قوله: (باب) أي هذا باب يبين فيه مسائل الهبة ولها أركان الواهب، والموهوب له، والموهوب، والصيغة.
الاستيهاب طلب الهبة، والإتهاب قبول الهبة، والموهوب الاسم.
الهبة جائزة في الشرع بلا خلاف.
فقال: (الهبة تمليك بلا عوض، ولثواب الآخرة صدقة) أي بل لأجل مودة أو محبة أو مروءة فتحتاج إلى حوز، وأما الهبة بعوض فلا تحتاج إلى الحوز، لأنها كالبيع والهبة لأجل طلب ثواب الآخرة صدقة.
قوله: (وصحت في كل مملوك ينقل) أي وصحة الهبة، إنما تكون في كل مملوك، لا في غير مملوك كالحر ومال الغير، وشرط صحة الهبة أن يكون الموهوب ينقل احترازا من الاستمتاع من الزوجة أو الأمة، فإنه لا يصح وإن كان مملوكا، وكذلك الشفعة لا تصح فيها الهبة وإن كانت مملوكة، وكذلك رقبة المكاتب لا تصح فيها الهبة، وإن كان رقيقا ما بقي عليه درهم.
قوله: (ممن له تبرع بها) أي وصحت الهبة، إذا كان ممن له تطوع احترازا من المحجور كالصبي والسفيه والعبد والزوجة والمريض بزائد الثلث.
قوله: (وإن مجهولا، أو كلبا، ودينا وهو إبراء، إن وهب لمن عليه. وإلا فكالرهن، ورهنا لم يقبض وأيسر راهنه، أو رضي مرتهنه وإلا قضي بفكه، إن كان مما يعجل، وإلا بقي لبعد الأجل) أي وتصح الهبة ممن له التبرع، وإن كان الموهوب مجهولا، ظاهره وإن تبين أكثر مما كان يظن، وقيل: للواهب الرجوع إن تبين ما لم يكن يظنه، وقيل: بالفرق. من أراد أن يقف على هذه المسألة فعلية باللخمي، لأنه بسط فيه الكلام، وكذلك تصح الهبة في الكلب يعني المأذون، وأما غير المأذون فإنه يقتل، وكذلك تصح هبة الدين، وهو إبراء من الدين، إن وهب لمن عليه ذلك الدين، وإلا أي وإن وهب الدين لغير من هو عليه فكالرهن أي فحكمه حكم رهن الدين، وهو كقول ابن الحاجب: وتصح هبة الدين وقبضه كقبضة في الرهن (^١)، فيجوز الدين الموهوب إن
_________________
(١) جامع الأمهات لابن الحاجب: ص: ٤٥٤
[ ٣ / ٢٩٩ ]
وهب لغير من هو عليه، أن يجمع بين الموهوب له والغريم، ويشهد عليه بهبة الدين، ويدفع له الوثيقة إن كان، وإن لم يكن فالجميع بينهما والإشهاد كاف، وهذا إذا كان الغريم حاضرا، وإن كان غائبا فالإشهاد، والوثيقة كافية في الحوز. انتهى.
فأنت ترى الشيخ تحلله أحال مجهولا على مجهول، لأنه لم يذكر حوز الدين الرهن، وكذلك تصح هبة رهن لم يقبض، إذا أيسر راهنه أو لم يكن موسرا ولكن رضي المرتهن، وإلا أي وإن قبض المرتهن ولم يرض، قضى على الواهب بفكه، وفك قضاء الدين إن كان الدين مما يجوز تعجيله، وإلا أي وإن كان مما لا يجوز تعجيل قضائه بقي الرهن رهنا إلى أن يحل الأجل.
قوله: (بصيغة أو مفهمها. وإن بفعل) أي متعلق بصحت أي وتصح الهبة بصيغة كوهبت، أو مفهم الصغة كأعطيت أو بذلت، وإن كان مفهم الصغة بفعل وأحرى بقول.
قوله: (كتحلية ولده) مثال الفعل أي إلباس ولده الحلي كان الوالد أبا أو أما كان الولد ذكرا أو أنثى.
قوله: (لا بابن مع قوله داره) أي لا يكون قول الوالد لولده: ابن هذه العرصة، أو أغرس فيها مفهما للصيغة، ولو كان الوالد يقول دار ولدي قصد الشيخ الوجه المشكل تحالله.
قوله: (وحيز، وإن بلا إذن، وأجبر عليه) أي وحيز الموهوب وإن بغير إذن الواهب بخلاف الرهن على المشهور، لأن الرهن لا بد فيه من إذن الراهن في حوز الرهن على المشهور ويجبر الواهب على الحوز إذ به تتم الهبة، وقيل: لا يجبر بناء على أن الهبة لا تنعقد بالقول.
قوله: (وبطلت إن تأخر لدين محيط، أو وهب لثان وحان، أو أعتق الواهب أو استولد، ولا قيمة) أي وبطلت الهبة، إن تأخر الحوز فيها إلى أن يحيط الدين بمال الواهب، وكذلك تبطل الهبة إذا وهبها الواهب لشخص ثان وحازها الثاني، وهو قول أشهب في المدونة، وهذا خلاف قول ابن القاسم فيها في كتاب العتق الثاني في المدونة، وكذلك تبطل الهبة إذا عتق الواهب الرقيق الموهوب عتقا ناجزا، أو إلى أجل أو كتابة أو تدبير، أو كانت أمة واستولدها، ولا قيمة على الواهب في المسائل الثلاث. قوله: (أو استصحب هدية، أو أرسلها ثم مات، أو المعينة له، إن لم يشهد) أي وكذلك
[ ٣ / ٣٠٠ ]
تبطل الهبة إذا استصحبها الواهب، وأرسل بها من يوصلها، ثم مات الواهب الذي هو مستصحب للهدية ليوصلها، أو أرسل بها من يوصلها إلى الموهوب، أو مات الذي عينت له الهبة استصحابا أو إرسالا، إن لم يشهد الواهب في الصور الأربع، مفهومه أنه إن أشهد في الأربع لم تبطل الهبة فهذه أربع صور أخرى ثم مفهوم الصفة في قوله: المعينة له أن من لم تعين له الهبة إذا وجهت استصحابا أو إرسالا فمات قبل قبضها لم تبطل، فهاتان صورتان أخريان. فمجموع ما اشتمل عليه الكلام نصا ومفهوما عشر صور. ومثال ما عينت له أن يقول: هذه لفلان فقط، وأما إن أشهد أنها لفلان ولم يقل له قط، فإن الهبة لم تبطل، يقوم ورثة الموهوب له مقامه.
قوله: (كأن دفعت مالا (^١) ولم تشهد) أي كما تبطل الصدقة إن دفعت مالا لمن يتصدق به عنك (^٢) ثم مات قبل التصدق، إن لم تشهد على ذلك، وأما إن أشهدت فلا تبطل، فإن مات المصدق بعد تفرق البعض مضى المفرق منه ويبطل الآخر.
قوله: أو باع واهب صوابه (لا إن باع واهب) أي لا إن باع واهب (قبل علم الموهوب)، فإن الهبة لا تبطل.
قوله: (وإلا فالثمن للمعطي) أي وإن كان ذلك بعد علم الموهوب، فإن البيع لا يبطل، وإنما الخلاف فيمن يستحق الثمن، قيل: للمعطى بفتح الطاء، وقيل للمعطي بكسر الطاء (رويت) المدونة (بفتح الطاء وكسرها).
قوله: (أو جن، أو مرض، واتصلا بموته) أي وتبطل الهبة إذا جن الواهب قبل الحوز أو مرض، واتصل الجنون والمرض بموت الواهب، وأما إن لم يتصلا به فلا تبطل.
قوله: (أو وهب لمودع، ولم يقبل لموته) أي وتبطل الهبة إذا وهب الوديعة لمودع، ولم يقبل الهبة إلى أن مات الواهب، مفهومه لو قبل فلا تبطل، وظاهر المفهوم، وإن طال ما بين الهبة والقبول.
قوله: (وصح، إن قبض ليتروى) أي وصح الحوز، إن قبض الموهوب الهبة لينظر رأيه فيها، هل يقبلها؟ أم لا، فمات الواهب في تلك الحال وادعى الموهوب أنه قبل، فإنه يصدق لأن الغالب القبول.
_________________
(١) في النسخة المطبوعة والمحققة من مختصر خليل مانصه: كأن دفعت لمن يتصدق عنك بمال.
(٢) ن: عليه.
[ ٣ / ٣٠١ ]
قوله: (أو جد فيه أو في تزكية شاهده أو أعتق) أي وكذلك تصح الهبة إن جد الموهوب في الحوز أي اجتهد فيه، ومات الواهب في تلك الحال، فإن الهبة لا تبطل، وكذلك إذا وهب له هبة ثم أنكر الواهب الهبة، فأتى الموهوب بشهود فطلب تزكيتهم، وجد الموهوب بالتزكية ثم مات الواهب، فإن الهبة لا تبطل إذا زكيت الشهود، وكذلك تصح الهبة إذا أعتق الموهوب العبد قبل قبضه، لأن العتق حوز بلا خلاف.
قوله: (أوباع، أو وهب) أي وكذلك تصح الهبة إذا باعها الموهوب له، أو وهبها قبل القبض (إذا أشهد وأعلن) فيهما أعني البيع والهبة.
قوله: (أو لم يعلم بها إلا بعد موته) أي وكذلك تصح الهبة، إذا لم يعلم الموهوب له، إلا بعد موت الواهب. هكذا قرره الشارحان بهرام والبساطي.
قال البساطي: قال بعضهم ونزلت بتونس واضطرب فيها الفقهاء، ووجد في الطرر أنه معذور وهو الصواب.
قلت: وقواعدهم تدل ظاهرا على أنه لا شيء للموهوب له، والله أعلم. انتهى.
وأما ابن غازي قال: وكذا تصح الهبة إذا لم يعلم بها الموهوب في حياته، فلما مات علم بها ورثته، فلهم القيام بها على الواهب الصحيح. انتهى (^١).
قوله: (وحوز مخدم ومستعير) أي ويصح حوز مخدم ومستعير للمهوب له (مطلقا) علما بالهبة أم لا، ومعنى هذا أن من أخدم رجلا عبدا وقبضه ثم وهبه سيده لآخر، فيحوز المخدم حوز للموهوب له، فإذا مات الواهب قبل انقضاء الإخدام لم يكن لورثته كلام ومثله المستعين.
قوله: (ومودع، إن علم) أي ويصح حوز المودع عنده للموهوب له بشرط إن لم يعلم المودع بالهبة إذ قد لا يرضى بالحوز للمهوب له. والفرق بين الفرعين أن حوز المودع إنما هو لمنفعة صاحبها، فكأنه لم يخرج عن يده، بخلاف المخدم والمستعير.
قوله: (لا غاصب ومرتهن، ومستأجر، إلا أن يهب الإجارة، ولا إن رجعت إليه بعده بقرب) أي لا يكون حوز الغاصب حوزا للموهوب له، لأنه جائز لنفسه لا للموهوب له ولا الواهب، يريد إلا أن يعلم ويرضى بالحوز.
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٩٧٩.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
قال أشهب بل هي حيازة قال محمد وهو أحسن، لأن الغاصب ضامن فهو كالدين عليه، فإن حوزه بالإشهاد. انتهى من الجواهر (^١).
وكذلك لا يكون حوز المرتهن حوزا للمرهون، لأنه حائز لنفسه، وكذلك لا يكون حوز المستأجر حوزا للموهوب له، إلا أن يهب الواهب الأجرة مع الرقبة حينئذ يصح حوزه له، لأن الرقبة والمنفعة صارتا للموهوب له وأجازه أشهب، وكذلك تبطل الهبة إن رجعت إلى الواهب بعد الحوز بقرب، والقرب ما دون السنة.
قوله: (بأن أجرها) أي وتبطل الهبة إن رجعت إلى يد الواهب بأن أجرها من الموهوب له (أو أرفق بها).
قوله: (بخلاف سنة، أو رجع، مختفيا أو ضيفا فمات) أي فإنه إذا حازها سنة ثم أجرها أو أرفق بها، فإن حوزه لا يبطل، وكذلك لا يبطل الحوز، إذا رجع الواهب إلى الدار الموهوبة في حال كونه مختفيا عن الموهوب له، أو ضيفا فمات في الدار، كان الرجوع عن قرب أو عن بعد، فإن قلت فقول من قال في شرح كلامه يعني لو رجع العبد الموهوب إلى الواهب مختفيا أو ضيفا فمات الواهب حينئذ أنه لا يبطل الحوز في العبد، هل له وجه؟ قلت أما في اللفظ فلا مانع، وأما من جهة النقل فالمسألة في الأمهات على الوجه المتقدم. وفي بعض النسخ فمات. وساقط في البعض، وسقوطه لا يضر، لأنه لو لم يمت لم يكن لإيراد هذه المسألة وجه توجيه. قوله: (وهبة أحد الزوجين) أي وتصح هبة أحد الزوجين (للآخر، متاعا) أو خادما، وإن لم ترتفع يده عنه، لأنهما ساكنان معا، ولا يحتاج فيها إلى حوز، وأما هبة أحدهما للآخر عبد الخراج فلا بد فيه من الحوز.
قوله: (وهبة زوجة دارسكناها لزوجها) أي وتصح هبة الزوجة دار سكناها مع زوجها لزوجها، ويكون ذلك حوز للزوج، لأن السكنى عليه، وأما إن وهبتها لولدها الصغير منه هل يكون ذلك السكنى حوز للأب، لأن الأب هو الحائز، أو لا يكون حوزا لأن الأم لم تخرج منها قولان.
قوله: (لا العكس) أي ولو وهب الزوج لزوجته دار سكناه فتماديا على السكنى لم تصح بها الحيازة، لأن اليد في السكنى للزوج فيخرج لتحوز.
قوله: (ولا إن بقيت عنده) أي وكذلك تبطل الهبة إن بقيت عند الواهب إلى أن
_________________
(١) الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٣، ص: ٩٨٢.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
مات أو فلس، وقد تقدم مثله في قوله: وبطلت إن تأخرت لدين محيط، ولعله كرره ليركب عليه ما بعده من قوله: (إلا لمحجوره: إلا ما لا يعرف بعينه، ولو ختم عليه ودار سكناه، إلا أن يسكن أقلها، ويكري له الأكثر، وإن سكن النصف بطل فقد، والأكثر بطل الجميع) أي فإنها تصح ولو بقيت تحت يده، إذا أشهد وصرف الغلة له، فإن كان الموهوب للمحجور ما لا يعرف بعينه كالدنانير والقمح، فلا يصح فيه حوز الولي، ولو ختم أي ولو طبع عليه، بل يخرجه من يده إلى يد غيره، وهذا قول ابن القاسم وسائر المصريين، وخالفهم المدنيون وقالوا: يكفي الختم، وكذلك إن وهب دار سكناه لمحجوره، فلا يصح حوزه إلا بمعاينة بينة الخروج عنها، وكذلك إن وهب له ثيابه التي عليه لا بد أن ينزعها (^١) لمعانية البينة، إلا أن يسكن أقل الدار فيصح حوزه له فيما سكن، وما لم يسكن بشرط أن يكون له الباقي للأكثر، وإلا فلا يصح وإن كان الذي سكن منها النصف بطل النصف الذي يسكن فيه فقط، يريد إذا أكرى له النصف الآخر، وإلا بطل الكل، وإن كان الذي سكن منها هو الأكثر بطل الحوز في الجميع.
والمسألة على ثلاثة أوجه ذكره الشيخ ﵀.
وقال المتيطي: يجوز أن يتصدق الرجل على ابنه الصغير والكبير بدار ويستثني منها بيتا لسكنى نفسه مدة حياته، ويلحق بعد موته بالصدقة، إذا كان المستثنى الثلث فأدنى.
قال بعض الشيوخ: مذهب مالك أن الثلث آخر حد اليسير وأول حد الكثير، وهو عند مالك في كل المسائل يسير، إلا في ثلاثة مواضع وهي: معاقلة المرأة الرجل، وما تحمله العاقلة من الدية، والجوائح في الثمار.
قال المتيطي: وإذا سكن القليل وأبقى الكثير خاليا لم يجز ذلك حتى يكريه للأصاغر، لأن تركه لكرائه منع له فكأنه أبقاه لنفسه، وذلك كإشغاله إياه سكناها حكاه أبو المطرف الشعبي (^٢) عن جماعة من الشيوخ الأندلوسيين. وحكاه عبد الحق
_________________
(١) ن: يتركها.
(٢) أبو المطرف الشعبي هو عبد الرحمن بن قاسم من أهل مالقة، كان فقيها ذاكرا للمسائل يحفظ المدونة وغيرها، أخذ عن شيوخ مالقة كأبي أيوب الالبيري وحسين بن موسى الفقيه المشاور وغيرهما، توفي سنة: ٤٩٧ هـ. الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة المؤلف: أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني المحقق: إحسان عباس، ج ٢، ص: ٩٤٥، ط/ ١: ١٩٧٨ م الناشر: الدار العربية =
[ ٣ / ٣٠٤ ]
في نكته عن بعض القرويين. انتهى من القلشاني (^١).
مسألة: قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون فيمن باع دارا لولده الصغير أو الكبير أو أجنبيا داره التي يسكن فيها بثمن ضعيف مثل أن يبيعها بعشرة وهي ثمن مائة ولا تزال في يده حتى يموت، وليس هذا بيعا، وهو من باب العطية التي لم تقبض وهي باطلة ويرد الدنانير إلى ربها وهي في الأجنبي أبعد تهمة إلا أن ذلك كله لا يجوز ما لم يشبه أن يكون ثمنا أو مقاربا أو مشكلا فيمضي على جهة البيع.
مسألة: ومن أشهد في صحته أني بعت منزلي هذا من امرأتي أو ابني بمال عظيم، ولم ير أحد من الشهود الثمن، ولم تزل الدار بيد البائع إلى أن مات، قال: لا يجوز هذا وليس هذا بيعا، وإنما هو توليج وخديعة ووصية لوارث. انتهى من تبصرة الحاكم لابن فرحون في آخر السفر الأول منه (^٢).
قوله: (وجازت العمرى) مقصور مأخوذ من العمر، والعمر ما بقي الإنسان في الدنيا.
قوله: (كأعمرتك، أو وارثك) مثالان، وظاهره يجوز العمرى في كل شيء.
قال ابن القاسم: ولم أسمع من مالك شيئا في الثياب، وهو جائز عندي.
قوله: (ورجعت للمعمر، أو وارثه، كحبس عليكما، وهو لآخركما ملكا) أي ورجعت العمري للمعمر إن كان حيا، أو لوارثه أو وارث وارثه إن كان ميتا، لأنها كالعارية، وكذلك يجوز أن يقول له أعمرتك هذا في حياتي وهذا هو المذهب.
قال الشافعي وأبو حنيفة: العمرى لا ترجع للمعمر أبدا، قال ابن شهاب: إن كان على عقب فلا ترجع، وإلا فترجع. انتهى.
قوله: كحبس عليكما، التشبيه في الجواز، وفي الرجوع للآخر منهما ملكا.
قوله: (لا الرقبى كذوي دارين قالا: إن مت قبلي فهما لي، وإلا فلك) أي لا يجوز الرقبي، لأن كل واحد منهما يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل له أو عليه، ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه، وليس كذلك العمرى.
_________________
(١) = للكتاب، ليبيا - تونس.
(٢) شرح الرسالة للقلشاني: ص: ٢٢١. مخطوط. توجد في مكتبتي صورة منه وأصلها في مكتبة هارون بن الشيخ سيديا.
(٣) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٧٦.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
وقال القاضي أبو الحسن وأما لو قال: إن مت قبلك فداري لك، وإن مت قبلي فهي لي، فهذا عندي يجوز؛ لأنها وصية إن مات الموصي فهي للموصى له من الثلث، وإن مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية، قال: وهذه صفة الوصايا. انتهى من الجواهر (^١).
قوله: لا للرقبى أي لا يجوز الرقبى، فإن وقع ونزل ذكر اللخمي فيه الخلاف وسئل مالك رحمة الله عن الرقبى فلم يعرفها، وفسرت له فقال: لا تجوز.
وقوله: كذوي دارين مثال للرقبى، الدارين ليست بشرط، وكذلك الواحدة، وكذلك جماعة من الناس، قالا، أو قالوا: إن مت قبلي فهما لي، وإن مت قبلك فهما لك، فلا يجوز لأنه بيع فاسد، وروى أشهب عن مالك فيمن تصدق على رجل بعبد بتلا على أنك إن مت فالعبد إلي رد، وإن مت أنا فهو لك بتلا فمات المعطى له أولا، فإن العبد يرجع إلى المعطي.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم فيمن أعطا أخاه منزلا، وشرط أنك إن مت فهو رد إلي وإن مت قبلك فهو لك، قال: ذلك مثل الوصية، ويكون للمعطى السكني من الثلث، لأنه جعلها له نافذة إن مات المعطي أولا قبله، وعجل له قبضها، وهي وصية، حيزت أو لم تحز.
قال أصبغ وليس للمعطي أن يبيعها أو يحولها عن حالها. انتهى من المنتقى (^٢).
قوله: (كهبة نخل واستثناء ثمرتها سنين، والسقي على الموهوب له، أو فرس لمن يغزو سنين، وينفق عليه المدفوع له، ولا يبيعه لبعد الأجل) التشبيه في المنع أي ولا تجوز هبة نخل واستثنى ثمرتها سنين على أن السقي في السنين على الموهوب، لأنه معين يتأخر قبضه، وأما إن كان السقي على الواهب فجائز، وكذلك إن كان الماء الذي يسقي به للواهب يجوز، وكذلك لا يجوز هبة فرس لمن يغزوا به سنين على أن النفقة في السنين على الموهوب، وشرط أن لا يبيعه إلا بعد الأجل، فلا يجوز، لأنه معين يتأخر قبضه، وقد يهلك فتضيع نفقته، وأما إن كان الواهب هو المنفق فجائز.
قوله: (وللأب اعتصارها من ولده، كأم فقد وهبت ذا أب، وإن مجنونا، ولو تيتم على المختار) أي وللأب اعتصار الهبة من ولده صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، غنيا
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ٩٧٩.
(٢) النوادر والزيادات لابن أبي زيد: ج ١٢، ص: ٢١٧. ولم أطلع عليه بعد في المنتقى للباجي.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
أو فقيرا.
والاعتصار لغة الحبس والمنع، وقيل: الرجوع، وكذلك الأم تعتصر ما وهبت لولدها ذي أب حي، وإن كان الأب مجنونا، ولو تيتم الولد بعد الهبة، لأن المعتبر في الاعتصار وقت الهبة على ما اختاره اللخمي من الخلاف، ومقابله لا تعتصر إن مات الأب، بناء على أن المعتبر وقت الاعتصار. وفي المدونة ما يشهد لهما.
وقوله: فقط أي للأب والأم فقط لا لغيرهما خلافا لمن قال: ذلك للجد والجدة.
قوله: (إلا فيما أريد به الآخرة) شرع تخلله في موانع الاعتصار فيما وهب وأريد به ثواب الآخرة، (كصدقة بلا شرط) في الرجوع فيه، وأما إن شرط الرجوع فيه، فإن ذلك له والمؤمنون عند شروطهم.
قوله: (إن لم تفت، لا بحوالة سوق، بل بزيد أو نقص، ولم ينكح، أو يداين لها، أو يطأ ثيبا، أو يمرض، كواهب) أي إنما يكون الاعتصار في الهبة، إن لم تفت بحوالة سوق، وهذه غفلة من الشيخ نعم الله وتبعه الشارح.
صوابه: إن لم تفت بزيادة أو نقص لا بحوالة سوق، إذ حوالة السوق لا تفيت الاعتصار باتفاق.
قال مطرف وابن الماجشون: الزيادة والنقص فيها لا يفيت.
قوله: إن لم ينكح، إنما يكون الاعتصار إذا لم ينكح الموهوب، أو ينكح لأجل الهبة، أو يداين لأجلها، وكذلك إذا وطئ ثيبا، وأحرى بكرا، فإن ذلك كله يفيت الاعتصار، ويصدق الموهوب في الوطء إذا غاب عليها، وكذلك إذا مرض الموهوب مرضا مخوفا، فإنه يمنع الاعتصار لحق ورثته، وكذلك مرض الواهب مرضا مخوفا، لأنه لا اعتصار له لأنه يعتصر لغيره.
قوله: (إلا أن يهب على هذه الأحوال، أو يزول المرض على المختار، وكره تملك صدقة بغير ميراث، ولا يركبها، أو يأكل من غلتها) أي إلا أن يهب الواهب في حال نكاح الموهوب له أو التداين أو المرض فإن له الاعتصار، وكذلك له الاعتصار إن زال المرض المانع للاعتصار لارتفاع العلة فعاد حق الرجوع عند ابن القاسم، وقال أصبغ: ما زال به للاعتصار من مرض أو غيره يوما واحدا فلا يعود بزواله.
قوله: وكره تملك صدقة هذا هو المشهور، وقيل: يمنع تملكها أي وكره تملك صدقة واجبا كان أو تطوعا بعوض وبغير عوض، إلا أن يكون التملك بميراث
[ ٣ / ٣٠٧ ]
فيجوز، لأنه دخل في ملكه بغير سببه ولا يركب الصدقة ولا يأكل غلتها، وشرب اللبن أخف من أكل الثمن، وربح المال أخف من اللبن.
قوله: (وهل إلا أن يرضى الإبن الكبير) أي وهل يكره مطلقا رضي الإبن الكبير بشرب اللبن أم لا، أو إنما يكره إن لم يرض الابن الكبير (بشرب اللبن)، وأما إن رضي فيجوز من غير كراهة فيه (تأويلان).
قوله: (وينفق على أب افتقر منها) أي وكذلك الأم أي وينفق على أب افتقر من الصدقة.
قوله: (وتقويم جارية أو عبد للضرورة، ويستقصى) معطوف على قوله: وللأب اعتصارها أي وللأب تقويم جارية تصدق بها على ولده.
قال في المدونة: ومن تصدق على ابنه الصغير بجارية، فتبعتها نفسه، فلا بأس أن يقومها على نفسه ويستقضي في الثمن (^١).
وقال في العتبية عبدا، وجمع المؤلف بينهما. ترك الشيخ حمدالله قيدين لا بد منهما: هو أن يشهد بالتقويم.
الثاني: أن يكون الولد صغيرا.
قوله: (وجاز شرط الثواب، ولزم بتعيينه) أي وجاز للواهب شرط الثواب، عين الثواب أم لا، ولزم الثواب إن عين أي ولزم الموهوب دفع الثواب إن عين.
قوله: (وصدق واهب فيه) أي وصدق الواهب في ادعاء الثواب، (إن لم يشهد عرف بضده)، وهو الموهوب له، فإن شهد العرف للواهب فلا كلام للموهوب له، وإن شهد العرف للموهوب له فلا كلام للواهب.
قوله: (وإن لعرس) أي وصدق في دعواه الثواب وإن كانت الهبة لأجل نكاح، وكذلك نفاس وطعام الميت.
قوله: (وهل يحلف، أو إن أشكل) أي وإن أشكل الأمر أي إلتبس، فهل يحلف من شهد له العرف واهبا كان أو موهوبا له، لأن العرف كشاهد واحد، ولا يحلف إلا إذا أشكل فيحلف، لأن العرف شاهدان فيه تأويلان).
قوله: (في غير المسكوك، إلا لشرط، وهبة أحد الزوجين للآخر، ولقادم عند قدومه وإن فقيرا لغني، ولا يأخذ هبته، وإن قائمة) أي وصدق الواهب في الثواب في غير
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ٤٢٠.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
مسكوك الدنانير والدراهم، وأما المسكوك فلا يصدق، لأن العرف ألا ثواب فيها إلا أن يشترطه، وإن انعكس العرف انعكس الحكم، وكذلك لا ثواب في هبة أحد الزوجين للآخر العرف، وكذلك لا ثواب لمن أهدى لقادم من سفره عند قدومه، وإن كان الواهب فقيرا لغني، وأحرى غني لفقير، ولا يأخذ هذا الواهب هبته من القادم وإن كانت قائمة.
قوله: (ولزم واهبها) أخذ القيمة إذا دفعها إليه الموهوب له.
قوله: (لا الموهوب له القيمة، إلا لقوت بزيد أو نقص) أي فلا يلزمه دفع القيمة للواهب بل إن شاء دفعها وإن شاء رد الهبة، إلا أن تفوت بزيادة في بدن أو نقص لا بحوالة بسوق، فتلزمه القيمة، ابن القاسم: يوم الهبة، قال غيره: يوم القبض.
قوله: (وله منعها حتى يقبضه) أي وللواهب منع الهبة حتى يقبض الثواب.
قوله: (وأثيب ما يقضى عنه ببيع) أي وأثيب الواهب بما يقضي أي بما يؤدي عنه في بيع الدين، فلا يأخذ في الثواب مما فيه الربا، إلا أن يكون يدا بيد.
قوله: (وإن معيبا) أي وإن كان المأخوذ في الثواب معيبا، إذا كان فيه وفاء للقيمة.
قوله: (إلا كحطب، فلا يلزمه قبوله) أي فلا يلزم أخذ الحطب أو التبن وشبهه مما لا يثاب في العادة بمثله في الثواب.
قال صاحب فتح الجليل: وهذا في غير مصر غالبا (^١) لأن صاحب العيال والدابة قد يختاره عن غيره.
قوله: (وللمأذون، وللأب في مال ولده: الهبة للثواب) أي وللأب في مال ولده أي وللمأذون في التجارة الهبة للثواب لأنه كالبيع، وللأب الهبة من مال ولده للثواب، وأما لغير الثواب فلا يجوز لهما.
قوله: (وإن قال: داري صدقة بيمين مطلقا، أو بغيرها ولم يعين لم يقض عليه، بخلاف المعين) أي وإن قال مكلف رشيد داري صدقة في يمين مطلقا على معين أم لا، لم يقض عليه بدفعها، لأنه لم يرد التقرب وإنما أراد به التضييق، وكذلك إن قال: داري صدقة، ولم يعين لم يقض عليه، لأن شرط المحكوم له أن يكون معينا بخلاف إن قال: داري صدقة لفلان معين، فإنه يقضى عليه بدفعها له.
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٣، بعد قول خليل في باب الهبة: إلا كحطب فلا يلزمه قبوله.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
قوله: (وفي مسجد معين قولان، وقضي بين مسلم وذمي فيها بحكمنا) أي وإن قال داري صدقة على مسجد معين، هل هو كإنسان معين فيقضى عليه، لأنه معين، أو لا يقضى عليه، لأن المصلين فيه ليسوا بمعينين فيه قولان من غير ترجيح، ويقضى بين مسلم وذمي في الهبة للثواب بحكمنا، لأن الإسلام يعلوا ولا يعلا عليه، ويؤخذ من هذا أن الحاكم يحكم بالمكروه.
[ ٣ / ٣١٠ ]