قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الحج والعمرة، الحج في اللغة: القصد، والحجيج جمع حاج، وشعائر الحج مناسكه وعلاماته، والشعيرة والشعارة والمشعر معظمها وشعائره معالمه التي ندب الله إليها بالقيام بها. الحج واجب بالكتاب والسنة والإجماع لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] ولحديث النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس (^١)، وحديث: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا» (^٢)، وهذا الحديث عند أهل السنة محمول على من كذب بوجوبه لأن تركه لغير عذر إنما هو معصية، ونحن لا نكفر بالذنب. انتهى إكمال الإكمال (^٣).
الحج المبرور من أفضل الأعمال، قال عياض: قال شمر (^٤): هو السالم من الإثم، وقال الحربي (^٥): هو المتقبل أي المثاب عليه، وقيل هو المبذول فيه النوال لقوله: وقد قيل يا رسول الله ما بر الحج قال: «إطعام الطعام وطيب الكلام» (^٦) من
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، (٢) - كتاب الإيمان، (١) - باب الإيمان وقول النبي ﷺ: «بني الإسلام» الحديث: ٨. وأخرجه مسلم في صحيحه (١) - كتاب الإيمان. (٥) - باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام. الحديث: ١٦.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: ج ٤، ص: ٣٩٢، الحديث: ٢٦٩. وأخرجه الدارمي في سننه، كتاب المناسك (٢) - باب من مات ولم يحج، الحديث: ١٤٤٩.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ١٣٩.
(٤) شمر بن حمدويه الهروي، أبو عمرو، أحد الأثبات الثقات الحفاظ للغريب وعلم العرب. رحل إلى العراق في شبيبته، وأخذ عن ابن الأعرابي وعن جماعة من أصحاب أبي عمرو الشيباني، وأبي زيد الأنصاري، وأبى عبيدة والفراء، منهم أبو حاتم السجستاني، ألف كتابا كبيرا ابتدأه بحرف الجيم وطوله بالشواهد والروايات الجمة، وأودعه تفسير القرآن وغريب الحديث، قال الصفدي: لم يسبق إلى مثله. إكمال المعلم للقاضي عياض: ج ١، ص: ١٨٧.
(٥) الحربي: هو الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق البغدادي ولد سنة: ١٩٨ هـ سمع أبا نعيم وتفقه على الإمام أحمد كان حافظا للحديث. مات في ذي الحجة سنة: ٢٨٥ هـ. طبقات الحفاظ للسيوطي، ص: ١٠٩. وطبقات الفقهاء، تأليف: أبي إسحاق الشيرازي، تحقيق: إحسان عباس، ط: ١٩٧٠ م، ج ١، ص: ١٧١، دار الرائد العربي.
(٦) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى الحديث: ١٧٧٨. والبيهقي في شعب الإيمان، الحديث: ٤١١٩.
[ ١ / ٥٢٩ ]
البر الذي هو فعل الجميل، وقد يكون من البر بمعنى الصدق فيكون الحج المبرور الصادق الخالص فيه.
قال النووي: في تفسيره بالمتقبل مشكل لأنه لا يعلم المتقبل منه إلا أن يقال: يعلم بالأمارات كما يقال: من علاماته زيادة الخير. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
وفي إكمال الإكمال عند قوله في الحديث: «فلم يرفث ولم يفسق» (^٢)، المازري هو من قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ الآية [البقرة: ١٩٧]، يقال: رفث، وفي الفاء من مضارعه الحركات الثلاث. ويقال أيضا: أرفث رباعيا والرفث. قيل: هو كناية عن الجماع.
وقيل: التصريح بذكر الجماع.
وقيل: هي كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عباس يخصه بما خوطب به النساء، والفسوق السيئات.
وقيل: قول الزور.
وقيل: الذبح للأصنام.
وقيل: ما أصاب من محارم الله تعالى من الصيد.
ولم يذكر الجدال المذكور في الآية، لأنه ارتفع، لأنه كان بين العرب وسائر قريش في مواضع الوقوف بعرفة والمزدلفة.
القرطبي والمجادلة المخاصمة فيما لا يليق. وقوله: كيوم ولدته أمه، القرطبي: أي: بلا ذنب، وهو يتضمن الصغائر والكبائر.
قلت: قال ابن العربي: هذه الطاعة لا تكفر الكبائر، وإنما يكفرها الموازنة والتوبة، والصلاة لا تكفرها، فكيف تكفرها العمرة والحج؟ ولكن هذه الطاعات ربما أثرت في القلب فحملته على التوبة، واختار ابن بزيزة (^٣) أن هذه الطاعات تكفر
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ١، ص: ٣١٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٢) - كتاب الحج (٤) - باب فضل الحج المبرور. الحديث: ١٤٤٩. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٥) - كتاب الحج. (٧٩) - باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة. الحديث: ١٣٥٠.
(٣) أبو محمد عبد العزيز بن إبراهيم القرشي التميمي التونسي: عرف بابن بزيزة الإمام الفقيه اعتمده خليل في التشهير. تفقه بأبي عبد الله الرعيني وغيره. من مؤلفاته: الاستيعاب في شرح الإرشاد، وشرح التلقين. كان مولده سنة ٦٠٦ هـ بتونس ومات سنة: ٦٦٢ هـ أو ٦٦٣ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٢٧٣، الترجمة: ٦٧١.
[ ١ / ٥٣٠ ]
الكبائر، قال: ويدل على ذلك حديث مباهاة الملائكة ﵈ بالحاج، لأن الملائكة ﵈ مطهرون مطلقا، ولا يباهى المطهر مطلقا إلا بمطهر مطلقا، فالقاتل يعفى عنه بحجه، وكذلك غير القتل من الكبائر.
قال: وهذا مقتضى خبره ﷺ عن ربه تعالى، ولا حكم لسواه (^١).
قال القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق: ومصالح الحج تأديب النفوس بمفارقة الأوطان، وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من المخيط وغيره؛ لتذكر المعاد، والاندراج في الأكفان، وتعظيم شعائر الله تعالى في تلك البقاع، وإظهار الانقياد من العبد لما لم يعلم حقيقته، كرمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف على بقعة خاصة دون سائر البقاع، وهذه المصالح لا تحصى، ولا تحصل إلا للمباشر، كالصلاة في حكمها ومصالحها، فمن لاحظ هذا المعنى، وهو مالك ﵀ ومن وافقه، قالوا: لا تجوز النيابة في الحج.
ومن لاحظ الفرق بين الحج والصلاة ومشابهة النسك في المالية، فإن الحج لا يعرى عن القربة المالية غالبا في الإنفاق في الأسفار، قال: تجوز النيابة في الحج. والشائبة الأولى أقوى وأظهر، وهي التي تحصل في الحج بالذات، والمالية إنما حصلت بطريق العرض. انتهى (^٢).
وقال في الذخيرة تنبيه: قال الله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولم يقل في الصلاة وغيرها لله، لأنهما مما يكثر الرياء فيهما جدا، ويدل على ذلك الاستقراء، حتى إن كثيرا من الحجاج لا يكاد يسمع حديثا في شيء من ذلك، إلا ذكر ما اتفق له أو لغيره في حجه، فلما كانا مظنة الرياء قيل فيهما: لله اعتناء بالإخلاص. انتهى (^٣).
الحج بفتح الحاء وكسرها بمعنى قوي عليه.
قال السهيلي (^٤): بنيت الكعبة في الدهر خمس مرات:
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٤٤٨/ ٤٤٩.
(٢) الفروق للقرافي: ج ٢، ص: ١٩٦. الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصح النيابة فيه، وقاعدة ما لا تصح النيابة فيه.
(٣) الذخيرة للقرافي: ج ٣، ص: ١٧٣.
(٤) عبد الرحمن بن عبد الله الخثعمي السهيلي حافظ، عالم باللغة والسير، ضرير. ولد في مالقة سنة: ٥٠٨ هـ. ومات سنة: ٥٨١ هـ. من مؤلفاته: الإيضاح والتبيين لما أبهم من تفسير الكتاب المبين وغيره. الأعلام للزركلي، ج ٣، ص: ٣١٣.
[ ١ / ٥٣١ ]
الأولى: حين بناها شيث بن آدم، وكانت في حياة آدم العلي خيمة من لؤلؤ حمراء يطوف بها ويأنس، لأنها من الجنة.
الثانية: حين بناها إبراهيم العلي.
الثالثة: حين بنتها قريش قبل الإسلام بخمسة أعوام، وهي التي في الحديث.
والرابعة: حين احترقت أيام ابن الزبير (^١) بشرارة طارت إليها من أبي قبيس، فاحترقت الأستار فاحترق البيت، فهدمها ابن الزبير وبناها على خلاف ما كانت عليه.
الخامسة: لما قدم عبد الملك (^٢) مكة قال: لسنا بتخليط أبي خبيب في شيء - يعني ابن الزبير فهدمها وردها على ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ، ثم ندم عبد الملك على ذلك، وقال: ليتني تركت أبا خبيب وما تحمل، فلما قدم أبو جعفر المنصور (^٣)، وأراد ردها على ما بناها ابن الزبير، وشاور في ذلك، فقال له مالك له: أنشدك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت لعبة الملوك بعدك، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره، فتذهب هيبته من قلوب الناس فصرفه عن رأيه.
وقيل: إن آدم العلي بناها قبل شيث، وبناء جرهم لها إنما كان إصلاحا. انتهى من إكمال الإكمال (^٤).
فقال البرزلي: يقال اختصم شياطين المشرق وشياطين المغرب أيهم أشد
_________________
(١) عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزي القرشي الأسدي، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ولد عام الهجرة وحفظ عن النبي ﷺ وهو صغير وحدث عنه وعن أبيه وعن أبي بكر وعمر وعثمان وخالته عائشة وسفيان بن أبي زهير وغيرهم وهو أحد العبادلة، قتل بن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين من الهجرة وهذا هو المحفوظ وهو قول الجمهور وعند البغوي عن بن وهب عن مالك أنه قتل على رأس اثنتين وستين. الإصابة: ج ٤، ص: ٨٩، الترجمة: ٤٦٨٥.
(٢) هو أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي أبو الوليد، ولد سنة: ٢٦ هـ ومات سنة: ٨٦ هـ، انتقلت إليه الخلافة بعد موت أبيه سنة: ٦٥ هـ. تاريخ الخلفاء تأليف: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي: ص: ١٩٠، ط ١: ١٩٥٢ م تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد. الناشر: مطبعة السعادة مصر الأعلام للزركلي: ج ٤، ص: ١٦٥.
(٣) هو عبد الله بن محمد وأمه سلامة البربرية، ولد سنة ٩٥ هـ. روى عن أبيه وعطاء وعنه ولده المهدي، وبويع بالخلافة بعهد من أخيه أول سنة: ١٣٧ هـ. مات سنة: ١٥٨ هـ. تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص: ٣٠٠.
(٤) إكمال الإكمال لأبي: ج ٢، ص: ١٨٩ - ١٩٠.
[ ١ / ٥٣٢ ]
غواية؟ فقال شياطين المشرق لشياطين المغرب: نحن أشد منكم غواية، لأنا نحمل المرء على المعاصي، وارتكاب المحظورات في مقامات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال شياطين المغرب: نحن أشد منكم غواية، لأنا نجد الرجل في أهله وولده يؤدي الفرائض من الصلاة والزكاة وغير ذلك، وهو في راحة، وملائكته معه كذلك من قلة التباعات، فإذا قال القوال في التشوق إلى أرض الحجاز ننخسه بالسكين، ونحمله على الخروج فيخرج، فمن يوم يخروجه نحمله على ترك الفرائض، وارتكاب المحظورات من يوم خروجه إلى يوم دخوله إلى أهله، يخسر نفسه وماله ودينه في شرق الأرض وغربها، فسلم لهم شياطين المشرق شدة الغواية. انتهى (^١).
قوله: (فرض الحج، وسنت العمرة مرة): أي مرة واحدة في كل منهما، وقيل: العمرة واجبة كالحج، العمرة الزيارة، واعتمر البيت زاره، وقيل: هي القصد، هذا معناها لغة، وهي في الشرع: قصد البيت على كيفية خاصة، وفروض الحج أربعة: الإحرام، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، والطواف بالبيت، كما سنذكرها، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما هذه الخطايا المكفرات، هي الصغائر والطاعات تؤثر في القلب فتورث توبة تكفير الخطايا.
قوله: (وفي فوريته وتراخيه لخوف الفوات خلاف): أي وفي فورية وجوب الحج فيعصي بتأخيره مع القدرة عليه.
ابن القصار: وهو المشهور، وهو قول العراقيين، أو هو على التراخي إلى خوف الفوات وهو قول اللخمي والباجي وهو قول المغاربة خلاف، ومنتهى الخلاف خوف الفوات، وحده سحنون ستين سنة، ولم يحدها بعضهم بل بحسب كل شخص وبلد.
قال عياض في إكمال الإكمال: ويحتج به من لا يرى الحج على الفور لأن فرض الحج كان سنة تسع. وقيل: سنة خمس. والأول أصح. ويجيب من يراه على الفور بأنه إنما أخره حتى لا يرى منكر المشركين في تلبيتهم وطوافهم عراة، والنبي ﷺ أذن في الناس في العاشرة أي أعلمهم أنه يحج العام ليتأهبوا للحج معه،
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٥٩٤.
[ ١ / ٥٣٣ ]
فيتعلموا المناسك (^١). ويحتج به من لا يرى الحج على الفور، وهذا مقدم على قوله الأول انظره.
قوله: (وصحتهما بالإسلام فيحرم ولي عن رضيع، وجرد قرب الحرم، ومطبق) أي وصحة الحج والعمرة مشروطة بإسلام، فلا يصحان من كافر، ووجبتا عليه لأنه مخاطب بفروع الشريعة، وقيل لا يجبان عليه.
قوله: فيحرم ولي عن رضيع والمراد بإحرامه عنه أن يجرده من مخيط الثياب، وينوي إدخاله في الحج أي فبسبب ما ذكرنا يحرم الولي عن رضيع، وأحرى من هو أكبر من الميقات، ويجرده قرب الحرم من المخيط، لا عند الميقات، وأما المراهق يجرد عند الميقات كالبالغ المطبق، وكذلك يحرم الولي عن المطبق الذي لا يميز بين السماء والأرض، ولا بين الطول والعرض. والولي هو الأب أو وصيه، أو الحاكم أو مقدمه.
قوله: (لا مغمى) أي فلا يحرم الولي عن مغمى عليه، لأنه ترجى إفاقته عن قرب.
قوله: (والمميز بإذنه، وإلا فله تحليله، ولا قضاء بخلاف العبد، وأمره مقدوره، وإلا ناب عنه إن قبلها كطواف، لا كتلبية، وركوع، وأحضرهم المواقف) أي وأما الصغير المميز يحرم بإذن وليه وإلا أي وإن أحرم بغير إذنه فله تحليله، وله إبقاؤه على إحرامه، فإن أحله فلا قضاء عليه إن بلغ لأنه ليس بمكلف حين التحليل، وهو بخلاف العبد إذ لا يحرم بغير إذن سيده، فحلله فإن القضاء عليه لأنه مكلف، ويقدم القضاء على فرضه إذا عتق، أو أذن له السيد، ويأمر الولي الصغير بفعل مقدوره، وإن لم يقدر ناب عنه الولي في الفعل إن كان قابلا للنيابة، كطواف أو سعي، أو رمي، وأما إن لم يقبل النيابة فلا ينوب عنه كتلبية وركوع، بل يسقط سواء في ذلك الصغير والمميز، والبالغ المطبق، ويحضرهم المواقف الستة: الميقات، والطواف، والسعي، وعرفة، والمزدلفة، والرمي.
قوله: (وزيادة النفقة عليه إن خيف ضيعة، وإلا فوليه) أي وزيادة النفقة بسبب سفر على المولى عليه في حج أو عمرة في ماله إن خيف عليه ضيعة بتركه وإلا أي وإن لم يخف عليه ضيعة إذا تركه، فالزيادة على الولي لأنه المتسبب فيها، لأنه تعدى
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٢٤٤.
[ ١ / ٥٣٤ ]
حيث أخرجه.
قوله: (كجزاء صيد، وفدية بلا ضرورة) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن على وليه جزاء صيد أتلفه، أو فدية ترتب عليه لأجل إحرامه، لأن الولي هو الذي ورطه في ذلك بحمله بلا ضرورة، وأما إن كان حمل الولي له بسبب ضرورة كخوف الضيعة عليه، فإن جزاء الصيد والفدية إذا ترتبا عليه فإنه عليه لا على الولي.
قوله: (وشرط وجوبه - كوقوعه فرضا - حرية وتكليف وقت إحرامه) أي وشرط وجوب الحج كشرط وقوعه في حال كونه فرضا: حرية، فلا يقع حج العبد فرضا، لأن العبد غير مستطيع لشغله بحق سيده، وقيل إنما سقط عن العبد لأنه غير داخل في خطاب الأحرار، وقد اختلف الأصوليون في دخوله في ذلك. إكمال الإكمال (^١).
الشرط الثاني هو التكليف، فلا يقع الحج من غير مكلف فرضا، فالمعتبر الحرية والتكليف وقت التلبس بالإحرام لا بعده، ولو عتق العبد وبلغ الصبي عقب الإحرام فلا عبرة به بل يبقى على إحرامه بالنفل.
وقوله: (بلا نية نفل) أي إلا أن ينوي الحر المكلف به نفلا فيكون نفلا.
قوله: (ووجب باستطاعة بإمكان الوصول بلا مشقة عظمت، وأمن على نفس ومال؛ إلا لأخذ ظالم ما قل لا ينكث على الأظهر، ولو بلا زاد وراحلة لذي صنعة تقوم به، وقدر على المشي) إلى آخره أي ووجب الحج على المكلف بسبب استطاعته عليه لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [سورة آل عمران: ٩٧].
قوله: بإمكان الوصول وهو تفسير للاستطاعة أي وتحصل الإستطاعة بإمكان الوصول لإتمام أفعال الحج بلا مشقة عظيمة تلحقه، وأما المشقة اليسيرة فلا تعتبر إذ لابد منها، وأما المشقة العظيمة فإنها مسقطة، وأن يكون آمنا على نفسه وماله، إلا لأجل أخذ ظالم بمكس أو غيره مالا قليلا والحال أن الظالم لا ينكث أي لا ينقض عهده، فلا تقسط الاستطاعة عنه بسبب ذلك على الأظهر عند ابن رشد، مقابل الأظهر يسقط ما قل ظلما. انظر قوله: على الأظهر.
قال ابن غازي: ما وجدته لابن رشد في المقدمات ولا في البيان، ولا في الأجوبة، ولم يذكره له ابن عرفة، ولا المصنف في مناسكه ولا في توضيحه (^٢)،
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ١٥٠.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٣١٦ بتصرف.
[ ١ / ٥٣٥ ]
ولعله أطلع عليه في غير هذه المواضع.
قوله: (ولو بلا زاد وراحلة لذي صنعة تقوم به، وقدر على المشي) أي ووجب الحج بإمكان الوصول لإتمامه، ولو كان قاصده بلا زاد ولا راحلة، كما إذا كانت له صنعة تقوم به وهو قادر على المشي لأن الصنعة تقوم له مقام الزاد، والقدرة على المشي تقوم له مقام الراحلة.
وسئل المازري عن سقوط فرض الحج في هذا الزمان فأجاب: هذا سؤال لا يخفى جوابه، ولا يمكن للمحصل أن يطلق القول في هذا، ولكن الذي لا يخفى أن الحج متى وجد إليه سبيلا ولم يخف على نفسه وماله أو أن يفتن في دينه أو أن يقع في منكرات أو إسقاط واجبات من صلوات أو غيرها، فإنه لا يسقط عنه وجوبه.
وإن كان يخاف على نفسه الهلاك أو لا يصل إلى ذلك إلا ببذل الكثير من ماله للظلمة في الطريق، والغرامة تجحف به وتضر به ضررا شديدا فإن الحج ساقط في هذه الحال على ما نص عليه أصحابنا. وإن كان أيضا يقع في ترك الصلاة حتى يخرج وقتها أو يأتي ببدل منها في وقتها، ولم يوقعه في ذلك إلا السفر في الحج، فإن هذا السفر لا يجوز، وقد سقط عنه فرض الحج، انتهى من البرزلي (^١).
ولو ضيع صلاة واحدة وإن بترك شرطها لكان ما عليه من الذنوب أكثر من ثواب حجه ذلك
قوله: (كأعمى بقائد) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يجب الحج على أعمى إن وجد قائدا يوصله إلى مراده منه، لأن القائد يقوم له مقام البصر.
قوله: (وإلا اعتبر المعجوز عنه منهما) أي وإن كانت له صنعة تقوم به ولكن لم يقدر على المشي، أو قادر على المشي ولا صنعة له تقوم به فإن المعجوز عنه منهما معتبر في جانب السقوط.
قوله: (وإن بثمن ولد زنا، أو ما يباع على المفلس، أو بافتقاره، أو ترك ولده للصدقة، إن لم يخش هلاكا) أي الإستطاعة هي إمكان الوصول إلى الحج، وإن كان بثمن ولد زنا لأنه ملكه أليست أمته ولدته؟ أو كان من ثمن ما يباع على المفلس، وسيأتي ما يباع على المفلس في بابه، أو كان ذلك يؤدي إلى افتقاره، ويبقى من فقراء المسلمين.
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٥٨٦
[ ١ / ٥٣٦ ]
قال ابن القاسم: ومن لم تكن له إلا قرية باعها في حجة الإسلام ويترك ولده في الصدقة (^١).
ابن رشد: وهذا على القول بفوريته وهو كما قال، إن لم يخش عليه هلاكا على القول بالتراخي والفورية.
ابن عرفة عنه: إن أمن ضيعتهم، ثم قال: ونقل بن الحاجب: لا يعتبر ضياعه أو ضياع من يقوته لا أعرفه (^٢).
قوله: (لا بدين أو عطية أو سؤال مطلقا) أي لا يجب عليه الحج بما لم يتقرر في ملكه كالتداين لأجله، أو قبول عطية لما فيه من المنة، وليس عليه أن يحج بدين ثبت عليه أذن له ربه في الحج به. وكذلك لا يجب عليه أن يسأل ما يوصله إلى الحج مطلقا كان عادته السؤال أم لا. عادة الناس إعطاؤه أم لا.
قوله: (واعتبر ما يرد به؛ إن خشي ضياعا) أي واعتبر في الإستطاعة ما يرد به إلى أقرب موضع يعيش فيه، وإن غير بلده إن خشي ضياعا بإقامته في البلد الحرام. قال اللخمي وإن لم يخش الضياع فلا يعتبر إلا ما يوصله فقط (^٣).
قوله: (والبحر كالبر) أي والبحر كالبر في جميع ما تقدم.
وقوله: (إلا أن يغلب عطبه) مستغنى عنه لأن البر إذا غلب عطبه فإنه مسقط للحج. قال ابن المعلى السبتي (^٤) في مناسكه تنبيه: يجب على من أراد السفر للحج في البحر ألا يركب الغرر المتفق على تحريمه، وهو ركوب البحر في غير إبانه ووقت هيجانه، حكى الإتفاق على تحريم ذلك القاضي عياض ﵀ في إكماله. فإن قلت: فعين لنا هذا الوقت حتى نجتنبه. قلت: قد نص بعض العلماء على أنه يرجع في ذلك لأهل الخبرة بهذ الشأن، فإن قالوا: إن الغالب فيه العطب امتنع ركوبه، وقد رأيت أحمد بن نصر الداودي ﵀ نص
_________________
(١) البيان والتحصيل لابن رشد: ج ٤، ص: ٧٢.
(٢) مختصر ابن عرفة: ج ١، ص: ٤٧٧. مخطوط.
(٣) تبصرة اللخمي: ج، ص: ١١٢٤/ ١١٢٥. بتصرف
(٤) محمد بن علي بن معلى السبتي عاش في القرن السابع ونقل عنه الحطاب وابن فرحون في منسكه له غنية الناسك في علم المناسك، توجد نسخة منه في مكتبة أهل حبت في مدينة شيقيط.
[ ١ / ٥٣٧ ]
في كتابه على أن من ركب البحر عند سقوط الثريا فقد برئ من الله تعالى (^١).
قوله: (أو يضيع ركن صلاة لكميد) أي وكذلك لا يجوز السفر للحج إذا خاف أن يضيع ركنا من أركان الصلاة لكميد أي لأجل ميد أو ضيق ونحو ذلك، وأحرى الصلاة كلها.
قال الإمام مالك رحلة: لا يركبه أيركب حيث لا يصلي؟ ويل لمن ترك الصلاة، لأن مفسدة ترك صلاة واحدة أكبر من ثواب حجة.
قوله: (والمرأة كالرجل: إلا في بعيد مشي، وركوب بحر إلا أن تختص بمكان) أي والمرأة كالرجل في الاستطاعة إلا في مشي بعيد فيسقط عنها لأن طول المشي يكشف عورتها، وكذلك ركوب البحر، إلا أن تخص في السفينة بمكان يسترها.
قوله: (وزيادة محرم أو زوج لها)، لو قال تحلله: وصحبة محرم أو زوج لكان أولى، مراده بالزيادة، أنه زاد على ما ذكر في الرجل المحرم ليشمل: النسب والصهر والرضاع، لكن كره مالك سفرها مع ربيبها إما لفساد الزمان أو لضعف مدرك التحريم عند بعضهم، وعلى هذا فيلحق به سائر محارم الصهر ومحارم الرضاع، وأما ما بينهما من العداوة فسفرها معه تعريض لضيعتها وهذا هو الظاهر.
وقد صرح ابن الجلاب وصاحب التلقين بجواز سفر المرأة مع محرمها من الرضاع في باب الرضاع.
قوله: (كرفقة أمنت بفرض، وفي الاكتفاء بنساء أو رجال، أو بالمجموع تردد) تشبيه لإفادة الحكم أي كما عليها أن تخرج إلى حجة الفرض، إذا وجدت رفقة مأمونة، وإن لم يكن معها محرم ولا زوج لا في نفل، وفي الإكتفاء في الرفقة المذكورة بنساء فقط أو رجال فقط، أو لا بد فيه من المجموع فيه تردد الأشياخ في فهم قول مالك فيها من ليس لها ولي تخرج مع من تثق به من الرجال والنساء.
قوله: (وصح بالحرام وعصى) أي ومن حج بمال حرام من غصب أو حرابة أو سرقة أو نهب أو غش أو غير ذلك من وجوه الحرام فإن حجه صحيح، ولكن عصى الله بفعله ذلك.
قال ابن معلى السبتي المالكي في مناسكه تنبيه قال بعض الفضلاء ﵀: المنفق من غير حل في حجه جدير بعدم القبول وإن سقط الفرض عنه كما قاله
_________________
(١) هذا نص ما ذكر الحطاب في مواهبه: ج ٢، ص ٥١٢
[ ١ / ٥٣٨ ]
الأئمة الثلاثة ﵃ قال بعض المحققين من العلماء المتقين: أما عدم القبول فلاقتران السفر بالمعصية وفقدان الشرط وهو التقوى، قال الله تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: ٢٧] وأما صحة العبادة في نفسها فلوجود شروطها وأركانها، قال: ولا تناقض في ذلك، لأن أثر عدم القبول يظهر في سقوط الثواب - والعياذ بالله - وأثر الصحة يظهر في سقوط الفرض عنه وإبراء الذمة منه.
قلت: وقد أشار جماعة من العلماء إلى عدم القبول منهم الإمام القشيري والغزالي وابن عبدوس (^١) والقرافي والقرطبي والنووي، ونقله الغزالي ﵀ عن ابن عباس ﵃ وكفى به حجة، وقال في آخر كلامه: أكل الحرام والشبهة مطرود محروم لا يوفق لعبادة الله وإن اتفق له فعل خير فهو مردود عليه غير مقبول منه.
وذكر الشيخ أبو العباس القرطبي (^٢) ﵀ في كتابه المفهم على صحيح مسلم: أن أبا بكر الصديق ﵁ شرب جرعة من لبن فيه شبهة وهو لا يعلم ثم لما علم بذلك استقاءها فأجهده ذلك حتى تقيأها، فقيل له: أكل هذا في شربة لبن. فقال: والله لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به» (^٣).
قلت: وإذا كانت الحال هذه فسبيل المرء أن يتقي الله في سره وعلانيته ويحافظ على شروط قبول عبادته، وقد قال بعض العلماء المحققين: إن إعمال الجوارح في الطاعات مع إهمال شروطها ضحك للشيطان لكثرة التعب وعدم النفع، وقد روي: «من حج من غير حل فقال: لبيك، قال الله تعالى له: لا لبيك ولا سعديك» (^٤).
_________________
(١) أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبدوس الإمام المبرز الحافظ العادل وهو رابع المحمدين الذين اجتمعوا في عصر واحد من أئمة المذهب ابن سحنون وابن عبد الحكم وابن المواز أخذ عن سحنون وغيره وأخذ عنه القاضي حماسي وأحمد بن نصر وغيرهما من مؤلفاته: المجموعة وكتاب شرح المدونة وغيرهما. ولد سنة: ٢٠٢ هـ ومات سنة: ٢٦٠ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٥، ص: ٢٩٤. وشجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٠٥، الترجمة: ١٢٦.
(٢) أحمد بن عمر بن إبراهيم، أبو العباس الأنصاري القرطبي: فقيه مالكي، من رجال الحديث. يعرف بابن المزين. ولد سنة: ٥٧٨ هـ ومات سنة: ٦٥٦ هـ. من مؤلفاته: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم وغيره الأعلام: ج ١، ص: ١٨٦.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، الحديث: ٢٧٣٠. وفي المعجم الكبير الحديث: ٣٦١/ ١٥٦٩٢. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان الحديث: ٥٧٦٢.
(٤) الحديث بهذا المعنى أخرجه الطبراني في الأوسط الحديث: ٥٢٢٨. وفي الكبير الحديث: =
[ ١ / ٥٣٩ ]
انتهى (^١).
وفي إكمال الإكمال: «ولا يقبل الله إلا الطيب» (^٢).
المازري: الطيب الحلال من قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧] إلى قوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧].
قلت: القبول حصول الثواب على الفعل فالمعنى: ولا يثيب الله من تصدق بالحرام.
فإن قلت: الحج بالمال حرام صحيح، فما الجمع بين ذلك وبين ما فسرت به الحديث؟.
قلت: المنفي في الحديث القبول، وهو أخص من الصحة التي هي عبارة عن كون الفعل مسقطا للقضاء، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم بالمال، فالحج بالمال الحرام صحيح، أي يسقط به الفرض، وهو غير متقبل أي لا ثواب فيه.
ولا يستبعد هذا بأن يقال لا واجب إلا وفي فعله ثواب، لأنا نقول رد الشيء المذكور واجب ولا ثواب فيه، ولا يستشكل صحة الحج بالمال الحرام، بقول مالك في النكاح بالمال الحرام: أخاف أن يضارع الزنا. لأنه إنما قال ذلك مبالغة في التنفير عنه، وإلا فالنكاح صحيح. انتهى منه (^٣).
وفيه: قلت: القبول أخص من الإجزاء، لأن القبول عبارة عن ترتيب الثواب على الفعل، والإجزاء عبارة عن سقوط القضاء، فلذلك قال: يجزئ وهو آثم. انتهى (^٤).
قوله: (وفضل حج على غزو) أي وفضل حج على جهاد، (إلا ل) أجل (خوف) من العدو، فيكون الجهاد حينئذ أفضل، قال بعض الشراح: فيجب الجهاد.
وأما الشيخ لم يبين، ويحتمل كلامه التفسيرين، ويحتمل أن يستويا عند الخوف.
_________________
(١) ١٢٩٩. وأخرجه البزار في مسنده الحديث: ٨٦٣٨.
(٢) نوازل البرزلي: ج ١، ص: ٦٠٠ - ٦٠١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٠) - كتاب الزكاة. (٧) - باب لا يقبل الله صدقة من غلول. الحديث: ١٣١٤. وأخرجه مسلم في صحيحه (١٢) - كتاب الزكاة (١٩) - باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها الحديث: ١٠١٤.
(٤) إكمال الإكمال للأبي: ج ٣، ص: ٤٧٥ - ٤٧٦.
(٥) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٤٥٧.
[ ١ / ٥٤٠ ]
انتهى.
القرافي في أنواء البروق في أنواع الفروق قاعدة: التفضيل باختيار الرب تعالى لمن يشاء على من يشاء، ولما يشاء على ما يشاء، فتفضيل أحد المتساويين من كل وجه على الآخر، كتفضيل شاة الزكاة على شاة التطوع، وكتفضيل فاتحة الكتاب داخل صلاة الفرض على الفاتحة خارج الصلاة، إذا تقرر هذا فإن الواجب أفضل مما ليس بواجب، وكذلك تفضيل حج الفرض على تطوعه، والأذكار في الصلاة على مثلها خارج الصلاة. إذا تقررت هذه القواعد في أسباب التفضيل. فاعلم أن هذه الأسباب الموجبة للتفضيل قد تتعارض فيكون الأفضل من حاز أكثرها وأفضلها، والتفضيل إنما يقع بين المجموعات، وقد يختص المفضول ببعض الصفات الفاضلة ولا يقدح ذلك في التفضيل عليه لقوله ﷺ: «أقضاكم علي وأفرضكم زيد ابن ثابت وأقرؤكم أبي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» (^١) مع أن أبا بكر الصديق ﵃ أجمعين - أفضل الجميع، وكاختصاص سليمان ﷺ بالملك العظيم، ونوح ﷺ بإنذار المئين من السنين وآدم ﷺ بكونه أبا البشر، مع تفضيل النبي ﷺ على الجميع، فلولا هذه القاعدة وهي تجويز اختصاص المفضول بما ليس للفاضل للزم التناقض فقد يختص المفضول بما ليس في الفاضل، كاختصاص الجهاد بثواب الشهادة والصلاة أفضل منه، وليس فيها ذلك، بل الحج أفضل من الغزو، وكذلك الحج فيه تكفير الذنوب كبيرها وصغيرها، وجاء في الحديث: «من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (^٢)، وهو يقتضي الذنوب كلها والتبعات، لأنه يوم الولادة كان كذلك. وقد ورد في بعض الأحاديث: «إن الله تعالى تجاوز لهم عن الخطيئات وضمن عنهم التبعات».
والصلاة ليس فيها ذلك مع أنها أفضل من الحج. انتهى (^٣).
وفي إكمال الإكمال: قال ابن العربي: هذه الطاعات لا تكفر الكبائر وإنما
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه (١١٠) - كتاب السنة. الحديث: ١٥٤
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية، ج ٧، ص: ٢٦٤. والدارمي في سننه كتاب المناسك (٧) - باب فضل الحج والعمرة الحديث: ١٧٦٧. وأخرجه أبو يعلى في مسنده الحديث: ٦١٩٨. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده الحديث: ١٠٢٧٤، ج ١٦، ص: ١٩٢.
(٣) الفروق للقرافي: ج ٢، ص ٢١٢. الفرق الثالث عشر والمائة، القاعدة العشرين.
[ ١ / ٥٤١ ]
يكفرها الموازنة والتوبة، والصلاة لا تكفرها، فكيف يكفرها الحج والعمرة ولكن هذه الطاعات ربما أثرت في القلب، فحملت على التوبة (^١).
قوله: (وركوب، ومقتب) أي والركوب في الحج أفضل من المشي، وإن كان قد جاء منصوصا من طريق ابن عباس عن رسول الله ﷺ: «من حج ماشيا كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم»، قال: وما من حسنات الحرم؟ قال: «الحسنة فيه بمائة ألف حسنة» (^٢).
وهذا الحديث أسنده البزار. انتهى من شرح غريب الموطا.
والركوب على القتب أفضل من الركوب على السرج، أو الرحل أو الهودج أو المحمل أو المحارة اقتداء برسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، ولما في ذلك من كثرة النفقة في شراء المركوب، وفيه تعظيم شعائر الحج وحفظ القوة لأجل الاستعانة على مناسك الحج، ولبعد الصحر فكره العلماء ﵃ الركوب في سفر الحج على المحامل والهوادج. انتهى.
فلو كان يشق على أحد الركوب على الرحل من ضعف أو علة في بدنه فلا بأس بالمحمل، بل هو في هذا الحال مستحب لراحة البدن. انتهى من مناسك بن المعلى السبتي.
قوله: (وتطوع وليه عنه بغيره: كصدقة ودعاء) أي وفضل تطوع ولي الميت عنه بغير الحج، وذكر لذلك أمثلة أي وذلك كصدقة أو هدي أو دعاء، لأن الصدقة والدعاء يصلان الميت بلا خلاف، وإنما الخلاف في الحج والصوم هل يصلانه أم لا؟ ويفهم من قوله وتطوع وليه، أن الميت لم يوص به.
قوله: (وإجارة ضمان على بلاغ) أي وفضل إجارة مضمونة على إجارة على بلاغ، وقال مالك: سوق الإبل أحب إلي من أن يعمل عملا لله بأجر (^٣)، قيل: إن رجلا أتى إلى ابن المنكدر (^٤) يسأله في أخذ حجة، فقال له: أما تستحي من الله أن يبيع الناس أمتعتهم، وتبيع أنت لبيك اللهم لبيك.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٤٤٨ … .
(٢) أخرجه البزار في مسنده الحديث: ٤٧٤٥، ج ٢، ص: ١٦٤.
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ١، ص: ٤٩٠.
(٤) ابن المنكدر: محمد بن المنكدر القرشي التميمي المدني ولد سنة: ٥٤ هـ ومات سنة: ١٣٠ هـ. أدرك بعض الصحابة وروى عنهم. الأعلام للزركلي: ج ٧، ص: ١١٢
[ ١ / ٥٤٢ ]
قوله: (فالمضمونة كغيره، وتعينت في الإطلاق، كميقات الميت، وله بالحساب إن مات ولو بمكة، أو صد والبقاء لقابل، واستوجر من الانتهاء) أي فالإجارة المضمونة في الجج كالإجارة المضمونة في غير الحج صفة وحكما، وتتعين المضمونة في الإطلاق أي وإن لم يقيد بمضمون ولا بلاغ لأن ذلك أحوط.
وقيل: إن أطلق حمل على عادة البلد. وكذلك يتعين ميقات الميت إذا أطلق ولم يقيد الإحرام في غيره، لأن الوصية لا تحمل على ظاهر لفظها، وإنما تحمل على ما ظهر أنه مراد الموصي بها، وأجير المضمونة يملك بالعقد الأجرة كلها، فإن بقي منها شيء بعد تمام العمل فله، فإن نقص فعليه تمام العمل، وله بالحساب إن مات قبل تمام العمل، ولو مات في مكة خلافا لابن حبيب، لأنه قال: إن مات في مكة استحق جميع الأجر، وهو موافق لظاهر الرسالة، والحساب يكون على قدر صعوبة الطريق وسهولتها وأمنها وخوفها، لا بمجرد قطع المسافة. وكذلك إن صد، أي منع قبل تمام العمل لأجل عدو أو مرض، فله الحساب فيما سار كالميت، وله البقاء على عمله إلى قابل محرما أو حالا، فإن مات أو اختار المصدود أخذ محسوبته، واستؤجر لما بقي من العمل حيث. انتهى.
قوله: (ولا يجوز اشتراط كهدي تمتع عليه)، أتى بالكاف ليدخل هدي القران أي ولا يجوز اشتراط هدي تمتع أو قران على الأجير، هكذا فسره الشارح في شروحه الثلاثة، ورد الضمير في عليه على الأجير، ورده فتح الجليل والبساطي على المستأجر.
الحاصل: كل من عليه ذلك لا يجوز شرطه على الآخر، لأن جنس الهدي وصفته مجهولة.
قوله: (وصح إن لم يعين العام. وتعين الأول) أي وصح الاستئجار إن لم يعين العام، وأحرى إن عين أي وإن لم يعين الأجير العام الذي يحج فيه، فإن سائر عقود الإجارة إذا وقعت مطلقة صحت ويحمل على أقرب زمان يمكن وقوع الفعل فيه، ويتعين العام الأول، فإن فات لزمه الحج فيما بعده.
قوله: (وعلى عام مطلق) أي وصح الاستئجار على عام مطلق كما إذا قال للأجير: حج عني متى شئت في هذا العشر فلا يتعين الأول ويحتمل وفضل عام معين على عام مطلق، (وعلى الجعالة) كذلك يصح العقد في الحج (وحج على ما فهم)
[ ١ / ٥٤٣ ]
هو أن يؤجر نفسه على أنه إن وفى بالحج كان له جميع الأجر وإلا فلا شيء له.
قوله: (وحج على ما فهم) أي وحج الأجير على ما فهم من حال الميت من ركوب وغيره، وجنى الأجير إن وفى أي قضى دينه بمال الموصي، ومشى لتمام الحج، لأنه فعل ما لا يحل له.
قال صاحب فتح الجليل: والعادة اليوم بخلاف ذلك، وأنه يصنع به ما يشاء ويحج ما يشاء، وكيف تيسر (^١).
قوله: (وجنى إن وفى دينه ومشى)، يحتمل أنها مسألة واحدة، ويحتمل أنهما مسألتان أي فإن وقع ونزل مشى.
قوله: (والبلاغ: إعطاء ما ينفقه بدءا وعودا بالعرف، وفي هدي وفدية لم يتعمد موجبهما، ورجع عليه بالسرف)، هذا تعريف لأجرة البلاغ، وهو إعطاء الأجير ما ينفقه في ذهابه ورجوعه بالعادة، وما ينفقه في هدي وفدية لم يتعمد موجبها، وأما إن تعمد فذلك عليه في ماله، لا على المستأجر، فإن خالف العادة، وأنفق سرفا رجع عليه بالسرف.
قوله: (واستمر إن فرغ، أو أحرم ومرض، وإن ضاعت قبله رجع، وإلا فنفقته على آجره، إلا أن يوصي بالبلاغ؛ ففي بقية ثلثه ولو قسم) أي واستمر العمل، إن فرغ المال قبل تمام الحج وكذلك يستمر إن أحرم ومرض بعد الإحرام، ويرجع بما أنفق لأنه لم يفرط، وأما إن ضاعت النفقة التي دفعت إليه قبل الإحرام، فإن الأجير يرجع من حيث ضاعت، وله على آجره ما ينفق في رجوعه، فإن تمادى ولم يرجع حتى أتم لم يكن له شيء مما أنفقه في ذهابه ذلك وإيابه إلى حيث ضاعت النفقة، فيكون له ما أنفق بعد ذلك.
قوله: وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك بل ضاعت بعد الإحرام، فإنه يتمادى على عمله إلى تمامه، فتكون نفقته حينئذ على آجره، لعدم إمكان رفض الإحرام، لأن الآجر مفرط حيث لم يؤاجر على البلاغ وعدل عن المضمونة، هذا كله إذا لم يوص الميت بالبلاغ، وأما إن أوصى بإجارة البلاغ، فيكون ذلك في بقية ثلثه، ولو قسم المال.
قوله: (وأجزأ إن قدم على عام الشرط أو ترك الزيارة، ورجع بقسطها، أو خالف إفرادا
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ١/ ص: ٣٩٠. مخطوط.
[ ١ / ٥٤٤ ]
لغيره إن لم يشترطه الميت، وإلا فلا، كتمتع بقران أو عكسه، أو هما بإفراد، أو ميقاتا شرط)، هذا شروع منه ﵀ فيما يجزئ من أعمال الأجير في الحج وما لا يجزئ، فينبغي للأجير في الحج ألا يخالف ما شرط عليه، فإن خالف ما شرط عليه، وقدم الحج على عام الشرط، فإنه يجزيه لأنه كمن قضى دينه قبل أجله، كما إذا شرط عليه أن يحج في العام الثالث، وحج في العام الثاني، وكذلك يجزيه الحج إن أتى بأركانه كله، ولكن ترك الزيارة القبر النبي ﷺ، فإن أجره عليها فإنه يرجع عليه بقسطها من الأجرة وبقدر مسافة الزيارة، وقيل: يرجع حتى يزور. قاله ابن أبي زيد (^١).
وتعقب عليه البساطي قائلا: ظاهر كلامه ولو تركها عمدا أو جهلا، وكلامهم أنه منع. انتهى بمعناه من فتح الجليل.
أطلق الشيخ هنا ﵀ الزيارة سواء ترك الزيارة لعذر أم لا، والمنصوص إذا ترك ذلك لعذر، وكذلك يجزئ إذا خالف إفرادا لغيره من تمتع أو قران إن لم يشترط الميت الإفراد، بل إنما شرطه الوصي.
قوله: وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك، بل إنما اشترطه الميت فلا يجزئ كما لا يجزئ في تمتع شرط عليه، فخالفه لقران أو عكسه، وهو قرآن شرطه عليه فخالفه لتمتع أو خالف أحدهما لإفراد أو خالف ميقاتا شرط عليه فإنه لا يجزئه. وفي بعض النسخ أو ميقات بالخفض عطفا على كتمتع، وأما الشارح ﵀ فقد غفل بعطف ميقات على إفراد، لأن عطف ما لا يجزئ على ما لا يجزئ لا يستقيم.
قوله: (وفسخت إن عين العام، أو عدم، كغيره، وقرن، أو صرفه لنفسه)، شروع منه ﵀ فيما تفسخ فيه الإجارة في الحج وما لا أي وفسخت الإجارة في الحج مضمونة كانت أو غيرها، إن عين العام الذي يحج فيه وعدم فيه الحج بموت الأجير أو تنصره أو غير ذلك من فساد الحج أو فوته، كما تنفسخ إذا تولى العمل غير الأجير يحتمل الأجير الذي عينه الميت، ويحتمل نائب الأجير.
وكذلك ينفسخ إن قرن مخالفا لما لا يجزئ القرآن عنه، وفي بعض النسخ: كغيره وقرن أي كغير المعين والحال أنه قرن. وكذلك ينفسخ إن صرفه لنفسه بعد أن
_________________
(١) منسك خليل، تأليف: الشيخ خليل بن إسحاق، وبهامشه ضوء الفتيل على أحاديث منسك خليل تحقيق: المجتبى بن المصطفى وراجعه محمد محمود بن محمد الأمين، ص: ١٢١، ط ١: ٢٠٠٧ م دار يوسف بن تاشفين.
[ ١ / ٥٤٥ ]
أحرم عن الميت لأنه تبينت خيانته، ولا يؤمن بعد ذلك وإن لم يعين العام.
قوله: (وأعاد؛ إن تمتع) أي وإن اشترط الإفراد والقرآن فتمتع لم تنفسخ الإجارة، فيعيد في العام القابل كما شرط عليه.
قوله: (وهل تنفسخ إن اعتمر عن نفسه في المعين، أو إلا أن يرجع للميقات فيحرم عن الميت فيجزيه؟ تأويلان) أي وهل يفسخ عقد الإجارة مطلقا إن اعتمر الأجير عن نفسه في العام المعين أو لا تنفسخ إلا أن يرجع للميقات الذي تعداه فيحرم فيه عن الميت فيجزئه فيه تأويلان.
قوله: (ومنع استنابة صحيح في فرض؛ وإلا كره كبدء مستطيع به عن غيره) أي ومنع لمكلف صحيح استنابة في فرض حج وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك بل هو غير صحيح، أو الحج غير فرض بل هو نفل، كره الاستنابة فيه كما كره بدء مستطيع بالحج عن غيره وإن تطوعا عن كأبيه.
قوله: (وإجارة نفسه) أي وكره لإمرئ إجارة نفسه في حج، لأنه من باب طلب الدنيا بعمل الآخرة، والأجرة من سوق الإبل وضرب اللبن خير له من الإجارة على الحج.
قال سحنون: لأن أطلب الدنيا بالدف والمزمار خير من أن أطلبها بالدين (^١).
قوله: (ونفذت الوصية به من الثلث) أي وإن أوصى الميت بالحج عنه، فإن وصيته تنفذ من ثلثه لأن الوصايا كلها خارجة من الثلث.
قال القلشاني: إنما نفذت الوصية عندنا بحج، لأن من الناس من يقول: إن من لم يحج في حياته، يجب أن يخرج من ماله ما يحج به عنه وجوبا. قال الشافعي: وينفذ من رأس المال. ومذهبنا أنه من الثلث، وإنما كانت الوصية بالصدقة أحب إليه، لأن انتفاع الميت بالصدقة متفق عليه. قال ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله من الدنيا إلا من ثلاث» (^٢)، فذكر الصدقة الجارية، وأما الحج فمختلف في صحة النيابة فيه، لأنه من باب أفعال البدن، وإن كان يشوبه مال فأشبه الصلاة والصيام،
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٢، ص: ١١٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥) - كتاب الوصية. (٣) - باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته. الحديث: ١٦٣١. وأخرجه الترمذي في سننه (١٣) - كتاب الأحكام. (٣٦) - باب ما جاء في الوقف. الحديث: ١٣٧٦
[ ١ / ٥٤٦ ]
وأفعال الطاعات بالنسبة إلى ما تصح فيه النيابة، وما لا تصح على ثلاثة أقسام: قسم تصح فيه النيابة اتفاقا وهو العمل المالي، كالصدقة والعتق وشبه ذلك. وقسم مقابله لا تصح فيه النيابة اتفاقا في المذهب، وهو العمل البدني كالصلاة والصيام والأيمان.
قال الباجي: لا خلاف بين الأمة في عدم النيابة في الأيمان. وكذلك الصلاة، إلا قولة شاذة رويت عن ابن عباس أنه قال: جاز أن تقضى الصلاة عن الميت، وأما الصيام فقال مالك: لا تصح فيه النيابة.
وقال الشافعي: تصح فيه النيابة، تغليبا لما ينفق فيه من المال في الكفارات.
والقسم الثالث: المركب من مال وعمل كالحج والعمرة والجهاد في صحة النيابة فيه خلاف، بناء على تغليب إحدى الثنائيتن: المال والعمل. انتهى (^١).
قوله: (وحج عنه حجج إن وسع وقال يحج به لا منه) أي وإن أوصى بأن يحج عنه فإنه يحج عنه من ثلثه حجج إن وسع الثلث، والحال أنه قال: يحج به أي بمجموعه إلا إن قال: يحج منه، فإنه يحج منه مرة واحدة.
قوله: (وإلا فميرات أي وإن لم يسع الثلث أو لم يبلغ ما يحج به، أو يبقى بعد الحج في قوله: منه فإنه ميراث.
قوله: (كوجوده بأقل، أو تطوع غير)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن الباقي يكون ميراثا إذا وجد من يحج عنه بأقل مما سمى، أو تطوع بالحج عنه متطوع، فإن المال يكون ميراثا.
قوله: (وهل إلا أن يقول يحج عني بكذا فحجة؟ تأويلان)، مخرج من قوله: كوجوده بأقل أي وإذا وجد من يحج عنه بأقل أي فيرجع الباقي ميراثا، وهل مطلقا سواء قال: يحج عني فلان أو رجل أو لم يقل أو يرجع إلا أن يقول: يحج عني بكذا فيحج عنه حجج فيه تأويلان.
قوله: (ودفع المسمى - وإن زاد على أجرته - لمعين لا يرث فهم إعطاؤه له) أي ودفع المسمى لمعين لا يرث، فهم إعطاء ذلك المسمى له وإن زاد على أجرة مثله، وأما إن كان المعين وارثا، أو فهم من حال الميت عدم إعطائه له، فلا يزاد على أجرة المثل لهما.
_________________
(١) تحرير المقالة في شرح الرسالة للقلشاني: ج ٢، ص: ٣٧٠. مخطوط.
[ ١ / ٥٤٧ ]
قوله: (وإن عين غير وارث ولم يسم زيد - إن لم يرض بأجرة مثله تلتها، ثم تربص، ثم أوجر - للصرورة فقط - غير عبد وصبي، وإن امرأة) أي وإن عين الموصي غير وارث، ولم يسم ما يدفع له، زيد له إن لم يرض بأجرة مثله ثلثها أي ثلث الأجرة، وأما الوارث فلا يراد له، فإن لم يرض غير الوارث بها زيد له بعد تربص لعله يرضى، فإن لم يرضى أوجر للضرورة فقط، وأما غير الضرورة فلا يؤجر له بعد التربص، بل يكون المال ميرانا.
غفل الشارح هنا تعلله إنما يؤجر للضرورة حر مكلف وإن امرأة خلافا لمن قال: لا تحج المرأة عن الرجل، وأما العبد والصبي فلا يؤاجران للضرورة.
قوله: (ولم يضمن وصي دفع لهما مجتهدا) أي ولم يضمن وصي دفع للعبد أو الصبي ما يحج به عن الموصي لأنه اجتهد وأخطأ، وأما إن دفع لهما تعديا فإنه يضمن.
قوله: (وإن لم يوجد بما سمى من مكانه حج من الممكن ولو سمى؛ إلا أن يمنع فميراث) أي وإن لم يوجد من يستأجر بما سمى الموصي من مكانه، حج بالمال المسمى من الممكن ولو في مكة، ولو سمى الميت المكان، فلا يكون عدم إمكان مكانه مسقط لوصيته، إلا أن يمنع فيقول: لا يحج عني إلا من موضع كذا، فيكون المال حينئذ ميراثا.
قوله: (ولزمه الحج بنفسه) أي ولزم الأجير الحج عن الموصي بنفسه سواء عينه بنص أو قرينة صلاح أو لم يعينه هذا هو الذي استظهره في مناسكه.
قوله: (لا الإشهاد، إلا أن يعرف) أي لا يلزمه الإشهاد أنه أحرم عن الميت، إلا أن يكون الإشهاد عرفا، فيلزمه حينئذ الإشهاد.
قوله: (وقام وارثه مقامه في: من يأخذه في حجة) أي وقام وارث الأجير مقام موروثه في قول الموصي من يأخذ هذا المال في حجة واحدة؟ فأخذه رجل ثم مات، فإن وارثه يقوم مقامه، فإن كان موته قبل الإحرام فلا كلام، وإن كان بعد الإحرام فإنه يستأنف الإحرام عن الميت الموصي، (ولا يسقط فرض من حج عنه) بأجرة أو تطوع، (و) لكن له أجر النفقة) إذا أوجر (و) له أجر (الدعاء) إذا تطوع عنه. انتهى.
قوله: (وركنهما الإحرام)، ركن الشيء جزؤه، وأركانه أجزاؤه. لما ذكر حكم
[ ١ / ٥٤٨ ]
الحج أنه فرض والعمرة أنها سنة، شرع يذكر أركانهما أي وركن الحج والعمرة الذي لا يصحان إلا به الإحرام، وجعل يبين وقت الإحرام بهما، فقال: ﴿ووقته للحج شوال لآخر ذي الحجة﴾ أي ثلاثة أشهر: شوال وذو القعدة وذو الحجة، لقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقيل: إلى العشر من ذي الحجة، وفائدة الخلاف تظهر بتأخير طواف الإفاضة إلى آخر يوم من ذي الحجة، من قال: وقته ذو الحجة كله فلا دم، ومن قال: وقته ذو الحجة إلى العشر منه فعليه الدم.
قوله: (وكره قبله كمكانه) أي وكره الإحرام قبل ميقاته الزماني الذي هو أشهر الحج كما يكره الإحرام قبل ميقاته المكاني، و(في) كراهة الإحرام (في رابغ) وعدم كراهته (تردد) للأشياخ لعدم النص ومن قال بكراهته لأنه قبل الجحفة، ومن قال: لا يكره لأنه من عمل الجحفة. وسميت مكة أم القرى لأنها أول الأرض وأصلها، ومنها دحيت.
وفي الحديث: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» (^١) أي لما يقع بينهما من السيئات.
عياض واحتج به الجمهور، وكثير من أصحاب مالك على جواز تكرير العمرة في السنة الواحدة، وكرهه مالك لأنه ﷺ اعتمر خمس عمر كل واحدة في سنة مع تمكنه منه، من التكرار.
قال: إلا أن يشرع في المكروه فيلزمه إتمامها، وقيل لا يعتمر في شهر أكثر من مرة واحدة.
عياض: ووقت العمرة لغير الحاج أبدا ولو في أيام الرمي وللحاج إلا في أيام الرمي. إكمال الإكمال (^٢).
قوله: (وصح) أي وصح الإحرام قبل ميقاته الزماني والمكاني وإن كره.
قوله: (وللعمرة أبدا إلا لمحرم بحج فلتحلله) أي ووقته الإحرام للعمرة أبدا، والأبد ظرف لما يأتي من الزمان إلا المحرم بحج فلا يحرم بعمرة، إلا أن يحل بتحليلة
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٢) - كتاب الحج. (٣٣) - أبواب العمرة. (١) - باب وجوب العمرة. الحديث: ١٦٨٣. وأخره مسلم في صحيحه. (١٥) - كتاب الحج. (٧٩) - باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة. الحديث: ١٣٤٩.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٤٤٦.
[ ١ / ٥٤٩ ]
الصغرى وهي رمي جمرة العقبة، والكبرى وهو تحلله بطواف الإفاضة.
وكذلك لا يحرم بعمرة وهو محرم بعمرة حتى يحل منها، والعمرة هي الإحرام والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والحلاق.
قوله: (وكره بعدهما وقبل غروب الرابع) أي وكره لمريد عمرة أن يحرم بها بعد تحليله وقبل الغروب، في اليوم الرابع من أيام منى.
قوله: (ومكانه له للمقيم بمكة، وندب المسجد، كخروج ذي النفس لميقاته) أي ومكان الإحرام للحاج المقيم مكيا كان أو غيره مكة حيث شاء منها، ولكن ندب له أن يحرم من المسجد الحرام، كما يندب خروج ذي النفس من أهل الآفاق، إذا كان بمكة إلى ميقاته فيحرم منه، وذو النفس من اتسع له الوقت، يقال: دار فلان أنفس من دار فلان أي أوسع.
قوله: (ولها وللقران الحل والجعرانة أولى، ثم التنعيم) أي ومكان الإحرام للعمرة والقرآن الحل، إذ لا بد لكل إحرام بحج أو عمرة أو هما من الجمع بين الحل والحرم، لفعله ﷺ، فلذلك لا يجوز للمكي أن يحرم بالعمرة من مكة، لأنه لو أحرم بها منها فهي تنقضي بالحرم.
وأما الحج إن أحرم به من مكة فإنه يجمع بين الحل والحرم لوقوفه بعرفة، ولما كان مكان الإحرام بالعمرة أو القران الحل، فالجعرانة أولى ما يحرم منه لفعله ﷺ.
ويليه في الفضل بالإحرام به التنعيم، لأمره ﷺ لعبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق (^١) ﵁ أن يخرج بأخته عائشة أم المؤمنين إلى التنعيم.
يقال للتنعيم اليوم مسجد عائشة.
قوله: (وإن لم يخرج أعاد طوافه وسعيه بعده، وأهدى إن حلق؛ وإلا فلهما ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وقرن، وذات عرق) أي وإن لم يخرج من أراد العمرة أو القران إلى الحل، أعاد طوافه وسعيه بعد أن خرج للحل.
ويروى أن الحجر الأسود في أول أمره كان له نور يصل آخره إلى هذه الحدود،
_________________
(١) عبد الرحمن بن عبد الله القرشي التيمي وأمه أم رومان والدة عائشة. تأخر إسلامه إلى أيام الهدنة فأسلم وحسن إسلامه روى عن النبي ﷺ، قال بن سعد: مات سنة ثلاث وخمسين وقال بن حبان مات سنة ثمان وقال البخاري مات قبل عائشة وبعد سعد قاله لنا أحمد بن عيسى بسنده. الإصابة: ج ٤/ ص: ٣٢٥، الترجمة: ٥١٥٥.
[ ١ / ٥٥٠ ]
فلذلك منع الشرع مجاوزتها لمن أراد الحج تعظيما لتلك الآثار. الذخيرة (^١). لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، لأنه أوقع ذلك بغير شرطها، وعليه الهدي إن حلق رأسه، لأنه حلق وهو محرم، لأن إحرامه صحيح، ولكن لا يعتد بشيء من فعله قبل خروجه للحل.
قوله: وإلا أي وإن لم يكن مريد الحج أو العمرة مقيما بمكة فمكان الإحرام لهما ذو الحليفة، وهو أبعد المواقيت، وهو من المدينة على أميال ستة أو سبعة، وهي ميقات أهل المدينة.
يقال لذي الحليفة اليوم بئر علي، والجحفة يقال لها مهيعة، ويلملم جبل من جبال تهامة، على ليلتين عن مكة وهو ميقات أهل اليمن، وقرن ميقات أهل نجد، وذات عرق ميقات أهل العراق، والجحفة سميت جحفة لأن السيول أجحفتها وقيل لأن السيل ذهب بها وبأهلها، وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب وهي ثلاثة مراحل من مكة.
المازري: للإحرام ميقاتان: مكاني وزماني: فالمكاني هذه الأماكن، وفائدة نصبها تعيين الإحرام عندها فإن أحرم قبلها بيسير كره لما فيه من التلبيس في المواقيت، وإن أحرم قبلها بكثير، بحيث لا تلتبس المواقيت، فظاهر المدونة الكراهة، وظاهر المختصر الجواز.
قلت ونقل اللخمي قولا بعدم كراهة القريب. عياض: لم يختلف في مشروعيتها، وكافتهم على أن الإحرام منها سنة مؤكدة، فلا يحل لمن يريد الحج أو العمرة أن يجاوزها غير محرم. إكمال الإكمال (^٢).
النووي: أصح الوجهين عندنا أن الذي وقتها عمر، وقيل النبي ﷺ (^٣).
ويلملم جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن.
وقرن ميقات أهل نجد وهو أقرب المواقيت لمكة وذات عرق. ذكر الشيخ عماله المواقيت ولم يذكر أهلها، كما ذكره صاحب الرسالة.
قوله: (ومسكن دونها، وحيث حاذى واحدا) أي ومن كان مسكنه دون المواقيت
_________________
(١) الذخيرة للقرفي: ج ٣، ص: ٢٠٦.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ١٦١.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ١٦٥.
[ ١ / ٥٥١ ]
فمسكنه مكان إحرامه، وكذلك حيث حاذى مسكنه واحدا من المواقيت فإنه مكان إحرامه.
قوله: (أو مر ولو ببحر) أي وكذلك إن مر في سيره بالميقات وهو يريد مكة، وجب عليه أن يحرم منه ولو كان مروره ذلك في بحر، خلافا لمن قال: لا يحرم في بحر، لاحتمال أن ترده الريح والمشهور لا فرق بين البر والبحر.
قوله: (إلا كمصري يمر بالحليفة، فهو أولى، وإن لحيض رجي رفعه) أي إلا أن يكون المار ميقاته بين يديه، كمصري وشامي ومغربي يمر بالحليفة، فلا يجب عليه الإحرام، ولكن الأولى أن يحرم منه، لأن المبادرة بالطاعة أفضل، وإن كانت حائضا رجي رفع حيضتها عند ميقاتها، وأحرى إن لم يرج.
قوله: (كإحرامه أوله) تشبيه لإفادة الحكم أي كما ندب عقد الإحرام في أول الميقات. (و) كذلك يندب لمريد الإحرام بالنسك قبل التلبس بالإحرام (إزالة شعثه) من قلم ظفر وحلق عانة ونتف إبط. (و) كذلك يندب له (ترك اللفظ) بما يريد أن يحرم (به)، فإن تلفظ فلا يضره.
قوله: (والمار به إن لم يرد مكة، أو كعبد فلا إحرام عليه، ولا دم. وإن أحرم إلا الضرورة المستطيع فتأويلان) أي والمار بالميقات إن لم يرد دخول مكة، أو أرادها ولكن عبد أو صبي، فإنه لا إحرام عليه بحج ولا بعمرة، ولا دم عليه في تركه الإحرام، وإن أحرم بعد أن تعداه إلا أن يكون ضرورة مستطيعا، فيكون في وجوب الدم عليه، وعدم وجوبه تأويلان على المدونة، بناء على أن الحج على الفور أو على التراخي.
قوله: (ومريدها إن تردد أو عاد لها لأمر) أي ومريد مكة إن تردد في دخوله لها كالرعاة والحطاب والحشاش، أو خرج منها وعاد إليها لأمر نسيه ونحوه فلا دم.
وقوله: (فكذلك) أي فلا إحرام عليها ولا دم، وإن أحرم إلا لضرورة المستطيع.
قوله: (وإلا وجب الإحرام، وأساء تاركه، ولا دم إن لم يقصد نسكا، وإلا رجع، وإن شارفها ولا دم وإن علم) أي وإن لم يكن الأمر كذلك بل ليس بمتردد، ولا عائد لأمر وجب عليه الإحرام، ويكون مسيئا بتركه لأنه خالف الشرع، ولكن لا دم عليه إن لم يقصد نسكا من حج أو عمرة أو هما وإلا أي وإن قصد نسكا رجع إلى الميقات ليحرم منه، وإن كان قد شارف مكة، ولا دم عليه إن رجع فأحرم منه، ولو كان عالما بقبح فعله بتعدي الميقات، وأحرى إن جهل.
[ ١ / ٥٥٢ ]
قوله: (ما لم يخف فوتا، فالدم) أي ورجع إلى الميقات حيث كان وإن شارفها ما لم يخف الفوات، فإن خاف الفوات فلا يرجع، فيكون الدم لازما له.
وقد أجحف الشيخ هنا تعلمه في الاختصار.
قوله: (كراجع بعد إحرامه، ولو أفسد) تشبيه لإفادة الحكم كما أن الدم يلزم من تعدي الميقات من غير إحرام، فأحرم ثم رجع له بعد إحرامه، لثبوت الدم في ذمته فلا يسقط عنه ولو أفسد حجه، فيكون عليه دمان دم تعدي الميقات ودم الإفساد، لأن المفسد يلزمه إتمامه وعليه قضاؤه.
قوله: لا إن فات فيسقط وللمسألة نظائر، كقوله في باب النذر: ولو مشى الجميع.
وقوله: في هذا الباب في ما يأتي وحرم الحلق والهدي لتأخيره وله فعله، وسجود السهو بعد السلام ترتب عليه وتركه وأعاد الصلاة فلا يسقط لترتبه عليه، وكذلك هذا لا يسقط عنه الدم ولو أفسد حجه فعليه دمان دم تعدي الميقات ودم الإفساد، لأن المفسد يلزمه إتمامه، وعليه قضاؤه.
قوله: (لافات) أي فيسقط الدم عليه إن فاته ذلك الحج، إلا أنه صار كمن لم ينو عند مروره بالميقات نسكا ثم أحرم به بعده. انتهى.
قوله: (وإنما ينعقد بالنية، وإن خالفها لفظه ولا دم) أي وإنما ينعقد الإحرام المتقدم ذكره بالنية وهي قصد المكلف الشيء المأمور به، وإن خالف لفظه ما نواه.
وقال في الصلاة وإن تخالفا فالعقد أي هو المعتبر ولا دم عليه إن خالف لفظه عقده.
قوله: (وإن بجماع) أي ولو كانت النية مقارنة بجماع، فيلزمه التمادي على إحرامه لانعقاده ذلك، ويقضي ما نواه وعليه دم الفساد.
قوله: (مع قول أو فعل تعلقا به بين أو أبهم، وصرفه لحج، والقياس لقران) أي إنما ينعقد بالنية مع قول أو فعل تعلقا بالإحرام كتلبية، وتوجه على الطريق سواء يبن ما أحرم به أو أبهمه أو لم يبنه، فإن الإحرام ينعقد وإن لم يبن ما أحرم به ولكن لا يعمل شيئا إلا بعد التبيين، فإن وقع ونزل وعمل بغير تعيين صرفه للحج لأن العمرة تندرج فيه، وإن كانت هي التي أحرم بها، ولكن القياس أن يصرفه لقران وينوي الحج وبرئ منه فقط أي فلا يبرأ من العمرة لاحتمال أن يكون إنما أفرد أولا بحج.
[ ١ / ٥٥٣ ]
قوله: (وإن نسي قران، ونوى الحج وبرئ منه فقط) أي وإن نسي ما أحرم به من حج أو عمرة أو هما فالقران لازم له احتياطا وينوي الحج فيبرأ منه فقط لا من سنة العمرة لاحتمال أن يكون إحرامه لإفراد لأن الإفراد على العمرة الفاسدة لا يصح خلافا لعبد الملك.
قوله: (كشكه أفرد أو تمتع) صوابه كشكه أحرم بحج أو عمرة أي فإنه يصرفه لحج لأنه إن كان حجا فهو، وإن كان عمرة فإنه أردف الحج على العمرة لصحة إردافه عليها.
فرع: فإن شك هل أردف أو تمتع تمادى على نية القرآن قاله اللخمي. التوضيح (^١).
قوله: (ولغى عمرة عليه، كالثاني في حجتين أو عمرتين) أي ولغي عمرة على الحج أي فلا تنعقد نية إرداف عمرة على حج، لأن الأضعف لا يدخل على الأقوى. وكذلك يلغي الثاني في حجتين إذ لا يدخل على مثله، لأنه تحصيل الحاصل. وكذلك يبطل الثاني من عمرتين.
قوله: (ورفضه) أي وكذلك يلغى رفض الحج، إذ لا يؤثر فيه الرفض كما قالوا: ضادان لا يرفضان الحج والوضوء وضادان يرفضان الصلاة والصوم. الفرق بين أجزاء الصلاة والصوم والحج والوضوء الفرق أن أجزاء الصلاة والصوم متصلة بخلاف الحج والوضوء.
قوله: (وفي كإحرام زيد تردد) أي: وفي صحة عقد الإحرام إذا نوى بإحرامه ما أحرم به زيد وعدم صحته تردد الأشياخ في فهمه ووجهه من قال بالصحة فعل علي بن أبي طالب ﵁ إذا أحرم بما أحرم به النبي ﷺ في حال كونه لم يعلم ما أحرم به من النسك.
قوله: (وندب إفراد، ثم قران بأن يحرم بهما وقدمها) أي وندب الإفراد بالحج، لأنه أفضل من القران ومن التمتع، لفعله ﷺ ولأنه لا دم فيه، والانتفاع بإسقاط عمل ولا أحد السفرين لأنه إذا فصلت العمرة من الحج بسفر كثر قصاد البيت، واتصلت عمارته العام عمله، ثم يليه في الفضل قران، وصفته أن يحرم بهما أي بالعمرة والحج، ولكن يقدم العمرة في النية.
_________________
(١) التوضيح: ج ٢، ص: ٥٥١.
[ ١ / ٥٥٤ ]
ظاهر كلام الشيخ أن تقديمها في النية على الوجوب. وقال البساطي: هو على الاستحباب (^١).
قوله: (أو يردفه بطوافها) أي صفة ثانية للقرآن أي أو يردف الحج في طواف العمرة، وأحرى في الجواز أن يردفه قبل الطواف.
قوله: (إن صحت) أي إنما يردف الحج على العمرة إن صحت العمرة لا إن فسدت، لأن الإرداف على العمرة الفاسدة لا يصح خلافا لعبد الملك.
المازري: وللمتعة الموجبة للدم ستة شروط أن يحرم أولا بالعمرة في أشهر الحج، ويحل منها فيها، ثم يحرم من عامه، ويقدم العمر، ويكون ذلك في سفرة واحدة، والسادس أن يكون غير مكي، فإن سقط شيء من الستة لم يجب الدم. وعلى اشتراط الستة الكافة. إكمال الإكمال (^٢).
قوله: (وكمله، ولا يسعى) أي فإن أردف الحج على العمرة الصحيحة في طوافها فإنه يكمل الطواف ولكن لا يسعى بين الصفا والمروة، لأن من أنشأ الحج من مكة لا يسعى إلا بعد طواف الإفاضة غفل الشارح هنا الله (وتندرج) العمرة في الحج حتى لا يبقى لها فعل ظاهر تختص به.
قوله: (وكره قبل الركوع) أي وكره إرداف الحج على العمرة بعد الطواف، وقبل الركوع للطواف، فإن وقع ونزل فإنه يصح ويكون قارنا وعليه هدي بالقرآن.
قوله: (لا بعده) أي لا بعد الركوع أي فلا يكون قارنا، ولا يلزمه الحج إلا أن يشاء.
قال ابن يونس بعد هذا ما نصه: بخلاف ما إذا أردف الحج بعد السعي قبل أن يحلق فيلزمه الحج ولم يكن قارنا، ويؤخر حلاق رأسه (^٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (وصح بعد سعي، وحرم الحلق، وأهدى لتأخيره ولو فعله) أي وصح الإحرام بالحج بعد سعي العمرة ويحرم عليه الحلق لأنه محرم، وعليه الهدي لأجل تأخر الحلق حكما ولو فعله حسا.
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٢، ص: ٤٠٢.
(٢) إكمال الإكمال: ج ٤، ص: ٢٤٢.
(٣) الجامع لابن يونس: ج ٣، ص: ١٥١٥ فصل: المحرم بالعمرة إذا أحرم بالحج بعد .. والتاج والإكليل للمواق: ج ٣، ص: ٥٨
[ ١ / ٥٥٥ ]
قوله: (ثم تمتع بأن يحج بعدها وإن بقران) أي ثم يلي التمتع القران في الفضل، وصفة التمتع بأن يحج بعدها أي بعد العمرة، وإن كان الحج قرانا في أشهر الحج.
قوله: (وشرط دمهما) أي وشرط وجوب دم القران والتمتع (عدم إقامة بمكة أو ذي طوى) في (وقت) وقوع فعلهما وإن) كانت الإقامة (ب) سبب (انقطاع بها) أي بمكة كالمجاور، (أو خرج) المكي ونحوه (لحاجة) من غزو أو تجارة، ونيته العود إليها، ثم عاد إليها بعمرة قران أو تمتع، فإن الدم ساقط على هؤلاء لقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩٦].
قوله: (لا انقطع بغيرها) أي لا إن انقطع المكي بغير مكة، فإن الدم لا يسقط عنه.
قوله: (أو قدم بها ينوي الإقامة) أي وكذلك الدم على آفاقي قدم مكة معتمرا في أشهر الحج ناويا الإقامة وحج من عامه.
قوله: (وندب لذي أهلين، وهل إلا أن يقيم بأحدهما أكثر فيعتبر؟ تأويلان) أي وندب الهدي لمن قرن أو تمتع، إذا كان له أهل بمكة وأهل في غيرها، وهل ذلك الإستحباب مطلقا؟ أقام في أحدهما أكثر أو تساويا وهو تأويل، أو هو كذلك مستحب إلا أن تكون إقامته بأحدهما أكثر فيعتبر الأكثر، وإن كان الأكثر مكة فلا دم، وإن كان غيرها فالدم وهو تأويل.
قوله: (وحج من عامه)، هذا هو الشرط الثاني من شروط دم القران والتمتع أي ومن شروط وجوب دم القرآن والتمتع أن يحج القارن أو المتمتع من عامه الذي اعتمر فيه، وهو معطوف على قوله: وعدم إقامة بمكة.
قوله: (وللتمتع) أي وشرط في دم التمتع مع ما تقدم (عدم عوده لبلده أو مثله) في البعد، (ولو) كان بلده (بالحجاز)، فلو أتى بعمرة في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده أو مثله في البعد، ثم حج من عامه لم يكن عليه دم، لأنهم عللوا وجوب الدم بسقوط أحد السفرين عن فاعله.
قوله: (لا أقل) أي فلا يسقط الدم عنه بسبب رجوعه إلى بلد أقل بعدا من بلده، ولو بعد في نفسه.
قوله: (وفعل بعض ركنها في وقته) أي ومن شروط دم التمتع فعل بعض ركن العمرة في وقت الحج، وهو أشهر الحج الثلاث، فلو أحرم بعمرة رمضان وأكمل
[ ١ / ٥٥٦ ]
سعيها قبل دخول شوال لم يكن بحجه في ذلك العام متمتعا، ولو لم يحلق رأسه إلا في أشهر الحرام، لأن الحلاق ليس بركن، بخلاف ما لو أكمل سعيه بعد دخول شوال لأن المعتبر السعي لا الحلاق.
قوله: (وفي شرط كونهما عن واحد تردد) أي وهل يشترط في وجوب الدم على المتمتع كون العمرة والحج على شخص واحد، أولا يشترط ذلك فيه تردد.
ابن الحاجب: الرابع أن يكون عن واحد على الأشهر (^١)، واقتصار ابن يونس على الثاني، وهو نص الموازية.
قوله: (ودم التمتع يجب بإحرام الحج، وأجزأ قبله) أي ويجب هدي دم التمتع بالإحرام بالحج لا بإحرام العمرة، وإن كان في نيته أن يتمتع بها، وأجزأه الهدي قبل الإحرام بالحج كتقديم الكفارة قبل الحنث.
قوله: (ثم الطواف لهما سبعا بالطاهرين، والستر)، لا أقل من السبع ولا أكثر، والله حكمه في السبعيات. هذا هو الركن الثاني للحج وللعمرة، وسبب الطواف قول الملائكة ﵈: ﴿أتجعل فيها﴾ [البقرة: ٣٠] حين قال الله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض﴾ [البقرة: ٣٠]، فغضب الله تعالى عليهم، فطافوا بالعرش سبعا، فرضي الله عنهم، ذكره في المقدمات (^٢).
قال ابن حبيب: يقول عند ابتداء الطواف واستلام الحجر: بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ (^٣).
الشوط واحد الأشواط، فكلما أتيت إلى موضع فيه رجعت فذلك شوط، فإذا رجعت إليه مرة أخرى فذلك شوط، ومن الحجر إلى الحجر شوط أي والركن الثاني للحج والعمرة طواف بالبيت سبعا بشرط الطهارة من الحدث والخبث، لأن الطواف كالصلاة إلا في إباحة الكلام، وعدم الاستقبال لعدم إمكانه في الطواف. وكذلك إذا علم بنجاسة فنزعها فلا يبطل طوافه بخلاف الصلاة فإنها تبطل ولا بأس بما خف من الحديث في الطواف، ولكن لا ينشد فيه شعرا، وليست القراءة في الطواف من السنة، وإن باع واشترى في طوافه فلا يعجبني.
_________________
(١) جامع الأمهات لابن الحاجب: ص: ١٩٠
(٢) المقدمات لابن رشد: ج ١، ص: ١٩٥/ ١٩٦
(٣) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٢٧٩.
[ ١ / ٥٥٧ ]
لو استغنى الشيخ بقوله: ثم الطواف عن قوله لهما، لكفاه لأنه قد قال: وركنهما الإحرام.
وكذلك يشترط في الطواف الستر للعورة كالصلاة الستر بفتح السين الفعل،
وبكسرها اسم لما يستتر به وكره مالك للطائف أن يحسر عن منكبيه أو يطوف مغطى الفم، أو المرأة متنقبة.
قوله: (وبطل بحدث بناء) أي ويطل بسبب حدث في الطواف بناء على ما تقدم منه لأن الطواف كالصلاة فلا يصح إلا بالطهارة.
قوله: (وجعل البيت عن يساره، وخروج كل البدن عن الشاذروان، وستة أذرع من الحجر أي ومن شروط الطواف جعل البيت عن يساره في طوافه، والحكمة فيه أن القلب من جهة اليسار.
وقيل: لأنه يدفع عن نفسه بيمينه، ويبتدئ طوافه بالحجر الأسود، وإن جعل البيت عن يمينه أعاد طوافه. وكذلك من موجبات الطواف خروج كل البدن عن الشاذروانز.
الشاذروان ما انبسط من أساس البيت ولم يرتفع.
قال البساطي: الشاذروان: هو عرض الجدار احتصرت منه فبقيت منه بقية مرتفعة عن الأرض وستة أذرع من الحجر.
الحجر بفتح الحاء وكسرها. الشاذروان بكسر الذال المعجمة.
تنبيه: ينبغي للطائف أن يحتاط عند ابتدائه الطواف بأن يقف قبل الركن بقليل، بحيث يكون الحجر الأسود عن يمين موقفه ليستوعب جملته بذلك؛ لأنه إن لم يستوعب الحجر لم يعتد بذلك الشرط الأول فلينتبه لذلك، فإنه كثيرا ما يقع فيه الجاهل انتهى من تحقيق المباني وتحرير المعاني (^١).
ويستحب الدنو من البيت كالصف الأول.
قوله: (ونصب المقبل) أي ومن موجبات الطواف نصب أي مد المقبل للحجر (قامته) قبل مشيه، لأنه لو قبل ومشى قبل نصب قامته مستقلا لأوقع بعض طوافه
_________________
(١) تحقيق المباني وتحرير المعاني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني لعلي بن محمد الزرويلي الصغير ت: ٧١٩. وهذا نص ما ذكره الحطاب في مواهب الجليل وعزاه للفاكهاني في شرح الرسالة. مواهب الجليل للحطاب: ج ٣، ص: ٧٢.
[ ١ / ٥٥٨ ]
وليس جميع بدنه خارجا عن البيت، وإنما يكون الطواف خارجه.
قوله: (داخل المسجد ولاء) أي إنما يكون الطواف المذكور داخل المسجد لإخارجه، ويكون الطواف خارجه ولاء أي متتابعا كركعات الصلاة.
قوله: (وابتدأ إن قطع لجنازة أو نفقة، أو نسي بعضه إن فرغ سعيه) أي وابتدأ الطواف إن قطعه لصلاة على جنازة، أو قطعه لنفقة نسيها ويخاف ضياعها بكمال طوافه. ذكر الشيخ الحكم إن قطعه لأجل جنازة، ولم يذكر هل يجوز له ذلك؟ أم لا. وكذلك يبتدئ طوافه إن نسي بعضه إن فرغ سعيه.
والعجب من الشيخ تبع ابن الحاجب وترك مذهب المدونة، لأنه قال فيها: إذا طال ذلك أو انتقض وضوءه.
وقوله: إن فرغ سعيه، مفهومه وإن لم يفرغ فلا يبتدئ بل يبني على ما تقدم له من طوافه ثم يسعى، لأن صحة السعي تقدم الطواف عنه كما سيذكره.
قوله: (وقطعه للفريضة. وندب كمال الشوط، وبنى إن رعف، أو علم بنجس) ظاهره الوجوب أي وقطع الطواف لأجل صلاة فريضة أقيمت عليه وهو في طوافه، لأن الطواف كالصلاة.
وندب له أن يكمل الشوط الذي هو فيه، وإن لم يكمله فلا شيء عليه، ثم إذا فرغ من صلاته بنى على ما تقدم له من طوافه، وقول الشيخ: وبنى إن رعف صوابه: وبنى كإن رعف أي وبنى على ما تقدم من طوافه، كما يبني إذا رعف في طوافه. وكذلك يبني على طوافه، إذا علم بنجس في طوافه ونزعه خلافا للمصلي فإن صلاته تبطل.
فرع فإن أقيمت عليه الصلاة وهو في السعي، فلا يقطع، بخلاف الطائف؛ لأن الطائف لما كان في المسجد فلو لم يقطع خالف الإمام. قاله مالك في العتبية والموازية. التوضيح (^١).
قوله: (وأعاد ركعتيه بالقرب) أي والإجماع على مشروعيتها أي فإن لم يعلم بالنجس إلا بعد فراغه من طوافه وركوعه طرحه وأعاد ركوعه إن قرب استحبابا وإلا فلا، وأما إن ذكر النجس في أثناء الطواف فإنه ينزعه ويركع ركعتي الطواف.
قوله: (وعلى الأقل إن شك) أي ويبني على الأقل من الأشواط إن شك، فإن شك
_________________
(١) التوضيح: ج ٣، ص: ٥.
[ ١ / ٥٥٩ ]
هل هما اثنان أو ثلاثا بنى على اثنين، ثم كذلك كركعات الصلاة، ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات أم أربعا بنى على اليقين، وإن أخبره عدلان بتمام طوافه عمل عليه.
قوله: (وجاز بسقائف لزحمة) أي وجاز الطواف في سقائف المسجد، لأجل زحمة لا لحر ونحوه.
قوله: (وإلا أعاد، ولم يرجع له، ولا دم) أي وإن طاف بسقائف لغير زحمة الناس، أعاد طوافه ما دام بمكة ولا يرجع له إن سافر وبعد، وإن لم يصل إلى بلده، ولا دم عليه لعدم إعادته له.
قوله: (ووجب كالسعي قبل عرفة إن أحرم من الحل ولم يراهق، ولم يردف بحرم، وإلا سعى بعد الإفاضة) أي ووجب طواف القدوم بشروط، كوجوب السعي بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة، فشروط طواف القدوم أن يحرم من الحل، ولم يكن مراهقا، ولم يردف الحج على العمرة في حرم، لأنه إذا أردف سقط عنه طواف القدوم وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك، بل أحرم بحرم أو كان مراهقا أو أردف بحرم، أخر سعيه إلى بعد طواف الإفاضة.
والوجوب والفرض عندنا بمعنى إلا في باب الحج فإنهم يعبرون عندنا فيه بالواجب فيما ينجبر بالدم وبالفرض فيما لا ينجبر بالدم.
قوله: (وإلا قدم إن قدم ولم يعد) أي وإن قدم من أحرم بحرم، أو أردف فيه السعي قبل الوقوف بعرفة، فعليه الدم إن لم يعد السعي بعد الطواف، وأما المراهق فلا دم عليه لأنه غر بنفسه وسلم، واعترض البساطي على الشيخ هنا ولا اعتراض.
قوله: (ثم السعي سبعا بين الصفا والمروة)، هذا هو الركن الثالث للحج والعمرة وهما مشتركان في الثلاث، وينفرد الحج بالوقوف بعرفة، وعطفه بثم يشعر بالترتيب وإن عكس فلا يجزيه، كما إذا طاف قبل الإحرام، أو سعى قبل الطواف فلا يجزيه.
المراد بالسعي هنا هو المشي أي يمشي سبعا بين الصفا والمروة. الصفا جمع صفاة، والمروة واحدة من المرو، وهما هنا جبلان معروفان.
قوله: (منه البدء مرة) أي من الصفا البدء بالمشي، بدأ بما بدأ الله به: ﴿إن الصفا والمروة من شعآئر الله … . [البقرة: ١٥٨].
عياض في إكمال الإكمال: والبداءة فيه بالصفا هي السنة، ولو عكس فبدأ
[ ١ / ٥٦٠ ]
بالمروة؟ فقال مالك: يعيد ذلك الشرط، ويحتسب في سعيه من الصفا ويعيد شوطا (^١).
قوله: (مرة والعود أخرى)، أفاد كلامه فائدتين أن البدء منه هو مرة واحدة، والفائدة الثانية أن العود إليه مرة أخرى عكس الطواف لأن من الحجر إلى الحجر شوط واحد، ولم يبين الشارح هنا لم ذكر الصفا لوقوف آدم ال عليها، وأنث المروة لوقوف حواء عليها، وقال الشعبي: لأنه كان على الصفا صنم يسمى إسافا، وعلى المروة آخر يسمى نائلة فاطرد التذكير والتأنيث، قاله ابن عطية (^٢).
وسئل القرافي: هل الصفا أفضل أو المروة؟ جوابه المروة لأن الساعي يزورها من الصفا أربعا ويزور الصفا من المروة ثلاثا ومن كانت العبادة فيه أكثر كان أفضل (^٣).
قوله: (وصحته بتقدم طواف ونوى فرضيته، وإلا قدم)، لما ذكر السعي شرع يذكر شروط صحته أي وصحة السعي مشروطة بتقدم طواف، فإن قدم السعي على الطواف لم يجزه، فإن طاف ينوي فرضية الطواف وإلا أي وإن لم ينو فرضيته فعليه الدم.
قوله: (ورجع إن لم يصح طواف عمرة حرما، وافتدى لحلقه) أي ورجع المعتمر إن لم يصح طواف عمرته في حال كونه حرما أي محرما وإن كان في أبعد البلاد، ويفتدي لحلق رأسه، لأنه كان يعتقد تمام عمرته، فلما لم يصح له الطواف ولا السعي فإنه يرجع محرما لبقاء إحرامه.
قوله: (وإن أحرم بعد سعيه بحق فقارن) أي وإن أحرم بحج بعد سعيه الفاسد في العمرة، فإنه قارن بحج وعمرة.
وقوله: بعد سعيه أي قصد الوجه المشكل، وأحرى قبل السعي، لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا.
قوله: (كطواف القدوم)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما يرجع لفساد طواف القدوم
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٢٥٠.
(٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تأليف: أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي: ج ١، ص: ٢١٤، ط ١: ١٩٩٣. تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية.
(٣) الذخيرة للقرافي: ج ٣، ص: ٢٥٢، الباب الخامس في المقاصد
[ ١ / ٥٦١ ]
(إن سعى بعده، واقتصر) أي واكتفى بذلك السعي ولم يعده بعد طواف صحيح.
قوله: (والإفاضة إلا أن يتطوع بعده، ولا دم) أي وكذلك يرجع لفساد طواف الإفاضة، وإن كان في أبعد البلاد، إلا أن يتطوع بطواف بعده فيجزيه ولا يرجع له، ولا دم عليه وهو خلاف المعروف، لأن التطوع لا يجزئ عن الواجب.
قوله: (حلا إلا من نساء وصيد، وكره الطيب) أي في حال كونه حالا في رجوعه، الفساد طواف القدوم والإفاضة إلا من نساء وصيد، وكره له التطيب لأنه حل برمية العقبة في غير نساء وصيد.
قوله: (واعتمر) أي واعتمر بعد فراغه مما رجع له وطئ أم لا أي واستمر حلالا إلى فراغ ما رجع له من طواف وسعي، ثم اعتمر وأهدى، وليس عليه أن يحلق إذا رجع بعد فراغه من السعي لأنه حلق بمنى، ولا شيء عليه في لبس الثياب، لأنه لما رمى الجمرة حل له لبسها، وهو كقوله في المدونة: فليرجع لابسا الثياب حلالا إلا من النساء والصيد والطيب.
غفل الشارح هنا رحمة الله في قوله: إذا رجع لمكة فلا يدخلها إلا بعمرة.
وأيضا كيف يحرم بالعمرة؟ وطواف الحج والسعي باقيان عليه. انتهى.
قوله: (والأكثر إن وطئ وللحج حضور جزء عرفة) أي والأكثر من الشيوخ لا يعتمر إلا إذا وطئ. هنا وانتهت الأركان التي يشترك فيها الحج والعمرة، وانفرد الحج بشرط حضور جزء عرفة، وجزء الشيء بعضه وأجزاؤه أبعاضه.
وقوله: (ساعة)، المراد به عندنا إذا سكت ولبث.
وقوله: (ليلة النحر) لا نهاره، (ولومة) بجزء من عرفة (إن نواه) أي إن نوى به الوقوف، ويلغز بالفرض الذي لا يكون إلا في ليل وهو الوقوف بعرفة، وبالفرض الذي لا يكون إلا بالنهار وهو الصيام.
قوله: (أو بإغماء قبل الزوال)، يعني أن من أغمي عليه قبل الزوال وأحرى بعده، فوقف به بعرفة أجزأه، لأن الإغماء إذا طرأ على الإحرام لا يضر، وقد دخلت نية الوقوف في نية الإحرام، وكذلك يجزئ النائم.
قوله: (أو أخطأ الجم بعاشر)، معناه إن أهل عرفة إذا أخطأوا فوقفوا يوم النحر، وهو العاشر من ذي الحجة فإنه يجزئهم، وأشار بقوله: (فقط) إلى أنهم لو وقفوا في الثامن لا يجزيهم، وهذا هو المشهور في المسألتين.
[ ١ / ٥٦٢ ]
وقيل: لا يجزيهم في العاشر. وقيل: يجزيهم في الثامن. ومن انفرد برؤية هلال ذي الحجة وحده وقف وحده وإلا فاته الحج.
قوله: (لا الجاهل، كبطن عرنة، وأجزأ بمسجدها بكره) أي فإن مر بعرفة وهو جاهل أنه عرفة فلا يجزئه ذلك المرور في الحضور، لأنه لا بد من علمه ليشعر بالقربة كما لا يجزئ وقوفه في بطن عرنة لأنها من الحرم، ولقوله ﷺ: «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة» (^١)، وأجزأ الوقوف في مسجدها مع كره لأن حائطه القبلي واقف في حرم.
قوله: (وصلى ولوفات) أي يريد أن من قرب من جزء من عرفة قبل الفجر فذكر صلاة إن صلاها طلع الفجر، ويفوته الحج وإن مشى إلى عرفة لم يفته، فإنه يصلي الصلاة ولو فاته الحج وهو المشهور، لأن الصلاة خطرها عظيم، وقيل يمشي إلى عرفات، لئلا يفوته الحج ارتكابا لأخف الضررين.
وقيل: المكي يصلي ولو فاته الحج لقربه.
قوله: (والسنة غسل متصل) أي لما فرغ من الأركان شرع يذكر سننها، وبدأ بسنن الإحرام كما بدء بالإحرام ثم ثنى بسنن الطواف كما ثنى به ثم ثلث بسنن السعي كما ثلث به فهو ترتيب حسن أي وسنن الإحرام غسل متصل به، وبعضهم قال: الغسل والاتصال سنتان، وقال بعضهم: هما سنة واحدة، ويدلك في غسله لأنه لم يحرم بعد، وإن كانت حائضا، أو نفساء، لأن الغسل هنا للإحرام.
وقال في التهذيب (^٢): ومن أراد الإحرام من رجل أو امرأة فليغتسل، كانت المرأة حائضا أو نفساء أم لا، ولم يوسع لهم مالك في ترك الغسل إلا من ضرورة، ولم يستحب أن يتوضأ من يريد الإحرام ويدع الغسل. انتهى (^٣).
قوله: (ولا دم، وندب بالمدينة للعليفي) أي ولا هدي عليه إن ترك الغسل عامدا أو ناسيا قاله سحنون. وقال: فقد أساء.
وندب الاغتسال بالمدينة الشريفة لمن أراد أن يحرم بذي الحليفة إذا مضى له
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مالك في الموطأ (٢٠) - كتاب الحج. (٥٣) - باب الوقوف بعرفة والمزدلفة. الحديث: ١٦٧. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ج ٩، ص: ٢٦٢، الحديث: ١٠٨٤٢.
(٢) تهذيب مسائل المدونة المسمى: التهذيب في اختصار المدونة تأليف: أبي سعيد خلف بن أبي القاسم القيرواني البراذعي.
(٣) تهذيب مسائل المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ١٨٦. تحقيق: أبو الحسن أحمد فريد المزيدي.
[ ١ / ٥٦٣ ]
من فوره.
قوله: (ولدخول غير حائض مكة) أي والغسل الثاني للمحرم لدخول غير حائض أو نفساء مكة، وأما الحائض والنفساء لا تغتسل لأن الغسل هنا للطواف وهي لا تطوف، فيغتسل المغتسل (بطوى) ليتصل اغتساله بدخوله، وطوى بكسر الطاء وضمها مقصور، وأما طواء بالمد هو من جهة الطائف.
قوله: (وللوقوف) أي والغسل الثالث للوقوف بعرفة وإن لحائض ونفساء، ولا يدلك بدنه في اغتساله وهو محرم.
قوله: (ولبس إزار ورداء ونعلين، وتقليد هدي، ثم إشعاره، ثم ركعتان، والفرض مجز:) إلى آخره، هذه هي السنة الثانية للإحرام أي ومن سنن الإحرام لبس إزار ورداء ونعلين وتقليد هدي، ثم إشعاره بعد التقليد، ثم إن فعل ذلك كله صلى ركعتين ليقع الإحرام عقب الصلاة، والفرض مجزئ عن الركعتين ولكن النفل أحب. ابن الجلاب ومن أحرم بغير صلاة من غير ضرورة فلا شيء عليه (^١).
قال ابن المعلى في مناسكه: قلت: وقد أساء إن فعل ذلك، لأن الترك وإن لم يترتب عليه عقاب، فقد حرم نفسه ما في اتباع السنة من جزيل الثواب.
قوله: (يحرم الراكب إذا استوى) أي فإن صلى ركعتين يحرم عقب صلاته إذا استوى على راحلته راكبا (والماشي إذا مشى) على رجليه أي إذا شرع في المشي للجهة نحو طريقه.
قوله: (وتلبية) سنة ثالثة، ومعنى لبيك لزوما لأمرك وطوعا لك، ومخرجه مخرج جنانيك.
قال الهروي: فثنوه لأنهم أرادوا إجابة بعد إجابة، كما قالوا: حنانيك أي رحمة بعد رحمة.
قال القرافي في ذخيرته: تنبيه: التلبية خبر ومعناها الوعد الله تعالى بالإقامة على طاعته أو بالإجابة له، والوعد إنما يتعلق بالمستقبل، ومقتضى هذا أن يستمر إلى آخر المناسك في كل حالة تبقى بعدها قربة من المناسك، وكل من قال باستصحابها إلى آخر المناسك كان أكثر إعمالا لمقصودها، وإذا قلنا معناها: الإجابة، فقيل: هي إجابة
_________________
(١) التفريع لابن الجلاب: ج ١، ص: ٣٢١.
[ ١ / ٥٦٤ ]
إبراهيم ﵇، حيث قيل له: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ [الحج: ٢٧]. انتهى (^١).
قوله: (وجددت لتغير حال) أي وجددت التلبية عند تغير هيئة كصعوده وهبوطه وانتباه من النوم، وعند ملاقاة الرفاق، وعند سماع ملب (وخلف) كل (صلاة) فرضا أو نفلا.
ابن شاس: والتجديد سنة. وظاهر كلامه هنا أنها من تمام السنة. انتهى. وفي تلبيته راجع لشيء نسيه روايتان.
قوله: (وهل لمكة أو للطواف؟ خلاف. وإن تركت أوله قدم إن طال) أي وهل تستمر التلبية إلى أن ينتهي إلى مكة فيسكت وهو مذهب الرسالة، أو إنما تستمر إلى الطواف، وهو مذهب المدونة فيه قولان مشهوران والأول شهره.
ابن بشير: ويلبي الملبي من أول إحرامه عند أخذه في التوجه راكبا كان أو ماشيا، وإن ترك التلبية أول الإحرام فعليه هدي، وإن طال ما بين الإحرام والتلبية ثم لا يسقط عنه الدم إن رجع ولبى لأنه ترتب في ذمته، ومفهوم قوله: وإن تركت أوله، أنه إذا تركها في غير أول الإحرام فلا دم عليه وهو كذلك، وأما إن لم يطل فلا دم عليه.
قوله: (وتوسط في علو صوته) أي ويتوسط الملبي في علو صوته مسمعا، فلا يرفع صوته جدا لئلا يضر بحلقه ولا يخفيها، وتسمع المرأة نفسها ومن يليها.
قوله: (وفيها) أي ويوسط في تلبيته يلبي مرة ويسكت أخرى.
قوله: (وعاودها بعد سعي وإن بالمسجد لرواح مصلى عرفة) أي فإن انتهى بتلبيته إلى مكة على قول أو إلى الطواف على قول، ثم يطوف ويسعى بين الصفا والمروة، فإنه يعاود التلبية وإن في المسجد الحرام أو مسجد خيف بمنى، ولا ترفع الأصوات في المساجد إلا هنا، فيلبي إلى رواح بمصلى عرفة، والرواح ما بعد الزوال.
المارزي: واختلف عندنا متى يقطع الحاج التلبية، فقيل بزوال يوم عرفة. وقيل بالرواح إلى صلاة ظهرها. وقيل: بالرواح إلى الوقوف بعرفة، واختار بعض شيوخنا المتأخرين يرمي جمرة العقبة وقال به المخالف، اختلف القابلون بهذا هل هو بالشروع، ورمي أول جمرة أو حتى يتم السبع. إكمال الإكمال (^٢).
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ص: ٢٣١.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٣٤٢.
[ ١ / ٥٦٥ ]
قوله: (ومحرم مكة يلبي بالمسجد، ومعتمر الميقات، وفائت الحج للحرم، ومن الجعرانة والتنعيم للبيوت) أي ومن أحرم بمكة بحج كان مكيا أوغيره، فإنه يلبي بالمسجد عقب إحرامه. والمسجد الحرام ما دار بالبيت وليس البيت منه لأنه ليس محل الصلاة، وأما من اعتمر بالميقات ومن فاته الحج فإن تلبيته تنتهي إلى الحرم، ويقطعها لأجل بعد المسافة، وأما إن أحرم لعمرته من الجعرانة أو من التنعيم، فإن تلبيته تنتهي للبيوت الكائنة بمكة لأجل قرب المسافة.
وقال أبو بكر الأبهري: يتمادى بالتلبية إلى المسجد نفسه لأنه أقرب من الجعرانة، فيزيد تلبيته منه لقصر مدتها.
هنا انتهى الكلام في سنن الإحرام.
قوله: (وللطواف المشي، وإلا فدم لقادر لم يعده)، هذا شروع منه ﵀ في سنن الطواف بالبيت أي وسنن الطواف فرضا كان أو نفلا: المشي، وإلا أي وإن لم يمش فيه بل ركب فالدم لازم له إذا كان قادرا على المشي أي ولم يعد الطواف ثانيا، فإن أعاده سقط عنه الدم، ومفهوم قوله: لقادر أن العاجز عن المشي لا دم عليه وهو كذلك، وإنما ركب رسول الله ﷺ ليظهر فيستفتي.
قوله: (وتقبيل حجر بفم أوله)، هذه السنة الثانية وهي تقبيل الحجر الأسود أول الطواف.
ولم يذكر الشيخ لمس اليماني هنا لو قال: وتقبيل حجر بفم، ولمس يماني أوله لأنه سنة.
كان نور الحجر يصل إلى المواقيت، وهو ياقوتة من يواقيت الجنة، وتقبيل الحجر قد فعله النبي ﷺ وأصحابه، وقال عمر بن الخطاب ﵁: علمت أنك حجر لا تنفع ولا تضر، لولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك (^١).
وقوله: بفم أوله مستغنى عنه، لأن القبلة لا تكون إلا بالفم.
وقال ابن حبيب: يقول عند ابتداء طوافه واستلام الحجر: بسم الله والله أكبر،
_________________
(١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. تأليف: أبي عمر يوسف بن عبد البر: ج ٢٢، ص: ٢٧٧، ط: ١٣٨٧، تحقيق: مصطفى العلوي ومحمد عبد الكريم البكري. الناشر: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب.
[ ١ / ٥٦٦ ]
صلى الله (^١) اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد) قوله: (وفي الصوت قولان) أي وفي منع الصوت عند التقبيل وعدم منعه قولان. قوله: (وللرحمة لمس بيد، ثم عود ووضعا على فيه) أي وإن زوحم عن التقبيل فإنه يمسه بيده، فإن لم يقدر باليد فبالعود ويضعهما على فيه.
قوله: (ثم كبر)، يحتمل أنه إذا تعذر شيء من التقبيل أو اللمس باليد أوالعود كبر ومضى على طوافه، ويحتمل أنه إذا قبل أو لمس كبر.
قوله: (والدعاء بلا حد)، هذه هي السنة الثالثة أن يدعو في طوافه بما شاء، ولا حد في الدعاء كالتسبيح والتصلية على النبي.
قوله: (ورمل رجل في الثلاثة الأول، ولو مريضا وصبيا حملا، وللرحمة الطاقة)، هذه هي السنة الرابعة أي من سنن الطواف أن يرمل رجل لا امرأة في الأشواط الثلاثة الأولى من الحجر إلى الحجر في طواف القدوم، ويمشي في الأربعة الباقية ولو كان الطائف مريضا أو صبيا، فإن حاملهما يرمل بهما في الثلاثة الأولى ويعمل الطائف في زحمة الناس بقدر طاقته من الرمل. الرمل بفتح الميم هو ضرب من المشي، يثب الرجل في مشيه وثبا خفيفا يهز منكبيه، وليس بالجري الشديد.
قال بعض العلماء: الرمل هو إسراع المشي مع تقارب الخطا وهو الخبب (^٢). قوله: (وللسعي تقبيل الحجر، ورقيه عليهما، كامرأة إن خلا، وإسراع بين الأخضرين فوق الرمل)، لما فرغ من سنن الطواف شرع يذكر سنن السعي بين الصفا والمروة أي وسن لمريد السعي تقبيل الحجر الأسود عند خروجه للسعي، وكذلك يسن له الرقي عليهما أي على الصفا والمروة.
قال عياض ويكره الجلوس عليهما (^٣)، وكذلك يسن للمرأة الرقي عليهما إن خلا الموضع من الناس، وكذلك يسن للرجل إسراع بين الأخضرين هو بطن المسيل أي يهرول فوق الرمل الذي تقدم في الطواف.
قوله: (ودعاء) أي وسن للسعي دعاء بلا حد، والصلاة على النبي ﷺ. وقال بعضهم: فإذا رقى على الصفا قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ثلاثا،
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٢٧٩.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٣٢٤.
(٣) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، ج ٤، ص ١٤٤ (١٨) / - باب المتعة بالحج.
[ ١ / ٥٦٧ ]
ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ويصنع مثل ذلك على المروة، وهل يرفع يديه عند الدعاء؟ أم لا وعلى أنه يرفع هل يبسطهما راغبا؟ أو يجعل باطن كفيه إلى الأرض راهبا؟ أو يجمع بين الرغبة والرهبة.
قوله: (وفي سنية ركعتي الطواف)، لو قدم هذا عند ذكره الطواف وضعه في غير محله أي وفي سنية ركعتين للطواف (ووجوبهما تردد) في فهم النقل.
عبد الوهاب سنة مؤكدة (^١)، واختار الباجي وجوبهما.
وقيل بالفرق: فإن كان الطواف واجبا وجبتا، وإلا فلا يكون حكمها حكم الطواف، وأما مشروعيتهما فلا خلاف فيها، لا في عدم ركنيتهما.
قوله: (وندبا)، ولم يقل الشيخ وندبتا إما للاختصار، وإما لأن الثانية فيهما غير أصلية أي وندبت القراءة في ركعتي الطواف بأم القرآن في الأولى ﴿وقل يتأيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثانية بأم القرآن وسورة الإخلاص.
قوله: (كالإحرام: بالكافرون والإخلاص) تشبيه أي كما يندب في ركعة الإحرام قراءة الكافرون بعد أم القرآن في الأولى، وفي الثانية بأم القرآن وقل هو الله أحد.
قوله: (وبالمقام) أي وندب أن يوقع ركعتي الطواف عند المقام أي مقام إبراهيم ﵇.
قوله: (ودعاء بالملتزم واستلام الحجر اليماني بعد الأول، واقتصار على تلبية الرسول ﷺ) أي وندب الدعاء عند المقام بالملتزم، وسمي الملتزم ملتزما لأن الناس يلتزمون الدعاء فيه، والملتزم ما بين الركن والباب، وقدره أربعة أذرع. وكذلك يندب له استلام الحجر المتقدم ذكره، والركن اليماني بعد التقبيل الأول المذكور في السنن، وأما الركن اليماني لم يذكره أو لا، ويروى عنه ﷺ أنه قال: «إن الحجر والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، فلولا أن الله تعالى طمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب (^٢)، وأن الحجر الأسود يجيء يوم القيامة وله عينان ولسان يشهد
_________________
(١) الإشراف على نكت مسائل الخلاف. تأليف: القاضي أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي: ج ١/ ص: ٤٧٧، المسألة: ٧٦٣، قارن بين نسخه وخرج أحاديثه وقدم له الحبيب بن طاهر، ط ١: ١٩٩٩، دار ابن حزم.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده مسند عبد الله بن عمر ﵁، الحديث: ٧٠٠٨.
[ ١ / ٥٦٨ ]
لمن استلمه بحق» (^١).
وندب أن يقول بين الركن والحجر: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة ٢/ ٢٠١] «(^٢).
وكذلك يندب الاقتصار أي الاكتفاء على تلبية رسول الله ﷺ وهي: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» (^٣).
يروى بكسر الهمزة وفتحها، فمعنى الكسر: الحمد لك على كل حال، ومعنى الفتح الحمد لك لهذا السبب.
عياض: قال ثعلب (^٤): فمن كسر عم، ومن فتح خص. إكمال الإكمال (^٥).
قال ابن وضاح: رأيت عند أبي بكر بن أبي شيبة (^٦) رجلا يسأله عن هذا، فقال: يقال: إن وأن وهي أغلب في كلامهم، وهي لغة قيس وقيس أفصح العرب. انتهى.
المازري: قال سيبويه والأكثر: لبيك مصدر ثني للتكثير والمبالغة أي إجابة بعد إجابة لا إلى نهاية وليست بتثنية حقيقة، وهي في ذلك كقوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] أي نعمتاه، لأن نعم الله لا تحصى.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: يبعث الله الحجر الأسود والركن اليماني يوم القيامة ولهما عينان ولسان وشفتان يشهدان لمن استلمهما بالوفاء الحديث: ١١٤٣٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٨٣) - كتاب الدعوات. (٥٥) - باب قول النبي ﷺ: ربنا آتنا في الدنيا حسنة الحديث: ٦٠٢٦. وأخرجه مسلم في صحيحه (٤٨) - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار. (٩) - باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة. الحديث: ٢٦٩٠.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (١٥) - كتاب الحج. (٣) - باب التلبية وصفتها ووقتها. الحديث: ١١٨٤.
(٤) أحمد بن يحيى بن زيد الشيباني بالولاء أبو العباس المعروف بثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة. ولد سنة: ٢٠٠ هـ في بغداد ومات بها سنة: ٢٩١ هـ. من كتبه الفصيح وقواعد الشعر ومجالس ثعلب. الأعلام للزركلي: ج ١، ص: ٢٦٧.
(٥) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ١٦٧.
(٦) عبد الله بن محمد بن ابراهيم بن عثمان الكوفي، المعروف بابن أبي شيبة (أبو بكر) محدث، حافظ مكثر، فقيه، مؤرخ، مفسر. كان مولده سنة: ١٥٩ هـ ومات سنة: ٢٣٥ هـ. من كتبه: كتاب التفسير، التأريخ، المسند في الحديث، والفتن. معجم المؤلفين عمر رضا كحالة: ج ٦، ص: ١٠٧.
[ ١ / ٥٦٩ ]
ابن الأنباري (^١): ثنوها لذلك كما ثنوا حنانيك، أي تحننا بعد تحننك، أي تحننا. واختلف في معناها واشتقاقها فقيل: معناها اتجاهي وقصدي إليك، من قولهم: داري قلب دارك، أي تواجهها. وقيل: معناها محبتي لك من قولهم: امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه.
وقيل معناه: أنا مقيم على طاعتك من قولهم: لب والب بالمكان، إذا أقام به. عياض: قال الحربي: معناه قربا منك، والألباب القرب. وقيل: معناه أنا ملب بين يديك أي خاضع. انتهى من إكمال الإكمال (^٢).
قال أشهب ومن اقتصر على تلبية رسول الله ﷺ المعروفة، اقتصر على حظ وافر، ولا بأس عليه إن زاد على ذلك. فقد زاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك، لبيك مرهوبا منك، ومرغوبا إليك.
وزاد ابن عمر لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيدك لبيك والرغبى إليك والعمل (^٣).
قوله: ﴿ودخول مكة نهارا، والبيت﴾، أي وندب دخول مكة نهارا لفعله ﷺ، لأنه بات بذي طوى، فلما أصبح دخل مكة، وكذلك يستحب له دخول البيت مطلقا ليلا أو نهارا أو يحتمل دخول البيت نهارا.
قوله: (ومن كداء لمدني، والمسجد من باب بني شيبة، وخروجه من كدى) أي يستحب لدخول مكة لمن أتى على طريق المدينة مدنيا كان أو غيره أن يدخل من كداء مكية، أي من ثنية كداء كبفتح الكاف والدال المهملة الممدودة، وهي الثنية التي بأعلى مكة، وكذلك يندب له دخول المسجد الحرام من باب بني شيبة، ويقال له الآن باب المعلى، لأن دخوله منه مقابل البيت، وينبغي لكل داخل على عظيم أن يستقبله بوجهه، ويستحب له خروجه من مكة لوطنه من كدى بضم الكاف مع القصر والتنوين، وهي الثنية التي بأسفل مكة.
_________________
(١) محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري: من أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظا للشعر والأخبار. قيل: كان يحفظ ثلاثمائة ألف شاهد في القرآن. ولد في الأنبار سنة: ٢٧١ هـ ومات ببغداد سنة ٣٢٨ هـ. من كتبه: الزاهر في اللغة وعجائب القرآن. الأعلام للزركلي: ج ٦، ص: ٣٣٤.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ١٦٧.
(٣) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٢٧٥. وإكمال الإكمال: ج ٤، ص: ٢٦٧.
[ ١ / ٥٧٠ ]
قوله: (وركوعه للطواف بعد المغرب)، يريد إن طاف بعد العصر فإنه يندب له أن يركع لطوافه بعد صلاة المغرب و(قبل تنفله)، ويستحب له أن يكون ركوعه للطواف (وبالمسجد) لأنه أفضل من غيره، وفي المقام أفضل من غيره فيه.
قوله: (ورمل محرم من كالتنعيم، أو بالإفاضة لمراهق) أي ورمل محرم من التنعيم والجعرانة، وكذلك يرمل المراهق الذي فاته طواف القدوم في طواف الإفاضة، وكذلك إن نسي طواف قدومه، ويحرم إن نسي أو أحرم من مكة، مكيا كان أو آفاقيا.
قوله: (لا تطوع ووداع) أي فلا يرمل في طواف تطوع ولا في طواف وداع، فالطائفون في الرمل ثلاثة أقسام قسم يرمل اتفاقا، وهم كل ذكر بالغ صحيح أحرم من الميقات وطاف لقدومه، وقسم لا يرملون اتفاقا وهم كل امرأة ومتطوع بطواف أو مودع، وقسم بخلاف وهو محرم من الجعرانة أو التنعيم وصبي ومريض ومحرم من مكة أو مراهق.
قوله: (وكثرة شرب ماء زمزم، ونقله) أي وندب كثرة شرب ماء زمزم والوضوء به، ونقله لبلاد الإسلام، وقال ابن عباس ﵁: «ماء زمزم لما شرب له» (^١): فليقل إذا شربه: «اللهم إني أسألك علما نافعا وقلبا خاشعا وشفاء من كل داء» (^٢)، وحديث: «ماء زمزم لما شرب له»، وإن لم يصح فقد عمل المسلمون عليه، وقد سألت عن شربه جماعة من العلماء والمتصوفة، فأخبروني أنهم شربوه لمآرب يسرها الله.
قوله: (وللسعي شروط الصلاة) أي وندب لمن يسعى بين الصفا والمروة أن يكون متطهرا من الحدث والخبث، وأن يكون مستور العورة كشروط الصلاة إلا الاستقبال فإنه غير ممكن، والسعي مخالف للطواف في الشروط، لأن الشروط واجبة في الطواف وهي مندوبة في السعي.
قوله: (وخطبة بعد ظهر السابع بمكة واحدة، يخبر فيها بالمناسك)، أي وندب خطبة واحدة بأن لا يجلس في وسطها، وهل يجلس أو لا؟ قولان. ووقتها بعد صلاة الظهر من اليوم السابع من ذي الحجة في مكة، يخبر فيها بالمناسك الباقية في الحج إلى الوقوف بعرفة. الخطبة من الخطب، وهو الأمر العظيم المهم، وكانت العرب إذا
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك أول كتاب المناسك ج ١، ص: ٦٤٦، الحديث: ١٧٣٩.
(٢) المستدرك للحاكم: ج ١، ص: ٦٤٦.
[ ١ / ٥٧١ ]
نابهم أمر مهم قام أحد هم يخطب لهم، وفي نسخة الشارح: «وخطبه»، أي وخطب الحج وهو بعيد، لأن الشيخ لم يذكر إلا خطبتين، وسكت عن الثالثة، وهي خطبة الحادي عشر بمكة.
قوله: (وخروجه لمنى قدر ما يدرك به الظهر، وبياته بها)، أي وندب خروجه إلى منى في اليوم الثامن قدر ما يدرك فيه صلاة الظهر، ولا ينبغي له الخروج قبل ذلك، وكذلك يندب له البيات فيها ليلة التاسع.
قوله: (وسيره لعرفة بعد الطلوع، ونزوله بنمرة)، أي وندب له سيره لعرفة صبيحتها بعد طلوع الشمس. ويندب له النزول في نمرة، إذا جاء لعرفة. نمرة هو ما يلي الشام من عرفة، وتسمى الآن: الأراك، والأراك مما يلي اليمن.
قوله: (وخطبتان بعد الزوال، ثم أذن وجمع بين الظهرين إثر الزوال، ودعاء وتضرع للغروب) أي وندب خطبتان في يوم عرفة بعد الزوال كخطبتي الجمعة، يجلس بينهما يعلم الناس بهما صفة ما بقي عليهم من وقوف وغيره، وسكت الشيخ عن الخطبة الثالثة في الحج في اليوم الحادي عشر، ثم إذا فرغ من الخطبة، أذن المؤذن وأقام الصلاة، وجمع الإمام بين الظهرين إثر الزوال، ليفرغوا للوقوف وللذكر والدعاء والتضرع إلى الغروب، وهذا الجمع هو جمع التقديم.
وقوله: ثم أذن يحتمل أنه يؤذن ويقيم لكل من الصلاتين، ويحتمل الإكتفاء بالأذان الأول في ذلك قولان.
قوله: (ووقوفه بوضوء، وركوبه به) أي وندب وقوفه بعرفة متطهرا من الحدث والخبث.
وندب له الركوب في وقوفه، لفعله ﷺ راكبا ولأنه أقوى على الذكر، وقيد اللخمي الركوب بعدم إضرار الدواب، وفهم من ركوبه ذلك ﷺ أن الركوب أفضل من القيام فيه، ومن شربه ﷺ من اللبن الذي أهدته له امرأة على مركوبه أن الفطر يوم عرفة أفضل من الصيام فيه، وأن شرب اليسير بين يدي الناس لا بأس به، وأن إعطاء الزوجة من مال زوجها يسيرا أنه يجوز، وفي خطبته راكبا حجة لاتخاذ المنبر في الخطبة مع أنه ﷺ اتخذه. وفيه الإقامة على ظهور الدواب لغرض صحيح جائز ما لم يجحف بها، كما فعل ﷺ ليسمع كلامه من لم يسمعه، أوحفظا للدابة أو لنفسه، والنهي في ذلك إنما هو لمن لم يتخذ ذلك عادة في التحدث عليها، لا
[ ١ / ٥٧٢ ]
لغرض كما كانت الجاهلية تفعل. وأما من كان راكبا فعرض له الحديث مع غيره، ولم يطل حتى يضر بها، فلا يدخل في النهي. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
قوله: (ثم قيام) أي ثم القيام حين الوقوف بعرفة يلي الركوب في الندب، (إلا لتعب) فيجلس.
قوله: (وصلاته بمزدلفة العشاءين وبياته بها. وإن لم ينزل فالدم) أي وندب صلاته في مزدلفة العشاءين معا ليلة عرفة، وهو جمع التأخير لأنه أخر المغرب لأن الشمس غربت وهم ركبان، ويصلون قبل ذهاب نصف الليل، وهذا خلاف الرسالة لأنه قال: سنة.
وسميت المزدلفة لقربها من عرفة الإزدلاف هو القرب، ويندب له بياته بها أي بالمزدلفة، وإن لم ينزل فيها فعليه هدي.
قوله: (وجمع وقصر، إلا أهلها: كمنى وعرفة) أي وندب جمع بين المغرب والعشاء بعد الشفق في العشاءين بالمزدلفة، وقصر في العشاء إلا لأهلها، كما يندب القصر في منى، وفي عرفة إلا أهلهما فإنهم لا يقصرون.
قوله: (وإن عجز فبعد الشفق: إن نفر مع الإمام، وإلا فكل لوقته وإن قدمتا عليه أعادهما) أي وإن عجز عن إدراك الجمع مع الإمام بالمزدلفة، فإنه يجمع بعد الشفق حيث كان، إن كان قد نفر مع الإمام وإلا فلا، أي وإن لم ينفر مع الإمام، بل نفر بعده أو وقف وحده، فإنه يصلي كل صلاة في وقتها حيث دخل عليه، فيؤخر الإمام ومن معه المغرب والعشاء لمغيب الشفق، وإن وصلوا إلى المزدلفة قبله، فإن أخرتا لمغيبه فواضح، وإن قدمتا عليه في المزدلفة أو غيرها أعادهما مع العشاء أبدا والمغرب في الوقت، أجمل الشيخ تخلله في الإعادة ولم يفصل.
قوله: (وارتحاله بعد الصبح مغلسا، ووقوفه بالمشعر الحرام يكبر ويدعو للإسفار، واستقباله به، ولا وقوف بعده ولا قبل الصبح) أي وندب ارتحاله عن المزدلفة بعد صلاة الصبح في حال كونه مغلسا بالإرتحال. وكذلك يندب له الوقوف بالمشعر لقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ [البقرة: ١٨٩]، وهو ما بين جبلي المزدلفة، ويدعو فيه ويكبر إلى الإسفار، ثم يدفع منه، وندب له حينئذ استقباله الكعبة ولا وقوف فيه بعد الإسفار لئلا يوافق أفعال المشركين، وكذلك لا يقف فيه قبل صلاة
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٢٥٥.
[ ١ / ٥٧٣ ]
الصبح لئلا يخالف السنة.
قوله: (وإسراع ببطن محسر)، أي ويندب للراكب والماشي إسراع في المشي في بطن محسر تعبدا، وقيل: لأنه الموضع الذي أرسل الله فيه العذاب على أصحاب الفيل، سمي محسرا لأن أصحاب الفيل حسروا فيه أي أعيا وهو واد بين مزدلفة ومنى قدر رمية حجر، وليس من واحد منهما، وقيل: بعضه من منى وبعضه من مزدلفة.
قوله: (ورميه العقبة حين وصوله وإن راكبا، والمشي في غيرها، وحل بها غير نساء وصيد، وكره الطيب) أي وندب رميه جمرة العقبة حين وصوله لمنى، فلا يؤخر وإن راكبا، وأما غيرها من الجمرات فالمشي فيها مستحب، فإن رمى العقبة فإنه يحل بها من كل ما حرم عليه إلا النساء والصيد، وكره له الطيب بعدها حتى يفيض وهو التحليل الأصغر، وموقف رامي جمرة العقبة ببطن الوادي من أسفلها مستقبلا لها، منى عن يمينه والبيت عن يساره، وإن رماها فوقها فليستغفر الله ولا يرم في ذلك اليوم إلا جمرة العقبة.
قوله: (وتكبيره مع كل حصاة وتتابعها، ولقطها، وذبح قبل الزوال، وطلب بدنته له ليحلق، ثم حلقه ولو بنورة، إن عم رأسه)، أي وندب تكبيره تكبيرة واحدة مع رمي كل حصاة، ويندب له تتابع الحصاة في الرمي، ويندب له لقطها من حيث شاء إلا جمرة العقبة في اليوم الأول، فإنه يستحب له أن يلقطها من المزدلفة. انتهى.
وفي إكمال الإكمال التحلل جواز فعل بعض ما منعه الإحرام، أوجواز فعل جميع ما منعه الإحرام، فالأول التحلل الأصغر، وهو برمي جمرة العقبة يوم النحر. والثاني الأكبر، وهو بالإفاضة. قلت: سقوط الدم عمن تطيب قبل الإفاضة مذهب المدونة، قال فيها وأكره لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب، فإن فعل فلا فدية (^١).
وكذلك يندب له أن يذبح أو ينحر هديه قبل الزوال من يوم العيد. وندب له طلب بدنة إن ضلت عنه إلى الزوال ليحلق بعد النحر، لأن الحلق بعد الذكاة أفضل منه قبلها، وقد قال تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولذلك قال: ثم حلقه، أي فإن ذبح هديه، فإنه يحلق رأسه بعد ذلك، ولو كان الحلق بنورة إن عم رأسه بالحلاق، مفهومه إن لم يعمه بالحلق فلا يجزيه وهو كذلك، وهل
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٤، ص: ٣٦٣.
[ ١ / ٥٧٤ ]
يكره حلق الرأس في غير هذا الموضع، فقال بعضهم: لا لأن الشعر زينة وتركه سنة وحلقه بدعة، ويحفظ الدماغ من البرد.
قوله: (والتقصير مجز، وهو سنة المرأة: تأخذ قدر الأنملة والرجل من قرب أصله) أي والتقصير مجزئ عن الحلق للرجل، وإن كان الحلق أفضل له منه، وهذا كله إذا كان شعره غير مضفر ولا ملبد، وأما إن كان مضفرا أو ملبدا، فلا بد من الحلق والتلبيد هو أن يشعث الشعر حتى لا يتخلله شيء فيصير كاللبد والقصر سنة المرأة مطلقا لأن الحلق يشينها، وصفة القصر أن تأخذ المرأة من شعرها قدر أنملة. لو قال الشيخ: كأنملة لكان أخصر وأفاد، ليدخل ما دون الأنملة بيسير أو أكثر منها بيسير، وأما الرجل فإنه يأخذ في قصره من قرب أصول شعر رأسه.
قوله: (ثم يفيض وحل به ما بقي؛ إن حلق: وإن وطئ قبله فدم)، أي فإن نحر هديه وحلق رأسه، فإنه يطوف طواف الإفاضة بعد ذلك عاجلا، لأن تقديم طواف الإفاضة يوم النحر أفضل من تأخيره عنه، فإن طافه فإنه يحل به من ما بقي بعد تحليل العقبة، وهو النساء والصيد والطيب، لأن طواف الإفاضة آخر أركان الحج بشرط أن يحلق رأسه، وإن وطئ قبل الحلاق فعليه دم ظاهره وإن تركه ضررا، ويفهم منه أنه نسك لا ركن لإجزاء الهدي عنه.
قوله: (بخلاف الصيد) أي فإنه لا دم عليه إن اصطاد بعد طواف الإفاضة وقبل الحلق لخفة الصيد.
قوله: (كتأخير الحلق لبلده، أو الإفاضة للمحرم، ورمي كل حصاة أو الجميع لليل، وإن لصغير لا يحسن الرمي، أو عاجز، ويستنيب فيتحرى وقت الرمي، ويكبر، وأعاد إن صح قبل الفوات بالغروب من الرابع) تشبيه، أي كما يجب عليه الهدي إذا أخر الحلق إلى بلده، وإن كان بعيدا. وكذلك يجب عليه الدم لتأخير طواف الإفاضة إلى المحرم لخروج أشهر الحج.
وكذلك يجب عليه الدم بتأخير رمي كل حصاة، أو تأخير رمي جميع الحصاة إلى الليل، وإن كان الرمي لصغير لا يحسن الرمي، وأحرى إن كان يحسن الرمي فإن الدم على من أحجه، لأنه هو المفرط.
وكذلك عاجز عن الرمي فإنه يستنيب، فيتحرى وقت الرمي عنه وكبر حينئذ تكبيرة لكل حصاة، وأعاد هذا العاجز ما رمي عنه إذا صح قبل الفوات، والفوات
[ ١ / ٥٧٥ ]
إنما يكون بالغروب من يوم الرابع، فلا قضاء لرميه.
قوله: (وقضاء كل إليه والليل قضاء)، وقضاء مبتدأ وكل إليه خبر، أي وقضاء كل رمي من الجمرات إليه، أي إلى الغروب من اليوم الأول ثم إلى الغروب من اليوم الثاني، ثم إلى الغروب من الثالث، ثم إلى الغروب من الرابع، واليل التالي لكل منها قضاء لا أداء على المشهور وقيل: أداء.
قوله: (وحمل مطيق، ورمى؛ ولا يرمي في كف غيره)، أي وحمل عاجز مطيق على الرمي، ويرمي بنفسه، ولا يرمي في كف غيره ليرمي الغير عنه، لأن ذلك ليس برمي.
قوله: (وتقديم الحلق أو الإفاضة على الرمي) أي ومما يوجب الهدي تقديم حلق شعر الرأس، أو تقديم طواف الإفاضة على الرمي في جمرة العقبة، فإنه خالف الترتيب في نسك إبراهيم الخليل ﷺ.
قوله: (لا إن خالف في غير) أي فلا هدي عليه إن خالف الترتيب في غيرهما، كما لو نحر قبل أن يرمي، أو حلق قبل أن يرمي، أو حلق قبل أن ينحر.
المازري: وأجمعوا على أن سنة الحاج يوم النحر أن يرمي جمرة العقبة ثم ينحر ثم يحلق ثم يطوف للإفاضة، فإن قدم واحدا من الأربعة على صاحبه، فأما الثلاثة الأول فقال مالك: لا فدية في تقديم واحد منها إلا في تقديم الحلق على الرمي، لأنه إلقاء التفث قبل التحلل بالرمي، وأسقطها المخالف لقوله: «ارم ولا حرج» (^١)، فحمله على نفي الفدية، وهو عندنا لنفي الإثم فقط، وأوجبها ابن الماجشون في تقديم الحلق على النحر، لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦]. إكمال الإكمال (^٢).
قوله: (وعاد للمبيت بمنى فوق العقبة ثلاثا، وإن ترك جل ليلة قدم، أو ليلتين إن تعجل، ولوبات بمكة أو مكيا قبل الغروب من الثاني: فيسقط عنه رمي الثالث) أي فإن طاف طواف الإفاضة يوم النحر عاد من فوره للمبيت في منى، وإن وافق يوم الجمعة في مكة، فلا يؤخر عوده لسبب الجمعة، فيبيت بها فوق العقبة ثلاث ليال كاملة، وفوق
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٥) - كتاب الحج. (٥٧) - باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي. الحديث: ١٣٠٦ وأخرجه الإمام أحمد في مسنده مسند عبد الله بن عباس الحديث: ٣٠٣٧.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٣٧٠.
[ ١ / ٥٧٦ ]
العقبة تفسير لمنى، وما بينه وبين مكة فلا لأنه ليس من منى وسميت منى لما تمنى بها من الدماء، أي تراق.
وقيل: لأن آدم تمنى فيها الجنة، فإن ترك المبيت فيها جل ليلة فالدم لازم له، مفهوم جل ليلة أنه لو ترك المبيت نصف ليلة فلادم والمفهوم صحيح.
ذكر الشيخ أول منى مما يلي مكة وهو فوق العقبة، ولم يذكر آخره وهو بطن محسر للمتعجل وإن وافق يوم الجمعة، في مكة فلا يؤخر عوده بسبب الجمعة وسميت منى لما ينمى بها من الدماء أي تراق وقيل لأن آدم تمنى بها الجنة. قوله: أو ليلتين معطوفا على قوله: ثلاثا أي ويبيت ليلتين فوق العقبة إن تعجل، ولو بات المتعجل في مكة فلا يضره، أو كان مكيا.
قوله: قبل الغروب متعلق بقوله: إن تعجل، أي وإنما يجوز التعجيل بخروجه عن منى مرتحلا عنها قبل الغروب من اليوم الثاني فيسقط عنه بتعجيله رمي اليوم الثالث، وأما من غربت عليه الشمس في العقبة قبل تجاوزه فليس له التعجيل، فليبت بمنى حتى يرمي من الغد، لأنه التزم الرمي من الثلاثة، فإن ارتحل المتعجل في يومين، وجاوز العقبة قبل الغروب، ثم رجع لمنى قبله أو بعده من مكة أو غيرها فمر بمنى لحاجة بها، أو لطريق عليها لم يضره ذلك، وإن لم يخرج منها حتى غربت الشمس عليه، وهو بها.
قوله: (ورخص لراع بعد العقبة أن ينصرف، ويأتي الثالث فيرمي لليومين)، الرخصة ما شرع على وجه التخفيف والتسهيل، أي ورخص لراع إبل أو غنم بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر أن ينصرف لرعيته ويأتي في اليوم الثالث فيرمي لليومين أمسه ويومه.
قوله: (وتقديم الضعفة في الرد للمزدلفة) أي ورخص تقديم الضعفة من النساء والصبيان والمرضى ليلا إلى منى حين رجوعهم من عرفة إلى المزدلفة. وكذلك رخص تأخير الضعفة عن الناس حينئذ.
قوله: (وترك التحصيب لغير مقتدى به) أي ورخص ترك النزول ليلة الرابعة عشر والمحصب لغير مقتدى به، وأما المقتدى به فلا يترك التحصيب، والمحصب هو الأبطح سمي محصبا لكثرة الحصباء فيه تحت كداء الثنية حيث المقبرة.
قوله: (ورمى كل يوم الثلاث، وختم بالعقبة من الزوال للغروب)، معطوف على قوله:
[ ١ / ٥٧٧ ]
وعاد للمبيت بمنى أي فإذا أفاض وعاد بعده لأجل المبيت بمنى، فإذا أصبح رمى كل يوم الجمرات الثلاث، ويبدأ بالأولى، وهي التي تلي مسجد منى ثم بالتي تليها وهي الوسطى ويختم بالعقبة، ووقت الرمي من الأيام الثلاثة من الزوال إلى الغروب، وأفضله عقب الزوال، فإن رمى قبله أعاد بعده.
قوله: (وصحته بحجر كحصى الخذف) أي لما ذكر الرمي شرع رحمة الله يذكر شروطه، أي وصحة الرمي مشروطة بأن يكون المرمي به حجر لا غيره، وقدر ذلك الحجر كحصى الخذف بالخاء المعجمة، ويكون بالحاء المهملة، ويقال: الحذف بالحصى، والخذف بالحصى، ويكون الرمي بها بين السبابة والإبهام وهي قدر الأنملة، ولا يرمي بالصغيرة جدا كالحمصة والقمحة، وأما الكبيرة تجزئ بكره خوف عطب الناس، وقدر الأنملة أفضل.
قوله: (ورمي وإن بمتنجس)، أي ومن شروط الرمي رمي وإن كان الرمي بحصاة متنجسة، ولا يصح وضع الحصاة على الجمرة ولا طرحها عليها بلا رمي.
قوله: (على الجمرة، وإن أصابت غيرها، إن ذهبت بقوة، لا دونها وإن أطارت غيرها لها)، أي ورمى على الجمرة وإن أصابت الحصاة المرمية غيرها، وذهبت بقوة الرمي إلى الجمرة فإنها تجزئ مفهومه: إن ذهبت إليها بغير قوت فلا تجزئ وهو كذلك، لا إن وقعت دون الجمرة فإنها لا تجزيه وإن أطارت غيرها لها، أي إلى الجمرة.
قوله: (ولا طين ومعدن) أي وصحة الرمي بحجر لا طين ومعدن مطلقا عينا كان أو غيرها.
قوله: (وفي إجزاء ما وقف بالبناء تردد)، أي وفي إجزاء حصاة وقفت في شقوق البناء وعدم الإجزاء تردد لعدم النص، ومال الشيخ المنوفي (^١) ﵀ شيخ المؤلف إلى الإجزاء لأن البناء متصل بالجمرة، ومال خليل المكي ﵀ إلى عدم الإجزاء.
قوله: (وبترتبهن. وأعاد ما حضر بعد المنسية، وما بعدها في يومها فقط) أي ومن شروط صحة الرمي ترتب الجمرات، فيقدم الأولى ثم الوسطى ثم العقبة، فإن نسي رمي جمرة من يوم ورمى ما بعدها، فإن ذكر قبل غروب الشمس في يوم المنسية أو فيما بعده، رمى المنسية وما بعدها من الجمرات التي رماها في يومها، وأعاد ما حضر من الرمي بعد فراغه من رمي تلك المنسية، ونقل الشيخ ذلك في توضيحه،
_________________
(١) تقدمت ترجمته.
[ ١ / ٥٧٨ ]
فقال: لو نسي الجمرة الأولى في ثاني النحر ورمى اليوم الثالث واليوم الرابع، فإنه يأتي بالمنسية والجمرتين اللتين بعدها في يومها، وأعادها، أي المفعولة في اليوم الرابع، ولم يعد ما بينهما أي ما بين المنسية والحاضرة، وهي جمار اليوم الثالث لخروج وقته. ومثاله في الصلاة: لو نسي الصبح، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم تذكر الصبح، فإنه يصلي الصبح ويعيد المغرب والعشاء لبقاء وقتهما، ولا يعيد الظهر والعصر لخروج وقتهما. انتهى (^١).
قوله: (وندب تتابعه)، لما ذكر شروط الرمي التي لا يصح إلا بها. شرع يذكر مندوباته، أي وندب تتابع رمي الحصاة، واحدة بعد واحدة، وقد تقدم له وتتابعها.
قوله: (فإن رمى بخمس خمس: اعتد بالخمس الأول)، أي فإن رمى الجمرات كلها بخمس خمس أو ست ست أو أربع أربع، اعتد بالمحقق في الأولى فيكمل عليها ما بقي، ثم يبتدئ رمي الثانية ثم الثالثة بسبع سبع.
قوله: (وإن لم يدر موضع حصاة) أي وإن نسي حصاة ولم يدر موضعها (اعتد بست من الأولى) فرماها بواحدة، ثم الثانية والثالثة بسبع سبع.
قوله: (وأجزأ عنه وعن صبي ولو حصاة حصاة) أي وأجزأ في رمي كل جمرة عن نفسه وعن صبي أو نحوه من مريض محمول ولو رمى عن نفسه وعن محموله حصاة عن نفسه وحصاة لمحموله حتى أكمل سبعا عن كل منهما أجزأ.
قوله: (ورمى العقبة أول يوم طلوع الشمس، وإلا إثر الزوال قبل الظهر) أي وندب رمي جمرة العقبة أول يوم وهو يوم النحر طلوع الشمس وهو الأفضل وإلا أي وإن لم يكن أول يوم بل الثاني والثالث، فوقت الرمي بعد الزوال، وقبل صلاة الظهر، ويحتمل وإلا، أي وإن لم يرم طلوع الشمس، صبر إلى الزوال، وقبل الظهر.
قوله: (ووقوفه إثر الأوليين قدر إسراع البقرة، وتياسره في الثانية)، أي وندب وقوفه إثر رمي الجمرتين الأولى والوسطى يكبر ويدعو ويهلل ويصلي على النبي ﷺ بعد كل واحدة منهما مستقبلا البيت، ويمكث قدر إسراع قراءة سورة البقرة، وخص سورة البقرة بالذكر، لأن معظم مناسك الحج فيها.
عياض: وجميع حصيات الرمي سبعون يرمي جمرة العقبة يوم النحر بسبع (^٢).
_________________
(١) التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب: ج ٣، ص: ٣٩.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٣٦١.
[ ١ / ٥٧٩ ]
وكذلك يندب له أن يتياسر في مشيه إذا رمى الجمرة الوسطى، أي الجمرة التي في بطن المسيل ووجهه إلى القبلة، ولا يقف عند جمرة العقبة لضيق المحل.
قوله: (وتحصيب الراجع ليصلي أربع صلوات)، أي وندب للراجع من منى إلى مكة أن ينزل بالمحصب ليصلي فيه أربع صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء كفعله ﷺ، ثم يدخل مكة بعد ذلك.
عياض: الأبطح هو البطحاء (^١).
اللام في ليصلي بمعنى إلى وليست لام العلة.
قوله: (وطواف الوداع إن خرج لكالجحفة لا كالتنعيم)، أي وندب طواف الوداع لكل من أراد السفر عن مكة، كان مكيا أو غيره، كان في أحد النسكين أم لا، الوداع بفتح الواو وكسرها، وسمي الوداع لأنه يودع البيت، وسمي صدرا لأنه صدر عن البيت بعد الطواف، وهو آخر ما يفعله الحاج للخبر: «لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده طواف البيت» (^٢)، وإنما يندب له ذلك إن خرج لمثل الجحفة في البعد، وإن لم ينو الإقامة به، وإن لأجل إحرام بعمرة، فلا يندب له ذلك إن خرج إلى مثل التنعيم لقرب المسافة، إلا أن يريد الإقامة في الموضع الذي خرج إليه من التنعيم أو مثله.
قوله: (وإن صغيرا) أي وإن صغيرا أغيا في ندبية طواف الوداع، إذ لا فرق فيه بين الصغير والكبير ولا بين الحر والعبد، ولا بين الذكر والأنثى.
قوله: (وتأدى بالإفاضة والعمرة، ولا يرجع القهقرى)، أي وتأدى طواف الوداع بطواف الإفاضة وبطواف العمرة إن وقعا في وقته، لأن الغرض منه أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف، وقد حصل فإن طاف بالبيت فلا يرجع القهقرى لأنه من فعل الأعاجم ولأنه لم يفعله ﷺ ولو كان فيه خير لفعله، بل ينصرف مستقيما كما فعل ﷺ والسلف الصالح، لو كان فيه خير لفعله وفعله السلف الصالح.
قوله: (وبطل بإقامة بعض يوم بمكة لا بشغل خف)، أي وبطل طواف الوداع بسبب إقامته بمكة بعض يوم فلا يبطل بسبب مشغل خفيف.
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٤، ص: ٣٧٢.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي في مسنده: ج ٤، ص: ٢٩١، الحديث: ٢٤٠٣، ط ١: ١٩٨٨٤ هـ تحقيق: حسين سليم أسد دار المأمون للتراث - دمشق.
[ ١ / ٥٨٠ ]
قوله: (ورجع له إن لم يخف فوات أصحابه)، أي وإن خرج قبل أن يطوف طواف الوداع، أو طافه ثم تبين بطلانه فإنه يرجع فيطوف إن لم يخف فوات أصحابه، ولم يشق عليه الرجوع، وقد رد عمر بن الخطاب ﵁ للوداع رجلا من مر الظهران، وهو على ستة عشر ميلا، أو ثمانية عشر من مكة، ولم يحد فيه مالك حدا بل قال: إن كان قريبا.
قوله: (وحبس الكري، والولي لحيض، أو نفاس، قدره وقيد إن أمن)، أي فإن حاضت امرأة أو نفست قبل أن تطوف طواف الإفاضة، فإن الكري والولي والزوج يحبس لها قدر حيضها أو نفاسها حتى تطهر فتفيض، ولكن قيد هذا إذا أمن الطريق، وإلا فلا يحبس الكري ولا الولي، بل يفسخ الكراء، الكري والمكري بمعنى واحد.
وقال أحمد بن يونس (^١) شيخ محمد بن عبد الكريم: إنما يحبس الكري والولي إذا كان السفر إلى المدينة وأما المصر فلا يحبس لها وهو تقيد للمذهب.
قوله: (والرفقة في كيومين)، أي وتحبس الرفقة للحائض والنفساء إن لم يبق من طهرها إلا يومين أو ثلاثا، ولم يبين الشيخ ما يحبس الكري والولي لأجله لو قال الشيخ: وحبس الكري قدره للإفاضة لا للوداع لأن الإفاضة ركن والوداع مستحب.
قوله: (وكره رمي بمرمي به)، شرع هنا ﵀ يذكر مكروهات الرمي وغيرها، أي وكره رمي بحصاة مرمي بها قبل ذلك، لأنه أديت بها عبادة كماء توضأ به مرة، وقيل لما نقله ابن عبد البر عن ابن عباس وأبي سعيد وغيرهما أن ما يقبل من الحصى يرفع، والمشاهدة تدل على ذلك لقلة الجمار، ومثل هذا لا يقال بالرأي.
ابن يونس: والأول أصح (^٢).
قوله: (كأن يقال للإفاضة طواف الزيارة، أو زرنا قبره ﷺ)، تشبيه أي كما يكره أن يقال لطواف الإفاضة طواف الزيارة وعلله بعضهم بأن لفظ الزيارة يقتضي التخيير، وطواف الإفاضة ركن لا تخيير فيه، وكذلك يكره قول: زرنا قبره ﷺ، وعلل ذلك بأن زيارة قبره ﷺ من أعظم القربات التي يترجح فعلها على تركها، فلا تخيير فيها وقيل لأن للزائر فضلا عن الموزور، ورده عياض بحديث زيارة أهل الجنة ربهم (^٣).
_________________
(١) أحمد بن يونس
(٢) الجامع لابن يونس: ج: ٣، ص: ١٦١٩.
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه باب وصف الجنة، ذكر الأخبار عن زيارة أهل الجنة معبودهم جل وعلى الحديث: ٧٤٣٨
[ ١ / ٥٨١ ]
وقيل: إنما يكره هذا الاسم لما ورد: «لعن الله زوارات القبور» (^١)، ورده في الشفاء بما ورد من قوله ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (^٢).
وقيل: إنما الكراهة لاستكمال لفظ القبر، ورده بعضهم بأن هذا نقل عن مالك الكراهة، ولو أسقط القبر، وكان شيخنا ﷺ يقول: يمكن أن يقال: إنما كره مالك ذلك خوفا من السحح التقحم، وهو الافتخار بالعبادة والسمعة لأنه قد ورد: «من زارني ميتا فكأنما زارني حيا» (^٣)، والحديث: «من زارني وجبت له الجنة».
قال القرافي في ذخيرته: ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: «من زارني وجبت له الجنة»، ويروى عنه أنه قال: «من زارني بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي» (^٤)، وحكى العتبي (^٥) أنه كان جالسا عند قبره ﷺ، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله تعالى يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ [النساء: ٦٤]، وقد جئتك مستغفرا من ذنوبي، مستشفعا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف، وفيه الجود والكرم
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه (٨) - كتاب الجنائز عن رسول الله ﷺ (٦٢) - باب ما جاء في كراهة زيارة القبور للنساء. الحديث: ١٠٥٦. قال أبو عيسى: هذى حديث حسن صحيح وأخرجه ابن ماجة في سننه (٤/¬٦) - كتاب الجنائز (٤٩/¬٤٩) - باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور. الحديث: ١٥٧٤ - ١٥٧٥ - ١٥٧٦.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه (٨) - كتاب الجنائز (٦٠) - باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، الحديث: ١٠٥٤. وأخرجه ابن ماجة في سننه (٦/¬٤) - كتاب الجنائز. (٤٧/¬٤٧) - باب ما جاء في زيارة القبور، الحديث: ١٥٧٦.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى باب زيارة قبر النبي ﷺ الحديث: ١٠٥٧٣. وفي الشعب الحديث: ٤١٥١. وأخرجه الدار قطني في سننه باب المواقيت الحديث: ١٩٢. والحديث ذكره القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى تحقيق: خالد بن محمد، ص: ٩١، ط ١: ٢٠٠١ كتبة الصفا.
(٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان الحديث: ٤١٣٩. فضل الحج والعمرة: ج ٣، ص: ٤٨٨. والدارقطني في سننه باب المواقيت الحديث: ١٩٣، ج ٢، ص: ٢٧٨.
(٥) أبو عبد الله محمد العتبي بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة القرطبي: الفقيه الحافظ. سمع من يحيى بن يحيى وسحنون وأصبغ وغيرهم. روى عنه محمد بن لبابة وغيره. ألف المستخرجة في الفقه. مات سنة: ٢٥٤ هـ أو ٢٥٥ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١١٢، الترجمة: ١٤٨.
[ ١ / ٥٨٢ ]
ثم انصرف الأعرابي، فحملتني عيني في النوم، فرأيت النبي ﷺ، فقال لي: يا عتبي ألحق الأعرابي، فبشره أن الله قد غفر له. انتهى (^١).
وفي نوازل البرزلي: وسئل ابن رشد عن العدو أهلكه الله لو قدم البيت الحرام، أو قبره ﷺ، وقال للمسلمين: ادفعوا إلينا رجلا منكم وإلا هدمنا البيت، أو نبشنا قبر نبيكم، فأجاب هذه من المسائل التي بثها أهل الزيغ والتعطيل حتى يلزموهم استباحة قتل النفس المحرمة، أو استباحة حرمته ﷺ فيسخروا بهم وبدينهم، فهو ﷺ أكرم على الله أن يمكن أعداءه من استباحة حرمته كما عصمه الله في حياته، فكذلك بعد وفاته، وهلاك من تعرض له بشيء من ذلك، ولو وصلوا لقبره لعظموه وهابوه وتمسكوا به، واستسقوا بترابه، فالروم إلى اليوم يستسقون بقبر أبي أيوب الأنصاري إذا أجدبوا لمكانه من النبي ﷺ، فكيف به ﷺ، ولما وقع السؤال عن هذا الممتنع المحال، فلا بد من الجواب لمن رام الطعن لا أن ذلك يخشى وقوعه، ولا بد من الحكم، فالجواب على جميع المسلمين أن يموتوا جميعهم دون استباحة حرمته ﷺ، ولا يدفعوا إليهم الرجل الذي طلبوه، إذ ليس حرمتهم بأعظم من حرمته. وقال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ولده ووالده والناس أجمعين» (^٢). انتهى (^٣).
قوله: (ورقي البيت، أو عليه، أو على منبره ﵊ بنعل: بخلاف الطواف والحجر)، أي وكره رقي البيت بنعل طاهر، وأما النجس فحرام سماه رقيا لأن باب البيت مرتفع، وأحرى دخوله بنعل.
وكذلك كره له وقوفه على ظهر الكعبة بنعل. وكذلك منبره ﵇، وهذا بخلاف الطواف والحجر، فإنه لا يكره أن يطوف وفي رجله نعل، ووقوفه بنعل في الحجر، وإن كان في بعض البيت.
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٣، ص: ٣٧٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٢) - كتاب الإيمان (٧) - حب الرسول ﷺ من الإيمان الحديث: ١٠ - ١٤ وأخرجه مسلم في صحيحه (١) - كتاب الإيمان (١٦) - باب وجوب محبة رسول الله ﷺ أكثر من الأهل والولد والناس أجمعين. الحديث: ٤٤.
(٣) نوازل البرزلي: ج ٦، ص: ٣٣٠ - ٣٣١. وفتاوي ابن رشد تقديم وتحقيق وجمع وتعليق: د. المختار بن الطاهر التليلي. السفر الأول: ص: ٦١٢ - ٦١٣ - ٦١٤، ط ١: ١٩٨٧ م، دار الغرب الإسلامي.
[ ١ / ٥٨٣ ]
قوله: (وإن قصد بطوافه نفسه مع محموله)، أي وإن قصد الطائف بطوافه نفسه ومحمولة معا، (لم يجز عن واحد منهما) لا حامل ولا محمول، وأما السعي بين الصفا والمروة، فإنه يجزئ عنه، وعن محموله لخفة السعي، ألا ترى أنه لا تشترط فيه الطهارة، ولم يفرق الشيخ بين السعي الذي هو ركن وغيره.
قوله: (وأجزأ السعي عنهما كمحمولين فيهما)، أي يجزئ طواف واحد وسعي واحد عن محموليه فيهما إن قصدهما به.
[ ١ / ٥٨٤ ]
فصل [في محظورات الإحرام]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه ما يحرم بسبب الإحرام في زمنه على الرجل والمرأة، وما يجوز وما يكره له، وما فيه الفدية وما لا، وما اختلف فيه، هل فيه الفدية أم لا؟ وبدأ بما يحرم على المرأة و(حرم ب) سبب (الإحرام على المرأة) في زمن الإحرام (لبس قفان)، وهو خف اليدين ونحوه مما يغطي الكفين، (و) كذلك يحرم عليها (ستروجه) في زمن إحرامها (إلا ل) أجل (ستر) عن أعين الناس فلتستره بثوب تسدله على وجهها من فوق رأسها، ولكن يكون ذلك (بلا غرز) بإبرة أو عود (و) لا (ربط).
قوله: (وإلا ففدية)، أي وإن فعلت شيئا مما يحرم عليها من لبس قفاز أو ستر وجهها لغير تستر عن أعين الناس، أو كان ذلك أستر، ولكن غرزته أو ربطته، فالفدية لازمة لها.
قوله: (وعلى الرجل)، أي وحرم على الرجل فقط لبس (محيط بعضو، وإن) كانت الإحاطة (بنسج) كما يفعل في بعض البلاد، (أوزر أو عقد)، ولفظ محيط بالحاء المهملة قيده بعض تلاميذ الشيخ خليل على خليل نعم الله الزر بكسر الزاء الفعل.
فائدة: إنما منع الناس من لبس المخيط وغيره في الإحرام، ليخرجوا عن عادتهم والفهم فيكون ذلك مذكرا لهم بما هم فيه من طاعة ربهم، فيقبلون عليها وبالآخرة بمفارقة العوائد في لبس المخيط والإندراج في الأكفان، وانقطاع المألوف، عن الأوطان واللذات. انتهى من الذخيرة (^١).
وفي إكمال الإكمال عياض وحكمة المنع ليعبدوا عن الترفه، ويتصفوا بصفة الخاشع وليتذكروا بذلك أنهم محرومون فيكثروا الذكر، ويبتعدوا عن المذام، ويتذكروا الموت بلبسهم شبه الكفن والقيام من القبور حفاة.
قال: ولهذا المعنى منع الحاج من النساء والطيب، لأن المطلوب البعد عن عرض الدنيا لتخلص نيته فيما خرج إليه لعل الله سبحانه يناله برحمته، وأما المرأة فيباح لها ستر جميع بدنها بمخيط أو غير مخيط، إلا وجهها وكفيها فيحرم عليها
_________________
(١) الذخيرة للقرافي الباب الخامس في المقاصد: ج ٣، ص: ٢٢٩.
[ ٢ / ٥ ]
سترهما. انتهى (^١).
قوله: (كخاتم وقباء، وإن لم يدخل كما، وستر وجه أو رأس بما يعد ساترا: كطين)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما يحرم على الرجل لبس خاتم شرعي وأحرى غيره لأن الخاتم محيط بموضعه، وكذلك يحرم عليه لبس قباء، وإن لم يدخل يديه كما منع منه القباء. القباء بفتح القاف والباء ممدود وهو درع ضيق على الصدر واسع من أسفل. وكذلك يحرم على الرجل ستر وجه أو رأس بشيء يعد ساترا، وذلك كطين وأحرى غيره، فعليه الفدية في التغطية به وإن لم يغط إلا بعضه.
قوله: (ولا فدية في سيف)، أي ولا فدية في تقليد سيف، ولو قلدها غيره (وإن بلا عذر، ولكن ينزعه، وأشار بلو إلى خلاف ابن وهب. (و) كذلك لا فدية في (احترام، أو استثفار ل) أجل عمل فقط مفهومه أن عملها في غير عمل افتدى، والمفهوم صحيح. غفل الشارح ﵀ لأنه جعل فقط قيدا في احترام لا في استثفار.
قوله: (وجاز خف قطع أسفل من كعب لفقد نعل أو غلوه فاحشا، واتقاء شمس أو ريح بيد. أو مطر بمرتفع وتقليم ظفر انكس)، شروع منه تخلله فيما يجوز فعله للمحرم، أي وجاز لرجل لبس خف قطع أسفل من كعب سواء هو الذي قطعه أو غيره خلافا للرسالة، فإنه قال: فليقطعهما، وكل وافق قولا في المذهب، إنما يجوز ذلك لأجل فقد نعل، أو غلو الخف غلوا فاحشا، لأن الغالي كالعدم. وكذلك يجوز له اتقاء شمس أو ريح بيده، أي ويجوز له اتقاء ريح بيده، أو مطر بمرتفع عن رأسه كالخيمة، ويجوز له تقليم ظفر انكسر لا إن لم ينكسر.
قوله: (وارتداء بقميص، وفي كره السراويل روايتان) أي ومما يجوز للمحرم ارتداء بقميص لأن الإرتداء به ليس من وجه لبسه في المقصد من خياطته، وفي كره الإرتداء بالسراويل لقبح زيه، وعدم كراهته روايتان.
قوله: (وتظلل ببناء وخباء ومحارة)، أي وجاز للمحرم تظلل تحت بناء أو خباء أو محارة، والمحارة مركب النساء، أي فيجعل المحارة بينه وبين الشمس (لا) يدخل (فيها)، وقد قال ﷺ: «ما من محرم يضحى للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه كيوم ولدته أمه» (^٢). انتهى.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ١٥١.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى. (١٢٠) - باب من استحب للمحرم أن يضحي للشمس =
[ ٢ / ٦ ]
وقد نقل الشيخ الإمام أبو عبد الله والقاضي أبو بكر أن ابن عمر أنكر على من استظل راكبا، وقال: ضح لمن أحرمت له (^١) ثم نقلا عن الرياشي (^٢) أنه قال: رأيت أحمد بن المعذل الفقيه في يوم شديد الحر محرما بالحج وهو ضاح للشمس، فقلت له: يا أبا الفضل، هذا أمر قد اختلف فيه، فلو أخذت بالتوسعة، فأنشأ يقول (^٣):
ضحيت له كي أستظل بظله … إذا الظل أمسى في القيامة قالصا
فوا أسفا إن كان سعيك باطلا … ويا حسرتا إن كان حجك ناقصا
قوله: (كثوب بعصا، ففي وجوب الفدية خلاف)، أي كما لا يجوز له التظلل بثوب ونحوه موضوع على عصى أو عود، فإن استظل في داخل محارة، أو تحت ثوب موضوع على عصى، ففي وجوب الفدية عليه فيهما خلاف وعدم وجوبه قولان مشهوران.
قوله: (وحمل لحاجة أو فقر بلا تجر)، أي وجاز لمحرم حمل على رأسه لحاجة تعرض له أو لأجل فقر به، وأما لغير حاجة أو فقر كتجر فإنه يفتدي.
قوله: (وإبدال ثوبه أو بيعه)، أي ويجوز للمحرم إبدال ثوبه الذي أحرم فيه، بأن يلبس غيره ونحوه ويجوز له بيعه، وإحرامه فيه لا يؤثر فيه ولكن المستحب أن يكفن فيه.
قوله: (بخلاف غسله إلا لنجس فبالماء فقط)، أي فلا يغسله خيفة قتل الدواب، إلا أن يتنجس فإنه يغسله بالماء فقط لا بالماء والصابون، فإن غسله بالصابون تصدق بشيء.
قوله: (وبط جرحه، وحك ما خفي برفق)، أي ومما يجوز للمحرم بط جرحه أي شقه ليسيل قيحه. وكذلك يجوز له حك ما خفي عليه من جسده كرأسه وظهره برفق، ولا يشدد في حك ذلك، وأما ما لم يخف عليه من بدنه فإن له حكه وإن
_________________
(١) ٩٤٦١: الحديث
(٢) المدخل لابن الحاج: ج ٤، ص: ٢٢٢.
(٣) الرياشي: هو العباس بن الفرج بن علي بن عبد الله الرياشي البصري، من الموالي، أبو الفضل: لغوي راوية، عارف بأيام العرب. من أهل البصرة. قتل فيها أيام فتنة صاحب الزنج. كان مولده سنة: ١٧٧ هـ ومات سنة: ٢٥٧ هـ. من مؤلفاته: كتاب ما اختلفت أسماؤه من كلام العرب. روى عنه المبرد في الكامل. الأعلام: ج ٣، ص: ٢٦٤.
(٤) المدخل لابن الحاج: ج ٤، ص: ٢٢٢.
[ ٢ / ٧ ]
أدمى جلده، لأنه إذا شدد مع عدم الرؤية ربما أتى على شيء من الدواب ولا يشعر به.
قوله: (وفصد إن لم يعصبه)، أي ومما يجوز للمحرم فصد إن لم يشد عليه عصابة، فإن فعل فعليه الفدية. الفصد: قطع عرق.
قوله: (وشد منطقة لنفقته على جلده)، أي وجاز شد منطقة، أي ربط منطقة لأجل نفقته على جلدة، ونفقة نفسه شرط لا غيرها، وعلى جلده شرط لا على الإزار، المنطقة والمنطق بكسر الميم فيهما هو ما شددت به وسطك كان من جلد أو غيره.
قوله: (وإضافة نفقة غيره)، أي وجاز إضافة نفقة غيره إلى نفقته، فتكون نفقة الغير تابعة لنفقته هو.
قوله: وإضافة يشعر أنه شك نفقته أولا ثم يضيف إليها نفقة غيره، وقال بعضهم: لا فرق بين أن يكون شدهما معا، أو شد نفقته أولا وغيره.
قوله: (وإلا ففدية)، أي وإن خالف في شيء مما تقدم بأن شد ذلك لغير نفقة بل للتجارة، أو شدها لنفقة ولكن ربطه على غير جلده، أو كان ذلك نفقة غيره فقط فعليه فدية.
قوله: (كعصب جرحه أو رأسه، أو لصق خرقة كدرهم أو لها على ذكر)، شروع منه تعلم يذكر ما فيه الفدية، أي كما أن الفدية عليه إذا عصب، أي شد على جرحه خرقة، أو عصب رأسه لأجل صداع به، وأحرى إن كان لغير عذر، أو لصق خرقة بجرحه كدرهم في القدر وأحرى أكثر، لا أقل من درهم فإنه يعفى عنه.
وكذلك عليه الفدية إذا لف خرقة على ذكره خوف النجس من البول وغيره، قال مالك في العتبية والموازية: لا بأس أن يتخذ خرقة يجعل فيها ذكره عند النوم بخلاف لفها.
قوله: (أو قطنة بأذنيه، أو قرطاس بصدغيه)، أي وكذلك عليه الفدية إذا جعل قطنا في أذنيه وإن قل، لأن أكثر انتفاعه بسد أذنيه يعادل كبر الخرقة على جرحه.
وكذلك عليه الفدية إذا جعل قرطاسا على صدغيه لأجل صداع. وفي قاف قرطاس ثلاث حركات.
قوله: (أو ترك ذي نفقة ذهب أوردها له)، أي وكذلك عليه الفدية إذا أضاف نفقة غيره لنفقته فنفدت نفقته هو دون نفقة غير، وترك صاحبها وذهب بغير ردها له.
[ ٢ / ٨ ]
وكذلك إن لم يذهب وهو معه وترك ردها إليه فعليه الفدية. غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (وللمرأة خز وحلي)، أي وجاز للمرأة لبس خز وحلي كخاتم وقلادة وسوار ولبس خف وقميص وسروال واعترض بعضهم، والاعتراض لأنه ذكر ذلك نفيا لقول من منع.
قوله: (وكره شد نفقته بعضده أو فخذه)، هذا شروع منه تعلله في المكروهات، أي وكره شد نفقته على عضده أو فخذه أو ساقه. الفخذ بالذال المعجمة، وفي خائه ثلاث: الفتح والسكون والكسر.
قوله: (وكب رأس على وسادة، ومصبوغ لمقتدى به)، المراد بالرأس هنا الوجه، وعبر بالوجه بكره في توضيحه وفي مناسكه، وأما إن جعل الوسادة تحت خده فلا يكره، وكذلك يكره لبس مصبوغ بغير طيب، وأما بطيب زمن الإحرام فحرام، إنما يكره ذلك لمن يقتدى به. روي أن عمر ﵁ رأى على طلحة بن عبيد الله (^١) ثوبا مصبوغا وهو محرم فقال عمر: ما هذا، قال: إنما هو مدر. فقال عمر: إنكم أئمة يقتدى بكم (^٢).
قوله: (وشم كريحان) أي وكره للمحرم شم ريحان وشبهه كورده، وهو كل طيب مذكر وهو ما يظهر ريحه، وخفا لونه، وفي المذكر ما فيه فدية وفيه ما ليس فيه فدية.
قال صاحب إكمال الإكمال: شم مطلق الطيب منهي عنه، ولا فدية في مذكره، وإن مسكه كالورد والياسمين والريحان. وأما مؤنثه كالمسك والكافور والزعفران والورس، فالمشهور منع شمه. وكرهه ابن القصار ولا فدية في مجرد شمه.
_________________
(١) طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي أبو محمد أحد العشرة وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام وأحد الخمسة الذي أسلموا على يد أبي بكر وأحد الستة أصحاب الشورى روى عن النبي ﷺ وعنه بنوه يحيى وموسى وعيسى بنو طلحة أخرج الطبراني من طريق يحيى بن سليمان الجعفي عن وكيع بهذا السند قال رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في عين ركبته فما زوال الدم يسيح إلى أن مات وكان ذلك في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين من الهجرة وروى بن سعد أن ذلك كان في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة وله أربع وستون سنة. الإصابة: ج ٣، ص: ٥٢٩/ ٤٢٧٠، الترجمة.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ. (٢٠) - كتاب الحج (٤) - باب لبس الثياب في الإحرام الحديث: ١٠. التاج والإكليل ج ٣، ص: ١٦١ - ١٦٢.
[ ٢ / ٩ ]
انتهى منه (^١).
قوله: (ومكث بمكان به طيب، واستصحابه وحجامة بلا عذر) أي وكره لمحرم مقام فيه طيب، أو استصحاب رفقة فيها طيب. وكذلك يكره له الحجامة بلا عذر وأما بالعذر فلا يكره.
قوله: (وغمس رأس) أي ومما يكره للمحرم غمس رأسه في الماء خيفة قتل الداب.
قوله: (أو تجفيفه بشدة، ونظر بمرآة) أي وكره للمحرم إذا غسل رأسه أن يجففه بشدة بل برفق خيفة قتل الدواب. أنظر الشيخ تحلله أنث الرأس تبعا للعامة والرأس مذكر. وكذلك يكره للمحرم نظر في مرآة خيفة أن يرى شعثا فيزيله.
قوله: (ولبس مرأة قباء مطلقا) أي وكره للمرأة لبس قباء مطلقا محرمة أم لا، حرة أو أمة لأن ذلك يصفها.
قوله: (وعليهما دهن اللحية والرأس وإن صلعا وإبانة ظفر أو شعر أو وسخ إلا غسل يديه بمزيله. وتساقط شعر لوضوء أو ركوب) أي وحرم على الرجل والمرأة - بسبب الإحرام - دهن اللحية بزيت أو شحم أو نحوهما، لأن الدهن يزيل الشعث ويزين، والغالب أن المرأة لا تكون لها لحية.
الحاصل: وإن كان لهما لحية، وإلا فمحل اللحية حرام دهنه عليهما، وكذلك يحرم عليهما دهن الرأس وإن كان الرأس صلعا.
الصلع: انتفاء الشعر من مقدم الرأس. وكذلك يحرم عليهما إبانة ظفر، أو إزالة شعر من رأس أو غيره، أو إزالة وسخ إلا غسل يديه بمزيل للوسخ فلا شيء عليه لأنه محل ضرورة. وكذلك لا شيء عليه بسبب ما تساقط من شعر أعضائه لأجل وضوء أو غسل، أو تساقط لأجل ركوب أو نفيه في امتخاطه.
الجلاب: ولا فيما سقط من شعر رأسه في حمله متاعه.
قوله: (ودهن الجسد): أي ومما يحرم على الرجل والمرأة بالإحرام دهن الجسد، وإن بدهن غير مطيب فإن فعل افتدى.
قوله: (ككف ورجل بمطيب أو لغير علة، ولها قولان اختصرت عليهما) أي كما حرم
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٤، ص: ١٥٦.
[ ٢ / ١٠ ]
عليهما دهن باطن الكف، وباطن الرجل بدهن مطيب، وإن كان ذلك لأجل علة وأخرى بغير علة. وكذلك يحرم عليهما دهنهما بدهن غير مطيب لغير علة، وفي دهنهما بغير مطيب لأجل علة قولان في الفدية وعدمها، اختصرت المدونة على القولين هكذا قدروه.
وأما الشارح هنا ا الله فيه ما فيه.
قوله: (وتطيب بكورس وإن ذهب ريحه، أو لضرورة كحل ولو في طعام أو لم يعلق) أي ومما يحرم على الرجل والمرأة بالإحرام تطيب بكورس ونحوه من مؤنث الطيب، وهو ما يظهر ريحه وأثره كالزعفران، وكل مؤنث فيه فدية وإن ذهب ريحه، أو كان مسه لذلك لأجل ضرورة كحل خلط به ولو كان ذلك الطيب في الطعام ألجأته إليه ضرورة، أو مسه وإن لم تعلق به رائحته، وهذا كله تأكيد في المنع.
قوله: (إلا قارورة سدت ومطبوخا، وباقيا مما قبل إحرامه، ومصيبا من إلقاء ريح أو غيره، أو خلوق كعبة، وخير في نزع يسيره، وإلا افتدى إن تراحى) أي إلا أن يمس قارورة سدت سدا محكما بحيث لا يخرج عنها شيء من رائحته، أو كان الطيب مطبوخا مع طعام فإنه لا فدية عليه فيهما. وكذلك إذا تطيب قبل إحرامه وبقي عليه شيء من ريح طيبه فلا شيء عليه لأن الدوام ليس كالابتداء، ولأن المعتبر حين التطيب لا بعده، وكذلك لا شيء عليه إن أصابه طيب من إلقاء ريح أو غيره عليه، أو مسه شيء من خلوف الكعبة الشريفة، فإن كان الذي مسه من ذلك يسيرا فإنه يخير في نزعه، وإن كان كثيرا لا يخير في نزعه بل يجب عليه وإن لم ينزعه فإن الفدية لازمة له إن تراخى في نزعه، مفهومه إن لم يتراخى في نزعه فلاشيء عليه وهو كذلك، إنما منع المحرم من الطيب لئلا يدعوه إلى الجماع المبطل للنسك، لأن الطيب يقوي به شهوة الجماع.
وفي إكمال الإكمال عياض: لم يختلف في أن للمحرم أن يكتحل، ويتداوى للحاجة بما لا طيب فيه ولا فدية. وأما أن يكتحل للزينة بما لا طيب فيه فأجازه قوم وكرهه قوم. وفي مذهبنا فيه الكراهة والمنع وعلى المنع ففي وجوب الفدية فيه قولان.
وقال الشافعي: لا أرى فيه فدية. قلت: في الفدية قول ثالث حكاه الجلاب أنه إن كان المكتحل امرأة افتدت، وإن كان رجلا لم يفتد. والخلاف في الفدية إنما هو
[ ٢ / ١١ ]
في غير المطيب، كما ذكر وأما المطيب فلا بد فيه من الفدية. انتهى منه (^١).
قوله: (كتغطية رأسه نائما)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما تلزمه الفدية في تغطية رأسه نائما، إن تراخى في نزعه حين انتباهه من النوم، فإن نزعه في الفور فلا شيء عليه، والعمد والسهو والجهل والضرورة في الفدية سواء.
قوله: (ولا تخلق أيام الحج، ويقام العطارون فيها من المسعى) أي ولا تطيب الكعبة الشريفة في أيام الحج، خيفة ما يمس الطائفين. عياض: الخلوق بفتح الخاء الطيب المصبوغ بالزعفران (^٢). الخلوق نوع من الطيب (^٣)، ويقام العطارون فيها أي في أيام الحج من السعي بين الصفي والمروة.
قوله: (وافتدى الملقي الحل إن لم تلزمه بلا صوم، وإن لم يجد فليفتد المحرم) أي وإن لغى حل طيبا على محرم فإنه يفتدي، وإن لم تلزم الفدية المحرم الذي ألغى عليه بأن نزع ما ألقى عليه بالفور، وأما إن لزمته الفدية بأن تراخي في نزع ما ألقى عليه بالفور، فإن الفدية ساقطة عن الملغى الحل، فحيث تلزم الفدية الملقى فإنه يفتدي عنه بغير صوم بل ينسك، أو إطعام إذ لا يصوم أحد عن أحد لأن الصوم لا يقبل النيابة، وإن لم يجد ما يفتدي به عنه، فليفتد المحرم الملقى عليه عن نفسه بما شاء من صوم أو غيره، وهل عليه ذلك واجبا؟ أو إنما هو مندوب في حقه فيه قولان.
قوله: (كأن حلق رأسه. ورجع بالأقل؛ إن لم يفتد بصوم) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن عليه فدية إذا حلق رأس محرم بغير إذنه كما إذا كان نائما أو مكرها، فإن لم يجد ما يفتدي به لعدمه افتدى المحرم عن نفسه، ورجع بما افتدى به عن نفسه على الملقى الحل الطيب، أو حلق رأسه بغير إذنه على الأقل مما يفتدي من غير صوم، وأما إن افتدى عن نفسه بصوم فلا يرجع عليه لأن الصوم لا قيمة له.
قوله: (وعلى المحرم الملقي فديتان على الأرجح) أي فإن ألقى محرم طيبا على محرم فإنه عليه فديتان، فدية لمس الطيب، وفدية إلقائه على محرم، على ما اختاره
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٢٠٢.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ١٥٨.
(٣) الجامع الصحيح المختصر تأليف: محمد بن إسماعيل البخاري. تحقيق: د. مصطفى ديب البغا الناشر دار ابن كثير: ج ٢، ص: ٦٣٤، ط ٣: ١٩٨٧ م.
[ ٢ / ١٢ ]
ابن يونس، وهذا إن لم تلزم الفدية الملقى عليه بأن نزع الطيب عن نفسه في الفور، وأما إن لزمته فليس على الملقى إلا فدية واحدة.
قوله: (وإن حلق) رأسه حل محرما بإذن فعلى المحرم؛ وإلا فعليه، وإن حلق محرم رأس حل أطعم وهل حفنة أو فدية؟ تأويلان) أي وإن حلق حل رأس محرم بإذن لفظي أو عادي فالفدية على الحالق.
قوله: وإن حلق محرم رأس حل أطعم هذه عكس الأولى أي وإن حلق محرم رأس حل أطعم خيفة قتل الدواب، وهل ما يطعم به حفنة ملء اليد الواحدة وإليه ذهب التونسي، أو يفتدي بفدية وإليه ذهب اللخمي فيه تأويلان.
قوله: (وفي الظفر الواحد - لا لإماطة الأذى - حفنة) أي وفي قص ظفر واحد بغير إماطة الأذى ولا الكسر ونحوه حفنة من طعام، وهو ملء اليد الواحدة وأما إن فعل ذلك لإماطة الأذى أي إزالته فإنه يفتدي كما سيأتي إن شاء الله.
قوله: (كشعرة أو شعرات، أو قملة أو قملات) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن الحفنة الواحدة في حلق شعرة واحدة وأتبعها أو شعرات من أنفه أو عينيه وشعرات جمع قلة من ثلاثة إلى عشرة. وكذلك يطعم الحفنة في قتل قملة واحدة أو قملات جمع قلة من ثلاثة إلى عشر.
قوله: (وطرحها) أي وطرح القملة كذلك فيه حفنة لأنه لما طرحها عرضها للموت لأنها ليست من دواب الأرض وطرحها مبتدأ وخبره محذوف.
قوله: (كحلق محرم لمثله موضع الحجامة؛ إلا أن يتحقق نفي القمل، وتقريد بعيره) أي كما يطعم المحرم حفنة إذا حلق رأس محرم أو غيره موضع الحجامة إلا أن يتحقق نفي القمل حين يحلقه فلا شيء عليه وأما المحلوق فلا بد من الفدية لأن موضع الحجامة أكثر من الشعرات التي فيها الحفنة.
عياض: لم يختلف في جواز الحجامة للضرورة، كانت في الجسد أو الرأس.
عياض: قال الداودي: روي أنه ﷺ قال: «الحجامة في وسط الرأس شفاء من النعاس والصداع والأضراس».
قال الليث: ليس في وسطه، ولكن في فاسه أي في مؤخرة، وأما في وسطه فقد
[ ٢ / ١٣ ]
يعمى. إكمال الإكمال (^١).
وكذلك يطعم الحفنة في تقريد بعير أي زوال القردان عنه والقردان جمع قراد كغراب وغربان.
قوله: (لا كطرح علقة أو برغوث) أي لا شيء عليه في طرح علقة عن نفسه وعن بعيره لأنه ليس من دواب الإبل ولا من دواب الآدميين. العلقة: دودة تمص الدم، وكذلك لا شيء عليه في طرح برغوثة عن نفسه لأنه من دواب الأرض.
قوله: (والفدية فيما يترفه به أو يزيل أذى: كقص الشارب أو ظفر وقتل قمل كثر) لما فرغ مما فيه الحفنة شرع يذكر ما فيه الفدية أي والفدية واجبة في إزالة شيء مما يترفه به ويزيل أذى، وذكر المؤلف لذلك أمثلة ومثال ما يترفه به قص الشارب أو قلم الظفر ونتف الإبط ومثال ما يزيل الأذى قتل قمل كثير.
قوله: (وخضب بكحناء) يحتمل انه من أمثلة ما يترفه به ويحتمل أنه من أمثلة ما يزيل الأذى ويحتمل أنه مثال لهما وأدخل بالكاف في كخصب بحناء الوسم.
وقوله: (وإن رقعة إن كبرت) أي وإن كان المخصوب رقعة واحدة في بدنه إن كانت كبيرة.
قوله: (ومجرد حمام على المختار أي والفدية في مجرد غسل في الحمام، دلك جسده أم لا على ما اختاره اللخمي، وهو خلاف المدونة أنه شرط التدلك وإزالة الوسخ.
قال فيها: وأكره للمحرم دخول الحمام لأنه ينقي الوسخ فإن دخله افتدى إن تدلك وانقى الوسخ وألحق بعضهم بالدلك صبا بعد العرق.
قوله: (واتحدت إن ظن الإباحة، أو تعدد موجبها بقور، أو نوى التكرار، أو قدم الثوب على السراويل) أي والتحدت الفدية في هذه المواضع الأربع وأما غيرها فإنها تتعدد بتعدد موجبها أي واتحدت الفدية إن ظن الفاعل إباحة ذلك كما لو حلق ولبس وقلم وتطيب وإن كان ذلك من غير فور واحد.
الثانية: أن يتعدد موجبها أي موجب الفدية في فور واحد وإن لم يظن الإباحة.
الثالثة: أن ينوي التكرار عند الفعل الأول وإن لم يظن الإباحة ولم يتحد وقت فعلها ولو بعد ما بين الفعلين، كما إذا لبس الثوب ونوى الحلاق في غد الرابع أن
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٢٠٠ - ٢٠١.
[ ٢ / ١٤ ]
يقدم لبس الثوب على لبس السراويل أو نحوها، وفي تقديم السراويل على الثوب فديتان، لأن في لبس الثوب بعد السراويل زيادة منفعة بخلاف عكسه، ولا خلاف أن النبي ﷺ اشترى السراويل، وإنما الخلاف هل لبسه؟ أم لا.
قوله: (وشرطها في اللبس انتفاع من حر أو برد، لا إن نزع مكانه) أي وشرط وجوب الفدية في اللبس انتفاع به من حر، أو برد، أو مكث طال لا إن نزع مكانه أي وقته.
قوله: (وفي صلاة قولان) أي وهل قدر صلاة بعد طول أم لا؟ قولان.
قوله: (ولم يأتم إن فعل لعذر) أي ولا يأثم فاعل موجب فدية لأجل عذر ولكن عليه الفدية لأنه انتفع، وقيل: لا فدية عليه رعيا للجرح وأما إن فعله بغير عذر فإنه يأثم وعليه الفدية.
قوله: (وهي نسك بشاة فأعلى، أو إطعام ستة مساكين لكل مدان) أي والفدية نسك بشاة فأعلا كبقرة أو بدنة وهي على التخيير.
قوله: أو إطعام هو النوع الثاني وهو معطوف على نسك أي وإطعام ستة مساكين لكل منهم مدان بمد النبي ﷺ من جل عيش البلد.
قوله: (كالكفارة) تشبيه لما يأتي.
قوله: (أو صيام ثلاثة أيام ولو أيام منى) هذا هو النوع الثالث وهو صيام ثلاثة أيام ولو كانت أيام منى قياسا على التمتع.
قوله: (ولم يختص بزمان أو مكان إلا أن ينوي بالذبح الهدي فكحكمه) أي ولم تختص الفدية بزمان أو مكان تؤدى فيه إلا أن ينوي بالذبح الهدي بأن يشعره أو يقلده فيكون حكمها حينئذ حكم الهدي فلا يذبح إلا بمحله، وقال تعالى: ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦] الفرق بينها وبين الهدي أن الهدي على الترتيب وأنه يختص بمكان وزمان يذبح فيها وأن الصوم يدخل في بعض أفراده على سبيل النيابة كالأمداد في طعام جزاء الصيد والنسك بخلاف ذلك.
قوله: (ولا يجزئ غداء وعشاء إن لم يبلغ مدين) أي ولا يجزئ في إطعام الفدية غداء أو عشاء لكل مسكين وإن أشبعه إن لم يبلغ ذلك مدان.
قوله: (والجماع) أي وحرم عليهما الجماع (ومقدماته) لأجل الإحرام كقبلة ومباشرة ومغامزة لما كان من المحرمات ما يفسد الحج والعمرة وما لا يفسدهما، كأن سائلا سأله فإذا كان الجماع حرام على الرجل والمرأة في زمن الإحرام، هل يفسد الحج والعمرة؟ فقال: (وأفسد مطلقا) أي عمدا أو نسيانا أو جهلا أو تأويلا، من
[ ٢ / ١٥ ]
قبل أو دبر من حلال أو غيره أنزلا أم لا مكرها أم لا.
قوله: (كاستدعاء مني، وإن بنظر) تشبيه أي كما يحرم عليهما استدعاء مني وإن بنظر، يريد وأمنى مطلقا عادته أن يمني بمثل ذلك أم لا.
قوله: (إن وقع قبل الوقوف مطلقا، أو بعده إن وقع قبل إفاضة وعقبة يوم النحر أو قبله) أي إنما يبطل الجماع ومقدماته الحج إن وقع قبل الوقوف بعرفة، أو وقع بعد الوقوف ولكن وقع قبل طواف الإفاضة وقبل رمي جمرة العقبة في يوم النحر معا أو وقع ذلك الجماع أو مقدماته إن أنزل قبل يوم النحر في ليلة المزدلفة.
قوله: (وإلا فهدي) أي وإن لم يقع الوطء قبل الوقوف ولا بعده وقبل طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة معا في يوم النحر بل وقع بعد طواف الإفاضة وبعد رمي جمرة العقبة أو وقع قبلهما ولكن بعد يوم النحر فإن حجه لا يفسد ولكن وجب عليه الهدي.
قوله: (كإنزال ابتداء وإمدائه. وقبلته) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن عليه الهدي إذا أنزل بغير سبب يوجب إخراج المني من نظر أو تفكر وكذلك يجب عليه الهدي في إخراجه مذيا وإن تسبب فيه وكذلك يجب عليه الهدي في القبلة للذة وإن فعلت به.
قوله: (ووقوعه بعد سعي في عمرته) أي ويجب عليه الهدي وقوعه أي وطئه بعد سعي في عمرته لأنه لم يبق عليه في عمرته إلا الحلاق وهو ليس بركن.
قوله: (وإلا فسدت) أي وإن وقع الوطء في أثناء السعي بين الصفا والمروة أو قبله وبعد الطواف فسدت العمرة.
قوله: (ووجب إتمام المفسد وإلا فهو عليه، وإن أحرم، ولم يقع قضاؤه إلا في ثالثه) لما ذكر ما يفسد الحج والعمرة شرع يذكر حكم فاسدهما فقال: ووجب إتمام المفسد من حج أو عمرة فإن أتمه حل منه وبقى عليه قضاؤه.
قوله: وإلا أي وإن لم يتمه فهو عليه باق حتى يقضيه ولم يحل منه وإن أحرم بقضائه فإن أفسد حجه ولم يتمه في السنة الأولى أتمه في الثانية ولم يقع قضاء الفاسد إلا في سنة ثالثة.
قوله: (وفورية القضاء وإن تطوعا) أي ويجب قضاء المفسد ويجب فورية قضائه، بأن يقضي الحج في العام المقبل، وأما العمرة فإنه يقضيها بعد تمام العمرة الفاسدة، وإن كان المفسد من حج تطوعا لأنه لما أحرم به لزمه فيجب قضاؤه.
[ ٢ / ١٦ ]
قوله: (وقضاء القضاء) أي ويجب قضاء القضاء إذا أفسده عند ابن القاسم وهو المشهور لا عند أشهب، والصوم المشهور فيه عدم وجوب قضاء القضاء إن فسد، وأما الصلاة فلا يقضى اتفاقا.
الفرق بين الحج والصوم أن الحج لما كانت كلفته شديدة شدد فيه بقضاء القضاء سدا للذريعة لئلا يتهاون فيه، وفرق أيضا أن القضاء في الحج على الفور، وإذا كان على الفور صارت حجة القضاء كأنها حجة معينة في زمن معين، فيلزمه القضاء في فسادها كحجة الإسلام، وأما زمان قضاء الصوم فليس بمعين، ولم ينقل خلافا فيما إذا فسد قضاء الصلاة أنه ليس عليه إلا قضاء صلاة واحدة.
قوله: (ونحر هدي في القضاء) أي ويجب نحر هدي الفساد في زمن القضاء، ليتفق الجائز النسكي والمالي.
قوله: (واتحد وإن تكرر لنساء بخلاف صيد وفدية) أي واتحد هدي الفساد وإن تكرر الوطء لنساء أو امرأة واحدة مرارا بخلاف جزاء الصيد، فإنه يتعدد بتعدد موجبه في النسك الصحيح والفاسد. وكذلك تتعدد الفدية لأنه عوض عما اتلف. وكذلك تتعدد الفدية بتعدد موجبها إلا في المسائل الأربع التي تقدم ذكرها.
قال البساطي: لو قال الشيخ بخلاف جزاء أو فدية لكان أحسن.
قوله: (وأجزأ إن عجل) أي وأجزأ هدي إن عجل أي وأجزأ هدي الفاسد إن عجل قبل القضاء لتقدم موجبه.
قوله: (وثلاثة إن أفسد قارنا ثم فاته وقضى) أي ويجب عليه ثلاث هدايا إن أفسد حجه في حال كونه قارنا ثم فاته ذلك الحج فتحلل منه بعمرة وقضاه بعد ذلك من قابل واحد عن قرانه الثاني وآخر عن فساده وآخر عن فواته.
وعن ابن القاسم أن عليه هديا رابعا لقرانه الأول.
قوله: (وعمرة إن وقع قبل ركعتي الطواف) وهذا غير موضعه، لعل الناسخ وضعه في غير موضعه، وموضعه إثر قوله: إن وقع قبل إفاضة وعقبة يوم النحر أو قبله وإلا فهدي وعمرة فيكون تتميما للمسألة أي وإن لم يكن الأمر كذلك فالهدي واجب عليه وعمرة، بشرط أن يقع الجماع ومقدماته قبل ركعتي طواف الإفاضة.
وقوله: (وإحجاج مكرهة وإن نكحت غيره، وعليها إن أعدم ورجعت عليه كالمتقدم) أي ووجب على الزوج أو السيد إحجاج مكرهته على وطئ ونحوه مما يفسد الحج وإن
[ ٢ / ١٧ ]
نكحت غيره، ويجب عليها إحجاج نفسها إن أعدم المكره، ورجعت عليه بما أنفقت كالفرع المتقدم في قوله: ورجع بالأقل إن لم يفتد بصوم.
قوله: (وفارق من أفسد معه من إحرامه لتحلله) ظاهره الوجوب، وقيل: مستحب أي وفارق المفسد لحجه من أفسد معه من إحرامه لحجة القضاء إلى تحلله الأكبر وهو طواف الإفاضة، خشية أن يتدارك لما كان منهما فيدعوهما إلى الفساد ثانية، أو لأنها عقوبة له لفعله.
قوله: (ولا يراعى زمن إحرامه، بخلاف ميقات إن شرع وإن تعداه، فدم) أي ولا يراعى في قضاء الفاسد زمن إحرامه له بل له أن يحرم به يوم التورية وإن كان احرم للفساد في شوال بخلاف الميقات المكاني فإنه يراعى إن شرع ذلك المكان للإحرام فيه وإلا فلا يراعى وإن تعدى المكاني ولم يحرم فيه لحجة القضاء فالدم واجب عليه. لو قال الشيخ بخلاف مكاني لكان أولى، لأن لفظ ميقات يشمل الزماني والمكاني.
قوله: (وأجزأ تمتع عن إفراد وعكسه) أي وأجزأ في القضاء تمتع عن إفراد فاسد، لأن التمتع إفراد وزيادة. وكذلك يجزئ عكسه، وهو قضاء إفراد عن تمتع لأن الفساد في الحج.
قوله: (لا قران عن إفراد أو تمتع) أي ولا يجزئ قران عن إفراد وتمتع، وحج المتمتع في صفة فعله كالإفراد، بخلاف القران.
قوله: (وعكسهما) أي فلا يجزئ أن يقضي تمتعهما عن قران، وكذلك لا يجزيه أن يقضي قرانا عن إفراد وتمتع.
قوله: (ولم يتب قضاء تطوع عن واجب) يريد أن من تطوع بحجة قبل الفرض ثم أفسده بالوطء فإنه يلزمه قضاؤه ولم ينب له ذلك عن حجة الإسلام إذا نوى به ذلك لأن فساد التطوع وجب عليه قضاؤه وحجة واحدة لا يكفي عن حجتين.
قوله: (وكره حملها للمحمل ولذلك اتخذت السلالم، ورؤية ذراعيها لا شعرها، والفتوى في أمورهن) أي وكره لرجل في حال إحرامه رفع امرأة إلى هودج أو نحوه لأجل تحريم المباشرة للذة في حال الإحرام ولأجل ذلك اتخذت السلالم التي يصعد به النساء إلى الرواحل، والمحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثاني مركب النساء وبكسر الميم الأول وفتح الثاني علاقة السيف وبفتحهما مصدر، وكذلك يكره له رؤية
[ ٢ / ١٨ ]
ذراعيها لا يكره له رؤية شعرها، وكذلك لا يكره للمفتي أن يفتي في حال إحرامه في أمر النساء كالحيض والغسل ونحو ذلك.
قوله: (وحرم به وبالحرم من نحو المدينة أربعة أميال أو خمسة للتنعيم، ومن العراق ثمانية للمقطع، ومن عرفة تسعة، ومن جدة عشرة لآخر الحديبية) أي وحرم على الرجل والمرأة بسبب الإحرام وإن لم يكن في حرم، وبسبب الحرم وإن لم يكن محرما تعرض لحيوان بري واحترز به من البحري فإنه لا يحرم التعرض له للمحرم، وحد الحرم من نحو المدينة أي من جهة المدينة الشريفة أربعة أميال على قول وخمسة على قول إلى التنعيم، ومن جهة العراق ثمانية أميال إلى المقطع، وحده من جهة عرفة تسعة أميال، ومن جهة جدة عشرة أميال إلى آخر الحديبية، والحديبية كلها في الحرم، وأصح ما قيل في الميل ثلاثة آلاف وخمس مائة ذراع، والذراع من المرفق إلى الأصبع الوسطى. قال البساطي وللركن في هذا التحديد البيت.
قوله: (ويقف سيل الحل دونه تعرض بري، وإن تأنس أو لم يؤكل، أو طير ماء وجزؤه وبيضه) أي هذا تعريف ثان للحرم أي ويقف سيل الحل دون الحرم ولا يدخله لأنه أعلا من الحل ويدخل سيل الحرم في الحل. غفل الشارح هنا ف بنسبة هذا الفرع للمدونة بل هو من الموازية.
قوله: تعرض بري هذا فاعل حرم أي وحرم بسبب الإحرام، وفي الحرم تعرض حيوان بري وإن تأنس لا يقال لما تأنس صار كالماشية، ولو كان البري لا يؤكل كالخنزير أو كان طير ماء فإنه لا يتعرض له، ألا ترى أنه لا يؤكل إلا بالذبح.
قوله: (وجزؤه) أي وكذلك يحرم بالإحرام وبالحرم تعرض جزء بري كقطع يده أو رجله أو غير ذلك منه، وهذا أبين مما قال ابن غازي في تصحفه (^١).
قوله: (وليرسله بيده أو رفقته، وزال ملكه عنه لا ببيته، وهل وإن أحرم منه؟ تأويلان) أي لما كان حرم عليه تعريضه فإن أحرم وهو في يده أو في قفص في رفقته فليرسله وجوبا، وزوال ملكه عنه فلا يضمنه من استهلكه ولا من أطلقه لأن ملكه زال عنه بالإحرام وفي الحرم فلا يزول عليه ملكه إن أحرم وهو في بيته وهل ذلك وإن أحرم من بيته أو يزول عنه ملكه إذا أحرم من بيته فليرسله فيه تأويلان على المدونة.
_________________
(١) انظر شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٣٤٢
[ ٢ / ١٩ ]
قوله: (فلا يستجد ملكه ولا يستودعه) يشمل صورتين إحداهما أن يحرم والبري في يده وقلنا يرسله وخالف ما أمر به ولم يرسله حتى حل من إحرامه فلا يجوز له أن يستجد ملكه ببقائه في يده، الصورة الثانية أنه إذا أرسله من يده زال عنه ملكه فلا يستجد ملكه بشراء أو قبول هبته ولا يأخذه وديعة لمحرم كان أو غيره فإن تجرأ وأخذه أطلقه وغرم قيمته لربه.
قوله: (ورد إن وجد مودعه وإلا بقي) هذا فرع مستقبل بنفسه ليس بمفرع على ما فعله أي فإذا أخذ الصيد وديعة قبل إحرامه فإنه يرده لربه حين أراد الإحرام إن وجده وإلا أي وإن لم يجده بقي عنده حتى يجده لأنه أخذه على وجه جائز فإن أطلقه ضمنه لربه.
قوله: (وفي صحة شرائه قولان) أي وفي صحة شراء الصيد الذي زال عنه ملكه أو غيره إن وقع فيلزمه ثمنه ويطلقه ولا يمسكه وعدم صحته فيرد إلى ربه فيه قولان.
قوله: (إلا الفارة والحية والعقرب مطلقا، وغرابا وحدأة، وفي صغيرهما خلاف) مستثنى من قوله: تعرض بري الفأر يهمز ولا يهمز أي فإن الفأر والحية والعقرب تقتل مطلقا، صغيرا كان أو كبيرا.
لو قال: كالفأر لأشمل كل مضر.
وفي الذخيرة: يلحق بالفأر ابن عرس وما يقرض الأثواب من الدواب ويلحق بالعقرب الزنبور والرتيلاء (^١).
وسميت الفأرة بالفويسقة لخروجها بالإذاية من جنسها من الحيوان. وقيل لخروجها عن الحرمة التي لغيرها أنها تقتل في الحرم وكذلك يقتل غرابا وحدأة كبيرة وفي صغيرهما خلاف ومن نظر إلى الحال قال: لا يقتل ومن نظر إلى المآل قال: يقتل.
فقال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله: العجب من الشيخ عرف الفأر والحية والعقرب التي ليس فيها خلاف ونكر الغراب والحدأة التي في صغيرهما خلاف.
قوله: (كعادي سبع كذئب إن كبر) أي وكذلك يقتل عادي سبع. وذلك كله كذئب مثلا مثل الشيخ تحلله بالأضعف من السباع وهو الذئب تنبيها على الأعلى الذي هو الأسد والنمر والفهد والكلب العقور بشرط أن يكون واحد من المذكور كبيرا.
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٣، ص: ٣١٦
[ ٢ / ٢٠ ]
مفهوم الشرط أن الصغير لا يقتل.
قوله: (كطير خيف إلا بقتله، ووزغا لحل بحرم) أي كما يقتل الطير إذا خيف منه ولا يمكن دفعه إلا بقتله، وكذلك يجوز لحل قتل وزغ في حرم لا يجوز قتله لمحرم وإن في غير حرم وأحرى في الحرم وكل ما يجوز قتله فلا شيء على قاتله.
وقوله: (كأن عم الجراد) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا شيء إذا عم الجراد في طريقه (واجتهد) في التحفظ من قتله.
قوله: (وإلا فقيمته، وفي الواحدة حفنة، وإن في نوم) أي وإن لم يعم أو عم ولم يجتهد في التحفظ منه فعليه قيمة ما قتل من الطعام إن كان ما قتل أكثر من واحدة يدل عليه وفي الواحدة حفنة وإن كان قتله لها في نوم انقلب عليهما في نومه.
قوله: (كدود) أي وكذلك الحكم في دود ونحوه كذباب وهذا الفرع ليس في نسخة الشارح وسقط لفظه في نسخة البساطي ولكن شرحه.
قوله: (والجزاء بقتله، وإن لمخمصة وجهل ونسيان) أي ويجب الجزاء بقتل البري الذي حرم التعرض له وإن قتله بسبب مخمصة به وجهل ونسيان فلا يعذر بذلك لأن العذر لا يرفع الجزاء وإنما يرفع الإثم عن فاعله لأن الجزاء من الجناية. ولم يذكر الشيخ هنا هل يجوز له قتله لمخمصة أم لا وسيأتي إن شاء الله.
قوله: (وتكرر) أي ويجب تكرر الجزاء بتكرر موجبه وإن ظن الإباحة أو تعدد الموجب بفور أو نوى التكرار بخلاف الفدية.
قوله: (كسهم مر بالحرم، وكلب تعين طريقه، أو قصر في ربطه، أو أرسل بقربه فقتل خارجه) تشبيه أي كما أن الجزاء على من كان في حل ورمى سهما لبري خلف حرم ومر السهم في هواء الحرم فقتل البري خارج الحرم، وكذلك يجب الجزاء على من أرسل كلبه في الحل على صيد في الحل ولكن تعين طريق الكلب في الحرم فمر به وقتله خارج الحرم، مفهومه إن لم يتعين طريقه في الحرم لا جزاء فيه وهو كذلك، وكذلك يجب عليه الجزاء إن قصر في ربط الكلب فانفلت وقتل الصيد في الحرم، مفهومه إن لم يقصر في ربطه، فانفلت وقتل لا جزاء عليه وهو كذلك. وكذلك يجب عليه الجزاء، إذا أرسل الكلب أو الباز قرب الحرم على صيد في الحل فأدخله الكلب، أو الباز في الحرم ثم أخرجه منه، فقتله، مفهومه إن لم يكن في قرب الحرم فالأجزاء عليه والمفهوم صحيح، وحد البعد أن يلحقه غالبا دون الحرم.
[ ٢ / ٢١ ]
قوله: (وطرده من حرم) أي وكذلك يجب عليه الجزاء بطرد البري من حرم إلى حل ومات به لأنه أخرجه من مأمنه، ولكن الشيخ مستغن عن ذكر هذا الفرع، لأنه يذكر بعده ما يغني عنه في قوله: وتعريضه للتلف.
قوله: (ورمي منه أو له، وتعريضه للتلف) أي وكذلك يجب عليه الجزاء برمي من الحرم إلى حل فقتله منه أو رمى وهو في حل إلى حرم فقتله فيه.
وكذلك عليه الجزاء لتعريض البري للتلف كما لو قصر جناحيه أو نتف ريشه إن لم يتحقق سلامته وأما إن تحقق سلامته، فلا شيء عليه في الحل، وقتل في الحل، لأن الحلال لا يلزمه الجزاء إلا إذا جز في الحرم. انتهى منه.
قوله: (وجرحه ولم تتحقق سلامته، ولو بنقص) أي ويجب عليه الجزاء بجرح الصيد ولم يتحقق سلامته وأما إن تحقق سلامته فلا شيء عليه وإن كانت السلامة مع نقص وأشار بلو إلى قول من قال: إن سلم مع كونه ناقصا فإنه يعطي قيمة النقص فينبغي أن يتربص بإخراج الجزاء ليتحقق موته أو انقطاع خبره لئلا يكفر عنه قبل موته.
قوله: (وكرر إن أخرج لشك ثم تحقق موته) أي ويكرر الجزاء إن أخرجه وهو شاك في موت الصيد ثم تحقق موته، مفهومه إن أخرج لأجل ظن موته ثم تحققه فلا جزاء عليه ثانيا وهو كذلك.
قوله: (ككل من المشتركين) أي كما يلزم جزاء كامل كل واحد من المشتركين في قتل صيد بري وإن كثروا. وكذلك كل ما يجب فيه الجزاء على واحد فإنه يلزم كل من المشتركين فيه جزاء كامل لأنه من باب الكفارات، لا من باب الدية.
قوله: (وبإرسال لسبع) أي ويجب الجزاء بسبب إرسال جارح، أو سهم لسبع، أو نصب له، أي أو شرك له أي للسبع فقتل الجارح أو السهم الصيد كما إذا أرسل كلبا على السبع وقبض الكلب غير السبع مما لا يجوز صيده في حال الإحرام.
قوله: (أو نصب شرك له) أي والجزاء لازم بقتل ونصب شرك للسبع فقع فيه غيره مما لا يجوز صيده أي الجزاء لازم بقتل وبإرسال السبع وبقتل وبنصب شرك لسبع وقع فيه غيره أي ووقع صيد في ذلك الشرك الذي نصب السبع.
قوله: (وبقتل غلام أمر بإفلاته فظن القتل، وهل إن تسبب السيد فيه أو لا؟ تأويلان) أي وكذلك يلزم السيد الجزاء بسبب قتل غلام الصيد كان معه وأمره السيد بإطلاقه
[ ٢ / ٢٢ ]
فظن العبد أنه إنما أمره بقتله فقتله، وهل هذا الحكم إن تسبب السيد في الصيد؟ أولا، كما إذا كان هو الذي اصطاده، أو أمر باصطياده وإلا فلا شيء عليه، أو عليه مطلقا لأنه بتقصيره في البيان أخطأ العبد في قتله في ذلك تأويلان.
وقوله: أولا بتشديد الواو، ويجوز بسكون الواو أي تسبب فيه سيد أولا.
قوله: (وبسبب ولو اتفق، كفزعه فمات، والأظهر والأصح خلافه) أي ويجب الجزاء بسبب في قتل بري ولو كان ذلك السبب اتفاقيا لا مقصودا، ثم مثل الشيخ ذلك، فقال: كفزعه فمات والأظهر عند ابن رشد وصححه غيره خلاف لزوم الجزاء، إذ لا يكون أعظم حرمة من آدمي.
قوله: (كفسطاطه وبئر لماء، ودلالة محرم أو حل، ورميه على فرع أصله بالحرم، أو بحل وتعامل فمات به، إن أنفذ مقتله، وكذا إن لم ينفذ على المختار) أي كما لا جزاء عليه في صيد تعلق بأطناب فسطاطه فمات.
الفسطاط: خيمة شعر وفي فائه الضم والكسر. وكذلك لا جزاء عليه إذا حفر بئر الماء لحاجة لا غير فوقع فيه بري قاله ابن القاسم، وأشهب قالوا: وهي تناقض مسألة الفزع ووجه ما قاله ابن القاسم في الذخيرة بأن رؤيته مستلزمة لهربه بخلاف حفر بئر. انتهى من فتح الجليل (^١).
وكذلك لا جزاء على محرم دل محرما أو حلا على صيد.
وفي إكمال الإكمال: وإذا دل المحرم والحلال على الصيد لم يؤكل الصيد.
قال مالك والشافعي: ولا جزاء على الدال، وأوجبه عليه أحمد والكوفيون وجماعة. واختلف إذا دل المحرم المحرم فقال أشهب والكوفيون: على كل واحد منهما الجزاء.
وقال مالك والشافعي: هو على القاتل وحده. قلت: لم يختلف في أن المحرم لا يجوز له أن يدل على الصيد، فإن فعل لم يختلف في أن الجزاء على المدلول.
واختلف في الدال فأوجبه عليه ابن وهب، وأسقطه عنه في المدونة، قال فيها: ويستغفر الله. وفيها قول ثالث إن دل محرما لزمه وإلا لم يلزمه. وجعل ابن الحاجب هذا الثالث المشهور، لأنه إذا لزمه والمدلول حرام فأحرى وهو حلال، ليلا تؤدي الحال إلى إهدار الصيد في بعض الصور، وهو إذا كان المدلول الحلال في الحل.
_________________
(١) فتح الجليل: ج ١، ص: ٤٤٧، مخطوط.
[ ٢ / ٢٣ ]
وقتل في الحل، لأن الحلال لا يلزمه الجزاء إلا إذا قتل في الحرم. انتهى منه (^١).
وكذلك لا جزاء عليه في قتل بري يرميه على فرع أصله واقف في الحرم لأن المعتبر محل الرمي وكذلك لا جزاء في رميه وهو في حل فأصابه في حل وتحامل الصيد ودخل الحرم فمات فيه إن أنفذ بضربه مقتله وكذلك إن لم ينفذه على ما اختاره اللخمي من الخلاف لأنه برميته مات.
قوله: (أو أمسكه ليرسله فقتله محرم، وإلا فعليه) أي وكذلك لا جزاء عليه إذا أمسك البري بعد إحرامه أو بعد دخوله في الحرم ليطلقه فقتله قبل إرساله محرم في حل أو حرم، لأن الجزاء على قاتله وإلا، أي وإن كان قاتله غير محرم بل هو حلال، فالجزاء على الممسك، ولو امسكه ليرسله عند ابن القاسم، لئلا يخلو الصيد عن الجزاء لأن قتله بسببه.
سحنون: لا شيء عليه.
أبو إسحاق: وهو الأشبه.
اللخمي: هو القياس ولم ينبه على اختيار اللخمي انتهى من فتح الجليل (^٢).
قوله: (وغرم الحل له الأقل) أي وإن كان الحل هو الذي قتله، فإنه يغرم للممسك الأقل من القيمة والجزاء.
قوله: (وللقتل) أي وإن أمسكه بعد إحرامه ليقتله، فقتله محرم أو حل في حرم، فهما (شريكان) في القتل، وعلى كل واحد جزاء كامل على الممسك بإمساكه، لأنه أمسكه في إحرامه، وعلى القاتل إن قتله في حرم أو إحرام، وإلا فلا.
قوله: (وما صاده محرم أو صيد له ميتة) أي وما صاده محرم بنفسه في حرم أو حل أو صيد لأجله فهو ميتة، وإن ذبحه حلال لا يأكله محرم، ولا حلال بخلاف حيوان ذبحه غاصب، فإنه يؤكل لأن طالبه معين، وفهم من كلامه أن ما صاده حلال لغير محرم جاز للمحرم أكله.
قوله: (كبيضه) أي وكذلك ما أخذه المحرم، أو أخذ له من بيض البري فإنه ميتة لا يأكله محرم ولا حلال.
قوله: (وفيه الجزاء، إن علم وأكل) أي فإن أكل محرم ما صيد لمحرم فعليه
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ١٨٩/ ١٩٠.
(٢) فتح الجليل: ج ١، ص: ٤٤٨. مخطوط.
[ ٢ / ٢٤ ]
الجزاء بشرطين:
أحدهما أنه علم أنه صيد لمحرم.
الثاني: أنه أكله، مفهومه أنه إن علم ولم يأكل أو أكل ولم يعلم أنه لا جزاء عليه.
قوله: (لا في أكلها) أي لا جزاء عليه إذا أكل ما صاده وهو محرم، فأدى جزاؤه وأكل منه، لم يكن عليه جزاء آخر، ولا قيمة ما أكل لأنه أكل لحم ميتة.
قال ابن غازي: فإن قلت: وقد دخل في قوله: لا في أكلها ما صيد للمحرم أيضا لحكمه بأنه ميتة، وقد قال: وفيه الجزاء إن علم وأكل؛ فهذا تناقض.
قلت: على أكله الجزاء عند ابن القاسم من حيث أكله، وهو يعلم أنه صيد لمحرم لا من حيث كونه ميتة فلا تناقض إذا لم يتوارد على محل واحد، كما أن ما صاده محرم فأكله فيه الجزاء من حيث صاده لا من حيث أكله. انتهى (^١).
قوله: (وجاز مصيد حل لحل وإن سيحرم) أي وجاز أكل مصيد حل بحل لحل ومحرم وإن سيحرم الصائد والصيد له عقب ذلك لأنه لم يحرم بعد.
قوله: (وذبحه بحرم ما صيد بحل) أي وجاز ذبح الحلال في حرم ما صيد في حل لأن ما باليد لا يسمى اصطيادا قاله مالك في إكمال الإكمال (^٢).
وما ذكره الشارح هنا سبق قلم أو غفلة.
قوله: (وليس الإوز والدجاج بصيد) والإوز بكسر الهمزة وفتح الواو وشد الزاي أي وليس الإوز والدجاج بصيد لأنه يجوز للمحرم وغيره في الحرم أن يذبحه كالنعم (بخلاف الحمام) فإنه صيد وعلى قاتله الجزاء.
قوله: (وحرم به قطع ما ينبت بنفسه) أي وحرم في الحرم قطع ما نبت بنفسه ولو أنه استنبته الناس إذ النظر إلى الجنس لا إلى الحال فإن قطعه أثم ولا جزاء عليه فليستغفر الله.
قوله: (إلا الإذخر والسنا) استثنى هذين من الذي نبت بنفسه، جاء النص في الإذخر، وقاس العلماء عليه السناء، لأن نفعه أكثر في الأدوية، وهو أشد من حاجة أهل مكة إلى الإذخر.
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٣٤٧/ ٣٤٨.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٤٥٧.
[ ٢ / ٢٥ ]
ابن غازي: وزاد في المدونة وجائز الرعي في حرم مكة وحرم المدينة في الحشيش والشجر وأكره أن يحتش في الحرم حلالا أو حراما؛ خيفة قتل الدواب، وكذلك الحرام في الحل إلا أن يسلموا من قتل الدواب فلا شيء عليهم، وأكره لهم ذلك، ونهى النبي ﷺ عن الخبط وقال: «هشوا وارعوا» (^١).
قال مالك: الهش: تحريك الشجر بالمحجن ليقع الورق ولا يخبط ولا يعضد، ومعنى العضد الكسر.
ابن عرفة: مقتضى قول أبي عمر: أجمعوا على أنه لا يحتش بالحرم إلا الإذخر، وأنه لا يرعى حشيشه إذ لو جاز لجاز احتشاشه، عدم وقوفه على نص المدونة أو نسيانه (^٢).
والإذخر نبت معروف طيب الرائحة، والسناء يمد ويقصر نبت يتداوى به.
قوله: (كما يستنبت، وإن لم يعالج) تشبيه أي كما يجوز قطع ما عادته أنه يستنبت وإن نبت بنفسه لأن النظر إلى الجنس لا إلى الحال، ولو استنبت ما ينبت بنفسه، أو نبت بنفسه ما يستنبت لكان النظر إلى الجنس، لا إلى الحال.
قوله: (ولا جزاء، كصيد المدينة بين الحرار) أي ولا جزاء على من قطع ما نهي عنه من قطع ما ينبته بنفسه، كما لا جزاء في صيد المدينة في حرمها، وهو ما بين الحرار الأربع، والحرة أرض ذات حجار سود، والمراد به هنا اسم الأرض بظاهر المدينة.
قال صاحب فتح الجليل: شبه بما قبله في الحرمة، وعدم الجزاء فيه، وحرم المدينة الشريفة هو ما بين الأحرار الأربع المحيطة بالمدينة، واختلف هل عدم جوازه لأن الكفارة لا يقاس عليها أو لأن حرمة المدينة عندنا أشد فكانت كاليمين الغموس. انتهى (^٣).
قوله: (وشجرها بريدا في بريد) أي وحرم شجر المدينة الشريفة، بريدا في بريد.
قوله: (والجزاء بحكم عدلين) أي والجزاء المتقدم ذكره إنما يكون بحكم عدلين فقيهين بذلك.
_________________
(١) المدونة الكبرى: ج ١، ص: ٣٣٩.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٣٤٨/ ٣٤٩
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج ١، ص: ٤٥٠.
[ ٢ / ٢٦ ]
قوله: بحكم شرط لا يجزئ فيه الفتوى، بل بتلفظ الحاكم بأنه حكم بالجزاء، ومفهومه العدد في قوله: عدلين لا يجزئ عدل واحد ولو مع مجهول وأحرى مسخوط، ومفهوم الصفة لا يجزئ مجهولين وأحرى فاسقين.
قوله: (فقيهين بذلك) أي بذلك الحكم شرط، وإن جهلا غير ذلك من الأحكام، لأن من ولي شيئا إنما يطلب بمعرفة ما وليه دون غيره.
قوله: (مثله من النعم) أي والجزاء في كل صيد، مثله من النعم في القدر والصورة إن أمكن تحقيقا وإلا فتقريبا.
قوله: (أو إطعام بقيمة الصيد يوم التلف بمحله، وإلا فبقربه. ولا يجزئ بغيره ولا زائد على مد لمسكين) أي هذا هو النوع الثاني من الجزاء لأنه على التخيير أي والإطعام بقيمة الصيد نفسه حيا، لا قيمة مثله من النعم، إنما يعتبر في القيمة يوم التلف لا قبله ولا بعده، في محل التلف لا غيره كسائر المتلفات، لأن القيم تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
قوله: وإلا أي وإن لم تكن له قيمة في محل التلف، فالمعتبر التقويم في قرب محل التلف من غالب عيش محل التلف، مما يجزئ في كفارة اليمين، ثم يطعم بمحل التقويم إن أمكن، وإلا فقربه فبأقرب مكان ممكن، ولا يجزئ الإطعام بغيره، أي غير محل التلف.
قال مالك: أيحكم عليه بالمدينة ويطعم من مصر إنكارا لمن فعل ذلك (^١)، وكذلك لا يجزئه زائد على مد لمسكين، بل لا يعتد بالزائد.
قوله: (إلا أن يساوي سعره فتأويلان)، مستثنى من قوله: ولا يجزئ بغيره، حقه أن يوصله به وحقه أن يقول: ولا يجزئ بغيره وهل مطلقا تساوى سعره أم لا، أو أغلا منه، أو إلا أن يساوي سعره فيحويه، فيه تأويلان في الإجزاء وعدمه، لو قاله لكان أحسن.
قوله: (أو لكل مد صوم يوم، وكمل لكسره:) هذا هو النوع الثالث من الجزاء أي أو عدل ذلك الإطعام صياما لكل مد صوم يوم فإن كان فيه كسر مد، كمل صوم اليوم لكسر المد، لأن الصوم لا يتبعض ولا يمكن إلغاء المنكسر.
قوله: (فالنعامة بدنة والفيل بذات سنامين، وحمار الوحش، وبقره بقرة والضبع
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٢٤٣.
[ ٢ / ٢٧ ]
والتعلب شاة)، لما فرغ من ذكر الجزاء شرع يذكر تبيينه، وليس شيء من الصيد، إلا وله نظير من النعم، يعني في القدر والصورة تحقيقا أو تقريبا، فالنعامة نظيرها من النعم بدنة ذات سنام واحد، ونظير الفيل فيها بدنة ذات سنامين وهي البخت، ونظير حمار الوحش وبقره، بقرة في كل منهما والضبع والثعلب، نظير كل منهما شاة.
قوله: (كحمام مكة والحرم ويمامهما بلاحكم)، تشبيه لإفادة الحكم أي كما يحكم بشاة في صيد حمام مكة، زادها الله تشريفا، وفي حمام الحرم وحمام مكة والحرم بلا حكم أي فلا يحتاج فيها إلى حكم الحكمين اكتفاء لقضاء عثمان ﵁ وليس فيها صدقة ولا تخيير، لأن الشاة فيها من باب التغليظ. قاله ابن فرحون في تبصرته (^١).
قوله: (وللحل وضب وأرنب ويربوع وجميع الطير القيمة طعاما) اللام في للحل بمعنى في أي والواجب في حمام الحل، وفي ضب، وأرنب، ويربوع، وجميع الطير غير حمام مكة ويمامه، أن قتله محرم القيمة طعاما، القيمة مبتدأ مؤخر وخبره وللحل، اليمام حمام البري، والحمام البلدي، وقيل بالعكس.
قوله: (والصغير والمريض والجميل كغيره) أي والصغير من جميع الصيد كالكبير، فيه ما في الكبير من الجزاء، وفي المريض والمعيب ما في الصحيح والسليم من الجزاء والذكر كالأنثى، وفي القبيح ما في الجميل من الجزاء.
قوله: (وقوم لربه بذلك معها) أي وإن قتل محرم صيدا مملوكا قوم عليه لربه بذلك الوصف الذي هو عليه من صغر ومرض وجمال، وغير ذلك مما فيه من منفعة شرعية، كبار معلم معها، أي مع القيمة التي وجبت عليه، وإن روي بقتله وهو محرم، جمعا بين حق الله تعالى وحق الآدمي، كمن أكره امرأة فزني بها، فإنه يجلد ويؤخذ منه صداقها.
قوله: (واجتهدا، وإن روي فيه فبه) أي واجتهد الحكمان في الجزاء، وإن روي فيه عن السلف ما روي ولكن لا يخرجها باجتهادهما عن آثار السلف، الضمير في الموضعين عائد على الجزاء، أحدهما متعلق باجتهد والآخر بروى.
قوله: (وله أن ينتقل إلا أن يلتزم فتأويلان) أي فإن اجتهد الحكمان في الجزاء، أجبر الصائد بالجزاء عن مثله من النعم، أو الإطعام أو الصيام، فإن اختار أحد الثلاث حكما عليه به، وله بعد الحكم به أن ينتقل إلى غيره إلا أن يلتزم ما حكما به
_________________
(١) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ١٥٣.
[ ٢ / ٢٨ ]
عليه ففي جواز انتقاله عنه حينئذ وعدم جوازه تأويلان على المدونة.
قوله: (وإن اختلفا ابتدى، والأولى كونهما بمجلس، ونقض إن تبين الخطأ) أي وإن اختلف الحكمان في تقدير الجزاء ابتدأ النظر، أو نظر غير هما حتى يتفق عليه حكمان عدلان فقيهين بذلك، والمستحب كون العدلين في مجلس واحد، ليطلع كل واحد منهما على رأي صاحبه في وقت اجتهاده، فيكون ذلك أدعى لإصابته، وينقض حكمهما إن تبين الخطأ، كما لو حكما فيما فيه بدنة، أو بقرة بشاة أو بالعكس.
قوله: (وفي الجنين والبيض عشر دية الأم ولو تحرك، وديتها إن استهل) أي وفي إسقاط الجنين والبيض من كل بري عشر دية الأم، ولو تحرك الجنين في البطن، أو البيضة وفيه ديتهما أي دية الأم إن استهل صارخا، لأن في الصغير ما في الكبير.
قال فتح الجليل: إن استهل الجنين والفرخ وحملناه على هذا وإن قصره الشارحان على الجنين لوفائه بما في المدونة، ففيها وإن كسر محرم أو حلال بيض طير وحشي في الحرم وفيه فراخ أو لا أو خرج منه فرخ حيا يضطرب فمات قبل أن يستهل صارخا ففيه عشر دية أمه، وإن خرج حيا فاستهل ففيه الجزاء كاملا، كجزاء كبير ذلك الطير. انتهى منه (^١).
وإن تبين موت ما في البيضة قبل أخذها فهدر لأن القيمة في البيض لما يرجى من تولد الفراخ منه. انتهى مغني النبيل.
قوله: (وغير الفدية والصيد مرتب هدي، وندب إبل فبقر) أي وغير فدية إماطة الأذى، وجزاء الصيد المتقدم ذكرهما مرتب، أي على الترتيب، فالمقدم هدي من الإنعام، ولا ينتقل إلى الصيام، إلا بالعجز عنه. الهدي ستكون الدال وكسرها معا، وندب أن يكون الهدي من الإبل، لأن المراد في الهدي كثرة اللحم، بخلاف الأضحية، لأن المراد منها طيب اللحم، فإن عجز عن هدي من إبل فبقر ثم ضأن ثم معز.
لو قال الشيخ: ثم ضأن ثم معز لاستوفى.
قوله: (ثم صيام ثلاثة أيام من إحرامه، وصام أيام منى) أي فإن عجز عن هدي الأنعام، فإنه يصوم ثلاثة أيام من زمن إحرامه إلى يوم النحر، فإن فاته الصوم، قبل
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ١، ص: ٤٥٤.
[ ٢ / ٢٩ ]
يوم النحر، صام أيام منى الثلاث، ويقال لها أيام التشريق، وأيام معدودات، وسميت أيام منى، لأن الناس يقيمون فيها بمنى، وأيام التشريق لأن الناس يشرقون فيها اللحم أي يشرحونه لئلا يخنز، وأيام معدودات لأن الناس يعدون فيها الجمرات.
قوله: (بنقص بحج إن تقدم على الوقوف) الباء في بنقص سببية وفي بحج بمعنى في متعلق بصام أي وصام أيام منى بسبب نقص في حج إن تقدم ذلك النقص على الوقوف بعرفة كهدي تمتع أو قران أو فساد أو فوات أو تعدى الميقات وأما إن تأخر النقص عن الوقوف كترك مزدلفة أو رمي أو حلق أو مبيت بمنى أو وطئ قبل الإفاضة أو الحلق فإنه يصوم بعد أيام منى متى شاء.
قوله: (وسبعة إذا رجع من منى) أي فإن صام ثلاثة أيام زمن إحرامه أو أيام منى فإنه يصوم سبعة أيام إذا رجع من منى إلى مكة أو غيرها تلك عشرة كاملة ولا يلزم تتابع شيء من تلك العشرة مطلقا.
قوله: (ولم تجز) بسكون الجيم من الإجزاء أي ولم تجز هذه السبعة (إن قدمت على وقوفه) بعرفة وإن صام الثلاثة قبلها.
قوله: (كصوم أيسر قبله، أو وجد مسلفا لمال ببلده، وندب الرجوع له بعد يومين) تشبيه أي كما لا يجزئ صوم أيسر بالهدي قبل الشروع فيه لأن الله تعالى إنما أباح الصوم لغير الواجد لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾ [البقرة: ١٩٦]، وكذلك لا يجزيه الصوم إن وجد من يسلفه لأجل مال ببلده مفهومه إن لم يجد مسلفا فلا يتربص لأنه على الفور وعورضت بحانث في يمينه له مال ببلده، فإنه لا يصوم، وفرق بأن له سعة في تأخير الكفارة في اليمين، وهنا يخاطب بصوم الثلاثة في الحج لغير توسعة، وهل للمظاهر ذي المال الغائب انتظاره، أو ينتقل للصوم قولان لابن القاسم وأشهب. فتح الجليل (^١).
وأما إن لم يكن له مال ببلده فلا يلزمه أن يستلف، وإن وجد من يسلفه، وإن شرع في الصوم ثم أيسر، فالهدي فلا رجوع عليه، أي إلى الهدي، وإن أيسر في أول يوم، ولكن ندب له الرجوع بعد صوم يوم أو يومين، فلا يندب له الرجوع في أكثر من ذلك، وأما إن أحرم بالصلاة ثم وجد الماء، فإنه لا يرجع إلى الطهارة المائية، الفرق بينهما أن الصلاة إذا قطعها دخل في النهي، لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾
_________________
(١) فتح الجليل: ج ١، ص: ٤٥٤.
[ ٢ / ٣٠ ]
[محمد: ٣٣]، وأما الصوم هنا غير مبطل. انتهى.
قوله: (ووقوفه به المواقف) أي وندب وقوفه بالهدي المواقف كلها عرفة والمزدلفة والمشعر الحرام.
قوله: (والنحر بمنى إن كان في حج، ووقف به هو أو نائبه، كهو بأيامها) أي ويجب نحر الهدي أو ذبحه في منى شروط ثلاث أن يكون في حج وأن يقف به هو أو نائبه في عرفة جزءا من ليلتها.
قوله: كهو مستغنى عنه، وقال بعضهم: كهو في النية وظاهر كلام المصنف أن منى كلها منحر وهو كذلك.
محمد: لا خلف العقبة والأفضل عند الجمرة الأولى والمشعر.
قوله: بأيامها بأن النحر لا يكون ليلا وظاهره أيضا أنه لا يشترط كونه بعد الإمام ولا قبل الشمس وهو كذلك بخلاف الأضحية لأن الإمام في العيد لما كان يصلي بهم توقفوا على ذبحه، وفي الحج لا عيد عليهم. فتح الجليل (^١).
قوله: بأيامها أي فينحر الهدي في موضع من منى في أيامها وهي أيام التشريق.
قوله: (وإلا فمكة، وأجزأ إن أخرج لحل) أي وإن لم يكن الأمر كذلك، بل انخرم شرط من هذه الشروط فمحله مكة، وأجزأ نحر الهدي بمكة، إن أخرج قبل نحره لحل، مفهومه إن لم يخرجه لحل فلا يجزيه وهو كذلك، وهذا إذا اشتراه بحرم، وأما إن اشتراه في حل فليس عليه إخراجه ثانيا.
قوله: (كأن وقف به فضل مقلدا، ونحر) أي كما يجزيه إن وقف به فضل في حال كونه مقلدا أو نحر في منى أو في مكة فإنه يجزئ عنه نحر الغير وإن لم ينوها لأنه يتعين بالتقليد وأما إن لم ينحر فلا يجزئ.
قوله: (وفي العمرة بمكة بعد سعيها ثم حلق) أي وإن ساق هديا في العمرة فإنه ينحره بمكة بعد فراغه من سعيها ثم حلق رأسه أو قصر بعد النحر.
قوله: (وإن أردف لخوف فوات أو لحيض؛ أجزأ التطوع لقرانه) أي وإن أردف الحج على العمرة لأجل خوف فوات أو لأجل حيض أجزأ هدي التطوع لقرانه.
ابن غازي: وأشار بمسألة الحيض لقوله في المدونة: قال مالك في امرأة دخلت مكة بعمرة ومعها هدي فحاضت بعد دخولها مكة قبل أن تطوف فإنها لا تنحر
_________________
(١) فتح الجليل: ج ١، ص: ٤٥٤.
[ ٢ / ٣١ ]
هديها حتى تطهر ثم تطوف وتسعى وتنحر وتقصر وإن كانت ممن يريد الحج وخافت الفوات ولم تستطع الطواف لحيضتها، أهلت بالحج، وساقت هديها وأوقفته بعرفة، ولا تنحره إلا بمنى وأجزأها لقرانها، وسبيلها سبيل من قرن (^١).
الهدي التطوع هو كل هدي سيق لغير شيء وجب أو يجب في المستقبل.
ظاهر كلام الشيخ وإن قلده للعمرة لأن بعض أفعال تطوع الحج تجزي عن واجبه ولا يعلل بأن الهدي لا يجب بالتقليد والإشعار لأنه خالف المشهور. فتح الجليل (^٢).
قوله: (كأن ساقه فيها، ثم حج من عامه، وتؤولت أيضا بما إذا سيق للتمتع) أي الهدي أي كما يجزئ إن ساق الهدي فيها أي في العمرة ثم حج من عامه ذلك وأخر نحر هديه لينحره يوم النحر ونحوه عن متعته وتأولت المدونة أيضا بما إذا ساق الهدي لأجل التمتع على الإجزاء.
قال صاحب فتح الجليل وهذا على خلاف غالب عادة المصنف في ذكر التأويلين، وإلا فكأن يقول وهل يجزئ إن ساقه فيها ثم يحج من عامه وإلا إذا سيق للتمتع تأويلان. انتهى منه (^٣).
إذا ساق الهدي لمثل التمتع.
قوله: (والمندوب بمكة المروة) أي وطرق مكة وفجاجها كلها منحر، والمستحب منها المروة.
قوله: (وكره نحر غيره كالأضحية) أي وكره نحر غيره لهديه ظاهره رجلا كان أو امرأة كما كره في الأضحية بل يلي ذلك بنفسه.
قوله: (وإن مات متمتع فالهدي من رأس ماله: إن رمى العقبة) لحصول أكثر أفعال الحج مع حصول حد التحليل مفهومه إن مات قبل رمي جمرة العقبة فلا شيء عليه وهو كذلك.
قال صاحب فتح الجليل: انظر هذا مع ما تقدم من قوله ودم التمتع يجب بإحرام الحج، وربما تناقض مع ما هنا، وقد يقال: لا تناقض لأن الذي ذكره هنالك
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج/ ١، ص: ٣٥٤.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج/ ١، ص: ٤٥٥.
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج/ ١، ص: ٤٥٥.
[ ٢ / ٣٢ ]
هو وقت الوجوب وذكر هنا أن محل لزوم إخراج ذلك من رأس المال ما لم يمت قبل رمي جمرة العقبة. انتهى (^١).
قوله: (وسن الجميع وعيبه كالضحية، والمعتبر حين وجوبه وتقليده) أي وسن جميع الهدايا وعيبه كالسن في الأضحية، والسلامة من العيب وما يجزئ فيه وما لا يستحب فيه، وقد بين ذلك في باب الضحايا، والمعتبر في ذلك السن، والسلامة من العيب وقت الوجوب والتقليد، والمراد بالوجوب إخراجه، وتعيينه مقلدا أملا ليكون هديا، والمراد بالتقليد إخراجه إلى مكة كهيئة التقليد أي التقليد، ليس التقليد المعروف ألا ترى أن الغنم يعمها هذا الحكم وهي لا تقلد والله أعلم أن هذا مراد الشيخ لأنه فسر به كلام ابن الحاجب في توضيحه.
قوله: (فلا يجزئ مقلد بعيب ولو سلم، بخلاف عكسه إن تطوع) الفاء سببية أي فبسبب ما قلنا فلا يجزئ مقلد بعيب وإن سلم أو بلغ السن قبل المحل بخلاف عكسه وهو تقليده سالما من العيب ثم حدث فيه فإنه لا يضره إذا كان ذلك الهدي هدي تطوع وأما إن كان واجبا فلا يجزئه إلا أن ينحره أو يذبحه وهو سالم من العيب لأنه في ذمة.
قوله: (وأرشه وثمنه في هدي إن بلغ، وإلا تصدق به) أي وأرش هدي التطوع إذ اطلع فيه على العيب بعد أن فات أو جنا على الهدي فأخذ أرشه من الجاني.
وكذلك ثمنه إن استحق فرجع بثمنه فإنه يجعل الأرش والثمن في هدي آخر إن بلغ ثمنه وإلا أي وإن لم يبلغ ثمن هدي تصدق به.
قوله: (وفي الفرض يستعين به في غير) أي وإذا كان الهدي واجبا فإنه يستعين بالإرش أو الثمن في هدي غيره ولا يتصدق به.
قال صاحب فتح الجليل: وهذا إذا كان العيب لا يمنع الإجزاء فأما لو منعه لكان عليه بدله، ويستعين بما يرجع به على البائع في ثمن بدله، وإنما لزمه بدله لاشتغال ذمته به ولم تحصل براءته بالمعيب فتعين عليه بدله. انتهى (^٢).
قوله: (وسن إشعار سنمها) السنم جمع سنام أي وسن إشعار سنمها ﴿من الأيسر للرقبة﴾ أي من المؤخر إلى الرقبة وقيل إن هذا خلاف المشهور والمشهور من
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي، ج ١، ص: ٤٥٦.
(٢) فتح الجليل: ج ١، ص: ٤٥٦.
[ ٢ / ٣٣ ]
الرقبة إلى المؤخر.
ابن عرفة: الإشعار شق يسيل دما. انتهى.
الإشعار الإعلام أي يجعل على البدنة علامة يدرى بها أنها من الهدي ويقال: ما شعرت بكذا أي ما علمت، وشعار الحج علامته.
قال الكرماني: الإشعار الإعلام وهو أن يضرب بحديدة صفحة سنامها الأيمن حتى تتلطخ بالدم وهو سنة ولا ينظر إلى ما فيه من الإيلام لأنه لا يمنع إلا ما منعه الشرع ومن فوائدها أنها إذا اختلطت بغيرها تميزت وإذا ضلت عرفت وأن السارق ربما ارتدع فتركها وأنها قد تعطب فتنحر فإذا رآ المساكين عليها العلامة أكلوها وأن المساكين يبتعونها أي إلى المنحر لينالوا منها وأن فيها تعظيم شعائر الشرع. انتهى (^١) منه.
وقيل: كان الإشعار والتقليد من عادة الجاهلية ليعلم أنه خرج عن ملكه ولا
يتعرض له فلما جاء الإسلام رد إعراضهم في ذلك معنا صحيحا.
قوله: (مسميا) أي في حال كونه عند الإشعار مسميا والخطام في يده اليسرى فيقول: بسم الله والله أكبر.
قوله: (وتقليد، وندب نعلان بنبات الأرض) أي وسن تقليد هدي وندب أن يكون التقليد بنعلين والواحد كاف معلقة بحبل من نبات الأرض لا بالجلد ولا بالأوتار.
وقال بعضهم: وخص النعلان لدلالة السفر بهما إلى محل الهدي.
قوله: (وتجليلها وشقها إن لم ترتفع) أي وسن تجليل البدن في الهدايا الجلال جمع جل بعضم الجيم وندب شق الجلال على الأسنمة إن لم ترتفع قيمة الجلال حتى يكون شقها إضاعة للمال المنهي عنه ويحتمل ما قاله الشارحان.
قوله: (وقلدت البقر فقط؛ إلا بأسنمة لا الغنم) أي وتقلد البقرة فقط أي ولا تشعر ولا تجلل إلا بأسنمة فتشعر وتجلل كالإبل وأما الغنم فلا تشعر ولا تقلد.
قوله: (ولم يؤكل من نذر مساكين عين مطلقا) شروع منه تعلله حيث يجوز له الأكل وما لا، أي ولم يأكل الناذر من نذر مساكين عين لهم هذا الهدي بالنذر مطلقا أي سواء بلغ محله ظاهره عين المساكين أم لا.
قوله: (عكس الجميع فله إطعام الغني والقريب، وكره لذمي) أي وهذا عكس جميع
_________________
(١) شرح الكرماني لصحيح البخاري: ج ٨، ص: ١٧٩/ ١٨٠
[ ٢ / ٣٤ ]
الهدايا فإنه يأكل منها إلا ما يستثنى وحيث يجوز له الأكل فله إطعام الغني والقريب وأحرى الفقير قال تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ [الحج: ٣٦] حيث لا يجوز له الأكل فليس له ذلك، وكره له إطعام ذمي في هدي لأن الهدي قربة والكافر ليس من أهل القربة.
قوله: (إلا ندرا لم يعين، والفدية والجزاء بعد المحل)، شروع منه تعمله حيث لا يجوز له الأكل، مستثنى من قوله: عكس الجميع أي فإنه يأكل في الجميع إلا في نذر لم يعين وفدية الأذى وجزاء الصيد بعد المحل وأما قبل محلها فإنه يأكل منها لأن ذلك مضمون في ذمته حتى يؤديه.
قوله: (وهدي تطوع إن عطب قبل معله) أي وكذلك لا يأكل في هدي تطوع إن عطب قبل محله لأنه يتهم وأما بعد محله فإنه يأكل منه إذ لا تهمة.
قوله: (فتلقى قلادته بدمه) أي وحيث لا يجوز له الأكل تلقى قلائده في دمه (ويخلى للناس) ملقا جلاله وخطامه عنده ولو دفع بدنة إلى المساكين بعد بلوغه محله، وأمرهم بنحره، ورجع إلى بلده، فاستحوه، فعليه بدله، كان واجبا أو تطوعا. وإنما يجزئ أن يدفعه إليهم بعد أن ينحره. انتهى من الجواهر (^١).
قوله: (كرسوله) أي وحيث يجوز له الأكل جاز لرسوله وما لا يجوز له فلا يجوز له، أي فلا يحق للرسول الأكل منه.
قوله: (وضمن في غير الرسول بأمره بأخذ شيء، كأكله) أي وضمن رب الهدي في غير مسألة الرسول بدل الهدي بسبب أمره بأخذ شيء من الهدي الممنوع الأكل فيه كما يضمن إذا أكل من ممنوع منه أكله.
قوله: (من ممنوع) راجع إليهما وأما ما أكله الرسول أو أمر بأكله أو أخذه فلا يضمنه لأنه أجنبي.
وقوله: (بدله) معمول ضمن أي وضمن بدله.
قوله: (وهل إلا ندر مساكين عين فقدر أكله؟ خلاف) أي وهل يضمن مطلقا أو يضمن إلا نذر المساكين غين فلا يضمن إلا قدر أكله فيه إن عرف وإلا فقيمته فيه قولان مشهوران.
قوله: (والخطام والجلال كاللحم) أي وخطام الهدي وجلاله كلحمه فيما يجوز له
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس: ج ١، ص: ٣١٠.
[ ٢ / ٣٥ ]
فيه ومالا.
قوله: (وإن سرق بعد ذبحه أجزأ، لا قبله) أي وإن سرق الهدي الواجب بعد ذبحه أو نحره أجزأه.
وقوله: أجزأ يشعر أنه الهدي الواجب بعد ذبحه أو نحره أجزأه، ولا يجزئ إن سرق قبل الذبح، بل عليه عوضه إن كان واجبا دون هدي تطوع.
قوله: (وحمل الولد على غير، ثم عليها وإلا فإن لم يمكن تركه ليشتد، فكالتطوع، ولا يشرب من اللبن وإن فضل، وغرم) أي وحمل الولد الهدي إن وضعته على غير الأم وإن لم يوجد غيرها حمل عليها وإن لم يمكن حمله عليها ترك ليشتد أي ليتقوى على المشي فإن لم يمكن تركه فحكمه حكم هدي التطوع إن عطب قبل محله لأنه ليس بمضمون وإن ضمنت أمه وقد تقدم حكمه ولا يشرب رب الهدي من لبنها وإن فضل عن الولد فإن تعدى وشربه غرم (إن أضر بشربه الأم أو الولد موجب فعله).
قوله: (وندب عدم ركوبها بلا عذر، ولا يلزم النزول بعد الراحة) أي وندب عدم ركوب الهدي بلا عذر فإن ركب بسبب العذر فلا يلزمه النزول بعد الراحة وإن نزل لنوم ونحوه فلا يركب إلا لعذر ولأنه شيء خرج من عند الله فلا يرجع فيه ولو أبيح لغير ضرورة أبيح استبحاره ولا يجوز باتفاق، وزاد اللخمي ولا يحمل عليها زاده ولا ما ينتفع بها (^١) ولم يذكر في ذلك خلافا.
وفي الجلاب: إن اضطر لحمل متاعه حمله حتى يجد غيرها.
عياض: وعلل جواز ركوبه لتظهر مخالفة الجاهلية في تحرجهم من الانتفاع بالبحيرة وأخواتها. إكمال الإكمال (^٢).
قوله: (ونحرها قائمة أو معقولة) أي وندب نحر الهدايا قائمة على قوائمها الأربع صافا يديها بالقيد أو معقولة بيدها اليسرى فتبقى على ثلاثة.
قوله: (وأجزأ إن ذبح) عنه (غيره مقلدا، ولو نوى عن نفسه إن غلط) أي وأجزأه الهدي إن ذبح عنه غيره ذلك الهدي إن كان الهدي مقلدا ولو نوى به نفسه إن كان غالطا به وأما إن نوى عن نفسه تعديا فلا يجزئه إذ الغالط قصد بفعله القربة على الجملة وأما المتعدي فغير قاصد للقربة أصلا.
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج: ٣، ص: ١٢٤٧.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج: ٤، ص: ٣٨٩.
[ ٢ / ٣٦ ]
قوله: (ولا يشترك في هدي) أي ولا يشركه في هدي واجب اتفاقا ولا في هدي تطوع على المشهور.
قوله: (وإن وجد بعد نحر بدله نحر إن قلد، وقبل نحره نحرا معا إن قلدا وإلا بيع واحد) أي فإن ضل هدي أو سرق أو غصب فوجد بعد نحر بدله نحر إن قلد وإن وجد قبل نحر بدله نحرا إن قلد، وإلا أي وإن لم يقلد أو قلد الأول أو الثاني بيع واحد ويفعل به ما شاء.
فصل [في موانع الحج والعمرة بعد الإحرام]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه أحكام من حصر عن الحج، أو العمرة، بعد أن أحرم بأحدهما أو هما معا.
قوله: (وإن منعه عدو، أو فتنة أو حبس لا بحق بحج أو عمرة، فله التحلل: إن لم يعلم به وأيس من زواله قبل فوته، ولادم) أي وإن منع محرم بحج، أو عمرة أو بهما، عدو مسلم أو كافر أو فتنة بين المسلمين، أو منعه حبس في ظلم لا حبس بحق، سواء حصل في الحبس، أو لم يحصل منه، ولكن خافه، فله التحلل، وله الإبقاء على إحرامه، إنما يكون له التحلل بشرطين:
أحدهما إن لم يعلم بالمنع، بأن طرأ بعد إحرامه، أو ظن ألا يمنع، كما فعل النبي ﷺ حين صد عن البيت، لأنه يظن أن لا يصدوه.
الشرط الثاني إن يئس من زوال المنع بعلم، أو غلبة ظن، قبل فوات الحج، ولا دم عليه بسبب هذا التحلل، أو بقي على إحرامه.
قوله: بنحر هديه وحلقه، ولا دم إن أخره، ولا يلزمه طريق مخوف أي فله التحلل بنحر هديه إن كان معه هدي وحلقه أو تقصيره حيث كان ولا دم عليه إن أخر الحلق إلى بلده لأن محل حصره لا حق له فيه ولا يلزمه سلوك طريقة مخيفة على نفس أو مال وأما البعيدة فتلزمه إلا لكبير مشقة.
قوله: (وكره إبقاء إحرامه إن قارب مكة أو دخلها، ولا يتحلل إن دخل وقته) أي وكره لمن جاز له التحلل إبقاؤه على إحرامه إن قارب مكة أو دخلها خيفة ارتكاب المحظورات، ابن غازي: إنما زاد بعده أو دخلها وإن كان أحرى لئلا يتوهم تحريم
[ ٢ / ٣٧ ]
إبقاءه إن دخل (^١).
فإن بقى على إحرامه حتى دخل مكة في وقت الحج، فإنه لا يتحلل من إحرامه. قوله: (وإلا فثالثها يمضي وهو متمتع) أي وإن لم يفعل ما أمر به، بل تحلل، ففي إمضاء تحلله ثلاثة أقوال كلها لابن القاسم في المدونة، ولم يختلف قوله فيها في مسألة واحدة، إلا في هذه المسألة، قال مرة: يمضي تحلله، لأن الدوام ليس كالإنشاء.
وقال مرة: لا يمضي لأن الدوام كالإنشاء.
وثالث الأقوال فرق فقال: يمضي وهو تمتع.
قوله: (ولا يسقط عنه الفرض) لو وصل هذا بقوله: فله التحلل أي فإن أحصر عن الحج بما ذكر فتحلل فإنه لا يسقط عنه الفرض به، وقيل يسقط عنه.
قوله: (ولم يفسد بوطء، إن لم ينو البقاء) أي ولم يفسد حج من حصر عن إتمامه بوطء بعد أن جاز له التحلل من إحرامه إن لم ينو البقاء عليه بأن نوى التحلل أو لم ينو شيئا وأما إن نوى البقاء على إحرامه فإن وطأه يفسده.
قوله: (وإن وقف وحصر عن البيت فحجه تم، ولا يحل إلا بالإفاضة، وعليه للربي ومبيت منى ومزدلفة هدي، كنسيان الجميع، وإن حصر عن الإفاضة، أو فاته الوقوف بغير: كمرض أو خطا عدد، أو حبس بحق لم يحل إلا بفعل عمرة بلا إحرام، ولا يكفي قدومه، وحبس هديه معه إن لم يخف عليه، ولم يجزه عن فوات وخرج للحل إن أحرم بحرم، أو أردف، وأخر دم الفوات للقضاء، وأجزأ إن قدم) أي وإن وقف بعرفة وحصر عن البيت ولم يستطع طواف الإفاضة فحجه تام لأن معظم الحج عرفة ولكن لا يحل حينئذ من نساء وصيد وإن أقام سنين ويكون عليه الرمي ومبيت منى ومزدلفة هدي واحد كما أن عليه هدي واحد في نسيان الجميع من المبيت في المزدلفة ومن منى ورمي الجمرات كلها.
قوله: وإن حصر عن الإفاضة صوابه وإن حصر عن الوقوف بعرفة كذا في التوضيح تقدم أنه حصر عن جميع المناسك كلها إلا الوقوف.
قوله: وإن حصر عن الإفاضة.
قال صاحب فتح الجليل: سماه إفاضة لقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفت﴾
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي، ج ١، ص: ٣٥٨.
[ ٢ / ٣٨ ]
[البقرة: ١٩٨] وهو موافق لما في توضيحه ومناسكه. وكان بعض شيوخ شيوخنا وهو الشيخ الطاهر (^١) يقرره كذلك، ومثله للأفقهسي (^٢).
وأما ما قرره الشارحان من أن المراد طواف الإفاضة فيناقض كلامه مع ما تقدم له حصر عن الوقوف بعرفة كما في التوضيح، تقدم أنه حصر عن جميع المناسك كلها.
قوله: وعن البيت أي وإن حصر عن الوقوف بالبيت وعن الوقوف بعرفة أو فاته الوقوف بغير الأشياء السابقة من حصر عدو أو فتنة كما إذا فاته الحج بمرض أو خطا عدد فوقفوا في ثامنة من ذي الحجة أو حادي عشر أو فاته الحج بسبب حبس في حق لم يحل أي لم يخرج من إحرامه إلا بفعل عمرة من طواف وسعى فلا إحرام أي بلا تجديد إحرام لأنه محرم ولا يكفيه طواف القدوم لأنه لم ينو به التحلل فلا بد من طواف وسعي.
وحبس المريض هديه، إن كان معه هدي، إلى أن يصح فيمشي به إلى محله، إن لم يخف عليه، وإن خاف عليه، فإنه يرسله إلى محله، ولم يجزه هذا الهدي عن هدي الفوات.
وفي إكمال الإكمال: قلت: موانع إتمام الحج والعمرة بعد الإحرام بأحدهما، خمسة: حصر العدو، وفتن الإسلام، وحصر المرض، وحبس السلطان في حق أو ظلم، ومنع السيد عبده، ومنع الزوج الزوجة زاد ابن شاس: ومنع الأبوين (^٣).
فحصر العدو والفتن يبيح التحلل حيث كان، فيلحق ويرجع إلى بلده، وإن أخر الحلق إلى بلده فلا هدي عليه، وله أن يبقى على إحرامه إلى قابل، وحصر المرض. وفي معناه: فوات الوقوف بخطا في العدد، أو خفاء الهلال أو فوت الرفقة، أو
_________________
(١) أظنه: زين الدين طاهر بن محمد بن علي النويري: الفقيه المقري تفقه بالبساطي ولازمه والأقفهسي وغيرهما وعنه النور السنهوري والشيخ القلصادي وغيرهما. كان مولده سنة: ٧٩٥ هـ ومات سنة: ٨٥٦ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣٤٩، الترجمة: ٨٩٦.
(٢) الأقفهسي: هو القاضي جمال الدين عبد الله بن مقداد الأقفهسي الفقيه العالم الإمام انتهت إليه رئاسة المذهب والفتوى بمصر. أخذ عن خليل وعنه البساطي وغيره. له شرح على مختصر شخه وشرح على الرسالة وتفسير. مات في رمضان سنة: ٨٢٣ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٨٩٠: ٣٤٦، الترجمة.
(٣) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٣٠٧.
[ ٢ / ٣٩ ]
الذهاب على الطريق ونحو ذلك لا يحل صاحبه إلا بالبيت إذا صح ولو أقام سنين، فإذا وصله تحلل من حجه بأفعال العمرة، فيطوف ويسعى ويحلق.
وقلنا بأفعال عمرة، لأنا لو قلنا بعمرة لزم أن يحرم بها من الحل، إذ لا بد فيها من الجمع بين الحل والحرم، وهو في تحلله إنما بنى على إحرامه السابق.
والعمرة لابد لها من إحرام يخصها، وله أن يبقى على إحرامه إلى قابل، ويجزيه ولا دم عليه، والمستحب أن يتحلل.
وهذا التخيير في التحلل إنما هو إذا صح قبل أشهر الحج، فإن صح فيها لم يتحلل لأن استدامة الإحرام في أشهر الحج كإنشائه فيها، ومن أنشأ الإحرام في أشهر الحج الإحرام لم يتحلل منه.
وإذا كان المحصر بمضر فلا يحله إلا الوصول إلى البيت، فهل لمن أراد الإحرام بأحد النسكين أن يشترط في إحرامه أنه إن مرض تحلل وينفعه شرطه؟.
عياض: فمالك وأبو حنيفة لا يريانه نافعا.
وأجاز له أن يشترط عمر وعلي وابن مسعود وأحمد وجماعة. وللشافعي في ذلك قولان. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
قال بعض العلماء: إنما التزم رسول الله ﷺ في صلح الحديبية إدخال الضيم على المسلمين دفعا لمفاسد عظيمة وهي قتل المؤمنين والمؤمنات الحالين بمكة فاقتضت المصلحة على أن ينعقد الصلح على أن يرد إلى الكفار من جاء منهم إليه لأنه أهون من قتل المؤمنين مع أن الله تعالى أعلم أن في تأخير القتال مصلحة عظيمة وهي إسلام جماعة منهم ولذا قال تعالى: ﴿ليدخل الله في رحمته من يشاء﴾ [الفتح: ٢٥] وكذلك قال: ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾ [الفتح: ٢٥] أي لو تميز الكافرون عن المؤمنين. انتهى من الذخيرة (^٢).
قوله: وخرج للحل إن احرم أولا في حرم أو أردف بحرم لفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر أي فليخرج من فاته الحج بحصر أو مرض أو نحوه فأراد أن يحل منه بعمرة إلى الحل إن أحرم أولا في حرم أو أردف الحج على العمرة في حرم ليجمع بين الحل والحرم لأن كل محرم بالنسكين لا بد له من الجمع بين الحل
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٢٠٩/ ٢١٠.
(٢) الذخيرة للقرافي: ج ١٣، ص: ٣٥٥.
[ ٢ / ٤٠ ]
والحرم فيلبي من الحل ثم يعمل عمل العمرة وعمل العمرة كله في الحرم، فلابد أن يخرج إلى الحل. وأما الحج فمن عمله الوقوف بعرفة وعرفة في الحل، فإن أحرم بالعمرة من مكة ولم يخرج إلى الحل؟ قال مالك والشافعي في أحد قوليه: لا يجزيه ويخرج إلى الحل ثم يعيد عمل العمرة، فقال عطاء: لا شيء عليه، وقال أهل الرأي والشافعي في أحد قوليه: عليه دم لترك الميقات. إكمال الإكمال (^١).
ولكن يؤخر هدي الفوات إلى زمن القضاء ليجمع الجائز النسكي والجائز المالي فإن قدمه أجزأه لأنه بعد الوجوب.
قوله: (وإن أفسد ثم فات أو بالعكس، وإن بعمرة التحلل تحلل وقضاه دونها، وعليه هديان. لا دم قران ومتعة للفائت)، أي وإن أحرم بحج فأفسده بوطء ونحوه ثم فاته ذلك الحج، أو أحرم به وفاته ثم أفسده، وهو المراد بالعكس، وإن كان الفاسد في الصورتين في عمرة التحلل تحلل من إحرامه بما كان يتحلل به، لو لم يفسد، وقضى الحج لأنه هو المقصود، ولا يقضي العمرة لأنها ليست مقصودة بنفسها، وعليه في ذلك هديان، هدي الفوات، وهدي الفساد، وكذلك عليه هدي القرآن، وهدي التمتع في الثاني لأن عليه هدي قران أو تمتع للفائت.
قوله: (ولا يفيد - لمرض أو غيره - نية التحلل بحصوله)، أي فإن نوى عند إحرامه أنه متى عرض له عذر من مرض أو غيره، فإنه يتحلل من إحرامه، لم تفده تلك النية، وإن حصل العذر، لأن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل.
وفي إكمال الإكمال وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأجاز له عمر أن يشترط وعلى وابن مسعود وأحمد وجماعة وللشافعي في ذلك قولان. انتهى (^٢).
قوله: (ولا يجوز دفع مال لحاصر إن كفر، وفي جواز القتال مطلقا تردد) أي ولا يجوز لمن حصر عن مكة في حج أو عمرة دفع مال لحاضر إن كان كافرا لما فيه من المذلة ولا يجوز لمسلم أن يذل نفسه مفهومه إن كان الحاصر مسلما، فإنه يجوز، والمفهوم صحيح.
ابن عرفة: الأظهر جواز إعطائه، وإن كان كافرا لأن هذا الرجوع أشد من إعطائه، وفي جواز قتال الحاصر مطلقا مسلما كان أو كافرا في مكة أو حرم وعدم
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٢٢٧.
(٢) إكمال الإكمال: ج ٤، ص: ٢٠٩ - ٢١٠.
[ ٢ / ٤١ ]
جوازه تردد في الفهم، والتردد فيما إذا لم يبدأه الحاصر بالقتال، وأما إن أبدأه فلا خلاف في جواز قتله، لأن قتاله جهاد.
قوله: (وللولي منع سفيه، كزوج في تطوع، وإن لم يأذن فله التحلل، وعليها القضاء كعبد، وأثم من لم يقبل، وله مباشرتها)، أي وللولي منع سفيه من إحرام بحج وإن في فرض الولي الأب، أو وصيه، أو الحاكم، أو مقدمه، قال: ولا يحج بإذن وليه.
قوله: كزوج في تطوع، تشبيه لإفادة الحكم، أي: كما أن للزوج منع زوجته من تطوع بالحج لا في فرض، فإن لم يأذن ولي سفيه بإحرام، أو الزوج فله التحلل، وله الإبقاء، فإن تحللها الزوج فعليها القضاء إن أذن لها بعد ذلك أو مات عنها أو طلقها.
قوله: كعبد تشبيه لإفادة الحكم، أي كما أن للسيد منع عبده من الإحرام، فإن أحرم بغير إذنه فله التحلل وعليه القضاء إن عتق يوما، أو أذن له سيده، وأثم من هؤلاء السفيه والمرأة والعبد إن لم يقبل امتثال ما أمر به من عدم الإحرام أو التحلل منه، فإن أبت الزوجة من التحلل فللزوج مباشرتها لأنها متعدية وتختص بالإثم.
قوله: (كفريضة قبل الميقات، وإلا فلا إن دخل) تشبيه، أي: كما للزوج تحليلها، ومباشرتها إن أحرمت بفريضة قبل الميقات الزماني والمكاني لتعديها، وقيده اللخمي بما إذا خرج معها، وأما إن خرجت دونه أو خرج وأحرم معها، فليس له تحليلها، ولا مباشرتها، ونبه بقوله: قبل الميقات، أنها إذا أحرمت بعد الميقات أنه ليس له تحليلها.
قوله: وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك، بل أذن للسفيه، أو الزوجة، أو العبد، فليس له التحليل إن دخل فيما أذن له فيه، مفهومه إن لم يدخل فله التحليل، والمفهوم صحيح.
قوله: (وللمشتري - إن لم يعلم - رده لا تحليله)، أي وإن باع سيد عبدا محرما بإذنه قبل تحليله وللمشتري رده إن لم يعلم بإحرامه لأنه عيب إن لم يقرب إحلاله، بل أحرم به، وأما إن قرب فليس له رده فليس له تحليله منه، وإن أحرم بغير إذن سيده.
قوله: (وإن أذن فأفسده لم يلزمه إذن للقضاء على الأصح)، أي وإن أذن سيد ونحوه، أو زوج، فأحرم المأذون، ثم أفسد ما أحرم به ولم يلزم الإذن أيضا أذن للقضاء على
[ ٢ / ٤٢ ]
القول الأصح، وقيل: يلزمه.
قوله: (وما لزمه عن خطر أو ضرورة، فإن أذن له السيد في الإخراج، وإلا صام بلا منع، وإن تعمد فله منعه، إن أضر به في عمله)، أي فإن أذن لعبده في الإحرام فما لزم العبد من هدي أو جزاء صيد قتله خطأ أو فدية عن إماطة الأذى، فإن أذن له السيد في الإخراج في المال أخرج ذلك منه، وإلا، أي وإن لم يأذن له في الإخراج صام فليس للسيد منعه من الصوم، وإن تعمد العبد فعل ما يوجب ذلك فللسيد منعه من الصوم إن أضر به في عمله، مفهومه إن لم يضر به فلا منع، والمفهوم صحيح.
قال ابن شاس: اعلم أن جميع أفعال الحج تنقسم إلى ثلاثة أقسام: واجبات أركان، وواجبات ليست بأركان، ومسنونات مستحبات ليست بأركان ولا واجبات.
القسم الأول: واجبات هي أركان كالإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي.
وزاد عبد الملك بن الماجشون: جمرة العقبة.
ومعنى قولنا أركان: أنه لا يجزئ منها إلا الإتيان بها، ولا جبران لها من دم ولا غيره.
القسم الثاني: واجبات ليست بأركان. وهذه تجبر بالدم، وهي كتركه التلبية جميعها، وترك طواف القدوم لغير المراهق، وتجاوز الميقات لمريد الإحرام إذا أحرم بعد تجازوه، وترك الجمار كلها، أو ترك بعضها، أو ترك حصاة منها، وترك النزول بمزدلفة.
وإن أخر ركعتي طواف القدوم، أو الإفاضة حتى رجع إلى بلده، ركعهما، وبعث بهدي. وإن أخر ركعتي طواف القدوم، وذكر ذلك بمكة أو قريبا منها بعد فراغه من حجه، رجع فطاف وسعى وعليه دم. وإن ترك المبيت بمنى لياليها أو ليلة منها، فعليه الدم.
وإن ترك الوقوف مع الإمام متعمدا حتى دفع الإمام. ثم وقف بعده ليلا قبل طلوع الفجر، أساء وعليه الدم، وحجه مجزئ عنه.
وإن رجع من عرفات فأصابه أمر احتبس له: مرض أو غيره، فلم يصل مزدلفة حتى فاته الوقوف بها، فعليه الدم.
وإن ترك الحلاق حتى رجع إلى بلده، حلق وعليه الدم. وحجه مجزئ عنه.
[ ٢ / ٤٣ ]
ومن أنشأ الحج من مكة، فطاف وسعى قبل خروجه إلى عرفة، ثم لم يسع بعد إفاضته من عرفة حتى رجع لبلده فعليه الدم.
القسم الثالث: مسنونات ومستحبات.
وهذا القسم لا يأثم بتركه، ولا يجب فيه الدم. وهو مثل الغسل للإحرام، أو لدخول مكة، وترك الرمل في الطواف أو بطن المسيل بين الصفا والمروة، واستلام الركن، وترك الصلاة قبل الوقوف بعرفة، أو ترك الحلاق بمنى يوم النحر، وحلق بمكة، أو في الحل أيام منى، أو ترك طواف الوداع، أو ترك مبيت منى ليلة عرفة، أو المبيت بمزدلفة، ثم الدفع منها، أو ترك الوقوف مع الإمام بها، أو ترك القيام عند الجمرتين للدعاء. انتهى (^١).
وفي إكمال الإكمال: الطرطوشي: يجب في نحو الأربعين خصلة، والدليل لما ذكر الاستقراء، وما أظنها إذا استقرئت تبلغ الثلاثين. انتهى (^٢).
رحم الله كاتبه وقارئه
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس: ج ١، ص: ٢٨٨ - ٢٨٩.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ١٩٧.
[ ٢ / ٤٤ ]
باب الذكاة
قوله: (باب) أي هذا باب يبين فيه مسائل الذكاة. الذكاة لغة: التمام، يقال رجل ذكي أي تام العقل وهي في الشرع ثلاثة أنواع: الذبح والنحر والجرح أو رابعة هي ما يموت به من قطع جناح أو غيره.
وحكمة مشروعيتها: إزهاق النفس بسرعة واستخراج الفضلات المحرمة من الأجساد الحلال بأسهل الطرق على الحيوان فمن لاحظ عدم الفضلات مما ليس له نفس وجعلها أصلا وإراحة الحيوان تبعا أجاز ميتته ومن لاحظ شرعية زهوق الروح وجعله أصلا في نفسه لم يجزها. الذخيرة (^١).
وفي التوضيح: ولما قضى الله تعالي على خلقه بالفناء وشرف بني آدم بالعقل أباح لهم أكل الحيوان قوتا لأجسادهم وتصفية لمرآة قلوبهم وليستدلوا بطيب لحمها علي كمال قدرة الله تعالى ولينتبهوا على أن للمولي بهم عنايته إذ آثرهم بالحياة على غيرهم. والذبح في اللغة: الشق وفي الشرع شق خاص (^٢).
قوله: (الذكاة قطع مميز) أي الذكاة في الذبح هي قطع مميز فيخرج المجنون والسكران والصبي غير المميز (يناكح) أي ينكح نساءه شرعا ككتابي ذميا كان أو حربيا، وأخرج المجوسي والمرتد، ولا فرق في المرتد بين أن يرتد إلى أهل الكتاب أم لا.
قوله: (تمام الحلقوم والودجين) أي قطع مميز يناكح تمام الحلقوم والودجين، والحلقوم مجرى النفس، والودجان عرقان في صفحتي العنق، ولا يشترط قطع المري، وهو عرق أحمر تحت الحلقوم، وهو مجرى الطعام والشراب.
عياض: المري بفتح الميم وكسر الراء. انتهى.
وقد كان الناس يتبعون للذكاة أهل الفضل والإصابة والمعرفة، وإن كانت تصح من كل مسلم أو كتابي مميز.
قوله: (من المقدم) أي إنما يكون من مقدم العنق لا من قفاه ولا من جانبيه لأن
_________________
(١) أنظر الذخيرة لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي. ت ٦٨٤ هـ: ج ٤، ص: ١٢٦، ط: ١٩٩٤ بتصرف.
(٢) التوضيح: ج ٣، كتاب الذبائح، ص: ٢١٦.
[ ٢ / ٤٥ ]
ذلك ينفذ مقاتله قبل قطع الحلقوم والودجين وإن ردت الغلصمة إلى البدن فلا تؤكل، وقيل: تؤكل (^١).
ويقال: المقلصمة والقلصمة بالقاف ويقال لها الجوزة وهي اللحمة التي في آخر الحلقوم مما يلي الرأس، ويجتمع فيها الحلقوم والودجين والمريء (^٢).
قوله: (بلا رفع قبل التمام) أي ويكون ذلك بلا رفع يده حال الذبح قبل تمامه يعني اختيارا، وأما اضطرارا كسقوط سكين واضطراب الذبيح فلا يضر بلا رفع.
قال المواق في التاج والإكليل: ابن يونس عن ابن عبد الرحمن: إن رفع يده ثم أعادها فإن كان حين رفع يده لو تركت الذبيحة لعاشت فإنها تؤكل، وكأنه الآن ابتدأ ذكاتها، وإن كان حين رفع يده لو تركها لم تعش، إذ قد أنفذ المقاتل فلا تؤكل وتصير مثل المتردية وأكيلة السبع (^٣)، وفي المسألة خمسة أقوال.
قال سيدي ابن سراج ﵀: والذي يترجح قول ابن حبيب إن رجع في فور الذبح وأجهز صحت الذكاة كمن سلم ساهيا، ورجع بالقرب وأصلح.
ابن أبي يحي: وهذا مع الاختيار، وأما إذا وقعت السكين من يده أو كانت لا تقطع فأتى بالقرب بأخرى فلا يضره ولا فرق بين إبقاء السكين على المذبح إذا لم يمرها وبين رفعها لأن المراعى الذبح لا إبقاء السكين.
قال سيدي ابن سراج ﵀: وكذا نقل ابن علاق.
وكذلك لو تعايا يد رجل فوضع رجل يده علي يده فذبحها أو رفع الأول يده لا فرق أنظر هل يحتاج الثاني إلى التسمية والنية؟ أم لا.
قال التونسي: أنظر لو غلبته قبل تمام الذكاة فقامت ثم أضجعها وأتم الذكاة وكان أمرا قريبا.
ابن عرفة قال: قال أبو حفص ابن العطار (^٤): تؤكل ونزلت في أيام قضاء ابن قداح في ثور وحكم بأكله وبيان بائعه ذلك وكان مسافة هروبه نحوا من ثلاث مائة
_________________
(١) لابن وهب قال صاحب فتح الجليل ولابن وهب تؤكل. فتح الجليل: ج ١، ص ٤٦٥. مخطوط.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: المجلد ٧، ص: ٦٣.
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ٣، ص: ٢٠٧/ ٢٠٨
(٤) هو محمد بن أحمد بن عبيد الله المعروف بابن العطار كنيته أبو عبد الله كان عارفا بالشروط أملى فيها كتابا، وألف كتاب الوثائق والسجلات مات عقب ذي الحجة سنة: ٣٧٩ هـ. التعريف بالرجال المذكورين في جامع الأمهات: ص: ٢٤٧/ ٢٤٨/ ٢٤٩. الترجمة: ٩٩
[ ٢ / ٤٦ ]
باع. انتهي (^١).
قوله: (وفي النحر طعن بلبة) أي وصفة الذكاة في النحر هي طعن بلبة الإبل واللبة واللبب حفرة في الصدر في أصل العنق.
ابن رشد: ولا يشترط فيه قطع شيء من حلقوم ولا ودج، لأن محله اللبة وهو محل تصل منه الآلة إلي القلب فيموت بسرعة. انتهي (^٢).
وقوله: (وشهر أيضا الاكتفاء بنصف الحلقوم، والودجين) أي والودجين جميعا لا نصفهما لا كما قال الشارح (^٣) الله.
قوله: (وإن سامريا) أي وإن كان المميز سامريا لأن السامرية صنف من اليهود لا يؤمنون بالبعث (أو) كان (مجوسيا تنص) لأنه صار نصرانيا فتصح ذكاة الكافر المذكور إن أتم الصفة المذكورة (وذبح) الذبيحة (لنفسه) وهي (مستحله وإن) كان (أكل الميتة) بشرط (إن لم يغب) عليه وقت الذبح وأما إن ذبحها لمسلم فسيأتي - إنشاء الله - وأما إن ذبح لنفسه ما لا يستحله فلا تؤكل.
قوله: (لا صبي ارتد) أي لا تؤكل ذبيحة صبي ارتد إذ لا تجوز ذبيحة المرتد ولا صيده، جعل ارتداد الصبي هنا ارتدادا.
وقوله: (وذبح لصنم، أو غير حل) أي لا يؤكل ما ذبح لصنم ولا ما ذبح من غير حل (له إن تبت) تحريمه عليه (بشرعنا) كذي الظفر من الإبل والنعام والإوز والدجاج لأنه دخل علي فساد.
وفي الذخيرة قال بعض العلماء: قد يحرم الله تعالى ما لا مفسدة فيه عقوبة وحرمانا أو تعبدا. فالأول كتحريم ذي الظفر والشحوم على اليهود عقوبة لهم ولو كان لمفسدته لما حل لنا مع أنا أكرم على الله منهم ونص الله تعالى على ذلك بقوله
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٣، ص: ٢٠٨.
(٢) البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة. تأليف أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي. ت ٤٥٠ هـ. ج ٤، ص: ٣٤٩، حققه د. محمد حجي وآخرون، ط ٢: ١٩٩٨ م
(٣) قال بهرام ما نصه: ونصف الودجين وهو محتمل لمعنيين أحدهما: أن يقطع واحد مهما ويترك الآخر وفيه رواية بالأكل ورواية بعدمه، قيل وهو الأقرب لعدم إنهار الدم والثاني أن يقطع من كل واحد منهما النصف فقد صدق عليه في كل صورة أنه قطع نصف الودجين … .] أنظر الشرح الأوسط للشيخ بهرام مخطوط. باب الذكاة، ص: ١٦٥.
[ ٢ / ٤٧ ]
تعالى: ﴿ذلك جزينهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾ [الأنعام: ١٤٦] وبقوله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ [النساء: ١٦٠] وتحريم التعبد كتحريم الصيد في الإحرام والدهن والطيب واللباس فإنها لا تحرم لصفتها بل لأمر خارج كمال الفقير الغير. انتهي (^١).
قوله: (وإلا كره) أي وإن لم يثبت ما حرم الله عليهم في شرعنا بل بإخباره فأطلع على ما يحرمه عليه بعد ذبحه فإنه يكره لنا أكله وليس بحرام لأنه دخل على صلاح، وكان مالك يقول أولا بالجواز ثم ثبت على الكراهة ثم عرض له عارض كالطريقة.
قوله: (كجزارته) أي كما يكره جزارته وبيعه في الأسواق ويحتمل (وبيع، وإجارة) مركوب (لعيده) ونحوه من شعائر كفره (و) كذلك يكره (شراء ذبحه، و) كذلك يكره لمسلم (تسلف ثمن خمر، وبيع) سلعته (به) و(لا) يكره له (أخذه) ثمن الخمر (قضاء) من دينه منه إذ لا مندوحة (و) كذلك كره لمسلم شراء (شحم يهودي إن حرم عليه كالترائب لا الحوايا منه الترائب عظام الصدر أو ما يلي الترقوتين أو ما بين الثديين.
قوله: والترقوتين والحوية كغنية استدارت كل شيء كالتحوي وما تحوى من الأمعاء.
وفي إكمال الإكمال: أفتى أهل بخارى فيمن ذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله.
وقال الرافعي (^٢): إنما يذبحونه استبشارا كالعقيقة وهذا لا يوجب تحريما.
القرطبي: ومن الذبح لغير الله تعالى الذبح عبثا أو تجريبا للآلة لا للهو وجميع ذلك يتناوله اللعن ولا تؤكل تالك الذبيحة لأنها لم يقصد بها الإباحة الشرعية وهي شرط في الحلية. انتهى (^٣).
_________________
(١) الذخيرة: ج ١٣، ص: ٣٥٥
(٢) عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم الرافعي القزويني: فقيه من كبار الشافعية، كان له مجلس بقزوين للتفسير والحديث، كان مولده سنة: ٥٥٧ هـ ومات سنة ٦٢٣ هـ. نسبته إلى رافع بن خديج الصحابي له: التدوين في ذكره أخبار قزوين. والإيجاز في أخطار الحجاز وفتح العزيز في شرح الوجيز للغزالي وشرح مسند الشافعي الأعلام للزركلي: ج ٤، ص: ٥٥.
(٣) إكمال إكمال المعلم للإمام محمد بن خليفة: ج ٧، ص: ٨٠.
[ ٢ / ٤٨ ]
قوله: (وذبح لصليب أو عيسى) أي مما يكره أكل ذبيحة لعيد صليب أو لعيد عسى قال سحنون وابن لبابة: هو حرام لأنه مما أهل لغير الله (و) كذلك يكره (قبول متصدق به) من كافر عن ميت أو غيره.
وسئل مالك تحمله عن الطعام يتصدق به النصراني عن موتاه أيكره لمسلم قبوله قال: نعم لأنه تعظيم له.
وقوله: (لذلك) أي لأجل تعظيم شركهم
قوله: (وذكاة خنثى وخصي) أي ومما يكره أكل ذكاة خنثى أو خصي والمجبوب أحرى بضعفهما وتجوز ذكاة الأغلف (و) كذلك يكره ذكاة (فاسق) بجارحة أو اعتقاد لا يكفر به.
قوله: (وفي ذبح كتابي لمسلم) أي وفي صحة ذبح كتابي لمسلم بالحضرة وعدم صحته (قولان) لمالك وقيل: لا تصح إلا في الأضحية، وقيل: تصح مطلقا. وقيل: لا تصح مطلقا.
قوله: (وجرح مسلم مميز) هذا أحد أنواع الذكاة الثلاثة لأنها نحر وذبح وعقر ينبغي أن يأتي هنا بالفصل أي ومن الذكاة جرح مسلم مميز والإسلام في الصائد شرط ويأكل ما ذبحه أهل الكتاب ولا يأكل ما صادوه لقول الله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ [المائدة: ٩٤] وكذلك يشترط في الصائد التمييز لا صبي غير مميز ولا مجنون ولا سكران.
الصيد يطلق بالإشتراك على المصدر الذي هو فعل الصائد وعلى الاسم الذي هو المصيد فمن الأول قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦] ومن الثاني قوله تعالى: ﴿يتأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورما حكم﴾ [المائدة: الآية: ٩٤] لأن الذي تناله الأيدي والرماح إنما هو المصيد. إكمال الإكمال (^١).
قوله: (وحشيا، وإن تأنس عجز عنه إلا بعسر) أي هذا هو المصيد أي وجرح مسلم مميز وحشيا وإن تأنس ثم استوحش بعد ذلك، لأنه رجع إلى أصله، الأصل التوحش بشرط أن يكون عجز عنه إلا بعسره.
المازري: والصيد يحصل في قبضة الصائد فإنه لا يؤكل بالعقر.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٧، ص: ٣.
[ ٢ / ٤٩ ]
قلت: يحصل في قبضة الصائد إما بأنه انحصر وأمكن أخذه بغير مشقة، وإما بأن طرده الكلب فوقع في حفرة لا مخرج له منها، وإما بأنه انكسر فطرده الكلب فقتله، أو غير ذلك من وجوه الحصول، والحاصل أنه مهما أمكنت الذكاة تعينت. إكمال الإكمال (^١).
قوله: (لا نعم شرد) أي لا يؤكل. النعم: الإبل والبقر والغنم بالعقر، وإن ند لأن الأصل فيه التأنس، ولكن يجوز أن يجرح جرحا يضعف به ليتمكن من ذكاته الشرعية فيه وهذا كله إذا لم ينفذ المقاتل ابن حبيب يجوز العقر في البقر خاصة لأن لها أصل في التوحش.
قوله: (أو تردى) أي وكذلك لا يؤكل النعم بالعقر إذا تردى أي سقط (بكحفرة) في بعض النسخ «بكوة»، وفي بعضها: «بكهوة» والمعنى واحد.
قوله: (بسلاح محدد، وحيوان علم) هذا هو المصيد به وهو سلاح محدد لا عصى أو حيوان علم من كلب أو باز ونحوهما والمعلم هو الذي إذا أرسل أطاع وإذا زجر أنزجر.
قوله: (بإرسال من يده) أي ويكون انبعاث المعلم بإرسال من يده. وهو قول مالك المرجوع إليه، وهو خلاف ظاهر الرسالة لأنه قال: وكلما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله إذا أرسلته عليه (^٢).
وهو أول قولي مالك وبه أخذ ابن القاسم.
قوله: (بلا ظهور ترك) أي بإرسال من يده بلا ظهور ترك من المعلم ولا من مرسليه حتى خرج فيؤكل صيده (ولو تعدد مصيده) في الإرسال للواحد (أو أكل) أي وأكل الجارح من الصيد وهذه إحدى المسائل التي خالف فيها الإمام مالك الجمهور ثانيها الصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وثالثها بيع ما عدى الطعام قبل قبضه وذلك يدل على أنه إنما يأخذ بالدليل لا بكثرة الأقوال.
قوله: (أو لم ير بغار، أو غيضة، أو لم يظن نوعه من المباح، أو ظهر خلافه) وكذلك إذا لم ير المرسل الوحش عند الإرسال حالة كونه بغار أو غيضة ونحوها من الأمكنة المحصورة التي من شأن الصيد أن يختفي بها فإنه يؤكل وما في الغار والغيضة
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٧، ص: ٥.
(٢) متن الرسالة، ص: ٧٤.
[ ٢ / ٥٠ ]
محصور الغيضة بالضاد أخت الصاد: ما اجتمع من الشجر.
وكذلك إذا أرسله على الصيد ولم يظن نوعه من المباح مع علمه أنه منه في الجلمة فإنه يؤكل. وكذلك إذا أرسله على مباح ولكن ظنه نوع من المباح ثم ظهر أنه نوع آخر كما إذا ظنه ظبيا فوجده بقرة أو العكس فإنه لا يضره ذلك لأن اختلاف الصفة لا يضر.
قوله: (لا إن ظنه حراما، أو أخذ غير مرسل عليه، أو لم يتحقق المبيح) أي فإن أرسله على صيد يظنه حراما فظهر أنه حلال فإنه لا يأكله إلا إذا وجده قبل نفوذ مقتله فيذبحه ويأكله وإن ظنه سبعا ونوى ذكاته لأجل جلده فوجده مباحا أكله انتهي.
وكذلك لا يؤكل ما أخذه الجارح في غير مرسل عليه من مباح لأن المرسل لم ينوه وكذلك لا يؤكل الصيد إذا لم يتحقق المرسل المبيح (في شركة غير) وذكر لذلك أمثلة وذلك كماء، أو ضرب بمسموم) إذا جرحه وسقط في ماء فمات لأنه لم يتحقق أنه إنما مات بالجرح أو جرحه بسهم مسموم إذ لا يدري هل السهم هو القاتل أم الجرح ولو رمى صيدا على شاهق جبل فتردى فوجده ميتا وإن كان سهمه قد أنفذ مقتله قبل ترديه فقد تمت ذكاته ولا يضره التردي وإن كان لم ينفذ لم يجز أكله لأنه لا يدري من أي ذلك مات. انتهي من الجواهر (^١).
قوله: (أو كلب مجوسي) أي وكذلك لا يؤكل إذا أشترك جارحه مع جارح مجوسي في قتله لأنه لم يتحقق المبيح هل كلب المجوسي أو كلبه وإذا أشتبه مباح بنوع حرم أكله والمجوسي ليس بشرط بل كل كافر وهذا إذا كان الكافر هو المرسل للجارح وأما إذا كان الذي أرسله مسلما فإنه يجوز أكله لأن الكلب كالآلة.
قوله: (أو بنهشه ما قدر على خلاصه منه، أو أغرى في الوسط أو تراخى في اتباعه؛ إلا أن يتحقق أنه لا يلحقه، أو) أي وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح بنهشه بعد القدرة على خلاصه منه وأما إذا غلبه الجارح عليه فإنه يأكله أو أغرى وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح بإغرائه عليه في الوسط المراد بالوسط ما بين الصائد والجارح وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح أو تراخى مرسله في اتباعه ثم وجده قد قتله إلا أن يتحقق أنه لا يلحقه، فإنه على أصله من جواز الأكل بالعقر. وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح إذا (حمل) الصائد (الآلة) آلة الذبح (مع غير) لأنه فرط حين فارق الآلة (أو) حمل
_________________
(١) الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ١، ص: ٣٨٥.
[ ٢ / ٥١ ]
الآلة (بخرج) فاشتغل بحمله حتى فات الصيد فإنه لا يؤكل (أوبات) أي وكذلك لا يؤكل الصيد بعد أن بات عن صائده وإن وجد سهمه في مقتله (أوصدم) أي وكذلك لا يؤكل ما قتله الجارح صدما (أو عض بلا جرح).
قوله: (أو قصد ما وجد) أي وكذلك لا يؤكل إذا قصد مرسل الجارح ما وجد من غير رؤية ولا في غيضة أو غار (أو أرسل) جارحا (ثانيا بعد مسك الجارح الأول، وقتل الثاني ما أمسكه الأول وحده أو معه (أو اضطرب) أي وكذلك لا يؤكل ما اضطرب إليه الجارح (فأرسل) الجارح من يده (ولم ير) شيئا إلا أن ينوي المضطرب) له (وغيره) فيكون في جواز أكله وعدم جوازه (فتأويلان).
قوله: (ووجب نيتها) أي ووجب نية الذكاة أي قصدها نحرا كان أو ذبحا أو عقرا فلو رمى صيدا أو غيره بلا نية ذبح فصادف مذبحه فذبحه فلا يؤكل.
قوله: (وتسمية إن ذكر) أي وجب تسمية عند الذكاة أو إرسال الجارح إن ذكر وأما إن نسي فلا يضره، فإن قيل الفرض لا يسقط بالنسيان قلنا: نعم لكن لضعف المدرك وأما إن ترك التسمية عامدا عند الذكاة أو إرسال الجارح لم تؤكل لأنه قاصد لمخالفة الشرع.
ابن الحارث وابن بشير ومحمد: لا عن تهاون ففي حرمتها وكراهتها وحليتها ثلاثة وإن تركه جهلا ففي جواز أكلها وعدم جوازه قولان.
ويكفي بسم الله وحده، أو الله أكبر، أو سبحان الله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن الذي مضى عليه العمل، بسم الله، والله أكبر.
قال بعض العلماء: لا تكمل البسلمة في سبعة مواضع عند الأكل وعند الشرب وعند الذبح وعند الجماع وعند الوضوء وعند ركوب الدابة وعند ركوب السفينة. انتهى.
قال بعضهم ومن الأفعال ما لم تشرع فيه التسمية كابتداء الأذان والحج والعمرة والذكر والدعاء ومنها ما تكره فيه كالمحرمات والمكروهات لأن المقصود بها الكثرة والمحرم والمكروه لا تراد الكثرة منهما.
قوله: (ونحر إبل) أي وكذلك يجب نحر إبل وكذلك الفيل والزرافة (و) كذلك يجب ذبح غيره ذلك إن قدر على نحر ما ينحر أو ذبح ما يذبح.
قوله: (وجازا للضرورة) أي وجاز النحر فيما يذبح والذبح فيما ينحر لأجل
[ ٢ / ٥٢ ]
الضرورة والضرورة هي أن لا يوجد سبيل إلى النحر ولا إلي الذبح فيذبح ما ينحر وينحر ما يذبح وقيل الضرورة عدم ما ينحر به أو يذبح.
قوله: (إلا البقر فيندب الذبح) مستثني من قوله: وذبح غيره أي إلا البقر فيجوز فيه النحر والذبح ولكن يندب ذبحه.
قوله: (كالحديد) تشبيه أي كما يندب أن يكون الحديد آلة الذكاة (و) كذلك يندب (إحداده).
قوله: (وقيام إبل وضجع ذبح على أيسر) أي ومما يندب نحر الإبل قائمة وقد تقدم في باب الحج ونحرها قائمة أو معقولة وكذلك يندب للذابح ضجع ذبح على الشق الأيسر لأنه أيسر له إلا أن يكون أعسر فالشق الأيمن أيسر له في الذبح (و) كذلك يندب (توجهه) أي توجه المذبوح إلى القبلة ويأخذها برفق، وفي الحديث: «إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح» (^١).
قال عمرو: من الإحسان في الذبح أن لا يجر الذبيحة إلى مذبحها.
قال ربيعة ومنه أن لا يذبح وأخرى تنظر وأجازه مالك، واحتج مالك للجواز بنحر الإبل مصطفة. إكمال الإكمال (^٢).
قوله: (وإيضاح المحل) أي ويندب إيضاح محل الذبح بأن يزيل عنه الصوف أو الشعر.
قوله: (وفري ودجي صيد) أي ومما يندب للصائد فري أي قطع ودجى صيد (أنفذ) جارح (مقتله) ليعجل بإراحته.
قوله: (وفي جواز الذبح بالعظم والسن أو إن انفصلا، أو بالعظم، ومنعهما، خلاف) أي وفي جواز الذبح بالعظم والسن أو الظفر مطلقا اتصلا بمن هما منه أو إن انفصلا
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٣٤. كتاب الصيد والذبائح ١١. باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة. الحديث: ٥٧ [١٩٥٥] عن شداد بن أوس وأخرجه الترمذي في سننه. ١٤ كتاب الديات. ١٤ باب ما جاء في النهي عن المثل. الحديث ١٤٠٩ عن شداد بن أوس. وأخرجه النسائي في سننه. ٤٣ كتاب الضحايا. ٢٢ - باب الأمر بإحداد الشفرة. الحديث: ٤٤٠٧ عن شداد بن أوس والحديث: ٤٤١٣ والحديث: ٤٤١٤ والحديث: ٤٤١٥ والحديث: ٤٤١٦. وأخرجه أبو داوود في سننه. ١٠ - كتاب الضحايا. ١١ - باب في النهي أن تصبر البهائم والرفق بالذبيحة. الحديث: ٢٨١١ عن شداد بن أوس.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٧، ص: ٤٢. بلفظه
[ ٢ / ٥٣ ]
عنه وهو قول ابن وهب عن مالك واختاره ابن القصار، أو إنما يجوز بهما إن انفصلا لا إن اتصلا بمن هما منه لأنه نهش وخنق وهو قول مالك عند ابن حبيب.
ابن رشد: وهو الصحيح أو إنما يجوز ذلك بالعظم دون السن وهذا أيضا عن مالك.
قال في إكمال الإكمال (^١) وهو المشهور أو يمنع خلاف الذبح بهما مطلقا اتصلا أو انفصلا وهو أيضا عن مالك، الباجي وهو الصحيح.
الحاصل في المسألة أربعة أقوال ومذهب المدونة الجواز ولو كان معه آلة الذبح.
قال احمد بن يونس: قال في البيان: مذهب المدونة يجوز بغير الحديد إن لم يوجد حديد (^٢) ونص الشيخ على أنه إن ذبح بغيره مع وجوده فقد أساء وعدم الراجحية قول في المذهب.
قوله: (وحرم اصطياد مأكول لا بنية الذكاة) أي وحرم علي كل إنسان اصطياد حيوان مأكول بغير نية الذكاة لأنه من الفساد ﴿والله لا يحب الفساد﴾ [البقرة: ٢٠٥] ولأنه إتلاف نفس بغير منفعة وكذلك لا يجوز اصطياد بأرض قوم يكرهون ذلك أو تضيع فيه الصلاة أي ووجب إذا احتاج إليه ومندوب إذا كان يوسع به على عياله ومباح إذا أراد به المال ومكروه إذا كان للهو والحرام هو الذي ذكره الشيخ ولأنه لا منفعة فيه.
قوله: (إلا بكخنزير، فيجوز) الاستثناء منقطع أي لكن يجوز اصطياد خنزير وما في معناه من كل مضر بغير نية الذكاة.
قوله: (كذكاة ما لا يؤكل) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يجوز ذكاة ما لا يؤكل من الحيوان الإنسي (إن أيس منه) أي من حياته لمرض أو عطش تعجيلا لراحته وهو مذهب ابن القاسم وقيل إنما يعقر لئلا يتوهم إباحة أكله:
وفي أنوار البروق للقرافي:
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: مجلد ٧، ص: ٦٤.
(٢) ورد في البيان ما نصه: قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها أنه لا بأس بالذبح بما عدى الحديد إذا لم يجد حديدا ولا بأس بأكل ما ذبح بغير الحديد وإن كان واجدا للحديد إذا أنهار الدم بذلك كله … وقال: وسألته عن الذبح بالقصبة والعظم فقال لي: ليس بالذبح بالقصبة والعظم بأس إذا اضطررت إليه. البيان والتحصل لابن رشد: ج ٣، ص ٣٠٢.
[ ٢ / ٥٤ ]
قال صاحب البيان: قال ابن القاسم: الدابة التي لا يؤكل لحمها إذا طال مرضها أو تعبت من السير في أرض لا علف فيها ذبحها أولى من بقائها لتحصيل راحتها من العذاب.
ابن وهب لا تذبح ولا تعقر لنهيه الله عن تعذيب الحيوان لغير مأكولة.
فرع: مرتب إذا تركها صاحبها فعلفها غيره ثم وجدها فقال مالك: هو أحق بها لأنه مكره على تركها بالاضطرار لذلك ويدفع ما أنفق عليها وقيل هي لعالفها الإعراض المالك عنها. انتهي (^١).
قوله: (وكره ذبح بدور حفرة) شرع هنا الله بذكر المكروهات أي وكره للجزارين ونحوهم ذبح في دور حفرة ليلا يستدبر بعضهم القبلة (و) كذلك يكره (سلح) منحورة أو ذبيحة (أو قطع) منها (قبل الموت).
قوله: (كقول مضح: اللهم منك وإليك) أي اللهم منك الرزق وإليك التقرب بل المستحب أن يقول اللهم تقبل (^٢) منا.
قوله: (وتعمد إبانة رأس) أي ويكره تعمد إبانة رأس أي قطعه أبان الشيء إذا قطعه.
وللمسألة نظائر كمن زاد على الصاع في زكاة الفطر ومن هو مأمور بالإمامة فسجد ومن شفع الإقامة ومن غسل خفا ومن ملك امرأته في طلقة فطلقت نفسها ثلاثا ففي كل مسألة قولان، من قال يجزئ لأنه أتى بما أمر به وزيادة، ومن قال: لا يجزئ لأنه أتى بغير ما أمر به.
قوله: (وتؤولت أيضا على عدم الأكل) أي وتؤولت المدونة أيضا على عدم جواز الأكل إن قصده قطع الرأس أولا لما قال: أيضا علمنا أن الأول تأويل وإن أبان الرأس جهلا أكلت اتفاقا. قاله في مغني النبيل.
قوله: (إن قصده أولا، ودون نصف أبين ميتة) أي وإن قطع الصايد من الصيد دون نصف فإنه ميتة وما سواه يؤكل مفهومه أن النصف يؤكل وهو كذلك سواء أبين ذلك من الصيد حسا بأن فصل عنه أو حكما بأن قطعه قطعا متصلا به ولكن لا يعود
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٣، ص: ١٠١ ط ٢٠٠٣ م الفرق التاسع والثلاثون والمائة. والبيان لابن رشد: ٣/ ٣٢٧، ص:
(٢) هذا لفظ ما ورد في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني: ج ٢، ص: ٢٧٣.
[ ٢ / ٥٥ ]
إلى حاله.
قوله: (إلا الرأس) مستثني من قوله: ودون نصف أبين ميتة، إلا الرأس فإنه ليس بميتة وإن كان دون النصف، لأن النصف للرأس إذا قطع من الحيوان لا يسمى حيا.
قوله: (وملك الصيد المبادر، وإن تنازع قادرون فبينهم) أي ويملك الصيد المبادر لأخذه وإن غير المخبر به لأن الصيد إنما يملك بوضع اليد عليه لا بالرؤية وكذلك كل مباح فإن تنازع في الانبعاث إليه قادرون على أخذه فهو بينهم يحكم لهم بأن يبعثوا إليه كلهم ثم هو لهم وإن أخذه بعضهم رفعا للنزاع.
قوله: (وإن ند ولو من مشتر فللثاني) أي وإن ند الصيد واستوحش بعد تأنسه ولو كان ند من مشتر فإنه لأخذه الثاني لأنه رجع إلى أصله من التوحش فإن اختلفا فقال: ند ولم يتوحش، وقال الآخر: لا أدري صدق الصائد وعكس سحنون. قوله: (لا إن تأنس) أي فليس للثاني إن تأنس عند الأول (ولم يتوحش) فإنه للأول بلا خلاف وأما حمام البيوت المملوكة فهو كالحيوان الداجن من دخل إليه منها شيء فهو كاللقطة.
وفي ابن الحاجب وإن دخل حمام أو نحل لا يمكن رده فهو كصيد (^١) ند.
قوله: (واشترك طارد) أي واشترك طارد الصيد (مع ذي حبالة قصدها) الطارد للصيد (ولولاهما) أي ولولا الطارد والحبالة (لم يقع المصيد بحسب فعليهما) فإن كان كراء الطارد درهم وكراء الحبالة درهمين أو العكس فإنهما يشتركان بقدر ذلك (وإن لم يقصد الطارد الحبالة (وأيس منه) أي من الصيد فوقع الصيد في الحبالة (ف) إنه (لربها) دون الطارد (و) إن كان الطارد (على تحقيق بغيرها) من القدرة على الصيد كما إذا أعجزه وقدر عليه بغير الحبالة (فله) دون صاحب الحبالة.
الحاصل فإنهما يشتركان في الفرع الأول بحسب فعلهما، ولصاحب الحبالة في الفرع الثاني دون الطارد، والطارد في الفرع الثالث دون صاحب الحبالة.
قوله: (كالدار، إلا أن لا يطرده لها فلربها) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن الصيد للطارد إذا اضطره إلى الدار إلا أن لا يطرده لها بل دخل الدار بغير سببه، فإن الصيد لربها أي الدار.
وقوله: (وضمن مار أمكنت ذكاته وترك) أي وضمن قيمة الصيد مار تصح ذكاته به
_________________
(١) جامع الأمهات لابن الحاجب: ص: ٤٤٤.
[ ٢ / ٥٦ ]
أمكنته ذكاته بأن كان معه آلة الذكاة وهو قادر على ذكاته وهو ممن تجوز ذكاته وتركه حتى جاف فإنه يضمنه لصائده لأنه حرمه على ربه إذ لولاه لحل، والمختار عدم ضمانه كشاة خشى عليها مار ولم يذبحها وفرق بأن ربها لا يصدقه بحال بخلاف الصيد وفي ضمانه بتولية من لا يصح منه احتمال. حلي المختصر هذا بناء على أن الترك كالفعل والخلاف في الترك هل هو كالفعل أم لا.
قوله: (كترك تخليص مستهلك) تشبيه أي كما يضمن بسبب ترك تخليص مستهلك (من نفس أو مال بيده أو شهادته أو) تزكية شاهد أو تجريح شاهده وكذلك يضمن (بإمساك وثيقة) عن ربها حتى فات الحق أو تقطيعها) أي وكذلك يضمن بقطع الوثيقة فإن قلت كيف يحكم بما فيها وقد قطعت.
قلت: قد يقر بما فيهما وقد يشهد الشهود بما فيها بالوقوف عليها (وفي قتل شاهدي حق) أي وهل يضمن بسبب قتل شاهدي حق ضاع بموتهما فيه (تردد) للمتأخرين لعدم نص المتقدمين ووجه من قال: لا يضمن لأنه لم يتعد على صاحب الحق.
قوله: (وترك مواساة وجبت بخيط لجائفة، وفضل طعام أو شراب لمضطر، وعمد وخشب فيقع الجدار) أي وكذلك يضمن بترك مواساة بخيط لجائفة بحيث لو خيط به سلم وإلا هلك.
وكذلك يضمن بترك مواساة لمضطر بفضل طعام أو شراب لمضطر وأما ما لم يستغن عنه فلا يجب عليه مواساة به. وكذلك يضمن من عنده عمد أو خشب فيمنعه لجاره ليصلح جداره فيقع الجدار بسبب منعه لذلك وفي الحديث: «من لا يرحم لا (^١) يرحم».
وفيه: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» (^٢)، وفيه: «لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء» (^٣)، ومن الرحمة ما يجب ككف الأذى وإغاثة الملهوف وفك العاني
_________________
(١) الحديث متفق عليه أخرجه البخاري. الحديث ٥٩٩٧. وأخرجه مسلم في صحيحه. كتاب الفضائل. ١٥ - باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال. الحديث: ٢٣١٨ عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه الحديث: ٦٠١٣ و٧٣٧٦. وأخرجه مسلم في صحيحه. ٤٣ - كتاب الفضائل. ١٥ - باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك. الحديث: ٢٣١٩ عن جرير بن عبد الله.
(٣) أخرجه القرطبي في المفهم: ج ٧، ص: ٢١٩.
[ ٢ / ٥٧ ]
وإحياء المضطر وإنقاذ الغريق والواقع في هلكة وسد خلة الضعفاء وشبه ذلك فمن لم يؤد حق الله تعالى في شيء من ذلك عاقبه الله سبحانه ومنعه رحمته أن ينفذ فيه وعيده. انتهي من إكمال الإكمال (^١).
قوله: (وله الثمن إن وجد) الثمن يومئذ يريد أن من تعين عليه دفع شيء من الأمور المذكورة فدفعه لمن وجب عليه دفعه إليه فإن له ثمن ذلك بالمعروف على المنتفع به إن وجد يومئذ في ملكه وهو مذهب المدونة، وإن لم يوجد حينئذ في ملكه فلا يتبع به إذا أيسر.
وقيل: يتبع به إن أيسر، وقيل: لا يجب عليه الثمن لأن الدفع إليه واجب، ووجه المشهور أن الدفع هو الواجب وقد حصل حين الاضطرار إليه وعليه غرمه إن وجد عنده.
قوله: (وأكل المذكى، وإن أيس من حياته) أي وأكل المذكى إن تحقق حياته وإن أيس منها لمرض ونحوه لأن من شرط كل ذكاة ورودها على حي موته بها ويستدل على ذلك بعد تمامها بمفيد تيقنه عادة وذلك يكون (بتحرك قوي) بعد الذكاة وقيل الذكاة (مطلقا) صحيحة أو مريضة أم مصابة بالجنون أو نحوه ويدل أن هذا مراده بالإطلاق تفسيره سيل الدم بالصحيحة فالتحريك في الثلاثة كاف فإذا أنضم إليه سيلان الدم لم يزده إلا خيرا.
قوله: (وسيل دم، إن صحت) أي وبمطلق سيل الدم بشرط أن تكون الذبيحة صحيحة وإلا ألغي اتفاقا كحركة الارتعاش والارتعاد أو مد يد أو رجل، أو حركة عين، والمصابة بأمر غير مضر كالصحيحة إن لم يمنع من عيشها غالبا وإلا فكالمريضة.
قوله: (إلا الموقوذة) وما معها مستثني من قوله: وأكل المذكى وإن أيس من حياته أي إلا الموقوذة (وما معها) في الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع﴾ [المائدة: ٣] (المنفوذة المقاتل: فإن الذكاة لا تعمل فيها لأن الاستثناء منقطع أي إلا ما ذكيتم من غيرها.
وقيل: تعمل فيه الذكاة على أن الاستثناء متصل وأما إن لم ينفذ مقتلها فإنها تؤكل على المشهور والخنق لا ينفذ شيئا من مقاتلها وإنما يخل بتحقيق المبيح في
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٨، ص: ٥٠.
[ ٢ / ٥٨ ]
تذكيتها كالذبح في جوف الماء ولذلك بدء بالتي بعدها والمقاتل تكون (بقطع نخاء) وهو المخ الأبيض الذي هو ممتد في وسط عظم الظهر إلى العنق وفي نونه الحركات الثلاثة (و) يكون ب (نتر دماغ) وإن بعصا (و) يكون بنثر (حشوة) والحشوة: ما في البطن من الأمعاء (و) يكون ب (فري ودج) أي قطع ودج واحد وأحرى ودجين (و) يكون ب (ثقب مصران) أطلق الشيخ المصران وقيده بعضهم بمصران الأعلى (وفي شق الودج قولان) هل هو مقتل أم أم لا.
قوله: (وفيها أكل ما دق عنقه، أو ما علم أنه لا يعيش إن لم ينخعها) أتى بهذا استدلالا للمسألتين مسألة بأكل المذكى وإن أيس من حياته ومسألة المنفوذة المقاتل من الموقوذة والمتردية وما معها أنها لا تعمل فيها الذكاة.
قوله: (وذكاة الجنين بذكاة أمه إن تم بشعر) أي وذكاة الجنين حاصلة بذكاة أمه إن تم خلقه بنت شعره وإن كان ناقص الخلقة من كيد وكان الجنين من جنس أمه واختلف هل يؤكل بنبت شعر العينين فقط أم لا قولان.
ابن غازي: وفي أكل المشيمة وهي وعاء الولد ثلاثة أقوال.
الأول: الحلية لقول ابن رشد في سماع موسى (^١) من كتاب الصلاة: السلا وعاء الولد وهو كلحم الناقة المذكاة.
الثاني: تحريمها؛ لجواب عبد الحميد الصائغ.
الثالث: أن حل أكل الجنين بذكاة أمه وتم خلقه ونبت شعره حلت، وإلا فلا لبعض شيوخ شيوخ ابن عرفة وقد حصلها هذا التحصيل تخلله (^٢).
(وإن خرج) الجنين (حيا ذكي) لأنه مستقل بحكم نفسه وإلا فلا يؤكل (إلا أن يبادر) بذكاته (فيموت) قبلها فإنه يؤكل حينئذ.
قوله: (وذكي المزلق)، المزلق هو الذي أسقطته أمه وهي أي ويذكى المزلق (إن
_________________
(١) أبو جعفر موسى بن معاوية الصمادحي مولى آل جعفر بن أبي طالب سمع من وكيع ابن الجراح، والفضل بن عياض، وعلي بن مهدي، وطبقتهم، وجرير بن عبد الله، وأبي معونة الضرير، وسمع من ابن القاسم وغيره. سمع منه سحنون وعامة أهل إفريقية، وسمع منه ابن وضاح، وأحمد بن يزيد القرشي، وعمي بعد قدومه من المشرق بيسير. وتوفي ليوم الاثنين يقين من ذي القعدة سنة خمس، وقيل سنة ست وعشرين ومائتين. ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض: ٢٣٨: ١ ج، ص
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٣٧١.
[ ٢ / ٥٩ ]
حبي مثله عادة وإلا فلا يؤكل وإن شك في حياته.
قوله: ﴿واقتقر نحوو الجراد لها﴾ أي وافتقر الجراد ونحوه مما لا نفس له سائلة للذكاة على المشهور، وقيل: لا يحتاج إلى ذكاته، ووجه المشهور أن الذكاة إنما شرعت لإراحة الحيوان وزهوق الروح ووجهه أيضا تحريم الميتة وهذا يدخل في عمومها راجع ابن شاس (^١).
ووجه آخر أن الذكاة شرعت لاستخراج الفضلات المحرمة من الأجساد المباحات ومن جعلها أصلا وإراحة الحيوان تبعا أجاز ميتته، وذكاة الجراد ونحوه (بما يموت به) من صلق أو غيره، (ولو لم يعجل) بموته وذلك (كقطع جناح) أو رجل ولا يؤكل ما أبين منه للذكاة.
قال بعضهم: المشهور افتقار الجراد للذكاة وفي كون ذكاته بمجرد أخذه أو فعل ما يموت به غالبا وهو المشهور وعليه فذلك كقطع رأس أو طرحه في نار انتهى.
مسألة: من وقف على شاة قد بلغت إلى حد الفوات وإن يئس منها وهي لغيره ففرط في ذكاتها حتى ماتت ففيها قولان قيل يضمن وقيل لا يضمن والأشهر عدم الضمان لأن المراد بالشاة بقاؤها بخلاف الصيد. صح من المفيدة.
قال ابن فرحون في تبصرته: ويجوز تقليد القصاب في الذكاة ذكرا كان أو أنثى مسلما أو كتابيا ويقبل قوله أنه ذكى وليس هو من باب الشهادة ولا الرواية بل هو من باب القاعدة الشرعية أن كل أحد مؤتمن على ما يدعي أنه ملكه أو مباح له فيقبل قوله وإن كان أفسق الناس. انتهى (^٢).
قال مفتي تونس الشيخ البرزلي في نوازله: وسأل ابن أبي زيد عن الإبل والبقر إذا عرقبت ثم ذكيت وذلك في عرس أو غيره فهل تؤكل فأجاب بأنها تؤكل وليس ما صنع بها من المقاتل التي لا تحيا معها. انتهى (^٣).
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٣٩٤/ ٣٩٥.
(٢) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام لابن فرحون المالكي: ج ١، ص: ٢٤٨.
(٣) فتاوي البرزلي: ج ١، ص: ٦٣١.
[ ٢ / ٦٠ ]