قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل التفليس.
التفليس خلع الرجل من ماله للغرماء.
أفلس الرجل معناه لغة صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دنانير وفي عرف الشرع من قصر ما بيده عما عليه من الديون. وفي عرف العرب من لا عين له ولا عرض.
والفلس بالتحريك العدم أي صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دنانير ودراهم.
والفلس واحد الفلوس والفلس اسم صنم (^١)، وللفلس أربعة أحكام:
الأول: منع التصرف في المال الموجود.
الثاني: بيع ماله وقسمته.
الثالث: حبسه إلى ثبوت عسره.
الرابع: الرجوع إلى عين المال.
قوله: ﴿للغريم: منع من أحاط الدين بماله من تبرعه﴾
الغريم مأخوذ من اللزوم لقوله تعالى: ﴿إن عذابها كان غراما﴾ [الفرقان: ٦٥] أي ملازما، وقال الحسن: كل ملازم يفارق إلا النار.
قوله: وللغريم أي ولرب الدين منع من أحاط الدين بماله من تبرعه كالصدقة والهبة، إلا ما جرت به العادة وهو محمول على عدم الإحاطة حتى يثبت التبرع وهو التطوع، وقيل: التبرع ما كان من غير سؤال، والتطوع ما كان بسؤال.
قوله: (ومن سفره إن حل بغيبته) أي ولرب الدين منع غريمه من سفره بشرط أن يحل أجل الدين في حال غيبة الذي عليه الدين، وإن لم يحط الدين بماله إذ منع السفر لكل غريم، وإن لم يحط الدين بماله إذا كان أجل دينه يحل في غيبته، وأما إذا كان يرجع من غيبته قبل حلول الأجل فليس له منعه، وهل يحلف؟ أي وهل يحلف أنه غير فار بسفره؟ أم لا قولان.
_________________
(١) صنم لطيء انظر خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب المؤلف: عبد القادر بن عمر البغدادي سنة الولادة ١٠٣٠/ سنة الوفاة ١٠٩٣ هـ. تحقيق: محمد نبيل طريفي/ اميل بديع اليعقوب، ج ٧، ص: ٢٠٩، الناشر: دار الكتب العلمية سنة النشر: ١٩٩٨ م مكان النشر: بيروت
[ ٣ / ٤١ ]
ابن يونس: قال ابن أبي زمنين وعليه أن يحلف ما يريد الفرار من الحق وأنه ينوي الرجوع عند الأجل ليقضي ما عليه قاله عيسى عن ابن القاسم. قال بعض أصحابنا وإنما تكون اليمين على المتهم بذلك انتهى من التقييد.
قوله: (وإعطاء غيره قبل أجله، أو كل ما بيده) أي ولرب الدين منع غريمه من إعطاء غيره من الغرماء قبل حلول أجل دينه لأن ذلك من التبرع، وكذلك لرب الدين منعه من إعطاء كل ما بيده لبعض غرمائه وإن بعد حلول الأجل. انتهى.
قوله: (كإقراره لمتهم عليه على المختار والأصح) أي ولرب الدين منع غريمه من إقراره لمتهم عليه لاتهامها على التواطؤ على ذلك وهذا هو المختار من الأقوال عند اللخمي وهو الأصح عند بعضهم مقابله يجوز إقراره له.
قوله: (لا بعضه ورهنه، وفي كتابته قولان) أي ليس للغريم المحيط دينه منع غريمه من إعطاء بعض ما بيده أو رهنه لبعض غرمائه.
قال ابن القاسم: وكذلك لو فطن أحد الغرماء باستغراقه وبادر الغرماء، فهو أحق ما لم يكن الغرماء قد تشاوروا كلهم على تفليسه.
وقال أصبغ هو أحق ولو تشاوروا. انتهى من التاج والإكليل (^١).
وهل له منعه من كتابة عبده؟ أم لا قولان بناء على أن الكتابة عتق له المنع، أو بيع فليس له منعه.
قوله: (وله التزوج) أي وللغريم الذي عليه الدين المحيط أن يتزوج لأن الغرماء دخلوا على ذلك وهذا قبل التفليس وأما بعده فقال في المدونة: وليس للمفلس أن يتزوج بالمال الذي فلس فيه وله أن يتزوج فيما بعده. انتهى (^٢).
قال في المقدمات: يجوز إنفاقه المال على عوض يجوز فيما جرت العادة بفعله كالتزوج والنفقة على الزوجة (^٣).
قوله: (وفي تزوجه أربعا، وتطوعه بالحج تردد هذان فرعان في كل فرع تردد أي وفي جواز تزوجه أربعا وعدم جوازه تردد.
ابن عرفة: الظاهر منعه من تزويج ما زاد على الواحدة لقلته عادة، وكذلك طلاقه
_________________
(١) التاج والإكليل: ج ٦، ص: ٥٩٤.
(٢) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ٢٥٦.
(٣) المقدمات لابن رشد: ج ٢، ص ٣٥
[ ٣ / ٤٢ ]
وتكرر تزويجه لمطلق شهوته. انتهى.
وكذلك التردد في تطوعه بالحج إلا أن ابن رشد لم يتردد في حج التطوع، وإنما تردد في حجة الفريضة قبل خوف الفوات فلعل مراد المصنف التطوع بتقديم حجة الفرض وسماه تطوعا باعتبار القول بالتراخي.
قوله: (وفلس حضر أو غاب، إن لم يعلم ملاؤه) أي وفلس الغريم الحاضر حضر المال أو غاب، وكذلك الغائب يفلس إن حضر المال إن لم يعلم ملاؤه بل علم عسره أو جهل حاله، وأما إن علم ملاؤه فلا يفلس هذا إن غاب غيبة بعيدة، وأما القريبة فإنه يستبرأ عن حاله.
قوله: (بطلبه، وإن أبى غيره، دينا حل زاد على ماله، أو بقي ما لا يفي بالمؤجل) أي إنما يفلس المحيط بالدين إذا طلب الغريم فلسه إذ ليس للإمام أن يفلسه بغير (إذن) (^١) غريمه، ولا للذي عليه الدين أن يفلس نفسه، وللغريم أن يفلس رب الدين وإن أبي غيره من الغرماء من ذلك.
قوله: دينا حل أي ومن شرط التفليس أن يكون الدين الذي طلب فلسه حالا زاد على مال المفلس أو لم يزد عليه ولكن لا يفي ما بقي بعد الحال بالدين المؤجل عليه.
قوله: (فمنع من تصرف مالي) أي فبسبب الفلس يمنع المفلس من تصرف مالي هذا هو المذهب.
ابن عبد السلام: المذهب منع صحة معاملته، ولذلك حجر عليه، ولو كان يصح بيعه وشراؤه ما كان للحجر عليه فائدة.
ابن عرفة: المذهب كله على وقف تصرفه على نظر الحاكم ردا وإمضاء، وهو نقل اللخمي والمازري وابن رشد وغيرهم من حفاظ المذهب. انتهى من فتح الجليل (^٢).
قوله: (لا في ذمته) أي لا يمنع المفلس من إدخال شيء في ذمته مثل أن يقول لشخص: لك علي مائة صدقة ولكن لا يدفعها إليه إلا بعد قضاء الديون المفلس فيها.
_________________
(١) ن: طلب.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٣، بعد قول خليل في باب التفليس: فمنع من تصرف مالي.
[ ٣ / ٤٣ ]
قوله: (كخلعه، وطلاقه، وقصاصه، وعفوه، وعتق أم ولده، وتبعها مالها إن قل) إلى آخره أي كما ليس لرب الدين منع غريمه من خلعه وطلاقه، وأخذه قصاصا لنفسه أو لعبده أو عفوه عن دم وعتق أم ولده، وهذا إذا أولدها قبل الفلس، وأما بعد الفلس فإنها تباع بعد الوضع، والولد لاحق النسب، فإن عتقت يتبعها مالها إن كان قليلا وإن كان كثيرا فلا يتبعها.
قوله: (وحل به وبالموت ما أجل، ولو دين كراء، أو قدم الغائب مليا) أي وحل بالفلس وبالموت كل دين مؤجل لأن الذمة قد خربت، ولو كان ذلك الدين المؤجل دين كراء على المشهور، وقيل: لا يحل، وكذلك إن قدم الغائب مليا، لأن الحكم قد مضى، وقيل: لا يحل المؤجل بسبب الفلس إن قدم الغريم مليا، لأن الأمر انكشف على خطأ الإمام، وهذا الخلاف فيما قبل القبض، وأما إن قبض الدين قبل قدومه فلا خلاف أنه ماض.
قوله: (وإن نكل المفلس، حلف كل، كهو، وأخذ حصته. ولو نكل غيره على الأصح) أي وإن أقام المفلس شاهدا بدين له على رجل فنكل عن اليمين مع شاهده حلف كل من غرمائه بأنه كما يحلف على جميع المال بالله الذي لا إله إلا هو أن ما شهد به الشاهد لحق، ومن حلف من الغرماء يأخذ حصته من المحاصة، ولو نكل غيره على القول الأصح، وقيل: إن نكل غيره يأخذ جميع دينه، وأما غير المفلس إذا أقام شاهدا بدين له على رجل فنكل عن اليمين مع شاهده فإنه لا شيء له.
قوله: (وقبل إقراره بالمجلس، أو قربه، إن ثبت دينه بإقرار لا ببينة) أي وقبل إقراره أي المفلس لمن لا يتهم عليه في مجلس المفلس أو قربه، بشرط أن الدين الذي فلس بسببه ثبت بإقرار لا ببينة، وأما إن ثبت ببينة فلا يقبل إقراره له بغير بينة لأنه إقرار على الغير.
قوله: (وهو في ذمته) أي فيما أقر به فهو في ذمته إن أفاد مالا.
قوله: (وقبل تعيينه القراض والوديعة إن قامت بينة بأصله) أي ويقبل تعيين المفلس القراض والوديعة إن قامت بينة بأصل ذلك، وإن لم تعينه البينة ولا عينت أربابها، ومفهوم قوله: قبل تعيينه أنه لو قال لفلان في مالي قراض أو وديعة لم يقبل وهو كذلك نص عليه في الجواهر. انتهى من فتح الجليل (^١).
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٣، بعد قول خليل في باب التفليس: إن قامت بينة بأصله.
[ ٣ / ٤٤ ]
قوله: (والمختار قبول قول الصانع بلا بينة) أي والمختار عند اللخمي قبول قول الصانع في التعيين بلا بينة على أصله لأن كل ما عندهم للناس.
قوله: (وحجر أيضا إن تجدد مال) أي وإن أفاد المفلس مالا بعد أخذ الغرماء ما بيده، فقام عليه الغرماء، فإنه يحجر عليه أيضا ويفلس.
قوله: (وانفك ولو بلا حكم) أي والحجر على المفلس ينفك ولو بلا حكم حاكم، وقيل: لا بد من الحاكم.
قوله: (ولو مكنهم الغريم فباعوا واقتسموا، ثم داين غيرهم: فلا دخول للأولين، كتفليس الحاكم إلا كإرث، وصلة وجناية) أي ولو مكن الذي عليه الديون أربابها بلا إذن الإمام، فباعوا المال واقتسموه ثم داين غيرهم، فلا دخول للغرماء الأولين الذين اقتسموا المال، كما ليس لهم الدخول إذا فلسه الحاكم ثم داين غيرهم إلا في ما ورثه المفلس أو وهب له، أو تصدق به عليه، أو أخذه من أرش جناية جني عليه أو عبده، فإن الغرماء الأولين يدخلون معهم.
تنبيه: إذا قام الغرماء على المفلس لزم الحاكم أن يكلفهم بإثبات ديونهم ثم يقدر القاضي فيما ثبت عنده للمفلس، ولكل واحد من الغرماء في دين صاحبه، فإذا وقع التسليم والعجز عن إثبات الدفع، أمر كل غريم أن يحلف أنه لم يقبض من دينه شيئا ولا أسقطه ولا بعضه، وأنه باق عليه إلى الآن كيمين بقاء الدين على الميت.
وقال في إكمال الإكمال: ولا يقسم القاضي على الغرماء حتى يعذر إلى كل واحد من الغرماء فيما أثبت غيره. وهل يحلف كل واحد على صحة ما شهد له به وأن دينه لباق في ذمته إلى الآن؟ تردد الحكام في ذلك. انتهى (^١).
قوله: (وبيع ماله) أي إن خالف جنس دينه أو صفته بحضرته ظاهره يباع ماله كله.
قال ابن فرحون في تبصرته: ما كان في بيعه عليه مضرة أو معرة كجاريته أو مركوبه وعبده التاجر ونحو ذلك مما فيه مضرة أو معرة فلا يباع لأن الشأن القضاء في غير هذا والعادة كالشرط وإليه ذهب مالك في المبسوط وقاله اللخمي (^٢)، لأن الغرماء دخلوا على ذلك.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٤٩٠.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٢٣٦.
[ ٣ / ٤٥ ]
قوله: (بحضرته) أي المفلس لأن ذلك أقطع لحجته، وقال في الذخيرة: إحضاره مستحب لأنه أعلم بسلعته.
قوله: (بالخيار ثلاثا) أي وبيع مال المفلس بالخيار للإمام ثلاثا طلبا للزياد كقوله: ﴿ولو كتبا، أو ثوبي جمعته، إن كثرت قيمتهما﴾، وفي بيع آلة الصائغ تردد) أي وبيع مال المفلس ولو كانت كتبا وبيعت كتب ابن وهب ﵀ في دينه بثلاث مائة دينار، والعلماء متوافرون ولم ينكر رجل منهم.
وقال مالك ﵀ في الموازية لا تباع في الدين ولا تورث، والوارث وغيره ممن هو أهلا للقراءة سواء، فالخلاف في الفروع الظنية لأن فيها حق وباطل، وأما القرآن والأحاديث الصحاح كالبخاري ومسلم فلا خلاف في جوازه، ويجوز في كل بيع باعه الحاكم والسوم على سوم أخيك، وكذلك يباع على المفلس ثوبي جمعته إن كثرت قيمتهما، وإلا فلا تباع، وفي بيع آلة الصائغ المفلس (تردد).
أبو حفص: لا تباع بل يعيش بها، وقال غيره تباع لئلا يتداين. قوله: (وأوجر رقيقه، بخلاف مستولدته) أي وأوجر رقيق المفلس للدين، ولا يباعون في الدين كالمدبر والمعتق إلى أجل، وولد أم ولده، بخلاف أم ولده فإنها لا تؤاجر، هذا إذا أولدها قبل الفلس، وأما إن وطئها بعد أن وقعت للبيع فحملت منه فإنها تباع في الدين وولده لاحق النسب.
قوله: (ولا يلزم بتكسب) أي ولا يلزم المفلس بتكسب، فلا يؤجر لأجل الدين لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠].
وقال اللخمي: إن كان الغريم الذي عليه الدين تاجرا فلا يؤاجر فيما عليه.
قال: وعلى هذا تكلم مالك. وإن كان صانعا فداين ليعمل ويقضي من عمله، فعطل أجبر على العمل وإن ألد استؤجر في صنعته تلك. انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: (وتسلف، واستشفاع، وعفو للدية، وانتزاع مال رقيقه، أو ما وهبه لولده) أي ولا يلزم الغريم تسلف، ولا قبول من تبرع له بالسلف، إلا أن يريد به رفقا لرب الدين فلا كلام له حينئذ، وكذلك لا يلزم قبول هبة ولا صدقة، وأخذ بالشفعة إذا وجب له الأخذ بها، وكذلك لا يلزم العفو من القصاص ليأخذ الدية، وكذلك لا يلزم انتزاع مال رقيقه الذي لا يباع في الدين، كأم الولد وولد أم الولد، والمدبر
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ١٦٣.
[ ٣ / ٤٦ ]
والمعتق إلى أجل، وكذلك لا يلزم انتزاع مال وهبه لولده، لأن ذلك كله من معنى التكسب الذي لا يلزم، لأن التكسب طلب تحصيل المال. انتهى.
مسألة: وسئل ابن رشد عمن عليه دين حال وبيده سلعة فأراد الطالب بيعها في الدين، وأراد المطلوب بقاءها رهنا حتى يتسبب في أداء الدين وسأل التأخير وقتا، ما يفعل فيها؟.
فأجاب: إن من حقه أن تبقى رهنا ويؤجل في أداء الدين بقدر قلته وكثرته وما لا ضرر عليهما فيه بحسب اجتهاد الحاكم، وبه جرى القضاء والعمل وتدل عليه الروايات عن مالك وأصحابه. انتهى من البرزلي (^١).
وفي إكمال الإكمال قلت: قال ابن رشد: وإذا طلب المديان أن يؤخر القضاة أقر بقدر ما يرجى له، ولا يعجل عليه في بيع عروضه للحين. والرواية بذلك مشهورة في المدونة وغيرها (^٢).
وسئل المازري ﵀ عن مستغرق الذمة بالحرام هل تجوز معاملته فقال: في ذلك خلاف.
ووجه القول بالجواز أن الفقراء لم يستحقوا عين ما بيده، وإنما استحقوا قدره خاصة لا عينه، فإذا أبذل له مثله فلا مضرة على الفقراء، بل ربما كان خيرا، إذا كان الذي أخذ منه مما يخفيه، وكان الذي أبذل له مما يظهره إذ قد يقام عليه فيوجد له ما يؤخذ له. انتهى برزلي (^٣).
قوله: (وعجل بيع الحيوان، واستؤني بعقاره كالشهرين) أي لأنه أسرع تغييرا ولها مؤلة فيسوق بها اليسير، وأحرى ما يخشى تغييره واستؤني بالعقار كالشهرين، لعل الزائد يأتي، وسكت الشيخ ﵀ عن ما عدى الحيوان والعقار وهو العروض، كأنه يؤخذ منه بالوسط.
قال ابن عبد الرحمن (^٤): ولا يكون للقاضي أن يبيع على المديان عروضه كما يبيعها على المفلس، لأن الفلس قد ضرب على يديه ومنع من ماله، وقال غيره: بيع
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٤، ص: ٤٦٥.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٤٢١.
(٣) هذا نص ما ذكره المواق في التاج والإكليل وهو بهامش الحطاب: ج ٥، ص: ٤٠. ولم أطلع عليه بعد في نوازل البرزلي.
(٤) ن: أبو عبد الرحمن
[ ٣ / ٤٧ ]
عليه كالمفلس. انتهي من القلشاني.
وحكي عن الداودي: من كان له دين على من قد استرقت التباعات والفلاحات ذمته ولا يكاد يحصي ما عليه، ولا يفي ما بيده بما عليه ولا ما يقاربه ولا يعلم منتهى ما عليه لم يجز لأحد أن يقضي شيئا من ماله من الاستغناء.
قلت: هذا بين على القول أنه كالمضروب على يديه. برزولي (^١).
فرع: والوصية بالدين واجبة، فإن فعل وترك وفاء لا يحبس على المنة لأجل الدين، أو لم يترك وفاء وأداه الإمام من الفيء أو سهم الغارمين في الزكاة، فإن لم يؤده الإمام فالإمام مسؤول عن ذلك ولا يحبس المديان على المنة إذا لم يقدر على أدائه في حياته وأوصى به، والأحاديث الواردة بالحبس دون المنة بالدين منسوخة بما جعله الله تعالى من قضاء الدين على السلطان وكان ذلك قبل الفتوحات.
قال صاحب المقدمات من أدان في مباح معتقدا أن ذمته تفي بما أدان به فغلبه الدين حتى توفى، فعلى الإمام توفيته من بيت مال المسلمين، أو من سهم الغارمين من الصدقات كلها. انتهى من الذخيرة (^٢).
مسألة: وفي كتاب الفصول لابن أبي زيد فيمن له على رجل حق فامتنع منه في حقه فلازمه مرارا وعاند، وكان في بلد ليس فيه سلطان ولا انتصاف، فإنه يجوز له أخذ مال الغريم كفافا، وبه قال في الجواهر، لقوله ﵊: «مطل الغني ظلم (^٣)»، وأما غير الغريم من إخوانه أو قبيلته، فإن كان ممن يذب عنه ويخاصم عنه إذا أراد الانتصاف منه، فيجوز له أخذه بحقه، لأن الغارم المانع له حقه كالغاصب، والمخاصم عنه معين للغاصب، هكذا نص عليه أبو عمران الفاسي في أجوبته لقوله ﵊: «الظالم أحق أن يحمل عليه»، ولقول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. انتهي.
قوله: (وقسم) أي فإذا بيع مال المفلس يقسم الثمن (بنسبة الديون) يأخذ كل من الغرماء قدر ما ينوبه في المحاصة.
_________________
(١) / ٤: ٤٧٧، ٤٧٨.
(٢) المقدمات لابن رشد: ج ٢، ص ٢٥. ولم أطلع عليه في الذخيرة بعد.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: (٤٨) - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس. (١٢) - باب مطل الغني ظلم. الحديث: ٢٢٧٠. وأخرجه مسلم في صحيحه: (٢٢). كتاب المساقاة، (٧). باب تحريم مطل الغني. الحديث: ٣٣. (١٥٦٤).
[ ٣ / ٤٨ ]
قوله: (بلا بينة حصرهم) أي ولا يكلف الغرماء بينة على أن لا غريم سواهم، ويقول على أنه لو كان يظهر مع استفاضة الحجر إما مطلقا وإما بعد الاستيناء على ما تقدم، وهم بخلاف الورثة فإن عليهم البينة على حصرهم لأن الميت خربت ذمته بخلاف المفلس.
قوله: (واستوني به إن عرف بالدين في الموت فقط) أي واستؤني بالقسم المفهوم من قسم اجتهاد الإمام بالتقوى لا بالهوى إن عرف الميت بالدين، وإلا فلا يستأنى بالقسم، وأما المفلس الحي فلا يستانى بالقسم لأن ذمته قائمة.
قال اللخمي: يستأنا بالقسم إن عرف بالدين كالميت.
قوله: (وقوم مخالف النقد يوم الحصاص، واشتري له منه بما يخصه) أي فإذا بيع مال المفلس وفي ديونه مخالف العين قوم حين المحاصة، ويحاصص ربه بالقيمة، واشترى له مما أخذ من المحاصة ما كان له من عرض على المفلس.
قوله: (ومضى إن رخص أو غلا) أي ويضي التقويم إن رخص المقوم الذي كان له أوغلا بعد التقويم لأنه حكم مضى، إلا إذا رخص واشترى به ما كان له على المفلس وبقي شيء فإنه يرده للغرماء.
قوله: (وهل يشترى في شرط جيد أدناه أو وسطه؟ قولان. وجاز الثمن إلا لمانع، كالاقتضاء) أي وإذا كان له عليه عرض جيد، فهل يشتري له مما أخذ من المحاصة أدنى الجيد، لأن الأصل براءة الذمة، أو إنما يشتري له الوسط من الجيد ففي ذلك قولان.
وجاز لرب المال المخالف للنقد أخذ ذلك الثمن الذي أخذ في المحاصة، إلا أن يكون لذلك مانع كبيع الطعام قبل قبضه، أو كان ذلك رأس المال عينا فلا يجوز حينئذ قبض الثمن وهو كالاقتضاء، وما لا يجوز قبضه في اقتضاء الدين فلا يجوز هنا، وإليه أشار بقوله: كالاقتضاء. والمحاصة إنما تكون إذا كانت ممكنة وإن لم تمكن فإن المال يكون من بيت مال المسلمين.
قال ابن الحاجب وأجرة الحمال والكيال (^١) لسلع المفلس والسماسر، وكل ما فيه مصلحة لسلع المفلس تقدم على الديون لأن أرباب الديون لم يتوصلوا لحقوقهم إلا بهذا.
_________________
(١) جامع الأمهات لابن الحاجب: ص: ٣٨٢.
[ ٣ / ٤٩ ]
قوله: (وحاصت الزوجة بما أنفقت، وبصداقها كالموت، لا بنفقة الولد) أي وتحاصص الزوجة بما أنفقت على نفسها وبصداقها في الفلس، كما تحاصص بذلك في الموت، ولا تحاصص بما أنفقت على الولد، لأنه من باب المواساة، لسد الخلة لا غير في زمان الاحتياج، فإذا أنفقت انسدت تلك الخلة بوجه ما أزال سبب الوجود، وأما نفقة الزوجة بمعنى المعاوضة ولهذا تجب نفقتها على الزوج وإن كانت غنية وقال فيما تقدم وتسقط على الموسر بمضي الزمن إلا لقضية وأحرى المفلس.
قوله: (وإن ظهر دين) احترز به ممن هو حاضر ساكت عند قسم المال، فإنه لا مقال له إذا كان سكوته سكوتا بلا عذر لأن السكوت إنما يكون رضى على قول من قال ذلك ما لم يكن السكوت للعذر، فإن كان بالعذر فلا خلاف أنه لا يعد رضى وإن ظهر أي وإن قسم المال ثم ظهر دين رجع الغريم الطارئ على الغرماء بالحصة التي إن كان حاضرا لأخذها.
قوله: (أو استحق مبيع وإن قبل فلسه رجع بالحصة) أي فإن اشترى من مال المفلس ثم استحق الذي اشتراه منه، فإنه يرجع على الغرماء بما ينوبه من المحاصة إن كان شراءه ذلك قبل الفلس، وأما إن كان الشراء بعد الفلس، فإنه يرجع عليهم بجميع الثمن وهذه كيفية رجوعه عليهم.
قوله: (كوارث أو موصى له على مثله) أي مثله في الاسم كما إذا طرأ وارث على وارث، فإنه يرجع عليه، وكذلك موصى له بجزء، أو موصى له على موصى له.
قوله: (وإن اشتهر ميت بدين، أو علم وارثه وأقبض: رجع عليه) أي وإن اشتهر ميت بدين وإن لم يعلم بوارثه أو علم الوارث بالدين وإن لم يشتهر به، وأقبض بعض الغرماء رجع عليه لأنه متعد بالاقباض.
قوله: (وأخذ مليء عن معدم، ما لم يجاوز ما قبضه) وهذا وضعه في غير موضعه، وهذا إذا طرء الغريم على وارث قابض لنفسه أي وإذا طرء غريم على وارث قابض لنفسه مال الموروث فإنه يأخذ الملي عن المعدم من الوروثة ما لم يجاوز ذلك ما قبضه من التركة.
قوله: (ثم رجع على الغريم، وفيها البداءة بالغريم، وهل خلاف، أو على التخيير؟ تأويلان) أي وإن اشتهر ميت بدين وعلم وارثه فأقبض بعض الغرماء ثم طرء الغريم
[ ٣ / ٥٠ ]
فرجع عليه بتعديه، فإنه يرجع على الغرماء الذين أقبضهم.
وفي المدونة: البداية بالغريم ثم على الوارث المقبض، وهل ذلك خلاف؟ أو ليس بخلاف، فإن الغريم يخير فيمن يبدأ به بالرجوع عليه.
قوله: (فإن تلف نصيب غائب عزل له فمنه) أي فإذا بيعت سلع المفلس، وقسم الثمن بين الغرماء وفيهم غائب، فجعل الحاكم حصته بيد أمين فتلفت، فالمصيبة من الغائب، لأن الحاكم وكيله، ويد الوكيل كيد الموكل، ولو طرأ غريم يرجع عليه وإن تلف نصيبه، لأن نصيبه بيد وكيله وهو الحاكم فإن قلت كيف تكون مصيبته منه وهو إلى الآن لم يحلف يمين القضاء، فلا يكون له شيء حتى يحلفها، إذا كان المفلس ميتا.
قلت: لأنه مقر أن ذلك المال له واليمين ظلم عليه في الباطل، إنما جعله الشرع عليه. انتهى.
قوله: (كعين وقف لغرمائه لا عرض، وهل إلا أن يكون بكدينه؟ تأويلان) أي كما أن مصيبة ثمن العين الموقفة للغرماء إذا تلفت على الغرماء إذا لم يبق إلا قسمته، وأما إذا كان الموقوف عرضا فمصيبته إذا تلف من المفلس، وهل ذلك مطلقا، كان ذلك العرض مثل دينهم كما إذا كان الموقوف طعاما والديون طعاما، وهو ظاهر المدونة وحمله عليه بعضهم، أو إنما يكون في ضمان المفلس إذا لم يكن ذلك العرض مثل ديونهم، فيدخل في ضمانهم ففيه تأويلات على المدونة.
فرع: ولو عرض ربعه فلم يجد من يشتريه إلا ببخس، فقال سحنون: يدعوا الحاكم إلى ربعه ويستقصي فيه الثمن، ثم يبيعه بالخيار، رجاء أن يزيد فيه. فإن تحصل زيادة باعه أو باع منه بقدر الدين إن وجد من يشتري بعضه. انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: (وترك له قوته والنفقة الواجبة عليه لظن يسرته وكسوتهم كل دستا معتادا) القوت ما تقوم به البنية، الأصل أن لا يترك له شيء وهذا استحسان أي وإذا قسم مال المفلس يترك له ما يعيش به، وكل من وجبت عليه نفقته من أولاده الصغار أو الكبار الزمنا، أو الزوجات أو الرقيق الذين لا يباعون في الدين، كأم الولد وولد أم الولد والمعتق إلى أجل والمدبر يترك له ذلك إلى ظن يسرته بلا حد ويترك له
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ٢٣٦.
[ ٣ / ٥١ ]
كسوة هؤلاء، لكل واحد منهم دستا معتادا في مثله الدسر الثوب وهو لفظ أعجمي وإن لم يكن للمفلس إلا قدر ما يعيش به ترك له ولا يؤخذ منه شيئا.
قوله: (ولو ورث أباه بيع) والأب ليس بشرط أي ولو ورث المفلس أباه أو أمه أو كل من يعتق عليه بيع عليه وكذلك إن اشتراه.
قوله: (لا وهب له، إن علم واهبه أنه يعتق عليه) أي لا يباع إن وهب له أو تصدق به عليه إن علم الواهب أو المتصدق أنه يعتق عليه، وأما إن لم يعلم أنه يعتق عليه فإنه يباع. انتهى.
ولو وهب له لعتق وقدم عتقه على حق الغرماء، إذ لذلك وهب. انتهى من ابن شاش (^١).
قوله: (وحبس لثبوت عسره، إن جهل حاله ولم يسأل الصبر له بحميل بوجهه فغرم، إن لم يأت به، ولو أثبت عدمه) شروع منه ﵀ في حبس المديان ومن لا حبس عليه فيه أي وحبس المديان على أربعة أقسام:
الأول: معلوم الملاء.
والثاني: ظاهر الملاء غير معلومة.
الثالث: معلوم العدم.
الرابع: مجهول الحال.
وذكر الشيخ حكم كل واحدة. انتهى.
أي وحبس المديان إلى ثبوت عسره إن جهل حاله لأنه محمول على الملاء حتى يثبت العدم بشرط إن لم يسأل الصبر إلى ثبوت العسر بحميل الوجه، فأما إن سأل الصبر بحميل بوجهه، فإنه لا يحبس إن لم يأت به الحميل ضمن المال، ولو أثبت عدم الغريم يقدم لأنه قوة اليمين الملازمة للغريم أنه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن، وإن وجد ليقضين وتبع فيه صاحب المقدمات خلافا لما في الحمالة أنه لا يغرم الحميل في وجه إن ثبت العدم وتبع الشيخ هناك قول اللخمي.
قوله: (أو ظهر ملاؤه إن تفالس) معطوف على قوله: إن جهل حاله أي وتحبس المديان إن ظهر ملاؤه وتفالس أي ادعى الفلس فلما كان يحبس إذا جهل حاله وأحرى إذا ظهر ملاؤه وسئل في التعاليق أيضا عن القاضي يريد سجن رجل ويعلم
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٧٨٨.
[ ٣ / ٥٢ ]
أنه يدركه فيه الضرب وغرم المال كيف يصنع؟
فقال: يسجن ويدخل الظلم القليل في الكثير لأنه لو ترك ولم يسجن أضيعت الحقوق. وهو أيضا لو ادعى حقا على أحد لسجن له. وشبهه بمسألة الذي يحلف لئن تضرب هذا الرجل خمسين سوطا لأضربن عنقه لا بأس أن يضربه حتى يخلصه من ما هو أكثر من ذلك وهو الموت ولا يكون على الرجل في ذلك شيء. انتهى من البرزلي (^١).
المحبوسون ثمانية:
الجاني لغيبة المجني عليه حفظا لمحل القصاص.
الثاني: حبس الآبق حفاظا للمالية رجاء أن يعرف ربه.
الثالث: يحبس الممتنع من دفع الحق إلجاء إليه.
الرابع: يحبس من أشكل أمره في العسر واليسر اختبارا لحاله، فإذا ظهر حاله حكم عليه بموجبه عسرا أو يسرا.
الخامس: يحبس الجاني تعزيرا أو ردعا عن معاصي الله تعالى.
السادس: يحبس من امتنع من التصرف الواجب الذي لا تدخله النيابة، كحبس من أسلم علي أختين أو عشرة نسوة، أو امرأة وابنتها وامتنع من التعيين.
السابع: من أقر بمجهول عين أو في الذمة، وامتنع من تعيينه، يحبس حتى يعينهما.
الثامن: يحبس الممتنع في حق الله تعالى الذي لا تدخله النيابة عند الشافعي. صح من الأصل. فرع: إن كتب أنه ملى بالحق وادعى عند الأجل العدم لم يصدق ولو أقام بينة، لأنه مكذب لها وهو المشهور المعمول به، وقيل ينفعه لأنه في الشهادة بالملاء مضطر لولا ذلك ما داينه أحد. انتهى من القلشاني.
فرع: وإذا حكم على المطلوب بدين فزعم أنه عديم وأثبت ذلك ببينة وقال الطالب عندي بينة أن له دارا، فقال المطلوب: هي لامرأتي وهو معها فيها ساكن فأتى الطالب ببينة أنها لغريمه، وأتت الزوجة ببينة أنها لها، فلينظر إلى أعدل البينتين فإن استوتا سقطتا، وبقيت الدار للمطلوب وبيعت في دينه لأن سكناه أغلب من
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٤/ ٢٧٢.
[ ٣ / ٥٣ ]
سكنى امرأته. انتهى من ابن سهل.
فرع: إذا ثبت تبرع إنسان بقضاء ما على غيره أجبر الطالب على أخذه إذا كان الدافع قصد التخفيف على من عليه الدين، ولم يقصد هبة صاحب الدين. وقال الشافعي: لا يجبر؛ لأنه هبة ولا يجبر أحد عليها نقلهما المازري. انتهى من التوضيح (^١).
قوله: (وإن وعد بقضاء وسأل تأخير كاليوم أعطى حميلا بالمال، وإلا سجن، كمعلوم الملاء. وأجل لبيع عرضه إن أعطى حميلا بالمال، وإلا سجن) أي وإن وعد المديان بقضاء الدين، وسأل تأخير اليوم واليومين أتى بحميل بالمال، وإن لم يأت به يسجن كما يسجن معلوم الملاء، إن لد بخلاص الدين، ويؤجل له في بيع عروضه إن أعطى حميلا بالمال لا حميلا بالوجه، ولا يبيع الإمام عليه عروضه كما يبيعها على المفلس لإن المفلس قد ضرب على يديه ومنع من التصرف في ماله وقيل يبيع عليه كالمفلس.
قوله: (وفي حلفه على عدم الناض تردد. وإن علم بالناض لم يؤخر، وضرب مرة بعد مرة) أي وفي حلف المديان إن لم يعرف بالناض وعدم حلفه تردد، وإن علم بالناض لم يؤخر، فإن أبى عن قضاء الدين ضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي أو يموت. ضرب سحنون ﵀ مديانا حتى مات. فقال: لم أقتله إنما قتله الشرع.
قوله: (وإن شهد بعسره أنه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن حلف كذلك، وزاد: وإن وجد ليقضين، وأنظر) أي وإن شهدت البينة بعسر المديان أنه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن، وتعتمد البينة في ذلك على المخالطة أو علامة صبر ضر، فإن الحاصل فيه إنما هو الظن الغالب، لأنه يجوز عقلا حصول المال للمفلس وهو يكتمه، وشهادة النفي في مثل هذا مقبولة، فإن شهدت بعسره حلف كذلك أنه لا يعرف لنفسه مالا ظاهرا ولا باطنا على العلم، ويزيد في يمينه وإن وجد المال ليقضين الحق سواء ثبت عسره قبل السجن أو بعده، وهذه من المسائل التي يحلف فيها المدعي مع بينته، وكدعوى المرأة على زوجها الغائب بالنفقة والقضاء على الغائب.
قال في التوضيح: وضابطه كل بينة شهدت بظاهر يستظهر بيمين الطالب على
_________________
(١) التوضيح: ج ٦، ص: ٢٠٤.
[ ٣ / ٥٤ ]
باطن الأمر. انتهى (^١).
وإنما حلف لأن الشهادة لم تكن قطعية بل على ظاهر الحال، لاحتمال أن يكون له مال وأخفاه. وفهم من قوله: لا يعرف له أنهم لو قطعوا أنه لا مال له ظاهرا ولا باطنا بطلت شهادتهم وهو كذلك نص عليه ابن رشد.
اللخمي: قد تنزل مسائل لا تقبل فيها البينة بالفقر، فمنها من عليه دين منجم قضى بعضه، وادعى العجز عن باقيه وحالته لم تتغير، ومن ادعى العجز عن نفقة ولده بعد أن طلق الأم، وقد كان ينفق عليهم، إلا أن تقوم بينة أنه نزل به ما نقله للعجز (^٢). انتهى من فتح الجليل (^٣).
فإن حلف انظر لقوله تعالى: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] واجتمعت الأمة على أن صاحب الدين على المعسر (^٤) مخير بين النظرة والإبراء، وأن الإبراء أفضل في حقه، وأحدهما واجب حتما وهو ترك المطالبة، والإبراء ليس بواجب، السبب في هذا أن الإبراء يتضمن النظرة، والمندوب في هذه الصورة وهو الإبراء أفضل من الواجب الذي هو الإنظار، وفائدة زيادة اليمين وإن وجد ليقضين لئلا يحلف في كل يوم للغرماء أنه ليس بمعدم.
قوله: (وحلف الطالب إن ادعى عليه علم العدم) أي وحلف المديان والطالب إن ادعى عليه علم العدم، فإن نكل الطالب حلف المطلوب فلا يسجن.
قوله: (وإن سأل تفتيش داره ففيه تردد) أي وإن سأل رب الدين تفتيش دار الغريم الذي ادعى العدم فهل يمكن من ذلك أم لا.
ابن باجي: العمل عندنا لا يمكن من ذلك والحانوت عندي كالدار.
ابن عرفة: وحكم به ابن عبد السلام الله في أول ولايته، فأنكره عليه من له ظهور عند السلطنة المتفقهية صنف المرابطين فكف عن تنفيذ الحكم. انتهى ابن باجي.
وأما الجيب ونحوه فلا بأس به.
_________________
(١) التوضيح للشيخ خليل: ج ٦، ص: ١٩٧.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ١٢، ص: ٥٥٤٨. بتصرف.
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج ٣، بعد قول خليل في باب الفلس: وإن شهد بعسره أنه لا يعرف له مال ظاهر.
(٤) ن: المفلس.
[ ٣ / ٥٥ ]
قوله: (ورجحت بينة الملاء، إن بينت) أي وإذا شهدت البينة بعسر الغريم وبينت وجه العسر وشهدت أخرى بيسره وبينت وجه الملاء، فإن بينة الملاء تقدم وترجح، وإما أن شهدت بينة الملاء ولم تبين، وبينت بينة العسر وجهه بتلف المال ونحوه، فإن بينة العسر ترجح لأن الحافظ مقدم.
فرع: متى علم الخصم إعسار خصمه حرم عليه طلبه ودعواه إلى الحاكم، وكذلك إذا دعاه خصمه وعلم أنه يحكم عليه بجور لم تجب الإجابة وتحرم الإجابة إذا كان الحكم في الدماء، والفروج، والحدود، وسائر العقوبات الشرعية. انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: (وأخرج المجهول إن طال سجنه بقدر الدين، والشخص، وحبس النساء عند أمينة، أو ذات أمين) أي وأخرج مجهول الحال في الملاء والعدم من السجن، إن طال حبسه بقدر الدين، فالكثير يحبس كثيرا، والقليل يحبس فيه قليلا، والمتوسط بالتوسط، وذلك كله بقدر الشخص المحبوس والضعيف ليس كالقوي، وذو المروءة ليس كغيره، ولا يقيد المحبوس إلا المحبوس في الدين، أو من خشي فراره، والخنثى المشكل يحبس وحده لامع الرجال ولا مع النساء وحبس النساء في دين أو غيره عند امرأة أيم أي لا زوج لها عند أمينة أيم أو عند ذات زوج أمين.
قوله: (والسيد لمكاتبه) أي ويحبس السيد لمكاتبه في دينه وقيده بعضهم بما إذا لم يحل أجل نجم من الكتابة، أو كانت قيمة الكتابة أقل من الدين، ويحبس السيد لعبده إذا أقام شاهدا بعتقه ونكل السيد، فإنه يحبس وإن طال دين لأن الحقوق لا تعتبر فيها إلا الحرية والمنزلة، ويحبس المسلم للكافر في دينه، ويحبس المكاتب في دين سيده من غير الكتابة، وكذلك إن رأى أنه كتم مالا رغبة في العجز.
قوله: (والجد، والولد لأبيه) أي ويحبس الجد لولد ولده، وكذلك الولد يحبس في دين والده ويقطع إذا سرق ماله ويحد إذا وطئ أمته.
قوله: (لا عكسه) أي فلا يحبس الوالد للولد.
قوله: (كاليمين إلا المنقلبة والمتعلق بها حق لغيره) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يحلف الوالد للولد إلا أن تكون اليمين منقلبة، كما إذا وجب اليمين للوالد على الولد فقلبها الولد عليه فإنه يحلف لأنه إنما حلف ليفيد مالا، وكذلك يحلف الولد
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٢٦٠.
[ ٣ / ٥٦ ]
إذا تعلق باليمين حق لغير الولد، كما إذا ادعى تلف صداق بنته، فإنه يحلف لحق الزوج في الجهاز، وكذلك إذا ادعى الزوج أن الأب نحلها نحلة فتزوجها على ذلك فأنكر الولد، فإنه يحلف لحق الزوج.
وكذلك يحبس الأب في امتناعه النفقة عن الأولاد الصغار أو الكبار الزمنا، وكذلك يحبس الوالد فيما على الولد من الدين إذا كان له بيده مال، وكذلك يحبس الوصي فيما على الأيتام من الدين إذا كان لهم بيده مال. انتهى من ابن شاس (^١).
قوله: (ولم يفرق بين كالأخوين، والزوجين إن خلا) أي ولم يفرق الحاكم بين الأخوين أو الولد وأبوه أو عمه إذا سجنا معا، وكذلك الزوجان لا يفرق بينهما في السجن إذا سجنا معا، إن خلا السجن من غيرهما، وأما إن لم يخل السجن فإن الرجل يسجن مع الرجال والمرأة مع النساء.
قوله: (ولا يمنع مسلما، أو خادما) أي ولا يمنع المسجون دخول من يسلم عليه ويتحدث معه أو خادما يخدمه إن احتاج إليه.
قوله: (بخلاف زوجة) أي فإنها تمنع من الدخول على زوجها المسجون، لأن المراد في الحبس التضييق ودخول الزوجة ينافي التضييق، وهذا كله إذا لم يسجن الزوج في حقها، وأما إن كان السجن في حق الزوجة فإنها لا تمنع من الدخول عليه إذ لو شاءت لأطلقته.
قوله: (وأخرج لحد أو ذهاب عقله لعوده) أي وأخرج المحبوس لأجل حد، ولو لقتل يقام عليه ثم يرده إليه، وكذلك إذا ذهب عقل المسجون، فإنه يخرج إلى أن يعود عقله فيرد إلى السجن.
قوله: (واستحسن بكفيل بوجهه لمرض أبويه، وولده، وأخيه، وقريب جدا ليسلم) أي واستحسن الشيوخ إخراج المحبوس لأجل مرض أبويه أو أحدهما مرضا مخوفا، أو ولده، أو أخيه، أو قريب كالعم والخال، إذا أتى المحبوس بحميل لوجهه ليسلم عليهم ثم يرد إلى السجن.
قوله: (لا جمعة، وعيد، وعدو، إلا لخوف قتله، أو أسره) أي لا يخرج المسجون لصلاة جمعة لأن لها بدل وهو الظهر، ولا لصلاة عيد ولا لقتال عدو، إلا إن خيف عليه القتل أو الأسر، فإنه يخرج.
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٧٩٠.
[ ٣ / ٥٧ ]
قوله: (وللغريم أخذ عين ماله المحاز عنه في الفلس، لا الموت) أي ولرب الدين أخذ سلعته المشتراة منه ثم فلس المشتري فوجدها قائمة بيده، فإنه يأخذها في الفلس لا في الموت بثلاثة شروط يذكرها المصنف، وأما غير المحاز عنه فإنه أحق به في الموت والفلس، لأن له جنس سلعته في الثمن، وإنما يكون الرجوع للتقويم في سلعته إن وجدها في التفليس إذا ثبتت له ببينة لا بإقرار المفلس، وظاهر كلام المصنف أن له أخذه ولو لم يوجد للمفلس غيره وهو كذلك، وظاهره ولو وجده زائدا أو ناقصا وهو كذلك، ومفهوم المحوز عنه مفهوم موافقة لأنه إذا ثبت له ذلك مع الحوز فمع عدمه أو لا. انتهى من فتح الجليل (^١).
وفي إكمال الإكمال: والتفرقة بين الموت والفلس من ناحية المعنى، أن ذمة المشتري عيبت في التفليس فصار البائع بمنزلة من اشترى سلعة فوجد بها عيبا، فله ردها واسترجاع شيئه، ولا ضرر على بقية الغرماء، لأن ذمة المشتري باقية. وفي الموت، وإن عيبت الذمة أيضا لكنها ذهبت رأسا فلو اختص البائع بسلعته عظم الضرر على بقية الغرماء بخراب ذمة الميت وذهابها. وإنما يكون لرب السلعة استرجاعها في التفليس، إذا لم يعط الغرماء الثمن. فإن أعطوه فذلك لهم، لأنه إنما كان له استرجاعها لعلة وقد زالت انتهى (^٢).
قوله: (ولو مسكوكا وآبقا. ولزمه إن لم يجده) أي ولو كان شبيه المحاز عنه مسكوكا، أو كان آبقا، فإن أخذه لزمه ضمانه إن لم يجده لأنه قد رضي به.
قوله: (إن لم يفده غرماؤه، ولو بمالهم وأمكن لا بضع، وعصمة، وقصاص، ولم ينتقل، لا إن طحنت الحنطة، أو خلط بغير مثل، أو سمن زبده، أو فصل ثوبه، أو ذبح كبشه، أو تتمر رطبه) أي ولرب الدين أخذ عين ماله المحاز عنه في الفلس بشروط ثلاثة:
- أن الغرماء لم يفدوه، ولو كان الفداء بمالهم لأنفسهم، وأحرى بمال المفلس.
- الشرط الثاني: أن يكون الشيء مما يمكن الرجوع فيه، وإلا فلا رجوع فيه كبضع، فإن الزوجة إذا أصدقها الزوج ثم فلس ولم تقبضه، فإنها ليس لها أن ترجع في بضعها، وكذلك العصمة لا يمكن الرجوع فيها، كما إذا خالعها فلم يقبض الخلع حتى فلست، فإن الزوج لا يرجع في العصمة، وكذلك من وجب له القصاص فعفى
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٣/ بعد قول خليل في باب التفليس: وللغريم أخذ عين ماله.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥/ ص: ٤٣١.
[ ٣ / ٥٨ ]
عن الأرش ثم فلس الجاني، فإنه لا يرجع للقصاص، وينبغي أن يلحق بهذا من صالح على الإنكار ثم فلس، أنه لا يرجع إلى الخصومة، لأنه الرجوع من المعلوم إلى المجهول.
- الشرط الثالث: أن الشيء المحاز عنه لم ينتقل، فإن توفرت الشروط، فإنه له أخذه وإن ارتفعت قيمته أو زاد في بدنه، وأما إن انتقل عن هيئته فإنه ليس له أخذه، ذكر لذلك أمثلة كأن طحنت الحنطة.
اللخمي وعدم الفوت بطحنها أبين.
وقال في الجواهر: ولا يفوت الجلد بدبغه على المشهور ولا بقطعه نعالا. انتهى.
أنظره مع تفصيل الثوب فتح الجليل.
الحنطة إن خلط بغير مثله ينتقل، وأما إن خلط بمثله فإنه لم ينتقل، وكذلك إن طبخ الزبد فصار سمنا، أو أفصل ثوبه، أو ذبح كبشه، أو تتمر رطبه، فذلك كله ينقله عن هيأته، وهذا خلاف نسج الغزل أو بناء العرصة، فإنه لا ينقله، بل يشتركان فيه، هذا بقيمة غزله وعرصته، وهذا بقيمة نسجه وبنائه.
فرع: وسئل أبو جعفر أحمد بن موسى التمار (^١) عن الفرق بين المفلس الحي، والمفلس الميت، إذا وجد الغريم عين متاعه.
فقال: لأن الميت انتقل ملك ماله إلى غيره، والمفلس الحي ملكه باق عليه. انتهى من المدارك (^٢).
فرع: ومن باع سلعة فأحال غريمه على ثمنها ثم فلس المحال عليه هل للمحال أن يأخذ السلعة إذا وجدها كالمحيل، لأنه ينزل منزلته، أو ليس له أخذها قولان في التوضيح (^٣).
قوله: (كأجير رعي ونحوه، وذي حانوت فيما به، وراد لسلعة بعيب) أي لا يكون أحق
_________________
(١) أبو جعفر أحمد بن موسى التمار من نبط تونس. سمع من فرات ويحيى بن عمر، وغيرهما. وسمع منه عالم كثير. قال ابن حارث: وكان من أهل العلم بالجدل، على معاني المتكلمين في النظر على مذاهب الفقهاء. ويتكلم في ذلك كلاما جيدا. مات سنة تسع وعشرين وثلاثمائة رحمه الله تعالى. ترتيب المدار للقاضي عياض: ج ٢، ص ٤٢/¬٤٣.
(٢) ترتيب المدار للقاضي عياض: ج ٢، ص: ٤٢/¬٤٣
(٣) التوضيح: ج ٦، ص: ٢٠٣
[ ٣ / ٥٩ ]
بما في يده إذا فلس آجره، وكذلك أجير حراسة ونحوه من عمل، لأن عمله ليس له عين قائمة، وكذلك ذي حانوت اكتريت منه ثم فلس المكتري فلا يكون أحق بما فيها لستوفي منه الكراء وهو أسوة الغرماء، وكذلك الراد للسلعة على الفلس لأجل عيب ظهر فيها، فإنه لا يكون أحق بها، بل أسوة الغرماء إن وجدها بيد المفلس بعد أن فلس، هذا بناء على أن الرد بالعيب نقض بيع وأما على القول إنه ابتداء بيع فإنه يكون أحق بها.
قوله: (وإن أخذت عن دين) أي ولو كانت هذه السلعة المردودة بعيب أخذت من المفلس قبل فلسه عن دين كان في ذمته، فإن الغريم لا يكون أحق بها.
قال ابن غازي: تصوره ظاهر ولم أقف عليه لمن قبله إلا في مسألة البيع الفاسد التي ذكر فيها بعد ذلك ثلاثة أقوال. انتهى من ابن غازي (^١).
قوله: (وهل القرض كذلك وإن لم يقبضه مقترضه، أو كالبيع؟ خلاف) أي هل سلعة القرض إذا وجدها المقترض في التفليس لا يكون أحق بها وإن لم يقبضه مقترضه وأحرى إن قبضه؟ أو هو كالبيع فيكون أحق به بالشروط المتقدمة الذكر ففي ذلك خلاف، لو قال الشيخ تردد لأنه حكى طريقتين في توضيحه.
قوله: (وله فك الرهن، وحاص بفدائه) أي وللغريم أن يفك سلعته في التفليس إذا أرهنا المفلس، ويأخذها ويحاصص بالفداء.
قوله: (لا بفداء الجاني) أي لا يحاصص بفداء الجاني، لأنه لم يدفع عن المفلس شيئا، لأنه في الجناية لم يتعلق بذمة المشتري شيئا.
قوله: (ونقض المحاصة إن ردت بعيب) أي وللغريم نقض المحاصة إن حاصص، ثم ردت سلعته على المفلس بعيب، فيأخذها ويرد ما أخذ في المحاصة.
قوله: (وردها، والمحاصة بعيب سماوي، أو من مشتريه، أو أجنبي لم يأخذ أرشه، أو أخذه وعاد لهيئته، وإلا فبنسبة نقصه) أي وللغريم رد السلعة بعد أن أخذها في التفليس والمحاصة بدينه، إن ظهر بها عيب سماوي، أو عيب من مشتريه، أو كان العيب من أجنبي لم يأخذ أرشه، أو أخذه ولكن عاد لهيئته وإن لم يعد لهيئته فليحاص بنسبة ما نقصه.
قوله: (ورد بعض ثمن قبض، وأخذها) أي وللغريم رد بعض ثمن قبضه، ويأخذ
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٧٣٨.
[ ٣ / ٦٠ ]
سلعته في الفلس لا الموت، وله أن يحاص بما بقي من الثمن.
قوله: (وأخذ بعضه، وحاص بالفائت) أي فإذا باع سلعته ثم فلس المبتاع قبل قبض الثمن، فوجد البائع بعض سلعته وفات بعضها، فإن له أخذ البعض ويحاص بثمن الفائتة.
قوله: (كبيع أم ولدت، وإن مات أحدهما أو باع الولد فلا حصة) تشبيه أي كما إذا باع الأم آدمية أو غيرها، فولدت عند المشتري ثم فلس، فإن للغريم أن يأخذ الولد ويحاص بحصة الأم، لأن الولد صار كالبعض وله أن يترك الأم ويحاص بها والولد، هذا إذا لم يمت أحدهما أو باع المشتري الولد، وأما إن ماتت الأم أو الولد وباع الولد وبقيت الأم ثم فلس، فإن الميت منهما لا حصة له وكذلك الولد المبيع.
قوله: (وأخذ الثمرة والغلة إلا صوفا تم، أو ثمرة مؤبرة) أي وأخذ المفلس الغلة. قوله: والثمرة من باب عطف الخاص على العام.
قوله: إلا صوفا تم أو ثمرة أبرت فإن المفلس ليس له أخذ ذلك.
قوله: (وأخذ المكري دابته، وأرضه، وقدم في زرعها في الفلس، ثم ساقيه) أي وإذا أكرى إنسان دابته ثم فلس المكتري، فإن صاحب الدابة له أخذها إن شاء ويحاص بما مضى، وإن شاء تركها فحاص بجميع الكراء، وكذلك مكري الأرض ويقدم في زرعها، لأن أرضه هي التي أنبتته ثم يليه ساقيه، لأن الزرع حيي بسقيه، هذا إذا اتحد الساقي، وأما إن تعدد الساقي واحد بعد واحد واختلف في أيهم يقدم، قيل: الأول، وقيل: الثاني، وهذا كله في الفلس لا في الموت وأما الموت فهو أسوة الغرماء.
قوله: (ثم مرتهنه) أي فإن قدم رب الأرض في كرائها في زرعها ثم ساقيها فإن المرتهن يقدم على ما سواه من الغرماء في الموت والفلس.
قوله: (والصانع أحق ولو بموت - بما بيده، وإلا فلا إن لم يضف لصنعته شيئا إلا النسج فكالمزيد يشارك بقيمته) أي والصانع أحق بما في يده حتى يأخذ أجرته في الموت والفلس، وإن لم يكن في يده بل أوصل المصنوع إلى ربه، فلا يكون أحق بها إن لم يضف لصنعته شيئا، إلا النسج فإنه يكون أحق به وإن لم يضف لصنعته شيئا، لقوة فعل النسج، إذ هو كالمزيد أي أضاف لصنعته شيئا كالصبغ فإنه يشارك بقيمة الصنعة إن شاء، أو دخل في المحاصة إن شاء.
قوله: (والمكتري بالمعينة) معطوف على قوله: والصانع أحق أي والمكتري
[ ٣ / ٦١ ]
أحق بالدابة المعينة قبضها أم لا في الموت والفلس هذا إذا لم يضمن له الغرماء إيصال متاعه إلى موضعه وأما إن ضمنوا له ذلك فإنه لا كلام له.
قوله: (وبغيرها إن قبضت، ولو أديرت) أي والمكتري أحق بغير المعينة بشرط إن قبضها ولو أديرت تحته هذا يبين لك أن المعينة أحق بها وإن لم يقبضها.
قوله: (وربها بالمحمول، وإن لم يكن معها ما لم يقبضه ربه) أي ورب الدابة أحق بالمحمول عليها حتى يقبض كراءه، وإن لم يكن ربها معها ما لم يقبض المحمول ربه، وإن قبض ربه المحمول فرب الدابة أسوة الغرماء.
قوله: (وفي كون المشتري أحق بالسلعة يفسخ لفساد البيع، أولا، أو في النقد، أقوال) أي واختلف فيمن اشترى سلعة بيعا فاسدا ففلس البائع قبل فسخ البيع والسلعة بيد المبتاع هل يكون أحق بها؟ حتى يستوفي ثمنها الذي قبضه المفلس منه وهو قول سحنون، أو لا يكون أحق، بل هو أسوة الغرماء، وهو قول ابن المواز، أو يكون أحق إن ابتاعها بالنقد لا بالدين وهو قول ابن الماجشون، وهذه طريقة ابن رشد، وأما اللخمي فقد حكى الاتفاق على أن المبتاع لا يكون أحق بما أخذه عن دينه.
قوله: (وهو أحق بثمنه) أي وهذا المشتري أحق بثمنه إن وجده في الموت والفلس.
قوله: (وبالسلعة إن بيعت بسلعة واستحقت) أي وإن ابتاع سلعة بسلعة فاستحقت التي قبض كان أحق بالسلعة التي دفع إن وجدها بعينها في الموت والفلس جميعا قولا واحدا.
قوله: (وقضي بأخذ المدين الوثيقة، أو تقطيعها) أي وقضي على رب الدين بأخذ الذي عليه الدين الصك الذي كتب فيه الدين أو تقطيعها، وقيل لا يقضى به بل يكتب له البراءة خلفها، أو بين أسطارها لئلا يأتي بعد فيقول: أعطيني ما أسلفت لك.
قوله: (لا صداق قضي) أي فإنه لا يقضى عليها بأخذه الوثيقة لما في ذلك من المنفعة لها من سبب شروط كانت لها فيها، ولأجل لحوق النسب إن ظهر حمل في حياته وبعد موته.
قوله: (ولربها ردها إن ادعى سقوطها) أي وقضي لرب الوثيقة بردها من يد غريمه بعد أن يحلف أنه لم يأخذ دينه، إن ادعى سقوطها منه وأنكر الذي عليه الدين، قال:
[ ٣ / ٦٢ ]
قضيته، فإن لربها أخذها منه، لأن الأصل في كل شيء قبضه بإشهاد لا يبريه إلا الإشهاد برده.
قوله: (ولراهن بيده رهته بدفع الدين) أي وقضي لراهن بيده رهنه بدفع الدين،
قيل: والفرق بين صاحب الوثيقة أنه مصدق، ويبين المرتهن أنه لا يصدق، لأن الوثيقة قد تسقط ولا يجتهد في حفظها بخلاف الرهن، وخروج الرهن من يد المرتهن يدل على الدفع، وأيضا أن صاحب الوثيقة أنكر دفعها والمرتهن أقر بدفع الرهن، ولو أنكر الدفع لصدق كصاحب الوثيقة، ولو أقر صاحب الوثيقة بدفعها لم يصدق كالمرتهن. انتهى.
قوله: (كوثيقة زعم ربها سقوطها) لو قال كوثيقة ممحوة زعم ربها أنه محاها لظنه قضاء ما فيها. انتهى.
قال ابن غازي: المتبادر إلى الذهن أنه مناقض لما فوقه؛ ولعلك تلتمس له مخرجا يساعد المنصوص ويزيل التناقض.
نعم لو شبه مسألة الرهن بوثيقة ممحوة زعم ربها أنه إنما محاها لظن القضاء، لكان ذلك حسنا، فقد وقع في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب المديان والتفليس: سئل عن رجل قام بذكر حق له ممحو على رجل، فطلب منه ما فيه وأقام عليه البينة بما فيه، فالدعى الغريم أنه قضاه إياه ومحاه عنه، فهل يلزمه الحق أو ما ترى؟
فقال بن القاسم يلزمه الحق إذا ثبتت البينة ويحلف بالله ما قضاه ولا محاه عنه. وعن رجل قام بذكر حق ممحو على رجل، وأقر صاحب الحق أنه محاه، وظن أنه قد قضاه وله بينة على ما فيه، وقال الغريم قد قضيته وما محاه إلا عن قبض فما ترى؟ فقال ابن القاسم: يحلف الغريم بالله لقد قضاه ولاشيء عليه، وهذه مخالفة للأولى؛ لأن هذا أقر له بأنه محاه، قال ابن رشد الفرق بين المسألتين بين على ما قاله، ولا اختلاف في المسألة الأولى، وأما الثانية فيتخرج فيها بالمعنى اختلاف حسب ما ذكرته أول رسم من سماع ابن القاسم. انتهى من ابن غازي (^١).
ذكر المتيطي وغيره: إذا وجد في ذكر الحق محوا أو بشر البشر: العسر. غير متعذر عنه، فإن كان ذلك لا يخل شرطا ولا قيدا في الرسم لم يضر، وإن أبطل قيدا
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٧٤٠.
[ ٣ / ٦٣ ]
من قيود الرسم سقط بذاته، مثل أن يأخذ بتاريخ أو عدد ونحوه، وإن كان مما ينبنى عليه رسم مثل الرسم المحكوم له أو عليه بطل جميعه فهذ التقطيع يبنى على هذا الأصل.
ورأيت بعض القضاة إذا رأوا رسما مقطوع الحاشية أو الأسفل يستريبون فيه ويثبتون ويوقفونه زمنا وجاز أن يظهر له جزء أو أمر فإن طال ذلك ولم يزل الأمر فيه بالاسترابة حكموا فيه بعد الاستظهار باليمين. انتهى من البرزلي (^١).
قوله: (ولم يشهد شاهداها إلا بها) مسألة مستقلة بنفسها أي ولا يجوز أن يشهد شاهدا وثيقة الدين بما فيه إلا بحضورها.
قال المتيطي: قال أبو عمر في كافيه: وإذا كتب الشاهد شهادته في ذكر الحق، وطولب بها وزعم المشهود عليه أنه قد أدى ذلك الحق لم يشهد الشاهد حتى يؤتى بالكتاب الذي فيه شهادته بخطه؛ لأن الذي عليه أكثر الناس أخذ الوثائق إذا أدوا الديون. انتهى من ابن غازي (^٢).
ومما يحتاج إلى ذكر هنا قوله في المدونة: وإذا تغيرت الهبة بين الموهوب له بزيادة أو نقص وقد فلس، فللواهب أخذها، إلا أن يرضى الغرماء بدفع قيمة الهبة إليه، فذلك لهم (^٣).
قال بعض الشيوخ: إذا كانت الهبة قائمة سواء فلس الموهوب له أو مات، فإن الواهب أولى بها، وأما إن دخلها فوت بزيادة أو نقص، فله أخذها في الفلس دون الموت، لأنها إذا فاتت صارت كالبيع لوجوب القيمة كوجوب الثمن في البيع بعقد البيع في ذمة المشتري. انتهى من ابن عبد السلام. وبالله التوفيق.
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٥، ص: ٥٤٢.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٧٤٠/ ٧٤١.
(٣) هذا نص ما في تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ٢٥٦.
[ ٣ / ٦٤ ]