بسم الله الرحمن الرحيم (^١)
قال الشيخ الفقيه الجليل النبيل الإمام الصالح الأعلم العدل المحقق أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن شمس الدين بن محمد بن إبراهيم بن الحاج عثمان بن محمد بن البان الواداني، الشهير بالحاجي ﵁:
الحمد لله (^٢) الذي لا يستفتح له وجود، الحكيم الذي لا يستفتح منه وجود،
_________________
(١) قوله «بسم الله الرحمن الرحيم» أي أبدء امتثالا لقوله ﷺ «كل امرئ ذي بال لا يبتدأ فيه بـ بسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع» وفي رواية أبتر، وفي رواية أجذم، والمعني على كل أنه ناقص وقليل البركة وتصدير النبي ﷺ كتبه بها مشهور في الصحيحين وغيرهما، انظر تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، ص: ٢٥، ورفع الأستار عن محيا مخدرات طلعة الأنوار: ص: ١٠، ونزهة النظر شرح نخبة الفكر لابن حجر العسقلاني، ص: ١٧.
(٢) (الحمد لله) الحمد لغة الوصف بالثناء على الجميل الاختياري سواء كان في مقابلة نعمة أم لا وسواء تعلق بالفضائل أي الصفات التي لا يتعدى أثرها للغير كالحسن أم بالفواضل أي التي يتعدي أثرها للغير كالشجاعة والإنعام و(الله) هو علم على الذات الواجب الوجود أي لذاته الموصوف بجميع صفات الكمال ولم يسم به سواه قال تعالي: ﴿هل تعلم له سميا﴾ أي هل تعلم أحدا تسمي الله غير الله، وهو عربي عند الأكثر، وقيل معرب وأصله بالسريانية وقيل بالعبرانية لاها فعرب بحذف ألفه الأخيرة وإدخال أل، وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا واختار الإمام النووي تبعا لجماعة أنه الحي القيوم قال ولهذا لم يذكر في القرآن إلا في ثلاث مواضع في البقرة وآل عمران وطه، واعترض عليه بأن القلة لو كانت علة الأعظمية لكان اسمه المهيمن أولي بها لأنه لم يذكر إلا مرة واحدة، وفيه بحث ينظر في مظانه، واسم الجلالة هو أعرف المعارف على الإطلاق، وقوله (الحمد لله) قال ﷺ «كل أمر ذي بال لا يبتدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع، وفي رواية كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» (أخرجه أبو داوود في السنن، حديث ٤٨٤٠) وقال ﷺ «الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لا يحمده»، وعن النواس بن سمعان قال سرقت ناقة رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «لئن ردها الله علي لأشكرن ربي فردت فقال: «الحمد لله»، وعن ابن عمير قال: قال النبي ﷺ «إذا قلت الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك»، وعن ابن عباس قال: الحمد لله هو الشكر لله، وفي صحيح مسلم مرفوعا الحمد لله تملأ الميزان، وأخرج الترمذي من حديث جابر أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله» وروى النسائي مرفوعا: إن ربك يحب الحمد، وقال النووي يستحب الحمد في افتتاح الكتب المصنفة، تدريب الراوي، ص: ٢٦ - ٢٧، ونزهة النظر، ص: ١٧، ورفع الأستار، ص ١٠ وأجمع القراء السبعة وجمهور من العلماء على رفع الدال من الحمد (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ١٣٥) والحمد بالرفع أمكن في المعني لأنها تدل على ثبوت الحمد واستقراره لله. وروى عن سفيان بن عينية ورؤية بن الحجاج: الحمد بنصب الدال وذلك على إضمار، فعل (الجامع لأحكام القرآن =
[ ١ / ٧٥ ]
العظيم الذي لم يلده والد فيرثه مولود، الكريم الذي لا يضارعه معبود، القاهر لا بأعوان وأنصار، الفاطر لا بخواطر وأفكار، الدائم لا بزمان ومقدار، الله اسم تفرد به الله تعالى فهو اسم له خاص، الرحمن الرحيم صفتان مشتقتان من الرحمة والرحمن: صفة ممنوعة من الخلق لما فيها من المبالغة والدلالة على عموم الرحمة، ولذلك قال بعض المفسرين (^١) معنى الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء (^٢).
وقال بعضهم: الرحمن لجميع الخلق خلقه في الدنيا، والرحيم في الآخرة للمؤمنين خاصة (^٣) رحم المؤمن بالإيمان ونعائم الجنة، ورحم المنافق بترك القتل فيهم، ورحم الكافر بعدم تعجيل العذاب، ويدفع ما هو أعظم مما هو عذبهم به في النار، وهو قادر على ما هو أعظم والرحيم بالمؤمنين خاصة في الآخرة، وكرر فيها لفظ الرحمة لمعنى التأكيد.
وقيل: ليدل التكرار على أنه لم يتسم أحد بالرحمن الرحيم غير الله، ولما في الرحمن من العموم قدم في كلامنا على الرحيم مع موافقة التنزيل، وهي آية من القرآن العظيم في سورة النمل (^٤)، وأما اشتقاقها الباء بهاء الله، والسين سنا الله، والميم ملك الله ومجده، ويبتدئون بها تبركا، ووقع اسم الله الأعظم في القرآن في ألفي موضع وثلاث مائة وثلاثين، وقيل خمسمائة، وقيل يبتدئون بالبسملة اقتداء بالمصحف الكريم، وقيل لقول النبي ﷺ: «كل أمر ذي بال لم يبدأ ببسم الله فهو أجذم» (^٥) أي ناقص، وقيل لأنه إذا قرء على شيء وقي وبورك فيه.
_________________
(١) = للقرطبي ١/ ١٣٥) وقد ورد في الخبر (أن آدم ﵇ حين عطس قال الحمد لله) وصارت كلمة كل مؤمن يشكر ربه وجرت كلمة (الحمد لله) على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اقتداء بأبيهم آدم ﷺ فهم أولي الناس بشكر ربهم.
(٢) هو أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي النيسابوري.
(٣) انظر: الكشف والبيان. تأليف: أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري: ج ١، ص: ٩٩ ط ١: ٢٠٠٢ م. تحقيق الإمام أبي محمد بن عاشور دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.
(٤) هذا مضمون ما ذكره القرطبي في تفسيره للآية: ١ من سورة الفاتحة.
(٥) سورة النمل الآية: ٣٠.
(٦) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير، ولفظه: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع أو أجذم». ج ١٩، ص: ٧٢، الحديث: ١٤١، ط ٢: ١٩٨٣. عن عبد الله ابن كعب عن أبيه عن النبي ﷺ. تحقيق: حمد بن عبد الحميد السلفي. مكتبة العلوم والحكم. الموصل.
[ ١ / ٧٦ ]
واختلف هل هي آية في الفاتحة أم لا. ومعنى «ﷺ»: «اللهم صل على محمد النبي» بمعنى الدعاء.
وقال أبو بكر القشيري (^١): الصلاة من الله تعالى لمن دون النبي رحمة، وللنبي ﷺ تشريف وزيادة تكرمة.
وقال أبو العالية (^٢): صلاة الله عليه ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. انتهى.
وفي معنى السلام عليه ﷺ ثلاثة أوجه أحدها السلامة لك ومعك، وتكون السلامة مصدرا كاللذاذ واللذاذة. والثاني السلام على حفظك ورعايتك متأول له ويكون هناك السلام اسم الله تعالى والثالث أن السلام بمعنى المسالمة والانقياد كما قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ [النساء: ٦٥] انتهى من الشفا (^٣).
الحمد لله هو الثناء على المحمود بماله من صفات الكمال. عن خالد بن معدان (^٤) قال: إنه ليشكر للعبد إذا قال: الحمد لله على أمر وإن كان على فرش وطيئة وعنده شابة حسناء (^٥)، وما من نعمة إلا والحمد لله أعظم منها.
_________________
(١) أبو بكر القشيري: بكر بن محمد بن العلاء القشيري المالكي أبو الفضل فقيه أصولي ناقد، من مؤلفاته: الرد على القدرية، وكتاب الأحكام، وأحكام القرآن. معجم المؤلفين تأليف: عمر رضا كحالة: ج ٣، ص ٧٤.
(٢) أبو العالية: رفيع بن مهران الرياحي البصري تابعي أسلم زمان الخليفة أبي بكر الصديق، سمع من عمر وعلي وغيرهما حفظ القرآن وقرأه على أبي بن كعب له تفسير، قال أبو خلدة: مات سنة: ٩٠ هـ وقال البخاري: مات سنة ٩٣ هـ. سير أعلام النبلاء للذهبي: ج ٧، ص: ٢٣١، الترجمة: ٧٥.
(٣) كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى تأليف: القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي المغربي. ص: ٣٧١، ط ١: ٢٠٠٣ م. تحقيق ودراسة وتوثيق: د. عبد السلام البكاري. دار الفكر للطباعة والنشر.
(٤) هو خالد بن معدان بن أبي بكر أبو عبد الله الكلاعي الحمصي. روى عن ثوبان وأبي أمامة الباهلي ومعاوية وأبي هريرة وغيرهم وروى عنه حسان بن عطية وغيره. وهو معدود من أئمة الفقه. وثقه ابن سعد والعجلي وغيرهما. قال ابن سعد: مات سنة ١٠٣ هـ وقال عفير: مات سنة: ١٠٤ هـ وروى يحيى أنه مات سنة ١٠٥ هـ. سير أعلام النبلاء للذهبي: ج ٤، ص: ٥٣٦، الترجمة: ٢١٦.
(٥) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. تأليف: أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ط ٤: ١٤٠٥ هـ، ج ٥، ص: ٢١١ دار الكتاب العربي بيروت.
[ ١ / ٧٧ ]
عن أبي جعفر (^١) قال: كان رسول الله ﷺ إذا شرب الماء قال: «الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته ولم يجعله لي ملحا أجاجا بذنوبنا (^٢)». انتهى.
فمن حمد الله ﷾ مستحضرا معنى الحمد امتلأ ميزانه من الحسنات المعنى أنها لو كانت أجساما لملأته وسبحان الله والحمد لله ملء ثوابها مابين السماء والأرض، والمستعين بالله الكريم.
قال الشيخ ﵀ بمنه وفضله: (يقول) العبد (الفقير)، أي المحتاج (المضطر)، والمضطر أخص من الفقير، إذ قد يكون فقيرا، ولا يكون مضطرا.
وقوله: (لرحمة ربه) أي الفقير المضطر إلى رحمة ربه، (المنكسر خاطره لقلة العمل والتقوى)، وهذا أخص مما قبله وانكساره تأسفه وحزنه على ما فاته من العمل والتقوى.
والتقوى لغة: قلة الكلام، والحاجز بين الشيئين، وفي الاصطلاح: امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وقال الشيخ ذلك هضما لنفسه، وعمله وتقواه، ودينه مشهور، وهو من أهل المكاشفة حكي أنه مر بشواء يبيع الميتة، فزجره عن ذلك، فتاب الشواء على يديه حمدالله من رضي بدون قدره رفعه الله فوق قدره. الخاطر: ما يضمر في نفس العبد، والعبد: هو الإنسان حرا كان أو عبدا، (خليل بن إسحاق بن موسى المالكي)، ومن قال ابن يعقوب فقد غلط، المعروف بابن الجندي، توفي عشية يوم الخميس، ثالث عشر من ربيع الأول، ودفن يوم الجمعة، الرابع عشر، وصلى عليه ولي الدين البلوي (^٣).
ودفن مع شيخه (^٤) المنوفي (^٥)، بعد صلاة الجمعة، سنة ست وسبعين وسبع
_________________
(١) أبو جعفر محمد بن على بن الحسن بن علي بن أبي طالب ولد سنة: ٥٦ هـ وروى عن الحسن والحسين وابن عباس وغيرهم ﵃، وحدث عنه عطاء بن أبي رباح وغيره وعرف بالباقر. مات ١١٤ هـ وقيل: ١١٧ هـ، ج ٧، ص: ٤٥٢، الترجمة: ١٥٨.
(٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: ج ٨، ص: ١٣٧. وفيض القدير شرح الجامع الصغير. تأليف: عبد الرؤوف المناوي: ج ٥، ص: ١٤٤، ط ١: ١٣٥٦. المكتبة التجارية الكبرى مصر.
(٣) ولي الدين البلوي لم أطلع على ترجمته بعد.
(٤) أبو محمد عبد الله المنوفي
(٥) المنوفي: أبو محمد عبد الله بن محمد المنوفي المالكي الإمام الفقيه، أخذ عن الزواوي وابن الحاج صاحب المدخل وغيرهما. وأخذ عنه خليل ابن إسحاق وغيره. كان مولده سنة: ٦٨٦ هـ =
[ ١ / ٧٨ ]
مائة. وفيها توفي ابن معطي العبدوسي (^١).
عرف الشيخ بنفسه ﵀ لأن صاحب التأليف، إنما يكون معروفا أهلا للتأليف ونظر العلماء في تأليفه وطالعوه فوجدوه صحيحا، وأما غير هاذين فلا اعتماد عليه، ونسب ﵀ نفسه لمذهب مالك ﵀ لا للشافعي، ولا للحنبلي، ولا للحنفي ﵏.
قوله: (الحمد لله) أي يقول الفقير المضطر لرحمة الله، الحمد لله، والحمد إنما هو لله حقيقة ولغيره مجازا.
قوله: (حمدا) أي احمده حمدا (يوافي) أي يقابل ويلاقي (ما تزايد من النعم) حمد الله على ما تزايد من النعم، أحرى ما قد حصل.
النعمة كل ما ينتفع به الإنسان مما هو موافق للسنة، وما لم يكن موافقا لها فهو إملاء واستدراج قال تعالى: ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ [آل عمران: ١٧٨] وقال: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ [الأعراف: ١٨٢].
وقال بعضهم: كم مغرور بالإمهال وكم مخدوع بالستر.
وقال ﷺ: «إذا رأيت ربك يوالي عليك النعم فاحذره».
وذكر ابن العربي (^٢) في القانون عن أنس بن مالك (^٣) أن النبي ﷺ قال: «ما من شيء أحب إلى الله من الحمد وأبلغ، الحمد لله على كل حال» (^٤).
_________________
(١) =ومات في رمضان سنة: ٧٤٩ هـ. انظر كفاية المحتاج تأليف: أحمد بابا التنبكتي: ج ١، ص: ١٦٥ طـ ١: ٢٠٠٤، الترجمة: ٢٠٢.
(٢) هو أبو عمران موسى بن محمد بن معطي الفاسي الشهير بالعبدوسي، أخذ عن عبد العزيز القروي، وعن أبي زيد عبد الرحمن بن عفان الجزولي. قيد عنه الجاناتي تقييدا كبيرا على المدونة. وممن أخذ عنه ابن عباد والرجراجي. كفاية المحتاج لأحمد بابا التمبكتي: ج ٢، ص: ٢٤٩ - ٢٥٠، الترجمة: ٦٥٠، ط ١: ٢٠٠٤ م. الناشر: مكتبة الثقافة الدينية.
(٣) ابن العربي: محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي، أبو بكر بن العربي. ولد سنة: ٤٦٨ هـ، ولي قضاء إشبيلية، ومات سنة: ٥٤٣ هـ. من مؤلفاته عارضة الأحوذي في شرح سنن الترمذي، وأحكام القرآن، والقبس في شرح موطأ مالك ابن أنس، وقانون التأويل … إلخ. الأعلام للزركلي: ج ٦، ص: ٢٣٠.
(٤) أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر الأنصاري النجاري، خادم رسول الله ﷺ، أخذ عنه: شريك والعلاء وغيرهما. مات سنة: ٩٣ هـ على خلاف. شجرة النور الزكية، ص: ٦٦، ج ١، الترجمة: ٢١.
(٥) أخرجه الثعالبي في الجواهر الحسان في تفسير القرآن، تأليف: الإمام سيدي عبد الرحمن الثعالبي، حققه أبو محمد الغماري الإدريسي الحسني: ج ١، ص: ٤٦٦، ط ١: ١٤١٦ هـ عند =
[ ١ / ٧٩ ]
قال الإمام الفخر (^١): لفظ الحمد معرفا لا يقال إلا في حق الله، لأنه يدل على التعظيم (^٢)، ولا يجوز أن يقال: الحمد لزيد قاله سيبويه (^٣).
قوله: (والشكر له) أي والشكر لله (على ما أولانا) أي ملكنا وخولنا (من الفضل) أي الزيادة، (والكرم) أي العطى من الهداية إلى الإيمان، والتوفيق: وهو خلق القدرة على الطاعة، وغير ذلك من سلامة الحواس والبدن قال بعضهم: النعم إذا شكرت قرت وإذا كفرت فرت. ويقال: لا زوال للنعمة إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت. ويقال: النعمة وحشية فاشكلوها بالشكر.
قوله: (لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه) أي لا أطيق ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وثناؤه على نفسه هو قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] لأنه لما علم عجز الخلق عن الثناء عليه أثنى هو على نفسه ومعنى النصيحة إفراغ الجهد في نصيح الثناء والأقوال والأعمال، والنصح يتبين بضده وهو الغش والتدليس، وستر العورة، وكتمان الحق. انتهى من الشعب لابن غالب.
قوله: (ونسأله اللطف والإعانة) أي أطلب من الله اللطف، وجلب المصالح، ودفع المفاسد.
وقوله: والإعانة هو عطف الخاص على العام، والإنسان يحتاج إلى الإعانة فيما لطف له به أي وأسأله اللطف (في جميع الأحوال).
قوله: (وحال حلول الإنسان في رمسه) هي من باب عطف الخاص على العام والرمس هو القبر وخصه بالذكر للاهتمام به لأنه إذا سلم منه سلم فيما بعده.
قوله: (والصلاة والسلام على) النبي (محمد) ﷺ (سيد العرب والعجم). جمع الشيخ
_________________
(١) = تفسيره للآية: ١.
(٢) الإمام الفخر: محمد بن عمر بن الحسن التيمي البكري، أبو عبد الله، فخر الدين الرازي، أصله من طربستان ومولده في الري سنة: ٥٤٤ هـ ومات في القاهرة سنة: ٦٠٦ هـ. من مؤلفاته: مفاتيح الغيب والمحصول في علم الأصول وغيرهما. الأعلام للزركلي: ج ٦، ص: ٣١٣، ط: ١٩٩٢ م.
(٣) الجواهر الحسان للثعالبي: ج ١، ص: ٤٦٦.
(٤) سيبويه: عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشير، إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو، ولد سنة: ١٤٨ هـ ومات سنة: ١٨٠ هـ ولد في إحدى قرى شيراز، صنف كتابه المسمى: كتاب سيبويه في النحو الأعلام للزركلي: ج ٥، ص: ٨١. وقوله: لا يجوز أن يقال الحمد انظر الجواهر الحسان للثعالبي: ج ١، ص: ٤٦٦.
[ ١ / ٨٠ ]
الصلاة والتسليم على محمد ﷺ خروجا من الخلاف في أن إفراد أحدهما مكروه وسمي محمد لكثرة خصاله المحمودة والسيد هو الذي إذا نابهم أمر ألجأ إليه وهو سيد الأولين والآخرين وسيد الخلق أجمعين والعرب ولد عدنان (^١) وقحطان (^٢) وإن لم يعرفوا العربية وغيرهم عجم وإن كانوا فصحاء في العربية، وقحطان ابن لعبد الله هود (^٣) ﵇.
قوله: (المبعوث) أي المر سول (لسائر الأمم) من بعثه ﷺ إلى يوم القيامة، ويحتمل لسائر الأمم من السؤر أي البقية أي لجميع الأمم من بعثته ﷺ إلى يوم القيامة، ويحتمل لسائر الأمم من السور أي البقية، إلى بقية الأمم الماضية.
قوله: (وعلى آله) فال الرجل خاصته الذين يؤول أمرهم إليه في نسب أو صحبة أو مذهب وآله ﷺ الأدنون بنو هاشم (^٤) والمطلب (^٥) أخو هاشم ومن عقبه الإمام الشافعي ﵀، وما فوق غالب (^٦) ليس بآل (وأصحابه): الصحابي من اجتمع معه وآمن به ومات على ذلك ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا صغيرا كان أو كبيرا واختلف في من ارتد ثم رجع إلى الإسلام هل هو صحابي لأنه مات على الإسلام أوليس بصحابي لارتداده قال تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥].
_________________
(١) عدنان: هو أحد من تقف عندهم أنساب العرب، من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وهو جد ربيعة ومضر، وكان رسول الله ﷺ إذا انتسب فبلغ عدنان، يمسك ويقول: كذب النسابون. باب الكلام في انقسام أجذام العرب جملة. جمهرة أنساب العرب، لأبي محمد علي بن احمد الأندلسي. ط ١: ١٩٨٣، ص: ٧ الناشر دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
(٢) قحطان هو ابن نبي الله هود ﵇.
(٣) هو نبي الله هود بن شالخ ويقال أنه عامر بن شالخ ويقال ابن عبد الله من ذرية سام بن نوح ﵇ وهو من قبيلة عاد كانوا عربا يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام. قصص الأنبياء لإسماعيل بن كثير ط ١: ١٩٩٢ م، ص: ١١٣، دار الفكر للطباعة والنشر. الأعلام للزركلي: ج ٨، ص: ٦٦.
(٤) هاشم هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة من قريش أحد من انتهت إليه السيادة في الجاهلية، ومن بنيه النبي ﷺ، قال مؤرخوه: اسمه عمرو، وغلب عليه لقبه هاشم لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة في إحدى المجاعات، وهو أول من سن الرحلتين لقريش.
(٥) هو المطلب بن عبد مناف بن قصي وأخوه هاشم جد النبي ﷺ كان يسمى الفيض لسماحته وفضله. الأعلام للزركلي: ج ٧، ص: ٢٥٢.
(٦) هو غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن مدركة، واسم مدركة: عامر بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. انظر السيرة النبوية لابن هشام: ج ١، ص: ١٣، ط ١: ٢٠٠١ م، تخريج وتحقيق: وليد بن محمد وخالد مكتبة الصفا
[ ١ / ٨١ ]
قوله: (وأزواجه وذريته) هو من باب عطف الخاص على العام، لأن أزواجه من أصحابه (وأمته) أي وعلى أمته التي هي (أفضل الأمم) لقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠] ونبي الله عيسي ﵇ من أمته، لأنه ينزل ويصلي الصبح وراء الإمام، ويحكم بالشريعة المحمدية.
قوله: (وبعد) أي وبعد ما تقدم من البسملة، والتصلية على النبي ﷺ وتعريفه نفسه، والتحميد، والصلاة والتسليم، على النبي ﷺ (فقد سألني) أي طلب مني (جماعة) من طلبة العلم، والسؤال يقوم مقام المشاورة، وقال ﷺ: «ما ندم من استشار» (^١) ثم دعا ﵀ فقال: (أبان الله لي) أي أظهر الله لي (ولهم)، وأوضح، (معالم) أي دلائل (التحقيق)، والتحقيق: ما لا شك معه وبدء بالدعاء لنفسه ثم للجماعة تبعا لكتاب الله العزيز قال تعالى: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا﴾ [الحشر: ١٠] وقال تعالى: ﴿رب اغفر لي ولوالدى﴾ [نوح: ٢٧] ثم دعا أيضا فقال: (وسلك بنا وبهم أنفع طريق، وهو التقوى، وقصد بدعائه شمولا، لا تعظيما لأن السؤال ليس موضع التعظيم.
التقوى: هي الوقوف على الحدود، ولا يقصر فيها، ولا يتعداها.
وقال أبو القاسم القشيري (^٢): حقيقة التقوى التحرز بطاعة الله عن عقوبته (^٣).
وقال ابن عبد الكريم (^٤): التقوى مخالفة الهوى قالوا: ليس كل من عمل بطاعة
_________________
(١) أخرجه القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن عند تفسيره للآية: ١٥٩ من سورة آل عمران.
(٢) أبو القاسم القشيري عبد الكريم بن هوازن النيسابوري الخراساني الشافعي، ولد سنة: ٣١٥ هـ. سمع الحديث من أبي الحسين أحمد بن محمد الخفاف وعبد الملك الإسفراييني وابن فورك وغيرهم. من مؤلفاته الرسالة في علم التصوف والتفسير الكبير وغيرهما. مات سنة: ٤٧٥ هـ. انظر سير أعلام النبلاء للذهبي: ج ١٨، ص: ٢٢٧، الترجمة: ١٠٩.
(٣) الرسالة القشيرية في علم التصوف. تأليف: أبي القاسم عبد الكريم بن الوزن القشيري. تحقيق ودراسة: هاني الحاج ص: ١٨٠ المكتبة التوفيقية.
(٤) هو محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي التلمساني أخذ عن أبي زيد الثعالبي، والشيخ السنوسي وأخذ عنه الشيخ عبد الجبار وغيره. من مؤلفاته: مغني النبيل في شرح مختصر خليل وشرح بيوع الآجال من مختصر ابن الحاجب ولهما. مات سنة ٩٠٩ هـ. كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج. تأليف: أحمد بن بابا التمبكتي: ج ٢، ط ١: ٢٠٠٤ م، ص: ٢١٨ - ٢١٩ - ٢٢٠، الترجمة ٦١٥، تحقيق د. على عمر، الناشر مكتبة الثقافة الدينية. شجرة النور الزكية: ج ١، ١١٠٤٢: ص: ٣٩٥ - ٣٩٦، الترجمة
[ ١ / ٨٢ ]
الله كان حبيبه لا كن من ترك ما نهى الله عنه كان حبيبا لله (^١) فإن الطاعات لو اجتهد العبد في تكثيرها غاية الاجتهاد، كان الذي بقي له من طاعة الله أكثر أضعافا مضاعفة، فإنه لا يقدر أن يطيعه بجميع أنواع الطاعات، وإذا اتقى المخالفة لله، فقد أطاعه بترك العصيان كله فافهم، فالشر كله هو العصيان والخير كله هو الطاعة فإذا اتقى العصيان فقد ترك الشر كله، وإذا دخل في الطاعات، لم يأت بها كلها، ولا يقدر على ذلك، قال النبي ﷺ في هذا المعنى: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا» (^٢) انتهى من الشعب لابن غالب (^٣).
قوله: (مختصرا) أي طلب مني جماعة أن أصنف لهم كتابا، مختصرا والاختصار: التعبير باللفظ القليل عن المعنى الكثير على مذهب الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي (رحمه الله تعالى) عالم المدينة وأمير المؤمنين في الحديث.
قال أبو الفضل عياض (^٤) في المدارك: اعلموا - وفقكم الله تعالى - أن ترجيح مذهب مالك على غيره، وأنافة منزلته في العلم، وسمو قدره من طريق النقل، والأثر الصحيح لا ينكره إلا معاند أو قاصر لم يبلغه ذلك، مع اشتهاره في كتب المخالف والمساعد، وفي الأثر المشهور الصحيح، من حديث الثقات منهم سفيان ابن عيينة (^٥)
_________________
(١) انظر صفة الصفوة تأليف: عبد الرحمن بن على بن محمد أبي الفرج: ج ٤، ص: ٦٤، ط ٢: ١٩٧٩ م، تحقيق: محمود فاخوري ود. محمد رواس قلعة حي دار المعرفة بيروت، والكلام بهذا المعنى لسهل بن عبد الله التستري الترجمة: ٦٤٥.
(٢) أخرجه مسلم (١٥) - كتاب الحج (٧٣) - باب فرض الحج مرة في العمر الحديث: ٤١٢ - (١٣٣٧) عن أبي هريرة، وأخرجه البخاري (٩٩) - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (٢) - باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ الحديث: ٦٨٥٨.
(٣) ابن غالب: عبد الله بن غالب بن تمام الهمداني. شيخ المالكية. سير أعلام النبلاء للذهبي: ج ٣٤، ص: ٢٥، الترجمة: ٣٤٩.
(٤) القاضي عياض: أبو الفضل بن موسى بن عياض اليحصبي شيخ الإسلام وقدوة العلماء الأعلام أخذ عن ابن رشد وابن الحاج وغيرهما. وأخذ عنه ابن غازي وابن زرقون وغيرهم من مؤلفاته: إكمال المعلم في شرح مسلم وترتيب المدارك وغيرهما. كان مولده في شعبان سنة: ٤٧٦ هـ ومات بمراكش سنة ٥٤٤ هـ. شجرة النور الزكية في طبقات المالكية. ج ١، ص: ٢٠٥، الترجمة: ٤٤٧، ط ١: ٢٠٠٣. دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان.
(٥) سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي، أبو محمد محدث الحرم من الموالي، ولد بالكوفة سنة: ١٠٧ هـ ومات سنة: ١٩٨ هـ، كان حافظا ثقة الأعلام للزركلي: ج ٣، ص: ١٠٥.
[ ١ / ٨٣ ]
عن ابن جريج (^١) عن أبي الزبير (^٢) عن أبي صالح (^٣) عن أبي هريرة (^٤) أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم (وفي رواية: «يلتمسون العلم») (^٥) فلا يجدون عالما أعلم (وفي رواية: «أفقه» (^٦» من عالم المدينة (^٧)»، قال ابن هرمز (^٨): شيخه فيه عالم الناس (^٩). وقال سفيان بن عيينة لما بلغه وفاة مالك: ما ترك على الأرض مثله، ومالك حجة في زمانه، ومالك سراج الأمة (^١٠).
وقال الشافعي: مالك أستاذي وعنه أخذت العلم، وجعلت مالكا حجة بيني
_________________
(١) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم، أبو الوليد وأبو خالد، ثقة، كثير الحديث، مات سنة: ١٥٠ هـ وقيل: ١٤٩ هـ انظر ترجمته في تهذيب التهذيب: ٤/ ١١١
(٢) هو محمد بن مسلم الأسدي مولاهم أبو الزبير، روى عن العبادلة الأربعة، قال ابن عدي: لا أعلم أحدا من الثقات تخلف عن ابن الزبير، مات سنة: ١٢٦ هـ. انظر ترجمته في تهذيب ٩/ ١٤٠: التهذيب.
(٣) هو ذكوان، أبو صالح السمان مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، ثقة، صالح الحديث، مات سنة: ١٠١ هـ انظر ترجمته في تهذيب التهذيب: ٣/ ٢١٩.
(٤) أبو هريرة: أبو هريرة بن عامر الدوسي كما قال الكلبي وعن يزيد عن حبيب قال: اسمه عبد نهم بن عامر الدوسي، حليف أبي بكر الصديق، وفي نسبه واسمه خلاف. صحابي جليل قال عنه الربيع: قال الشافعي أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره الإصابة في تمييز الصحابة، المجلد الرابع: ط: ١٣٢٨، ص: ٢٠٠، الترجمة: ١١٩٠.
(٥) أخرجه عبد الله بن جعفر بن عبد الله الأصبهاني في الجزء في أحاديث أبي الزبير عن غير جابر ص: ١٣٧، ط ١: ١٩٩٦. تحقيق بدر بن عبد الله البدر. مكتبة الرشيد الرياض.
(٦) الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك. تأليف: أبي البركات أحمد بن محمد بن أحمد الدرديري وبهامشه حشية العلامة أحمد بن محمد الصاوي المالكي خرج أحاديثه وفهرسه وقرر عليه بالمقارنة بالقانون الحديث د. مصطفى كمال: ج ١، ص: ١٧، دار المعارف.
(٧) أخرجه الترمذي في سننه (٣٩) - كتاب الصلح (١٨) باب ما جاء في عالم المدينة الحديث: ٢٦٨٠ عن أبي هريرة.
(٨) ابن هرمز أبو بكر عبد الله بن يزيد بن هرمز الأصمع وقيل اسمه يزيد بن عبد الله بن هرمز عداده في التابعين جالسه مالك كثيرا قال البخاري قال الفروي مات سنة: ١٤٨ هـ سير أعلام البلاد ٦، ص: ٣٩٧: الذهبي: ج
(٩) ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب الإمام مالك، تأليف: القاضي عياض بن موسى اليحصبي ضبطه وصححه محمد هاشم: ج ١، ص: ٣٤، ط ١: ١٩٩٨ م منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت.
(١٠) ترتيب المدارك وتقريب المسالك: ج ١، ص: ٣٤.
[ ١ / ٨٤ ]
وبين الله، وإذا ذكر العلماء فمالك هو النجم الثاقب، ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم، لحفظه وإتقانه (^١)، لا خفاء على منصف بمنصب مالك من الإمامة في علوم الشريعة، وعلم الكتاب والسنة، وأعلمهم في وقته بسنة ماضية وباقية، وأمير المومنين في الحديث.
قال البهلول بن راشد (^٢): ما رأيت أنزع بآية من كتاب الله من مالك ابن أنس مع معرفته بالصحيح، والسقيم والمعمول به من الحديث والمتروك. انتهى (^٣).
قوله: (مبينا لما به الفتوى) أي في حال كوني مبينا لما به الفتوى وهو المتفق عليه، والأقوى، والحكم أحرى من الفتوى، ويقال الفتوى بضم الفاء وفتحها، ويقال الفتيا بالياء، وقيل ما من مفت إلا ويسأل يوم القيامة عن ثلاثة: هل أفتيت بعلم أو جهل هل قصدت به وجه الله أو الرياء، هل قصدت النصح أو الغش. انتهى.
قوله: (فأجبت سؤالهم) أي فأجبت سؤال الجماعة، (بعد الإستخارة) التي كان النبي ﷺ يعلمها لأصحابه، وهو «اللهم إنا نستخيرك بعلمك» (^٤) إلى آخره، فإن قلت لما استخار في التأليف وهو طاعة، قلت: لعل بينه وبين الله طاعة أخرى، أوفي وقت يدخل فيه. انتهى.
وفي الكرماني (^٥) شرح البخاري: «اللهم إني أستخيرك بعلمك» أي أطلب منك الخيرة ملتبسا بعلمك بخيري وشري، ويحتمل أن يكون الباء للاستعانة أو
_________________
(١) ترتيب المدارك وتقريب المسالك: ج ١، ص: ٧٦.
(٢) البهلول بن راشد أبو عمرو من أهل القيروان من الطبقة الأولى من أصحاب مالك كان ثقة مجتهدا ورعا مستجاب الدعاة سمع من مالك فالثوري والليث وغيرهم وسمع منه سحنون وغيره. ولد سنة: ١٢٨ هـ ومات سنة ثلاث وقيل اثنتين وثمانين ومائة. الأعلام للزركلي: ج ٢، ص: ٧٧.
(٣) ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك تأليف: القاضي عياض بن موسى اليحصبي: ج ١، ص: ٣٦. ضبطه وصححه محمد سالم. هاشم منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت.
(٤) أخرجه البخاري (١٠٠) كتاب التوحيد (١٠) باب قول الله تعالى ﴿قل هو القادر﴾ [الأنعام ٦٥]، الحديث: ٦٩٤١/ ٦٩٥٥ شرح الكرماني على صحيح البخاري: ج ٢٥، ص: ١٠٩، ط ٢: ٩٨١ م، دار إحياء التراث العربية.
(٥) الكرماني: شمس الدين محمد بن يوسف بن علي أصله من كرمان من مؤلفاته الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري وشرح لمختصر ابن الحاجب وغيرهما كان مولده سنة: ٧١٧ هـ ومات سنة: ٧٨٦ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٧، ص: ١٥٣.
[ ١ / ٨٥ ]
القسم (^١).
وقوله: «اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي» (^٢) فإن قلت كلمة إن للشك في كون الله عالما قلت: الشك في أن علمه متعلق بالخير والشر لا في أصل العلم.
قوله: فاقدره لي - بضم الدال وكسرها - أي اجعله مقدورا لي، أو قدره لي. وقيل معناه يسره لي وأرضني، أو اجعلني راضيا بذلك.
قوله: وأستقدرك بقدرتك أي أطلب القدرة منك أن تجعلني قادرا عليه. انتهى.
قوله: (مشيرا بـ «فيها للمدونة») مطابقة أي فأجبت سؤالهم ووضعته بعد الاستخارة، في حال كوني مشيرا فيه بفيها للمدونة مطابقة كفيها، أو التزاما كظاهر ها، أو حملت أو أقيم منها والمدونة: كتاب سحنون (^٣) عن ابن القاسم (^٤)، وقيل هي في كتب الفقه كالفاتحة تغني عن غيرها، ولا يغني عنها غيرها، ويأتي بذلك استدلالا بها واستشهادا، وقد يأتي به استشكالا.
قوله: (وب «أول» إلى اختلاف شارحيها) أي وأشير بأول إلى اختلاف شارحي المدونة، أي مادة أول كأولت تأويلان وتأويلات (في فهمها).
قوله: (وبـ «الاختيار» للخمي (^٥» أي وأشير بمادة الاختيار للخمي (لكن إن كان
_________________
(١) شرح الكرماني لصحيح البخاري ج ٢٢، ص: ١٦٩، كتاب الدعوات.
(٢) أخرجه البخاري (٨٣) - كتاب الدعوات. (٤٨) - باب الدعاء عند الإستخارة. الحديث: ٦٠١٩.
(٣) الإمام سحنون: هو عبد السلام بن سعيد بن حبيب بن حسان بن هلال بن بكار بن ربيعة، الملقب بسحنون بفتح السين على قول الجمهور، وكنيته أبو سعيد أصله شامي من حمص، أخذ بالقيروان عن بهلول وابن غانم وغيرهم وبمصر والحجاز عن ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم وغيرهم كان ثقة حافظا صنف كتاب المدونة مات في رجب سنة: ٢٤٠ هـ وصلى عليه محمد بن الأغلب التعريف بالرجال المذكورين في جامع الأمهات لابن الحاجب تأليف: محمد بن عبد السلام ص: ٢٣٠ - ٢٣١ - ٢٣٤، الترجمة: ٨٨.
(٤) ابن القاسم: هو عبد الرحمن ابن القاسم بن خالد بن جنادة أبو عبد الله وصحب مالكا عشرين سنة - تي صار أثبت الناس في مالك وأعلمهم بأقواله لم يروى أحد الموطأ عن مالك أثبت منه وروي عن الليث وأبي وابن الماجشون ومسلم وغيرهم. خرج عنه البخاري في صحيحه. وأخذ عنه جماعة منهم أصبغ وابن دينار وابن مسكين وسحنون وأسد ابن الفرات وغيرهم من أئمة الهدي. مات بمصر سنة ١٩١ هـ. ترتيب المدارك. ٣/ ٢٤٤. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ٨٨، الترجمة: ٦٩.
(٥) اللخمي هو أبو الحسن اللخمي علي بن محمد الربعي القيرواني الإمام الحافظ العالم العامل =
[ ١ / ٨٦ ]
بصيغة الفعل فذلك لاختياره هو في نفسه، إن لم ينسبه لغيره، كقوله فيما يأتي: (و) اختار الشيخان ثمانين، وإن كان (ب) صغة (الاسم فذلك لاختياره من الخلاف)، وبدء الشيخ باللخمي لأنه أجرؤهم وقيل لأنه أزال من المذهب ثلثه.
قوله: (وبـ «الترجيح» لابن يونس (^١) كذلك» أي وأشير بالترجيح لابن يونس الصقلي، واسمه محمد لكن إن كان بصغة الفعل فذلك لاختياره هو في نفسه، وإن كان بصغة الاسم فذلك لاختياره من الخلاف، وخصه بالترجيح لأن أكثر اجتهاده في الميل مع بعض أقوال من سبقه، وما يختاره لنفسه فقليل.
قوله: (وبـ «الظهور» لابن رشد) أي وأشير بالظهور لابن رشد (^٢) (كذلك)، أي إن كان بصغة الفعل فذلك لاستظهاره هو في نفسه، وإن كان بصغة الاسم فذلك لاستظهاره قول غيره، وخص ابن رشد بالظهور لاعتماده كثيرا على ظاهر الروايات، فيقول يأتي على رواية كذا، وظاهر ما في سماع كذا كذا.
قوله: (وبـ «القول» للمازري) أي وأشير بالقول للمازري (^٣) (كذلك)، أي إن كان
_________________
(١) = تفقه بابن محرز والسيوري والتونسي وغيرهم وتفقه عليه جماعة منهم الإمام المازري وعبد الحميد الصفاقسي وغيهم. له تعليق على المدونة سماه التبصرة. مات سنة: ٤٧٨ هـ بصفاقس وبها قبره. ترتيب المدارك: ٨/ ١٠٩. شجرة النور الزكية: ص: ١٧٣، الترجمة: ٣٦٢.
(٢) أبوبكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي الإمام الحافظ النظار أحد العلماء وأئمة الترجيح الأخيار الفقيه الفرضي الفاضل الملازم للجهاد والموصوف بالنجدة الكامل - أخذ عن أبي الحسن الحصائري القاضي وأبي بكر بن عباس من علماء صقلية وغيره وعن شيوخ القيروان وأكثر النقل عن بعضهم كأبي عمران الفاسي وحدث عن أبي الحسن الفاسي. ألف كتابا في الفرائض وكتابا حافلا للمدونة وأضاف إليها غيرها من الأمهات يعرف بجامع الأمهات. توفي في ربيع الأول سنة: ٤٥١ هـ - ١٠٤٩ م. - أنظر شجرة النور الزكية في طبقات المالكية. تأليف العلامة الجليل الأستاذ الشيخ محمد بن عمر. المجلد الأول، ص: ١٦٤ - دار الكتب العلمية. بيروت لبنان الطبعة الأولى.
(٣) ابن رشد: أبو الوليد بن أحمد بن رشد قاضي الجماعة بقرطبة … علم محقق معترف له بصحة النظر … . أخذ عن ابن رزق وسمع الجياني وابن فرج وغيرهم. وأخذ عنه ابن أحمد والقاضي عياض وغيرهما. ألف البيان والتحصيل، والمقدمات وغيرهما. كان مولده سنة: ٤٥٥ هـ. ومات سنة: ٥٢٠ هـ. الأعلام: ٦/ ٢١٠. ترتيب المدارك: ٣/ ٢٠٠. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٩٠، الترجمة: ٤١٣.
(٤) المازري: هو محمد بن علي بن عمر التميمي المازري أبو عبد الله محدث فقيه مالكي. محقق حافظ مجتهد. ولد بمازر بصقليه سنة: ٤٣٥ هـ. أخذ عن أبي الحسن اللخمي وعبد الحميد الصائغ وغيرهما. وأخذ عنه ابن الفرس وغيره وبالإجازة ابن رشد الحفيد والقاضي عياض =
[ ١ / ٨٧ ]
بصغة الفعل فذلك اختياره هو في نفسه، ما لم يقم دليل على أن القول لغيره، كما يأتي في باب اللعان، في قوله: إلا أنه قال: القول هناك للإمام مالك ﵀ وإن كان بصغة الاسم فذلك لاختياره من الأقوال، وخص الشيخ المازري بالقول لأنه لما قويت عارضته في العلوم وتصرف فيها تصرف المجتهدين، كان صاحب قول يعتمد عليه مع درجة الاجتهاد، ولا يفتي بغير المشهور، وكان مذهب مالك قبله مشكلا لكثرة الروايات، وكثرة أقاويل أصحاب مالك، فلذلك اختار المشارقة مذهب الشافعي ﵀.
قوله: (وحيث قلت) أي وحيث قلت في كتابي هذا «خلاف، فذلك للاختلاف في التشهير»، غير ملتزم الإشارة لكل تشهير، أو ألتزمه ما لم يظهر له قوة أحدهما فلا اعتراض على الشيخ، ويحتمل أن يريد بالتشهير الترجيح.
قوله: (وحيث ذكرت قولين أو أقوالا) أي وحيث ذكرت في كتابي هذا قولين أو أقوالا أو رواية أو روايات، (فذلك لعدم اطلاعي في) هذا (الفرع) الذي ذكرت ذلك فيه (على أرجحية منصوصة) فيه، سواء لم يطلع على الترجيح أصلا أو ترجيح أحد الترجيحين، كقوله: وفي إناء الجوهر قولان، فإن قلت لم قال أولا وحيث قلت: خلاف، فعبر هنا بالقول، ورفع لفظ خلاف وقال ثانيا: وحيث ذكرت قولين أو أقوالا فعبر بالذكر ونصب قولين، أو أقوالا.
قلت: لما كان ذكر الأقوال أعم من أن يتلفظ بها، أو يقول مثلا وهل كذا وكذا ثالثها كذا أو رابعها كذا، لم يصلح الرفع على الحكاية، ولا القول المناسب لذلك. ولو قال: وحيث قلت أقوال لخرج ما لم يتلفظ به، أو يقول بصغة القول، كثالثها ورابعها، بخلاف خلاف فإن حكايته بعد القول، لا يخرج معنى يريد إدخاله، فإن قلت: لا يطرد ذلك إلا في الأقوال، لا القولين.
قلت: بل هو جائز في القولين، أيضا كقوله في باب الرهن: ورجع صاحبه بقيمته، أو بما أدى من ثمنه، نقلت عليهما، ولو لم يوجد له في القولين أيضا.
قلت: لما بين وجه اصطلاحه فيها دفعة، كانت التثنية تبعا للجميع، ويحمل
_________________
(١) = وغيرهم. ومات بالمهدية سنة ٥٣٦ هـ. من مؤلفاته: شرح التلقين للقاضي عبد الوهاب. المعلم في/ ١ شرح صحيح مسلم وكتابه الكبير التعلقة على المدونة. إيضاح المحصول في الأصول. شجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٨٦، الترجمة: ٤٠٨.
[ ١ / ٨٨ ]
المستفتي على معين من الأقوال المتساوية، جرى العمل، وقد ذكر اللخمي في ذلك قولين في باب صلاة السفر، فقال: وإن كان في البلد فقهاء كل يرى غير رأي صاحبه، وكلهم أهل للفتوى - جاز للعامي أن يقلد أيهم أحب (^١).
وفي الشعب لابن غالب واختلاف أهل السنة في الفتوى، والمذهب إنما هو بمعنى الاتساع، وترك الضيق والحرج، لا بمعنى الاختلاف الذي هو الشتات والفرقة، فإن النبي ﷺ هو إمام الصحابة، وأخذ الكل منهم علمه من رسول الله ﷺ، ثم افترقوا في الأمصار في حياته، وبعد وفاته، وأخذ الناس منهم في جميع الأقطار، وأخذ الخلف عن السلف، إلى أن انتشرت المذاهب، والفتاوى في الأمصار، فالكل منهم على صواب لأن الإمام واحد، وإليه يرجع الكل. انتهى منه.
ويجب على من تعلم العلم أن يعمل به، فإنه إن لم يعمل به كان حجة عليه يوم القيامة، وحسرة وندامة، وروي عن النبي ﷺ: «أشد الناس عذابا يوم القيامة، عالم لم ينفعه علمه (^٢)، صح من مقدمات ابن رشد (^٣).
قوله: (وأعتبر من المفاهيم) أي وأعتبر في كتابي هذا من المفاهيم، (مفهوم الشرط فقط)، دون سائر المفاهيم المخالفة، لأن مفهوم الشرط أقواها، إذ يقول به بعض من لا يقول بغيره، إلا مفهوم الغاية، فإنه يقول به بعض من لا يقول بمفهوم الشرط إلا أنه قليل، ولا يتأتى معه اختصار، فلذلك تركه، وأما مفهوم الموافقة فمتفق عليه، وهو معتبر عنده، كقوله في باب الحج وللولي رد تصرف مميز، إذ غير المميز أحرى.
قوله: (وأشير بـ «صحح» أو «استحسن» إلى أن شيخا غير الذين قدمتهم صحح هذا أو استظهره) أي وأشير في كتابي هذا بصحح أو استحسن، إلى أن شيخا غير الذي
_________________
(١) التبصرة تأليف: أبي الحسن على بن محمد اللخمي دراسة وتحقيق د. أحمد عبد الكريم نجيب. الجزء الثاني، ص: ٤٦٠ إصدار وزارة الأوقاف بدولة قطر الطبعة الأولى: ٢٠١١ م.
(٢) من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه أخرجه الدارمي في سننه (٢٧) - باب العمل بالعلم الحديث: ٢٦٦ والطبراني في المعجم الصغير: ج ١، ص: ١٨١ - ١٨٣ باب الطاء من اسمه طاهر. دار الكتب العلمية.
(٣) المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسالكها المشكلات المؤلف: أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: ٥٢٠ هـ) ج ١، ص: ٤٩ الناشر: دار الغرب الإسلامي الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م.
[ ١ / ٨٩ ]
قدمت ذكرهم اللخمي، وابن يونس، وابن رشد، والمازري واستحسن أي عده حسنا، نكر شيخا ولم يعرفه.
قوله: (وبـ «التردد») أي وأشير بالتردد في كتابي هذا (لتردد المتأخرين في) فهم (النقل، أو لعدم نص المتقدمين)، وتردد بعض المتأخرين، اختلاف طرقهم في العزو للمذهب، فهو كقول غيره في كذا طرق أو طريقان، وأما ترددهم لعدم النص للمتقدمين فقليل في كتابه هذا، كقوله في السلس: وفي اعتبار الملازمة في وقت الصلاة، أو مطلقا تردد وكقوله في فصل المسح على الخفين: وفي خف غصب تردد.
وكقوله في باب الحج وفي رابغ تردد وكقوله فيه وفي أجزاء ما وقف بالبناء تردد. فالتردد يكون في فهم نص المتقدمين، وقد يكون لعدم النص. وقيل إن الشيخ ابن أبي زيد (^١) آخر المتقدمين، وأول المتأخرين.
قوله: (وبـ «لو» إلى خلاف مذهبي) أي وأشير في كتابي هذا بلو إلى خلاف عالم منسوب لمذهب مالك، لا لغيره من المذاهب، ولكن لا أشير بها إلا لخلاف قوي، بخلاف إن مع أنه كثير في كلامه فيشير به إلى خلاف غير قوي، أو إلى خلاف خارج المذهب.
قوله: (والله أسأل أن ينفع به) أي وأسأل الله لا غيره، وتقديم المنصوب على التعظيم يدل على الحصر أي وأسأل الله أن ينفع بكتابي هذا (من كتبه)، وإن لم يقرأه، (أو قرأه) ولم يكتبه، (أو حصله) بشراء، أو هبة ونحوها، أو نسخ أو غير ذلك من وجوه التحصيل، (أو سعى) أي أو عمل (في شيء منه)، كإصلاح الدواة، والقلم وغير ذلك.
السعي العمل، قال الله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]، ويرجى قبول دعاء الشيخ، لأنه عالم تقي، إذا لم يكن العالم العامل تقيا، لم يكن الله وليا.
_________________
(١) ابن أبي زيد هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن النفزي القيرواني. الفقيه الحافظ الحجة إمام المالكية في وقته. أخذ عن ابن اللباد والقطان والأبياني وغيهم. وأخذ عنه: أبو سعيد البراذعي وابن غالب وغيرهم كثير من مؤلفاته النوادر والزيادات والرسالة وغيرهما كثير. مات سنة: ٣٨٦ هـ وسنه: ٧٦ سنة ودفن بالقيروان أنظر الشجرة: ج ١، ص: ١٤٣ - ١٤٤، الترجمة: ٢٦٥. ومعجم المؤلفين: ج ٦، ص: ٧٣.
[ ١ / ٩٠ ]
قوله: ﴿والله يعصمنا من الزلل﴾. الله مرفوع على الابتداء أي والله هو الحافظ لنا من الزلل أي النقص في القول والعمل ظاهرا وباطنا في القول والعمل.
قوله: ﴿ويوفقنا﴾ أي والله يوفقنا بفضله ومنه ظاهرا وباطنا ﴿في القول والعمل﴾.
التوفيق خلق القدرة على الطاعة.
قوله: ﴿ثم أعتذر لذوي الألباب من التقصير الواقع في هذا الكتاب﴾ أي أظهر عذري لذوي العقول، وهم أهل الذكر، وأهل الذكر من اجتمع فيه وصفان: العلم والتقوى، وأعتذر بمعاذير لا تخفى لاسيما عند قوله: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: من الآية ٨٢] أي من التقصير الواقع في هذا الكتاب إن وقع، ولابد من الوقوع.
وقوله: الواقع هو أن الخطبة بعد التأليف، وإن قلنا أنها قبل التأليف، نقول أنه حضر في ذهنه.
قوله: ﴿وأسأل بلسان التضرع والخشوع وخطاب التذلل والخضوع﴾ التذلل والخضوع والتضرع والخشوع بمعنى وقال بعضهم: الخشوع: قيام القلب بين يدي الحق سبحانه بهم مجموع (^١).
وقال الجنيد (^٢): الخشوع تذلل القلب لعلام الغيوب (^٣)، وقال بعضهم: الخشوع تذلل الأعضاء، المتركب من تذلل القلوب والخشوع في الصلاة علامة الفلاح، قال الله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
قوله: ﴿أن ينظر بعين الرضا والصواب﴾ أي وأسأل الله أن ينظر في كتابي هذا بعين الرضا والصواب، لأن عين الرضا بلا صواب ذات جهل وعمى، وعين الصواب بلا رضا ذات هوى.
_________________
(١) الرسالة القشيرية: ص: ٢١٧، باب الخشوع والتواضع.
(٢) أبو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز القواريري أبو القاسم أصله من نهاوند، أشتهر بصحبة خاله السرى السقطي، والجنيد صوفي من العلماء وهو أول من تكلم في علم التوحيد ببغداد وصفه ابن الأثير بإمام الدنيا في زمانه، وعده العلماء شيخ مذهب الصوفية لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة، ولكونه مصونا من العقائد الذميمة محمي الأساس من شبه الغلاة سالما من كل ما يوجب اعتراض الشرع من كلامه، طريقنا مضبوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدي به. توفي سنة: ٢٩٧ هـ الموافق: ٩١٠ م، انظر حلية الأولياء، مج ١٠، ص ٢٧٤ والطبقات الكبرى للشعراني: ج ١، ص ٨٤ - ٨٦، الترجمة: ١٦٤.
(٣) الرسالة القشيرية: ص: ٢١٨.
[ ١ / ٩١ ]
قوله: ﴿فما كان من نقص كملوه، ومن خطإ أصلحوه﴾ أمر المصنف حمله ذوي الألباب بإكمال ما نقص من الكلام باللفظ، أو في الحاشية لا في المتن، لأن ذلك يؤدي إلى التغيير، وأمرهم بإصلاح الخطأ، فالنص متعلقه الكلام المغير المؤدي للمعنى المقصود، والخطأ متعلقه المعنى فالخطأ ذكر الشيء على غير ما هو عليه، ولم يأذن الشيخ لغير أولي الألباب في ذلك.
قال القاضي عياض في المدارك وجدير لمطالعه أن يحسن الظن، ولا يبادر إلى الطعن حتى يجيد النظر، ويحقق ما أنكر؛ فإن تيقن بعد زلة أصلحها، أو وجد مبهمة أوضحها. انتهى (^١).
وقال الإمام مالك رحمة الله: كل كلام فيه مقبول ومردود، إلا كلام صاحب هذا القبر (^٢)، يعني به محمد ﷺ.
الإنسان محل النقصان، ﴿فقلما يخلص مصنف من الهفوات، أو ينجو مؤلف من العثرات﴾ الهفوات والعثرات بمعنى، والمصنف هو الذي جمع أصنافا وميز بعضها عن بعض، والمؤلف من جمع كلام غيره.
قال بعضهم: من تصنف تهدف.
فائدة: قالوا: ولا تأخذ العلم ممن كان أخذه من بطون الكتب من غير قراءة على شيخ حاذق أو شيوخ، فمن لم يأخذه إلا من الكتب يقع في التصحيف، ويكثر منه الغلط والتحريف، وينبغي أن ينظر لمعلمه بعين الاحترام ويعتقد أهليته، فهو أقرب إلى انتفاعه به ورسوخ ما يسمعه منه، ومن كلام أهل التصوف ﵃: من لم ير خطأ شيخه خيرا من صواب نفسه لم ينتفع به (^٣).
* * *
_________________
(١) ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض: ج ١، ص: ١٧.
(٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن تأليف محمد الأمين الشنقيطي: ج ٧، ص: ٣٦٩ ط ١٩٩٥ م، دار الفكر.
(٣) ميزان العمل للغزالي: ص: ٤٧.
[ ١ / ٩٢ ]