قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل العدة العدة من العد.
ابن رشد: العدة تربص المرأة زمنا معلوما قدره الشرع علامة على براءة رحمها مع ضرب من التعبد.
قوله: (تعتد حرة؛ وإن كتابية) أي وتعتد الحرة وإن كتابية لحق الزوج.
وقوله: (أطاقت الوطء) أي وإنما تعتد الحرة إذا كانت مطيقة للوطئ وإن لم يكن حملها وأما الصغيرة التي لا تطيق الوطء لا عدة عليها باتفاق لأن وطئها حرج ومشقة.
قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق الفرق بين قاعدة العدد وبين قاعدة الاستبراء أن العدة تجب وإن علمت براءة الرحم كمن طلقها زوجها غائبا عنها بعد عشر سنين، وكذلك إذا توفي عنها والاستبراء ليس كذلك إذا تيقن براءة الرحم كما إذا كانت الأمة تحت يده أو وديعة وسيدها لا يدخل عليها فلو علمت براءة المعتدة قبل الطلاق أو الوفاة لا بد لها من العدة، والفرق بين البابين أن العدة يغلب عليها شائبة التعبد من حيث الجملة وإن كانت معقولة المعنى من حيث الجملة؛ لأنها شرعت لبراءة الرحم وعدم اختلاط الأنساب فمن هذا الوجه هي معقولة المعنى ومن جهة أن العدة تجب في الوفاة على بنت المهد وتجب في الطلاق والوفاة على الكبيرة المعلوم براءتها بسبب الغيبة وغيرها هذه شائبة التعبد، فلما كان في العدة شائبة التعبد وجب فعلها بعد سببها مطلقا في جميع الصور علمت البراءة أم لا توفية لشائبة التعبد والاستبراء لم ترد فيه هذه الشائبة، بل هو معقول المعنى لبراءة الرحم وعدم اختلاط الأنساب فلذلك حيث حصل المعنى وهو البراءة سقطت الوسيلة إليه وهي الاستبراء لحصول المقصود فهذا هو الفرق. انتهى (^١).
قوله: (بخلوة بالغ غير مجبوب أمكن شغلها منه وإن نفياه) أي تعتد بسبب خلوة زوج بالغ سواء خلوة الاهتداء أو خلوة الزيارة ويكفي في ذلك شهادة النساء وأما غير
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٣، ص: ١٧٦، الفرق السادس والسبعون المائة
[ ٢ / ٤٠٥ ]
البالغ ومن لا يتأتى منه الجماع كالمجبوب لا عدة عليها بخلوته معها وإنما تعتبر الخلوة التي توجب العدة إذا أمكن فيها الشغل بالمجامعة حائضا كانت أو طاهرا وإن نفياه لحق الله تعالى ولحق الولد وأما خلوة لا يمكن له فيها ذلك فكالعدم.
قوله: (وأخذا بإقرارهما) أي فإن نفي الوطء في الخلوة أخذا بمقتضى إقرارها فيؤخذ الزوج بأن لا رجعة له عليها إذا طلقها وتؤخذ الزوجة بأن ليس لها إلا نصف الصداق وأن لا نفقة لها عليه ولا سكنى غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (لا بغيرها إلا أن تقربه) أي لا عدة عليها بخلوة لا يمكن شغلها بالمجماعة منه إلا أن تقر بالوطء فتعتد حينئذ وهذا ليس بتكرار لقوله: وأخذا بإقرارهما لأن هذا في غير الخلوة وتلك في الخلوة.
قوله: (أو يظهر حمل، ولم ينفه بثلاثة أقراء: أطهار) أي بلعان أي فإنما تجب عليها العدة لأنه يصير كالدخول.
قوله: بثلاثة أقراء إظهار الجار والمجرور متعلق بتعتد أي تعتد حرة بثلاثة أقراء التي هي أطهار، وأحسن ما قيل في الأقراء أنها أطهار.
قوله: (وذي الرق قرآن) أي وعدة ذات الرق قرآن سواء كانت قنا أو فيها شائبة حرية.
قوله: (والجميع للإستبراء) أي والأقراء الثلاثة للاستبراء (لا الأول فقط على الأرجح) عند ابن يونس وقيل الأول للاستبراء والثاني في الأمة المتزوجة لتكون لها مزية عن الحرة ذات الملك والثالث للحرة لتكون لها مزية على الأمة المتزوجة.
وقوله: (ولو اعتادته في كالسنة) مبالغة في أن العدة بالأقراء ولو اعتادت أن لا تحيض في السنة إلا مرة واحدة فإنها تنتظره.
قال صاحب إكمال الإكمال: وجميع الأقراء للاستبراء الأول دليل على براءة الرحم والثاني تقوية للأول والثالث تقوية للثاني وهما مبالغة في استبراء الحرائر وإلا فالبراءة حصلت بالأول بدليل أنها لو تزوجت بعدها فالولد للثاني وإن أمكن أن يكون من الأول وقيل إنهما عبادة وإلا فالاستبراء حصل بالأول فكون الأربعة أشهر وعشر في المتوفى عنها عبادة بدليل أنها تلزم غير المدخول بها ومن لا تحيض لصغر.
المغيرة وابن أبي حازم فيمن طلقت في طهر مست فيه أنها لا تعتد بذلك الطهر
[ ٢ / ٤٠٦ ]
فتستقبل ثلاثة غيره. انتهى (^١).
قوله: (أو أرضعت، أو استحيضت وميزت) أي وكذلك إن تأخرت حيضتها بسبب الرضاعة فإنها تعتد بالأقراء طال الزمان عليها أو قصر لأنها قدرت على ترك الإرضاع وكذلك المستحاضة تعتد بالأقراء إذا كانت تميز بين دم الحيض وبين دم الإستحاضة ودم الحيض لا يشبه دم الاستحاضة.
وقوله: وميزت هو خلاف ظاهر الرسالة لأنه لم يفرق بين من تميز وبين من لم تميز. قوله: (وللزوج انتزاع ولد المرضع فرارا من أن ترثه أو ليتزوج أختها أو رابعة، إذا لم يضر بالولد) إلى آخره أي وللزوج انتزاع ولد المطلقة الرجعية المرضعة فرارا من أن يموت في العدة فترثه أو أراد أن يتزوج أختها أو خالتها أو عمتها أو أراد أن يتزوج رابعة وأما البائن فلا ترث وله أن يتزوج أختها أو خالتها أو عمتها وحيث قلنا بانتزاع الولد هو إذا لم يضر الانتزاع بالولد وأما إن أضربه فلا ينتزعه ارتكابا لأخف الضررين.
قوله: (وإن لم تميز أو تأخر بلا سبب، أو مرضت تربصت تسعة أشهر، ثم اعتدت بثلاثة) أي وإن لم تميز بين الدمين أو تأخر عنها الحيض بلا بسبب أو بسبب مرض تربصت تسعة أشهر للبراءة من الحمل كانت حرة أو أمة ثم اعتدت بثلاثة أشهر لأن العدة في الطلاق بعد الريبة وفي الوفاة قبل الريبة والفرق بينهما وبين المرضعة أن المرضعة قادرة على رفعه بإفطام الولد بخلاف غيرها.
فرع: ابن شاس: إذا أنكحت المرتابة ثم أتت بولد لزمان يحتمل كونه من الزوجين ألحق بالثاني، وإن كانت وضعته بعد حيضة من العدة، إلا أن ينفيه باللعان، فيلحق بالزوج الأول، ولا يلزمها لعان، لأنه نفاه إلى فراش، فإن نفاه الأول ولاعن أيضا، لا عنت وانتفى منهما جميعا.
ثم من استحلقه منهما لحق به، ويحد الملاعن آخرا إن استلحقه.
وإن كانت وضعته قبل حيضة، فهو للأول إلا أن ينفيه باللعان، فيلحق بالثاني، ولا تلاعن هي، فإن نفاه الثاني أيضا ولا عن لاعنت، وانتفى منهما جميعا.
ثم من استلحقه منهما بعد ذلك لحق به ويحد إن كان الملاعن آخر.
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٥، ص: ١٨٦ - ١٨٧.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
قال أبو إسحاق التونسي: وقيل من استلحقه منهما حد.
ثم استحسنه وعلله بأن لعانها لهما جميعا. انتهى (^١).
قوله: ﴿كعدة من لم تر الحيض واليائسة ولو برق﴾ تشبيه لإفادة الحكم أي وكذلك تعتد من لم تر الحيض لصغر والآيسة منه لكبر فإنها تعتد بثلاثة أشهر ولو كانت ذات رق إذ لا فرق بين الحرة والأمة في ذلك على المشهور وقيل عدتها شهر ونصف وكذلك شابة بلغت أن تحيض وتأخر حيضها عن وقتها المألوف في أقرائها فحكمها حكم الصغيرة.
قوله: (وتمم من الرابع في الكسر، ولغى يوم الطلاق) أي وتمم الشهر الأول من الشهر الرابع في الكسر وهو إذا لم تبدأ أول الشهر فلا يحسب في الثلاثة الأشهر يوم الطلاق بل يلغى وكذلك يوم الوفاة وهو المشهور المرجوع إليه وقيل يحسب إلى الساعة التي طلقت فيها وهو المرجوع عنه.
قوله: (وإن حاضت في السنة انتظرت الثانية والثالثة) أي وإن حاضت من تأخر حيضها بلا سبب في السنة أو في الشهر في ذات الشهور انتظرت الحيضة الثانية يريد أو سنة لا دم فيها فتنتظر إلى الثالثة إن رأت حيضتين.
قال المصنف في توضيحه: إذا ظهر الأصل قبل ترتب البدل ألغي البدل كما في سائر الأصول. انتهى (^٢).
قوله: (ثم إن احتاجت لعدة فالثلاثة) أي ثم إن احتاجت هذه المعتدة لعدة أخرى من زوجها أو من غيره فإنها تعتد بثلاثة أشهر لأنها كاليابسة كانت حرة أو أمة.
قوله: (ووجب إن وطئت بزنا أو شبهة، فلا يطأ الزوج ولا يعقد، أو غاب غاصب أو ساب أو مشتر) أي ووجب قدر العدة المذكورة إن وطئت بزنى أو بشبهة كالغالط بها أو نكاح فاسد.
قال الأبهري: إن استبراء الحرة إنما يكون بثلاث حيض لئلا يدخل ماء صحيح على ماء فاسد وسواء كانت تحت زوج أو لم تكن وقيل بحيضة واحدة لأن الزائد على الحيضة في العدة تعبد وهنا استبراء. انتهى من التلمساني.
فلا يطأ الزوج في مدة هذا الاستبراء فإن وطئ فيه فلا تحرم عليه به ولا يعقد
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٥٧٥.
(٢) التوضيح: ج ٥، ص: ١٧.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
عليها أجنبي في مدة الاستبراء كما لا يعقد في العدة الزوج الذي فسد نكاحه أو غيره وكذلك يجب عليه قدر العدة إذا غاب عليها غاصب أو ساب أو مشتر جهلا أو فسقا.
قوله: (ولا يرجع لها) أي ولا يعتبر قول المرأة إن قالت: لم يطأني لحق الله تعالى وكذلك لا يصدق الغاصب والسابي والمشترى.
وقوله: (قدرها) متعلق بقوله: ووجب. غفل فيه الشارح تخلله.
قوله: (وفي إمضاء الولي وفسخه تردد) أي وهل يجب قدر العدة في النكاح الذي أمضاه الولي بعد أن تزوجت بغير إذنه بعد أن خلا بها الزوج أو لا يجب فيه تردد الأشياخ. وكذلك إن فسخ النكاح بغير ولي ففي الاستبراء تردد إذا أراد أن يتزوجها.
قوله: (واعتدت بطهر الطلاق، وإن لحظة فتحل بأول الحيضة الثالثة أو الرابعة إن طلقت لكحيض، وهل ينبغي أن لا تعجل برؤيته؟ تأويلان) أي واعتدت المعتدة بالأقراء بطهر الطلاق وإن لم يبق فيه إلا قدر لحظة ثم تحيض فبسبب ذلك تحل برؤية أول الحيضة الثالثة أو الرابعة إن طلقت في حيض أو نفاس والأمة بحسابها وهل ينبغي أي وهل يستحب ألا تعجل بالتزويج برؤية أول دم الثالث إذ لعل الدم لا يتمادى وهو قول أشهب أو لا يستحب وقيل قول أشهب تفسير وقيل خلاف.
قوله: (ورجع في قدر الحيض هنا هل هو يوم أو بعضه؟ وفي أن المقطوع ذكره أو أنثياه يولد له فتعتد زوجته أو لا؟ وما تراه اليائسة، هل هو حيض للنساء) إلى آخر المسائل الثلاث أي ويرجع إلى قول النساء في قدر الحيض في العدة هل هو يوم أو بعض يوم لأنه لا يسأل في كل حكم إلا من هو أهله وكذلك يرجع إلى قولهن في أن المقطوع ذكره أو مقطوع بعضه أو مقطوع أنثياه يولد له فتعتد زوجته أولا يولد له، فلا تعتد وكذلك يرجع إلى قولهن فيما تراه اليائسة من الدم هل هو حيض أم لا والمراد باليائسة هنا من شك فيها هل هي يائسة حقيقة أم لا وأما إن تحقق أنها يائسة فعدتها ثلاثة أشهر.
وقوله: للنساء متعلق بقوله: ورجع.
قوله: (بخلاف الصغيرة، إن أمكن حيضها، وانتقلت للأقراء) أي فإنها لا يسأل فيها النساء إذا رأت الدم بل هو حيض إن أمكن أن مثلها تحيض وإن كان ما رأته دفعة واحدة أي قطرة واحدة وانتقلت هذه الصغيرة إلى الاعتداد بالأقراء وإن لم يبق في الأشهر إلا يوما واحدا.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
قوله: (والظهر كالعبادة) أي وقدر الطهر في العدة كالطهر في العبادة أقله خمسة عشر يوما.
قوله: (وإن أتت بعدها بولد لدون أقصى أمد الحمل لحق به، إلا أن ينفيه بلعان) أي وإن أتت بعد العدة بولد لدون أقصى أمد الحمل لحق الولد به ولا يضرها إقرارها أن عدتها قد انقضت لأن الحامل تحيض إلا أن ينفيه بلعان.
نظر الشارح هنا إلى تغليب النادر على الغالب سترا لهن وصونا لعرضهن.
وفي أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي في الفرق التاسع والثلاثين والمائتين الفرق بين قاعدة ما اعتبر من الغالب وبين ما ألغي من الغالب وقد يعتبر النادر معه وقد يلغيان معا اعلم أن الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر وهو شأن الشريعة كما يقدم الغالب في طهارة المياء وعقود المسلمين ويقصر في السفر ويفطر بناء على غالب الحال وهو المشقة ويمنع شهادة الأعداء والخصوم لأن الغالب منهن الحيف وهو كثير في الشريعة لا يحصى كثرة، وقد يلغي الشارع الغالب رحمة للعباد وتقديمه قسمان قسم يعتبر فيه النادر وقسم يلغيان فيه معا وأنا أذكر من كل قسم مثلا ليتهذب بها الفقيه وينتبه إلى وقوعها في الشريعة فإنه لا يكاد يخطر ذلك بالباب لاسيما تقديم النادر على الغالب.
القسم الأول: ما ألغي فيه الغالب وقدم النادر عليه وأثبت حكمه دونه بالعباد، وأنا أذكر منه عشرين مثالا الأول غالب الولد أن يوضع لتسعة الشهر فإذا جاء بعد خمس سنين من امرأة طلقها زوجها دار بين أن يكون من زنى وهو الغالب وبين أن يكون تأخر في بطن أمه وهو نادر بالنسبة إلى وقوع الزنا في الوجود ألغى الشارع الغالب وأثبت حكم النادر وهو تأخر الحمل رحمة بالعباد لحصول الستر عليهم وصون أعراضهم عن الهتك.
الثاني: إذا تزوجت فجاءت بولد للستة أشهر جاز أن يكون من وطء قبل العقد وهو الغالب أو من وطء بعده وهو النادر فإن غالب الأجنة لا توضع إلا لتسعة أشهر وإنما يوضع في الستة سقطا في الغالب ألغى الشرع الغالب وأثبت حكم النادر وجعله من الوطء بعد العقد لطفا بالعباد لحصول الستر عليهم وصون الأعراض. وسد لباب ثبوت الزنى كما اشترط تعالى في ثبوته أربعة مجتمعين سدا لبابه حتى يبعد ثبوته وأمرنا أن لا نتعرض لتحمل الشهادة فيه وإذا تحملناها أمرنا بأن لا نؤدي بها وأن نبالغ في الستر على الزاني ما استطعنا بخلاف جميع الحقوق.
[ ٢ / ٤١٠ ]
الثالث: ندب الشرع النكاح لحصول الذرية مع أن الغالب على الأولاد الجهل بالله تعالى والإقدام على المعاصي وعلى رأي أكثر العلماء من لم يعرف الله تعالى بالبرهان فهو كافر، ولم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر كما حكاه الإمام في الشامل والإسفراييني، ومقتضى هذا أن ينهى من الذرية لغلبة الفساد عليهم فألغى الشرع حكم الغالب واعتبر حكم النادر ترجيحا لقليل الإيمان على كثير الكفر والمعاصي تعظيما لحسنات الخلق على سيئاتهم رحمة لهم.
الرابع: طين المطر الواقع في الطرقات وممر الدواب والمشي بالأمد سنة التي يجلس بها في المراحيض الغالب عليها وجود النجاسة من حيث الجملة وإن كنا لا نشاهد عينها والنادر سلامتها منها ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر توسعة ورحمة بالعباد فيصلي به من غير غسل.
الخامس: النعال الغالب عليها مصادفة النجاسات لاسيما نعل مشي بها سنة وجلس بها في مواضع قضاء الحاجة سنة ونحوها فالغالب نجاستها والنادر سلامتها من النجاسة ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب وأثبت حكم النادر فجاءت السنة بالصلاة في النعال حتى قال بعضهم إن قلع النعال في الصلاة بدعة كل ذلك رحمة وتوسعة للعباد.
السادس الغالب على ثياب الصبيان النجاسة لا سيما مع طول لبسهم لها والنادر سلامتها وقد جاءت السنة بصلاته ﷺ بابنة بنته ﷺ ويحملها في الصلاة إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد.
السابع: ثياب الكفار التي ينسجونها بأيديهم مع عدم تحرزهم من النجاسات فالغالب نجاسة أيديهم لما يباشرونه عند قضاء حاجة الإنسان وبما شرتهم الخمور والخنازير ولحوم الميتات وجميع أوانيهم نجسة بملابسة ذلك ويباشرون النجس والعمل مع بلة أيديهم وعرقها حالة العمل ويبلون تلك الأمتعة بالنشا وغيره مما يقوي لهم الخيوط ويعينهم على النجس فالغالب نجاسة هذا القماش والنادر سلامته عن النجاسة وقد سئل مالك ﵀ فقال: ما أدركت أحدا يتحرز من الصلاة في مثل هذا فأثبت الشارع حكم النادر وألغى حكم الغالب وجوز لبسه توسعة على العباد.
الثامن: ما يصنعه أهل الكتاب من الأطعمة في أوانيهم وبأيديهم الغالب نجاسته والنادر طهارته ومع ذلك أثبت الشرع حكم النادر وألغى حكم الغالب وجوز أكله
[ ٢ / ٤١١ ]
توسعة على العباد.
التاسع: ما يصنعه المسلمون الذين لا يصلون ولا يستنجون بالماء ولا يتحرزون من النجاسات من الأطعمة الغالب نجاستها والنادر سلامتها فألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر وجوز أكلها توسعة ورحمة على العباد.
العاشر: ما ينسجه المسلمون المتقدم ذكرهم الغالب عليه النجاسة وقد أثبت الشرع حكم النادر وألغى حكم الغالب وجوز الصلاة فيه لطفا بالعباد.
الحادي عشر: ما يصبغه أهل الكتاب الغالب نجاسته وهو أشد مما ينسجونه لكثرة الرطوبات الناقلة للنجاسة وألغى الشارع حكم هذا الغالب وأثبت حكم النادر فجوز الصلاة فيها لطفا بالعباد.
الثاني عشر: ما يصنعه العوام من المسلمين الذين لا يصلون ولا يتحرزون من النجاسات الغالب نجاسته والنادر سلامته فجوز الشرع الصلاة فيه تغليبا لحكم النادر على الغالب توسعة ولطفا بالعباد.
الثالث عشر: ما يلبسه الناس ويباع في الأسواق ولا يعلم لا بسه كافر أو مسلم يحتاط ويتحرز مع أن الغالب على أهل البلاد العوام والفلسفة مع تراك الصلاة فيها ومن لا يتحرز من النجاسات فالغالب نجاسة هذا الملبوس والنادر سلامته فأثبت الشارع حكم النادر وألغى حكم الغالب لطفا بالعباد.
الرابع عشر: الحصر والبسط التي قد اسودت من طول ما قد لبست يمشي عليها الحفات والصبيان ومن يصلي ومن لا يصلي الغالب مصادفتها للنجاسة والنادر سلامتها ومع ذلك قد جاءت السنة بأن رسول الله ﷺ قد صلى على حصير قد اسود من طول ما لبس بعد أن نضحه بماء والنضح لا يزيل النجاسة بل ينشرها فقدم الشرع حكم النادر على حكم الغالب.
الخامس عشر: الحفاة الغالب مصادفتهم النجاسة ولو في الطرقات ومواضع قضاء الحاجات والنادر سلامتهم منها ومع ذلك جوز الشرع صلاة الحافي كما جوز له الصلاة بنعله من غير غسل رجليه وقد كان عمر ابن الخطاب ﵁ يمشي حفيا ولا يعيب ذلك في صلاته لأنه رأى رسول الله ﷺ يصلي بنعله ومعلوم أن الحفاء أخف من تحمل النجاسة من النعال فقدم الشرع حكم النادر على الغالب توسعة على العباد.
السادس عشر: دعوى الصالح الولي التقي على الفاجر الشقي الغاصب الظالم
[ ٢ / ٤١٢ ]
درهما الغالب صدقه والنادر كذبه ومع ذلك قدم الشرع حكم النادر على الغالب وجعل الشرع القول قول الفاجر لطفا بالعباد بإسقاط الدعاوى عنهم واندراج الصالح مع غيره سدا لباب الفساد والظلم بالدعاوى الكاذبة.
السابع عشر: عقد الجزية لتوقع إسلام بعضهم وهو نادر والغالب استمرارهم على الكفر وموتهم عليه بعد الإستمرار فألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر رحمة بالعباد في عدم تعجيل القتل وحسم مادة الإيمان عنهم.
الثامن عشر: الاشتغال بالعلم مأمور به مع أن الغالب على الناس الرياء وعدم الإخلاص والنادر الإخلاص ومقتضى الغالب النهي عن الاشتغال بالعلم لأنه وسيلة للرياء ووسيلة المعصية معصية فلم يعتبره الشارع وأثبت حكم النادر.
التاسع عشر: المتداعيان أحدهما كاذب قطعا والغالب أن أحدهما يعلم كذبه والنادر أن يكون قد وقعت لكل واحد منهما شبهة وعلى التقدير الأول يكون تحليفه سعيا في وقوع اليمين الفاجرة المحرمة فيكون حراما غاليته أنه يعارضه أخذ الحق وإلجاؤه إليه وذلك إما مباح أو واجب وإذا العارض المحرم والواجب قدم المحرم ومع ذلك ألغي الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر لطفا بالعباد على تخليص حقوقهم وكذلك القول في اللعان الغالب أن أحدهما كاذب يعلم كذبه ومع ذلك يشرع اللعان.
العشرون: غالب الموت في الشباب قال الغزالي في الإحياء: ولذلك الشيوخ أقل يعني أنه لو كان الشباب تعيشون لصاروا شيوخا فيكثر الشيوخ فلما كان الشيوخ في الوجود أقل كان موت الإنسان شابا أكثر وحياته للشيخوخة نادرا ومع ذلك شرع صاحب الشرع التعمير في الغائبين إلى سبعين سنة إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد في إبقاء مصالحهم عليهم ونظائر هذا الباب كثيرة في الشريعة فينبغي أن تتأمل وتعلم فقد غفل عنها قوم في الطهارة فدخل عليهم الوسواس وهم يعتقدون أنهم على قاعدة شرعية وهي الحكم بالغالب فإن الغالب على الناس والأواني والكتب وغير ذلك مما يلابسونه النجاسة فيغسلون ثيابهم وأنفسهم من جميع ذلك بناء على الغالب وهو غالب كما قالوا ولكنه قدم النادر الموافق للأصل عليه وإن كان مرجوحا في النفس وظنه معدوم النسبة للظن الناشئ عن الغالب لكن لصاحب الشرع أن يضع في شرعه ما شاء ويستثني من قواعده ما شاء هو أعلم
[ ٢ / ٤١٣ ]
بمصالح عباده فينبغي لمن قصد إثبات حكم الغالب دون النادر أن ينظر هل ذلك الغالب مما ألغاه الشرع أم لا وحينئذ يعتمد عليه وأما مطلق الغالب كيف كان في جميع صوره فخلاف الإجماع.
القسم الثاني: ما ألغى الشارع النادر والغالب معا فيه وأنا أذكر منه إن شاء الله عشرين مثالا.
الأول: شهادة الصبيان في الأموال إذا كثر عددهم جدا الغالب صدقهم والنادر كذبهم ولم يعتبر الشرع صدقهم ولا قضى بكذبهم بل أهملهم رحمة بالعباد ورحمة بالمدعى عليه وأما في الجراح والقتل فقبلهم مالك وجماعة.
الثاني: شهادة الجمع الكثير من جماعة النسوان في أحكام الأبدان الغالب صدقهن والنادر كذبهن لاسيما مع العدالة وقد ألغى صاحب الشرع صدقهن فلم يحكم به ولا حكم بكذبهن لطفا بالمدعى عليه.
الثالث: الجمع الكثير من الكفار من الرهبان والأحبار إذا شهدوا الغالب صدقهم والنادر كذبهم فألغى صاحب الشرع صدقهم لطفا بالمدعى عليه ولم يحكم بكذبهم.
الرابع: شهادة الجمع الكثير من الفسقة الغالب صدعهم ولم يحكم الشارع به لطفا بالمدعى عليه ولم يحكم لكذبهم.
الخامس: شهادة ثلاث عدول في الزنا الغالب صدقهم ولم يحكم الشرع به سترا على المدعى عليه ولم يحكم بكذبهم بل أقام الحد عليهم من حيث إنهم قذفوه لا من حيث إنهم شهود زور.
السادس: شهادة العدل الواحد في أحكام الأبدان الغالب صدقه والنادر كذبه ولم يحكم الشرع بصدفه لطفا بالعباد ولطفا بالمدعى عليه ولم يكذبه.
السابع: حلف المدعي الطالب وهو من أهل الخير والصلاح الغالب صدقه والنادر كذبه ولم يقض الشارع بصدقه فيحكم له بيمينه بل لا بد من البينة ولم يحكم بكذبه لطفا بالمدعى عليه.
الثامن: رواية الجمع الكثير الخبر رسول الله ﷺ: من الأحبار والرهبان المتدينين المعتقدين لتحريم الكذب في دينهم الغالب صدقهم والنادر كذبهم ولم يعتبر الشرع صدقهم لطفا بالعباد وسدا لذريعة أن يدخل في دينهم ما ليس منه.
[ ٢ / ٤١٤ ]
التاسع: رواية الجمع الكثير من الفسقة بشرب الخمر وقتل النفس ونهب الأموال وهم رؤساء عظماء في الوجود كالملوك والأمراء ونحوهم الغالب عند اجتماعهم على الرواية الواحدة عن رسول الله ﷺ صدقهم فإن أتاهم وازع طبيعي يمنعهم الكذب وغيره لا تدينا ومع ذلك لا تقبل روايتهم صونا للعباد عن أن يدخل في دينهم ما ليس منه بل جعل الضابط العدالة ولم يحكم بكذب هؤلاء.
العاشر: رواية الجمع الكثير من الجاهلين للحديث النبوي الغالب صدقهم والنادر كذبهم ولم يحكم الشرع بصدقهم ولا بكذبهم.
الحادي عشر: أخذ السراق المتهمين بالتهم وقرائن أحوالهم كما يفعله الأمراء اليوم دون الإقرار الصحيح والبينات المعتبرة الغالب مصادفته للصواب والنادر خطؤه ومع ذلك ألغاه الشرع صونا للأعراض والأطراف عن القطع.
الثاني عشر: أخذ الحاكم بقرائن الأحوال من التظلم وكثرة الشكوى والبكاء مع كون الخصم مشهورا بالفساد والعناد الغالب مصادفته للحق والنادر خطؤه ومع ذلك منعه الشرع منه وحرمه ولا يضر الحاكم ضياع حق لا بينة عليه.
الثالث عشر: الغالب على من وجد بين فخذي المرأة وهو متحرك حركة الواطئ وطال الزمان في ذلك أنه قد أولج والنادر عدم ذلك فإذا شهد عليه بذلك ألغى الشارع هذا الغالب سترا على عباده ولم يحكم بوطئه ولا بعدمه.
الرابع عشر: شهادة العدل المبرز لولده الغالب صدقه والنادر كذبه وقد ألغاه الشارع وألغى كذبه ولم يحكم بواحد منهما.
الخامس عشر: شهادة العدل المبرز لوالده الغالب صدقة ولم يحكم الشرع بصدقه ولا بكذبه بل ألغاهما جملة.
السادس عشر: شهادة العدل المبرز على خصمه الغالب صدقه وقد ألغى الشارع صدقه وكذبه.
السابع عشر: شهادة الحاكم على فعل نفسه إذا عزل وشهادة الإنسان لنفسه مطلقا إذا وقعت من العدل المبرز الغالب صدقه وقد ألغاه الشارع في صدقه وكذبه.
الثامن عشر: حكم القاضي لنفسه وهو عدل مبرز من أهل الورع والتقوى الغالب أنه إنما حكم بالحق والنادر خلافه وقد ألغى الشرع ذلك الحكم ببطلانه وصحته معا.
[ ٢ / ٤١٥ ]
التاسع عشر: القرء الواحد في العدة الغالب معه براءة الرحم والنادر شغله ولم يحكم الشارع بواحد منهما حتى ينضاف إليه قرآن.
العشرون: من غاب عن امرأته سنين ثم طلقها أو مات عنها الغالب براءة رحمها والنادر شغله بالولد وقد ألغاهما صاحب الشرع معا وأوجب عليها استيناف العدة بعد الوفاة أو الطلاق لأن وقوع الحكم قبل سببه غير معتد به ونظائره في الشرع كثيرة من الغالب ألغاه صاحب الشرع ولم يعتبره وتارة بالغ في إلغائه فاعتبر نادره دونه كما تقدم بيانه فهذه أربعون مثالا قد سردتها في ذلك من أربعين جنسا فهي أربعون جنسا قد ألغيت فإن قلت أنت تعرضت للفرق بين ما ألغي منه وما لم يلغ ولم تذكره بل ذكرت أجناسا ألغيت خاصة فما الفرق وكيف الاعتماد في ذلك قلت: الفرق في ذلك المقام لا يتيسر على المبتدئين ولا على ضعفة الفقها وكذلك ينبغي أن يعلم أن الأصل اعتبار الغالب وهذه الأجناس التي ذكرت استثناؤها على خلاف الأصل وإذا وقع لك غالب ولا تدري هل هو من قبيل ما ألغي أو من قبيل ما اعتبر فالطريق في ذلك أن تستقري موارد النصوص والفتاوى استقراء حسنا مع أنك تكون حينئذ واسع الحفظ جيد الفهم فإذا لم يتحقق لك إلغاؤه فاعتقد أنه معتبر وهذا الفرق لا يحصل إلا لمتسع في الفقهيات والموارد الشرعية وإنما أوردت هذه الأجناس حتى لا تعتقد أن الغالب وقع معتبرا شرعا ونجزم أيضا بشيئين:
أحدهما: أن قول القائل إذا دار الشيء بين النادر والغالب فإنه يلحق بالغالب.
وثانيهما قول الفقهاء: إذا اجتمع الأصل والغالب فهل يغلب الأصل على الغالب أو الغالب على الأصل قولان فقد ظهر لك أجناس كثيرة اتفق الناس فيها على تقديم الأقل وألغاه الغالب في القسم الأول الذي اعتبرنا رده فلا تكون تلك الدعوى على عمومها وقد أجمع الناس أيضا على تقديم الغالب على الأول في أمر البينة فإن الغالب صدقها والأصل براءة الذمة ومع ذلك تقدم البينة إجماعا فهو تخصيص لعموم تلك الدعوى فهذا هو المقصود من بيان هذا الفرق والتنبيه على هذه المواطن. انتهى (^١).
قوله: (وتربصت إن ارتابت به، وهل خمسا أو أربعا؟ خلاف) أي وتربصت كل معتدة إن ارتابت بالحمل وهل هذا التربص بخمس سنين أو أربع فيه خلاف.
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٤، ص ١٠١ - ١٠٦، الفرق التاسع والثلاثون والمائتان
[ ٢ / ٤١٦ ]
وقيل: إلى سبع سنين. وقيل: إلى الأبد وهو الذي يظهر في المدونة.
قوله: (وفيها لو تزوجت قبل الخمس بأربعة أشهر فولدت لخمسة لم يلحق بواحد منهما، وحدت واستشكلت) أي وفي المدونة لو تزوجت المرتابة بحس البطن قبل خمس سنين بأربعة أشهر فولدت لخمسة اشهر من يوم نكحت لم يلحق بواحد منهما لأنه زاد على خمس سنين ونقص عن ستة أشهر واستشكلت المسألة في الحد ونفي الولد ويفسخ النكاح لأنه نكح حاملا.
قوله: (وعدة الحامل في طلاق أو وفاة وضع حملها كله وإن دما اجتمع) أي وإن كان الحمل دما اجتمع وإن تعدد الحمل إن قال النساء أن الدم المجتمع ولد وإن شككن فيه صب عليه ماء سخن فإن كان دما انحل وإن كان ولدا انعقد وكل ما تنقضي به العدة ينقضي به الاستبراء وتكون الأمة به أم ولد وتثبت به الغرة في الجنين.
وفي ابن شاس: وهذا إذا كان الحمل ممن تكون منه العدة أو يحتمل أن تكون منه كالمنفي باللعان.
أما المنفي قطعا كولد الزنا، أو ما تضعه المعتدة من وفاة الصبي أو الممسوخ ذكره وأنثياه فلا تنقضي به العدة.
ولو أتت زوج البالغ بولد لأقل من ستة أشهر، فلا يلحق به، ولا تنقضي به العدة. انتهى (^١).
قوله: (وإلا فكالمطلقة إن فسد) أي وإن لم تكن المتوفى عنها حاملا فكالمطلقة إن كان نكاحها فاسدا فهذا فساد مجمع عليه فإن فسخ قبل البناء فلا عدة عليها وإن كان الفسخ بعد البناء فإنها تستبرئ بثلاثة أقراء وإن لم يجمع على فساده فعليها أقصى الأجلين.
قوله: (كالذمية تحت ذمي) تشبيه لإفادة الحكم أي كما تعتد الذمية كانت تحت ذمي بالأقراء إن دخل وإلا فلا عدة واحترز بقوله: تحت ذمي مما إذا كانت تحت مسلم فإنها تجبر في الوفاة على أربعة أشهر وعشر.
قوله: (وإلا فأربعة أشهر وعشر) أي وإن لم يكن النكاح فاسدا بل صحيحا فعدتها أربعة أشهر وعشرا (وإن) كانت (رجعية) لأنها كالزوجة لأنها تنتقل إلى عدة الوفاة.
قوله: (إن تمت قبل زمن حيضتها) أي بأن تمت الأربعة الأشهر وعشرا قبل زمان
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٥٧٤.
[ ٢ / ٤١٧ ]
حيضتها بأن لا تحيض عادة في مثل هذه المدة.
وقوله: (وقال النساء لا ريبة بها) شرط ثان.
قوله: (وإلا انتظرتها) أي وإن لم تتم الأربعة أشهر وعشرا وقال النساء بها ريبة انتظرت الحيضة (إن دخل بها) أو تسعة أشهر.
قال صاحب إكمال الإكمال: قد قيل إن الحكمة في كون عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا لتحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة لو كان حملا لظهر لأن نفخ الملك الروح لتمام أربعة أشهر. انتهى (^١).
قوله: وإلا انتظرتها أي وإن لم تتم الأربعة أشهر قبل زمن حيضتها وقال النساء بها ريبة انتظرت الحيضة إن دخل بها.
قوله: (وتنصفت بالرق) أي وتنصفت الأربعة الأشهر وعشرا بسبب الرق وإن قل.
قوله: (وإن لم تحض فثلاثة أشهر، إلا أن ترتاب فتسعة) أي وإن لم تحض الأمة في تلك المدة فعدتها ثلاثة أشهر إن دخل بها إلا أن ترتاب فتكون عدتها تسعة أشهر لبراءة الرحم من الحمل.
وقوله: (ولمن وضعت غسل زوجها، ولو تزوجت) قد تقدم في فصل الجنازة. غفل الشارح هنا الله.
قوله: (ولا ينقل العتق لعدة الحرة، ولا موت زوج ذمية أسلمت) أي ولا ينقل العتق عدة الأمة إلى عدة الحرة لأن العتق لا يوجب شيئا وكذلك إن مات زوج ذمية فإن زوجته لا تنتقل إلى عدة الوفاة إذا أسلمت لأنها بائنة منه بإسلامها وإنما كان أحق بها إذا أسلم استيلافا للإسلام لا لأنها رجعية.
قوله: (وإن أقر بطلاق متقدم استأنفت العدة من إقراره) أي وإن أقر الزوج بطلاق زوجته في زمان متقدم فلا يصدق لأنه يتهم على إسقاط حق الله تعالى في العدة بل تستأنف العدة من إقراره لحق الله تعالى ولحقها هي وقد تقدم مثل هذا في باب الخلع في قوله والإقرار به فيه كإنشائه.
قوله: (ولم يرثها إن انقضت على دعواه، وورثته فيها، إلا أن تشهد بينة له) أي وإن ماتت هذه المرأة لم يرثها إن انقضت عدتها على دعواه لأنه مقر أن عدتها قد
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٥، ص: ٢٤٠ - ٢٤١.
[ ٢ / ٤١٨ ]
انقضت وترثه هي إن ماتت في العدة التي استأنفتها إلا أن تصدقه المرأة فلا ترثه. وكذلك إن قامت له بينة على ما قال فلا تستأنف العدة ولا ترثه فالعدة من يوم الطلاق.
ابن شاس: ومن طلق إحدى زوجتيه، فمات قبل البيان، فعلى إحداهما عدة الطلاق، وعلى الأخرى عدة الوفاة، فعلى كل واحدة منهما أقصى الأجلين إن كن من ذوات الإقراء وإن كن من ذوات الأشهر فتكفيهن أربعة أشهر وعشرة أيام. انتهى (^١).
قوله: (ولا يرجع بما أنفقت المطلقة، ويغرم ما تسلفت بخلاف المتوفى عنها والوارث) أي ولا يرجع الزوج عليها بما أنفقت من ماله بعد الطلاق وقبل علمها به لأن الزوج مفرط فإن تسلفت ما أنفقت به على نفسهما فإنها ترجع عليه بخلاف ما أنفقت على نفسها من مالها فلاترجع به.
قوله: بخلاف المتوفى عنها والوارث أي فإنهما يغرمان ما أنفقا على أنفسهما من التركة قبل علمهما بموت الموروث.
قوله: (وإن اشتريت معتدة طلاق فارتفعت حيضتها حلت إن مضت سنة للطلاق وثلاثة للشراء) أي وإن اشتريت أمة معتدة في طلاق فارتفع عنها الحيض فإنها تحل لمبتاعها أو لمن أراد نكاحها إن مضت لها سنة من يوم الطلاق وثلاثة أشهر من يوم الشراء وذلك أقصى الأجلين.
قوله: (أو معتدة من وفاة) أي وإن اشتريت معتدة من وفاة (ف) عدتها (أقصى الأجلين) شهران وخمس ليال أو حيضة.
قوله: (وتركت المتوفى عنها فقد، وإن صغرت ولو كتابية ومفقودا زوجها التزين) هذا شروع منه الله في الإحداد والإحداد هو المنع أي منعت نفسها من التزين والمتوفى عنها يحفظها الإحداد والمطلقة يحفظها الزوج أي وتترك المتوفى عنها فقط وإن كانت صغيرة في المهد ولو كانت كتابية تحت مسلم ومات عنها أو مفقود زوجها التزين (بالمصبوع ولو أدكن، إن وجد غيره، إلا الأسود) فإنها لا تترك لبسه إلا أن يكون هو الزينة عندهم فتتركه وقيل لا يلزم الإحداد امرأة المفقود لاحتمال الحياة واختلف في أربع هل عليهن إحداد أم لا امرأة المفقود والكتابية والمتزوجة في
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٥٧٧.
[ ٢ / ٤١٩ ]
المرض والمنكوحة نكاحا فاسدا. انتهى.
قوله: (والتحلي، والتطيب) أي وكذلك تترك المتوفى عنها لبس الحلي ومس الطيب (وعمله والتجر فيه) إلا أن تغتسل من الحيض فيجوز لها أن تتبخر بالقسط وهو عود الهندي لتزيل به رائحة الدم واحترز بقوله: فقط من المطلقة فإنها لا يلزمها أن تترك شيئا من ذلك.
قوله: (والتزين، فلا تمتشط بحناء أوكتم بخلاف نحو الزيت والسدر، واستحدادها ولا تدخل الحمام ولا تطلي جسدها ولا تكتحل، إلا لضرورة وإن بطيب، وتمسحه نهارا) أي وكذلك تترك التزين بغير اللباس والتزين المتقدم ذكره في اللباس فبسبب أنها تترك التزين من غير اللباس فلا تمتشط بحناء أو بكتم بخلاف نحو الزيت والسدر فإنها تمتشط به ويجوز أن تستحد أي تحلق شعر عانتها ويجوز أن تنظر في المرآة ولكن لا تدخل الحمام ولا تطلي جسدها بنورة ولا غيرها ولا تكتحل إلا لضرورة فتكتحل به وإن فيه طيب ولكن تمسحه نهارا ومسحه نهارا ليس في المدونة ونقله محمد عن مالك. انتهى.
وفي ابن ناجي على الرسالة: سمع أشهب وابن نافع من توفي عنها زوجها وقد امتشطت انتقض شعرها قال: لا أرأيت لو كانت مختضبة كيف تصنع قال ابن نافع: وهورأي.
قال ابن رشد يريد أنها امتشطت بغير طيب ولو كانت بطيب لوجب عليها غسله كما يجب على الرجل إن أحرم وهو متطيب غسل طيبه.
قال بعض شيوخنا: إذا لزمتها العدة وعليها طيب فليس عليها غسله بخلاف من أحرم وعليه طيب.
قال عبد الحق: يحتمل أن يفرق بينهما بأن المحرم أدخل الإحرام على نفسه فلو شاء لنزع الطيب قبل أن يحرم وبأن ما دخل على المرأة من وفاة زوجها والإهتمام به شغلا لها عن الطيب. انتهى ما نقله ابن ناجي في شرحه على الرسالة (^١) واختلفوا في الحامل تزيد على أربعة أشهر وعشر وقيل لا يلزمها في الزيادة إحداد.
وقال بعض أصحابنا عليها إحداد حتى تضع. انتهى من إكمال الإكمال.
_________________
(١) شرح الرسالة لابن ناجي: ج ٢، ص: ٩٠.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
فصل [في مسائل زوجة المفقود]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل المفقود ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (ولزوجة المفقود الرفع للقاضي، والوالي، ووالي الماء) أي مدخولا بها وغير مدخول بها الرفع في أمرها للقاضي والوالي وإن كان والي الماء وهو الساعي.
قوله: (وإلا فلجماعة المسلمين، فيؤجل الحر أربع سنين، إن دامت نفقتها) أي وإن لم يكن أحد من هؤلاء فلها أن ترفع لجماعة المسلمين اثنان فأكثر فتؤجل أربع سنين إن كان للزوج مال يفدي فيه نفقتها دائما وإن لم يكن له ذلك فلها أن تقوم بالنفقة وإن كان غير مدخول بها فيفرض لها الحاكم النفقة كما يفرضها على الغالب وقيل لا يفرضها على المفقود وقيل أن علة التأجيل بأربع سنين أن الكشف عن أمره يصل إلى منتهى الجهات الأربع وقيل لعمل الصحابة ﵁.
قوله: (والعبد نصفها) أي ويؤجل العبد نصف الأربع وقيل هو كالحر والشاذ هنا أظهر من المشهور وكذلك في الإعتراض والإيلاء.
قوله: (من العجز عن خبره) إنما يكون التأجيل بالأربع سنين من يوم العجز عن خبره وقيل يوم الرفع.
قوله: (ثم اعتدت كالوفاة، وسقطت بها النفقة. ولا تحتاج فيها الإذن) أي فإذا تم التأجيل فإنها تعتد كعدة الوفاة في القدر والإحداد وتسقط نفقتها في هذه العدة لأنها عدة الوفاة ولا تحتاج لإذن الإمام بهذه العدة بل إذا انقضت مدة التأجيل فإنها تبتدء عدة الوفاة.
قوله: (وليس لها البقاء بعدها) أي وليس لها البقاء في عصمة المفقود بعد تمام العدة وقال بعضهم: بعد الشروع فيها.
قوله: (وقدر طلاق يتحقق بدخول الثاني) أي وقدر طلاق عند إرادة العدة ولكن يتحقق وقوع هذا الطلاق بدخول الزوج الثاني إذ لو جاء قبل الدخول لرجعت إليه ولو دخل بها وقال لم أطأها فلا تحل له لأنه قد أقر بعدم الدخول بعد مجيء الأول ولا تحل للأول إلا بعد الإستبراء إذ لا يصدق الثاني في عدم الوطء.
قوله: (فتحل للأول إن طلقها اثنتين) أي فبسبب ذلك تحل للأول إن كان قد
[ ٢ / ٤٢١ ]
طلقها طلقتين فتكون هذه الطلقة ثالثة ثم تزوجت بعدها ودخل بها.
قوله: (فإن جاء أو تبين أنه حي أو مات فكالوليين، وورثت الأول إن قضي له بها) أي فإن جاء هذا المفقود أو تبين أنه حي أو تبين أنه مات بعد العقد وقبل الدخول فحكمها حكم من زوجها وليين فإن دخل بها الثاني ولم يعلم أنه ثان فهي له وإلا فهي للأول وورثت الأول إن مات إن قضى له بها في وقت يحكم له بها مثل أن يموت قبل خروجها من العدة التي أمرت بها لأنه لو قدم لكان أحق بها فإن كان موته في العدة فإنها ترثه اتفاقا فإن مات بعدها أي بعد انقضاء العدة ترثه على خلاف المعروف خلافا لابن نافع وإن مات بعد العدة وقبل دخول الثاني وورثته على قول مالك المرجوع إليه لا على المرجوع عنه.
قوله: (ولو تزوجها الثاني في عدة وفاة فكغيره) أي فإن ثبت أن الثاني تزوجها في عدة المفقود فهو كمن تزوج في العدة فإن نكاحه يفسخ وتحرم عليه للأبد إن وطئها في العدة.
قوله: (وأما إن نعي لها، أو قال: عمرة طالق مدعيا غائبة فطلق عليه ثم أثبته، وذو ثلاث وكل وكيلين، والمطلقة لعدم النفقة، ثم ظهر إسقاطها، وذات المفقود تتزوج في عدتها فيفسخ، أو تزوجت بدعواها الموت أو بشهادة غير عدلين فيفسخ، ثم يظهر أنه كان على الصحة فلا تفوت بدخول) إلى آخره لما فرغ علله من المسائل التي تفوت فيها بالدخول شرع يذكر المسائل التي لا تفوت فيها بالدخول.
فالأولى: من نعي لها زوجها الغائب فاعتدت بذلك عدة الوفاة ثم تزوجت ودخل بها ثم أتى زوجها الأول فإنها ترد إليه.
الثانية: من له زوجة اسمها عمرة ولم تعرف وله زوجة أخرى وقال عمرة طالق فطلقت عليه وقال لم أرد هذه إنما أردت امرأة لي غائبة اسمها عمرة فأقام بينة بعد أن تزوجت رجلا آخر أنه له زوجة أخرى تسمى عمرة فإن امرأته ترد إليه ولو دخل بها الثاني.
الثالثة: من وكل وكيلين وهو ذو ثلاث زوجات فزوجه كل من الوكيلين امرأة فدخل بالأخيرة منهما فإن نكاحها يفسخ لأنها خامسة ويصح نكاح الرابعة.
الرابعة: المطلقة لعدم النفقة فتزوجت ثم تبين إسقاط النفقة عن الزوج أو كان ترك لها النفقة أو أرسلها إليها فإنها ترد للأول ولو دخل بها الثاني.
الخامسة: المرأة تزوج في عدتها الحكمية في العقد وفسخ نكاحها ثم تبين أن
[ ٢ / ٤٢٢ ]
عدتها منه كانت انقضت بموت المفقود قبل ذلك فإنها ترد إلى زوجها الذي تزوجها لأن الحال قد انكشفت أنها ليست بمعتدة.
السادسة: إن تزوجت بدعواها موت زوجها أو تزوجت بسبب شهادة غير عدلين أن زوجها مات فيفسخ نكاحها ثم يظهر أن النكاح كان على الصحة.
قوله: ثم يظهر أنه كان على الصحة راجع على المسائل الثلاث الأخيرات التي فسخ فيها النكاح كما إذا تبين أن المفقود مات وانقضت عدتها منه قبل تزويجها ولو تزوجت ثالثا فإنه يفسخ نكاحه وترد إلى زوجها الثاني الذي فسخ نكاحه بسبب أنه تزوجها بدعواها موت زوجها أو بسبب شهادة غير عدلين أو تزوجها في عدتها الحكمية ولا تفوت بالدخول وكذلك نصرانية أسلمت فأثبت الزوج إسلامها في عدتها وكذلك المعتقة تحت العبد فأثبت أنه عتق قبل عتقها فإنها ترد لزوجها.
قوله: (والضرب لواحدة ضرب لبقيتهن) أي وضرب الأجل لواحدة من نساء المفقود ضرب لبقيتهن كالمفلس (وإن أبين) كما سيأتي في التفليس.
قوله: (وبقيت أم ولده، وماله، وزوجة الأسير، ومفقود أرض الشرك للتعمير، وهو سبعون، واختار الشيخان ثمانين، وحكم بخمس وسبعين) أي وتبقي أم ولد المفقود على حالها إلى التعمير إن أدامت نفقتها وإلا عتقت وكذا ماله لا يورث إلى التعمير وهو سبعون سنة وهو قول مالك والله أعلم أن المصنف اختاره واختار الشيخان: أبو محمدو والقابسي أنه ثمانون سنة وحكم بخمس وسبعين.
قال ابن العطار: أن ذلك هو الحكم عندهم وبه كان يحكم ابن زرب.
قوله: وزوجة الأسير ومفقود أرض الشرك أي وكذلك تبقى زوجة الأسير ومفقود أرض الشرك إلى التعمير لأن الإمام لا يصل إلى كشف حاله في بلاد العدو وهذا إذا دامت نفقتها وإلا فلها التطليق بالنفقة والذي تقدم هو مفقود في بلاد الإسلام. انتهى ابن ناجي.
وفي التوضيح والعبد الآبق والمطلوب بدم حكمهما حكم المفقود.
وقد نص أبو محمد على ذلك، وكذلك قال مالك فيمن هرب بمال زوجته أنه يضرب له أجل المفقود.
اللخمي وأرى أن تطلق بخلاف المفقود لأنهم فروا اختيارا، ومعلوم أنهم
[ ٢ / ٤٢٣ ]
قاصدون للتخلف عن الرجوع، وحالهم بين ميت ومختار الإقامة. انتهى (^١) (^٢).
وأما من فقد في زمن الطاعون فيحكم فيه بحكم الموت ناجزا وكذلك حكم البادية ينتجعون في الشدائد من ديارهم إلى غيرها ثم يفقدون نص عليه اللخمي. انتهى.
وإذا كان بيد المفقود وديعة أو قراض فلا يحكم لصاحبها بها حتى يحكم بتمويته بخلاف دين في ذمته لاحتمال أنه لو حضر لادعى الضياع أو الخسارة في القراض.
قوله: (وإن اختلف الشهود في سنه فالأقل، وتجوز شهادتهم على التقدير أي فإن اختلف الشهود في سن المفقود فالحكم على الأقل لأنه المحقق وتجوز شهادتهم على التقدير ويؤخذ منها بالأقل كما تقدم.
قوله: (وخلف الوارث حينئذ) أي ويحلف الوارث إذا كان ممن يظن به العلم حيث شهادة الشهود على التقدير وإن لم يظن به العلم فلا يمين عليه.
قال ابن ناجي: قال ابن الهندي (^٣): وإذا أثبت الحاكم موته بالتعمير، وأراد الورثة قسم ماله، فلا بد له من إيمانهم على مبلغ سنة، لأن البينة إنما شهدت بالتقدير ولو شهدت بتاريخ الولادة لم يكن عليهم يمين. انتهى.
قوله: (وإن تنصر أسير فعلى الطوع) أي فإنه يحمل على الطوع لأن الأصل في أفعال العقلاء على الطوع وكذلك أقوالهم فإن شهدت بينة على الطوع وأخرى على الإكراه قضى بالإكراه لأنها حفظت الزيادة.
وقوله: فعلى الطوع وعليه إن فرق بينه وبين زوجته ثم جاء فهل كالمفقود أو كزوج المنعي لها زوجها فيه خلاف.
قوله: (واعتدت في مفقود المعترك بين المسلمين بعد انفصال الصفين) أي وتعتد امرأة المفقود في المعترك بين المسلمين بعد انفصال الصفين وهو قول مالك وهو أحد التفسيرين ابن رشد: هذا إذا أرى في المعترك وإلا فهو مفقود.
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٥، ص: ٢٢٤٢ - ٢٢٤٣.
(٢) التوضيح: ج ٥، ص: ٩٠.
(٣) احمد بن سعيد بن ابراهيم الهمداني، المعروف بابن الهندي (أبو عمر) فقيه، حافظ لأخبار أهل الأندلس، بصير بعقد الوثائق. ولد لعشر بقين من المحرم سنة: ٣٢٠ هـ، وتوفي في رمضان سنة: ٣٩٩ هـ. من مؤلفاته: كتاب في علم الشروط. الأعلام للزركلي: ج ١، ص: ٢٣٢.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
قوله: (وهل يتلوم ويجتهد؟ تفسيران) أي وهل يستقصي في استبراء امرأة وهو قول أصبغ ويجتهد في الاستبراء فيه تفسيران وليس في هذا المختصر لفظ تفسيران إلا هنا.
قوله: (وورث ماله حينئذ) أي ويورث ماله حين انفصال الصفين أو بعد التلوم بالاستقصاء.
قوله: (كالمنتجع لبلد الطاعون، أو في زمنه) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يحكم بالموت ناجزا على المنتجع إلى بلد وقع فيه الطاعون أو انتجع في زمن الطاعون.
قوله: (وفي الفقد بين المسلمين والكفار بعد سنة بعد النظر) أي فإن فقد في المعترك بين المسلمين والكفار فإنها تعتد بعد مضي سنة كائنة بعد النظر والبحث عن خبره وروي أنه كالأسير.
قوله: (وللمعتدة المطلقة أو المحبوسة بسببه في حياته السكنى) أي وللمعتدة المطلقة السكنى بائنا كانت أو رجعية على زوجها وأخرج الحاكم الزوج عنها.
قال البرزلي: فإن أرادت أن تكون مع أمها أو قريبتها فلها ذلك ولا تترك وحدها للمشاور ليس لها أن تسكن مع نفسها أكثر من واحدة ويجوز للزوج أن يسكن معها في دار امرأة إن كان له فيها متاع فإن لم يجد فعليه إخراج متاعه. انتهى.
وكذلك المحبوسة بسببه لها السكنى في حياة الزوج وهذا من باب عطف العام على الخاص وذكر ذلك ليشمل من فسخ نكاحها لفساده لأنها محبوسة بسببه في الاستبراء وكذلك الملاعنة عنه على المشهور، وقيل لا سكنى لها واختاره ابن رشد لانقطاع الزوجية وأسبابها بينهما. انتهى.
واحترز بقوله في حياته مما إذا لم يعثر على فساد النكاح إلا بعد ممات الزوج فإنها لا يكون لها السكنى في مدة الاستبراء.
قوله: (وللمتوفى عنها إن دخل بها، والمسكن له أو نقد كراءه، لا بلا نقد) أي ولزوجة المتوفى عنها السكنى إن دخل بها وكان المسكن له أو ليس له ولكن نقد كراءه فإن لم ينقد الكراء فلا سكنى عليه بل تدفع هي الكراء ولا تخرج وإليه أشار بقوله: لا بلا نقد.
وقوله: (وهل مطلقا؟ أو إلا الوجيبة؛ تأويلان) أي وهل لا يلزمه مطلقا سواء كان الكراء مشاهرة أو مدة معينة وعليه حمله الباجي وغيره أو لا يلزمه السكنى إلا في الوجيبة فيلزمه وإن لم ينقد فيه تأويلان على المدونة.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
والوجيبة كراؤه إلى أمد معين.
قوله: (ولا إن لم يدخل) أي وكذلك لا سكنى لها عليه إن لم يدخل بها (إلا أن يسكنها) قبل موته معه.
وقوله: (إلا ليكفها، وسكنت) أي فإن أسكنها ليكفها فمات فإنها لا سكنى لها، وحيث لها السكني تسكن (على ما كانت تسكن) في حال حياة الزوج ويؤخذ من هذا أن من سكنت زوجها لا سكنى لها وقيل لها كراء المسكن لأن المكارمة التي كانت بينهما انقطعت بالطلاق.
قوله: (ورجعت له إن نقلها واتهم. أو كانت بغيره وإن بشرط في إجارة رضاع، وانفسخت) أي وكذلك ترجع إلى المسكن الذي كانت فيه إن نقلها منه قبل الطلاق واتهم على إسقاط حق الله تعالى الذي هو السكنى وكذلك ترجع إلى المسكن الأول إذا كانت بغيره حين الطلاق وإن كان ذلك بشرط عليها حين استؤجرت لرضاع وأحرى بغير شرط وتنفسخ الإجارة إلا أن يرضى ولي الطفل بذلك.
قوله: (ومع ثقة إن بقي شيء من العدة، إن خرجت صرورة فمات، أو طلقها في كالثلاثة الأيام) أي وترجع مع ثقة مأمون إلى منزل سكناها إن بقي شيء من العدة ظاهره ولو يوما واحد بأن خرجت للحج في فرض وهي ضرورة فمات الزوج أو طلقها في مقدار ثلاثة أيام ونحوها بناء على أن الحج على التراخي وأما ما هو أكثر من مسافة كالثلاثة الأيام فلا ترجع فإن لم تجد ثقة ترجع معه إلى منزل سكناها فإنها ترجع إلى أقرب موضع يمكن فيه الإعتداد.
قوله: (وفي التطوع أو غيره إن خرج لكرباط، لا لمقام وإن وصلت) أي وإن خرجت لحجة التطوع فإنها ترجع وإن وصلت وكذلك إذا خرجت لغير الحج كالسفر للرباط أو زيارة والد أو صالح فإنها ترجع وإن وصلت إلى المكان المقصود.
قوله: (والأحسن ولو أقامت نحو الستة أشهر. والمختار خلافه) أي والأحسن من الأقوال أن ترجع ولو أقامت في المكان نحو ستة أشهر وهو قول ابن عبد الحكم واختار اللخمي خلاف الأحسن وهو عدم الرجوع.
قوله: (وفي الانتقال تعتد بأقربهما أو أبعدهما أو بمكانها، وعليه الكراء راجعا) أي وإن مات الزوج أو طلق وهي في سفر الانتقال فإنها تعتد بأقرب المكانين إليها إن شاءت أو في أبعدهما إن شاءت أو بمكانها إن شاءت لأن الزوج لا قرار له إن أمكن فيه الاعتداد وحيث ترجع في الطلاق على الزوج كراء الرجوع لأنها رجعت لأجله.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
قوله: (ومضت المحرمة أو المعتكفة) يعني أن المسافرة للحج ترجع إلا أن تحرم فإنها تتمادى على إحرامها وكذلك إذا صادفها الطلاق أو الموت وهي معتكفة فإنها لا تخرج بل تتمادى على اعتكافها.
قوله: (أو أحرمت وعصت) أي وكذلك تمضي على إحرامها إذا طلقها أو مات عنها قبل الإحرام وخالفت الشرع فأحرمت فإنها تتمادى على إحرامها ولكن عاصية الله تعالى وأما المعتكفة إذا دخلت في الاعتكاف بعد الموت أو الطلاق فإنها لا تتمادى بل ترجع إلى مسكنها.
قوله: (ولا سكنى لأمة لم تبوأ) أي وحيث لا سكنى لأمة لم تبوأ أي لم تلزم المسكن مع زوجها مفهومه لو تبوأت لكان لها السكني.
قوله: (ولها حينئذ الإنتقال مع سادتها) أي وحيث لا سكنى لها فلها الإنتقال مع ساداتها.
قوله: (كبدوية ارتحل أهلها فقط) تشبيه أي كما للبدوية أن تنتقل مع أهلها إذا ارتحلوا لا مع أهل الزوج لما يلحقها من المشقة عند انقضاء العدة إلا أن يكون ليس لها أهل فإنها ترتحل مع أهل الزوج وتعتد البدوية في خيمتها فإن رحل الناس رحلت معهم وذلك للضرورة.
القلشاني: قال ابن عرفة: وسئلت عمن ماتت فأراد زوجها دفنها في مقبرته وأراد عصبتها دفنها في مقبرتهم فأجبت بأن القول قول العصبة أخذه من هذه المسألة لعدم النص بها. انتهى.
قوله: (أو لعذر لا يمكن المقام معه بمسكنها، كسقوطه أوخوف جار سوء) أي وللمعتدة الانتقال لأجل عذر لا يمكن معه المقام في المسكن ويكون ذلك لكخوف سقوط الدار أو لخوف جار سوء.
وفي الشرح الكبير: وإن رفعت إلى الحاكم للشر وقع بينها وبين جيرانها أو من يسكن معها فإن كان الشر منها أخرجت عنهم وفي مثل هذا جاء الحديث في فاطمة بنت قبيس أنه قال لها السلام: ليس لك عليه سكنى قالوا لأنها امرأة لسنة على الجيران وإن كان الشر من غيرها أخرجوا عنها وإن أشكل الأمر أقرع على من يخرج. انتهى.
قوله: (ولزمت الثاني والثالث) أي فإن انتقلت لأجل عذر لزمت المسكن الثاني الذي انتقلت إليه فإن انتقلت منه أيضا لأجل بيان عذر لزمت الثالث ثم كذلك.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
قوله: (والخروج في حوائجها طرفي النهار) أي وللمعتدة في الطلاق والوفاة الخروج في حوائجها طرفي النهار أي فتخرج عند آخر الليل وترجع أول الليل فسماه طرفي النهار لأنهما أطراف النهار.
قوله: في حوائجها مفهومه لا تخرج في غير الحاجة والمفهوم صحيح.
قوله: (لا لضرر جوار لحاضرة، ورفعت للحاكم، وأقرع لمن يخرج إن أشكل) أي فلا تنتقل المعتدة في حاضرة لأجل ضرر جار بل ترفعه إلى الحاكم ليزجره عنها فإن لم ينزجر أخرج عنها، فإن كان الشر منها أخرجت عنهم، وإن أشكل الأمر أقرع الحاكم على من يخرج.
قوله: (وهل لا سكنى لمن سكنت زوجها ثم طلقها؟ قولان) أي وهل لا سكنى لزوجة أسكنت زوجها معها في دارها إن طلقها لأنها تسكن على ما كانت تسكن، أولها السكني.
اللخمي: لأن المكارمة التي كانت بينهما قد انقطعت بالطلاق (^١).
قوله: (وسقطت إن أقامت بغيره) أي وتسقط أجرة السكني على الزوج إن قامت بغير المنزل الذي يلزمها أن تعتد فيه. غفل الشارح غفر الله له.
قوله: (كنفقة ولد هربت به) تشبيه لإفادة الحكم أي كما تسقط نفقة ولد على أبيه إن هربت به أمه ولم يعلم موضعه أو علم ولم يقدر على رده وإلا فلا تسقط.
قوله: (وللغرماء بيع الدار في المتوفى عنها، فإن ارتابت فهي أحق وللمشتري الخيار) يريد وكذلك الورثة عند بعضهم لهم بيع الدار يريد بشرط استثناء سكنى المعتد في المدة التي تعتد بها وهو معنى قوله في المدونة: وهي أحق بسكني دار الميت من غرمائه وتباع لهم ويشترط سكناها (^٢)، فإن ارتابت بحس بطن فهي أحق بسكناها حتى تزول الريبة فيكون الخيار للمشتري حينئذ للضرر الذي يلحقه في ذلك وهو قول مالك وأما ابن القاسم قال: لا خيار له لأنه دخل على ذلك.
قوله: (وللزوج في الأشهر) أي وللزوج بيع الدار في زمن سكنى معتدة بالأشهر وأما ذات الأقراء فلا لأنه مجهول وقت انقضاء عدتها.
قوله: (ومع توقع الحيض قولان) أي وهل يجوز للزوج بيع الدار إذا كانت المرأة
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٥، ص: ٢٢٦٧.
(٢) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٤٣٩.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
ممن يتوقع حيضتها كبنت ثلاثة عشر أو بنت خمسين أولا يجوز بناء على اعتبار الحال أو الطوارئ فمن نظر إلى الحال أجاز ومن نظر إلى الطوارئ منع.
قوله: (ولو باع إن زالت الريبة فسد) أي فسد البيع أي فإن باع الدار التي فيها المعتدة على أن المعتدة إن لم تحصل لها ريبة أو حصلت وزالت في زمن العدة فالبيع ماض فإن استمر بها الريبة فالبيع مردود فإن البيع يفسد.
قوله: (وأبدلت في المنهدم، والمعار، والمستأجر المنقضي المدة. وإن اختلفا في مكانين أجيبت) أي فإذا انهدم المسكن الذي فيه المعتدة أو انقضت مدة العارية أو الإجارة إذا كان معارا أو مستأجرا فإنه يبدل بغيره فإن اختلفا في المسكن المبدل به فأراد الزوج أن تسكن في مسكن وأرادت الزوجة أن تسكن في مسكن غيره أجيبت الزوجة بما أرادت إذا لم يكن على الزوج في ذلك ضرر كموضع الأشرار أو لبعده عنها أو لكثرة كراء فتمنع إلا أن تدفع الزائد على الكراء.
قوله: (وامرأة الأمير ونحوه لا يخرجها القادم، وإن ارتابت) أي وامرأة الأمير أو نائبه أو قاضيه لا يخرجها القادم حتى تتم العدة وإن ارتابت بحس بطن حتى تنقضي الريبة ولو إلى خمس سنين.
قوله: (كالحبس حياته) تشبيه كما لا يخرجها من صارت إليه الدار التي كانت حبسا على الميت حياته حتى تنقضي العدة لأن العدة من توابع الحياة.
قوله: (بخلاف حبس مسجد بيده) أي بيد الإمام فإن الإمام القادم له أن يخرجها وفرق بين الإمام والأمير أن دار الإمارة لبيت المال فللمرأة فيه حق بخلاف حبس المسجد.
قوله: (ولأم ولد يموت عنها السكنى) أي يموت عنها سيدها فلها السكنى في مدة الاستبراء بحيضة ولا إحداد عليها في المدة.
قوله: (وزيد مع العتق نفقة الحمل) أي فإن أعتقها سيدها وهي حامل زيد على السكنى نفقة حملها.
قوله: (كالمرتدة والمشتبهة إن حملت) أي كما أن للمرتدة السكنى والنفقة في مدة الاستتابة واستشكل لأنها في حبس الإمام، وأجيب لعله في موضع يستأجر فيه موضع الحبس، وكذلك المشتبهة لها السكنى ونفقة الحمل كالمنكوحة نكاحا فاسدا أو المغلوط بها.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
قوله: (وهل نفقة ذات الزوج) أي في مدة الاستبراء (إن لم تحمل عليها أو على الواطئ؟ قولان) أي إن لم تحمل على الزوجة أو على الواطء الغالط فيه قولان وإن حملت فعلى الواطء اتفاقا لأن الولد ولده.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
فصل [في أحكام الاستبراء]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل الاستبراء ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب. الاستبراء في اللغة البحث والكشف عن الأمر الغامض.
وفي الشرع: الكشف عن حال الأرحام عند انتقال الأملاك، ويجب كإيجاب العدة مراعاة لحفظ الأنساب، لئلا يؤدي تركه إلى اختلاط الأنساب، واسترقاق الحر في الأمة الموطوءة لسيدها.
قوله: (يجب الإستبراء بحصول الملك) أي بشراء أو هبة أو ميراث لا بحصول نكاح لأن باب النكاح أوسع لأن ولد الأمة ينتفي بغير لعان وولد الزوجة لا ينتفي إلا بلعان.
قوله: (إن لم توقن البراءة ولم يكن وطؤها مباحا، ولم تحرم في المستقبل) أي يجب الإستبراء بحيضة واحدة بحصول الملك بشروط:
أحدها: أن تكون الأمة لم توقن براءتها من الحمل وأما لو تيقن براءتها منه فلا استبراء فيها كما إذا كانت تحت يده مودعة أو مرهونة ولم يلج عليها سيدها فحاضت تحت يده ثم دخلت في ملكه بشراء أو هبة أو ميراث.
الشرط الثاني: أن لا يكون وطؤها مباحا له وأما إن كان وطؤها مباحا له فلا استبراء فيها كما إذا اشترى زوجته.
الشرط الثالث: أن لا يكون وطؤها لم يحرم في المستقبل وأما إذا كان وطؤها حراما في المستقبل كما إذا اشترى محرمته فلا استبراء فيها لأن الاستبراء لا يحلها.
وقوله: (وإن صغيرة أطاقت الوطء، أو كبيرة لا تحملان عادة، أو وخشا، أو بكرا، أو رجعت من غصب أو سبي، أو غنمت) أي يجب الاستبراء بحصول الملك وإن كانت صغيرة مطيقة للوطء وإن أمن حملها وإلا فلا استبراء فيها.
وكذلك يجب الاستبراء في الأمة الكبيرة وإن أمن حملها عادة سدا للباب، أو لأن ذلك الوقت لا ينضبط.
وكذلك يجب الاستبراء في الوخش الدنية وكذلك يجب الاستبراء في البكر لأن البكارة لا تمنع الحمل.
[ ٢ / ٤٣١ ]
اللخمي: الاستبراء فيها مستحب. وكذلك يجب الاستبراء في الأمة إذا رجعت لسيدها من غصب من ظلمة المسلمين، أو من سبي من الكفار أو غنيمة الأمة من الكفار ولكن هذا مستغنى عنه لقوله: بحصول الملك.
قوله: (أو اشتريت ولو متزوجة) أي وكذلك يجب الاستبراء في الأمة ولو كانت متزوجة لأنها لو أتت بولد لم ينتف إلا بلعان.
قوله: (وطلقت قبل البناء) جملة حالية أي والحال أنها طلقت قبل البناء. قال سحنون: تحل للأزواج وإليه أشار بلو.
قوله: (كالموطوءة إن بيعت أو زوجت) أي فلا يزوجها إلا بعد الاستبراء وأما البيع فيجوز قبل الاستبراء فيكون في المواضعة.
قوله: (وقبل قول سيدها) أي وقبل قول سيد المتزوجة أنه استبراها إذ لا يعلم ذلك إلا منه وأما المبيعة فلابد فيها من الاستبراء اتفاقا.
قوله: (وجاز للمشتري من مدعيه تزويجها قبله، واتفاق البائع والمشتري على واحد) أي ويجوز للمشتري من مدعي الاستبراء تزويجها قبل الاستبراء وكذا يجوز اتفاق البائع والمشتري على استبراء واحد فيضعانها عند أمينة.
قوله: (وكالموطوءة باشتباه) أي كما يجب الاستبراء في أمة موطوءة باشتباه كالغالط بها.
قوله: (أو ساء الظن) أي فيجب الاستبراء في الأمة إذا أساء بها الظن عند ابن القاسم، كما إذا علمت بالفساد وإن علمت بالصلاح فلا استبراء فيها وإن جهل أمرها ففيه قولان.
قوله: (كمن عنده تخرج، أو لكغائب، أو مجبوب أو مكاتبة عجزت أو أبضع فيها وأرسلها مع غيره) تشبيه لإفادة الحكم لا تمثيل أي يجب الاستبراء في الأمة المودعة والمرهونة عنده، وهي تخرج ثم اشتراها، فإنه يجب عليه فيها الاستبراء، وكذا يجب فيها الاستبراء إذا كانت لغائب أو صبي أو امرة أو مجبوب فاشتراها من أحد هؤلاء وكذا يجب الاستبراء في مكاتبة عجزت لأنها كانت ملكت نفسها. وكذلك إن أبضع ثمن أمة لرجل فاشتراها الوكيل فأرسلها بغير إذن سيدها فحاضت في الطريق فإن السيد لا بد أن يستبرئها فإن أمره بإرسالها فحاضت في يد الوكيل فإنه لا استبراء عليه فيها لأن يد الوكيل كيد الموكل.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
قوله: (وبموت سيد) أي ويجب الاستبراء بحيضة في أم الولد مات عنها سيدها (وإن استبرئت) قبل الموت (أو مطلقة (انقضت عدتها).
قوله: (وبالعتق) أي وكذلك يجب الاستبراء فيها بحصول العتق لأن الاستبراء كما يجب بحصول الملك يجب بزواله إلا أن تكون استبرأت قبل العتق لأنها انتقلت من ملك إلى حرية والحرة مصدقة.
قوله: (واستأنفت إن استبرئت، أو غاب غيبة علم أنه لم يقدم أم الولد فقط بحيضة، وإن تأخرت، أو أرضعت، أو مرضت، أو استحيضت ولم تميز، فثلاثة أشهر، كالصغيرة، واليائسة. ونظر النساء) أي واستأنفت أم الولد بحيضة وإن استبرأت قبل العتق وأحرى إن لم تستبرئ وكذلك إن غاب سيدها غيبة علم أنه لم يقدم منها وأحرى إن علم قدومه فإنها يجب عليها الاستبراء.
قوله: (بحيضة) متعلق بقوله: (يجب الاستبراء) أي الاستبراء واجب بحيضة وإن تأخر الحيض بلا سبب أو تأخر برضاع أو مرض أو استحيضت ولم تميز بين الدماء فاستبراؤها ثلاثة أشهر كما أن استبراء الصغيرة واليائسة ثلاثة أشهر وينظر إليها النساء (فإن ارتبن فتسعة أشهر) أي فاستبراؤها تسعة أشهر وإن لم تزل الريبة فإلى أقصى أمد الحمل.
قوله: (وبالوضع كالعدة) أي ويكون الاستبراء بالوضع في الحامل كما تقدم في العدة في قوله: وضع حملها كله وإن دما اجتمع.
قوله: (وحرم في زمنه الاستمتاع) أي ويحرم الاستمتاع في زمن الاستبراء فإن فعل أدب كانت حاملا أو غيره هذا هو المذهب.
ابن حبيب لا يمنع من الحامل إلا الوطء خاصة.
قوله: (ولا استبراء إن لم تطق الوطء) وهذا مفهوم قوله: وإن صغيرة أطاقت الوطء تارة يستغني بالمفهوم وتارة لا يستغني به بل يصرح به.
قوله: (أو حاضت تحت يده) هذا أيضا مفهوم قوله: إن لم توقن البراءة.
وقوله: (كمودعة) مثال.
قوله: (ومبيعة بالخيار) أي الاستبراء في أمة مبيعة بالخيار لأحد المتبايعين أو لغيرهما أو لهما معا.
قوله: (ولم تخرج) عائد على الفرعين.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
قوله: (ولم يلج عليها سيدها) أي ولو جا يمكن فيه الوطء راجعا عليهما أيضا.
قوله: (أو أعتق وتزوج) أي وكذلك الاستبراء في أمة أعتقها ثم تزوجها لأن الماء ماؤه.
قوله: (أو اشترى زوجته، وإن بعد البناء) هو مفهوم قوله: وإن لم يكن وطئها مباحا أي فلا استبراء عليه فيها لأن الماء ماؤه.
قوله: (فإن باع المشتراة وقد دخل، أو أعتق، أو مات، أو عجز المكاتب قبل وطء الملك؛ لم تحل لسيد ولا زوج إلا بقرأين: عدة فسخ النكاح) أي إلى آخر المسائل أي فإن باع هذه الزوجة المشتراة وقد دخل بها أو أعتقها بعد أن دخل بها أو مات عنها وقد دخل بها أو اشترى المكاتب زوجته بعد أن دخل بها ثم عجز فرجعت للسيد قبل وطئ الملك في المسائل الأربع وهي إذا باع زوجته التي اشتراها أو أعتقها أو مات عنها أو كانت أمة مكاتب عجز عن أداء كتابته لم تجز واحدة منهن لسيد حصلت له ولا لمن أراد تزويجها إلا بعد قرءين عدة فسخ النكاح الذي نشأ عن شراء الزوج لزوجته التي دخل بها إذ عدة فسخ النكاح تجري مجرى عدة الطلاق.
وقوله: (وبعده بحيضة) أي فإن حصل جميع ما تقدم بعد وطء الملك فاستبراؤها بحيضة واحدة.
قوله: (كحصوله بعد حيضة أو حيضتين) تشبيه لإفادة الحكم أي كما أن استبراءها يكفي فيه حيضة واحدة إذا حصل ما تقدم ذكره بعد حيضة أو حيضتين يقال حيضة وحيضة جاء روايتان فيها.
قوله: (أو حصلت في أول الحيض. وهل إلا أن تمضي حيضة استبراء أو أكثرها؟ تأويلان) أي ولا استبراء عليه فيما إن حصل ملكه إياها في أول الحيض وهل ذلك كذلك إلا أن يمضي قدر حيضة استبراء فلا يكفيه أو يكفي إلا أن يمضى أكثر الحيض في اندفاع الدم لأن الدم قوي يدفع ما في الرحم فيه تأويلان.
وقيل: إلا أن يمضي أكثر أيام الحيض.
قوله: (أو استبرأ أب جارية ابنه ثم وطئها، وتؤولت على وجوبه وعليه الأقل) أي وكذلك لا استبراء على الأب ثانيا إذا كان قد استبرأ جارية ابنه أولا لأنها صارت أمته وحرمت على الابن بوطء الأب فتجب له القيمة عليه وتأولت على وجوب الاستبراء فيها وعليه الأقل من الشيوخ.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
قوله: (ويستحسن إن غاب عليها مشتر بخيار له. وتؤولت على الوجوب أيضا) أي ويستحسن للبائع استبراء أمة باعها بخيار للمبتاع وغاب عليها ثم لم يمض البيع بناء على أنه منحل وتؤولت المدونة أيضا على وجوب الإستبراء فيها بناء على أنه منعقد.
قوله: (وتتواضع العلية، أو وخش أقر البائع بوطئها) أي أقر البائع بوطئها أم لا أو وخش أقر البائع بوطئها المواضعة جعل الأمة مدة استبرائها في حوز مقبول خبره عن وقوع حيضتها فعلة المواضعة ما يترتب من العتق يشغل الرحم ومن ثم كان طلب المواضعة أعم من طلب الاستبراء عموما لأن وقوع الحكم يدور مع علته وجودا وعدما ولفظ تتواضع لفظ الخبر والمراد به الأمر والأمر على الوجوب إلا أن يقوم دليل بغيره.
الفرق بين العلية وغيرها أن الضمان في المواضعة من البائع والمشترات الضمان فيها من المشتري والاستبراء في كل أمة، والمواضعة إنما تكون في العلية ولا يجوز فيها النقد بشرط، ويجوز شرط النقد في أمة الاستبراء.
قوله: (عند من يؤمن، والشأن النساء) أي إنما تتواضع الأمة أي المواضعة عند من يؤمن من متأهلي الرجال أو من النساء والشأن أي الصواب أن تكون عند النساء لأنهن أولى بمعرفة ذلك.
قوله: (وإذا رضيا بغيرهما) أي وإذا رضيا المتبايعان أن تكون المواضعة عند غيرهما من الأمناء (فليس لأحدهما الانتقال) يريد إلا أن يكون له وجه ومفهوم غيرهما أنه إذا رضيا بأحدهما فلهما الانتقال والمفهوم صحيح.
قوله: (ونهيا عن أحدهما) أي وينهيان المتبايعان عن المواضعة عند أحدهما إلا أن يكون أمينا فيكره وأما إن كان غير مأمون فلا يجوز أصلا والشيخ ﵀ أجمل ولم يبين أن النهي على التحريم أو الكراهة.
قوله: (وهل يكتفى بواحدة) أي وهل يكتفى بإخبار امرأة واحدة بوجود الاستبراء في المواضعة وهو المشهور لأنه من باب الخبر لا من باب الشهادة أولا يكتفى بخير واحدة فيها.
(قال) المازري: (يخرج) الخلاف فيها (على) الخلاف في (الترجمان) وكذلك ناظر العيوب والقائف.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
قوله: (ولا مواضعة في متزوجة، وحامل، ومعتدة، وزانية) أي لأن المشترى دخل على أن الزوج مرسل عليها وكذلك الحامل لا مواضعة فيها لأن الحمل محقق وكذلك لا مواضعة في معتدة من طلاق أو وفاة وكذلك لا مواضعة في زانية ثبت عليها الزنا لأن ولدها غير لا حق النسب.
قوله: (كالمردودة بعيب) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا مواضعة في المردودة لأجل عيب (أو) لأجل فساد) البيع (أو) لأجل (إقالة إن لم يغب المشتري) عليها وأما إن غاب فلا بد من المواضعة.
قوله: (وفسد إن نقد بشرط لا تطوعا، وفي الجبر على إيقاف الثمن قولان) أي وفسد البيع في المواضعة إن نقد المبتاع بشرط لأنه تارة بيعا وتارة سلفا ويجوز النقد فيها بغير شرط لأنه محض سلف وإليه أشار بقوله: لا تطوعا.
قوله: (ومصيبته بمن قضي له به) أي ومصيبة الثمن إن تلف من يد أمين بمن قضى له بالثمن منهما لو سلم فإن ظهر بها حمل فمصيبته من المشترى لأن الثمن له فإن رأت الحيض فمصيبة الثمن من البائع لأن الثمن له فإن ظهر بها حمل فإن كان من البائع انفسخ البيع وإن كان من غيره فالمشترى بالخيار في الرد وعدمه لأن الحمل في العلية عيب غفل الشارح هنا يهدي.
قوله: وفي الجبر على إيقاف الثمن أي وإن تنازع المتبايعان في وضع الثمن عند أمين فقال البائع: لا آمنك حتى تضع الثمن في يد أمين، وقال المبتاع: لا أدفع الثمن حتى أقبض الأمة فهل يجبر المبتاع على وضع الثمن في يد أمين ولا يجبر فيه قولان مشهوران.
فرع: إذا باع الأمة المتواضعة إلى أجل فهل يكون ابتداء الأجل من يوم خروجها من المواضعة وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن (^١)، أو إنما يكون ابتداؤه من يوم
_________________
(١) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني كان أحد الفقهاء السبعة قيل اسمه محمد وقيل اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن والصحيح أن اسمه وكنيته واحد روى عن أبيه وأبي هريرة وعمار بن ياسر ونوفل بن معاوية وعائشة وأم سلمة وأم معقل الأسدية وعبد الرحمن بن مطيع بن الأسود وأبي مسعود الأنصاري ولم يدركه وغيرهم وعنه أولاده عبد الملك وعمر وعبد الله وسلمة ومولاه سمى وابن أخيه القاسم به محمد به عبد الرحمن والزهري وعبد ربه بن سعيد وعمر بن عبد العزيز وعبد الواحد بن أيمن وعبيد الله بن كعب الحميري والحكم بن عتيبة وآخرون قال بن سعد ولد في خلافة عمر مات سنة ثلاث وتسعين وقال إبراهيم بن المنذر عن معين بن عبد الرحمن توفي سنة ثلاث =
[ ٢ / ٤٣٦ ]
عقد البيع وهو قول أبي عمران.
والخلاف مبني على أن العقد فيها منحل أو منعقد وظاهر المدونة في البيوع الجبر وظاهرها في الاستبراء عدم الجبر.
* * *
_________________
(١) = وقيل أربع وأرخه في سنة أربع عمرو بن علي وأبو عبيد والواقدي وغير واحد زاد الواقدي وكانت تسمى سنة الفقهاء وقيل مات سنة خمس وتسعين قلت وقيل أن اسمه المغيرة حكاه بن عبد البر وقال أبو جعفر الطبري اسمه كنيته ليس له اسم غيرها. تهذيب التهذيب المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي: ج ١٢، ص: ٣٤، الترجمة: ١٤١، الناشر: دار الفكر - بيروت الطبعة الأولى، ١٤٠٤ - ١٩٨٤.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
فصل [في بيان أحكام تداخل العدة والاستبراء]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه تداخل العدد، ليس مما تقدم فناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (إن طرأ موجب) أي إن طرأ موجب لعدة أو استبراء على معتدة أو مستبرأة (قبل تمام عدة أو استبراء انهدم الأول وانتنفت) اخر الهدم بالدال المعجمة القطع أي انقطع الأول.
قوله: (كمتزوج بائنته، ثم يطلق بعد البناء) مثال المراد بالبائنة هنا المختلعة ثم تزوجها ثم طلقها بعد أن دخل بها فإنها تستأنف وأما لو طلقها قبل الدخول بها فلا تستأنف بل تبني على العدة الأولى وأما لو لم يدخل ببائنته أولا بل طلقها قبل البناء لا يكون عليها عدة ولو كانت الطلقة بتة لم تحل له إلا بعد زوج.
قوله: (أو يموت مطلقا) أي وكذلك تستأنف عدة الوفاة إن مات قبل البناء أو بعده لأن عدة الوفاة على المدخول بها وغير الدخول بها وإليه أشار بقوله: مطلقا.
قوله: (وكمستبرأة من فاسد) مثال أخر أي وكذلك ينهدم الاستبراء الناشئ عن وطء فاسد كزنا أو غصب (ثم يطلق) قبل تمام الاستبراء فإنها تستأنف العدة.
قوله: (وكمرتجع، وإن لم يمس طلق أو مات إلا أن يفهم ضرر بالتطويل فتبني المطلقة: إن لم تمس) هذا مثال ثالث أي فإن طلقها ثم ارتجعها ثم طلقها فإنها تستأنف العدة وإن لم يمسها لأن الرجعية كالزوجة طلق أو مات إلا أن يفهم ضرر من الزوج أنه إنما أراد بالرجعية تطويل العدة عليها فحينئذ تبني المطلقة على الأول وإن لم يمسها في الرجعة وإن مسها فإنها تستأنف وأما في عدة الوفاة فلا تبنى بل تستأنف.
قوله: (وكمعتدة وطئها المطلق، أو غيره فاسدا بكاشتباه، إلا من وفاة فأقصى الأجلين) أي فإنها تستأنف الاستبراء إلا في عدة وفاة فإنها يكون عليها أقصى الأجلين فإن تمت الأقراء قبل تمام أربعة أشهر وعشرا فإنها تنظرها فإن تمت الأشهر الأربع والعشر قبل تمام الأقراء فإنها تنتظرها إنما يكون وطء المطلق فاسدا إذا لم ينو به الرجعة في الرجعية وأما وطء الغير ففاسد على كل حال.
قوله: (كمستبرأة من) وطء (فاسد مات زوجها) أي كما أن أقصى الأجلين على المستبرأة من وطء فاسد ومات زوجها في زمن الاستبراء.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
قوله: (وكمشتراة معتدة) أي وكذلك أقصى الأجلين على معتدة بالشهور وقد تقدم هذا بأشبع من هذا عند قوله: وإن اشتريت معتدة طلاق فارتفعت حيضتها حلت إن مضت سنة للطلاق وثلاثة أشهر للشراء وذلك أقصى الأجلين وكرره للنظائر.
قوله: (وهدم وضع حمل ألحق بنكاح صحيح غيره) أي وبقطع وضع حمل ألحق بنكاح صحيح غيره، كما إذا تزوج امرأة نكاحا صحيحا ثم طلقها وتزوجها آخر في العدة ووطئها قبل حيضة فأتت بولد فإن الولد يلحق بالنكاح الصحيح فإن تزوجها بعد حصول حيضة فإن الولد يلحق بالثاني وإن ولدته لستة أشهر.
قوله: (وبفاسد أثره وأثر الطلاق) أي فإن ألحق الولد بالنكاح الفاسد فإن وضع الحمل يهدم أثر الفاسد وهو الاستبراء وأثر الطلاق في الأولى.
قوله: (لا الوفاة) أي لا يهدم الأول في الوفاة أي فإن ألحق الولد بالنكاح الفاسد لا يهدم وضع الحمل فيه عدة الوفاة من الزوج الأول وهو كقول ابن الحاجب: ولا يهدم في عدة الوفاة اتفاقا، فعليها أقصى الأجلين.
قال ابن غازي: قال ابن عبد السلام: إن أقصى الأجلين فيها غير ممكن، وخرجه ابن عرفة على قوله في المدونة والمنعى لها زوجها إذا اعتدت وتزوجت ثم قدم زوجها الأول ردت إليه (^١)، وإن ولدت من الثاني، إذ لا حجة لها باجتهاد إمام أو تيقن طلاق، ولا يقربها القادم إلا بعد العدة من ذلك الماء بثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر، أو وضع حمل إن كانت حاملا، فإن مات القادم قبل وضعها اعتدت منه عدة الوفاة، ولا تحل بالوضع دون تمامها، ولا بتمامها دون الوضع.
ابن عرفة: فإذا علم أن وفاة الأول كانت وهي في خامس شهر من شهور حملها من الثاني أمكن تأخر انقضاء عدة الوفاة لها عن وضع حمل الثاني. انتهى.
وعلى هذا يحوم جوابه في التوضيح وحوله يدندن (^٢).
قوله: (وعلى كل الأقصى مع الالتباس) أقصى الأجلين مع الإلتباس أي وعلى كل من الزوجين أقصى الأجلين إذا التبس أمرهما (كمرأتين إحداهما) بنكاح صحيح والأخرى بنكاح فاسد) ثم مات الزوج وعلى كل منهما أقصى الأجلين فإن انقضت
_________________
(١) المدونة الكبرى: في عدة المرأة ينعى لها زوجها.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٥٧٦ - ٥٧٧.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
الأقراء انتظرت عدة الوفاة إذ لعلها هي التي نكاحها صحيح وإن تمت عدة الوفاة قبل أقراء الاستبراء انتظرت الأقراء إذ لعلها هي الفاسد نكاحها.
قوله: (أو إحداهما مطلقة ثم مات الزوج) أي وكذلك إذا طلق إحدى زوجتيه طلاقا بائنا ثم مات ولم يعلم المطلقة منهما فإنه على كل حال منهما أقصى الأجلين إذ لعلها هي التي في العصمة.
وقوله: (وكمستولدة متزوجة مات السيد والزوج ولم يعلم السابق فإن كان بين موتهما أكثر من عدة الأمة أو جهل: فعدة حرة وما تستبرأ به الأمة) أي فالحكم فيها أنها إن كان بين موتهما أكثر من عدة الأمة وهي شهران وخمس ليال أو جهل ما بين موتهما فإنها تعتد عدة حرة لاحتمال موت السيد أولا وما تستبرأ به الأمة فهو حيضة لاحتمال موت الزوج أولا فيكون عليها عدة حرة أربعة أشهر وعشرا وحيضة.
قال بن غازي: وهو معطوف على قوله: (كامرأتين)، وفيه قلق؛ لأنه لا يصدق عليه قوله: (وعلى كل أقصى الأجلين إلا إذا حمل على أن معناه على كل من يذكر، وفيه بعد (^١).
قوله: (وفي الأقل عدة حرة) أي فإن كان ما بين موتهما أقل من عدة الأمة فعدتها عدة حرة.
قوله: (وهل قدرها كأقل أو أكثر؟ قولان) أي وهل إذا كان بين موت السيد والزوج أقل من قدر عدة الأمة كأقل فتكون عدتها عدة حرة أو يكون كأكثر فيكون عدتها عدة حرة وما تستبرأ به الأمة فيه قولان مشهوران.
* * *
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٥٧٧.
[ ٢ / ٤٤٠ ]