[ ٢٩٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع عشر
(تابع: أدلة متفرقة من أدلة النحو غير الغالبة)
الاستدلال بالأصول
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
النصف الثاني من الباب الخامس من أبواب كتاب (الاقتراح)، والذي عقده السيوطي للحديث عن: أدلة متفرقة من أدلة النحو:
إن السيوطي قد عوَّل على كلام أبي البركات الأنباري في كتابه (لمع الأدلة)، وقد ذهب الأنباري إلى أن الاستدلال بالأصول هو أحد أوجه الاستدلال التي تلحق بالقياس، ويعد الاستدلال بالأصول من جملة الأدلة التي يلجأ إليها النحوي عند المحاجاة والجدل؛ إذ إن المراد به: إبطال مذهب أو رأي بالرجوع إلى الأصل الذي أصَّله النحويون، ومن الأصول التي أصَّلها النحويون: أن يكون الرفع مقدمًا على غيره من أنواع الإعراب، وبهذا الأصل رد الأنباري مذهب القائلين بأن عامل الرفع في الفعل المضارع المرفوع هو تجرده من الناصب والجازم؛ لأن القول بالتجرد معناه: أن الفعل كان متلبسًا بهما، أي: بالناصب والجازم، قبل تجرده منهما، وفي القول بذلك مخالفة للأصول؛ إذ الأصل تقدم الرفع على غيره.
قال الأنباري في (لمع الأدلة): "وأما الاستدلال بالأصول فمثل أن يستدل على إبطال مذهب من ذهب إلى أن رفع المضارع إنما كان لسلامته من العوامل الناصبة والجازمة؛ لأن ما ذهب إليه يؤدي إلى خلاف الأصول؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الرفع بعد النصب والجزم؛ وهذا خلاف الأصول؛ لأن الأصول تدل على أن الرفع قبل النصب؛ لأن الرفع صفة للفاعل والنصب صفة للمفعول، وكما أن الفاعل قبل المفعول فكذلك الرفع قبل النصب، وكذلك تدل أصول على أن الرفع قبل الجزم لأن الرفع في الأصل من صفات الأسماء والجزم من صفات الأفعال، وكما أن رتبة الأسماء قبل رتبة الأفعال؛ فكذلك الرفع قبل الجزم" انتهى.
[ ٢٩٩ ]
وفي كلام أبي البركات الأنباري إجمال يحتاج إلى تفصيل يكشفه ويبينه:
إن الأنباري قد رد مذهبًا من المذاهب وأبطل قولًا من الأقوال بالرجوع إلى الأصول التي استقرت عند النحويين؛ فقد استقر عند النحويين أن الرفع مقدم على غيره من أنواع الإعراب؛ فهو مقدم على النصب والجزم؛ فإذا كان الفعل المضارع مرفوعًا فإنه لا يجوز -عند الأنباري- أن يقال: إن رافعه هو تجرده من الناصب والجازم؛ لأن التعبير بالتجرد منهما يؤدي إلى سبقهما للرفع، ويؤدي إلى أن المضارع تجرد منهما بعد أن كان متلبسًا بهما، وهو خلاف الأصول؛ إذ إن الأصول شاهدة بتقدم الرفع عليهما.
ويدل على تقدم الرفع على النصب: أن الرفع حكم ثابت للفاعل -وهو عمدة- كما أن النصب حكم ثابت للمفعول به -وهو فضلة- فكما أن الفاعل قبل المفعول منزلة واعتبارًا؛ فكذلك الرفع يكون قبل النصب منزلة واعتبارًا.
ويدل على تقدم الرفع على الجزم: أن الرفع في الأصل صفة من صفات الأسماء، والجزم من صفات الأفعال، والأسماء متقدمة في الرتبة على الأفعال؛ فكذلك الرفع متقدم في الرتبة على الجزم.
وخلاصة ما سبق: أن الأصل هو تقدم الرفع على النصب والجزم؛ فمن قال: إن المضارع مرفوع بتجرده من الناصب والجازم فقد قدم النصب والجزم على الرفع، وبذلك يكون قد خالف أصلًا من أصول النحاة فلا يُقبل قوله ولا يرتضى مذهبه عند الأنباري.
وهذا القول الذي رده الأنباري واستدل على إبطاله بأصول هو رأي حذاق الكوفيين؛ يقول الفراء في (معاني القرآن) عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (البقرة: ٨٣): رُفعت ﴿تَعْبُدُونَ﴾ لأن دخول "أنْ" يصلح فيها؛ فلما حذف الناصب رُفعت، انتهى.
[ ٣٠٠ ]
وهو القول الذي يجري على ألسنة المعربين، وقد قال ابن مالك في ألفيته:
ارفع مضارعًا إذا يُجرَّد من ناصب وجازم كتسعدُ
ونلحظ أن الأنباري قد أبطل هذا الرأي اعتمادًا على أن التجرد عن الناصب والجازم معناه: أن الفعل كان متلبسًا بهما قبل الرفع؛ ولكن يمكن أن يجاب عنه: بأن المراد بتجرد المضارع عن الناصب والجازم عدمُهما؛ وعبر عن العدم بالتجرد تنزيلًا للإمكان منزلة الحضور كما قالوا عند حفر بئر: "ضيِّقْ فمَها" أي: أوجدها ضيقة الفم.
ونختم الحديث بقول أحد الباحثين المعاصرين: والحق أن استدلال الأنباري السابق يبدو عليه التكلف؛ إذ يمكن الاعتراض عليه من عدة أوجه؛ فمن الممكن أن نقول: إن التعري أسبق من التقييد؛ فالتعري أولًا؛ ولما كان الرفع هو الأول كان ملازمًا للتعري؛ كما يمكن أن يقال: إن الفعل المضارع رفع لأنه لم يدخل عليه ناصب فينصبه ولا جازم فيجزمه، دون أن نمس أسبقية الرفع للنصب والجزم، يضاف إلى ذلك أن عوامل النصب والجزم في المضارع عارضة، وعندما لا تأتي هذه العوارض فإن المضارع يأخذ الحكم الأول؛ ولما كان الرفع الأول أخذ المضارع الرفع.
الاستدلال بعدم النظير
لقد أفرد ابن جني لعدم النظير بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب في عدم النظير، ولخصه السيوطي في (الاقتراح) وبدأه بقوله: ومنها الاستدلال بعدم النظير يعني: ومن أدلة النحو المتفرقة التي لا تحصر: عدم النظير: والمراد به: ألا يكون للشيء نظائر في بابه، بمعنى: أنه واحد لم يرد به سماع، ومعنى الاستدلال به: النفي لعدم وجود دليل الإثبات؛ ولذلك قال السيوطي: وإنما يكون دليلًا على النفي لا على الإثبات، ومعنى ما ذكره السيوطي: أن النظير يصحح الحكم
[ ٣٠١ ]
النحوي وأن عدمه ينفيه، وقد أكثر النحويون من الاحتكام إلى النظائر، وتعددت أقوالهم الدالة على قبولهم ما له نظير وردهم ما ليس له نظير.
ومن أقوالهم الدالة على ذلك قولهم: الحمل على ما له نظير أولى من الحمل على ما لا نظير له، وقولهم: ما لا نظير له في العربية ولا يشهد له شاهد من العلل النحوية يكون فاسدًا، وقولهم: الحمل على ما له نظير -وإن قل وخرج عن القياس- أولى من قول لا نظير له، وقولهم: إذا أدى القول إلى ما لا نظير له وجب رفضه واقتراح الذهاب إليه.
ومع كثرة أقوال النحويين في هذا الشأن فإنه لا يشترط إيجاد النظير في إثبات شيء إذا قام الدليل معه؛ وإنما يجب إيجاد النظير إذا لم يقم الدليل، وإلى هذا الأمر أشار ابن جني بقوله في (الخصائص): "أما إذا دل الدليل فإنه لا يجب إيجاد النظير، وذلك مذهب صاحب (الكتاب)؛ فإنه حكى فيما جاء على فعِل "إِبِلًا" وحدها، ولم يمنع الحكم بها عنده أن لم يكن لها نظير؛ لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأنس به لا للحاجة إليه" انتهى.
ومعنى ما ذكره ابن جني: أن سيبويه -﵀- لم يذكر مما جاء على وزن فعِلٍ -بكسر الفاء والعين- إلا كلمة واحدة وهي: "إبِلٌ"، وقال في (الكتاب): "لا نعلم في الأسماء والصفات غيره" انتهى.
ولم يمنع سيبويه هذا الوزن مع أنه لا يعلم له نظيرًا؛ لأنه قد قام الدليل من السماع الصحيح على وجوده، وإذا قام الدليل على إثبات شيء لم يكن هنا حاجة إلى إيجاد نظيره ولا عبرة بعدمه، وإذا وُجِد فإنه يكون مؤنسًا ولا يتوقف ثبوت الحكم عليه، وقد قال ابن جني في (الخصائص): "إذا قام الدليل لم يلزم النظير" انتهى.
[ ٣٠٢ ]
ومما قام الدليل على صحته ولا نظير له في الكلام: لفظ "أَنْدَلُس" -بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال وضم اللام- وقد قام الدليل فيه على زيادة النون: وهو أنه لو لم يحكم بزيادتها لحكم بأصالتها؛ فيكون الوزن فَعْلَلُلًَا، وليس في ذوات الخمسة الأحرف شيء على وزن "فَعْلَلُلٍ" تكون فيه النون أصلًا لوقوعها موقع العين؛ فوجب أن تكون النون زائدة، وأن يكون على وزن "أَنْفَعُلٍ" -بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الفاء وضم العين- وليس في العربية على هذا الوزن غير هذا اللفظ، وهو مقبول غير مردود، مع أنه بناء لا نظير له؛ وإنما قُبِل هذا البناء مع عدم نظيره لقيام الدليل عليه.
والدليل: هو أن النون زائدة لا محالة، وإذا ثبت زيادة النون بقي في الكلمة ثلاثة أحرف أصول، وهي: الدال، واللام، والسين، وفي أولها همزة؛ ومتى وقع ذلك حكمت بزيادة الهمزة؛ لأنها واقعة قبل ثلاثة أصول، ولا تكون النون أصلًا والهمزة زائدة؛ لأن ذوات الأربع لا تلحقها الزيادة من أولها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها نحو: مدحرِج وبابه؛ فقد وجب إذًا أن الهمزة والنون زائدتان؛ وعليه تكون الكلمة على وزن: "أَنْفَعُلٍ"، وإن كان مثالًا لا نظير له.
ومما قام الدليل على صحته ولم يثبت له في الكلام نظير أيضًا: ما ذكره سيبويه من أنه قد ثبت في كلامهم فعُلتَ تفعَل -بضم العين في الماضي وفتحها في المضارع- وهو: كُدْتَ تكاد، ولا يوجد غيره؛ كما أثبت سيبويه وزنًا هو "إِنْفَعْلٌ" -بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الفاء وسكون العين- وقد أثبته سيبويه بكلمة "إِنْقَحْلٍ": وهو الرجل الذي يبس جلده على عظمه من البؤس والكبر والهرم، وإن لم يحكِ غيره.
ومن هذه الأمثلة وغيرها يتبين لنا: أنه إذا قام الدليل على صحة شيء لم تكن هناك حاجة إلى النظير، وقد أشار إلى ذلك ابن جني بقوله في (الخصائص): "ألا
[ ٣٠٣ ]
تعلم أن القياس إذا أجاز شيئًا وسُمِع ذلك الشيء عينه؛ فقد ثبت قدمه وأخذ من الصحة والقوة مأخذه، ثم لا يقدح فيه ألا يوجد له نظير؛ لأن إيجاد النظير وإن كان مأنوسًا به فليس في واجب النظير إيجاده" انتهى.
وقال: "وليس يلزم إذا قاد الظاهر إلى إثبات حكم تقبله الأصول ولا تستنكره ألا يحكم به حتى يوجد له نظير؛ وذلك أن النظير -لعمري- مما يؤنس به؛ فأما ألا تثبت الأحكام إلا به؛ فلا" انتهى.
ومعنى ما ذكره ابن جني: هو أن النظير يوجد للأنس به عند عدم الدليل ولا يُلتفت إليه ولا يُعوَّل عليه إذا قام الدليل على حكم نحوي؛ وإذا ورد الدليل فإن عدم النظير لا يضر، وأنه لا يُنظر إلى عدم النظير عند قيام دليل الحكم وثبوته؛ وإنما تكون الحاجة إلى إيجاد النظير إذا لم يقم الدليل.
وقد نبه ابن جني على ذلك بقوله في (الخصائص): "فأما إن لم يقم دليل فإنك محتاج إلى إيجاد النظير؛ ألا ترى إلى "عِزْوِيت" لما لم يقم الدليل على أن واوه وتاءه أصلان احتجت إلى التعلل بالنظير؛ فمنعت من أن يكون "فِعوِيلًا" لما لم تجد له نظيرًا وحملته على "فعليت"؛ لوجود النظير وهو: عفريت، ونفريت؟! " انتهى.
ويفيد كلام ابن جني هنا أن النظير يحتاج إليه إذا لم يقم الدليل؛ فلفظ "عِزْوِيت" ومعناه: القصير، أو هو اسم موضع لا دليل فيه على أن واوه وتاءه حرفان أصليان؛ فربما يكونان أصليين وربما يكونان زائدين، ويختلف وزنه باختلاف القول بأصالتهما وزيادتهما؛ فيحتمل أن يكون على وزن "فِعويل" وأن يكون على وزن "فِعليت"، والوزن الأول -فعويل- لا نظير له، والثاني -فعليت- له نظير نحو: عفريت ونفريت؛ فصح أن القول بأنه على وزن "فعليت" هو القول المرضي لوجود نظائره.
[ ٣٠٤ ]
وإذ قد انتهينا إلى معرفة أن النظير يحتاج إليه إذا لم يكن هناك دليل؛ فإننا نشير إلى أن النحويين قد احتجوا كثيرًا بعدم النظير، وردوا ما لا نظير له في الكلام، والأمثلة على ذلك في النحو والصرف كثيرة جدًّا، نذكر منها ما يلي:
أولًا: ما استدل به المازني ردًّا على من زعم أن السين و"سوف" ترفعان الفعل المضارع؛ فقد رد المازني هذا القول بأنه لا يوجد في العربية عامل في الفعل تدخل عليه اللام، وقد دخلت اللام على "سوف" في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (الضحى: ٥) فالقول بعمل "سوف" يفضي إلى عدم النظير.
ثانيًا: احتج به أبو عليٍّ الفارسي على من قال: إن النون في "شيطان" زائدة، واستدل على أن لفظ "شيطان" على وزن "فَيْعالٍ"، مثل لفظ: "بَيْطارٍ" وليس على وزن "فعلان" اعتمادًا على ما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: شيطنته فتشيْطن؛ فلو كان من شاط يشيط؛ لكان شيطنته فتشيطن: فعلنته فتفعلن، ولا نعلم هذا الوزن جاء في كلامهم؛ مما يدلك على أنه على فَيْعلته مثل بَيْطرته.
ووجه الاستدلال بما ذكره أبو علي أنه استدل على أصالة النون في لفظ "شيطان" بما حكاه سيبويه عن العرب من قولهم: "تشيطن" وهو على وزن "تفيعل" لا "تفعلن"؛ إذ ليس من أبنيتهم -أعني: من أوزانهم-: تفعلن؛ فالنون هي لام الكلمة؛ فحمل أبو علي لفظ تشيْطن على ما له نظير نحو: تدهقن، أي: صار دهقانًا، وهو -أي: الدهقان-: رئيس القرية أو الكثير المال، ولم يحمله على ما لا نظير له في كلامهم.
ثالثًا: احتج به ابن جني على رد قول المازني: إن الواو في "حيوان" أصلية وغير منقبلة عن ياء، ورد عليه بأن ما عينه ياء ولامه واو غير موجود في الكلام ولا نظير له، وذكر أن ما أجازه المازني مخالف للخليل وسيبويه؛ لأنهما يريان أن
[ ٣٠٥ ]
أصل حيوان: "حييان"، بياءين؛ فقلبت الياء الواقعة لامًا واوًا استكراهًا لتوالي ياءين، ولا نعرف في الكلام ما عينه ياء ولامه واو؛ فذلك لا نظير له؛ فلا بد أن تكون الواو بدلًا من ياء.
رابعًا: احتج به أبو علي الشَّلَوبين على رد قول من قال: إن الواو والألف والياء في الأسماء الستة علامات إعراب؛ لأن قوله يؤدي إلى عدم النظير، وأوضح بأنا إذا قلنا بذلك في "فوك وذو مال" كان كل واحد منهما اسمًا معربًا على حرف واحد، وهذا لا نظير له في الأسماء المبنية إلا في الضمائر المتصلة بها؛ فما ظنك به في الأسماء المعربة؟!.
خامسًا: احتج به الأنباري على رد مذهب الكوفيين في إعراب الأسماء الستة وتأييد مذهب البصريين؛ إذ ذهب البصريون إلى أنها معربة من مكان واحد، والواو والألف والياء هي حروف الإعراب، وذهب الكوفيون إلى أنها معربة من مكانين، وأيد الأنباري مذهب البصريين بأن له نظيرًا لأن كل معرب في كلامهم ليس له إلا إعراب واحد؛ كما رد مذهب الكوفيين بأنهم ذهبوا إلى ما لا نظير له في كلامهم؛ فإنه ليس في كلامهم معرب له إعرابان، والمصير إلى ما له نظير أولى من المصير إلى ما لا نظير له.
سادسًا: احتج به ابن مالك على رد مذهب الزجاج والسيرافي في فتحة: "لا رجلَ وشبهِه"، فقد ذهب الزجاج والسيرافي إلى أن هذه الفتحة فتحة إعراب وأن التنوين حذف منها تخفيفًا ولشبهه بالمركب، ورده ابن مالك بأنه يستلزم مخالفة النظائر؛ لأن الاستقراء قد أطلعنا على أن حذف التنوين من الأسماء المتمكنة لا يكون إلا لمنع صرف، أو للإضافة، أو لدخول الألف واللام، أو لكونه في علم موصوف بابن مضاف إلى علم، أو لملاقاة ساكن، أو لوقف، أو لبناء، واسم لا النافية للجنس ليس واحدًا مما سبق.
[ ٣٠٦ ]
سابعًا: احتج به أبو حيان على رد مذهب الفراء في باب التنازع، هذا المذهب القائل: إذا استوى العاملان في طلب المرفوع فالعمل لهما، وذلك نحو: قام وقعد زيد، ويحسن ويسيء ابناك؛ فهو يرى أن العاملين في كل جملة من الجملتين السابقتين ونحوهما كالعامل الواحد؛ لأن مطلوبهما واحد؛ فرد ذلك أبو حيان بأنه يؤدي إلى عدم النظير؛ إذ لا يجتمع عاملان على معمول واحد إلا في التقدير نحو: "ليس زيد بجبان"، يعني: لا يجوز أن يجتمع عاملان على معمول واحد في اللفظ وإن توجها إليه في المعنى؛ لأن العوامل كالمؤثرات، ولا يجوز اجتماع مؤثرين في محل واحد.
فهذه سبعة أمثلة تدل على عناية العلماء بالنظير واحتجاجهم بعدم النظير.
الاستحسان
إن الاستحسان -في أصله- مصطلح من مصطلحات الفقه وأصوله، وهو أحد الأدلة المختلف فيها عند الفقهاء، وكما اختلف الفقهاء في الأخذ به اختلف النحويون أيضًا في الأخذ به على قولين:
الأول: عدم الأخذ بالاستحسان؛ لأن في الأخذ به تركًا للقياس ومخالفة له.
والثاني: جواز الأخذ به.
وقد حكى القولين أبو البركات الأنباري فقال: في (لمع الأدلة): "اعلم أن العلماء اختلفوا في الأخذ به: فذهب بعضهم إلى أنه غير مأخوذ به لما فيه من التحكم وترك القياس، وذهب بعضهم إلى أنه مأخوذ به، واختلفوا فيه فمنهم من قال: هو ترك قياس الأصول لدليل، ومنهم من قال: هو تخصيص العلة" انتهى.
[ ٣٠٧ ]
ومعنى ما ذكره أبو البركات الأنباري: أن القائلين بجواز الأخذ بالاستحسان قد اختلفوا في حقيقته، فذهب بعضهم إلى أن المراد به هو أن يُترك الأصل إلى غيره لدليل.
وقد ذكر الأنباري أن من أمثلة ترك قياس الأصول مذهب من ذهب إلى أن رافع الفعل المضارع عند تجرده من الناصب والجازم هو حرف المضارعة الزائد في أوله، يعني: أن القائل بذلك قد ترك قياس الأصول؛ لأن حرف المضارعة صار جزءًا من الفعل، والأصول تدل على أن يكون العامل غير المعمول وألا يكون جزءًا منه؛ لأن جزء الشيء لا يعمل فيه، وقد نسب هذا الرأي للكسائي، وقد ترك قياس الأصول لدليل اعتمد عليه، وهو ملازمة هذه الأحرف للمضارع في الأحوال الثلاثة؛ ولم تعمل مع عاملي النصب والجزم لقوتهما عنها.
وذهب بعضهم إلى أن المراد بالاستحسان، هو: تخصيص العلة، ومعنى تخصيص العلة: عدم اطِّرادها، ومثال تخصيص العلة: ما جاء في جمع أرض جمع مذكر سالمًا بالواو والنون رفعًا، والياء والنون نصبًا وجرًّا مع أنها ليست علمًا لمذكر ولا صفة له؛ فقد فقدت شروط جمع المذكر السالم لأنها اسم جنس جامد مؤنث؛ وإنما جمعت هذا الجمع؛ فقيل: أرَضون؛ عوضًا من حذف تاء التأنيث؛ لأن الأصل أن يقال في أرض: أرضة؛ بالهاء الدالة على التأنيث؛ لأنها علامة لفظية؛ فهي أصل لتقديرها؛ فلما حذفت التاء في اللفظ مع بقاء معناها جمعت بالواو والنون عوضًا من التاء المحذوفة.
ونلحظ أن هذه العلة غير مطردة؛ فالعرب قد خصصوا هذه اللفظة بجمعها جمع مذكر سالمًا، ولم يسمع ذلك في نظائرها من كل اسم مؤنث حذفت منه تاء التأنيث، نحو: شمس، وقِدر، ودار؛ فإن الأصل في هذه الكلمات الثلاث:
[ ٣٠٨ ]
شمسة، وقدرة، ودارة، ولا يجوز أن تجمع بالواو والنون؛ فلا يقال: شمسون، ولا قدرون، ولا دارون؛ لأن هذا الباب سماعي يقتصر فيه على ما ورد ولا يتعداه إلى غيره.
كما نلحظ أن الاستحسان لا يكون إلا عن دليل؛ لأن فيه عدولًا عن القياس ولا يعدل عن القياس إلا بدليل؛ ولذلك نعى الأنباري على من أجاز الاستحسان بلا دليل، وذكر أن القائل بذلك لا يلتفت إلى قوله ولا يعوَّل عليه، وأن ما حكي عن بعضهم من أن الاستحسان هو ما يستحسنه الإنسان من غير دليل فليس عليه تعويل.
وبعد أن عرضنا مذهبي العلماء في الاستحسان نشير إلى أن ابن جني كان ممن يأخذون به وقد أفرد له في (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في الاستحسان، وبيَّن ابن جني في مقدمة هذا الباب أن علة الاستحسان ضعيفة غير مستحكمة إلا أن فيه ضربًا من الاتساع والتصرف، ومع ضعف علته؛ فإن ابن جني ساق كثيرًا من الأمثلة مستدلًّا عليها بالاستحسان؛ وعليه اعتمد السيوطي فنقل في كتابه (الاقتراح) بعض هذه الأمثلة وأعرض عن بعض؛ كما نقل مثالًا عن صاحب (البديع).
ونحن نذكر هنا جميع ما نقله السيوطي في (الاقتراح) ثم نتبعه بمثال مما ذكره ابن جني في (الخصائص) ولم يذكره السيوطي:
المثال الأول: ترك الأخف إلى الأثقل من غير ضرورة؛ كقلب الياء واوًا في نحو: الفتوى، والتقوى؛ فإن الأصل فيهما وفي نحوهما: أن يكون بالياء بأن يقال: فتيا، وتقيا؛ لأن الكلمة الأولى من فتى يفتي، والثانية من وقى يقي؛ ولكن
[ ٣٠٩ ]
العرب قد خالفوا هذا الأصل؛ فقلبوا الياء فيهما واوًا من غير علة قوية توجب قلب الياء؛ لأنه يمكن بقاؤها على حالها من غير مخالفة شيء من الأصول؛ وإنما انقلبوا استحسانًا للقلب وإيماءً للفرق بين الاسم والصفة؛ وخصوا الاسم بالإعلال لأنه أخف من الصفة فكان أحمل للأثقل.
وهذه علة ضعيفة وليست علة معتدة كما قال ابن جني، ووجه ضعفها وعدم اعتدادها: أن الاسم شارك الصفة في أشياء أخرى، ولم يوجب العرب على أنفسهم التفرقة بينهما في جميع ما اشتركا فيه، ومما اشتركا فيه: تكثيرهما على وزن واحد؛ فقد قالوا في تكسير حسن: حسان؛ كما قالوا في تكسير جبل: جبال، فوزن جمع الاسم وجمع الصفة واحد -وهو فِعال- وقالوا في تكسير غفور: غُفُر، كما قالوا في تكسير عمود: عُمُد؛ فلم يختلف وزن الاسم عن وزن الصفة، ومعنى ذلك: أن علة الفرق بين الاسم والصفة علة ليست مطردة؛ فدل ذلك على أنها علة ضعيفة غير مستحكمة؛ لأنها لو كانت مستحكمة لاطَّردت في جميع المواضع.
والمثال الثاني: التنبيه على أن أصل الباب في نحو: ﴿اسْتَحْوَذَ﴾، من قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩)، و"أطْوَلْتَ" من قول الشاعر:
صددت فأطْوَلْتَ الصدود وقَلَّما وصالٌ على طول الصدود يدوم
ومطيبة من قولهم: هو مطيبة للنفس.
فقد وجد في هذه الألفاظ الثلاثة ما يقضي بإعلالها فيقال: استحاذ، وأطلت، ومطاب؛ ولكن بقيت الواو في الأولين والياء في الأخيرة بحالها، مع قيام مقتضى الإعلال استحسانًا؛ تنبيهًا على أن الألف في نحو قولنا: استقام، أصله الواو وعلى أن أصل نحو: مقامة، هو مقومة.
[ ٣١٠ ]
والمثال الثالث: بقاء الحكم مع زوال علته؛ فالأصل أن الحكم مرهون بعلته؛ فإن زالت العلة زال الحكم إلا أن يكون في الكلام استحسان؛ فتزول العلة ويبقى الحكم؛ كما في قول الشاعر:
حمًى لا يُحِل الدهر إلا بإذننا ولا نسأل الأقوام عقدَ المياثق
فإن "المياثق" جمع مفرده: ميثاق، والأصل فيه: موثاق، وقد وقعت الواو ساكنة بعد كسرة فقلبت ياء، وقيل: ميثاق، ويجمع على مواثق؛ برد الواو إلى أصلها؛ لأن العلة التي أوجبت قلبها في المفرد قد زالت، وهي: كسر ما قبلها مع سكونها؛ لكن استحسن هذا الشاعر ومن تابعه إبقاء القلب مع زوال العلة؛ فقال في جمعه: "مياثق" بإبقاء القلب، والذي حسَّن بقاء القلب: هو أن الجمع غالبًا تابع لمفرده إعلالًا وتصحيحًا؛ فلما أعل المفرد بقلب الواو ياء وقيل: "ميثاق"؛ أعل الشاعر الجمع تبعًا لمفرده استحسانًا، لا عن علة قوية مستحكمة.
والمثال الرابع: صرف الممنوع من الصرف إذا كان ثلاثيًّا ساكن الوسط نحو: هند، ونوح؛ فالقياس في هذين الاسمين: المنع من الصرف؛ فيمنع الأول من الصرف للعلمية والتأنيث، ويمنع الثاني من الصرف للعلمية والعجمة؛ ولكن هذا القياس قد خولف؛ فصرف هذان الاسمان ونحوهما تخفيفًا؛ فعلة الصرف الاستحسان مع قيام علة المنع، والخفة علة للاستحسان.
المثال الخامس: إلحاق نون التوكيد اسم الفاعل: فالأصل في نون التوكيد أن تلحق الفعل المضارع، وقد لحقت اسم الفاعل في قول الراجز:
أريتَ إن جئتُ به أُملودا مُرَجَّلًا ويلبس البرودا
أقائلنَّ أحضروا الشهودا
[ ٣١١ ]
فقد لحقت نون التوكيد اسم الفاعل: "أقائلن" تشبيهًا له بالفعل المضارع؛ قال ابن جني: فهذا استحسان لا عن قوة علة ولا عن استمرار عادة؛ ألا تراك لا تقول: أقائمن يا زيدون، ولا أمنطلقن يا رجال؟! إنما تقوله بحيث سمعته وتعتذر له وتنسبه إلى أنه استحسان منهم على ضعف منه واحتمال للشبهة له.
الدليلُ الْمُسَمَّى بالباقي
إن المراد به بقاء الدليل على حكمه الأصلي في جانب معين، بعد ما خولفت الجوانب الأخرى لعلة اقتضت ذلك: ومن أمثلة ذلك: أن الأصل في الفعل أن يكون مبنيًّا لعدم وجود علة تقتضي الإعراب، وقد خولف هذا الدليل في دخول الرفع والنصب الفعل المضارع؛ لأن هناك علة اقتضت ذلك، وهي: مشابهة المضارع اسم الفاعل؛ ولكن بقي الجر؛ فلم يجز أن يدخل المضارع؛ فكان الجر هو الدليل الباقي على أن الأصل عدم دخول الإعراب على الفعل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٣١٢ ]