قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل أمهات الأولاد، ويقال: الأمهات لبنات آدم والأمهات لغيرهن.
الأم في اللغة الأصل، كل من ولدت يقال لها: أم.
وفي اصطلاح الفقهاء: أم الولد أمة أو لدها سيدها، ولأم الولد عشرة أحكام، ولها حكم الحرة منها ستة، وهي ألا تباع ولا توهب ولا تؤاجر ولا ترهن ولا تسلم في الجناية، ولا تستخدم خدمة كثيرة، ولها حكم الأمة في أربعة منها: جبرها على النكاح، وجبرها على الاستمتاع، وانتزاع ما لها ما لم يمرض مرضا مخوفا، وتسخدم خدمة يسيرة كالعجن والخبز والكنس.
قوله: (إن أقر السيد بوطء ولا يمين إن أنكر أي وإن أقر المالك بوطء أمته فأتت بولد لحق به، وتكون به أم ولد، وإن ادعت عليه الوطء، فأنكر فإنه لا يمين عليه، وإن كانت رائعة لأن دعواها دعوا العتاق.
قوله: (كأن استبرأ بحيضة ونفاه) تشبيه أي وإن أقر بوطئها وادعى استبراءها بعد الوطء بحيضة، ونفى الولد والحال أن الولد ولد لستة أشهر فأكثر، فإنه لا يمين عليه ولا يلحق به الولد.
وقوله: (وولدت لستة أشهر) نظر الشرع هنا إلى النادر لا الغالب لأن الغالب في وضع الحمل تسعة أشهر. انتهى.
قوله: (وإلا لحق به، ولو أتت لأكثره، إن ثبت إلقاء علقة ففوق، ولو بامرأتين) أي وإن لم يكن الأمر كذلك أي وإن لم يدع الاستبراء، أو ادعاه وولدت لدون ستة أشهر، لحق به الولد ولو أتت به لأكثر أمد الحمل، هذا كله إن ثبت إلغاء علقة فما فوق منها.
العلقة هي المضغة، هذا قول أشهب ومشى عليه المصنف هنا هـ وهو قليل، وأما ابن القاسم تكون أم ولد بإلقاء دم مجتمع، وبه تخرج المعتدة من العدة، وتستبرأ به الأمة وتكون به الغرة أي غرة الجنين، وتثبت العلقة بشهادة امرأتين.
قوله: (كادعائها سقطا) تشبيه أي فإذا ادعت الأمة الموطوءة أنها أسقطت هذا السقط فإنها تصدق إذا شهدت امرأتان أنهما (رأين أثره) منها.
[ ٣ / ٥٥٥ ]
السقط بضم السين وفتحها وكسرها.
قوله: (عتقت من رأس المال) أي وهو جواب الشرط من قوله: إن أقر السيد بوطء وما قاله الشيخ البساطي هنا غير ظاهر.
قوله: (وولدها من غيره، ولا يرده دين سبق) أي تعتق من رأس مال السيد هي وولدها من غير السيد الحاصل بعد الاستيلاء، وأما ولدها قبله فقن، فلا يرد الدين السابق من الإستيلاد عتقها، وأحرى من اللاحق.
قوله: (كاشتراء زوجته حاملا) أي فإن اشترى زوجته وهي حامل، فإنها تكون أم ولد بذلك الحمل، وهذا إذا لم يكن الحمل ممن يعتق على سيدها كما إذا تزوج أمة والده فحملت ثم اشتراها، فلا تكون بذلك الحمل أم ولد، لأن الولد يعتق على سيدها.
قوله: (لا بولد سبق، أو ولد من وطء شبهة) أي لا تكون أم ولد سابق من الاستبراء، وكذلك لا تكون أم ولد بولد نشأ عن وطء شبهة كالغالط والمكره.
قوله: (إلا أمة مكاتبه أو ولده) استثناهما من وطء الشبهة أي إلا إذا وطء أمة مكاتبه، أو أمة ولده فولدت، فإنها تكون به أم ولد، ولو كان ذلك الوطء وطء شبهة لقوة الشبهة فيهما.
قوله: (ولا يدفعه عزل، أو وطء بدبر، أو فخذين إن أنزل) أي وإن أقر بوطئها وادعى عزل المني عنها، فإن ذلك لا يدفع الولد عنه إذ الماء قد يسبق، ومن الناس من يمني بأول الملاقاة وبلا تدفق، وكذلك إذا أقر بوطء في دبرها أو بين فخذيها، فإن الولد لا يندفع بذلك إن أنزل، وأما إن لم ينزل فإن الولد يندفع إن نفاه. واستشكل الباجي لحوق الولد بوطء بين الفخذين، لأن الماء إذا مسه الهواء لم يتخلق منه الولد، وجاز العزل من الزوجة الحرة بإذنها والأمة بإذن سيدها مع إذنها، وأما ما يبرد الرحم حتى لا يقبل الولد فلا يجوز، وكذلك لا يجوز إخراج المني بعد حصوله في الرحم، وكذلك لا يجوز ما يقطع المني.
قوله: (وجاز إجارتها برضاها، وعثق على مال) أي وجاز للسيد إجارة أم ولده، ولكن لا يجوز إلا برضاها، وكذلك الزوجة الحرة يجوز إجارتها إذا رضيت، وكذلك يجوز عتق أم الولد على أن تدفع له مالا معجلا، أو مؤجلا في مدتها إذا رضيت بالمال.
قوله: (وله قليل خدمة وكثيرها في ولدها من غيره) أي وللسيد على أم الولد خدمة
[ ٣ / ٥٥٦ ]
قليلة وله كثير الخدمة من ولدها.
قال الباجي: الأظهر أن يكون له فيها خدمة كثيرة.
قوله: (وأرش جناية عليهما، وإن مات فلوارثه، والاستمتاع بها وانتزاع مالها ما لم يمرض، وكره له تزويجها وإن برضاها) أي فإذا جنى على أم الولد فأرش جنايتها لسيدها لا لها، وإن مات السيد بعد الجناية وقبل أخذ الأرش، فالأرش لوارثه، لأن من مات عن حق فلورثته. وروى يتبعها كما يتبعها مالها، وكذلك للسيد الاستماع بها كالأمة، وكذلك له انتزاع مالها ما لم يمرض مرضا مخوفا، يكره له تزويجها وإن رضيت لأن ذلك ليس من مكارم الأخلاق، فإن أراد تزويجها والسلامة من الكراهة فليبتل لها العتق.
فإن قلت: هل يزوج الحاكم أمة بغير إذن سيدها، سواء كان السيد حاضرا أو غائبا؟.
قلت: هذا مذكور في أم الولد إذا عجز السيد عن نفقتها.
حكى ابن يونس عن بعض القرويين: أنها تزوج إذا كان سيدها حاضرا وعجز عن نفقتها.
قال: وهو أولى من إخراجها عنه بالعتق.
وأما إذا كان سيدها غائبا فأفتى ابن عتاب بتعجيل عتقها إذا تركها بلا نفقة، وكذلك بعد التلوم كالشهر ونحوه.
وأفتى غيره أنها تزوج لمغيب سيدها.
وقال ابن العطار: إنها تستسعى في إقامة معاشها. انتهى من درة الغواص لابن فرحون (^١).
قوله: (ومصيبتها إن بيعت من بائعها، ورد عتقها) أي وإذا باع السيد أم ولده فماتت عند المبتاع، فإن مصيبتها على البائع ويرجع عليه المبتاع بالثمن، فإن كان المبتاع أعتقها فإن العتق يرد وترد إلى سيدها، ويرجع المبتاع عليه بالثمن، وإن أو لدها المبتاع وهو عالم أنها أم ولد غرم قيمة الولد، وإن لم يعلم هل يغرمه أم لا، لأن السيد هو الذي سلطه عليها قولان، فإن قلت: هل يجوز بيع أم الولد؟.
قلت: يجوز في ست مسائل:
_________________
(١) درة الغواص لابن فرحون: ص: ١٩٦، ١٩٧، الرقم: ٢٩٦.
[ ٣ / ٥٥٧ ]
الأولى: إذا رهن أمته ثم وطئها، فحملت ووضعت وحل الأجل والراهن معسر.
الثانية: الأمة الجانية إذا وطئها سيدها بعد علمه بالجناية وهو عديم، فإنها تسلم للمجني عليه.
الثالثة: الابن العديم يطء أمة من تركة أبيه، ودين الأب محيط بماله والابن عالم به في حالة الوطء.
الرابعة: أمة المفلس إذا وطئها بعد وقفها للبيع فحملت.
الخامسة: أحد الشريكين يطأ الأمة بينهما وهو معسر.
السادسة: العامل يطأ أمة القراض وهو معسر. انتهى.
قوله: (وفديت؛ إن جنت بأقل القيمة يوم الحكم والأرش) أي وإذا جنت أم الولد فعلى السيد فداؤها بأقل من القيمة يوم الحكم أو الأرش الأقل منهما، وهذه المسألة مما تشبه فيه أم الولد الحرة، فلا تسلم في الجناية بخلاف العبد.
قوله: (وإن قال في مرضه: ولدت مني، ولا ولد لها صدق إن ورثه ولد) أي وإن قال رجل في مرضه المخوف الذي مات فيه هذه الأمة ولدت مني، ولا ولد لها، وأحرى إن كان لها ولد، فإنه يصدق بشرط أن يكون وارثه ولده ذكرا كان أو أنثى إذ لا يتهم، ظاهره قال ذلك بعد أن باعها أم لا، ومفهوم الشرط إذا ورثه غير الولد فلا يصد لأنه يتهم.
قوله: (وإن أقر مريض بإيلاد أو بعثق في صحته لم تعتق من ثلث ولا من رأس مال) فرق الشيخ بين العبارتين وهما بمعنى الفرق بينهما أنه أطلق في الأولى وقيد في الثانية بالصحة أي وإن أقر المريض في مرض مخوف أنه أولد هذه الأمة في صحته، أو أنه أعتقها في صحته لم تعتق عليه من ثلثه، لأنه أقر أنه فعل صحة ولا من رأس المال، لأنه فعل مريض وهذا كله إن لم يرثه ولد بدلالة ما قبله، وقيد الصحة راجع على الإيلاد، والعتق عند صاحب فتح الجليل، والبساطي، وأما ابن غازي فعلى العتق فقط.
قوله: (وإن وطئ شريك فحملت غرم نصيب الآخر، فإن أعسر خير في اتباعه بالقيمة يوم الوطء، أو بيعها لذلك وتبعه بما بقي وبنصف قيمة الولد) أي وإن وطء أحد الشركاء أمة الشركة فحملت منه غرم نصيب شريكه إن كان موسرا وإن كان معسرا خير الشريك الذي لم يطأ في اتباع الواطئ بقيمتها يوم وطئها أو بيعها لأجل ذلك أي أو
[ ٣ / ٥٥٨ ]
بيع الجزء المقوم، فإن ساوى القيمة فلا كلام، وإن كان الجزء أكثر من القيمة بيع منه ما يقابل القيمة، وإن نقص الجزء عن القيمة اتبعه بما بقي حتى يفرج الله عنه، إنما تعتبر القيمة يوم الوطء لا غيره، ويتبعه بنصف قيمة الولد، وأما إن وطئها أحد الشريكين ولم تحمل، فإن غير الواطئ يخير بين التزامه القيمة، أو إبقائها من الشركة ويؤدب الواطئ.
قوله: (وإن وطناها بطهر فالقافة، ولو كان ذميا، أو عبدا) أي وإن وطئ الشريكان أمة الشركة في طهر واحد تدعي لهما القافة، فأيهما ألحقته كان الولد له، وكانت الأمة أم ولد له مسلما كان أو ذميا، حرا أو عبدا.
وقول المصنف ﵀: ولو كان ذميا خالف عادته أن لو يشير به إلى خلاف مذهبي، وهنا لا خلاف فيه لأهل المذهب.
قوله: (فإن أشركتهما فمسلم، ووالى - إذا بلغ - أحدهما) أي فإن أشتركت القافة المسلم والذمي في الولد، فإن الولد مسلم لأن الإسلام يعلو، الأصل أن كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (^١)، وكذلك إن قالت المرأة: لا شيء لهما فيه، فإنه مسلم، إذا بلغ ذلك الطفل وإلا أي الأبوين شاء منهما.
قوله: (كأن لم توجد. وورثاه إن مات أولا). تشبيه، أي وكذلك إذا لم توجد القافة فإن الولد مسلم، فإذا بلغ وإلا أيهما شاء ومن والا منهما فحكمه كحكمه، وإن مات الولد قبل البلوغ ورثاه على السوية.
قوله: (وحرمت على مرتد أم ولده حتى يسلم، ووقفت) أي فتوقف، فإن مات على ردته عتقت من رأس المال، وإن رجع إلى الإسلام ردت إليه بخلاف الزوجة، فبنفس الإرتداد - والعياذ بالله من الردة - تنقطع العصمة بينهما.
قوله: (كمدبره) أي كما يوقف مدبر المرتد، فإن مات على كفره عتق من ثلثه وإن رجع إلى الإسلام رد إليه.
وقوله: (إن فر لدار الحرب) راجع إلى المسألتين، وخالف الشيخ ﵀ قاعدته الأكثرية، أن الشرط إنما يعود لما بعد الكاف، لأن الشرط هنا عائد على ما قبل
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: (٢٩)، كتاب الجنائز. (٧٨) - باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام. الحديث: ١٢٩٢. وأخرجه الإمام احمد في مسنده: مسند أبي هريرة الحديث: ٧١٨١.
[ ٣ / ٥٥٩ ]
الكاف من أم ولد وما بعد الكاف من مدبر.
قوله: (ولا تجوز، كتابتها وعتقت إن أدت) أي ولا يجوز كتابة أم الولد، فإن وقع ونزل ولم يطلع عليه حتى أدت النجوم عتقت ولا ترجع على السيد لأن له انتزاع لما لها.
[ ٣ / ٥٦٠ ]
فصل [في بيان أحكام الولاء]
قوله: (فصل) هذا فصل يذكر فيه مستحق الولاء. الولاء بفتح الواو وأصله من الولي وهو القريب، وأما من الإمارة فبالكسر.
وقيل: يقال فيهما بالوجهين.
والولي لغة يطلق على المعتق والناصر والقريب والحليف والقائم بالأمر والنظار لليتيم. والمراد به هنا ولاية الإنعام. إكمال الإكمال (^١).
وحقيقة الولاء أنه لحمة كلحمة النسب، فإن للمعتق سبب لموجود الرقيق لنفسه بالعتق.
قوله: إنما يصح أي إنما عند الأصوليين للحصر تثبت الحكم المذكور وتنفيه عمن سواه، وعبر عنها بعضهم بتحقيق المتصل وتمحيص المنفصل، وسبب الولاء إزالة الملك للحرية بعتق أو تدبير، أو إيلاد، أو بعوض من العبد أو شراء من نفسه أو بعوض من غيره، كالعتق عنك بأمرك أو بغير أمرك. انتهى.
كما أن الولد كان معدوما والأب هو الذي تسبب في وجوده، وهو وجه التشبيه.
وعلى هذا المعنى نبه الحديث إذ قال ﷺ: «لا يجزى ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» (^٢)؛ لأنه إذا أعتقه فقد كافاه، إذ صار سببا لوجوده الحكمي، كما كان الأب سببا لوجوده الحسي.
قوله: (الولاء لمعتق، وإن ببيع من نفسه، أو عتق غير عنه بلا إذن، أو لم يعلم سيده بعتقه حتى عتق)، ولفظ الحديث أعم: «إنما الولاء لمن اعتق» (^٣) أي إنما يكون الولاء لمن أعتق سواء نجز عتقه، أو أعتقه إلى أجل، أو دبره، أو استولد أو كاتب أو قاطع، وإليها أشار بقوله: وإن ببيع من نفسه وكذلك إن اعتق غيره عنه وإن بلا إذن وأحرى
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٨٦.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: (٢٠). كتاب العتق. (٦). باب فضل عتق الولد. الحديث: ٢٥ (١٥١٠). وأخرجه الترمذي في سننه: (٢٥). كتاب البر والصلة. (٨). باب ما جاء في حق الوالدين. الحديث: ١٩٠٦
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: (٨٨) - كتاب الفرائض (١٨) - باب الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط. الحديث: ٦٣٧١. ومسلم في صحيحه (٢٠). كتاب العتق (٢). باب إنما الولاء لمن أعتق. الحديث: ٥ (١٥٠٤).
[ ٣ / ٥٦١ ]
بالإذن، لأنه يقدر أنه ملكه قبل العتق حاضرا كان أو غائبا حيا أو ميتا، فإن الولاء له.
قال أشهب: الولاء لمعتق.
عياض: وبقي هنا سؤال مشكل وهو إذا قال أنت حر ولا ولاء لي عليك فالتزم ابن القصار أن الولاء للمسلمين كما لو قال أنت حر على المسلمين وقال غيره الولاء للمعتق لأن بقوله: أنت حر ثبت الولاء.
وقوله: ولا ولاء لي عليك جملة أخرى مستأنفة هي في نفسها كذب، والكذب لا حكم له. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
وكذلك الولاء للعبد إذا عتق عبده، ولكن لم يعلم السيد بعتقه حتى أعتق العبد، وهذا إذا لم يستثن السيد مال العبد، وأما إن استثناه فالولاء له، وكذلك الولاء للسيد إذا علم بعتق العبد وسكت لأن سكوته رضى بالعتق.
قوله: (إلا كافرا أعتق مسلما، ورقيقا إن كان ينتزع ماله) أي استثنى هذان من قوله: الولاء لمعتق أي فإن اعتق كافر عبده المسلم، سواء ملكه مسلما أو كافرا، ثم أسلم عنده، فإن الولاء ليس له، بل ولاؤه لجميع المسلمين، وإن أسلم المعتق بعد ذلك فلا يرجع إليه الولاء، لأن الولاء قد ثبت للمسلمين، وكذلك إذا عتق رقيق عبده، وأجازه السيد، فإن الولاء للسيد لا للعبد المعتق إن كان السيد له انتزاع مال الرقيق، وأما إن لم يكن له انتزاعه كالمكاتب، والمعتق إلى أجل إن قرب حلوله، أو مدبر في مرض ونحوه، فإن الولاء الرقيق المعتق.
قوله: (وعن المسلمين الولاء لهم كسائبة، وكره) أي وإن أعتق عبده على المسلمين فإن الولاء لهم لا للمعتق، وكذلك الولاء للمسلمين إذا سيب عتق عبده، كما إذا قال له: أنت حر سائب، وكره التلفظ بالسائبة لأنه من أمر الجاهلية.
قوله: (وإن أسلم العبد عاد الولاء بإسلام السيد) أي وإن اعتق كافر عبده الكافر ثم اسلم العبد، فإن ولاءه للمسلمين، فإن أسلم السيد المعتق له عاد الولاء إليه.
قوله: (وجر ولد المعتق كأولاد المعتقة إن لم يكن لهم نسب من حر) أي وجر الولاء ولد المعتق كما يجر الولاء ولد المعتقة، إذا لم يكن للولد نسب من أب أو جد حر، كما إذا كان الولد من زنى أو غصب.
قوله: (إلا لرق، أو عتق لآخر) هذا راجع إلى قوله: وجر ولد المعتق وأجر أولاد
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٨٦/ ٢٨٧.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
المعتقة أي وجر الولاء ولد المعتق، إلا أن يكون الولد رقيها أو مسه رق شخص آخر ثم أعتقه.
قوله: (ومعتقهما) أي ويجر الولاء ولاء معتقهما، فإذا أعتق عبدا أو أمة ثم أعتق ذلك العبد، أو الأمة عبدا، فإن ولاء العبد الأسفل وأولاده يكون للسيد الأعلى.
قوله: (وإن أعتق الأب، أو استلحق رجع الولاء لمعتقه من معتق الجد والأم) إلى آخره أي فإذا كانت الأم معتقة، وكان الأب والجد رقيقين، فإن ولاء الأولاد لمعتق الأم، فإن عتق الجد بعد ذلك رجع ولاء الأولاد لمعتقه، ثم إن عتق الأب رجع ولاؤهم لمعتقه دون معتق الجد والأم، وكذلك الولاء عن الأب في نفي الولد، فإن الولاء لمعتق الأم، لأن نسبه قد انقطع، فإن استلحقه بعد ذلك رجع الولاء لمعتق الأب لأنه أولى من معتق الأم.
قوله: (والقول لمعتق الأب لا لمعتقها، إلا أن تضع لدون ستة أشهر من عتقها) أي وإن تنازع معتق الأب ومعتق الأم في ولاء الأولاد، قال معتق الأب: حملت به بعد العتق ليكون ولاء الأولاد له، وقال معتق الأم أنها كانت حاملا به يوم العتق ليكون ولاء الولد له، لكونه قد مسه الرق في بطن أمه، فإن القول في ذلك قول معتق الأب، لأن الأصل عدم الحمل يوم عتقها، إلا أن تضع لدون ستة أشهر، فيكون الولاء لمعتق الأم، لأنه قد تبين أنه كان في بطنها يوم العتق، وكذلك إذا كان حملها ظاهرا، فلو وضعته لستة أشهر فأكثر، فإن ولاءه يكون لمعتق الأب.
قوله: (وإن شهد واحد بالولاء، أو اثنان بأنهما لم يزالا يسمعان أنه مولاه أو ابن عمه لم يثبت، لكنه يحلف ويأخذ المال بعد الاستيناء) إلى آخره أي وإن شهد شاهد واحد على القطع بالولاء، أو شهد شاهدان أنهما لم يزالا يسمعان من الثقاة وغيرهم أنه مولاه أو ابن عمه، لم يثبت بذلك الولاء ولا النسب، وأما المال فإنه يأخذه بعد يمينه وبعد الإستيناء لعله يأتي من هو أقوى منه حجة.
وفي الطرر لابن عات: ولو شهد الشهود في الحرية على العلم، لم تجز الشهادة ولم توجب حكما.
ولا تكون الشهادة في ذلك إلا على البت قال ابن عتاب في آخر مسائل العتق: وانظر لو شهد أنها تتصرف تصرف الحرائر ولم يشهد أنها حرة، ففي الأول من أحكام ابن سهل: أن بين الشيوخ فيها اختلافا، فقال ابن عتاب: الشهادة بذلك عاملة
[ ٣ / ٥٦٣ ]
والحرية ماضية.
وقال ابن القطان: الشهادة ناقصة غير تامة.
وقال ابن مالك مثل قول ابن القطان. قال: وإلا بقي يتصرف تصف الأحرار.
انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: (وقدم عاصب النسب، ثم المعتق، ثم عصبته كالصلاة، ثم معتق معتقه، ولا ترثه أنثى إن لم تباشره بعتق، أو جره ولاء بولادة، أو عتق) إلى آخره أي فإن مات المعتق، فإنه يقدم عاصب النسب فيرثه فإن لم يكن له عاصب النسب فمعتقه أولى، فإن لم يكن المعتق فعصبة المعتق أولى فهذا الحكم كحكم الصلاة عليه، فإن العاصب يقدم ثم المعتق ثم عصبته فإن لم يكن أحد من هؤلاء، فإن معتق معتقة أولى به ولا ترثه الأنثى الولاء، إلا إذا باشرت العتق بنفسها أو جره ولاء من أعتقه إليها بولادة أو عتق.
وللولاء أحكام مختصة به للسنة منها: أنه لا يورث إلا بالتعصيب، فلا تدخل فيه النساء إلا فيما أعتقن، أو أعتق من أعتقن.
ومنها: أنه لا يورث إلا في الكبير، فلا تستحق البطن الثانية شيئا ما بقي من البطن الأول أحد. انتهى إكمال الإكمال (^٢).
قوله: (ولو اشترى ابن وبنت أباهما، ثم اشترى الأب عبدا فمات العبد بعد الأب ورثه الابن) إلى آخره أي وإن ملك ابن وبنت أباهما، فإن الأب يعتق بنفس الملك، ثم إن اشترى هذا الأب عبدا فاعتقه ثم مات العبد بعد موت الأب، فإن الابن يرث العبد العتيق دون البنت لأنه عاصب الأب والبنت معتقته، وقد علمت أن العاصب يقدم على المعتق، فلو مات الأب قبل العبد فإن الولاء للأب.
قوله: (وإن مات الإبن أولا فللبئت النصف لعتقها نصف المعتق، والربع لأنها معتقة نصف أبيه) إلى آخره أي فإن مات الابن بعد موت الأب وقبل موت العبد العتيق، ثم مات العبد العتيق، فإن البنت لها النصف من ميراث العبد لأجل عتقها نصف معتقه وهو أبوها، ويكون لها الربع أيضا لأنها من الموالي وهما: هي وأخوها، لأنها معتقة نصف أي معتق النصف.
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢١٥.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٣٠٣.
[ ٣ / ٥٦٤ ]
قوله: (وإن مات الابن، ثم الأب فللبنت النصف بالرحم، والربع بالولاء، والثمن بجره)
أي وإن مات هذا الابن أولا، ثم مات أبوه بعده، فللبنت النصف من ميراث الأب بالرحم، ولها الربع أيضا بالولاء الذي لها في أبيها، لأنها أعتقت نصفه، ولها الثمن أيضا، لأن الربع الباقي لأخيها، فيكون لموالي أبيه، وموالي أبيه هي وأخوها، فلها نصفه وهو الثمن، وما بقي لموالي أبيها إن كانوا وإلا فلبيت المال.
[ ٣ / ٥٦٥ ]