قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الصلح وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو مندوب وقد يجب ويحرم ويكره. ابن عرفة: هو انتقال عن حق إلى دعوى بعوض لرفع النزاع، أو خوف وقوعه. انتهى.
وقول العوام: صلح المنكر إثبات حق الطالب جهل.
قوله: (الصلح على غير المدعى بيع، أو إجارة، وعلى بعضه: هبة) أي إذا صالح الطالب المطلوب على غير المدعى فيه، فهو بيع إن أخذ منه رقبة شيء، كما إذا كان له عليه دين عين ونحوه، فأخذ منه فرسا أو بعيرا فذلك بيع، وإن أخذ منه عن ذلك منفعة عين كسكني دار، أو خدمة عبد إلى أجل معين فذلك إجارة، فإن صالحه على بعض المدعى فيه، فالباقي هبة من الطالب، وإبراء المطلوب من الباقي إبراء من الدين، هل يفتقر إلى القبول فلا يبرأ من الدين حتى يقبل، أو يبرأ من الدين إذا أبرأه وإن لم يقبل؟ خلاف بين العلماء، فظاهر المذهب اشتراط القبول، ومنشأ الخلاف هل الإبراء إسقاط؟ والإسقاط لا يحتاج إلى القبول، كالطلاق والعتق، فإنهما لا يفتقران إلى قبول المرأة والعبد، بل ينفذ الطلاق والعتق، وإن كرهت المرأة والعبد، أو هو تمليك لما في ذمة المدين فيفتقر إلى القبول، كما لو ملكه عينا بالهبة أو غيرها، لا بد من رضاه وقبوله، فكذلك ها هنا يتأكد ذلك بأن المنة قد تعظم في الإبراء، وذو المروءات والإنفاق يضر ذلك بهم لا سيما من السفلة، فجعل صاحب الشرع لهم قبول ذلك أورده نفيا للضرر الحاصل من المنن، من غير أهلها، أو من غير حاجة. انتهى من أنوار البروق للقرافي (^١).
قوله: (وجاز عن دين بما يباع به) أي وجاز الصلح عن الدين بالشيء الذي يجوز بيع ذلك الدين به وإلا فلا، ولو صالح من حال على مؤجل مثله أو أقل منه جاز، ولا يجوز على أكثر منه، وإن صالح على مؤجل، على حلول بعضه وإسقاط بعضه
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٢، ص: ١١٧. الفرق التاسع والسبعون الفرق بين قاعدة النقل وقاعدة الإسقاط
[ ٣ / ٧٧ ]
قوله: (وعن ذهب بورق، وعكسه إن حلا، وعجل) أي وجاز الصلح عن ذهب بورق، وبذهب عن ورق، بشرط إن حل أجلهما وعجل العوض، وأما إن لم يحلا أو حلا ولم يعجل العوض فلا يجوز، لأنه صرف مستأخر.
قوله: (كمائة دينار ودرهم، عن مائتيهما) أي مائة دينار ومائة درهم، وهو تمثيل لقوله: وعلى بعضه هبة، كما إذا كان له عليه مائة دينار ومائة درهم، فصالحه بمائة دينار ودرهم واحد، وأسقط عنه تسعة وتسعين درهما.
قوله: (وعلى الافتداء من يمين) أي وجاز الصلح على الافتداء من يمين وجبت عليه، وقد افتدى عثمان بن عفان ﵁ قائلا: أخاف أن يوافق القدر اليمين. وحلف خير الناس بعد النبي ﷺ أبو بكر الصديق ﵁، وحلف من هو خير الناس بعده عمر بن الخطاب ﵁. وقال في كتاب الإيمان من المدونة: ومن لزمته يمين فافتدى منها بمال فذلك جائز (^١).
قوله: (أو السكوت) أي وجاز الصلح على سكوت المدعى عليه أي ادعى عليه فسكت ولم يقر ولم ينكر وحكمه حكم الإقرار على قول مالك وابن القاسم جميعا، فما وقع من صلح حرام على الإقرار أو السكوت فسخ على كل حال كالبيوع.
قوله: (أو الإنكار، إن جاز على دعوى كل، وعلى ظاهر الحكم، ولا يحل للظالم) أي وجاز الصلح على الإنكار، إن جاز ذلك الصلح على دعوى كل من الطالب والمطلوب عند ابن القاسم، وأما الإمام مالك ﵀، أجاز ذلك بثلاثة شروط:
أن يكون ذلك الصلح على دعوى كل منهما.
وأن يكون جائزا في ظاهر الحكم.
وأجازه أصبغ إن جاز على دعوى واحد منهما إن لم يتفقا على الفساد.
ابن عرفة: الصلح على الإنكار جائز باعتبار عقده، وأما في باطن الأمر، فإن كان الصادق المنكر فالمأخوذ منه حرام، وإلا فحلال، فإن وفى بالحق برئ، وإلا فهو غاصب في الباقي، ولا يحل لظالم ما أخذ في الصلح.
قوله: (فلو أقر بعده أو شهدت بينة لم يعلمها أو أشهد وأعلن أنه يقوم بها، أو وجد
_________________
(١) المدونة الكبرى: ج ٢، ص: ٢٧.
[ ٣ / ٧٨ ]
وثيقته بعده فله نقضه) أي فلو أقر المنكر بعد الصلح، فإن الصلح لا يلزم المقر له، لأنه إنما التزمه كالمجبر عليه والمغلوب على حقه، وكذلك إن ثبت الحق ببينة لم يعلم بها حين الصلح، أو أشهد حين الصلح، وأعلن أنه يقوم بالبينة إن وجدها، وكذلك لا يلزمه الصلح إن وجد وثيقة بالحق بعد الصلح، فلم يذكر المصنف الخلاف في هذه الأربعة أن للمصالح نقض الصلح فيها.
قوله: (كمن لم يعلن) أي كما أن من أشهد ولم يعلن بالإشهاد، فإن له نقض الصلح على الأحسن.
قوله: (أو يقر سرا فقط، على الأحسن فيهما) أي وإذا كان المطلوب يقر للطالب بالحق سرا ويجحد في العلانية، وصالحه على أن يؤخره بالحق، وأشهد الطالب سرا، إنما صالحه بالتأخير ليقوم به إذا أقر فإن الطالب له نقض الصلح على الأحسن عند ابن القاسم. غفل الشارح هنا ﵀.
وسئل ابن أبي زيد عمن ادعى على رجل دينا فقال المدعا عليه: لي بينة على البراءة، فخاف المدعي من ذلك فصالحه على مال ثم تبين أنه لا بينة له، فقال: لا يجوز هذا الصلح. انتهى من تعاليق أبي عمران.
غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (لا إن علم ببينته ولم يشهد، أو ادعى ضياع الصك، فقيل له حقك ثابت فائت به، فصالح ثم وجده) أي فإن علم ببينة تشهد، وصالح على الحق، ولم يشهد سرا ولا علانية أنه يقوم بها، فإنه ليس له نقض الصلح، وكذلك إن ادعى ضياع صك المكتوب فيه حقه، فقال له المطلوب حقك ثابت فأت بالصك فامحه وخذ حقك، فقال: قد ضاع، وأنا أصالحك ففعل، ثم وجد الصك الذي فيه الحق فلا رجوع له عن ذلك الصلح.
ابن يونس: لأنه مقر به إنما صالحه للاستعجال.
قوله: (وعن إرث زوجة من عرض وورق وذهب بذهب من التركة قدر مورثها منه فأقل أو أكثر؛ إن قلت الدراهم، لا من غيرها مطلقا) لو قال الشيخ: كزوجة ليدخل كل وارث، وإنما ذكر الزوجة لأن الغالب هي التي تصالح أي ويجوز الصلح عن إرث زوجة من الزوج من عرض وورق، وذهب بذهب، بشرط أن يكون الذهب من التركة لا من غيرها، وأن يكون قدر ميراثها من ذلك الذهب أو أقل منه أو أكثر إن كانت
[ ٣ / ٧٩ ]
الدراهم قليلة كصرف الدينار، ولا يجوز ذلك من غير ذهب التركة مطلقا قلت الدراهم أو كثرت.
قوله: (إلا بعرض إن عرف جميعها وحضر، وأقر المدين وحضر) أي إلا أن يكون المصالح به عرضا، فيجوز إن عرفا معا جميع التركة وحضر المتروك كله، لئلا يكون النقدم في الغالب بشرط ويحضر المدين إن كان في التركة دين، ويقر به وتجري عليه الأحكام.
قوله: (وعن دراهم وعرض تركا بذهب كبيع وصرف) أي وجاز الصلح عن دراهم أو عرض في تركة الميت بذهب من التركة، إن كان قيمة ذلك العرض وذلك الدراهم صرف دينار، أو يجتمعا فيه، وإليه أشار بقوله: كبيع وصرف وقد تقدم.
قوله: (وإن كان فيها دين فكبيعه) أي وإن صالح عن تركة وفي التركة دين فحكمه حكم بيع الدين، وهو أن يكون المدين حاضرا مقرا، وهو ممن تجري عليه الأحكام.
قوله: (وعن العمد بما قل وكثر، لا غرر كرطل من شاة) أي وجاز الصلح عن دم العمد بما قل أو كثر، نفسا كان وغيرها، ولا يجوز الصلح عن دم العمد بالغرر مثل رطل من شاة قبل سلخها، لأنه لحم مغيب ويجوز بالشاة كلها وإن مذبوحة.
قوله: (ولذي دين منعه منه) أي ولصاحب دين محيط بمال الجاني منعه من الصلح بالمال في العمد، ولا يترك له قوته، والنفقة الواجبة عليه كما تترك للمفلس، والفرق بينهما أن الجاني ظالم، والظالم أحق أن يحمل عليه.
قوله: (وإن رد مقوم بعيب أو استحق رجع بقيمته) أي وإن صالح عن دم عمد بعرض، ثم وجد به عيبا فرده، أو استحق العرض، أو أخذ بالشفعة، فإنه يرجع بقيمة العرض لا في الدم.
قوله: (كنكاح وخلع) أي كما إذا تزوج، أو خالعت بعرض فوجد به عيبا، أو استحق أو أخذ بالشفعة فإن الأخذ ير- يرجع بقيمة المقوم.
قوله: (وإن قتل جماعة أو قطعوا جاز صلح كل، والعفو عنه) أي وإن تعدد القاتلون، أو القاطعون، أو الجارحون، جاز الصلح عن واحد والعفو عنه، والقصاص عن بعض والعفو عنه، أو أخذ الأرش منه.
قوله: (وإن صالح مقطوع ثم نزي فمات فللولي لا له رده، والقتل بقسامة) أي أفرط فيه
[ ٣ / ٨٠ ]
الدم، فلولي الدم رد الصلح، والقتل بقسامة لا للجاني القاطع رد الصلح، ولا يقول: قد عاد القطع نفسا ردوا المال فاقتلوني، لأنه ليس له قتل نفسه.
قوله: (كأخذهم الدية في الخطإ) أي كما أن للأولياء رد الصلح في القطع في الخطإ ثم نزا فمات، ويرجعوا بالدية على العاقلة بالقسامة.
قوله: (وإن وجب لمريض على رجل جرح عمدا فصالح في مرضه بأرشه أو غيره ثم مات من مرضه جاز ولزم، وهل مطلقا، أو إن صالح عليه، لا ما يؤول إليه؟ تأويلان. وإن صالح أحد وليين فللآخر الدخول معه، وسقط القتل) أي وإن ثبت لمريض على إنسان جرح عمدا، فصالح عليه في مرضه ذلك بأرش الجرح أو غيره قل أو كثر ثم مات من مرضه ذلك، جاز ذلك الصلح ابتداء، ويلزم إن وقع، وهل ذلك اللزوم مطلقا؟ صالح على ما يؤول إليه أملا، وهو ظاهر المدونة، أو إنما يلزم إن صالح على الجرح لا على ما يؤول إليه فلا يجوز، لأنه غرر، فيه تأويلان على المدونة.
قوله: وإن صالح أحد وليين في دم العمد، فللآخر الدخول عليه فيما صالح به، سواء صالح عن نصيبه، أو الجميع، أو أخذ نصف الدية، وسقط القتل سواء دخل معه فيما أخذ أو أخذ من القاتل نصف الدية.
قوله: (كدعواك صلحه فأنكر) أي كما يسقط القتل إن ادعيت أيها الولي أنك صالحته على دم العمد في النفس، وأنكر القاتل الصلح، ولكن يحلف الجاني، فإن نكل حلف الطالب وإن نكل فلاشيء له.
النكول بالنكول تصديق للناكل الأول، ابن القاسم بعض قول المدعي للصلح، لأنه أخذه بإقراره بالعفو ثم جعله مدعيا يكلف بإثبات دعواه.
قوله: (وإن صالح مقر بخطإ بماله لزمه، وهل مطلقا أو ما دفع؛ تأويلان) أي وإن صالح مقر بقتل خطا بماله نفسه لزمه الصلح، لأنه حكم على نفسه بما يوافق قولا، لأن حكمه على نفسه كحكم الحاكم فلا ينقض، وهل يلزمه ذلك الصلح مطلقا فيما دفع وما لم يدفعه؟ وهو ظاهر المدونة وعليه حملها بعضهم، أو إنما يلزمه الصلح فيما دفع فقط لا فيما لم يدفعه هذا فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (لا إن ثبت وجهل لزومه، وحلف، ورد، إن طلب به مطلقا، أو طلبه ووجد) أي لا يلزمه الصلح إن ثبة القتل بخطإ ببينة، أو بقسامة، وجهل القاتل عدم لزوم الدية له وحده، وحكي إن كان مثله يجهل ذلك، وحلف أنه جهل ذلك، لاحتمال أنه يعلمه، وهي يمين تهمة، وإن حلف رد إليه ما أخذ منه، إن كان ولي الدم هو الذي طلب منه
[ ٣ / ٨١ ]
الصلح مطلقا إذا وجد المصالح به أو لم يوجد، وكذلك يرد إليه إذا كان هو الطالب للصلح إذا وجد المصالح به وإن فات فلا شيء له.
فرع: ويجوز صلح ولي المقتول للقاتل على خروجه مرتحلا من بلد المقتول، فإن عاد إليه عاد الطالب عليه إن لم يثبت القتل عليه، فإن ثبت وجب للأولياء القصاص في العمد والدية في الخطإ. انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: (وإن صالح أحد ولدين وارثين، وإن عن إنكار، فلصاحبه الدخول) أي لا عبدين ولا كافرين، لأنهما لم يرثا، وإن كان هذا الصلح عن إنكار أو سكوت، والإقرار أحرى، فلصاحبه الذي لم يصالح الدخول معه فيما أخذ من الصلح، وله ألا يدخل فيتبع الغريم بالحق إن أقر له، وإلا فليخاصمه، وهذه المصالحة في المال، والتي تقدمت في الدماء.
قوله: (كحق لهما في كتاب، أو مطلق، إلا الطعام ففيه تردد إلا أن يشخص، ويعذر إليه في الخروج، أو الوكالة فيمتنع، وإن لم يكن غير المقتضى) التشبيه بينهما الدخول معه إن شاء، كما إذا باعا شيئا بينهما لرجل فكتب الثمن في عقد واحد أو لم يكتب أصلا، وهو مراده من قوله أو مطلق، فإن صالح أحدهما الغريم على نصيبه أو على الجميع، فإن لصاحبه أن يدخل معه فيما أخذ وله أن لا يدخل معه وكتقاض الذي عليه الدين، وهذا كله إذا صالح الغريم حاضرا، أو غائبا ولم يعذر إليه، وأما إن كان الغريم غائبا وأشخص إليه أي سار إليه من بلد إلى بلد، وأعذر إلى صاحبه في الخروج معه، أو التوكيل فيمتنع من الخروج والتوكيل، فإنه لا يدخل معه، وإن لم يكن في يد المدين، إلا قدر ما اقتضاه منه، ولا يقال في هذا إن الغريم دفع كل ما بيده لبعض الغرماء دون بعض.
قوله: إلا الطعام ففي جواز الدخول عليه ومنعه قولان، ووجه قول من أجاز، لأنه لما أذن له كأنه قاسمه والقسمة تمييز حق، ووجه قول من منع، لأنه قاسمه والقسمة بيع من البيوع، وبيع الطعام قبل قبضه لا يجوز.
قال ابن غازي: كأنه يعني ففي وجه استثنائه تردد (^٢).
قوله: (إلا أن يشخص، ويعذر إليه) أي بيسير.
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٥٦.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٧٥٥.
[ ٣ / ٨٢ ]
عبد الحق عن بعض شيوخه: أن الإشهاد على الشريك إنما يقيد إذا رضي وإلا فلا، لأن المسألة المختلف فيها لا يفيد الإشهاد فيها على الخصم إلا بتسليم الخصم أو حكم الحاكم. انتهى من الطنجي (^١).
قوله: (أو يكون بكتابين، وفيما ليس لهما، وكتب في كتاب: قولان) أي هذا معطوف على قوله: إلا أن يشخص أي أو يكون الحق مكتوبا في كتابين، كما إذا باعا فرسا مثلا بمائة، فكتب كل منهما خمسين في كتاب عنده، فإنه لا يدخل مع صاحبه إذ اقتضى من الغريم حقه أو صالحه فيه.
وقوله: وفيما ليس أصله مشتركا بينهما وباعاه له، وكتباه في كتاب واحد قولان، وهذا إنما يتصور إذا جمعا سلعتيهما في صفقة واحدة بناء على القول بجوازه.
قوله: (ولا رجوع إن اختار ما على الغريم) أي وحيث لصاحبه الدخول عليه وله الترك، فإن ترك الدخول معه واختار ما على الغريم فلا رجوع له، (وإن هلك) ما على الغريم بموت أو فلس لأنه قد رضي به.
قوله: (وإن صالح على عشرة من خمسينه، فللآخر إسلامها، أو أخذ خمسة من شريكه، ويرجع بخمسة وأربعين، ويأخذ الآخر خمسة) أي فإذا باع الشريكان متاعا لهما لرجل بمائة مثلا ثم صالح أحدهما الغريم من خمسينه، أو خذ خمسة من صاحبه الذي صالح ثم يرجع على الغريم بخمسة وأربعين الباقية من حقه، ويأخذ منه الذي صالحه بخمسة التي أخذ منه صاحبه.
قوله: (وإن صالح بمؤخر عن مستهلك لم يجز إلا بدراهم، كقيمته فأقل، أو ذهب كذلك، وهو مما يباع به) أي وإن صالح الطالب لمستهلك بشيء مؤخر لم يجز، لأنه فسخ دين في دين، إلا أن يكون الذي صالح به دراهم (^٢) مثل قيمة المستهلك فأقل فيجوز ذلك الصلح، لأنه إن صالحه بمثل القيمة فقد أحسن إليه بالتأخير، وإن صالحه على أقل من القيمة فقد أحسن إليه بالتأخير والإسقاط، فلا يجوز أن يصالحه بأكثر لأنه سلف بزيادة، والذهب كالدراهم في هذا، إنما يجوز هذا كله إذا كان المستهلك مما يباع بالوزن والذهب، وإلا فلا يجوز، لأنه صرف مستأخر.
_________________
(١) أبو الحسن على بن عبد الرحمن اليفري الشهير بالطنجي: الفقيه الحافظ أخذ عن أبي الحسن الصغير وغيره، وعنه الإمام السطي وغيره له تقييد على المدونة. مات سنة: ٧٣٤ هـ .. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٣١٣/ ٧٩٨: الترجمة.
(٢) ن: حرام
[ ٣ / ٨٣ ]
قوله: (كعبد آبق) يحتمل أن يكون تمثيلا، ويحتمل أن يكون تنظيرا.
قال في التهذيب: وإن غصبك عبدا فأبق منه، لم يجز أن تصالحه على عرض مؤجل، وأما على دنانير مؤجلة، فإن كانت كالقيمة فأقل جاز، وليس هذا من بيع الآبق. انتهى منه (^١).
قوله: (وإن صالح بشقص عن موضحتي عمد وخطأ، فالشفعة بنصف قيمة الشقص، وبدية الموضحة. وهل كذلك إن اختلف الجرح تأويلان) أي أحدهما عمدا والآخر خطأ فأخذ الشقص بالشفعة، فالشفعة تؤخذ بنصف قيمة الشقص مقابلة موضحة العمد، ودية الموضحة الخطأ كله، لأن المعلوم والمجهول إذا اجتمعا يقسم بينهما عند ابن القاسم، وهل كذلك تكون الشفعة بنصف قيمة الشقص مقابلة العمد ودية الخطإ إن اختلف الجرح كالموضحة، وقطع اليد أو غير ذلك، أو إنما تكون الشفعة بقدر ديات الجراح فيه تأويلان على المدونة. وبالله التوفيق.
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ١١٢.
[ ٣ / ٨٤ ]