قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل اللعان وحكمه، اللعان مأخوذ من الطرد والبعد وهل يجب اللعان أم لا، نعم إن خاف اختلاط الأنساب وجب.
وقال المازري: شرع اللعان لحفظ الأنساب ودفع المعرة عن الزوج (^١).
قال الأبي في إكمال الإكمال: لما نزل قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ [النور: الآية ٤]، كان ما اقتضته من حد القذف عند عدم البينة عاما في الأزواج والأجانب.
ثم لما كان الزوج يلحقه العار، ويفسد نسبه بسبب زنا زوجته، ولا يمكنه الصبر، ووفق أمره على البينة متعذر، أنزل الله تعالى آية اللعان مخلصا للأزواج وبقي الحد على الأجانب فطلب فيها البيئة طلبا للستر، لأن الأجنبي لا يلحقه عار بسبب زنا زوجة غيره. ولا يفسد نسبه (^٢).
قوله: (إنما يلاعن زوج) إنما حرف حصر أي فلا يلاعن زوجته إلا الزوج، لا السيد في أمته فإنه ينفي الولد بلا لعان فيها، ويلاعن الزوج (وإن فسد نكاحه) لأن الولد يلحق في النكاح الفاسد كالصحيح.
قوله: (أو فسقا أورقا) أي ويتلاعن الزوجان وإن كانا فاسقين أو رقيقين لأن اللعان من باب الإيمان.
قوله: (لا كفرا) أي فلا يتلاعنان إن كانا كافرين معا إلا أن يترافعا إلينا فنحكم بينهم بحكم الإسلام وأما إن كان الزوج مسلما وهي كتابية فإنهما يتلاعنان.
قوله: (إن قذفها بزنا في نكاحه) أي يتلاعنان إن قذفها بزنى وهي في عصمته بقيت في عصمته أم لا، واحترز بقوله في نكاحه مما إذا رماها بزنى قبل نكاحه، وإليه أشار بقوله: (وإلا حد) لأنه قذفها وهي أجنبية.
قوله: (تيقنه أعمى ورآه غيره) أي إذا تيقن أعمى ما رماها به باخبار أو سماع أو
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٥٤.
(٢) إكمال الإكمال: ج ٥، ص: ٢٥٤.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
حس باليد ويراه غير الأعمى.
قوله: (وانتفى به) أي وينتفي باللعان (ما ولد لستة أشهر) فأكثر من رؤيته، أو تيقنه إن كان أعمى، وينبغي أن ينفى لستة أشهر بما هو نادر.
قوله: (وإلا لحق به، إلا أن يدعي الاستبراء) أي وإن ولدته لدون ستة أشهر من الرؤية فإنه يلحق به لأن لعانه إنما كان لرؤية الزنى لا لنفي الولد ثم نبه على أن ذلك مقيد بما إذا لم يدع استبراء وأما إن دعاه فإن الولد لا يلحق به ولو ولدته لأقل من ستة أشهر من يوم الرؤية. انتهى.
وينبغي ألا ينتفي بما هو نادر.
وفي أنوار البروق في أنواع الفروق في الفرق التاسع والثلاثين والمائتين الفرق بين قاعدة ما اعتبر من الغالب، وبين ما لغي من الغالب، وقد يعتبر النادر معه، وقد يلغيان معا.
أعلم أن الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر، وهو شأن الشريعة كما يقدم الغالب في طهارة المياه وعقود المسلمين، ويقصر في السفر ويفطر بناء على غالب الحال وهو المشقة ويمنع من شهادة الأعداء والخصوم؛ بناء على أن الغالب منهم الحيف، وهو كثير في الشريعة لا يحصى كثرة، وقد يلغي الشارع الغالب رحمة بالعباد.
غالب الولد أن يوضع لتسعة أشهر، فإذا جاء بعد خمس سنين من امرأة طلقها زوجها دار بين أن يكون من زنا وهو الغالب وبين أن يكون تأخر في بطن أمه وهو نادر بالنسبة إلى وقوع الزنا في الوجود ألغى الشارع الغالب، وأثبت حكم النادر، وهو تأخر الحمل رحمة بالعباد لحصول الستر عليهم، وصون أعراضهم من الهتك.
وكذلك إذا تزوجت فأتت بولد لستة أشهر جاز أن يكون من وطء قبل العقد، وهو الغالب أو من وطء بعده، وهو النادر فإن الغالب في الأجنة لا توضع إلا لتسعة أشهر، وإنما يوضع في الستة سقطا في الغالب، ألغى الشارع الغالب، وأثبت حكم النادر، وجعله من الوطء بعد العقد لطفا بالعباد لحصول الستر عليهم وصون العرض.
وأيضا ندب الشرع النكاح لحصول الذرية مع أن الغالب على الأولاد الجهل بالله والإقدام على المعاصي، ومقتضى هذا أن ينهى عن الذرية لغلبة الفساد عليهم، فألغاه الشارع حكم الغالب، واعتبر حكم النادر؛ ترجيحا لقليل الإيمان على
[ ٢ / ٣٩٥ ]
كثير الكفر والمعاصي؛ تعظيما لحسنات الخلق على سيئاتهم؛ رحمة بهم. انتهى (^١).
قوله: (وبنفي حمل وإن مات أو تعدد الوضع أو التوأم) أي وكذلك يتلاعنان بسبب نفي حمل وإن مات ذلك الحمل أو تعدد الوضع منها أو التوءم كما إذا كان غائبا عنها وولدت أولادا وادعت أنه يأتيها سرا فإنه يلاعن لعان واحدا في الكل.
قوله: (بلعان معجل) أي فإذا نفى الحمل فإنه يلاعن لعانا معجلا ولا يؤخر إلى وضع الحمل.
وقوله: بلعان معجل متعلق بقوله: أو بنفي حمل.
قوله: (كالزنا والولد) تشبيه في أنه يكفيه فيهما لعان واحد كما إذ ادعى رؤية الزنى ونفى الولد أي الحمل فإنه يلا عن لعانا واحدا فيها معجلا ولا يؤخر إلى وضع الحمل.
قوله: (إن لم يطأها بعد وضع) هذا شروع منه تحلله فيما يعتمد عليه الزوج في نفي الحمل هو أنه لم يطأها بعد وضع يريد وقد طال مابين الوضعين بحيث لا يكون من بقية الأول.
قوله: (أو لمدة لا يلحق الولد فيها لقلة، أو لكثرة أو استبراء بحيضة) أي ويعتمد في نفي حمل إذا كان وطؤه في مدة لا يلحق فيه الولد لقلة كخمسة أشهر أو كثرة كخمس سنين وكذلك يعتمد في نفيه برؤية الزنى على استبراء بحيضة ليس عندنا حرة تستبرأ بحيضة واحدة إلا هنا وفي الزنى والردة والعياذ بالله منهما.
قوله: (ولو تصادقا على نفيه، إلا أن تأتي به لدون ستة أشهر، أو وهو صبي حين الحمل أو مجبوب، أو ادعته مغربية على مشرقي) أي ويلا عن ولو تصادقا على نفي الولد لحق الولد إلا أن تأتي به لدون ستة أشهر فلا لعان حينئذ بل ينتفي بلا لعان لأن الشرع نفاه ولا يلاعن هنا غير الزوج وحده لأن الزوجة أقرت بالزنا، وكذلك ينتفي الولد بلا لعان إذا كان الزوج صبيا حين الحمل أو مجبوبا لأنهما لا يولدان فلا يفيد اللعان شيئا وكذلك ينتفي الولد بلا لعان إذا ادعت مغربية على زوجها مشرقي كما إذا عقد الأب نكاح أبنته البكر والزوج في مشرق وهي في المغرب وعلم بقاء كل من الزوجين حيث كان إلى ظهور الحمل فإن الولد ينتفي بلا لعان لبعد ما بينهما. انتهى.
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٤، ص: ١٠١، الفرق التاسع والثلاثون والمائتان
[ ٢ / ٣٩٦ ]
قوله: (وفي حده بمجرد القدف) أي وفي حد الزوج بمجرد القذف أي العاري عن التقييد برؤية الزنا وهو لابن القاسم (أو لعانه) فيه (خلاف).
قوله: (وإن لا عن لرؤية وادعى الوطء قبلها، وعدم الاستبراء، فلمالك في إلزامه به وعدمه ونفيه أقوال) أي ولمالك في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها إلزام الزوج بالولد ووجهه أنه لما سكت عن الولد ولا عن بالرؤية كأنه رضي به، ومقابله هو القول الثالث ووجهه أنه لما لاعن عن الرؤية كأنه نفى الولد وأما القول المتوسط لم يلزمه إياه ولم ينفه عنه بل إن استلحقه لحق وإن نفاه انتفى.
قال (ابن القاسم: ويلحق الحمل إن ظهر يومها) أي يوم الرؤية بحس أو بمعنى وذلك يتحقق أنه في بطنها يوم الرؤية وهو أن تضع لأقل من ستة أشهر. انتهى.
قوله: (ولا يعتمد فيه على عزل) هذا شروع منه كله فيما لا يعتمد عليه الملاعن أي ولا يعتمد الملاعن في نفي الولد على عزل المني عن الزوجة لأن الماء قد سبق وهو لا يشعر.
قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق والإنزال لما كان غير منضبط في الناس بسبب أن من الناس من لا ينزل إلا بالدفق والإحساس باللذة الكبرى، ومنهم من ينزل تقطيرا من غير اندفاق في أول الأمر ثم يندفق بعد ذلك كثيرا، ولذلك يحصل الولد مع العزل، والإنسان يعتقد أنه ما أنزل وهو قد أنزل على سبيل السيلان من غير دفق فيحصل الولد من ذلك وهو لا يشعر، ولما كان الإنزال مختلفا في الناس أقيمت مظنته مقامه وهو التقاء الختانين، فمن الناس من ينزل بمجرد الملاقاة، ومنهم من ينزل بالفكرة، ومنهم من ينزل بالنظر فقط، فالتقاء الختانين أقوى من ذلك فجعل مظنة. انتهى (^١).
قوله: (ولا مشابهة لغيره) أي وكذلك لا يعتمد على مشابهة الولد لغيره (وإن بسواد) من قوم بيض أو بيض من قوم سود لأن الشرع لم يعتبره، وفي الأثر: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ وقال: إن زوجتي ولدت ولدا أسود فقال له النبي ﷺ: «هل لك من إبل» قال: نعم. قال له: "ما لونها"؟ قال: هي حمراء. قال له النبي ﷺ: «هل فيها من أورق؟ قال: نعم قال: فمن أين ذلك الأورق قال: لعله عرق نزع فقال له
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٢، ص ١٦٧، الفرق الثامن والتسعون.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
النبي ﷺ: «لعل الولد نزعه عرق (^١).
قوله: (ولا وطء بين الفخذين إن أنزل، ولا بغير إنزال إن أنزل قبله ولم يبل) أي ولا يعتمد الملاعن في نفي الحمل على وطئ بين الفخذين إن أنزل لاحتمال أن يسبق الماء إلى الفرج واعترضه الباجي اعتراضا صحيحا بأن المني إذا باشره الهوى لا يكون منه الولد، وكذلك لا يعتمد في نفي الولد على وطء بغير إنزال إن أنزل قبل ذلك الوطء لاحتمال أن يبقى شيء من المني في قناة الذكر، وهذا إذا لم يبل بعد الإنزال وأما إن بال بعده فإنه يعتمد عليه.
قوله: (ولا عن في نفي الحمل مطلقا) أي ويلاعن في نفي الحمل مطلقا كانت في عصمة أم لا خرجت من العدة أم لا ما لم تجاوز أمد الحمل.
قوله: (وفي الرؤية) أي وكذلك يلاعن في الرؤية أي في ادعائه رؤية الزنى ما دامت (في العدة وإن) كانت العدة (من) طلاق (بائن).
قوله: (وحد بعدها) أي فإن قذفها بعد أن خرجت من العدة فإنه يحد حد القذف.
قوله: (كاستلحاق الولد) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يحد إذا استلحق الولد بعد أن نفاه بلعان (إلا أن تزني بعد اللعان) ثم استلحقه فإنه لا يحد لأنها غير عفيفة.
قوله: (وتسمية الزاني بها، وأعلم بحده) أي وكذلك يحد إذا سمى الزاني بها لأنه قذفه ولكن يعلم المسمى لحده لأنه حق له جعله حقا للمقذوف إذ قد يعفو عنه وقد يقر المقذوف فيسقط الحد عن القاذف.
قوله: (لا إن كرر قذفها به) أي لا يحد إن كرر قذفها بما رماها به بعد اللعان.
قوله: (وورث المستلحق الميت) أي ويرث الأب المستلحق الميت الذي نفاه أولا بلعان (إن كان له ولد حر مسلم، أو لم يكن) له ولد (وقل المال) لنفي تهمة المال ولكن قد يكون إرثه منه كيثر إن كثر المال، وينبغي أن تراعى التهمة.
قوله: (وإن وطئ أو أخر بعد علمه بوضع أو حمل بلا عذر) هذا مشتمل على أربع صور أي وإن وطء بعد علمه بوضع أو بعد علمه بمحل أو أخر رفع اللعان بعد
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٩) - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. (١٢) - باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين وقد بين النبي له حكمهما ليفهم السائل. الحديث: ٦٨٨٤. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٩) - كتاب اللعان، الحديث: ١٥٠٠
[ ٢ / ٣٩٨ ]
علمه بوضع أو علمه بحمل امتنع.
وهذه من المسائل التي يعد فيها السكوت رضى إذا كان سكوته بغير عذر وهو المراد بقوله: وبلا عذر.
قوله: (امتنع) جواب عن الصور الأربع أي امتنع اللعان.
قوله: (وشهد بالله أربعا لرأيتها تزني، أو ما هذا الحمل مني) إلى آخره أي وحلف بالله لرأيتها تزني إن ادعى الرؤية أو حلف بالله ما هذا الحمل مني إن ادعى نفي الحمل فبدء بالرجل.
وفي إكمال الإكمال: قال عياض: لأنه الذي بدأ الله به ﷾، وهي سنة الحكم، ولأنه القاذف وقد لزمه الحد على دعواه، فأيمانه كالشهادة على دعواه، فتسقط عنه الحد، وتوجبه على المرأة، إلا أن الله سبحانه جعل لها مخرجا فأيمانها في مقابلة أيمانه، كتعارض البينتين فسقط عنهما الحد وهذا إجماع من العلماء (^١).
قوله: (ووصل خامسة بلعنة الله عليه إن كان من الكاذبين أو إن كنت كذبتها) أي إن كذبتها أي إن كذب عليها خص الزوج باللعنة لأنه أبعد الزوجة والولد وخصت هي بالغضب لأنها أغضبت زوجها وأهلها.
قوله: (وشهد بالله أربعا) هذا خلاف القاعدة والقاعدة أن يحلف المدعى عليه أولا قبل المدعي والجواب أنه قدمه حفظا للأنساب وأنه مدعى ومدعى عليه القذف وكذلك اللوث خالف القاعدة أن القاعدة تحليف المدعى عليه والجواب فيه أن اللوث صيره مدعى عليه أو يقال حفظا للدماء.
وقوله: وتشهد بالله ظاهره لا يزيد عليه وكذلك في المدونة خلافا لما يأتي في قوله واليمين في كل حق بالله الذي لا إله إلا هو وحمله اللخمي على الخلاف، وحمله بعضهم على الوفاق لأن هذه ترجمة والمراد الذي لا إله إلا هو. انتهى.
قال ابن فرحون: قال القرافي: خولفت قاعدة الدعوى في خمس مواطن فقبل فيها قول الطالب.
أحدها: اللعان يقبل فيه قول الزوج؛ لأن العادة أن الرجل ينفي عن زوجته الفواحش فحيث أقدم على رميها بالفاحشة مع الإيمان قدمه الشرع.
وثانيها: القسامة يقبل فيها قول الطالب، لترجحه باللوث.
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٥، ص: ٢٦٢
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وثالثها: قبول قول الأمناء في التلف، لئلا يزهد الناس في قبول الأمانات فتفوت مصالحها وحفظها.
والأمين قد يكون أمينا من جهة مستحق الأمانة أو من قبل الشرع، كالوصي والملتقط أو من ألقت الريح الثوب في بيته.
ورابعها: يقبل قول الحاكم في الترجيح والتعديل، لئلا تفوت المصالح المرتبة على ولاية الأحكام.
وخامسها: قبول قول الغاصب في الدفع مع يمينه لضرورة الحاجة، لئلا يخلد في الحبس. انتهى من التبصرة (^١).
قوله: (وأشار الأخرس أو كتب) أي ويشير الأخرس الملاعن أو يكتب بما يتلعن به لأن التكليف على قدر الإمكان.
قوله: (وشهدت) بالله (ما رآني أزني، أو ما زنيت، أو لقد كذب فيهما، وفي الخامسة غضب الله عليها إن كان من الصادقين) أي وحلفت بالله أنه ما رآني أزني إن ادعي عليها الرؤية أو حلفت ما زنيت إذا نفى الحمل وتزيد في أيمانها ولقد كذب فيها أي في الرؤية وفي نفي الحمل وتقول في الخامسة غضب الله عليها إن كان من الصادقين وإن شاءت تقول: وإنه لمن الكاذبين.
قوله: (ووجب أشهد، واللعن، والغضب) أي ووجب في اللعان لفظ أشهد ولا يقول أحلف أو أقسم وكذلك يجب فيه لفظ اللعن في خامسة الزوج ولفظ الغضب في خامسة الزوجة.
وقوله: (وبأشرف البلد، وبحضور جماعة أقلها أربعة) أي ووجب وقوع الملاعنة في اللعان في أشرف البلد وهو الجامع بحضور جماعة أقلها أربعة رجال عدول لاحتمال أن يحصل من المرأة نكول أو إقرار وذلك لا يتم إلا بأربعة شهداء ولأنه حكم يقيمه الحاكم في الزوجين تتعلق به أحكام كثيرة.
قوله: (وندب إثر صلاة وتخويفهما، وخصوصا عند الخامسة، والقول بأنها موجبة العذاب) أي وندب إيقاع اللعان بعد صلاة لأنه أشرف الأوقات ويندب تخويف الزوجين عند الالتعان بأن يقول لهما الإمام فضوح الدنيا هو أهون من فضوح الآخرة وخصوصها بالتخويف عند الخامسة.
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ١٠٧ - ١٠٨.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
قال ابن عرفة: لا أعرفه، وعزاه عياض للشافعي، وكذلك يندب للإمام أن يقول عند الخامسة أنها موجبة العذاب عليكما.
قوله: (وفي إعادتها إن بدأت خلاف) أي وفي إعادة الزوجة اللعان إن بدأت به أولا تعيده فيه خلاف منشأه هل بداية الزوج من باب الأولى فلا تعيد أو من باب الوجوب فتعيد أشهب تعيد ابن القاسم: لا تعيد.
قوله: (ولا عنت الذمية بكنيستها ولم تجبر، وإن أبت أدبت وردت لملتها) أي وتلاعن الكتابية الذمية في كنيستها لأنها حيث تعظمه ولم تجبر على اللعان إن أبت لأنها لو أقرت بالزنى لم تجلد ولكن تؤدب لإذايتها لزوجها المسلم من أذى مسلما أدب وردت بعد الأدب لحكام أهل ملتها. انتهى.
ويلغز بهذه المسئلة.
فإن قلت: رجل لاعن زوجته فنكلت عن اللعان ولا تحد؟.
قلت: هي الذمية إذا نكلت ينتفي عنه الولد باللعان، ولا تحد وتبقى له زوجة ينال منها ما ينال من الحائض وليس له وطأها حتى تضع لأن الولد ليس له فإن لا عنته وقعت الفرقة. انتهى درة الغواص لابن فرحون (^١).
قوله: (كقوله وجدتها مع رجل في لحاف) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يؤدب الزوج إذا قال وجدتها أي الزوجة مع رجل في لحاف واحد أو ضاجعها وهذا ينبئك أن الحد إنما يكون إذا رماها بزنى صريح لا كناية.
قوله: (وتلاعنا إن رماها بغصب، أو وطء شبهة، وأنكرته أو صدقته ولم يثبت، ولم يظهر) أي ويتلاعنان إن رماها بوطء غصب أو وطء شبهة كالغلط بها كما إذا قال لها أتاك رجل تظنين أنه أنا فمكنته من نفسك أنكرته أو صدقته ولم يثبت الغصب ببينة ولم يظهر للجيران.
قوله: (وتقول: ما زنيت) أي وتقول في لعانها شهدت بالله ما زنيت إذا رماها بوطء غصب وتقول: (ولقد غلبت).
قوله: (وإلا التعن فقط) أي وإذا ثبت الغصب ببينة أو ظهر للجيران التعن الزوج وحده فقط، ولا تلتعن هي إلا أنها تقول إما منه الولد أو من الغاصب أو الغالط.
قوله: (كصغيرة توطأ) هذا تشبيه لإفادة الحكم أي كما يلتعن الزوج وحده إذا
_________________
(١) درة الغواص في محاضرات الخواص لابن فرحون: ص: ٢١٨
[ ٢ / ٤٠١ ]
رماها وهي صغيرة تطيق الوطء ولكن لم يخش منها الحمل لأنها ليس عليها الحد فتدرأه باللعان وأما إن لم تبلغ الوطء فلا يحد إن لم يلتعن بل يؤدب.
قوله: (وإن شهد مع ثلاثة التعن، ثم التعنت، وحد الثلاثة) أي وإن شهد الزوج مع ثلاثة رجال أنها زنت ألتعن وحده ليدرء الحد عنه ثم التعنت لتبرأ من حد الزني وحد الرجال الثلاثة الذين شهدوا معه لعدم كمال النصاب لا لأجل أنهم قذفة.
قوله: (لا إن نكلت أو لم يعلم بزوجيته حتى رجمت) أي فلا يحد الثلاث إذا نكلت الزوجة عن اللعان بل تحد هي. وكذلك لا يحد الثلاث الذين شهدوا مع الزوج إن لم يعلم الإمام بزوجية الزوج حتى رجمت لأنه حكم مضى ولكن يلتعن الزوج لئلا يحد ويرثها.
قوله: (وإن اشترى زوجته ثم ولدت لستة أشهر فكالأمة، ولأقل: فكالزوجة) أي وإن اشترى زوجته ثم رماها بنفي حمل ثم ولدت لستة أشهر فحكمه حكم الأمة، فينتفي الولد بلا لعان منه، وإن ولدته لأقل من ستة أشهر، فلا ينتفي إلا بلعان كالزوجة.
قوله: (وحكمه رفع الحد أو الأدب في الأمة والذمية، وإيجابه على المرأة إن لم تلاعن؛ وقطع نسبه) أي وحكم اللعان الذي يثبته رفع الحد عن الزوج يعني حد قذف الزوجة الحرة المسلمة ورفع الأدب في الأمة المسلمة والحرة الكتابية وإيجاب الحد على الحرة المسلمة إن لم تلاعن وقطع نسب الولد.
قوله: (وبلعانها تأبيد حرمتها، وإن ملكت، أو انفش حملها) أي وبتمام لعانها يتأبد تحريمها على زوجها الملاعن وإن كذبت نفسها.
قال صاحب إكمال الإكمال: لقوله ﷺ: «لا سبيل لك عليها» (^١) عياض: حمله الجمهور على التأبيد.
وقال بعض أصحابنا: أنه لما أدخل لبسا في النسب عوقب بتأبيد التحريم، كالنكاح في العدة.
قلت: وعلله ابن رشد بأنه ﷺ لم يقيده بشرط يحلها به، وإذا لم يقيد حمل على التأبيد.
قال: ألا ترى أن لمثلثة لولا التقييد بقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٧١) - كتاب الطلاق. (٥١) - باب المتعة للتي لم يفرض لها. الحديث: ٥٠٣٥. وأخرجه مسلم في صحيحه: (١٩) - كتاب اللعان. الحديث: ٥/ ١٤٩٣
[ ٢ / ٤٠٢ ]
٢٣٠] لكان على التأبيد.
وحكى ابن شعبان عن أبي سلمة أنها كالمثلثة تحل له بعد زوج إن أكذب نفسه. ونحا إليه أشهب وعبد الملك في الثمانية. انتهى (^١).
قوله: وإن ملكت مبالغة في تأبيد التحريم، وكذلك إن انفش حملها في نفي الحمل إذ لعلها أسقطته وكذبته.
قوله: (ولو عاد إليه قبل) أي ولو عاد الزوج إلى اللعان بعد أن نكل عنه قبل عوده إليه وهذا طريق المصنف وفي المسألة طرق.
قوله: (كالمرأة على الأظهر) تشبيه أي كما إذا عادت الزوجة إلى اللعان بعد أن نكلت عنه فإن عودها يقبل على ما استظهره ابن رشد.
قوله: (وإن استلحق أحد توأمين لحقا، وإن كان بينهما ستة فبطنان، إلا أنه قال: إن أقر بالثاني، وقال لم أطأ بعد الأول، سئل النساء، فإن قلن إنه قد يتأخر هكذا لم يحد) أي لأنهما بطن واحد إن لم يكن بينهما ستة فإن كان بينهما ستة فإنهما بطنان فلا يلحق الثاني بإلحاق الأول، إلا أن الإمام مالكا ﵀ قال في المدونة: إن أقر بالثاني يريد بعد أن أقر بالأول وقال: لم أطأها بعد الأول سئل النساء.
وقال في المدونة ما يوهم خلاف هذا لأنه قال: فبطنان.
وإن كان بطنان فما فائدة سؤال النساء.
قال محمد بن عبد الكريم ووجه الإشكال فيه المشار له بحرف الاستدراك أن الستة إن استقلت مع قوله: لم أطأ لم يسأل النساء فيها، وإن لم تستقل سئل النساء فيها، والجواب عنهن أن سؤالهن لأجل درء الحد بالشبهة، فاستقبل الستة في الأول لعدم معارضته الأصل دون الثاني لمعارضته فأفهمه، فإن هنا وهم ابن عبد السلام والمصنف في التوضيح والشارح بهرام والبساطي لأنهم فرضوا المسئلة فيما إذا بقي الأول وليس كذلك فانظر المدونة وكلام ابن عرفة. انتهى.
قال في إكمال الإكمال: قلت: التوءمان من ليس بين وضعيهما ستة أشهر.
والقول بأنهما شقيقان لمالك في العتبية، والقول بأنهما إخوة لأم، لابن دينار والمغيرة.
قال في المدونة: إن أقر بأحدهما ونفى الآخر حد ولحق به، وإن وضعت الثاني
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٦٥.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
لستة أشهر فهما بطنان، فإن أقر بالأول ونفى الثاني، وقال: لم أطأ بعد وضع الأول لا عن الثاني.
وإن قال: لم أطأ بعد وضع الأول والثاني مني لزمه الفراشه وسئل النساء، فإن قلن يتأخر الحمل هكذا لم يحد، وإن قلن: لا يتأخر حد ولحق به، وإنما لم يحد إذا قلن: يتأخر لعدم نفيه إياه بقوله: لم أطأ بعد وضع الأول لجواز كونه بالوطء الذي كان عنه الأول عملا بقولهن يتأخر.
وحد إذا قلن: لا يتأخر لنفيه إياه بقوله: لم أطأ بعد وضع الأول منضما لقولهن: لا يتأخر فامتنع كونه عن الوطء الذي كان عنه الأول، لقوله: لم أطأها بعده وإقراره به مع ذلك فآل أمره لنفيه وإقراره به فوجب لحوقه به وحده. انتهى (^١).
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٥٩.
[ ٢ / ٤٠٤ ]