قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل العتق وأركانه ثلاثة: المعتق، والمعتق، والصيغة.
والعتق من أفضل الأعمال وأعظم القربات نفاذا، ويشهد لنفوذه الكتاب والسنة والإجماع، وصلة الرحم أفضل منه لقوله الا لامرأة أعتقت جارية: «لو أخدمته لأخيك أفضل لك»، أو ما هذا معناه، وأما خواص العتق وهي ستة: السراية، والحصول بالقرابة، والحصول بالمثلة، والامتناع من المرض فيما جاوز الثلث، والقرعة، والولاء.
الخاصية الأولى: السراية ومن أعتق بعض عبده سرى إلى الباقي في عتقه بالسراية أو بالحكم روايتان وبين عتق وأعتق لغتان.
وفي إكمال الإكمال قلت: لم يعرف ابن الحاجب العتق. وعرفه الشيخ بأنه: رفع ملك حقيقي، لا بسب محترم من آدمي حي. فخرج بحقيقي استحقاق الرقبة بحرية وبلا سباء محترم فداء المسلم من حربي سباه أو ممن صار إليه منه. وبآدمي حي رفع الملك عن العبد بموته. ولا يقال: الحد غير مانع لصدقه على بيع العبد وهبته وموت السيد لأن الثلاثة إنما هي نقل ملك لا رفعه، لأن الملك باق (^١).
قوله: (إنما يصح إعتاق مكلف) هذا هو الركن الأول أي لا يصح إعتاق غير المكلف كالصبي والمجنون، لأنه محجور عليهما لأجل أنفسهما، ورد أفعالهما رد إبطال.
قوله: (بلا حجر، وإحاطة دين) أي إنما يصح إعتاق مكلف غير محجور عليه، ودخل السكران بخلاف الهبة، لأن الشرع متشوف للعتق، وأما المحجور عليه كالسفيه فلا يصح إعتاقه لأن رد أفعاله رد إبطال، وكذلك لا يصح إعتاق من أحاط الدين بماله، ظاهره كان الدين معروف الأرباب أم لا، وهو كذلك عند بعضهم، وهو الذي مشى عليه الشيخ.
وقال بعضهم: هذا إذا كان أرباب الديون معينين، وأما إن كانوا مجهولين فإن
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٧٨.
[ ٣ / ٥١٩ ]
العتق ينفذ وولاؤه للمسلمين.
قوله: (ولغريمه رده أو بعضه) أي فإن أعتق من أحاط الدين بماله، فلرب الدين رده أي رد جميعه، إن أحاط به دينه، أورد بعضه إن لم يحط الدين بجميعه، ويباع فيه قدر الدين والباقي منه حر، فإن لم يوجد من يشتريه مبعضا بيع كله والباقي بعد الدين لمعتقه يفعل به ما شاء، وقيل: يعين به في عتق.
قوله: (إلا أن يعلم ويطول) أي ولرب الدين رد عتق مدينه، إلا أن يعلم بالعتق ويطول سكوته، لأن سكوته رضى منه بالعتق، والطول أن يشتهر عتقه، وتجري عليه أحكام الحر من شهادة ووراثة.
وقال بعضهم: الطول ما زاد عن أربع سنين، والرد على ثلاثة أقسام: رد إبطال، كرد فعل مجنون وصبي وسفيه، ورد إيقاف كرد الغريم، وما اختلف فيه هل رد إبطال؟ أو رد إيقاف كالسيد في عبده، والزوج في زوجته.
قوله: (أو يفيد مالا، ولو قبل نفوذ البيع) أي وإن رد الحاكم عتق المديان ثم أفاد السيد مالا قبل أن يبيعه الحاكم بالدين، أو بعد أن باعه وأفاد مالا قبل نفوذ البيع بعدم انقضاء الثلاثة الأيام، لخيار الإمام في بيع سلع المفلس، فإن عتقه ماض، ويغرم الذي عليه من الدين مما أفاد.
قوله: (رقيقا لم يتعلق به حق لازم. به) هذا هو الركن الثاني، وهو المعتق بفتح التاء أي إنما يصح الإعتاق في الرقيق لا غير، لأن عتق غير بني آدم حرام بالكتاب والسنة والإجماع.
المراد بالرقيق القن وغيره ممن فيه شائبة حرية، كالمكاتب والمدبر والمعتق بعضه والمعتق إلى أجل وأم الولد، فيجوز العتق فيهم، واحترز بقولهم لم يتعلق به حق لازم، من العبد الجاني، والمرهون، والمستأجر وأحد المكاتبين، فإن عتق هؤلاء متوقف على إذن من له الحق.
قوله: (وبفك الرقبة) هذا هو الركن الثالث وهي الصيغة، وهي تنقسم إلى قسمين: صريح، وكناية. والكناية كنايتان: ظاهرة، وخفية. وبدأ بالصيغة الصريحة، وذكر منها لفظين: فك الرقبة (والتحرير)، فإذا قال للعبد: فككت رقبتك من الرق أو العبودية، فإن العبد يعتق، وكذلك يعتق إذا قال له: أنت حر.
وفي بعض النسخ: وبه وفك الرقبة أي وبالإعتاق، وفك الرقبة.
[ ٣ / ٥٢٠ ]
قوله: (وإن في هذا اليوم) أي وإن قال لعبده: أعتقك في هذا اليوم، فإنه يعتق للأبد، قال في المدونة: وإن قال أنت حر اليوم، عتق عليه للأبد، وإن قال: أنت حر اليوم من هذا العمل، وقال: لم أرد العتق صدق مع يمينه (^١)، ويلزمه أن لا يستعمله في ذلك اليوم.
قوله: (بلا قرينة مدح، أو خلف، أو دفع مكس) أي فإذا قال لعبده: أنت حر اليوم عتق عليه، وهو مقيد بما إذا لم يكن هناك قرينة مدح تصرف اللفظ عن إرادة العتق، فأما إن كانت هناك قرينة تصرف اللفظ عن إرادة العتق، سواء كانت القرينة قرينة مدح، كما إذا عمل عملا سدادا، فقال له سيده: أنت حر أي عملك عمل حر فلا شيء عليه، أو قرينة خلف أي كما إذا أمره بفعل وخالفه، فقال له: أنت حر إذ لا يخالف إلا الحر.
وفي بعض النسخ: أو حلف بالحاء المهملة أي قرينة حلف أي يمين، كما إذا خاف عليه فحلف أنه حر، فإنه لا يلزم عتقه، وكذلك قرينة دفع مكس أي كما إذا حلف لمكاس العبيد أنه حر فلا شيء عليه لأنه مكره. انتهى.
فروع: الأول: قال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا قيل له في عبده من رب هذا العبد فقال: لا رب له إلا الله، أو قيل له أمملوك هو؟ فقال: لا، أو قيل له: ألك هو، فقال: ما هو لي، فلا شيء عليه في ذلك كمن قيل له ألك امرأة، أو هذه امرأتك، فقال: لا، فلا شيء عليه إن لم يرد طلاقا، ولا يمين عليه قال عيسى: يحلف فيه، وفي العتق.
الثاني فيه أيضا: وفي العتبية عن ابن القاسم فيمن سئل عن أم ولده فقال: ما هي إلا حرة، فلا شيء عليه إن لم يرد العتق.
الثالث: قال في المدونة: إذا قال لأمته هي أختي، أو لعبده هو أخي، فإن لم يرد به الحرية فلا عتق عليه (^٢).
الرابع: قال محمد عن ابن القاسم: إذا شتم عبده حرا، فاستعدى عليه الحر سيده، فقال: هو حر مثلك، وقال: أراه حرا.
الخامس: قال سحنون: إذا قال السيد لعبده: تصدقت عليك بعملك، أو
_________________
(١) المدونة الكبرى: ج ٢، ص: ٣٧٠. بتصرف.
(٢) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٤٦٢.
[ ٣ / ٥٢١ ]
خراجك، أو خدمتك حياتك فهو حر.
السادس: قال في المدونة: إذا قال لعبده: تعال يا حر، ولم يرد بذلك الحرية، إنما أراد أنك تعصيني، فأنت في معصيتك إياي كالحر فلا شيء عليه (^١).
قوله: (وبلا منك أو سبيل لي عليك، إلا لجواب) يريد أن من قال لعبده ابتداء: لا ملك لي عليك أو لا سبيل لي عليك، فإنه يعتق عليه، إلا إذا كانت هذه الألفاظ لجواب كلام قبله بإعجاب أو سخط، صدق في الذي لم يرد به عتقا فلا يعتق عليه.
قوله: (وبكوهبت لك نفسك) وهذه هي الكناية الظاهرة أي وإن قال لعبده: وهبت لك نفسك، أو نحلتها لك، أو بذلت لك نفسك، فإنه يعتق عليه، لأن العبد لا يملك نفسه، وليس له أن لا يقبل، إذ لا يجوز له أن يرق نفسه.
قوله: (وبكاسقني أو اذهب، أو أغرب)، ألحقه ابن القاسم بالكناية أي فإن قال لعبده: اسقني أو اذهب أو أغرب عني أي ابعد، فإنه يعتق عليه بهذه الألفاظ الثالثة، إن نوى بها العتق.
وقوله: (بالنية) راجع إلى الثلاث.
قوله: (وعتق على البائع إن علق هو والمشتري على البيع والشراء) أي وإن قال: لعبده إن بعتلك فأنت حر، وقال آخر: إن اشتريته فهو حر ثم تبايعاه، فإن العبد يعتق على البائع، لأنه مرتهن بيمينه واستشكل، لأنه لم يعتق إلا بعد خروجه عن ملكه. انتهى.
وقوله: على البيع والشراء هو من باب اللف والنشر على الترتيب، والمعنى وعتق العبد على البائع إن علق عتقه على البيع دون المشتري إن علق عتقه على الشراء مع ذلك ويرد البائع الثمن، فإن لم يقع التعليق إلا من البائع وحده، فإن المشهور أنه يعتق عليه ويرد الثمن كما تقدم.
قوله: (وبالاشتراء الفاسد في إن اشتريتك، كأن اشترى نفسه فاسدا) أي وإذا قال لعبد، إن اشتريتك فأنت حر فاشتراه شراء فاسد، فإنه يعتق عليه، ولزمته قيمته، وهو مذهب المدونة، وأحرى شراء صحيحا، لا يقال أن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا هنا، لتشوف الشارع للحرية، وكذلك يعتق إن اشترى نفسه من سيده شراء فاسدا وأحرى صحيحا، ولا ينقض البيع لأجل الفساد، لتشوف الشارع للحرية.
قوله: (والشقص، والمدبر، وأم الولد، وولد عبده من أمته، وإن بعد يمينه، والإنشاء
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٤٦٢.
[ ٣ / ٥٢٢ ]
فيمن يملكه أولى) إلى آخره أي وإن كان له شقص في رقيق، أو كان له مدبر، أو أم ولد أو ولد عبده من أمته، فإنه يعتق إذا قال: كل مملوك أملكه حر، أو كل مملوك لي حر، (أورقيقي، أو عبيدي، أو مماليكي) أحرار. والمصريون يطلقون العبيد على السود، والمماليك على البيض.
قال في المدونة: ومن قال كل مملوك لي حر عتق عليه عبيده ومدبروه ومكاتبوه وأمهات أولاده، وكل شقص له في مملوك، ويقوم عليه باقيه إن كان مليئا، ويعتق عليه أولاد عبيده من إيمائهم، ولدوا بعد يمينه أو قبل (^١)، لأن الأولاد ليسوا ملكا لآبائهم إنما هم ملك للسيد، وظاهر قوله: وإن بعد يمينه كان على بر أو حنث، وهو خلاف ظاهر المدونة.
ابن يونس: قال ابن المواز: إنما يعتق ما ولد لعبيده بعد اليمين في يمينه لأفعلن، لا في يمينه لا فعلت، وإلى هذا رجع ابن القاسم، لأنه في يمينه لأفعلن على حنث حتى يبر، فإذا فاته لبر لزمه العتق، وأما في يمينه لا فعلت فهو على بر، فإن كن إيماؤه حوامل يوم اليمين دخل الولد في اليمين، وأما ما حملن به بعد اليمين فقيل: يدخل، وقيل: لا يدخل، وهو أصوب، وحكي ذلك عن ابن القاسم. انتهى من فتح الجليل (^٢).
وفي بعض النسخ في موضع والإماء والأنثى، وهو داخل في قوله: فيمن، لأنه يدخل فيه الذكور والإناث. وفي بعض النسخ في الموضع والإنشاء أي ولو قال في تعليقه أو إنشائه كل مملوك لي حر، أو قال رقيقي وعبيدي أو ممالكي أحرار فالحكم كذلك (^٣).
قال عياض: رقيقي يشمل الذكور والإناث، والمذهب أن عبيدي مختص بالذكور.
وقال فضل: يشملها، وصوبه اللخمي مستدلا بقوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]. (^٤)
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٤٥٥.
(٢) فتح الجليل للتتائي: ج ٤، اللوحة: ١٥٥. بعد قول خليل: وولد عبده من أمته وإن بعد يمينه.
(٣) فتح الجليل للتتائي: ج ٤، اللوحة: ٢٠٣. الفرق التاسع والسبعون.
(٤) متن الرسالة: ص: ١٥٥. بعد قول خليل: رقيقي أو عبيدي أو ممالكي.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
قوله: (لا عبيد عبيده) أي لا يدخلون في هذا التعليق ولا هذا الإنشاء، لأن العبد عندنا يملك، ولا يملك السيد ملك العبد إلا بعد الانتزاع، ولا يعارض هذا بحيث من حلف لا يركب دابة فلان، فركب دابة عبده، اللخمي بأن الأيمان تراعى فيها النيات، والنية في هذا اليمين عرفا رفع المنة، وهي حاصلة بركوب دابة العبد وبأن الحنث يقع بأقل سبب.
قوله: (كأملكه أبدا) أي كما لا يلزمه العتق إذا قال: كل مملوك املكه أبدا فهو حر الأبد ظرف للزمان المستقبل فلا شيء عليه فيمن عنده قبل قوله ذلك، لأنه أخرجه بقوله: أملكه أبدا ولا في غيره، لأنه لا يصدق عليه الآن أنه في ملك بوجه، ولما في تتميم يمينه من الحرج والمشقة، وقد رفع عن هذه الأمة المحمدية، فلا يلزمه شيء، إلا أن يعين زمانا كعشرين سنة مثلا، أو عين بلدا أو جنسا كالصقالية، فيلزمه في المستقبل، وهو كمن خصص أو عم في الطلاق.
الحاصل: إذا عمم لا يلزمه، وإذا خصص لزمه.
قوله: (ووجب بالندر، ولم يقض إلا ببت معين) أي ووجب العتق بالنذر، سواء كان معلقا، كإن فعلت كذا فعلي عتق رقبة، أو غير معلق كلله على عتق رقبة، ولكن لم يقض عليه بذاك، وإن وجب عليه، إلا أن يكون ذلك بت عتق عبد معين بإقراره، أو بقيام بينة عليه، كعبدي هذا حر، أو عبدي فلان حر، فيقضى عليه إن امتنع، وخرج به معين بغير بت، كلله علي عتق عبدي هذا إن فعلت كذا، فإنه يؤمر به، ولا يجبر عليه، ولو وعده بالعتق لم يقض عليه وأمر بعتقه.
قوله: (وهو في خصوصه وعمومه) كالطلاق أي والعتق في خصوصه وعمومه إلى آخر ما ذكره كالطلاق، كما إذا قال: كل عبد أملكه من قرية كذا أو بلد كذا فهو حر، فإنه يلزمه وإن عم فلا يلزم كما تقدم، كما إذا قال: كل مملوكه أملكه حر للحرج والمشقة.
قوله: (ومنع من وطء، وبيع في صيغة حنث، وعتق عضر، وتمليكه العبد وجوابه: كالطلاق) أي فإن قال لأمته إن لم أفعل كذا فأنت حرة، فإنه يمنع من بيعها ووطئها، كما يمنع الحالف بالطلاق من الوطء من زوجته، وفرق بين الحنث والبر، فجعله في الحنث ممنوعا من البيع والوطء دون البر، وسوى في ذلك بين الزوجة والأمة، وكذلك إن عتق عضوا من أمته أو عبده عتق عليه الجميع، كما إذا طلق عضوا من زوجته، وكذلك إذا ملك عبده بالعتق وجوابه فيه كالطلاق أي وإن أعتق نفسه فهو
[ ٣ / ٥٢٤ ]
حر، وإلا فهو عبد، وإن أجاب بمحتمل سئل عن مراده.
قوله: (إلا لأجل) فلا يتساوى البابان في الأجل، لأن الطلاق إلى أجل يقع منجزا لكونه يؤدي إلى المتعة وهو ممنوع شرعا والعتق يجوز لأجل، ولا يقع إلا بعد انقضائه، وللسيد أن ينتفع بخدمته ما دام الأجل باق.
وقوله: (وإحداكما، فله الإختيار) أي وكذلك لم يتساو الطلاق والعتق، فإذا قال لأمتيه: إحداكما حرة من غير نية، فإنه يختار من شاء منهما ويعينها، بخلاف إذا قال لزوجته إحداكما طالق من غير نية أو نوى واحدة ونسيها، فإنهما تطلقان معا، وهو مذهب المصريين، وذهب المدنيون إلى أنه يختار في الطلاق واحدة كالعتق، وفرق على مذهب المصريين أن العتق تبعيض بخلاف الطلاق، وقيل: بأن الطلاق فرع النكاح وهو لا يجوز فيه الخيار فكذلك فرعه والعتق فرع الملك وهو يجوز فيه الخيار فكذلك فرعه، إذا عتق أحد عبيده يختار على المشهور، وقيل: يعم العتق الجميع وإذا طلق إحدى نسائه يعم الطلاق النسوة على المشهور، وقيل يختار، والفرق على المشهور أن الطلاق إسقاط العصمة، والإباحة والعتق قربة، لا إسقاط وإن لزمها الإسقاط. انتهى من أنوار البروق للقرافي تحلله (^١).
قوله: (وإن حملت فأنت حرة، فله وطؤها في كل طهر مرة) إلى آخره، يريد أن العتق أيضا يفارق الطلاق فيما إذا قال لأمته إن حملت فأنت حرة، فإن له وطأها في كل طهر مرة واحدة، بخلاف إن قال لزوجته: إن حملت فأنت طالق، فإن كان وطئها قبل اليمين طلقت الآن، وإلا فله وطؤها مرة واحدة ثم تطلق عليه.
قوله: (وإن جعل عتقه لاثنين لم يستقل أحدهما إن لم يكونا رسولين) أي وإن فوض عتق عبده لإنسانين، لم يستقل أحدهما بالعتق بل باتفاقهما، إلا أن يكونا رسولين، فإنه يعتق بتبليغ أحدهما بل بتبليغ غيرهما.
قوله: (وإن قال: إن دخلتما فدخلت واحدة فلا شيء عليه فيهما) أي وإن قال لأمتيه أو زوجتيه إن دخلتما هذه الدار فأنتما حرتان أو طالقتان، فدخلتها واحدة فلا شيء عليه حتى تدخلا جميعا، هذا قول ابن القاسم، قال أشهب: بعتق الداخلة فقط.
قوله: (وعتق - بنفس الملك - الأبوان وإن علوا، والولد وإن سفل) شرع الله في ذكر خواص العتق أي وإذا ملك أحد أبويه وإن علق، فإنه يعتق عليه بنفس الملك، ولا
_________________
(١) أنوار البروق للقرافي: ج ٢، ص: ٢٠٣، الفرق التاسع والسبعون.
[ ٣ / ٥٢٥ ]
يحتاج إلى حكم حاكم، وقيل: لا بد من الحكم.
الأصل في عتق الأبوين قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسراء: ٢٣] والأحسن ألا يملكهما، وقال تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣]. والرق أذل من كل شيء، سواء دخل في ملكه قهرا بالإرث أو اختيارا كالعقد، وكذلك يعتق عليه الولد إن ملكه وإن سفل.
وقوله: (كبنت) مستغنى عنه، لأنها تدخل في الولد لعله ذكر البنت لئلا يتوهم أن ولد البنت لا يعتق عليه.
قوله: (وأخ، وأخت) معطوف على قوله: والأبوان، ولو عرف بأل كما عرف الأبوين لكان أولى أي وعتق عليه بنفس الملك الإخوة والأخوات (مطلقا) كانوا لأب أو لأم.
قوله: (وإن بهبة، أو صدقة، أو وصية إن علم المعطي ولو لم يقبل) إلى آخره أي وعتق بنفس الملك الأبوان، والأولاد، والإخوة مطلقا، وإن حصل الملك فيهم بهبة أو صدقة أو وصية، إن علم المعطى أو المتصدق عليه، أو الموصى أنه يعتق عليه وعتق ولو لم يقبل الموهوب الهبة، أو الصدقة، أو الموصى به، وإن لم يعلم أنه يعتق عليه فلا يعتق حتى يقبل.
قوله: (وولاؤه له) أي وولاؤه للموهوب له، أو المتصدق عليه، أو الموصى له به، لئلا يتوهم أن الولاء لا يكون له حين لا يسترقه.
قوله: (ولا يكمل في جزء لم يقبله كبير، أو قبله ولي صغير أو لم يقبله) أي ومن وهب له جزء ممن يعتق عليه، أو تصدق به عليه، أو وصى له به فلم يقبل وهو كبير رشيد، فإنه يعتق عليه ذلك الجزء، ولا يقوم عليه الباقي، وأما إن قبله فإنه يكمل عليه، وكذلك لا يكمل العتق على صبي إذا وهب له جزء ممن يعتق عليه وقبله وليه، بل يعتق على الصبي الجزء الموهوب وحده، وقول الشيخ أو لم يقبل مستغنى عنه.
قوله: (لا بإرث، أو شراء، وعليه دين فيباع) أي لا يعتق عليه من تقدم ذكره إن حصل ملكه بإرث أو شراء، والحال أنه عليه دين مستغرق له، فإنه يباع ويقضى بثمنه الدين وهذا قول ابن القاسم.
أشهب إذا ورثه عتق عليه.
قوله: (وبالحكم إن عمد لشين برقيقه أو رقيق رقيقه، أو لولد صغير) إلى آخره، هذه هي الخاصية الثانية من خواص العتق أي وعتق بالحكم إن قصد لشين في رقيقه،
[ ٣ / ٥٢٦ ]
مفهومه إن لم يقصد الشين أي العيب فلا يعتق عليه وإن قصد الفعل وهو كذلك على قول مالك وهو خلاف المشهور.
وقوله: بالحكم خلاف ظاهر الرسالة قال فيها: ومن مثل بعبده (^١) إلى آخره عتق عليه ظاهره بنفس المثلة. انتهى.
وقوله: أو رقيق رقيقه جعل العبد هنا لا يملك خلافا لما تقدم من قوله: لا عبيد عبيده. انتهى.
وكذلك يعتق عليه إن مثل برقيق صغير ولده، ويقوم عليه إن كان موسرا بقيمته، وإلا فلا يقوم عليه، ولا يعتق عليه بل يبقى ملكا للولد.
قوله: (غير سفيه، وعبد، وذمي بمثله، وزوجة ومريض في زائد الثلث، ومدين) إلى آخره أي وهو فاعل عمدا أي وإن قصد غير سفيه بشين عبده بما فعله له عتق عليه، وأما السفيه إذا مثل برقيقه فلا يعتق عليه، وهو مذهب ابن القاسم الذي رجع إليه، وعنه أيضا أنه يعتق عليه، وكذلك العبد إذا مثل برقيقه لا يعتق عليه عند ابن القاسم، لأنه إتلاف لمال سيده خلافا لأشهب، وكذلك لا يلزم الذمي عتق عبده إذا مثل به واختاره أصبغ: أشهب يعتق عليه، وهذا كله إذا كان العبد مثل الذمي في الكفر، وأما عبده المسلم فإنه يعتق عليه إن مثل به، وكذلك الزوجة والمريض إذا مثلا برقيقهما فيما زاد على الثلث، فإنه لا يعتق عليهما ما زاد على الثلث بل يتوقف على رضى الزوج والورثة عند ابن القاسم، قال أشهب: لا يتوقف على رضاه بناء على أن العتق بالمثلة حد من الحدود يوجب ذلك أذن أم لا، وأما لو مثلا بعبد فقيمته الثلث للعتق من غير توقف على رضى الزوج والورثة من غير خلاف، وكذلك المديان إذا مثل بعبده فلا يعتق عليه عبده. ابن القاسم، أشهب: يعتق عليه.
ومن مثل بزوجته أو باعها أو وهبها أو زوجها ففيه ثلاثة أقوال: تطلق عليه ثلاثا، وقيل: واحدة، وقيل: لاشيء عليه إلا الأدب.
قوله: (كقلع ظفر) شرع الله في ذكر أمثلة المثلة، وفي المثلة ثلاث لغات: المثلة بضم الميم والثاء المثلثة، وبفتح الميم وضم الثاء، وبمضم الميم والثاء معا. نتهى.
فقال: كقلع ظفر (وقطع بعض أذن، أو جسد أو سن، أو سحلها، أو خرم أنف، أو حلق شعر
_________________
(١) متن الرسالة: ص: ١١٠. حيث قال: ومن مثل بعبده مثلة بينة من قطع جارحة ونحوه عتق عليه.
[ ٣ / ٥٢٧ ]
أمة رفيعة، أو لحية تاجر، أو وسم وجه بنار، لا غيره) إلى آخر الأمثلة أي فإن قلع ظفر رقيقه قصدا، فإنه يعتق عليه لأن المدى لا ينقطع، وكذلك إن قطع بعض أذنه أو جسده، فإنه يعتق عليه فقد نص على ذلك مالك ﵀ في الموازية، وكذلك يعتق عليه إذا قلع سنه أو سحلها أي نحتها، لأن ذلك ينقص الانتفاع بها، وكذلك إن خرم أنفه فإنه يعتق عليه.
قوله: أو حلق شعر أمة رفيعه أو لحية عبد تاجر، فإنه يعتق عليه، وهو خلاف قول مالك ﵀، وخالف الشيخ عادته ﵀ بمخالفته قول الإمام، وكذلك يعتق عليه إذا وشم وجهه بنار، كما إذا وشم في وجهه هذا آبق، لأنه شين فاحش، وأما إن وشمه بالنار في غير الوجه، كما إذا وشم بالنار في ذراعه أو ظهره هذا آبق فإنه لا يعتق عليه.
قوله: (وفي غيرها فيه) أي وإن وشمه بغير النار في وجهه كالمداد ونحوه، ففي عتقه عليه بذلك وعدم عتقه عليه (قولان) من غير ترجيح عند الشيخ، أشهب: يعتق، ابن وهب لا يعتق.
قوله: (والقول للسيد) أي فإن مثل بعبده، وادعى أنه بغير عمد وقال العبد: بل هو عمد، فإن القول قول السيد (في نفي العمد)، لأن الأصل عدم العداء، وكذلك الزوج في زوجته.
قوله: (لا في عثق بمال) أي لا يصدق السيد أنه إنما أعتق عن مال، لأنه أقر بالعتق وادعى المال، فيؤخذ بإقراره بعتق العبد، ويكلف بإثبات دعواه بعض ابن القاسم دعواه.
قوله: (وبالحكم جميعه: إن أعتق جزء) هذه الخاصية الثالثة من خواص العتق أي ومن أعتق جزء من رقيقه كان الجزء شائعا كالربع مثلا، أو غير شائع كيد أو عين مثلا، فإنه يعتق عليه جميعه بحكم الحاكم لا بنفس العتق وهو خلاف الرسالة، قال فيها ومن أعتق بعض عبده استتم عليه (^١).
قوله: «والباقي له، كأن بقي لغيره، إن دفع القيمة يومه، وإن كان المعتق مسلما أو العبد وإن أيسر بها، أو ببعضها فمقابلها، وفضلت عن متروك المفلس وإن حصل عتقه باختياره لا بإرث، وإن ابتدأ العلق؛ لا إن كان حر البعض) أي كما يقوم عليه نصيب شريكه
_________________
(١) متن الرسالة باب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاء، ص: ١١٠.
[ ٣ / ٥٢٨ ]
إذا أعتق هو نصيبه بخمسة شروط:
الأول: أن يكون دفع القيمة يومه أي يوم الحكم لا قيمته يوم العتق.
الثاني: أن يكون المعتق مسلما، كان الشريك مسلما أو كافرا، وأحرى إذا كانا مسلمين، أو كان العبد مسلما أو كافرا.
عياض في إكمال الإكمال: فإذا كان العبد الكافر بين مسلمين، فأعتق احدهما نصيبه، أو بين نصراني ومسلم فأعتق المسلم نصيبه قوم عليه لتوجه الخطاب على المسلم.
واختلف عندنا إن أعتق النصراني، هل يقوم عليه لحق شريكه المسلم؟ أو لا يقوم إذ هو حق الله تعالى؟ (^١). انتهى.
وأن يكون العبد مسلما كان المعتق والشريك كافرين أم لا.
وأن يكون المعتق موسرا بالقيمة.
قال اللخمي: وهذه المسألة أصل في كل ما لم يكن أصله معاوضة، أنه لا يضيق فيه كالمداينة. انتهى من الكبير (^٢).
وإن أيسر ببعضها فمقابلها، وأن يكون حصل العتق باختيار من المعتق، لا إن دخل عليه بإرث، كما إذا ورث جزءا ممن يعتق عليه بالقرابة، فإنما يعتق عليه الجزء الذي في ملكه فقط. وأن يكون هو الذي ابتدأ العتق لا إن كان حر البعض أولا، ولو أسقط الشيخ من قوله: وإن كان المعتق مسلما ومن قوله: وإن أيسر بها ومن قوله: وإن حصل عتقه باختيار ومن قوله: وإن ابتدأ العتق لكان أقصر وأبين اكتفاء بأن الأولى في قوله: إن دفع القيمة.
وقوله: أو بعضها لو قال وإن كان بعضها أي وإن أيسر ببعضها فمقابلها، لأنه ابتداء كلام، والكمال لله، ولكن كفى المرء نبلا أن تعد معايبه.
قوله: وفضلت عن متروك المفلس أي هذا تفسير اليسير، وقد تقدم ما يترك للمفلس في بابه.
قوله: ﴿وقوم على الأول، وإلا فعلى حصصهما إن أيسرا، وإلا فعلى الموسر﴾ أي وإن أعتق أحد الشركاء نصيبه ثم أعتق أحد الباقين نصيبه منه، فإن التقويم على المعتق
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٧٩.
(٢) الشرح الكبير للشيخ بهرام: ج ٤، اللوحة: ٢١٦.
[ ٣ / ٥٢٩ ]
الأول، وإن أعتقا معا نصيبهما، فالتقويم يكون عليهما على قدر حصصهما، كما إذا كان لأحدهما نصفه، وللآخر سدسه، فإن على صاحب النصف ثلاثة أرباع قيمة نصيب الشريك الذي لم يعتق، وعلى صاحب السدس ربعه، وهذا كله إذا أيسر بالقيمة، وأما إن كان أحدهما معسرا والآخر موسرا فإن التقويم على الموسر وحده.
قوله: (وعجل في ثلث مريض أمن) أي وإن أعتق المريض جزءا من رقيقه، أو أعتق نصيبه من عبد مشترك مع غيره، فإن هذا الحكم المتقدم ذكره وهو أن يعتق عليه جميعه إن كان باقيه له، أو التقويم إن كان الباقي لغيره، فإن ذلك يعجل به من ثلثه إن كان ماله مأمونا، والمأمون هو العقار، وإلا فلا يعجل بالتقويم حتى يبرأ، أو يموت فيعتق في ثلثه ويغرم نصيب شريكه، وإن لم يحمله الثلث عتق بالثلث مبلغه ورق باقيه، وإن عاش لزمه عتق بقيته.
قوله: (ولم يقوم على ميت) أي فإن أعتق جزء من عبد مشترك ولم يعلم بذلك إلا بعد موته، فإن نصيب شريكه لا يقوم عليه لأنه معدم، إذ بموته صار المال لغيره، وهو أشد حالا من المعسر، وهذا إذا (لم يوص) بالتكميل عليه، وأما إن أوصى به فإنه يكمل في ثلثه.
قوله: (وقوم كاملا بماله) أي ويقوم العبد المعتق كاملا، لا عتق فيه، لأن قيمته كاملا أكثر من قيمته مبعضا، لأن قيمته كاملا قد تكون مائة ومبعضا قد تكون ثمانين، فيقوم كاملا مع ماله، لأن المعتق بعضه لا ينزع ماله، فيقضى للشريك نصف قيمته كاملا، وهذا هو معروف المذهب. وقيل: يقوم على أن بعضه حر. والأول أصح لأن سبب التقويم جناية المعتق بتعديته نصيب شريكه، فيقوم على ما كان عليه يوم الجناية، كالحكم في سائر الجنايات المقومة.
والمشهور أن المعتبر في قيمته يوم الحكم. وقيل: يوم العتق.
عياض: وقيل: إنما يقوم كاملا، لأن المعتق كان قادرا على أن يدعوا شريكه لبيع جميعه، فيحصل له نصف جميع الثمن فلما منعه هذا ضمن له ما منعه. انتهى في إكمال الإكمال (^١).
وفيه قد قال المازري: التقويم إنما هو لما ألحق الشريك من الضرر من عيب
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥/ ٢٨٠.
[ ٣ / ٥٣٠ ]
العبد بالعتق ولحق العبد في الحرية. انتهى (^١).
قوله: (بعد امتناع شريكه) أي إنما يقوم نصيب الشريك على المعتق بعد امتناع الشريك (من العتق) لأنه مخير بين عتق نصيبه، أو التقويم على شريكه المعتق، لأنه أدخل العيب عليه.
قوله: (ونقض له بيع منه، وتأجيل الثاني، أو تدبيره) أي ونقض البيع من الشريك لأجل التقويم، إذ بعتق الجزء وجب التقويم.
قال في المدونة: وإذا أعتق أحد الشريكين حصته وهو موسر، ثم باع الآخر نصيبه، نقض البيع التقويم وقوم على المعتق (^٢)، وكذلك إذا عتق أحد الشريكين حصته عتقا ناجزا، ثم أعتق الآخر نصيبه إلى أجل أو دبره أو كاتبه، فإنه ينقض فعله ذلك لأجل التقويم بل يعتق على الأول ويدفع قيمة ذلك النصيب.
قوله: (ولا ينتقل بعد اختياره أحدهما) يعني أن الشريك إذا عتق شريكه حصته من العبد، وخير هو بين أن يقوم عليه نصيبه، وبين أن يعتقه، فإن اختار أحدهما فليس له أن ينتقل بعد ذلك إلى غيره.
قوله: (وإذا حكم بمنعه لعسره مضى، كقبله ثم أيسر؛ إن كان بين العسر وحضر العبد، وأحكامه قبله كالقن) أي وإذا حكم بجواز بيع النصيب، لأجل عسر المعتق، مضى ذلك الحكم، كما يمضي إذا أعسر قبل العتق ثم أيسر قبل الحكم عليه بالتقويم، فلا يلزمه التقويم إن كان بين العسر وكان العبد حاضرا، مفهومه إن كان غير بين العسر أو كان العبد غائبا، فإن الحكم لا يمضي وهو كذلك، وأحكام العبد الذي أعتق منه الجزء قبل التقويم، كالقن في جميع الأمور من شهادة، وحدود، وعدة واستبراء وغير ذلك، إذ عتقه يتوقف على الحكم.
قوله: (ولا يلزم استسعاء العبد، ولا قبول مال الغير، ولا تخليد القيمة في ذمة المعسر برضا الشريك، ومن أعتق حصته لأجل قوم عليه ليعتق جميعه عنده، إلا أن يبت الثاني فنصيب الأول على حاله) أي فإذا أعتق بعض العبد وكان معتقه معسرا لا يلزمه أن يسعى في بقية قيمته. انتهى.
قال صاحب المواق: إلا أن يتطوع سيده فذلك له (^٣)، وكذلك لا يلزمه قبول مال
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٨١.
(٢) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ص: ٤٧٠.
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ٨، ص: ٤٦٩.
[ ٣ / ٥٣١ ]
الغير ليعتق منه نفسه، وكذلك لا يلزم المعتق قبول مال الغير ليدفعه الشريك في قيمة حصته، وكذلك لا يلزم المعتق الجزء المعسر تخليد القيمة في ذمته، ولو رضي الشريك باتباع ذمته، لأن الموجب للتقويم اليسر، فليس لشريكه أن يرتب دينا في ذمة المعتق.
قوله: ومن أعتق حصته لأجل الذي تقدم عتق حصته ناجزا أي وإن أعتق الشريك حصته من العبد إلى أجل قرب أو بعد، قوم عليه حصة شريكه الآن، ليعتق جميعه عند الأجل، إلا أن يبادر شريكه بتنجيز عتق حصته فيبقى حينئذ نصيب الأول حتى يحل الأجل فيخرج حرا. انتهى.
ولو تقاوى الشريكان العبد والأمة فبلغاه أضعاف قيمته، فعمد أحدهما فأعتقه، فروى عيسى عن ابن القاسم أنها نزلت بالمدينة في جارية بين رجل وزوجته فحكم فيهما بعض العلماء بأن ينادى عليهما، فإن زادت على ذلك وإلا لزمه الزوج، فاستحسنه مالك. انتهى من الجواهر (^١).
قوله: (وإن دبر حصته تقاوياه ليرق كله أو يدبر) أي وإن دبر حصته من العبد تقاوياه أي تزايدا عليه هو وشريكه، فإن زاد المدبر وسلم كان كله مدبرا، وإن زاد غيره وسلم المدبر كان العبد رقيقا كله.
قوله: (وإن ادعى المعتق عيبه فله استخلافه) أي وهذا راجع إلى المسائل التي في عتق الجزء أي وإن ادعى المعتق للجزء عيب العبد الذي يقوم عليه، فله تحليف شريكه الذي لم يعتق، وهذا إذا ادعى العيب الخفي كالزنى والسرقة والإباق، فأما العيب الظاهر، فإنه يقوم بعيبه.
قال في الجواهر: ولو تعيب العبد قبل التقويم قوم بعيبه. فأما مجرد دعوى المعتق أنه سارق أو آبق فلا يقبل منه. فإن ادعى أن الشريك عالم بذلك فأنكر شريكه، ففي توجه اليمين عليه وعدم توجهها قولان، لأشهب وابن القاسم.
وروي عن ابن القاسم أنه رجع إلى مثل أشهب في إيجابها عليه، وهو اختيار أصبع، والأول اختيار محمد. انتهى (^٢).
قوله: (وإن أذن السيد، أو أجاز عتق عبده جزءا قوم في مال السيد، وإن احتيج لبيع
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٣، ص: ١١٨٨/ ١١٨٩.
(٢) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ١١٨٩.
[ ٣ / ٥٣٢ ]
المعتق بيع أي وإن أذن السيد لعبده في عتق جزء من عبده، أو لم يأذن له، فلما عتق العبد جزء من عبده، أجاز عتقه ذلك الجزء، فإن حصة الشريك تقوم على السيد الأعلى لأنه المعتق، وإن احتيج إلى بيع المعتق وهو السيد الأدنى.
قوله: (وإن أعتق أول ولد لم يعتق الثاني ولو مات) أي وإن قال: أول ولد من جاريتي هذه عتيق، فولدت توءمان، فإن الأول منهما يعتق دون الثاني ولو مات الأول، وهذا إذا علم الأول، وأما إن لم يعلم، فإنهما يعتقان معا.
قوله: (وإن أعتق جنينا، أو دبره فحر، وإن لأكثر الحمل، إلا لزوج مرسل عليها فلأقله) أي وإن أعتق ما في بطن أمته أو دبره، فإنه يكون حرا في العتق ومدبرا في التدبير، وإن تأخر الوضع إلى أمد الحمل، وهل أربع أو خمس، إلا أن تكون الأمة تحت زوج مرسل عليها، فلأقله أي فإلى أقل أمد الحمل. صوابه فلأقل أقله أي فإلى أقل من أقل أمد الحمل.
قوله: (وبيعت إن سبق العتق دين، ورق، ولا يستثنى ببيع أو عتق).
قال ابن غازي: صوابه وإن سبق العتق دينا (^١)، وأحرى إن سبق الدين العتق. وقال المواق: صوابه إن سبق الوضع دين، ليتنزل على ما يتقرر أي وإن أعتق جنينا في بطن أمه أو دبرها، فإنها تباع في الدين ويرق الجنين، إذ لا يستثنى في بيع كهذه الصورة، ولا يستثنى في عتق في غير هذه الصورة، لأنه إذا أعتقها وهي حامل، فلا يجوز أن يستثنى الجنين لأجل الرق. والواو في قوله: ولا يستثني لبيع أو رق، معناه إذ لا يستثنى الجنين في بيع أو عتق.
قوله: (ولم يجز اشتراء ولي من يعتق على ولد صغير بماله، ولا عبد لم يؤذن له من يعتق على سيده) أي ولم ينفذ اشتراء ولي أبا كان أو غيره من يعتق على ولد صغير كان له أو لغيره، لأنه إتلاف لماله، فلا يجوز له إتلاف ماله، وكذلك لا يجوز لعبد لم يؤذن له في التجارة اشتراء من يعتق على سيده، علم أنه يعتق عليه أم لا، لأنه إتلاف لمال سده، مفهومه أن المأذون له ذلك وليس كذلك، إن علم أنه يعتق على سيده، لأنه لا يجوز له إتلاف ماله، وكذلك المأذون لا يجوز له أن يشتري من يعتق على سيده، إن علم أنه يعتق عليه، لأنه إتلاف لماله، وأما إن لم يعلم فيجوز الشراء ويعتق.
قوله: (وإن دفع عبد مالا لمن يشتريه به، فإن قال اشترني لنفسك، فلا شيء عليه إن
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ١١٣٧.
[ ٣ / ٥٣٣ ]
استثنى ماله، وإلا غرمه، وبيع فيه) أي وإذا دفع العبد مالا لمن يشتريه من سيده، فلا يخلو إما أن يقول له اشترني لنفسك، أو يقول له اشترني لنفسي، فإن قال له: اشترني لنفسك من سيدي وأنا اخترتك عنه فاشتراه لنفسه ودفع الثمن للسيد، فالبيع لازم، ولا شيء على المشتري إن استثنى مال العبد في غرم الثمن من نفسه، وإن لم يستثن ماله فإنه يغرم الثمن للسيد ثانيا، لأن الذي دفع إليه أولا هو من مال عبده. وفي بعض النسخ كلتعتقني، ولكن لم يثبت عند تلاميذ الشيخ، وعلى إثباته وقوله: بيع فيه أي بيع العبد في الصورتين في الثمن.
وقوله: (ولا رجوع له على العبد، والولاء له كلتعتقني) أي العبد العتيق راجع على لتعتقني أي وإن دفع العبد مالا لرجل فقال: اشترني به لتعتقني، فاشتراه على ذلك، فإن لم يتستثن ماله غرم الثمن للسيد ثانيا، ولا يرجع بالثمن على العبد العتيق، ولكن الولاء له لأنه اشتراه.
قوله: (وإن قال: لنفسي فحر، وولاؤه لبائعه، إن استثنى ماله، وإلا رق) أي وإن قال له حين دفع إليه المال: اشترني لنفسي، فاشتراه فإنه يعتق إذ لا يملك نفسه، وولاؤه لبائعه إن استثنى المشتري ماله، وإن لم يستثنه بقي رقيقا لبائعه.
قوله: (وإن أعتق عبيدا في مرضه أو أوصى بعتقهم، ولو سماهم، ولم يحملهم الثلث، أو أوصى بعتق ثلثهم أو بعدد سماه من أكثر) إلى قوله: (أقرع) وهي أربع مسائل الجواب فيها واحد وهو قوله: أقرع أي وإن أعتق عبيدا في مرضه المخوف ومات فيه عتقا ناجزا، والحال أن الثلث لم يحملهم، أو لم يعتقهم ولكن أوصى بعتقهم ولم يحمله الثلث، كلهم سماهم أو لم يسمعهم لا فرق على المشهور، وقيل: إذا سماهم يعتق منهم الحصص، أو أوصى بعتق ثلثهم جميعهم حملهم الثلث أم لا، أو أوصى بعتق عدد سماه من أكثر، كما إذا كان له خمسون عبدا وأوصى بعتق عشرة، فإن القرعة واجبة في المسائل الأربع، لأن غير القرعة ترجيح بلا مرجح، ولأنه إذا أعتق من كل واحد جزء أدخل الضرر على الورثة بعتق الجزء من العبد.
روى أن رجلا أعتق عند موته ستة أعبد لم يكن له غيرهم، فأقرع بينهم رسول الله ﷺ، فأعتق أثنين وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا لو حضرت لم يدفن في مقابر المسلمين، وقيل: قال وقد هممت أن لا أصلي عليه الراوي عمران بن حصين (^١).
_________________
(١) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبد نهم بن حذيفة بن جهمة بن غاضرة بن حبشية بن=
[ ٣ / ٥٣٤ ]
وصفة القرعة أن يكتب اسم كل مع قيمته فيلف بشمعة، فإذا كتب أسماءهم يجعل ذلك في شيء ثم يخرج واحد، فإذا وجد فلان وقيمته دون الثلث خرج عتيقا، ثم كذلك إلى أن ينتهي الثلث، فإن لم يبق بعد عتق كامل من الثلث إلا قدر جزء من واحد، فإنه يعتق عليه ذلك الجزء والباقي رقيق.
وقوله: ﴿كالقسمة، إلا أن يرتب فيتبع، أو يقول ثلث كل، أو أنصافهم، أو أثلاثهم﴾ أي القرعة كالقرعة في القسمة وقد تقدم قوله: إلا أن يرتب فيبيع أي فالقرعة إلا أن يرتب ويقول: اعتقوا فلانا ثم فلانا، فإنه يتبع ما قال إلى أن ينتهي الثلث، وكذلك إن قال: اعتقوا ثلث كل أو اعتقوا أنصافهم أو أثلاثهم، فإنه يتبع ما قال.
قوله: (وتبع سيده بدين) أي ومن اعتق عبده وللعبد دين، فإن العبد يأخذ منه دينه (إن لم يستثن ماله) حين أعتقه، وأما فيما استثناه فلا يتبعه به، لأنه من المال الذي استثناه.
قوله: (ورق إن شهد شاهد برقه أو تقدم دين وحلف) أي وإن شهد شاهد واحد أن هذا عبد لهذا، وحلف المشهود له، فإن برئ له، لأن الشاهد واليمين يثبت به، وقد حكم به رسول الله ﷺ، وكذلك إذا اعتق مدين عبده وشهد شاهد واحد أن الدين سبق العتق، وحلف رب الدين وهو المشهود له، فإن العبد يرق ويباع في الدين.
قوله: (واستؤني بالمال إن شهد شاهد بالولاء، أو اثنان أنهما لم يزالا يسمعان أنه مولاه أو وارثه، وحلف) أي وإن شهد شاهد واحد شهادة قطع أن هذا مولى هذا، أو شهد اثنان أنهما لم يزالا يسمعان أن هذا مولى هذا أو وارثه، وحلف المشهود له في المسألتين دفع إليه ماله بعد الاستيناء لعله يأتي من هو أقوى منه.
قوله: (وإن شهد أحد الورثة، أو أقر أن أباه أعتق عبدا لم يجز، ولم يقوم عليه) أي وإن شهد عدل واحد من الورثة، أو أقر منهم غير عدل، ويحتمل إن شهد واحد عند
_________________
(١) = كعب بن عمرو الخزاعي هكذا نسبه بن الكلبي ومن تبعه وعند أبي عمر عبد نهم بن سالم بن غاضرة ويكنى أبا نجيد بنون وجيم مصغرا روى عن النبي ﷺ عدة أحاديث وكان إسلامه عام خيبر وغزا عدة غزوات وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح قاله بن البرقي وقال الطبراني أسلم قديما هو وأبوه وأخته وكان ينزل ببلاد قومه ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها روى عنه ابنه نجيد وأبو الأسود الدؤلي وأبو رجاء العطاردي وربعي بن حراش ومطرف وأبو العلاء ابنا عبد الله بن الشخير وغيرهم، مات سنة اثنتين وخمسين وقيل سنة ثلاث. الإصابة في تمييز الصحابة: ج ٤، ص: ٧٠٥. الترجمة: ٦٠١٤.
[ ٣ / ٥٣٥ ]
الحاكم أو أقر عند غير الحاكم، أن أباه أو أخاه أو عمه أو أمه أعتق عبدا لم يجز أي لم ينفذ، لأن العتق لا بد فيه من شهادة عدلين، ولم يقوم على الشاهد ولا على المقر أي غيره هو المعتق، بل إنما أخبر بفعل المعتق، ولا يعتق عليه نصيبه، لأنه أدخل العيب على شريكه نعم وإن ملكه يوما عتق عليه.
قوله: (وإن شهد على شريكه بعتق نصيبه فنصيب الشاهد حر، إن أيسر شريكه، والأكثر على نفيه) أي وإن شهد أحد شركاء العبد أن شريكه أعتق حصته منه، فإن نصيب الشاهد يخرج حرا، إن كان الشريك موسر، لأن الشاهد أقر أن حصة الشريك الموسر تقوم عليه، والشريك ظالم له فيها، وقال أكثر الروات: لا يعتق عليه نصيبه إذ لا عتق إلا بعد التقويم ويضع القيمة.
قوله: (كمسره) أي كما لا يعتق عليه نصيبه إذا كان الشريك معسرا اتفاقا.
[ ٣ / ٥٣٦ ]