الجنابة فاغتسل وهو ناس لجنابته، قال سحنون يجزئه في النهر ولا يجزئه في الحمام وهو أبين. انتهى من تبصرة اللخمي (^١).
قوله: (نية وموالاة) أي وتجب الموالاة في الغسل وهي الفور وهو تتابع أفعال الغسل.
وقوله: (كالوضوء) راجع عليهما، والموالاة في صفتها وحكمها كما تقدم في الوضوء وقال فيه وهل الموالاة واجبة إن ذكر وقدر إلى قوله: أو سنة خلاف.
قوله: (وإن نوت الحيض والجنابة أو أحدهما ناسية للآخر) أي وإن نوت الحائض بغسلها غسل الحيض وغسل الجنابة التي كانت عليها تقدمت الجنابة عن الحيض أو تأخرت عنه أو نوت غسل الحيض أو الجنابة في حال كونها ناسية للآخر حصلا معا في الصورتين، مفهوم قوله: ناسية أنها لو أخرجته بالنية لم يجزها ذلك الغسل والمفهوم صحيح.
قوله: (أو) أي وإن نوى الرجل بغسله غسل الجنابة وغسل الجمعة (أو نوى) بغسل (الجنابة والجمعة أو نيابة عن) غسل (الجمعة حصلا) في الصورتين أيضا، وقول الشيخ حصلا جواب عن المسائل الأربع.
قوله: (وإن نسي الجنابة أو قصد نيابة عنها انتفيا) أي وإن نسي الرجل الجنابة وقصد غسل الجمعة أو لم ينسى الجنابة ولكن لم ينو غسلها بل قصد باغتساله الجمعة نيابة عن الجنابة انتفيا أي لم يحصل له ما نوى وما لم ينو.
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ١، ص: ١٣٩.
[ ١ / ١٧٢ ]
قوله: (وتخليل شعر) أي ومما يجب في الغسل تخليل شعر رأسه ولحيته وإن لم تظهر البشرة تحته لإيصال الماء إلى البشرة.
ابن عرفة في مختصره: وسمع ابن القاسم سقوط تخليل اللحية وأشهب وجوبه (^١)، قال القاضي: يستحب. وفي كون وجوبه لإيصال الماء إلى البشرة، أو باطن الشعر نقل المازري عن الحذاق وبعض شيوخه مع رواية ابن وهب: تخليلها واجب لإيصال الماء إلى البشرة، وتخليل شعر الرأس واجب، وتخريجه القاضي على الروايتين في اللحية ورده الباجي بأن بشرة الرأس ممسوحة في الوضوء، مغسولة في الغسل فاختلف لذلك حكم شعرها، وبشرة الوجه مغسولة فيهما فاتحد حكم شعرها وقول ابن الحاجب: الأشهر وجوب تخليل اللحية والرأس (^٢) وغيرهما لا أعرفه. انتهى.
قوله: (وضغث مضفوره لا نقضه، ودلك ولو بعد الماء أو بخرقة أو استنابة وإن تعذر سقط) أي ومن واجبات الغسل ضغث الشعر المضفور حائضا كانت أو جنبا ولا يجب نقضه إذا كان رخيا وأما إن كان شديد الفتل بحيث لا يصل الماء إلى باطن الشعر أو على الشعر حائل فلابد حينئذ من نقضه ليصل الماء إلى البشرة والشعر كله.
قوله: (ودلك) أي ومن واجبات الغسل دلك بإمرار اليد أوغيرها على ظاهر الجسد كله، ويجوز الدلك بغير اليد من خرقة أو عود أو حائط أو استنابة غيره إن تعذر منه الدلك بيده أو بغيرها فإن تعذر الدلك بوجه سقط ولا شك في جواز الاستنابة لضرورة ومنعها لتكبر ولغيرهما فيه خلاف وقيل إذا جرى الماء على جسده بنية المكان الذي لا يقدر على إمرار اليد عليه أجزاه «ودين الله يسر» (^٣). هنا انتهى واجبات الغسل ويليها السنن.
قوله: (وسننه) أي وسنن الغسل (غسل يديه أولا) أي ابتداء إلى الكوعين وعبارته أولى من عبارة غيره قبل إدخالهما في الإناء لأن الإناء ليس بشرط وإنما يذكرونه لأنه الغالب.
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق بهامش الحطاب: ج ١، ص: ٣٣٤.
(٢) مواهب الجليل للحطاب: ج ١، ص: ٣٣٤.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ. ١٨/ كتاب الصيام، ١٥/ باب ما يفعله المريض في صيامه، الحديث: ٤١.
[ ١ / ١٧٣ ]
قوله: (وصماخ أذنيه) هذا هو السنة الثانية أي ومن سنن الغسل مسح صماخ أذنيه ولا مسح في الغسل إلا مسح صماخ الأذنين. انتهى.
لو قال الشيخ ومسح صماخ أذنيه لكان أولى لأن الأشراف واجب غسلهما. انتهى.
قال البرزلي في نوازله: وسئل الشيخ أبو القاسم عبد الخالق السيوري عن الحجة في إسقاط وجوب غسل داخل العينين في الوضوء والطهر، وما روي عن ابن عمر فيه، وهل يلزم ما لصق بأشفار العين من القذى، فأجاب: جميع الواصفين لوضوء رسول الله ﷺ لم يذكروا شيئا من ذلك، ويزال القذى من أشفار العين إذا لم يشق جدا.
قلت: فإن صلى به وكان يسيرا مثل خيط العجين والمداد ففيه قولان المشهور الإعادة. انتهى (^١).
قوله: (ومضمضة واستنشاق) هذه هي السنة الثالثة والرابعة أي ومن سنن الغسل مضمضة مرة واستنشاق مرة، وبهما احترز بقوله: ظاهر الجسد، وليس في الغسل من السنن إلا هذه الأربع.
لما فرغ من السنن شرع يذكر المندوبات، فقال: (وندب بدء بإزالة الأذى) أي وندب للمغتسل أن يبدأ بإزالة ما في بدنه من الأذى النجاسة، ثم يغسل ذكره بنية الغسل.
المازري: ليسلم من مس ذكره في اغتساله، وقال: قول بعض شيوخنا: لو غسله ونيته الجنابة وإزالة النجاسة لأجزأه متعقب متى اعتقد المغتسل عدم فرض زوال النجاسة.
قلت: إنما قال اللخمي: إن نوى الجنابة حين غسل النجاسة أجزأه، فلم يذكر نية زوال النجاسة، إذ لا تفتقر لنية.
نعم قول اللخمي خلاف شرط الجلاب، تقدم طهارة محل الوضوء يزيل أذاه ثم يتوضأ، اللخمي ينوي الجنابة وإن نوى الوضوء أجزأ. انتهى من مختصر ابن عرفة (^٢).
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ١٣٢ - ١٣٣.
(٢) مختصر ابن عرفة ص: ٢٠.
[ ١ / ١٧٤ ]
قال صاحب إكمال الإكمال وتلخيص الأمر: أن المغتسل إن لم يرد أن يتوضأ فالأكمل له أن يغسل الأذى ثم يعيد غسل محل الأذى بنية الجنابة ثم يكمل غسله ويجزيه عن الوضوء باتفاق لأن موانع الأكبر أكثر فاندرج الأقل تحت الأكثر، وإن مس ذكره في أثناء غسله أعاد ما كان غسله من أعضاء الوضوء.
قال ابن العربي وابن أبي زيد: يعيدها بنية الوضوء لأن اللمس لم يؤثر في الغسل وإنما أثر في الوضوء، وإن شاء نوى الجنابة عند غسل الأذى ولا يعيد غسل محله على المشهور في أن طهارة الحدث ليس من شرطها أن ترد على الأعضاء والأعضاء طاهرة.
قال ابن الجلاب: شرطها ذلك واختاره جماعة. انتهى (^١).
قوله: (ثم أعضاء وضوئه) أي ومن مندوبات الغسل: تقديم غسل أعضاء وضوئه (كاملة) تشريفا لها، ولأنه الوارد من صفة غسل رسول الله ﷺ فلا يؤخر غسل رجليه، ويغسل أعضاء الوضوء كاملة مرة خلافا للرسالة، وظاهره (مرة) بنية الجنابة، لا لرفع الحدث الأصغر.
قوله: (وأعلاه) أي وندب للمغتسل تقديم أعلاه بالغسل في غسله، فيبدأ بغسل عنقه كله، (و) كذلك يندب تقديم غسل (ميامينه) أي فيغسل جانبه الأيمن من عنقه إلى كعب رجله اليمنى، ثم جانبه الأيسر كذلك.
قوله: (وتثليث رأسه، وقلة الماء بلا حد) أي ومما يندب للمغتسل تثليث غسل رأسه وإن عم بواحدة، ولا تكرار في الغسل إلا في غسل الرأس، وكذلك يندب له قلة ماء اغتساله بلا حد في القلة، وقد تطهر رسول الله ﷺ بصاع (^٢).
قال في إكمال الإكمال: قال ابن العربي: وإذا روعي المد والصاع فالمعتبر فيه الكيل لا الوزن لأن المكيل ضعف الموزون. انتهى (^٣).
هنا انتهى مندوبات الغسل.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ١٦٢.
(٢) رواه مسلم (٣) - كتاب الحيض (١٠) باب القدر المستحب من الماء الحديث: ٥٢/ (٣٢٦) عن سفينة ولفظه (كان رسول الله ﷺ يغسله الصاع من الماء من الجنابة ويوضؤه المد وأخرجه النسائي (٣) - كتاب الحيض والاستحاضة (٣) باب القدر الذي يكتفي به الإنسان من الماء للوضوء والغسل الحديث: ٣٤٩.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢، ص: ١٦٥.
[ ١ / ١٧٥ ]
وفي المدونة: لا بأس بما انتضح من غسل الجنابة في إنائه (^١).
وكره مالك الاغتسال في الماء الدائم ولو طاهر الجسد سدا، لذريعة إفساده وأجازه ابن القاسم نظرا للمستعمل في نفسه، وسمع جوازه له في الفضاء.
ابن رشد: لقصد وجوب ستر العورة عن الآدمي، وأنكر مالك النهي الذي جاء فيه.
قوله: (كغسل فرج جنب لعوده لجماع) أي كما يندب للجنب غسل فرجه إذا أراد العود إلى جماع تلك المرأة أو غيرها، وكذلك المرأة يندب لها غسل فرجها لذلك، وفي هذا الغسل فوائد منها: خيفة أن تدخل النجاسة في الفرج دون ضرورة مع ما فيه من النظافة التي بنيت عليها الشريعة، ومنها تكميل اللذة لأن ما يتعلق به من بلل الفرج، واشتداده عليه من المني مفسدة للذة، ورطوبة الفرج عندنا نجسة، لما يخالطه من النجاسة الجارية عليها كالبول والحيض.
قوله: (ووضوئه لنوم) أي ومما يندب للجنب إذا أراد النوم قبل أن يغتسل، أن يتوضأ وضوءا كاملا، كوضوء الصلاة لينشط للغسل، وقيل لينام على إحدى الطهارتين.
قال الأبي في إكمال الإكمال: الوضوء للنوم ينقضه الحدث الواقع قبل الإضجاع لا الواقع بعده. انتهى (^٢).
قوله: (لا بتيمم. ولم يبطل إلا بجماع) أي لا يندب التيمم لجنب فاقد للماء بناء على أن الوضوء للتنشيط، ومن ثم لا يبطل وضوء الجنب بناقض إلا الجماع، وللجنب أن يأكل ويشرب ويجامع.
قوله: (وتمنع الجنابة موانع الأصغر) أي وكلما يمنعه الحدث الأصغر تمنعه الجنابة (والقراءة) تزيد عليه منع (إلا كاية) بغير المصحف (لتعوذ ونحوه) أو آيتين لتعوذ ونحوه كالاستدلال والرقى فيجوز، وأجاز مالك ﵀ للجنب أن يكتب الصحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم وآية من القرآن الكريم.
قوله: (ودخول مسجد) أي ومما تمنع الجنابة فعله دخول مسجد (ولو مجتازا)،
_________________
(١) المدونة الكبرى لابن القاسم: ج ١، ص: ٣٢.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٩، ص: ١١٣.
[ ١ / ١٧٦ ]
ظاهره ولو مسجد بادية، أو كان في بيته وأجازه ابن مسلمة (^١) مطلقا (^٢). قوله: (ككافر) أي كما يمنع دخول كافر مسجدا، (وإن أذن) له (مسلم) فيه، لأنه حق الله تعالى لا لغيره لقوله تعالى: ﴿يتأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨] إشارة إلى بعد المحكوم بنجاسته عن قرب مواضع القرب فاطرد في كل كافر وفي كل مسجد ويرجحه أمره ﵇ كل من أسلم بالاغتسال (^٣) إذ هو حق الله تعالى.
قوله: (وللمني تدفق أي وللمني علامة يعرف بها وهي تدفق وبياض وتخثر للرجل وللمرأة صفرة ورقة وملوحة (ورائحة طلع) فحل نخل (أو عجين) قمح وحقه أن يوصل هذا الفرع بقوله: وإن شك أمذي أم مني اغتسل.
قوله: (ويجزئ عن الوضوء) أي ويجزئ الغسل الواجب عن الوضوء (وإن تبين عدم جنابته لأنه دخل بنية الفرض (و) كذلك يجزئ غسل الوضوء عن غسل محله) في الاغتسال (ولوناسيا لجنابته) وأحرى إن لم ينس فإن ذكر فإنه يبني على وضوئه وظاهره ولو انتقض وضوؤه وأما مسحه فلا يجزئ.
فرع: قال القلشاني: من كان فرضه في الغسل مسح رأسه لمرض به لمشقة غسله فنسى مسحه في غسل جنابته ثم مسحه بعد ذلك في وضوئه، فقال ابن عبد السلام: يجزئه وخالفه بعض شيوخه فقال: لا يجزئه.
قال ابن عرفة وصوب الثاني وهو عدم الإجزاء، بأن المسح للغسل واجب لكل الرأس إجماعا، والوضوء قد لا يعم وإن عم فالعموم غير واجب إجماعا، فصار كفضيلة عن واجب، قال: ويصوب أيضا بأن مسح الغسل كالغسل، والمسح لا يكفي عن الغسل. انتهى (^٤).
وفي تصويبه ذلك نظر، لأن المعتبر في المطلوب من أفعال المكلفين الكيفية
_________________
(١) أبو هاشم محمد بن مسلمة روى عن مالك وتفقه عنده وروى عنه الضحاك وإبراهيم بن سعد قال: أبو حاتم: كان أحد فقهاء المدينة ومن أصحاب مالك. التعريف بالرجال المذكورون في جامع الأمهات، تأليف: محمد بن عبد السلام من علماء القرن التاسع الهجري: ص: ٢٠٦ - ٢٠٧، الترجمة: ٧٠.
(٢) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٣٣٩.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي الحديث: ٧٧٦.
(٤) القلشاني: ج ١، ص: ٩٩. مخطوط.
[ ١ / ١٧٧ ]
المشروعة، والنية التي تكفيه، فإذا اشتمل فعل المكلف عليها فقد تم اعتباره شرعا كالمسح المذكور، لأن الفرض أنه مسح جميع رأسه، وتلك كيفية الرأس في اغتسال مثله، ونوى به رفع الحدث الأصغر، ونيته تكفيه عن نية الأكبر فتم اعتباره في ذلك شرعا، وأما ادعاء كونه كفضيلة عن واجب أو كمسح عن غسل فلا نسلمه إلا بدليل واضح ينقض ما بيناه فتأمله.
قلت: ولو نسي جنب جنابته فتوضأ بنية الأصغر ثم انتقض وضوءه ثم ذكر جنابته، فهل يبني على ما غسل من وضوئه إن شاء بنية اغتساله ويكون حينئذ محدث الحدث الأصغر فقط، أو لا يبني عليه فيه وفيه نظر عندي فاطلب نصها. انتهى.
قوله: (كلمعة منها) تشبيه أي كما إذا نسي لمعة في اغتساله للجنابة ثم غسلها بنية رفع الحدث الأصغر في وضوئه فإنه يجزئه (وإن) كانت اللمعة (عن جبيرة) كان يمسح عليها فنسي بعد برهة غسل محلها حتى غسلها في وضوئه إذ لا فرق بين كون المتروك لبدل أو غيره.
فصل [في المسح على الخف]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل المسح على الخفين ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (رخص لرجل وامرأة وإن مستحاضة بحضر أو سفر مسح جورب جلد ظاهره وباطنه، وخف ولو على خف)، الرخصة في اللغة التسهيل، وفي الشرع ما شرع للتخفيف والمسامحة، وجواز الإقدام على الشيء مع قيام السبب المانع منه تخفيفا أو مسامحة.
قال الشاطبي (^١) في موافقاته: قد رأينا ترك الترخص في مواضع الترخص يوقع في مفسدة أو مفاسد يعظم موقفها شرعا (^٢) فاللاهي إذا عن مثل هذه الرخص قد أمر
_________________
(١) هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الغرناطي الشهير بالشاطبي، العلامة المحقق أخذ عن ابن الفخار، والشريف التلمساني وغيرهما، من مؤلفاته: الموافقات وغيره مات سنة: ٧٩٠ هـ شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣٣٢ - ٣٣٣، الترجمة: ٨٥٦.
(٢) الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، شرحه وخرج أحاديثه: عبد الله دراز، ووضع تراجمه: الأستاذ محمد عبد الله دراز. وخرج آياته وفهرس مواضيعه: عبد =
[ ١ / ١٧٨ ]
إذا بهذه المفسدة إذ مذهب أهل السنة أن النهي عن الشيء أمر بضده أو بأحد أضداده، المسح على الخفين فرض باعتبار فعله وسنة باعتبار مشروعيته ورخصة باعتبار نيابته ومن ثم اختلف العلماء عنه بتلك الأوصاف.
قال ابن القصار: روى المسح سبعون صحابيا قولا وفعلا فلا ينكره إلا مخاذل. انتهى (^١).
ورخص بعشرة شروط خمسة في الماسح وخمسة في الممسوح وكلها في المختصر.
قوله: بحضر وهو المشهور وهو قول مالك المرجوع عنه واختلف هل المرجوع عنه يعد قولا؟ أم لا.
الجورب ما كان على هيأة الخف من قطن أو غيره فلا يجوز المسح عليه إلا بشروط خمسة وهي أن يصير جرموقا والجرموق الجورب الذي جلد ظاهره وباطنه، الشرط الأول أن يكون جلدا. والثاني أن يكون طاهرا لا متنجسا، والثالث أن يكون مخروزا، والرابع أن يكون ساترا لمحل الفرض من الرجل، الخامس أن يمكن تتابع المشي فيه، وكذلك يمسح على خف ولو لبسه على خف آخر تحته ظاهره مسح الأول أم لا وهو طريق بعضهم، وقال بعضهم: إنما الخلاف إذا لم يمسح على الأول وأما إن مسح عليهما فلا خلاف في جوازه، وأشار بلو إلى خلاف لأن الإمام مالكا ﵀ أجازه مرة ومنعه أخرى، وظاهر الخف ما يلي السماء، والباطن ما يلي الأرض من خارج.
قوله: ﴿بلا حائل كطين، إلا المهماز﴾ أي فلا يمسح على خف أو جرموق وعليه حائل من طين ونحوه إلا أن يكون الحائل المهماز الشرعي فإنه يمسح عليها فلا ينزعه.
قال ابن عرفة يحتمل قوله: ولا ينزعهما للمسح أوله ولا بعده فإن خرجت المهاميز بسعة سيرها عن الحاجة لكمباهات فلا يمسح عليهما وكذلك إن كانت بصفة تمنع لبسها. انتهى (^٢).
_________________
(١) = السلام عبد الشافي محمد: ج ١، ص: ١١١، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
(٢) إكمال الإكمال: ج ٢، ص: ٨٠.
(٣) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ٢٦.
[ ١ / ١٧٩ ]
قوله: (ولا حد بشرط جلد طاهر خرز، وستر محل الفرض، وأمكن تتابع المشي به. بطهارة ماء كملت بلا ترفه، وعصيان بلبسه، أو سفره) أي ولا حد لمقدار الزمان الذي أجيز فيه المسح على الخف ما دام الخف متصفا بشروط جواز المسح عليه وقد تقدمت آنفا، وهي أن يكون جلدا أو مجلدا.
الثاني: أن يكون طاهرا لا متنجسا.
الثالث: أن يكون مخروزا.
الرابع: أن يكون ساترا لمحل الفرض من الرجل والخامس أن يكون يمكن تتابع المشي به لذي مروءة، وقد تكون هذه الشروط وهي التي في الخف، وأما الشروط التي تكون في الماسح هي: أن يكون لبسه إياه بعد طهارة مائية كاملة.
وأن يكون لبسه إياه بلا قصد ترفه.
وأن يكون لبسه إياه غير عصيان كالمحرم، أو كان عاصيا بسفره كالمحارب. انتهى.
قال صاحب مغني النبيل وفي الذخيرة عن الطراز على القول باختصاص مسح الخفين بالسفر لا يمسح العاصي بسفره، وعلى عدم الاختصاص قولان الصحيح المسح. انتهى (^١).
الباجي: إنما أبيح المسح على الخفين إذا لبسهما للوجه المعتاد من المشي فيهما أو التوقي بهما (^٢).
قوله: (فلا يمسح واسع، ومخرق قدر ثلث القدم، وإن بشك، بل دونه إن التصق، كمنفتح صغر) أي فلا يمسح على خف واسع لا يمكن المشي به لسهولة نزعه، ولا على خف مخرق فيه قدر ثلث القدم وإن كان يشك في بلوغ الثلث، لا أقل من ثلث القدم فإنه يمسح على أقل إن التصق الخرق ولم ينفتح أو انفتح فتحا صغيرا جدا بحيث لا يمكن غسل ما بدى من الرجل.
قوله: (أو غسل رجليه فلبسهما ثم كمل أو رجلا فأدخلها حتى يخلع الملبوس قبل الكمال، ولا محرم لم يضطر) أي وكذلك لا يمسح على خفيه إذا غسل رجليه أولا منكسا لوضوئه فلبسهما ثم كمل وضوؤه، وكذلك لا يمسح عليهما إن رتب وضوءه، حتى
_________________
(١) الذخيرة للقرفي: ج ١، ص ٣٢٢.
(٢) التاج والإكليل للمواق بهامش الحطاب: ج ١، ص: ٣٤٢/ ٣٤٣.
[ ١ / ١٨٠ ]
غسل رجلا فأدخلها قبل غسل الأخرى حتى يخلع الملبوس في الصورتين، خلع في القرب أو في البعد، وكذلك لا يمسح محرم ذكر على خف لم يضطر إليه بأن لم يجد نعلا.
قوله: (وفي خف غصب تردد. ولا لابس لمجرد المسح أو لينام) أي وفي جواز المسح على خف غصب، وعدم جوازه تردد، لعدم النص.
القرافي: يجوز ابن عطاء الله: لا يجوز، وكذلك لا يمسح على الخفين إذا كان لبسه إياهما لمجرد المسح كمن سمع أن المسح على الخفين من عمل السلف الصالح فلبسهما ليمسح عليهما ليوافق عمله عمل السلف في ذلك أو لينام بهما أو لتعمل الحناء على رجليهما.
قوله: (وفيها يكره) أتى به استشكالا لأن قوله: أو لينام يقتضي أن المعتمد في لبسهما للنوم عدم أجزاء المسح كقول مالك وسحنون من فعل ذلك أعاد أبدا وأن قوله: يكره مشكل إلا أن تحمل الكراهة على التحريم.
وفي المدونة: سألت مالكا عن المرأة تخضب رجليها بالحناء وهي على وضوء فتلبس خفيها لتمسح عليهما إذا أحدثت أو نامت وانتقض وضوؤها، قال: لا يعجبني ذلك. انتهى (^١).
قال البرزلي في نوازله: وسئل اللخمي عما روي عن سحنون من منع الوضوء بالماء المحمول على الدابة بغير إذن أربابها وديعة أو غيرها، وأباح له التيمم. فأجاب: لا تحل له الصلاة بالتيمم وعنده ذلك الماء، وأرجو أن تكون هذه الحكاية عن سحنون غير صحيحة.
فقلت: ما قاله صحيح إذ ليس فيه إلا غصب منافع دابة، فيجب عليه قيمتها، وما يحصل عنها يطيب له بمنزلة من غصب دابة وحرث عليها أو فرسا فاصطاد عليها إذ لا خلاف أنه يطيب له ما حصل عليها وعليه القيمة. ولا تجري على الصلاة بالوضوء بالماء المغصوب ولا بالثوب أو الدار المغصوبة، لأن الرقاب هنا تعدي عليها وحصل الانتهاك في ذواتها بخلاف هذا الماء إذ ليس هو بمغصوب إذ هو ملكه، ويجوز له التصرف فيه، ولا تجري على أحكام غلات المغصوب أو ربحه،
_________________
(١) المدونة الكبرى للإمام مالك بن أنس رواية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم ومعها مقدمات ابن رشد: ج ١، ص: ٤٥، ط: ٢٠٠٤ دار الفكر.
[ ١ / ١٨١ ]
لأنها ناتجة عن ذات المغصوب، بخلاف هذا الماء. انتهى (^١).
قوله: (وكره غسله وتكراره) أي ويكره غسل الخف ونحوه، لأجل إفساده، ويكره تكرار مسحه، لأن المسح مبني على التخفيف، ويجزئ غسله إن وقع وله نظائر تقدم ذكرها في فصل الوضوء عند قوله: وغسله مجزئ.
قوله: (وتتبع غضونه وبطل بغسل وجب وبخرقه كثيرا وبنزع أكثر رجل لساق خفه) أي ولا يلزم تتبع الغضون في المسح على الخفين.
لما فرغ من شروط المسح وما يكره وما لا يكره، شرع ﵀ يذكر ما يبطل الحكم في جواز المسح على الخفين، فقال: ويبطل جواز المسح على الخفين بسبب غسل وجب على الماسح لا غير الواجب، يريد إلا إذا كان لا يقدر على غسل رجليه، وكذلك يبطل حكم جواز المسح على الخف بخرقه خرقا كثيرا بحيث يمكن غسل ما بدا من الرجل، وكذلك يبطل حكم جواز المسح بسبب نزع أكثر رجل من الخف إلى ساقه، وقد كان مسح عليه فلا يجزيه إلا أن يخرجهما ويغسلهما مكانه، فإن أخر استأنف الوضوء، والنصف كثير، ودون النصف ليس بأكثر.
قوله: (لا العقب) أي فلا يبطل المسح بسبب نزع العقب إلى ساق الخف، والقدم كما هي في الخف مفهومه لا أكثر من العقب.
قوله: (وإن نزعهما أو أعلييه أو أحدهما بادر للأسفل كالموالاة) أي ومن مسح على خفيه أو لبس خفين على خفين فنزعهما أو الأعليين أو أحدهما نزعا يبطل المسح بادر لما تحت المنزوع بالغسل إن كان رجلا أو بالمسح إن كان خفا، فإن أخر ابتدأ وضوءه فإن كان نسيانا بنا مطلقا طال أم لا فإن كان عجزا عن الماء بنا ما لم يطل كما تقدم في وجوب الموالاة وعدمه.
قوله: (وإن نزع رجلا وعسرت الأخرى، وضاق الوقت ففي تيممه، أو مسحه عليه، أو إن كثرت قيمته وإلا مزق أقوال) أي وإن نزع رجله من خفه وعسر عليه خروج الأخرى من الخف وضاق الوقت ففي تيممه لأنه طهارة كاملة وإعطاء سائر الأعضاء حكم العضو الذي ستره الخف لأن الحقيقة المركبة إذا بطل بعضها بطلت كلها أو مسحه عليه أي على الذي عسر ويغسل الأخرى قياسا على الجبيرة بجامع تعذر غسل ما
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ١٩٥/ ١٩٦.
[ ١ / ١٨٢ ]
تحت الحائل. قاله الأبياني.
وقال بعضهم: يمسح على الذي عسر نزعه وإن كثرت قيمته ويغسل الأخرى، وإن لم تكثر قيمته مزق.
قال ابن شاس: لأن المحافظة على قيام وظيفة الطهارة المائية تقدم على حفظ مالية الخف وعن طهارة ترابية (^١).
قوله: (وندب نزعه كل جمعة ووضع يمناه على أطراف أصابعه، ويسراه تحتها ويمرهما لكعبيه، وهل اليسرى كذلك أو اليسرى فوقها؟ تأويلان) أي وندب نزع الخفين في كل جمعة وكذلك يندب في صفة المسح على الخفين وضع يده اليمنى على أطراف أصابع رجله اليمنى ويضع يسراه تحتها ويمر يديه إلى حد الكعبين وهل مسح الرجل اليسرى كذلك أو اليسرى من فوقها كما في الرسالة (^٢) لأنه أمكن، فيه تأويلان.
قوله: (ومسح أعلاه وأسفله، وبطلت إن ترك أعلاه لا أسفله ففي الوقت) أي ومسح الماسح على خفيه أعلاهما وأسفلهما المدونة على الوجوب وإن ترك مسح أعلاه بطلت صلاته وإن ترك مسح أسفله أعاد في الوقت، وإليه أشار بقوله: لا أسفله ففي الوقت.
فصل [في التيمم]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل التيمم ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب، التيمم لغة: القصد ﴿وآمين البيت﴾ [المائدة: ٢] أي قاصدين، ولذلك سمي الإمام إماما لأنه يقصد ويتبع، وكذلك الطريق. وفي الشرع طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين تتوجه عند الاضطرار وسبب مشروعيته إقامة رسول الله ﷺ بالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء لالتماس عقد عائشة ﵂ والحديث (^٣) مشهور وأنه كان في غزوة المريسيع (^٤)، قيل وحكمة
_________________
(١) الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٦٩.
(٢) متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني: ص: ٢٢، ط: ٢٠٠١ دار الفكر.
(٣) أخرجه البخاري كتاب التيمم (١) - باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا الحديث: ٣٢٩ وأخرجه مسلم في صحيحه (٣) - كتاب الحيض (٢٨) - باب التيمم حديث: ١٠٨ - (٣٦٧).
(٤) هي غزوة بني المصطلق قال ابن إسحاق: ثم غزى ﷺ بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ستة فهزم الله بني المصطلق السيرة النبوية لأبي محمد عبد الملك بن هشام المعارفي تخريج وتحقيق وليد بن محمد وخالد بن محمد: ج ٣، ص: ١٨٣، ط ٢٠٠١، مكتبة الصفا.
[ ١ / ١٨٣ ]
مشروعيته عند العجز على وجود الماء لئلا تطول مدة ترك العبادة فتكل النفس عنها فيؤدي ذلك إلى تركها أو فعلها بمشقة وصعوبة وقد كفاهما الشرع بقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. انتهى.
قال ابن ناجي: من خصائص هذه الأمة ثلاثة أشياء:
الأول: التيمم.
الثاني: كون الأصل في الأرض الطهارة حتى تظهر النجاسة، دليله قوله ﷺ: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلها» (^١).
الثالث: الوضوء، نقله الفاكهاني عند قول الشيخ أبي محمد: باب ما يجب منه الوضوء (^٢).
قوله: (يتيمم ذو مرض وسفر أبيح، لفرض ونفل) أي يتيمم ذو مرض مانع القدرة على مس الماء وذو سفر أبيح وأحرى إن كان مستحبا وأحرى منه إن كان واجبا وظاهر قوله: سفر ولو كان دون القصر وهو كذلك لا سفر ممنوع ولو منع الكراهة والعاصي لا يباح له التيمم، لأن ما كان معصية لا يكون سببا في الترخص فيجب عليه الرجوع لما عليه فإذا عزم على التوبة جاز له ذلك. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^٣).
فيتيمم من جاز له التيمم لفرض وكل ما يفتقر لطهارة أو كان نفلا من صلاة.
قوله: (وحاضر صح) أي وكذلك يجوز التيمم لحاضر صحيح (لجنازة إن تعينت) عليه بعدم مصل غيره.
وقال الشيخ في توضيحه ولم يفرق في المدونة بين ما إذا تعينت عليه وما إذا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه -٧ كتاب التيمم الحديث: ٣٢٨ عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمسا …) وأخرجه مسلم -٥ كتاب المساجد ومواضع الصلاة الحديث: ٥٢١ عن جار.
(٢) متن الرسالة لابن أبي زيد: ص: ١١، باب: ٢
(٣) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام. تأليف: محمد بن فرحون اليعمري المالكي: ج ٢، ص: ١٥٠، ط: ١/ ٢٠٠ خرج أحاديثه وعلق عليه الشيخ جمال مرعشيي دار الكبت العلمية.
[ ١ / ١٨٤ ]
لم تتعين لأن فرض الكفاية يتعين ما لم يقم به غيره (^١).
قوله: (وفرض غير جمعة) أي وكذلك يتيمم الحاضر الصحيح لفرض غير فرض الجمعة آخر وقت المختار فإن وجد الماء فلا يعيد ما صلى بذلك التيمم خلافا لابن عبد الحكم (^٢) أنه يعيد أبدا، وإليه رجع مالك.
وقيل: لا يتيمم، ويطلب الماء وإن فات الوقت، وأما فرض جمعة فلا يتيمم له، وإن خاف ذو مرض فواته، لأن الظهر هو الأصل فإن فاته فرض الجمعة مع الإمام لم يفته وقت الظهر.
قال ابن القصار: إذا خشي فوات صلاة الجمعة تيمم (^٣).
قوله: (ولا يعيد، لا سنة) أي لا يتيمم الحاضر الصحيح لسنة وإن وترا وقيل يتيمم له وهو قول سحنون، ولا يتيمم لتلاوة ولا لمس مصحف ولا لدخول مسجد.
قوله: (إن عدموا ماء كافيا) أي وإنما يصح التيمم لمن ذكر إن عدموا ماء كافيا لجميع واجب الطهارة المائية دون سننها (أو خافوا باستعماله مرضا) وإن بظن (أو زيادته، أو تأخر برء) وخوف الموت أحرى وأما إن كان يتألم في الحال ولا يخاف عاقبته لزمه استعمال الماء، وقول الشيخ: وتأخر برء، داخل في الزيادة وهو مستغنى عن ذكره.
قوله: (أو عطش محترم معه) أي وكذلك يجوز التيمم لواجد الماء القادر على استعماله إن خاف عطش ذي نفس محترمة كائن معه في الحال والمال وإن لغيره، وأما غير المحترم كالكلب والخنزير فإنه يتطهر بمائه ويتركه للهلاك.
فرع في العتبية: قال سحنون في مسافرين تيمموا ثم وجدوا من الماء ما فيه كفاية لأحدهم فابتدر إليه أحدهم فتوضأ به، فلا ينتقض تيمم الآخرين إذا لم يملكوه.
_________________
(١) ورد في التوضيح ما نصه: وفي هذه التفرقة نظر لأنه؛ إذا كان مذهب أهل السنة في فرض الكفاية خطاب الجميع حتى تفعله طائفة منهم، فلا فرق بين تعيينه وعدم تعيينه. التوضيح: ج ١، ص: ١٨٤.
(٢) هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. الفقيه الحافظ. ولد بمصر سنة ١٥٥ هـ وسمع الليث وابن عيينة وأفضت إليه الرئاسة بمصر بعد أشهب. روى عن مالك الموطأ وكان. روى عنه جماعة كابن حبيب وابن المواز وغيرهما. من مؤلفاته: المختصر الكبير والأوسط والصغير وكتاب المناسك وغير ذلك. مات في رمضان سنة: ٢١٤ هـ. وشجرة النور الزكية: ص: ٨٩، الترجمة: ٧٢.
(٣) التوضيح: ج ١، ص: ١٨٢. بتصرف
[ ١ / ١٨٥ ]
وهو كالصيد، ولو أعطوه لأحدهم باختيار منهم انتقض تيممهم (^١).
قال ابن القاسم: إن وجدا ماء لوضوء أحدهما فقط وتشاحا فيه تقاوياه.
ابن رشد شرط وإن وجد ماء كافيا لبعض أعضائه المفروضة دون بعض، فإنه يجعل إناء تحت أعضائه فيغسل ما بقي من أعضائه بذلك المستعمل لأنه إنما كره لا حرم فلا ينتقل إلى التيمم.
قوله: (أو بطلبه تلف مال) أي وكذلك يجوز له التيمم إذا خاف بطلب الماء تلف مال له بال لنفسه أو لغيره فلا بأس بتعريس مسافر لا ماء معه دون الماء بثلاثة أميال خوفا على ماله.
قوله: (أو خروج وقت) أي وكذلك يتيمم إذا خاف بطلبه خروج وقت المختار والوقت في هذا الفصل كله وقت المختار.
قوله: (كعدم مناول أو آلة) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يتيمم إذا خاف خروج الوقت بطلب مناول له أي للماء لأجل مرض به أو غيره من الأعذار، أو عدم آلة يستخرج بها الماء من بئر ونحوه.
قوله: (وهل إن خاف فواته) أي وهل يجوز التيمم لمن كان معه الماء وخاف فوات الوقت (باستعماله)، أو يستعمله ولو خرج الوقت فيه (خلاف)، ومنشأه مراعاة فضيلة الوقت أو فضيلة الطهارة المائية على أن الثاني حكي عليه الاتفاق. وقال القاضي أبو محمد: يتيمم (^٢).
قال المصنف في التوضيح: لم أقف على من شهر الاستعمال. انتهى (^٣).
ومن تعمد إراقة ماء كان عنده ليتيمم أثم ويتيمم وأفتى اللخمي بتيمم من إذا توضأ أحدث في صلاته وإذا تيمم لم يحدث.
وقوله: (وجاز جنازة، وسنة، ومس مصحف، وقراءة، وطواف وركعتاه، بتيمم فرض، أو نفل إن تأخرت لا فرض آخر وإن قصدا. وبطل الثاني ولو مشتركة) إلى آخره أي ومن تيمم لفريضة أو سنة أو نافلة أو شيء مما لا يجوز إلا بطهارة كجنازة وسنة ومس
_________________
(١) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ١، ص: ١٧٦.
(٢) هذا مضمون ما في التلقين للقاضي عبد الوهاب تحقيق: أبو أويس محمد وأبو الفضل بدر وبهامشه كتاب: تحصيل ثلج اليقين في حل مقدمات التلقين تأليف: أبي الفضل السجلماسي: ط ١: ٢٠٠٤ م، ص: ٢٩، منشورات محمد على بيضون دار الكتب العلمية.
(٣) التوضيح: ج ١، ص: ١٨٨ - ١٨٩. قال: ولا أعلم من شهره.
[ ١ / ١٨٦ ]
مصحف وقراءة فيه وطواف وركعتاه بفعل ما تيمم له فإنه يجوز أن يفعل مثل ذلك بذلك التيمم لا صلاة مكتوبة أو طوافا واجبا إذ لا بد له من تيمم يخص الفرض أو الواجب وإليه أشار بقوله: لا فرض آخر إذ لا يجوز تبعية أحدهما للآخر ولو قصدا معا بخلاف غيره إذ لا يتيمم إلا لضرورة ولا يتحقق عند فعله بالنسبة إلى الثاني لعدم العلم بالطارئ فإن وقع ونزل وصلى فرضين بتيمم واحد بطل الفرض الثاني كانتا حاضرتين أو فائتتين أو إحداهما حاضرة والأخرى فائتة ولو كانت الحاضرتان مشتركتين في الوقت خلافا لأصبغ يعيد الثانية في الوقت، وغير المشتركة أبدا.
قوله: (إن تأخرت) مفهومه بالنسبة إلى النفل مفهوم الموافقة أي وأحرى إن تقدمت على النفل وبالنسبة إلى الفرض مفهوم المخالفة فمن تيمم لمكتوبة فتنفل قبلها أو صلى ركعتي الفجر بتيمم الصبح أعاد التيمم للمكتوبة فإن لم يعد وصلاهما به أعاد أبدا. انتهى.
وكل ما يباح بالطهارة المائية يباح بالصعيد إلا ثلاثا المرأة إذا طهرت من الحيض أو النفاس فإنها تتيمم وتصلي ولكن لا توطأ، والمتيمم الماسح على الخف إذا وجد الماء فلابد من المسح، الثالث: ومن صلى صلاة بتيمم فلا يصلي به فرضا آخر.
قوله: (لا بتيمم لمستحب)، كما قال أبو محمد في رسالته: إذا تيمم الجنب لنوم فلا يتنفل به (^١).
اللام في لمستحب مقحمة أي لا يباح ما ذكر بتيمم مستحب، وأما التيمم للمستحب كالنفل ونحوه فيباح به وقد تقدم.
قول: (ولزم موالاته) أي ولزم موالاة التيمم وهو اتصال فعله في نفسه وما يفعل به معنى بنفسه إذا مسح على الوجه يمسح على اليدين إلا تفرقة يسيرة يعفى عنه، وقد صرح أبو عبد الله بن الحاج في المدخل بأن شرط تيمم الفريضة أن يتصل بها وهو أبين على المشهور، ولذلك كان شيخنا أبو عبد الله القوري فيما بلغني عنه يقول: إذا كان المريض يقدر على المشي للمسجد ولا يقدر على مس الماء فإنه يحمل معه التراب أو الحجر إلى المسجد فإذا أقيمت الصلاة تيمم وأحرم. انتهى من تكميل التقييد وتحليل التعقيد (^٢).
_________________
(١) هذا مضمون ما في تهذيب البراذعي تحقيق: أبو الحسن أحمد فريد المزيدي: ج ١، ص: ٨٠.
(٢) تكميل التقييد نسخة القرويين لوحة: ٣١٣٥.
[ ١ / ١٨٧ ]
قوله: (وقبول هبة ماء لا ثمن أو قرضه) أي ولزم من ليس معه ماء قبول هبة ماء وهب له وهو يكفيه لطهارته إذ لا ضرر عليه في قبوله لخفة المنة وأما قبول هبة ثمن الماء فلا يلزمه لجريان العرف بمنته. انتهى.
قال القرافي في أنوار البروق في أنواء الفروق ولزمه قبول هبة ماء بناء على أنه يعد مالكا ومن ملك أن يملك هل يعد مالكا؟ أم لا، وكذلك لا يلزمه قبول قرض ثمن الماء (^١).
قوله: (وأخذه بثمن اعتيد لم يحتج له وإن بذمته) أي ولزم من ليس معه ماء لطهارته أخذه بثمن أعتيد فيه لا بأكثر وإن لم يحتج لذلك الثمن لأجل سفره فيشتريه وإن بذمته إذ لا ذمنة في شراء الماء بالدين بخلاف دين قرض ثمنه.
قوله: (وطلبه لكل صلاة وإن توهمه - لا تحقق عدمه) أي ولزم طلب الماء لكل صلاة ما لم يخف على نفس أو مال وأما إن تحقق وجوده أو ظنه أو توهمه إذ بذلك يتحقق عدمه وأما إن تحقق عدمه فلا يلزمه لأن من طلب ما يتحقق عدمه كالعابث.
قال ابن عرفة: قال الباجي عن المذهب وابن مسلمة جواز السفر التجر والرعي حيث يتيقن عدم الماء. انتهى (^٢).
قال ابن ناجي في شرحه على الرسالة عند قوله: ويكره النوم قبلها (^٣): ويقوم من كلام الشيخ أنه يكره للرجل الخروج قبل دخول الوقت من منزله إلى مكان يحدث فيه مثلا على أميال دون ماء إذا كان يشك هل فيه ماء أم لا، وانظر إذا كان يتحقق أنه ليس فيه ماء هل يجب حمل الماء معه أو يستحب فقط لأن الطهارة لا تجب إلا بعد دخول الوقت، وكذلك استعداد الماء لها وشاهدت في حال صغرى فتوى شيخنا أبو محمد عبد الله الشبيبي (^٤) بالأمر بذلك ولا أدري هل ذلك منه على طريق الوجوب أو على طريق الندب ونفسي أميل إلى الوجوب. انتهى (^٥).
_________________
(١) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي: ج ٣، ص: ٣٩ الفرق الحادي والعشون والمائة. بتصرف.
(٢) مواهب الجليل للحطاب: ج ١، ص: ٣٥١.
(٣) متن الرسالة: ص: ٢٢٥.
(٤) أبو محمد عبد الله بن محمد بن يونس البلوي الشبيبي، أخذ عن على أبي الحسن العلواني وغيره وأخذ عنه البرزلي وابن ناجي والزعبي وغيرهم. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣٢٤، الترجمة: ٨٣٥.
(٥) شرح الرسالة لابن ناجي: ج ١، ص: ١٤٧.
[ ١ / ١٨٨ ]
قوله: (طلبا لا يشق به) أي إنما يلزمه من طلب الماء لكل صلاة طلبا لا يشق به فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص، ليس القوي كالضعيف، وليس الشاب كالشيخ وليس الرجل كالمرأة، وليس من كان نازلا في المنهل كمن هو على ظهر يخاف مفارقة أصحابه.
قال الإمام مالك ﵀ ومن الناس من يشق عليه نصف الميل (^١).
قوله: (كرفقة قليلة أو حوله من كثيرة إن جهل بخلهم به) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لزمه طلب الماء في رفقة إن كانت قليلة كخمسة أو ممن حوله من رفقة كثيرة إنما يلزمه الطلب منهم وإن جهل بخلهم بالماء، فإن تحقق إعطاءهم للماء أو ظنه أو شك فيه أو توهمه فإن تيمم بغير طلب وصلى بطلت صلاته لعدم تحقق عدم الماء وهو قول مالك في العتبية. انتهى.
قال ابن عبد الكريم: وليس توهم عدم بخلهم كتوهم وجوده لقوة الملك وكثرة المنع. انتهى.
قوله: (ونية استباحة الصلاة) أي ويلزم عدم التلبس بالتيمم أن ينوي به استباحة الصلاة، لأن التيمم معنى يستباح به الصلاة لأنه لا يرفع الحدث واختلف هل يجزيه إذا نوى فرضيته أم لا.
قوله: (ونية أكبر إن كان) أي ولزم من عليه الحدث الأكبر أن ينويه لأن نية الأصغر لا تجزئ عن نية الأكبر لأن البدل لابد أن ينوي به المبدل وأيضا فكما لا يجزئ الوضوء عن الغسل فكذلك بدله لا يجزئ عن بدله.
قوله: (ولو تكررت) أي ولزمه أن ينوي بتيممه الأكبر إن كان ولو تكررت الصلاة.
قال بعض الشراح: ولو تكررت النية، وقال بعضهم: ولو تكررت الطهارة الترابية.
قوله: (ولا يرفع الحدث) معناه إذ لا يرفع الحدث به.
قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: لكنا نقول التيمم يرفع الحدث ارتفاعا مغيا بأحد ثلاثة أشياء: إما طريان حدث من الأحداث أو يفرغ من الصلاة الواحدة وتوابعها من النوافل أو يجد من الماء فيصير محدثا عند وجود
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ١/ ٣٦٨، ص وهو بهامش الحطاب، ط: ٢٠٠٢ م، دار الفكر.
[ ١ / ١٨٩ ]
الماء (^١).
قوله: (وتعميم وجهه وكفيه لكوعيه) أي ويلزم في التيمم تعميم وجهه بالمسح بيديه وتعميم كفيه إلى كوعيه أخذا بأوائل الأسماء وقيل إلى المنكب أخذا بأواخرها، وقيل إلى المرفقين قياسا على الوضوء. انتهى.
الكوع ما يلي الإبهام من رأس الذراع وما يلي الخنصر فهو كرسوع، وليس عليه تتبع غضون جبهته، ويمسح الوترة وهي ما بين المنخرين ولا يخلل أصابع يديه عند مسحهما ولا يشترط تفريج أصابع يديه عند ضربه الأرض بهما وينفض يديه نفضا خفيفا لئلا يتعلق بهما ما يلوث الوجه أو من دقيق الحجر ما يؤذيه.
قوله: (ونزع خاتمه) أي ولزمه نزع خاتمه عند تيممه بخلاف الوضوء لأن الماء أرق الأشياء وإن لم ينزعه وصلى بتيممه أعاد أبدا.
قوله: (وصعيد طهر) أي ومن لوازم التيمم فعله بصعيد طاهر وإن لم ينزعه والصعيد هو الأرض لم تخرجه صنعة ولا نفاسة عن معناه (كتراب وهو الأفضل) من جميع أنواعه ولو نقل عن مكانه خلافا لابن بشير إذا نقل قال بعضهم: الخلاف في التراب المنقول إذا جعل في وعاء وأما لو جعل على وجه الأرض فاسم الصعيد باق عليه. انتهى (^٢).
وقوله: (ولو نقل) يحتمل أن يكون تأكيدا للتراب ويحتمل أن يكون تأكيدا للأفضلية أي والتراب أفضل ولو نقل.
قوله: (وثلج وخضخاض) أي ويتيمم على ثلج أو ماء جامد أو خضخاض وهو الطين الجاري إذا لم يجد غيره.
وقوله: (وفيها جفف يديه) أي وفي المدونة في صفة وضع يديه على الخضخاض خفف يديه روي بجيم وخاء ومعنى جفف يديه أي يحرك بعضهما ببعض لسرعة الجفاف ومعنى خفف بالخاء أي خفف وضع يديه على ذلك الخضخاض فجائز الجمع بينهما.
_________________
(١) أنوار ابروق في أنواع الفروق للقرافي الفرق الثاني والثماثون بين قاعدة إزالة الوضوء للجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة، وبين قاعدة إزالة الحدث عن الرجل خاصة بالنسبة إلى الخف: ج ٢، ص: ١٢٤.
(٢) هذا مضمون ما في التنبيه لابن بشير: ج ١، ص: ٣٤٩.
[ ١ / ١٩٠ ]
قال ابن حبيب: إن تيمم على الثلج وصلى، فإن وجد الصعيد في الوقت أعاد ولا يعيد بعده (^١).
فرع: ولو مسح المتيمم يديه على شيء قبل مسح وجهه أو يديه فللمتأخرين فيه قولان: الجواز وعدمه بخلاف النفض الخفيف فإنه مشروع، ونفض اليدين مما يتعلق بهما من كتراب خوف الضرر خفيف.
قوله: (وجص لم يطبخ) أي ويجوز التيمم على جص لم يطبخ بعد وأما المطبوخ فلا، لأن الطبخ يخرجه عن ماهية الصعيد.
قوله: (وبمعدن غير نقد وجوهر) أي ويجوز التيمم على كل معدن لم ينقل عن محله إلا معدن ذهب أو فضة وهما المراد بالنقد وكذلك لا يجوز التيمم على كل جوهر نفيس، وكذلك كل ما لا يقع به التواضع لله كالزبرجد إلا أن يضيق الوقت عليه وهو في أحد تلك المواضع فإنه يتيمم عليها ويصلي لأن الصلاة خطرها عظيم وشأنها كبير.
قوله: (ومنقول كشب وملح) أي ولا يجوز التيمم على شب وشبهه إذا صار في الأيادي منقولا كنحاس ورصاص وحديد وكحل وكبريت وزرنيخ وكذلك لا يتيمم على الملح المنقول عن معدنه لأنه صار طعاما.
قال مالك: ولا يتيمم على الرخام لأنه كالزمرد (^٢).
قوله: (ولمريض حائط لبن) أي وجاز لمريض التيمم على حائط لبن (أو حجر) إن لم يجد الأرض لخفة الصنعة في الحائط.
قوله: (لا بحصير وخشب) أي: لا يجوز لمريض أن يتيمم على حصير أو خشب فإن فعل أعاد أبدا والصحيح أحرى، ولا يتيمم على نبات وإن عم وجه الأرض وتعذر قلعه ولا يجد غيره.
ابن خويز منداد (^٣): يجوز التيمم عندنا بالحشيش إذا كان عم وجه الأرض وقاله
_________________
(١) الواضحة لابن حبيب
(٢) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٣٧٨.
(٣) ابن خويز منداد: محمد بن أحمد، كنيته أبو عبد الله، تفقه على الأبهري وله كتاب كبير في الخلاف وكتاب في أحكام القرآن وغيرهما. الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب لابن فرحون: ج ٢، ص: ٢٢٩.
[ ١ / ١٩١ ]
الأبهري (^١) وابن القصار.
قال الوقار (^٢): ويجوز التيمم على الخشبة. قال المازري: وفيه نظر.
قال اللخمي: إن فقد سوى ما منع وضاق الوقت تيمم به. انتهى من التاج والإكليل (^٣).
قوله: (وفعله في الوقت) أي: ومن لوازم التيمم وقوع فعله في الوقت لا قبله وإن بضربة واحدة لأن من شرطه أن يتصل بالصلاة أو بالفعل المستباح به. انتهى.
قال البرزلي: وسئل السيوري عن من تيمم ودخل الفريضة ثم شك في الإحرام فقطع هل يعيد التيمم أم لا، فأجاب لا يلزمه إعادة التيمم. قلت: يريد إذا لم يطل، وأما إذا طال فإن تيممه يبطل على ما حكاه ابن الجلاب. انتهى (^٤).
قوله: (فالآيس أول المختار) أي والوقت الذي يتيمم فيه الآيس من وجود الماء وإدراكه أول الوقت المختار، إذ لا فائدة في تأخيره ولأجل أفضلية أول الوقت. انتهى.
قال ابن شاس: فإن أخر ما أمر بتقديمه فلا خفاء بسقوط الإعادة عنه إذا بالغ في الإستظهار وإن قدم أول الوقت ما أمر بتأخيره إلى آخره فقيل يعيد في الوقت خاصة وقيل في الوقت وبعده وسبب الخلاف هل التأخير من باب الأولى والأحسن أو من باب الأوجب؟ إذ به تتحقق الضرورة وهو محل الوجوب على هذا الرأي وقيل بالفرق بين العالم والظان فتجب الإعادة مطلقا في حق العالم وتتخصص بالوقت في حق الظان وأما إن قدم من أمرناه بالتوسط فلم يختلف هؤلاء في أنه لا يعيد بعد
_________________
(١) هو أبو بكر محمد بن عبد الله ابن صالح الأبهري من بني كعب وهو الصالحي سمع من ابن الجهم والبغوي وغيرهم وحدث عنه والدارقطني وأبو بكر الباقلاني وغيرهم. من مؤلفاته: شرح المختصر الكبير والصغير لابن عبد الحكم وكتاب الأصول وغيرهم. مات سنة: ٣٧٥ هـ أو ٣٩٥ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٣٦ - ١٣٧، الترجمة: ٢٤٢.
(٢) الوقار: قال أبو حارث هو أبو يحي زكريا بن يحيى بن إبراهيم من موالي قريش وقال غيره هو مولى بني عبد الدار، روى عن ابن وهب وأشهب وغيرهم. وعده الشيرازي في صغار الآخذين عن مالك، مات سنة ٢٥٤ هـ بمصر، وقيل: ٢٦٣ هـ. ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك تأليف: القاضي عياض بن موسى ضبطه وصححه محمد سالم هاشم: ج ١، ص: ٣٣٥ - ٣٣٦، ط ١: ١٩٩٨ دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
(٣) التاج والإكليل للمواق وهو بهامش الحطاب: ج ١، ص: ٣٨٠ - ٣٨١.
(٤) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٣١٥.
[ ١ / ١٩٢ ]
الوقت. انتهى (^١).
قال ابن المعلى السبتي: ولو قدم ذو التأخير، فقال ابن القاسم يعيد في الوقت، ابن حبيب: يعيد أبدا. وقيل إن لم يجد الماء في الوقت فكذلك.
قلت: رجح أشياخ المذهب قول ابن حبيب هذا، ولو قدم ذو التوسط لم يعد بعد الوقت باتفاق. انتهى.
قوله: (والمتردد في لحوقه أو وجوده وسطه والراجي آخره) أي ويتيمم المتردد في لحوق الماء أو وجوده وسط الوقت المختار لأنه ليس بآيس ولا راج، وكذلك المريض الذي لم يجد من يناوله الماء وكذلك الخائف من لصوص أو سبع، وكذلك المسجون، فالمتيممون وسط الوقت خمسة ذكر منهم الشيخ اثنين وسكت عن ثلاثة، ووسط الوقت في الظهر نصف القامة، وقيل: ثلثها لبطئ حركة الشمس قرب الزوال وسرعة حركتها بعد الميل، ورده ابن عرفة بأن المعتبر الظل لا نفس الحركة. انتهى.
وأما الراجي في لحوق الماء أو في وجوده فإنه يتيمم آخر الوقت المختار بحيث لو تيمم وصلى صلاة كاملة وسلم منها خرج الوقت.
قوله: (وفيها تأخيره المغرب للشفق) أي وفي المدونة أتى به استشكالا أي وفي المدونة تأخير المغرب فلا يتيمم له إلى وقت الشفق بناء على القول بأن للمغرب وقتا ممتدا إلى الشفق وأما على القول بأن ليس للمغرب إلا وقت واحد فإنه يتيمم.
فرع: قال ابن فرحون في تبصرته: إذا وجب على أهل القافلة طلب الماء فأرسلوا واحدا منهم إلى صوب الطلب، فرجع وقال: لم أجد شيئا، قبل خبره وجاز لهم التيمم. انتهى (^٢).
قوله: (وسن ترتيبه وإلى المرفقين، وتجديد ضربة ليديه)، لما فرغ ﵀ من واجبات التيمم، شرع يذكر مسنوناته ومندوباته، وسنن التيمم ثلاث: ترتيبه بأن يمسح الوجه ابتداء ثم اليدين.
الثانية: إصال مسح اليدين إلى المرفقين.
الثالثة: تجديد ضربة ثانية لليدين، فتنكيس التيمم كتنكيس الوضوء.
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٥٧.
(٢) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٤٨.
[ ١ / ١٩٣ ]
قوله: (وندب تسمية وبدء بظاهر يمناه بيسراه إلى المرفق ثم مسح الباطن لآخر الأصابع ثم يسراه كذلك) شروع منه ﵀ في ذكر مندوبات التيمم أي وندب للمتيمم أن يسمي الله ﵎ عند تيممه، وليس هذا بتكرار لما تقدم في قوله في فصل الوضوء: وتسميته لأنه إنما ذكر هناك حكمها في المشروعية، لأن الشرع جامع للواجب والجائز والمستحب والمكروه، وكذلك يندب له أن يبدأ بمسح ظاهر يمناه بباطن يسراه من أطراف أصابعها إلى المرفق ثم مسح الباطن من المرفق إلى آخر أصابعها كلها هذا رواية ابن القاسم، ثم يمسح يسراه بيمناه على الوصف المذكور في مسح يمناه وهذا الوصف خلاف وصفه في الرسالة لأنه لا يمسح باطن كفه اليمني إلا بعد مسح ظاهر اليسرى ثم يمسح كفيه بعضهما ببعض وهو رواية مطرف (^١) والوصف الأول أولى لأن التيامن مستحب. انتهى.
ولا بأس أن يتيمم على تراب تيمم عليه مرارا.
ابن رشد: لأن التراب لا يتعلق به من أعضاء التيمم ما يخرجه عن حكم التراب كما يتعلق بالماء بعض وسخ الأعضاء (^٢).
قوله: (وبطل بمبطل الوضوء وبوجود الماء قبل الصلاة لا فيها إلا ناسيه)، شروع منه ﵀ في مبطلات التيمم أي ويبطل التيمم بما يبطل به الوضوء من حدث أو سببه أو شك فيه، وكذلك يبطل بوجود الماء قبل الشروع في الصلاة إذا كان في سعة من الوقت، وأما إن وجد الماء بعد أن دخل الصلاة فلا يقطعها لأجل الماء إلا أن يذكره في رحله أو نحوه أو رحل من لا يمنعه فإنه يقطع الصلاة حينئذ، لأنه كان واجدا للماء وقادرا عليه إذ لا يعذر بالنسيان والجهل، بخلاف ما لو طلع عليه رجل بماء وهو في الصلاة، القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن للمكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل.
قوله: (ويعيد المقصر في الوقت وصحت إن لم يعد) أي ومن وجد الماء بعد أن صلى بتيمم جائز فلا إعادة عليه إلا أن يكون في تيممه ذلك ضرب من التقصير
_________________
(١) أبو مصعب مطرف بن عبد الله الهلالي المدني الثقة الفقيه روى عن جماعة منهم مالك وبه تفقه، وعنه أبو زرعة والبخاري، وخرج له في الصحيح. قال الإمام ابن حنبل: كانوا يقدمونه على أصحاب مالك، مات سنة: ٢٢٠ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٨٦، الترجمة: ٥٩.
(٢) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ١، ص: ١٩٤.
[ ١ / ١٩٤ ]
فيعيد في الوقت المختار وصحت صلاته إن لم يعدها.
قال شيخنا محمود ابن عمر حفظه الله وهذا والله أعلم مستغنى عنه لأنه لما قال: في الوقت، علمنا أن صلاته صحيحة.
قوله: (كواجده بقربه أو رحله) أي كما يعيد في الوقت من وجد الماء بقربه بحيث لو علم به لوجب عليه استعماله كما إذا نزل بصحراء ولا ماء معه فيتيمم وصلى ثم وجد الماء قريبا منه أو وجد الماء في رحله أو رحل من لا يمنعه منه فإنه يعيد في الوقت.
قوله: (لا إن ذهب رحله) أي لا إعادة على من ذهب رحله بمائه فطلبه ولم يجده فتيمم وصلى ثم وجده في الوقت.
قوله: (وخائف لص أو سبع ومريض عدم مناولا، وراج قدم ومتردد في لحوقه) أي وكذلك يعيد في الوقت من تيقن وجود الماء ومنعه منه خوف لص أو سبع أو سارق فتيمم وصلى ثم ذهب خوفه في الوقت، وكذلك مريض عدم مناولا فإنه يعيد في الوقت لتفريطه في الاستعداد.
قال بعضهم: وهذا إذا لم يكن ممن يتكرر الدخول عليه وإلا فليس بمفرط وكذلك راج وجود الماء فتيمم وصلى أول الوقت ثم وجد الماء الذي كان يرجوه في الوقت فإنه يعيد في الوقت، وكذلك المتردد في لحوق الماء إذا وجد الماء الذي تردد في لحوقه، فإنه يعيد في الوقت قدم التيمم عن الوقت المقدر له أو أخره عنه. ابن عرفة: يريد إذا عرف موضع الماء قدم أم لا، لأنه إذا قدم فقد خالف ما أمر به، وإن لم يقدم فقد بان خطؤه. انتهى (^١).
وهو بخلاف المتردد في وجوده إن تيمم وسط الوقت أو قبله أو بعده وصلى ثم وجده لضعف الشك في حقه بإسناده لأصل العدم.
قوله: (وناس ذكر بعدها) أي وكذلك يعيد في الوقت من كان عالما بماء يجب عليه استعماله فنسيه وتيمم وصلى ثم ذكره بعد أن صلى.
قوله: (كمقتصر على كوعيه، لا على ضربة) تشبيه أي كما يعيد في الوقت تيممه على مسح كوعيه فقط دون ذراعيه لأنه ترك سنة مؤكدة لكونها في محل الفرض للوضوء وأما من اقتصر في تيممه على ضربة واحدة لوجهه ويديه فلا يعيد في
_________________
(١) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ٢٢.
[ ١ / ١٩٥ ]
الوقت لضعف سببيتهما.
قوله: (وكمتيمم على مصاب بول وأول بالمشكوك وبالمحقق، واقتصر على الوقت للقائل بطهارة الأرض بالجفاف) أي كما يعيد في الوقت من تيمم على موضع أصابه بول أو غيره من النجاسة بعد أن جفت الأرض.
قال ابن القاسم في المدونة: من تيمم على موضع النجاسة من الأرض موضع قد أصابه البول أو القذر فإنه يعيد ما دام في الوقت (^١) وأوله بعضهم على المشكوك فإن لم تظهر النجاسة فيه ظهورا يحكم له بها وأما إن تحقق النجاسة فإنه يعيد أبدا وأوله بعضهم على ظاهره فيعيد في الوقت ولو كانت النجاسة محققة فيه واقتصر الإمام مالك ﵀ على الإعادة في الوقت، لأجل قول القائل بطهارة الأرض بالجفاف في الصلاة فيه مراعاة للخلاف، وهل يعتبر كل خلاف؟ أو إنما يعتبر القوي دون الضعيف قولان.
فإن روعي القوي واختلف ما هو قيل ما قوي دليله وقيل ما كثر قائله قولان.
قوله: (ومنع مع عدم ماء تقبيل متوض، وجماع مفتسل إلا لطول) أي ومنع مع عدم ماء تقبيل متوضئ التقبيل ليس بشرط وكذلك اللمس للذة وكل منقض للوضوء إن لم يخف شدة حنقة بول أو غائط، إذ لا ينتقل من الطهارة المائية إلى الترابية، وكذلك يمنع جماع مغتسل، أو إخراج مني إذ لا ينتقل من الحدث الأصغر إلى الأكبر، إلا لطول يؤدي إلى الضرر ويختلف باختلاف الأشخاص وكل واحد في ذلك بحسبه. انتهى.
قال ابن رشد: هذا المنع منع استحباب (^٢).
وقوله: تقبيل متوضئ مصدر مضاف إلى الفاعل أو إلى المفعول.
قوله: (وإن نسي إحدى الخمس) أي وإن نسي من طهارة التيمم إحدى الصلوات الخمس ولم يعرفها بعينها (تيمم خمسا) وصلى بكل تيمم صلاة يخصها به متصلا بها.
_________________
(١) المدونة الكبرى للإمام مالك ابن أنس الأصبحي، رواية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم، ومعها مقدمات ابن رشد: ج ١، ص: ٤٨، ط: ٢٠٠٤، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان.
(٢) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٣٨٦.
[ ١ / ١٩٦ ]
قوله: (وقدم ذو ماء مات ومعه جنب) أي وقدم بالغسل ذو ماء كاف للغسل مات عن غسل الجنب معه لأن الماء ملكه، لا لكونه ميتا وصاحب الماء أحق به، وقيل لأنه آخر طهارة ولأنه غسل نجاسة وهي تقدم على الحدث.
قوله: (إلا لخوف عطش) أي وقدم ذو ماء مات إلا أن يكون هناك من يخاف العطش فإنه يقدم صونا للحياة.
قوله: (ككونه لهما) أي كما يقدم الحي الجنب بالغسل عن غسل الميت إذا كان الماء لهما لأن غسل الجنابة واجب إجماعا وغسل الميت مختلف فيه فلذلك قدم الحي الجنب.
وقوله: (وضمن قيمته) راجع إلى الفرعين أي ويضمن قيمة الماء لورثة الميت لمشقة قضاء المثل في تلك المواضع. انتهى.
وإذا كان الماء بين ذي الحدث الأصغر وذي الأكبر، فذو الحدث الأكبر أحق به من ذي الأصغر، وفي كون الجنب كالحائض، أو هي أولى منه به قولان.
قوله: (وتسقط صلاة وقضاؤها بعدم ماء وصعيد) أي ويسقط وجوب الصلاة وقضاؤها عند مالك ﵀ لأجل عدم ماء وصعيد، لأن الطهارة شرط في الوجوب عنده وقد يكون ذلك كالمربوط وخائف سبع طلع على شجرة، أو من كان تحت هدم.
قال ابن القاسم: يصليها كذلك ويقضيها، أشهب يصليها ولا يقضيها، أصبغ لا يصليها ولكن يقضيها (^١)، ومذهب ابن القاسم أحوط، وإذا وجد المربوط الأرض يومئ بوجهه ويديه إلى الأرض في تيممه.
فصل [في المسح على الجرح أو الجبيرة أو العصابة]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسح الجرح أو جبيرته أو عصابته ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب، ولو قدم المصنف هذا الفصل على فصل المسح على الخفين لكان أولى.
قوله: (إن خيف غسل جرح كالتيمم - مسح) أي خوفا يبيح ترك غسل جرحه كما
_________________
(١) هذا مضمون ما في التوضيح: ج ١، ص: ٢١٨.
[ ١ / ١٩٧ ]
تقدم في التيمم من خوف مرض أو زيادته أو تأخر برء مسح فرارا من الهلاك، وهو مطلوب شرعا لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] الآية.
قوله: (ثم جبيرته) أي فإن لم يقدر على مباشرة الجرح بالمسح مسح على جبيرته وهي الدواء الذي عليه، وسمى الجبيرة من الجبر تفاؤلا كما يسمى اللديغ سليما، فإن لم يقدر على مسح الجبيرة مسح عصابته، وإن كثرت العصائب وأمكن مسح أسفلها لم يجزه المسح على ما فوقه، وليس كخف فوق خف لأن شرط المسح على الجبيرة للضرورة بخلاف الخف.
قوله: (ثم عصابته، كفصد ومرارة وقرطاس صدغ) إلى قوله: (وعمامة) أي كما يمسح على عصابة فصد، الفصد قطع العرق وكذلك يمسح على مرارة تجعل على ظفر وجيع، ولكل حيوان مرارة إلا البعير والنعامة، المرارة بفتح الميم، وكذلك يمسح على قرطاس تجعل على صدغ لوجع الرأس، والقرطاس مثلثة القاف.
قوله: (وعمامة خيف بنزعها) أي وكذلك يجوز المسح على عمامة خيف بنزعها ضرر. قال القاموس: العمامة بكسر العين (^١)، وقال غيره: بالكسر والفتح.
وقوله: (وإن بغسل، أو بلا طهر، وانتشرت) راجع إلى الكل أي إن خيف غسل جرح مسح أو جبيرته أو عصابته، وإن كان في غسل جنابة أو شدها على الجرح بلا طهارة من حدث للضرر بتأخير شدها على الجرح إذا لم يكن عليه أن يتطهر في موضع، لم يخاطب به لطهارته. قاله اللخمي (^٢).
وكذلك يمسح عليها وإن انتشرت على محل الجرح انتشارا قريبا منه أو محتاجا إليه.
قوله: (إن صح جل جسده أو أقله ولم يضر غسله) أي إنما يمسح ذو الجرح إن صح جل جسده، والجل ما هو أكثر من النصف، أو كان الصحيح من جسده هو الأقل ولكن لم يضر غسله بالأكثر.
_________________
(١) القاموس المحيط. تأليف: إمام أهل اللغة مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي: ص: ١٠٢٩، باب الميم، فصل العين، ط: ١٩٩٩ م، دار الفكر.
(٢) تبصرة اللخمي: ج/ ١، ص: ٢٦.
[ ١ / ١٩٨ ]
قوله: (وإلا ففرضه التيمم) أي وإن أضر غسل الأقل بالجراح ففرضه حينئذ التيمم رفعا للضرر والمشقة المنفيين في الشريعة.
قوله: (كأن قل جدا، كيد) أي كما أن فرضه التيمم إذا قل الصحيح من جسده كد واحدة ونحوها.
ابن عرفة وفتوى ابن رشد يتيمم من خشي على نفسه من غسل رأسه (^١) دون مسحه بعيد والأظهر مسحه. انتهى.
قوله: (وإن غسل أجزأ) أي وإن غسل مطلوب بالمسح ما أمر بمسحه أجزاه ولكن عصى ربه وله نظائر قد تقدم ذكرها في فصل الوضوء.
قوله: (وإن تعذر مسها وهي بأعضاء تيممه تركها وتوضأ) أي وإن تعذر مس الجراح بمسح بماء أو تيمم والحال أنها في أعضاء تيممه الرأس والوجه واليدين تركها بلا غسل ولا مسح وغسل ما سواها في وضوئه، لأن الوضوء الناقص أولى من التيمم الناقص.
قوله: (وإلا فثالثها يتيمم إن كثر، ورابعها يجمعهما) أي وإن لم تكن في أعضاء تيممه بل في الرأس والرجلين ففيه أربعة أقوال أولها يتيمم ترجيحا للتيمم الكامل، الثاني يتوضأ ترجيحا للوضوء إذ هو الأصل، وثالث الأقوال يتيمم إن كثرت الجراح وإلا تطهر بالماء، ورابعها يجمع بين طهارة الماء والتيمم احتياطا وجبر نقص الكل منهما بكمال الآخر.
قوله: (وإن نزعها لدواء أو سقطت وإن بصلاة قطع وردها ومسح) أي وإن نزع ذو الجراح الجبيرة لكدواء بعد أن مسح عليها أو سقطت بنفسها وإن كان في صلاة قطع، ويردها ومسح في الحال لبطلان المسح الأول فإن أخر المسح فكترك الموالاة وكذلك يقطع كلما تطلب له الطهارة بنزعها أو سقوطها كمس المصحف وفي ميم المصحف ثلاثا.
قوله: (وإن صح غسل. ومسح متوضئ رأسه) أي الجرح ونحوه بعد ذلك وجب عليه فعل الأصل الذي هو الغسل الذي انتقل عنه إلى المسح والمتوضئ يمسح رأسه فإن ترك المبادرة بذلك فكترك الموالاة. انتهى.
ابن عرفة فلو نسي غسل ما كان من جنابة ففيها إن كان في مغسول الوضوء
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٣٩٠.
[ ١ / ١٩٩ ]
أجزأ وقضى ما صلى قبل غسله وإلا غسل وقضى كل ما صلى قبله … وقال: من نسي في غسل جنابته مسح رأسه لمشقة غسله فمسحه في وضوئه ففي إجزائه قولان ابن عبد السلام: يجزئه، وقال بعض شيوخنا لا يجزيه وصوب الثاني لأنه للغسل واجب لكل الرأس إجماعا وللوضوء قد لا يعم وإن عم فالعموم غير واجب إجماعا فصار كفضيلة عن واجب.
قلت: وبأن المسح في الغسل كالغسل والمسح لا يكفي عن الغسل. انتهى (^١).
فصل [في الحيض والنفاس والاستحاضة]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل الحيض والنفاس ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قال القرافي في ذخيرته: الحيض غسالة دم الجسد ينبعث من العروق إلى الفرج إذا كثر في الجسد فإذا حصل الحمل انغلق عليه الرحم فلا يخرج منه شيء في الغالب. انتهى (^٢).
قال صاحب إكمال الإكمال: سبب اجتماع الحيض الدم لأن الدم يهبط من أعماق البدن إلى رحم المرأة التي قدر الله ﷿ أن تحيض، ثم يندفع شيئا بعد شيء، ولذلك تختلف عادات النساء في الطهر والحيض على حسب ما أحكمته القدرة. وقال ابن العربي: إنما اختلفت عادات النساء من جهة الأزمنة والأمكنة، والأهوية ترخى الرحم الدم إرخاء مختلفا بحسب ذلك، فيقل مرة ويطول أخرى. انتهى (^٣).
والشيخ عرفه فقال: (الحيض دم) لما قال دم أخرج قيحا ونحوه أو دود.
وقوله: (كصفرة أوكدرة) تشبيه أي كما أن صفرة أو كدرة خرجت من فرجها حيض.
قوله: (خرج بنفسه) أي كما خرج الدم بنفسه، لا بسبب كدم الولادة ولا دم
_________________
(١) مختصر ابن عرفة: ص: ٢٦.
(٢) الذخيرة للقرافي بتصرف: ج ١، ص: ٣٧٢.
(٣) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢، ص: ١٢٦ - ١٢٧.
[ ١ / ٢٠٠ ]
الإستحاضة لأنه بسبب قطع عرق هناك يسمى العاذل بالعين المهملة والذال المعجمة، هو في أدنى الرحم، ولا بسبب دم الإفتضاض، ولا دم من تعالج نفسها لتحيض لتخرج من العدة والظاهر بأنها لا تحل بذلك.
قوله: (من قبل من تحمل عادة) أي الحيض دم ونحوه من صفرة أو كدرة خرج بنفسه من قبل امرأة تحمل مثلها عادة كبنت تسع سنين وهل أوله أو وسطه أو آخره فيه خلاف وأخرج بقوله: قبل الدبر وعبارته في قوله من قبل خير من عبارة ابن الحاجب إذ قال: من فرج من تحمل.
الفرج يطلق على القبل والدبر.
وأخرج بقوله: من تحمل عادة من لا تحمل عادة، كبنت سبع سنين، واليائسة كبنت خمسين سنة، لقول عمر (^١) والله: عجوز في الغابرين. وقول عائشة (^٢) لها: قل امرأة تجاوز خمسين فتحيض إلا أن تكون قرشية (^٣).
قال صاحب إكمال الإكمال: اليائسة ليس دمها دليل براءة رحمها، واختلف هل تترك الصلاة.
قلت: كان غير دليل لأنها لا تعتد به وإنما تعتد بالأشهر.
والقول أن دمها غير حيض لا تترك الصلاة هو المشهور والآخر لأشهب وعلى المشهور لا تغتسل لانقطاعه.
وقال ابن حبيب: تغتسل. والمعروف في سنها أنها خمسون سنة.
ابن شاس: سبعون (^٤).
_________________
(١) عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي أبو حفص أمير المؤمنين، أمه حمنة بنت هاشم المخزومية، ولد قبل البعثة بثلاثين سنة أسلم بمكة وهاجر إلى المدينة وشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ وهو ثاني الخلفاء الراشدين، انظر الإصابة في تمييز الصحابة: ج ٢، ص: ٥١٨، الترجمة: ٥٧٣٦.
(٢) عائشة بنت أبي بكر الصديق ولدت بعد البعثة بأربع سنين أو خمس وفي الصحيح أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت ست وقيل سبع ودخل بها وهي بنت تسع وكانت أفقه النساء، روت عن النبي ﷺ ومن الصحابة روت عن أبيها وعن عمر وغيرهما ماتت سنة: ٥٨ هـ وقيل: ٥٧ هـ. الإصابة في تمييز الصحابة، تأليف: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي: ط ١: ١٤١٢ هـ، ج ٨، ص: ١٦، الترجمة: ١١٤٥٧، تحقيق: علي محمد المجاوي، الناشر: دار الجيل بيروت.
(٣) التوضيح: ج ١، ص: ٢٣٨.
(٤) عقد الجواهر لابن شاس: ج ١، ص: ٧٠.
[ ١ / ٢٠١ ]
وفي المدونة: بنت سبعين آيس وغيرها يسأل النساء. انتهى (^١).
قوله: (وإن دفعة) أي فلا حد لأقل الحيض وإن كان دفعة واحدة أي قطرة واحدة، الدفعة بضم الدال اسم للمدفوع وبفتحها مرة كما قال في فصل القصر في السفر قصدت دفعة أي مرة.
قوله: (وأكثره لمبتدأة نصف شهر) لما بين أن لا حد لأقل الحيض بين أن أكثره له حد معلوم أي وأكثر مدة الحيض لمبتدئة وهي التي لم تر الحيض قبله وبها بدأ الشيخ نصف شهر كامل.
قوله: (كأقل الظهر) تشبيه أي كما أن أقل الطهر نصف شهر كامل في جميع النساء ولا حد لأكثره.
قوله: (ولمعتادة ثلاثة استظهارا على أكثر عادتها ما لم تجاوزه) أي وأكثر الحيض لمعتادة الدم عادتها مع ثلاثة أيام استظهارا وهو طلب البرهان على انقطاع الدم. قاله الشيخ في توضيحه (^٢).
وقال صاحب التقييد: الاستظهار طلب الظهور لما خفي من الأمور. انتهى.
فإن اختلفت عادتها تستظهر بثلاثة أيام على ما هو أكثر من عادتها ما لم تجاوز نصف شهر كامل ثم هي طاهر بعد أيام الاستظهار وإن استمر دمها، فإن انقطع عند خمسة عشر أو قبله فهو حيض وهو عادة انتقلت فتقضي ما صامت فيها وما صلت من الفوائت إذ لا يسقطهما الحيض عنها.
قال ابن رشد: قول ابن لبابة: تغتسل لأقل عادتها، والزائد استحاضة، خطأ صراح (^٣).
قال ابن عبد الكريم: قلت: ليس بخطأ صريح إن اختصت كل عادة بزمن تعرفه، كمن كانت عادتها أن تحيض في فصل خمسة وفي فصل تسعة عادة مطردة، فاستمر بها الدم بعد الخمسة في فصلها، وعلى المشهور تنتظر التسعة، فإن بلغتها ولم ينقطع الدم عنها استظهرت بثلاثة عليها فمعتادة أربعة عشر تستظهر بيوم ومعتادة خمسة عشر لا تستظهر.
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٢، ص ١٣٠.
(٢) التوضيح: ج ١، ص ٢٤٢.
(٣) هذا نص ما ذكره الحطاب في مواهبه: ج، ص: وفي التوضيح بتصرف: ج ١، ص: ٢٤٣.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وقوله: (ثم هي طاهر) ولم يقل طاهرة لعدم اللبس لأن الرجل لا يحيض.
وقال بعض أئمة اللغة: إن أردت الحالة المستمرة والصفة المعتادة.
قلت: حائض وطاهر.
وإن أردت الحالة الحاضرة.
قلت: حائضة وطاهرة وطالقة والحيضة المرة الواحدة ولو دفعة، وهي بفتح الحاء، ولكن اصطلاح المذهب على أنها المدة التي تعتد بها من زمان الحيض في العدة والإستبراء، والحيضة بكسر الحاء الاسم والخرقة التي تستثفر بها المرأة وكذلك المحيضة.
والحيض والطهر يسمى كل واحد منهما قرءا وقرءا بضم القاف وفتحها. انتهى من الذخيرة (^١).
قوله: (ولحامل بعد ثلاثة أشهر النصف ونحوه) أي وأكثر الحيض لحامل بعد مضي ثلاثة أشهر نصف شهر كامل ونحوه البساطي، النحو هنا ستة عشر يوما. وقال ابن عبد الكريم المغيلي: ونحو الشيء هنا ما زاد عليه زيادة لا تخرجه عنه في كنهه إجمالا.
وفي إكمال الإكمال: وقال بعضهم: النحو عشرون يوما لأنك إذا عطفت النحو على المفرد يكون مثله وإذا أضيف إلى العدد يكون أقله.
قوله: (وفي ستة فأكثر عشرون يوما) أي وأكثر الحيض لحامل بعد مضي ستة أشهر فأكثر عشرون يوما (ونحوها، وهل) حكم (ما قبل الثلاثة كما بعدها) إلى الستة بناء على أنها حامل (أو) هي (كالمعتادة (؟) بناء على أنها غير حامل إذ لا يثبت الحمل إلا بعد ثلاثة أشهر على ذلك القول (قولان) فإن قيل الحامل تحيض والحيض يدل على براءة الرحم قلنا دلالة ظنية لا قطعية فاكتفى بذلك رفقا بالنساء.
قوله: (وإن تقطع طهر لفقت أيام الدم فقط على تفصيلها) أي وإن تقطع طهر على حائض أو على نفساء لفقت أيام الدم بعضها ببعض إلى أن يحصل أكثر الحيض أو النفاس ولا يشترط استيعاب اليوم بالدم فإن رأت قطرة واحدة فإن ذلك اليوم يعد من أيام الدم لفقت على تفصيلها السابق من المبتدأة والمعتادة والحمل (ثم هي) بعد ذلك مستحاضة، وتغتسل كلما انقطع الدم، وتصوم وتصلي وتوطأ) لاحتمال ألا يعاودها
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ١، ص: ٣٧١.
[ ١ / ٢٠٣ ]
الدم فتطهر حقيقة لأن الأصل عدم عود الدم إليها.
قوله: (والمميز بعد طهر تم حيض) أي والدم المميز من دم الإستحاضة بعد طهر تام فهو حيض، مفهومه إن لم تميزه فليس بحيض والمفهوم صحيح، ومفهوم قوله بعد طهر تم أنه لو كان قبل طهر تام أنه ليس بحيض والمفهوم صحيح.
قوله: (ولا تستظهر) أي ولا تستظهر هذه المميزة (على) القول (الأصح) لأن الإستظهار لطلب تمييز الدم الزائد على العادة هل هو حيض أو استحاضة، وهذه قد تقررت الإستحاضة منها ومقابل الأصح تستظهر. انتهى.
فالنساء ستة مبتدئة هي التي لم تر الحيض قبله وبها بدء الشيخ حمد الله، والمعتادة وبها ثني، والحامل وبها ثلث، والمختلطة وبها ربع، والمستحاضة وبها خمس، السادسة النفساء. انتهى.
والمستحاضات في عهد رسول الله ﷺ خمس: حمنة بنت جحش (^١) وأم حبيبة (^٢) ويقال لها حبيبة بنت جحش زوج عبد الرحمن بن عوف (^٣) وفاطمة بنت أبي حبيش (^٤).
_________________
(١) حمنة بنت جحش الأسدية أخت أم المؤمنين زينب كانت زوج مصعب بن عمير فلما استشهد يوم أحد تزوجها طلحة شهدت أحدا وكانت تستحاض الإصابة في تمييز الصحابة: ج ٧، ص: ٥٨٦، الترجمة: ١١٠٥٤.
(٢) حبيبة بنت جحش ذكرها بن سعد وقال هي أم حبيب وهي شقيقة زينب وهي المستحاضة قال بعض المحدثين يقلب اسمها فيقول أم حبيبة وعن عائشة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت سبق سنين وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف. قال الواقدي: وذكرها ابن عبد البر وقال قاله قوم وأن كنيتها أم حبيب يعني بلا هاء قال: والأشهر أنها أم حبيبة. الإصابة: ج ٧، ص: ٥٧٤، الترجمة: ١١٠٢٠.
(٣) عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري أبو محمد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذي أخبر عمر عن رسول الله ﷺ أنه توفي وهو عنهم راض وأسند رفقته أمرهم إليه حتى بايع عثمان ثبت ذلك في الصحيح واسم أمه صفية ويقال الصفاء حكاه بن منده ويقال الشفاء وهي زهرية أيضا. روى عن النبي ﷺ وعن عمر روى عنه أولاده إبراهيم وحميد وعمر ومصعب وأبو سلمة وابن ابنه المسور بن إبراهيم وابن أخته المسور بن مخرمة وابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم وجابر وأنس ومالك بن أوس بن الحدثان وعبد الله بن عامر بن ربيعة وبجالة بن عبدة وآخرون مات سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة اثنتين وهو الأشهر وعاش اثنتين وسبعين سنة وقيل ثمانيا وسبعين والأول أثبت ودفن بالبقيع. الإصابة، ج ٤، ص: ٣٤٦. الترجمة: ٥١٨٣.
(٤) فاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدية ثبت ذكرها في
[ ١ / ٢٠٤ ]
وسهلة بنت سهيل (^١) وسودة بنت زمعة (^٢) زوج رسول الله ﷺ وأما زينب (^٣) زوج رسول الله ﷺ فلم تستحض قط. انتهى من غريب الموطأ (^٤).
قوله: (والطهر بجفوف، أو قصة وهي أبلغ لمعتادتها فتنتظرها لآخر المختان) أي والطهر من الحيض والنفاس له علامتان يعرف بأحدهما جفوف وهو أن تدخل الخرقة في فرجها فتخرجها جافة وهو أبلغ عند ابن عبد الحكم (^٥) العلامة الثانية هي القصة البيضاء وهي أبلغ عند ابن القاسم لمعتادتها وهو ظاهر الرسالة وقيل هما سيان وعلى قول ابن القاسم فإذا رأت الجفوف أول الوقت انتظرت القصة إلى آخر الوقت المختار مقدار ما تظهر فيه وتصلي فيخرج الوقت المختار.
قوله: (وفي المبتدأة تردد) أي وفي انتظار المبتدئة القصة إذا رأت الجفوف قبلها تردد في فهم النقل نقل بعضهم عن ابن القاسم: لا تطهر إلا بالجفوف ظاهره ولو رأت القصة ولهذا قال الباجي: نزع ابن القاسم إلى قول ابن عبد الحكم (^٦).
_________________
(١) = الصحيح من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفدع الصلاة، قال: لا إنما ذلك عرق وليست الحيضة الحديث. الإصابة في تمييز الصحابة، تأليف: شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن على بن حجر العسقلاني ت: ٨٥٢ هـ، وبهامشه الإستعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر القرطبي: ج ٤ وكتاب النساء حرف الفاء، الترجمة: ٨٣٥، ص: ٣٨١، دار إحياء التراث العربي بيروت.
(٢) سهلة بنت سهيل بن عمر القرشية العامرية، هاجرت مع زوجها أبي حذيفة إلى الحبشة أمها فاطمة بنت عبد العزى أسلمت قديما بمكة، وعن عائشة أن سهلة بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي ﷺ فأمرها أن تغتسل لكل صلاة الحديث. الإصابة في تمييز الصحابة: ج ٧، ص: ٧١٦، الترجمة: ١١٣٤٦.
(٣) سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد الشمس القرشية العامرية زوج رسول الله ﷺ، وأمها الشموس بنت قيس الأنصارية. روى عنها ابن عباس وغيره، قال ابن أبي خيثمة توفيت سودة بنت زمعة زمان عمر ابن الخطاب ويقال: ماتت سنة ٥٤ هـ ورجحه الواقدي. الإصابة: ج ٤، ص: ٣٣٨ - ٣٣٩، الترجمة: ٦٠٦.
(٤) زينب بنت جحش الأسدية أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ، وأمها أميمة عمة النبي ﷺ، روت عن النبي ﷺ وروى عنها ابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش وأم حبيبة وغيرهما. قال الواقدي: ماتت سنة ٢٠ هـ. الإصابة: ج ٤، ص: ٣١٣ - ٣١٤، الترجمة: ٤٧٠.
(٥) غريب الموطأ
(٦) المختصر الكبير تأليف: أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم القرشي المالكي. باب الحيض: ص: ٦٥ تحقيق د. أحمد بن عبد الكريم نجيب، الطبعة الأولى: ٢٠١١ م مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث.
(٧) جامع الأمهات لابن الحاجب: ص: ٧٧.
[ ١ / ٢٠٥ ]
قال عبد الوهاب: وافق ابن القاسم على أن المبتدئة إذا رأت الجفوف طهرت (^١)، ولم يقل إذا رأت القصة تنتظر الجفوف، وهكذا نقل عنه المازري، ثم رد ما قاله الباجي بأن خروج المعتادة عن عادتها ريبة بخلاف المبتدئة إذ لا عادة لها، فمتى رأت الجفوف كان علامة، والأصل عدم القصة في حقها فلا تؤخر لأمر مشكوك فيه.
قال في المقدمات: ونقل عبد الوهاب أصح وأبين (^٢) مما نقله غيره، والجفوف انقطاع رطوبات الحيض من الفرج. القصة ماء أبيض كالجير وري على أنه كالمني وروى ابن القاسم أنه كالبول.
قوله: (وليس عليها) أي وليس بواجب على حائض أو نفساء (نظر طهرها قبل) طلوع (الفجر) وغيره من الأوقات التي يشق عليها النظر فيها (بل) يجب عليها النظر (عند النوم، والصبح) لتعلم حكم صلاتي الليل والصبح فليس على من رأته غدوة ولم تدر إن كان قبل الفجر أو بعده قضاء صلاة الليل بل عليها إمساك بقية اليوم في الصوم الواجب وتقضيه ويستحب للحائض والنفساء أن تنظر الطهر في النهار أول الوقت ويجب عليها في آخر الوقت بحيث تدرك أداء الصلاة.
وفي إكمال الإكمال أيضا قال المازري عند قوله: (ناقصات عقل ودين) (^٣): نقص دينها بذلك صحيح إذا قلنا العبادات الدين، لأن من نقص عبادة نقص دينا. ولا يتعرض بالمسافر فيقال إنه يقصر ولا يقال إنه ناقص الدين، لأن تركهن الصلاة إنما هو تنزيه الله تعالى أن يعبدنه مستقذرات بخلاف المسافر، فجاء النص فيهن من هذا الوجه، وأيضا فالنقص للمسافر غير لازم لأن له أن لا يسافر فلا يسقط
_________________
(١) المعونة على مذهب عالم المدينة أبي عبد الله مالك بن أنس تصنيف: القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي البغدادي: ج ١، ص: ٧٦. تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي الطبعة الثانية: ٢٠٠٤ م دار الكتب العلمية تيروت - لبنان.
(٢) المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات تأليف: أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد ابن رشد القرطبي: ج ١، ص: ٤٨، ط ١: ٢٠٠٢ خرج أحاديثه: الشيخ زكريا عميرات، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٦) - كتاب الحيض الحديث: ٢٩٨ عن أبي سعيد الخدري، وأخرجه مسلم (١) - كتاب الإيمان (٣٤) - باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات الحديث: ١٣٢ - (٧٩)
[ ١ / ٢٠٦ ]
عنه شيء، وهو لهن لازم إذ ليس لهن أن لا يحضن.
وقد لا يحتاج إلى هذا لأن المسافر إنما يغير العدد وهن يتركن الصلاة جملة.
والحديث بين في أن الحائض لا تثاب على تركها الصلاة.
وقالوا في المسافر والمريض يتركان نوافل الصلاة لعذرهما أنهما يكتب لهما ثواب ما كانا يتنفلان به في الصحة والمرض، وفرق بأنهما كانت نيتهما الدوام لولا العذر، والحائض لم تكن نيتها الدوام، وإنما نظير الحائض من كان يتنفل مرة ويترك أخرى، فهذا لا يكتب له لأنه لم تكن نيته الدوام. انتهى (^١).
قوله: (ومنع صحة صلاة، وصوم، ووجوبهما، وطلاقا. وبدء عدة) شروع منه عمله في موانع الحيض والنفاس أي ومنع الحيض صحة صلاة فرضا أو نفلا وصحة صوم فرضا كان أو نفلا وكذلك يمنع وجوبهما عليها وإنما أمرت بقضاء الصوم أمر استيناف وكذلك يمنع الطلاق فإن وقع فيه مضى ولكن يجبر على الرجعة وسيأتي في موضعه إن شاء الله وكذلك يمنع الحيض بدء عدة الطلاق.
قوله: (ووطء فرج أو تحت إزار، ولو بعد نقاء وتيمم) أي ومن موانع الحيض والنفاس وطأ امرأته في فرج اتفاقا حتى تطهر بالماء إلا أن يطول ذلك طولا يشق عليه وهل ذلك تعبد أو معلل وكذلك يمنع له الوطء تحت إزار فيما دون الفرج على المشهور فإن فعل ما منع له من ذلك فعليه الإستغفار لا غير وقوله: ولو بعد نقاء وتيمم راجع إليهما.
قال في إكمال الإكمال عياض: هو المشهور لأن الله تعالى ذكر غاية وشرطا ولا بد منهما وأجازه الكوفيون وبعض أصحابنا البغداديين قالوا: والمنع حتى تغتسل استحبابا وتأوله على قول مالك.
وقال ابن نافع: إن احتاج إليها جاز لقوله تعالى: ﴿حتى يطهرن﴾ [البقرة: من الآية ٢٢٢] يعني الغاية.
الأوزاعي (^٢): إن غسلت فرجها جاز وحمل الطهر على اللغوي وقال آخرون إذا
_________________
(١) إكمال الإكمال للآبي: ج ١، ص: ٣٠٧.
(٢) هو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي إمام أهل الشام في وقته نزل بيروت، قال ابن سعد كان ثقة مأمونا فاضلا صدوقا كثير الحديث والفقه روى عن عطاء وابن سيرين وغيرهم، قال ابن سعد كان ثقة مأمونا صدوقا كثير الحديث، روى عنه أبو حنيفة وقتادة والزهري وغيرهم، ولد سنة: ٨٨ هـ ومات سنة: ١٥٧ هـ، انظر ترجمته في طبقات الحفاظ للسيوطي: ص: ٧٩، الترجمة: ١٦٨.
[ ١ / ٢٠٧ ]
توضأت جاز كما يؤمر الجنب بالوضوء قبل النوم.
قلت: ولابن بكير (^١) قول ثالث بالكراهة. انتهى (^٢).
قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: الأجنبية ممنوعة محرمة والعقد عليها رافع لهذا المنع ارتفاعا مغيا بغايات، أحدها الطلاق، وثانيها الحيض، وثالثها الصوم، ورابعها الإحرام، وخامسها الظهار، فقد وجدنا المنع يرتفع ارتفاعا مغيا بغايات. انتهى (^٣).
فائدة: قال صاحب إكمال الإكمال فيه ومباشرته ﷺ ليست حرصا على نيل شهوة النفس بل للتشريع، وفعله ذلك مع كلهن يفيد انتشاره، كما أن القصد بإكثار الزوجاة نشر الأحكام وحفظها لتخبر كل واحدة عن ما شاهدت فاعلمه (^٤).
قوله: (ورفع حدثها) أي وكذلك يمنع الحيض رفع حدثها (ولو) كان الحدث (جنابة) وقيل إن اغتسلت للجنابة يرفع عنها حدثها لتقرأ القرآن لأن الحائض تقرأ والجنب لا يقرأ.
قوله: (ودخول مسجد) أي ومن موانع الحيض والنفاس دخول مسجد ولو مسجدا في بيتها وإن استقرت فبسبب ألا تدخل المسجد (فلا تعتكف ولا تطوف) لأن الاعتكاف والطواف لا يكونان إلا في المسجد ولا يمنع السعي بين الصفا والمروة ولا الوقوف بعرفة ولا ذكر الله كالتسبيح والاستغفار.
قوله: (ومس مصحف) أي ويمنع الحيض والنفاس مس مصحف وميم المصحف يجوز فيه الحركات الثلاث الضم والفتح والكسر.
قوله: (لا قراءة) أي ولا يمنع الحيض والنفاس قراءة القرآن ولو من المصحف
_________________
(١) محمد بن احمد وقيل: أحمد بن محمد بن عبد الله بن بكير البغدادي التميمي كنيته أبو بكر روى عن القاضي إسماعيل وبه تفقه، وروى عنه ابن الجهم والقشيري وأبو الفرج، وكان فقيها ولي القضاء وله مؤلفات منها كتاب في أحكام القرآن وكتاب في الرضاع وكتاب في مسائل الخلاف، مات سنة: ٣٠٥ هـ. التعريف بالرجال المذكور في جامع الأمهات ص: ٢٤٧، الترجمة: ٩٨.
(٢) إكمال الإكمال للآبي: ج ٢/ ص: ١٢٨.
(٣) أنوار البروق في أنواع الفروق الفرق الثاني والثمانون الفرق بين قاعدة إزالة الوضوء للجنابة وبين قاعدة إزالة الحدث عن الرجل خاصة إلى الخف. الفروق للإمام شهاب الدين أبي العباس الصنهاجي المشهور بالقرافي، وبهامشه أدرار الشروق لابن المشاط: ج ٢/ ص: ١٢٤، ط: ٢٠٠٣، تحقيق د. عبد الحميد الهنداوي، المكتبة العصرية.
(٤) إكمال الإكمال للأبي: ج ٢/ ص: ١٢٨.
[ ١ / ٢٠٨ ]
إن لم تكن تمسه وإن بقضيب لطول أمرها خوف النسيان بخلاف الجنب لأنه يقدر على رفع الجنابة عن نفسه، وإنما تجوز قراءة القرآن للحائض ونحوها ما لم ينقطع عنها الدم وأما إن انقطع عنها فهي حينئذ كالجنب. انتهى.
وأنفرد ابن الحاجب بأن الحائض لا تقرأ ورد ما قال لطول أمرها.
قوله: (والنفاس دم خرج للولادة)، واختلف في النفاس هل هو اسم لتنفيس الرحم أو للدم فمن قال للدم فلا يجب الغسل إلا به ومن قال لتنفيس الرحم أوجب الغسل وإن لم يخرج الدم وعرفه الشيخ خليل فقال: والنفاس دم خرج للولادة ظاهره قبله أو معه أو بعده.
قال بعضهم: ما خرج قبله ليس بنفاس وإنما هو حيض والذي بعده نفاس.
قوله: (ولو بين توأمين، وأكثره ستون يوما) أي فكل دم خرج للولادة دم نفاس ولو خرج بين توأمين وعليه قال ابن القاسم: وإذا ولدت ولدا وبقي في بطنها آخر ولم تضعه إلا بعد شهرين والدم متماد بها فحالها كحال النفساء ولزوجها عليها الرجعة ما لم تضع آخر من في بطنها (^١).
وقوله: وحالها كحال النفساء في الجلوس عن الصلاة إذا تمادى بها الدم أقصى ما تجلس النفساء وهو أكثره وأكثره على قول مالك الأول ستون يوما وهو المشهور وهو المرجوع عنه.
قوله: (فإن تخللهما، فنفاسان وتقطعه ومنعه كالحيض) أي فإن تخلل أكثر النفاس بين التوأمين فإنها يحكم لها بحكم نفاسين وأما إن كان ما تخلل بينهما من تمادي الدم أقل من أكثر النفاس فهو نفاس واحد، ولا حد لأقل النفاس وتقطع النفاس ومنعه كتقطع الحيض في الحكم ومنعه كمنعه.
قوله: (ووجب وضوء بهاد والأظهر نفيه) أي ويجب الوضوء على الحامل بسبب خروج هاد وهو ماء أبيض يخرج من قبل الحامل قرب الوضع لقول ابن القاسم: هو كبولها، والأظهر عند ابن رشد نفي الوضوء لأنه ليس بخارج معتاد. قال شيحنا محمود بن عمر حفظه الله: وهو الظاهر هنا انتهى باب الطهارة.
* * *
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق وهو بهامش الحطاب: ج ١، ص: ٤٠٦.
[ ١ / ٢٠٩ ]