قوله: (باب) يذكر فيه مسائل الضمان الضمان شغل ذمة أخرى بالحق، الألف واللام فيه للعهد ابن ناجي عن المؤلف احترز به من الحوالة، فإن فيها شغل ذمة أخرى بالحق، وتبرأ بها الأول (وصح) أي وصح الضمان (من أهل التبرع) ابن ناجي واحترز به من المحجور عليه كمكاتب التبرع ما كان بغير سؤال عكس التطوع فلامفهوم لهما، لأن كليهما معروف.
وأركان الضمان أربعة: الضامن والمضمون له، والمضمون، والمضمون عليه. وزاد بعضهم الصيغة. والدليل على جواز الضمان قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ [يوسف: ٧٢]. انتهى.
قال صاحب المقدمات هي سبعة ألفاظ: الحميل والزعيم والكفيل والأذين والصبير والضامن والقبيل. يقال: من ذلك حمل يحمل حمالة فهو حميل وزعم يزعم زعامة فهو زعيم وكفل يكفل كفالة فهو كفيل وقبل يقبل قبالة فهو قبيل وأذن يأذن إذانة فهو أذين وصبر يصبر فهو صبير وضمن يضمن فهو ضامن وقال تعالى: ﴿وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾ [النحل: ٩١] والإذانة في قوله تعالى: ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم: ٧] وأصل الإذانة والأذين والإذن وما تصرف من هذا الباب الاعلام، والكفيل معلم بأن الحق في جهته. والكفيل حفيظ لما التزمه. والضامن من الضمن وهو الحوز وكل شيء أحوزته في شيء فقد ضمنته إياه والقبالة القوة منه (^١).
قوله: مالي بهذا الأمر قبل ولا طاقة والقبيل قوة في استيفاء الحق والزعامة السيادة فإنه لما تكفل به صار له عليه السيادة وحكم عليه والصيبر من الصبر وهو الثبات والحبس ومنه المصبورة وهي المحبوسة للرمي بالسهام ومنه قتله صبرا أي حبسه حتى مات عطشا والضامن حبس نفسه لأداء الحق. ومثل حميل عذير وكدين من كنيت لك بكذا. وأصل ذلك كله من الحفظ والحياطة. انتهى من أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي (^٢).
_________________
(١) المقدمات لابن رشد: ج ٢، ص: ٦٩. ٧٠. بتصرف.
(٢) الفروق للقرافي: ج ٣، ص: ٣٦. الفرق الخامس والعشرون والمائة بين قاعدة ما مدلوله قديم من =
[ ٣ / ٨٩ ]
وبدء المصنف رحمة الله بالضامن فقال: وصح من أهل التبرع، وقد تقدم من له التبرع.
قوله: (كمكاتب، ومأذون أذن سيدهما) تمثيل لمن له التبرع، ويحتمل أن يكون تشبيها لإفادة الحكم أي كما يصح الضمان من الكاتب والعبد المأذون، بشرط أن يأذن المالك، وقيل: لا يصح الضمان من المكاتب وإن أذن سيده، لأن ذلك يؤدي إلى عجزه، وعجزه يؤدي إلى عوده إلى الرق.
قوله: (وزوجة، ومريض بثلث) أي ويصح ضمان الزوجة والمريض بمثل الثلث فأقل.
قوله: (واتبع ذو الرق به إن عتق) أي قنا كان أو فيه شائبة رق أي واتبع بذلك الضمان، إن ضمن بغير إذن سيده ثم عتق، إن لم يبطل السيد ذلك الضمان، وأما إن أبطله قبل العتق فإنه لا يتبع به.
قوله: (وليس للسيد جبره عليه) أي وليس لمالك العبد جبره على الضمان، ظاهره وإن كان له مال، وهو ظاهر المدونة، إذ للعبد أن يقول: أخاف أن أتبع به إن أعتقت.
قوله: (وعن الميت المفلس) أي وصح الضمان عن الميت المفلس، قصد الشيخ الوجه المشكل أي وأحرى عن الميت الموسر، وأحرى عن الحي المفلس، وأحرى عن الحي الموسر، وإن ظهر مال للميت المفلس، فلا يرجع الضامن بما أدى في المال، لأنه دخل أولا على أن لا يرجع.
قوله: (والضامن) أي وصح الضمان عن الضامن فيكون ضامنا مضمونا.
قوله: (والمؤجل حالا، إن كان مما يعجل) أي وصح الضمان عن الدين المؤجل على أن يكون حالا، بشرط أن يكون ذلك الدين مما يجوز تعجيله كالعين، أو عرض من قرض، وأما ما لا يجوز تعجيله فلا يجوز، لأنه حط عني الضمان وأزيدك.
قوله: (وعكسه إن أيسر غريمه) أي وصح الضمان عن الدين الحال، على أن يكون مؤجلا، إن أيسر غريمه بذلك الدين.
قال في المدونة: وإن أخره به بعد الأجل برهن أو حميل جاز، لأنه ملك قبض دينه مكانه، فتأخيره به كابتداء سلف على حميل أو رهن، وإن لم يحل الأجل فأخره
_________________
(١) = الألفاظ فيجوز الحلف به وبين قاعدة ما مدلوله حادث فلا يجوز الحلف به ولا تجب به كفارة
[ ٣ / ٩٠ ]
به إلى أبعد من الأجل بحميل أو رهن، لم يجز، لأنه سلف بنفع. قال غيره: ولا يلزم الحميل بشيء ولا يكون الرهن رهنا به، وإن قبض في فلس الغريم أو موته. انتهى (^١).
قوله: (أو لم يوسر في الأجل) أي وصح الضمان عن الدين الحال، على أن يكون مؤجلا، إذا كان الذي عليه الدين لم يوسر في ذلك الأجل عادة، لأن الشرع أخره وأحسن إلى رب الدين بالضمان.
قوله: (وبالموسر أو بالمعسر) أي صح الضمان بالموسر به أو المعسر إليه، كما إذا كان له عليه مائتان، موسر بإحدى المائتين معسر بالأخرى، فإنه يصح الضمان عن الموسر به، لأنه لو شاء لأخذها منه، وكذا يصح بالمعسر به لأن الشرع أخره.
قوله: (لا الجميع) أي فلا يصح الضمان بالموسر به جميعا لأنه سلف بزيادة.
قوله: (بدين لازم، أو آبل إليه، لا كتابة بل كجعل، وداين فلانا، ولزم فيما ثبت وهل يقيد بما يعامل به؟ تأويلان) أي إنما يصح الضمان لذي دين ثابت لازم لا كتابة أوآئل إلى الدين، كجعل وداين فلانا، ولزم ذلك الضمان فيما ثبت أنه داينه به، وهل يقيد ذلك اللزوم؟ بمثل ما يعامل به فلان عادة، وهو قول الغير.
وقال بعضهم: قول الغير تفسير أولا يفيد فيلزمه ما داينه فيه تأويلا على المدونة.
قوله: (وله الرجوع قبل المعاملة) أي وللقائل دائن فلانا الرجوع عن الضمان قبل أن يداينه، وهو ظاهر المدونة إلا بعد المعاملة.
قوله (بخلاف احلف) أي وهذا بخلاف من قال لرجل ادعى على آخر: احلف على ما تدعيه (وأنا ضامن به) فإنه ليس له الرجوع إذا حلف.
قوله: (إن أمكن استيفاؤه من ضامنه) أي إنما يصح الضمان إن أمكن استيفاء المضمون من الضامن، لا حد وقصاص، لأن فائدة الضمان إغرام الضامن إن عدم الحق من المضمون عليه بفلس ونحوه أو موت.
قوله: (وإن جهل) أي وصح الضمان وإن جهل قدر الدين، أو صفته، أو من له الدين، كما إذا قال: علي لفلان دين، وقال له رجل: أنا أضمنه، وكذلك يصح الضمان بغير إذن المضمون عليه.
قوله: (أو من له، وبغير إذنه كأدائه رزقا لا عنتا) أي كما يصح أداء الدين منه بغير
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ٢٧٢.
[ ٣ / ٩١ ]
إذنه إن قصد رفقا في المسألتين، ولا يجوز إن قصد عنتا بهما والعنت المشقة.
قوله: (فيرد كشرائه، وهل إن علم بائعه وهو الأظهر؟ تأويلان) أي فإن قصد به عنتا، فإنه يرد كما يرد شراء الدين إن قصد به عنتا، وهل يرد مطلقا؟ علم البائع بالعنت أم لا، وهو ظاهر المدونة أو يرد إن علم بائعه، وإلا فلا يرد، ولكن يأمر الحاكم بمن يأخذه منه سوى المشتري، أو يبيعه على المشتري فيرتفع الضرر.
قوله: وهو الأظهر، صوابه الأرجح.
قوله: (لا إن ادعي على غائب فضمن ثم أنكر، أو قال لمدع على منكر: إن لم آتك به لغد فأنا ضامن ولم يأت به) أي لا يلزم الضمان إن ادعى على غائب، فضمن، ثم قدم الغائب فأنكر، وكذلك لا يلزم الضمان إذا قال المدعي على حاضر: إن لم آتك به لغد فأنا ضامن لما تدعيه، ولم يأت به في الغد، وأحرى إن أتى به.
قوله: (إن لم يثبت حقه ببينة، وهل بإقراره؟ تأويلان. كقول المدعى عليه أجلني اليوم فإن لم أوافك غدا فالذي تدعيه علي حق) راجع إلى المسألتين وإن ثبت لزومه، وهل يلزم الضمان بثبوت الحق بإقرار المنكر بعد الإنكار، أو إنما يلزم ببينة فقط فيه تأويلان، وكذلك لا يلزم الحق المدعى عليه إذا قال للمدعي: أخرني اليوم، فإن لم آتك غدا فالذي تدعيه علي حق بل يرجع إلى خصومته إن لم يقربه.
قوله: (ورجع بما أدى ولو مقوما) أي ورجع الضامن على المضمون بما أدى عنه بسبب الضمان ولو كان ذلك المضمون مقوما.
قوله: ورجع بما أدى ولو مقوما أي ورجع الضامن على أصله بما أدى عنه أي بمثله عينا أو طعاما، ولو كان ما أداه عنه مقوما عند ابن القاسم وهو المشهور لأنه كالسلف، وأشار بلو إلى قول غيره: يرجع في المقوم بالقيمة، وظاهره ولو كان هذا المقوم عرضا اشتراه على أنه حكى في توضيحه عن ابن رشد الاتفاق على أنه يرجع بثمن ما اشتراه ما لم يحاب، فلا يرجع بالزيادة، والظاهر أنه طريقه وإلا لقيد به هنا. انتهى من فتح الجليل (^١).
وهي من المسائل التي يرجع فيها إلى المثل في المقوم.
وثانيها: من أقرض سلعة، فإنه يرجع بمثلها.
الثالثة: من فرط في شاة الزكاة بعد أن أخرجها، فإنه يرجع عليه مثلها، لمستحق.
_________________
(١) فتح الجليل للتتائي: ج ٣، بعد قول خليل في باب الضمان: ورجع بما أدى ولو مقوما.
[ ٣ / ٩٢ ]
الزكاة، وإنما يرجع عليه بمثل المقوم، لأنه كالسلف، إلا إن ادى عنه محتسبا، فلا يرجع عليه، فإن اختلفا فالقول قول الضامن إلا لقرينة، فلما كان للضامن أن يرجع على الغريم بمثل المقوم الذي أدى عنه، وأحرى أن يرجع بمثل المثلي.
قوله: (إن ثبت الدفع) أي إن ثبت أنه دفع المال المضمون ببينة، أو إقرار المضمون له، ولا يثبت الدفع بإقرار المضمون عنه، لأن الضامن فرط حين لم يشهد على الدفع، فإن أدى عنه بحضرته، هل يرجع عليه؟ أم لا، لأن الضامن فرط حين لم يشهد، وقيل يرجع عليه لأن المضمون عنه هو الذي فرط في الإشهاد وهو مقر بأن الضامن أداه عنه، وأما إن ادى عنه غائبا ولم يثبت، فلا يرجع عليه به.
قوله: (وجاز صلحه عنه بما جاز للغريم على الأصل، ورجع بالأقل منه أو قيمته) أي وكل ما جاز للغريم أن يصالح به رب الدين، جاز للضامن صلح رب المال به، على القول الأصح، فإن صالح رجع على الغريم بالأقل من الدين الذي عليه، أو قيمة ما صالح به إن كان مقوما.
قوله: (وإن برئ الأصل برئ) أي وإن برءا الأصل الذي عليه الدين بإسقاطه عنه، أو هبة، أو صدقة، فإن الضامن يبرأ من الضمان، برئ بكسر الراء لا غير، وأما برئ المريض فهو بكسر الراء وفتحها وضمها.
قوله: (لا عكسه) أي فلا يبرأ الغريم ببراءة الضامن من الضمان.
قوله: (وعجل بموت الضامن، ورجع وارته بعد أجله أو الغريم إن تركه) أي وإذا مات الضامن قبل حلول الأجل، فإن الحق الذي ضمنه يعجل قضاؤه، ويرجع وارثه على المضمون عنه، بعد حلول أجل الدين، وكذلك يعجل الحق بموت الغريم، إن ترك وفاء للدين، وإلا فلا يؤخذ به الضامن، إلا عند حلول الأجل.
قوله: (ولا يطالب إن حضر الغريم موسرا، أو لم يبعد إثباته عليه) أي ولا يطالب الضامن إن حضر الغريم موسرا، أو غائبا موسرا، ولم يبعد إثبات ذلك الدين عليه لقرب البينة، وأما إن كان إثباته يبعد فإنه يطالب الضامن.
قوله: (والقول له في ملائه) أي فإن اختلف المضمون له مع الضامن في ملاء الغريم المضمون عنه، فالقول للضامن، لأن الأصل الملاء، ولذلك يسجن مجهول الحال في الدين.
قوله: (وأفاد شرط أخذ أيهما شاء وتقديمه) أي فإن شرط رب الحق أخذ الذي
[ ٣ / ٩٣ ]
عليه الدين، أو الضامن إن شاء، فإن ذلك الشرط يفيد، وله أخذ أيهما شاء بالحق، وكذلك يفيد شرط رب الحق تقديم الضامن بالطلب للحق.
قوله: (أو إن مات) أي ويفيد شرط الحميل، ألا يطالبه رب الحق، إلا أن يموت المضمون عنه، وكذلك إن شرط عليه الضامن ألا يطالبه في حياته.
قوله: (كشرط ذي الوجه) أي كما يفيد شرط ضامن الوجه التصديق بإحضار المضمون بلا يمين من الضامن.
قوله: (أو رب الدين التصديق في الإحضار) أي وكذلك يفيد شرط رب الدين على الضامن ذي للوجه عدم التصديق في إحضار الغريم المضمون.
قوله: (وله طلب المستحق بتخليصه عند أجله) أي ولضامن طلب المستحق للحق، وهو رب الدين بتخليصه من الضامن، أو أخذ حقه من غريمه، وذلك عند حلول الأجل.
قوله: (لا بتسليم المال إليه) أي وليس للضامن طلب تسليم المال الذي ضمنه إليه (وضمنه إن اقتضاه)، لأنه متعد.
قوله: (لا أرسل به) أي ولا يضمنه إن أرسل بذلك المال لأنه أمين.
قوله: (ولزمه تأخير ربه، المعسر أو الموسر، إن سكت أو لم يعلم إن حلف أنه لم يؤخره مسقطا) أي ولزم الضامن، تأخير رب الدين للغريم المضمون عنه المعسر، لأن الشرع أخره، وكذلك يلزم الضامن تأخير رب الدين للغريم الموسر إن سكت، لأن سكوته عن التأخير يعد رضى على القول بأن السكوت رضا، وكذلك يلزمه إن لم يعلم بالتأخير حتى حل الأجل، هذا كله إن حلف رب الدين أنه لم يؤخره مسقطا للكفالة.
قوله: (وإن أنكر حلف أنه لم يسقط ولزمه) وهذا قسيم قوله: إن سكت أي وإن أنكر التأخير أي إن لم يرض به، حلف رب الدين أنه لم يسقط الضمان ولزمه.
قوله: (وتأخر غريمه بتأخيره إلا أن يحلف) أي وتأخير الذي عليه الحق بتأخير الضامن، إلا أن يحلف رب الدين أنه لم يؤخر الغريم بتأخير الضامن.
قوله: (وبطل إن فسد متحمل به، أو فسدت، كبجعل من غير ربه لمدينه) أي وبطل الضمان، فلا يلزم إن فسد متحمل به، وهو الدين، وكذلك إن فسدت الكفالة (^١)
_________________
(١) ن: الوكالة
[ ٣ / ٩٤ ]
وذلك كجعل من غير رب الدين لمدينه، كما إذا جعل الذي عليه الحق للضامن جعلا، أو الذي له الحق، أو أجنبي، فإن ذلك لا يجوز، إذ لا يجوز في الشرع جعل الجاه، والسلف، والضمان، أحرى أن لا ثمن لها، وأخذ العوض عنه سحت، وأما الجعل من رب الدين لمدينه على أن يعطيه ضامنا، فإنه يجوز.
قوله: (وإن ضمان مضمونه، إلا في اشتراء شيء بينهما، أو بيعه، كقرضهما على الأصح) أي وإن كان ذلك ضمان مضمونه كما إذا قال: تكفل عني، وأتكفل عنك، فلا يجوز، إلا في اشتراء شيء بينهما، فيجوز أن يضمن كل منهما صاحبه، وإن كان فيه ضمان المضمون، لعمل السلف الصالح، وكذلك إذا باعا شيئا بينهما، فضمن كل واحد منهما صاحبه عند ظهور العيب، أو الاستحقاق، كما يجوز ضمان كل منهما صاحبه، إذا أقرضا شيئا معا على الأصح.
قوله: (وإن تعدد حملاء أتبع كل بحصته، إلا أن يشترط حمالة بعضهم عن بعض) إلى آخره أي وإن تعدد حملاء اثنان فأكثر، اتبع كل واحد منهم بحصته من المضمون، إن رجع عليهم رب الدين، إلا أن يشترط عليهم حمالة بعضهم عن بعض، فإن له أخذ أيهم شاء.
قوله: (كترتبهم) تشبيه لإفادة الحكم أي كما له أخذ من شاء منهم بالمال المضمون جميعه إذا ترتبوا أي أخذ كفيلا بعد كفيل.
قال في المدونة: ومن أخذ من غريمه كفيلا بعد كفيل، فله في عدم الغريم، أن يأخذ بجميع حقه أي الكفيلين شاء، بخلاف كفيلين في صفقة واحدة، لا يشترط حمالة بعضهم ببعض، وليس أخذ الحميل الثاني إبراء للأول، ولكن كل واحد منهما حميل بالجميع (^١).
قوله: (ورجع المؤدي بغير المؤدى عن نفسه بكل ما على الملقي، ثم ساواه) إلى آخره، هذا ضابط حسن أي ورجع الضامن المؤدي لرب المال، جميع الحق بغير الذي يلزمه منه بنفسه، بكل ما لزم الملقى، ثم ساواه في الغرم في ما بقي بعده، وهم حملاء غرماء.
قوله: (فإن اشترى ستة بستمائة بالحمالة فلقي أحدهم أخذ منه الجميع، ثم إن لقي أحدهم أخذه بمائة، ثم بمائتين، فإن لقي أحدهما ثالثا أخذه بخمسين وبخمسة وسبعين، فإن
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ٢٦٩.
[ ٣ / ٩٥ ]
لقي الثالث رابعا أخذه بخمسة وعشرين وبمثلها، ثم باثني عشر ونصف، وبستة وربع) أي فسبب ما قلنا، فإن اشترى ستة نفر سلعة بست مائة بالحمالة، فلقي رب الحق أحدهم، أخذ منه الجميع بحمالة بعضهم عن بعض، أو لقي جميعهم عدماء، إلا واحدا، ثم إن لقي هذا الغارم أحد الخمسة أخذه بمائة عن نفسه، لأنه غرمها عنه بالحمالة بمائتين، لأنه ساواه في الأربعة الباقية، لأنهما ضامنين عليهم، وقد غرم جميع المال لربه، فإن لقي أحد الغارمين ثالثا بالنسبة إلى الغارمين، وهو رابع بالنسبة إلى الباقين، أخذه بخمسين نصف حصته، لأن الثاني أيضا غرم عنه خمسين، وتبقى للغارم مائة وخمسون حمالة يساويه فيها، فيأخذه بخمس وسبعين، لأنه دفع ثلاث مائة عن نفسه، ومائتين عن هذا الثالث، وعن الثلاثة الباقية عليه منها خمسون، فإن لقي هذا الثالث الذي دفع خمسين وخمسة وسبعين رابعا، أخذه بخمس وعشرين أداها عنه، إذ لا رجوع له بالخمسين التي أداها عن نفسه، وقد أدى عن هذا الرابع وعن صاحبيه خمسة وسبعين، حصته منها خمسة وعشرون، ورجع عليه أيضا بخمسة وعشرين مثلها أداها حمالة عن الاثنين الباقيين، وغرم هذا الرابع خمسة وعشرين عنهما، ثم إن لقي هذا الرابع خامسا أخذه باثنى عشر ونصف، لأنه يقول دفعت خمسا وعشرين عن نفسي، وخمسة وعشرين عنك، وعن صاحبك، بقي لي إثنى عشر ونصف انت شريكي فيها حمالة، فعلي منها ستة وربع، وأرجع عليك بستة وربع، ثم إن لقي هذا الخامس السادس، أخذه بستة وربع، لأنها هي التي أداها عنه وحده، وسكت المصنف عن هذا لوضوحه.
عياض: وهذا العمل قول الفضلاء كلهم.
قوله: (وهل لا يرجع بما يخصه أيضا إذا كان الحق على غيرهم) وهم حملاء غير غرماء أي وهلا يرجع الحميل بما يخصه أيضا في الحمالة كالمسألة السابقة إذا كان الحق على غيرهم وهم حملاء فقط بعضهم عن بعض (أولا وعليه الأكثر) أو يرجع بما يخصه أيضا فيقاسم بالسواء في الغرم حتى يعتدلوا لأن الحق على غيرهم وإليه ذهب ابن لبابة والتونسي وغيرهما (تأويلان).
قوله: (وصح بالوجه) أي وصح الضمان بالوجه أي الذاتي قال المصنف: وهو عبارة عن الإتيان بالغريم الذي عليه الدين وقت الحاجة، ولم يختلف في صحته عندنا.
[ ٣ / ٩٦ ]
قوله: (وللزوج رده) أي وللزوج رد ضمان الوجه إن صدر (من زوجته) ولو لغير مال، لأنه يقول قد تحبس فأمنع منها، وقد تخرج للخصومة، وليس ذلك علي، وأما ضمانها للمال فقد تقدم صحته في الثلث فأقل.
قوله: (وبرئ بتسليمه له وإن بسجن، أو بتسليمه نفسه إن أمره به) أي وبرئ الضامن للوجه بتسليم المضمون إلى المضمون له، وإن كان المضمون في سجن ظاهره في سجن حق، أو باطل في دم، أو غيره، سواء قدر المضمون له على إخراجه أم لا، وكذلك يبرأ الضامن بتسليم المضمون نفسه إلى المضمون له، إن أمره الضامن بذلك.
قال أبو الحسن الصغير: ولم يزل الشيوخ يستشكلونه ويقولون: ما الفرق بين أن يأمره به أم لا، لأن المراد تحصيل ذاته وها هو قد حصل.
قوله: (إن حل الحق) قيد في الفرعين أي وحيث يبرأ الضامن بتسليم المضمون، إنما يبرأ به إن حل الحق، وأما قبل الحلول فلا فائدة في تسليمه.
قوله: (وبغير مجلس الحكم إن لم يشترط) أي ويبرأ الضامن بتسليم المضمون إلى المضمون له في غير مجلس الحكم، وأحرى مجلس الحكم، وأما إن اشترط تسليمه في مجلس الحكم فلا يبرأ إلا به.
قوله: (وبغير بلده) أي ويبرأ الضامن للوجه بتسليم المضمون إلى المضمون له بغير البلد المشترط (إن كان به حاكم) معتبر وإلا فلا يبرأ.
قوله: (ولو عديما) أي ويبرأ الضامن للوجه بتسليم المضمون إلى المضمون له، ولو كان المضمون عديما، لأنه لم يضمن إلا ذاته.
قوله: (وإلا أغرم بعد خفيف تلوم، إن قربت غيبة غريمه كاليوم) أي وإن لم يبرأ الضامن للوجه بما ذكرنا أغرم المال الذي على المضمون، بعد تلوم خفيف بالاجتهاد، بحيث لا ضرر على رب المال، إنما يتلوم إذا قربت غيبة الغريم كاليوم ونحوه، وأما إن بعدت فلا تلوم.
قوله: (ولا يسقط الغرم بإحضاره إن حكم به) أي ولا يسقط الغرم الثابت على ضامن الوجه بإحضار الغريم المضمون، إن حكم حاحكم بذلك الغرم. مفهومه إن أحضره قبل الحكم، فإنه يبرأ به، والمفهوم صحيح، والحكم أن يثبت الحاكم الغرم على الضامن للوجه، لما لم يأت بالمضمون.
[ ٣ / ٩٧ ]
وقال بعضهم: إنما الحكم أن يشهد الحاكم أنه أثبت الغرم على الضامن.
قوله: (لا إن أثبت عدمه) أي فلا يغرم الضامن للوجه، إن لم يأت به إن أثبت عدمه في غيبته خلافا لابن رشد.
قوله: (أو موته في غيبته ولو بغير بلده) أي فلا يغرم الضامن للوجه إن أثبت موته ولو بغير بلده.
قوله: (ورجع به) أي فإن أغرم الضامن للوجه قبل إثبات العدم أو الموت، فإنه يرجع بما أغرم.
قال في المدونة: ولو أغرم الحميل، ثم أثبت أن الغريم قد مات في غيبته قبل القضاء، رجع الحميل بما أدى على رب الدين، لأنه لو علم أنه ميت حين أخذ به الحميل، لم يكن عليه شيء، وإنما تقع الحمالة على النفس (^١).
قوله: (وبالطلب، وإن في قصاص) أي وصح الضمان بالطلب، وإن كان الطلب في قصاص، وضمان الطلب يخالف الضمان بالمال والوجه، لأنهما من شرطهما أن يمكن الاستيفاء من الضامن، إن عدم في المضمون، وضمان الطلب ليس ذلك من شرطه، بل يصح وإن كان الطلب في دم قصاص.
قوله: (كأنا حميل بطلبه، أو اشترط نفي المال) إلى آخر ما ذكر أمثلة للطلب: كأنا حميل بطلبه، أو قال: أنا حميل واشترط نفي الغرم (أو قال: لا أضمن إلا وجهه).
قوله: (وطلبه بما يقوى عليه، وحلف ما قصر) أي وطلب الضامن للطلب المضمون بالطلب الذي يقوى عليه، وحلف أنه ما قصر في الطلب، وإن نكل غرم لأنها يمين تهمة فلا تنقلب.
قوله: (وغرم إن فرط أو هربه) أي وغرم الضامن للطلب، إن فرط في الطلب، أو هربه، (وعوقب) إن هربه، وفي عقوبته نظر لأنه أغرم.
قوله: (وحمل في مطلق أنا حميل، وزعيم، وأذين، وقبيل، وعندي، وإلي، وشبهه على المال على الأرجح والأظهر) أي وحمل الضامن إذا أطلق الضمان ولم يقيده بمال ولا وجه على المال، على الأرجح عند ابن يونس، والأظهر عند ابن رشد، والحميل من الحمل، والزعيم من السؤدد، وأذين من العلم، وقبيل من الطاقة، ومقابل الأرجح والأظهر، أنه يحمل على الوجه، إذا أطلق ولم يقيد بمال ولا وجه، لأن الأصل
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٣، ص: ٢٦٢.
[ ٣ / ٩٨ ]
براءة الذمة.
قوله: (لا إن اختلفا) أي فإن اختلف رب الدين والضامن، فقال: رب الدين أنت حميل بالمال، وقال الضامن: بل حميل بالوجه، فالقول قول الضامن، لأن الأصل براءة الذمة.
قوله: (ولم يجب وكيل للخصومة، ولا كفيل بالوجه بالدعوى، إلا بشاهد) أي ولم يجب على المدعى عليه أن يأتي بوكيل، لأجل الخصومة، ولا أن يأتي بكفيل بمجرد الدعوى، إلا أن تكون الدعوى بشاهد فتجب الإجابة.
قوله: (وإن ادعى بينة كالسوق أوقفه القاضي عنده) أي وإن ادعى المدعى بينة قريبة كالسوق ونحوه، أوقف القاضي المدعى عليه عنده، ليأتي بالبينة، وإن لم يأتي بها خلا سبيله.
[ ٣ / ٩٩ ]