قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل النكاح وما يتعلق به وافتتحه بخواص النبي.
قال في إكمال الإكمال: قال الشافعي: خص الله ﷾ رسوله بأن فرض عليه أشياء خففها على غيره زيادة في تقديسه، وأباح له أشياء حرمها على غيره زيادة في تكريمه وترفيعه. انتهى (^١).
وقد ذكر المؤلف زيادة على الثمانية والعشرين خصلة التي ذكرها ابن العربي وترك منها خصالا منها: أنه يحرم عليه أن يكتب شيئا، وأنه وجب عليه أن يدفع الأشر بالأحسن، وأنه إذا رأى شيئا يعجبه أن يقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة، فكان يقولها عند الشدة والرخاء، وهكذا يقول: كل من عرف الآخرة وحقر الدنيا وذمها، وكلف رسول الله لمشاهدة الحق مع معاشرة الخلق، فكان يخرج أوقاتا إلى جبل حراء، وأوجب الله عليه أن يستغفر الله كل يوم سبعين مرة. انتهى من التاج والإكليل (^٢).
وقال بن غازي في شفاء الغليل في حل مشكل خليل منها: أن نومه لا ينقض الوضوء، وأنه يحكم وهو غضبان، ودليله في صحيح البخاري أنه حكم للزبير على الأنصاري الذي أحفظه أي أغضبه، إذ قال له: أن كان ابن عمتك إلى غير ذلك.
انتهى (^٣).
وهذه الخواص ثلاثة: واجب وحرمة وإباحة، وجلها ظاهر من القرآن والسنة.
قال ابن العربي: وفيها متفق عليه، وفيها مختلف فيه، وذكر خصائصه مستحب.
قوله: (خص النبي بوجوب الضحى، والأضحى، والتهجد والوتر بحضر) أي بوجوب صلات الضحى ولكن هذا شاذ.
وخص أيضا بوجوب الأضحية عليه، وخص أيضا بوجوب التهجد عليه، وهو
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٥، ص: ١٥٧.
(٢) التاج والإكليل: ج ٥، ص: ١٦ - ١٨.
(٣) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٤٣٠.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
قيام الليل، وبوجوب صلاة الوتر عليه في حضر لا في سفر، (و) بوجوب (السواك) عليه.
(و) خص أيضا بوجوب (تخيير نسائه فيه) وفي السراح لهن.
قوله: (وطلاق مرغوبته) هذا مما يجب علينا لحقه علينا أي ووجب على زوج طلاق مرغوبته لحقه علينا، (و) يجب علينا أيضا لحقه علينا ال إجابة المصلي إذا دعاه في صلاة، والأصل فيه ما في الموطأ وصحيح مسلم أنه ﷺ لما دعى أبيا وهو في الصلاة فلم يجبه، قال له: ألم يقل الله تعالى: ﴿يتأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما تحييكم﴾ [الأنفال: ٢٤] الآية.
والخلاف هل تبطل الصلاة بالإجابة له فيها فيه قولان ابن العربي: لا تبطل.
قوله: (والمشاورة) أي ومما يجب عليه ﷺ مشاورة الأمة في غير الشرائع.
قوله: (وقضاء دين الميت المعس) أي ويجب لنا عليه قضاء دين الميت المعسر من أمته، (و) مما يجب عليه ﷺ (إثبات عمله) أي مداومته، (و) كذلك يجب عليه (مصابرة العدو الكثير.
قال ابن العربي: كلف رسول الله ﷺ من الجهاد ما كلف الناس أجمعون لقوله تعالى: ﴿جهد الكفار والمنافقين﴾ [التحريم: ٩] (^١).
قوله: (وتغيير المنكر) أي ومما يجب عليه ﷺ تغيير المنكر إذ سكوته وإقراره دليل على الجواز.
قوله: (وحرمة الصدقتين عليه وعلى آله، وأكله كثوم، أو متكنا) أي وخص ﷺ بأمور أخر منها حرمة الصدقتين الواجب والتطوع عليه وعلى آله.
وآله: بنوا هاشم وبنو المطلب، والمطلب أخو هاشم، والإمام الشافعي ﷺ من ذريته.
وخص ﷺ أيضا بحرمة أكل الثوم وما يشبهه مما له رائحة كريهة، لمناجاة الملائكة ﵈، وخص ﷺ بحرمة الأكل في حال كونه متكئا.
قوله: (وإمساك كارهته) أي ومما خص به ﷺ إمساك امرأة كرهته.
قال المواق: أنظر هذا مع قوله: وتخيير نسائه فيه (^٢).
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق.
(٢) التاج والإكليل للمواق: ج ٥، ص: ٥.
[ ٢ / ٢٠١ ]
صلى الله (و) خص أيضا بحرمة (تبدل أزواجه) عليه، وقيل: نسخ هذا لتكون المنة له ﷺ.
(و) خص أيضا بحرمة (نكاح الكتابية)، وقيل لئلا تكون الكافرة من أمهات المؤمنين، (و) كذلك يحرم عليه نكاح (الأمة)، وأما التسري فلا يحرم عليه.
قوله: (ومدخولته لغيره) أي ومما يحرم علينا لحقه علينا نكاح امرأة دخل بها لأنها من أمهات المؤمنين.
قوله: (ونزع لأمته) أي ومما يحرم عليه الله نزع لامته أي درعه إذا لبسه للقتال (حتى يقاتل).
قوله: (والمن ليستكثر) أي ومما يحرم عليه ﵇ أن يعطي شيئا ليستكثر به أي ليأخذ أكثر لأنه سؤال.
قوله: (وخائنة الأعين) أي ومن ما يحرم عليه علم خائنة الأعين وهو أن يظهر خلاف ما يضمر، ولا يحرم ذلك على غيره إلا في المحظور.
قوله: (والحكم بينه وبين محاربه، ورفع الصوت عليه).
قال اللقاني: الظاهر أنه يحرم علينا الحكم بيننا وبين محاربه ومما يحرم علينا رفع أصواتنا فوق صوته الله قال تعالى: ﴿يتأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢] الآية، وقال مالك: حقه الله حيا وميتا سواء، وقال ابن مهدي (^١): ما أدركت أحدا لا يخاف هذا الحديث إلا مالكا وحماد بن زيد (^٢) فإنهما كانا يجعلانه من أعمال البر.
قوله: (وندائه من وراء الحجرات) أي ويحرم علينا نداوه من وراء الحجرات لحقه علينا توقيرا وتعزيزا له، (و) كذلك يحرم علينا نداؤه (باسمه) توقيرا له، كما
_________________
(١) أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان البصري الثقة الأمين العالم بالحديث وأسماء الرجال. سمع السفيانين والحمادين وشريكا ولزم مالكا وأخذ عنه. روى عنه ابن وهب وابن حنبل وابن المديني وأبو ثور وان الشافعي يرجع إليه في الحديث. خرج عنه البخاري ومسلم كان مولده سنة: ١٣٥ هـ ومات سنة ١٩٨ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٨٧، الترجمة: ٦٦.
(٢) حماد بن زيد بن درهم الازدي الجهضمي مولاهم البصري، أبو إسماعيل: شيخ العراق في عصره. من حفاظ الحديث المجودين. يعرف بالازرق. أصله من سبي سجستان، ومولده في البصرة سنة: ٩٨ هـ ووفاته في البصرة سنة: ١٧٩ هـ. وكان ضريرا طرأ عليه العمى، يحفظ أربعة آلاف حديث خرج حديثه الائمة الستة الأعلام للزركلي: ج ٢، ص: ٢٧١.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
عظمه الله تعالى وقال: ﴿ياأيها الرسول﴾ [سورة المائدة: آية ٦٧]، ﴿ياأيها النبي﴾ [سورة التحريم: آية ٩].
قوله: (وإباحة الوصال) أي ومما خص به ﷺ إباحة وصال الصوم وقال ﷺ: «إني لست كأحدكم أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» (^١).
قوله: (ودخول مكة بلا إحرام وبقتال) أي ومما خص به ﷺ دخول مكة شرفها الله بلا إحرام، وخص بجواز القتال في مكة.
قوله: (وصفي المغنم) أي ومن خواصه ﷺ اختياره من صفى المغنم ما شاء، (و) من (الخمس) ما شاء، ولكن هو شاذ والمشهور من خمس الخمس.
ابن غازي: قال الشعبي: الصفي علق بتخييره النبي ﷺ من المغنم، ومنه كانت صفية بنت حيي (^٢) (^٣).
العلق بكسر العين النفيس من كل شيء.
قوله: (ويزوج من نفسه ومن شاء) ومن خواصه ﷺ أن يتزوج من شاء من الحرائر بلا إذن ولي وبلا إذنها، ويزوج من شاء لمن شاء، ويجوز ذلك منه بلفظ الهبة.
قوله: (وبلفظ الهبة وزائد على أربع حرائر) أي وخص النبي ﷺ بجواز تزويج زيادة على أربع نسوة، وكان له ﷺ تسع نسوة ونعني بالتسع ما اجتمعن في زمن واحد، وإلا فقد كان له غير التسع.
والتسع هن: عائشة، وأم سلمة (^٤)، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة، وحفصة بنت
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه: (٦) - كتاب الصوم (٦٢) - (باب ما جاء في كراهية الوصال للصائم) الحديث: ٧٧٨. وأبو داود في سننه: (١٤) - كتاب الصوم (٢٩) - باب في الرخصة في ذلك. الحديث: ٢٣٧٦.
(٢) صفية بنت حيي بن أخطب بن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن أبي حبيب من بني النضير وهو من سبط لاوي بن يعقوب ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى ﵉ كانت تحت سلام بن مشكم ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق فقتل كنانة يوم خيبر فصارت صفية مع السبي فأخذها دحية ثم استعداها النبي ﷺ فأعتقها وتزوجها توفيت صفية سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية. الإصابة: ج ٧، ص: ٧٣٨، الترجمة: ١١٤٠١.
(٣) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٤٢٨.
(٤) أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية أم المؤمنين اسمها هند وقال أبو عمر يقال اسمها رملة وليس بشيء واسم أبيها حذيفة وقيل سهيل ويلقب =
[ ٢ / ٢٠٣ ]
عمر (^١)، وسودة بنت زمعة، وجويرية بنت الحارث (^٢)، وصفية بنت حيي، وميمونة (^٣).
_________________
(١) = زاد الركب لأنه كان أحد الأجواد فكان إذا سافر لا يترك أحدا يرافقه ومعه زاد بل يكفي رفقته من الزاد وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك الكنانية من بني فراس وكانت زوج بن عمها أبي سلمة بن عبد الأسد بن المغيرة فمات عنها كما تقدم في ترجمته فتزوجها النبي ﷺ في جمادى الآخرة سنة أربع وقيل سنة ثلاث وكانت ممن أسلم قديما هي وزوجها وهاجرا إلى الحبشة فولدت له سلمة ثم قدما مكة وهاجرا إلى المدينة فولدت له عمر ودرة وزينب. الإصابة: ج ٨، ص: ٢٢١، الترجمة: ١٢٠٦١.
(٢) حفصة بنت عمر بن الخطاب أمير المؤمنين هي أم المؤمنين تقدم نسبها في ذكر أبيها وأمها زينب بنت مظعون وكانت قبل أن يتزوجها النبي ﷺ عند خنيس بن حذافة وكان ممن شهد بدرا ومات بالمدينة فانقضت عدتها فعرضها عمر على أبي بكر فسكت فعرضها على عثمان حين ماتت رقية بنت النبي ﷺ فقال ما أريد أن أتزوج اليوم فذكر ذلك عمر الرسول الله ﷺ فقال يتزوج حفصة من هو خير من عثمان ويتزوج عثمان من هو خير من حفصة فلقي أبو بكر عمر فقال لا تجد علي فإن رسول الله ﷺ ذكر حفصة فلم أكن أفشي سر رسول الله ﷺ ولو تركها لتزوجتها وتزوج رسول الله ﷺ حفصة روت عن النبي ﷺ وعن عمر روى عنها أخوها عبد الله وابنه حمزة وزوجته صفية بنت أبي عبيد ومن الصحابة فمن بعدهم حارثة بن وهب والمطلب بن أبي وداعة وأم بشر وعبد الرحمن بن الحارث بن هاشم وعبد الله بن صفوان أبن أمية وآخرون قال أبو عمر طلقها رسول الله ﷺ تطليقة ثم ارتجعها وذلك أن جبريل قال له أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة. الإصابة: ج ٧، ص: ٥٨١، الترجمة: ١١٠٤٧.
(٣) جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جذيمة وهو المصطلق بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو الخزاعية المصطلقية لما غزا النبي ﷺ بني المصطلق غزوة المريسيع في سنة خمس أو ست وسباهم وقعت جويرية وكانت تحت مسافع بن صفوان المصطلقي في سهم ثابت بن قيس قال بن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عمه عروة بن الزبير عن خالته عائشة قالت لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها فلما دخلت على رسول الله ﷺ قالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني من البلايا ما لم يخف عليك وقد كاتبت على نفسي فأعني على كتابتي فقال أو خير من ذلك أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك فقالت نعم ففعل ذلك فبلغ الناس أنه قد تزوجها فقالوا أصهار رسول الله ﷺ فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق قيل ماتت سنة خمسين من الهجرة وقيل بقيت الى ربيع الأول سنة ست وخمسين قاله الواقدي قال وصلى عليها مروان وقيل عاشت خمسا وستين سنة. الإصابة: ج ٧، ص: ٥٦٥، الترجمة: ١١٠٠٢.
(٤) ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية أخت أم الفضل لبابة تقدم نسبها مع أختها في حرف اللام وميمونة في أم المؤمنين كان اسمها برة فسماها النبي ﷺ ميمونة وكانت قبل النبي ﷺ عند أبي رهم بن عبد العزي بن عبد ود بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري وقيل عند سخبرة بن أبي رهم المذكور وقيل عند حويطب بن عبد العزي وقيل عند فروة أخيه وتزوجها =
[ ٢ / ٢٠٤ ]
قال في إكمال الإكمال: أبيحت له ﷺ الزيادة على أربعة نسوة، ليزداد في نفوس العرب إجلالا وفخامة، فإنها كانت تتفاخر بالقدرة على النكاح. وأيضا فإنه كان ﷺ من كمال القوة واعتدال المزاج بالمنزلة التي شهدت بكمالها الآثار، ومن كانت صفاته كذلك كانت دواعي هذا الباب أغلب عليه. وأيضا إنما منع غيره من الزيادة على أربع خوفا من عدم العدل، كما أشارت إليه الآية ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ [النساء: ٣] وهذه العلة مرتفعة في حقه ﷺ. ويشهد لأن هذه علة المنع في غيره لأن الله سبحانه أباح لغيره من الإماء ما يقدر عليه، لقوله تعالى: ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣٦] لما لم يكن للإماء حق في الوطء فيخاف عدم العدل فيه. وأيضا لا يجوز عليه الاستمتاع بما لا يحل له، ولا التطلع إلى ما في أيدي الرجال، وكانت الحال حينئذ لم تتسع لكسب الإماء وسع عليه في الحرائر، واختار له أفضل النوعين. انتهى (^١).
قوله: (وبلا مهر وولي وشهود. وبإحرام وبلا قسم) أي ومما خص به ﷺ التزوج بلا دفع مهر وبلا ولي وبلا شهود وفي حال الإحرام لعصمته مما يتقى من ذلك، وكذلك خص ﷺ بأن لم يجب عليه القسم بين الزوجات بل له أن يقيم عند من شاء منهن، إنما قسم بينهن تطيبا لأنفسهن وتشريعا للأمة، ولم يكن القسم واجبا عليه لقوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء﴾ [أحزاب: ٥١].
فائد والقصد بإكثاره ﷺ من الزوجات نشر الأحكام وحفظها، لتخبر كل واحدة بما شاهدته من فعله، ومباشرته ﷺ ليست حرصا على نيل الشهوات بل للتشريع.
قوله: (ويحكم لنفسه وولده ويحمي له ولا يورث) أي ومما خصه به ﷺ الحكم لنفسه أو ولده للأمن من ما يخشى من حكم الشخص لنفسه، وربما يترك بعض حقه، وكذلك خص ﵊ بأن يحمي لنفسه من أرض الموات، أو أرض العنوة ما شاء، وخص ﷺ أنه لا يورث، فقيل لأنه حي في قبره ولئلا يتوهم أنه يجمع الدنيا.
_________________
(١) رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة سبع. الإصابة: ج ٨، ص: ١٢٦ الترجمة: ١١٧٧٩.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص ١٥٧ - ١٥٨.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
فصل [في أحكام النكاح وما يتبعه]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه أحكام النكاح، ليس مما تقدم فناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب، وباب النكاح باب مهم، فيعتني به لكثرة مسائله.
النكاح لغة: الضم.
قال الزجاج: ويطلق في كلام العرب على العقد والوطء.
قال: وترتيب ن ك ح على هذا الترتيب لزوم شيء لشيء راكبا عليه.
قال الفراء: النكاح بضم النون البضع والبضع الفرج، فمعنى نكحها أصاب نحكها أي فرجها (^١).
قوله: (ندب لمحتاج ذي أهبة) أي ندب لمحتاج إلى النكاح وهو ذو أهبة أي عدة من المال.
قال المواق: قال ابن رشد القول بندب النكاح مطلقا لا يصح.
المازري: إلا من وقوعه في محرم إن اشتهى النكاح ولم يقطعه عن فعل الخير ندب له، وإن لم يشته وقطعه عن فعل الخير كره له.
ابن رشد: إن خاف العنت وجب عليه، وإن لم يخف العنت وهو يضر بالمرأة لعجزه عن الوطء أو عن النفقة، أو الأمن حرام فإن النكاح يحرم عليه.
اللخمي: من لا أرب له في النساء، ولا يرجى من نسله، فهو له مباح كالعقيم والشيخ الفاني والخصي (^٢) والمجبوب.
والمرأة مثل الرجل في أقسام النكاح في حقها، إلا بالتسري لامتناعه عليها.
ابن عرفة: ويوجبه عليها عجزها عن قوتها أو سترها إلا به (^٣).
قوله: (نكاح بكر) وفي بعض النسخ ندب نكاح وبكر تصريحا بأنهما مندوبان وهو المقصود، لأن الأبكار أحسن أخلاقا، وأطيب أفواها، وأنقى أرحاما أي أقبل للولد.
وقال في إكمال الإكمال وأستحب نكاح شابة لأنها المصلحة لمقاصد النكاح
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٣.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ٤، ص: ١٧٧٧.
(٣) التاج والإكليل للمواق: ج ٥، ص: ١٨ - ٢١.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
أحسن استمتاعا، وأطيب نكهة، وأرغب في الاستمتاع، وأحسن عشرة، وأفكه محادثة، وأجمل منظرا، وألين لمسا، وأقرب تعليما لما يرضي من الأخلاق.
قلت: وأخبرت عن بعض شيوخنا أنه قال: كنت أظن أني عجزت عن النساء فلما تزوجت الصغيرة وجدت في نفسي من النشاط ما كنت أعهده في الصغر النووي: تذكر بها ما مضى من قوة شبابك فإن ذلك ينفش البدن. انتهى (^١).
قال عياض: ويتأكد الندب في حقه إذا كان ممن يرجو النسل، لقوله ﷺ: «تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (^٢) (^٣).
وفي إكمال الإكمال: قال القرطبي: وما دلت عليه الأحاديث من راجحية النكاح هو أحد القولين، وهذا حين كان في النساء المعونة على الدين والدنيا، وقلة الكلف والشفقة على الأولاد.
وأما في هذه الأزمنة فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن النسوان، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد حلت العزبة والعزلة بل ويتعين الفرار منهن (^٤).
قال البرزلي: فائدة النكاح غض البصر، وتحصين الفرج، والإطلاع على لذة من لذات الجنة، وكثرة النسل.
وقال الوراق: كل شهوة تقسي القلب إلا الجماع، فإنه يصفي القلب، ولهذا كان الأنبياء يفعلونه. انتهى (^٥).
وقال صاحب إكمال الإكمال: والحكمة في خلق ذلك العضو وتركيب الشهوة فيه إبقاء للنسل، وعمارة الأرض لبث العباد فيها، لينظر كيف يعملون ويعرفونه. قاله عياض. أنتهى.
وفي الذخيرة: تمهيد: أباح الله تعالى الزواج في التوراة غير محصور حفظا لمصالح الرجال دون النساء وحرم في الإنجيل الزيادة على الواحدة حفظا لمصالح
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٤.
(٢) أخرج البيهقي بهذا اللفظ في السنن الصغرى: باب الترغيب في النكاح الحديث: ٢٣٣٧. وأخرجه الحاكم في المستدرك: الحديث: ٢٦٨٥. دون قوله: يوم القيامة. وكذلك في السنن الكبرى للبيهقي: الحديث: ١٣٨٥٧.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٧.
(٤) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ١٢.
(٥) نوازل البرزلي: ج ٢، ص: ١٧٦.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
النساء دون الرجال وجمع في هذه الشريعة المعظمة بين مصالح الفريقين (^١).
قوله: (ونظر وجهها وكفيها فقط بعلم) أي وندب لمن أراد أن يتزوج امرأة بكرا كانت أو ثيبا أن ينظر إلى وجهها وكفيها فقط لا غير ذلك، لأن ذلك أدوم للنكاح، وهذا هو المشهور، وقيل: له أن ينظر إلى جميع البدن سوى السوءتان، إنما ينظر إلى وجهها على المشهور في حال علمها بالنظر إليها لا حين غفلة منها.
قوله: (وحل لهما حتى نظر الفرج كالملك، وتمتع بغير دبر) أي وحل للزوجين أو الرجل مع أمته النظر إلى جميع البدن حتى النظر في الفرج ويجوز لهما التمتع بجميع البدن غير الدبر لأنه من عمل قوم لوط.
قوله: (وخطبة بخطبة وعقد، وتقليلها) أي وندب قراءة خطبة عند خطبة المرأة للنكاح وعند عقد النكاح، وندب تقليل تلك الخطبة. خطب عروة بن الزبير (^٢) عند عقد النكاح: الله حق ومحمد رسول الله خطب فلان فلانة وقد زوجتها إياه على بركة الله تعالى وشرطه إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
وقوله: (وإعلاته) أي وندب إعلان النكاح عند العقد بمباح كالدف والغربال.
قوله: (وتهنئته) أي وندب تهنئة الزوج، (والدعاء له) بالرفاء والبنين. والتهنئة إنما تكون في الخير، والتعزية في الضر.
قوله: (وإشهاد عدلين غير الولي بعقده، وفسخ إن دخلا بلاه) أي وندب إشهاد رجلين عدلين غير الولي عند عقد النكاح، وغير العدول كالعدم، وأما الإشهاد عند الدخول فواجب، وإن وقع ونزل ودخل بلا إشهاد فإن النكاح يفسخ بطلقة بائنة لأن العقد صحيح.
عياض اتفقوا على أنها شرط في الدخول.
قلت فإن دخل قبلها فسخ بطلقة بائنة، وكل عقد نكاح صحيح، لا ينحل بغير الطلاق.
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٤، ص: ٣١٥.
(٢) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي أبو عبد الله: أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. ولد سنة: ٢٢ هـ ومات سنة: ٩٣ هـ كان عالما بالدين، صالحا كريما، لم يدخل في شيء من الفتن. وانتقل إلى البصرة، ثم إلى مصر فتزوج وأقام بها سبع سنين. وعاد إلى المدينة فتوفي فيها. وهو أخو عبد الله بن البير. الأعلام للزرلي: ج ٤، ص: ٢٢٦.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وأما إنها بائنة فلأنه طلاق أوقعه الحاكم، وكل طلاق يوقعه الحاكم بائن إلا طلاق المولي والمعسر بالنفقة.
وأيضا لو كان غير بائن لكن من الرجعة في نكاح لم يثبت، وهل يقع فيه حد؟.
إبن عبد السلام والاتفاق على وجوب الحد عند انتفاء الفشو والجهالة، وعلى سقوطه عند وجودهما.
واختلف إذا وجد أحدهما أي أحد الوصفين؛ قال: والأقرب أن الحد واجب إلا عند الفشو، أويقام شاهد واحد فيكون ذلك شبهة. انتهى من إكمال الاكمال (^١).
وإنما شرع الإشهاد لرفع الخلاف المتوقع بين الزوجين، وإثبات حقوقهما، ولنفي المظنة والتهمة، ﴿ولا حد﴾ عليهما ﴿إن فشا﴾ النكاح قبل الدخول، ﴿ولو علم﴾ الحكم بالإشهاد.
ظاهره وإن لم يفش فإنهما يحدان وإن كانا جاهلين بالحكم وهو كذلك.
قوله: ﴿وحرم خطبة راكنة لغير فاسق ولو لم يقدر صداق. وفسخ إن لم يبن﴾ إي وحرم خطبة أمرأة راكنة لرجل غير فاسق، ولو قبل تقدير الصداق، فإن وقع ونزل وخطبها وتزوجها، فسخ النكاح إن لم يبن بها وإن بنا بها مضى النكاح وبئس ما صنع، وقيل: يفسخ مطلقا، وأما خطبة مراكنة لفاسق فلا يحرم لغير فاسق.
والركون ظهور الرضى، وقيل: الركون تسمية الصداق.
ووجه قول ابن القاسم في جواز خطبة الصالح على خطبة الفاسق، أن الصالح يعلمها وينهاها، فكأنه أولى من الفاسق، ووجه قول من قال: لا يجوز ظاهر الحديث.
قال في إكمال الإكمال واختلف في حد الركون هل هو الرضى بالزوج، أو تسمية الصداق.
قلت: قال ابن العربي وكذلك إن كان الخاطب الأول غير مشاكل للمخطوبة فإن للمشاكل أن يخطب على خطبة غير المشاكل.
قال: ولا ينبغي أن يختلف في هذا. انتهى (^٢).
والمراد بالفسق هنا ما يمنع العدالة، ويبنى الخاطب الثاني على علمه بفسق
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٨٤/ ٨٥.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٣٣.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
الأول، أعني في صحة القدوم على الخطبة، ولو خطب غير عالم بفسق الأول ثم بان فسقه، أثم في قدومه على الخطبة، ولا يفسخ النكاح لأنه غرر، وسلم ابن رشد لو اتحد الخاطب فخطب لغيره أولا، ثم لنفسه ثانيا جاز، وفعله عمر، طلبه جرير أن يخطب له امرأة من دوس، ثم طلبه مروان بن الحكم أن يخطبها له، ثم ابنه عبد الله، فدخل عليها عمر فأخبرها بهم الأول فالأول ثم خطبها لنفسه. فقالت: أهازل أم جاد فنكحته وولدت له ولدين، وفي سماع ابن أبي أويس (^١): كره مالك لمن بعث خاطبا أن يخطب لنفسه ورآها خيانة، وكان الشيخ يتأول هذه الرواية ويحملها على أن المبعوث خص نفسه بالخطبة لفعل عمر ا. انتهى.
مسألة: ابن ناجي قال: وقعت عندنا مسألة بالقيروان في رجل ثبت عليه أنه خلف زوجة على زوجها فطلقها وخرجت من العدة فأراد الرجل تزويجها، فأفتيت بزواج ذلك، وكتب فيه بتونس لشيخنا أبي يوسف الرعيني فأفتى بأنها لا تزوج منه وإن تزوجها فإنه لا يفسخ، وأشار في جوابه إلى أن شيخنا أبا مهدي عيسى الغبريني سبقت فتواه بذلك ومنعها القاضي من التزويج فتزوجها في غير بلدنا ورجع بها إلينا فلم يتعرض له. أنتهى.
قوله: (وصريح خطبة معتدة) أي وحرم تصريح بخطبة معتدة من وفات أو من طلاق بائن، لأن الخطبة تؤدي إلى العقد والعقد يؤدي إلى الوطء، والوطء يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وذلك يؤدي إلى تضييع الولد.
الصريح في كل باب ما يعبر به وضعا، والمكنى ما يحتمله مع غيره، وأما الرجعية فكا المتزوجة.
قوله: (ومواعدتها) أي وحرم مواعدة المعتدة بالنكاح، وهذا قول بن حبيب واللخمي، ورواية المدونة الكراهة وبها أخذ ابن رشد.
وفي إكمال الإكمال: وأجمعوا على أن المواعدة في العدة حرام.
واختلف قول مالك إذا واعد في العدة وعقد بعدها، هل يفسخ أولا؟ وعلى
_________________
(١) إسماعيل ابن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله ابن أبي أويس المدني صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه من العاشرة مات سنة ست وعشرين خ م د ت ق. تقريب التهذيب للإمام الحافظ شهاب الدن احمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي: ٤٧، الترجمة: ٤٦٠
[ ٢ / ٢١٠ ]
القول بالفسخ، إذا وطء في هذا العقد؟ فالمشهور أنه لا يتأبد فيه التحريم.
والوعد من أحدهما مكروه، ولم يختلف في أنه لا يفسخ. انتهى (^١).
وقوله: (كوليها) أي كما يحرم مواعدة وليها ظاهره كان مجبرا أم لا كما نقل الباجي عن ابن حبيب، وهو ظاهر المدونة عند أبي الحسن الصغير وابن عرفة، وإن كان أبو حفص العطار حملها على المجبر وبه قطع ابن رشد.
وقال: إن واعد وليها بغير علمها، وهي مالكة أمرها فهو وعد لا مواعدة فلا يفسخ به النكاح، ولا يقع به تحريم إجماعا.
قوله: (كمستبرأة من زنى) تشبيه لإفادة الحكم، كالمعتدة في ما تقدم.
قال مالك ومطرف سبيلها سبيل من تزوج في العدة، وذهب ابن الماجشون إلى أنها تحرم بالوطء. انتهى من الجواهر (^٢).
قوله: (وتأبد تحريمها بوطء) أي ويتأبد تحريم المعتدة والمستبرءة من زنا بوطء نكاح ولو كان وقوع ذلك الوطء بعد انقضاء العدة والاستبراء وهو خلاف مفهوم الرسالة حيث قال: ويطأها فيها، وخلاف رواية أشهب عن مالك أنها لا تحرم إن وقع الوطء بعد عدة.
فمشهور قول مالك: أن التحريم يتأبد وطء في العدة أو بعدها خلافا للشافعي وأبي حنيفية لا يتأبد ويتزوجها إن شاء. وقاله بن نافع من أصحابنا.
وقال المغيرة: إن وطئ في العدة تأبد تحريمها، وإن وطئ بعدها لم يتأبد.
وأشار إليه مالك مرة.
واختلف أئمتنا في القبلة والمباشرة في العدة هل هما بمنزلة الوطئ فيها؟
واختلف قول مالك إذا تزوج في العدة ووطئ فيها عالمين بالتحريم.
هل يعاقبان ويلحق به الولد ويتأبد التحريم؟ أو هما زانيان فيحدان ولا يلحق به الولد ولا تحرم عليه للأبد.
عياض: وأجمعوا على أنه لا يجوز النكاح في العدة وأنه يفسخ إن وقع.
ابن رشد: وإذا فسخ بعد البناء فتكفيها عدة واحدة من الزوجين جميعا.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٢٩.
(٢) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٤٣٥.
[ ٢ / ٢١١ ]
وقال عمر: تعتد من الأول ثم تعتد من الثاني. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
وفي المفيدة: وقال في الرجل يتزوج الحرة فيصيبها ثم تلد من زنى في ثلاثة أشهر أنه يفرق بينهما ولا يتراجعان أبدا بمنزلة النكاح في العدة.
قال ابن رشد: وكذلك لو تزوجها في استبرائها من زنى ودخل بها على هذه الرواية، وهو قول مطرف ورواية عن مالك، ويرجع بالصداق مثل العيوب التي ترد منها وذهب ابن الماجشون إلى أنها لا تحرم عليه بالتزويج في الاستبراء من الزنى ولا من الاغتصاب، وكذلك الحمل منهما على قوله، وهو أحد قولي ابن القاسم في رواية أصبغ عنه، واستحب أصبغ ألا يتزوجها أبدا، فإن تزوجها ودخل بها وهي حامل من زنى أو في استبراء منه، فإن فعل لم يمنع من ذلك بقضاء. انتهى (^٢).
قوله: وتأبد تحريمها ظاهره وإن كانت رجعية خلافا لمذهب ابن القاسم أن الرجعية كالمتزوجة.
قوله: ﴿وإن بشبهة ولو بعدها﴾ أي وإن كان ذلك الوطئ بسبب شبهة كالأنكحة الفاسدة التي تفسخ.
وقال الشيخ في توضيحه: يحتمل أن يريد الاستبراء من الأنكحة الفاسدة التي تفسخ ويحتمل أن يريد استبراء أم الولد بموت سيدها.
قوله: ﴿وبمقدماته فيها﴾ أي ويتأبد التحريم بمقدمات الجماع في التزويج في العدة، وتحرم بذلك على آبائه وأبنائه، وهو خلاف مفهوم الرسالة إذ قال: ويطأها فيها.
قوله: ﴿أو بملك﴾ أي وكذلك يتأبد التحريم بوطء ملك في عدة نكاح، كما إذا طلقت الأمة أو مات عنها زوجها ووطئها سيدها أو مشتريها قبل انقضاء العدة.
وقوله (كعكسه) أي كما يتأبد التحريم بعكس ذلك وهو إذا وطئت الأمة في نكاح في استبرائها من وطئ سيدها أو غيره.
قوله: ﴿لا بعقد أو بزنا أو بملك عن منك﴾ أي لا يتأبد تحريم المعتدة أو المشتراة بمجرد العقد ولا بوطء ملك في استبراء عن ملك، فلا تحرم على الثاني لذلك.
ابن رشد: باتفاق ولكن لا يطأها حتى يستبرئها من مائه الفاسد.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٢٩.
(٢) هذا نص ما في البيان والتحصيل لابن رشد: ج ٤، ص: ٤٦٣.
[ ٢ / ٢١٢ ]
مسألة: وفي الجلاب: إن تزوجها في عدتها جاهلا ودخل بها فعليه ردها وهو بمنزلة العيوب.
قال الشارح: يريد في الرجوع بالصداق على الولي.
قال الأبهري: لأنه منعه من استدامة الوطء، والصداق مبذول للاستدامة ولو لم يعلم الولي بذلك رجع عليها لأنها غرته، ويترك لها ربع دينار. انتهى من الذخيرة (^١).
قوله: (أو مبتوتة قبل زوج) يريد أن من تزوج مبتوتة في عدتها منه ووطئها فيها فإنه لا يتأبد عليه تحريمها، لأن تحريمها عليه لأجل أنه يتزوجها قبل زوج لا لأجل العدة.
قوله: (كالمحرم) أي كما لا يتأبد تحريمها عليه، إذا تزوجها في حال إحرام بحج أو عمرة، بل له أن يتزوجها بعد الحل في الإحرام، وفي بعض النسخ كالمحرمة أي كوطئ العمة والخالة، وكل وطئ محرم.
قوله: (وجاز تعريض كفيك راغب) أي وجاز لمريد معتدة من وفاة أو طلاق ونحوهما تعريض بقول معروف مثل أن يقول لها: أنا فيك راغب أو معجب بك وإذا أنقضت عدتك فأخبريني، (و) يجوز له (الإهداء) إليها بالهدية المعتادة بين الناس، وأما إن كان يهدي إليها هدية كبيرة، أو كان يجري عليها النفقة، فذلك كالتصريح لها في العدة، ويجوز التعريض في الصرف، وفي بيع الطعام قبل قبضه، بخلاف القذف وسب الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام.
قوله: (وتفويض الولي العقد لفاضل) أي وجاز للولي توفيض عقد نكاح على وليته إلى رجل صالح رجاء بركته.
قوله: (وذكر المساوي) أي وجاز ذكر المساوي في الخاطب والمخطوبة على وجه النصيحة لقوله ﵊ لامرأة ذكرت له الخاطب فقال: «أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو الجهم (^٢) فلا يضع عصاه عن عاتقه" (^٣). فقال العلماء: تجوز الغيبة في ستة مواضع تظلم، واستعانة على تغيير منكر،
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٤، ص: ٤٢٥.
(٢) أبو الجهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي واسمه عامر، وقيل: عبيد، من مسلمة الفتح، كان عالما بالنسب ومن معمري قريش ومن مشيختهم، توفي آخر خلافة معاوية رضي الله تعالى عنهما: الإصابة: ٧/¬٣٤، ٣٥.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (١٨) - كتاب الطلاق (٦) - المطلقة ثلاثا، الحديث: ١٤٨٠
[ ٢ / ٢١٣ ]
والاستغناء، والتحديد، والتعريف، وتحرير رواة وشهود.
قوله: (وكره عدة من أحدهما) أي وكره عدة من الرجل والمرأة بالنكاح في عدة خيفة خلف الوعد لأن خلف الوعد من خصال المنافقين وهو مذموم في الشرع.
قوله: (وتزويج زانية) أي وكره تزويج امرأة زانية اشتهرت به.
قال البرزلي: قال مالك: لا أحب للرجل أن يتزوج المرأة الزانية المعلنة بالسوء ولا أراه حراما.
وفي الحديث دليل على نكاح الزانية لأنه قال لهلال حين رمى زوجته بشريك: «أربعة وإلا فحد في ظهرك» (^١)، ولم يقل: لا يحل له البقاء معها لأنه أقر على نفسه أنها زنت.
وسئل ابن رشد عن حديث قوله: إن امرأتي لا ترد يد لامس فقال: «طلقها»، فقال: يا رسول الله: إني أحبها، فقال له ﵊: «استمسك بها» (^٢)، ما الجمع بينه وبين حديث الأمة في قوله: بعد جلدها: «فبيعوها ولو بضفير» (^٣).
فأجاب بأنه حديث خرجه أبو داود من طريق ابن عباس، وفيه: إن امرأتي لا ترد يد لامس فقال: «غربها" أي أبعدها فقال: أخاف أن تتبعها نفسي. ورواه أيضا هاشم مولاه.
وقيل: هو السائل.
واختلف في معناه، فقيل: لا ترد يد سائل يلتمس العطاء فكانت تبذر ماله فلا إشكال على هذا التأويل.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي في شرح مشكل الآثار: ج ١٣، ص: ١٤٠ تحقيق: شعيب الأرنؤوط. الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى - ١٤١٥ هـ، ١٤٩٤ م وأخرجه أبو داود في سننه (١٣) - باب الطلاق. (٢٧) - باب في اللعان الحديث: ٢٢٥٦ ولفظه: البينة وإلا فحد في ظهرك. وبهذا اللفظ أخرجه الترمذي في سننه: الحديث: ٣١٧٩
(٢) أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار الحديث: ٤٣٦٧. والنسائي في السنن الكبرى (١٢) - تحرم تزويج الزانية الحديث: ٥٣٣٩. والشافعي في مسنده: الحديث: ١٣٨٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٩) - كتاب البيوع (٦٦) - باب بيع العبد الزاني الحديث: ٢٠٤٦. وأخرجه أبو داود في سننه (٣٩) - الحدود. (٣٣) - باب في الأمة تزني ولم تحصن. الحديث: ٤٤٧١.
[ ٢ / ٢١٤ ]
وقيل: عبارة عن كثرة فجورها وهو الأظهر، فعليه أن الأمر بطلاقها مطلوب وليس في إباحة الإمساك بما ذكر في الحديث ما يعارض حديث الأمة، ومعناه أنه يثقفها ويمنعها فيكون مأجورا في ذلك مع حفظ دينه.
وقيل: ما أباح له إلا المتعة بغير وطء مخافة اختلاط النسب وهو بعيد. انتهى (^١).
وحديث الأمة قوله ﵊: «إن زنت الأمة فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير من شعر» (^٢). انتهى.
وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي (^٣) أنه قال: الناكح مغرس فلينظر أين يضع غرسه، فإن عرق السوء لا بد ينزع ولو بعد حين.
قال البرزلي: وكره تزويج الزواني والفواجر والحمقاء كما أن الرضاع كذلك لأنه يغير الطباع وكذلك من أصلها غير طيب أو دنية الأمهات لما ورد: «إياكم وخضراء الدمن (^٤) وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء.
قوله: (أو مصرح لها بعدها. وندب فراقها) أي وكره تزويج أمرة مصرح لها في العدة بالنكاح بعدها فإن وقع ونزل وتزوج زانية أو مصرح لها في العدة ندب له فراقها.
قوله: (وعرض راكنة لغير عليه) أي وندب لمن تزوج امرأة مراكنة لغير فاسق أن
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٦، ص: ١٤٣ - ١٤٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٤) - كتاب العتق (١٧) - باب كراهية التطاول على الرقيق وقوله عبدي الحديث: ٢٤١٧.
(٣) عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد دهمان بن عبد الله بن همام الثقفي أبو عبد الله نزيل البصرة أسلم في وفد ثقيف فاستعمله النبي ﷺ على الطائف وأقره أبو بكر ثم عمر ثم استعمله عمر على عمان والبحرين سنة خمس عشرة ثم سكن البصرة حتى مات بها في خلافة معاوية قيل سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين وكان هو الذي منع ثقيفا عن الردة خطبهم فقال كنتم آخر الناس إسلاما فلا تكونوا أولهم ارتدادا وجاء عنه أنه شهد آمنة لما ولدت النبي ﷺ وهي قصة أخرجها البيهقي في الدلائل والطبراني من طريق محمد بن أبي سويد الثقفي عنه قال حدثتني أمي فعلى هذا يكون عاش نحوا من مائة وعشرين سنة روى عثمان عن النبي ﷺ أحاديث في صحيح مسلم وفي السنن روى عنه بن أخيه يزيد بن الحكم بن أبي العاص ومولاه أبو الحكم وسعيد بن المسيب وموسى بن طلحة ونافع بن جبير بن مطعم وأبو العلاء ومطرف ابنا عبد الله بن الشخير وآخرون. الإصابة: ج ٤، ص: ٤٥١، الترجمة: ٥٤٤٥.
(٤) أخرجه محمد بن سلامة بن جعفر أبو عبد الله القضاعي في مسند الشهاب، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ - ١٩٨٦، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي.
[ ٢ / ٢١٥ ]
يعرض لها على الراكن بها أولا وهذا على عدم الفسخ بأن دخل بها أو على القول بعدم الفسخ.
قال بن وهب فإن عرضها عليه وحلله رجوت في ذلك مخرجا وإن أبى فليفارقها فإن نكحها الأول وإلا فله أن يأتنف نكاحها ولا يقضى عليه بالفراق.
أنتهى.
قوله: (وركنه) أي وركن النكاح أربعة ولي وصداق ومحل وصيغة.
وقال ابن غازي الأركان خمسة لأن المحل يشمل الزوج والزوجة.
وركن الشيء جزؤه وبعضه، وأركانه أجزاؤه وأبعاضه (^١).
قوله: (ولي) الولي فعيل من ولي الشيء إذا جاوره ولزمه فإذا لازم أحد أحدا بنصره ووده واهتباله فهو وليه هذا عرفه في اللغة. انتهى من ابن عطية (^٢).
قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق وقاعدة الشرع أن الشيء إذا عظم قدره شدد فيه وكثرت شروطه وبالغ في أبعاده إلا بسبب قوي تعظيما لشأنه ورفعا لقدره) (^٣)، (لأن شأن كل عظيم القدر لا يحصل بالطرق المسهلة، لما شرف قدر النكاح بكونه سبب الإعفاف ومن أعظم مغايظ الشيطان ووسيلة لتكثير العباد وحسما لمراد الفساد واختلاط الانساب شدد الشرع فيه باشترط الولي والصداق والبينة) (^٤).
وقال: الفرق بين قاعدة الحجر على النسوان في الإبضاع وبين قاعدة الحجر عليهم في الأموال اعلم أن النساء على الإطلاق لا يجوز لإمرأة أن تزوج نفسها وتتصرف في بضعها كانت ثيبا أو بكرا رشيدة في مالها أم لا دنية أم شريفة عفيفة أم فاجرة وأما الأموال فيفرق فيها بين الرشيدة الثيب وغيرها فيجوز لها التصرف في مالها ولا يجوز للولي الاتعراض عليها وإن كان أبا لها، والفرق من وجوه أحدها: أن الإبضاع أشد خطرا وأعظم قدرا فناسب أن لا تفوض إلا لكامل العقل ينظر في
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٤٣٣.
(٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز المؤلف أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، ج ١، ص ٣٣٩، دار النشر: دار الكتب العلمية - لبنان - ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م، الطبعة: الأولى، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد
(٣) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي: ج ٥، ص: ٤٢٢.
(٤) الذخيرة للقرافي: ج ٥، ص: ٢٩٨.
[ ٢ / ٢١٦ ]
مصالحها والأموال خسيسة بالنسبة إليها فيجاز تفويضها لمالكها إذ الأصل أن لا يتصرف في المال إلا مالكه.
وثانيها: أن الإبضاع يعرض لها تنفيذ الأغراض في تحصيل الشهوات القوية التي يبذل لأجلها عظيم المال، ومثل هذا الهوى يغطي على عقل المرأة وجوه المصالح لضعفه، فتلقي نفسها لأجل هواها فيما يرديها في دنياها وأخراها، فحجر عليها على الإطلاق لاحتمال توقع مثل هذا الهوى المفسد ولا يحصل في المال مثل هذا الهوى والشهوة القاهرة التي ربما حصل الجنون وذهاب العقل بسبب فواتها.
وثالثها: أن المفسدة إذا حصلت في الإبضاع بسبب زواج غير الأكفاء، حصل الضرر وتعدى للأولياء بالعار والفضيحة الشنعاء، وإذا حصل الفساد في المال لا يكاد يتعدى المرأة وليس فيه من العار والفضيحة ما في الإبضاع والاستيلاء عليها من الأرذال الأحساء فهذه فروق عظيمة بين القاعدتين. انتهى (^١).
والولي من له على المرأة نظر بملك أو تعصيب أو إيصاء أو كفالة أو سلطنة أو ذو إسلام أو ولاء. انتهى (^٢).
وفي البرزولي: أجاب ابن رشد الذي يلزم صاحب المناكح إذا جاءه رجل يريد عقد نكاح امرأة أن يعرف أنها غير ذات زوج، وأن ليست في عدة وأن لا ولي لها، أو لها ولي غائب، وأن الزوج كفؤها، وأن المفروض صداق مثلها إن كانت بكرا بقيمة، فإن فوض إليه القاضي الذي قدمه أثبت ذلك عنده، وإلا فلا يزوجها حتى يثبت ذلك عند القاضي فيعلمه به.
قلت: لم يتكلم على الأجرة، وجوابها: إن كان جعل له عقد الأنكحة فلا يجوز له أخذ الأجرة لأنه أخذ على الحكم وهو رشوة، وإن لم يكن ذلك إليه فجائز له أخذ الأجرة ويكون على الزوجين أو أحدهما حسبما مر وترك ذلك أولى. انتهى. (^٣).
عياض: فإن تزوجت امرأة دون ولي، والزوجان يعتقدان جواز ذلك أو يجهلان الحكم لم يحدا (^٤).
_________________
(١) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي: ج ٥، ص: ٣٨٥.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٥٣.
(٣) نوازل البرزلي: ج ٢، ص: ١٨٣ - ١٨٤.
(٤) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٥٧ - ٥٨.
[ ٢ / ٢١٧ ]
قوله: (وصداق) هذا هو الركن الثاني أي ومن أركان النكاح الذي لا يصح إلا به الصداق، لقول ﵊: «لا نكاح إلا بولي وصداق (^١)»، والصداق بفتح الصاد وبكسره معا وهو من الصدق لأنه دل على أنهما قصدا نكاحا لا زنا.
قوله: (ومحل) أي هذا هو الركن الثالث للنكاح، وهو المحل الذي يقع عليه عقد النكاح وهو يشمل الزوج والزوجة الخلية من الموانع التي تقتضي تحريمها.
قوله: (وصيغة بأنكحت وزوجت، وبصداق وهبت، وهل كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة كبعت كذلك؟ تردد) هذا هو الركن الرابع، وهو الصيغة، وهي لفظ يدل على النكاح، وتكون تلك الصيغة من ولي المرأة بقوله: أنكحت وزوجت، وإن لم يذكر صداق، وتكون أيضا بقوله: بصداق وهبت أي مع صداق وهبت الباء في بصداق وهبت للمعية فينعقد به واختلف هل ينعقد النكاح بكل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة، وذلك كقول الولي: بعتكها أو ملكتها لك، حكاه عبد الوهاب في إشرافه، أو لا يكون العقد به بل بالصيغ الثلاثة المذكورة، وهو قول المغيرة، وابن دينار (^٢) في ذلك تردد في الفهم. انتهى.
وأما لفظ الإجارة والعارية فلا ينعقد به أصلا لاقتضاء التوقيت.
قوله: (وكقبلت. وبزوجني فيفعل. ولزم وإن لم يرض) الكاف للشمول أي وتكون الصيغة من الزوج أو نائبه بقوله جوابا لولي المرأة قبلت أو رضيت، أو كل لفظ يدل على القبول، وتكون الصيغة أيضا من الرجل لولي المرأة قبلت لقوله: زوجني وليتك فيفعل الولي ذلك ولزمه النكاح، وإن لم يرض لقوله ﵊: «ثلاث هزلهن جد وجدهن جد النكاح والطلاق والعتاق (^٣)»، وزاد بعضهم الرجعة بخلاف البيع، إنما أدخل الكاف على قبلت أو رضيت وكل لفظ يدل على القبول
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠٥) - باب لا نكاح إلا بشاهدين عدلين، الحديث: ١٤٠٩٠
(٢) أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن دينار الجهني الفقيه الإمام مفتي المدينة صحب مالكا وابن هرمز وغيرهما وعنه ابن وهب ومحمد بن مسلمة وغيرهما مات سنة: ٢١٧ هـ. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٨٥ - ٨٦، الترجمة: ٥٨.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه: (١١) - كتاب الطلاق واللعان. (٩) - باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق. الحديث: ١١٨٤. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ. وأخرجه أبو داود في سننه (٧) - كتاب الطلاق، (٩) - باب الطلاق على الهزل، الحديث: ٢١٩٤. وأخرجه ابن ماجة في سننه: (١٠، ٨) - كتاب الطلاق. (١٣، ١٣) - باب من طلق أو نكح أو راجع لاعبا، الحديث: ٢٠٣٩.
[ ٢ / ٢١٨ ]
ولكون الصيغة أيضا من الرجل لولي المرأة قبلت تنبيها على عدم اختصاص هذه اللفظة بذلك، بل كذلك رضيت واخترت.
قوله: (وجبر المالك أمة وعبدا بلا إضرار) لما كان الولي على ضربين مجبر وغير مجبر، شرع في بيانه، وولي المرأة من له عليها نظر بملك، أو تعصيب، أو إيصاء، أو كفالة، أو سلطنة، أو ذو إسلام، وبدأ بالمالك لأنه أقوى الأولياء، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا كان أو كبيرا. انتهى.
وللمالك جبر أمته على النكاح بكرا كانت أو ثيبا، وله جبر عبده رشيدا كان أو غيره، ما لم يقصد الإضرار بالنكاح، كما إذا أراد أن يزوج عبدا تاجرا وخشة أو يزوج أمة رفيعة بوخش.
قوله: (لا عكسه) أي لا عكس ذلك، فلا يجبر السيد على نكاح مملوكه وإن أضر عدمه به.
قوله: (ولا مالك بعض) أي ولا جبر لمالك بعض الأمة أو العبد على نكاحه (و) لكن له الولاية وله (الرد) إن زوج بغير إذنه وإن قل ملكه فيه.
قوله: (والمختار ولا أنثى بشائبة ومكاتب، بخلاف مدبر ومعتق لأجل إن لم يمرض السيد) أي والمختار من الخلاف عن اللخمي لا جبر لمالك بعض ولا مالك أنثى بشائبة عتق كمدبرة وأم ولد ومعتقة لأجل ولا مكاتبة بخلاف مدبر ذكر ومعتق لأجل، فإنه يجبرهما ما لم يمرض سيد المدبر مرضا مخوفا، (ويقرب الأجل) المعتق إليه.
قوله: (ثم أب) أي ثم الأحق بولاية المرأة إن لم تكن مملوكة أب.
وفي الذخيرة قاعدة إنما يقدم الشرع في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها، فللقضاء العارف بالفقه وأحوال الخصوم والبينات، وللحروب من هو أعرف بمكائدها وسياسة جيوشها، ولا يقدم هذا للقضاء ولا الأول للحروب، وكذلك سائر الولايات، ورب كامل في ولاية ناقص في أخرى كالنساء ناقصات في الحروب، كاملات في الحضانة لمزيد شفقتهن وصبرهن، فيقدمن على الرجال فكذلك هاهنا إذا اجتمع الأولياء يقدم من وصفه أقرب لحسن النظر في الولاية. انتهى (^١).
وحديث تزوجه ﷺ عائشة وهي بنت ست.
_________________
(١) الذخيرة للقرافي: ج ٤، ص: ٢٤٦.
[ ٢ / ٢١٩ ]
عياض: الحديث أصل في تزويج الأب ابنته وإن لم تطق المسيس ولم يختلف فيه وإنما اختلف هل لها الخيار إذا بلغت؟ فقال مالك والشافعي والحجازيون: لا خيار لها وأثبته العراقيون.
قولها: «وبنى بي وأنا بنت تسع» (^١) عياض والحديث أيضا أصل في جبر بنت تسع على الدخول إذا وقع التشاجر، وهو قول أحمد وأبي عبيد.
قال مالك والشافعي: حد ذلك أن تطيق الوطء.
قال الشافعي وتقارب البلوغ.
قال أبو حنيفة: حده أن تطيق الوطء وإن لم تبلغ التسع. انتهى من إكمال الإكمال (^٢).
قوله: (وجبر المجنونة) أب (والبكر ولو عائسا إلا لكخصي على الأصح) أي وللأب جبر ابنته المجنونة على النكاح وإن كانت ثيبا، وله جبر البكر ولو كانت عانسا، إلا أن يكون الخاطب خصيا، أو عنينا، فلا يجبرها عليه على القول الأصح، والعانس بنت أربعين سنة.
وفي إكمال الإكمال: العانس هي المباشرة لما تحتاج إليه غير المحجوبة حجاب البكر العارفة بالمصالح مع علو السن.
واختلف في حد علوه؛ فقال ابن وهب: ثلاثون سنة.
ابن القاسم: أربعون سنة.
وأما المجذوم والمبروص فلا جبر له عليها قولا واحدا للضرر. انتهى (^٣).
وفي للتوضيح: وقد كره عمر ﵁ أن يزوج وليته من الرجل القبيح (^٤).
قوله: (والثيب إن صغرت أو بعارض أو بحرام، وهل إن لم تكرر الزنا تأويلان) أي وكذلك للأب إجبار الثيب، إن كانت صغيرة حين عودها إليه وإن كانت بالغة الآن، وكذلك إن زالت بكارتها بسبب عارض يعرض لها، كعود أو يد أو وثبة أو سقوط أو زالت بكارتها بسبب عارض يعرض لها بوطئ حرام كغصب أو زنا وإذنها صماتها.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: (١٦) - كتاب النكاح، (١٠) - باب جواز تزويج الأب البكر الصغيرة، الحديث: ١٤٢٢
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٦٠ - ٦١.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٥٩ وما قبلها.
(٤) التوضيح: ج ٣، ص: ٥١٦.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وهل هذا الاجبار إذا كانت لم يتكرر الزنا منها وإلا فلا يجبرها، أو يجبرها مطلقا تكرر منها الزنا أم لا. فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (لا بفاسد وإن سفيهة وبكرا رشدت أو أقامت ببيتها سنة وأنكرت) أي لا جبر للأب في الثيب البالغ بنكاح فاسد، والصحيح أحرى وإن كانت الثيب سفيهة، وكذلك لا جبر له على ابنته البكر الرشيدة، أو أقامت ببيتها سنة وهي تنكر الوطء ويدعيه الزوج، وأحرى إن أقرت بالمسيس، لأن الطول يقوم مقام الوطء. انتهى.
قال محمد بن أحمد بن أبي محمد الفقيه وأما لو لم تقم في بيتها سنة فالجبر بشرط أن تنكر المسيس ولو أقرت بزوال البكارة فلا إجبار، ولا خلاف في عدم جبرها بعد السنة إذا أقرت فقوله: وأنكرت نص على عدم الجبر في موضع الخلاف، ويستفاد منه الجبر فيما دون السنة مع القيد المذكور، كما يستفاد منه عدم الجبر في موضع الخلاف، ويستفاد منه الجبر في موضع الاتفاق من باب أحرى، فتأمله وراجع التوضيح.
قوله: (وجبر وصي أمره أب به) أي وللوصي جبر بكر أمره أب بالإجبار (أو عين له الزوج) وإن لم يأمره بإجبارها.
قوله: (وإلا فخلاف) أي وإن لم يأمره الأب بالإجبار ولا عين له الزوج ففيه خلاف. غفل الشارح هنا تخلله وكم أجاد وأصلح.
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
وفي إكمال الإكمال والولي في من يفتقر في العقد عليه إلى إذنه قسمان: قسم لا يفتقر، وقسم يفتقر.
فأهل الولي السيد والوصي في يتيمه الذكر والأب في ابنته البكر، والوصي يجبر يتيمه الذكر ولا يجبر يتيمته إلا أن يوصي له بجبرها.
والفرق هو أنه لما كان للذكر أن يحل العصمة عن نفسه جاز له ذلك بخلاف الأنثى. وانتهى (^١).
قوله: (وهو في الثيب ولي) أي والوصي في الثيب ولي كالأب فيها.
قوله: (وصح إن مت فقد زوجت ابنتي بمرض. وهل إن قبل بقرب موته؟ تأويلان) أي وصح قول القائل في مرضه إن مت فقد زوجت أبنتي فلانة من فلان ويصح به
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٥٨ - ٥٩.
[ ٢ / ٢٢١ ]
العقد، وهل هذه الصحة مطلقا؟ قبل الزوج قرب موته أم لا أو إنما يصح إذا قبل قرب الموت ففي ذلك تأويلان على المدونة وظاهرها وعبر بهما الشيخ بتأويلان والباء في بمرض بمعنى في.
قوله: (ثم لا جبر فالبالغ) أي ثم بعد هؤلاء الثلاثة من الأولياء فلا يزوجون البالغ إلا بإذنها ولو كانت سفيهة.
مسألة: قال خ: ط: «ويصح الإجبار بعد البلوغ مع الثيوبة بالنكاح إذا ظهر منها الفساد ولم يقدر وليها على صيانتها، أو لم يكن لها ولي يصونها واستحسن أن يرفع ذلك مع عدم الأب إلى الحاكم، فيجتهد في من يتزوجها منه، فإن زوجها ولي من غير حاكم مضى فعله» (^١)، ويرتفع الإجبار مع إذا طال مقام البكر عند الزوج مدة يخلص فيها إليها العلم بحال الرجل مع النساء (^٢). انتهى من المفيدة.
قوله: (إلا يتيمة خيف فسادها وبلغت عشرا، وشوور القاضي) هذا مستثنى من النفي المستفاد من قوله: (لا جبر فالبالغ إلا يتيمة) أي فالأولياء غير الثلاثة تزويج يتيمة بشروط أن تكون خيف الفساد عليها، وأنها بلغت في السن عشر سنين وأن يشاور القاضي في أمرها، فإن توفرت هذه الشروط زوجت، وهو غير المشهور، وهو تشهير ظنه لما اتفق عليه المتأخرون، فالرواية المشهورة عن مالك المرجوع إليها أنها لا تزوج أصلا. انتهى.
وقال المواق في التاج والإكليل: محمد قال مالك في صبية بنت عشر سنين في حاجة تتكفف الناس: لا بأس أن تتزوج برضاها لمكان ما هي فيه من الخصاصة والكشفة، وهذا أحسن لتغليب أخف الضررين (^٣).
قوله: (وإلا صح إن دخل وطال) أي وإن زوجت بغير الشروط المذكورة صح العقد عليها، بشرط إن دخل بها الزوج ويطول مقامه معها، وليس السنتين والولد الواحد بطول.
قوله: (وقدم ابن، فابنه) أي فإن تعدد أولياء امرأة فإن الابن يقدم على العقد
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٤، ص: ١٧٩٨. بتصرف. وتبصرة ابن فرحون حيث قال: فرع وفي الطرر: ويصح الإجبار … إلخ. تبصرة الحكام: ج ٢، ص: ٦٢
(٢) هذا نص ما في التاج والإكليل للمواق منسوبا للخمي
(٣) التاج والإليل للمواق: ج ٥، ص: ٥٦.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
عليها بنكاح، لقوة التعصيب في الميراث والولاء، لأنه جزؤها وهو أقرب إليها، وفضيحتها تنكثه.
والقاعدة أنه يقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها، فالابن ولي وإن لم يكن من عصبة الأم، وقيل الأب مقدم عليه نظرا إلى العطف والحنان، وابن الابن في عدمه كأبيه.
وقوله: (فأب) أي فإن لم يكن ابن ولا ابنه وإن سفل فالأب مقدم على غيره من الأولياء.
وقوله: فأخ أي فإن لم يكن أب فأخ أولى بالولاية عليها شقيقا كان أو لأب.
وقوله: (فأخ، فابنه) أي فإن لم يكن أخ فابنه أولى من الجد.
وفي التقييد: الأخ أولى من الجد في أربع مسائل: أحدهما: النكاح.
والثاني: الولاء.
والثالث: الصلاة على الميت.
والرابع: الحضانة.
قوله: (فجد، فعم، فابنه، وقدم الشقيق) أي فإن لم يكن أخ ولا أبنه، فجدها من الأب أولى بها من العم، فإن لم يكن الجد فعمها من العصبة أولى بها، فإن لم يكن فابنه.
ويقدم الشقيق من الإخوة، أو بنيهم، أو الأعمام، أو بنيهم (على) القول (الأصح والمختار) عند اللخمي، ومقابلهما التسوية، ولا عبرة بالأم. انتهى.
قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق: الفرق بين قاعدة ذوي الأرحام لا يلون عقد الأنكحة، وبين قاعدة العصبة أنهم يلونه، أن الولاء شرع لحفظ النسب فلا يدخل فيه إلا من يكون له نسب حتى تحصل الحكمة، لمحافظته على مصلحة نفسه، فذلك يكون أبلغ في اجتهاده في نظره في تحصيل الأكفاء ودرء العار عن النسب (^١).
قوله: (فمولى، ثم هل الأسفل) أي فإن لم يكن لها ولاء نسب فمولى أعلى ولي، فإن لم يكن مولى أعلى وهناك مولى أسفل هل تنتقل إليه الولاية عليها؟ (وبه فسرت؟) المدونة (أولا؟) تنتقل إليه الولاية (وصحح) هذا القول، غفل الشارح هنا الله.
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٣، ص ١٠٤، الفرق الحادي والأربعون والمائة
[ ٢ / ٢٢٣ ]
والذكورية في المولى الأسفل شرط.
قوله: (فكافل، وهل إن كفل عشرا أو أربعا أو ما يشفق؟ تردد. وظاهرها شرط الدناءة) أي فإن لم يكن مولى أعلى ولا أسفل على القول به فالكافل للمرأة ولي لها، وهل ذلك بشرط إن كان قد كفلها عشر سنين؟ وهو قول بعض الموثقين، أو كفلها أربعا وهو قول أبي محمد صالح، أو إنما يكون وليا لها إن كفلها قدر ما يشفق عليها فيه تردد للمتأخرين، وظاهر المدونة أن شرط ولاية الكافل أن المكفولة دنية.
الدناءة ضد الشرف، واختلف هل للحاضن أن يوكل غيره كغيره من الأولياء، على عقد على وليته فيه قولان انتهى راجع القشاني (^١).
قوله: (فحاكم، فولاية عامة مسلم) أي فإن لم يكن أحد من الأولياء المتقدم ذكرهم، فالحاكم ولي لها، فإن لم يكن حاكم فولاية عامة المسلمين، ولا يختص بها شخص من المسلمين من رجالهم كيف كان، إلا أن الفاسق يسلب الكمال.
قوله: (وصح بها في دنينة مع خاص لم يجبر) أي وصح العقد بولاية عامة مسلم مع وجود الخاص في امرأة دنية أي وصح العقد بولاية عامة مسلم مع وجود الخاص في أمرة دنية كالسوداء والمسكينة، إذا كان الخاص غير مجبر وأما المجبر فلا يصح، والخاص ما تقدم ذكره من الأولياء.
قوله: (كشريفة دخل وطال، وإن قرب فللأقرب أو الحاكم إن غاب الرد، وفي تحتمه إن طال قبله تأويلان) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يصح نكاح شريفة بولاية عامة مسلم مع وجود ولاية خاصة، بشرط أن يدخل بها وطال مقامه معها، وأرى السنة طولا، وإن لم يطل فللولي الأقرب والحاكم إن غاب الأقرب الرد، وهو قول ابن القاسم في المدونة، ولا كلام في الأبعد هنا، وفي تحتم الرد وعدم تحتمه إن طال ما بين العقد وبين البناء بها تأويلان.
قوله: (وبأبعد مع أقرب إن لم يجبر) أي ويصح عقد النكاح بولاية الأبعد مع وجود الولي الأقرب إن كان القريب غير مجبر، (و) لو لم يجز الإقدام على ذلك ابتداء.
قوله: (كأحد المعتقين) أي كما يصح عقد أحد المعتقين بعد الوقوع، ولم يجز ابتداء وكذلك أحد الابنين والأخوين أو العمين لم يجز ابتداء ويصح إن وقع.
_________________
(١) راجع القلشاني على الرسالة: ج ٢، ص: ١٢ مخطوط.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
قوله: (ورضاء البكر صمت) في النكاح أي ورضا البكر بالنكاح صمت لقوله العا: «وإذنها صماتها» (^١) أن تسكت.
القرطبي: هو منه مراعاة لتمام صونها وإبقاء لاستحيائها، لأنها لو تكلمت صريحا لظن أنه رغبة منها في الرجل، وذلك لا يليق بالبكر.
وأرشدها العا إلى ما هو صون لها فقال: تستأذن والاستئذان طلب الإذن، والإذن أعم من أن يكون بالقول أو أمارة تدل عليه.
الفرق بينها وبين الثيب أن الثيب لا يلحقها خجل في التصريح بالقول والبكر يلحقها الخجل لو تكلمت إذ يظن أن ذلك دعية منها من الرجال، أرشدها العلم إلى ما هو أصون لها. انتهى من إكمال الإكمال (^٢).
قوله: (كتفويضها. وندب إعلامها به، ولا يقبل منها دعوى جهله) لا يختص بالبكر وكذلك الثيب يكفيها الصمت، إذا فوضت لوليها أن يعقد لها.
والتفويض للولي في العقد لا بد منه عند ابن القاسم بخلاف غيره، وندب إعلام البكر بأن صماتها إذن، وتستأذن مرة، وقيل: ثلاثا ولا يقبل منها دعوى جهل الصمت ورضى (في تأويل الأكثر) من الشيوخ، وتأويل الأقل يقبل دعوى جهلها بذلك.
قوله: (وإن منعت أو نفرت لم تزوج: لا إن ضحكت، أو بكت والثيب تعرب) أي وإن منعت البكر حين الاستئذان بوجه، أو نفرت منه لم تزوج، لا إن ضحكت أو بكت، لأن الضحك دليل على الرضى منها، إلا أن يكون الضحك استهزاء، وكذلك إن بكت لاحتمال أن يكون بكاؤها إذ لو كان أبوها حيا لم أحتج لهذا، وأما الثيب فتعرب عن نفسها بالنطق، إذ لا يلحقها خجل بالتصريح بالرضى بالقول.
قوله: (كبكر رشدت، أو عضلت) إلى آخر النظائر أي كما تعرب بكر ذات أب عن نفسها بالنطق إذا رشدت، لأن أباها مقر أنها تعرف مصالح نفسها، وكذلك بكر ذات أب عضلت، واشتكت إلى الحاكم، فإنها تعرب عن نفسها بالنطق.
والعضل لغة المنع من النكاح.
قوله: (أو زوجت بعرض، أو برق، أو بعيب، أو يتيمة أو افتيت عليها، وصح إن قرب رضاها
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٦) - كتاب النكاح (٩) - باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر … . الحديث: ١٤٢١.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص ٥٠ - ٥١.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
بالبلد ولم يقر به حال العقد) يريد أن اليتيمة إذا زوجت وعمل صداقها عرضا فإنها تعرب عن نفسها بالنطق، وكذلك إن زوجت بذي رق أو ذي عيب وكانت محتاجة أو أفتيت عليها فلا بد أن تنطق بالرضى والإفتيات أن يعقد عليها ولي بغير إذن منها فعلمت بالقرب على شروطه فلا بد من النطق بالرضى من الكل وهو سبع، ويصح نكاح من افتيت عليها إن قرب رضاها وهي في البلد ولم يقر العاقد بالافتيات حال العقد، وإلا فلا يصح ويفسخ أبدا.
قوله: (وإن أجاز مجبر في ابن وأخ وجد فوض له أموره ببينة جاز) أي وإن أجاز مجبر افتيت عليه في افتيات ابن أو أخ أو جد فوض له بالعادة لا الصيغة وثبت التفويض بالبينة جاز، ولو فوض إليه بالصيغة لم يحتج إلى الشروط.
وقوله: في ابن وأخ وجد.
قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله -: هكذا ذكر في المدونة الثلاثة، وقال بعضهم: هو تمثيل، وكذلك غيرهم من الأقارب، وقال بعضهم: وكذلك أجنبي فلا فرق. انتهى.
قوله: وإن أجاز مجبر مفهومه إن لم يجزه فلا يجوز وهو كذلك.
قوله: (وهل إن قرب تأويلان) أي وهل جواز الإمضاء في الافتيات إن قرب مابين العقد والإمضاء، أو يجوز مطلقا قرب أم لا فيه تأويلان.
قوله: (وفسخ تزويج حاكم أو غيره ابنته في كعشر) أي وفسخ تزويج حاكم ابنة المجبر أو أمته في غيبته عنها مسافة عشر ليال وإن ولدت أولادا عند ابن القاسم.
قوله: (وزوج الحاكم في كإفريقية) أي ويزوج الحاكم لا غيره من الأولياء ابنة المجبر في غيبته غيبة بعيدة كبعد إفريقية وطنجة من المدينة (وظهر) ابن رشد أنه إفريقية (من مصر)، لأن السائل هو ابن القاسم، واستبعده ابن عبد السلام، لأن المسألة لمالك. انتهى.
ولا كلام هنا للأولياء غير الحاكم لأنه حكم على الغائب.
تنبيه: لم يذكر المصنف في مختصره هذا صيغة الفعل ابن رشد إلا هنا.
قوله: (وتؤولت أيضا بالاستيطان) لما قال: أيضا علمنا أن الأول تأويل، وهو أن الأب إذا غاب عن ابنته البكر غيبة بعيدة أن للحاكم أن يزوجها، وإن لم يستوطن الأب هناك وهذا تأويل، إنما يكون ذلك للحاكم إذا كان الأب مستوطنا هناك، فلا
[ ٢ / ٢٢٦ ]
يزوج ابنة من تاجرا لا يريد المقام بها، إلا أن يغيب عنها غيبة منقطعة فيزوجها حينئذ. انتهى.
قال المواق في التاج أنظر هنا مسألة وهي إذا قطع الأب النفقة عن بنته البكر وخشي عليها الضيعة لا خلاف أنها تزوج وإن كانت قبل البلوغ، والمشهور هنا: أنه لا يزوجها هنا إلا السلطان، وقيل يزوجها وليها لأن أباها كالعدم. انتهى (^١).
وقال البرزلي وسئل السيوري عن من يغيب عنها أبوها، ويخشى عليها الضيعة والفساد، إن لم تتزوج.
فأجاب: تزوج على هذا الإمكان، ولا ينتظر أبوها لما ذكرت.
قلت: ظاهره ولو لم تطل غيبته، وهو ظاهر لعلة خوف الفساد (^٢).
قوله: (كغيبة الأقرب الثلاث) والكاف للتشبيه في الحاكم أي كما يجوز للحاكم في غيبة الولي الأقرب غير المجبر مسافة ثلاثة أيام، ولا كلام هنا للأبعد، لأنه الحكم على الغائب.
قوله: (وإن أسر أو فقد؛ فالأبعد) أي وإن أسر الولي الأقرب أو فقد أو سجن سجنا لا يكشف عن حاله، فإن الولاية تنتقل إلى الولي الأبعد، ولا كلام للحاكم هنا، لأن وجوده مع هؤلاء كالعدم.
قوله: (كذي رق، وصغر وعته، وأنوثة) أي كما تنتقل الولاية للأبعد إذا كان القريب ذا رق أو ذا صبى أو كان معتوها أو أنثى وإن بإشكال، لأن وجودهم كالعدم والمعتوه ضعيف العقل.
قوله: (لا فسق، وسلب الكمال) أي لا تنتقل الولاية عن الأقرب للأبعد بسبب فسق، ولكن الفسق يسلب الكمال منه.
ابن عبد السلام: فإن أراد تقديم الأبعد فبعيد وإن أرد تقديم المساوي فقريب. انتهى.
قوله: (ووكلت مالكة، ووصية، ومعتقة) يعني أن المرأة الولية إن سقط حقها في تولية عقد النكاح، فلا يسقط حقها في تفويض العقد إلى غيرها من الرجال (وان) كان (أجنبيا)، فيعقد على أمة مالكة، وعلى محجورة الوصية، وعلى معتقتها بفتح التاء.
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٥، ص: ٥٦ - ٥٧.
(٢) نوازل البرزلي: ج ٢، ص: ٣٠٣.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
قوله: (كعبد أوصي، ومكاتب في أمة طلب فضلا وإن كره سيده) أي كما يوكل عبدا أوصى له على امرأة، ولكن إنما يوكل غير سيده، وكذلك المكاتب يوكل في عقد نكاح على أمته، إن أذن له سيده في أنكاحها، هذا إذا لم يطلب في أنكاحها فضلا وأما إن كان مراد بأنكاحها طلب فضل فإنه يوكل من يعقد عليها وإن كره سيدها.
قوله: (ومنع إحرام من أحد الثلاثة) أي ويمنع الإحرام بحج أو عمرة عقد نكاح لمن أحرم من أحد الثلاثة الولي والزوجة والزوج غير النبي ﷺ.
قوله: (ككفر لمسلمة وعكسه: إلا لأمة ومعتقة) أي كما يمنع الكفر عقدا على وليته المسلمة وعكسه، وهو عقد مسلم على وليته الكافرة فلا يجوز، إلا أن تكون أمته أو معتقته، فإنه يجوز أن يعقد عليهما النكاح، ولا يسقط الكفر حقه من ذلك، لأن معتقته ليست من نساء الجزية، ومن في قوله: (من غير نساء الجزية للتعليل أي أنها من غير نساء الجزية. انتهى.
وأما إذا كانت من نساء الجزية فلا يعقد عليها كما إذا أعتقها وهو كافر.
قوله: (وزوج الكافر لمسلم) أي ويعقد الكافر نكاح وليته الكافرة لمسلم، (وإن عقد مسلم) نكاح ولتيه الكافرة (لكافر ترك) فلا يفسخ وقد أساء، وأما إن عقد عليها لمسلم فلا يترك.
قوله: (وعقد السفيه) أي وللسفيه (ذو الرأي) تولي العقد على وليته (بإذن وليه) وإن كان ضعيف الرأي فلا يعقد عليها.
قوله: (وصح توكيل زوج الجميع) أي ويصح توكيل زوج في عقد نكاحه جميع من لا يجوز لهم تولية عقد النكاح من جهة المرأة.
قوله: (لا ولي إلا كهو) أي لا يوكل ولي المرأة إلا من يصح أن يكون وليا لها.
قوله: (وعليه الإجابة لكفء، وكفؤها أولى فيأمره الحاكم، ثم زوج) أي ويجب على الولي الإجابة لكفء لها دعته إليه وكفؤها أولى إذا تنازعا في الأكفاء، فيأمره الحاكم أن يزوجها لكفؤها الذي دعته إليه، فإن أبى زوجها الحاكم إن لم يأتي الولي بعذر مشبه.
قال صاحب إكمال الإكمال الكفاءة هي التقارب في الأوصاف المعتبرة مطلوبة ثم اختلف فقيل هي حق للولي والزوجة وقيل للزوجة الثيب دون الولي فلها إسقاطها وقيل هي حق لله تعالى فيمتنع إسقاطها.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وقال بعض الموثقين: الثيب فيها كالبكر لا تسقط بإسقاطها.
عياض: فالكفاءة هي التقارب في الصفاة المعتبرة فيها. انتهى (^١).
قوله: (ولا يعضل أب بكرا برد متكرر حتى يتحقق) أي ولا يعد الأب عاضلا لابنته بكرا كانت أو ثيبا برد خاطب متكرر حتى يتحقق عضله بوجه فيأمره الحاكم بذلك.
قوله: (وإن وكلته ممن أحب عين) أي وإن وكلت امرأة وليها على تزويجها ممن أحب، فإن أراد تزويجها لا بد أن يعين لها من يزوجها منه هذا هو المشهور، وقيل لا يحتاج إلى التعيين وقيل بالفرق إن زوجها من نفسه عين، وإن زوجها للغير فلا تعيين عليه.
قوله: (وإلا فلها الإجازة، ولو بعد) أي فإن زوجها ولم يعين لها، فلها الإجازة والفسخ ولو بعد العقد عليها.
قوله: (لا العكس) أي لا عكس ذلك هو أن يوكل الرجل من يزوجه، فإنه لا يحتاج إلى التعيين.
قوله: (ولابن عم ونحوه تزويجها من نفسه: إن عين بتزوجتك بكذا وترضى وتولى الطرفين) أي وجاز لابن عم امرأة ونحوه من حاكم أو وصي أو معتق أن يزوجها من نفسه بشرط أن يعين لها نفسه بقوله: تزوجتك بكذا وترضى به، ويتولى طرفي العقد جانبه وجانبها، وكذلك من زوج يتيمه بيتيمته يتولى الطرفين.
قوله: (وإن أنكرت العقد صدق الوكيل إن ادعاه الزوج) يريد أن المرأة إذا أذنت لوليها أن يعقد عليها، فعقد وأنكرت العقد فقالت: لم تزوجني وقد أقرت بالإذن، فإن الوكيل يصدق إن ادعى الزوج النكاح، لأنها مقرة بالإذن والوكيل قائم مقامهما، ولا يكلف بإقامة البينة على ذلك، ظاهره وإن عزل وهو ظاهر المدونة.
قوله: (وإن تنازع الأولياء) أي وإن تنازع الأولياء (المتساوون في الدرجة في تولي (العقد) على الولية، (أو) للتنازع في (الزوج: نظر الحاكم) في أمرهما فيمضي قول الأصوب، فإن تساويا أقرع وهذا كله إذا فوضت إليهم في أشخاص معينين.
قوله: (وإن أذنت لوليين) أي وإن أذنت امرأة ذات إذن لوليين في تزويجها رجلين معينين، (فعقدا) عليها (ف) هي (للأول) منهما (إن لم يتللذ) بها (الثاني بلا علم) منه أنه ثان، (ولو تأخر تفويضه) أي الولي الثاني بشرط (إن لم تكن في عدة وفاة) من
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٥٦.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
أول (ولو تقدم العقد) على موته (على الأظهر) فلو دخل بعد علمه أنه الثاني لم ينفعه الدخول ويفسخ نكاحه بغير طلاق وإن دخل الثاني بها وهي في عدة حرمت عليه.
قوله: (وفسخ بلا طلاق إن عقدا بزمن) أي وفسخ النكاحان إن عقدا عليها في زمن واحد.
قوله: (أو لبينة بعلمه أنه ثان) أي وكذلك يفسخ نكاح الثاني إذا قامت بينة بعلمه أنه ثان.
قوله: (لا إن أقر) أي لا إن أقر أن تلذذه بعد علمه أنه ثان ولم يعلم ذلك إلا من إقراره فإنه يفسخ نكاحه بطلاق ولا ترد للأول لاحتمال كذبه.
وقوله: (أو جهل الزمن) فإن نكاحهما يفسخ هذا إذا لم يدخل بها أحدهما وأما إن دخل فهو أحق.
قوله: (وإن ماتت وجهل الأحق) أي وإن ماتت تلك المرأة وجهل من من الزوجين الأحق بها لعدم علم السابق ولم يحكم بالفسخ (ففي) ثبوت (الإرث) وقسمه بينهما لأن أحدهما زوج وعدم التعيين غير قادح وعدمه لاحتمال الاتحاد ولا إرث مع الشك فيه (قولان).
قوله: (وعلى الإرث فالصداق) أي وعلى القول بالإرث فالصداق لازم لكل منهما بإقراره أنها زوجته.
قوله: (وإلا فزائده) أي وإن فرعنا على عدم الإرث فزائد الصداق على إرثه لازم له لاعترافه به فإن نقص عنه أو ساواه فلا شيء عليه. انتهى.
قوله: (وإن مات الرجلان) أي وإن مات الرجلان أو أحدهما قبل ثبوت الأحقية لأحدهما (فلا إرث) لهما (ولا صداق) عليهما لأن سببهما الزوجية وهي لم تثبت. انتهى.
قال القرافي في أنوار البروق في انواع الفروق الفرق بين قاعدة الوكالة وبين قاعدة الولاية في النكاح أن الرجل إذا وكل وكيلين في بيع سلعة فباعاها من رجلين كان النافذ من البيعين هو الأول، وإذا جعلت المرأة أمرها لوليين فزوجاها من رجلين كفأين فالمعتبر أولهما إن عرف كالبيع إلا أن يدخل بها الآخر فهو أحق بها، وهذه القاعدة فيها سبع مسائل يفيتهن الدخول:
مسألة الوليين، وامرأة المفقود تتزوج بعد الأجل المضروب يفيتها الدخول، فإن قدم قبل الدخول فهو أحق بها.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
والمرأة تعلم بالطلاق دون الرجعة، فتزوج ثم ثبتت رجعة الأول، فإن دخل بها الزوج الثاني كان أحق بها وألغيت الرجعة.
وقال مالك في المدونة: إذا طلق زوج الأمة الأمة طلاقا رجعيا فراجعها في السفر فلم تعلم بذلك، فوطئها السيد بعد انقضاء العدة مع علمه بالرجعة، كان وطئ السيد مفيتا لها، كالوطئ بالزواج، وتكون هذه المسألة ثامنة لهذه المسائل.
وامرأة الرجل يرتد فيشك في كفره بالأرض البعيدة هل هو إكراه أو اختيار؟ ثم تبين أنه إكراه، وقد تزوجت امرأته بناء على ظاهر كفره، فإن دخل بها الثاني فهو أحق بها، وإن لم يدخل فهي للأول.
والرجل يسلم على عشرة نسوة فاختار أربعا منهن فوجدهن ذوات محارم، فإنه يرجع ويختار من البواقي ما لم يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن أزواجهن، فمن دخل بها فات الأمر فيها بالدخول، ومن لم يدخل بها كان له أخذها.
والمرأة تطلق للغيبة ثم يقدم بحجته فإن وجدها قد تزوجت ودخل بها الثاني فاتت عليه وإلا لم تفت.
والمرأة تسلم وزوجها كافر فيفرق بينهما، ثم يتبين تقدم إسلامه عليها.
وخولفت هذه القاعدة في أربع مسائل في المذهب في المرأة ينعى لها زوجها ثم تتبين حياته وقد تزوجت فإنها لا يفيتها الدخول، وقيل يفيتها الدخول.
والمطلقة بسبب الإعسار بالنفقة ثم يتبين أنها أسقطتها عنه قبل ذلك وقد تزوجت، فإنها ترجع إليه وإن دخل بها الثاني.
والرجل يقول: عائشة طالق وله أمرة حاضرة أسمها عائشة، وقال: لم أردها ولي امرأة أخرى تسمى عائشة ببلد آخر وهي التي أردت.
فإنها تطلق عليه هذه؛ لأن الأصل عدم امرأة أخرى، فإن تبين صدقه وقد تزوجت ودخل بها زوجها ردت إليه ولا يفيتها الدخول.
والأمة تختار نفسها تتزوج ويدخل بها زوجها ثم يتبين عتق زوجها قبلها فلا يفيتها دخول الزوج الثاني. انتهى (^١).
قوله: (وأعدلية متناقضتين ملغاة) معناه ولو أقام كل واحد من الزوجين
_________________
(١) أنوار البروق للقرافي: ج ٣، ص: ١٠٦، الفرق الثالث والأربعون والمائة بين قاعدة الوكالة وبين قاعدة الولاية في النكاح.
[ ٢ / ٢٣١ ]
المتنازعين في الزوجة ببينة، وبينة أحدهما أعدل من الأخرى سقطتا لأن الأعدلية لا تعتبر في النكاح (ولو صدقتها المرأة) خلافا لسحنون، والأعدلية هنا كشاهد واحد، والنكاح لا يثبت بشاهد واحد.
قوله: (وفسخ موصى وإن بكثم شهود من امرأة أو منزل أو أيام) شروع منه بلله في بيان نكاح السر وحكمه أي وفسخ كل نكاح عقد على وجه الاستتار بفعل أو قول كنكاح موصى فيه بكتم الزوج أو المرأة وإن كان الكتم بكتم الشهود له من امرأة وأحرى أكثر، أو موصى بكتمه في منزل أو في أيام فقط ولو اظهره بعد ذلك وهذا كله إذا أوصى بكتمه قبل العقد أو عنده وأما بعده فلا يضر لأن العقد وقع صحيحا فإن نكح على نية الكتمان قال أشهب فليفارقها هل على الوجوب أو الاستحباب قولان. انتهى.
وقال في إكمال الإكمال ووجه الفساد في نكاح السر أنه هنا مناقض للإعلان المشروع في النكاح، ألا ترى أنه ﵊ حين سمع صوت الجواري يضربن بالغربال، قال: «هذا النكاح لا السفاح» (^١) فجعل الإعلان فرق بين الحلال والحرام (^٢).
قوله: (إن لم يدخل ويطل وعوقبا، والشهود) أي وفسخ نكاح السر بطلاق إن لم يدخل ويطل، وقيل: لا يفسخ، ويعاقب الزوجان في نكاح السر وشاهداه.
قوله: (وقبل الدخول وجوبا) أي وفسخ النكاح وجوبا (على) شرط (أن لا تأتيه إلا نهارا) أو ليلا مثلا (على أن لا تأتيه إلا نهارا) قبل الدخول إذا عقداه (على) شرط (أن لا تأتيه إلا نهارا) أو ليلا مثلا لأن هذا النكاح يشبه نكاح المتعة من جهة أنها لا تحل له ليلا في النهارية ولا نهارا في الليلية كما لا تحل في نكاح المتعة بعد الأجل. أنتهى.
فإن دخل بها مضى العقد ويبطل الشرط، لأن كل شرط ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ باطل هذا قول ابن القاسم، قال عيسى: يفسخ وإن دخل.
قوله: (أو بخيار) أي وكذلك يفسخ وجوبا نكاح عقداه (لأحدهما أو غير) على خيار أحدهما فيه أو غيرهما قبل الدخول ويمضي به ويبطل به الشرط، وقيل:
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: (٧٣) - باب ما يستحب من إظهار النكاح. الحديث: ١٥٠٩٦. والطبراني في المعجم الكبير: ما أسند هابر بن الأسود. الحديث: ٥٢٨.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٨٥.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
إنما يفسخ حيث يفسخ إذا كان الخيار لهما بعد المجلس وأما خيار المجلس فيجوز بلا خلاف.
قوله: (أو على إن لم يأت بالصداق لكذا فلا نكاح، وجاء به)، قصد الشيخ الوجه المشكل، هو إذا جاء بالصداق قبل الأجل، وأحرى إن لم يأت به فالفسخ وجوبا.
قوله: (وما فسد لصداقه أو على شرط يناقض) أي ويفسخ كل نكاح فاسد لأجل فساد الصداق قبل الدخول ويمضي بعده كما إذا كان خمرا أو ميتة أو خنزير أو أبق أو شارد ونحو ذلك، وكذلك يفسخ قبل الدخول إذا عقداه على شرط يناقض مقصود النكاح مما يوجبه، وذلك كأن لا يقسم لها) مع الزوجات (أو يؤثر عليها) أو لا نفقة لها فإن دخل مضى النكاح ويبطل الشرط.
قوله: (وألفي أي وألغي كل شرط فاسد فيها تقدم بعد ثبوت النكاح.
قوله: (ومطلقا كالنكاح لأجل) أي ويفسخ مطلقا قبل البناء وبعده كل نكاح فسد بغير ما تقدم ذكره وذلك كنكاح إلى أجل طال الأجل أم لا؟ وهو نكاح المتعة إذا ضربا أجلا يعيشان إليه عادة وأما إن عقداه على أجل لا يعيشان إليه غالبا فلا يضر، وكذلك لا يضر إذا كان ذلك في نية الزوج ولم تعلم المرأة به، فإن علمت ذلك من حاله كما يفعل بعض المسافرين فقولان. انتهى.
قال القرافي في ذخيرته حرم الله سبحانه نكاح المتعة، لما فيه من انتفاء الولد والتراكن، الذين هما مطلوبان في النكاح، لقوله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة!﴾ [الروم: ٢١] ومتى علم الزوجان بتحديد النكاح، تحرز كل واحد من صاحبه، ولم يسكن إليه، وقال قاعدة كل سبب شرعه الله تعالى لحكمة لا يشرعه عند عدم تلك الحكمة كما شرع التعزيرات والحدود للزجر ولم يشرعها في حق المجانين وإن تقدمت الجناية منهم حالة التكليف لعدم شعورهم الحرمة، وتعذر الإنزجار عند الغفلة عن المولم، وشرع البيع للاختصاص بالمنافع في العوضين، ولم يشرعه في ما لا ينتفع به، ولا فيما كثر غرره أو جهالته، لعدم انضباط الانتفاع مع الغرر والجهالة، وشرع اللعان لنفي النسب، ولم يشرعه للمجبوب والخصي، لانتفاء النسب بغير اللعان وذلك كثير، والنكاح سبب شرع للتناسل والمكارمة والمودة. انتهى (^١).
_________________
(١) وأنوار البروق للقرافي: ج ٣، ص: ٣١٦ - ٣١٧ الفرق الخامس والستون والمائة بين قاعدة =
[ ٢ / ٢٣٣ ]
قوله: (أو إن مضى شهر فأنا أتزوجك) أي ويفسخ نكاح يعقد عند أجل، وإن قرب، كقوله لها أو لوليها: إن مضى شهر فأنا متزوجك فرضيت هي ووليها.
قال في المدونة: هو نكاح باطل لا يقام عليه (^١).
قال عبد الحق: معناه أنهما قصدا بعد شهر أن يكون نكاحا مستقرا، لا يستأنفان عقده، ولا يستطيعان رجوعا فيه. انتهى.
وهو عكس المتعة لأن تحريم هذا مقدمة على العقد وتحريم المتعة متأخرة عنه.
قوله: (وهو طلاق إن اختلف فيه كمحرم وشفار) أي والفسخ في النكاح فسخ بطلاق، إن كان مختلفا فيه، وذلك كنكاح محرم من زوج أو زوجة أولي أو نكاح شغار، أو أمة بغير إذن سيدها، وقيل يفسخ بغير طلاق.
قوله: (والتحريم بعقده ووطئه) أي ويقع التحريم بكل نكاح مختلف فيه بعقده في اللاتي يحرمن بالعقد وبالوطء باللاتي يحرمن بالوطء (و) يكون فيه الإرث، إلا نكاح المريض) فإنه لا إرث فيه، لأنه توليج ويعني بالتحريم تحريم المصاهرة. غفل الشارح هنا نعم الله.
قوله: (وإنكاح العبد والمرأة) هذا معطوف على كمحرم وشغار أي ومما يفسخ من الأنكحة نكاح عبد أو أمرة لامرأة مطلقا على نفسها أو على غيرها من النساء.
قوله: (لا اتفق على فساده) أي لا نكاح اتفق العلماء على فساده والمراد بالإتفاق هنا الإجماع.
وقوله: (فلا طلاق ولا إرث) أي فلاطلاق يلزم فيه إن طلق قبل الفسخ ولا إرث فيه إن مات أحدهما قبل الفسخ لعدم انعقاده، فالفسخ فيه بغير طلاق فذكر أمثلة ما اتفق على فساده فقال: (كخامسة) أي كنكاح خامسة أو خالة أو عمة أو أم زوجة أو ابنتها أو من حرم جمعهن معها (وحرم وطؤه فقط) من تحرم بوطء أو عقد.
قوله: (وما فسخ بعده فالمسمى) أي فما فسخ بعد البناء ففيه المسمى إن كان (وإلا فصداق المثل. وسقط بالفسخ قبله إلا نكاح الدرهمين فنصفهما) أي وإن لم يكن مسمى ففيه صداق المثل ويسقط بالفسخ قبله إلا نكاح عقد على أن الصداق فيه درهمان
_________________
(١) تهذيب المدونة: ج ١، ص: ٣٠٩.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
فلها نصفهما لقوة الخلاف فيه.
وقوله: (كطلاقه) يريد أن الزوج إذا طلق قبل البناء في النكاح المستحق للفسخ قبل الفسخ فلا شيء عليه إلا في نكاح الدرهمين وأما بعد البناء ففيه المسمى إن كان وإلا فصداق المثل.
قوله: (وتعاض المتلذذ بها) أي فإن كان الزوج قد تلذذ منها بغير دخول فإنها تعاض قدر ما يراه الإمام باجتهاده.
قوله: (ولولي صغير فسخ عقده) أي وإن عقد صغير على نسفه فلوليه فسخه فإن فسخ (فلا مهر) عليه للزوجة لأنها سلطته على نفسها (ولا عدة) عليها لأن وطأه ليس بوطء، وهذا في الطلاق وأما عدة الوفاة فعليها إن مات قبل الفسخ. انتهى.
قال القرافي في أنوار البروق في أنواء الفروق الفرق بين قاعدة أنكحة الصبيان تنعقد إذا كانوا مطيقين للوطء وللولي الإجازة والفسخ، وبين قاعدة طلاقهم فإنه لا ينعقد، ووجه الإشكال فيهما والجامع بينهما أن خطاب الوضع هو الخطاب بالأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية، لا يشترط فيها التكليف ولا العلم، ولذلك أوجب الضمان على الصبيان والمجانين، ونطلق بالإعسار وإن كان معجوزا عنه وغير مشعور به، وكذلك بالإضرار ونورث بالأنساب وإن لم يشعر به الوارث، ولا هو من مقدوره؛ لأن ذلك كله من باب خطاب الوضع الذي معناه أن صاحب الشرع قال: إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أني قد حكمت بهذا بخلاف خطاب التكليف يشترط فيه القدرة على المكلف به والعلم به والطلاق سبب للبينونة، والنكاح سبب للإباحة، فينبغي أن ينعقد الجميع في حقه كما انعقد الإتلاف سبب الضمان، والبيع بسبب العقد، وغير ذلك من الأسباب الفعلية والقولية، فهذا وجه الجمع بينهما.
والفرق بين القاعدتين في أن الصبيان تنعقد أنكحتهم دون طلاقهم أن عقد الأنكحة سبب إباحة الوطء وهو أهل للخطاب بالإباحة والندب والكراهة دون الوجوب والتحريم؛ لأنهما تكليف ومشقة من جهة لزوم استحقاق العقاب المحمول على الصبيان؛ لضعف عقولهم، والطلاق سبب تحريم الوطء بإسقاط العصمة في الزوجة، وهو ليس أهلا للتحريم، فلم ينعقد سببا في حقه مع اشتراك السببين في أنهما خطاب وضع، وانضاف إلى أحدهما تكليف، فلا جرم انتفى انعقاده في حقه.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
انتهى (^١).
قوله: (وإن زوج بشروط أو أجيزت وبلغ وكره فله التطليق، وفي نصف الصداق) أي وإن زوج ولي صغير في حجره بشروط تلزم أو تزوج الصغير بنفسه بالشروط فلما بلغ كره الشروط فله التطليق لا الفسخ بغير طلاق هكذا قرر شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله - خلافا لمن قال بالفسخ بغير طلاق وإن طلق قبل البناء ففي لزوم نصف الصداق له وعدم لزومه (قولان عمل بهما).
قوله: (والقول لها أن العقد وهو كبير) أي وتصدق الزوجة إن ادعت أن عقد نكاحها وقع والزوج كبير لأن النكاح قد ثبت ومن أراد رفعه فهو مدع.
قوله: (وللسيد رد نكاح عبده بطلقة فقط بائنة) أي وإذا تزوج العبد بغير إذن سيده فللسيد فسخه وله إمضاؤه إن قرب فإن فسخه فبطلقة بائنة وإنما له الفسخ (إن لم يبعه) قبل الفسخ وإن باعه قبله فلا مقال له إلا أن يرد عليه بعيب النكاح فله الفسخ حينئذ.
ومفهوم قوله: (إلا أن يرد به) أنه لو رد عليه بعيب غير النكاح لم يكن له رده والمفهوم صحيح وأما الأمة فلابد فيها من الفسخ والفرق أن العبد يؤذن له في العقد على نفسه بخلاف الأمة.
قوله: (أو يعتقه. ولها ربع دينار إن دخل. واتبع عبد ومكاتب بما بقي، إن غرا؛ إن لم يبطله سيد أو سلطان) أي وكذلك ليس له فسخ نكاحه إذا أعتقه قبل الفسخ لأن ملكه زال عنه فإن فسخ النكاح فللزوجة ربع دينار إن دخل بها وإلا فلا شيء على العبد، ولا على السيد، ويتبع العبد القن، أو المكاتب، بما بقي بعد ربع دينار من الصداق، إذا أعتقا وإن لم يغراها، وأحرى إن غرا إن لم يبطله السيد أو الحاكم بما بقى من الصداق والحجر في الزائد من الصداق، على ربع دينار لحق السيد وقد زال بالعتق، وفي بعض النسخ إن غرا وفي بعضها إن لم يغرا وأحرى إن غرا.
قوله: (وله الإجازة إن قرب) أي وللسيد إجازة نكاح عبده بغير إذنه إن قرب علمه من العقد، (وأنه لم يرد الفسخ) حين سمع به، وامتنع (أو يشك في قصده) حينئذ وأما لو بعد ما بين الإجازة والعقد أو أراد بامتناعه الفسخ أو يشك في قصده عند ذلك هل أراد الرد أم لا؟ فليس له حين إذن الإجازة.
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٣، ص: ١٠٢، الفرق الأربعون والمائة بين قاعدة أنكحة الصبيان …
[ ٢ / ٢٣٦ ]
قوله: (ولولي سفيه فسخ عقده، ولو ماتت وتعين بموته) يعني أن السفيه إذا تزوج بغير إذن وليه فإن للولي فسخه ولو ماتت الزوجة قبل علم الولي بالعقد وله الإمضاء إن كان سدادا لأن الإمضاء قد يكون مصلحة له ويتعين الفسخ لموت السفيه إذ لا مصلحة إلا بالفسخ.
قوله: (ولمكاتب ومأذون) أي وجاز لمكاتب ومأذون له في التجر (تسرى) من مالهما، (وإن بلا إذن) من السيد ويؤخذ من هذا أن العبد يملك.
قوله: (ونفقة العبد) على السيد (في غير خراج وكسب إلا لعرف) أي ونفقة زوجة العبد في ماله غير خراجه وكسبه فتكون مما وهب له، أو تصدق به عليه، إلا بشرط أو عرف أن ذلك في الخراج والكسب، فتكون منه، الخراج ما يأخذه من عمله من غير سيده والكسب ما يأخذه من عمله من سيده.
قوله: (كالمهر. ولا يضمنه سيد بإذن التزويج) أي ومهر زوجة العبد كذلك في غير الخراج والكسب والكاف في كالمهر للتشبيه في الحكم. ولا يضمن السيد صداق العبد لأجل إذنه له في النكاح والمدبر والمعتق إلى أجل كالعبد والمعتق بعضه كالحر في يوم الحرية، وكالعبد في يوم العبودية فليس له أن يتزوج بغير إذن.
قوله: (وجبر أب ووصي وحاكم) أي وجبر أب ابنه ووصي يتيمه وحاكم (مجنونا احتاج) للنكاح إذ لا يعان على معصية مفهومه أنه إذا لم يحتج فلا يجبر لأن فيه إفساد ماله (و) كذلك يجبر (صغيرا) إذا كان فيه غبطة كتزويجه من الموسرة (وفي) جبر (السفيه) المحتاج للنكاح (خلاف)، القول بجبره لابن القاسم وعدمه لعبد الملك.
قوله: (وصداقهم إن أعدموا على الأب) يريد أن الأب إذا زوج ابنه الصغير أو المجنون أو السفيه وهم معدمون فإن الصداق على الأب (وإن مات، أو أيسروا بعد) ذلك لأنه قد ثبت في ذمته لأن المعتبر حال العقد (ولو شرط) الأب (ضده) وهذا كله إذا تولى العقد بنفسه، وأما إذا تولاه غيره فلا لأنه لا يلزمه شيء، لمجرد الإذن.
قوله: (وإلا فعليهم) أي وإن لم يكونوا معدمين حال العقد بل كانوا أغنياء بالصداق فإنه عليهم دون الأب، (إلا لشرط على الأب فيكون عليه.
قوله: (وإن تطارحه رشيد وأب فسخ) أي وإن تطارح الصداق ابن رشيد وأب يريد كل منهما إلزامه للآخر فإن النكاح يفسخ (ولا مهر) لها إن كان الفسخ قبل البناء وإن
[ ٢ / ٢٣٧ ]
فسخ بعده فعلى الزوج الأقل من المسمى وصداق المثل.
قوله: (وهل إن حلفا وإلا لزم الناكل؛ تردد) أي وهل الفسخ مقيد بما إذا حلفا أم لا؟ فيه تردد، فإن لم يحلفا لزم كل واحد نصفه وإن حلف واحد لزم الناكل.
قوله: (وحلف رشيد، وأجنبي، وامرأة أنكروا الرضا والأمر حضورا) أي وحلف ابن رشيد زوجه أبوه وهو حاضر ساكت، أو زوج رجل أجنبيا وهو حاضر ساكت أو زوج امرأة وليها وهي حاضرة وأنكروا الأمر والرضى بذلك حضورا حال العقد (إن لم ينكروا بمجرد علمهم) به، فإن أنكروا فلا يمين عليهم وكذلك لا يمين عليهم إن لم يكونوا حضورا.
قوله: (وإن طال كثيرا) أي وإن طال ما بين العقد والرضى طولا كثيرا (لزم) النكاح لأن طول المدة دليل على الرضا.
وقوله: إن لم ينكروا بمجرد علمهم جعلوا السكوت هنا رضى وله نظائر منها اليمين واللعان والرجعة والكراء.
قوله: (ورجع لأب وذي قدر زوج غيره، وضامن لابنته النصف بالطلاق) النصف فاعل رجع وبالطلاق متعلق برجع أي ورجع النصف لأب زوج ابنه ولذي قدر زوج غيره وضامن لابنته النصف بسبب الطلاق قبل البناء (والجميع بالفساد) والفسخ قبله ويؤخذ من هنا أن من دفع شيئا على أمر ولم يكن ذلك الأمر أنه يرجع فيه فهو قاعدة.
قوله: (ولا يرجع أحد منهم إلا أن يصرح بالحمالة أو يكون بعد العقد. ولها الامتناع إن تعذر أخذه حتى يقدر وتأخذ الحال) أي ولا يرجع أحد من هؤلاء على الزوج بما أخذت منه لأنه دفع ذلك بمعنى الحمل على الزوج إلا أن يصرح بالحمالة أو كان الحمل بعد العقد فإنه يرجع عليه وللزوجة الامتناع من التمكين من نفسها، إن تعذر أخذ الصداق من المتحمل به حتى تقبض الحال من صداقها، أو يقدر لها قدره إن لم يكن مفروضا وإنما لها الامتناع لأنها دخلت على اتباع ذمة أخرى غير ذمة الزوج لا على تسليم سلعتها بغير عوض قاله مالك وابن القاسم.
وقوله: (وله الترك) أي فإذا منعت الزوجة نفسها حين تعذر أخذ الصداق من المتحمل به لفقره ونحو ذلك فللزوج أن يفارق ولا شيء عليه إن فارق قبل البناء ولا يجبر على دفعه، لأنه غير ملتزم له، وإن شاء دخل ويدفع الصداق.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
قوله: (وبطل إن ضمن في مرضه عن وارث، لا زوج ابنته) أي وبطل الضمان إن ضمن في مرضه المخوف الصداق على وارثه حالة الضمان عنه ولا يبطل إن ضمن ذلك عن زوج ابنته وهو لا يرث حالة الضمان عنه والمضمون صداق المثل، وإلا فالزائد وصية لوارث.
قوله: (والكفاءة الدين والحال) أي والكفاءة المشروطة في النكاح هي الدين والحال والدين هو الإسلام والسلامة من فسق الجوارح والإعتقاد والحال هو أن يساويها في الصحة والسلامة من العيوب. قاله الشيخ في توضيحه (^١). وقال صاحب إكمال الإكمال: يمكن أن يفسر الحال بما يرجع إلى حسن العشرة وطيب الخلق. ويمكن أن يراد بالحال ما يرجع إلى الجسم. انتهى (^٢).
قوله: (ولها وللولي تركها) أي وللمرأة ووليها ترك الكفاءة في الحال وأما في الدين فليس لهما تركها، لأنه حق الله تعالى. وفي البرزلي: وثبت عنه ﷺ أنه قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها (^٣) فقدم المال إذ هو أهم عند الناس وترتيبه على اهتمام الناس كما أشار إليه ﷺ، وقدم الأهم فلأهم عند الناس، وأخر ذات الدين إذ القاصدون لها قليل. انتهى (^٤).
قوله: (وليس لولي رضي فطلق امتناع بلا حادث) أي وليس لولي المرأة رضي بتزويجها بغير كفء فطلقها امتناع من تزويجها منه مرة أخرى إن لم يحدث له حادث من فسق أو تلصيص أو نحو ذلك، مما يظهر فيه عذر الولي.
قوله: (وللأم التكلم في تزويج الآب الموسرة المرغوب فيها من فقير ورويت بالنفي ابن القاسم إلا لضرر بين، وهل وفاق تأويلان) أي وللأم التكلم في تزويج أب ابنته الموسرة المرغوب فيها من فقير لأن في المدونة: سألت امرأة مالكا عن ابنة لها في حجرها
_________________
(١) التوضيح: ج ٤، ص: ٣
(٢) إكمال الإكمال: ج ٥، ص: ٥٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: (٧٠) - كتاب النكاح (١٦) - باب الأكفاء في الدين. الحديث: ٤٨٠٢. ومسلم في صحيحه (١٧) - كتاب الرضاع. (١٥) - باب استحباب نكاح ذات الدين. الحديث: ١٤٦٦
(٤) نوازل البرزلي: ج ٢، ص: ٣٧١.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
موسرة مرغوب فيها فأراد أبوها أن يزوجها من إبن أخ له فقير أفترى لي أن أتكلم؟ قال: نعم، إني لأرى لك في ذلك متكلما، ورويت المدونة بإثبات التكلم ورويت أيضا بالنفي بأن لا كلام لها، قال ابن القاسم: وإنما أرى إنكاحه إياها جائزا عليها إلا لضرر بين (^١) وهل قوله هذا وفاق لقول مالك أو خلاف فيه تأويلان.
والمراد بالضرر هنا ضرر البدن.
قوله: (والمولى وغير الشريف، والأقل جاها كفؤ) أي والمولى هو من تقدمت عليه أو على آبائه عبودية كفؤ للعربية وهي من لم يتقدم عليها أو على آبائها ملك لمخلوق وغير الشريف كفؤ للشريفة والأقل جاها كفؤ لذات القدر. وقد تقدم تفسير الكفاءة (وفي) كفاءة (العبد) للحرة (تأويلان) على المدونة، قيل كفؤ، وقيل ليس بكفؤ لها.
قوله: (وحرم أصوله وفصوله) إلى آخره هذا شروع منه بين في بيان ما حرم نكاحه أي وحرم على كل ذكر نكاح أصوله وفصوله، وأصوله كل من له عليك ولادة بمباشرة أو بواسطة وإن علا، وفصولك كل من لك عليه ولادة، بمباشرة أو بواسطة وإن سفل (ولو خلقت من مائه) من زنا خلافا لابن الماجشون وخطأه سحنون في ذلك.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله تعالى: قيل إن تخطيئة سحنون لعبد الملك خطأ لأنه صواب وسبب الخلاف فيه قوله تعالى: ﴿وبناتكم﴾ [النساء: ٢٣] هل البنات في الشرع أو في اللغة والمشهور أنه لغة ومن قال: أنه شرعا، قال: لأنه لا ينفق عليها ويملكها ولا يخلو معها.
قوله: (وزوجتهما) أي وحرم عليه أزواج كل أصوله وفصوله لأنها من حلائل آبائه وأبنائه.
(و) يحرم عليه (فصول أول أصوله)، لأنهن أخوات أو بنات أوبنات إخوة أو أخوات، (و) يحرم عليه (أول فضل من كل أصل)، لأنهن عمات وخالات (و) كذلك يحرم عليه (أصول زوجته) وإن علون لأنهن أمهات نسائه وإن لم يتلذذ بزوجته.
قوله: (وبتلذذ وإن بعد موتها، وإن بنظر فصولها) أي وحرم عليه بتلذذه بزوجته، وإن كان التلذذ بعد موتها، ولو بنظر فصولها وإن سفلن لأنهن ربائبه فلا يحرمن
_________________
(١) المدونة الكبرى: ج ٢، ص: ١٠٠
[ ٢ / ٢٤٠ ]
بالعقد فقط.
قوله: (كالملك) تشبيه لإفادة الحكم بما تقدم من أصول الزوجة وفصولها من حرمة النكاح.
قوله: (وحرم العقد وإن فسد إن لم يجمع عليه) أي وحرم العقد على الآباء والأبناء وإن فسد ذلك العقد إن لم يجمع على فساده.
قوله: (وإلا) أي وإن أجمع على فساده، (ف إن ما يحرم (وطؤه) فقط، (إن درأ) الشرع (الحد)، كمن تزوج ذات محرم أو رضاع أو معتدة ولم يعلم بها وإن لم يدرء الحد فزنا.
البقوري: القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل، نعم الجهل الذي لا يمكن للمكلف رفعه بمقتضى العادة يكون عذرا كما لو تزوج أخته فظنها أجنبية إذ لو كلف اليقين في هذه الصور وشبهها لشق ذلك على المكلفين. انتهى (^١).
قوله: (وفي الزنا خلاف) أي وفي تحريم المصاهرة بوطء الزنا وعدم تحريمه به خلاف، وعدم التحريم به مذهب الموطأ وشهر.
وفي مغني النبيب عن مالك الله في موطئه: لا يحرم بالزنا حلال، وبه قال جميع أصحابه، ثم رجع عنه وكان يفتي بالتحريم إلى أن مات، فقيل له: أفلا تمحو الأول من كتابك فقال: سارت به الركبان. انتهى.
قوله: (وإن حاول تلدذا بزوجته فتلذذ بابنتها؛ فتردد) أي وإن حاول رجل تلذذا بزوجته فالتذ بابنتها منه أو من غيره ففيه تردد في تحريم زوجته واللذة شرط في ذلك وأما إن لم يتلذذ بها فلا تحرم.
قوله: (وإن قال أب نكحتها أو وطئت الأمة عند قصد الابن ذلك وأنكر ندب التنزه. وفي وجوبه إن فشا تأويلان) أي وإن قال الأب عند قصد ابنه نكاح أمرأة إني قد نكحتها أو أراد وطئ أمة فقال: قد وطئتها وأنكر الإبن ذلك ولم يصدقه ندب له التنزه عن نكاح تلك المرأة، ووطئ تلك الأمة، وأما إن لم ينكر ذلك بل صدقه فإن التنزه عنهما واجب لأنهما من حلائل أبيه، وفي وجوب التنزه فيهما إن فشا قول الأب قبل قصد
_________________
(١) هذا ما ذكره القرافي الفروق بتصرف وجيز دون ذكر للبقوري: ج ٤، ص: ٢٠٦ - ٢٠٧، الفرق الثاني والسبعون والمائتان
[ ٢ / ٢٤١ ]
الإبن ذلك وعدم وجوبه تأولان على المدونة.
قوله: (وجمع خمس) أي ويحرم على رجل جمع خمس زوجات في عصمة نكاح لا في ملك، ولو تزوج خمسا في عقود لم تحرم عليه إلا الخامسة.
قال القرافي في كتابه: أنوار البروق في أنواء الفروق: الفرق بين قاعدة الإماء أن يجمع بين عدد شاء قل أو كثر، وبين قاعدة الزوجات لا يجوز أن يزيد على أربع منهن، وهو أن القاعدة أن الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها، فوسيلة المحرم محرمة، ووسيلة الواجب واجبة، وكذلك بقية الأحكام، غير أنها أخفض رتبة منها، ومضارة المرأة يجمعها مع امرأة أخرى في عصمة وسيلة للشحناء في العادة، ومقتضى ذلك التحريم مطلقا، وقد جعل ذلك في شريعة عيسى ﵇، فلا يتزوج الرجل إلا امرأة واحدة، تقديما لمصلحة النساء، على مصلحة الرجال بنفي المضارة والشحناء.
ويقال إن ذلك شرع عكسه في التوراة لموسى ﵇ يجوز للرجل زواج عدد غير محصور يجمع بينهن تغليبا لمصلحة الرجال في الاستمتاع على مصلحة النساء في الشحناء والمضارة.
ولما كانت شريعتنا أفضل الشرائع جمع فيها بين مصلحتي الفريقين فيجوز للرجل أن يجمع بين أربع نسوة فيحصل له بذلك قضاء إربه، ويخرج به عن حيز الحجر، ويضاف لذلك التسري بما شاء، وروعيت أيضا مصالح النساء فلا تضار زوجة منهن بأكثر من ثلاث.
وسر الاقتصار في المضارة على ثلاث أن الثلاثة اعتبرت في مواطن كثيرة، فتجوز الهجرة ثلاثة أيام، والخيار ثلاثة أيام، والإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام، والمضارة ثلاثة أيام، فهذه الصور كلها الثلاث مستثناة على خلاف الأصل، فكذلك لما كانت الشحناء والمضارة على خلاف الأصل استثنى منها ثلاث زوجات يضار بها زوجة أخرى.
هذا في الأجنبيات والبعيد من القرابات، وحافظ الشرع على القرابات القريبة وصونها عن التفريق والشحناء، فلا يجمع بين المرأة وأبنتها، ولا أمها؛ لأنها أعظم القرابات؛ حفظا لبر الأمهات والبنات، ويلي ذلك الجمع بين الأختين، ويلي ذلك الجمع بين المرأة وخالتها لكونها من جهة الأم، وبرها آكد من بر الأب، ويليه المرأة
[ ٢ / ٢٤٢ ]
مع عمتها؛ لأنها من جهة الأب، ثم خالة أمها، ثم خالة أبيها ثم عمة أمها، ثم عمة أبيها، فهذا من باب تحريم الوسائل، لا من باب تحريم المقاصد.
ولما كانت الأم أشد برا بابنتها من الابنة بأمها لم يكن العقد عليها كافيا، في بغضها لابنتها إذا عقد عليها لضعف ميلها للزوج، بمجرد العقد وعدم مخالطته، فاشترط في التحريم إضافة الدخول إلى العقد، وكان العقد كافيا في بغض البنت لضعف ودها فتحرم بالعقد؛ لئلا تعق أمها، فهذا تلخيص أمر الزوجات.
وأما الإماء فلما كن مقصودات في الغالب للخدمة والهوان لا للوطء والإصطفاء بعدت مناسبتهن في شيء ليس هو وصفهن، ووقوعه نادر فيهن، والمهانة من جهة ذل الرق تمنع من الأنفة والإباء، بخلاف الزواج المبني على العز والاصطفاء، والإعزاز والتخصيص بالوطء والخدمة إنما تقع فيه تبعا، عكس باب الإماء الخدمة أصل والوطء إنما يقع فيه تبعا، فلذلك لم يقع العدد محصورا في جواز وطء الإماء لعدم المنافسة والشحناء التي هي موجودة في باب الزواج، فهذا تلخيص الفرق بين الفرقين وبيان السر في ذلك. انتهى (^١).
قوله: (وللعبد الرابعة) أي ويجوز للعبد جمع أربع نسوة في عصمة كالحر لعموم الآية وهو المشهور.
قوله: (أو اثنتين لو قدرت أية ذكرا حرم) أي وحرم جمع امرأتين لو قدرت أية ذكرا من إحدى الجانبين لم يجز له أن يتزوج الأخرى.
قوله: (كوطئهما بالملك) أي كما يحرم وطؤها بالملك أو بالنكاح.
قوله: (وفسخ نكاح ثانية) أي وفسخ نكاح ثانية ممن حرم الجمع بينهما بلا صداق، إن (صدقت) أنها ثانية أو قامت بينة بلا طلاق.
قوله: (وإلا حلف للمهر) أي وإن لم تصدقه ولا قامت، حلف الزوج ليسقط المهر عنه، إذا كان قبل البناء، هكذا قرره شيخنا محمود بن عمر، حفظه الله.
قوله: (بلا طلاق) متعلق بفسخ.
قوله: (كام وابنتها بعقد، وتأبد تحريمهما إن دخل ولا إرث، وإن ترتبتا) أي كما يفسخ نكاح أم وابنتها في عقد واحد بلا طلاق، فلا تحرم عليه به واحدة منهما، ويتأبد تحريمها عليه إن دخل يهما، ولا إرث فيه إن مات قبل الفسخ وإن ترتب، لأنه
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٣، ص: ١١٢ - ١١٣، الفرق الرابع والأربعون والمائة
[ ٢ / ٢٤٣ ]
مجمع على فساده، وكذلك يفسخ بلا طلاق والجمع بين الأختين أو خالتين أو عمتين.
قوله: (وإن لم يدخل بواحدة حلت الأم) أي وإن لم يدخل في هذا الفرض بواحدة منهما حلت الأم، وأحرى البنت، فلما كان هذا مفهوم من كلامه سكت عنه، وبيانه أن العقد الصحيح على الأم لا يحرم البنت، وأحرى الفاسدة.
قوله: (وإن مات ولم تعلم السابقة) أي وإن لم تعلم السابقة في هذا الفرع، (فالإرث) ثابت فيه، ويقسم بينهما، لأن نكاح إحداهما صحيح، (ولكل نصف صداقها)، وهذا إذا لم يدخل بواحدة.
قوله: (كأن لم تعلم الخامسة) تشبيه لإفادة الحكم أي وإذا تزوج خمسا في عقد، أو واحدة بعد واحدة، ولم تعلم الخامسة، ولم يدخل بهن وتوفى، فإن الإرث يقسم بينهن أخماسا، ولهن أربع صدقات، يقسمن بينهن أخماسا، على قدر صدقاتهن. وقال ابن عبد الكريم وطريق ذلك أن تعطى كل واحدة من عدد صداقها الخارج من قسمه على عددهن مضروبا في أربعة أخماسه.
قوله: (وحلت الأخت ببينونة السابقة، أو زوال ملك بعثق وإن لأجل، أو كتابة) أي وقد تقدم أنه لا يجوز الجمع بين من لا يجوز الجمع بينهن، وإذا تزوج امرأة فلا يحل له العقد على أختها أو خالتها أو عمتها مادامت في عصمته، إلا أن يبين السابقة بطلاق مبتوت إن كانت زوجة، أو زوال ملك إن كانت أمة بعتق، وإن كان لأجل، أو كان زوال ملك بكتابة، فإن الأخت تحل له، ولم يخالف فيه إلا اللخمي وهو وهم منه، أو توهيم لغيره، والظاهر أنه توهيم.
قوله: (أو إنكاح يحل المبتوتة) أي وتحل الأخت بنكاح أختها نكاحا صحيحا وهو المراد بقوله يحل المبتوتة وأتى بلفظ الرباعي وقال بنكاح ليبين أن التحليل فيها يقع بمجرد العقد، غفل الشارح هنا نعم الله.
قوله: (أو أسر، أو إباق إياس، أو بيع دلس فيه) أي وتحل الأخت بسبب أسر أختها، أو بإباقها إباق إياس، أو ببيعها بيعا صحيحا وإن دلس فيه، وأحرى إن لم يدلس فيه بعيب، لأن الخيار فيها للمشتري لا للبائع.
قوله: (لا فاسد لم يفت، وحيض وعدة شبهة، وردة، وإحرام، وظهار) أي لا تحل بسبب بيع فاسد لم يفت ذلك البيع، فإن فات فإنها تحل به، وكذلك لا تحل بسبب
[ ٢ / ٢٤٤ ]
حيض، ولا بسبب عدة شبهة المراد بالعدة هنا الإستبراء، كالاستبراء في المغلوط فيها، وكذلك لا تحل بسبب ردة، ويعني بذلك في أيام الاستتابة، وكذلك لا تحل بإحرامها بحج أو عمرة أو ظاهر منها، لقصور الأزمنة في ذلك.
قوله: (واستبراء، وخيار، وعهدة ثلاث، وإخدام سنة، وهبة لمن يعتصرها منه، وإن ببيع) أي ولا تحل الأخت بسبب بيع أختها بيعا فيه استبراء أو فيه خيار أو عهدة الثلاث، لأنها في الإستبراء وأيام الخيار، وعهدة الثلاث في ضمان البائع لا في ضمان المشتري، ومفهوم عهدة الثلاث أن عهدة السنة تحلها، والمفهوم صحيح، وكذلك لا يحلها إخدام الأخت سنة ونحوها، أو هبة لمن له الاعتصار منه، وإن كان الاعتصار ببيع من يتيمه، لأن له أن يشتريها منه لنفسه.
قوله: (بخلاف صدقة إن حيزت، وإخدام سنين) أي فإن تصدق بالأمة على من يعتصر منه، وحيزت الصدقة، فإن أختها تحل له، لأن الصدقة لا اعتصار فيها، وكذلك تحل الأخت إذا أخدمت الأولى سنين.
قوله: (ووقف إن وطئهما ليحرم) أي ووقف واطئ الأختين بملك اليمين عن وطئهما إلى أن يحرم أيهما شاء.
(فإن أبقى) الموطوءة (الثانية استبرأها) من وطئه الفاسد، وإن كان الولد يلحق به، ولا يحد القائل للولد: ابن الماء الفاسد.
قوله: (وإن عقد فاشترى فالأولى) أي وإن عقد على امرأة بنكاح، فاشترى أختها، فإن الأولى منهما تتعين، لأن العقد هنا كالوطء بملك اليمين، (فإن) خالف الشرع (ووطئ) المشتراة المنهي عن وطئها، (أو عقد) بالنكاح (بعد تلذذه بأختها بملك فك) الفرع (الأول) في الإيقاف عنهما، ليحرم أيهما شاء، وفي الاستبراء إن أبقى الثانية وتقرير الشارح هنا جيد.
قوله: (والمبتوتة حتى يولج بالغ قدر الحشفة بلا منع) إلى آخر الفروع أي وحرم نكاح المبتوتة على مطلقها لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾! [سورة البقرة: ٢٣٠] أي نكاحا صحيحا فيه رغبة ولا دلسة فيه فإنها تحل له بشروط وهي: ولوج الحشفة أو قدرها من مقطوعها من بالغ احترازا من غير البالغ لأن وطأه لا يحلها، وفي بعض النسخ حتى يولج مسلم بالغ بزيادة مسلم وهو صحيح.
قال في المدونة والنصرانية يبتها مسلم فلا يحلها وطء نصراني بنكاح إلا أن
[ ٢ / ٢٤٥ ]
يطأها بعد إسلامه (^١). انتهى من ابن غازي (^٢).
وأن يكون ذلك الإيلاج في فرج مباح حينئذ وطؤه لا في فرج ممنوع فيه الوطء كدبر أو حائض أو نفساء أو محرمة أو صائمة فإنها لا تحل به خلافا لابن الماجشون.
قوله: (ولا نكرة فيه بانتشار) أي وأن لا نكرة لأحد الزوجين في الإيلاج بل مقران به فإن أنكره أحدهما لا تحل، ومن الشروط أن يكون الإيلاج بذكر منتشر انتشار كاملا، إذ بذلك يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته، كما قال ﷺ لامرأة أرادت الرجوع إلى زوجها الأول فتزوجت ثانيا فقال لها: «لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك (^٣)، وإن لم ينزل، خلافا لمن قال: لا تحل بالإيلاج فقط حتى ينزل.
قوله: (في نكاح لازم وعلم خلوة وزوجة فقد ولو خصيا) وأن يكون الإيلاج في نكاح لا في وطئ سيد أمته المبتوتة فإنه لا يحلها ذلك لمطلقها.
واحترز بقوله: لازم من نكاح غير لازم، كنكاح العبد من غير إذن سيده، أو نكاح فيه خيار لأجل عيب به، أو بها، ومنها أن يعلم خلوة بها ببينة ويكفي في إثبات الخلوة شهادة امرأتين بخلوة يمكن شغلها منه، ومن الشروط علم الزوجة فقط بالإيلاج ولا يشترط فيه علم الزوج لقوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] ولم يقل حتى ينكحها ولذلك يحلها وطئ مجنون عند ابن القاسم وأشهب.
قوله: (كتزويج غير مشبهة ليمين لا بفاسد إن لم يثبت بعده بوطء ثان، وفي الأول تردد) الكاف للتشبيه أي كما يحلها من تزوجها وهي ممن لم تشبه مناكحه لأجل يمين عليه ليتزوجن ولكن لا يبرأ هو من يمينه.
قوله: لا بفاسد فهو مفهوم لقوله: في نكاح لازم، وقد يكتفي بالمفهوم وقد لا يكتفي به أي لا تحل المبتوتة بنكاح فاسد، لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، وهذا إذا لم يثبت بالدخول فأما إن ثبت بعده فإنها تحل بالوطء الثاني، وهل تحل بالوطئ الأول أم لا؟ فيه تردد لعدم النص، منشأ الخلاف أن النزع هل هو وطئ أم لا؟.
_________________
(١) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ١، ٣٤٥.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٤٤٧/ ٤٤٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: (٨١) - كتاب الأدب. (٦٨) - باب التبسم والضحك. الحديث: ٥٧٣٤. وأخرجه مسلم في صحيحه: (١٦) - كتاب النكاح (١٧) - باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره ويطأها ثم يفارقها وتنقضي عدتها الحديث: ٥٧٣٤.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وقوله: (كمحلل وإن مع نية إمساكها مع الإعجاب) تمثيل للفاسد إذ هو من صوره، وليس بتنظير. انتهى.
وقال مالك في المختصر: ومن نكح امرأة ليحلها لزوجها، فلا يحل ذلك ولا يقر على ذلك النكاح حتى يستقبل نكاحا جديدا، ولها مهرها إذا أصابها، ولا ترجع إلى الزوج الأول إلا بنكاح رغبة غير دلسة يصيبها فيه.
فنص الله على أن نكاح المحلل لا يحل ولا يحل.
وأن نكاح الدلسة لا يجوز ولا يفيد، فلا ينتفع بلطائف الحيل في تحصيل الإحلال عنده، بل لا يقع حلالا ولا يفيد إحلالا.
وذلك مقتضى الحديث الصحيح: «لعن رسول الله ﷺ المحل والمحلل له» (^١).
انتهى من الجواهر (^٢).
الزناة ثلاثة: المحلل والمحلل له والمحللة، اتقي الله ولا تكن مسمار النار.
انتهى.
وقال ابن فرحون في تبصرته: جرت عادة قضاة العصر بمنع المرأة المبتوتة من رجعة مطلقها، حتى يثبت دخول الزوج الثاني بها دخول اهتداء، وأنه كان يبيت عندها ويتصرف عليها تصرف الأزواج على الزوجات، وما علموا في نكاحها ريبة ولا دلسة. انتهى (^٣).
وفي أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي: الفرق بين الإباحة المطلقة وبين مطلق الإباحة المتوتة حرام على مطلقها، لكونها مطلقة ثلاث، فلما تزوجها الزوج الثاني صارت مباحة من جهة الطلاق الثلاث وزال التحريم الناشئ عنه وبقي التحريم بكونها أجنبية وتجدد سبب آخر للتحريم وهو كونها زوجة، لغيره فقد خلف السبب الزائل سبب آخر وزال التحريم الكائن بسبب الطلاق الثلاث وثبة مقتضى الغاية، وإذا طلقها الزوج الثاني بقيت محرمة بالعدة وهو سبب متجدد وبكونها أجنبية، فإذا عقد عليها الزوج الأول زال التحريم بسبب كونها أجنبية،
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه: (٩) - كتاب النكاح (٢٩) - باب ما جاء في المحل والمحلل له. الحديث: ١١١٩. وأخرجه أبو داود في سننه (١٢) - النكاح (١٦) - باب في التحليل. الحديث: ٢٠٧٨.
(٢) عقد الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٤٣٨.
(٣) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام لابن فرحون
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وبقيت محرمة بسبب ما تجدد من حيض أو صوم أو غيرهما، فإذا زال ذلك ثبتت الإباحة المطلقة، وكان الثابت قبل ذلك مطلق الإباحة المطلقة. انتهى (^١).
قوله: (ونية المطلق ونيتها لغو) يريد أن المعتبر نية المحلل وأما نية المطلق والمبتوتة لغو فلا يعتبر إن لم يكن فيه دلسة ولا ريبة بل نكاح رغبة.
قوله: (وقبل دعوى طارئة التزويج) أي ويقبل دعوى طارئة التزويج مبتوتة أنها تزوجت بعد البت وإن كانت غير مأمونة إذ يشق عليها إثبات ذلك إلا أن تكون بلدتها قريبة.
قوله: (كحاضرة أمنت إن بعد، وفي غيرها قولان) أي كما يقبل دعوى حاضرة مبتوتة أنها تزوجت بشرط أن تكون مأمونة، إن بعد أمد التزويج وإلا فلا يقبل دعواها، وفي الحاضرة غير المأمونة إن بعد الأمد قولان.
قوله: (وملكه أو لولده، وفسخ، وإن طرأ بلا طلاق كمرأة في زوجها ولو بدفع مال) أي وحرم نكاح ملكه أو ملك ولده وإن وقع ونزل فسخ بلا طلاق وإن كان الملك طارئا لأنه مجمع على فساده، كما يفسخ نكاح امرأة ملكت زوجها وإن دفعت المال لسيد العبد ليعتق عنها لأنه لا يعتق عنها حتى يدخل في ملكها وبنفس دخوله في ملكها يفسخ نكاحها بلا طلاق.
وقوله: (ليعتق عنها) مفهومه إن عتق عن غيرها فلا يفسخ لأنه لا يدخل ملكها. انتهى.
الفرق بين قاعدة زواج الإماء في ملك غير الزوج، وبين قاعدة زواج الإنسان لإمائه المملوكات له والمرأة لعبدها أو في غير ملكها، فإن الأول يصح بشرطه، والثاني باطل، والفرق مبني على قواعد:
القاعدة الأولى: أن كل تصرف لا يترتب عليه مقصوده لا يشرع، ولذلك لا يحد المجنون بسبب الجناية في الصحة، ولا السكران؛ لأن مقصود الحد الزجر بما يشاهده المكلف من المؤلمات والمذلات والمهانات في نفسه، وذلك إنما يحصل بمرآة العقل.
القاعدة الثانية من مقتضى الزوجية قيام الرجل على المرأة بالحفظ والصون والتأديب لإصلاح الأخلاق ولقوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء:
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٣، ص: ١٢٩، الفرق الحادي والخمسون والمائة
[ ٢ / ٢٤٨ ]
والاسترقاق يقتضي قهر السادات، والقيام على الرقيق للأعمال، وإصلاح الأخلاق في جميع ذلك، والاستيلاء بالاستهانة، فيتعذر أن تكون أمة الإنسان زوجته، وعبد المرأة زوجها لتناقض آثار الحقوق.
القاعدة الثالثة: كل أمرين لا يجتمعان يقدم الشرع أقواهما على أضعفهما، وكذلك العقل والعرف والرق أقوى من النكاح؛ لكونه يوجب التمكن من المنافع والإخدام مع ملك الرقبة، ولا يقتضي النكاح غير إباحة الوطء، فيكون لذلك أقوى، فيقدم على النكاح.
وبهذه القواعد الثالث ظهر الفرق بين اجتماع النكاح والرق الكائن لغير الزوجين وبين امتناع اجتماعهما إذا كان الرق للزوجين. انتهى من انوار البروق في أنواع الفروق للقرافي (^١).
قوله: (لا إن رد سيد شراء من لم يأذن لها أو قصدا بالبيع الفسخ) أي لا يفسخ نكاحها إن رد سيدها شراء من لم يأذن لها بشراء زوجها ولا أذن لها في التجارة، مفهومه إن لم يرده فسخ وهو كذلك، ومفهومه إن أذن لها في التجر يفسخ وهو كذلك، وكذلك لا يفسخ النكاح إذا قصد السيد والأمة بالبيع الفسخ.
قوله: (كهبتها للعبد لينتزعها) أي كما لا يفسخ نكاح العبد إذا وهب له السيد زوجته، لينتزعها منه إذا ملكها، لأن في المدونة: ولا يطلق السيد على عبده بغير إذنه. انتهى.
قال أصبغ: يكره ذلك للسيد فإن فعل جاز.
قوله: (فأخذ جبر العبد) أي ويؤخذ من هذا الفرع جبر العبد (على) قبول (الهبة)، إذ لولا ذلك لم يكن لهبة السيد تأثير، ولكن يعتبر قصده فيها.
قوله: (وملك أب جارية ابنه بتلذذه بالقيمة، وحرمت عليهما؛ إن وطناها وعتقت على مولدها) أي ويملك الأب أيضا جارية ابنه وإن كبيرا بتلذذه منها بالقيمة لا مجانا، لو قال الشيخ: جارية ولد ليشمل الذكر والأنثى لكان أولى، وللابن أخذها من الأب إذا كان معدما بالقيمة المترتبة في ذمته إن لم تحمل، والقيمة فيها يوم الوطء وما للأب في ذلك فللجد مثله فتحرم عليهما وعلى الابن بالوطء وتعتق على مولودها منهم عتقا ناجزا، لأن الاستمتاع منها حرام.
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٣، ص: ١٣٣، الفرق الثالث والخمسون والمائة
[ ٢ / ٢٤٩ ]
قوله: (ولعبد تزوج ابنة سيده بثقل) أي وجاز لعبد تزوج ابنة سيده بثقل عند مالك، وأجازه ابن القاسم بغيره كره.
قال صالح نظم اللباب: لا يزوج الرجل أبنته لعبده إلا بخمسة شروط: الأول أن يكون العبد في غير خدمة السيد قد استقل بنفسه للتجارة أو حرفة. وأن لا يكون وغدا. وأن تكون قد عنست في بيت أبيها. وأن تكون غير مرغوب فيها. وأن تكون بها حاجة إلى النكاح ويبقى عليها. وأن يكون ذلك برضاها. انتهى.
قوله: (وملك غيره كحر لا يولد له) أي ويجوز للعبد تزوج بملك غيره بلا كره كما يجوز ذلك للحر الذي لا يولد له كالخصي والمجبوب
قوله: (وكأمة الجد) أي وكذلك يجوز للحر تزوج بأمة الجد ونحوها كالجدة للأم أو للأب والمراد بالجد ونحوه الحر.
والحاصل أن له التزوج بأمة كل من يعتق ولده عليه.
قوله: (وإلا) أي فإن كان الحر ممن يولد له (فإن خاف) من (زنا وعدم ما يتزوج به حرة غير مغالية ولو كتابية) تزوجها وأجاز ابن القاسم التزوج بها بغير هذه الشروط. قوله: (أو تحته حرة) أي فإن خاف الزنا وعدم ما يتزوج به حرة أخرى، تزوج أمة ولو تحته حرة.
وقوله: أو تحته حرة صوابه ولو تحته بواو النكاية ولو الأغيائية.
قوله: (ولعبد بلا شرك ومكاتب وغدين نظر شعر السيدة كخصي وعد لزوج) أي وجاز للعبد بلا شرك فيه ومكاتب وغدين نظر شعر سيدتهما من غير قصد اللذة كما يجوز ذلك لخصي وغد لزوج السيدة.
قوله: (وروي جوازه) أي وروي عن مالك جوز نظر الخصي الوغد لشعر المرأة وإن لم يكن لها ولا لزوجها، وفي بعض النسخ (وإن لم يكن لهما) بتثنية الضمير.
قال ابن غازي: وهو الصواب (^١).
قوله: (وخيرت الحرة مع الحر في نفسها بطلقة بائنة) أي وتخير الحرة في نفسها لا في الأمة إذا تزوجها حر ولم تعلم بها فإن أختارت نفسها فبطلقة واحدة بائنة، إذ الضرر في أكثر من واحدة، ولا نفقة لها في الرجعة.
قوله: (كتزويج أمة عليها أو ثانية أو علمها بواحدة فألفت أكثر) أي كما تخير الحرة
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٤٤٩.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
تحت الحر في تزوجه أمة عليها، أو ثانية بعد أن رضيت بالأولى، أو كانت علمت بأمة واحدة أو اثنتين فوجدت أكثر مما علمت به.
قوله: (ولا تبوأ أمة بلا شرط أو عرف) أي ولا تبوأ أمة مع زوج حرا كان أو عبدا بل تبقى على ما كانت عليه إلا لشرط في ذلك أو عرف فيه.
التبوأ: انتقال الأمة مع زوجها لبيته.
وفي مغني النبيل عن مالك: وليس لسيدها أن يضر بالزوج في ما يحتاج إليه من جماعها ولا للزوج أن يضر به في خدمتها، والمعتقة لأجل كالأمة وأم الولد كالحرة، وله ضم المعتق بعضها في يومها وأم الولد كالحرة، وله ضم المكاتبة إليه ولا يمنعها من ما كانت عليه من السعي. انتهى.
قوله: (وللسيد السفر بمن لم تبوأ، وأن يضع من صداقها، إن لم يمنعه دينها) أي ولسيد الأمة المتزوجة السفر بها إن لم تكن مبوءة، وله أن يضع من صداق أمته عن الزوج ما شاء إن لم يمنع الوضع دين عليها، (إلا ربع دينار) من الصداق فليس للسيد إسقاطه لأنه حق الله تعالى.
قوله: (و) له (منعها حتى يقبضه، وأخذه وإن قتلها أو باعها بمكان بعيد) أي وللسيد منع أمته من زوجها حتى يقبض صداقها، وله أخذ صداقها وإن كان قد قتلها إذ لا يتهم، وكذلك الحرة إذا قتلت نفسها لها الصداق لأن الموت كالدخول إذ لا تتهم في قتلها نفسها لأخذ الصداق، وكذلك له أخذ صداقها وإن باعها لمن هو في مكان بعيد.
قوله: (إلا لظالم) أي فليس للسيد أخذ الصداق إن باع الأمة لظالم لا تجري عليه الأحكام، يريد قبل البناء وأما بعده فله أخذه، لأنه قد تقرر.
قوله: (وفيها يلزمه تجهيزها به، وهل خلاف وعليه الأكثر، أو الأول لم تبوأ) أي وفي المدونة من كتاب الرهن يلزمه تجهيز الأمة بصداقها، لو قال الشيخ وفيها أيضا لكان أولى لأن ما قبله في المدونة، وهل هذا التأويل خلاف ما في المدونة وعليه الأكثر؟ أولا أي أو ليس بخلاف أو التأويل الأول إن لم تبوأ والثاني إن تبوأ (أو) الأول إن (جهزها من عنده؟) والثاني إن لم يجهزها فيه (تأويلان).
قوله: (وسقط ببيعها قبل البناء منع تسليمها لسقوط تصرف البائع) أي وسقط بيعها لمنع البناء منع تسليمها أي بسبب بيع الأمة منع تسليمها للزوج حتى يعط الصداق، لسقوط تصرفه فيها بخروجها عن ملكه، يريد ويسقط أيضا حق المشتري منه إذ ليس
[ ٢ / ٢٥١ ]
له مهرها، لأنه كمالها وهو للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، وعليه فله المنع بها حتى يقبض ما كان للبائع قبضه.
قوله: (والوفاء بالتزويج) أي وسقط الوفاء بالتزيج بالعتق (إذا أعتق عليه) أمة لأنها بنفس العتق ملكت نفسها ولأن الوعد لا يقضى به، وروي عن ابن القاسم أنه يزوجها من نفسه بغير رضاها.
قال المتيطي: العمل على الأول.
قال ابن عرفة: رأيت قديما في بعض الأجزاء الفقهية عن سحنون أن ابن القاسم كان جالسا مع أصحابه فقال لهم: اشهدوا أني زوجت معتقتي من نفسي، فقال بعض جلسائه حتى تستأذن، فقال له: أسكت يا جاهل مثلك لا يعرف هذا. انتهى من القلشاني (^١).
قوله: (وصداقها) إن بيعت لزوج أي ويسقط صداق الأمة إن بيعت الأمة لزوجها قبل البناء لأن الفسخ قبل البناء لا صداق فيه، يدل عليه.
قوله: (وهل ولو ببيع سلطان لفلس) أي وهل يسقط عن الزوج ولو كان البيع بيع سلطان؟ لأجل فلس سيدها (أولا؟) يسقط بل يدفعه الزوج مع الثمن للغرماء لأنهم استحقوه ويرجع به يوما ما على السيد إن أفاد مالا، فلا يرجع به من الثمن، بل له أن يحاصص به الغرماء وإليه أشار بقوله: (ولكن لا يرجع به من الثمن تأويلان).
قوله: (وبعده كمالها) أي وإن باع الأمة بعد البناء لزوجها فصداقها كغيرها من مالها، فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع.
قوله: (وبطل في الأمة إن جمعها مع حرة فقط) أي وبطل العقد في الأمة إن جمعها مع حرة، في عقد واحد وهذا حيث لا يجوز له نكاح الأمة بوجود الطول وعدم خشية العنت وأما حيث يجوز له فلا يبطل وهذا الفرع هو المرجوع عنه وهو قول ابن القاسم والمرجوع إليه فإن النكاح يصح فيهما. وخيرت الحرة في نفسها كما تقدم سحنون لا يجوز هذا النكاح فيهما لأنه صفقة جمعت حلالا وحراما.
قوله: (بخلاف الخمس والمرأة ومحرمها) أي يريد إذا تزوج خمس نسوة في عقد واحد فإن العقد يبطل في الجميع، وكذلك جمع امرأة مع محرمها في عقد كالعمة والخالة والأخت فإن النكاح فيهما يفسخ وإن ولدن الأولاد، لمنعه في الكتاب
_________________
(١) شرح الرسالة للقشاني: ج ٢، ص: ٥
[ ٢ / ٢٥٢ ]
والسنة.
قوله: (ولزوجها العزل إذا أذنت وسيدها) أي ولزوج الأمة عزل المني عنها عند الإنزال إن أذنت له في ذلك وسيدها لحقها في الوطء، ولحق سيدها في الولد ولها أن تأخذ الأجرة على ذلك ولها أن ترجع حيث شاءت فإن رجعت ترد ما أخذت وأما الاستمناء باليد ونحوها وهو إخراج المني لا يجوز وكذلك لا يجوز إسقاط الولد أو برودة الرحم حتى لا يقبل الولد.
وكذلك إخراج المني بعد حصوله في الرحم أو ما يقطع المني.
قوله: (كالحرة) تشبيه أي كما يجوز للزوج عزل المني عن الحرة (إذا أذنت) له به، إذ لها حق في الوطء وللشارح هنا ﵀ خبط.
قوله: (والكافرة: إلا الحرة الكتابية بكره وتأكد بدار الحرب، ولو يهودية تنصرت، وبالعكس) أي وحرم على العبد المسلم استمتاع بكافرة بنكاح أو ملك، إلا الحرة الكتابية ولو كانت يهودية تنصرت أو نصرانية تهودت، فيحل الاستمتاع بها بنكاح مع كراهة عند مالك لا ابن القاسم، فإنه قال بجوازه من غير كراهة، وعلى قول مالك يتأكد الكره إن كان ببلد الحرب، وكذلك يكره نكاح نساء محاربين إن أقام معهم، وعلة الكراهة في الكتابية أنه لا يقدر على منعها من أكل الميتة والخنزير وشرب الخمر وهو يقبل ويضاجع.
قوله: (وأمتهم بالملك) أي ويجوز وطء أمة كتابية بالملك لا بالنكاح.
ابن أبي زمنين: خص أهل الكتاب بإحلال نسائهم إكراما للكتاب الذي بأيدهم. قوله: (وقرر عليها) أي وقرر زوج الكتابية عليها (إن أسلم ولو أنكحتهم فاسدة) وأحرى إن كانت صحيحة.
قوله: (وعلى الأمة والمجوسية إن عتقت وأسلمت ولم يبعد كالشهر، وهل إن غفل أو مطلقا؟ تأويلان) أي وقرر على زوج أمة كتابية أسلم وعتقت وكذلك زوج حرة مجوسية أسلمت بعد إسلامه ولم يبعد ما بين إسلامه وعتق الأمة وإسلام الحرة المجوسية بل قرب ما بين ذلك، بكشهر وهل الأمر كذلك إذا غفل عنها ولم يرفع إلى الإمام وإلا فهو بعيد، أو هو قريب مطلقا غفل عنها أم لا وهو ظاهر المدونة فيه تأويلان.
قوله: (ولا نفقة) لها أي ولا نفقة على الزوج في ما بين إسلامه وعتقه وإسلام المجوسية الحرة لأن الامتناع من جهتها بتأخر العتق عنها وتأخر إسلام المجوسية.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
قوله: (أو أسلمت ثم أسلم في عدتها ولو طلقها، ولا نفقة على المختار والأحسن) أي فإن أسلمت الحرة الكتابية بعد البناء ثم اسلم زوجها وهي في استبرائها منه فإنهما … يقران على نكاحهما ولو كان قد طلقها في ذلك الاستبراء إذ لا عبرة بطلاق الكفر، ولا نفقة لها عليه في ما بين إسلامهما على ما اختاره اللخمي وعلى القول الأحسن لأنها منعت نفسها.
تنبيه: سمى الشيخ الاستبراء هنا عدة.
قوله: (وقبل البناء بانت مكانها) أي وإن أسلمت قبل البناء بانت منه مكانه لأنه فسخ قبل البناء.
قوله: (أو أسلما) معا أي ويقران على نكاحهما إن أسلما معا وإن انعقد نكاحهما على وجه فاسد كعقد بلا ولي أو بلا صداق أو على خمر أو خنزير.
قوله: (إلا المحرم) هذا راجع على الصور كلها حيث يقران على نكاحهما أي إلا نكاح المحرم كالأخت والعمة والخالة وكل ما لا يجوز في الشرع فإنهما لا يقران عليه بل يفسخ لأن الدوام كالإبتداء.
قوله: (وقبل انقضاء العدة والأجل وتماديا له) أي وكذلك لا يقران على نكاحهما إذا نكحها في عدة من غيره ثم أسلما معا فيها ثم انقضت العدة فإنه يفسخ وكذلك لا يقران عليه إذا نكحها إلى أجل وتماديا إليه إلا أن ينقضي الأجل قبل إسلامهما فإنهما يقران حينئذ على نكاحهما.
قوله: (ولو طلقها ثلاثا، وعقد إن أبانها بلا محلل) راجع على فروع الكل حيث يقران إذا أقام معها ولم يبنها من نفسه وإن أبانها من نفسه في كفر فله أن يعقد عليها بلا محلل لأن طلاق الكفر غير معتبر.
قوله: (وفسخ لإسلام أحدهما) أي وفسخ نكاحهما بسبب إسلام أحدهما حيث لا يقران (بلا طلاق).
قوله: (لا ردته فبائنة) أي لا إن فسخ لأجل ردة أحدهما فإنه يفسخ بطلاق بائن (ولو ارتد الزوج لدين زوجته)، الفرق بين الردة وبين إسلامه أن الردة صادفت نكاحا صحيحا، والإسلام لم يصادفه ولذلك فسخ بلا طلاق.
مسألة: روى ابن سحنون عن أبيه في المسلم يرفع زوجته المسلمة إلى الحاكم يدعي عليها الإرتداد عن دينها وتنكر أن الحاكم يفرق بينهما لإقراره بارتدادها
[ ٢ / ٢٥٤ ]
الموجب للفرقة. انتهى من الجواهر (^١).
قوله: (وفي لزوم الثلاث لذي طلقها وترافعا إلينا، أو إن كان صحيحا في الإسلام، أو بالفراق مجملا، أو لا، تأويلات) أي وفي لزوم ثلاث تطليقات لذمي طلقها أي الثلاث إن ترافعا إلينا للحكم بينهما وهو قول ابن شبلون، أو إنما تلزمه إن كان نكاحهما صحيحا في الإسلام وإلا فلا تلزمه وهو قول أبي محمد أو يحكم بينهما بالفراق مجملا لا بثلاث ولا غيرها وهو قول القابسي أو لا يحكم بينهما ولا يتعرض لهما بوجه وهو لابن أبي هشام فيه تأويلات.
قوله: (ومضى صداقهم الفاسد أو الإسقاط إن قبض ودخل) أي ويمضي صداق الكافر وإن كان فاسدا في الاسلام وكذلك إن أسقطوه أصلا إن قبض الفاسد أو دخل بها في الفاسد أوفي الاسقاط.
قوله: (وإلا فكالتفريض) أي وإن لم يقبض الصداق الفاسد أولم يدخل فحكمه حكم نكاح التفويض وسياتي إن شاء الله.
قوله: (وهل إن استحلوه) أي وهل مضى صداقهم الفاسد مقيد بما يستحلوه في دينهم، أو يمضي مطلقا استحلوه أم لا فيه تأويلان).
قوله: (واختار المسلم أربعا) أي واختار كافر أسلم عن أكثر من أربع نسوة أربعا منهن بنى بهن أم لا، (وإن) كن (أواخر) بالعقد عليهن، وفي بعض النسخ وإن كن أوائلا خلافا لمن قال: الأوائل تتعين.
قوله: (وإحدى أختين مطلقا، وأما وابنتها لم يمسهما) أي وله أن يختار إحدى الأختين كانتا عنده عقد عليهما في عقد واحد أم لا، دخل بهما أم لا وإليه أشار بقوله: مطلقا، وكذلك له أن يختار ما شاء من أم وابنتها إذا كانتا عنده وأسلم قبل أن يمسهما (وإن مسهما حرمتا) عليه (و) إن مس (إحداهما) دون الأخرى (تعينت) الممسوسة.
قوله: (ولا يتزوج ابنه أو أبوه من فارقها) أي ولا يتزوج أبن الذي اختار من زوجاته أو أبوه من فارقها منهن وهن اللاتي أختار عنهن، ولكن لفظ المدونة هنا لا يعجبني، وفهمه عياض وابن الحاجب على المنع.
قوله: (واختار بطلاق أو ظهار أو إيلاء أو وطء) أي ويختار منهن بكل ما يدل على
_________________
(١) الجواهر الثمينة لابن شاس: ج ٢، ص: ٤٤٣.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
التمسك بعصمتها من قول أو فعل، لاشك أن الطلاق والظهار والإيلاء من الدلائل القولية والوطء من الدلائل الفعلية، وسكت الشيخ نور الله ضريحه عن التصريح لوضوحه، كقوله: اخترت فلانة وفلانة فينبغي أن يلحق بالوطء مقدماته.
قوله: (والغير إن فسخ نكاحها، أو ظهر أنهن أخوات ما لم يتزوجن) أي إنما يختار في غير من فسخ نكاحهن كما إذا قال: فسخت نكاح فلانة بل يختار فيمن عداها وكذلك إن ظهر أن مختاراته أخوات فإن له أن يختار في غيرهن ما لم يتزوجن ظاهره أنهن يفتن بالعقد وهو كذلك خلافا لما قال في توضيحه لأنه عده من المسائل التي تفوت بالدخوله.
قوله: (ولا شيء لغيرهن إن لم يدخل به) أي ولا شيء لغير من اختار منهن إن لم يدخل بها والضمير في بها عائد على الغير.
قوله: (كاختياره واحدة من أربع رضيعات تزوجهن وأرضعتهن امرأة، وعليه أربع صدقات إن مات ولم يختر) أي كما لا شيء لغير من اختار كما إذا أسلم وعنده أربع أخوات من الرضاعة، أو مسلما تزوج أربع رضيعات، فأرضعتهن امرأة فإن له أن يختار منهن واحدة شاء وعليه أربع صدقات لهن إن مات قبل أن يختار لأن الموت كالدخول. قوله: (ولا إرث إن تخلف أربع كتابيات عن الإسلام) أي ولا إرث للمسلمات إن تخلف أربع كتابيات، أي امتنعن من الإسلام لاحتمال أن يختار الكتابيات إذ لا إرث بالشك.
قوله: (أو التبست المطلقة من مسلمة وكتابية) أي وكذلك لا إرث للمسلمة إن مات عنها وعن كتابية وقد طلق إحداهما طلاق بائنا أو كان غير بائن، ولكن انقضت العدة، والتبست المطلقة منهما ولم تتعين، إذ لا إرث بالشك وأما إن كان الطلاق رجيعا فإن الإرث ثابت للمسلمة على كل حال، لأنها إن كانت هي المطلقة فلها الإرث، لأنها رجعية ولم تخرج من العدة وإن لم تكن هي المطلقة فلها الإرث لأنها زوجة.
قوله: (لا إن طلق إحدى زوجتيه وجهلت، ودخل بإحداهما ولم تنقض العدة، فللمدخول بها الصداق: وثلاثة أرباع الميراث، ولغيرها ربعه وثلاثة أرباع الصداق) أي فإن طلق رجل إحدى زوجتيه طلاقا رجعيا وهما مسلمتين، وجهلت المطلقة منهما، لأجل أن الشهود لم يعينوها بل شهدوا أنه طلق واحدة منهما ولم يعينها لهم والحال أنه قد دخل بواحدة، ولم تنقضي العدة فإن الإرث ثابت لأن سببه لا شك فيه وإنما الشك
[ ٢ / ٢٥٦ ]
في تعيين مستحقه فبسبب ذلك فللمدخول بها صداقها كاملا وثلاثة أرباع الميراث لاحتمال كونها غير المطلقة الميراث كله لها، وعلى احتمال كونها هي المطلقة لها نصفه، فيقع الحصاص بينهما وبين غيرهما في الارث على أربعة، فيكون لها ثلاثة أرباعه ولغيرها ربعه، وثلاثة أرباع الصداق فلأنها إن كانت هي المطلقة فليس لها إلا نصف الصداق وإن كانت هي غير المطلقة فلها الصداق كاملا، فيقع النزاع بينهما، وبين الورثة في النصف فيقسم بينهما نصفين، فتأخذ نصفه وذلك ثلاثة أرباع الصداق، وهذا كله إذا لم تنقضي العدة، وأما إن انقضت فالميراث بينهما نصفين، لجهل المطلقة منهما.
قوله: (وهل يمنع مرض أحدهما المخوف، وإن أذن الوارث أو إن لم يحتج، خلاف) أي وهل يمنع المرض المخوف النكاح لمن أراده من رجل أو امرأة وإن أذن له الوارث به، وإن احتاج إلى الاستمتاع لأن للوارث الإذن قد يموت قبله، ويصير الحق لغيره أو المنع مقيد بعدم الحاجة إلى النكاح وأما إن احتاج إليه فليس بمانع فيه خلاف، والمراد بالمرض المخوف غير المتطاول وأما المتطاول فليس بمانع.
قوله: (وللمريضة بالدخول) أي وإذا تزوج صحيح مريضة ودخل بها فلها (المسمى) إن سمى وإلا فصداق المثل.
قوله: (وعلى المريض من ثلثه الأقل منه ومن صداق المثل) أي وإذا تزوج المريض مرضا مخوفا غير متطاول صحيحة أو مريضة ودخل بها فإن عليه من ثلثه الأقل من المسمى وصداق المثل، غفل الشارح هنا ﵀ وكم أجاد أصلح.
مسألة: وفي المفيدة: سئل ابن رشد ﵀ عن من أقام بينة أن نكاحه وقع على الصحة، وشهدت بينة أنه قد وقع في المرض فقيل بينة الصحة أعمل، وقيل بينة المرض أعمل وقيل يسقطان فوجه من قال ببينة الصحة أعمل فإن العقد محمول على الصحة ووافقت ما يحمل العقد عليه ووجه من قال ببينة المرض أعمل فلأن العقد محمول على الصحة، فقد أثبتت حكما وزادت، ووجه من يسقطها فلتعارضها ويبقى النكاح محمولا على الصحة، حتى يثبت خلافها قال: وينبغي أن يتركب فيه قول رابع في تكافئ البينتين في البيوع ذكر في المبسوط أن يقرع بين البينتين وهو شاذ. انتهى.
قوله: (وعجل بالفسخ) أي ويعجل بفسخ نكاح المريض المخوف (إلا أن يصح المريض منهما) قبل الحكم بالفسخ فيمضي دخل بها أم لا لزوال علة المنع، وهذا هو
[ ٢ / ٢٥٧ ]
المرجوع إليه وأما المرجوع عنه يفسخ وإن صح المريض منهما.
قوله: (ومنع نكاحه النصرانية والأمة على الأصح، والمختار خلافه) أي ومنع نكاح المريض النصرانية والأمة، وإن لم يرثاه على القول الأصح نظرا للمال إذ قد تسلم النصرانية وتعتق الأمة فترثان، والمختار عند اللخمي من الخلاف خلاف القول الأصح نظرا للحال أنهن لا يرثنه في الحال ولا عبرة في المال.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
فصل [في الخيار لأحد الزوجين]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه العيوب التي توجب الخيار لأحد الزوجين وما تعلق بذلك ليس مما تقدم فيناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (الخيار إن لم يسبق العلم أو لم يرض أو يتلذذ) أي يثبت الخيار لكل من الزوجين بوجود عيب في الآخر إن لم يسبق له العلم بذلك العيب، وإن سبق له العلم به فلا خيار له به وكذلك لا خيار له إن رضي به بعد العلم به، أو بعد تلذذه بعد العلم بالعيب.
قوله: (وحلف على نفيه) أي ويحلف من ادعي عليه منهما، العيب الموجب للخيار على نفي دعوى مدعيه من كونه بعد العقد أو رضي به بعد العلم به، أو تلذذ به بعد معرفته به.
قوله: (ببرص، وعذيطة وجدام) هذا شروع منه الله في تبين العيوب التي توجب الخيار لأحد الزوجين وهي البرص ظاهره وإن قل.
البرص: داء معروف والعذيطة هي خروج الحدث من الإنسان عند الجماع. وقد نزل في زمن أحمد بن نصر صاحب سحنون وادعاه كل من الزوجين على صاحبه، فقال أحمد: يطعم أحدهما تينا والآخر فقوسا ليعلم ممن هو منهما. انتهى (^١).
الجذام بالجيم المضمومة والذال المعجمة داء معروف ينقطع معه الأعضاء يثبت الخياربه وإن قل إذ لا يؤمن.
قال الأبي: وفي حديث البخاري: «فر من المجذوم فرارك من الأسد (^٢)، والحديث يدل على أن من حدث به جذام فلامرأته ألا تقر معه، واختلف أصحابنا في منعه من وطء إمائه إذا كان في ذلك ضرر قالوا: ويمنع من المسجد والاختلاط بالناس.
واختلف إذا كثروا فقال الأكثرون يؤمرون أن ينفردوا في مواضع عن الناس ولا
_________________
(١) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام لابن فرحون ج ٢، ص: ١٥٥. وتبصرة اللخمي: ج ٤، ص: ١٨٩٦.
(٢) أخرجه البخاري عن أبي هريرة مرفوعا - كتاب الطب - باب الجذام حديث: ٥٧٠٧. وأحمد في مسنده ٢/ ٤٤٣ وعبد الرزاق في مصنفه ١٠/ ٤٠٥ باب المجذوم حديث ١٩٥٠٨
[ ٢ / ٢٥٩ ]
يمنعون من التصرف في حوائجهم.
وقيل: لا يلزم الانفراد ولم يختلف الكل أنهم لا يمنعون من صلاة الجمعة مع الناس ويمنعون من غيرها.
ولو تضرر أهل قرية من جذماء يشاركونهم فيها وفي الماء، وإن قدروا أن يستنبطوا ماء لأنفسهم فعلوا وإلا استنبط لهم الآخرون، أو يقيمون من يستقي لهم وإلا فهم أحق بنصيبهم من الماء. انتهى (^١).
قوله: (لا جذام لأب) أي لا خيار لأحدهما بسبب جذام أب الآخر وأحرى جذام أمه.
قوله: (وبخصائه، وجبه، وعنته) أي يثبت لها الخيار بسبب وجود الزوج خصيا أو مجبوبا أو عنينا وإن كان الخصي قادرا على الجماع لأنه لا نزل والعنين هو الذي ذكره كالأصبع ولا يتأتى منه الجماع، للطافته أو امتناع تأتي إيلاجه، وأما الحصور فهو الذي خلق بلا ذكر أو كان له ذكر صغير كالزر وإذا ظهر لها أن الزوج خنثى فلا خيار لها إن حكم له بالذكورية وإن حكم له بالانوثة فلها الخيار.
قوله: (واعتراضه) أي وكذالك يثبت لها الخيار بسبب وجود الزوج معترضا.
قال القرافي في ذخيرته: الاعتراض عدم القدرة على الوطء لعلة ويسمى أيضا عنة، فإن العنة من الاعتنان والعنن وهو الاعتراض ومنه عنان السماء بفتح العين جمع عنانة وهي السحابة المعترضة بين السماء والأرض، وقيل لأن ذكره يعترض قبل المرأة وقيل لأن الآفة عرضت له. انتهى (^٢).
وفي كتاب الرحمة في الطب والحكمة: وقد يباشر الرجل المرأة فيبطل حركته وتضعف نفسه، وتقل شهوته ولا ينتشر قضيبه وهو من العادة بخلاف ذلك فيظن أن به علة أو ضعفا في الباءة وليس الأمر كذلك، وإنما دخلت العلة عليه من جهة الشخص المنكوح إما من استحشامه وإما من كراهيته والله أعلم. انتهى.
قوله: (وبقرنها، ورتقها، وبخرها، وعفلها، وإفضائها قبل العقد) أي ويثبت الخيار للزوج بسبب وجود عيب في فرجها يوجب الخيار وذلك كقرن فيه، ورتق وبخر وعفل، الرتق هو سد مسلك الذكر من المرأة وقد يكون عظما وقد يكون لحما وأما
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٧، ص: ٤٤٠ - ٤٤١.
(٢) الذخيرة للقرافي: ج ٤، ص: ٤٢٩.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
ما كان من ذلك عظما فلا يعالج وما كان منها لحما فقد يعالج والبخر هو نتن الفرج، والعفل بفتح العين المهملة عبارة عن بروز لحم في قبل المرأة وهو مما يمنع اللذة منها بها والإفضاء خلط مسلك الذكر ومخرج البول.
قوله: (ولها فقط الرد بالجذام البين، والبرص المضر الحادثين بعده) أي وللزوجة فقط الخيار والرد بسبب حدوث الجذام البين أي تبين أنه جذام وإن قل وحدوث برص فاحش بعده أي بعد العقد وإنما قال فقط أن الزوج لا خيار له في ذلك لأن الطلاق بيده، بخلاف الزوجة لأن الطلاق ليس بيدها.
قوله: (لا بكاعتراض) أي لا يكون لها الخيار بسبب اعتراض طرأ على الزوج بعد العقد وبعد أن وطئها وأتى بالكاف ليدخل جبه وخصائه.
قوله: (وبجنونهما) أي ويثبت الخيار لأحد الزوجين بسبب جنون الآخر (وإن) كان (مرة) واحدة في الشهر سواء كان ذالك بصرع أو وسواس.
قال المواق فى التاج: عد في التلقين أن الجنون من العيوب المشتركة مثل الجذام والبرص، وقد أتى خليل بالعيوب على ما ساق التلقين فكان اللائق أن يقول: وبجنونهما قبل.
قوله: قبل العقد إلا أنه أخره ليرتب عليه هذه الفروع. انتهى (^١).
قوله: (قبل الدخول) أي ويعجل بالخيار إذا كان ذلك قبل الدخول.
وقال المواق: ولو قال قبل العقد لوافق ما تقدم. انتهى (^٢).
وإذا كان في الزوجين عيبين غير متساويين فلكل منهما خيار وان كان العيبان متساويان ففيه نظر.
مسئلة وان ادعت أن زوجها مجنون وأنكر فالقول قوله وعليها البينة.
قوله: (وبعده أجلا فيه) أي وان حدث الجنون بعد البناء ورجي برؤه أجلا فيه ليعالج سنة كان الجنون بصرع أو وسواس.
قوله: (وفي برص وجدام) أي وكذلك يؤجل سنة فى حدوث برص وجذام وهي من مسائل السنة.
قوله: (رجي برؤهما سنة) صوابه برؤها ليرجع على المسائل الثلاث.
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٥، ص: ١٤٩.
(٢) التاج والإكليل للمواق: ج ٥، ص: ١٤٩.
[ ٢ / ٢٦١ ]
قوله: (وبغيرها إن شرط السلامة) أي ويثبت الخيار لهما بغير هذه العيوب المذكورة إن شرط السلامة منها وإن تبين أنها بنت زنا أو زانية أو سوداء أو عوراء أو شلاء وتحصل شرط السلامة (ولو بوصف الولي عند الخطبة) بالسلامة من العيوب.
قال صاحب مغني النبيل: لو قال له الخاطب قد قيل لي أن وليتك سوداء فقال: كذب من قال ذلك بل هي بيضاء لكان ذلك شرط ترد به اتفاقا.
قوله: (وفي الرد إن شرط الصية تردد) أي وفى الرد وعدمه إن شرط صحة البدن من غير تعن تردد.
قوله: (لا بخلف الظن) أي لا خيار له بسبب خلف الظن فيها (كالقرع) من ذوات الشعر، (والسواد من) قوم (بيض) أو كانت صفراء جدا أو عجوزا.
ابن شاس: قال ابن حبيب: ويثبت الخيار بالقرع الفاحش لأنه من معنى الجذام والبرص.
قال القاضي أبو الوليد ولم أر ذلك لغيره من أصحابنا قال: والأظهر من المذهب أنه لا يثبت الخيار، لأنه مما يرجى برؤه ولا يمنع المقصود من الاستمتاع (^١).
قوله: (ونتن الفم) أي لا خيار له بسبب نتن الفم وهذا هو الظاهر من قول مالك واللخمي ترد به لمضرته بقربه وهو أضر من نتن الفرج.
قوله: (والنيوبة، إلا أن يقول عدراء. وفي بكر تردد) أي ولا يكون الخيار له بوجودها ثيبا إلا أن يشترط أن تكون عذرا فيجدها ثيبا فإن له ردها لذلك، وفي رده لها وعدم رده إن شرط أنها بكر تردد، لأن البكارة قد تزول لعارض من خشبة أو وثبة أو أصبع أو حيض.
ابن العطار وله ردها بذلك قال بعض الموثقين: لاشك فيه لأنه تزوجها على شرط فوجد خلافه ولا حد على الزوج فى دعوى ذلك لأن البكارة تزول بغير وطئ إلا أن يصرح أنه بالزنا. انتهى من الكبير.
قوله: (وإلا تزوج الحر الأمة، والحرة العبد بخلاف العبد مع الأمة، والمسلم مع النصرانية، إلا أن يغرا) هذا معطوف على قوله: إلا أن يقول عذراء. يريد إلا تزويج الحر الأمة أو الحرة العبد بغير علم فإن لكل منهما الرد لأن الغالب على الحر ألا
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٤٥٣.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
يتزوج إلا الحرة والحرة لا تتزوج العبد وذلك بخلاف العبد يتزوج الأمة أو المسلم النصرانية ظانا أنها حرة مسلمة فإنهما ليس لهما الرد بما فيهما من رق أو إسلام إلا أن يغرا بذلك فيكون لهما الرد.
مسئلة: قال البرزلي في نوازله: فإذا تزوج رجل حرة، فأقرت لرجل أنها أمته لم يقبل قولها ولا يفسخ النكاح، ولا يوجب إقرارها رقا على ذريتها لأنه إقرار على غيرها لأن أصلها الحرية. انتهى (^١).
قوله: (وأجل المعترض سنة بعد الصحة من يوم الحكم، وإن مرض، والعبد نصفها أي وأجل الحر المعترض للتداوي سنة بعد الصحة إن كان مريضا وضرب الأجل فيه من يوم الحكم وإن مرض في السنة.
قال الأبى لتمر عليه الفصول الأربع لأن الدواء قد لا ينفع في بعض الفصول، فإذا مرت عليه الأربع ولم يبرأ غلب على الظن أو يئس من برئه ويؤجل في العبد نصف السنة وهو المشهور لأنه سبب في الطلاق المشطر فإذا شطر الطلاق شطر سببه. انتهى (^٢).
وتشطيره السنة في العبد الشاذ فيها أظهر من المشهور لما تقدم من مرور الأربعة فصول عليه.
قوله: (والظاهر لا نفقة لها فيها) أي فى السنة أي والظاهر عند المصنف أنها لا نفقة لها في مدة التأجيل وهو وهم منه تحلله.
فمن ذا الذي ترضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
ووجه توهيمه أن الزوج مرسل عليها أو إنما قيل ذلك في المجنون لأنه يحال بينه وبينها.
قوله: (وصدق إن ادعى فيها الوطء بيمينه) أي وصدق المعترض إن ادعى الوطء في السنة مع يمينه إذ لا يمكن الإطلاع على ذلك هذا هو المشهور، وروي بغير يمين مالك وابن أبي سلمة وهذا مما أوتمن الرجال عليه كما أوتمن النساء على
_________________
(١) هذا نص ما ذكره الحطاب في مواهبه حيث قال: (فرع) قال في أواخر الجزء الثاني من السرار: إن تزوج رجل حرة فأقرت لرجل أنها أمته لم يقبل قولها ولم يفسخ النكاح ولا يوجب إقرارها رقا على ذريتها؛ لأن إقرارها بذلك إقرار على غيرها.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ١٠٠.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
أرحامهن وروي عن مالك أنه لا يكون القول قول الزوج في البكر لأن هناك ما يدل على صدق المحق وكذب المبطل فلا يرجع إلى قول الزوج لأنه كالرجوع إلى الظن مع القدرة على اليقين واختاره بعض الشيوخ.
قال ابن العربي: طلب المرأة حقها عند الحاكم ليس بناف للمروءة ولا للحياء المحمود، لأن المقصود من النكاح الولد، فإذا طلبته علم الجميع أنها تعنيه. انتهى من إكمال الإكمال (^١).
قوله: (فإن نكل حلفت، وإلا بقيت، وإن لم يدعه طلقها، وإلا فهل يطلق الحاكم أو يأمرها به ثم يحكم به؟ قولان) أي وإن نكل الزوج عن اليمين حلفت هي على نفي الوطء وإلا أي وإن نكلت عن اليمين بقيت تحت زوجها وإن لم يدع الوطء في السنة أمر بطلاقها عند الأجل وإلا أي وإن لم يطلقها فهل يطلق الحاكم عليه إن طلبته أو يأمرها الحاكم بالطلاق ثم يحكم به فيه قولان مشهوران.
قوله: (ولها فراقه بعد الرضا بلا أجل) أي ولزوجة المعترض فراقه بعد الرضا بالمقام معه بعد الأجل بلا ضرب أجل لأنها تقول ظننت أنه يبرأ بخلاف العنين لأنها تعلم أنه لا يبرأ.
قوله: ولها (والصداق بعدها) أي فإن طلقت بعد الأجل المضروب فان لها صداقها كاملا لأن طول المقام معه يقوم مقام الدخول.
ابن شاس: لأنه قد خلا بها وطال زمانه وخلقت ثيابها وتغير جهازها وتلذذ منها انتهى (^٢).
قوله: (كدخول العنين، والمجبوب) أتى بهما استدلالا أي كما لها الصداق كاملا في دخول العنين والمجبوب للخلوة بها وأرخا سترا وكشفها وتلذذ منها أقصى ما يمكنه الاستمتاع بها فيجب عليه الصداق كاملا إذا طلق بعد ذلك.
قال ابن شاس: وحمل قوله تعالى: ﴿من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٧] على من يقدر على المسيس، دون من لا يقدر عليه. انتهى (^٣).
قوله: (وفي تعجيل الطلاق إن قطع ذكره فيها) أي وفي تعجيل وقوع الحكم
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ١٠٢.
(٢) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٤٥٢.
(٣) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٢، ص: ٤٥٣.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
بالطلاق على المعترض إن قطع ذكره فى مدة التأجيل وهو لابن القاسم أو لا يعجل حتى ينقضي الأجل وهو لمالك إذ لعلها ترضى بالمقام معه بلا وطئ فيه (قولان)، وقيل لا يفرق بينهما لأن ذلك مصيبة نزلت بها. انتهى.
قوله: (وأجلت الرتقاء للدواء بالاجتهاد، ولا تجبر عليه إن كان خلقة) أي وأجلت الرتقاء لأجل التداوي باجتهاد الإمام ولا تجبر على التداوي إن كان خلقة لا حادثا الدال في الدواء مثلثة بالفتح والكسر والضم جعل اللخمي المسألة على أربعة أوجه من أبى وما لا يضرها علاجه ولا يبقى فيه عيب أجر أجبر من أبى العلاج، والعكس لا يجبر تجبر إن أبت ويجبر إن أبى.
قوله: (وجس على ثوب منكر الجب ونحوه) أي وإذا ادعت أن الزوج مجبوب أو خصي أو عنين وأنكر الزوج فإنه يجس فوق ثوبه ليعلم حاله، واختار الباجي نظر الشهود إلى الفرج.
قوله: (وصدق في الاعتراض) أي وصدق الزوج في نفي الاعتراض بلا يمين لأن الاعتراض هنا لم يثبت غفل الشارح هنا ﵀.
قوله: (كالمرأة في دائها، أو وجوده حال العقد، أو بكارتها، وحلفت هي، أو أبوها إن كانت سفيهة، ولا ينظرها النساء) أي كما تصدق المرأة في نفي داء فرجها أو نفي وجوده حال العقد وكذلك تصدق في بقاء بكارتها ولكن تحلف إن كانت رشيدة أو أبوها إن كانت سفيهة في المسائل الثلاث على نفي دعوى الزوج، ولا ينظر النساء
إلى فرجها إذ لا تكشف الحرة في مثل هذا خلافا لسحنون والعمل على قول سحنون هنا لابن لبابة وكل من يقول بردها بالعيب يوجب أن تمتحن العيوب بالنساء
فإن زعمت أنه فعل ذلك بها عرضت على النساء فإن شهدن أن الأثر بها يمكن كونه منه دينت وحلفت وإن كان بعيدا ردت به قبل دون يمين ابن سحنون عن أبيه لابد من يمينه.
قوله: (وإن أتى بامرأتين تشهدان له قبلتا) أي وإن أتى زوجها بامرأتين تشهدان له بعيب الفرج قبلت شهادتهما.
قوله: (وإن علم الأب بثيوبتها بلا وطء وكتم) أي وإن علم أبو البكر بزوال بكارتها بلا وطئ وكتمه (فللزوج الرد على القول (الأصح) لأنه عيب علم به الأب وكتمه.
قوله: (ومع الرد قبل البناء) وقد تقدم بيان العيب الذي يوجب الرد له أو لها أو
[ ٢ / ٢٦٥ ]
رد كل واحد منهما صاحبه فللرد أحكام فإن كان قبل البناء (فلا صداق) لها لأنها إن كان العيب بها فهي غارة وإن كان العيب به فالفراق من قبلها.
قوله: (كفرور بحرية) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا صداق لها إذا غر أحد هما الآخر بحرية ورد قبل البناء.
قوله: (وبعده فمع عيبه المسمى، ومعها رجع بجميعه) أي وإن كان الرد بالعيب بعد البناء فمع عيب الزوج لها المسمى إن سمى وإلا فصداق المثل، لأنها استحقته بالمسيس، ولا مقال له لأنه غار، وإن كان العيب بها وردها رجع بما أخذت منه على وليها إن لم يغب عن علم عيبها ولا يخفى عليه كابنها وأبيها وأخيها، وأما إن غاب بحيث يخفى عليه عيبها فلا يرجع عليه.
وقوله: (لا قيمة الولد) لعل الناسخ وضعه في غير موضعه وموضعه فإن نكل حلف أنه غره ورجع عليه لا بقيمة الولد (على ولي لم يغب) أي عند العقد فأحرى إن غاب أي لا يرجع على الولي القريب الذي لا يخفى عليه عيبها (كابن وأخ) وأب قاله مالك في الموطأ.
قوله: (ولا شيء عليها، وعليه وعليها إن زوجها بحضورها كاتمين، ثم الولي عليها إن أخذه منه لا العكس، وعليها في كابن العم إلا ربع دينار، فإن علم فكالقريب، وحلفه إن ادعى علمه، كاتهامه على المختار) أي ولا شيء للولي عليها لأنه هو الغار.
قوله: وعليه وعليها إن زوجها بحضورها، الواو من قوله: وعليها بمعنى أو أي وللزوج الرجوع بما دفع على الولي أو على الزوجة وهو بالخيار فيهما إن زوجها بحضورها في حال كونهما كاتمين للعيب ثم يرجع الولي عليها إن كان هو الذي أخذ منه الزوج ذلك فلا ترجع هي على الولي إن كانت هي المرجوع عليها وإليه أشار بقوله: لا العكس.
قوله: وعليها في كابن العم ولو قال: كالعم لاختصر في الكلام وزاد في المعنى لأن الابن في الإسقاط يكون أحرى وفى غير الإسقاط فلا يفهم فيه حكم العم أي ويرجع الزوج عليها إن كان المتولي لتزويجها ولي بعيد كالعم أو ابنه إلا ربع دينار لحق الله تعالى فإن علم البعيد بالعيب فيكون كالقريب يرجع عليه ويحلف الزوج الولي البعيد إن ادعى أنه علم بالعيب وكتمه كما يحلفه إذا اتهمه بالعلم به على ما اختاره اللخمي ولكن الصواب الإسقاط على المختار إذ ليس للخمي اختيار هنا.
قوله: (فإن نكل حلف أنه غره ورجع عليه، فإن نكل رجع على الزوجة على المختان أي
[ ٢ / ٢٦٦ ]
فإن نكل الولي عن اليمين حلف الزوج أنه غيره ويرجع عليه وهذ الفرع مفرع على دعوى علمه لا على اتهامه، فإن نكل الزوج عن اليمين رجع على الزوجة على ما اختاره اللخمي.
قال ابن غازي: هذا لم يذكره اللخمي هكذا، نعم اختار اللخمي أن يرجع الزوج على الزوجة إذا وجد الولي القريب عديما أو حلف له الولي البعيد أنه لم يعلم، وهو قول ابن حبيب في الفرعين وعبر عن اختياره بقوله: وهو أصوب في السؤالين فتأمله في تبصرته.
فلو قال المصنف: فإن أعسر القريب أو حلف البعيد رجع عليها على المختار لكان جيدا. انتهى (^١).
قوله: (وعلى غار غير ولي تولى العقد، إلا أن يخبر أنه غير ولي، لا إن لم يتوله) أي ويرجع الزوج بما دفع لها على غار غير ولي تولى العقد لأنه غر بالقول والفعل كما إذا قال له أنها حرة وهو يعلم أنها أمة إلا أن يخبره أنه غير ولي خاص فلا يرجع عليه وأما إن لم يتول العقد فلا يرجع عليه بحال وهو المراد بقوله: لا إن لم يتوله.
قوله: (وولد المغرور الحر فقد حر يريد أن الأمة إذا غرت الحر بالحرية فتزوجها على أنها حرة ثم علم أنها أمة بعد أن أولدها فإن الولد حر لدخوله على ذلك (وعليه) لسيدها (الأقل من المسمى وصداق المثل)، لأن المسمى إذا كان أقل فقد رضيت به وهي حرة وأحرى إن كانت أمة واحترز بقوله: من ولد العبد المغرور فإنه رقيق وهو خلاف ظاهر الرسالة.
قوله: (وقيمة الولد دون ماله يوم الحكم، إلا لكجده، ولا ولاء له) أي وعلى الحر المغرور بتزويج الأمة قيمة ولده منها لا على الولي الغار دون ماله يوم الحكم لا يوم الوضع إلا إذا كان الولد لجده ونحوه ممن يعتق عليه الولد فلا تكون قيمة الولد عليه لأن الولد عتيق بالأصالة لا بإعتاقه، ولذلك لا ولاء له ويتصور هذا في الجد للأم وأما الجد للأب فلا إشكال في عدم الولاء له لثبوت النسب وهو أقوى من الولاء وقيل القيمة تكون عليه يوم الوضع وفائدة الخلاف تظهر إذا مات قبل الحكم فمن قال يوم الوضع تلزم القيمة الأب ومن قال يوم الحكم لا يلزمه شيء.
قوله: (وعلى الغرر في أم الولد والمدبرة، وسقطت بموته) أي ويغرم به ولد المغرور
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٤٥٩.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
المذكور في غرور أم الولد أو المدبرة أنها حرة على الغرور لاحتمال أن يموت السيد قبل الحكم به وتسقط القيمة عن الأب بموته قبل الحكم.
قوله: (والأقل من قيمته أو ديته إن قتل) أي وعلى الحر المغرور بالأمة الأقل من قيمة الولد أو من الدية إذا قبضه إن قتل لأن القيمة إذا كانت هي الأقل فليس عليه إلا هي وإذا كانت الدية أقل فلم يقبض إلا هو.
قوله: (أو من غرته أو ما نقصها إن ألقته ميتا) أي وعليه الأقل من غرته إذا ضربت فألقته ميتا أو ما نقصها.
قال ابن غازي: لا أعرف اعتبار ما نقصها لأحد من أهل المذهب، وإنما قال في المدونة: ولو ضرب رجل بطنها قبل الاستحقاق أو بعده فألقت جنينها ميتا فللأب عليه غرة عبد أو وليدة (^١)؛ لأنه حر، ثم للمستحق على الأب الأقل من ذلك أو من عشر قيمتها يوم ضربت (^٢).
ولعل حرصه على الاختصار حمله على أن عبر عن عشر قيمتها بما نقصها، وفيه بعد وليس بكبير اختصار. انتهى (^٣).
ولو قال الشيخ وعليه الأقل من الغرة أو ما نقصت الأم لكان أولى.
قوله: (كجرحه) أي كما أن على المغرور إذا أخذ أرش جرح الولد الأقل مما أخذ أو ما نقصه الجرح.
قوله: (ولعدمه تؤخذ من الابن، ولا يؤخذ من ولد من الأولاد إلا قسطه) أي ولأجل عدم الأب المغرور تؤخذ القيمة من الولد، وإذا عد ما اتبع أو لهما يسار فإن تعدد الأولاد فلا يؤخذ من كل ولد إلا قسطه أي قدر قيمته.
قوله: (ووقفت قيمة ولد المكاتبة فإن أدت رجعت إلى الأب) أي فإن كانت المكاتبة هي التي غرت الحر بالحرية فإن قيمة ولدها توقف بيد عدل فإن أدت الكتابة رجعت القيمة للمغرور وإن عجزت أخذه السيد وسكت المصنف حمدالله عن ولد المعتق بعضها والمعتقة إلى أجل إذا غرتا والمعتق بعضها يقوم ولدها إذا غرت بقدر الملك والمعتقة إلى أجل يعتق ولدها إلى الأجل نفسه.
_________________
(١) المدونة الكبرى: ج ٢، ص: ١٣٩
(٢) تهذيب المدونة للبراذعي: ج ٤، ص: ١١٤
(٣) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٤٥٩.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
قوله: (وقبل قول الزوج أنه غر) أي وقبل قول الزوج إذا تنازعا أنه غر بالحرية أو العيب نظر للغائب وهذه من السائل التي اعترض فيها الأصل والغالب وقدم الشرع هنا الغالب على الأصل.
الغالب أن الحر لا يتزوج إلا الحرة، وقيل: يقبل قول السيد نظرا إلى الأصل أن الولد عبده. انتهى.
قوله: (ولو طلقها أو ماتا) أي ولو طلق زوجته أو ماتا أو احدهما (ثم اطلع على موجب خيار) لأحدهما (ف) يكون (كالعدم) لاحتمال الرضى به وهذا راجع على جميع الفصول حيث يكون لهما الخيار.
قوله: (وللولي كتم العمى ونحوه، وعليه كتم الخنا) أي ولولي المخطوبة كتم عيب فيها مما لا معرة فيه، وذلك عمى ونحوه إن لم يشترط سلامتها وله إظهاره وأما الفاحشة فيجب عليه كتمه.
قال الشارح في الكبير وفي العتبية: لا ينبغي له إذا علم من وليته فاحشة أن يخبر بشيء من ذلك إذا خطبت.
ابن رشد: يجب ستره عليها لأن الفواحش يجب سترها على الإنسان على نفسه وعلى غيره. انتهى.
وفي شرح غريب الموطأ وذكر الشعبي أن رجلا أتى عمر ﷺ فقال: إن ابنة لي أسلمت فأصابت حدا وعمدت إلى الشفرة فذبحت نفسها، فبادرتها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتها وبرئت ثم تنسكت وأقبلت على القرآن وهي تخطب إلي أفأخبر من شأنها الذي كان؟ فقال: تعدل إلى ستر ستره الله به فتكشفه لئن بلغني أنك ذكرت ذلك لأجعلنك نكالا أنكحها نكاح العفيفة المسلمة. انتهى.
قوله: (والأصح منع الأجدم) أي والأصح من الأقوال منع الأجذم (من وطء إمائه) إن كرهنه وهو قول ابن القاسم ومقابله سحنون لا يمنع من ذلك لأنه قد يؤول إلى العتق.
قوله: (وللعربية رد المولى) أي وللعربية وهى التي لم يتقدم على آبائها ملك لأحد رد المولى (المنتسب) نفسه إلى العرب.
قوله: (لا العربي إلا القرشية) أي لا رد للعربية للعربي المنتسب لغير قبيلته إلا أن تكون قرشية (تتزوجه على أنه قرشي) وظهر أنه ليس من قريش فيكون لها رده بذلك وقريش ولد فهر.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
فصل [في خيار الأمة]
قوله: (فصل) أي هذا فصل ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (ولمن كمل عتقها) أي ولمن تزوجت فى رقها ثم كمل عتقها عتقا ناجزا (فراق العبد فقط) لأن درجتها ارتفعت فإن فارقته ف (بطلقة بائنة، أو اثنتين) لأن مقصودها لا يحصل إلا بها ولكن لا تختار نفسها وهي حائض فإن وقع لزمه.
قال شيخنا محمود بن عمر حفظه الله تعالى: لو قال المصنف: وهل بطلقة بائنة أو اثنتين روايتان لكان أولى وسكت المصنف عن المعتق بعضها والمعتقتة إلى أجل.
قوله: (وسقط صداقها قبل البناء) أي ويسقط صداقها إن اختارت الطلاق قبل البناء لأن الفراق جاء من قبلها.
قوله: (والفراق إن قبضه السيد) أي ويسقط ما كان لها من الفراق إن قبض سيدها الصداق (وكان عديما) وفات لأنه صار دينا عليه ويرد عتقه فإذا رد عتقه بقيت زوجة على حالها.
قوله: (وبعده لها) أي وإن كان فراقها بعتقها بعد البناء فإن الصداق لها لأنها استحقته بالبناء ويتبعها كمالها إلا أن يكون السيد أخذه لنفسه أو يشترطه.
قوله: (كما لو رضيت وهي مفوضة بما فرضه بعد عتقها لها) تشبيه لإفادة الحكم أي وكذلك إذا رضيت بعد عتقها بما فرض لها الزوج في نكاح التفويض لها لا للسيد لأنه شيء لم يلزم الزوج قبل ذلك إن طلق أو مات.
والاستثناء من قوله: (إلا أن يأخذه السيد أو يشترطه) راجع إلى ما قبل مسألة التفويض.
قوله: (وصدقت إن لم تمكنه) أي وصدقت المعتقة تحت العبد إن لم تمكنه من نفسها وإن بقبلة فعل الزوج أم لا (أنها ما رضيت) بالمقام معه (وإن) لم تقل ذلك إلا (بعد سنة) أو أكثر.
قوله: (إلا أن تسقطه أو تمكنه) راجع لقوله: ولمن كمل عتقها أي ولمن كمل عتقها فراق العبد إلا أن تسقطه أو تمكنه من نفسها وإن بقبلة (ولو جهلت الحكم) إذ لا
[ ٢ / ٢٧٠ ]
تعذر بالجهل فيه وقيل تعذر به.
فرع فإن اختلفا في المسيس بعد العتق فإن اعترفت بالخلوة فالقول قوله بيمين، وإلا فقولها بيمينها وإن تصادقا على الوطء واختلفا في العلم بالعتق صدقت.
ابن المواز بلا يمين وإن قالت وطئني مكرهة، وقال طائعة صدق لأن الأصل عدم الإكراه. انتهى من التوضيح والفاكهاني (^١).
قوله: (لا العتق، ولها الأكثر من المسمى وصداق المثل) أي لا إن جهلت العتق ومكنته من نفسها بعد العتق فلها القيام بلا خلاف ولها أكثر المسمى وصداق المثل إن عتقت قبل البناء ودخل بعده لأن المسمى إن كان أكثر تقول هذا الذي سماه في حال الرق وأحرى حال الحرية وإن كان المسمى أقل تقول قد رضيت بالمسمى في حال الرق والآن لم أرض إلا بصداق حرة.
قوله: (أو يبينها لا برجعي) أي ويسقط خيارها إن أبانها قبل أن تختار لأن وقوع الطلاق عليها وهي بائن محال لعدم محله وأما الطلاق الرجعي فلا يسقط حقها في الخيار.
قوله: (أوعتق قبل الاختيار) أي وكذلك يسقط خيارها فيه إذا عتق قبل أن تختار لزوال المانع وهو رق الزوج.
قوله: (إلا لتأخير لحيض) أي إلا أن يكون تأخير اختيارها لأجل حيض أو نفاس فعتق هو قبل طهارتها فلا يسقط خيارها فيه لأن الشرع هو الذي أخرها.
قوله: (وإن تزوجت قبل علمها ودخولها فاتت بدخول الثاني) أي وإن تزوجت المعتقة بعد أن اختارت نفسها قبل علمها بعتقه ودخل بها الثاني فاتت بالدخول وهي من المسائل التي تفوت فيها بالدخول ولها نظائر وقد تقدم ذكرها.
قوله: (ولها إن أوقفها تأخير تنظر فيه) أي وللمعتقة إن وقفها الحاكم لتختار تأخير تنظر فيه أمرها باجتهاد الإمام اللخمي: أرى أن تؤخر ثلاثة أيام.
وفي إكمال الإكمال وفى كتاب التخيير من العتبية قال أشهب: كتب مالك إلى ابن فروخ (^٢) في الأمة تحت العبد تقول: إن أعتقت فقد اخترت نفسي أنه لا يلزم
_________________
(١) التوضيح: ج ٤، ص: ١٤٤. بتصرف.
(٢) عبد الله بن فروخ الفارسي أبو محمد فقيه من العلماء بالحديث من أهل إفريقية. قيل: ولد بالاندلس سنة: ١١٥. وسكن القيروان. وعرض عليه روح ابن حاتم القضاء، فأبى. وخرج حاجا فمر بمصر في عودته. فتوفي فيها سنة: ١٧٦ هـ ودفن بسفح المقطم. له «ديوان» يعرف باسمه، =
[ ٢ / ٢٧١ ]
لأنه طلاق إلى أجل مشكوك فيه وخلاف عمل الماضين.
ابن رشد: وقال مالك في من شرط لزوجته إن تزوج عليها فأمرها بيدها فقالت: إن تزوج علي فقد اخترت نفسي يلزمه.
وسأله ابن الماجشون عن الفرق بين الأمة الحرة والأمة فقال مالك: تعرف دار قدامة وهي دار كانت تلعب فيها الأحداث بالحمام، يعرض بعدم تحصيله وعدم إعماله النظر حتى لا يسأل إلا عن المشكل.
وأن ابن الماجشون لحري أي لحقيق أن يوبخ على مثل هذا السؤال، لأن مالكا لم يفرق بين الحرة والأمة، وإنما فرق بين خيار وجب بالشرع فسقط، وبين خيار جعله الزوج باختياره بشرط.
وفرق ابن يونس بأن خيار الأمة إنما يثبت بعتقها، فاختيارها إياه قبل العتق ساقط كإسقاط الشفعة قبل الشراء، والمملكة جعل لها الزوج ما كان له إيقاعه معلقا على أمر، فكذلك الزوجة. انتهى (^١).
وابن الماجشون مع كمال فضله له نفس أبية حتى هجر مجلس مالك بذلك سنة.
_________________
(١) جمع فيه مسموعاته وسؤالاته للامامين أبي جنيفة ومالك، وكتاب في «الرد على أهل البدع والاهواء» الأعلام للزركلي: ج ٤، ص: ١١٢.
(٢) إكمال الإكمال للأبي: ج ٥، ص: ٢٩٩.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
فصل [في الصداق وأحكامه]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه مسائل الصداق وما يوجبه وما يتعلق به ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (الصداق كالثمن) المشبه بالشيء لا يقوى قوته، ويقال الصداق، ويقال الأجر، ويقال له النحلة.
قوله: كالثمن أي فيما يحل ويحرم، وهو تشبيه لما يأتي في باب البيوع في قوله: وشرط للمعقود عليه طهارة لا كزبل وزيت تنجس وانتفاع لا كمحرم أشرف. ولا منهي عنه ككلب، ولا بخمر وخنزير ولو كانت كتابية. قال الأبي في إكمال الإكمال: والنكاح بالحرام قال مالك: أخاف أن يضارع الزنا. انتهى.
الحاصل أن كلما جاز أن يكون ثمنا للسلع يجوز أن يكون صداقا.
وقوله: (كعبد تختاره هي) مثال أي ويجوز على أن يصدقها أحد عبديه معينين على أن تختار منهما من شاءت لانتفاء الغرر في ذلك لأنها دخلت على أن تختار الأحسن منهما.
قوله: (لا هو) أي ولا يجوز ذلك على أن يختار هو منهما لوجود الغرر إذ لا تدري من يختار منهما وفيه نظر لأنا علمنا أنه لا يختار إلا الأفضل.
قوله: (وضمانه وتلفه) أي وضمان الصداق وتلفه (واستحقاقه وتعييبه) كله (أو بعضه كالبيع) فيقدر الزوج بائعا والزوجة مشترية.
قوله: (وإن وقع بقلة خل فإذا هي خمر فمثله) أي وإن عقد النكاح على صداق قلة خل فإذا هو خمر فلها عليه مثله لا قيمته.
قوله: (وجاز بشورة) أي وجاز عقد النكاح على أن الصداق فيه شورة وإن لم يوصف.
الشورة بفتح الشين شوار البيت المتاع الذي يصلح به البيت.
قوله: (أو عدد من كإبل، أو رقيق أو صداق) أي ويجوز النكاح على عدد محصور من إبل أو بقر أو غنم أو رقيق من غير تعيين ولا صفة ويكون ذلك حالا (مثل، ولها الوسط) من ذلك هنا وكذلك يجوز أن يعقد لها على صداق مثلها ويكون
[ ٢ / ٢٧٣ ]
(حالا) عليه.
قوله: (وفي شرط ذكر جنس الرقيق) أي وفي شرط ذكر جنس الرقيق وعدم شرطه (قولان) لسحنون وابن المواز.
قال المواق في التاج: فإن قلنا بشرطه فواضح وإن قلنا بعدمه فلها الغالب وإن لم يكن غالب فلها نصف من هذا، ونصف من هذا. انتهى (^١).
قوله: (والإناث منه) أي ولها الإناث من الجنس (إن أطلق) ولم يذكر إناثا ولا ذكورا قال مالك: وهو شأن الناس.
قوله: (ولا عهدة) أي ولا عهدة سنة ولا ثلاثا في عبيد الصداق.
مسئلة: إذا اختلف الزوجان في نوع الصداق أو عدده قبل البناء من غير موت ولا طلاق فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
ابن حبيب: إذا تنازعا في ذلك بعد البناء تخالفا ووجب صداق المثل (^٢).
ابن القاسم: إذ اختلف الزوجان في عدد الصداق بعد البناء فالقول قول الزوج مع يمينه، لأنها مكنته من نفسها فصارت مدعية عليه، وهو مقر لها بدين فالقول قوله مع يمينه، وإن نكل فالقول قولها مع يمينها، هذا هو المشهور. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^٣).
قوله: (وإلى الدخول) أي وجاز النكاح على أن يكون الصداق مؤخرا إلى الدخول (إن علم) وقته عندهما عادة وإن لم يعلم فسخ قبل البناء.
قوله: (أو الميسرة) أي ويجوز النكاح على أن يكون الصداق إلى ميسرة الزوج (إن كان مليا) وهو قول ابن القاسم ورواه حالا واحترز بالملي من المعدم فإن ذلك لا يجوز للجهل بوقت ميسرته فإن وقع فسخ قبل البناء.
قوله: (وعلى هبة العبد لفلان) العبد ليس بشرط وإنما هو تمثيل أي ويجوز النكاح على هبة عبد أو صدقة لفلان، (أو يعتق أباها عنها أو) على أن يعتقه (عن نفسه) أو غيره، وهذا قول مالك خلافا لعبد الملك.
قال ابن القاسم: جاز إن أعتقه عنها لا إن أعتقه عن نفسه.
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق:
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٦٣
(٣) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٦٨
[ ٢ / ٢٧٤ ]
قوله: (ووجب تسليمه إن تعين) أي ويجب على الزوج تسليم الصداق إن تعين ولا يؤخر خيفة أن يكون معينا يتأخر قبضه.
قوله: (وإلا فلها منع نفسها - وإن معيبة - من الدخول، والوطء بعده، والسفر إلى تسليم ما حل) أي وإن لم يكن معينا فلها منع نفسها من الخلوة معه وإن كانت معيبة ولها منع نفسها من الوطء إن خلا بها وكذلك لها منع السفر معه.
وقوله: إلى تسليم ماحل راجع إلى الثلاث.
وقوله فلها منع نفسها ظاهره أن لها أن تمكنه من نفسها لأنه حق لها وذلك مكروه عند مالك الله حتى تقبض ربع دينار لحق الله تعالى.
قال ابن يونس: قال ابن حبيب: إن اتفقا على البناء بغير تقديم شيء جاز. انتهى من الشارح الكبير.
قوله: (لا بعد الوطء) أي ليس لها الامتناع بعد الوطء وإنما لها أن تطالبه بما وجب لها، (إلا أن يستحق) ما قبضت منه، فلها حينئذ منع نفسها حتى تقبض عوضه، (ولو لم يغرها) به وأحرى إذا غرها (على) القول (الأظهر) عند ابن رشد.
قوله: (ومن بادر أجبر له الآخر، إن بلغ الزوج وأمكن وطؤها) أي ومن بادر من الزوجين بدفع ما عنده أجبر له الآخر بشرط أن يبلغ الزوج بلوغ التكليف وأمكن وطء الزوجة وإن لم تبلغ وذكر الزوج مستغنى عنه بقوله وأمكن وطؤها والفرق أن الذكر لا يكمل له وطء إلا بالبلوغ.
قوله: (وتمهل سنة) أي وتمهل الزوجة سنة (إن اشترطت ل) أجل (تغربة) بها (أو صغر، وإلا) أي وإن لم يكن لأجل تغربة أو صغر (بطل) الشرط وهذا الفرع مستثنى من قوله ومن بادر أجبر له الآخر.
وتغريب الزوج بالزوجة بثلاث شروط:
أن يكون الطريق مأمونا.
وأن يثبت أن يكون محسنا إليها.
وأن يكون البلد الذي يسافر إليه تجري فيه الأحكام.
قوله: (لا أكثر) أي لا أكثر من سنة وإن اشترطت.
قوله: (وللمرض والصغر) أي وتمهل لأجل المرض والصغر (المانعين من الجماع) وإن لم يمنعاه فلا تمهل.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
قوله: (وقدر ما يهيئ مثلها أمرها) أي وتمهل قدر ما يهيئ مثلها فيه أمرها والنساء يختلفن في ذلك فتمهل، (إلا أن يحلف) الزوج (ليدخلن الليلة) بالطلاق أو بالعتاق قاله ابن عات.
فلا تمهل حينئذ ولم يقيده المصنف بطلاق ولا عتاق بل بيمين غير مقيدة.
غفل الشارح هنا نعم الله.
قوله: (لا لحيض) أي فلا تمهل لأجل حيض بها، لأن له فيها مآرب أخرى، كالاستمتاع بما فوق الإزار ونحوه.
قوله: (وإن لم يجده أجل لإثبات عسره ثلاثة أسابيع، ثم تلوم بالنظر، وعمل بسنة وشهر، وفي التلوم لمن لا يرجى - وصحح - وعدمه، تأويلان. ثم طلق عليه. ووجب نصفه) أي وإن لم يجد الحال من الصداق وطلبته بالدخول أجل لإثبات عسره ثلاثة أسابيع ستة أيام ثم ستة ثم ستة ثم ثلاثة ثم تلوم بعد ذلك بنظر الإمام بالتقوى لا بالهوى وعمل بسنة وشهر أو بستة أشهر أي تلوم بستة أشهر ثم أربعة ثم شهران ثم شهر لمن يرجى يسره وفى التلوم لمن لا يرجى يسره وصححه عياض وعدم التلوم له لأنه ضرر فيه تأويلان، فإن وجد في التلوم وإلا طلق عليه بعده ووجب عليه نصف الصداق لأن الفراق من جهته وهو قول ابن القاسم وهو ظاهر المذهب لاحتمال أن يكون أخفى مالا.
ابن نافع: لاشيء عليه لأن الفراق جاء من قبلها. انتهى.
قوله: (لا في عيب) أي لا شيء عليه إن فارقته لأجل عيب به قبل البناء اتفاقا.
قوله: (وتقرر بوطء وإن حرم) أي ويتقرر جميع الصداق بسبب وطئ وإن كان الوطء حراما كوطء في حيض أو صوم أو إحرام ويكفي في الوطء مغيب الحشفة أنعظ الذكر أم لا.
قوله: (وموت واحد، وإقامة سنة) أي وكذلك يتقرر جميع الصداق بموت أحد الزوجين أو كليهما أو بتمام إقامة سنة بعد الدخول لأن طول الإقامة معه يقوم مقام الوطء.
قوله: (وصدقت في خلوة الاهتداء، وإن بمانع شرعي) أي وصدقت الزوجة في الوطء مع يمينها، وقيل بلا يمين بناء على أن العرف كشاهد واحد فتحلف، أو كشاهدين فلا يمين عليها وإن كان الوطء مع مانع شرعي كالصوم أو الحيض أو الإحرام وقد أطلق الشيخ ولم يفرق بين الصالح والطالح، والفرق بين هذه المسألة
[ ٢ / ٢٧٦ ]
أنه لم يصدق فيه مدعي الصحة وبين البيع أن مدعي الصحة يصدق إن لم يغلب الفساد لأن الوطء مع المانع الشرعي قد يفعله من لا يبيع بفاسد لعدم قدرته على نفسه في الوطء.
الخلوة بفتح الخاء وضمها وكسرها.
قوله: (وفي نفيه) أي وكذلك تصدق في نفي الوطء مع يمينها إن كانت بالغة وإلا ترجئ اليمين حتى تبلغ.
قوله: (وإن سفيهة وأمة) تأكيد في الفرعين.
قوله: (والزائر منهما) أي وصدق الزائر من الزوجين في دعواه نفي الوطء لأن الإنسان قد ينشط في بيته فإن كان هو الزائر صدق في نفي الوطء وإن زارته صدقت.
قال المواق: قال ابن عرفة: رابع الأقوال قول مالك: إن كان دخوله عليها وخلوه بها في بيته صدقت عليه وإن كان في بيتها صدق عليها وبهذا قال ابن القاسم.
ابن عرفة: إن وافقته بعد الخلوة على عدم مسيسه ففيها لمالك إنما عليه نصف المهر.
المتيطي: تصدق ولو كانت سفيهة قاله فى الواضحة. سحنون: لا تصدق السفيهة ولا الأمة. انتهى (^١).
قوله: (وإن أقر به فقد أخذ، إن كانت سفيهة. وهل إن أدام الإقرار الرشيدة كذلك؟ أو إن كذبت نفسها؟ تأويلان) أي وإن أقر الزوج وحده بالوطء وإن في غير خلوة الاهتداء أخذ منه الصداق لإقراره إن كانت سفيهة ولا تصدق في عدمه. وهل إن أدام الإقرار وهي تنكر الرشيدة كذلك أي كحكم السفيهة أولا إلا أن تكذب نفسها فيه تأويلان وقيل لاشيء لها.
قوله: (وفسد إن نقص عن ربع دينار أو ثلاثة دراهم خالصة، أو مقوم بهما، وأتمه إن دخل، وإلا فإن لم يتمه فسخ، أو بما لا يملك كخمر وحر أي وفسد النكاح إن نقص الصداق عن ربع دينار أو ثلاثة دراهم خالصة لا مغشوشة أو مقوم بهما أي بربع دينار أو ثلاثة دراهم، فإن وقع ونزل وتزوج بأقل من ذلك فإنه يتمه إن كان قد دخل بها وإن لم يدخل بها خير، فإن أتمه مضى نكاحه وإن لم يتمه فسخ النكاح، أو كان الصداق
_________________
(١) التاج والإكليل للمواق: ج ٥، ص: ١٨٥.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
مما لا يملكه مسلم كخمر أو خنزير أو ميتة أو حر فإنه يفسخ.
قوله: (أو بإسقاطه) أي ويفسخ النكاح قبل البناء إذ اتفقا على إسقاط الصداق فيه وإن بعد فرضه قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل.
قوله: (أو كقصاص، أو آبق، أو دار فلان، أو سمسرتها، أو بعضه لأجل مجهول، أو لم يقيد الأجل، أو زاد على خمسين سنة) أي ويفسخ النكاح إذا تزوجها وأصدقها قصاصا وجب له عليها لأن الصداق يشترط فيه أن يكون متمولا وهذا ليس بمال وأدخل الكاف على قصاص ليدخل حد القذف. انتهى.
ومن كان له على امرأة دين ولم يجد من أين يأخذه فقال لها: تزوجيني بما عليك من الدين مهرا لك فإن رضيت جاز وكذلك يفسخ النكاح على عبد آبق لأنه غرر أو تزوجها على أن دار فلان صداقها فإن النكاح يفسخ لأنه لا يعلم هل يقدر على تحصيلها أم لا وكذلك يفسخ النكاح إذا تزوجها على أن تكون سمسرتها في الدار وتدفع هي الثمن وكذلك يفسخ إذا كان بعض الصداق إلى أجل مجهول كموت أو فراق وكذلك يفسخ إذا لم يقيد الأجل بزمن معلوم وهذا مستغنى عنه بقوله: أو بعضه لأجل مجهول وكذلك يفسخ النكاح إذا كان أجل الصداق فيه زاد على خمسين سنة لأنهما لا يعيشان إليه غالبا لاسيما إذا كانا مسنين.
قال القلشاني: إذا كان العرف بأنه إلى موت أو فراق ولكنهم عند الإشهاد يكتبون على الحلول كما هو العرف بإفريقية في هذا التاريخ وما قبله، وطلبت الزوجة قبض صداقها، واحتجت بأنه على الحلول، فهل تمكن من قبضه من الزوج إذا لم يكن طلاقا؟.
قال ابن عرفة: اختلف أشياخ تونس، هل تمكن المرأة من طلب مهرها بعد البناء دون موت ولا فراق؟.
قال بعضهم: يقضى لها بذلك لكتبهم في الصدقات أنه على الحلول.
وقال بعضهم: لا يقضى لها لاستمرار العادة بعدم طلبه إلا لموت أو فراق فألزم كون أنكحتهم فاسدة فالتزمه، وكان شيخنا ابن عبد السلام في أول أمره لا يقضي به وقضى به بعض ولايته بالجزيرة فشكي إليه به فأنبه، فقال: إنما قضيت به لأن الزوجة وهبته، فقبل ذلك منه.
ثم بعد ذلك كتب لبعض قضاته بالقضاء به مطلقا كدين حال، وكان الشيخ أبو محمد الأجمي مدة قضائه، يندب المرأة لعدم طلبه، ويقول لها: إذا كانت المرأة لا
[ ٢ / ٢٧٨ ]
مهر لها على بعلها زهد فيها، ونحو ذلك، فإن لم تقبل ذلك مكنها من طلبه، وهذا إذا كان على الزوج، وإن كان على غيره فلا يختلف في تمكينها من طلبه. انتهى (^١).
قوله: (أو بمعين بعيد، كخراسان من الأندلس. وجاز كمصر من المدينة لا بشرط الدخول قبله، إلا القريب جدا) أي وكذلك يفسخ النكاح إذا تزوجها على شيء معين في مكان بعيد كبعد خراسان من الأندلس وجاز به إن قرب المكان كمصر من المدينة الشريفة ولكن لا يجوز ذلك إذا اشترط الزوج الدخول قبل قبض الغائب إلا إذا كان ذلك في مكان قريب جدا فيجوز اشتراط الدخول قبل قبضه.
قوله: (وضمنته بعد القبض) أي وضمنت الزوجة الصداق الفاسد بقبضه (إن فات) وكان مما يتمول وإن لم يفت ترده وإن لم تقبضه فلا ضمان عليها.
قوله: (أو بمغضوب علماه) أي ويفسد النكاح بشيء مغصوب علماه معا (لا) يفسخ إن كان (أحدهما) هو العالم بغصبه.
وسئل مالك الله عمن اكتسب مالا حراما فتزوج به أيكون زانيا، فقال: أخافه ولا أقوله.
قوله: (أو باجتماعه مع بيع، كدار دفعها هو أو أبوها) أي ويفسخ النكاح إذا اجتمع مع البيع في عقد واحد كما إذا دفع لها دارا على أن تعطيه مائة عن نصفها أو دفعتها هي له أو أبوها أو غيره على أن يصدقها مائة فيفسخ قبل البناء لأنه لا يدري ما يخص البضع من ذلك، وقيل إن الغلة في ذلك أنه يؤدي إلى نكاح بغير صداق، لأن المرأة قد تدفع ما يستغرق ما دفعه الزوج، وقيل لأن البيع مبني على المكايسة، والنكاح على المكارمة.
قوله: (وجاز من الأب في التفويض) أي وجاز من الأب دفع ذلك بعد العقد في نكاح التفويض لأنه معاونة للزوج.
قوله: (وجمع امرأتين سمى لهما أو إحداهما) أي وجاز جمع امرأتين أو أكثر في عقد واحد سمى لكل منهما صداقها أو سمى لإحداهما أو لم يسم لهما اتفقت الصدقات أو لم تتفق.
قوله: (وهل وإن شرط تزوج الأخرى؟ أو إن سمى صداق المثل؟ قولان) أي وهل يجوز جمعهما وإن اشترط تزويج الأخرى وهو قول أو إنما يجوز الجمع هنا إذا سمى
_________________
(١) شرح الرسالة للقلشاني: ج ٢، ص: ١٦ مخطوط.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
لكل واحدة صداق المثل وهو قول.
قوله: (ولا يعجب جمعهما، والأكثر على التأويل بالمنع والفسخ قبله، وصداق المثل بعد، لا الكراهة) أي ولا يعجب الإمام مالكا تعلله جمعهما في صداق واحد من غير تسمية لكل واحدة، وأتى المصنف بلفظ يعجب مراعاة للفظ الواقع في المدونة، فإن فيها لم يعجبني ذلك، ففهمها أكثر الشيوخ على المنع، وإليه أشار بقوله: والأكثر على التأويل بالمنع أي تأويل يعجبني على المنع، فإن وقع فسخ قبل البناء وصداق المثل بعده ويثبت ولم يتأولوه على الكراهة.
قوله: (أو تضمن إثباته رفعه، كدفع العبد في صداقه، وبعد البناء تملكه) أي ويفسخ النكاح إذا تضمن إثباته رفعه، فذكر لذلك مثالا كدفع العبد في صداق زوجته وإن لم يعثر على ذلك إلا بعد البناء، فإنها تملكه بعد الفسخ.
قوله: (أو بدار مضمونة) أي ويفسخ إذا أصدقها دارا مضمونة في قرية معينة لأنه مضمون معين.
قوله: (أو بألف، وإن كانت له زوجة: فألفان) أي ويفسخ قبل البناء إذا تزوجها بألف واحدة وإن كانت له زوجة فألفان لأن الصداق غير محقق هل ألفين بتقدير وجود زوجة أو ألف بتقدير عدمها وفى ذلك غرر لترددها بين أن يكون صداقها ألفا أو ألفين.
قوله: (بخلاف ألف وإن أخرجها من بلدها أو تزوج عليها، فألفان. ولا يلزم الشرط. وكره ولا الألف الثانية إن خالف) أي فإن هذا لا يفسخ فيه النكاح فله أن يخرجها وليس لها إلا ألف واحدة لأن الصداق في الحقيقة ألف ولا يلزم هذا الشرط ولكن كره ولا يلزم الألف الثانية إن خالف الشرط لأنه وعد ويستحب الوفاء به.
قوله: (فإن أخرجتك فلك ألف. أو أسقطت ألفا قبل العقد على ذلك إلا أن تسقط ما تقرر بعد العقد) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يلزمه شيء إذا قال لها: إن أخرجتك من بلدك أو تزوجت عليك فلك علي ألف أو أسقطت ألفا على ذلك من صداقها قبل العقد عليها فلا يلزمه لأنها أسقطت ما لم يثبت بعد إلا أن تسقط ما تقرر عليه بعد العقد فترجع به إن خالف وأخرجها من بلدها أو تزوج عليها.
قوله: (بلا يمين منه) أي فإن كان الإسقاط معلقا على يمين من الزوج كطلاق أو تمليك أو عتق فلا رجوع للزوجة عليه للزوم الطلاق أو العتق وهو مقصودها وقد حصل.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
قوله: (أو كزوجني أختك بمائة على أن أزوجك أختي بمائة، وهو وجه الشغار) أي فيفسخ قبل البناء والأخت ليست بشرط وكذلك عمتك وأحرى البنت وأحرى التي تجبر وإنما قصد الشيخ بذكر الأخت الوجه المشكل.
قوله: (وإن لم يسم فصريحه، وفسخ فيه، وإن في واحدة) أي وإن لم يسم صداقا لكل واحدة فهو صريح الشغار فيفسخ أبدا، وإن كان الصريح في واحدة منهما، وسمى للأخرى وهو مركب بين وجه وصريح.
والشغار لغة: الرفع شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول.
وفي إكمال الإكمال: واختلف في علة البطلان؛ فقيل: لأن كلا من الفرجين معقود به وعليه.
وقيل: لخلوه من الصداق فعلى الأول فساده في عقده ويفسخ بعد البناء، وعلى الثاني فساد في صداقه فيمضى بالبناء. ورواه علي بن زياد.
وقال بعض شيوخنا: يخرج من المذهب قول ثالث أنه يفوت بالعقد، وفسخه قبل البناء استحسان واحتياط على أحد الطرفين فيما فسد لصداقه.
قلت: قال ابن المتيطي في كتاب ابن القصار: ما يدل على أنه يفوت بالبناء.
ابن شبلون: قوله في المدونة: يقع فيه الطلاق والميراث يدل على أنه يفوت بالبناء وبالجملة فالأقوال ثلاثة: يفسخ بعد البناء قال في المدونة: وإن طال وإن ولدت الأولاد ويمضى بالدخول ويمضى بالعقد. انتهى (^١).
قوله: (وعلى حرية ولد الأمة أبدا) أي ويفسخ النكاح بعقده على حرية ولد الأمة المتزوج بها أبدا ولم يتعرض المؤلف للولد ونص في الموازية وغيرها على أنه حر بالشرط وولاؤه لسيده ولا قيمة على الزوج فيه ويكون رقا باستحقاق أمه بخلاف ولد المغرور لأنه دخل على حريته بالأصل وهذا دخل على حريته من السيد ثم بان أنه رق لغيره.
قوله: (ولها في الوجه، ومائة وخمر، أو مائة ومائة لموت أو فراق الأكثر من المسمى وصداق المثل. ولو زاد على الجميع) أي وللمرأة في وجه الشغار أو تزوجها بمائة منقودة وخمر أو بمائة منقودة ومائة إلى موت أو فراق الأكثر من المسمى الجائز وغيره ملغى وصداق المثل في المسائل الثلاث ولو كان صداق المثل زائدا على الجميع
_________________
(١) إكمال الإكمال: ج ٥، ص: ٤٢/¬٤٣.
[ ٢ / ٢٨١ ]
أي المائتين خلافا لابن القاسم لأنه قال: ما لم يزد على المائتين.
قوله: (وقدر بالتأجيل المعلوم) أي وقدر صداق المثل بالتأجيل المعلوم (إن كان فيه) كما لو تزوجها بمائة دينار معجلة ومائة إلى سنة ومائة إلى موت أو فراق فإنه يقدر إلى الأجل المعلوم وهو سنة راجع التوضيح.
قوله: (وتؤولت أيضا فيما إذا سمى الإحداهما، ودخل بالمسمى لها بصداق المثل) فلما قال: أيضا علمنا أن الأول تأويل أي وتأولت المدونة أيضا فيما إذا سمى لإحداهما في الشغار ودخل بالمسمى لها أن لها صداق المثل وقوله بصداق المثل متعلق بتأولت.
قوله: (وفي منعه) أي وفى منع النكاح (بمنافع) معينة كسكني دار مثلا وهو قول مالك وعدم منعه وهو قول أصبغ، وأما النكاح بجعل كطلب آبق أو شارد يمنع اتفاقا.
قوله: (وتعليمها قرآنا، وإحجاجها، ويرجع بقيمة عمله للفسخ) أي وفى منع النكاح بتعليمها قرآنا كله أو بعضه أو أحجاجها وكراهته قولان، فإن وقع ونزل يفسخ قبل البناء ويرجع عليها الزوج بقيمة عمله لأجل الفسخ.
قوله: (وكراهته: كالمغالاة فيه، والأجل، قولان) أي كما كرهت المغالاة في الصداق والأجل فيه ويختلف الصداق باختلاف الأشخاص وقد تكون عشرة مغالاة في رجل ولا يكون ماله كله مغالاة عند آخر وقد تكون مائة غير مغالاة في حق امرأة وما زاد على الربع مغالاة في حق أخرى.
قوله: (وإن أمره بألف عينها أو لا فزوجه بألفين؛ فإن دخل فعلى الزوج ألف وغرم الوكيل ألفا إن تعدى بإقرار أو بينة) أي وإن أمر وكيله أن يزوجه بألف واحد عين له المرأة أم لا فزوجه بألفين فلا يخلو أن يدخل بها أم لا فإن دخل بها فعليه الألف التي أمره بها وغرم الوكيل الألف الثانية للزوجة إن ثبت تعديه بإقرار أو بينة.
قوله: (وإلا فتحلف هي إن حلف الزوج) هذا مفرع على مفهوم التعدي بإقرار أو بينة أي وإن لم يثبت التعدي فتحلف الزوجة الوكيل فإن نكل غرم وإن حلف برئ فالمصيبة على الزوجة.
هكذا قرره شيخنا محمود ابن عمر حفظه الله بمنه وكرمه.
وفى بعض النسخ: فتحلفه هي إن نكل الزوج.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
قال ابن غازى هكذا في النسخ الجيدة. انتهى (^١).
تعدي الوكيل ومصالحة الكفيل … لا يقوم بهما إلا النبيل
قوله: (وفي تحليف الزوج له إن نكل وغرم الألف الثانية قولان) أي وفي تحليف الزوج للوكيل إن نكل عن اليمين أنه ما أمر إلا بألف وغرم الألف الثانية وعدم تحليفه له قولان.
قوله: (وإن لم يدخل ورضي أحدهما: لزم الآخر) أي وان لم يدخل بها ورضي أحدهما بمراد الآخر لزم النكاح الآخر.
قوله: (لا إن التزم الوكيل الألف) أي فلا يلزم الناكح الزوج إن التزم الوكيل دفع الألف الثانية بنفسه إن لم يرض لأن ذلك عطية من الوكيل فلا يلزمه قبولها بخلاف وكيل المبيع أو الإشتراء، فإنه يلزم إن التزم الوكيل الزائد، فإن رضي الزوج بدفع الوكيل الألف الثانية لزم النكاح الزوجة وإن لم ترض.
قوله: (ولكل تحليف الآخر أي ولكل من الزوجين تحليف الآخر أنه ما رضي بمراد الآخر وإن باتهامه به وهذا إنما يتصور في ما إذا لم تقم بينة لواحد منهما إذ عند قيامها لأحدهما لا ترد على من قامت له ولا ترد اليمين إن كانت بتهمة لأن أيمان التهمة لا ترد وإنما لكل منهما تحليف الآخر إن لم تقم بينة للمدعى عليه منهما.
قوله: (فيما يفيد إقراره، إن لم تقم بينة، ولا ترد إن اتهمه) لفظ مستغنى عنه بقوله: إن لم تقم بينة لأن الإقرار لا يكون إلا مع عدم البينة، لأن البينة يكتفي بها عن الإقرار، ولأن المعروف أن لا تحليف في كل ما لا يفيد فيه الإقرار كإقرار صبي وعبد غير مأذون وسفيه.
قوله: (وربح بداءة حلف الزوج ما أمره إلا بألف، ثم للمرأة الفسخ إن قامت بينة على التزويج بألفين) أي ورجح ابن يونس بداء حلف الزوج باليمين أنه ما أمر إلا بألف واحدة فإن حلف فللمرأة حينئذ فسخ النكاح إذا قامت لها بينة على أن التزويج بالألفين ولها أن ترضى بالألف ويثبت النكاح.
قوله: (وإلا) أي وإن لم تقم بينة لكل واحد منهما (ف) يكون الحكم (كالاختلاف في) قدر (الصداق) وجنسه قبل البناء فيتحالفان ويتفاسخان إن لم يرجع أحدهما
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٤٦٦.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
بمراد الآخر.
قوله: (وإن علمت بالتعدي فألف) أي وإن علمت الزوجة قبل البناء بتعدي الوكيل فإنما لها الألف التي أمر به الزوج فإن علم الزوج دونها بتعديه لزم ألفان وإليه أشار بقوله: (وبالعكس ألفان، وإن علم كل، وعلم بعلم الآخر، أو لم يعلم، فألفان، وإن علم بعلمها فقط فألف، وبالعكس فألفان) وإن علم كل منهما بتعدي الوكيل وعلم بعلم الآخر به أو لم يعلم فاللازم ألفان وإن علم الزوج بعلمها فقط فاللازم له ألف وإن علمت الزوجة بعلمه فاللازم ألفان وهو المراد بالعكس.
قوله: (ولم يلزم تزويج آذنة غير مجبرة) أي ولم يلزم آذنة غير مجبرة لوليها تزويج (بدون صداق المثل) لأنه كبيع سلعتها لا يجوز إلا برضاها وأما المجبرة فلا كلام لها أصلا في ذلك.
قوله: (وعمل بصداق السر) أي ويعمل بصداق السر سواء كان المسرور كثيرا أو قليلا فوق ربع دينار (إذا أعلنا غيره) في القدر والجنس والصفة والنوع سواء كان شهود السر هم شهود ما أعلن أم لا وأقاموا هنا. فائدة شهادة الاسترعاء.
قوله: (وحلفته إن ادعت الرجوع عنه، إلا ببينة أن المعلن لا أصل له) أي وحلفت الزوجة الزوج إن ادعت الرجوع عن المسرور إلا أن تقوم بينة على أن المعلن لا أصل له فلا يمين على الزوج حينئذ.
قوله: (وإن تزوج بثلاثين عشرة نقدا وعشرة إلى أجل وسكتا عن عشرة: سقطت) العشرة المسكوت عنها وهذا بخلاف البيع فإن المسكوت عنه يكون حالا والفرق أن النكاح قد يظهروا فيه شيئا ويخفواغيره فيكون السكوت دليلا على سقوط العشرة بخلاف البيع.
قوله: (ونقدها كذا مقتض لقبضه) أي وقول الموثق في الوثيقة ونقدها كذا في صداقها مقتض لقبضها ذلك حتى يقوم دليل على عدم القبض وأما إن وجد مكتوبا في وثيقة أنه نكحها بكذا نقدا غير مقتض لقبضها ذلك.
قوله: (وجاز نكاح التفويض والتحكيم) أي وجاز عقد النكاح على التفويض وعلى التحكيم سواء كان المحكم زوجا أو زوجة أو وليا أو أجنبيا ويجوز التفويض بلا خلاف وكذلك التحكيم على المشهور والتفويض.
(عقد بلا ذكر مهر) ولا إسقاطه.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
قال البرزلي: فإن سكتا عن ذكر المهر لكونه معروفا عندهم ليس بتفويض (^١).
قوله: (بلا وهبت) أي إنما يكون العقد بغير ذكر مهر تفويضا كان أو تحكيما أن يقع بلا لفظ وهبت فإن وقع به فلا بد من ذكر الصداق.
قوله: (وفسخ إن وهبت نفسها قبله) أي ويفسخ إن وهبت نفسها بغير إذن ولي قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل (وصحح) الباجي (أنه زنا) فيفسخ قبل البناء وبعده ولا شيء لها ويحدان ولا يلحق به الولد وهذا حكم الزنا واعترضه ابن عرفة.
قوله: (واستحقته بالوطء، لا بموت أو طلاق، إلا أن يفرض وترضى، ولا تصدق فيه بعدهما) أي وتستحق الصداق في التفويض أو التحكيم بالوطء فلا تستحقه بموت أو طلاق لأنه غير متقرر في الذمة فلاشيء لها إلا الميراث إلا أن يفرض لها شيئا دون صداق المثل وترضى به قبل الموت والطلاق ولا تصدق في الرضى بالمفروض بعد هما أي بعد الموت والطلاق.
قوله: (ولها طلب التقدير، ولزمها فيه، وتحكيم الرجل) أي للمفوضة ونحوها طلب الزوج بتقدير الصداق ويلزمها النكاح في التفويض وفي تحكيم الزوج (إن فرض الزوج صداق (المثل، ولا يلزمه» هو تفويض صداق المثل بل إن شاء يفرض أقل وتخير هي.
قوله: (وهل تحكيمها وتحكيم الغير كذلك؟ أو إن فرض المثل لزمهما) أي وهل تحكيم الزوجة أو وليها أو غيره كذلك فلا يلزم الزوج إلا أن يرضى به أو إن فرض الغير صداق المثل لزمهما النكاح وهو قول ابن محرز.
وقوله: (وأقل لزمه فقط) أي وإن فرض الغير المحكم أقل من صداق المثل لزم النكاح الزوج فقط وخيرت الزوجة.
قوله: (وأكثر فالعكس؟) أي وإن فرض المحكم أكثر من صداق المثل لزم الزوجة ويخير الزوج وهو المراد بقوله: فالعكس.
قوله: (أو لا بد من رضا الزوج والمحكم) أي ولا بد من رضى الزوج والمحكم بالمفروض مطلقا (وهو الأظهر؟) عند ابن رشد (تأويلات).
قوله: (والرضا بدونه للمرشدة، وللأب ولو بعد الدخول، وللوصي قبله) أي وجاز للمرشدة وإن بكرا الرضا بدون صداق المثل في التفويض وغيره وذلك للأب في
_________________
(١) المعيار للونشريسي: ج ٣، ص: ٣٠٥
[ ٢ / ٢٨٥ ]
مجبرته والسيد في أمته ولو بعد الدخول وكذلك يجوز للوصي الرضا بدون صداق المثل لمحجورته قبل البناء وأما بعده فليس له ذلك لأنه قد ثبت لها على الزوج فليس للولي إسقاطه.
قوله: (لا المهملة) أي ليس للمهملة وهي اليتيمة التي لا وصي لها الرضا بدون صداق المثل إذا لم يعلم رشدها قاله ابن القاسم في المدونة.
وأما إن علم رشدها فيجوز.
قوله: (وإن فرض في مرضه فوصية لوارث، وفي الذمية والأمة قولان) أي وإن فرض المريض في مرضه المخوف فى نكاح التفويض أو التحكيم في الصحة فذلك وصية لوارث فلا يجوز إن كانت حرة مسلمة إلا أن يجيزه الورثة وفي الذمية والأمة قولان، قيل: يجوز لأنها لا ترث ويكون ما فرض لها من ثلثه وهو لمالك، وقيل لا يجوز لأنه لم يقصد بالمفروض الوصية وهو لابن الماجشون.
قوله: (وردت زائد المثل إن وطئ، ولزم إن صح) أي وردت الحرة المسلمة ونحوها مما فرض لها زائدا على صداق مثلها إن وطئ في مرضه ذلك إلا أن يجيزه الورثة ويلزمه الزائد إن صح من مرضه ذلك.
قوله: (لا إن أبرأت قبل الفرض، أو أسقطت شرطا قبل وجوبه) أي ولا يلزم مفوضة ونحوها إبراء الزوج من الصداق ولا إسقاط شرط قبل وجوبه لأنها أسقطت حقا قبل وجوبه وقيل يلزمها ذلك لجريان السبب وهو العقد.
قوله: (ومهر المثل ما يرغب به مثله فيها باعتبار دين، وجمال، وحسب، ومال، وبلد) أي ومهر المثل حيث وجب هو ما يرغب به مثله في مثلها - غفل الشارح هنا - فيقدر ذلك باعتبار دينها وجمالها وحسبها ومالها وبلدها يوم العقد.
قال ابن ناجي وقيل يوم الحكم إن لم يبن بها أو يوم الدخول إن بني بها والقولان حكاهما عياض والحسب ما يؤول إلى المناقب.
وفي كتاب محمد يعتبر جمالها وشبابها ورغبة الناس فيها.
وقوله: (وأخت شقيقة أو لأب، لا الأم، والعمة) خلافا للمدونة فلا يعتبر في ذلك الأم والعمة والشقيقة أو لأب تعتبر وهو معطوف على قوله: وأخت شقيقة.
قوله: (وفي الفاسد يوم الوطء) أي إنما يعتبر مهر المثل في النكاح الفاسد تفويضا كان أو غيره يوم الوطء لا يوم العقد.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
قوله: (واتحد المهر إن اتحدت الشبهة) أي واتحد المهر على وطء بشبهة إن اتحدت الشبهة وإن تعدد الوطء.
قوله: (كالغائط بغير عالمة) مثال للشبهة كما إذا وطئ أجنبية يظنها زوجته أو أمته فيطؤها مرة أو مرات واحترز بغير العالمة من العالمة بذلك فإنها لا شيء لها لأنها زانية.
قوله: (وإلا تعدد) أي وإن لم تتحد الشبهة بل تعددت تعدد المهر بالوطء كما إذا وطئ امرأة يظنها في المرة الأولى زوجته وفي الثانية أمته وهي مع ذلك غير عالمة وإن كانت عالمة فزنا.
قوله: (كانزنا بها أو بالمكرهة) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يتعدد عليه المهر إن زنا بها وهي غير عالمة به أو أكرهها على نفسها والضمير في قوله: بها عائد على غير العالمة وأما العالمة الطائعة فزانية ولا شيء لها.
قوله: (وجاز شرط) أي وجاز الشرط على الزوج في العقد (أن لا يضر بها في عشرة، أوكسوة ونحوهما) من النفقة بل يحكم بهذا عليه.
قوله: (ولو شرط أن لا يطأ أم ولد أو سرية) أي ولو ألزم الزوج نفسه ألا يطأ أم ولد أو سرية (لزم في السابقة منهما على الأصح فليس له وطء واحدة منهما إذا كانا في ملكه قبل العقد وله فيمن تجدد ملكه عليها وقيل لا يلزمه ذلك في من تقدمت على العقد أو تأخرت. انتهى.
قال ابن غازي: لو قال لم يلزم في السابقة منهما (لا في أم ولد سابقة في لا أتسرى) فإنه لا يلزم فيها لأن النفي إذا نفى النفي عاد إثباتا، وبهذا يستقيم الكلام، ويكون موافقا للمشهور في المسألتين. انتهى (^١).
السرية منسوبة إلى البيت الذي يتخذ للسر، والسر هو الجماع، واختلف في السرية هل هي أمة تراد للوطء دون إرادة الولد أو التي تراد للوطء مع إرادة الولد.
قوله: (ولها الخيار ببعض شروط) أي وللزوجة الخيار بفعل الزوج بعض شروط شرطتها عليه (ولو لم يقل إن فعل شيئا منها) وأحرى إن قاله كما لو علق تخييرها نفسها على تزويجه وتسريه وإخراجها من بلدها فلها الخيار إن فعل أحدهما لأن القرينة الحالية دلت على أنه قصد الكلية فلا يعدل عنها بالكل إلا بدليل واضح. انتهى من
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ١، ص: ٤٧٢.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
مغني النبيل.
قوله: (وهل تملك بالعقد النصف؛ فزيادته كنتاج وغلة، ونقصانه لهما وعليهما أو لا؟ خلاف) أي وهل تملك الزوجة بالعقد النصف من الصداق وهو قول مالك في المدونة، فبسبب ذلك فزيادته لهما ونقصانه عليهما أو لا تملك شيئا فتكون الزيادة فيه للزوج وعليه نقصانه فلا تملك شيئا إلا بالدخول أو الموت.
ابن شاس: لاحتمال طرو الفسخ فيه خلاف.
القرافي في كتابه أنوار البروق في أنواع الفروق، الفرق بين قاعدة الأثمان في البياعات تتقرر بالعقود وبين قاعدة الصدقات في الأنكحة لا يتقرر شيء منهما بالعقود على المشهور من مذهب مالك وفيها ثلاثة أقوال:
أحدها: عدم التقرر مطلقا وهو المشهور.
وثانيها: التقرر مطلقا والطلاق مشطر.
وثالثها: النصف يتقرر بالعقد والنصف الآخر غير متقرر حتى يسقط بالطلاق أو يثبت بالدخول أو الموت.
وأما أثمان البيعان فلم أعلم فيها خلافا، وسر الفرق أن الصداق في النكاح شرط في الإباحة، وشأن الشرط أن يتعين ثبوته عند ثبوت المشروط، وليس الناس يقصدون بالصداق المعاوضة بل التجمل، وصاحب الشرع أيضا لم يرد المعاوضة بدليل أنه لم يشترط فيه شروط الإعراض من نفي الجهالة بالمرأة، بل يجوز العقد على المجهولة مطلقا، ولا يتعرض لتحديد مدة الانتفاع أيضا وذلك وشبهه دليل على عدم القصد إلى المعاوضة بل شرط الإباحة فلا يتقرر شيء إلا عند الدخول أو الموت لأن الصداق إنما التزم إلى أقصر الزوجين عمرا وليس الوطأة الأولى هي مقابل الصداق بالعوضية؛ لأنها ليست مقصود العقلاء بالصداق بشهادة العادة؛ وإنما الشرع جعله شرطا لأصل الإباحة، فمن لاحظ هذه القاعدة قال بعدم التقرر مطلقا إلا بموت، أو فراق، أو دخول، ومن لاحظ قاعدة أخرى، وهي أن الأصل في الأعواض وجوبها بالعقود فإنها أسبابها، والأصل ترتب المسببات على أسبابها، فيجب الجميع بالعقد كثمن المبيع، ومن لاحظ قاعدة أخرى وهي أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على سببيته له، وقد قال تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧] فرتب النصف على الطلاق فيكون سببه، فيجب النصف بالطلاق خاصة، ويبقى التكميل موقوفا على سبب آخر،
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وهو الموت أو الدخول، فهذا تحرير الفرق بين البابين. انتهى (^١).
قوله: كنتاج وغلة مثال للزيادة.
قوله: (وعليها نصف قيمة الموهوب والمعتق يومهما ونصف الثمن في البيع) أي إذا تصرفت الزوجة في الصداق قبل البناء بالهبة أو بالعتق وطلقت فإن عليها نصف قيمة الموهوب أو المعتق يومهما أي يوم الهبة أو العتق ابن القاسم لأنه يوم الإفاتة وإن تصرفت فيه بالبيع فعليها نصف الثمن إلا أن تحابي فيه.
لو قال الشيخ: وعليها قيمة نصف الموهوب والمعتق لكان أولى لأن الناس لا يرغبون في النصف.
قوله: (ولا يرد العتق) أي ولا يرد العتق الذي فعلت في عبد الصداق (إلا أن يرده الزوج لعسرها يوم العتق) حين علمه به فيرد (ثم إن طلقها) قبل البناء والعبد باق في يدها (عتق النصف) الزوال المانع وهو الزوج (بلا قضاء) عليها بعتقه إن أبت بناء على أنه رد إبطال والرد على ثلاثة أقسام: رد إبطال كرد أفعال الصبي والمجنون والسفيه. ورد إيقاف كالغريم.
وما اختلف فيه هل هو رد إبطال أو إيقاف كالمملوك فيما رده سيده، والزوجة فيما رده زوجها، وجعله هنا رد إبطال لقوله بلا قضاء، إذ لو جعله هنا رد إبطال لقال: بقضاء. انتهى.
قوله: (وتشطر، ومزيد بعد العقد، وهدية اشترطت لها أو لوليها قبله) أي ويتشطر الصداق ومزيد بعد العقد على الصداق بالطلاق قبل المس لأنه الزم نفسه الزائد على حكم الصداق لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧] وكذلك تتشطر هدية اشترطت لها أو وليها قبل العقد أو عنده لأن ذلك هبة لأجل النكاح.
قوله: (ولها أخذه منه بالطلاق قبل المسيس) أي وللزوجة أخذ الهدية من الزوج أو الولي.
وقوله: بالطلاق قبل المس متعلق بتشطر.
قوله: (وضمانه إن هلك ببينة) أي وضمان الصداق إن هلك قبل البناء ببينة (أو
_________________
(١) الفروق للقرافي: ج ٣، ص: ١٣٩، الفرق الخامس والخمسون والمائة
[ ٢ / ٢٨٩ ]
(كان مما لا يغاب عليه) كان في يده أو يدها (منهما).
قوله: (وإلا) أي وإن لم تقم بينة أو كان مما يغاب عليه، (ف) ضمانه (من الذي في يده).
قوله: (وتعين ما اشترته من الزوج) أي وتعين ما اشترته من الزوج بالصداق ويكون هو الصداق كان جهازا أم لا ولا عبرة بغيره إذا طلقها قبل البناء وهو مذهب المدونة، (وهل) ذلك (مطلقا) قصدت التخفيف أم لا (وعليه الأكثر) وهو بعيد (أو) إنما يكون ذلك كذلك (إن قصدت) الزوجة (التخفيف؟) على الزوج وهو لاسماعيل القاضي وهو أحسن فيه (تأويلان).
قوله: (وما اشترته من جهازها) أي ويتعين أيضا ما اشترته من جهازها (وإن من) عند (غيره) أي غير الزوج إذا خالعها قبل البناء.
قوله: (وسقط العزيد فقط بالموت) أي ويسقط المزيد في الصداق بعد العقد بالموت فقط لأنه عطية لم تقبض وكذلك فلسه.
قوله: (وفي تشطر هدية بعد العقد وقبل البناء أو لا شيء له وإن لم تفت إلا أن يفسخ قبل البناء فيأخذ القائم منها؛ لا إن فسخ بعده: روايتان) أي وفي تشطر هدية تطوع بها بعد العقد وقبل البناء وهو لمالك تحمله أولا شيء له منها وإن لم تفت وهو لابن نافع عن مالك وفاقا لابن القاسم إلا أن يفسخ قبل البناء فيأخذ ما كان قائما منها لا الفائت لا إن فسخ بعد البناء فلا يأخذ منها الزوج شيئا وإن كانت قائمة فيه روايتان لو قال قولان لكان أولى.
قوله: (وفي القضاء بما يهدى عرفا) أي وفي القضاء بما يهدى به عرفا وعدم القضاء به (قولان) بناء على أن العرف كالشرط فيقضى به أو لأنه على المكارمة فلا يقضى به لو قال الشيخ روايتان.
قوله: (وصحح القضاء بالوليمة دون أجرة الماشطة) أي وصحح القضاء على الزوج بالوليمة والمشهور فيها الندب ولا يقضى عليه بأجرة الماشطة والضاربة بالدف.
قوله: (وترجع عليه بنصف نفقة الثمرة والعبد، وفي أجرة تعليم صنعة قولان) أي وترجع الزوجة عليه بنصف نفقة الثمرة والعبد إذا طلقها قبل البناء وفي رجوعها عليه بأجرة تعليم العبد الصنعة قاله مالك في المبسوط أوليس لها أن ترجع عليه وهو قول محمد والقولان فيما إذا ارتفع بذلك قيمة العبد أو الجارية.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
قوله: (وعلى الولي أو الرشيدة مؤونة الحمل لبلد البناء المشترط، إلا لشرط ولزمها التجهيز على العادة بما قبضته إن سبق البناء وقضي له إن دعاها لقبض ما حل) أي ويجب على الولي أو الرشيدة مؤنة الحمل لبلد البناء المشترط فيه إلا لشرط على الزوج فيكون عليه ويلزمها التجهيز على العادة في مثلها بما قبضته من الصداق إن سبق القبض البناء.
وقال شيخنا محمود ابن عمر حفظه الله: وهذا خلاف الأصل لأن الأصل أن الصداق عوض البضع ولكن خالف الأصل للعرف ويقضى للزوج إن دعى الزوجة لقبض ما حل من الصداق لا إن لم يحل.
وقوله: (إلا أن يسمي شيئا فيلزم) مستثنى من قوله: على العادة، والمعنى ولها التجهيز على العادة بما قبضته إلا أن يسمي شيئا فيلزم ذلك الشيء.
قوله: (ولا تنفق منه ولا تقضي دينا، إلا المحتاجة، وكالدينار) أي ولا تنفق الزوجة على نفسها مما قبضته من صداقها ولا تقضي به الديون إلا أن تكون محتاجة فتنفق منه وتقضي منه ما قل من الدين كالدينار وهو من باب اللف والنشر.
قوله: (ولو طولب بصداقها لموتها، فطالبهم بإبراز جهازها لم يلزمهم على المقول) أي ولو طولب الزوج بصداق الزوجة لأجل موتها فطالبهم بإبراز جهاز مثلها لم يلزمهم على ما اختاره المازري من الخلاف وهو قول عبد الحميد الصائغ شيخ المازري خلافا للخمي فإنه قال: يلزمهم ذلك، واللخمي من شيوخ المازري.
قوله: (ولأبيها بيع رقيق ساقه الزوج لها للتجهيز، وفي بيعه الأصل قولان) أي ولأبي البكر أو السفيهة بيع رقيق ساقه الزوج لها، لأجل التجهيز بثمن ذلك، وفي بيعه الأصول لذلك وعدمه قولان، ووجه قول من قال بعدمه لأن للزوج فيه نفعا.
قوله: (وقبل دعوى الأب فقط في إعارته لها في السنة بيمين) أي وقبل دعوى الأب فقط في إعارة الجهاز لها في السنة مع يمينه (وإن خالفته الإبنة) وهذا كله في البكر أو السفيهة وكذلك في غير الأب إذا جرت العادة أنه يفعل مثل ما يفعل الأب وأما الثيب فلا يقبل دعواه إلا إذا جرت العادة أنه يفعل مثل ما يفعل بالبكر.
قوله: (لا إن بعد) أي لا إن بعد من السنة (ولم يشهد) فلا يقبل دعواه وأما إن شهد على ذلك فإنه يقبل دعواه، (فإن صدقته) حيث لا يصدق (ففي ثلثها).
قوله: (واختصت به إن أورد ببيتها، أو أشهد لها، أو اشتراه الأب لها) أي وتختص
[ ٢ / ٢٩١ ]
الابنة بالجهاز دون غيرها من الورثة إن أورد به بيتها الذي بنا بها الزوج فيه لأنه أعظم حيازة أو أشهد لها الأب على ذلك أو اشترى الأب الجهاز باسمها فأشهد (ووضعه عند كأمها) أو جدتها أو خالتها أو أختها من الأم وهو المراد بكأمها.
قوله: (وإن وهبت له الصداق أو ما يصدقها به قبل البناء جبر على دفع أقله، وبعده)
أي وإن وهبت الزوجة الرشيدة الصداق كله لزوجها أو أعطته ما يصدقها به قبل البناء أجبر في الصورتين على دفع أقل الصداق لحق الله تعالى إذا أراد البناء بها، وهذا كله إذا وهبته له قبل قبضها إياه وأما إن وهبته ذلك بعد أن قبضته فلا يدفع لها شيئا.
قوله: (أو بعضه فالموهوب كالعدم) أي وإن وهبت له بعض الصداق قبل البناء ثم طلقها فالموهوب كالعدم فلا ترجع عليه بشيء منه ﴿إلا أن تهبه على دوام العشرة﴾ فإن الموهوب حينئذ يرد عليها لأن مرادها لم يتم لها.
قوله: (كعطيته لذلك ففسخ) أي كإعطاء الزوج للزوجة على دوام العشرة، فيفسخ النكاح بينهما، وأحرى إن كان طلاقا اختياريا.
قوله: (إن أعطته سفيهة ما ينكحها به ثبت النكاح ويعطيها من ماله مثله) أي وإن أعطت سفيهة لرجل ما ينكحها به ثبت النكاح ويعطيها من ماله مثل ما أعطته بعد أن يرد لها ما أعطته لأن تصرفها غير ماض.
قوله: (وإن وهبته لأجنبي وقبضه ثم طلقها اتبعها ولم ترجع عليه إلا أن تبين أن الموهوب صداق. وإن لم يقبضه أجبرت هي والمطلق إن أيسرت يوم الطلاق) أي وإن وهبت الرشيدة الصداق لأجنبي وقبضه ثم طلق الزوج قبل البناء اتبعها الزوج بالنصف فإن دفعته له لا ترجع به على الأجنبي الذي وهبته له إلا أن يتبين له حين أعطته له أنه من الصداق لأن الوجه الذي قررت هبته عليه لم يتم وإن لم يقبض الأجنبي تلك الهبة أجبرت هي والمطلق على إمضاء الهبة إن كانت موسرة يوم الطلاق كانت معسرة قبله أم لا وإن لم تكن موسرة يوم الطلاق فلا يجبر الزوج على إمضاء الهبة.
قوله: (وإن خالعته على كعبد، أو عشرة ولم تقل من صداقي فلا نصف لها، ولو قبضته ردته) أي وإن خالعت زوجها قبل البناء على عبد أو عشرة ولم تقل من صداقي فلا نصف لها فيما بقي منه لأن لفظ الخلع يدل على أنها زادت ما ذكرته على صداقها خلافا لأشهب أن لها نصف صداقها وهو أظهر من المشهور لأن الأصل بقاء
[ ٢ / ٢٩٢ ]
الأملاك فلا يسقط إلا بالنص والكاف في كعبد للشمول وأما لو خالعته على ذلك وقالت: من صداقي، أو قالت: طلقني على ذلك منه فلها نصف الباقي ولو قبضت شيئا حيث لا نصف لها فإنها ترده خلافا لأصبغ.
قوله: (لا إن قالت طلقني على عشرة أو لم تقل من صداقي) أي ولو قالت: طلقني على عشرة ولم تقل من الصداق وطلقها، فإن لها نصف صداقها كله، وقول المصنف: (فنصف ما بقي) غفلة منه تحلله.
فمن ذا الذي ترضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
الفرق بين الفرعين أن هذا لفظ الطلاق والأول لفظ الخلع
قوله: (وتقرر بالوطء) أي وتقرر الصداق في الفرعين بالوطء قبضته أم لا.
قوله: (ويرجع إن أصدقها من يعلم بعتقه عليها) أي ويرجع الزوج عليها بنصف الصداق إن أصدقها من يعلم بعتقه عليها وهي عالمة وأحرى إن لم تعلم.
قوله: (وهل إن رشدت وصوب؟ أو مطلقا) أي وهل يعتق عليها إن كانت رشيدة وصوبه ابن حبيب وعياض وابن يونس وأبو الحسن الصغير أو يعتق عليها مطلقا كانت رشيدة أم لا، (إن لم يعلم الولي؟) فيه (تأويلان) في العتق وعدمه.
قوله: (وإن علم دونها لم يعتق عليها، وفي عتقه عليه قولان) أي وإن علم الولي بعتقه عليها ولم تعلم هي لم يعتق عليها وفي عتقه على الولي وعدم عتقه عليه قولان.
قوله: (وإن جنى العبد في يده فلا كلام له، وإن أسلمته فلا شيء له، إلا أن تحابي فله دفع نصف الأرش، والشركة فيه) أي وإن كان الصداق عبدا فجنى جناية في يد الزوج فلا كلام له وأحرى إن جنى في يدها فإن أسلمت الزوجة في الجناية فلا شيء للزوج عليها إذا طلقها قبل البناء بعد التسليم إلا أن تحابى فله دفع نصف الأرش والشركة في العبد فإن كانت الجناية في يد الزوج فللمرأة الخيار.
قوله: (وإن فدته بأرشها فأقل لم يأخذه إلا بذلك) أي وإن فدت العبد الجاني بإرش الجناية بأقل منها لم يأخذ نصفه إلا بدفع نصف ما فدته به (وإن زاد على قيمة العبد).
قوله: (وبأكثر فكالمحاباة) أي وإن فدته بأكثر من إرش الجناية فالزائد عليه لا يلزمه بل يدفع نصف الأرش فقط كما لا تلزمه المحابات إن حابت.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
قوله: (ورجعت المرأة بما أنفقت على عبد أو ثمرة) أي وترجع المرأة على الزوج في الفسخ قبل البناء بما أنفقت على عبد الصداق أو ما أنفقت على ثمرة وهذا ليس بتكرار مع قوله: وترجع عليه بنصف الثمرة والعبد لأن ما تقدم ترجع بالنصف وهنا ترجع بالكل والأول فى الطلاق وهذا في الفسخ قبل البناء ولا صداق فيه باتفاق.
قوله: (وجاز عفو أبي البكر عن نصف الصداق قبل الدخول وبعد الطلاق ابن القاسم: وقبله لمصلحة. وهل هو وفاق؟ تأويلان) أي ويجوز لأبي البكر العفو عن نصف صداقها قبل دخول الزوج بها بشرط أن يكون ذلك بعد الطلاق عند الإمام مالك قال ابن القاسم: يجوز قبله لمصلحة، وهل هو قول ابن القاسم وفاقا لقول مالك أو خلاف فيه تأويلان والصحيح أنه خلاف، وقال بعضهم: إذا كانت المصلحة ظاهرة اتفقا وإذا ظهر غيره اتفقا وإنما الخلاف إذا لم يظهر شيء، قال مالك: محمول على غير مصلحة. ابن القاسم على مصلحة.
قوله: (وقبضه مجبر، ووصي وصدقا ولو لم تقم بينة وحلنا، ورجع إن طلقها في مالها إن أيسرت يوم الدفع) أي والقابض للصداق مجبر ووصي غير عبد وصدقا في ضياعه إن ادعاه ولم تقم بينة على الضياع وحلفا على الضياع لحق الزوج بالتجهيز بالمال ويرجع عليها الزوج فى مالها إن طلقها قبل البناء إن كانت موسرة يوم الدفع وإلا فمصيبة من الزوج.
قوله: (وإنما يبرئه شراء جهاز تشهد بينة بدفعه لها) أي وإنما يبرأ الأب أو الوصي في دعواه دفع المهر لابنته أو محجورته البكر شراء جهاز مثلها تشهد البينة بدفع ذلك الجهاز لها (أو إحضاره بيت البناء، أو توجيهه إليه).
قوله: (وإلا فالمرأة. وإن قبض اتبعته أو الزوج) أي وإن لم يكن مجبر ولا وصي فالمرأة هي القابضة أو وكيلها بتصريح أو عادة وإن قبضه من لم يستحق قبضه من الأولياء اتبعته به إن فوته أو الزوج إن شاءت فهي مخيرة في إتباع أيهما شاءت.
قوله: (ولو قال الأب بعد الإشهاد بالقبض: لم أقبضه، حلف الزوج في كالعشرة الأيام) أي ولو قال الأب أو الوصي بعد الإشهاد بقبضه لم أقبضه وإنما شهدت على نفسي لحسن ظني فيه حلف الزوج فى قيامه عليه بالقرب كالعشرة أيام فإن بعد قيامه عليه فلا يمين عليه.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
فصل [في بيان أحكام تنازع الزوجين]
قوله: (فصل) أي هذا فصل ليس مما تقدم فناسب الفصل، وليس ببعيد فيناسب الباب، هذا فصل يذكر فيه مسائل التنازع في الزوجية.
(إذا تنازعا) أي الرجل والمرأة في الزوجية، ثبتت الزوجية (ببينة، ولو كان السماء ب) ضرب (الدف والدخان) من العدول وغيرهم.
قوله: (وإلا فلا يمين ولو أقام المدعي شاهدا وحلفت معه. وورثت وأمر الزوج) أي وإن لم تقم بينة لمدعى الزوجية، فلا يمين على المنكر، ولو أقام المدعي شاهدا، لأن النكاح لا يثبت بشاهد ويمين ولا بالنكول مع اليمين، وكل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين فلا يمين بمجردها، ومفهوم قوله: بمجردها لو كان في الدعوى شاهد يكون فيها اليمين والمفهوم موافق لصاحب لوهنا والتعارض يكون بين مفهومين، وبين مفهوم ونص كما هنا والتكرار لا يكون بين نص ومفهوم، والنص ما رفع بيانه إلى غاية.
قوله: وحلفت معه يريد أن المرأة إذا أقامت شاهدا واحدا بالنكاح على ميت فإنها تحلف مع شاهدها وترثه، لأن نصيب دعواها بعد الموت للمال، هذا قول ابن القاسم خلافا لأشهب أنها لا ترث، لأن الأصل لم يثبت وكيف يثبت الفرع مع عدم ثبوت الأصل، لو قال الشيخ وحلف معه ليشمل الرجل والمرأة لكان أولى إذ الزوج إذا أقام شاهدا على نكاح امرأة ميتة فإنه يحلف معه ويرثها إذ لم يبق إلا المال.
قوله: وأمر الزوج باعتزالها لشاهد ثان يريد أن من ادعى نكاح امرأة متزوجة مكن من إقامة البينة فإن أقام شاهدا أمر الزوج الذي هي تحته (باعتزالها ل) أجل قيام (شاهد ثان زعم قربه)، فإن أتى به فلا كلام، (فإن لم يأت به فلا يمين على الزوجين)، بل يبقيان على نكاحهما كما كانا أولا.
قوله: (وأمرت بانتظاره) أي وإذا ادعى رجل نكاحا على امرأة أيم أمرت وجوبا بانتظاره، (ل) أجل قيام (بينة قريبة) لم يلحق الضرر فيها المرأة ويرى الإمام لدعوى الرجل وجها، وأما إن بعدت إقامة البينة فلا تؤمر بالانتظار.
وقوله: (ثم لم تسمع بينته) راجع إليهما أي لم تقبل بينة بعد ذلك كانت متزوجة أم لا (إن عجزه قاض) حالة كونه (مدعي حجة) في الفرعين وظهر لدده، الفرق
[ ٢ / ٢٩٥ ]
بينه وبين من عجز نفسه لظهور لدد هذا.
قوله: (وظاهرها القبول) أي وظاهر المدونة قبول قوله: (إن أقر على نفسه بالعجز).
قوله: (وليس لذي ثلاث) أي وليس لذي ثلاث زوجات ادعى نكاح رابعة ولم يثبت (تزويج) امرأة (خامسة إلا بعد طلاقها) أو غيرها من الثلاثة التي في عصمته، وكذلك امرأة إذا ادعت النكاح على رجل ولم يثبت ليس لها أن تتزوج، لأنها مقرة بالعصمة.
قوله: (وليس إنكار الزوج طلاقا) أي وإذا ادعت المرأة على رجل النكاح وأنكر ثم أقر به أو أقامت عليه بينة فإن إنكاره ذلك لا يكون طلاقا فيكون عليه، وله ما يجب بالزوجية، لأن إنكاره ذلك كذب منه إلا أن ينوي به الطلاق، وقيل يكون طلاقا وهو أصل مختلف فيه.
قوله: (ولو ادعاها رجلان فأنكرتهما أو أحدهما وأقام كل البينة فسخا، كالوليين) أي ولو ادعى الزوجية على امرأة رجلان فأنكرتهما أو أحدهما أو أقرت بهما وأقام كل منهما البينة يفسخ نكاحهما بطلاق إن لم يعلم الأول.
قوله: (كالوليين) تشبيه لما تقدم.
قوله: (وفي التوريث بإقرار الزوجين) أي وفي ثبوت التوريث وعدمه بإقرار الزوجين (غير الطارئين) بالنكاح خلاف ووجه من قال بعدمه لعدم ثبوت الزوجية.
قوله: (والإقرار بوارث وليس ثم وارث) أي وفي التوريث بإقرار بوارث، وليس هناك وارث (ثابت) النسب وعدم التوريث به (خلاف) بناء على أن بيت المال هل هو وارث؟ فلا يرث المقربة أو غير وارث، وإنما هو جامع للمال الضائع فيرث المقربة، وأما إن كان وارث ثابت فلا يرث المقربة، إنما يرثه الثابت.
قوله: (بخلاف الطارئين) أي فإن كان المتقاران بالنكاح طارئين ليسا ببلديين فإنهما يتوارثان بلا خلاف لثبوت نكاحهما.
قوله: (وإقرار أبوي غير البالغين) أي وتثبت الزوجية بإقرار أبوي غير البالغين بالنكاح، إذ لا تهمة في ذلك غفل فيه الشيخ في توضيحه، لأنه قال فيه: لأنهما يقدران على إنشاء النكاح، والمسألة بعد الموت.
الجواد يكبو والصارم ينبو.
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
انتهى.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
(و) كذلك (قوله: تزوجتك، فقالت: بلى، أو قالت: طلقتني، أو خالعتني، أو قال: اختلعت مني، أو أنا منك مظاهر، أو حرام، أو بائن في جواب طلقني) أي نعم إذ هو إقرار بالنكاح وكذلك إن ادعى زوجيتها وقالت جوابا طلقتني، أو خالعتني فذلك إقرار تثبت به الزوجية وكذلك تثبت الزوجية بينهما إذا ادعت عليه فقال جوابا لها: اختلعت مني وأنا منك مظاهر، أو أنت حرام أو بائن في جواب طلقني.
قوله: (لا إن لم يجب، أو أنت علي كظهر أمي، أو أقر) أي لا إن لم يجب المخاطب فلا يكون إقرارا وهو راجع للمسائل كلها، وكذلك إن قال لها من غير سؤال تقدم من المرأة: أنت علي كظهر أمي، لأن الظهار يصدق على أجنبية غير فلا يكون إقرارا وكذلك لا تثبت الزوجية بينهما إذا أقر بنكاحها (فأنكرت) وهي رشيدة، (ثم قالت) بعد الإنكار (نعم فأنكر) هو لأن إقرارهما لم يجتمع.
قوله: (وفي قدر المهر أو صفته أو جنسه حلفا، وفسخ) أي وإن كان تنازع الزوجين في قدر المهر أو صفته أو جنسه قبل البناء حلف كل منهما على دعواه، فإن حلفا فسخ نكاحهما بلا صداق.
قوله: (والرجوع للأشبه. وانفساخ النكاح بتمام التحالف، وغيره كالبيع) تشبيه لما يأتي في البيوع أي والرجوع للأشبه إن فات إن حلف الزوج كما في البيع، كما صرح به غيره، كما قال اللخمي، ولعل ذلك مستفاد من الإحالة كالبيع وانفساخ النكاح بتمام التحالف إن حكم به، وغيره كالبيع المراد بالغير هنا تبدئة البائع باليمين، وتصديق مشتر ادعى الأشبه وبيمينه إن فات.
قوله: (إلا بعد بناء، أو طلاق، أو موت فقوله بيمين) هذا راجع لقوله: حلفا، وفسخ أي إلا أن يكون تنازعهما بعد بناء أو طلاق أو موتها فيكون القول قول الزوج مع يمين إن أشبه، لأنه غارم مدعى عليه وقاعدة الشرع ترجيح قوله.
قوله: (ولو ادعى تفويضا عند معتاديه) تأكيد لقوله، فقوله: بيمين، وقوله: (في القدر والصفة) متعلق بقوله: بيمين.
قوله: (ورد المثل في جنسه ما لم يكن ذلك فوق قيمة ما ادعت) أي ويرد الزوجان لصداق المثل في تنازعهما في جنس الصداق بعد البناء ما لم يكن المثل فوق قيمة ما ادعت، فإن كان فوقه فترد حينئذ إلى ما ادعت.
قوله: (أو دون دعواه، وثبت النكاح) أي أو كان صداق المثل دون دعواه فإنه يرد
[ ٢ / ٢٩٧ ]
إلى دعواه، ويثبت النكاح في المسائل الثلاث.
قوله: (ولا كلام لسفيهة) أي ولا كلام لسفيهة في هذا، وإنما الكلام بين الزوج والولي، وكذلك السفيه.
قوله: (ولو أقامت بينة على صداقين في عقدين لزما، وقدر طلاق بينهما، وكلفت بيان أنه بعد البناء) أي لزم الصداقان ويقدر الطلاق بينهما فلها من الأول، وتكلف الزوجة بيان أن الطلاق بعد البناء، لأن الأصل عدم البناء.
قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله -: هذا على القول أنها لا تملك بالعقد إلا النصف وأما على القول أنها تملك الجميع بالعقد فالزوج يكلف البيان أنه قبل البناء.
قوله: (وإن قال: أصدقتك أباك، فقالت: أمي، حلفا وعتق الأب، وإن حلفت دونه عتقا) أي وإن قال الزوج للزوجة أعطيتك أباك في صداقك، فقالت هي لا بل أمي حلفا وعتق الأب، لأنه مقر على أنه حر، قال سحنون: وكذلك إن نكلا.
وقوله: حلفا يقتضي أن ذلك قبل البناء، وتبدأ الزوجة باليمين، لأنها البائعة، وإن حلفت دونه ونكل هو عتقا جميعا الأب لإقرار الزوج بعتقه، والأم بنكوله وبيمين الزوجة ويكون (وولاؤهما لها).
قوله: (وفي قبض ما حل، فقبل البناء قولها، وبعده قوله بيمين فيهما، عبد الوهاب: إلا أن يكون بكتاب) أي وإن كان تنازعهما في قبض ما حل من الصداق، فإن كان قبل البناء فالقول قولها، لأن سلعتها قائمة ولم تفت، وإن كان بعد البناء، فالقول قوله مع يمين في الفرعين بناء على أن العرف كشاهد واحد، إنما يكون القول قول الزوج إذا ادعى الدفع قبل الدخول، وأما إن ادعى الدفع بعد الدخول، فالقول قولها.
قال عبد الوهاب: إلا أن يكون الصداق مكتوبا فقولها وإن دخل بها، (و) قيده إسماعيل: بأن لا يتأخر الصداق (عن البناء عرفا)، وأما إن كان يتأخر عن البناء عرفا فالقول قولها في بقائه.
قوله: (وفي متاع البيت، فللمرأة المعتاد للنساء فقط بيمين) أي وإذا كان تنازعهما في متاع البيت، سواء كان التنازع قبل البناء أو بعده أو بعد الموت، فإن للمرأة المتاع المعتاد للنساء فقط مع يمين.
قوله: (وإلا فله بيمين) أي وإن لم يكن المتنازع فيه مما يختص بالنساء، بل مما يعرف لهن وللرجال، أو كان مما يعرف للرجال فقط، فإنه يقضى به للرجل، وكل
[ ٢ / ٢٩٨ ]
حكم مربوط بالعرف، فإنه ينتقل بانتقاله بكل بلد وزمان، والجمود على الروايات إضلال أبدا.
قوله: (ولها الغزل، إلا أن يثبت أن الكتان له فشريكان) أي وإن تنازعا على الغزل كل يدعيه، فإنه يقضى به للمرأة، إلا أن يثبت أن الكتان له أو الصوف له فيكونا شريكين فيه، لها قيمة الغزل وله قيمة الكتان، (وإن نسجت) المرأة (كلفت بيان أن الغزل لها)، إذا كان العرف أن المرأة لا تنسج.
قوله: (وإن أقام الرجل بينة على شراء ما لها حلف، وقضي له به، كالعكس) أي وإن أقام الزوج بينة على شراء ما يعرف للنساء، حلف أنه اشتراه لنفسه، لاحتمال أنه اشتراه لها على جهة الوكالة، فإن حلف قضي له به، وكذلك يقضى لها هي إذا أقامت بينة على شرائها ما يعرف للرجال وهو المراد بالعكس، (وفي حلفها) على ذلك وعدم حلفها (تأويلان).
فصل [في الوليمة]
قوله: (الوليمة مندوبة) المشهور ندبيتها، وقد قال فيما تقدم: وصحح القضاء بالوليمة، وهو هناك مناقض لما هنا، إنما كانت الوليمة مندوبة، إذا كانت موافقة للعادة وإلا فسرف، والله لا يحب المسرفين.
وقوله: مندوبة هو حكم الوليمة.
وقوله: (بعد البناء) هو وقت الوليمة.
وقوله: (يوما) هو مدتها لا أكثر من يوم. انتهى.
وتكون بعد البناء ألا ترى أنه ﵊ حين أمر عبد الرحمن بن عوف بقوله: «أولم ولو بشاة» (^١)، حين رأى عليه صفرة، ولم يكن ذلك إلا بعد البناء انتهى.
وقيل: إنما تكون قبل البناء.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٧٠) - كتاب النكاح (٦٨) - باب الوليمة ولو بشاة. الحديث: ٤٨٧٢. وأخرجه مسلم في صحيحه: (١٦) - كتاب النكاح (١٣) - باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد وغير ذلك … الحديث: ٧٩ - (١٤٢٧).
[ ٢ / ٢٩٩ ]
قوله: يوما واحدا أي الوليمة يوم واحد، لأن الزيادة على ذلك سرف وسمعة، وقال ﵊: «من سمع سمع الله به» (^١).
قال صاحب إكمال الإكمال: ووجه الوليمة بعد البناء شهرة البناء لما يتعلق به من الأحكام، واستحبها بعض شيوخنا قبل البناء، فيكون الدخول بعد الشهرة. انتهى (^٢).
قوله: (وتجب إجابة من عين، وإن صائما؛ إن لم يحضر من يتأدى به، ومنكر كفرش جرير وصور على كجدار) أي تجب إجابة الدعوة للوليمة على من عين اسمه، وإن كان صائما، ويدعوا لهما ولا يأكل منها، بخلاف ما لو قال: ادع كل من لقيته، فإنه لا تجب عليه الإجابة، وشرط إجابة من عين إن لم يحضر هناك من يتأذى به، مثل أن يكون هناك الأراذل والسفلة، لأن المجامع التي فيها الأراذل من الفسقة لا يؤمن فيها على الدين، وكذلك إن كان هناك منكر لا يقدر على تغيره وذلك كفرش حرير وإن لم يجلس عليها الرجال، وكذلك صور على جدار ونحوه.
قوله: (لا مع لعب مباح، ولو في ذي هيئة) أي فلا يمنع الحضور به، ولو كان ذو هيئة (على) القول (الأصح).
ابن العربي: ليس الغنى بحرام، لأن النبي ﷺ حضر ضرب الدف، ولا يصح أن يكون ذو الهيئة أعظم من النبي ﷺ.
قوله: (وكثرة زحام، وإغلاق باب دونه) معطوف على قوله: إن لم يحضر هناك ما يتأذى به أي أو كثرة زحام الناس هناك، أو إغلاق باب بين يديه فليس عليه الإجابة، لأن ذلك يحط قدره.
قوله: (وفي وجوب أكل المفطر) في الوليمة إذا أجاب وعدم وجوبه (تردد) لعدم النص فيه، وفي الرسالة: له الخيار في الأكل.
قوله: (ولا يدخل غير مدعو إلا بإذن) أي ولا يدخل على الوليمة إلا من دعي إليها إلا بإذن، إلا أن يعلم أنهم لا ينكرونه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: (٩٧) - كتاب الأحكام. (٩) - باب من شاق شق الله عليه. الحديث: ٦٧٣٣. وأخرجه مسلم في صحيحه: (٥٣) - كتاب الزهد. (٥) - باب من أشكل في عمل غير الله وفي نسخة: باب تحريم الربا). الحديث: ٤٧ - (٢٩٨٦).
(٢) إكمال الإكمال: ج ٥، ص: ٧٧.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
قوله: (وكره نثر اللوز والسكر) أي وكره لصاحب الوليمة نثر اللوز والسكر فيها للنهب، وأما لغير النهب فلا يكره، الوليمة من الولم وهو الجمع، لم الشيء إذا جمعه.
قوله: (لا الغربال ولو لرجل، وفي الكبر والمزهر ثالثها يجوز في الكبر ابن كنانة: وتجوز الزمارة والبوق) أي فلا يكره ضرب الغربال في العرس، وهو الدف المغشى من وجه، ولو كان الضارب رجلا، وفي جواز الكبر، وهو الطبل والمزهر فيه، وهو مغشى الطرفين ومنعهما ثلاثة أقوال ثالثها يجوز في الكبر لا المزهر.
ابن كنانة: يجوز الزمارة وهي القصبة والبوق.
* * *
[ ٢ / ٣٠١ ]
فصل [في بيان القسم للزوجات وما يناسبه]
قوله: (فصل) أي هذا فصل يذكر فيه القسم بين الزوجات وما تعلق بذلك ليس مما تقدم فناسب الفصل وليس ببعيد فيناسب الباب.
قوله: (إنما يجب القسم للزوجات في المبيت وإن امتنع الوطء شرعا أو طبعا كمحرمة) أي إنما حرف حصر تثبت الحكم المذكور وتنفيه عما سواه، وعبر عنها بعضهم بتحقيق المتصل وبتحقيق المنفصل، القسم بفتح القاف هو المصدر وبكسرها هو الحظ والنصيب، ويجب القسم على غير النبي ﷺ، بين الزوجات إجماعا في المبيت لا في أمهات الأولاد، سواء حرائر كلهن أو إماء كلهن أو مختلفات أو هن مسلمات أو كتابيات أو مختلفات، وإن امتنع فيهن الوطء بمانع شرعي (كمحرمة،) وصائمة (ومظاهر منها، ورتقا).
وقوله: ورتقاء مثال للمانع طبعا.
قوله: (و، لا في الوطء) أي فإن التسوية لا تجب فيه ولا في النفقة والكسوة لأن كلا منهن بقدرها من النفقة والكسوة.
قوله: (إلا لإضرار) أي ليس عليه التسوية في الوطء إلا لإضرار بها فلا يجوز الإضرار.
قوله: (ككفه) عنها (لتتوفر لذته لأخرى) تشبيه لإفادة الحكم أي فلا يجوز لأنه ضرر.
قوله: (وعلى ولي المجنون إطافته وعلى المريض إلا أن لا يستطيع، فعند من شاء) أي ويجب على ولي المجنون إطافته عنهن أي وكذلك يجب على المريض القسم بينهن إلا أن لا يستطيع الركوب أو المشي فيمرض عند من شاء منهن.
قوله: (وفات إن ظلم فيه) أي وإن خالف الزوج الشرع ولم يقسم بينهن فإن نصيب المظلومة فات بل يبتدئ القسم.
قوله: (كخدمة معتق بعضه يأبق) هذا تشبيه لإفادة الحكم أي كما فات خدمة ما للسيد من المعتق بعضه إذا أبق ثم رجع فليس عليه لمالك مارق منه ما فوت عليه من الخدمة.
قوله: (وندب الابتداء بالليل والمبيت عند الواحدة) أي وندب الابتداء في القسم
[ ٢ / ٣٠٢ ]
بالليل ويجوز بالنهار، وكذلك يندب له المبيت عند الزوجة الواحدة لتحصينها والاهناء لها.
قوله: (والأمة كالحرة) أي والزوجة الأمة كالحرة في القسم، وروي أيضا عن مالك أن للأمة يوم وللحرة يومان، وأما الحرة الكتابية كالمسلمة.
قوله: (وقضي للبكر بسبع، وللثيب بثلاث) أي ويقضى للبكر أولا عند الدخول بها بسبع وللثيب بثلاث (و) قيل (لا قضاء) في ذلك عليهما بناءا على أن ذلك حق لهما وقيل أن في ذلك حق الله تعالى.
وفي إكمال الإكمال والعلماء يقولون إن الحكمة في ذلك أنه نظر إلى تحصيل الألفة والمؤانسة، وأن تستوفي الزوج لذته من الثانية فإن لكل جديدة لذة.
ولما كانت البكر حديثة عهد بالرجال، وحديثة بالاستصحاب والنفار لا تلين إلا بجهد، شرعت لها الزيادة على الثيب، لأنه ينفي نفارها ويسكن روعها، وهي في ذلك بخلاف الثيب، لأن الثيب مارست الرجال.
قال: وهذه حكمة، والدليل إنما هو قول الشارع وفعله.
المازري واختلف عندنا، فقيل: السبع والثلاث حق للزوج على بقية نسائه لحاجته إلى اللذة بهذه الجديدة، فجعل له الشارع ذلك زيادة في الإستماع.
وقيل حق للمرأة، لقوله ﷺ: «للبكر وللثيب» (^١) بلام التمليك.
ثم اضطرب المذهب، هل يقضى به على الزوج؟. انتهى (^٢).
قوله: (ولا تجاب لسبع، ولا يدخل) أي ولا تجاب الثيب إلى سبع ليال إن طلبتها، ولا يجوز للزوج الدخول على ضرتها في يومها إلا لحاجة بلا استمتاع، إلا أن تسامحه في ذلك فيجوز.
قوله: (وجاز الأثرة عليها) أي وجاز للرجل الأثرة عليها أي على الزوجة برضاها بشيء أعطاه لها (أولا) لأن ذلك من حقها.
قوله: (كإعطائها) أي كما يجوز إعطاؤها هي (على إمساكها)، ولا يطلقها.
وقوله: كإعطائها من باب إضافة المصدر إلى الفاعل.
_________________
(١) خرجه مسلم في صحيحه (١٧) / كتاب الرضاع. (١٢) / باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف. الحديث: ٤٢ - (١٤٦٠)
(٢) إكمال الإكمال: ج ٥، ص: ١٥٥.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وقوله: إمساكها من باب إضافة المصدر إلى المفعول.
قوله: (وشراء يومها منها) أي ويجوز شراء يوم إحدى الزوجات منها، وكذلك يجوز (ووطء ضرتها بإذنها) لأنه حق لها.
قوله (والسلام بالباب، والبيات عند ضرتها إذا أغلقت بابها دونه ولم يقدر يبيت بحجرتها) أي ويجوز السلام على ضرتها بالباب دون دخول في البيت، وكذلك يجوز له البيات عند ضرتها إن أغلقت من لها النوبة الباب دونه، والحال أنه لم يقدر أن يبيت في حجرتها وإن قدر أن يبيت فيه فلا يبيت عند الضرة، وإن كانت ظالمة بغلق الباب دونه.
قوله: (وبرضاهن جمعهما بمنزلين من دار) أي وجاز له جمع الزوجات بمنزلين في دار لا بمنزل واحد.
تنبيه: جمع الشيخ وثنى تنبيها على أنه لا فرق بين اثنتين وأكثر.
قوله: (واستدعاؤهن لمحله) أي ويجوز له استدعاؤهن لمحله برضاهن، وإلا فلا يجب عليهن، (و) كذلك تجوز (الزيادة) في القسم (على يوم وليلة) برضاهن.
وقوله: (لا إن لم يرضيا) راجع على المسائل الثلاث، أي فلا يجوز إن لم يرضين.
قوله: (ودخول حمام بهما) أي ولا يجوز له الدخول في الحمام مع زوجاته أو إمائه لأجل نظر بعضهن في فروج بعض، (و) كذلك لا يجوز له (جمعهما في فراش) واحد، (ولو بلا وطء).
قوله: (وفي منع) جمع (الأمتين) في فراش واحد ولو بلا وطء (وكراهته) بلا وطء (قولان) لمالك حمة الله.
قوله: (وإن وهبت نوبتها من ضرة، فله المنع) أي وإن وهبت الزوجة نوبتها لضرتها فللزوج المنع لأنه قد يكون له غرض في الواهبة.
وقوله: (لا لها) أي ليس لها المنع للموهوبة إلا أن تمضي الهبة.
قوله: (وتختص ضرتها) أي ويخص الزوج الموهوبة بالموهوب لها.
قوله: (بخلاف منه) أي بخلاف إن وهبت نوبتها من الزوج نفسه فإن الموهوبة حينئذ تقدر كالعدم ولا يخص بذلك اليوم غيرها.
قوله: (ولها الرجوع) أي وللزوجة الرجوع فيما وهبت من نوبتها متى شاءت
[ ٢ / ٣٠٤ ]
والمطالبة بالوطء، لأن الطباع يشق عليها الصبر عن مثل ذلك، ولأن ذلك مما يبين الغيرة، بخلاف لو تزوجته مجبوبا أو عنينا أو شيخا فانيا فإنها لا مقال لتوطين النفس على ذلك.
قوله: (وإن سافر اختار إلا في الغزو والحج فيقرع وتولت بالاختيار مطلقا) أي وإن أراد أن يسافر اختار منهن من يسافر بها، إلا في سفر الغزو والحج، فإنه يقرع بينهن لأنه سفر القربة، وتأولت المدونة أيضا بالاختيار منهن مطلقا.
قال التلمساني: فوجه القول بالتفرقة بين الحج والغزو وبين سفر التجارة، وهو أن الحج والغزو فرضان بخلاف التجارة، وقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه (^١)، لتساوي حقوقهن فيه فلم يكن له أن يخص واحدة منهن فكانت القرعة عدلا بينهن.
قال عبد الوهاب: وهذا إذا تساوين وتقاربن، وأما إذا كان منهن من يصلح لسفر أو فيهن من هي أوثق بحاله وأمشى لأمره كان ذلك عذرا له في خروجه بها، وعذرا له عن الأخرى. انتهى (^٢).
قوله: (ووعظ من نشزت ثم هجرها ثم ضربها إن ظن إفادته) أي ويعظ الزوج من نشزت أي امتنعت وخرجت عن طوعه، فإن أفاد فيها الوعظ وإلا هجرها، فإن لم يفد فيها الهجران ضربها تأديبا إن ظن إفادة الضرب فيها.
قال بعض العلماء: خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك، وحق الزوج على المرأة أن لا تهجر فراشه، وأن تبر قسمه، وأن تطيع أمره، وألا تخرج إلا بإذنه، وأن لا تدخل عليه من يكره. انتهى من الكوكب الدري.
قوله: (وبتعديه زجره الحاكم) أي وإن كان نشوزها بسبب تعدي الزوج عليها زجره الحاكم ليكف عنها ظلمه، لأن المرأة ضعيفة، وهذا إذا اختارت البقاء مع زوجها أو تكرر الشكوى ولم يتبين الضرر وإما إن يتبين الضرر فلها التطليق ولو لم
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: (٤٩) - كتاب التوبة. (١٠) - باب حديث الإفك وقبول توبة القاذف. الحديث:/ ٢٧٧٠.
(٢) من قوله: قال عبد الوهاب انظر المعونة للقاضي أبي محمد عبد الوهاب: ج/ ١، ص:/ ٥٤٩ بتصرف.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
تشهد البينة على تكرار الضرر وهو قوله: ولها التطليق وليس بتكرار. راجع فتتح الجليل وتأمله.
قوله: (وسكنها بين قوم صالحين إن لم تكن بينهم. وإن أشكل بعث حكمين وإن لم يدخل بها، من أهلهما إن أمكن، وندب كونهما جارين) أي فإن ادعى كل من الزوجين الإضرار على صاحبه، ولم تقم بينة سكنهما الحاكم بين قوم صالحين إن لم يكن الزوج بينهم ليعلموا من هو أضر بصاحبه منهما، فإن أشكل أمرهما بعث الحاكم حكمين يحققان أمرهما من أهلهما إن أمكن أو من أهل أحدهما، وإن لم يدخل بها وندب كون الحكمين جارين، لأن الجيران غالبا لا يخفى عليهم حال الجار سواء كان الجيران من أهلهما أم لا.
قوله: (وبطل حكم غير العدل) أي فإذا حكم بينهما غير العدل من صبي أو فاسق أو عبد أو كافر فإن حكمه في ذلك يبطل، وإن حكم بالصواب، (و) كذلك يبطل حكم (سفيه وامرأة، وغير فقيه بذلك) أي بما يحتاج إليه في هذا الباب لا عموم الفقه، لأن كل من ولي أمرا لا يشترط فيه إلا معرفة ما ولي لا غيره.
قوله: (ونفذ طلاقهما، وإن لم يرض الزوجان والحاكم ولو كانا من جهتهما) أي فإذا أوقع الحكمان العدلان بينهما طلاقا فإنه ينفذ لأنهما حكمان لا وكيلان، وإن لم يرض الزوجان والحاكم، ولو كان الحكمان من جهة الزوج والزوجة لا من الحاكم، وأحرى إذا كان الحاكم هو الذي أرسلهما.
قوله: (لا أكثر من واحدة أوقعا، وتلزم إن اختلفا في العدد) أي لا ينفذ حكم الحكمين إذا أوقعا بينهما أكثر من طلقة واحدة، لأنه خارج عن معنى الإصلاح فإن أوقعا أكثر من واحدة فلا يلزم منه إلا طلقة واحدة، وتلزم الطلقة الواحدة إن اختلف الحكمان في العدد بأن حكم الواحد منهما بطلقة والآخر بأكثر.
قوله: (ولها التطليق بالضرر البين، ولو لم تشهد البينة بتكرره) مفرع عن قوله: وبتعديه زجره الحاكم وعلى مفهوم قوله: إن أشكل أي فإن لم يشكل الأمر بل تبين فلها التطليق بسبب ضرر عليها، ولو لم تشهد البينة بتكرار الضرر، وقول صاحب لو هنا هو الظاهر.
قوله: (وعليهما الإصلاح، فإن تعذر: فإن أساء الزوج طلقا بلا خلع، وبالعكس افتمناه عليها، أو خالعا له بنظرهما، وإن أساآ معا، فهل يتعين الطلاق بلا خلع، أو لهما أن يخالعا
[ ٢ / ٣٠٦ ]
بالنظر وعليه الأكثر؟ تأويلان) أي ويجب على الحكمين طلب الإصلاح بينهما فإن تعذر الإصلاح نظرا فإن كانت الإساءة من الزوج طلقا عليه بلا خلع، وإن كانت الإساءة من الزوجة ائتمناه عليها، أي جعلاه أمينا عليها إن شاء أو خالعاها له، وذلك بنظرهما بالتقوى لا بالهوى وهذا هو المراد بالعكس، وإن كانت الإساءة من الزوجين معا فهل يتعين الطلاق بلا خلع بعد تعذر الإصلاح، وهو تأويل الأقل، لأن الإساءة منهما أو لهما أن يخالعا بالنظر، لأن الظلم منهما والعصمة في يد الزوج، وهو تأويل الأكثر.
قوله: (وأتيا الحاكم فأخبراه فنفذ حكمهما) أي ويأتي الحكمان الحاكم فيخبراه بما أوقعا بين الزوجين، وينفذ حكمهما فإن أبى تنفيذه يسأل عن السبب، فإن لم يذكر السبب المانع من التنفيذ عزل وينفذه حاكم آخر.
قوله: (وللزوجين إقامة واحد على الصفة، وفي الوليين والحاكم تردد) أي وللزوجين إقامة حكم واحد على الصفة المذكورة في الحكمين هو عدل ذكر رشيد فقيه بذلك، وفي إقامة الوليين والحاكم حكما واحدا تردد.
قوله: (ولهما إن أقامهما الإقلاع، ما لم يستوعبا الكشف ويعزما على الحكم) أي ولكل واحد من الزوجين إن أقاما الحكمين الإقلاع ما لم يستوعبا الكشف عن حالهما ويعزما على الحكم بالطلاق.
قوله: (وإن طلقا واختلفا في المال: فإن لم تلتزمه فلا طلاق) أي وإن طلق الحكمان واختلفا في المال، قال أحدهما على مال، وقال الآخر: بغير مال، فإن لم تلتزم المرأة المال فلا طلاق يلزمه، ويفهم من قوله هذا أن المرأة لو التزمت المال الذي قال به أحدهما، فإن الطلاق يلزمه، وقد نص عليه صاحب الجواهر.
[ ٢ / ٣٠٧ ]