قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه أحكام البغاة هذه هي الجناية الأولى، والجنايات سبع.
المسلم يقام عليه الحد في الجنايات كلها، والكافر لا يقام عليه الحد في الثلاثة في الردة والزنى والشرب، ويقام عليه في البغي والحرابة، والقذف، والسرقة.
ابن عرفة: البغي هو الامتناع من طاعة من ترتبت إمامته.
الجنايات سبعة: البغي، الردة، الزنى، القذف، السرقة، الحرابة، شرب الخمر. بدأ بالبغي لأنه أعظم مفسدة.
الجناية: ما يحدثه الإنسان على نفسه، أو غيره مما يضره حالا أو مالا أو فيهما. (الباغية فرقة خالفت الإمام لمنع حق، أو لخلعه) أي جماعة خالفت الإمام المعتبر، لمنع حق وجب عليها من حق الله تعالى، أو حق آدمي، أو امتناع من طاعته، أو إرادة خلعه أي نزعه عن إمامته.
ابن يونس: لو قام على إمام من أراد إزالة ما بيده، فروى عيسى عن ابن القاسم عن مالك: إن كان مثل عمر بن عبد العزيز، وجب على الناس الذب عنه والقيام معه، وأما غيره فلا، ودعه وما يراد منه ينتقم الله من الظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما.
قوله: (فللعدل قتالهم) تقديم المجرور يدل على الحصر أي فللعدل قتالهم لا غير العدل، إذ لعلهم خالفوه بسبب ظلمه، فأما العدل يقاتلهم (وإن تأولوا) تفريق الكلمة، وأحرى إن لم يتأولوا، كما فعل أبو بكر الصديق ﵁ عن الخارجين عليه بسبب منع الزكاة، منهم من تأول فقال قال الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] جعلوا الخطاب للنبي ﷺ وحده متأولين، فقاتلهم الصديق ﵁ حتى قال: لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه أو كما قال.
قوله: (كالكفار، ولا يسترقوا، ولا يحرق شجرهم، ولا ترفع رؤوسهم بأرماح) أي يقاتلهم كما يقاتل الكفار بأرماح، وسيوف وسهام وقطع ماء وحرق، كما تقدم في الجهاد، ولكن لا يسترقون لأنهم أحرار مسلمون، والحر المسلم لا يكون رقيقا أبدا، ولا تحرق أشجارهم، لأنها مال من أموال المسلمين، ولا ترفع رؤوس قتلاهم على
[ ٣ / ٤٥٧ ]
أرماح لأنه مثلة والمثلة لا تفعل للكافر وأحرى للمسلمين.
قوله: (ولا يدعوهم بمال) أي ولا يترك قتلهم بسبب مال يعطونه له، ليتركهم على ما كانوا عليه، بخلاف الكفار إن رآه مصلحة.
قوله: (واستعين بمالهم عليهم إن احتيج له، ثم رد كغيره) صوابه بسلاحهم أي ويجوز للإمام العدل أن يستعين على قتال البغاة بسلاحهم إن احتاج إليها، فإن قضى حاجته منها ردت إليهم، كما يرد إليهم غير ذلك من أموالهم.
قوله: (وإن أمنوا لم يتبع منهزمهم، ولم يذفف على جريحهم) أي وإن أمن عود البغاة إليهم لم يتبع من أنهزم منهم، ولا يذفف على جريحهم، مفهومه إن لم يؤمنوا يتبع منهزمهم ويذفف على جريحهم والمفهوم صحيح.
يذفف بالذال المعجمة وبالمهملة التجهير.
قوله: (وكره للرجل قتل أبيه، وورثه) من فئة الإمام قتل أبيه من الباغية والأم أحرى، فإن وقع ونزل فقتله فإنه يرثه، لأن قاتل العمد الذي لا يرث هو القاتل عدوانا، وأما من قتل بالشرع فلا يمنعه من الميراث.
قوله: (ولم يضمن متأول أتلف نفسا أو مالا) أي ومن خرج عن الإمام في حال كونه متأولا، لم يضمن ما أتلف في حال خروجه عنه من نفس ومال.
الإتلاف شرط، وأما إن كان المال قائما، فإنه يرده.
قوله: (ومضى حكم قاضيه، وحد أقامه) أي وإن أقام المتأول قاضيا بالحق، فإن حكمه ذلك ماض فلا ينقض، وكذلك لا يعاد حد أقامه المتأول وقاضيه.
قوله: (ورد ذمي معه لذمته) أي وإن كان مع المتأول ذميا فظفر منه، فإنه يرد إلى ذمته ولا يسترق.
قوله: (وضمن المعاند النفس والمال، والذمي معه ناقض والمرأة المقاتلة كالرجل) أي ويضمن الخارج عن الإمام بلا تأويل بل عنادا ما أتلف من نفس، فيقتص منه، وما لا قائما أو فائتا، وإن كان معه ذمي، فذلك نقض لذمته، فإن ظفر منه يسترق كالحربي، والمرأة المقاتلة في كل ما تقدم كالرجل وما يجعل له يجعل لها.
[ ٣ / ٤٥٨ ]