قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الوديعة وحقيقتها استنابة في حفظ المال، وهي عقد أمانة، وهو جائز من الجهتين، ولا يشترط في المودع والمودع إلا ما يشترط في الوكيل والموكل.
الوديعة من الترك، والأصل في هذا الباب عدم الضمان، وقد يعرض ما يوجبه، وقد يجب قبول الوديعة، كما إذا لم يكن هناك أمين غيره، وقد يحرم قبولها كما إذا كانت من مستغرق الذمة بالحرام، إن لم يقدر على ردها لأربابها إن عرفهم، أو التصدق بها على أهلها، إن لم يعرفوا، وقد يستحب قبولها.
قوله: (الإيداع توكيل) فلما قال، توكيل أشمل وفصل بقوله: (بحفظ مال) لأنه لو ترك عنده ولده لا يسمى ذلك وديعة، وكذلك لو وضع عنده جارية المواضعة لست بوديعة، وإنما هو مخبر باستبرائها.
قوله: (تضمن بسقوط شيء عليها) أي فضمن المودع بسقوط شيء من يده على الوديعة فأتلفها، لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء.
قوله: (لا إن انكسرت في نقل مثلها) أي فلا يضمن إذا نقل الوديعة مثل نقل مثلها، لأنه مأذون له في ذلك، فلو لم ينقلها نقل مثلها لضمنها.
قوله: (وبخلطها، إلا كقمح بمثله، أو دراهم بدنانين) أي ويضمن المودع، إذا خلط الوديعة بغيرها، إلا أن يكون الخلط كقمح بمثله في الصفة والجنس، فإنه لا يضمن، وكذلك إذا خلط دراهم مع دنانير فلا يضمر لأنها تتميز.
قوله: (للإحران، ثم إن تلف بعضه فبينكما، إلا أن يتميز) أي عدم الضمان بالخلط مقيد بالإحراز، مفهومه أنه إن خلطها بغير إحراز ضمن، والمفهوم صحيح، ثم إن تلف بعض المخلوط حيث جاز الخلط، فالتالف بين المودع والمودع، إلا أن يتميز التالف، فتكون مصيبتها لربها.
قوله: (وبانتفاعه بها) أي وضمن المودع بانتفاعه بها أي بالوديعة باللباس، أو الركوب فهلك بسبب ذلك.
قوله: (أو سفره: إن قدر على أمين) أي ويضمن الوديعة، إن سافر بها، إن قدر على أمين يتركها عنده، ولو دونه في الأمانة، مفهومه إن لم يقدر على أمين، فإنه يسافر بها
[ ٣ / ١٥٦ ]
لأن الإيداع لغير الأمين هو عين التضييع، والمفهوم صحيح، ولا يقال يدفنها في الأرض، إذا كانت مما لا يضره الدفن، لأنه إن دفنها، وأشهد على الدفن كأنه أو دعها، وإن لم يشهد فقد عرضها للتلف.
قوله: (إلا أن ترد سالمة) أي فيضمن بالإنتفاع بها، أو بالسفر بها، إلا أن ترد من الانتفاع أو بالسفر بها سالمة، فإنه لا يضمن.
قوله: (وحرم سلف مقوم ومعدم، وكره النقد والمثلي كالتجارة، والربح له) أي وحرم سلف وديعة مقوم، وإن كان مليا بقضاء مثلها، وكذلك يحرم سلف وديعة لمعدم بمثلها، وإن كانت مثليا، وكذلك إن ساواها ماله، لأن قضاء مثلها يعسر عليه، وأما سلف النقد فمكروه، فإن وقع ونزل وتسلفه واتجر به فإن الربح له بخلاف المبضع، فإن الربح لرب المال، لأنه أمر بتنميته لا ليتركها عنده.
قوله: والمثلي من باب عطف العام على الخاص.
قوله: (وبرئ، إن رد غير المحرم إلا بإذن، أو يقول: إن احتجت فخذ) أي وبرئ المتسلف للوديعة غير المحرم سلفه إن ادعى ردها، إلا بإذن من ربها بالسلف، فلا يبرأ إن ادعى ردها، لأنه قد ثبت في ذمته فتسلفه، وكذلك لا يبرأ إن قال: إن احتجت إليها فخذ لانه إذن مقيد بالاحتياج، والأول إذن مطلق.
قوله: (وضمن المأخوذ فقط) أي وعند الشارح، فإن تسلف بعض الوديعة وتلف باقيها، إنما يضمن ما أخذ فقط جعلها مسألة مستقلة، وهي عند البساطي تتمة للمسألة التي تقدمت الآن في الإذن بالسلف.
قوله: (أو بقفل بنهي، أو بوضع بنحاس في أمره بفخار) أي ويضمن المودع بوضع قفل على وديعة نهاه ربها عن القفل عليها، لأن السارق إذا رءا القفل عليها طمع أن تحته شيء، وأما إن لم ينهه عن القفل عليها، فقفل المودع عليها، فإنه لا يضمن لأن العرف أذن له، وكذلك يضمن إن أمره ربها بوضعها في فخار، فوضعها في وعاء نحاس، لأن السارق يطمع في النحاس.
قوله: (لا إن زاد قفلا) أي لا يضمن المودع الوديعة المقفول عليها، إن زاد عليها قفلا آخر، وقيل: يضمن.
قوله: (أو عكس في الفخار، أو أمر بربط بكم فأخذها باليد) أي وإذا أمره ربها بوضعها في نحاس، فوضعها في فخار، فلا يضمن، وكذلك لا يضمن إن أمره ربها أن يربطها في كمه، فجعلها في يده لأن اليد أحفظ مما في الكم، فلا يضمن إلا أن
[ ٣ / ١٥٧ ]
يريد ربها إخفاءها عن الناس، فإنه يضمن لمخالفته أمره.
قوله: (كجيبه على المختار) أي وكما لا يضمن إن أمره بربطها في الكم، فخالف وعملها في جيبه، لأنه أقرب، لا سيما جيب أهل المغرب على ما اختاره اللخمي.
قوله: (وبنسيانها في موضع إيداعها، وبدخوله الحمام بها، وبخروجه بها يظنها له) أي ويضمن الوديعة إذا نسيها في موضع إيداعها إياه، إلا أن تكون الوديعة مما يوضع في الأرض فلا يضمنها، وكذلك لا يضمنها إن وضعها على نعله، فقام ونسيها، وكذلك يضمنها إذا دخل به الحمام فتلفت، وفي ضمان الغريب وعدمه إن دخل به الحمام فتلفت خلاف. وكذلك يضمن الوديعة إن خرج بها ظانا أنها له، وأحرى إن لم يعلم. والعمد والخطأ في أموال الناس سواء.
قوله: (فتلفت) راجع إلى المسائل الثلاثة.
قوله: (لا إن نسيها في كمه فوقعت، ولا إن شرط عليه الضمان) أي فلا يضمن إذا أمره ربها بوضعها في الكم ووضعها فيه ونسي، فوقعت من كمه، لأنه ليس عليه أكثر مما صنع. وكذلك لا ضمان عليه، إن شرط عليه ربها عليه الضمان، إذا تلفت، لأن الشرط لا يغير ما ثبت بالحكم.
قوله: (وبإيداعها وإن بسفر) أي ويضمن الوديعة إن أودعها لغيره، وإن كان في سفر، ولو لمن هو أكثر منه أمانة.
وقوله: وإن بسفر تأكيد في الضمان، يريد إلا لعذر كما إذا أودعها لمن له جاه عند الخوف، أو لمن يهرب بها، وكذلك إن طرحها عند الخوف ليرجع إليها إذا زال الخوف، فرجع فلم يجدها فلا ضمان.
قوله: (لغير زوجة وأمة اعتيدا بذلك) أي وضمن المودع بإيداع الوديعة لغير زوجته وأمته، أو عبده أو أجيره، إذا اعتيد الإيداع لهم، مفهومه إن لم يكن ذلك عادة فإنه يضمن، والمفهوم صحيح، وأما إن أودعت الزوجة لزوجها فإنها تضمن.
قوله: (إلا لعورة حدثت، أو لسفر عند عجز الرد، وإن أودع بسفر) أي ويضمن بالإيداع، إلا لأجل عورة حدثت، وإن لم تكن حادثة فلا يودع، لأن ربها دخل على ذلك، وكذلك لأجل سفر عند عجز ردها لصاحبها بأن كان غائبا فلا يضمن، وإن أودع المودع في سفر تأكيد في نفي الضمان عنه.
قوله: (ووجب الإشهاد) أي وجب على الذي في يده الوديعة الإشهاد (بالعذر) الذي يوجب الإيداع، ولا يجب عليه الإشهاد بالإيداع.
[ ٣ / ١٥٨ ]
قوله: (وبرئ إن رجعت سالمة، وعليه استرجاعها إن نوى الإياب) أي وبرئ المودع إن رجعت الوديعة في تعديه بإيداعها أو السفر بها سالمة كما كانت أولا، وليس بتكرار مع قوله: إلا أن ترد سالمة، لأن هذه رجعت من الإيداع، وتلك من الانتفاع، ووجب على المودع استرجاع الوديعة إن نوى الإياب حين الإيداع، وإن لم ينو الإياب حينئذ فله استرجاعها وله الترك، والمستحب الاسترجاع.
قوله: (وببعثه بها) أي وضمن المودع الوديعة، إذا بعث بها إلى ربها، إلا إن حدثت له إقامة أو انتقال من بلد إلى آخر.
قوله: (وبإنزائه عليها فمتن، وإن من الولادة) أي وضمن المودع الوديعة إذ أنزى عليهن الفحل بغير إذن من ربها فمتن، وإن كان الموت بسبب الولادة، وأحرى تحت الفحل لو قال الشيخ ولو من الولادة ليشير إلى قول مالك الله لكان أولى، لأنه قال: إن متن من الولادة فلا يضمن.
قوله: (كأمة زوجها فماتت من الولادة) أي كما يضمن الأمة المودعة، إن زوجها فماتت من الولادة لتعديه. لوقال الشيخ: كأمة زوجها فماتت، ولم يقل من الولادة لكان أولى، إذ لا فرق بين الموت من الولادة وغيرها.
قوله: (وبجعدها ثم في قبول بينة الرد خلاف) أي وضمن المودع الوديعة، إن جحدها فتلفت ثم أقر بها، أو ثبتت ببينة، وكذلك إن جحدها وقامت عليها البينة، ثم قام هو ببينة على أنه ردها لربها، هل تقبل بينته؟ أولا تقبل، لأنه أكذبها حين جحد، والجاحد كالغاصب، ولأن مضمن الإقرار كالإقرار.
قوله: (وبموته ولم يوص) أي وضمن المودع الوديعة بسبب موته ولم يوص بها ولم توجد) في تركته، لاحتمال أنه تسلفها أو أتلفها، أو تلفت من تفريطه، والمسألة مشكلة، لأن الأصل عدم الضمان، وأما إن أوصى بالتلف فواضح، وكذلك إن قال: فهي مدفونة في موضع كذا، ولم توجد فيه، فلا يضمن، وإن أوصى بردها ففيه تفصيل، إما بإشهاد فيضمنها، وإن لم تكن باشهاد فإنه لا يضمن، لأن الأصل عدم الضمان.
قوله: (إلا لكعشر سنين) أي عشر سنين من الإيداع، فإنه يحمل على الرد، هذا إذا ثبتت الوديعة بإقرار، وأما إن ثبتت ببينة، فإنه يضمن وإن طال السنون.
قوله: (وأخذها، إن ثبت بكتابة عليها أنها له أن ذلك خطه، أو خط الميت) أي وأخذ المودع وديعته بسبب كتابة عليها أنها له، إن ثبتت ببينة أن ذلك الكتابة خطه أو خط
[ ٣ / ١٥٩ ]
الميت.
قوله: (وبسعيه بها لمصادر) أي وضمن المودع الوديعة التي في يده إن مشى بالوديعة إلى ظالم. انتهى.
ابن عبد السلام: ومشى بها إلى ظالم، وإذا قيل فيمن دل غاصبا على مال رجل فغصبه أنه ضامن، فأحرى هنا؛ لأن ذلك لم يلتزم حفظ المال بخلاف المودع. انتهى.
ابن عرفة: قول ابن الحاجب وابن شاس: لو سعى بها إلى مصادر ضمنها، واضح لتسببه في تلفها، ولا أعلم نص المسألة، إلا في وجيز الغزالي. إنتهى من ابن غازي (^١).
قوله: (وبموت المرسل معه لبلد، إن لم يصل إليه، وبكلبس الثوب، وركوب الدابة) أي وضمن المودع الوديعة إن أرسلها إلى ربها، فمات الرسول قبل وصول المكان الذي أرسل إليه، لأنه محمول على التعدي، وأما إن وصل الرسول إلى ذلك البلد، فإنه يحمل على الرد.
قوله: وبكلبس الثوب وركوب الدابة، وهذا تكرار مع قوله: وبانتفاعه بها.
قوله: (والقول له أنه ردها سالمة، إن أقر بالفعل) أي والقول للمودع أنه رد الوديعة لربها سالمة إن أقر بالفعل، وأما إن شهدت عليه البينة بذلك الفعل فلا يبرأ من الضمان، إلا بقيام بينة أنه ردها سالمة.
قال بن فرحون: وإذا ادعى المودع رد الوديعة، فالقول قوله مع يمينه وهو مدع، وإنما ترجح قوله، لأنه استأمنه والأمين مصدق. انتهى منه (^٢).
قوله: (وإن أكراها لمكة ورجعت بحالها، إلا أنه حبسها عن أسواقها فلك قيمتها يوم كرائه. ولا كراء، أو أخذه وأخذها) أي وإن أكرى المودع الوديعة إلى مكة مثلا ورجعت بحالها، إلا أنه حبسها عن أسواقها، فالمالك مخير في أخذ القيمة منه يوم أكراها، لأنه يوم التعدي، ولا كراء للمالك، أو أخذ كرائها منه والدابة.
قوله: (وبدفعها مدعيا أنك أمرته به، وحلفت وإلا حلف وبرئ) أي وضمن المودع الوديعة بدفعها لغير ربها في حال كونه مدعيا أنك يا رب الوديعة أمرته بدفعها،
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨٤٠.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٢٦٧.
[ ٣ / ١٦٠ ]
وتحلف أنك ما أمرته، وإن نكلت عن اليمين حلف المودع أنك أمرته بالدفع وبرئ من ضمانها.
قوله: (إلا ببينة على الآمر) أي فلا يضمن وهذا لا يخفى.
قوله: (ورجع على القابض) أي فإذا ضمن المودع الوديعة التي ادعى الإذن في دفعها، فإنه يرجع على قابضها منه، وإن أقر أن المالك لها أمره بدفعها، فلا يضر ذلك الإقرار، بل يرجع على القابض منه، لأن الغرم من سببه انظر لم يرجع عليه، وقد أقر أنه أمره بالدفع وسيأتي بعد من اشترى سلعة يعلم أنها لبائعها ثم استحقت أنه لا يرجع على البائع لعلمه أنها له.
قوله: (وإن بعثت إليه بمال، فقال: تصدقت به علي وأنكرت: فالرسول شاهد) أي قراضا كان أو وديعة، فقال المبعوث إليه: إنما تصدقت بذلك ضمان علي فأنكرت أيه الباعث، فالرسول شاهد، إن شهد له يحلف معه، إن كان عدلا، ويستحق ذلك بما ادعاه، وغير العدل كالعدم.
قوله: (وهل مطلقا؟ أو إن كان المال بيده؟ تأويلان) أي وهل الرسول شاهد مطلقا كان ذلك المال قائما بيد المبعوث إليه أو فائتا، كان الرسول عديما أم لا، أو إنما يكون شاهدا، إذا كان المال بيد المبعوث إليه، أو لم يكن وكان مليا، وإن كان غير ملي فالرسول شاهد على فعل نفسه، فلا يعمل بها فيه تأويلان.
مسألة: وفي أحكام بن سهل: قال في كتاب الوديعة في سماع يحيى من قول ابن وهب فيمن أودع رجلا دنانير، وعهد إليه فيها ألا يدفعها إلا لمن أتى بأمارة أعلمه بها لم يطلع عليها غيره، فأتى رجل بتلك الأمارة فدفع إليه المال، ومات المودع رب المال، فقال ورثته للمودع: ما صنعت بالمال؟ فقال: صنعت به الذي أمرني به أبوكم: أنه يحلف لقد فعل به الذي أمره به في المال، ولم يعتده إلى غيره ويبرأ.
قال يحيى: وسألت عنه ابن القاسم، فقال مثله، والمعنى أنهم صدقوه في الأمارة، وأن أباهم أمره بذلك. وأما لو كذبوه في دعواه كلها وطلبوا المال فذلك لهم. انتهى من ابن فرحون (^١).
ومن عليه حق، أو بيده وديعة، أو عارية فجاءه رجل فقال: وكلني رب الحق على
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ١١٣. وكتاب النوازل والأعلام المسمى ديوان الأحكام الكبرا للقاضي أبي الأصبغ عيسى بن سهل: ص: ٣٩٨.
[ ٣ / ١٦١ ]
قبضه، فصدقه من كان ذلك بيده، فالذي يظهر أنه لا يجبر على الدفع، ولست أعرفها منصوصة لنا وبه قال الشافعي ﵁. برزلي.
ولا يدفع الوديعة بكتاب المودع، وإن عرف خطه، فإن فعل ضمن.
مسألة: ومن كتاب ابن حبيب قال أصبغ: إذا وجد في ديوان القاضي بعد موته أو عزله أن عند فلان بن فلان من الأموال التي عندنا، أو قال: من مال فلان اليتيم كذا وكذا دينارا، وأنكر الأمين، فإنه يحلف ويبر، أو يضمن القاضي ذلك المال حيا أو ميتا لأنه فرط حين لم يشهد عليه. انتهى من ابن فرحون (^١).
قال أصبغ: وإذا بعث قاض إلى قاض بمال فعلى الرسول أن يشهد بإيصاله، وإلا ضمن إن جحد المبعوث إليه قبضه أو مات أو عزل، فلم يعرف للمال موضع، إلا أن يوجد في ديوان الميت ذكره: إنا قبضنا من فلان كذا وكذا دينارا، قدم بها علينا من عند قاضي بلد كذا، وهي لورثة فلان، فيبرأ الرسول بهذا، وإن لم يوجد المال، ولا عرف له موضع، فلا يضمنه القاضي حيا كان أو ميتا، إذا قال في حال حياته: قد ضاع، أو جهلنا موضعه.
وقال ابن القاسم من رواية عيسى: وإذا دفع القاضي مالا إلى رجل، وأمره أن يدفعه إلى فلان، فقال المبعوث معه المال: قد دفعته إلى الذي أمرتني بدفعه إليه، وأنكر المبعوث إليه، فإن قامت له البينة على دفعه إليه وإلا ضمن. انتهى من ابن فرحون (^٢).
قوله: (وبدعوى الرد على وارثك، أو المرسل إليه المنكر) أي وضمن المودع بدعوى الرد للوديعة على وارثك أيها المودع، أو ادعى الرد على المرسل إليه المنكر لدعواه، لأن من دفع إلى غير اليد التي دفعت إليه، فعليه البينة، وإلا ضمن، إلا أن تكون العادة عدم الإشهاد، أو ممن لا يشهد عليه كسلطان، أو زوجة، أو شرط الدفع بلا بينة فلا يضمن.
قوله: (كعليك؛ إن كانت له بينة به مقصودة) أي كما يضمن الوديعة إن ادعى ردها عليك أيه المودع، إن كان للإيداع بينة مقصودة توثقا، وأما البينة غير مقصودة فلا فائدة.
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ١٥٦.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ١٥٦.
[ ٣ / ١٦٢ ]
قوله: (لا بدعوى التلف، أو عدم العلم بالتلف أو الضياع، وحلف المتهم ولم يفده شرط نفيها، فإن نكل حلفت) أي لا يضمن الوديعة إن ادعى تلفها قبضها ببينة أم لا، وكذلك لا يضمن إن ادعى عدم العلم بالرد إذا كانت الوديعة بغير إشهاد، وكذلك لا يضمن إن ادعى عدم العلم بوقت الضياع، ويحلف المتهم بالخيانة، وأما غير المتهم فلا يحلف في دعوى التلف، وأما دعوى الرد فلا بد من اليمين، لأن رب الوديعة يدعي التحقيق، وهو عدم الرد، ولم يفد المتهم شرط نفي اليمين، لأنه أسقط حقا قبل وجوبه، فإن نكل المتهم حلفت يا رب الوديعة، فإن نكلت فلا شيء لك لأن النكول بالنكول تصديق للناكل الأول. انظر يمين رب الوديعة هنا، إذا نكل المتهم، لأن أيمان التهمة لا ترد على المشهور.
قوله: (ولا إن شرط الدفع للمرسل إليه بلا بينة) أي ولا يضمن المودع الوديعة، إن شرط على ربها عدم الإشهاد عند الدفع للمرسل إليه، إن ثبت الشرط، وإلا ضمن إن أنكر المرسل إليه.
وعن ابن القاسم: من بعث مع رجلين مالا يدفعا نه لرجل وقال: لا أشهد على الدفع غير كما ففعلا فشهادتهما ساقطة لدفع المعرة عنهما، ولا يضمنان لأنهما مأموران لذلك. انتهى من جامع شيخنا محمود بن عمر من البرزلي (^١).
قوله: (وبقوله تلفت قبل أن تلقاني، بعد منعه دفعها: كقوله بعده بلا عذر) أي وضمن الوديعة، إذا طلبها منه ربها، فمنعه منها ثم قال: تلفت قبل أن تلقاني، لأنه كذب نفسه، كما يضمن إن منعها منه بلا عذر ثم قال: ضاعت بعد أن ألقاك، وأما إن منعها بالعذر فلا ضمان عليه.
قوله: (لا إن قال: لا أدري متى تلفت) والمسألة بحالها أي إن منعها منه، ثم قال: لا أدري متى تلفت فلا يضمن، لأن الأصل عدم الضمان، وكذلك الراعي إذا تعدى وولى عن رعيته، ثم رجع إليها فذهب منها شيء، ولا يعرف وقت الذهاب، هل وقت التعدي؟ أم لا، فلا يضمن، لأن الأصل عدم الضمان. انتهى.
قوله: (وبمنعها حتى يأتي الحاكم إن لم تكن بينة) أي وضمن الوديعة بمنعها من ربها حتى يأتي إلى الحاكم، لأن إمساكها عن ربها ظلم، إن لم تكن للوديعة، وأما إن كانت بينة فلا يضمنها، لأنه حينئذ معذور، وهو قول ابن القاسم. الظاهر نصب
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٤، ص: ٢١٥.
[ ٣ / ١٦٣ ]
الحاكم على المفعولية، وجوز في التوضيح رفعه على الفاعلية. قال: كما في بعض القرى أن الحاكم يأتي إليها.
قوله: (لا إن قال: ضاعت منذ سنين وكنت أرجوها. ولو حضر صاحبها كالقراض) أي ولا يضمن الوديعة، إن قال ضاعت منذ سنين، وكنت أرجوا وجودها، ولو كان ربها حاضرا، وأحرى إن كان غائبا، وكذلك لا يضمن القراض، إذا قال: ضاع منذ سنين.
قوله: (وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها) أي وليس للمودع الأخذ من الوديعة، لكونها لمن ظلمه بمثل الوديعة من غصب، أو جحد دين أو غير ذلك، لأنه صلى الله قال: «أدي الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» (^١)، وهذا هو المشهور، وقيل: جائز، وقيل: مندوب، وقيل مكروه، وقيل: مباح، وهذه الأقوال كلها إذا لم يكن عليه دين، وأما إن كان عليه دين فلا يأخذ منها إلا قدر ما يجب له بالمحاصة.
قال أبو الوليد والأظهر إباحة الأخذ، واستدل له بحديث هند بنت عتبة في قوله ﷺ: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (^٢).
قوله: (ولا أجرة حفظها، بخلاف محلها) أي وليس للمودع أجرة حفظ الوديعة، إلا أن تكون العادة، بخلاف أجرة محل الوديعة، فإنها تكون له إذا كان عادة.
قوله: (ولكل تركها) أي ولكل من المودع والمودع ترك الوديعة متى شاء، إلا أن تكون بإجارة فكالإجارة.
قال ابن غازي: قال بن عرفة هي من حيث ذاتها للفاعل والقابل مباحة، وقد يعرض وجوبها كخائف فقدها الموجب هلاكه أو فقره إن لم يودعها مع وجود قابل لها يقدر على حفظها، وحرمتها كمودع شيء غصبه ولا يقدر القابل على جحده ليرده لربه أو للفقراء إن كان المودع مستغرق الذمة؛ ولذا ذكر عياض في مداركه عن بعض الشيوخ: أن من قبل وديعة من مستغرق ذمة ثم ردها إليه ضمنها للفقراء.
زاد في نوازل البرزلي: ولم تجر عادة فقهاء تونس بقبول ودائع الظلمة، ثم قال بن عرفة وقد يعرض ندبها حيث يخشى ما يوجبها دون تحققه، وكراهتها حيث
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه: (٢٤) الإجارة (٤٥) - باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده. (٨١) الجديث: ٤٥٣٦. وأخرجه الترمذي في سننه (١٢) كتاب البيوع (٣٨). باب. الحديث: ١٢٦٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٧٢) كتاب النفقات. (٩) - باب إذا لم ينفق الرجل فللمراة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها من معروف. الحديث: ٥٠٤٩.
[ ٣ / ١٦٤ ]
يخشى ما يحرمها دون تحققه (^١).
مسألة: وإذا كان بيد المفقود ودائع فلا يحكم لصاحبها بها حتى يحكم بموته، بخلاف الدين في الذمة، لاحتمال لو حضر لا دعى الضياع والخسارة في القراض.
قوله: (وإن أودع صبيا، أو سفيها، أو أقرضه أو باعه فأتلف لم يضمن وإن بإذن أهله، وتعلقت بذمة المأذون عاجلا وبذمة غيره إذا عتق، إن لم يسقطه السيد) أي وإن أودع إنسان صبيا أو سفيها، وإن شيخا أو أقرضه، أو باعه فأتلف ذلك، لم يضمن، لأن صاحب الشيء هو الذي سلطه عليه، وهو محجور، ولو ضمن المحجور لما كان للحجر فائدة، إلا أن يكون المحجوز جعل ذلك في نفقته وكسوته فإنه يضمنه، لأنه صان به ماله، فإن فوت العبد المأذون له في التجارة الوديعة، تعلقت بذمته عاجلا، وبذمة غير المأذون إن عتق، إلا أن يسقطه السيد عنه فيسقط، والعبد المأذون له لا يتوكل أي لا يكون وكيلا ويقبل الودائع.
قوله: (وإن قال: هي لأحدكما ونسيته تحالفا، وقسمت بينهما) أي وإن قال الذي في يده الوديعة لأحدكما ونسيت أيكما هو، قسمت بينهما بعد أيمانهما، وإن نكل أحدهما انفرد به الحالف ولا ضمان عليه، وقيل: يغرم لكل واحد منهما ما ادعاه لنسيانه، فلو كانت الوديعة مائة وخمسين فادعى كل واحد منهما المائة قسمت بينهما وتبقى الخمسين بلا مالك، وتجعل في مصالح المسلمين.
قوله: (وإن أودع اثنين جعلت بيد الأعدل) أي وإن أودع إنسان وديعة لاثنين، جعلت بيد الأعدل منهما، وإن كانا عدلين أقرع إذ لا مرجح.
* * *
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٨٤١.
[ ٣ / ١٦٥ ]