قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه ما جمعه من فروع الوكالة، وهي لغة: الحفظ، والاسم الوكالة بالفتح والكسر، ولما كان بينها وبين الشركة والمزارعة مناسبة في الجملة أتبعها لهما ولم يحدها المصنف وحدها ابن عرفة.
اعلم أن الأفعال قسمان: منها ما لا تحصل مصلحته إلا بالمباشرة، فلا يجوز التوكيل فيها، لفوات المصلحة بالتوكيل، كالعبادة، فإن مصلحتها الخضوع وإظهار العبودية لله تعالى، فلا يلزم من خضوع الوكيل خضوع الموكل فتفوت المصلحة، ومصلحة الوطء الإعفاف وتحصيل ولد ينسب إليه، وذلك لا يحصل للموكل، بخلاف عقد النكاح؛ لأن مقصوده تحقيق سبب الإباحة، وهو يتحقق من الوكيل، ومقصود الأيمان كلها واللعان إظهار الصدق فيما ادعى، وحلف زيد ليس دليلا على صدق عمرو، وكذلك الشهادات مقصودة الوثوق بعدالة التحمل، وذلك فائت إذا ادعى غيره، ومقصود المعاصي إعدامها فيها، فلا يشرع التوكيل فيها؛ لأن شروع التوكيل فيها فرع تقريرها شرعا، فالضابط أن مقصود الفعل متى كان يحصل من من الوكيل كما يحصل من الموكل، وهو مما يجوز الإقدام عليه، جازت الوكالة فيه، وإلا فلا. انتهى من انوار البروق (^١).
أركان الوكالة أربعة:
الركن الأول: ما فيه التوكيل، وله شرطان:
الأول: أن يكون قابلا للنيابة، وهو ما لا يتعين لحكمه مباشرة، كأنواع البيع والحوالة والكفالة والشركة والوكالة والمضاربة والجعالة والمساقاة والنكاح والطلاق والخلع والصلح وسائر العقود والفسوخ.
ولا يجوز التوكيل في العبادات، إلا في المالية منها كأداء الزكاة، وفي الحج على خلاف فيه.
ولا يجوز في المعاصي كالسرقة والغصب والقتل العدوان، لأنها باطل وظلم.
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٤، ص: ٢٩. الفرق السادس عشر والمائتان بين قاعدة ما يجوز التوكيل فيه وبين قاعدة ما لا يجوز التوكيل فيه
[ ٣ / ١١٩ ]
ويلتحق بفن العبادات الأيمان والشهادات. واللعان والإيلاء من الأيمان فلا تجوز الوكالة فيهما، وكذلك الظهار لأنه منكر من القول وزور.
الشرط الثاني: أن يكون ما به التوكيل معلوما في الجملة، ويستوي كونه منصوصا عليه أو داخلا تحت عموم اللفظ، أو معلوما بالقرائن أو بالعادة.
فلو قال: وكلتك بما إلي من قليل وكثير جاز، واسترسلت يد الوكيل على جميع الأشياء، ومضى فعله فيها إذا كان نظرا لأنه إذا فعل غير النظر فكأنه معزول عنه بالعادة.
الركن الثاني في الموكل وهو كل من جاز له التصرف لنفسه جاز له أن يستنيب عنه فيما تجوز فيه النيابة لأجل الحاجة إلى ذلك على الجملة.
وكذلك حكم الوكيل، وهو:
الركن الثالث: فإنه من جاز له أن يتصرف لنفسه في الشيء جاز له أن ينوب فيه عن غيره إذا كان قابلا للاستنابة.
هذا هو الأصل، إلا أن يعرض عارض يمنعه من توكيل شخص فلا يوكل.
وقد نص في الكتاب على منع توكيل الذمي.
الركن الرابع: الصيغة الدالة على معنى التوكيل، أو ما يقوم مقامها في الدلالة عليه. ثم لا بد من القبول، فإن وقع على الفور فلا خلاف بصحة العقد، وإن تراخي بالزمن الطويل، قال الإمام أبو عبد الله: قد يتخرج عندي على الروايتين في قول الرجل لزوجته اختاري أو قوله: أمرك بيدك، فقامت من المجلس ولم تختر، ثم قال: والتحقيق في هذا يرجع إلى اعتبار المقصود والعوائد، هل المراد في هذه الألفاظ استدعاء الجواب معجلا بدارا، فإن تأخر سقط حكم الخطاب، أو المراد استدعاء الجواب معجلا أو مؤجلا. انتهى من ابن شاس (^١).
قوله: (صحة الوكالة) وفي بعض النسخ صحت بالماضي، وعلامة التأنيث والمعنى واحد. قال المصنف: صحت ولم يقل: جازت، لأن الجواز يستلزم الصحة والصحة لا تستلزم الجواز.
قوله: (في قابل النيابة من عقد، وفسخ) أي إنما تصح الوكالة في قابل النيابة من
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٨٢٥. ٨٢٦. ٨٢٧.
[ ٣ / ١٢٠ ]
عقد بيع أو شراء أو نكاح، أو طلاق، أو خلع، أو عتق ونحو ذلك مما تقبل النيابة فيه، واحترز به مما لا يقبل النيابة كالعبادات من الصوم والصلاة، والغسل، والوضوء، إلا صب الماء على العضو فإنه يجوز إلا الدلك.
قوله: (وقبض حق، وعقوبة، وحوالة، وإبراء - وإن جهله الثلاثة- وحج) أي وصحت الوكالة على قبض حق لآدمي أو لله، وكذلك تصح الوكالة على عقوبة حد كان أو غيره، وكذلك تجوز الوكالة على الحوالة من المحيل والمحال، وكذلك تصح الوكالة على إبراء الغريم من الديون، وإن كان قدر الدين جهله الثالثة: الوكيل، والموكل، والذي عليه الدين، لأن ذلك هبة وهبة المجهول جائزة، وكذلك تجوز الوكالة على الحج وقد تقد.
قوله: (وواحد في خصومة) أي وتصح الوكالة بواحد لا أكثر من واحد في خصومة كان طالبا أو مطلوبا على المشهور، وكان سحنون لا يقبل الوكالة من المطلوب، فقيل له: كان مالك يقبل الوكالة من المطلوب، فقال: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور مما يجوز وأما في غير الخصومة فيجوز أن يوكل أكثر من واحد.
ابن فتوح: ينبغي للوكيل على الخصومة أن يتحفظ بدينه ولا يوكل إلا في مطلب يقبل فيه يقينه أنه يوكله على حق. ومن تكلم في خصومة لا علم له بها لم يزل في معصية الله حتى ينزع.
وعن السفياني: الوكالات كالأمانات فينبغي لأولي الأمانات أن لا يتوكلوا لأولي الخيانات.
وعن مالك بن دينار (^١): كفى بالمرء جناية أن يكون أمينا للخونة. ولا يتوكل مسلم لكافر. انتهى من البرزلي (^٢).
من وكل ابتداء إضرارا لخصمه لم يمكن من ذلك، وقال محمد بن لبابة (^٣): كل
_________________
(١) مالك بن دينار البصري، أبو يحيى من رواة الحديث. كان ورعا، يأكل من كسبه، ويكتب المصاحب بالاجرة. توفي في البصرة سنة: ١٣١ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٥، ص: ٢٦٠.
(٢) نوازل البرزلي: ج ٣، ص: ٤٩٣.
(٣) أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة أبو عبد الله يلقب بالبربري ابن أبي الشيخ ابن لبابة. جل سماعه من عمه محمد بن عمر بن لبابة. وسمع من غيره. رحل فسمع بالقيروان، من حماس بن مروان. وكان من أحفظ أهل زمانه للمذهب. عالما بعقد الشروط. بصيرا بعللها. وله =
[ ٣ / ١٢١ ]
من ظهر منه عند القاضي لدد وتشعيب في خصومة، فلا ينبغي له أن يقبله في وكالة، ولا يحل إدخال اللدد على المسلمين.
قال ابن سهل: والذي ذهب الناس إليه في القديم والجديد قبول الوكالة، إلا من ظهر منه تشغيب ولدد، فيجب على القاضي إبعاده وأن لا يقبل به وكالة على أحد. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^١).
قوله: (وإن كره خصمه) أي وتصح وكالة الواحد على الخصومة، وإن كره خصمه، إلا أن تكون عداوة بين الوكيل والخصم فلا تجوز حينئذ.
قوله: (لا إن قاعد خصمه: كثلاث، إلا لعذر) أي وليس له توكيل في الخصومة، إذا قاعد خصمه كثلاث مرات، إلا لعذر بين فيوكل.
وفي المفيدة قال ابن رشد: للموكل أن يعزل الوكيل متى شاء (^٢)، وللوكيل أن ينحل عن الوكالة متى شاء، إلا في الوكالة على الخصام، فليس للوكيل أن ينحل عن الوكالة بعد أن ثبتت الخصومة، ولموكله أن يعزله عنها قبل تمامه.
قوله: (وحلف في: كسفر) أي إذا أراد من قاعد خصمه ثلاث مرات السفر، حلف أنه ما أراد السفر ليوكل، وهي يمين التهمة.
قوله: (وليس له حينئذ عزله، ولا له عزل نفسه) أي وليس للموكل عزل الوكيل حين قاعد خصمه ثلاث مرات، ولا للوكيل عزل نفسه، وأما قبل ذلك فله عزله، فإن عزله فهل لخصمه أن يوكله، ولا يقول الموكل الذي عزله فلا توكله، لأنه قد اطلع على أسراري.
قوله: (ولا الإقرار، إن لم يفوض له أو يجعل له ولخصمه اضطراره إليه) أي وليس للوكيل على الخصومة الإقرار على موكله، إن لم يفوض له الموكل الأمر، أو يجعل له الإقرار فإن له حينئذ الإقرار.
قوله: (ولخصمه اضطراره إليه) أي ولخصم الموكل إضراره أي الوكيل للإقرار فيقول لا أخاصمك حتى يجعل لك الإقرار.
_________________
(١) = اختيارات في الفتوى والفقه، خارجة عن المذهب. وله في الفقه كتب مؤلفة. منها: المنتخبة. وكتاب في الوثائق. مات سنة ٣٣٠ هـ .. ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٨٠. ٨٣.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ١٣٢.
(٣) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ٥، ص: ٣٦.
[ ٣ / ١٢٢ ]
قوله: (قال: وإن قال أقر عني بألف، فإقرار) أي قال المازري في نفسه: وإن قال الموكل للوكيل: أقر عني بألف، فذلك إقرار للموكل، وظاهره أن المسئلة ليس فيها نص، واتفق العلماء أن من قال: ما أقر به فلان علي يلزمني أنه لا يلزمه.
قوله: (لا في كيمين، ومعصية كظهار) أي وتصح الوكالة في قابل النيابة لا فيما لا يقبلها، كيمين ولعان وإيلاء لأنهما من الأيمان، وكذلك لا تصح الوكالة في معصية، وذلك كظهار، لأنه منكر من القول وزور.
قوله: (بما يدل عرفا) أي وصحت الوكالة بما يدل عليها عادة، أو لغة، أو فعلا.
قوله: (لا بمجرد وكلتك، بل حتى يفوض فيمضي النظر، إلا أن يقول وغير النظر) أي لا تصح الوكالة بمجرد قوله: وكلتك، بل إنما تصح أن يفوض إليه أو يعين بنص كما سيذكره، فبسبب أن فوض له يمضي النظر، لأنه إذا فعل غير النظر، فكأنه معزول بالعادة، إلا أن يقول الموكل نظرا وغير نظر، فيمضي فعله وفيه نظر، لأن الشرع لم يأذن بالسفه، وقوله: لا مجرد وكلتك، وهو خلاف ما لابن رشد الوكالة والوصية إذا طالتا قصرتا وإذا فصرتا طالتا.
قوله: (إلا الطلاق، وإنكاح بكره، وبيع دار سكناه، وعبده) إلخ هو ماستثني من قوله: حتى يفوض فيمضي أي إلا الطلاق فإن أو قعه فلا يمضي، وكذلك نكاح بكره، وبيع دار سكناه، وبيع عبده الخادم له الذي علم أنه لا يبيعه، فإن فعل الوكيل في هذه الأشياء لا يمضي، لأن العرف أخرجها.
قوله: (أو يعين بنص، أو قرينة) معطوف على قوله: حتى يفوض أي أو بنص أو قرينة تدل على مراده.
قوله: (وتخصص وتقيد بالعرف، فلا يعده إلا على بيع، فله طلب الثمن وقبضه أو اشتراء فله قبض المبيع ورد المعيب، إن لم يعينه موكله) أي وتخصص الوكالة بالعرف كما إذا قال: بع لي سلعتي هذه، وللسلعة سوق معروف أو زمان معلوم، فإن فعل الوكيل فيها يختص بما خصها به العرف، وكذلك تتقيد الوكالة بالعرف، كما إذا قال له: اشتر لي ثوبا ألبسه، فإن الوكالة تتقيد بالعرف بما يليق بالموكل، فبسبب ذلك لا يعد الوكيل الموكل فيه، إلا الوكيل على بيع فله طلب الثمن وقبضه، أو وكيل على شراء، فله قبض المبيع، ورد المعيب، إن لم يعينه له موكله، وأما إن عينه له فلا يرده، لأن الموكل قد يراه ويغتفره لغرض له فيه، أو يرضى به.
[ ٣ / ١٢٣ ]
قوله: (وطولب بثمن ومثمن، ما لم يصرح بالبراءة كبعثني فلان لتبيعه) أي وطولب الوكيل بثمن ما اشتراه وبالمثمون، وإن علم أنه وكيل ما لم يصرح بالبراءة، فإن صرح بها فلا يطالب، كقوله: إنما ينقدك فلان إن صدقه فلان، كمالا يطالب الوكيل بالثمن، إذا قال بعثني فلانا لتبيعه.
قوله: (لا لأشتري منك) أي وإن قال له بعثني فلانا لأشتري منك، أو لأبيع منك، فإنه يطالب بالثمن دون الأمر قاله أشهب.
قوله: (وبالعهدة ما لم يعلم) أي وطولب الوكيل بالعهدة، وهي الرجوع بالثمن عند الاستحقاق، وظهور العيب إن لم يعلم أنه وكيل، والفرق بينها وبين الثمن والمثمون أنه يطالب بهما وإن علم أنه وكيل، لأنهما مقصودان والعهدة لا تكون، إلا نادرا.
قوله: وبالعهدة ما لم يعلم أنظر هذا الإطلاق.
قال في المدونة: من باع سلعة لرجل بأمره، فإن أعلم المشتري في العقد أنها لفلان، فالعهدة على ربها إن ردت بعيب فعلى ربها ترد وعليه اليمين، يريد وجبت عليه اليمين لا على الوكيل، وإن لم يعمله أنها لفلان حلف الوكيل وإلا ردت عليه السلعة، وما باع الطوافون والنخاسون ومن يعلم أنه يبيع للناس فلا عهدة عليهم في عيب ولا استحقاق، والتباعة على ربها إن وجد وإلا أتبع. انتهى من التاج والإكليل (^١).
قوله: (وتعين في المطلق نقد البلد) أي وتعين في العقد المطلق الذي لم يقيد نقد بلد العقد لا بلد الوكيل. والمراد بالنقد هنا المتعامل به في البلد.
قوله: (ولائق به، إلا أن يسمي الثمن فتردد. وثمن المثل) أي ويتعين في العقد المطلق، كقول الموكل للوكيل: اشتر لي ما يليق بالموكل من عبد، أو كسوة وغير ذلك، إن لم يسم له الثمن، فإن سماه فهل يتعين اللائق بالموكل، أو لا يتعين، لأنه سمى الثمن ففيه تردد، وكذلك يتعين ثمن المثل في بيع الوكيل أو شرائه في التوكيل المطلق.
قوله: (وإلا خير كفلوس، إلا ما شأته ذلك لخفته) أي وإن خالف الوكيل الموكل في نقد البلد أو اللائق للموكل أو في ثمن المثل، خير الموكل في الرد والإمضاء،
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٧، ص: ١٨٢.
[ ٣ / ١٢٤ ]
كما يخير الموكل إذا باع الوكيل السلعة بالفلوس، إلا أن يكون المبيع مما يشابه أن يباع بالفلوس لأجل خفته.
قوله: (كصرف ذهب) قال البساطي: هكذا فيما رأيناه من النسخ، ويتعين الواو انتهى.
أي وكصرف ذهب بفضة مما يخير فيه الموكل، إذا أعطى الثمن للوكيل فصرفه (بفضة إلا أن يكون الشأن) في البلد الصرف في مثل ذلك، فلا يخير حينئذ.
قوله: (وكمخالفته مشترى عين) أي كما يخير الموكل في الرد والإمضاء، إذا خالف الوكيل في مشتر عينه له، كما إذا قال له: بعها من فلان، فباعها لغير فلان، وفي بعض النسخ وكمخالفة مشترى أي كما إذا قال له: اشتر لي سلعة كذا فاشترى له غيرها، فإن الأمر يخير فيها في الرد والإمضاء.
قوله: (أو سوقا أو زمانا) أي كما يخير الأمر إذا قال للمأمور: بعها في سوق كذا، أو في زمان كذا، فخالف فباع في غيره، لأن الأغراض تتفاوت في ذلك.
قوله: (أو بيعه بأقل، أو اشترائه بأكثر كثيرا، إلا كدينا رين في أربعين، وصدق في دفعهما وإن سلم ما لم يطل) أي وكذلك يخير الأمر في الرد والإمضاء إذا باع الوكيل السلعة بأقل مما أمره به وإن قل، وكذلك إذا اشتراها بأكثر مما أمره به كثيرا. الفرق بينهما أن المراد في البيع تكثير الثمن، والمراد في الشراء تحصيل السلعة، ويحتمل أو بيعه بأقل كثيرا، أو اشترائه بأكثر كثيرا، واستغنى بكثير الثاني عن الأول.
قوله: إلا كدينارين في أربعين صوابه لا كدينارين في أربعين بلا النافية دون إلا الإستثنائية أي فليس الخيار للموكل إذا زاد الوكيل دينارين في الإشتراء في أربعين دينارا، أو نقصهما في البيع على الاحتمال المذكور، وصدق الوكيل في دفع الدينارين اللذين زادهما، وإن سلم السلعة للأمر ما لم يطل الزمان، فإن طال فلا يصدق.
قوله: (وحيث خالف في اشتراء لزمه، إن لم يرضه موكله، كذي عيب، إلا أن يقل، وهو فرصة) أي وحيث خالف الوكيل في اشتراء بما أمر به، فاشترى غيره، لزمه ما اشتراه إن لم يرضه موكله، يريد إن لم يتبين أنه وكيل، كما يلزمه المعيب إذ اشتراه إن لم يرضه موكله، إلا أن يقل العيب وهو فرصة أي والمشترى غنيمة فإنه يلزم الأمر.
قوله: (أو في بيع فيخير موكله ولو ربويا بمثله) أي وحيث خالف الوكيل في بيع
[ ٣ / ١٢٥ ]
بما أمر به، فإن الموكل يخير في الرد والإمضاء، ولو كان المبيع ربويا، كما إذا أمره ببيع حنطة بذهب مثلا فباعها بطعام، فإن الموكل يخير بين الرد والإمضاء بناء على أن الخيار الحكمي ليس كالشرطي، وقيل: ليس له أن يخير بناء على أن الخيار الحكمي كالشرطي.
قوله: (إن لم يلتزم الوكيل الزائد على الأحسن) أي وحيث خالف الوكيل أي في اشتراء أو بيع، فإن الأمر مخير إن لم يلتزم الوكيل الزائد على القول الأحسن، وأما إن التزمه كما إذا التزم الزائد على ما أمره به في الشراء، أو التزم ما نقص عن ما أمر به في البيع، فإن الموكل لا خيار له حينئذ، لأن مراده قد حصل. انتهى.
قال البساطي: فإن قلت: قالوا في النكاح: إذا زوجه الوكيل بزائد لا يلزمه، ولو التزم الوكيل الزائد، فهل بينهما فرق؟ قلت: نعم، لأن الصداق يعتبر في حقوق الزوجة، وليس هذا في البيع. انتهى منه.
إذا باع الوكيل ربويا بربوي، وقلنا الخيار للأمر فيدخله بيع الطعام بالخيار، والأصل منعه، إلا أن هذا الخيار حكمي بساطي.
قوله: (لا إن زاد في بيع، أو نقص في اشتراء أو اشتر بها فاشترى في الذمة، ونقدها وعكسه) أي فلا خيار للموكل إن أمر الوكيل أن يبيع بمائة مثلا فباع بأكثر، أو قال له اشترها بمائة فاشتراها بأقل مما أمر به، لأن ذلك هو المراد، وكذلك إن قال له اشترها أي بالمائة فاشترى بها بالذمة ثم نقدها، وكذلك عكس ذلك، وهو أن يأمره بالاشتراء بالمائة في الذمة وينقدها، فاشترى بها وعينها فلا كلام للموكل، وإن خالفه، فإن قلت: هل يترتب على ذلك شيء حتى يتوهم أن المخالفة تورثه. قلت: نعم، إذا اشترى على تلك الدراهم انفسخ البيع بطرو مانع من عيب وغيره، بخلاف ما إذا اشترى على الذمة. انتهى من البساطي.
قوله: (أو شاة بدينار فاشترى به اثنتين لم يمكن إفرادهما وإلا خير في الثانية) أي فلا كلام للموكل إذا أمر الوكيل أن يشتري شاة مثلا بدينار، فاشترى بالدينار شاتين لم يمكن إفرادهما، وإلا أي وإن أمكن إفرادهما خير في الشاة الثانية بما نابها من الثمن في الرد والإمضاء.
قوله: (أو أخذ في سلمك حميلا أو رهنا، وضمنه قبل علمك به، ورضاك) أي وكذلك لا كلام للأمر إن أمر الوكيل أن يدفع دنانيره في سلم، فدفعها وأخذ حميلا على السلم أو رهنا، لأن ذلك زيادة توثق، فإن أخذ الوكيل ذلك الرهن ودخل في ضمانه حتى
[ ٣ / ١٢٦ ]
يعلم به الموكل ويرضى به، فحينئذ يدخل في ضمانه، وهذا كله إذا لم ينقص المسلم فيه وإلا خير الأمر.
قوله: (وفي بذهب في بدراهم وعكسه قولان) أي وفي تعدي الوكيل في بيع ذهب بدراهم، أو في بيع دراهم بذهب، هل يخير الأمر في الرد والإمضاء قولان أي وفي تعدي الوكيل في بيع ذهب بدراهم أو بيع دراهم بذهب هل يخير الأمر في الرد والإمضاء قولان.
قوله: (وحيث بفعله في لا أفعله إلا بنية) أي وحنث الأمر بفعل المأمور في حلفه لا أفعله، إلا أن ينوي لا أفعله بنفسي، فإنه لا يحنث.
قوله: (ومنع ذمي في بيع أو شراء أو تقاض) أي ومنع توكيل الذمي، والحربي، والمعاهد أحرى في بيع شيء أو شرائه، أو تغاضي ديون، وظاهره ولو كان التقاضي من ذمي، خلافا لما قال الشارح باختصاصه من مسلم منع توكيل الكافر لعملهم بالربا.
قوله: (وعدو على عدوه) أي ومنع توكيل عدو على عدوه، هذا في العداوة الدنيوية، وأما العداوة الدينية فلا عبرة بها، إذ لا خلاف في جواز وكالة المسلم على الكافر.
قوله: (والرضا بمخالفته في سلم؛ إن دفع له الثمن) أي ومنع رضى الموكل برضى مخالفة الوكيل في مسلم له أي في جنس المسلم فيه أو نوعه، كما إذا أمره أن يسلم له في حنطة، فخالف فاسلم له في شعير، أو أمره أن يسلم له في كتان، فأسلم له في قطن فلا يجوز، لأنه إن رضي بمخالفته ففسخ دين في دين، لأنه فسخ ما وجب له من رأس المال الذي دفع إليه فتعدى فيه في شيء لم يقبضه، وذلك فسخ دين في دين، وبيع الطعام قبل قبضه إن كان طعاما، إن لم يحل أجل المسلم فيه، فإن حل أجله وقبضه فلا بأس به إذ لا محذور.
قوله: (وبيعه لنفسه ومحجوره) أي وكذلك شراؤه من نفسه أو محجوره، لأن محجوره كهو، ولو اشتراه بأعلا الثمن، لأنه يتهم أن الناس يرغبون فيه، هل إنما يمنع للوكيل بيع الشيء من نفسه أو شراؤه، لأنه خارج عن الخطاب أو للتهمة، فإن وقع ونزل وباع لنفسه، أو اشترى من نفسه، فللموكل الرد والإمضاء، إلا أن يفوت المبيع بحوالة سوق فأعلى فله الأكثر من الثمن أو القيمة، فإن كانت القيمة أكثر فقد خان بها، وإن كان الثمن هو الأكثر فقد رضي به.
[ ٣ / ١٢٧ ]
قوله: (بخلاف زوجته ورقيقه، إن لم يحاب) أي فإنه يجوز للوكيل أن يبيع من زوجته أو يشتري منها، لأنها تتصرف لنفسها، وكذلك رقيقه المأذون له إن لم يحاب لهما، وأما إن حابا فلا يجوز، وهذا مستغنى عنه، لأن عدم المحابات شرط في كل من باع له.
قوله: (واشتراؤه من يعتق عليه إن علم ولم يعينه موكله وعتق عليه) أي ومنع اشتراء الوكيل من يعتق على الموكل، إن علم الوكيل أنه يعتق عليه وعلم الحكم ولم يعينه له موكله، فإن وقع ونزل عتق عليه أي على الوكيل، وأما إن لم يعلم أنه يعتق عليه، أو علم ولكن جهل الحكم أو عينه له، فإنه يعتق على الأمر، وإليه أشار بقوله: (وإلا فعلى آمره).
قوله: (وتوكيله) أي ومنع توكيل الوكيل، ظاهره وإن كان مفوضا، وقيل: غير المفوض، وأما المفوض فله التوكيل.
ابن ناجي: وعليه العمل عندنا.
قوله: (إلا أن لا يليق به أو يكثر أي ومنع توكيل الوكيل، إلا أن لا يليق به، فعلى ذلك فيجوز التوكيل فيه، وكذلك يجوز له التوكيل على بعض الموكل فيه، إذا كان كثيرا يعلم أنه لا يقدر عليه وحده.
قوله: (فلا ينعزل الثاني بعزل الأول) أي وحيث يجوز للوكيل أن يوكل فوكل، فلا ينعزل هذا الثاني بعزل الوكيل الأول، لأنه كوكيل بعد وكيل.
قوله: (وفي رضاه إن تعدى به أي وفي جواز رضى الموكل، وعدم جوازه بفعل وكيل الوكيل، إن تعدى التوكيل بالتوكيل تأويلان) وعدم الجواز أظهر.
قوله: (ورضاه بمخالفته في سلم إن دفع الثمن بمسماه إلى آخره أي ومنع رضى الموكل بمخالفة الوكيل في مسماء في رأس المال، كما إذا أمره أن يسلم عشرة في شيء فخالف، فأسلم اثنى عشر مثلا، فإنه يمنع رضاه بتلك المخالفة، لأنه فسخ دين في دين، لأنه فسخ رأس ماله الذي دفع إليه، وتعدى فيه في شيء لم يقبضه.
تنبيه: هذه المسألة ليست بتكرار مع ما قبلها في قوله والرضا بمخالفته في سلم، لأن تلك المخالفة فيها جنس المسلم فيه أو في نوعه، وهذه المخالفة فيها في قدر رأس المال المدفوع.
قوله: (أو بدين) أي أو كانت المخالفة لأجل البيع بالدين، كما إذا أمره أن يبيع بالنقد فباع بالدين، فلا يجوز الرضى في ذلك الدين، إن فات) المبيع، لأنه يصير
[ ٣ / ١٢٨ ]
فسخ دين في دين، وأما إن لم يفت فله الرد والإمضاء.
قوله: (وبيع؛ فإن وفى بالتسمية أو القيمة، وإلا غرم) أي فإن وقع ونزل وباع بالدين وفات المبيع، بيع الدين إن كان مما يباع قبل قبضه، وإن كان مما لا يباع قبل قبضه فسيأتي في قوله: وإن أمر ببيع سلعة فسماها في طعام … إلى آخره.
فإن بيع الدين، فإن وفى بقيمة السلعة إن لم يسم الثمن، أو التسمية فإن سماه، فلا كلام، فإن لم يوف بذلك غرم الوكيل النقص.
قوله: (وإن سأل غرم التسمية، أو القيمة، ويصبر ليقبضها ويدفع الباقي جاز إن كان قيمته مثلها فأقل) أي وإن سأل الوكيل غرم التسمية إلا إن سمى أو القيمة إن لم يسم الأمر شيئا، ويصبر إلى الأجل ليقبضها أي التسمية أو القيمة، ويدفع الباقي الموكل جاز، إذا كانت قيمة الدين مثل قيمة السلعة فأقل، فأما إن كانت قيمة الدين أكثر فلا يجوز، لأنه سلف بزيادة.
قوله: (وإن أمره ببيع سلعة فأسلمها في طعام، أخرم التسمية أو القيمة واستؤني بالطعام لأجله فبيع، وغرم النقص، والزيادة لك) إلى آخره أي وهو جواب عن سؤال مقدر، كأنك قلت: إنما يباع الدين إذا كان مما يجوز بيعه قبل قبضه، وما لا يجوز بيعه قبل قبضه فما الحكم فيه فقال: وإن أمر ببيع سلعة فأسلمها في طعام تعديا أغرم التسمية الآن إن سمى، أو القيمة إن لم يسم قدر ما يبيع به، إذا فاتت السلعة، وأما إن لم تفت فإن الموكل مخير في إمضاء البيع أو رد السلعة، فإن أغرم الوكيل استأني بالطعام إلى أجله وقبض فباع، فلا كلام إن وفى، فإن لم يوف بالتسمية غرم الوكيل القبص، فإن كانت الزيادة، فلك أيها الموكل.
قوله: (وضمن إن أقبض الدين ولم يشهد) أي وضمن الوكيل إن أقبض الدين لربه إن لم يشهد على الدفع فيما أمر بدفعه.
وهذا إذا غاب الموكل حين الدفع، وأما إن دفع الوكيل بحضوره فلا يضمن، ظاهره ولو كانت العادة عدم الإشهاد على مثل القابض، وأشار بعضهم إلى أنه لا يختلف في سقوط الضمان إذا كانت العادة ترك الإشهاد، وكذلك إذا وكله على الدفع إلى زوجته أو القاضي لأن العادة عدم الإشهاد.
قوله: (أو باع كطعام نقدا ما لا يباع به وادعى الإذن فنونع) أي وكذلك يضمن الوكيل إذا باع بكطعام وعرض ما لا يباع به نقدا، وأحرى إذا باعه بأجل وادعى الوكيل إذن الموكل بذلك وأنكر الموكل، وأحرى أن يضمن إن ادعى عدم الإذن
[ ٣ / ١٢٩ ]
بذلك.
قوله: (أو أنكر القبض فقامت البينة، فشهدت بينة بالتلف) أي ويضمن الوكيل إذا أنكر قبض ما وكل على قبضه، فقامت بينة على القبض، فشهدت بينة على التلف، فإنه يضمن، لأنه قد أكذب بينته بقوله أولا: لم أقبضه، لأن مضمن الإقرار تصريح الإقرار.
قوله: (كالمديان) تشبيه لما يأتي في قوله: وإن أنكر مطلوب المعاملة فالبينة أي على الطالب، ثم لا تقبل بينة المطلوب بالقضاء، بخلاف لاحق لك علي، فإن ذلك ليس بتكذيب للبينة.
قوله: (ولو قال غير المفوض: قبضت وتلف برئ، ولم يبرأ الغريم إلا ببينة) أي ولو قال الوكيل غير المفوض: قبضت ثمن ما بعته، وتلف عندي من غير تفريط مني، برئ لأنه أمين بالنسبة إلى الموكل، ولم يبرأ الغريم من ذلك الثمن لاعترافه أنه في ذمته، ولأن الموكل إنما وكل على القبض لا على الإبراء، فلا يبرأ الغريم إلا ببينة تشهد بالدفع للوكيل، فإن الغريم حينئذ يبرأ.
قوله: (ولزم الموكل غرم الثمن إلى أن يصل لربه إن لم يدفعه له) أي وإن أمره بشراء سلعة، لزمه الثمن إلى أن يصل إلى يد ربه، إن لم يدفع الثمن للوكيل، بل قال له: اشتر لي كذا لأدفع ثمنه، فاشتراه ثم دفع له الثمن، فإن ضاع فإن الوكيل يغرمه ثانيا وثالثا مثلا، وأما إن دفع له الثمن فقال: اشتر لي بهذا، فاشترا به ثم تلف الثمن، فإن الموكل مخير إن شاء غرم الثمن ثانيا ويأخذ السلعة، وإن شاء تركها.
قوله: (وصدق في الرد كالمودع) أي وصدق الوكيل في رد ثمن ما باعه، وفي رد السلعة المأمور بشرائها، ونحو ذلك، كما يصدق المودع في الرد.
قوله: (فلا يؤخر للإشهاد) أي فبسبب أنه يصدق، فلا يؤخر الرد لأجل الإشهاد على الرد. تبع الشيخ في هذا ابن الحاجب واعترض، وقال في توضيحه تبعا لابن عبد السلام وابن هارون: ولو قيل للوكيل والمودع تأخير الدفع حتى يشهدا لكان حسنا؛ لأنهما يقولان: إذا لم يشهدا تتوجه عليهما اليمين، ولا سيما الوكيل للخلاف فيه (^١).
وأما ابن عرفة فقال بعد كلام طويل: الحق أنه لا يتعقب على ظاهر لفظ ابن
_________________
(١) التوضيح: ج/ ٦، ص: ٤٠٨.
[ ٣ / ١٣٠ ]
الحاجب، لأنه يصدق، لحمله على الصور التي يصدق فيها الدافع بغير يمين، كالوكيل على قبض شيء يطلبه منه موكله بعد قبضه بمدة طويلة، يصدق فيه الوكيل بلا يمين منهم على تبرئة ذمته. وقيل: إن أقر بذلك فإن الموكل يحلف معه إن كان عدلا ليأخذ ذلك لأن المسلم إليه أن يبرئ ذمته بدفع الحق إلى الحاكم.
قوله: (ولأحد الوكيلين الاستبداد إلا لشرط) أي الانفراد بالفعل، إلا بشرط عدم الإنفراد به، وهذا عكس ما في المدونة، لعل الناسخ أسقط لا النافية فيكون المعنى ولا لأحد الوكيلين ليوافقها.
قوله: (وإن بعت وباع فالأول، إلا بقبض) أي وإن بعت أيها الموكل وباع الوكيل، فالمعتبر العقد الأول، إلا أن يقبض الثاني أو لا إن لم يعلم أنه ثان.
قوله: (ولك قبض سلمه لك إن ثبت ببينة) أي ولك أيها الموكل قبض سلمه لك، إن ثبت أن السلم لك، ظاهره أن البينة غير المسلم إليه، لأنه لا يشهد على فعل نفسه، ولأنه متهم على تبرية ذمته، وقيل: إن أقر بذلك، فإن الموكل يحلف معه إن كان عدلا، فيأخذ ذلك لأن المسلم إليه تبرء ذمته بدفع الحق إلى الحاكم.
قوله: (والقول لك إن ادعى الإذن، أو صفة له) أي والقول لك أيها الموكل إن ادعى الوكيل الإذن في بيع ونحوه فأنكرت، لأن الأصل عدم الإذن، وكذلك إن اتفقا على الإذن وادعى الوكيل صفة للأذن فأنكرها الموكل، لأن الأصل عدمها.
قوله: (إلا أن يشتري بالثمن فزعمت أنك أمرته بغيره وحلف، كقوله: أمرت ببيعه بعشرة، وأشبهت، وقلت بأكثر، وفات المبيع بزوال عينه أو لم يفت ولم تحلف) إلى آخره، واستثنى من قوله: أو صفة له هاتان المسألتان أي والقول لك أيها الموكل، إلا أن يشتري الوكيل بالثمن شيئا، فزعمت أنك أمرته بغيره، فإن القول قول الوكيل إن حلف، لأن الثمن المستهلك كفوت السلعة، وإن أنكر الوكيل حلفت وغرم لك الثمن.
والمسألة الثانية المستثناة، كقوله: أمرت ببيعه بعشرة وأشبهت العشرة ثمن الشيء، وقلت: أيها الموكل أمرته بالبيع بأكثر، والمبيع قد فات بزوال عينه لا بحوالة سوق، أو كان قائما لم يفت ولم تحلف أنت أيه الموكل، فإن الوكيل يصدق مع يمينه.
فرع: إن قلت: أعطني ثمن الثوب، فقال: وكلتني في بيعه، صدقت مع يمينك بنفي الوكالة لا بالبيع فتطلبه بالقيمة، لأن الأصل عدم الإذن.
[ ٣ / ١٣١ ]
فرع: قال مالك: إن قلت: اشتريتها لك، فلك طلبه بالثمن إن قبضها ولم تنفذ، وإن نفذت صدق في دفع الثمن لأن الأصل عدم إسلافك إياه، قال سحنون: إلا أن تشهد عند الدفع أنك تعطي من مالك فتصدق مع يمينك. انتهى من الذخيرة (^١).
قوله: (وإن وكلته على أخذ جارية فبعث بها فوطئت ثم قدم بأخرى وقال هذه لك والأولى وديعة، فإن لم يبين وحلف أخذها، إلا أن تفوت بكولد أو تدبير، إلا لبينة، ولزمتك الأخرى) أي على شراء جارية فاشتراها وبعث بها ووصلتك فوطئتها، ثم قدم الوكيل بجارية أخرى، فقال: هذه لك، والجارية الأولى وديعة مني إليك، فإن يبين الوكيل حين بعث بالأولى، وحلف على ما قال أخذها، إلا أن تفوت بولد أو عتق تدبير، فلا يأخذها، إلا أن تقوم بينة أنها له، فإنه يأخذها، وإن فاتت بما ذكرنا، وهل يأخذ معها قيمة الولد كالأمة المستحقة؟ أولا يأخذ قيمة الولد لأنه المسلط عليها في ذلك قولان. ولزمتك الأمة الأخرى في الصورتين، حيث فاتت الأمة وحيث لم تفت.
قوله: (وإن أمرته بمائة فقال: أخذتها بمائة وخمسين، فإن لم تفت خيرت في أخذها بما قال) إلى آخره أي وإن أمرت وكيلا على شراء جارية أو غيرها بمائة مثلا، فاشتراها ثم قال بعد ذلك: اشتريتها بمائة وخمسين، فإن لم تفت الأمة باستيلاد أو عتق أو تدبير - لا بحوالة سوق - خيرت أيها الموكل في أخذها بما قال أو تتركها.
قوله: (وإلا لم يلزمك إلا المائة) أي وإن فاتت بما ذكر لم يلزمك إلا المائة التي أمرت بها.
قوله: (وإن ردت دراهمك لزيف، فإن عرفها مأمورك لزمتك. وهل وإن قبضت؟ تأويلان) إلى آخره أي وإن أمرته أن يسلم لك دراهمك في شيء فأسلمها فيه، ثم رددت الدراهم على المأمور لا يخلو أن يعرفها أو لا، فإن عرفها مأمورك لزمتك أيها الأمر وتبد لها للمسلم إليه أيه الأمر لأنه أمينك، وهل تلزمك تلك الدراهم وإن قبضت الشيء المسلم فيه وهو ظاهر المدونة، أو إنما تلزمك إذا لم تقبض المسلم فيه، وإن قبضته فلا تلزمك فيه تأويلان.
قوله: (وإلا فإن قبلها حلفت وهل مطلقا، أو لعدم المأمور ما دفعت إلا جيادا في علمك ولزمته؟ تأويلان) أي وإن لم يعرفها مأمورك، فإن قبلها حلفت أيها الأمر ما دفعت إلا جيادا في علمك، وهل تحلف مطلقا كان المأمور عديما أم لا؟ وهو ظاهر المدونة،
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ١١، ص: ٣٨.
[ ٣ / ١٣٢ ]
أو إنما تحلف إذا كان المأمور عديما، وأما إن كان غير عديم، فإن الدراهم تلزمه، لأنه قبلها، فلا يمين عليك حينئذ.
قوله: ما دفعت إلا جيادا هو صفة أي هو صفة اليمين.
قوله: (وإلا حلف كذلك، وحلف البائع، وفي المبدإ تأويلان) أي وإن لم يقبل المأمور الدراهم، حلف ما دفع إلا جيادا، وحلف البائع الأمر، والبائع الذي عليه السلم، وفي المبدء باليمين منها تأويلان.
قال بعضهم: يبدء الأمر باليمين ثم بالمأمور.
قوله: (وانعزل بموت موكله) أي وانعزل الوكيل بموت موكله (إن علم) بموته، ظاهره مفوضا أم لا، وظاهره أشرف على فصل الخصومة، وقال فيما تقدم: وليس له حينئذ عزله أي إذا قاعد خصمه كثلاث، يعني أن الموكل حيا، وأما إن مات فقد انعزل، ظاهره قبض الذي وكل عليه أم لا.
قوله: (وإلا) أي وإن لم يعلم بموته (فتأويلان) في عزله وعدم عزله.
قوله: (وفي عزله بعزله، ولم يعلم خلاف) أي وفي عزل الوكيل يعزل الموكل وإن لم يعلم الوكيل بالعزل، يريد بغير وكيل الخصومة إن قاعد الخصم ثلاث مرات خلاف، بناء على أن النسخ هل يثبت مطلقا أو لا يثبت حتى يبلغ.
قوله: (وهل لا تلزم، أو إن وقعت بأجرة أو جعل فكهما) إلى آخره أي وهل لا تلزم الوكالة الوكيل، فمتى يريد عزل نفسه عزلها، أو تلزم إن وقعت بأجرة بالعقد، أو تلزم إن وقعت بجعل بالشروع فيه.
قوله: (وإلا لم تلزم؟ تردد) أي وإن وقعت بغير أجرة ولا جعل لم تلزم في ذلك تردد من المتأخرين. الشيخ سكت عن الموكل إذا جن والوكيل إذا جن الموكل، فالوكيل على وكالته ما لم يطل، وإن جن الوكيل ثم أفاق وهو على وكالته، وإذا ارتد الوكيل فهو على وكالته ما لم يعلم أن الموكل لا يرضى بوكالة مثله.
مسألة: وإذا قدم رجل بكتاب موكله أن يدفع له سلعة أو غيرها، فعرف خط موكله، ودفع ذلك للذي قدم بالكتاب، فلما اجتمع الوكيل والموكل أنكر أن يكون كتب ذلك أو أرسل إليه أحدا، فإنه يحلف على ذلك ويغرمه الوكيل. انتهى.
وينبغي أن يأتي فيها من الخلاف في مسألة من ادعى على رجل بمال فجحده، فأخرج المدعي كتابا فيه خط المدعى عليه، وإقراره بما ادعى عليه، فأنكر المدعى عليه أن ذلك خطه، فطلب المدعي أن يجبر المدعى عليه على أن يكتب بحضرة
[ ٣ / ١٣٣ ]
العدول ويقابل ما كتبه بما أظهره المدعي، فأفتى اللخمي بأنه يجبر على ذلك وعلى أن يطول فيما يكتب تطويلا لا يمكن معه أن يستعمل خطا غير خطه، وأفتى عبد الحميد الصائغ بأن ذلك لا يلزمه. ورجح أكثر الشيوخ ما أفتى به اللخمي. انتهى من ابن فرحون (^١).
وسئل ابن رشد عمن وكل على خصومة وقبلها ولم يخاصم حتى يشهد عليه في الحق الذي يخاصم فيه، هل تقبل أم لا؟
فلم يذكر لها جوابا فيما قيدته عنه.
وجوابها إن كان وكله على الخصومة بإجارة أو جعل فلا تجوز شهادته فيها، لأنه جر نفعا إلى نفسه بإظهار ترجيح الحق في جهة الطالب بشهادته، وإن كانت بغير أجر وعزل نفسه عن الوكالة فيجوز إذ لا منفعة له في إدراك الحق (^٢).
* * *
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٣٠٨.
(٢) فتاوي ابن رشد: ج ١، ص: ٥٩٠، الفتوى: ١٣٠. وفتاوي البرزلي: ج ٣، ص: ٤٨٠.
[ ٣ / ١٣٤ ]