قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الإقرار، وحقيقة الإقرار: إخبار المرء عن أمر اختص بنفسه، وهو راجع إلى شهادته على نفسه.
وأركانه: المقر، والمقر له، والمقر به، والصغة.
قاعدة: الإقرار والشهادات والدعوى كلها إخبارات، والفرق بينهما أن الإخبار إن كان يقتصر حكمه على قائله فهو الإقرار، وإن لم يقتصر فإما أن لا يكون للمخبر فيه نفع فهو الشهادة أو يكون وهو الدعوى. انتهى من الذخيرة (^١).
الإقرار يصح من البر والفاجر، والمسلم والكافر إجماعا؛ لأن الإقرار على خلاف الوازع الطبيعي، فإنه إنما يقر على نفسه في ماله، أو نفسه، أو أعضائه ونحو ذلك، والطبع يمنع من المسامحة بذلك من غير سبب يقتضيه، بل هو مع السبب المقتضى له شأن الطباع جحده. انتهى من أنوار البروق (^٢).
قاعدة: كل من ادعى عليه ما لو أقر به لأضره ففيه يمين، إلا الشاهد والحاكم والزوج والسيد في عبده، ولو كلف الشاهد أن يحلف أن ما شهد به حق لعدم الشهود، والحاكم لو كلف أن يحلف أن ما حكم به حق لعدم، وكذلك لو كلف الزوج اليمين، إذ ادعت عليه زوجته أنه طلقها لحلفته كل وقت، وكذلك السيد في عبده إذا ادعى عليه أنه أعتقه، فلا يمين على السيد. قل ما يوجد لمالك في هذا الباب نص، ولذلك تجد أكثر مسائله مشكلة.
قوله: (يؤاخذ المكلف) أي يواخذ المكلف بإقراره فاسقا كان أو كافرا، احترز بالمكلف من الصبي والمجنون والمكره.
قوله: (بلا حجر بإقراره) أي والمكلف ليس بمحجور عليه، إذ لا يصح إقراره، وقد تقدم المحجور عليه.
_________________
(١) البهجة البهجة في شرح التحفة المؤلف: أبو الحسن علي بن عبد السلام التسولي: ج ٢، ص: ٥٢٤، دار النشر: دار الكتب العلمية - لبنان/ بيروت - ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م الطبعة: الأولى تحقيق: ضبطه وصححه: محمد عبد القادر شاهين.
(٢) الفروق للقرافي: ج ٤، ص: ٣٨. الفرق العشرون والمائتان بين قاعدة ما يشترط فيه العدالة وبين قاعدة ما لا يشترط فيه العدالة.
[ ٣ / ١٣٥ ]
قوله: (لأهل) أي وشرط المقر له أن يكون أهلا للإستحقاق، ويدخل في ذلك مسجد أو قنطرة، فلو قال: لهذ الحجر أو هذا الحمار علي ألف بطل، ولو أقر لصبي لا يعقل، أو للمجنون بشيء لزمه.
قوله: (لم يكذبه) أي فإن أقر لأهل فكذبه المقر له لم يسلم إليه، ويترك في يد المقر، فإن رجع المقر فله ذلك، ثم لا رجوع للمقر له بعد ذلك إلا أن يعود المقر إلى الإقرار، فيكون للمقر له حينئذ التصديق والأخذ. انتهى من ابن شاس (^١).
وإن اعترف رجل أن لفلان في ذمته درهما مثلا فقال الرجل: ليس لي في ذمته شيء وطلب يمينه فلا أعرف فيها نصا، والظاهر أنها تتوجه لغرضه في براءة ذمته، وهو أيسر من الصدقة على فقير، وقد يكون في باطن الأمر غنيا ووقعت بالغير، وإن ترافعا إلى القاضي واصطلحا قبل الحكم، وما اختارته من يمينه هو الذي يظهر من فحوى كلام شيخنا حفظه الله. برزلي.
قوله: (ولم يتهم) أي ولم يتهم المقر بالإقرار.
قوله: (كالعبد في غير المال) أي كما يؤخذ العبد غير المأذون بإقراره بغير مال من حد أو قطع، وأما المال فلا يلزمه ذلك الإقرار، لأنه إقرار على الغير، وأما المأذون يؤخد بإقراره بالمال وغيره.
قوله: (وأخرس) أي ويؤخذ أخرس وهو الأ بكم بإقراره بما يفهم منه من إشارة أو كتب.
قوله: (ومريض إن ورثه ولد لأبعد أو لملاطفه، أو لمن لم يرثه، أو لمجهول حاله) أي ويؤخذ المريض مرضا مخوفا بإقراره لوارث أبعد إن ورثه ولد، مفهومه إن لم يرثه ولد فلا يقبل إقراره وهو كذلك، كما إذا كان له بنت وأخ فأقر للأخ بشيء، فإن إقراره يقبل، وكذلك يقبل إقرار المريض لصديق ملاطف له، إن ورثه ولد، وكذلك يقبل إقرار المريض لمن لم يرثه من الأقارب، كالخال، إن ورثه ولد ذكرا كان أو أنثى، وكذلك يقبل إقراره لمجهول حاله هل من الأقارب أو لا، وكذلك من جهل حاله هل هو ملاطف؟ أو لا؟.
قوله: (كزوج علم بغضه لها أو جهل، وورثه ابن، أو بنون) أي كما يقبل إقرار الزوج المريض لزوجته، أو الزوجة لزوجها إن علم بغضه لها أو له إن جهل حاله معها أو
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢/ ص: ٨٣٧.
[ ٣ / ١٣٦ ]
حالها معه، والحال أن المريض ورثه ابن صغيرا كان أو كبيرا منها أو من غيرها، وأما إن لم يرث ابن أو بنون بل ورث كلالة فلا يصح إقراره.
قوله: (إلا أن تنفرد بالصغير) أي فيقبل إقرار الزوج المريض لزوجته إن ورثه ابن أو بنون، إلا أن تنفرد الزوجة بالأولاد الصغار، فلا يجوز إقراره لها باتفاق.
قوله: (ومع الإناث والعصبة قولان) أي وفي جواز إقرار المريض للزوجة، وعدم جوازه مع البنات والعصبة قولان، فإن نظرت إلى البنات جوزت، وإن نظرت إلى العصبة منعت، إذ قد يتهم لأجل العصبة ولا يتهم لأجل البنات، ولذلك فيه القولان.
مسألة: ومن أشهد في صحته أني بعت منزلي هذا من إمرأتي أو ابني بمال عظيم، ولم ير أحد من الشهود الثمن، ولم تزل الدار بيد البائع إلى أن مات، قال: لا يجوز هذا وليس هذا بيعا، وإنما هو توليج وخدعة ووصية لوارث. انتهى من ابن فرحون (^١).
فرع: قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون فيمن باع لولده الصغير أو الكبير أو أجنبيا داره التي يسكن بثمن ضعيف، مثل أن يبيعها بعشرة وهي ثمن مائة، ولا تزال في يده حتى يموت، قال: ليس هذا بيعا وهو من باب العطية التي لم تقبض، وهي باطلة وترد الدنانير إلى ربها، وهي من الأجنبي أبعد تهمة، إلا أن ذلك كله لا يجوز، وهو مردود ما لم يشبه أن يكون ثمنا، أو مقاربا أو مشكلا فيمضي على جهة البيع. انتهى من ابن فرحون (^٢).
فرع ولو كتب في الأرض لفلان علي كذا، وقال أشهدوا علي بهذا، لزمه. وإن لم يقل: اشهدوا لم يلزمه. ولو كتب ذلك في صحيفة أو لوح أو خرقة، لزمه إن شهد أنه خطه، بخلاف كتابته في الأرض. انتهى من ابن فرحون (^٣).
فرع: قال ابن القاسم سمعت مالكا يقول في الرجلين يحضران الرجل في الأمر بينهما، ويقولان له: لا تشهد علينا بشيء، فإنا نتقارر بأشياء من أمرنا لا ندري أيتم بيننا ذلك أم لا، فيتكلمان ثم يفترقان، فيسأله أحدهما أن يقوم بما سمع بينهما: لا أرى أن يعجل بالشهادة وليكلهما، فإن أصرا وتجاحدا شهد بما سمع منهما. انتهى
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٧٦.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٧٦.
(٣) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٥٧.
[ ٣ / ١٣٧ ]
من ابن فرحون (^١).
فرع: قال ابن القاسم فيمن أتى إلى قوم فقال: اشهدوا أن لي كذا وكذا على هذا الرجل، والرجل ساكة ولم يسأله الشهود عن شيء، فلما طولب أنكر، فقال: يلزمه بسكوته. انتهى من ابن فرحون (^٢).
مسألة: وإذا أقر لك غريمك بإثنى عشر دينارا، وثبت قبضك لتسعة ببينة أو إقرار، وله بينة بأداء ثلاثة، فزعمت أنها من التسعة فالقول قوله بأنها سواها. انتهى من ابن فرحون (^٣).
وسئل أبو عمران عن الرجل يكون له دين ثابت على رجل ببينة فيغيب عن البلد ولا يوجد، فيقر رجل أن للغائب الذي عليه الدين عنده بضاعة فهل لهذا الطالب البضاعة التي أقر هذا الرجل أنها للغائب، وما يستحسن من قول سحنون فيها. هل قوله الذي يحكم بالبضاعة؟ أم القول الآخر، وأيهما الأول من قوليه والآخر بين لنا توجد.
قال: أما المقر لغائب مطلوب بدين فلا أدري ما قول سحنون هو الآخر ولو علمنا الآخر لم يفتنا ذلك عن النظر، فأما القياس فهو ألا يحكم بقضاء الدين مما أقر به المقر إن ذلك للغائب، وبذلك كتب يحيى بن عمران إلى قاضي إفريقية عيسى بن مسكين والاستحسان أن يحمل الإقرار للغائب على الصحة ويقضي دينه ذلك حتى يظهر خلاف ذلك، لا سيما إن كان الغائب ليس له من أين يؤدي الدين حتى يكون لو حضر كالمفلس الذي لا يجوز إقراره بأن هذه الأشياء وديعة أو قراض إذ لو كانت بيده وقام عليه أهل الديون على وجه التفليس، ويكون وجه الأولى أقيس. انتهى من الأسولة.
فرع: وإذا قال لفلان عندي أو قبلي كذا وكذا بخط يده قضي عليه، لأنه خرج مخرج الإقرار بالحقوق.
قوله: (كإقراره للولد العاق، أو لأمه) التشبيه بينهما في القولين أي وهل يلزم إقرار المريض لولده العاق له أو لا يلزم فيه قولان، كما إذا كان له ولدان أحدهما بار
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص ٥٣.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٥٧.
(٣) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٥٧/ ٥٨.
[ ٣ / ١٣٨ ]
له والآخر عاق فاقر للعاق، ومن أجاز نظر إلى أن الولد عاق فلا يتهم فيه، ومن منع نظر إلى أنه وارث، وكذلك قولان في إقرار الزوج المريض لزوجته أم ولولد عاق له، وكونها أم ولد عاق ليس بشرط، بل لا فرق أن يكون العاق منها أو من غيرها.
قوله: (أو لأن من لم يقر له أبعد وأقرب) أي بل هو متوسط كما إذا ترك أما وأختا وعما فأقر للأخت، ففي لزوم ذلك الإقرار قولان، فإن نظرت إلى جهة الأم يجوز، لأن الأخت أبعد منها، وإن نظرت إلى جهة العم منعت، لأن الأخت أقرب منه ولذلك فيه قولان.
قوله: (لا المساوي) أي لا يصح إقرار المريض لوارث مساو لصاحبه في الدرجة، كما إذا ترك ولدين أو أخوين أو عمين فأقر لواحد منهما فلا يجوز، لأنه وصية لوارث.
قوله: (والأقرب) أي فلا يصح الإقرار لوارث أقرب، وهو أحرى مما تقدم، ولكن عادة الشيوخ يذكرون الصور وإن كان بعضها يغني عن بعض.
قوله: كأخرني لسنة وأنا أقر، ورجع للخصومة التشبيه في عدم اللزوم والصحة أي كما لا يصح الإقرار إذا قال للطالب: أخرني سنة وأنا أقر لك، وهذا ليس بإقرار، فإن لم يكن إقرار يرجع إلى خصومته. غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (ولزم لحمل إن وطئت، ووضع لأقله) أي ولزم الإقرار لحمل إن وطئت أي بعد الإقرار، والزوج مرسل عليهما ووضع الحمل لأقله.
وقوله: لأقله، صوابه لأقل من أقله.
قوله: (وإلا فلأكثره، وسوي بين توأميه: إلا لبيان الفضل) أي وإن لم توطأ بعد الإقرار يلزم الإقرار للحمل إلى أقصا أمد الحمل وهو خمس سنين أو أربع.
قوله: وسوى بين توأمي الحمل في المقر به، والمقر لهما إذا خرجا حيين أي فإن خرج أحدهما ميتا فللحي، وإن خرجا ميتين بطل الإقرار.
قوله: وسوى بينهما أي الا أن يتبين الفضل كما إذا قال المقر لأب: هذا الحمل على كذا فإنه يقسم على فريضة الله تعالى.
فرع ومن أقر بمال في يده أنه لرجل، فهو كالهبة إن أقام في صحته أخذه، وفي مرضه أو بعد موته فهو ميراث (^١).
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٣، ص: ٥٠٤.
[ ٣ / ١٣٩ ]
قلت: يحتمل أنه إنما ذلك إذا لم يذكر له وجها صار إليه، ولو قال: من معاملة صحيحة، أو من وجه كذا، فيأتي بما يقتضي أنه يلزمه مطلقا. وجدته بخط شيخنا محمود بن عمر حفظه الله. والله أعلم إنه من البرزلي.
مسألة: وإن كتب لفلان على فلان إلى آخر الوثيقة وشهادته فيها، لم تجز إلا ببينة سواه، لأنه أخرجها مخرج الوثائق وجرت مجرى الحقوق، ولم تجز الشهادة فيها على خطه وهو تفسير جيد، وهي مسألة فيها اختلاف انتهى من ابن فرحون (^١).
ومن العتبية قال ابن القاسم: إذا قال كنت أعامل فلانا فما ادعى علي فأعطوه، قال: يصدق في معاملة مثله، وأراه ذكره عن ملك.
قال ابن القاسم: ويكون من رأس المال.
وإن ادعى ما لا يشبه بطل دعواه. انتهى من الوصايا من ابن سلمون (^٢). انتهى من التاج والإكليل (^٣).
قوله: (بعلي، أو في ذمتي، أو عندي، أو أخذت منك، ولو زاد إن شاء الله، أو قضى) إلى آخره أي هذا هو الصيغة، والصيغة كل لفظ أو إشارة أو كتب يفهم الإقرار منه، فإن قال: علي لفلان كذا، أو في ذمتي، أو عندي أو أخذت منك، أي في يدك أو في دارك فذلك كله إقرار، ولو قال: إن شاء الله، أو قضى الله أو أراد فلا ينفعه الاستثناء في هذا، وإن قال: أخذت منك في حانوتك أو مسجدك فيلس بإقرار.
قوله: (أو وهبته لي) أي وإذا قال له: لي عليك كذا، فقال الآخر: وهبته لي، فذلك إقرار، لأنه أقر، وادعى، يؤخذ بإقراره ويكلف بإثبات دعواه، وهل يحلف المقر له أم لا؟ قولان بناء على أن من ادعي عليه معروفا، هل يحلف أم لا.
قوله: (أو بعته، أو وفيته) أي فإن قال له: عليك لي كذا، فقال له: بعته لي، أو قال: وفيته لك، فهو إقرار، لأنه أقر وادعى، يؤخذ بإقراره ويكلف إثبات دعواه.
قوله: (أو أقرضتني، أو أما أقرضتني، أو ألم تقرضني) وهذه الألفاظ من المقرض، فأقر له الآخر فكذلك إقرار. وفي بعض النسخ أو ليس أقرضتني، وهو الموافق لما في المدونة (^٤) عن كتاب ابن سحنون.
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٣٠٨
(٢) ن: ابن يونس.
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ٨، ص: ١٢٤.
(٤) ن: الرواية.
[ ٣ / ١٤٠ ]
قوله: (أو ساهلني) إذا قال: له لي عليك كذا فقال: ساهلني فيه، فذلك إقرار، لأنه إنما طلب منه أن يساهله.
قال ابن غازي والذي في النوادر عن ابن سحنون عن ابن عبد الحكم فيمن قال لرجل اعطني كذا فقال: نفسني به أو أجلني به شهرا. أنه إقرار.
قال ابن عرفة: ولفظ ابن شاس عنه: ساهلني فيها، دون نفسي لم أجده في النوادر ولا في نقل المازري. انتهى منه (^١).
قوله: (أو اتزنها مني) أي فإذا قال له: لي عليك كذا فقال: أتزنها مني فذلك إقرار، لأنه نسب ذلك منه إلى نفسه. أتزن أي أخذ.
قوله: (أو لا قضيتك اليوم) أي فهو إقرار منه له، وفي بعض النسخ: أو لا أقضيتك في هذا اليوم بلا النافية والمعنى واحد، لأنه أقر فقال: لا قضيتك في هذا اليوم.
قوله: (أو نعم، أو بلى، أو أجل، جوابا لأليس لي عندك، أو ليست لي ميسرة) أي فإذا قال: له أليس لي عندك كذا فأجابه بنعم أو بلا أو أجل، فذلك إقرار منه له، وكذلك إن قال له: لي عليك كذا فقال له: ليس لي ميسرة به الآن فذلك إقرار.
قوله: (لا أقر) أي وهذا ليس بإقرار، لأنه وعد، والوعد لا يلزم، لأنه قال: أقر بصغة المضارع.
قال ابن غازي: ولم أجد هذا الفرع هكذا لأهل المذهب، وإنما رأيت في وجيز الغزالي: لو قال: أنا أقر به، فقيل: إنه إقرار، وقيل: أنه وعد بالإقرار، والذي في مفيد الحكام لابن هشام أن من قال: أقر لك بكذا على أني بالخيار ثلاثا في التمادي والرجوع عن هذا الإقرار لزمه الإقرار دما كان أو طلاقا. انتهى منه (^٢).
قوله: (أو علي، أو على فلان) أي ليس هذا بإقرار لأنه ردد في الإقرار، وعلى أصل سحنون هو إقرار، ويكون قوله: أو على فلان ندما منه.
قوله: (أو من أي ضرب تأخذها) أي إذا قال له: لي عليك كذا دينارا مثلا فقال: من أي سكة تأخذها (ما أبعدك منها)، فذلك ليس بإقرار بل استهزاء وتهكم.
قوله: (وفي حتى يأتي وكيلي وشبهه، أو اتزن) أي فإذا قال له: اعطني ما لي عليك،
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨١٦.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨١٨.
[ ٣ / ١٤١ ]
فقال: حتى يأتي وكيلي أو غلامي فهل يكون ذلك إقرار أم لا لاحتمال الإستهزاء به قولان، وكذلك إذا قال المطلوب: أتزن (أوخذ) ولم يقل مني فهل هو إقرار أم لا (قولان).
قوله: (كلك علي ألف فيما أعلم، أو أظن، أو علمي) هل هو إقرار أو ليس بإقرار قولان وإن قلنا ليس بإقرار في قوله: فيما أعلم وأحرى وأظن، وإن قلنا في قوله: أظن أنه إقرار، وفيما أعلم أحرى أنه إقرار.
قوله: (ولزم إن نوكر في ألف من ثمن خمر، أو عبد، ولم أقبضه) أي ولزم الإقرار بألف إن نوكل المقر كما إذا قال له: علي ألف من ثمن خمر، فقال المقر له: بل من ثمن بر، فإن ذلك إقرار مع يمين الطالب.
وقوله: من ثمن خمر يعني منه، وكذلك إذا قال له: علي ألف لا تلزم أو زورا أو باطلا منه لزمه إن صدقه في الملك، وكذبه في قوله: زورا أو باطلا، وإن صدقه فيهما لم يلزمه شيء، وكذلك إن قال: علي ألف من ثمن عبد، ثم قال: لم أقبض العبد فقال ابن القاسم وسحنون: يلزمه الثمن ولا يصدق في عدم القبض، وقيل: القول قوله، وعلى البائع البينة أنه أسلم العبد إليه.
قوله: (كدعواه الربا) إلى آخره أي كما يلزمه الإقرار إذا أقر له بألف مثلا وادعى أن الألف ربا (وأقام بينة أنه راباه في ألف)، فالألف تلزمه لاحتمال أن الربا الذي ادعاه هو في غير هذه الألف المقر بها، وأحرى أن يلزمه إن لم تقم بينة.
قوله: (لا إن أقامها) أي لا يلزمه الإقرار إن أقام بينة (على إقرار المدعي أنه لم يقع بينهما إلا الربا).
قوله (أو اشتريت خمرا بألف، أو اشتريت عبدا بألف ولم أقبضه، أو أقررت بكذا وأنا صبي) أي فلا يلزمه الإقرار لأنه قدم لفظ الشراء على لفظ الخمر، والذي تقدم من قوله: ولزم إن نوكر في ألف، قدم لفظ على ألف عن لفظ من ثمن خمر فافترقا، وكذلك لا يلزمه الإقرار في قوله: اشتريت عبدا بألف ولم أقبضه، لأنه قدم لفظ الشراء، وكذلك لا يلزمه الإقرار في قوله: أقررت بكذا وأنا صبي، وأما إن قال: أفسدت كذا وأنا صبي فإن ذلك يلزمه.
قوله: (كأنا مبرسم إن علم تقدمه) أي كما لا يلزمه الإقرار إذا قال: أقررت وأنا مبرسم إن علم تقدم البرسام فيه، والبر سام مرض في الدماغ يختل منه العقل، وقال
[ ٣ / ١٤٢ ]
صاحب فتح الجليل: البرسام ضرب من الجنون (^١).
قوله: (أو أقر اعتذارا) فلا يلزمه الإقرار إذا كان اعتذارا، كما إذا طلب منه السلطان جارية، فيقول: ولدت مني، ووجوه العذر كثيرة.
قوله: (أو بقرض شكرا) أي ولا يلزم الإقرار بقرض إذا كان ذلك شركا للمقرض (على الأصح) طال الزمان أم لا، مفهوم قوله: شكرا إن لم يكن شكرا فإنه يلزمه إن لم يطل الزمان، كما إذا قال: جزى الله فلانا خيرا أقرضني كذا ووفيته له فلا يلزمه ذلك. وقوله: على الاصح مستغنى عنه، لأنه مذهب المدونة ولا يحتاج ما فيها للتصحيح.
قوله: (وقبل أجل مثله في بيع، لا قرض) أي وإن قال علي لفلان ألف مثلا مؤجلا إلى كذا، فإنه يقبل تفسيره للأجل، إن كان أجل مثل المقر به وإن كان غير أجل مثله، فإنه لا يقبل، ولا يقبل الأجل في قرض. قال ابن عرفة: لا أعرفه لغير ابن الحاجب. انتهى.
ولو عكس الشيخ في هذه المسألة لكان أولى، لأن الأصل في البيع النقد وفي القرض التأجيل.
قوله: (وتفسير ألف) أي وقبل تفسير ألف (في) قوله: (كألف ودرهم)، فلا يكون المعطوف تفسيرا للمعطوف عليه، فلو قال: علي ألف ودرهم ولم يسم الألف من أي جنس هو، فقال القاضي ابن القصار: لا يكون الدرهم الزائد تفسيرا للألف، بل يكون الألف موكولا إلى تفسيره فيقال له: سم أي جنس شئت، فإن قال: أردت ألف جوزة أو ألف بيضة، قبل منه ويحلف على ذلك، إن خالفه المدعي. انتهى من ابن شاس (^٢).
قوله: (وخاتم فصه لي) أي وقبل تفسير المقر إذا قال هذا الخاتم له وفصد لي، إذا قال ذلك (نسقا) وإلا فلا يقبل منه قوله: فصه لي.
قوله: (إلا في غصب، فقولان) أي إذا أقر أنه غصب الخاتم، وقال: صفه لي، ففي قبول قوله في ذلك وعدم قبوله قولان.
قوله: (لا بجذع وباب في له من هذه الدار، أو الأرض، كفي على الأحسن) أي لا يقبل
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٣، بعد قول خليل في باب الإقرار: كأنا مبرسم
(٢) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٨٤٠.
[ ٣ / ١٤٣ ]
تفسيره بجذع، وباب في قوله له: من هذه الدار أو هذه الأرض حق كما لا يقبل تفسيره بجذع، وباب في قوله له: في هذه الدار أو في هذه الأرض حق على القول الأحسن ومقابل الأحسن يقبل تفسيره.
قوله: (ومال نصاب) أي وقبل تفسير قوله: له علي مال نصاب الزكاة، فإذا قال له: علي مال ولم يذكر مبلغه فليس عن مالك فيه نص.
وقال أبوبكر الأبهري: يقبل منه ما فسره به ولو قيراطا أو حبة ويحلف، قال ابن المواز: لا يقبل في أقل من نصاب الزكاة.
وقال القاضي ابن القصار: عندي أنه يجيء على مذهب مالك أنه يلزمه ربع دينار، فإن كان من أهل الورق، فثلاثة دراهم. ويقبل تفسيره بالكلب وجلد الميتة والمستولدة، ولو قال له على مال عظيم، أو نفيس أو كثير، فقال الشيخ أبو بكر: هو بمنزلة مال على التجريد، وقال غيره: يلزمه ثلاثة دراهم أو ربع دينار.
وقال القاضي أبو الحسن الذي يقوى في نفسي أن يلزمه مائتا درهم إن كان من أهل الدراهم، أو عشرون دينارا إن كان من أهل الذهب.
وقاله سحنون وغيره في كتاب ابنه. انتهى من الجواهر (^١).
قوله: (والأحسن تفسيره) أي إذا قال له علي ما لم، والأحسن من الأقوال أن يفسر ذلك المال.
قوله: (كشيء وكذا) تشبيه لا فائدة الحكم أي كما يفسر الشيء إذا أقر أنه عليه شيء لفلان، ويحتمل أن يكون أتى به استدلالا أي والأحسن تفسير المال كتفسير الشيء، وكذا والفرق بين الشيء، وكذا أن الشيء يقع على غير الكامل من الثلث، أو النصف أو غير ذلك، وكذا لا يقع إلا على الكامل كدينار ودرهم.
قوله: (وسجن له) أي وسجن المقر إلى تفسير المقر به من مال أو شيء أو كذا، لأنه إذا قال له علي مال أو قال شيء، أو قال له علي كذا، أقر وأجمل فيسجن إلى أن يفسر.
قوله: (وكعشرة ونيف) أتى بالكاف ليشمل العشرين والثلاثين والمائة أي إذا قال له: علي عشرون مثلا ونيف، قبل تفسيره في العشرة، وفي النيف، والنيف والنيف لغتان، وهو من النوف، وهو الزيادة، والنيف مازاد على عقود العدد.
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٨٣٩.
[ ٣ / ١٤٤ ]
قوله: (وسقط في كمائة وشيء) أي وسقط الشيء في قوله: علي مائة وشيء أي فتبقى المائة، لأن الشيء الزائد لا يمكن رده إلى تقدير إذ هو شك لا مخرج له، ويحلف المطلوب ويسقط الشيء، لأنهم يقولون في المائة الكاملة مائة وشيء، وهذا عرفهم.
والأحكام تختلف باختلاف العرف، والجمود على النقول أبدا ضلال وإضلال. ولو قال له: علي مائة إلا شيئا، لزمه إحدى وتسعين. ولو قال له: علي درهم إلا شيئا، لزمه أربعة أخماس درهم.
قال عبد الملك: والمعتبر في جميع ما ذكرناه أن ما يحسن استعمال الإستثناء فيه يستعمل، وما بعده مشكوك فيه، فلا يثبت. انتهى من الجواهر (^١).
قوله: (وكذا درهما عشرون) أي ولزم المقر في قوله له: علي كذا درهما وعشرون درهما، وكذلك يلزمه إذا أقر له بكذا وكذا إحدى وعشرون.
قوله: (وكذا وكذا أحد وعشرون، وكذا كذا أحد عشر) أي يلزمه إحدى وعشرون درهما إذا قال له: علي كذا وكذا بلا عطف بواو، والمعطوف بالواو إحدى وعشرون.
قوله: (وبضع أو دراهم ثلاثة) أي وإذا قال له: علي بعض لزمه ثلاث، لأنه أقل الجمع، ولأنه المحقق، والأصل براءة الذمة، والبضع ما بين الثلاث إلى العشر، وكذلك إذا قال له: علي دراهم، تلزمه ثلاثة دراهم لأنه أقل الجمع، وكذلك إن قال له دريهمات، لأن التصغير لا يؤثر في نقل المعنى أصل من الجواهر أجمع الناس على الحمل على أدنى الرتب في الأقارير، فإذا قال له عنده دنانير حمل على أقل الجمع ثلاثة وهو أدنى رتبها مع تصديقها في الألف لكون الأصل براءة الذمة، وقيل إنما يلزمه اثنان.
قوله: (وكثيرة، أو لا كثيرة ولا قليلة أربعة) أي إذا قال له علي دراهم كثيرة، أو قال له: علي دراهم لا كثيرة ولا قليلة لزمه أربعة.
قوله: (ودرهم: المتعارف، وإلا فالشرعي) أي وحيث يلزمه درهم، إنما يلزمه الدرهم المتعارف بين الناس في تلك البلد، وإن لم يكن المتعارف فالدرهم الشرعي وهو الوازن خمسون حبة وخمسا حبة من وسط الشعير، وكذلك الحكم في الدينار،
_________________
(١) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٨٣٨.
[ ٣ / ١٤٥ ]
فالدينار المتعارف وإن لم يكن فالشرعي.
قوله: (وقبل غشه ونقصه إن وصل) أي وإذا أقر له بدرهم مثلا، ثم قال له: مغشوش أو ناقص، فإنه يقبل ذلك منه إذا وصل ذلك بإقراره نسقا.
قوله: (ودرهم مع درهم، أو تحته) درهم (أو فوقه) درهم (أو عليه، أو قبله، أو بعده، أو فدرهم، أو ثم درهم) أي فإذا قال له: علي درهم مع درهم، أو تحته درهم، أو فوقه درهم، أو عليه درهم، أو قبله درهم أو قال: علي درهم وقبله درهم، أو قال: علي درهم بعده درهم، أو قال له: علي درهم ثم درهم، فإنه يلزمه في هذه الألفاظ الثمانية (درهمان).
قوله: (وسقط في لا بل ديناران) أي فإذا أقر له بدرهم، ثم قال: لا بل ديناران، فإن الدرهم يسقط لأنه أتى بأكثر وجملة لا بل إنما يعطف بها على المثبت.
قوله: (ودرهم درهم، أو بدرهم درهم، وحلف ما أرادهما) أي وإذا قال له: علي درهم درهم، أو قال له: علي درهم بدرهم إنما يلزمه درهم ولكن يحلف أنه ما أرادهما، لاحتمال أن يكونا اثنين، ولا حتمال أن يكون الباء في الثانية أن يكون معية.
قوله: (كإشهاد في ذكر بمائة، وفي آخر بمائة، وبمائة) أي كما يحلف المقر أن المائتين المكتوبتين أنهما مائة واحدة، واعترض ابن عرفة هذا. تبع الشيخ في فرض الإشهاد في وثيقتين قول ابن الحاجب.
قال ابن عرفة: قد قبله ابن عبد السلام وابن هارون، واتبعوا في ذلك ابن شاس وهو وهم وغفلة؛ لأن المنصوص في عين المسألة خلاف ذلك.
ففي النوادر عن كتاب ابن سحنون من أشهد لرجل في موطن بمائة، ثم أشهد له في موطن آخر بمائة، فقال الطالب: هي مائتان، وقال المقر: هي مائة واحدة (^١)، فقال أصحابنا جميعا: لا يلزمه إلا مائة بخلاف إنكار الحق ولو أشهد له في صك بمائة، وفي صك آخر بمائة لزمه مائتان. انتهى من ابن غازي (^٢).
قوله: (وبمائتين الأكثر) ظاهره أنه في وثيقتين أي وإن أشهد في ذكر بمائة، وفي آخر بمائتين فالمعتبر الأكثر سواء تقدم الأقل أو تأخر.
قال ابن عرفة: لا أعرفه في المذهب إلا لابن الحاجب ولم يحكه ابن شاس.
_________________
(١) النوادر والزيادات لابن أبي زيد: ج ٩، ص: ١١٦. بتصرف.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨٢٤ - ٨٢٥.
[ ٣ / ١٤٦ ]
ابن عرفة: المنصوص تلزمه الثلاث. انتهى.
قال محمد: ولو اختلف الإقرار، فأقر له في موطن بمائة، وأشهد وفي موطن بمائتين، لزمته ثلاث مائة، وقال ابن حبيب عن أصبغ: إن كان الإقرار بالأقل أولا صدق المطلوب أن الأقل دخل في الأكثر، وإن كان الإقرار بالأكثر أولا، فهما مالان. انتهى من الجواهر (^١).
قوله: (وجل المائة، أو قربها، أو نحوها، الثلثان فأكثر بالاجتهاد) أي وإذا أقر له بجل المائة أو ما قرب منها، أو أقر له بنحو المائة لزمه ثلث المائة فأكثر باجتهاد الإمام بالتقوى لا بالهوى.
قوله: (وهل يلزمه في عشرة في عشرة عشرون أو مائة) أي وإن قال له: علي عشرة في عشرة فهل تلزمه عشرون كما تعتقده العامة، أو إنما تلزمه المائة، لأن عشرة في عشرة مائة في ذلك (قولان).
ولو فرق بين أهل الحساب والعامة لكان أولى.
ابن عبد السلام: إن كان المقر من أهل العلم بالعدد فينبغي أن تلزمه المائة ولا يقبل منه غير ذلك إذا كان كلامه مع من هو مثله، وفي إلزامه مائة إذا كان كلامه مع العامة نظر (^٢).
ابن عرفة: قول غير واحد من شيوخنا، إذا كان المقر عالما بالحساب لزمه مائة.
قول سحنون اتفاقا صواب إن كان المقر له كذلك وإلا فلا.
قوله: (وثوب في صندوق، وزيت في جرة، وفي لزوم ظرفه قولان) أي وإذا قال له: عندي ثوب في صندوق أو زيت في جرة، ففي لزوم الظرف أي الوعاء للمقر قولان. وأما الثوب والزيت فلا خلاف في لزومهما له والثوب يستغني عن الصندوق والزيت لا يستغني عن الوعاء وساووهما، والصندوق بالصاد وبالزاء وبالسين.
قوله: (لا دابة في اصطبل) أي إذا قال له: عندي دابة في اصطبل أو نخلة في بستان فإن الظرف لا يدخل.
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٨٤٣.
(٢) منح الجليل شرح مختصر خليل المؤلف: محمد بن أحمد بن محمد عليش، أبو عبد الله المالكي (المتوفى: ١٢٩٩ هـ.) ج ٦، ص: ٤٥٨. الناشر: دار الفكر - بيروت الطبعة: بدون طبعة تاريخ النشر: ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٩ م. بتصرف.
[ ٣ / ١٤٧ ]
قوله: (وألف إن استحل أو أعارني، لم يلزم) أي إذا قال له: علي ألف إن استحله أي عده حلالا، أو قال له: علي ألف إن أعارني فإن ذلك الإقرار لم يلزمه، لأنه يقول: ما ظننت أنه يستحل حراما، وظننت أنه لا يعيرني.
قوله: (فإن حلف في غير الدعوى) أي إذا قال له علي ألف إن حلف وذلك في غير الدعوى فلا يلزمه ذلك الإقرار، وأما إن ادعى عليه فقال له: إن حلفت فما قلت حق فحلف المدعي، فإنه يلزمه ما ادعى به عليه.
قوله: (أو إن شهد فلان غير العدل) أي فإن قال له: علي كذا إن شهد فلان وشهد فلان، فلا يلزمه ذلك الإقرار عند مالك ﵀.
وقيد ابن القاسم عدم اللزوم بما إذا كان الشاهد غير عدل، وأما إن كان عدلا فيلزمه، وكذلك إن قال له: علي ألف إن حكم به فلان بعد أن خاصمه فحكم به فإنه يلزمه.
قوله: (وهذه الشاة أو هذه الناقة، لزمته الشاة، وحلف عليها) إلى آخره أي وإن قال له هذه الشاة مثلا، أو هذه الناقة مثلا، لزمه الأول الذي قبل حرف الشك وهو أو، وحلف على الثاني وهي الناقة أنها ليست للمقر له.
قوله: (وغصبته من فلان، لا بل من آخر، فهو للأول، وقضي للثاني بقيمته) أي وإن أقر أنه غصبه من فلان، ثم قال: لا بل من فلان آخر قضى بالمغصوب للأول الذي نسبه إليه، وقضي للثاني بقيمة المغصوب إن كان مقوما أو مثله إن كان مثليا، لأنه أقر به له.
قوله: (ولك أحد ثوبين عين) أي وإذا قال له: لك أحد هذين الثوبين مثلا عين المقر له أي أمر بالتعيين، فإن عين الأعلى فلا كلام، وإن عين الأدنى فصدقه المقر له فلا كلام، وإن لم يصدقه، فإن المقر يحلف على ما قال.
قوله: (وإلا فإن عين المقر له أجودهما حلف، وإن قال لا أدري حلفا على نفي العلم، واشتركا) أي وإن لم يعين المقر أحدهما يؤمر المقر له بالتعيين فإن عين أجودهما حلف أنه له وإن عين الأدنى فلا يحلف، وإن قال المقر له: لا أدري أيهما لي حلفا أي المقر والمقر له علي نفي العلم، واشتركا في الثوبين.
قوله: (والاستثناء هنا كغيره) أي والاستثناء في باب الإقرار كغيره من الأبواب وقد تقدم الاستثناء بشروطه في موضعه.
[ ٣ / ١٤٨ ]
قوله: (وصح له الدار والبيت لي) أي: وصح الإقرار بالدار واستثنى فيه البيت، إذ كأنه قال له: هذه الدار إلا البيت.
قوله: (وبغير الجنس كألف إلا عبدا، وسقطت قيمته) أي: وصح الاستثناء في الإقرار بغير الجنس ثم مثل ذلك فقال: كألف إلا عبدا أي أقر له بألف إلا عبدا، وتسقط قيمة العبد من الألف، ويفهم من قوله: وسقطت أن الألف أكثر من قيمة العبد، إذ لو ساواه أو القيمة أكثر لبطل الإقرار والمفهوم صحيح.
قوله: (وإن أبرأ فلانا مما له قبله، أو من كل حق، أو أبرأه برئ مطلقا. ومن القدف والسرقة) إلى آخره أي وإن قال: أبرءت فلانا مما لي قبله، أو قال: أبرأته من كل حق، أو قال: أبرأته، ولم يقل مما لي قبله، أو من كل حق، بل قال: أبرأته فقط، برئ فلان مطلقا من الديون والأمانات، ومن القذف، ومن غرم المسروق، وأما القطع فحق الله تعالى.
قوله: (فلا تقبل دعواه وإن بصك إلا ببينة أنه بعده) أي فبسبب ذلك فلا تقبل دعوى بعد الإبراء وإن أتى بصك إلا أن تقوم بينة أن المدعى فيه بعد الإبراء.
قوله: (وإن أبرأه مما معه برئ من الأمانة، لا الدين) أي وإن أبرأ فلانا مما معه برئ من الأمانة كالقراض والوديعة. ولا يبرأ من الدين الذي ثبت في ذمته.
* * *
[ ٣ / ١٤٩ ]
فصل في [بيان أحكام] الاستلحاق
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل الاستلحاق ليس مما تقدم فنا سب الفصل وليس ببعيد منه فينا سب الباب.
ولم يعرف الشيخ هذا الفصل كابن الحاجب وعرفه ابن عرفة فقال: الاستلحاق ادعاء المدعي أنه أب لغيره.
وروى ابن القاسم عن ملك أن الاستحسان تسعة أعشار العلم، وأكثر هذا الفصل يحمل على الاستحسان، والاستحسان هو ترك الدليل للعرف والمصلحة، وترك الدليل للإجماع للصحابة، وترك الدليل لليسير.
قوله: (إنما يستلحق الأب مجهول النسب) أي فلا يستلحق من الأقارب إلا الأب لا الأم اتفاقا والجد على المشهور، فلو قال: هذا ولد ولدي فلا يصدق، وأما إن قال له: هذا ولدي، فإنه يصدق. فلا يستلحق الأب إلا مجهول النسب سواء عرف له نكاح الأم، أو تقدم ملك أم لا عند ابن القاسم، لأن لحوق النسب ينفي كل تهمة.
سحنون: لا يلحق به إن لم يتقدم له نكاح أو ملك يمين.
إنما يصح الإستلحاق إن لم يكذب العقل المستلحق لصغره، كما إذا علم أن مثله لا يلده، بل كان مثله في السن، لأن العقل مانع أن يكون الولد كأبيه في السن، وأحرى إن كان أكبر منه أو كذبه العرف، كما إذا استلحق من قدم من بلد يعلم أن المستلحق لم يدخله، فإن استلحقه فلا يلحق به، وكذلك إن كذبه الشرع فلا يلحق به كما إذا استلحق مشهور النسب.
قوله: (إن لم يكذبه العقل لصغره، أو العادة، إن لم يكن رقا لمكذبه، أو مولى) أي إنما يستلحق الأب مجهول النسب إن لم يكن مرقوقا لمن كذبه أو مولى له فإنه لا يلحق به، انظر هذا مع قوله: (لكنه يلحق به).
وفي بعض النسخ: لكنه يلحق به أي في الصورتين ظاهره أنه يلحق به مع بقاء رق لمكذبه، وولائه.
قال ابن غازي: وهذا لا يقوله ابن القاسم هنا، وإنما نسبه ابن يونس لأشهب فقال: قال أشهب يلحق به ويكون إبنا لهذا، ومولى لمن اعتقه أو عبدا لمن ملكه
[ ٣ / ١٥٠ ]
وإن أعتقه مولاه ورث أباه وورثه. انتهى منه (^١).
نعم قال ابن القاسم: نحو هذا في المدونة في المسألة الآتية بعدها فيمن ابتاع أمة فولدت عنده فادعاه البائع بعد عتق المبتاع الأم والولد، قال هناك: ألحقت به نسب الولد ولم أزل عن المبتاع ما ثبت له من ولائهما.
قال أبو الحسن الصغير: الفرق بينهما أنه في الأولى لم يملك أمه فليس معه قرينة تصدقه بخلاف هذه. انتهى من ابن غازي أيضا (^٢).
قوله: (وفيها أيضا يصدق) أي وفي المدونة أيضا: يصدق في استلحاق الولد (وإن أعتقه مشتريه) وأحرى إن لم يعتقه.
قوله: (إن لم يستدل على كذبه) أي إن لم يظهر كذب المستلحق، لأن كل مصدق مصدق ما لم يظهر كذبه.
قول: (وإن كبر أو مات وورثه، إن ورثه ابن) أي يستلحق الأب مجهول النسب وإن كبر المستلحق أو مات وورثه الأب المستلحق، إن ورث المستلحق ابن، مفهومه إن ورثته بنت أو بنات فلا يرثه وهو كذلك.
كبر الولد بكسر الباء، يكبر بضم الباء، كبر في السن، وفي التعظيم كبر بضم الباء ويكبر بفتحها.
قوله: (أو باعه، ونقض ورجع بنفقته، إن لم تكن له خدمة على الأرجح) أي يستلحق الأب مجهول النسب وإن باعه ونقض فيه البيع، ويرجع المشتري بالنفقة على بائعه إن لم تكن للولد خدمة على ما اختاره ابن يونس، وقيل: لا يرجع بها مطلقا، وقيل: يرجع بها مطلقا. قوله: (وإن ادعى استيلادها بسابق، فقولان فيها) أي وإن ادعى البائع استيلاد الأمة بولد سابق فقولان في المدونة في تصديقه وعدم مصديقه.
قوله: (وإن باعها فولدت فاستلحقه لحق ولم يصدق فيها، إن اتهم بمحبة، أو عدم ثمن، أو وجاهة) أي وإن باع الأمة فولدت عند المبتاع فاستلحق الولد لحق به، ولم يصدق في الأمة إن اتهم فيها بمحبة أو عدم ثمن مثلها أو وجاهة أي لها وجه عند الناس.
قوله: (ورد ثمنها، ولحق به الولد مطلقا، وإن اشترى مستلحقه والملك لغيره عتق أي
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨٣٣.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨٣٣.
[ ٣ / ١٥١ ]
وحيث يصدق يرد ثمن الأمة ولحق به الولد مطلقا اتهم به أم لا.
قال بن رشد الرجل مصدق في حمل أمته أنه منه وإن كان مستغرق الذمة بالدين، وأما إن قال: ولدت مني ولا ولد معها فلا يصدق وتباع للغرماء، إلا أن يكون ذلك قد سمع منه وفشا أو قاله قبل أن يتداين.
ومن الاستغناء أن إقرار الرجل في جارية باعها أنها أم ولده وصدقه المبتاع، رجع عليه بالثمن والنفقة، وإن لم يصدقه وكان ممن يتهم على مثلها لم يصدق، إلا أن يسمع ذلك منه وفشا قبل البيع. صح من التاج وإلا كليل (^١).
قوله: وإن اشترى مستلحقه أي وإن استلحق ملكا لغيره فكذبه المالك ثم اشترى هو المستلحق عتق عليه لأنه مقر بأنه حر، ولكن الولاء للبايع.
قوله: (كشاهد ردت شهادته) أي فإذا شهد رجل على آخر أنه أعتق عبده وردت شهاته فيه بمانع من موانع الشهادة ثم اشتراه بعد ذلك، فإنه يعتق عليه، لأنه معترف بحريته ولكن الولاء للبائع.
قوله: (وإن استلحق غير ولد لم يرثه إن كان وارث، وإلا فخلاف) أي وإن استلحق رجل غير ولد لم يرثه إن لم يرثه ولد هكذا في النسخ وهو بخلاف المنصوص صوابه: إن يكن وارث أي لم يرثه إن يكن وارث وإلا فخلاف أي وإن لم يكن وارث فخلاف في الميراث سبب الخلاف هل بيت المال وارث فلا يرث أو هو جامع للأموال الضائعة فيرث.
قوله: (وخصه المختار بما إذا لم يطل الإقرار) أي وخص اللخمي الخلاف بما إذا لم يطل الإقرار، وأما إن طال فلا خلاف أنه يرثه، والمختار هنا اسم فاعل، وما عداه في هذا المختصر اسم مفعول.
قوله: (وإن قال لأولاد أمته: أحدهم ولدي عتق الأصغر، وثلثا الأوسط، وثلث الأكبر. وإن افترقت أمهاتهم فواحد بالقرعة) أي وإن قال لأولاد أمته الثلاث أحدهم ولدي ومات ولم يعين أيهم عتق الأصغر لأنه يعتق على كل وجه ويعتق ثلثا الوسط لأنه يعتق بوجهين وعتق ثلث الأكبر لأنه لا يعتق إلا في وجه واحد، وقيل يعتقون كلهم إذ لا يملك بالشك، وقيل لا يعتقون كلهم، لأن العتق لا يكون بالشك، وقيل لا يعتق إلا الأصغر، لأنه يعتق على كل وجه، وهذ الخلاف كله إنما هو في العتق، وأما
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٧/ ٢٥٦، ص: ٢٥٦
[ ٣ / ١٥٢ ]
الميراث فلا يكون لهم إذ لا ميراث بالشك، وهؤلاء أمهم واحدة، وأما إن افترقت أمهاتهم، فإنما يعتق واحد بالقرعة.
قوله: (وإذا ولدت زوجة رجل وأمة آخر واختلطا عينته القافة، وعن ابن القاسم فيمن وجدت مع ابنتها أخرى لا تلحق به واحدة منهما) أي وإذا ولدت زوجة حرة لرجل، وولدت أمة أخرى واختلط الولدان، فإن القافة تعينه ويلحق الآخر بالآخر. وقوله: أمة أخرى احترز به مما إذا ولدت زوجة رجل وأمته فإن الولدين له.
قوله: وعن ابن القاسم فيمن وجدت مع ابنتها أخرى لا تلحق به واحدة منهما وهذا يعارض ما قبله.
فإن قلت: هل ينتفي ولد الحرة عن أبيه من غير لعان بين الزوجين، والمرأة تدعي أنه ولده.
قلت: نعم، قال ابن القاسم: إذا تركت المرأة ابنتها ثم عادت لأخذها فوجدت معها أخرى ولم تعلم ابنتها بعينها، فلا يلحق بزوجها واحدة منهما.
سحنون يدعى لها القافة. انتهى من درة الغواص لابن فرحون (^١).
وفي كتاب ابن ميسر (^٢) فيمن قال لزوجته: إن ولدت جارية أغيب عنك غيبة بعيدة، فولدت جارية، فدفعتها للخادمة لترميها على باب قوم ففعلت، فلقيه الزوج حينئذ وحقق عليها فأخبرته، فردها لتأتي بالصبية فوجدت صبيتين، فأتت بهما، فأشكل على الأم أيتهما هي ابنتها، قال ابن القاسم: لا تلحق واحدة منهما، وقال سحنون: تدعى لهم القافة. ابن المواز: وبه أقول.
وفي إكمال الإكمال قلت: قال تقي الدين اختلف قول السلف في القيافة، هل هي مختصة ببني مدلج (^٣) أم لا؟. لأن المراعا فيها إنما هو إدراك الشبه وذلك غير
_________________
(١) درة الغواص في محاضرات الخواص لابن فرحون: ص: ٢١٧/ ٢١٨. الرقم: ٣٤٧.
(٢) ابن ميسر أبو بكر أحمد بن محمد بن خالد شيخ المالكية، أبو بكر، أحمد بن محمد بن خالد بن ميسر، الفقيه الإسكندراني، صاحب ابن المواز، وراوي كتابه صنف التصانيف، وانتهت إليه رئاسة المذهب بمصر. توفي في رمضان سنة تسع وثلاث مائة. وقيل: إنه حدث عن يزيد بن سعيد الإسكندراني. سير أعلام النبلاء للذهبي: ج ٢٧، ص: ٣٢٨، الترجمة: ١٨٧.
(٣) ومن كنانة بنو مدلج، بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام وجيم في الآخر. وهم بنو مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان. المؤلف: القلقشندي. ص: ٣٩.
[ ٣ / ١٥٣ ]
خاص بهم، أو يقال إن لهم في ذلك قوة ليست لغيرهم. وكان يقال في علوم العرف ثلاثة: اللسياقة، والعيافة، واللقيافة. فالسياقة شم تراب الأرض ليعلم بها الاستقامة على الطريق، والخروج عنها. والعيافة زجر الطير، والطيرة والتفاؤل ونحو ذلك. والقيافة اعتبار الشبه في إلحاق النسب.
المازري: أثبت العمل بالقافة الشافعي ونفاه أبو حنيفة. والمشهور عن مالك إثباته في الإماء دون الحرائر. وروى عنه ابن وهب إثباته في الحرائر.
عياض: ولا خلاف عند القائلين بالقافة أنها إنما تكون فيما أشكل من فراشين ثابتين كأمة يطؤها المبتاع والمشتري في طهر واحد قبل الاستبراء من وطء البايع فتأتي بولد لأكثر من ستة أشهر من وطء المشتري، وأقل من أقصى الحمل من وطء البائع، فالمشتري وإن كان ممنوعا من الوطء، فله شبهة تسلط الملك وصحة العقد. ولهذا فرق مالك بين النكاح والملك في هذا إذ لا يصح عقد النكاح في العدة ويصح عقد المشتري في الاستبراء. ولم يعذر الناكح في العدة بالجهة والغفلة، لأنه يجب عليه أن يبحث في حجج العقد الصحيح والوطء فيه دون غيره. ورأى في القول الآخر أن الجهل بحكم النكاح في العدة والنسيان عذر يوجب الفراش حكما. واختلف إذا ألحقته القافة بالوطأين معا بمدعييه معا؛ سحنون يكون إبنا لهما. وقال عمر ومالك: يترك حتى يكبر فيوالي أيهما شاء.
ابن مسلمة وابن الماجشون يلحق بأكثرهما شبها (^١).
قوله: (وإنما تعتمد القافة على أب) حي أو ميت (لم يدفن) بعد على المشهور، ويكتفى بقائف واحد، وكذلك الترجمان، ويقبل قول القائف العدل عند مالك وابن القاسم، وروي عن مالك وابن القاسم أيضا أنه لا بد من اثنين وبه قال سحنون، لأنه يلحق به نسبا وينتظر أبدا حتى يضم إليه آخر، قال الباجي: وعلى القول الأول، فيقبل فيه قول العبد والمرأة. قال: وهو الأظهر، والقول الثاني مبني على أنه شهادة. انتهى من ابن فرحون (^٢).
قوله: (وإن أقر عدلان بثالث ثبت النسب) أي وإن أقر وارثان عدلان أو ثلاث أو أربع بوارث آخر ثبت نسبه، وهذا من باب الشهادة لا من باب الإقرار، لأن الإقرار لا يكون على الغير.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ١٤٩. ١٥٠. ١٥١.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٤٧.
[ ٣ / ١٥٤ ]
قوله: (وعدل يحلف معه ويرث، ولا نسب) أي وإن أقر عدل واحد بوارث يحلف المقر له مع شاهده المقر به ويرث المال، لأن المال يثبت بشاهد ويمين، ولا يثبت له النسب، لأن النسب لا يثبت إلا بعدلين.
قوله: (وإلا فحصة المقر) أي وإن أقر غير عدلان أو عدل واحد بوارث، فإن حصة المقر تلزمه كالشاهد بالمال.
وقوله: (كالمال) أتى به تقوية، وقد تقدم في باب الشركة إذا أقر أحدهما بعد تفرق أو موت بدين فهو شاهد في غير نصيبه.
قوله: (وهذا أخي بل هذا؛ فللأول نصف إرث أبيه، وللثاني نصف ما بقي) أي وإن قال وارث: هذا أخي، ثم قال: لا، بل هذا فللمقر به الأول نصف إرث أبيه، وللمقر الثاني نصف ما بقي، وقيل: له جميع ما بقي لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء.
قوله: (وإن ترك أما وأخا، فأقرت بأخ فله منها السدس) أي وإن ترك الميت أما وأخا فأقرت الأم بأخ، فللمقر به من الأم سدس، ولو كان الأخ هو الذي أقر بالأخ فللأم الثلث، وللمقر به نسبته فيما بقي بعد السدس.
قوله: (وإن أقر ميت بأن فلانة جاريته ولدت منه فلانة ولها ابنتان أيضا ونسيتها الورثة والبينة، فإن أقر بذلك الورثة فهن أحرار ولهن ميراث بنت، وإلا لم يعتق شيء) أي وإن قال ميت أن فلانة جاريته ولدت منه فلانة وللجارية ابنتان غيرها ونسيت الورثة عينها والبينة، فإن أقر الورثة بذلك أي بإقرار أبيهم فالبنات الثلاث أحرار، ولهن ميراث بنت واحدة، ولا يقال: لا ميراث بالشك، إذ ليس هنا شك في الميراث، وإنما هو شك في مستحقه، ولا يضر، وإن لم يقر الورثة بذلك الإقرار لم يعتق منهن شيء، إذ لا عتق بالشك.
قوله: (وإن استلحق ولدا ثم أنكره، ثم مات الولد فلا يرثه، ووقف ماله، فإن مات فلورثته وقضي به دينه، وإن قام غرماؤه وهو حي أخذوه) أي وإن استلحق الأب ولدا ثم أنكره بعد ذلك ثم مات الولد المستلحق فلا يرثه الأب المنكر، ولكن يوقف مال الولد الميت، فإن مات الأب يأخذه ورثته، إذ وقف ذلك الميراث إنما يضر الأب المنكر لا ورثته، ويقضى به دين الأب إن مات وإن قام عليه غرماؤه وهو حي أخذوه.
[ ٣ / ١٥٥ ]