قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الحجر، وأسباب الحجر سبعة: الصبا، والجنون، والرق، والتبذير، والفلس، والمرض المخوف، والنكاح في حق الزوجة فيما زاد على الثلث.
والمحجورون عليهم تسعة: ثلاثة لأجل أنفسهم: الصبي، والمجنون، والسفيه. واثنان لحق الغير فيما زاد على الثلث: المريض والزوجة. وأربعة لحق الغير أيضا: الراهن لحق المرتهن، والغريم لحق الغرماء، والعبد لحق السيد، والمرتد.
قوله: (المجنون محجور للإفاقة، والصبي لبلوغه بثمان عشرة، أو الحلم أو الحيض، أو الحمل) أي المجنون ممنوع من التصرف إلى أن يفيق من الجنون ويرجع عليه عقله، وكذلك الصبي محجور عليه أي ممنوع من التصرف إلى أن يبلغ، ويكون البلوغ بثمان عشر سنة هو أن يوفي سبعة عشرة ويدخل في الثامنة عشر ولو بيوم واحد، والحلم وهو الإحتلام، وهو الجماع في النوم هذان في الذكر والأنثى، والحيض في حق الأنثى، والحمل في حقها وهو مستغنى عنه لأن الحمل لا يكون إلا بعد البلوغ، والبلوغ قوة خفية تحدث في الصبى يخرج بها من حال الطفولية إلى حال الرجولية، ولها علامات تعرف بها ويستدل بها على البلوغ وهي التي ذكرها الشيخ ولا عبرة لبروز الثديين ونتن رائحة الإبط أصلا.
قوله: (أو الإنبات، وهل إلا في حق الله تعالى: تردد) أي يكون البلوغ بإنبات شعر العانة واسوداده في الذكر والأنثى، وهل يكون الإنبات علامة للبلوغ مطلقا في حق الله تعالى وفي حق المخلوقين؟ أو إنما يكون علامة في حق الخلق لا في حق الله تعالى فيه تردد.
وقيل: ليس بعلامة مطلقا، وقيل: علامة مطلقا، وقيل: علامة في حق الخلق لا في حق الله تعالى، وقيل: لا خلاف في حق الله تعالى أنه ليس ببلوغ، وقيل: الخلاف فيهما.
قوله: (وصدق إن لم يرب) أي وصدق الصبي في البلوغ وعدمه طالبا كان كما إذا
[ ٣ / ٦٥ ]
كان يطلب سهمه في الغنائم، أو مطلوبا كما إذا وجب عليه الحد من الزنا، أو الشرب أو غير ذلك، وإنما يصدق إذا لم يشك فيما قال وأما إن شك فيه فلا يصدق.
قال ابن العربي: وقول من قال: ينظر في المرآة غريب (^١)، ولو قيل: ونجس على ثوب ما بعد.
قوله: (وللولي رد تصرف ممين) أي وللولي وهو الأب أو وصيه، أو مقدم القاضي، رد تصرف صبي مميز، وأحرى غير المميز بالنظر.
وقوله: (وله إن رشد، ولو حنث بعد بلوغه، أو وقع الموقع) أي وللصبي إن رشد إذا كان ليس له ولي أو له ولم يعلم، أو علم وفرط إلى أن رشد الصبي، فإن له رد فعله ولو كان ذلك بالحنث بعد بلوغه، كما إذا حلف بالعتق وهو صبي، ولم يحنث في اليمين إلا بعد البلوغ، فإن ذلك لا يلزمه، وأما لو حنث قبل البلوغ فلا خلاف أن له الرد، وكذلك إن وقع ما تصرف فيه في حال صباه موقعه أي صادف صوابا، فإن له رده إذا رشد.
قوله: (وضمن ما أفسد إن لم يؤمن عليه) أي وضمن الصبي ذو سنة فأكثر ما أفسد، لا ما دون سنة، وهو من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف، وضمانه إذا لم يجعل أمينا على ذلك، وأما إن جعل عليه أمينا فلا يضمنه، لأن رب الشيء فرط في متاعه، يريد إلا أن يصرفه الصبي في مصالحه ويصون به ماله فإنه يضمنه.
قوله: (وصحت وصيته، كالسفيه) أي وصحت وصية الصبي، لأنه إنما حجر عليه لأجل نفسه، والوصية لا تكون إلا بعد الموت، كما تصح وصية السفيه لأن الحجر عليه لحق نفسه، والوصية لا تنفذ إلا بعد الموت.
قال العلماء: إنما منعت تصرفات السفيه؛ صونا لماله على مصالحه؛ لئلا يضيع ماله بالتصرفات الردية، فصون ماله على مصالحه هو سبب رد تصرفاته، وتنفذ وصاياه عند الموت، صونا لماله على مصالحه، فإنا لو رددنا وصاياه لأخذ ماله وارثه، ولم يحصل له من ماله مصلحة، فصون ماله على مصالحه اقتضى رد تصرفاته حال الحياة، وتنفيذ تصرفاته عند الممات، فقد ناسب الوصف الواحد للضدين المتنافيين، وترتبا عليه في الشريعة، وهذا هو جمع الفرق أيضا؛ لأنه جمع
_________________
(١) التوضيح: ج ٦، ص: ٢٣٢.
[ ٣ / ٦٦ ]
المتفرقات من الأضداد. انتهى من أنوار البروق للقرافي (^١).
قوله: (إن لم يخلط) أي وصحت وصية الصبي والسفيه إن لم يتناقض كلام كل واحد منهما بعضه بعضها، وأما إن تناقض كلا مه فلا تصح.
قوله: (إلى حفظ مال ذي الأب بعده) أي وحجر على الصبي بعد البلوغ إلى حفظ مال ذي الأب بعد البلوغ وإن لم يعرف التنمية.
قوله: (وفك وصي، ومقدم) أي وحجر على صبي له وصي إلى أن يفك الوصي عنه الحجر، إنما جعل الفك في الوصي والمقدم، لأن الأب لما جعله وصيا على ولده كأنه حجر عليه، وكذلك مقدم القاضي بخلاف الأب إذا لم يحجر عليه، ولو حجر عليه لاحتاج إلى الفك والمشهور عدم افتقار الوصي إلى ثبوت رشد محجوره عند القاضي، وعكسه بخلاف مقدم القاضي. انتهى من القلشاني.
قوله: (إلا كدرهم لعيشه) أي فلا حجر على المحجور في درهم أو درهمين لأجل عيشه.
قوله: (لا طلاقه واستلحاق نسب ونفيه، وعتق مستولدته، وقصاص ونفيه) أي لا يحجر على السفيه البالغ في هذه المسائل السبعة في طلاق، لأن طلاق السفيه يلزم واستلحاق نسب - غفل الشارح هنا ﵀ ونفي نسب باللعان، وعتق مستولدته فيتبعها مالها عند مالك لا ابن القاسم، وقصاص له، وأن يقتص لنفسه أو لمحجوره. ونفي القصاص أي لا حجر عليه إذا عفا عن القصاص، إذ ليس بمال، نعم ليس له العفو عن الدية بعد تقررها، ولو كان استحقاق الدم لوليين مفلسين فعفا أحدهما ثم عفا الثاني صح عفو الأول ولم يصح عفو الثاني، إلا فيما زاد على مبلغ ديته. انتهى من ابن شاس في كتاب الدماء (^٢).
قوله: (وإقرار بعقوبة، وتصرفه قبل الحجر على الإجازة عند مالك، لا ابن القاسم) أي لا حجر على السفيه البالغ في إقراره بعقوبة في بدنه من حد أو قصاص، وتصرفه قبل الحجر على الإجازة عند مالك أي وتصرف السفيه المهمل قبل الحجر على الإجازة عند مالك حتى يرده الولي، لأن العلة عند مالك الحجر ولم يكن ابن القاسم على الرد حتى يجيزه الولي، وتقديم الشيخ القول الأول الأول دليل على أنه
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٢، ص: ١١٩.
(٢) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ١١٠٧.
[ ٣ / ٦٧ ]
الراجح عنده، والخلاف في السفيه إذا ثبت سفهه، وأما إذا لم يثبت فلا خلاف أنه على الإجازة.
وفي إكمال الإكمال واختلف في السفيه المهمل، فقيل: يمضي بيعه. وقيل: يرد مطلقا. وقيل: يرد إن كان ظاهر السفه، ويمضي إن كان خفيه. واختار المحققون من شيوخنا الرد. وسبب هذا الخلاف أنه اتفق على رد فعل السفيه المحجور عليه. واختلف في علة الرد، فقال المحققون من شيوخنا: علة الرد السفه، والمهمل سفيه فيرد فعله. وقال بعض أصحاب مالك: العلة الحجر، والمهمل غير محجور عليه فيمضي فعله. وكان شيخنا الله يقول: إنما العلة السفه، لأن الرد دار معه وجودا وعدما. أما وجودا فلأنا اتفقنا على رد فعل الصغير والمجنون ومن بلغ سفيها. وأما عدما فلأن السفيه إذا ثبت رشده وجب تسليم ماله إليه. انتهى (^١).
وصفة السفيه المستحق أن يحجر عليه: أن يكون يبذر ماله سرفا في لذاته من الشراب وغيره، ويسقط فيه سقوط من لا يعد المال شيئا. قال ابن القاسم: ويحجر على كل من لو كان في ولاء لم يعط ماله. وقال أشهب: لا يحجر إلا على البين أمره المبذر لماله ولا يحكم إمساكه. انتهى من ابن شاس (^٢).
والرشد هو حسن النظر في المال ووضع الأمور في موضعها، وهو أمر خفي لا يدرك إلا بطور الاختبار في المال والتجربة. انتهى من المقدمات (^٣).
قوله: (وعليهما العكس في تصرفه إذا رشد بعده) أي وعلى قوليهما العكس في تصرفه إذا رشد مالك إذا حجر عليه فأفعاله على الرد حتى يجيزها الولي لأنه محجور عليه ولم يفك عنه، ابن القاسم على الإجازة لأنه رشد بعد الحجر.
قوله: (وزيد في الأنثى دخول زوج بها، وشهادة العدول على صلاح حالها) أي وزيد في انفكاك الحجر عن الأنثى دخول زوج بها سواء طال مقامها معه أم لا وزيادة شهود العدول على صلاح حالها فإن حصل الشرطان انفك الحجر عنها (ولو جدد أبوها) عليها (حجرا على الأرجح).
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٥/ ٣١٣.
(٢) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٧٩٨.
(٣) المقدمات الممهدات المؤلف: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: ٥٢٠ هـ.): ج ٢، ص: ٣٤٥. الناشر: دار الغرب الإسلامي الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ. - ١٩٨٨ م.
[ ٣ / ٦٨ ]
قال بن غازي: لم أقف على هذا الترجيح لابن يونس؛ ولكن ذكر ابن رشد في المقدمات: أن القياس أن ليس للأب عليها تجديد حجر على قول من حد لجواز أفعالها حدا؛ لأنه حملها ببلوغها إليه على الرشد وأجاز أفعالها، فلا يصدق الأب في إبطال هذا الحكم بما يدعيه من سفهها إلا أن يعلم صحة قوله. انتهى.
فأنت ترى ابن رشد خص هذا بقول من حد لجواز أفعالها حدا من السنين؛ مع أن المصنف أصر هنا على القول بالتحديد بالسنين، وقد قبل ابن عرفة فيها قياس ابن راشد، ولم يذكر شيئا لابن يونس، فوفي هذا الترجيح نظر من وجهين أحدهما نسبته لابن يونس، والثاني تفريعه على غير القول بالتحديد. والله تعالى أعلم. انتهى من ابن غازي (^١).
قوله: (وللأب ترشيدها قبل دخولها، كالوصي، ولو لم يعرف رشدها) أي وللأب ترشيد ابنته قبل دخول الزوج عليها بل وقبل التزويج. وكذلك الوصي له ترشيد محجورته قبل التزويج وقبل الدخول، ولو لم يعلم رشد البنت إلا من قول الأب أو الوصي وقيل إذا لم يعرف رشدها فليس للأب ترشيدها.
قوله: (وفي مقدم القاضي خلاف) أي وفي ترشيد مقدم القاضي لمحجورته وعدمه خلاف قيل ليس له أن يرشدها وقيل له ذلك.
قوله: (والولي الأب) لما قال: وللولي رد تصرف كأن سائلا سأله ما الولي فقال الولي الأب يعني الأب الرشيد، وأما إن كان الأب سفيها فهل يكون وليه وليا لأولاده؟ أو لا يكون وليا لهم بل يقدم القاضي عليهم مقدما.
قوله: (وله البيع مطلقا، وإن لم يذكر سببه، ثم وصيه، وإن بعد) أي وللأب بيع مال الولد ربعا كان أو غيره ذكر سببا أم لا صوابا أم لا، وهو محمول على النظر حتى يثبت خلافه، إلا أن بيع من نفسه فعلى غير النظر حتى يثبت خلافه.
قوله: ثم وصي الأب ووصيه وإن بعد.
قوله: (وهل كالأب، أو إلا الربع فببيان السبب؟ خلاف) أي وهل الوصي له البيع مطلقا كالأب أو هو كالأب إلا في بيع الربع فلا بد من ذكر السبب في بيعه فيه خلاف.
قوله: (وليس له هبة للثواب، ثم حاكم، وباع بثبوت يتمه، وإهماله، وملكه لما بيع،
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٧٤٤.
[ ٣ / ٦٩ ]
وأنه الأولى، وحيارة الشهود له، والتسوق، وعدم الغاء زائد، والسداد في الثمن، وفي تصريحه بأسماء الشهود قولان أي وليس للوصي هبة مال محجوره ليأخذ الثواب، إذ ليس له أن يبيع بالقيمة، والهبة للثواب ليس فيها إلا القيمة، وأما الأب له أن يهب مال ولده للثواب وأما لغير الثواب فلا يجوز له.
ثم حاكم أي ومقدمه فإنه ولي المهل أي فإن احتاج الحاكم إلى بيع مال المحجور فيبيعه بثمان شروط:
الأول: إن ثبت عنده يتمه، وإهماله بلا وصي أو مقدم، وملكه لما يباع وثبت عنده أن المبيع هو الأولى بالبيع، وحيازة الشهود لما يباع ويقولون: هذا الذي حزناه هو الذي شهدنا بملكه، لئلا يقول الشهود هذا الذي بيع ليس الذي شهدنا بملكه، وأن يتسوق به، وأن يعدم الزائد في المبيع، وأن يكون الثمن سدادا أي صوابا، وفي تصريح الحاكم بأسماء الشهود الذين ثبت بهم عنده ما أو جب البيع وعدم احتياجه بالتصريح بأسمائهم قولان.
قوله: (لأحاضن) أي والحاضن ليس بولي وقيل ولي.
قوله: (كجد) تشبيه أي كما أن الجد ليس بولي والجد والأم كالعدم.
قوله: (وعمل بإمضاء اليسير، وفي حده تردد) أي وعمل في الأمصار بإمضاء بيع الحاضن من مال محضونه اليسير، وفي حد ذلك اليسير تردد حده بعضهم بعشرة دنانير.
ابن العطار عشرون ابن زرب ثلاثون.
لو قال الشيخ: وعمل بجواز اليسير في الحاضن لكان أولى.
قوله: (وللولي ترك التشفع والقصاص فيسقطان) أي وللولي المتقدم الذكر ترك الأخذ بالشفعة الواجبة لمحجوره بالنظر، وكذلك له ترك القصاص الواجب للصغير بالنظر ليأخذ له الدية لا ليعفو، وأما السفيه فقد تقدم حكمه، فإذا ترك الولي الأخذ بالشفعة والقصاص فإنهما يسقطان لا للصبي إذا بلغ ورشد وللسفيه إذا رشد الكلام.
قوله: (ولا يعفق الولي عن دم عمد ولا خطأ مجانا لأنه ليس بنظر للمحجور.
قوله: (ومضى عتقه) أي ومضى عتق الولي (بعوض) من المولي أو غيره من غير مال العبد، لأن للولي انتزاع مال العبد ويبقى ملكا للمحجور.
قوله: (كأبيه إن أيسر) أي كما يمضي عتق أبي المحجور فقط دون غيره من
[ ٣ / ٧٠ ]
الأولياء بغير عوض بشرط أن يكون موسرا، وأما إن لم يكن الأب موسرا فلا يمضي عتقه. غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (وإنما يحكم في الرشد وضده، والوصية، والحبس المعقب، وأمر الغائب والنسب، والولاء، وحد، وقصاص، ومال يتيم: القضاة) إلى آخر ما ذكر شروع منه ﵀ في المسائل التي لا يتولى الحكم فيها إلا القضاة، وأما غير العدول فلا عبرة بهم، وإن لم يكن القضاة العدول فجماعة المسلمين تقوم مقامهم أي ولا يحكم بترشيد سفيه ونفيه وهو الحجر عليه إلا القاضي العدل، وكذلك مسائل الوصية، وكذلك الحبس المعقب لا يحكم فيها إلا القاضي، لأن المعقب ما لم يؤخذ كالغائب والقاضي وكيل كل غائب. وكذلك ثبوت النسب ونفيه باللعان لا يحكم فيه إلا القاضي وكذلك ثبوت الولاء. وكذلك إقامة الحدود في الزنا والقذف والشرب. وكذلك الأخذ بالقصاص من الجاني. وكذلك لا يحكم في مال اليتيم المهمل إلا القاضي وإنما يباع.
قوله: (وإنما يباع عقاره لحاجة، أو غبطة) شروع منه ﵀ فيما يجوز بيع عقار اليتيم أي يباع عقار اليتيم لأجل حاجته بثمنه بسبب نفقة أو كسوة أو غبطة في الثمن زيادة على قيمته بالثلث، إن كان الثمن حلالا، فإن كان حراما وعلم أنه حرام فهو متعد، وإن لم يعلم كلف المشتري بالحلال ولو ببيع تلك العقار عليه.
قوله: (أو لكونه موظفا، أو حصة، أو قلت غلته فيستبدل خلافه، أو بين ذميين، أو جيران سوء، أو لإرادة شريكه بيعا ولا مال له، أو لخشية انتقال العمارة، أو الخراب ولا مال له، أو له والبيع أولى) أي عليه غرامة فيستبدل بما لا غرامة عليه وليس بعيب يرجع به علم به أو لم يعلم، لأن الأصل الحرية والمغارم ظلم أو قعها العمال، وليست كأرض الصلح التي يقول فيها ابن القاسم: البيع جائز والخراج على البائع، ولم يوجزه على أن الخراج على المشتري. انتهى من المفيدة.
أو يكون ملكه في ذلك العقار حصة، فيستبدل بثمنها ملكا كاملا، فيسلم من ضرر الشركة، أو كان ذلك العقار قلت غلته، فيستبدل ما كانت غلته كثيرة، أو كان ذلك العقار بين أهل الذمة، أو كان بين جيران سوء، أو لأجل إرادة شريكه بيع سهمه ولا مال لليتيم فيشتري له نصيب شريكه وهو مما لا ينقسم، أو خشي الإمام انتقال العمارة عن محل العقار، أو خشي عليه الخراب، ولا مال لليتيم يصلح به، أو له مال
[ ٣ / ٧١ ]
ولكن بيعه أولى لنظر.
مسألة: إذا كان اليتيم ابن اثني عشر سنة، أو له بعدم سنة ليستطيع الخدمة أجرة منفعته وله أصل، وأصله أنه يواجر في عمل يستطيعه على رغم أنفه ويحبس عليه أصلا. انتهى صح من المفيدة.
قوله: (وحجر على الرقيق إلا بإذن ولو في نوع) أي وحجر على الرقيق سواء كانت فيه شائبة حرية أم لا، كأم الولد، والمعتق إلى أجل، والمعتق بعضه، والمدبر حافظا كان أو مضيعا لحق السيد، ولا يقبل قول الرقيق أنه أذن له وهو على الحجر حتى يثبت الإذن بتصريح أو التزام ككتابة، أو سكوت مع علمه بتصرفه، ولو كان ذلك الإذن في التصرف في نوع واحد، بل الإذن يعم فيما فيه الإذن وغيره، لأن السيد غرهم، وقيده بعضهم بما إذا لم يشتهر السيد بذلك.
قوله: (فكوكيل مفوض) أي فإن أذن له فهو كوكيل مفوض، فلا يفعل إلا ما فيه مصلحة.
قوله: (وله أن يضع ويؤخر ويضيف إن استألف، ويأخذ قراضا، ويدفعه) أي وللمأذون له في التجارة أن يضع الدين عن غريمه أو بعضه وأن يؤخره، وأن يضيف الضيوف إن استألف في المسائل الثلاث وإلا فلا يجوز له، وله أن يأخذ قراضا ولكن إن حصل الربح فللسيد لا للغرماء، وله أن يدفع قراضا.
وقال أشهب: ليس للمأذون أن يدفع قراضا.
قوله: (ويتصرف في كهبة) أي وللمأذون التصرف في الهبة والصدقة والوصية.
قوله: (وأقيم منها عدم منعه منها ولغير من أذن له القبول بلا إذن) أي وأقيم من المدونة عدم منع سيد المأذون من قبول الهبة، وللعبد غير المأذون قبول الهبة بلا إذن سيده ولكن ليس له التصرف فيها.
قوله: (والحجر عليه كالحر) أي والحجر على المأذون عند قيام الغرماء كالحر لا يحجر عليه إلا القاضي، وقيل: للسيد الحجر عليه.
قوله: (وأخذ مما بيده) أي فإن فلس المأذون أو مات، تؤخذ ديونه مما في يده من ماله (وإن مستولدته) لا ولده، يريد إلا أن تكون أمته حاملا منه فإنها لا تباع حتى تضع لأن الولد للسيد، وإن ظهر بها حمل بعد ذلك فهل يفسخ البيع؟ أم لا قولان.
فإن اشترى ولده من سيده وعليه دين، فإن الولد يباع في الدين لأنه ليس له أن
[ ٣ / ٧٢ ]
يتلف مال غرمائه والولد في هذا الموضع ملكه. انتهى من ابن شاس بالمعنى.
قوله: (كعطيته، وهل إن منح للدين أو مطلقا؟ تأويلان) أي كما تؤخذ ديونه مما أعطي له، وهل ذلك إن منح لأجل الدين أو يؤخذ الدين مما أعطي له مطلقا منح للدين أم لا فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (لا غلته، ورقبته. وإن لم يكن غريم، فكغيره) أي لا يؤخذ الدين الذي على المأذون (^١) من غلته لأنه لسيده، وكذلك رقبته وإن لم يكن للمأذون غريما فهو كغير المأذون فماله كله لسيده.
قوله: (ولا يمكن ذمي من تجر في كخمر) أي لو قال الشيخ: ولا يمكن عبد كافر في تجر من خمر ونحوه.
قوله: (إن اتجر لسيده وإلا) أي بل اتجر لنفسه (فقولان) في تمكينه وعدمه.
فرع: ومن الاستغناء (^٢): إن ابتاع المولى عليه أمة فحملت منه كانت له أم ولد ولم يتبع بالثمن.
ومن المدونة من بعث يتيما في طلب آبق فأخذه وباعه وأتلف الثمن، فلرب العبد أخذه ولا شيء على اليتيم من المال الذي أتلفه ولا يتبع به دينا بخلاف ما أتلف أو كسر (^٣).
وعن مطرف وابن الماجشون ما باعه المولى عليه من متاعه وانتقد ثمنه وعثر عليه رد متاعه عليه، ولا يكون من الثمن شيء دينا عليه إلا أن يدرك قائما بيديه فيرد لأصحابه، أو يكون قد أدخله في مصالحه ووفر به من ماله ما لم يكن له بد من انفاق مثله فيه. فيه انتهى من التاج والإكليل (^٤).
إذا ادعى المولى عليه حقا على رجل ولم يقم له شاهد فوجبت اليمين على الرجل فردها على المولى عليه، فقال ابن الهندي في وثائقه: لا يحلف المولى عليه، وإنما يحلف مع شاهد عدل من جهة إحياء السنة، ويلزم المدعى عليه الغرم بنكوله
_________________
(١) ن: المديان
(٢) أظنه للإمام القاضي خلف بن مسلمة بن عبد الغفور الاقليشي الاندلسي، المالكي (أبو القاسم) فقيه، حافظ. ولي قضاء بلده. له كتاب الاستغناء في آداب القضاء في نحو خمسين جزءا. معجم المؤللفين: ج ٤، ص: ١٠٧.
(٣) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ٣٠٧.
(٤) التاج والإكليل: ج ٦، ص: ٦٣٦.
[ ٣ / ٧٣ ]
وترجى له اليمين على المحجور عليه إلى حين رشده.
قال ابن سهل: فيه نظر عندي، والصحيح أن يحلف ويأخذ إذا رد المطلوب عليه اليمين، كما يحلف مع شاهده ويأخذه، ولا وجه لإرجاء هذه اليمين إلى رشده، وقد رضي المطلوب منه بها بنكوله عنها. انتهى من القلشاني.
قوله: (وعلى مريض حكم الطب بكثرة الموت به، كسل وقولنج، وحمى قوية) أي وحجر على مريض في زائد الثلث مرضا حكم أهل الطب بكثرة الموت به لحق الورثة، ومعنى كثرة الموت به أي لا يتعجب الناس بمن مات به، وذلك كسل وهو مرض ينحل معه البدن والروح تنحل معه، وقيل: ورم في الرئة وقولنج.
القولنج بضم القاف واللام وبفتحهما، وقيل: بفتح القاف وهو مرض معدي مؤلم يعسر معه خروج التفل والريح، وقيل: مرض يتغوط صاحبه بفيه وحمى قوية أي شديدة.
قوله: (وحامل ستة، ومحبوس لقتل أو لقطع، إن خيف الموت، وحاضر صف القتال) أي وحجر على حامل ستة أشهر، وقيل: ستة كاملة، وقيل: دخلت في السادس. وقول المصنف يحتملهما، والحامل هنا عاقدة. وهي فيما تقدم في البيوع معقود عليها، وكذلك يحجر على المحبوس لأجل القتل فيما زاد على الثلث، وكذلك محبوس لأجل قطع في قصاص أو سرقة، إن خيف الموت بالقطع، وأما إن لم يخف الموت به فلا حجر عليه، فإن قلت: كيف يقطع إذا خيف عليه الموت، قلت: سئل عن هذا، ولو سئل أيقطع من خيف عليه الموت به لقال: لا يقطع، نعم إلا إذا قيل: أن الإمام فعل ذلك جهلا، أو جورا، وكذلك يحجر على حاضر صف القتال مقاتلا، وأما غير المقاتل فلا يحجر عليه.
قوله: (لا كجرب، وملجج ببحر، ولو حصل الهول) أي لا يحجر على من به جرب ونحوه، وملجج في بحر، ولو حصل الهول لا يحجر عليه، وقيل: إن حصل الهول يحجر عليه، وكذلك لا يحجر على راكب دابة لم يقدر عليها والقولان فيها واللجة معظم البحر.
قوله: (في غير مؤنته وتداويه، ومعاوضة مالية) أي وحجر على مريض حكم الطب بكثرة الموت فيه في غير مؤنته من نفقة وكسوة، وما يتداوى به، وإن أتى ذلك على المال كله، وكذلك لا يحجر عليه في معاوضة مالية ببيع، ويشتري ويقارض
[ ٣ / ٧٤ ]
ويشارك، وأما العاوضات غير الماليات، فإنه يحجر عليه فيها، فلا يتزوج ولا تخالع زوجها فيه، فإن حصل في المعاوضات الماليات محاباة فمن الثلث، وقد تكون المحابات من غير نقص القيمة، كما إذا باع أحسن ماله لبعض الورثة، وإن بأكثر من القيمة، فإنه يرد لأنه محاباة.
قال التونسي: إن حاباه بعين المبيع كبيعه خيار أمواله، فللورثة نقض ذلك، ولو زاد على قيمتها. انتهى من القلشاني.
قوله: (ووقف تبرعه، إلا لمال مأمون، وهو العقار، فإن مات فمن الثلث، وإلا مضى) أي ووقف تبرع المريض إلى أن يصح أو يموت، إلا أن يكون ماله مأمون التغيير والزوال كالعقار، فإن مات فالتبرعات من الثلث، وإن قصد به الضرر على المشهور، فإن صح مضى ما تبرع به، ولو أتى على جميع المال، واختلف في الناض الكثير هل هو مأمون؟ أم لا، ابن القاسم ليس بمال مأمون وقال غيره: هو مأمون.
قوله: (وعلى الزوجة لزوجها ولو عبدا) أي وحجر على الزوجة لحق الزوج، لأنه يتجمل بمالها حرا كان أو عبدا، يعني بالزوجة الحرة، وأما الأمة تحت الحر فليس له حجر لأن مالها لسيدها.
قوله: (في تبرع زاد على ثلثها) أي زاد زيادة لها بال كما في المدونة، وإنما يرد الزيادة على ثلثها إذا تبرعت على غير الزوج، وأما إذا تبرعت على زوجها بجميع مالها فإنه يمضي ولا يرد.
قوله: (وإن بكفالة. وفي إقراضها قولان) أي ولو كان تبرعها بزائد على الثلث بكفالة، وفي جواز إقراضها بزائد الثلث لأنها طالبة وعدم جوازها قولان.
لو قال الشيخ: تردد كما في اصطلاحه، إذ لا نص للمتقدمين في المسألة.
قوله: (وهو جائز حتى يرد فمضى، إن لم يعلم حتى تأيمت، أو مات أحدهما) أي وتبرع الزوجة بزائد الثلث جائز حتى يرد، فبسبب كونه على الجواز حتى يرد أنه يمضي إن لم يعلم الزوج بالتبرع حتى تأيمت الزوجة بطلاق، أو موت أحد الزوجين.
قوله: (كعتق العبد) أي كما يمضي عتق العبد لعبده، إذا لم يعلم به سيده حتى عقته، إن لم يستثن ماله، وأما إن استثناه فلا يمضي.
قوله: (ووفاء الدين) أي إذا تبرع من أحاط الدين بماله فلم يعلم الغرماء حتى أوفى لهم ديونهم، فإن ذلك التبرع يمضي.
[ ٣ / ٧٥ ]
قوله: (وله رد الجميع) أي وللزوج رد الجميع (إن تبرعت بزائد) الثلث، والفرق بينهما وبين المريض أن الزوجة لها إمضاء الثلث بعد بخلاف الميت، وقيل: الفرق بينهما أن صاحب الوصية إنما قصد نفع نفسه، والزوجة قصدت ضررا بزوجها.
قوله: (وليس لها بعد الثلث تبرع؛ إلا أن يبعد) أي وليس للزوجة إذا تبرعت بثلث مالها أن تتبرع بعد ذلك، إلا أن يبعد ما بين التبرعين، وحد بعضهم البعد بسنة، وبعضهم بستة أشهر.
ابن شاس: ثم ليس لها التصرف في بقية المال الذي أخرجت ثلثه، ولها ذلك في مال آخر إن طرأ لها. انتهى منه (^١).
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٨٠١.
[ ٣ / ٧٦ ]