[ ٢٢٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس عشر
(القياس (٤»
العلة النحويةُ: وَثاقتُها، وأقسامُها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
فبقي أن تتعرف على الركن الرابع، وهو آخر أركان القياس وأهمها على الإطلاق، وهو: العلة النحوية:
أما الحديث عن وثاقة العلة:
فالعلة النحوية كما قال ابن الفرخان في كتابه (المستوفى): "في غاية الوثاقة فهي غير مدخولة، أو متسمح فيها، وليست كما ذهب إليه غَفَلة العوام واهية أو متمحلة". أما قول ابن فارس اللغوي -رحمه الله تعالى-:
مرت بنا هيفاء ممشوقة تركية تُنمى لتركيي
ترنو بطرف فاتر فاتن أضعف من حُجة نحويي
فهو يعني: العلل المتكلفة التي يتخيَّلها بعض النحاة. أما العلل المعتمدة: فهي كما قال عنها ابن جني في (الخصائص) مشيرًا إلى وثاقتها وقوتها: "وظهور وجهها أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين، وذلك أنهم يحيلون على الحسّ، ويحتجُّون فيه بثقل الحال أو خفَّتها على النفس، وليس كذلك حديث علل الفقه " إلى آخر ما قال.
فأوضح أن أكثر العلل النحوية تظهر حكمتها؛ لأنها تعتمد على الحس الذي هو أقوى الأدلة، وعلل الأحكام الفقهية كثيرًا ما تَخفى حكمتها عن الفقهاء؛ لأن عللهم مبنيَّة على الظنون؛ إذ الفقه مبناه على غلبة الظن؛ لأنها أمور تتعلق بأمور تعبديَّة، فإذا عجز الفقيه عن تعليل الحكم قال: "هذا تعبدي، وما عجز النحويون عن تعليل حكمه قالوا عنه: هو مسموع".
[ ٢٣١ ]
كما ذكر ابن جني في (الخصائص): "أنه لا شك أن العرب أرادت من العلل والأغراض ما استنبطه النحويون بدليل اطراد رفع الفاعل، ونصب المفعول، والجر بحروفه، والنصب بحروفه، والجزم بحروفه، وغير ذلك من التثنية، والجمع، والإضافة، والنسب، والتحقير، وما يطول شرحه من أبواب العربية العارضة للكلم، فهل يحسن بذي لُبٍّ أن يعتقد أن هذا كله اتفاق وقع وتَوارُد اتَّجه.
أما الاختلاف اليسير بين اللهجات العربية في الأحكام كالخلاف بين ما الحجازية والتميمية، فهو شيء غير محتفل به لقلته، ولكونه في الفروع. ومع هذا فلكل وجهه من القياس له ما يدل على وجاهته، وأنه يُؤخذ به، ولو كانت هذه اللغة حشوًا قليلًا، وحسوًا مهيلًا -يعني: لو كانت عشوائية أو اعتباطية- لكثر خلافها، وتعادت أوصافها، فجاء عنهم جرُّ الفاعل، ورفع المضاف إليه، والنصب بحروف الجزم" انتهى.
وأما الحديث عن أقسامها فقد ذكر السيوطي نقلًا عن كتاب (ثمار الصناعة) لأبي عبد الله الحسين بن موسى الدينوري المعروف بالجليس: "أن اعتلالات النحويين صنفان: علة تطرد على كلام العرب، وتنساق إلى قانون لغتهم. وعلة تُظهر حكمتهم وتكشف عن صحة أغراضهم، ومقاصدهم. والأولى هي الأكثر استعمالًا، والأشدّ تداولًا، والمشهور منها أربعة وعشرون نوعًا. وأورد السيوطي هذه الأنواع الأربعة والعشرين عن الجليس، وأردفها بذكر أمثلة لثلاثة وعشرين منها نقلًا عن كتاب (التذكرة) لأحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم القيسي تاج الدين المتوفى سنة تسع وأربعين وسبعمائة من الهجرة، ذاكرًا أن ابن مكتوم قد اعتاص عليه شرح علة منها، وشرحها، ومثَّل لها شمس الدين بن الصائغ الحنفي، المتوفى سنة ست وسبعين وسبعمائة من الهجرة.
[ ٢٣٢ ]
العلل وأمثلتها:
أما العلة الأولى: فهي علة سماع، وذلك قولهم: امرأة ثدياء، أي: عظيمة الثديين، ولا يُقال رجل أثدى؛ لعدم سماع ذلك.
والعلة الثانية: علة تشبيه، كإعراب الفعل المضارع لمضارعته للاسم، أي: لمشابهته له، وبناء بعض الأسماء لمشابهتها للحرف.
والعلة الثالثة: علة استغناء، كاستغنائهم بترك عن ودع ووزر.
والعلة الرابعة: علة استثقال، كاستثقالهم الواو في نحو: يعد وأصلها يوعد؛ لوقوعها بين عدوَّتيها: الياء، والكسرة.
والعلة الخامسة: علة فرق، وذلك فيما ذهبوا إليه من رفع الفاعل ونصب المفعول للفرق بينهما، وفتح نون الجمع وكسر نون المثنى للفرق بينهما كذلك.
والعلة السادسة: علة توكيد كإدخالهم نون التوكيد الخفيفة أو الثقيلة في فعل الأمر؛ لتوكيد إيقاعه.
والعلة السابعة: علة تعويض، كتعويضهم الميم المشددة في قولهم: "اللهم"، عوضًا من حرف النداء.
والعلة الثامن: علة نظير، ككسرهم أحد الساكنين إذا التقيا في الجزم كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (البينة: ٢) حملًا على الجر؛ إذ الجزم في الأفعال نظير الجرّ في الأسماء، لاختصاص كل واحد منهما بنوع من أنواع الكلمة والعمل فيه.
والعلة التاسعة: علة نقيض، كنصبهم اسم لا النافية للجنس حملًا على نصب إنّ لاسمها؛ لأن "لا" نقيضة "إن"؛ لأن "إن" لتوكيد الإثبات و"لا" لتوكيد النفي، فهما متناقضان.
[ ٢٣٣ ]
والعلة العاشرة: علة حمل على المعنى كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (البقرة: ٢٧٥) بتذكير فعل "الموعظة" وهي مؤنثة حملًا لها على المعنى؛ لأنها في معنى الوعظ.
والعلة الحادية عشرة: علة مشاكلة، كتنوين "سلاسل" مع كونه على صيغة منتهى الجموع في قوله تعالى: "سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا" (الإنسان: ٤) لمشاكلته لما بعده، والمشاكلة أن يُذكر الشيء بلفظ غيره؛ لوقوعه في صحبته.
والعلة الثانية عشرة: علة معادلة، وذلك مثل جرهم ما لا ينصرف بالفتح حملًا على النصب، ثم عادلوا بينهما -أي: بين النصب والجر- فحملوا النصب على الجر في جمع المؤنث السالم، فجعلوا علامتيهما في هذا الجمع الكسرة.
والعلة الثالثة عشرة: علة مجاورة، مثل جرِّهم نعت المرفوع في قولهم: هذا جحر ضبٍ خربٍ؛ لمجاورته للمجرور كما سبق بيانه.
والعلة الرابعة عشرة: علة وجوب، كتعليلهم رفع الفاعل ونحوه.
والعلة الخامسة عشرة: علة جواز، وذلك ما ذكروه في تعليل الإمالة من الأسباب المعروفة.
والعلة السادسة عشرة: علة تغليب، كتغليبهم المذكر على المؤنث في قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (التحريم: ١٢) فأدرجها في جمع المذكر السالم.
والعلة السابعة عشرة: علة اختصار كالترخيم، وهو حذف آخر المنادى، قال ابن مالك:
ترخيمًا احذف آخر المنادى كيا سُعى فيمن دَعَا سُعاد
وكحذف النون في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُ﴾ (النحل: ١٢٠).
[ ٢٣٤ ]
والعلة الثامنة عشرة: علة تخفيف، كإدغام المتماثلين أو المتقاربين.
والعلة التاسعة عشرة: علة أصل كـ"استحوذ" في قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩) من غير إعلال؛ رجوعًا إلى الأصل، ومثل "يؤكرم" من غير حذف الهمزة بمقتضى القياس، رجوعًا إلى الأصل قال الراجز:
فإنه أهل لأن يؤكرما
والعلة المتممة للعشرين: علة أولى كقولهم: إن الفاعل أولى برتبة التقديم من المفعول.
والعلة الحادية والعشرون: علة دلالة حال كقول المستهل -أي: الذي يرى الهلال- الهلال، أي: هذا الهلال؛ فحذف المبتدأ لدلالة الحال عليه.
والعلة الثانية والعشرون: علة إشعار، أي: إعلام كقولهم في جمع موسى ومصطفى: موسون ومصطفون، بفتح ما قبل الواو فيهما؛ إشعارًا بأن المحذوف ألف، والأصل: موسيون ومصطفيون، تحركت الياء فيهما وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألفًا، ثم حذفت لالتقائها ساكنة من الواو الساكنة.
والعلة الثالثة والعشرون: علة تضاد مثل قولهم في أفعال القلوب، وهي الأفعال التي يجوز إلغاؤها: إن هذه الأفعال متى تقدمت وأُكِّدت بالمصدر أو بضميره لم تلغ أصلًا، لما بين التأكيد والإلغاء من التضادّ؛ إذ التأكيد يدل على الاهتمام والاعتداد، والإلغاء يدل على خلاف ذلك.
والعلة الرابعة والعشرون، وهي العلة التي اعتاص على ابن مكتوم شرحها، وشرحها الشيخ شمس الدين بن الصائغ الذي رآها مذكورة في كتب المحققين كابن الخشاب البغدادي، فهي: علة تحليل، وذلك كاستدلالهم على اسميَّة كيف، بنفي حرفيتها؛ لأنها مع الاسم كلام، أي: ولا يكون الحرف مع الاسم كلامًا، وبنفي فعليَّتها
[ ٢٣٥ ]
لمجاورتها الفعل بلا فاصل كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (الفيل: ١) أي: ولا يجاور الفعلُ الفعلَ بلا فاصل، فتحلل عقد شُبَه خلاف المدَّعي.
وأما الصنف الثاني من العلل فلم يتعرض له الجليس، ولا بيَّنه، وإنما بينه ابن السراج في كتابه (الأصول في النحو) فقال: "واعتلالات النحويين على ضربين: ضرب منها هو المؤدِّي إلى كلام العرب كقولنا: كل فاعل مرفوع، وضرب آخر يُسمَّى علة العلة مثل أن يقولوا: لما صار الفاعل مرفوعًا والمفعول به منصوبًا، ولما إذا تحركت الياء والواو وكان ما قبلهما مفتوحًا قلبتا ألفًا، وهذا لا يكسبنا أن نتكلم كما تكلمت العرب، وإنما نستخرج منه حكمتها، ونبيّن بيها فضل هذه اللغة على غيرها من اللغات" انتهى.
وعقَّب عليه ابن جني بقوله في (الخصائص): "بأن هذا الذي سماه علة العلة، إنما هو تجوّز في اللفظ، فأما في الحقيقة فإنه شرح وتفسير وتتميم للعلة، ألا ترى أنه إذا قيل له: فلم ارتفع الفاعل؟ قال: لإسناد الفعل إليه، ولو شاء لابتدأ هذا فقال في جواب رفع زيد من قولنا قام زيد؛ إنما ارتفع لإسناد الفعل إليه، فكان مغنيًا عن قوله إنما ارتفع بفعله، حتى تسأله فيما بعدُ عن العلة التي ارتفع لها الفاعل، وهذا هو الذي أراده المجيب بقوله: ارتفع بفعله، أي: بإسناد الفعل إليه" انتهى.
الفرق بين العلة والسبب، ومحصولُ مذهب البصريين في العلل
اعتمد السيوطي على ما أورده ابن جني في (الخصائص) بعنوان: باب ذكر الفرق بين العلة الموجبة وبين العلة المجوزة، وما أورده في (الخصائص) كذلك بعنوان باب في تخصيص العلل وخلاصة المنقول عن البابين في (الاقتراح) ثلاثة أمور:
[ ٢٣٦ ]
أولها: أن أكثر العلل عند النحويين مبناها الإيجاب كنصب الفضلة وما شابهها كخبر كان، ومفعولي ظن، ورفع العمدة، وجر المضاف إليه، وأن هناك ضربًا آخر يُسمَّى علة، وإنما هو في الحقيقة سبب يجوِّز الحكم ولا يُوجبه كأسباب الإمالة فإنها علة جواز لا وجوب، والإمالة معناها أن تذهب بالفتحة جهة الكسرة، فإن كان بعد الفتح ألف ذهبتَ بالألف إلى جهة الياء كالفتى بإمالة الفتحة والألف، وإن لم يكن بعد الفتحة ألف أملت الفتحة وحدها فأشربتها شيئًا من صوت الكسرة، كنعمة، وسحر، بجعل فتحة الميم في نعمة، والحاء في سحر ممالة، وكذلك علَّة قلب واو "وقتت" همزة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (المرسلات: ١١) أُبدلت الواو همزة لكونها مضمومة ضمًّا لازمًا، ولثقل الضمة عليها، فكأنه اجتمع لك واوان، ومع ذلك يجوز إبقاؤها.
وقد قرأ أبو عمرو -وهو أحد القراء السبعة- "وُقتت"، وكذلك كل موضع جاز فيه إعرابان فأكثر، فظهر بهذا الفرق بين العلة والسبب، فما كان موجبًا حكمًا يُسمى علة، وما كان مجوِّزًا حكمًا يُسمى سببًا.
وخلاصة الأمر الثاني: أن محصول مذهب البصريين ومتصرف أقوالهم مبنيٌّ على جواز تخصيص العلل، يعني: ببعض المعلولات وعدم اطرادها في جميع الأفراد، وذلك لأن أكثرها يجري مجرى التخفيف والفرق، فلو تكلف متكلف نقضها لكان ذلك ممكنًا، وإن كان على غير قياس ومستثقلًا، كما لو تكلف تصحيح فاء ميزان وميعاد فقال: موزان وموعاد، وتكلف نصب الفاعل ورفع المفعول.
وليست كذلك علل المتكلمين لأنها لا قدرة على غيرها، فعلل النحويين متأخرة عن علل المتكلمين، ومتقدمة على علل المتفقهين. وعلل النحويين بهذا نوعان: نوع لا بد منه لأن النفس لا تطيق في معناه غيره، وهذا لاحق بعلل المتكلمين كقلب الألف واوًا لضم ما قبلها، وياء لكسر ما قبلها، وكمنع الابتداء بالساكن،
[ ٢٣٧ ]
والجمع بين الألفين المدَّتين، وتقدير الحركات في الاسم المقصور. ونوع يمكن تخلُّفه بمشقة، وهذا لاحق بعلل الفقهاء كقلب الواو الساكنة ياء لكسر ما قبلها؛ إذ يمكن أن تقول في عصافير: عصافِوْرٌ، لكن على كره ومشقة، ومنه تقدير الضمة والكسرة في الاسم المنقوص.
والأمر الثالث الأخير: أن النحويين قد انتزعوا العلل من كتب محمد بن الحسن وجمعوها منها بالملاطفة والرفق، ومحمد بن الحسن هو صاحب أبي حنيفة، ومؤلف الكتب النادرة في الفقه، وهو ابن خالة الفراء تُوفي بالرّي سنة ثمان وتسعين ومائة، في اليوم الذي مات فيه الكسائي، وقيل: إن الرشيد قال يومئذٍ: دَفَنت الفقه والعربية بالري.
الخلافُ في إثبات الحكم في محلّ النَّصّ
هذا العنصر هو موضوع الفصل العشرين في (لمع الأدلة) لأبي البركات الأنباري، وقد نقله السيوطي في (الاقتراح)، ومجمل هذا الموضوع اختلاف العلماء في إثبات حكم وارد في نصٍّ من كتاب، أو حديث، أو كلام العرب، كرفع لفظ الجلالة مثلًا في نحو: قال اللهُ، بماذا ثبت أبالنصّ أم بالعلة؟
فذكر الأكثرون إلى أنه يثبت بالعلة لا بالنص، أي: بإسناد فعل تقدَّمه إليه لا بالنص من المتكلم به؛ إذ لو كان بالنص لسُدَّ باب القياس، وصار الحكم مقصورًا على النص في محله، لأن القياس حمل فرع على أصل بعلة جامعة، فإذا فُقدت العلة الجامعة بطل القياس، وكان الفرع مأخوذًا من غير أصل، وذلك مُحال. ألا ترى أنا لو قلنا: إن الرفع والنصب في نحو: ضرب زيد عمرًا بالنص لا بالعلة؛ لبطل الإلحاق بالفاعل والمفعول والقياس عليهما، وذلك لا يجوز.
[ ٢٣٨ ]
وذهب بعضهم إلى أنه يثبت في محل النص بالنص، ويثبت فيما عداه بالعلة، وذلك نحو النصوص المقبولة عن العرب المقيس عليها بالعلة الجامعة في جميع أبواب العربية، واستدلَّ أصحاب هذا الرأي لذلك بأن النص مقطوع به، والعلة مضمونة، وإحالة الحكم على المقطوع به أولى من إحالته على المضموم، ولا يجوز أن يكون الحكم ثابتًا بالنص والعلة معًا؛ لئلا يكون مقطوعًا به مظنونًا في حالة واحدة، وذلك مُحال.
ولما كان الأنباري مع الأكثرين فقد ردَّ رأي مخالفيهم بقوله: "وقولهم: إن النص مقطوع به، والعلة مضمونة، وإحالة الحكم على المقطوع به أولى من إحالته على المضمون إلى آخر ما قرروا، قلنا: الحكم إنما يثبت بطريق مقطوع به، وهو النص، ولكن العلة هي التي دعت إلى إثبات الحكم، فنحن نقطع على الحكم بكلام العرب، ونظن أن العلة هي التي دعت الواضع إلى الحكم؛ فالظن لم يرجع إلى ما يرجع إليه القطع، بل هما متغايران، فلا تناقض بينهما" انتهى. يعني: أن طريق القطع مغاير لطريق الظن، فلا منافاة بين الأمرين ولا تضاد.
تقسيم العلة إلى بسيطة ومركبة
ذكر السيوطي أن العلة قد تكون بسيطة، وقد تكون مركبة. فالبسيطة هي التي يقع التعليل بها من وجه واحد، كالتعليل بالاستثقال في تقدير الضمة في حالة الرفع، والكسرة في حالة الجر في الاسم المنقوص، والجوار كتعليل جرّ "خرب" الواقع نعتًا لمرفوع في قولهم: "هذا جحر ضب خرب". بمجاورته لمجرور، والمشابهة كتعليل إعراب الفعل المضارع إذا لم يتصل بنوني التوكيد والنسوة بمشابهته للاسم، ونحو ذلك.
[ ٢٣٩ ]
والمركبة: هي ما تركبت من عدة أوصاف اثنين فصاعدًا، كتعليل قلب واو "ميزانٍ" و"ميعادٍ"، بوقوع كل منهما ساكنة إثر كسرة؛ إذ الأصل فيهما "موزان" و"موعاد"، لأنهما من الوزن والوعد؛ فالعلة في القلب فيهما ليس مجرد سكون الواو فقط، ولا وقوعها بعد كسرة فقط، بل العلة مجموع الأمرين معًا، وذلك كثير جدًّا.
وقد يُزاد في العلة صفة لضرب من الاحتياط أي: لا للتأثير ولا للاحتراز؛ بحيث لو أسقطت هذه الصفة لم يقدح فيها، أي: لم يؤثر إسقاطها في العلة، كتعليل ابن عصفور حذف التنوين من العلم الموصوف بابن مضاف إلى عَلَم، نحو: "هذا زيد بن سعيد"، بحذف التنوين من "زيد" بعلة مركبة من مجموع أمرين: كثرة الاستعمال مع التقاء الساكنين.
والنحاة غيره لم يُعلِّلوه إلا بكثرة الاستعمال فقط، بدليل حذفه من نحو: هذه هند بنت عاصم، على لغة من صرف هندًا، وإن لم يلتقِ هنا ساكنان، وكأنه لمَّا رأى انتقاض العلة احتاج إلى قوله: "ومن العرب من يحذف لمجرَّد كثرة الاستعمال" انتهى.
قال السيوطي: "وهذه -يعني: كثرة الاستعمال- العلة الصحيحة المطردة في الجميع، لا ما علل به أولًا" يريد السيوطي أن ما علَّل به ابن عصفور أولًا هو زيادة في العلة لضرب من الاحتياط، ومن الأمثلة التي أوردها السيوطي للعلة المركبة قول الزمخشري في (المفصل) في "الذي": "ولاستطالتهم إيَّاه بصلته، مع كثرة الاستعمال خفَّفوه من غير وجه فقالوا: الذِ. بحذف الياء، ثم الذ. بحذف الحركة، ثم حذفوه رأسًا واجتزءوا عنه بالحرف الملتبس به وهو لام التعريف، وقد فعلوا ذلك بمؤنث اللتي فقالوا: اللتِ، واللت" انتهى.
[ ٢٤٠ ]
أي: فالعلة فيما فعلوا من تخفيف في الاسم الموصول مجموع الأمرين: استطالته بالصلة أي: عدُّهم إياه طويلًا بسبب صلته، مع كثرة الاستعمال.
ومن العلل المركبة التي أوردها السيوطي أيضًا: ما نقله عن ابن النحاس في التعليل لالتزام العرب الفصل بين أن المخففة من الثقيلة وبين خبرها إذا كان جملة فعلية فعلها متصرف، لعلة مركبة من مجموع أمرين، وهما: العوض من تخفيفها، وإيلاؤها ما لم يكن يليها.
والفصل الذي أشار إليه ابن النحاس ما ذكره النحويون من أن المخففة من الثقيلة إذا وليها فعل متصرف يكون بجملته خبرًا لها؛ وجب أن يكون مفصولًا منها بـ"لن" نحو قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ (البلد: ٥)، أو بـ"لم" كقوله -﷿-: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ (البلد: ٧)، أو بـ"لا" كقول المولى -﵎-: "وحسبوا ألا تكونُ فتنة" (المائدة: ٧١) في قراءة رفع تكون، أو بشرط نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ (النساء: ١٤٠)، أو بـ"لو" كقوله -﷿-: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ (الأعراف: ١٠٠) أو بـ"قد" نحو قوله سبحانه: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ (المائدة: ١١٣)، أو بحرف تنفيس كقول الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (المزمل: ٢٠).
من شرط العلة: أن تكون هي الموجِبة للحكم
ذكر السيوطي أن من شرط العلة أن تكون هي الموجبة للحكم في المقيس عليه، وقال: "ومن ثَمَّ خطَّأ ابن مالك البصريين في قولهم: إن علة إعراب المضارع مشابهته للاسم في حركاته، وسكناته، وإبهامه، وتخصيصه؛ فإن هذه الأمور ليست الموجبة لإعراب الاسم، وإنما الموجب له قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة، ولا يميزها إلا الإعراب".
[ ٢٤١ ]
وأقول: إن مراد البصريين بمشابهة المضارع للاسم في حركاته وسكناته موافقته خصوص لفظ اسم الفاعل في مطلق الحركات والسكنات، وعدد الحروف مطلقًا، أي: بغضِّ النظر عن خصوص الحركة أو الحرف، وموافقته له في تعيين الحروف الأصول والزوائد، كما في قولك: يضرب وضارب، ويكرم ومكرم، وينطلق ومنطلق، ويستخرج ومُستخرج. ومرادهم بمشابهة المضارع للاسم في إبهامه وتخصيصه: أنه يحتمل الحال والاستقبال، وشيوعه في زمنين يؤدِّي إلى الإبهام، ويخصص لأحد الزمنين بالقرينة ككلمة الآن التي تُخصصه للحال، أو كلمة غدٍ التي تُخصصه للمستقبل، وهو في هذا يشبه الاسم ككلمة "رجل" مثلًا فهي اسم مبهم شائع في جميع أفراد جنسه دون تخصيص، وهو صالح للتخصيص بقرينة الوصف، أو دخول الألف واللام، والدليل على دلالة الاسم على معانٍ مختلفة لا يُميزها إلا الإعراب أنك لو قلت: "ما أحسن زيد" بالوقف بالسكون على الكلمتين بعد "ما"، احتمل الكلام ثلاثة معانٍ:
أنك تريد: ما أحسن زيدٌ، أي: نفي إحسان زيد، أو ما أحسن زيدًا أي: التعجب من إحسانه، أو ما أحسن زيدٍ؟ أي: الاستفهام عن أحسن جزء في زيد. فلولا الإعراب لالتبس التعجب بالاستفهام، والاستفهام بالنفي. وعليه فلا بد أن تكون هذه العلة، وهي توارد المعاني المختلفة المفتقرة في التمييز بينها إلى الإعراب على التركيب، هي الموجبة لإعراب الفعل المضارع، وذلك مثل قولهم: لا تأكل السمك وتشربُ اللبن، أو وتشربَ اللبن أو تشربِ اللبن؛ فالفعل "تأكل" مجزوم لوقوعه بعد لا الناهية الجازمة، وحُرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، ويجوز في الفعل تشرب الواقع بعد الواو ثلاثة أوجه بحسب ما تريد من المعاني؛ فإن أردت النهي عن كلٍّ من الفعلين على حدة جزمته، والواو عاطفة. وإن أردت النهي عن الجمع بينهما نصبته بأن مضمرة وجوبًا، والواو للمعية. وإن أردت النهي عن الأول فقط وإباحة الثاني رفعته، والواو للاستئناف، ولا يُبيِّن ذلك إلا الإعراب.
[ ٢٤٢ ]
الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة
ذكر السيوطي نقلًا عن أبي البركات الأنباري: "أن العلماء قد اختلفوا في التعليل بالعلة القاصرة، وهي التي لا تتجاوز محل النص المعلل بها إلى غيره، فجوَّزها قوم، ومنعها قوم آخرون، ومثَّل لها بالعلة في قولهم: "ما جاءت حاجتك"، بنصب "حاجتك"، وقولهم: "عسى الغوير أبؤسًا"، فإن "جاءت" و"عسى" فيهما أُجريَا مُجرى "صار"؛ فجعل لهما اسم مرفوع وخبر منصوب، ولا يجوز أن يجري مجرى "صار" في غير هذين المثالين، فلا يقال مثلًا: ما جاءت حالتك، أي: ما صارت. ولا جاء زيد قائمًا، أي: صار زيد قائمًا، كما لا يجوز عسى الغوير أنعمًا، ولا عسى زيد قائمًا؛ بإجراء عسى مُجرى صار".
وبيان ذلك: أن الأصل في جاء أن يكون فعلًا كسائر الأفعال، ومن العرب مَن لا يجعله متعديًا فيقول: جاء زيد إلى عمرو. ومنهم من يعدِّيه فيقول: جاء زيد عمرًا. فأما قول العرب: ما جاءت حاجتك، فمعناه: أية حاجة صارت حاجتك، فما في التركيب اسم استفهام مبتدأ في محل رفع، وجاءت بمعنى صارت، فهي فعل ماضٍ ناسخ ككان، واسمها ضمير مستتر فيها، وحاجتك خبرها، ومضاف إليه، والجملة الفعلية خبر ما في محل رفع.
وأما قولهم: "عسى الغوير أبؤسًا"، فالغوير: تصغير غارٍ، والأبؤس: جمع بؤس وهو الشدة، والمعنى: لعل الشَّرَّ يأتيكم من قبل هذا الغار يُضرب للرجل يقال له: لعل الشر جاء من قبلك. والشاهد في المثالين العربيين: أن العلة فيهما لا تتجاوزهما لغيرهما، واستدلَّ أبو البركات الأنباري على صحتها بأنها ساوت العلة المتعدية في الإخالة والمناسبة، وزادت عليها بظاهر النقل، أي: فيما هي
[ ٢٤٣ ]
خاصة به ومقصورة عليه، فإن لم يكن ذلك علامة للصحة؛ فلا أقل من ألا يكون علامة على الفساد. والإخالة هي المناسبة، فالعطف عطف تفسير، ومعنى الإخالة والمناسبة بيان وجه الارتباط والتعلق بين العلة والحكم.
وهناك رأي آخر مقابل للرأي السابق في العلة القاصرة ذكره السيوطي نقلًا عن الأنباري أيضًا، وهو: أن هناك قومًا قالوا عنها إنها علة باطلة لأن العلة إنما تراد لتعديتها، أي: لتعدية حكم الأصل إلى الفرع، وهذه العلة لا تعدية فيها، فلا فائدة لها لأنها لا فرع لها، والحكم فيها ثابت بالنص لا بها، أي: فيكون ذكرها حينئذٍ عبثًا. وأجيب بأنا لا نسلم أن العلة إنما تُراد للتعدية، فإن العلة إنما كانت علة لإخالتها ومناسبتها لا لتعديتها، أي: وإن كانت التعدية لازمة لها غالبًا، ولا نسلم أيضًا عدم فائدتها، فإنها تفيد الفرق بين المنصوص الذي يُعرف معناه، والمنصوص الذي لا يُعرف معناه، وهو الذي يقال له سماعي؛ فلا يقاس عليه لعدم تعقُّل معنى الحكم حتى يُنظر أوجد في غيره أم لا؟
وتفيد كذلك أنه ممتنع ردُّ غير المنصوص عليه، وتفيد أيضًا أن الحكم ثبت في المنصوص عليه بهذه العلة، وهذه الإجابة من الأنباري تدلُّ على أنه ممن يرى جواز التعليل بالعلة القاصرة لتعدد فوائدها. ونقل السيوطي عن ابن مالك ذكره في (شرح التسهيل): "أنهم علَّلوا سكون آخر الفعل المسند إلى التاء، ونحوه بقولهم: لئلا تتوالى أربع حركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وهذه العلة ضعيفة لأنها قاصرة؛ إذ لا يوجد التوالي إلا في الثلاثي الصحيح، وبعض الخماسي كانطلق وانكسر، والكثير لا يتوالى فيه والسكون عام في الجميع، قال السيوطي: "فمنع -أي: ابن مالك- العلة القاصرة".
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٤٤ ]