[ ٢١٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع عشر
(القياس (٣»
المقيس، وهل يُوصف بأنه من كلام العرب أوْ لاَ؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد.
لقد عرفنا -فيما سبق- أن القياس هو حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه، أو هو حمل فرع على أصل بعلة تقتضي إجراء حكم الأصل على الفرع، أو هو إلحاق الفرع بالأصل بجامع إلى آخر هذه التعريفات التي اختلفت ألفاظها وتقاربت معانيها؛ كما عرفنا أن للقياس أربعة أركان، وهي: المقيس عليه، والمقيس، والحكم، والعلة الجامعة، وقد بدأ السيوطي فصل المقيس في كتاب (الاقتراح) بسؤال وهو: هل يوصف المقيس بأنه من كلام العرب أو لا؟.
وقد صرح ابن جني في (الخصائص) بأن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، ولم يصغ القضية على هيئة سؤال؛ أما السيوطي فقد بدأ الفصل بهذا السؤال: هل يوصف المقيس بأنه من كلام العرب؟
والذي دفع السيوطي إلى طرح هذا السؤال: أن المقيس يتنازعه أمران؛ لأنه قد صيغ في قوالب العرب، وجاء على نهج كلامهم، ونسج على منوالهم، ثم إن العرب لم تتكلم به؛ فإذا نظر إلى الأمر الأول قيل: إن المقيس يوصف بأنه من كلام العرب، وإذا نظر إلى الأمر الثاني قيل: إنه ليس من كلامهم، هذا هو مراد السيوطي من سؤاله.
وقد أجاب عنه بأن: المقيس يوصف بأنه من كلام العرب؛ إذ قال: قال المازني: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، ولنا وقفة مع السيوطي في نسبة هذا القول إلى المازني، وقد سبقه إلى ذلك ابن جني في (الخصائص) فقال: "نص أبو عثمان -أي: المازني- عليه فقال: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب". انتهى.
والحق أن أبا عثمان المازني مسبوق بهذا القول؛ إذ سبقه إليه الخليل وسيبويه، وذلك فيما أورده ابن جني من كلام المازني نفسه في كتاب (المنصف) وهو شرح لكتاب (التصنيف) للمازني؛ فقد قال ابن جني: "وكان أبو الحسن الأخفش يجيز أن تبني على ما بنت العرب وعلى أي مثال سألته، إذا قلت له: ابن لي من كذا
[ ٢١٥ ]
مثال كذا، وإن لم يكن من أمثلة العرب، ويقول: إنما سألتني أن أمثل لك؛ فمسألتك ليست بخطأ وتمثيلي عليها صواب، وكان الخليل وسيبويه يأبيان ذلك ويقولان: ما قيس على كلام العرب؛ فهو من كلامهم". انتهى.
ويتبين مما سبق: أن هذه العبارة صدرت أول ما صدرت عن شيخي العربية: الخليل، وسيبويه، وقد نقلها عنهما المازني؛ فنسبت إليه.
ونعود إلى الإجابة على سؤال (الاقتراح):
إن المقيس على كلام العرب يوصف بأنه من كلامهم حكمًا وعملًا وإن لم يرد ذلك عنهم بعينه ولا وفاه بألفاظه، وقد بين المازني الدليل على صحة هذا القول؛ قال ابن جني في (الخصائص): باب: في أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب: "هذا موضع شريف وأكثر الناس يضعف عن احتماله لغموضه ولطفه، والمنفعة به عامة، والتساند إليه مقوٍّ مجدٍ، وقد نص أبو عثمان عليه فقال: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؛ ألا ترى أنك لم تسمع ولا غيرك اسم كل فعل ولا مفعول؛ وإنما سمعت البعض فقست عليه غيره؛ فإذا سمعت: قام زيد، أجزت: ظرف بشر، وكرم خالد؟! ". انتهى.
ومن المعلوم أن السيوطي قد اعتمد على كتاب (الخصائص) لابن جني؛ غير أنه قد اختصر الكلام اختصارًا غير مخل؛ فكلام ابن جني أكثر نفعًا وأتم فائدة، وبخاصة تلك الأمثلة التي ذكرها ولم يذكرها السيوطي في (الاقتراح)، وهي تدل على أن المقيس يوصف بأنه من كلام العرب، ويدل على ذلك أمور:
منها: إعراب بعض الكلمات غير العربية، ومن ذلك قول أبو علي الفارسي شيخ ابن جني: "إذا قلت: طاب الخشكنان؛ فهذا من كلام العرب؛ لأنك بإعرابك إياه قد أدخلته كلام العرب" انتهى؛ فالخشكنان كلمة معربة، والمراد
[ ٢١٦ ]
بها: خالص دقيق الحنطة إذا عجن وملئ بالسكر واللوز وماء الورد وجمع وخبز، وهي كلمة غير عربية -كما سبق أن بينا- غير أنها سبقت بفعل فأعربت فاعلًا؛ فصار هذا الكلام عربيًّا منسوبًا إلى لغة العرب، وإن لم تنطق العرب به ولا فاهوا بهذه اللفظة؛ وإنما صار هذا الكلام عربيًّا لأنه قيس على كلام العرب وداخله الإعراب.
ومنها: إجراء الكلمات الأعجمية مجرى العربية، فإن العرب قد أجرت الكلمات الأعجمية جرى كلامها العربي في الصرف والمنع من الصرف، وبيان ذلك ذكره ابن جني بقوله: "ما أعرب من أجناس الأعجمية قد أجرته العرب مجرى أصول كلامها؛ ألا تراهم يصرفون في العلم نحو: آجر، وإبريسم، وفرند، وفيروزج، وجميع ما تدخله لام التعريف، وذلك أنه لما دخلته اللام في نحو: الديباج، والفرند، والسهريز -وهو ضرب من التمر- والآجر، أشبه أصول كلام العرب -أعني: النكرات- فجرى في الصرف ومنعه مجراها". انتهى.
ومعنى ما ذكره ابن جني: أن العرب قد عاملت الأسماء الأعجمية معاملة الأسماء العربية في الصرف والمنع منه؛ فإذا كانت الكلمة الأعجمية علمًا تدخله اللام صرفته؛ لأنه يشبه النكرة.
ومنها: الاشتقاق من الأعجمي، فإن العرب قد اشتقت من بعض الكلمات الأعجمية، ومن ذلك: ما حكاه أبو علي عن ابن الأعرابي أنه قال: يقال درهمة الخُبَّازة أي: صارت كالدراهم؛ فاشتق من الدرهم -وهو اسم أعجمي.
وحكى أبو زيد: رجل مدرهم، أي: كثير الدراهم.
ومما اشتقته العرب من كلام العجم أيضًا: ما جاء في قول الراجز:
هل تعرف الدار لأم الخزرج منها فظلت اليوم كالمزرج
[ ٢١٧ ]
أي: الذي شرب الزرجون، وهي الخمر؛ فاشتق المزرج من الزرجون، وهي كلمة أعجمية، وكان قياسه كما في (الخصائص): كالمزرجن؛ من حيث كانت النون في زرجون قياسها أن تكون أصلًا؛ إذ كانت بمنزلة السين من قربوسٍ؛ ولكن العرب إذا اشتقت من الأعجمي خلَّطت فيه.
ووجه الاستدلال بهذه الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها: أن العرب قد أعربت غير العربي وأجرته مجرى الكلام العربي واشتقت منه؛ فدل ذلك كله على أن المقيس على كلام العرب يجوز وصفه بأنه من كلامهم، وقد قال أبو علي: لو شاء شاعر أو ساجع أو متسع أن يبني بإلحاق اللام اسمًا وفعلًا وصفةً؛ لجاز له ولكان ذلك من كلام العرب، وذلك نحو قولك: خرْجج أكرم من دخْلل، وضرْبب زيد عمرًا، ومررت برجل ضرْبب وكرْمم، ونحو ذلك. انتهى.
ومعنى هذا الكلام: أنه يجوز للمتكلم أن يصوغ أبنية بإلحاق اللام في آخر الكلمة، ومعنى الإلحاق ذكره ابن جني في (المنصف) فقال: "الإلحاق إنما هو: زيادة في الكلمة تبلغ بها زنة الملحق به؛ لضرب من التوسع في اللغة"، وقال في (المنصف) أيضًا: "لو اضطر شاعر الآن لجاز أن يبني من ضرب اسمًا وصفة وفعلًا وما شاء من ذلك فيقول: ضرْبب زيدٌ عمرًا، ومررت برجل ضرْبب، وضرْبب أفضل من خرْجج". انتهى.
وقال الرضي في شرحه على (الشافية): "ومعنى الإلحاق في الاسم والفعل: أن تزيد حرفًا أو حرفين على تركيب زيادة غير مطردة في إفادة معنى؛ ليصير ذلك التركيب بتلك الزيادة، مثل كلمة أخرى في عدد الحروف وحركاتها المعينة والسكنات، كل واحد في مثل مكانه في الملحق بها، وفي تصاريفها من الماضي والمضارع والأمر والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول إن كان الملحق به فعلًا
[ ٢١٨ ]
رباعيًّا، ومن التصغير والتكسير إن كان الملحق به اسمًا رباعيًّا لا خماسيًّا. وفائدة الإلحاق: أنه ربما يحتاج في تلك الكلمة إلى مثل ذلك التركيب في شعر أو سجع". انتهى.
فبالإلحاق إذًا تزداد العربية غنًى وثراءً، وتتمكن من الوفاء بحاجة الشاعر والناثر؛ فربما احتاج هذا أو ذاك إلى كلمة معينة تقيم للشعر بنيانه أو تحفظ للسجع كيانه؛ فيجد كل منهما في الإلحاق طلبته ويعثر فيه على بغيته.
وقد ذكر أبو علي الفارسي وأبو عثمان المازني وغيرهما: أن إلحاق المطرد الذي لا ينكسر إنما يكون موضعه من جهة اللام -أي: أن يكون موضع اللام من الثلاثة مكررًا للإلحاق- نحو: "جلْبب"؛ فالباء في آخره زائدة للإلحاق، وكذلك الجيم في "خرْجج"، واللام في "دخْلل"، والباء في "ضرْبب"؛ فهذه كلها زوائد للإلحاق بـ"فعلَلَ" ولا يلزم أن تكون لها معانٍ معروفة؛ وإنما ذلك تمرين للصرفيين إذا أرادوا بناء مثال على مثال؛ ولذلك قال الفارسي فيما نقله السيوطي: وكذلك يجوز أن تبني بإلحاق اللام ما شئت كقولك: خرْجج ودخْلل وضرْبب من خرج ودخل وضرب على مثال: شمْلل وسعْرر. انتهى.
ومعنى شملل: أسرع وشمر، وسعرر بالعين المهملة من قولهم: سعرر الشيء فتسعرر، أي: دحرجه فتدحرج واستدار.
وكما أن أبا علي الفارسي قد ذهب إلى أن ما قيس على كلام العرب: فهو من كلامهم؛ فإن تلميذه ابن جني قد وافقه في هذا الأمر -كما سبق- وزاد أمثلة لم يذكرها شيخه، وقد نقل السيوطي بعضها، وننقل هنا كلام ابن جني كاملًا؛ إذ إن فيه دلالة واضحة على مذهبه فقد قال -﵀- في (الخصائص): "ومما يدلك على أن ما قيس على كلام العرب فإنه من كلامها: أنك لو مررت على
[ ٢١٩ ]
قوم يتلاقون بينهم مسائل أبنية التصريف -أي: يلقي بعضهم على بعض أسئلة عن هذه الأبنية- نحو قولهم في مثال: صمحْمَح، ومن الضرب: ضربْرَب، ومن القتل: قتلْتَل، ومن الأكل: أكلْكَل، ومن الشرب: شربْرَب، ومن الخروج: خرجْرَج، ومن الدخول: دخلْخَل، ومن مثل سفرجل من جعفر: جعفرَر ونحو ذلك؛ فقال لك قائل: بأي لغة يتكلم هؤلاء؟ لم تجد بدًّا من أن تقول بالعربية وإن كانت العرب لم تنطق بواحد من هذه الحروف". انتهى.
وذكر ابن جني في (الخصائص): أن الأصمعي قال له الخليل: إن رجلًا أنشده:
ترافع العز بنا فارفنْعَعا
فقال الخليل للمنشد: هذا لا يكون! فتعجب الأصمعي وقال للخليل: كيف جاز للعجاج أن يقول:
تقاعس العز بنا فاقعنْسَسا
يعني: أن المنشد قد قاس إنشاده وبنى "فارفنععا" على قول العجاج في أرجوزته: "فاقعنسسا"؛ فلم منعته؟ قال ابن جني موضحًا ظاهر ما تدل عليه هذه القصة: فهذا يدل -يعني بظاهره- على امتناع القوم من أن يقيسوا على كلامهم؛ ألا ترى إلى قول الخليل وهو سيد قومه وكاشف قناع القياس في علمه؛ كيف منع من هذا؟! ولو كان ما قاله أبو عثمان يعني قوله: ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم، وصحيحًا ومذهبًا مرضيًّا لما أباه الخليل ولا منع منه.
وقد أجاب ابن جني عن هذا بعدة أوجه، وخلاصة هذه الأوجه: أن الأمر ليس كما يظهر منه؛ فالأصمعي لم يقف على القصة بحذافيرها؛ فهو ليس ممن ينشط للمقاييس ولا لحكاية التعليل ومعروف بقلة انبعاثه في النظر، وتوفره على ما يُروى ويُحفظ، فمن الجائز أن الخليل قد أمسك عن شرح الحال له لمعرفته بهذه
[ ٢٢٠ ]
الصفات فيه، أو أن الخليل أنكر ذلك لأنه في ما لامه حرف حلقي والعرب لم تبنِ المثال مما لامه حرف حلق، خصوصًا وحرف الحلق فيه متكرر، وذلك مستنكر عندهم مستثقل؛ وإنما استنكر العرب ذلك لتوالي العينين، وفي تواليهما من التنافر والثقل ما لا يخفى؛ فالثقل هو المانع، لا ما قد يقال من القياس، وقد اكتفى السيوطي بإيراد الجواب الأخير في (الاقتراح)، ولم يذكر غيره مما ذكره ابن جني؛ لأن هذا الوجه -كما وصفه ابن جني- هو ألطف من جميع ما جرى ذكره من أجوبة وأصنعه، أي: أقربه إلى قواعد الصنعة وأصولها.
ونختم الحديث بما ذكره ابن جني من أن من قوة القياس عندهم اعتقاد النحويين أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم، نحو قولك في بناء مثل جعفر من ضرب: ضرْبَب، وهذا من كلام العرب، ولو بنيت مثله ضيْرَب، أو ضوْرَب، أو ضرْوَب أو نحو ذلك؛ لم يعتقد من كلام العرب؛ لأنه قياس على الأقل استعمالًا والأضعف قياسًا.
ومعنى ما قاله ابن جني أن قولك: ضرْبَب -الملحق بجعفر- معدود من كلام العرب لكثرته في كلامهم؛ لأن الإلحاق المطرد يكون بتكرير اللام، أما الإلحاق بغير تكرير اللام كزيادة الياء في قولك: ضيْرَب أو زيادة الواو في قولك: ضوْرَب أو ضرْوَب؛ فهو قليل في الاستعمال ضعيف في القياس، وما كان كذلك لم يجز الرجوع إليه ولا القياس عليه.
وقد اعتمد ابن جني فيما اعتمد عليه في ذلك على ما ذكره أبو عثمان المازني من أن أقيس الإلحاق أن يكون بتكرير اللام؛ فباب شمللتُ وسعررتُ أقيس في الإلحاق من باب حوقلتُ وبيطرتُ وجهورتُ، وهذا التفصيل الذي ذكره ابن جني هو الذي مشى عليه كثير من المحققين.
[ ٢٢١ ]
وذهب بعضهم إلى الجواز مطلقًا؛ لأن العرب أدخلت في كلامها الألفاظ الأعجمية؛ فإذا كانت الألفاظ الأعجمية قد دخلت لغة العرب فإن الألفاظ المصنوعة نحو: ضيْرَب وضوْرَب أحق وأولى، وهذا القول مردود مرغوب عنه؛ لأن الأعجمي لا يصير عربيًّا بإدخاله في الكلام العربي؛ بل يكون العربي أدخل في كلامه كلمة أعجمية ويكون الكلام المصنوع غير راجع للغة من اللغات.
الحكم
إن الحكم: هو الركن الثالث من أركان القياس، وقد وصفه أحد الباحثين بأنه: ثمرة القياس ونتيجته العملية؛ لأن عملية إلحاق المقيس بالمقيس عليه؛ لو لم يترتب عليها إعطاء حكم الأصل للفرع لبطلت العملية القياسية بأسرها؛ لأنه لا قياس بلا حكم.
وقد أورد السيوطي مسألتين تتعلقان بالحكم:
المسألة الأولى: تقسيم الحكم قسمين:
أحدهما: حكم ثبت استعماله عن العرب.
والآخر: حكم ثبت بالقياس والاستنباط.
والمسألة الثانية: حكم القياس على الأصل المختلف في حكمه.
أما المسألة الأولى: فقد بدأها السيوطي بقوله: إن ما يقاس على حكم ثبت استعماله عن العرب، وهل يجوز أن يقاس على ما ثبت بالقياس والاستنباط؟.
- ظاهر كلامهم: نعم.
[ ٢٢٢ ]
ومعنى ما قاله السيوطي: أن هناك إجماعًا على أن الحكم إذا ثبت استعماله عن العرب كان القياس عليه مما لا خلاف فيه؛ كرفع نائب الفاعل قياسًا على الفاعل، والذي نلحظه في هذا المثال أن الحكم مستفاد فيه من استعمال العرب؛ فلا خلاف بين العلماء في جوازه؛ أما إذا كان الحكم مما ثبت بالقياس والاستنباط؛ فالظاهر من كلامهم أنه كسابقه يجوز القياس عليه.
وقد أشار السيوطي في هذا الصدد إلى أن ابن جني قد أفرد بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب في الاعتلال لهم بأفعالهم -أي: في الاعتلال للعرب- ومعنى الاعتلال: طلب العلة وإظهارها، ومعنى اعتلال النحوي للعرب: أن يذكر علة لأحكام كلامهم ويوجهها بتوجيه مأخوذ من أصول قواعد خطاباتهم بأفعالهم الصادرة منهم؛ فيستنبط منها توجيهات لأفعال أخرى في الكلام، والمراد بأفعالهم: تصرفاتهم في الكلام.
ومن الأمثلة الدالة على أن الحكم الثابت بالقياس والاستنباط يجوز القياس عليه: قياس الصفة المشبهة على اسم الفاعل في حكم ثبت لاسم الفاعل بالاستنباط والقياس وليس بالسماع عن العرب، وهذا الحكم: هو أن اسم الفاعل لا يتحمل الضمير إذا جرى على غير من هو له، وهذا الحكم ثابت بالاستنباط، وتقاس الصفة المشبهة عليه، ويثبت لها حكم اسم الفاعل.
وقبل أن نذكر ما أورده ابن جني في (الخصائص) ونقله عنه السيوطي في (الاقتراح) يحسن بنا أن نشرح هذه المسألة النحوية لما يترتب على شرحها من فائدة محققة تعين على فهم هذه المسألة الأصولية:
أجمع البصريون والكوفيون على أن الضمير في اسم الفاعل إذا جرى على من هو له لا يجب إبرازه؛ فلو قلت: زيد مكرِمي وجعفر مكرمك؛ لم يلزم إبراز
[ ٢٢٣ ]
الضمير لأنه -أي: اسم الفاعل- جرى مجرى ومعنى على من هو له، ومعنى جريه على من هو له: أنه وقع خبرًا رافعًا لضمير يعود على مبتدئه؛ فهو في المعنى لمبتدئه؛ فإذا جرى اسم الفاعل على غير من هو له خبرًا أو صفة مثلًا؛ وجب عند البصريين إبراز الضمير الذي يرفعه اسم الفاعل مطلقًا، أي: سواء ألبس أم لم يلبس، وذلك نحو: أن تقول عند إرادة الإخبار بضاربية زيد ومضروبية عمرو، زيدٌ عمرٌو ضاربُه هو؛ فاسم الفاعل في الجملة المذكورة جارٍ على غير من هو له؛ لأنه لم يقع خبرًا عن زيد الواقع مبتدأ أولًا؛ وإنما هو خبر عن عمرو الواقع مبتدأ ثانيًا، والضمير البارز هو عائد على زيد، وبذلك علم أن الضاربية له؛ ولو لم يبرز واستتر لأفاد التركيب عكس هذا المعنى، ومثال ما أمن فيه اللبس: زيدٌ هندٌ ضاربُها هو، وهندٌ زيدٌ ضاربتُه هي؛ وإنما أبرز الضمير في المثالين مع أمن اللبس طردًا للباب على وتيرة واحدة.
وقيد الكوفيون وجوب إبراز الضمير باللبس فقالوا: لا يجب إبراز الضمير إلا فيما يؤدي عدم إبرازه إلى اللبس، والراجح ما ذهب إليه البصريون، وأدلة الفريقين في المسألة الثامنة من كتاب (الإنصاف) لأبي البركات الأنباري؛ فإذا كان الأمر كذلك في اسم الفاعل الذي هو أقوى شبهًا بالفعل من الصفة المشبهة؛ فإنه يجب أن يبرز الضمير مع الصفة المشبهة به؛ لأنها ضعيفة الشبه بالفعل؛ إذ هي مشبهة باسم الفاعل القاصر؛ ولضعفها وجب إبراز ضميرها عند جريانها على غير من هي له من باب أولى؛ قياسًا على اسم الفاعل، وفي ذلك يقول ابن جني في (الخصائص): "ومن الاعتلال لهم بأفعالهم أن تقول: إذا كان اسم الفاعل على قوة تحمله للضمير متى جرى على غير من هو له صفةً أو صلةً أو حالًا أو خبرًا؛ لم يحتمل الضمير كما يحتمله الفعل؛ فما ظنك بالصفة المشبهة باسم
[ ٢٢٤ ]
الفاعل نحو: قولك: زيدٌ هندٌ شديدٌ عليها هو؛ إذا أجريت شديدًا خبرًا عن هند؛ وكذلك قولك: أخواك زيدٌ حسنٌ في عينه هما، والزيدون هندٌ ظريفٌ في نفسها هم". انتهى.
وإذ قد بينا هذه المسألة من جهة النحو نعود إلى القضية الأصولية التي ساق ابن جني وتبعه السيوطي هذه المسألة دليلًا عليها:
إن عندنا أصلًا مقيسًا عليه، وهو اسم الفاعل، وعندنا فرع مقيس، وهو الصفة المشبهة، وعندنا حكم ثابت للأصل المقيس عليه، وهو وجوب إبراز الضمير في اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له، وهذا الحكم إنما هو ثابت بالاستنباط والقياس على الفعل الرافع للاسم الظاهر؛ حيث لا تحلقه العلامات الدالة على التثنية أو الجمع، وجاز القياس عليه؛ فدل ذلك على أنه يجوز أن يقاس على ما ثبت بالقياس والاستنباط.
ومن هنا يتبين أن الحكم يجوز القياس عليه؛ سواء أكان حكمًا ثابتًا عن استعمال العرب، أم كان حكمًا ثابتًا بالقياس والاستنباط.
أما المسألة الثانية التي أوردها السيوطي في هذا الفصل فهي: حكم القياس على الأصل المختلف في حكمه، وقد اعتمد السيوطي في هذه المسألة على كلام الأنباري؛ غير أنه قد اختصره وقدم فيه وأخر؛ كما نبه على ذلك محقق (الاقتراح) الأستاذ الدكتور أحمد محمد قاسم -رحمه الله تعالى- غير أنه قد سها؛ فذكر أن كلام الأنباري في الفصل العشرين من كتابه (لمع الأدلة) وليس كذلك؛ وإنما هو في الفصل الثاني والعشرين الذي عنوانه: في الأصل الذي يرد إليه الفرع إذا كان مختلفًا فيه.
وقد ذكر الأنباري في هذا الفصل أن اختلاف العلماء في ذلك على قولين:
[ ٢٢٥ ]
أحدهما: أنه يجوز القياس على الأصل المختلف فيه؛ لأن المختلف فيه إذا قام الدليل عليه صار بمنزلة المتفق عليه.
والآخر: أنه لا يجوز القياس عليه؛ قال -﵀-: "اعلم أن العلماء اختلفوا في ذلك؛ فذهب قوم إلى أنه جائز، وتمسكوا في الدلالة على جواز ذلك: بأن الأصل المختلف فيه إذا قام الدليل عليه صار بمنزلة المتفق عليه، وذهب قوم إلى أنه لا يجوز، وتمسكوا في الدلالة على أنه لا يجوز بأنه لو جاز القياس على المختلف فيه لأدى ذلك إلى محال؛ وذلك لأن المختلف فيه فرع لغيره؛ فكيف يكون أصلًا والفرع ضد الأصل؟! ". انتهى.
وواضح مما سبق أمران:
أحدهما: أن الأنباري ذكر حجة كل فريق من الفريقين، وقد نقل ذلك كله السيوطي في (الاقتراح).
والآخر: أن الأنباري والسيوطي يذهبان مذهب القائلين بأنه يجوز القياس على الأصل المختلف فيه، ودليل ذلك أمور ثلاثة:
الأول: أنهما قدما هذا المذهب على غيره.
والثاني: أنهما ردَّا على حجة القائلين بالمنع؛ فإن حجة هؤلاء المانعين هي أن المختلف فيه فرع لغيره؛ فكيف يستقيم أن يكون فرعًا وأن يقاس عليه بعد ذلك فيكون أصلًا؟!.
وقد رد الأنباري -ووافقه السيوطي-: بأنه يجوز أن يكون الشيء فرعًا لأصل وأصلًا لشيء آخر، وهذان مثالان على ذلك:
المثال الأول: اسم الفاعل، فاسم الفاعل فرع عن الفعل في العمل؛ لأن الأصل للعمل أن يكون للأفعال؛ بدليل أن الأفعال كلها عمل؛ وإنما اعمل اسم الفاعل عمل الفاعل لأمور متعددة:
[ ٢٢٦ ]
أولها: أن الاسم استحق الإعراب بالأصالة والفعل استحق العمل بالأصالة؛ فلما أُعرب الفعل المضارع دخل فيما يستحقه الاسم -وهو الإعراب- فأعمل اسم الفاعل ليدخل فيما يستحقه الفعل -وهو العمل- ولذلك قال سيبويه في (الكتاب): "فكل واحد منهما داخل على صاحبه". انتهى.
وثانيها: أن اسم الفاعل يجري مجرى الفعل المضارع في حركاته وسكناته.
وثالثها: أن اسم الفاعل يثنى ويجمع كما أن الفعل تلحقه علامة التثنية والجمع.
ومعنى هذا: أن اسم الفاعل فرع عن الفعل في العمل، وهو -مع ذلك- أصل للصفة المشبهة؛ فالصفة المشبهة هي التي أشبهت اسم الفاعل في العمل؛ فهي فرع عن فرع عن أصل؛ يقول سيبويه في (الكتاب): "هذا باب الصفة المشبهة بالفاعل فيما عملت فيه ولم تقوَ أن تعمل عمل الفاعل؛ لأنها ليست في معنى الفعل المضارع". انتهى.
وإنما كانت الصفة المشبهة فرعًا عن اسم الفاعل لا عن الفعل؛ لبعدها عن الفعل؛ فإنها للثبوت والاستمرار والدوام؛ فتخالف شأن الفعل الذي هو للتجدد والحدوث.
والمثال الثاني: "لا" العاملة عمل "ليس": تعمل "لا" عمل "ليس"؛ فترفع المبتدأ اسمًا لها وتنصب الخبر خبرًا لها بشروط، وهي: أن يكون الاسم والخبر نكرتين، وألا يتقدم خبرها على اسمها، وألا ينتقض النفي بـ"إلا"، والأصل في العمل أن يكون لـ"ليس"؛ وإنما أعملت "لا" عمل "ليس" حملًا عليها؛ لأنها تشبهها في النفي والجمود، وكما كانت "لا" فرعًا في العمل؛ فإن "لات" فرع عن "لا"؛ لأن "لات" لما كانت مقرونة بحرف التأنيث صارت فرعًا لـ"لا" المجردة عنه.
[ ٢٢٧ ]
فمن النظر في هذين المثالين اللذين ساقهما الأنباري ونقلهما عنه السيوطي يمكن القول بأن الشيء يكون فرعًا لشيء وأصلًا لشيء آخر؛ ولذلك قال السيوطي: لا تناقض في ذلك لاختلاف الجهة، أي: لا تناقض في كون الشيء الواحد يتصف بالأصالة والفرعية لاختلاف الجهة؛ وإنما يقع التناقض أن يكون فرعًا من الوجه الذي يكون منه أصلًا، وأما من وجهين مختلفين؛ فلا تناقض في ذلك كما قال الأنباري.
وإذا ثبت أنه يجوز اتصاف الشيء بالأصالة والفرعية؛ ثبت أنه يجوز القياس على الأصل المختلف فيه، وهو رأي فريق من العلماء، وقد اختاره الأنباري والسيوطي.
هذا؛ وقد ذكر الأنباري والسيوطي مثالًا يمكن أن يستدل به على أنه يجوز القياس على الأصل المختلف فيه، وهو أن يقال: إن "إلا" هي عامل النصب في المستثنى؛ لأنه حرف قام مقام فعل يعمل النصب، وهو الفعل "أستثني"، أو "أُخرِج" أو نحو ذلك؛ فعمل النصب؛ كما أن حرف النداء "يا" قد عمل النصب في المنادى؛ لقيامه مقام الفعل: "أدعو" أو "أنادي".
ووجه الاستدلال بهذا المثال: أن كون حرف النداء هو عامل النصب في المنادى أمر مختلف فيه، وليس هذا القول موضع اتفاق بين النحويين؛ ومع كونه موضع خلاف بينهم؛ فإنه يجوز عده أصلًا يقاس عليه غيره؛ فيقال: إن "إلا" الاستثنائية هي عامل النصب في المستثنى الواقع بعدها؛ فجاز القياس على الأصل المختلف فيه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٢٨ ]