[ ٢١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني
(اللغة: وضع أم اصطلاح؟ ومناسبة الألفاظ للمعاني)
اختلاف العلماء في وضع اللغة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
فنتعرف فيه على إجابة هذا السؤال:
اللغة: أهي من وضع الله تعالى أم من وضع البشر وعلى مناسبة الألفاظ للمعاني، وعلى الدلالات النحوية؟
اختلف العلماء اختلافًا طويلًا في بيان واضع اللغة، وقد عقد ابن جني بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب القول على أصل اللغة، أإلهام هي أم اصطلاح؟ وقال في صدارة هذا الباب، "هذا موضع مُحوج إلى فضل تأمّل" وهي عبارة توحي بأنه موضوع دقيق يحتاج إلى شدَّة معاناة، وإمعان نظر؛ ولذلك اختلف العلماء قديمًا وحديثًا فيه، وتنوعت آراؤهم، وتعددت مذاهبهم، ومع ذلك -كما قيل- لم يصل في بحثهم إلى نتائج يقينية، بل كان جُلّ آرائهم يصطبغ بالصبغة الشخصية ولم يتجاوز مرحلة الظن والحدس والتخمين، ونسوق هنا أشهر هذه المذاهب في ضوء ما أورده السيوطي منها:
المذهب الأول: مذهب الوحي والإلهام، أو هو مذهب التوقيف، وهو أن اللغة بوضع الله -﵎- علمها الله تعالى نبيه آدم -﵇- ووقَّف عليها عباده، وهذا المذهب منسوب إلى الأشعري، وهو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق المتوفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة من الهجرة، وقد اختار هذا المذهب جماعة من العلماء، منهم: أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي المعروف المتوفى سنة خمس وتسعين وتسعمائة من الهجرة، وبسط القول في كتابه المسمى بـ (الصاحبي) في توضيح هذا الرأي، وبيان الأسباب التي دعته إلى اختياره، فذكر: "أن دليل ذلك قول الله -جل ثناؤه-: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: ٣١)
[ ٢٣ ]
فكان ابن عباس -﵄- يقول: علمه الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة، وأرض، وسهل، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها"، وأجاب ابن فارس على ما قد يوجه إلى هذا المذهب من اعتراض مضمونه: لو كان ذلك كما تذهب إليه لقال الخالق -﵎-: "ثم عرضهنَّ"، أو "ثم عرضها"، لكنه سبحانه قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ (البقرة: ٣١) فمنطوق الآية يدل على أن المعروض عليهم جماعة العقلاء، أي: أعيان بني آدم أو الملائكة؛ لأن موضوع الضمير في كلام العرب أن يقال لمن يعقل: عرضهم، ولما لا يعقل: عرضها أو عرضهنّ.
وقد أجاب ابن فارس بأن ما ورد في الآية الكريمة جاء مطابقًا لسنّة من سنن العرب في كلامهم؛ فمن سنن كلامهم ما يُعرف بالتغليب، فهم يغلّبون على الشيء ما لغيره لاختلاط بين الشيئين، فإذا اختلط جمع ما لا يعقل بجمع من يعقل غُلّب جمع من يعقل كقول الله -﵎-: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (النور: ٤٥) فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ تغليبًا لمن يمشي على رجلين، وهم بنو آدم، وأشار ابن فارس إلى أنه ليس معنى أن اللغة توقيفية أنها جملة واحدة في زمان واحد، بل وقف الله -﷿- آدم -﵇- على ما شاء أن يُعلّمه إيَّاه في زمانه، ثم علَّم بعده من عرب الأنبياء -صلوات الله عليهم- نبيًّا نبيًّا ما شاء أن يعلمه، حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فآتاه الله ما لم يؤتِه أحدٌ قبله، ثم قر الأمر قراره، فلا نعلم لغةً حدثت بعده. وقال السيوطي: "ومال إلى هذا القول ابن جني، ونقله عن شيخه أبي علي الفارسي وهما من المعتزلة".
والمذهب الثاني: أنها اصطلاحية وضعها البشر، وهو مذهب أبي هاشم الجبائي المعتزلي المتوفى ببغداد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة من الهجرة، ثم اختلف
[ ٢٤ ]
أصحاب هذا المذهب فيمن وضع اللغة من البشر على ثلاثة آراء، فقيل: وضعها آدم -﵇- وقد ذكر ابن جني أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة، إنما هو تواضع واصطلاح، لا وحي وتوقيف، وعندما قال له شيخه أبو علي الفارسي يومًا: هي من عند الله، واحتج بآية البقرة السابقة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: ٣١) ذكر ابن جني أن الآية الكريمة لا تقطع بكون اللغة توقيفية؛ إذ يجوز أن تؤوَّل على معنى أقدر الله آدم -﵇- على أن واضع عليها، وقيل: لعله كان يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا، فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء المعلومة، فوضعوا لكل واحد منها سمة ولفظًا؛ إذا ذُكر عُرف به مسماه، وامتاز به عن غيره، وأغنى ذكره عن إحضاره إلى مرآة العين؛ إذ ربما قد يُحتاج في كثير من الأحوال إلى ذكر ما لا يُمكن إحضاره كالمعاني، وقيل: إن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدويّ الريح، وخرير الماء، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونهيق الحمار ونحو ذلك، ثم وُلدت اللغات عن ذلك فيما بعد. قال ابن جني: "وهذا عندي وجه صالح ومذهب مُتقبَّل".
والمذهب الثالث: الوقف -أي: لا يُدرى أهي من وضع الله -﵎- أم من وضع البشر، وهذا المذهب هو الذي اختاره ابن جني بعد طول تردُّد؛ لعدم وجود دليل قاطع على مذهب غيره من وجهة نظره، فالعقل يجوّز ذلك كله. ومن هنا ذكر السيوطي أن بعضهم زعم أنه لا فائدة لهذا الخلاف، قال السيوطي: "وليس كذلك بل ذُكر له فائدتان: الأولى فقهية، ولذا ذُكرت هذه المسألة في أصوله -يعني: في أصول الفقه- والأخرى نحوية، ولهذا ذكرتها في أصوله -يعني: في أصول النحو- تبعًا لابن جني في (الخصائص)، وهي جواز قلب اللغة، فإن قلنا: إنها اصطلاحية؛ جاز وإلا فلا".
[ ٢٥ ]
أما الفائدة الفقهية التي أشار إليها السيوطي فهي المعروفة بمهر السّرّ والعلانية، وهي: إذا تزوج رجل امرأة بألف واصطلح على تسمية الألف بألفين، هل الواجب ألف لأنه مقتضى الاصطلاح اللغوي، أو ألفان نظرًا لهذا الوضع الحادث؟ اختلف في ذلك الفقهاء وصحَّحوا كلًّا من الاعتبارين.
وأما الفائدة النحوية فهي النظر في جواز قلب اللغة، فحُكي عن بعض القائلين بالتوقيف منع القلب مطلقًا؛ فلا يجوز تسمية الثوب فرسًا، والفرس ثوبًا، وعن القائلين بالاصطلاح تجويزه. وأما المتوقفون فاختلفوا، فذهب بعضهم إلى التجويز كمذهب قائل الاصطلاح، وبعضهم إلى المنع، وهذا كله فيما لا يؤدّي قلبه إلى فساد النظام، أو تغييره إلى اختلاط الأحكام، فإن أدَّى إلى ذلك فلا يختلف في تحريم قلبه.
مناسبة الألفاظ للمعاني
هدف السيوطي من إيراد هذه المسألة تالية لمسألة الحديث عن وضع اللغة، وواضعها أن يبيّن أن اللغة هي لفظ ومعنًى؛ فاللفظ إطار المعنى، أو هو الصورة التي تُعبّر عن المضمون، فينبغي أن تكون هناك مناسبة بين الألفاظ ومدلولاتها، وقد نقل أهل أصول الفقه عن عباد بن سليمان الصيمري، وهو من المعتزلة أنه ذهب إلى أنه بين اللفظ ومدلوله مناسبة بالطبع، أي: طبيعية حاملة للواضع على أن يضع، قال: "وإلا لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين ترجيحًا من غير مُرجح"، وأنكر الجمهور هذه المقالة وقال: "لو ثبت ما قاله لاهتدى كل إنسان إلى كل لغة، ولما صح وضع اللفظ للضدّين كـ"القرء" للحيض والطهر، و"الجون" للأبيض والأسود"، وأجابوا عن دليل عباد بأن التخصيص بإرادة الواضع
[ ٢٦ ]
المختار؛ خصوصًا إذا قلنا: إن الواضع هو الله -﵎، فإن ذلك كتخصيصه وجود العالم بوقت دون وقت. وأما أهل اللغة والعربية فقد كادوا يجمعون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني، لكنهم يُخالفون عبَّادًا بأنهم لا يرونها ذاتية دالة بالطبع أو طَبَعِية كما قال، وعلى سبيل الوجوب كما يراها.
وقد ذكر السيوطي المناسبة بين الألفاظ والمعاني نقلًا عن ابن جني الذي عقد لها في كتابه القيم (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني وملخص هذا الباب: أن الواضع الحكيم قد وضع الحرف القوي للمعنى القوي، والحرف الضعيف للمعنى الضعيف، وقد صدره ابن جني بقوله: "اعلم أن هذا موضع شريف لطيف، وقد نبَّه عليه الخليل وسيبويه، وتلقته الجماعة بالقبول له، والاعتراف بصحته"، ثم أورد أمثلة كثيرة توضح قوة المناسبة بين اللفظ ومعناه، ومن هذه الأمثلة قول الخليل: كأن العرب توهَّموا في صوت الجُندب استطالة ومدًّا، فقالوا: سرّا، وتوهّموا في صوت البازي تقطيعًا فقالوا: صرصر" انتهى.
والجُندُب أو الجُندَب -بضم الجيم وضم الدال أو فتحها، بينهما نون ساكنة-: هو نوع من الجراد أو طائر يقع في النار، ويقال: صر الجندب يصرّ صريرًا أي: صوّت، وفي المثل العربي: يا جندب ما يصرك -أي: ما يحملك على الصرير- قال: أخاف من حرِّ غدٍ. يُضرب هذا المثل لمن يخاف ما لم يقع بعد. والبازي أو الباز: نوع من الصقور التي يصطاد بها، ويقال: صرصر البازي صرصرة، وقال الشاعر:
إذا صرصر البازي فلا ديك يصرخ
وكأنهم تخيَّلوا في صوت الجندب المدَّ، وفي صوت البازي الترجيع؛ فحكوهما على ذلك، وفي (الخصائص): "وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على
[ ٢٧ ]
الفعلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة نحو: النقذان، والغليان، والغثيان، فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال. قال ابن جني: ووجدت أنا من هذا الحديث أشياء كثيرة على سمت ما حدَّاه، ومنهاج ما مثَّلاه، وذلك أنك تجد المصادر الرباعية المضاعفة تأتي للتكرير نحو: الزعزعة، والقلقلة، والصلصلة، والقعقعة، والصعصعة، والجرجرة، والقرقرة، ووجدت أيضًا الفعلى في المصادر والصفات إنما تأتي للسرعة نحو: البَشَكى، والجَمَذى، والوَلَق" انتهى.
فابن جني يفتتح هذا الباب بإيراد ما يدْعَم به مسألة المناسبة بين الألفاظ والمعاني من الأمثلة الدالة على ذلك مما نقله عن شَيْخَي البصرة الخليل وسيبويه، وقد شرحنا ما نقله عن الخليل. أما ما نقله عن سيبويه فكعادته نراه قد تصرَّف فيه، ولقد سبق شيخنا التعلامة الشيخ محمد علي النجار، محقق (الخصائص) طيَّب الله ثراه حين قال: "ويبدو أنه -أي: ابن جني- قد يعتمد في النقل على حفظه فينال نقله بعض التغيير" انتهى.
وعبارة سيبويه في (الكتاب) وليس ابن جني منها ببعيد، سوى في بعض الأمثلة التي لم ترد في نص الكتاب، وتفسير ما جاء في (الخصائص) من أمثلة: أما النقذان فمصدر قولك: نقذ الظبي وغيره في عدْوِه نقذًا ونقذانًا، أو وثب صُعُدا وقفز، والغليان مصدر: غلت القدر وغيرها غليًا وغليانًا، والغثيان مصدر: غثت النفس غثيًا وغثيانًا اضطربت وتهيأت للقيء، ونص سيبويه من (الكتاب) قال: "ومن المصادر التي جاءت على مثال واحد حين تقاربت المعاني قولك النزوان، والنقذان، وإنما هذه الأشياء في زعزعة البدن واهتزازه في ارتفاع، ومثله العسلان والرتكان" انتهى.
[ ٢٨ ]
والعسلان مصدر: عسل الماء عسلًا وعسولًا وعسلانًا، أي: تحرك واضطرب، والرتكان مصدر: رتك البعير رتكًا وتكانًا أي: عدى في مقاربة خطو. فإذا تركنا ما ذكره الخليل من تعبير العرب بالأفعال التي تحكي صوت ما توهموه من استطالة ومدّ، أو ترجيع وتقطيع، وانتقالنا إلى المصادر التي تجيء على وزن واحد، وهو وزن "فعلان" رأيناها تدور حول معنًى واحد هو: زعزعة البدن واهتزازه في ارتفاع، كما ذكر سيبويه.
نوع آخر من المصادر، وهو: مصادر الأفعال الرباعية والمضاعفة التي يتكرَّر فيها حرفان، فنجدها لمعانٍ فيها تكرير، وذلك مثل: الزعزعة، وهي التحريك، وهي مصدر زعزع الشيء -أي: حركه- ومثلها: القلقلة وزنًا ومعنى، والصلصلة مصدر صلصل الشيء أي: صوت صوتًا فيه ترجيع كالجرس، والحلي، والرعد، والصعصعة مصدر صعصع الرجل: خاف واضطرب، وجلب وصاح، وصعصع القوم أي: أفزعهم وفرّقهم، والجرجرة مصدر جرجر البعير أي: ردَّد صوته في حنجوره عند الضجر، والقرقرة مصدر قرقر بطنه أي: صوَّت من جوع أو غيره؛ فجعلوا الوزن المكرر للمعنى المكرر.
ونجد أيضًا وزن "الفعلى" المتوالية المتتابعة الحركات في المصادر والصفات إنما يأتي لمعنى السرعة نحو: الجمذى، يقال: جمذى الفرس ونحوه جمذًا وجمذى: سار سيرًا قريبًا من العدو، والبَشَكى، يقال: ناقة بشكى، وامرأة بشكى: سريعة خفيفة، والولقى يستعمل مصدرًا وصفة يقال: ولق يلق أي: أسرع، والولقى عدوٌ للناقة فيه شدَّة، والناقة السريعة؛ فجعلوا الوزن الذي توالت حركاته للأفعال التي توالت الحركات فيها لكمال المناسبة بين الألفاظ والمعاني.
ووصل ابن جني عرض الأمثلة، فذكر أن من ذلك أيضًا باب استفعل الذي جعلوه في أكثر الأمر للدلالة على الطلب؛ لما فيه من تقدم حروف زائدة على
[ ٢٩ ]
الأصول، كما يتقدَّم الطلب الفعل، فالأفعال إذا أخبرت بأنك سعيت فيها وتسببت لها؛ وجب أن تقدم أمام حروفها الأصول في مُثُلِهَا الدالة عليها أن تقدّم أحرفًا زائدة على تلك الأصول تكون كالمقدمة لها، والمؤدّية إليها نحو: استسقى، واستطعم، واستوهب، واستمنح، واستقدم عمرو، واستصرخ جعفرًا؛ فجاءت الهمزة والسين والتاء في استفعل زوائد، ووردت بعدها الأصول: الفاء، والعين، واللام، فهذا من اللفظ الذي جاء وفق المعنى المراد التعبير عنه، وجعلوا الأفعال الواقعة عن غير طلب إنما تفجأ وتبغت حروفها الأصول نحو: وهب ومنح، أو ما ضارع الأصول نحو: أكرم وأحسن؛ فإن الهمزة وقعت موقع الفاء من الفعل الرباعي، فأشبهت الحرف الأصلي، ومن ذلك أيضًا أنهم جعلوا تكرير العين في البناء دالًّا على تكرير الفعل فقالوا: كسَّر، وقطَّع، وفتَّح، وغلَّق، وذلك أنهم لما جعلوا الألفاظ دليلة المعاني، فأقوى اللفظ ينبغي أن يُقابل به قوة الفعل، فناسبوا بين المعنى والمبنى، والعين أقوى من الفاء، ومن اللام؛ لأنها واسطة لهما ومكنوفة بهما؛ فصارا كأنهما سياج أي: سور أو جدار لها، ومذهولان للعوارض دونها، يعني: أنهما لكونهما في الطرف معرّضان لما يحدث للكلمة من إعلال ونحوه من غير أن يصل للعين شيء من هذا الإعلال غالبًا، فهما يحميانها من العوارض الإعلالية.
فأما حذف الفاء ففي المصادر من باب وعد نحو: العدة والزنة؛ لأنهم استثقلوا الوعدة والوزنة، ولأن المصدر قد جرى مجرى الفعل، وأما حذف اللام فنحو: اليد، والدم والفم، والأب، والأخ. وقلما تجد الحذف في العين نحو: مذ وأصله منذ، فلما كانت الأفعال دليلة المعاني كرَّروا أقوى أحرفها، وجعلوا التكرير دليلًا على قوة المعنى المحدث به، وهو تكرير الفعل، كما جعلوا تقطيعه في نحو: صرصر دليلًا على تقطيعه، ولم يكونوا ليضعفوا الفاء، أو اللام؛ لكراهية التضعيف في أول
[ ٣٠ ]
الكلمة والإشفاق على الحرف المضعف أن يجيء في آخرها، وهو مكان الحذف وموضع الإعلال، وهم قد أرادوا تحصين الحرف الدّال على قوة الفعل.
ومن ذلك أيضًا: مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث، وهو باب عظيم واسع، وذلك أنهم كثيرًا ما يجعلون أصوات الحروف معبِّرة عن الأحداث الدالة عليها، من ذلك قولهم: خضم، وقضم؛ فالخضم لأكل الرطب كالبطيخ والقثاء، والقضم للصلب اليابس نحو: قضمت الدابة شعيرها؛ فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب، والقاف لصلابتها لليابس، حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث، ومثل ذلك قولهم النضح للماء ونحوه، وهو الرش، وبابه ضرب إن كان الفعل متعديًا يقال: نضح البيت: رشه، ويقال نضحت القربة أي: رشحت، وباب اللازم قطع.
والنضخ بالخاء المعجمة أقوى من النضح بالحاء المهملة قال الله -﷾: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ (الرحمن: ٦٦) فجعلوا الحاء لرقتها للماء الضعيف، والخاء لغلظها لما هو أقوى منه، فالعين نضاخة أي: كثيرة الماء أو الفوارة.
الدلالات النحوية
ذكر ابن جني أن الدلالات النحوية ثلاث: لفظية، وصناعية، ومعنوية، وأنها في القوة على هذا الترتيب فأقواهنّ اللفظية، ثم تليها الصناعية، ثم تليها المعنوية. وأفاد أن جميع الأفعال في كل فعل منها الدلالات الثلاث؛ فالفعل "قام" مثلًا دلَّ لفظه على مصدره أي: على الحدث، فهذه هي الدلالة اللفظية، ودلَّ بناؤه -أي: وزنه- على الزمان وهذه هي الدلالة الصناعية، ودل معناه على فاعله، وهذه هي الدلالة المعنوية، وإنما كانت الدلالة الصناعية أقوى من الدلالة المعنوية
[ ٣١ ]
من جهة إنها وإن لم تكن لفظًا، فإنها صورة أي: صفة يحملها اللفظ، ويخرج عليها ويستقرّ على البناء المعتزم بها، فلما كانت كذلك لحقت بحكمه، وجرت مجرى اللفظ المنطوق به؛ فدخل -أي: الدلالتان اللفظية والصناعية- بذلك في باب المعلوم بالمشاهدة.
وأما المعنى فدلالته لاحقة بعلوم الاستدلال، وليست في حيز الضروريات، مثال ذلك: الأفعال، فالفعل -كما مر- دلَّ بلفظه على مصدره، وببنائه وصيغته على الزمان، وهما مدركان بحاسة السمع، وهو مراد ابن جني بالمشاهدة فيما سبق، ودلَّ بمعناه على فاعله، وهذا إنما يُدرك بإعمال النظر من جهة أن كل فعل لا بد له من فاعل؛ لأن وجود فعل من غير فاعل محالٌ فهو استدلالي ونظري، وليس في قوة الدلالتين الأوليين.
ويفسّر ابن جني ذلك ويؤكد على أن دلالة الفعل على فاعله دلالة معنوية أي: من جهة معناه لا من جهة لفظه فيقول: "ألا تراك حين تسمع ضرب قد عرفت حدثه وزمانه، ثم تنظر فيما بعد فتقول: هذا فعل ولا بد له من فاعل، فليت شعري من هو، وما هو؟ فتبحث حينئذٍ إلى أن تعلم الفاعل من هو وما حاله من موضع آخر لا من مسموع ضرب، ألا ترى أنه يصلح أن يكون فاعله كلَّ مذكر يصحّ منه الفعل مجملًا غير مفصل فقولك: ضرب زيد، وضرب عمرو، وضرب جعفر، ونحو ذلك، شرع سواء، وليس لضرب بأحد الفاعلين هؤلاء ولا غيرهم خصوص ليس له بصاحبه، كما يُخص بالضرب دون غيره من الأحداث، وبالماضي دون غيره من الأبنية، ولو كنت إنما تستفيد الفاعل من لفظ ضرب لا معناه؛ للزمك إذا قلت: قام. أن تختلف دلالتهما على الفاعل لاختلاف لفظيهما، كما اختلفت دلالتهما على الحدث لاختلاف لفظيهما، وليس الأمر في
[ ٣٢ ]
هذا كذلك بل دلالة ضرب على الفاعل كدلالة قام وقعد وأكل وشرب وانطلق واستخرج عليه، لا فرق بين جميع ذلك" انتهى.
ونقل السيوطي عن الخضراوي قوله في كتابه المسمى بـ (الإفصاح): "ودلالة الصيغة هي المسماة دلالة التضمن، والدلالة المعنوية هي المسماة دلالة اللزوم" انتهى.
ودلالة التضمن: هي دلالة الفعل على ما تضمَّنه معناه المركب من الحدث والزمان، وهو يدل على الزمان بهيئته، وعلى الحدث بمادته، ودلالته على مجموعهما مطابقة؛ لأنه تمام ما وُضع له لفظ الفعل، والدلالة المعنوية هي دلالة الفعل على الفاعل كما مر، وهي تُسمى دلالة اللزوم لدلالة اللفظ على لازم الموضوع له، وهو الحدث الواقع في زمانٍ من وجود فاعله، كما نقل السيوطي عن أبي حيان في كتابه المسمى (تذكرة النحاة) ذِكره: أن في دلالة الفعل ثلاثة مذاهب، نكتفي هنا بذكر المذهب الراجح، وهو أنه يدل على الحدث -أي: المصدر- بلفظه -أي: بمادته- وعلى الزمان بصيغته، أي: كونه على شكل مخصوص، ولدلالة صيغته على الزمان تختلف الدلالة على الزمان باختلاف صيغه، ولا تختلف الدلالة على الحدث باختلافها، أي: لأنه مهما اختلفت الصِّيَغ، فمادة الفعل ثابتة لا تتغيَّر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٣٣ ]