قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل القضاء.
ابن رشد: حقيقة القضاء الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام.
وأما حكمته رفع التهارج، ورد النوائب، وقمع الظالم، ونصر المظلوم، وقطع الخصومات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انتهى من ابن فرحون (^١).
وفي إكمال الإكمال وفرق بين علم القضاء وصفة القضاء فرق ما بين الأخص والأعم. ففقه القضاء أعم، لأنه الفقه بالأحكام الكلية. وعلم القضاء هو العلم بتلك الأحكام الكلية مع العلم بكيفية تنزيلها على النوازل الواقعة. ومن هذا المعنى ما ذكره ابن الرفيق (^٢): أن أمير إفريقية استفتى أسد بن الفرات في دخوله الحمام مع جواريه دون ساتر له ولهن، فأفتاه بالجواز لأنهن ملكه، وأجاب ابن محرز بمنع ذلك وقال له: إن جاز لك نظرهن كذلك ونظرهن إليك كذلك، لم يجز لهن نظر بعضهن بعضا، فأغفل أسد رحمة الله إعمال النظر في هذه الصورة الجزئية فلم يعتبرها لهن فيما بينهن، واعتبرها ابن محرز رحمة الله. والفرق المذكور هو أيضا الفرق بين علم الفتيا وفقه الفتيا.
ففقه الفتوى هو العلم بالأحكام الكلية. وعلمها هو: العلم بتلك الأحكام مع ترتبها على النوازل. انتهى من إكمال الإكمال (^٣).
والروايات وأقوال الشيوخ واضحة على جلالة خطة القضاء وندور السلامة.
ابن سهل وقال بعض الناس: إن خطط القضاء من أعظم الخطط قدرا، وأجلها نظرا لا سيما إذا جمعت إليه إمامة الصلاة.
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٩، ١٠.
(٢) ابن الرفيق هو أبو عبد الله محمد بن حوا المعروف بابن الرفيق المستغانمي، له فهرسة نرويها من طريق الأستاذ ابن السنوسي عن عمه السيد محمد العربي بن السنوسي وغيره عنه. فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات المؤلف: عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني: ج ١، ص: ٤٤١. المحقق: إحسان عباس الناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت ص. ب: ١١٣/ ٥٧٨٧، ط ٢: ١٩٨٢ م.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٢٠، ٢٢١.
[ ٣ / ٣٢١ ]
قال شيخنا ومقتضاه حسن اجتماعهما. انتهى من البرزلي (^١).
قال في الجواهر والحكم بالعدل من أفضل أعمال البر، وأعلى درجات الأجر، قال الله تعالى: ﴿فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين﴾ [المائدة آية ٤٢] وقال رسول الله ﷺ: «المقسطون على منابر من نور يوم القيامة» (^٢).
ولكن خطره عظيم، لأن الجور في الأحكام واتباع الهوى فيها من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، قال الله: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ [الجن الآية ١٥] وقال رسول الله ﷺ: «إن أعتى الناس على الله، وأبغض الناس إلى الله، وأبعد الناس من الله رجل ولاه الله من أمر أمة محمد شيئا ثم لم يعدل فيهم» (^٣).
فالقضاء محنة، ومن دخل فيه فقد ابتلي بعظيم، لأنه عرض نفسه للهلاك، إذ التخلص منه على من ابتلي به عسير، ولذلك قال ﷺ: «من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين» (^٤).
وفي رواية ابن أبي ذؤيب (^٥) فقد ذبح بسكين». فلا ينبغي أن يقدم عليه إلا من
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٤، ص: ٩.
(٢) أخرجه البزار في مسنده: مسند عبد الله بن عمرو بن العاص. الحديث: ٢٣٤٠
(٣) بهذا المعنى أخرجه الترمذي في سننه: (١٣). كتاب الأحكام (٤). باب ما جاء في الإمام العادل. الحديث: ١٣٢٩.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه: (١٣). كتاب الأحكام (١). باب ما جاء عن رسول الله ﷺ في القاضي. الحديث: ١٣٢٥. قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وأخرجه أبو داود في سننه (١٩) كتاب القضاء (١) باب في طلب القضاء الحديث: ٣٥٦٨.
(٥) إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب وقيل ابن أبي ذؤيب الأسدي. كذا قاله المزي، وفي كتاب (الثقات) لأبي حاتم البستي: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذؤيب، وقد قيل: إسماعيل بن ذؤيب من أسد بن خزيمة، ومن قال إنه ابن ذؤيب فقد وهم، ثنا عبد الله بن محمد ثنا إسحاق ثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن شيخ من قريش قال صحبت ابن عمر إلى الحمى فلما غربت الشمس هبت أن أقول له الصلاة فسار حتى ذهب بياض الأفق، الحديث. وخرجه أيضا في صحيحه. وفي تاريخ البخاري الكبير: قال ابن المبارك وهو ابن أبي ذؤيب وعثمان بن عمرو بن أسد بن موسى عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذؤيب وثنا آدم ثنا بن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذؤيب لم يذكر سعيدا. وفي كتاب الصريفيني مؤمن خطه: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذؤيب الأعور مولى زينب بنت قيس بن مخرمة من بني عبد مناف عن أنس، وقد رأى ابن عمر، روى عنه الثوري، وشعبة، وزائدة، مات سنة سبع وعشرين ومائة في إمارة بن هبيرة، والله أعلم. إكمال تهذيب الكمال الجزء الأول والثاني المؤلف: الحافظ علاء الدين =
[ ٣ / ٣٢٢ ]
وثق نفسه وتعين له، أو أجبره الإمام العدل عليه. انتهى من الجواهر (^١).
وعن أبي هريرة ﵁: إذا أولى حاكم عدل أعطاه الله خمسة خصال: أولها: توفيق العدل.
الثانية نور الفراسة، فينظر بنور الله فلا تخطئ فراسته.
الثالثة: الهيبة في قلوب أهل الريبة.
الرابعة: يوكل الله به ملكين يوفقانه ويسددانه إلى الحق.
الخامسة: يعطى من الأجر في عدل الساعة مثل أجر عبادته في بيته ستين سنة.
وعن عبد الله بن عمرو ابن العاص (^٢) عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا قضى القاضي واجتهد كان له عشرة أجور» (^٣) قال مالك: ولا أرى خصال القضاء تجتمع في أحد اليوم، فيجب أن يكون: عالما، عدلا.
ابن حبيب فإن لم يكن فالعاقل الورع، فبالعقل يسأل، وبالورع يقف، واتباع الهوى في الحكم والفتيا حرام إجماعا.
قال عمر بن الخطاب ﵁: وددت أني أنجو من هذا الأمر كفافا لا لي ولا علي (^٤).
ابن الحاج: عن عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن القاضي العدل يجاء به يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أن لا يكون قضى بين اثنين في تمرة قط (^٥)، وفي حديث من طريق حذيفة: أن جور الأئمة يهزل الطير والوحوش والسمك في البحور (^٦)».
_________________
(١) = مغلطاي بن قليج الحنفي (٦٨٩ - ٧٦٢ هـ.): ج ٢، ص: ١٨٥. المحققان: أبو عبد الرحمن عادل بن محمد وأبو محمد أسامة بن إبراهيم الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر الطبعة: الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.
(٢) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ١٠٠١، ١٠٠٢.
(٣) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي كنيته أبو محمد عند الأكثر ويقال أبو عبد الرحمن. قال الواقدي: أسلم عبد الله قبل أبيه. وقال: مات بالشام سنة خمس وستين وهو يومئذ بن اثنتين وسبعين. الإصابة: ج ٤، ص: ١٩٢، الترجمة: ٤٨٥٠.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده: مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، الحديث: ٦٧٥٥.
(٥) البيان والتحصيل والجرح والتعديل لابن رشد: ج ٩، ص: ١٨٧.
(٦) أخرجه الطبراني في الأوسط باب من إسمه: إبراهيم. الحديث: ٢٦١٩.
(٧) نوازل البرزلي: ج ٤، ص: ١٠.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
قوله: (أهل القضاء، عدل، ذكر، فطن، مجتهد إن وجد) أي إنما يستحق القضاء عدل لا غير.
القاعدة أنه يقدم في كل ولاية من هو أقوم بقضاء مصالحها ولذلك قدم في القضاء من هو أيقظ وأكثر تفطنا لوجوه الحجاج وسياسة الخصوم وأضبط للفقه وخدع المتحاكمين وهو معنى قوله ﷺ: «أقضاكم علي» أي هو أشد تفطنا للحجاج، وذلك أمر زائد على معرفة الحلال والحرام، فقد يكون الإنسان شديد المعرفة بالحلال والحرام، وهو يخدع بأيسر الشبهات، فالقضاء عبارة عن هذا التفطن، والقضاء يتبع الحجاج، وأحوالها فمن كان لها أشد تفطنا كان أقضى من غيره. انتهى من أنوار البروق للقرافي (^١).
وكذلك يقدم في الفتيا من هو أورع وأضبط لمنقولات الفقه ولا تجوز شهادة المغفل وأحرى حكمه. انتهى.
قال القرافي: لا ينبغي للمفتي إذا كان في المسألة قولان، أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف: أن يفتي العامة بالتشديد والخواص من ولاة الأمور بالتخفيف، وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين، وذلك دليل فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وإجلاله وتقواه، وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق. نعوذ بالله من صفات الغافلين والحاكم والمفتي في هذا سواء. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^٢).
قال أصبغ: إذا لم يوجد إلا عدل لا علم عنده. وعالم لا بأس بحاله لكن الذي لا علم عنده أعدل منه، فإن العالم هو الذي يولى. فإن كان ليس بعدل فيولى العدل الذي ليس بعالم، ويؤمر أن يسأل ويستشير. وهذا الذي وقع في المذهب ينبغي أن يحمل على مواقع الضرورة ومسيس الحاجة. انتهى ابن فرحون (^٣).
قوله: (وإلا) أي وإن لم يوجد مجتهد (فأمثل مقلد، وزيد للإمام الأعظم: قرشي، فحكم بقول مقلده) أي فأضل مقلد.
التقليد أخذ قول من غير معرفة دليله، وزيد مع هذه الشروط للإمام الأعظم ثم
_________________
(١) أنوار البروق للقرافي: ج ٢، ص: ٢٧٤. الفرق السادس والتسعون.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٥٩.
(٣) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٤.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
أن يكون قرشيا، فإن كان الحاكم مقلدا لحكم بقول مقلده بنص النازلة لا قياسا، إلا أن يكون عالما بمداركه، وإن كان لمقلده في النازلة أقوال، فإنه يحكم بمشهورها، لأن الحكم بقول مقلده والفتوى بالمشهور لا بالشاذ، ولا يحكم بقول غير مقلده.
قوله: (ونفذ حكم أعمى، وأبكم، وأصم) أي فإن حكم قاض أعمى وأبكم وأصم نفذ ذلك الحكم طرأ عليه ذلك أم لا (ووجب عزله).
قوله: (ولزم المتعين أو الخائف فتنة إن لم يتول، أو ضياع الحق) أي ولزم المتعين، وهو من توفرت فيه شروط القبول إن أعطى، والطلب إن لم يعط، وكذلك الخائف فتنة على نفسه أو ماله أو ولده إن لم يتول القضاء، وكذلك الخائف ضياع الحق إن لم يتول (القبول، والطلب. وأجبر المتعين على القضاء، أو الخائف فتنة، أو الخائف ضياع الحق (وإن بضرب) أو سجن.
قوله: (وإلا فله الهرب، وإن عين) أي وإن لم يتعين عليه، أو لم يخف فتنة، أو ضياع حق، فله أن يهرب وإن عينه الإمام، بخلاف الجهاد إن عينه الإمام، فإنه يلزمه.
قوله: (وحرم لجاهل، وطالب دنيا) أي وحرم القضاء لجاهل وقاصد دنيا ولو حفظ المذهب كله.
قوله: (وندب ليشهر علمه كورع، غني، حليم، نزه، نسيب، مستشير: بلا دين وحد، وزائد في الدهاء، وبطانة سوء) أي وندب للعالم الخفي طلب القضاء، ليشهر علمه لا لدنيا، كما يندب للقاضي أن يكون ورعا، تاركا للشبهات خوفا أن يقع في الحرام، وكذلك يندب له أن يكون غنيا، لأن الفقير محقور عند العامة، وكذلك يندب له أن يكون حليما صبورا ما لم تنتهك حرم الله، وكذلك يندب له أن يكون نزيها أي كامل المروة، نزيه النفس عما في أيدي الناس، ذا نزاهة عن الطمع، ونزه من غير لائق له، ونزه نفسه أي نجاها عن القبيح، وكذلك يندب له أن يكون نسيبا أي معروف النسب لا ولد زنا ولا ابن ملاعنة.
قال ابن عرفة: المعروف أن كونه معتقا غير مانع، ومنعه سحنون خوف استحقاقه بملك (^١). وكذلك يندب له أن يشاور العلماء.
قال المازري: القاضي مأمور بالاستشارة ولو كان عالما، لأن ما فكر فيه الفقهاء وبحثوا فيه، تثق النفس به ما لا تثق بواحد إذا استبد برأيه. ولا يمنع من ذلك كونهم
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٩٨٩.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
مقلدين لاختلافهم في الفتوى فيما ليس مسطور، بحسب ما يظن كل واحد منهم أنه مقتضى أصول المذهب (^١).
وكذلك يندب للقاضي أن لا يكون مدينا وإن كان غنيا، لأن الدين يحط قدره، لا سيما عند أرباب الديون الدين شين الدين، وكذلك يندب له ألا يكون محدودا حد الزنا أو الشرب أو القذف أو السرقة، وكذلك يندب له ألا يكون زائدا في الدهاء، فيكون الناس منه على حذر، وهو من نفسه في تعب.
والدهاء جودة النظر وجودة الرأي والدهى كغنى العاقل.
قال موسى: وإنما نهى عن أن يكون زائدا في الدهاء، لأن ذلك يحمله على الحكم بالفراسة، وتعطيل الطرق الشرعية من البينة والأيمان، وقد فسد الزمان، ولأنه إذا وصف بذلك كان الناس منه على حذر، وكذلك يندب له ألا يكون له بطانة سوء.
البطانة بالكسر السريرة والصاحب الوليجة كذا ذكره ابن الحاجب في الصفات المستحبة كونه سليما من بطانة السوء.
قال ابن عرفة: الذي في "المعونة" أخص من هذا وهو أن يستبطن أهل الدين والأمانة والعدالة والنزاهة يستعين بهم، وهذا أخص من كونه سليما من بطانة السوء، وأما نفس السلامة من بطانة السوء فمقتضى قول أصبغ أنها من الشروط الواجبة.
قال أبو محمد عنه: ينبغي للإمام أن يعزل من قضاته من يخشى عليه الضعف والوهن أو بطانة السوء، وإن أمن عليه الجور. انتهى من ابن غازي (^٢).
قال ابن رشد: من خصاله المستحبة كونه من أهل البلد.
قال ابن عبد السلام: ليعرف المقبولين والمسخوطين من الشهود ويعرف من حال المحق والمبطل ما لا يعرف غير البلدي (^٣).
قوله: (ومنع الراكبين معه، والمصاحبين له) أي وندب للإمام منع الراكبين مع القاضي، لئلا يأنف لأجل ذلك ويتكبر، إلا أن يكون أهل أمانة ونصيحة وفضل، فلا بأس به.
_________________
(١) تبصرة الحكام في أصول الأبقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٣٤.
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٩٩٠.
(٣) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٩٨٩.
[ ٣ / ٣٢٦ ]
ابن يونس عن الواضحة: يقام من جلس للقاضي يتعلم أقضيته، والجلوس عند القضاة من حيل المستأكلين للناس إلا أن يكون عنده معروفا مأمونا فليدعه. برزلي (^١).
قال في الجواهر: ولا ينبغي للقاضي أن يتضاحك مع الناس، ويستحب أن تكون فيه عبوسة بغير غضب، وأن يلزم التواضع والتقرب في غير وهن ولا ضعف ولا ترك لشيء من الحق، ولا يري الناس لأحد منزلة عنده، ولا يدعوا إلى أحد في عدالة ولا شهادة. انتهى (^٢).
قوله: (وتخفيف الأعوان) أي وندب للقاضي تخفيف الأعوان لئلا يأكلوا أموال الناس بالباطل، وأجرة الأعوان في بيت المال إن وجد، وإن لم يوجد فعلى الطالب، إلا أن يكون المطلوب ملدا فتكون عليه.
القضاة يجوز أن يكون لهم أرزاق من بيت المال على القضاء إجماعا، ولا يجوز أن يستأجروا على القضاء إجماعا بسبب أن الأرزاق إعانة من الإمام لهم على القيام بالمصالح لا أنه عوض عما وجب عليهم من تنفيذ الأحكام عند قيام الحجج ونهوضها، ولو استأجروا على ذلك لدخلت التهمة في الحكم بمعاونة صاحب العوض، والفرق بين قاعدة الأرزاق وبين قاعدة الإجارات كلاهما بذل مال بإزاء المنافع من الغير غير أن باب الأرزاق أدخل في باب الإحسان، وأبعد عن باب المعاوضة، وباب الإجارة أبعد من باب المسامحة وأدخل في باب المكايسة. من كتاب أنوار البروق في أنواء الفروق للقرافي تخلله في الفرق الرابع عشر والمائة (^٣).
قوله: (واتخاذ من يخبره بما يقال في سيرته، وحكمه، وشهوده، وتأديب من أساء عليه) أي ويستحب للقاضي اتخاذ إنسان يخبره بما يقال فيه في سيرته أي طريقته وفي حكمه وفي شهوده، ويندب له أيضا أن يتخذ مخبرا عن مخبره، وكذلك يندب للقاضي تأديب من أساء عليه تأديبا يليق بمثله.
التأديب والتعزير والنكاية والعقوبة والزجر ما لاحد فيه والتهديد بالكلام.
قوله: (إلا في مثل: اتق الله في أمري، فليرفق به) أي إذا قال أحد الخصماء
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٤، ص ٣٨.
(٢) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص ١٠١٢ - ١٠١٣.
(٣) أنوار البروق للقرافي: ج ٣، ص: ٥.
[ ٣ / ٣٢٧ ]
للقاضي: اتق الله في أمري، فإنه يرفق به بأن يقول له: رزقني الله تقواه ما أمرت إلا بخير، أنا وأنت لزمنا تقواه.
قوله: (ولم يستخلف إلا لوسع عمله في جهة بعدت، من علم ما استخلف فيه) أي ولا يستخلف القاضي ظاهره وإن مرض أو سافر وهو كذلك، إلا لوسع عمله فإنه يستخلف بشرطين:
أحدهما: جهة بعدت منه وأما القريبة، فإنه لايستخلف فيها.
الشرط الثاني: أن يكون المستخلف عالما ما أستخلف فيه ولو جهل غيره.
قوله: (وانعزل بموته) أي وأنعزل المستخلف بموت من استخلفه، لأنه كوكيله، والوكيل ينعزل بموت موكله.
قوله: (لا هو بموت الأمير) أي لا ينعزل القاضي بموت الأمير، (ولو كان الأمير (الخليفة)، لأن مصلحة القاضي عامة كالأمير.
قوله: (ولا تقبل شهادته بعده) أي ولا تقبل شهادة القاضي بعد عزله (أنه قضى بكذا) أو ثبت عنده كذا.
ابن عرفة: مفهوم قوله بعده أنه قبل العزل يقبل قوله مطلقا، وليس كذلك، ففي سماع أصبغ شهادة القاضي بقضاء قضى به وهو معزول أو غير معزول أنها لا تقبل.
ابن رشد في هذه المسألة معنى خفي وهو أن قول القاضي قبل عزله قضيت لفلان بكذا لا يقبل إن كان بمعنى الشهادة كتخاصم رجلين عند قاض فيحتج أحدهما بأن قاضي بلد كذا قضى لي بكذا أو ثبت عنده كذا، فيسأله البينة عن ذلك، فيأتيه من عنده بكتابه أني حكمت لفلان بكذا أو أنه ثبت عندي لفلان كذا، فهذا لا يجوز؛ لأنه شاهد ولو أتى رجل ابتداء للقاضي فقال له: خاطب لي قاضي بلد كذا بما ثبت لي عندك على فلان أو بما حكمت لي به عليه فخاطبه بذلك لقبل ذلك، لأنه مخبر لا شاهد.
ابن عبد السلام: أما بعد العزل فلا يقبل كان على سبيل الإقرار أو الشهادة (^١). ولم يتعرض الشارحان لهذا.
قوله: (وجاز تعدد مستقل أو خاص بناحية، أو نوع) أي بنفسه أو في جميع النواحي، وجميع الأحكام، احترازا من المشترك الذي لا ينفذ حكمه وحده، إلا بموافقة
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٩٩١.
[ ٣ / ٣٢٨ ]
شريكه، لأن الشريك في الحكم يؤدي إلى تعطيل الحقوق.
قال المازري: تجوز تولية قاضيين ببلدين، على أن يخص كل منهما بناحية من البلد، أو نوع من المحكوم فيه، لأن هذه الولاية يصح فيها التخصيص والتحجير، وكذلك على عدم التخصيص مع استقلال كل منهما بنفوذ حكمه، ومنعه بعض الناس بمقتضى السياسة خوف تنازع الخصوم فيمن يحكم بينهم، ومقتضى أصول الشرع جوازه، لأن لذي الحق استنابة من شاء على حقه، والتنازع مرتفع شغبه باعتبار قول الطالب. انتهى (^١).
وكذلك يجوز تعدد قاض خاص بناحية من البلد، إذا كان مستقلا بحكمه بلا مشارك فيه، وكذلك يجوز تعدد قاض مستقل خاص بنوع من الأحكام كالأنكحة مثلا أو نوعا من الناس.
قوله: (والقول للطالب ثم من سبق رسوله، وإلا أقرع) أي وإذا تنازعا المدعي والمدعى عليه فيمن يختصمان عنده من الحكام، فإن القول قول الطالب فيختصمان عند من أراده وتنازعا في ابتداء الطلب، وهذا إذا كانا في بلد واحد، وأما إذا كانا في بلدين فسيذكره الشيخ حيث قال: وهل يدعى حيث المدعى عليه وبه العمل أو المدعي، فإن كانا طالبين وتنازعا في ابتداء الطلب، فالقول لمن سبق رسول القاضي إليه، ظاهره وإن سبق طلب الآخر، وقد يريد أحد الخصمين القاضي لعدله، ويريد خصمه آخر ليعرف شهوده دون الآخر، وإلا أقرع بينهما إذ لا مرجح، فإن اتفقا على القرعة فلا كلام، وإلا أقرع بينهما القاضي.
قوله: (كالإدعاء، وتحكيم غير: خصم وجاهل وكافر، وغير مميز، في مال، وجرح) أي كما لا يقرع بينهما إذا تنازعا في الإدعاء، كل منهما يدعي أنه مدع، وهو تشبيه لما يأتي بعد، وإلا فالجالب وإلا أقرع.
قوله: وجاز تحكيم غير خصم.
التحكيم أن يتفق الخصمان على من يحكم بينهما من غير ولاية من الإمام أو القاضي. شرع هنا الله فيما يجوز فقال: وجاز تحكيم غير خصم، وأما تحكيم الخصم فلا يجوز، فإن حكم فحكمه باطل، وكذلك يجوز تحكيم غير جاهل، وأما الجاهل فلا يجوز تحكيمه، والكافر أحرى، وكذلك لا يجوز تحكيم غير مميز،
_________________
(١) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ٩٩١/ ٩٩٢.
[ ٣ / ٣٢٩ ]
كصبي أو مجنون أو وسوسة أو سكر.
إنما يحكم غير الخصم وغير الجاهل وغير الكافر وغير المميز إذا حكم، فإنما يحكم في مال أو جرح إذ لا حق فيهما لغير الخصمين.
قوله: (لا حد، ولعان، وقتل، وولاء، ونسب، وطلاق، وعتق. ومضى إن حكم صوابا، وأدب) إلى آخر ما ذكر أي لا يجوز التحكيم في حد من الحدود ولعان وقتل وولاء ونسب وطلاق وعتق، لما في هذه السبعة من حق الغير وحق الله تعالى، فإن وقع ونزل التحكيم في هذه المسائل السبعة، فحكم فيها المحكم مضى الحكم فيما هو صواب وبطل الآخر، ويؤدب المحكم لئلا يعود زجرا لأمثاله.
قوله: (وفي صبي، وعبد، وامرأة، وفاسق، ثالثها إلا الصبي، ورابعها إلا وفاسق) أي وفي إمضاء تحكيم صبي وعبد وامرأة وفاسق وعدم إمضائه أربعة أقوال: قول بإمضاء حكم الجميع، وقول ببطلان حكم الجميع، وفرق القول الثالث أن حكم العبد والمرأة والفاسق يمضي إن حكم صوابا، ويبطل حكم الصبي، ورابع الأقوال: يمضي حكم العبد والمرأة، ويبطل حكم الصبي والفاسق، وهذا كله حيث يجوز فيه التحكيم.
قوله: (وضرب خصم لد) أي وجاز للحاكم ضرب خصم لد أي عاند ولم يقبل الحق.
قوله: (وعزله لمصلحة) أي وجاز عزل القاضي لمصلحة، كما إذا وجد أعلم منه، أو أفطن، أو كان يصلح للقضاء في ناحية أخرى، وكذلك يجوز للإمام عزل القاضي لدرء المفسدة.
اختلف هل ينعزل القاضي بنفس الفسق، أو حتى يعزله الإمام؟.
قال المازري: ظاهر المذهب على قولين، وأشار إلى ترجيح عدم العزل، وهو قول أصبغ، ومذهب ابن القصار أنه إذا ظهر عليه الفسق بعد ولا يته انفسخ عقد ولايته.
وأما عزل القاضي نفسه اختيارا لا عجزا ولا لعذر، فالظاهر عند بعض العلماء أنه يمكن من ذلك.
قال المازري: وهذا عندي ينبني على النظر في عزل الوكيل نفسه، فإن القاضي نائب عن الإمام الذي ولاه ووكيل من قبله، فحكمه حكم الوكيل، والقاضي والوكيل
[ ٣ / ٣٣٠ ]
والوصي كالواهبين منافعهم، والواهب شيئا معلوما إلى أجل معلوم، تلزمه هبته بالقول على المشهور، ولكن ينبغي أن يلتفت في عزل القاضي نفسه اختيارا إلى النظر، هل تعلق لأحد حق قضائه، حتى يكون انعزاله ضررا لمن التزم القضاء بينه وبين خصمه، فيمنع من ذلك؟ وقد منع في المدونة الوصي من عزل نفسه إذا مات الميت وقد قبل الوصية، لما يلحق الموصى به من ضرر العزل، وتبقيته مهملا. انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: (ولم ينبغ إن شهر عدلا) أي ولم ينبغ للإمام عزل القاضي، إن شهر كونه عدلا (بمجرد شكية) قال مطرف: وإن لم تشتهر عدالته عزله.
قوله: (وليبرأ عن غير سخط) أي وإذا عزل الإمام القاضي من غير سخط بل لمصلحة فليبرأه فيقول: لم أعزله عن سخط منه أو جور.
قال سحنون وعزل عمر بن الخطاب ﷺ شرحبيل بن حسنة (^٢) فقال له: أعن سخط عزلتني؟ قال: لا، ولكن وجدت من هو مثلك في الصلاح وأقوى على عملك منك، فلم أره يحل لي إلا ذلك، قال: يا أمير المؤمنين، إن عزلك عيب، فأخبر الناس بعذري، ففعل عمر.
وحيث عزل الإمام قاضيا، فإن كان لريبة وعن سخط فحق عليه شهرته وإذاعة سخطه، وإن كان عزله لغير ريبة فليخبر الناس ببراءته. انتهى من الجواهر (^٣).
وفي مختصر الواضحة: إذا أقر القاضي بأنه حكم بالجور أو ثبت ذلك عليه ببينة فعليه العقوبة الموجعة ويعزل ويشهر به ويفضح، ولا تجوز ولايته أبدا وإن تاب
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٦٩.
(٢) شرحبيل بن حسنة وهي أمه على ما جزم به غير واحد وقال أبو عمر بل تبنته وأبوه عبد الله بن المطاع بن عبد الله الغطريف بن عبد العزى بن جثامة بن مالك الكندي ويقال التميمي ويقال إنه من ولد الغوث بن مر أخي تميم بن مر فقيل له التميمي لذلك كانت أمه مولاة لمعمر بن حبيب الجمحي فكان جنادة وجابر ابنا سفيان بن معمر بن حبيب أخويه لأمه ويقال إن معمرا زوج حسنة لرجل من الأنصار من بني زريق يقال له سفيان وكان معمر قد تبناه فنسب إليه فولدت له جابرا وجنادة فأسلم جابر وأخوه وأخوهما لأمهما شرحبيل قديما وهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدينة ونزلوا في بني زريق ثم هلك سفيان وابناه في خلافة عمر فحالف شرحبيل بني زهرة وكان شرحبيل ممن سيره أبو بكر في فتوح الشام. الإصابة: ج ٣، ص: ٣٢٨، الترجمة: ٣٨٧٣.
(٣) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ١٠٠٧. ١٠٠٨.
[ ٣ / ٣٣١ ]
وصلحت حاله لما احترم في حكم الله تعالى. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^١).
قوله: (وخفيف تعزير بمسجد، لا حد) أي وجاز قيام تعزير خفيف كخمسة عشر سوطا في المسجد، ولا تقام فيه الحدود، لعدم خفتها لئلا يخرج شيء من المحدود مما ينزه عنه المسجد.
قوله: (وجلس به بغير عيد، وقدوم حاج، وخروجه، ومطر ونحوه، واتخاذ حاجب وبواب) أي وجلس القاضي للحكم في المسجد في غير أيام العيد ونحوه مما كان للناس فيه اشتغالا أو عليهم فيه مضرة، لأن ذلك ضرر على المدعى عليه إن أتي، وإن لم يأت في ذلك الوقت نسب إليه الإباية من الإجابة للقاضي فذلك ضرر وحرج، وكذلك يجوز للقاضي اتخاذ حاجب يمنعه ممن لا حاجة له عنده، وكذلك يجوز له اتخاذ البواب، ليمنع الداخل عليه بلا إذن، وكل بواب حاجب وليس كل حاجب بوابا.
قوله: (وبدأ بمحبوس، ثم وصي، ومال طفل، ومقام، ثم ضال) أي فإن تولى القضاء فإنه يبدأ في النظر في أمر المحبوسين، لأن الحبس تعذيب، فلذلك يبدأ بهم، ومن استحق منهم الإطلاق أطلقه ومن لا أبقاه، ثم ينظر في أمر الوصي فمن استحق العزل عزله، ثم ينظر في مال الطفل المهمل، ليقيم له مقدما، ثم ينظر في مقام القاضي أي مقدمه على الأيتام، ومن استحق العزل عزله، ثم ينظر في مال الضوال فيجريها على أحكامها وقد تقدم في باب اللقطة.
قوله: (ونادى بمنع معاملة يتيم وسفيه، ورفع أمرهما إليه) أي يأمر من ينادي في الناس بمنع معاملة يتيم مهمل وسفيه، وينادي برفع أمرهما إليه.
اليتيم والسفيه والنداء على السفيه مبني على قول مالك أن تصرفه على الإجازة قبل الحجر.
قوله: (ثم في الخصوم. ورتب كاتبا عدلا شرطا) أي ثم يبدأ في الخصوم ويرتب كاتبا عدلا يكتب ما جرى بين الخصمين من إقرار وإنكار. والعدالة في الكاتب شرط لا مستحب.
قوله: (كمزك) أي يرتب مزك للناس عدلا لا مجهولا، وأحرى المسخوط واختارهما) أي واختار القاضي الكاتب والمزكي، غير أن المزكي يكون خفيا لئلا
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٦٩. ٧٠.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
يريه الناس الصلاح.
قوله: (والمترجم مخبر، كالمحلف) أي فأختيار المترجم وهو الذي يخبره بلغة من يخالف لغته، ويكفي فيه الواحد، لأنه مخبر، وكذلك المحلف لمن وجبت عليه اليمين يكفي فيه الواحد، لأنه مخبر بما كان من اليمين، وكذلك الذي يقيس الجراح، وكذلك الذي ينظر في العيوب، وكذلك القائف يكفي واحد من هؤلاء.
قوله: (وأحضر العلماء، أوشاورهم) ظاهره الوجوب، والمنصوص الاستحباب، وقد أحضر عثمان بن عفان رضي الله العلماء وشاورهم عمر بن الخطاب ﵁.
قوله: (وشهودا) أي وأحضر شهودا عدولا يشهدون، ويحفظون ما جرى بين الخصمين من الإقرار والإنكار، وقبول شهود المدعي والحكم بها.
قوله: (ولم يفت في خصومة، ولم يشتر بمجلس قضائه) صوابه ولا يفت، وكذلك لا يشتري، لأن لم لا يكون إلا فيما مضى، ولا يفت القاضي في خصومة، لأن فيه تعليم الخصمين خلافا لابن عبد الحكم. ومفهوم قوله: ولا يفت في خصومة، أنه يفتي في العبادات والمفهوم صحيح، وكذلك لا يجوز للقاضي أن يشتري في مجلس قضائه، لأن ذلك يشغله، ولأنه قد ينقص له في الثمن بسببه أو بسبب من يحضر عنده، ومفهوم مجلس قضائه أنه يشتري في غيره والمفهوم صحيح ذكره المازري.
قوله: (كسلف وقراض، وإبضاع، وحضور وليمة، إلا النكاح وقبول هدية ولو كافا عليها، إلا من قريب) إلى آخره أي كما لا يجوز للقاضي السلف عند الناس، وأخذ قراض منهم، وإبضاع لهم، وحضور كل وليمة، إلا وليمة النكاح، فإنه يجوز له حضورها، وكذلك لا يجوز له قبول هدية ولو كافأه عليها بأكثر، إلا أن تكون الهدية من قريب فيجوز قبوله لها، وكذلك الشاهد لا يجوز له قبول الهدية من أحد الخصمين ما دامت الخصومة بينهما.
قوله: (وفي هدية من اعتادها قبل الولاية، وكراهة حكمه في مشيه، أو متكنا، وإلزام يهودي حكما بسبته، وتحديثه بمجلسه لضجر، ودوام الرضا في التحكيم للحكم) إلى قوله: (قولان) أي ففي كل فرع من الستة قولان أي وفي جواز قبول القاضي هدية من اعتادها له قبل ولاية القضاء وعدم جواز قبولها قولان. وفي كراهة حكم القاضي حين مشيه وعدم كراهته قولان.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
وهو اختلاف في شهادة هل المشي يشغله أم لا، وفي كراهة حكمه متكئا وعدم كراهته قولان، وفي كراهة إلزام يهودي حكما في يوم سبته، أو نصراني في يوم الأحد وعدم كراهته قولان، وفي كراهية تحديثه في مجلس قضائه لأجل ضجر في نفسه وعدم كراهته قولان.
الضجر: ضيق النفس، والقلق.
قوله: ودوام الرضى في التحكيم جمع بينه وبين الفروع المتقدمة في القولين.
المعنى: وهل يشترط دوام الرضى في المحكم؟ إلى انفصال الحكم، أولا يشترط بل لكل من الخصمين الرجوع عنه في ذلك قولان أحدهما لما ألزم نفسه بالرضى به لزمه إلى أن يحكم بينهما وقيل لا يلزمه.
قوله: (ولا يحكم مع ما يدهش عن الفكر، ومضى) أي ولا يحكم القاضي مع ما يدهش الفكر من جوع أو شبع أو غضب.
الغضب يغير الطباع ويفسد الرأي ويطير العقل، ولذلك يقال: الغضب غول العقل فلا يؤمن معه الخطأ، وفي معنى الغضب كل ما يغير طبع الإنسان وأدهشه عن التفكير من الجوع والمرض ونحوه، ولا يقضي حتى تزول عنه هذه الأعراض. الكرماني (^١) (^٢).
أو هم أو فرح لأن الغضب يسرع مع الجوع والفهم ينطفي مع الشبع والقلب يشتغل مع الهم فإن حكم على هذا الحال مضى ذلك الحكم.
قال في إكمال الإكمال: كالشبع المفرط الموقع في القلق، وجمود الفهم، والجوع المفرط المؤدي إلى موت النفس وانحلال الذهن، وكالخوف والحزن المفرطين إلى غير ذلك، وإنما أفرد في الحديث الغضب بالذكر، لأنه أكثر ما يعرض للحكام عند مراجعة الخصوم، وما يقع منهم من هفوة ويسمع منهم من جفاء.
_________________
(١) محمد بن يوسف بن علي بن سعيد، شمس الدين الكرماني: عالم بالحديث. أصله من كرمان. اشتهر في بغداد، قال ابن حجي: تصدى لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة. وأقام مدة بمكة. وفيها فرغ من تأليف كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري. وله ضمائر القرآن والنقود والردود في الأصول مختصره، وشرح لمختصر ابن الحاجب سماه: السبعة السيارة لأنه جمع فيه سبعة شروح. وأنموذج الكشاف. كان مولده سنة: ٧١٧ هـ، ومات راجعا من الحج في طريقه إلى بغداد، ودفن فيها سنة: ٧٨٦ هـ .. الأعلام للزركلي: ج ٧، ص: ١٥٣.
(٢) شرح صحيح البخاري للكرماني: ج ٢٤، ص: ٢٠٤، أثناء شرحه للحديث: ٦٧٢٤.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
القرطبي: إنما كان الغضب ما نعا من الحكم لأنه يشوش الذهن ويخل بالفهم، فيلحق به ما في معناه كالجوع والألم وغيرهما. انتهى منه (^١).
قوله: (وعزر شاهد زور في الملا بنداء، ولا يحلق رأسه، أو لحيته، ولا يسلمه، ثم في قبوله تردد) أي وعزر القاضي شاهد الزور في ملأ من الناس مع نداء عليه: هذا شاهد زور، ويطاف به هذا جزاء من عصى الشريعة، ولا يحلق رأسه أو لحيته خلافا لمن قال: يفعل به ذلك ولا يسخمه أي ولا يسود وجهه، خلافا لمن قال: إذا كان أبيض يسود وجهه، وإن كان أسود يبيض، فإن تاب شاهد الزور هل تقبل شهادته بعد ذلك؟ أولا تقبل فيه تردد في الفهم، قال بعضهم: إن كان ظاهر العدالة تقبل، وإلا لم تقبل توبته بلا خلاف، لأنه لا يكاد تعرف توبته وإن كان غير ظاهرها فقولان.
قال ابن رشد: بالعكس إن كان ظاهر العدالة فقولان، وإن لم يكن ظاهرها لم تقبل اتفاقا.
قال ابن عرفة: ما ذكره عن ابن رشد لا أعرفه له ولا لغيره. انتهى.
وعن ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شاهد الزور لا تزول قدماه يوم القيامة حتى تجب له النار» (^٢).
قال صاحب إكمال الإكمال: قول الزور قال القرطبي: هي الشهادة بالكذب.
قلت: ليست هي كذلك وإنما هي أن يشهد بما لم يعلم عمدا وإن طابقت الواقع، كمن شهد أن زيدا قتل عمرا وهو لا يعلم أنه قتله وقد كان قتله. فإن كان لشبهة فليست زورا لقوله في باب الاستحقاق: وإن شهدوا بموته ثم قدم حيا فإن ذكروا عذرا كرؤيتهم إياه صريعا في القتلى وقد طعن فظنوا أنه مات فليست بزور.
القرطبي: وكان من أكبر الكبائر لأنها يتوصل بها إلى إتلاف النفس والمال وتحريم الحلال وعكسه، وليس بعد الشرك أعظم منها.
قال النوري: القتل أعظم منها. وظاهر الحديث حتى لو أتلف بها اليسير. انتهى (^٣).
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٤٦/ ٢٤٧.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط: ج ٨، ص: ١٩١، الحديث: ٨٣٦٧. من اسمه موسى. وأبو نعيم في الحلية: ج ٧، ص: ٢٦٤.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ١، ص: ٣٢٤.
[ ٣ / ٣٣٥ ]
والتعزير جائز بشرط سلامة العاقبة فإن سرى ضمنت عاقلة المعز بخلاف الحد.
قوله: (وإن أدب) أي وإن أدب القاضي (التائب) من شهادة الزور (فأهل) للتأديب وهو بخلاف من أفطر في رمضان عمدا، وصاحب الغلول، فإنهما لا يؤدبان، إلا إذا ظهر ذلك قبل التوبة.
قوله: (ومن أساء على خصمه، أو مفت أو شاهد) أي ويؤدب القاضي من أساء على خصمه، أو على مفت أو شاهد وجوبا، والتأديب بالنسبة إلى القول والقائل والمقول فيه ظاهره وإن لم يطلبوا ذلك، وظاهره وإن لم يحضروا وظاهره وإن لم يعلم ذلك إلا الإمام، لأنه يحكم بعلمه في مثل هذا.
قوله: (لا بشهدت بباطل) أي لا يؤدب إن قال للشاهد عليه: شهدت علي بباطل، إلا أن يريد إذاية الشاهد بذلك، فإنه يؤدب.
قوله: (كلخصمه) أي كما لا يؤدب إذا قال لخصمه: (كذبت).
قوله: (وليسو بين الخصمين) أي وإذا أتى الخصمان القاضي، فإنه يسوي بالخطاب فيقول: ما جاء بكما، ولا يخاطب أحدهما دون الآخر، لأن ذلك يفسد عقل من لم يخاطب منهما، وليسو بينهما في المجلس، كانا حرين أو عبدين، أو مختلفين كانا صالحين أو مختلفين مسلمين أو كافرين أو مختلفين، وإليه أشار بقوله: (وإن مسلما) أي وإن كان أحد الخصمين مسلما (و) الآخر (كافرا)، قيل: أن عمر بن الخطاب رضي الله حضر مع خصمه عند حاكم، فرمى لعمر وسادة فقال له عمر: هذا أول ظلمك.
قوله: (وقدم المسافر وما يخشى فواته، ثم السابق، قال: وإن بحقين بلا طول، ثم أقرع) أي وقدم القاضي المسافر في الحكم، لما يلحقه من الضرر ومن فوات أصحابه، إلا أن يكثر فيدخل الضرر على الحاضر، وكذلك يقدم القاضي الحكم فيما يخشى فواته أي فساده، ثم يقدم السابق إليه إن عرف، وإلا أقرع.
وينبغي أن يوكل من يعرف السابق.
قال المازري في نفسه: يقدم وإن كان في حقين، إذا لم يطل ذلك، فإن طال فهل يقدم في حق واحد؟ أولا وسكت عنه الشيخ رحمة الله.
قوله: (وينبغي أن يفرد وقتا أو يوما للنساء، كالمفتي، والمدرس) أي ويستحب للقاضي أن يفرد وقتا أو يوما للناس، فإن وقع التنازع بين الرجل والمرأة فليأت
[ ٣ / ٣٣٦ ]
الرجل في يوم النساء وذلك أخف ضررا. برزلي (^١).
وكذلك المفتي والمدرس ينبغي لهما أن يفردا وقتا أو يوما للنساء، ويقدم السابق بالفتوى والتدريس، ويمنع ذات الجمال والمنطق الرخيم أن تباشر الخصومة، ويأمرها أن توكل وكيلا.
قال المازري: إذا كانت الدعوى على امرأة شابة لها جمال، وخاف عليها إن تكلمت أن يؤدي سماع كلامها إلى الشغف بها، فإنها تؤمر أن توكل ولا يكون من حق الخصم أن يأتي بها إلى مجلس القضاء. وقد حضرت العامرية إلى النبي ﷺ حتى أقرت بالزنا، فأمر برجمها، وقال عليه الصلاة السلام في المرأة الأخرى: «واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها (^٢)، فلم يأمر بإحضارها لسماع ذلك منها، ولعلها كانت على حال لا يحسن إحضارها وخطابها بمحضر الناس. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^٣).
قوله: (وأمر مدع تجرد قوله عن مصدق بالكلام؛ وإلا فالجالب، وإلا أقرع) قال القرافي: الدعوى لغة الطلب، وفي الشرع طلب معين أو ما في ذمة معين، أو أمر يترتب له عليه نفع معتبر شرعا كالطلاق (^٤) أي فإذا أتى الخصمان إلى الحاكم فإنه يأمر المدعي منهما بالكلام أولا، ويأمر الآخر بالسكوت حتى يفرغ، هذا إذا علم المدعي وإن لم يعلمه، فالجالب هو المدعي، وإن لم يعلم الجالب أقرع.
فالمدعي هو من تجرد قوله عن شيء يصدقه، فإذا عرف المدعي، فقد عرف المدعى عليه، وإذا عرف المدعى عليه فقد عرف المدعي، ولكن معرفتهما صعب، فإن عرفهما أظهر الحكم بالبينة على المدعي، واليمين على من أنكر.
وقال بعضهم: المدعي من لو سكت ترك على سكوته، والمدعى عليه من لو سكت لم يترك على سكوته. وقال بعضهم: المدعي من قال: كان، والمدعى عليه من قال: لم يكن.
_________________
(١) نوازل البرزلي: ج ٤، ص: ٢٧. بتصرف.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٨٩). كتاب الحدود. (٣٢) - باب هل يأمر الإمام رجلا فيضرب الحد غائبا عنه. الحديث: ٦٤٦٧. ومسلم في صحيحه (٢٩) كتاب الحدود. (٥). باب من اعترف على نفسه بالزنى. الحديث: ٢٥. (١٦٩٧، ١٦٩٨)
(٣) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٤٠.
(٤) الذخيرة للقرافي: ج ١١، ص: ٥.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
السيرة في القضاء البداية بالسماع من الطالب ثم من المطلوب، هل يقر؟ أو ينكر، ثم طلب البينة من الطالب، ثم توجيه اليمين على المطلوب في عدم بينة الطالب.
قال المازري ويمين المطلوب لا تثبت له ملك المدعي فيه ولا حيازته بل يبقى بيده على حكم اليمين، لأن يمينه إنما هي لرفع دعوى المدعي. عياض: بقاء الشيء على حكم اليمين هو بناء على عدم تعجيز الطالب، وهو أصل متنازع فيه. والمشهور أن على الحاكم أن يعجز الطالب إذا قام بذلك المطلوب إلا فيما فيه حق الله تعالى كالطلاق والعتق والنسب، أو فيما لا يختص للقيام به بواحد معين كالأحباس والطرق العامة. انتهى من إكمال الإكمال للأبي تحمله (^١).
وقال: الدعوى قول لو سلم أوجب لقائله حقا. وفي الحديث: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم» (^٢).
المازري: لا شك في هذا إذ لو كان القول قول المدعي استبيحت الأموال والدماء، ولم يقدر أحد على صون ماله ودمه، وأما المدعون فيمكن صون أموالهم بالبينات. انتهى (^٣).
وقال: المدعى عليه من طابقت دعواه الأصل، الذي هو عدم الفعل والمعاملة، وكان القياس قبول دعواه دون يمين لتمسكه بهذا الأصل. لكن لم يقتصر الشرع على الثقة بهذا الأصل في كثير من الدعاوي، حتى أضاف إليه يمين المدعى عليه ليقوي الظن بصدقه. انتهى منه (^٤).
قوله: (فيدعي بمعلوم مح فيدعي بمعلوم محقق، قال: وكذا شيء قق، قال: وكذا شئ أي وأمر الحاكم المدعي بالكلام، فيدعي بشيء معلوم لا مجهول، محقق لا مظنون، وأحرى مشكوك، وأحرى متوهم. والدعوى الصحيحة لها أربعة شروط: الشرط الأول: أن تكون له معلومة، فلو قال لي عليه شيء لم يسمع دعواه، لأنها مجهولة.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ١، ص: ٤٠٩.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٢٠) / كتاب الأقضية. (١) باب اليمين على المدعى عليه. الحديث: ١. (١٧١١)
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٢٢.
(٤) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٢٢/ ٢٢٣.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
الثاني: أن تكون مما لو أقر بها المدعى عليه لزمته، فإنه لو ادعى على رجل هبة وقلنا أن الهبة تلزم بالقول للزم المدعى عليه الجواب بإقرار أو إنكار، وإن قلنا بالشاهد أن الهبة لا تلزم بالقول، فالجواب فيه لا يلزم.
الثالث: أن تكون مما يتعلق بها حكم أو غرض صحيح، فمثال ما يتعلق به حكم أن يدعي رجل على رجل دينا ويقيم البينة على ذلك، وعدلت البينة فقال المطلوب للقاضي استحلف لي الطالب أنه لم يعلم كون شهوده مجروحين، فإن هذا مما اختلف فيه العلماء هل يجب فيه اليمين؟ أم لا، فمن لم يوجبها اعتل بأن حقيقة الدعوى أن تكون متعلقة باستحقاق أمر يستخرج به من المدعى عليه، وها هنا لا يطلب من القاضي استخراج شيء من الذي شهدت له البينة بحقه.
الشرط الرابع: أن تكون الدعوى محققة فلو قال: أظن أن لي عليه ألفا، أو قال المدعى عليه في الجواب: أظن أني قضيته لم يسمع لتعذر الحكم بالمجهول. انتهى من تبصرة ابن فرحون.
وأما لو قال: لي عليه شيء من فضلة حساب لا أعلم قدره، وقامت عليه بينة أنهما تحاسبا وبقيت له عنده بقية لا علم له بقدرها، فدعواه في هذه الصورة مسموعة، وكذلك لو ادعى حقا في هذه الدار والأرض، وقامت بينة أن له فيها حقا لا يعلمون قدره فهي دعوى مسموعة.
وفي مختصر الواضحة: قال مطرف: سمعت مالكا يقول في الرجل يشهد له الشهود أن له في هذه الدار حقا ولا يعرف كم هو، مثل أن يكون في ميراث قد تقادم، وتناسخ أهله، وينكر ذلك المشهود عليه، فإنه يقال للمشهود عليه: قد ثبت لهذا في دارك حق فأقر له بحقه، فإن أقر له بشيء قل أو كثر، حلف عليه ولم يكن للمشهود له غيره وإن أنكر، قيل للمشهود له: أتعرف حقك الذي شهد لك به؟ فإن سماه حلف عليه وأخذه، وإن قال: لا أعرفه، فإنه يحال بين المشهود عليه وبين الدار كلها، حتى يقر منها بحق هذا، ويسمى من ذلك ما سمى، ويحلف على ذلك ويأخذ بقية الدار. وإن قال: حقه منها الربع، وأبى أن يحلف عليه، أخذ منه الربع ثم قال: ما بقي من الدار موقوفا حتى يحلف أنه لا شيء له غيره. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^١).
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ١٧/¬١٨.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
قوله: وإلا أقرع فيدعي بمعلوم محقق قال أي قال المازري في نفسه: وكذلك إن ادعي عليه شيء محقق ولكن يجهل قدره، فإن دعواه، مسموعة.
وفي الطرر لابن عات: قال الأبهري: إن شهد الشهود على رجل بحق لا يعرفون عدده، فاليمين على المدعى عليه، فإن أقر بشيء حلف وبرئ، لأنه إنما يحكم بإقراره لأن الشهادة لم يثبت بها الحق حتى يحكم به عليه، لأن الشهود لم يعينوا شيئا ولا حدوه، فشهادتهم مجهولة لا يحكم بها. ولو قالوا: شهدنا بدنانير لا نعرف عدتها جعلت ثلاثة، ثم حلف على شهادتهم. لأن الشهود قد بينوا بشهادتهم شيئا معلوما وهي الدنانير، فيؤخذ بأقل ما يقع عليه اسم الدنانير، لأنه أقل جمع للدينار، ويحلف مع شهادتهم لجواز أن يكون أكثر من ذلك احتياطا. انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: (وإلا لم تسمع، كأظن) أي وإن لم يدع المدعي شيئا معلوما أو ادعاه ولكن غير محقق، وذلك كأظن أنه عنده عشرة مثلا فلا تسمع دعواه.
قال بن عبد السلام: لا يقال إن العلم والتحقيق مترادفان بمعنى واحد، فالإيتان بقول معلوم يغني عن قوله: محققا، لأنا نقول أن المعلوم راجع إلى تصور المدعى فيه فلابد أن يكون متميزا في ذهن المدعي والمدعى عليه، وفي ذهن القاضي.
والتحقيق راجع إلى جزم المدعي بأنه مالك لما وقع التنازع فيه، فهو من نوع التصديق، فقد رجع كل من اللفظين لمعنى غير المعنى الذي رجع إليه الآخر، فلاشتراط العلم لا يسمع لي عليه شيء، ولاشتراط التحقيق لا يسمع: أشك أن لي عليه كذا وأظن وما أشبهه. (^٢). انتهى (^٣). وأصل هذه العبارة لابن شاس. انتهى.
وفي إكمال الإكمال وشرط المدعى فيه أن يكون معلوما أي متصورا ليتم سماع الحجة فيه - نفيا وإثباتا - فلا نقبل دعوى لي عليه شيء، وأن يكون محققا أي مجزوما بثبوته في ذمة المطلوب، فلا تقبل دعوى: أشك أو أظن أن لي عليه
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ١٧.
(٢) ن: وما أشبه ذلك.
(٣) الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام المعروف بشرح ميارة المؤلف: أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن محمد الفاسي، ميارة (المتوفى: ١٠٧٢ هـ.) ج ١، ص: ١٨ الناشر: دار المعرفة.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
كذا. انتهى (^١).
قوله: (وكفاه بعت، وتزوجت، وحمل على الصحيح) أي وكفى المدعي قوله: بعت لهذا كذا أو تزوجت هذه المرأة وحمل ما قال (^٢) في البيع على الصحيح، وكذلك النكاح فلا يسأل عن صحة العقد فيهما، ولم يذكر الشيخ هنا القيد الذي ذكره في البيوع هو إن لم يغلب الفساد.
قوله: (وإلا فليسأله الحاكم عن السبب) أي وإن لم يذكر المدعي السبب، فإن الحاكم يسأله عنه، هذا تصريح بأن الحاكم هو الذي يسأل عن السبب على أحد القولين، والقول الآخر هو قوله فيما يأتي: وللمدعى عليه السؤال عن السبب، وجمع بعضهم بين القولين فقال: وليسأله الحاكم عن السبب، وإن لم يسأله غفلة منه أو جهلا فللمدعى عليه السؤال عنه، إذ قد يذكر سببا لا يترتب عليه شيء من دعواه، أو يترتب عليه ما كان أقل أو عنده ما يدفع به الدعوى، فإن بين طلب الآخر بالجواب، فإن أبى وقال: لا أعلم السبب ولا أبين، لم يطالب خصمه بالجواب، لاحتمال أنه لو بين أمكن أن يكون فاسدا لا يترتب عليه الغرم البتة، أو غرم ما هو أقل مما يدعي. انتهى. إكمال الإكمال (^٣).
قوله: (ثم مدعى عليه ترجح قوله) أي فإن أتم المدعي كلامه، أمر القاضي المدعى عليه بجوابه، فالمدعى عليه هو من ترجح.
قوله: (بمعهود) أي بالعرف أو ترجح
قوله: (أو أصل بجوابه) وهو الاستصحاب مثل أن يدعي على إنسان أنه عبده، وقال العبد: أنا حر، فالأصل الحرية، إلا أن يكون العبد في حوز المدعي فلا يصدق، إلا إذا كان في بلد يباع فيه الأحرار، فإنه يصدق، لأنه متمسك بالأصل الأصل عند مالك: الناس على الحرية من أبويهم آدم وحوا، والمتمسك بالأصل هو المدعى عليه، ومن أراد النقل عنه فهو المدعي، غير أنه يتعارض النظر في كثير من المسائل، من هو المتمسك بالأصل من الخصمين، كما لو ادعى الزوج أن سيد الأمة غره وزوجه وأنكر السيد، فقال أشهب القول قول الزوج، قال سحنون: القول
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٢٤.
(٢) ن: مثقال.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٢٤.
[ ٣ / ٣٤١ ]
قول السيد، فيتعارض في هذه المسألة الأصل والغالب، والأصل عدم الغرور، فيكون القول قول السيد، والغالب عدم الدخول على زواج الإماء، وعدم الرضى بهن، وزواج الأحرار للإماء نادر، فيقدم الغالب على النادر ومثل هذا كثير في مسائل الدعاوي.
وقال أبو عمر بن عبد البر: إذا أشكل عليك المدعي من المدعى عليه، فواجب الاعتبار فيه أن ينظر: هل هو آخذ أو دافع؟ وهل يطلب استحقاق شيء على غيره أو ينفيه؟ فالطالب أبدا مدع والدافع المنكر مدعى عليه، فقف على هذا الأصل وقال غيره: كل من يريد الأخذ أو يطلب البراءة من شيء وجب عليه فهو مدع. وكلامهم على شيء واحد، وهو أن المتمسك بالأصل هو المدعى عليه، ومن أراد النقل عنه فهو المدعي. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^١).
والمدعي أضعف المتداعيين ولذلك كلف بالبينة والمدعى عليه أقوى المتداعيين ولذلك اكتفى بيمينه.
تنبيه: وأجمعوا على اعتبار الأصل وإلغاء الغالب في دعوى الدين ونحوه، فإن القول قول المدعى عليه، وإن كان الطالب أتقى الناس والغالب أنه لا يدعي إلا حقا. واجتمعوا على اعتبار الغالب وإلغاء الأصل في البينة إذا شهدت، فإن الغالب صدقها والأصل براءة ذمة المشهود عليه. انتهى من ابن فرحون (^٢).
قوله: (إن خالطه بدين) كذا في بعض النسخ بأدات الشرط وفي بعضها وخالطه بالعطف على ترجح ولا يخفاك ما فيها من القلق، فإن الخلطة شرط في توجيه اليمين لا في إيجاب الجواب ولا في سماع الدعوى، وتكليف البينة كما تعطيه عبارته. انتهى.
قال شيخنا محمود بن عمر - حفظه الله -: لو قال المصنف: ثم مدعى عليه بجوابه، فإن أقر فله الإشهاد عليه وللحاكم تنبيهه عليه، وإن أنكر استحلفه إن خالطه، لأن الخلطة إنما هي شرط في توجه اليمين على المشهور. انتهى.
فائدة: ابن عرفة: قطع ابن رشد في سماع أصبغ أن مذهب مالك وكافة أصحابه الحكم بالخلطة، ومثله لابن حارث، ونقل ابن زرقون عن ابن نافع: لا تعتبر الخلطة.
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١: ص: ١٠٥.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١: ص: ١٠٦.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
ابن عرفة: ومضى عمل القضاة عليه عندنا بتونس.
أبو الحسن الصغير: وعليه العمل اليوم.
قال صاحب فتح الجليل: وعليه العمل اليوم عندنا في مصر، والشاذ من الأقوال إذا كان عليه العمل يتقوى به. انتهى.
قال صاحب الجواهر: والدليل على لزوم اعتبار الخلطة النص والمعنى، وأما النص فيها بما روى سحنون بإسناده عنه ﷺ، وأما المعنى فلما في ذلك من صيانة أهل الفضل والمنزلة عن الذلة وكف الأطراف عنهم. انتهى منه.
قوله: إن خالطه بدين (أو تكرر بيع)، وإن بشهادة امرأة) أي إن خالط المدعي المدعى عليه ببيع الدين وإن مرة واحدة أو خالطه بتكرر بيع نقدا إن ثبت ذلك، وإن بشهادة امرأة واحدة، وليس في الشرع موضع يجوز فيه شهادة امرأة واحدة إلا في الخلطة، لأن القصد هنا النصح (^١).
وقوله: امرأة وأحرى رجل.
قوله: (لا ببينة جرحت) أي لا تثبت الخلطة ببينة جرحت سواء جرحت في هذه النازلة أو قبلها.
قوله: (إلا الصانع، والمتهم، والضيف وفي معين، والوديعة على أهلها، والمسافر على رفقته، ودعوى مريض أو بائع على حاضر المزائدة) إلى آخر النظائر الثمانية أي فلا تعتبر الخلطة في الصانع إذا ادعى عليه، لأنه نصب نفسه للصنعة وكذلك التاجر، وكذلك إذا ادعى على متهم بسرقة، أو غصب، أو ظلم أو عداء، فإن الخلطة لا تعتبر فيه، ولا تنقلب اليمين، بل إذا نكل غرم، وكذلك الضيف والمراد به القريب الطارئ على البلد، إذا ادعى أنه أو دع رجلا، سواء ضيفه ذلك الرجل المدعى عليه أو لم يضيفه، فإن الخلطة لا تعتبر فيه، وكذلك من ادعى في شيء معين في يد آخر، فإن الخلطة لا تعتبر فيه، وكذلك من ادعى أنه أودع وديعة لمن كان مثله يودع، ويثبت أن المدعي يملك مثل ما ادعى في جنسه وقدره، ويثبت العذر الذي أداه للإيداع، فإن ثبت هذا فلا تعتبر الخلطة فيه، وكذلك المسافر يدعي على بعض أهل رفقته أنه أو دعه مالا، وكذلك إذا ادعى مريض بمرض موته أن له عند فلان حقا، فلا تعتبر الخلطة فيه، وكذلك بائع ادعى على حاضر المزايدة أنه اشترى منه بكذا، ويقول
_________________
(١) ن: اللطخ
[ ٣ / ٣٤٣ ]
حاضر المزايدة ابتعت منك فإن الخلطة لا تعتبر في هذه المسائل الثمانية. انتهى.
وفي الدعاوي التي لا توجب اليمين من ادعى على رجل أنه باعه سلعة، فأنكر المدعى عليه، فليس للمدعي أن يحلفه.
ومنها: لو ادعى على رجل أنه اشترى منه سلعة: فلا يمين على المدعى عليه الشراء.
ومنها: لو ادعى عليه أنه أشركه فيها أو ولاه إياها فلا يمين عليه وأما لو ادعى الإقالة فتجب فيها اليمين.
قال ابن سهل: كان ابن عتاب يقول: لا تجب اليمين لمدعي الإقالة إلا أن يأتي بشبهة تقوي دعواه، وبه كان يفتي.
ومنها: أن من باع سلعة لرجل أو اشترى لرجل سلعة وزعم أنه وكيله في الصورتين، وأنكر المدعى عليه الوكالة فلا يمين عليه.
ومنها: من اشترى عبدا أو دابة وقال البائع: احلف لي أنه ما به عيب تعلمه ولا تكمته، فليس ذلك له.
ومنها: إذا ظهر بالعبد أو الدابة عيب قديم، يوجب به الرد فقال للمشتري: احلف أنك ما رضيته بعد علمك به، فلا يمين عليه بقول البائع إلا أن يقول: أخبرني مخبر صدق أنك رضيته بعد العلم، فينكر فتجب عليه اليمين.
ومنها: الرجل يشتري العبد فيأبق فقال للبائع أحلف أنه ما أبق عندك، فلا يمين عليه إلا أن يقول: أخبرني مخبر صدق أنه أبق عندك، فحينئذ يحلف وغير ابن القاسم يرى عليه اليمين إذا أبق، لأنه عيب قد ظهر.
ومنها: إذا اشترى عبد أو يتيم سلعة أو باعاها، فأراد السيد أو الوصي فسخ ذلك، فأراد المشتري منهما أو البائع أن يحلف السيد أو الوصي أنهما ما أذنا لهما في ذلك، فليس له ذلك.
ومنها: لو ادعى رجل على رجل حقا من شركة، فأنكر المدعى عليه الشركة، فلا يمين عليه إلا أن يقر بالشركة أو تقوم بذلك البينة فيحلف على إبطال دعوى المدعي.
ومنها: لو ادعى على رجل أنه عامله قراضا أو ساقاه، فأنكر المدعى عليه فلا يمين عليه. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^١).
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ١٦٨. ١٦٩.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
قوله: (فإن أقر فله الإشهاد عليه، وللحاكم تنبيهه عليه، وإن أنكر قال: ألك بينة) أي وإن أقر المدعى عليه، فللمدعي الإشهاد عليه خوف الإنكار بعد الإقرار، وللحاكم تنبيه المدعي على الإشهاد على إقرار المدعى عليه، ولا يقال له أنه تلقين خصم، وإن أنكر المدعى عليه، قال الحاكم للمدعي: ألك بينة، فإن قال: نعم، فيقول له أحضرها، فإن أحضرها مقبولة يحكم بها بعد الإعذار.
والإعذار مبالغة في طلب العذر.
قوله: (فإن نفاها واستحلفه) أي فإن نفى المدعي بينة، فقال: لا بينة لي واستحلفه فحلفه القاضي (فلا بينة) بعد ذلك نافعة له، واختلف هل يسقط حقه بمجرد طلب يمينه، وهو ظاهر كلام الشيخ، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب، وقال بعضهم بل لا يسقط حتى يحلف.
قوله: (إلا لعذر كنسيان، أو وجد ثانيا، أو مع يمين لم يره الأول) أي فلا تقبل بينته بعد أن نفاها، واستحلف المدعى عليه إلا أن يتبين له عذر فيقوم بها، ويكون العذر بالنسيان، أو عدم العلم بها، أو ظن موت البينة، أو وجد شاهدا ثان مع شاهده الذي لم يحكم به الحاكم وحده، وكذلك إن قام شاهده الذي شهد له مع يمين لم ير الحاكم الأول الحكم بشاهد ويمين.
ابن مرزوق في المنزع النبيل: وفيه نظر لأن فيه نقض حكم الحاكم.
قوله: (وله يمينه أنه لم يحلفه أولا، قال وكذا أنه عالم بفسق شهوده) أي وللمدعى عليه يمين المدعي أنه لم يحلفه أولا، فإن نكل حلف المدعى عليه أنه حلفه أولا.
قال المازري في نفسه وكذلك للمدعى عليه أن يحلف المدعي إذا ادعى عليه علم فسق شهوده، فإن نكل عن اليمين بطلت دعواه.
فرع: دعوى المرأة على زوجها أنه طلقها، ودعوى العبد على سيده أنه أعتقه.
فإن عندنا لا تتعلق اليمين بهذه الدعوى المجردة، لأجل أن ذلك لو فتح فيه الباب، لم تشأ امرأة أن تستحلف زوجها كل يوم مرارا إلا وفعلت، وكذلك العبد مع سيده إذا ادعى عليه العتق، فتسقط هذه الدعوى مع كونها مفيدة لو أقر بها المدعى عليه، لأجل ما يتخوف من تكريرها مضارة حصول الأذى للأزواج والسادات. وهو مستثنى من شرط سماع الدعوى أن تكون مما يتعلق به غرض صحيح فاحترز من الدعوى بعشر سمسمة، فإنه لا ينبغي للحاكم سماع مثل هذه الدعوى. ونص القرافي أن هذه الدعوى وشبهها لا تسمع، لأنه لا يترتب عليها نفع شرعي. انتهى
[ ٣ / ٣٤٥ ]
من تبصرة ابن فرحون (^١).
قوله: (وأعذر إليه بأبقيت لك حجة؟ وندب توجيه متعدد فيه إلا الشاهد بما في المجلس، وموجهه، ومزكي السر، والمبرز بغير عداوة، ومن يخشى منه، وأنظره لها باجتهاده، ثم حكم) أي وأعذر القاضي المحكوم عليه بأن يقول له: أبقيت لك حجة طالبا كان أو مطلوبا.
والحجاج فهي ما يقضي به الحكام ولذلك قال ال: «ولعل بعضهم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه» (^٢) فالحجاج تتوقف على نصب من جهة الشارع وهي: البينة، والإقرار، والشهادة واليمين، والشاهد، والنكول، واليمين، والنكول والمرأتان واليمين، والمرأتان والنكول، والمرأتان فيما يختص بالنساء، وشهادة الصبيان، ومجرد التحالف عند مالك فيقسمان بعد إيمانهما عند تساويهما عند مالك، فذلك نحو عشرة من الحجاج هي التي يقضي بها الحاكم. فالحجاج أقل من الأدلة الدالة على المشروعية، وأدلة المشروعية أقل من أدلة وقوع الأحكام.
فائدة: هذه الثلاثة الأنواع موزعة في الشريعة على ثلاثة طوائف فالأدلة يعتمد عليها المجتهدون. والحجاج يعتمد عليها الحكام والأسباب يعتمد عليها المكلفون، كالزوال ورؤية الهلال ونحوه. انتهى من أنوار البروق للقرافي في الفرق السابع عشر منه (^٣).
قوله: وندب للقاضي توجيه متعدد في الأعذار اثنان فأكثر حتى ينتهي الإعذار.
والإعذار مبالغة في طلب العذر، فإن قال الطالب: لي بينة، أنظره لأجلها بالإجتهاد بالعلم والتقوى لا بالجهل والهوى بلا حد، ثم حكم بعد الإنظار على المحكوم عليه طالبا كان أو مطلوبا بأن حكم عليه ببراءة ذمة المدعى عليه فيما ادعاه عليه، وإن كان المحكوم عليه هو المدعى عليه حكم عليه بعمارة ذمته بما ادعى عليه.
قوله: (كنفيها) أي كما يحكم عليه إذا نفى الحجة، وقال: لا حجة لي،
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ١١٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٩٧) كتاب الأحكام. (٢٠) - باب موعظة الإمام للخصوم. الحديث: ٦٧٤٨. وأخرجه مسلم في صحيحه. (٣٠) كتاب الأقضية. (٣). باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة. الحديث: ٤. (١٧١٣).
(٣) أنوار ابروق للقرافي: ١، ص: ٢٣٢/ ٢٣٣/ ٢٣٤.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
والحجاج التي تقضي بها الحكام سبع عشرة: الشاهدان، والشاهد واليمين، والأربعة في الزنا، والشاهد واليمين، والمرأة واليمين، والمرأتان، والشاهد، والنكول، والمرأتان، والنكول، واليمين والنكول، وأربعة أيمان في اللعان، وخمسون يمينا في القسامة، والمرأتان فقط في العيوب المتعلقة بالنساء، والقافة، وقمط الحيطان وشواهدها واليد واليمين وحدها، بأن يتخالفا ويقسم بينهما فيقضي لكل واحد منهما بيمينه والإقرار، وشاهد الصبيان وهذه هي الحجاج التي تقضي بها الحكام وما عداها لا يقضي به عندنا.
قوله: إلا الشاهد بما في المجلس إلى آخر النظائر، هذه المسائل المستثنى من قوله: وأعذر القاضي أي وأعذر القاضي إلى المحكوم عليه، إلا إذا أشهد شاهدان بما وقع في مجلس الحكم، فإنه لا إعذار فيه، لأن الحاكم علم ما علم الشاهد. لا يقال أن الحاكم حكم بعلمه، وكذلك شهادة من وجهه القاضي لأجل الشهادة فشهد لا إعذار فيه، بل ينفذ ما شهد به، لأن الحاكم لا يوجه إلا من يثق به، وكذلك الشاهد الذي زكى في السر إذا شهد، فلا إعذار فيه، ويكفي فيه مزك واحد، وأما المزكى على نية، كمن شهد وطلب تزكيته، فلا بد فيه من مزكيين، وكذلك شاهد المبرز بالعدالة فلا إعذار فيه.
والمبرز: من بلغ أقصى الغاية في استقامة الحال، والصلاح، والزهد، والورع، هذا إذا لم يكن بينه وبين المشهود عليه عداوة، لأن تهمة العداوة أقوى من تهمة القرابة، وكذلك الشاهد إذا أشهد على من يخشى منه الإعذار فيه، فيحكم عليه بلا إعذار، ولا يخبر بمن شهد عليه، ولا بمن زكاه، ولا يخبر بمن جرح شاهدا له.
وترك الشيخ مسألة سادسة وهي إذا شهد شاهد بما جرى بين أهل الرفقة وقبلت شهادته بالتراسم، فلا إعذار فيه ويقسم بينهما، فيقضى لكل واحد بيمينه، والإقرار وشهادة الصبيان فهذه هي الحجاج التي بها الحكام وما عداها لا يقضى به عندنا.
قوله: (وليجب عن المجرح، ويعجزه، إلا في دم، وحبس، وعشق، ونسب، وطلاق) أي وليجب القاضي المحكوم عليه إذا سأل عن المجرح لشاهده فيقول له: فلان وفلان هما اللذان جرحا شاهدك، إذ لعله بينه وبينهما عداوة، وكذلك القاضي يجيب المحكوم عليه إذا سأل عن من زكى الشاهد على قوله: ويعجزه أي فإن حكم الحاكم على المحكوم عليه بعد الإنظار، فإنه يعجزه أي لا يقبل له بينة بعده، إلا في
[ ٣ / ٣٤٧ ]
هذه المسائل الخمسة، فإنه لا يعجزه بل إذا عجز بنفسه حكم عليه، ومتى أتى ببينة سمعت منه وهي: الدم، والحبس، والعتق، والنسب، والطلاق.
قوله: (وكتبه) أي وكتب القاضي التعجيز، وتكون الوثيقة في يد المحكوم له.
قال في المفيدة: حق على القاضي أن يكتب التعجيز، ويشهد عليه. وما قاله الشارح هنا غير ظاهر.
قوله: (وإن لم يجب حبس، وأدب ثم حكم بلا يمين. ولمدعى عليه السؤال عن السبب، وقبل نسيانه بلا يمين) أي وإن أبى المدعى عليه أن يجيب المدعي بإقرار أو إنكار، بل سكت أو قال: لا أخاصمك حبس حتى يجيب بإقرار أو إنكار، فإن لم ينفع فيه مجرد الحبس أدب بالضرب، فإن لم ينفع فيه ذلك حكم عليه القاضي بلا يمين من الطالب، وقيل: بيمين وهو الظاهر. انتهى.
قال أصبغ: إذا تكلم المدعي وأدعي بحجته، قال الحاكم للآخر: تكلم، فإن سكت أو قال: لا أخاصمه إليك، قال له القاضي: إما خاصمت، وإما أحلفت هذا المدعي على دعواه، وحكمت له؟ فإن تكلم نظر الحاكم في حجته، وإن لم يتكلم أحلف المدعي، وقضى له بحقه إن كان مما يستحق مع نكول المطلوب عن اليمين، وكانت الخلطة ثابتة والدعوى مشبهة عرفا، لأن نكوله عن التكلم نكول عن اليمين، وإن كان مما لا يثبت إلا بالبينة دعا بالبينة.
قال محمد بن عبد الحكم: إن قال: لا أقر ولا أنكر لم يترك حتى يقر أو ينكر، وإن أبي سجنه حتى يقر أو ينكر، وهي رواية أشهب، ابن رشد: والذي جرى به العمل إن تمادى على امتناعه حكم عليه بلا يمين. انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: ولمدعى عليه السؤال عن السبب، وهذا على القول أن المدعى عليه هو الذي يسأل المدعي عن سبب دعواه، إذ لعل المدعي يذكر سببا لا يوجب عليه شيئا، أو يوجب أقل مما ادعى، وقبل من المدعي دعواه نسيان السبب بلا يمين منه.
قوله: (وإن أنكر مطلوب المعاملة فالبينة: ثم لا تقبل بينة بالقضاء) أي وإن ادعى على رجل دينا فأنكر المدعى عليه المعاملة أصلا، فالبينة على المدعي، فإن أتى بها قضى له به، فإن أتى المدعى عليه ببينة بعد أن أنكر المعاملة أنه قضاه ذلك الدين، فإن بينته لا تقبل لأنه قد كذبها، لإنكاره المعاملة أولا، فالدعوى الصحيحة يمكن
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢٥٧.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
مدعيها من إقامة البينة وقد يمنع من إقامتها في وجوه منها: إذا استحلف المدعي المطلوب مع العلم ببينته الحاضرة، ثم أراد القيام بها لم يمكن من إقامتها على خلاف فيه.
ومنها: أن من ادعي عليه بدين من سلف، أو ادعي عليه بقراض، أو بوديعة، أو ببضاعة، أو رسالة، أو رهن، أو عارية، أو هبة، أو صدقة، أو حق من الحقوق، فجحد أن يكون عليه شيء من ذلك، فلما خاف أن تقوم عليه البينة بذلك أقر به، وادعى فيه وجها من الوجوه يريد إسقاط ذلك عن نفسه، لم ينفعه ذلك وإن قامت له البينة على ما زعم آخرا لأن جحوده أولا إكذاب لبينته فلا تسمع وإن كانوا عدولا، وكذا لو لم يقر بل لما جحد قامت عليه البينة، فإن أراد أن يقيم البينة بما يبرئه من ذلك لم تسمع بينته.
ومنها: لو أنكر الوكيل قبض الثمن، فقامت عليه البينة، فقال: تلف، أو رددته، لم تسمع دعواه ولا بينته لأنه كذبها.
ومنها من ثبت عليه حق بشاهد فقال للمدعي احلف مع شاهدك فقال: أخشى أن أحلف، وتدعي العدم فأشهد له بأنه موسر، فحلف المدعي، ثم ادعى المطلوب العدم وأقام بينة على ذلك لم تسمع، لأنه أكذبها.
ومنها: إذا حل القاضي بغير عمله، فأتاه قوم من أهل علمه يسألونه أن يسمع من بينتهم على رجل في علمه، فليس له ذلك لأنه ليس والي ذلك البلد، فليس له أن يسمع من بينة فيها، ولا ينظر في بينة أحد ولا يشهد عنده أحد إلا في بلده.
ومنها: قال ابن حبيب قال لي أصبغ لا ينبغي للقاضي إذا عزل الوصي لأمر كرهه منه، أو لعذر رآه فيه، أن يكتب له براءة مما جرى على يديه قبل ذلك، مما زعم أنه أنفقه عليه، وإن أتاه على ذلك بينة فلا يسمعها، حتى يبلغ اليتيم مبلغ الدفع عن نفسه، ولكن إن أخذ القاضي منه مالا لليتيم كان في يديه عند عزله إياه، كتب له براءة منه وأخذه منه.
ومنها: أن من ادعى على صغير أو سفيه بدين من معاملة أو بيع أو ابتياع له أو سلف، فلا يسمع الدعوى عليه، ولا يمكن من إقامة البينة. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^١).
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ١١٧. ١١٨.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
مسألة: وفي المفيدة: إذا انعقد بين شخصين أنه لم يبق بينهما دعوى ولا حجة ولا يمين ولا علقة بوجه من الوجوه كلها حديثها وقديمها، ثم قام أحدهما على صاحبه بحق قبل تاريخ الإشهاد المذكور، وثبت ببينة أنه يأخذه صاحبه به ولا يضره الإشهاد؛ لأن ظاهر الإشهاد لم يقصدا فيه إلى إسقاط البينة. قاله ابن عات. انتهى (^١). قوله: (بخلاف لا حق لك علي) أي وإن ادعى عليه دينا فقال له لا حق لك علي، فأثبت المدعي الحق، فأقام المدعى عليه بينة أنه قضاه ذلك الحق، فإن بينته تقبل لأنه لم يكذبها أولا.
قوله: (وكل دعوى لا تثبت إلا بعدلين فلا يمين بمجردها) إلى آخره وهذا ضابط مليح أي وكل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين عدلين فلا يمين بمجردها، مفهومه لو شهد عدل واحد ففيها اليمين، وهو بخلاف ما تقدم في باب النكاح في قوله: وإلا فلا يمين، ولو أقام المدعي شاهدا، والمفهوم موافق لصاحب لو هناك، والتعارض يكون بين نصين ومفهومين، وبين مفهوم ونص.
قوله: (ولا ترد) أي ولا ترد هذه اليمين.
ابن عبد السلام فإن قلت: قوله: لا ترد زيادة مستغنى عنها؛ لأن رد اليمين فرع عن توجيهها، فإذا لم تتوجه لم ترد؟ قلت: الرد الذي يستغنى عن نفيه بنفي التوجه وهو الذي يكون في جانب المدعى عليه، وقد يكون الرد من جانب المدعي إلى جانب المدعى عليه، كما إذا قام للمدعي شاهد في بعض هذه المسائل يعني كما قال بعد وحلف بشاهد في طلاق أو عتق. انتهى من ابن غازي (^٢).
قوله: (كنكاح) مثال لما لا يثبت إلا بشاهدين، كعتق وطلاق وولاء ونسب ورجعة وقتل عمد وشبه ذلك.
قوله: (وأمر بالصلح ذوي الفضل والرحم: كأن خشي تفاقم الأمر) أي وأمر القاضي الخصمان بالصلح، إذا كانا من ذوي الفضل، وإن ظهر وجه الحكم، وإن لم يخش تفاقم الأمر وإن لم يكونا من ذوي الرحم، وكذلك يأمر ذوي الرحم بالصلح وإن لم يكونا من أهل الفضل، وإن لم يخش تفاقم الأمر، وإن ظهر وجه الحكم، لأن
_________________
(١) مواهب الجليل للحطاب دون ذكر للمفيدة: ج: ٥، ص: ٢٣٢. بعد قول خليل: وإن أبرأ فلانا مما له قبله أو من كل حق أو أبرأه برئ مطلقا ومن القذف والسرقة ..
(٢) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ١٠٠٦.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
الصلح لا يثير العداوة كما يثيرها الحكم، وكذلك يأمر بالصلح إن خشي تفاقم الأمر أي تفاحشه وإن لم يكونا من أهل الفضل والرحم.
قوله: (ولا يحكم لمن لا يشهد له على المختار) أي ولا يحكم القاضي لمن لا يشهد له كوالده وولده وزوجه على ما اختاره اللخمي من الخلاف، مقابله يحكم لهم، لأن الحكم بالبينة، والبينة ظاهرة غير خفية.
قوله: (ونبذ حكم جائر، وجاهل لم يشاور) أي وإذا تولى القاضي نظر فيمن تقدم قبله فإن كان جائرا أي ظالما نبذ حكمه أي طرحه ولا يعمل به، كان ما حكم به صوابا أو غير صواب، لأنه لم يقصد الصواب، وكذلك ينبذ حكم جاهل بالأحكام إن لم يشاور العلماء، وإن وافق صوابا لأنه لا يعلمه فيقصده.
قوله: (وإلا تعقب، ومضى غير الجور أي وإن كان الجاهل يشاور العلماء، نظر في حكمه وما كان صوابا أمضاه وما كان غير صواب نبذه.
قوله: (ولا يتعقب حكم العدل العالم) أي ولا يتعقب القاضي الذي تولى حكم القاضي العالم العدل.
قوله: (ونقض - وبين السبب مطلقا - ما خالف قاطعا، أو جلي قياس) أي ونقض الحاكم العالم العدل حكمه أو حكم غيره، ما خالف قاطعا من كتاب أو سنة أو إجماع، أو خالف قياسا جليا وهو مفهوم الموافقة وهو أحرى، وقيل: ما اتفق فيه العلة ويبين السبب النقض لحق المحكوم له والشاهد فإن قلت: قد قال: ولا يتعقب حكم العدل العالم قلت: وقد يظهر بغير تعقب.
قوله: (كاستسعاء معتق، وشفعة جار، وحكم على عدو، أو بشهادة كافر، أوميراث ذي رحم، أو مولى أسفل، أو بعلم سبق مجلسه، أو جعل بتة واحدة، أو أنه قصد كذا فأخطأ ببينة، أو ظهر أنه قضى بعبدين، أو كافرين، أو صبيين، أو فاسقين) أي تشبيه لإفادة الحكم لا تمثيل كما توهمه بعضهم أي فإذا عتق شخص نصيبه من العبد، فحكم حاكم باستسعاء ذلك العبد ليعتق الباقي منه، فإنه ينقض هذا الحكم بل يبقى العبد معتق البعض، وكذلك ينقض حكم بشفعة جار، وكذلك ينقض الحكم على عداوة وقيل: لا ينقض، لأن البينة ظاهرة غير خفية، وكذلك ينقض الحكم بشهادة كافر قصدا وإن على كافر. وكذلك ينقض الحكم بتوريث ذي رحم كعمة وخالة، وكذلك إذا حكم بميراث مولى أسفل، وكذلك ينقض الحكم إذا حكم الحاكم بعلم سبق مجلس
[ ٣ / ٣٥١ ]
قضائه، سواء علم ذلك قبل ولايته أو فيها، وأما علمه بالمجلس بإقرار الخصم ثم أنكر، فإنه يحكم عليه بعد الإنكار لعلمه، وكذلك ينقض الحكم إذا حكم بجعل بتة طلقة واحدة، وكذلك ينقض الحكم إذا ثبت ببينة أنه قصد كذا فخطأ، وكذلك ينقض الحكم إذا شهد شاهدان عنده فحكم بهما، ثم ظهر أنهما عبدين، أو كافرين، أو صبيين، أو فاسقين، وليس بتكرار مع قوله: أو بشهادة كافر لأن تلك حكم بها قصدا، وهذه إنما ظهر بعد الحكم.
قوله: (كأحدهما؛ إلا بمال فلا يرد، إن حلف، وإلا أخذ منه، إن حلف) أي كما ينقض الحكم إذا ظهر أن أحد الشاهدين عبدا أو كافرا أو صبيا أو فاسقا، إلا أن يكون المحكوم فيه مالا، فلا يرد للمحكوم عليه ذلك المال إن حلف الطالب، وإن نكل أخذ منه إن حلف المطلوب.
قوله: (وحلف في القصاص خمسين مع عاصبه، وإن نكل ردت، وغرم شهود علموا؛ وإلا فعلى عاقلة الإمام) أي فإذا شهد شاهدان بالقتل فحكم القاضي بقتله قصاصا، ثم ظهر أن أحد الشهود عبدا، أو كافرا، أو صبيا، أو فاسقا، حلف مستحق الدم مع عاصبه خمسين يمينا، فإن نكل عن اليمين ردت الشهادة أي بطلت، ويغرم الشهود الدية إن علموا أن أحدهم عبد أو كافر أو صبي أو فاسق، وإن جهلوا الحكم، وإلا أي وإن لم يعلموا بذلك فالدية على عاقلة الإمام، لأنه الذي عليه التفتيش في الشهود.
القاعدة أن خطأ الإمام في الدماء على عاقلته، وخطؤه في الأموال هدر.
قوله: (وفي القطع حلف المقطوع أنها باطلة) أي وإن شهد الشهود على قطع عضو إنسان فقطعه الحاكم قصاصا، ثم ظهر أن أحد الشهود عبد أو كافر أو صبي أو فاسق، فإن الطالب يحلف مع شاهده، فإن نكل حلف المقطوع أن الشهادة باطلة، ويأخذ دية يده من الشهود إن علموا، وإن لم يعلموا فعاقلة الإمام، فإن نكل فلاشيء له. انتهى.
وفي مختصر الواضحة: وعلى القاضي إذا أقر بالجور أو ثبت عليه بالبينة العقوبة الموجعة، ويعزل، ويشهر به، ويفضح، ولا تجوز ولايته أبدا، ولا شهادته، وإن تاب وصلحت حاله، بما اجترم في حكم الله تعالى (^١).
ولو شهد عنده من ليس بعدل، والقاضي يعلم أنه شهد بحق، فلا يحل له أن
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٢٣١.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
يجيز الشهادة ولا يحكم بها. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^١).
قوله: (ونقضه هو فقط إن ظهر أن غيره أصوب، أو خرج عن رأيه، أو رأي مقلده) أي فلا ينقضه غيره وهذا يبين معنى قوله: مطلقا أي ونقض الحاكم المجتهد ما حكم به إن ظهر له بالإجتهاد أن غير ما حكم به أصوب ما دام في ولايته، وكذلك إن حكم بما خرج عن رأيه إن كان مجتهدا، أو خرج عن رأي مقلده، إن كان مقلدا والمقلد كالبعير يقاد لا يميل يمينا ولا شمالا. انتهى.
قال ابن الحاجب: فلو حكم قصدا فظهر أن غيره أصوب، فقال ابن القاسم: يفسخ الأول. وقال ابن الماجشون وسحنون: لا يجوز فسخه وصوبه الأئمة (^٢). يعني وصوبه أئمة المتأخرين قياسا على حكم غيره، ولأنه لو كان له نقض هذا لرأيه الثاني لكان له فسخ الثاني والثالث، ولا يقف على حد، ولا يثق أحد بما قضى له به، وذلك ضرر شديد، وقيل: إن كان القضاء بمال فسخه، وإن كان في ثبوت نكاح أو فسخه لم ينقضه. قال ابن رشد والمشهور هو الأول وهو الصواب، لأنه رجوع إلى الصواب. انتهى (^٣).
وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ ولو عزل القاضي ثم ولي، فأراد نقض قضاء كان قد قضي به في ولايته الأولى، والرجوع عنه إلى ما هو أحسن منه لم يجز ذلك له، إلا على ما يجوز له من نقض قضاء غيره قبله إن كان خطأ بينا لم يختلف فيه، أو أمرا شاذا مما اختلف فيه. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^٤).
قوله: (ورفع الخلاف، لا أحل حراما) وقال: «فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» النووي معنى ألحن أعلم وأبلغ في الحجة فأقضي له على نحو ما أسمع.
عياض فيه أن حكمه ﷺ إنما كان بحسب الظاهر وإن كان الباطن بخلافه، فقضى بالشاهد واليمين وبمعرفة العفاص والوكاء، ولو شاء الله سبحانه لأطلعه على ضمير الخصمين وحقيقة الأمر فيحكم بالقطع. وحكمة الله سبحانه في العدول عن
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٢١٢.
(٢) جامع الأمهات لابن الحاجب: ص: ٤٦٥.
(٣) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٦٣/ ٦٤.
(٤) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٦٤.
[ ٣ / ٣٥٣ ]
ذلك إلى الحكم بالظاهر، أنه تعالى كلف الأمة بالاقتداء به ﷺ في أقواله وأفعاله، ولو حكم مستندا إلى القطع لم يمكن الاقتداء به، لأن الإطلاع على ضمير الخصمين وحقيقة الأمر يكون من خصائصه ﷺ، ويحتج به أيضا من لا يجيز حكم الحاكم بعلمه، لقوله ﷺ: «على نحو ما أسمع»، ولم يقل: أعلم. إكمال الإكمال (^١). وفي المدارك والإخفاء بأن حكمة الله تعالى في منصب الحكم والقضاء، تحقيق الحق وإبطال الباطل بحكم الدلائل الظاهرة، وقطع المنازعة والمشاجرة، وحكمهم بذلك ماض وبواطن الأمور إلى الله تعالى. ومن خادع الله فإنما يخادع نفسه (^٢) أي فإذا حكم حاكم في نازلة فيها خلاف، فإن حكمه ذلك يرفع ذلك الخلاف ويصير كالمتفق عليه في تلك النازلة بعينها لا في أمثالها.
قوله: (لا أحل حراما) أي ولا يحل الحكم حراما بل يبقى على حاله، لأن الحكم على الظواهر، والله يتولى السرائر، لا خلاف عند أهل المذهب أنه لا فرق بين الأموال والفروج كما قطع به ابن رشد وابن عرفة وغيرهما. انتهى.
فحكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا على من علمه في باطن الأمر، لأن الحاكم إنما يحكم بما ظهر، وهو الذي يحكم به، ولا ينقل الباطن عند من علمه عما هو عليه من التحليل أو التحريم.
قال رسول الله ﷺ: «إنما أنا بشر مثلكم ولعلكم تختصمون إلي، فلعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار» (^٣). وهذا إجماع من أهل العلم في الأموال. واختلفوا في انعقاد النكاح أو حل عقده بظاهر ما يقضي به الحاكم وهو خلاف الباطن. فمذهب مالك والشافعي وجمهور أهل العلم،
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٢٦/ ٢٢٧.
(٢) ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ١، ص: ٤٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: (٩٧). كتاب الأحكام. (٢٠) - باب موعظة الإمام للخصوم. الحديث: ٦٧٤٨. وأخرجه مسلم في صحيحه: (٣٠) كتاب الأقضية (٣) - باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة. الحديث: ٤ (١٧١٣). ولفظه عند مسلم: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع منه فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار وأخرجه الشافيع في مسنده: كتاب إبطال الاستحسان، الحديث: ١٢٦٣.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
إلى أن الأموال والفروج في ذلك سواء، لأنها حقوق كلها تدخل تحت قوله: ﷺ «فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه» (^١)، وقال أبو يوسف وأبو حنيفة: إنما ذلك في أموال خاصة. انتهى من تبصر ابن فرحون (^٢).
والإخفاء بأن حكمة الله في منصب الحكم، والقضاء، تحقيق الحق وإبطال الباطل بحكم الدلائل الظاهرة، وقطع المنازعة والمشاجرة، وحكمهم بذلك ماض وبواطن الأمور إلى الله تعالى، ومن خادع الله فإنما يخادع نفسه، ومحال تغيير حكم البشر في الباطن حكم الله وحكمته. انتهى من المدارك (^٣).
قال القرافي وعز الدين: من أتى شيئا مختلفا فيه يعتقد تحريمه أنكر عليه لانتهاكه الحرمة، وإن اعتقد تحليله لم ينكر عليه، إلا أن يكون مدرك المحل ضعيفا ينتقض الحكم بمثله في الشرع. انتهى من العبدري (^٤).
قوله: (ونقل ملك، وفسخ عقد، وتقرر نكاح بلا ولي حكم) إلى آخره أي ونقل الأملاك حكم كبيع الحاكم ملك المديان، فإنه حكم ينقل الملك عنه، وخروجه من يده، وكذلك فسخ عقد من بيع أو إجارة حكم بلا اختلاف فيهما، وكذلك تقرر نكاح بلا ولي حكم ليس لقاض آخر نقضه.
اختلف أهل المذهب هل يكون تقرير الحاكم على الواقعة حكم بالواقع فيها؟ أم لا، كما إذا زوجت امرأة نفسها بغير إذن ولي، ورفع ذلك إلى قاض يراه جائزا، فأقره وأجازه ثم عزل قال ابن القاسم: ليس لغيره فسخه وإقراره عليه حكم واختاره ابن محرز وهو ظاهر المدونة.
قال عبد الملك: ليس بحكم ولغيره فسخه، وهذا بخلاف ما لو رفع إليه فقال: لا أجيز النكاح بغير ولي، من غير أن يحكم بفسخه. فهذه فتوى ولغيره الحكم في تلك الواقعة بما يراه. وكذلك إذا قال: لا أجيز الشاهد واليمين، فهو فتوى اتفاقا.
_________________
(١) أخرجه أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي في مسنده مسند أم سلمة زوج النبي ﷺ. الحديث: ٦٨٨١. وأخرجه أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي في شرح معاني الآثار الحديث: ٦١٤٣.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج، ص ٦٦
(٣) ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج، ص ٤٣
(٤) التاج والإكليل للمواق: ج، ص ٢٥٦
[ ٣ / ٣٥٥ ]
انتهى من ابن فرحون (^١).
قوله: (لا، لا أجيزه، أو أفتى) أي هذا ليس بحكم بلا خلاف.
الحكم والفتوى كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى، ويجب على السامع اعتقادهما، وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة. لكن الفتوى إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة، والحكم إخبار معناه الإنشاء والإلزام، وبيان ذلك بالتمثيل أن المفتي مع الله تعالى، كالمترجم مع القاضي ينقل ما وجده عن القاضي، واستفاده منه بإشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير أو ترك، والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم ينشيء الأحكام، والإلزام بين الخصوم، وليس بناقل ذلك عن مشتنيبه.
قال له أي شيء حكمت به على القواعد فقد جعلته حكمي. من أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي (^٢).
قوله: (ولم يتعد لمماثل) أي وإذا حكم حاكم مجتهد باجتهاده في نازلة لم ينعقد الحكم لمماثل النازلة، (بل إن تجدد) مثلها (ف) عليه (الاجتهاد)، لأن حكم القاضي إنما يتعلق بالجزئيات لا بالكليات.
قوله: (كفسخ برضع كبير، وتأبيد منكوحة عدة) وهذا مثال أي فإذا رفع إلى قاض أن أحد الزوجين رضع أم الآخر وهو كبير وفسخ القاضي نكاحهما، فالفسخ ثابت، لا ينقضه أحد، ولكنه إن تزوجها بعد ذلك فرفع أمرهما إلى غيره لم يمنعه ذلك الفسخ أن يجتهد ويبيحها له، إن أداه اجتهاده إلى أن رضاع الكبير لا ينشر الحرمة، وكذلك لو رفع إليه نفسه وتغير اجتهاده، إلى أن إرضاع الكبير لا ينشر الحرمة، فله أن يبيحها له.
وكذلك من تزوج امرأة في عدتها ورفع ذلك إلى قاض مالكي، فإنه يرى مع الفسخ تأبيد التحريم، ومع هذا فإن حكمه لا يتعدى الفسخ، فإن تزوجها بعد ذلك ورفع أمرهما إلى قاض آخر لا يرى تأبيد التحريم، لم يكن القضاء الأول مانعا من أن يبيحها له، ويكون الحكم في حق المرأتين في هذا الفرع والذي قبله، حكم امرأتين لم يتقدم عليهما حكم. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^٣).
_________________
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٧٨.
(٢) أنوار البروق للقرافي: ج ٤، ص: ١٢٠، ١٢١، ١٢٢.
(٣) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٨٠.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
قوله: (وهي كغيرها) أي وهذه المرأة فهي كغيرها (في المستقبل) من الزمان.
قوله: (ولا يدعو لصلح، إن ظهر وجهه) أي ولا يدعو القاضي الخصمين إلى الصلح إن ظهر وجه الحكم لأن فيه إبطال حق من له الحق، وهذا كله في غير من تقدم ذكره، وهو ذو الفضل والرحم، أو لم يخش تفاقم الأمر، مفهومه أنه يدعوا إلى الصلح إذا لم يظهر وجه الحكم، والمفهوم صحيح، ولكن لا يجبر على الصلح، وقيل يجبرهما عليه لأنه من باب الأمر بالمعروف.
قوله: (ولا يستند لعلمه) أي ولا يستند القاضي في حكمه لعلمه، يريد في الأموال وأما التعازير وشبهها، فإنه يحكم بعلمه وما قاله أبو الحسن هنا غفلة منه.
قال المازري: ومن الحكمة والمصلحة منع القاضي الحكم بعلمه، لأنه قد يكون غير عدل، فيقول علمت فيما لم يعلم. انتهى.
والحاكم غير معصوم فيتهم بالقضاء بعلمه، فلعل المحكوم له ولي، أو المحكوم عليه صديق ولا نعلم نحن ذلك، فحسمنا المادة صونا لمنصب القضاء عن التهم. من كتاب أنوار البروق (^١).
والقضاء يكون بحسب المسموع لا بحسب المعلوم انتهى منه (^٢).
وعلى هذا إذا قال: ثبت عندي كذا فلا يقبل إلا ببينة، ولو شهد عنده من ليس بعدل وهو يعلم أنه شهد بحق، فلا يحل له أن يجيز الشهادة ولا أن يحكم بها.
قوله: (إلا في التعديل والجرح) أي ولا يستند القاضي بعلمه إلا في التعديل والجرح، فإنه يستند لعلمه فيهما نفيا للتسلسل، لأنه يحتاج إلى بينة تشهد بالتعديل والجرح، وتحتاج البينة إلى بينة إلا أن يقبل بعلمه ويقبل قوله: لئلا تفوت المصالح المرتبة على الولاية للأحكام أي فإذا علم عدالة إنسان عمل بها، وكذلك جرحه إنما يسأل عن المجهول.
قوله: (كالشهرة بذلك) أي كما يستند بعلمه في الشهرة بالعدالة، والشهرة بالجرح، فإذا اشتهر رجل بالعدالة يستند عليه وإن جهل عينه، وكذلك مشتهر بالفسخ، فإنه يستند على ذلك فلا يحكم بشهادته ولا يسأل عنه.
قوله: (أو إقرار الخصم بالعدالة) أي وكذلك يستند القاضي على إقرار وقول
_________________
(١) أنوار البروق للقرافي: ج: ٤، ص: ١٠٦. الفرق الثالث والعشرون والمائتان.
(٢) أنوار البروق للقرافي: ج: ٤، ص: ٤٤، الفرق الثالث والعشرون والمائتان.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
الخصم بعدالة من شهد عليه، وهذا إذا أقر بعدالته بعد أن أدى الشهادة وأما قبل الشهادة ففيه نظر، لأن المشهود عليه قد يقول كنت أعرفه عدلا والآن ظهر لي حاله وهذا هو الظاهر وإن قيل ما قيل. انتهى.
وفي المتيطية قال أبو عمر في كافيه: وإن شهد عند القاضي شهود لا يعرفهم، فاعترف المشهود عليه بعدالتهم جاز للقاضي أن يقضي بهم (^١) عليه فإذا لم يكذبهم ولا يقضي بهم على غيره إلا أن يعرف عدالتهم.
وقال أصبغ: إذا رضي الخصمان بشهادة من لا يعرف القاضي عدالته ولا جرحته، لم يحكم بها.
فرع: قال ابن القاسم: وإذا رضي المسلمان بشهادة المسخوطين فيما بينهما لزمهما، وليس لهما الرجوع عنه، كما لو رضيا بغير شهادة. ولو رفعا ذلك إلى الحاكم لم يحكم عليهما بشهادتهما. انتهى من ابن فرحون (^٢).
قوله: (وإن أنكر محكوم عليه إقراره بعده لم يفده) أي وإن أنكر المحكوم عليه إقراره بالحق بعد الحكم عليه لم يفده إنكاره ذلك شيئا بل مضى الحكم لأنه نسب الجور إلى القاضي إذ كأنه قال: حكمت علي بغير إقرار مني وأما إن أنكر الاقرار قبل الحكم فإنه يفيد ويكون القاضي شاهدا.
قوله: (وإن شهدا بحكم نسيه أو أنكره أمضاه) أي وإن شهد الحكم شاهدان على حكم حاكم وادعى الحاكم نسيانه أو أنكره وقال لم أحكم، فإنه يمضي ذلك الحكم بشهادة الشاهدين ولا يعتمد على نسيانه وإنكاره.
قوله: (وأنهى لغيره بمشافهة إن كان كل بولايته) أي وبلغ القاضي حكمه لغيره من القضاة بمشافهة معه لا بإرسال، إن كان كل من القاضيين في ولايته، ويشتمل على ثلاث صور:
إحداهما: إذا كان المبلغ في ناحية من البلد، والآخر في ناحية من ذلك البلد.
الثانية: أن يكونا في بلدين متلاصقين، فيأتي هذا إلى آخر عمله، فيبلغه ذلك مشافهة.
الثالثة: إذا كانا في بلد واحد، وكل منهما يحكم فيه على الإطلاق، ولم يقيد
_________________
(١) ن: فيهم.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٢٣.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
بناحية ولا نوع من الأحكام. ومعنى إن كان كل في ولايته أن كل من خرج عن ولايته منهما فلا عبرة بقوله، لأنه معزول بخروجه عنه. الولاية بالكسر الإمارة وبالفتح النصر والإنهاء التبليغ.
قوله: (وبشاهدين مطلقا) أي وأنهى الحاكم لغيره من الحكام بشاهدين سواء كان ذلك الحكم الذي بلغه إليه مما يثبت بشاهدين، أو بشاهد ويمين، أو بشاهد وامرأتان أو ما لا يثبت إلا بأربعة شهود.
قوله: (واعتمد عليهما، وإن خالفا كتابه) أي واعتمد القاضي الثاني على شهادة الشاهدين وإن خالف ما شهد به الكتاب الذي كتبه إليه معهما لاحتمال التزوير ولكن إذا وافقت شهادتهما الدعوى.
قوله: (وندب ختمه) أي وندب للقاضي ختم الكتاب الذي يكتب به الى آخر أنه حكم بكذا. انتهى.
قوله: (ولم يفد وحده) أي ولم يفد الكتاب وحده ولا الختم وحده، وهذا في الزمان الأول، وأما هذا الزمان العمل على قبول كتب القضاة في الأحكام والحقوق بمجرد معرفة خط القاضي. انتهى.
قال ابن عاصم (^١):
والعمل اليوم على قبول ما … خاطبه قاض بمثل اعلما
قال ابن القاسم وابن الماجشون: ولا بد من شهود بأن هذا الكتاب كتاب فلان القاضي. وزاد أشهب: ويشهدون أنه اشهدهم عليه.
وقال ابن نافع عن مالك: كان من الأمر القديم إجازة الخواتم حتى إن كان القاضي ليكتب للرجل بالكتاب إلى القاضي، فما يزيد على ختمه فيجاز له، حتى أحدث عند اتهام الناس الشهادة على خاتم القاضي: أنه خاتمه.
قال ابن كنانة: كان إذا جاء كتاب من قاضي مكة إلى قاضي المدينة أنفذه بغير
_________________
(١) محمد بن محمد بن محمد أبو بكر ابن عاصم القيسي الغرناطي: قاض، من فقهاء المالكية بالأندلس. كان مولده سنة: ٧٦٠ هـ. بغرناطة ووفاته بها سنة: ٨٢٩ هـ .. كان يجلد الكتب في صباه، وتقدم حتى ولي قضاء القضاة ببلده. له كتب منها: تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام وهي أرجوزة في الفقه المالكي تعرف بالعاصمية، شرحها جماعة من العلماء، وحدائق الأزاهر في مستحسن الأجوبة والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر. الأعلام للزركلي: ج ٧، ص: ٤٥.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
بينة، ثم نظر أهل العلم في ذلك، فخافوا أن تملك الأموال وتستحل الفروج بغير بينة، فألزموا الناس البينة على الكتب التي تأتي من كورة إلى كورة. انتهى من الجواهر (^١).
قوله: (وأديا، وإن عند غيره) أي وأديا الشاهدان شهادتهما عند المكتوب إليه إن كان في ولايته، وإن عزل أو مات فليؤديانها عند غيره.
قوله: (وأفاد، إن أشهدهما) أي يعمل بما في الكتاب إذا كتبه، وأشهدهما (أن ما فيه) أي في الكتاب (كالإقران) وإن لم يعلموا ما في الكتاب.
قوله: (كالإقرار) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يفيد إذا كتب كتابا ودفعه لرجلين، وقال اشهدا علي بما فيه لفلان، وأنا عالم به، فإن ذلك يكون إقرارا.
قوله: (وميز فيه ما يتميز به من اسم وحرفة وغيرهما فنفذه الثاني، وبنى) أي وميز القاضي الكاتب إلى غيره من القضاة في الكتاب مما يتميز به المحكوم عليه من اسم فيقول: فلان بن فلان، وحرفته كصباغ أو نجار مثلا أو غيرهما كطول وقصر وغلظ ورقة وبياض وسواد، فإن أتى الكتاب إلى الثاني نفذه وجوبا أي يعمل بما فيه إن استوفى القاضي الأول الحكم، وإن لم يستوفه بنى على ما فعل منه كما إذا شهد عنده شاهدان فلانا وفلانا، فطلب تزكيتهما، فإنه يبني على ذلك ويستوفيه.
قوله: (كأن نقل لخطة أخرى) التشبيه بينهما في البناء، كصاحب شرطة مثلا نظر في مسألة ولم يستوفها حتى نقل إلى خطة القضاء (^٢) فإنه يبني على ما تقدم. انتهى.
قال ابن سهل: فسألت ابن عتاب عن حاكم من صاحب شرطة أو غيره، يرتفع إلى خطة القضاء، هل يستأنف النظر فيما وقع بين يديه من الأحكام ولم يكملها؟ أو يصل نظره فيها، ويكمل على ما مضى له؟ قال: يبني على ما مضى. انتهى من ابن (^٣) غازي
قوله: (وإن حدا) أي فنفذ الثاني الحكم، وإن كان ذلك الحكم حدا. لو قال الشيخ: ولو زنى ليشير إلى الخلاف فيه (إن كان أهلا) أي إنما ينفذ القاضي المكتوب إليه كتاب الكاتب إليه، إذا كان يعرف كتاب الكاتب إليه ويعلم أنه أهل للقضاء بأن
_________________
(١) عقد الجواهر لابن شاس: ج ٣، ص: ١٠٢٦.
(٢) ن: القضا.
(٣) شفاء الغليل لابن غازي: ج ٢، ص: ١٠١٦.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
يكون عالما عادلا، (أو) يكون (قاضي مصر) من الأمصار، إذ قضاة الأمصار محمولون على الخير.
قوله: (وإلا فلا) أي وإن لم يكن أهلا للقضاء، أو قاضي مصر فلا ينفذه.
قوله: (كأن شاركه غيره، وإن ميتا) تشبيه أي كما لا ينفذ كتابه إذا شارك المحكوم عليه غيره في الاسم والصفة، وإن كان المشارك له في الاسم والصفة ميتا، إذا كان موته عن قرب، وأما إن كان موته عن بعد فيعلم أن الميت ليس بمراد، فإنه ينفذه.
قوله: (وإن لم يميز ففي إعدائه أو لا حتى يثبت أحديته قولان) أي وإن لم يميز القاضي المحكوم عليه باسمه وصفته وصنعته، ففي إعداء المحكوم عليه أي ففي إعانته الأعداء لاستعانة، ويقال: استعديت الأمير قاعدا أي استعنته فأعانني أي وفي إعانة المحكوم عليه حتى يثبت أن له شريك في الاسم والصفة فلا يعان حينئذ وهذا قول، والقول الآخر لا يعان حتى يثبت أحديته بالاسم والصفة فيعان في ذلك قولان.
قوله: (والقريب كالحاضر، والبعيد كإفريقية يقضى عليه بيمين القضاء، وسمى الشهود، وإلا نقض، والعشرة أو اليومان مع الخوف، يقضى عليه معها في غير استحقاق العقار) أي والقريب الغيبة كالحاضر يحكم عليه بعد الإعذار.
وفي إكمال الإكمال المتيطي: أول ما ينظر في الحكم على الغائب، أن يكلف الطالب إثبات حقه وإثبات غيبة المطلوب، وأين محله في غيبته، ليعلم أقريب هو أم بعيد.
وقال: وإذا أراد القاضي بيعه فلا بد أن يكلف الطالب إثبات ملك الغائب لما يريد بيعه عليه، ثم يحلفه أنه لم يقبض شيئا من حقه ولا أسقطه ولا أحيل به، وأنه لباق عليه إلى الآن.
ويجب على القاضي التأني التثبت وترك العجلة ما استطاع، حتى لا يبقى إشكال ولا سبب اعتراض، وحينئذ يوجه الحكم.
والغائب على حجته إذا قدم.
واختلف العلماء في هذه اليمين هل هي احتياط للغائب؟ أو واجبة لا يصح الحكم إلا بها، لأن القاضي يبرم القضية ويقول في حكمه: أو جبت على فلان
[ ٣ / ٣٦١ ]
الغائب هذا الحق. انتهى منه (^١).
قال ابن رشد الحكم على الغائب في مذهب مالك على ثلاثة أقسام:
أحدها: غائب قريب الغيبة على مسيرة اليوم واليومين والثالثة، فهذا يكتب إليه ويعذر إليه في كل حق، فإما وكل، وإما قدم، فإن لم يفعل حكم عليه في الدين، وبيع عليه ماله من الأصل وغيره، وفي استحقاق العروض والحيوان والأصول وجميع الأشياء، من الطلاق والعتق وغير ذلك، ولم ترج له حجة في شيء من ذلك. والثاني: غائب بعيد الغيبة على مسيرة عشرة أيام وشبهها، فهذا يحكم عليه فيما عدا الاستحقاق في الرباع والأصول من الديون والحيوان والعروض، وترجى له الحجة في ذلك.
والثالث: غائب منقطع الغيبة، مثل مكة من افريقية، والمدينة من الأندلس وخراسان، فهذا يحكم عليه في كل شيء من الديون والحيوان والعروض والرباع والأصول وترجى له الحجة في ذلك.
قال ابن سهل وإرجاء الحجة للغائب فيما يحكم به عليه أصل معلوم به عند الحكام والقضاة ولا ينبغي العدول عنه ولا الحكم بغيره، إذ هو كالإجماع في المذهب. وذكر عن سحنون أنه لا ترجى له الحجة. وهو ضعيف. انتهى من تبصرة ابن فرحون (^٢).
وقد استوفى المصنف ﵀ هذه الأقسام الثلاثة فقال: والقريب كالحاضر يحكم عليه بعد الإعذار في كل شيء، عقارا كان أو غيره، والبعيد الغيبة غيبته بعيدة كإفريقية من المدينة، قضى عليه في كل شيء كان عقارا أو غيره بغير إعذار بيمين القضاء، وظاهره وجوب اليمين، وهو على حجته، ويسمي الحاكم الشهود الذين حكم بشهادتهم على الغائب ليكون على حجته، إذ لعله يقدح في الشهود، بأنهم لا يشهدون عليه أولا يشهدون للمحكوم له.
وإلا نقض أي وإن لم يسم الحاكم الشهود نقض ذلك الحكم، والبعيد الغيبة غيبة متوسطة كالعشرة الأيام ونحوها، أو يومان مع الخوف، لأن الخوف يصير مسافة اليومين كالعشرة، يقضي عليه مع يمين القضاء في كل شيء غير استحقاق
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٣٣.
(٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٧٦/ ٧٧.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
العقار، فإنه لا يحكم عليه فيه إلا بعد الإعذار.
قوله: (وحكم بما يتميز غائبا بالصفة كدين) لما فرغ من الحكم على الغائب شرع في الحكم على الغائب بالصفة أي وحكم الحاكم بشيء يتميز في حال كونه غائبا بالصفة.
قوله: كدين تشبيه أتى به استدلالا، كأنه قال ألا ترى أن يحكم به بالصفة.
قوله: (وجلب الخصم بخاتم، أو رسول) أي وجلب الطالب خصمه بخاتم القاضي أو رسوله أو كتابه (إن كان) الخصم (على مسافة العدوى)، والعدوى المعونة، وفسروه بما يذهب ويروح إلى منزله في يومه، وحجب الإجابة على المطلوب وإن كان عليه فيه ضرر، لارتكاب أخف الضررين، ولأنه لا يتم مصالح الأحكام وإنصاف المظلومين إلا بذلك، وأجرة الرسول على الطالب إن لم يلد المطلوب وإن لد فالأجرة عليه قال ابن عاصم:
وأجرة العون على الطالب الحق … أو من سواه إن ألد مستحق
قوله: (لا أكثر: كستين ميلا، إلا بشاهد) أي لا يجلبه في أكثر من مسافة العدوى كستين ميلا، إلا أن تكون الدعوى بشاهد فتجب الإجابة عليه.
قوله: (ولا يزوج امرأة) أي وقد تقدم في باب النكاح أن الحاكم يكون وليا، فإن كان وليا فلا يزوج امرأة (ليست بولايته) وإن كانت في ولايته قبل ذلك، وإن كانت في ولايته، فإنه يزوجها وإن كانت قبل في غير ولايته وفسره البساطي في المسافر.
قوله: (وهل يدعى حيث المدعى عليه) أي وهل يطلب الحق حيث المدعى عليه (وبه عمل) في المدونة، وبه حكم ابن بشير في الأندلس، (أو) يطلب حيث (المدعى؟ وأقيم منها) أي وأقيم هذا القول من المدونة.
الحاصل: أن في المسألة خمسة أقوال وذكر الشيخ منها قولين، وقيل: حيث الشهود، وقيل: حيث أعدل القضاة، وقيل: حيث المدعى فيه، وهو ظاهر كتاب القسمة.
قوله: (وفي تمكين الدعوى لغائب) أي وفي تمكين المحتسب في الدعوى (بلا وكالة) صونا للأموال أقوال، كما إذا استولى على غائب، أو عمل عيبا في داره، أو أرضه، وعدم تمكينه، لأنه ليس بوكيل ولا مالك (تردد) لو قال قولان، لأنه الأليق باصطلاحه.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
الحاصل أن في المسألة خمسة أقوال: يمكن القريب دون غيره، وقيل: إن قامت بينة يمكن، وقيل: يمكن فيما يخشى تغيره.
غفل الشارح في هذه المسألة في المتوسط وبينه في الصغير.
[ ٣ / ٣٦٤ ]