[ ٣٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثالث
(تقسيم الحكم النحوي)
تقسيم الحكم النحوي إلى واجب وغيره
الحمد لله والصلاة، والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فالحكم النحوي ينقسم إلى: واجب، وممنوع، وحسن، وقبيح، وخلاف الأولى، وجائز على السواء. فالأقسام ستة.
فأما الحكم الواجب: فكرفع الفاعل ونصب المفعول، أما رفع الفاعل؛ فلأنه عمدة إذ لا يستغنى عنه، والرفع لأنه أشرف علامات الإعراب جُعل علامة على العمد، ولكونه عمدة في الكلام جعل له الضمة أو ما ناب عنها، والضمة أقوى الحركات، وأما نصب المفعول فالغرض إظهار الفرق بينه وبين الفاعل، ولم يعكسوا؛ لأن الفعل له فاعل واحد، وقد يكون له مفعولات كثيرة، فمنه من يتعدى إلى مفعول واحد، ومنه ما يتعدى إلى مفعولين، ومنه ما يتعدى إلى ثلاثة، وربما يتعدى إلى أكثر من ذلك، كتعديه أيضًا إلى ظرف الزمان، وإلى ظرف المكان، وإلى المفعول لأجله، وإلى الحال إلى آخره، والرفع أثقل والفتح أخف، فأعطوا الأقل الأثقل، والأكثر الأخف؛ ليكون ثقل الرفع موازيًا لقلة الفاعل، وتكون خفة النصب موازيةً لكثرة المفعول.
والمراد بالفاعل: الفاعل الاصطلاحي، وهو كل اسم، أو ما في تأويله ذكرته بعد فعل، أو ما في تأويله، وأسندت ذلك الفعل أو ما في تأويله إليه؛ فلا يرد فاعل الصفة المشبهة، واسم الفاعل والمصدر، واسم المصدر، فإن فاعل هذه الأسماء العاملة عمل الفعل يجوز جرُّه بإضافته إليها نحو قولك: زيد حسن الوجه، وأصله: حسنٌ وجهه، وعمرو قادم الأبي، وأصله: قادم أبوه، وآلمني ضرب زيد عمرو، أي: أن يضرب زيد عمرو، وأحب عطاءك المعروف، أي: أن تعطي المعروف، فهذان الحكمان النحويان بالنسبة للفاعل والمفعول حكمان
[ ٣٧ ]
واجبان، ولا يقدح فيهما ما وَرَد عكسه شذوذًا في قولهم: خرق الثوب المسمار، وكثر الزجاج الحجر برفع المفعول ونصب الفاعل؛ لأن الشاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه.
ومن الأحكام الواجبة بالنسبة للفاعل أيضًا: تأخيره عن الفعل، فلا يجوز تقديم الفاعل عن الفعل؛ لأن الفاعل تنزل منزلة الجزء من الفعل، ولذلك وجدناهم يسكنون لام الفعل الماضي إذ اتصل به ضمير من ضمائر الرفع المتحركة، وهي: تاء الفاعل، ونا الفاعلين، ونون النسوة مثل: أنا فهمت، ونحن فهمنا، وهنَّ فهمنَ؛ فالفعل الماضي الذي يستحق البناء على الفتح في الأصل سُكّن آخره؛ كراهة تتابع أربعة متحركات فيما يُعدُّ كالكلمة الواحدة، ولولا أنهم نزلوا ضمير الفاعل من الفعل هذه المنزلة ما تغيَّرت علامة بناء الفعل. ووجدناهم كذلك يجعلون ثبوت النون في الأفعال الخمسة علامة للرفع، وحذفها علامة للنصب والجزم؛ لأنهم جعلوا الضمائر الثلاثة التي تتصل بالفعل المضارع -وهي ألف الاثنين، وواو الجماعة، وياء المخاطبة- بمنزلة جزء من هذه الأفعال فيقولون: هما يفهمان، وأنتما تفهمان، وهم يفهمون، وأنتم تفهمون، وأنت تفهمين، وعند إعراب ذلك نقول: إن كل ضمير من الثلاثة وقع فاعلًا، وإن الفعل مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، فنجد علامة الرفع تقع بعد الضمير، ومن المعروف أن العلامة الإعرابية تكون في آخر الكلمة المعربة، ومعنى هذا أن الضمائر الثلاثة عُدَّت جزءً من الفعل؛ فوقعت العلامة الإعرابية بعدها.
ومن أمثلة الأحكام النحوية الواجبة أيضًا: جرُّ المضاف إليه، لأنه لما كانت الإضافة على معنى حرف من أحرف الجر الثلاثة -اللام، أو من، أو في- وحُذف حرف الجر قام المضاف مقامه؛ فعمل في المضاف إليه الجر كما يعمل حرف الجر، وذلك نحو: سرَّني علم خالد، أي: علم لخالد، وهذا خاتم فضة،
[ ٣٨ ]
أي: من فضة، وقوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (البقرة: ٢٢٦) أي: في أربعة أشهر.
ومن الأحكام النحوية الواجبة كذلك: تنكير الحال والتمييز، أما وجوب تنكير الحال فلأنها تجري مجرى الصفة للمصدر، فإذا قلت: جاء فلان راكبًا. دلَّ على مجيء موصوف بركوب، والمصدر نكرة، فكذلك وصفه وجب أن يكون نكرة، ولأن الغالب أيضًا كونها مشتقة مع كون صاحبها معرفة؛ فالتزم تنكيرها لئلا يُتوهَّم كونها نعتًا إذا كان صاحبها منصوبًا نحو: أحببت عمرًا قارئًا، وحمل غير المنصوب على المنصوب، أما وجوب كون التمييز نكرة فلأنه يُشبه الحال، وذلك أن كل واحد منهما يُذكر للبيان ورفع الإبهام، فهو يُبيّن ما قبله كما أن الحال كذلك، فلما أشبه الحال أُعطي حكمها في وجوب التنكير.
كما أن شرط التمييز أن يكون نكرة جنسًا مقدرًا بمن؛ لأنه واحد في معنى الجمع، فأنت إذا قلت: عندي عشرين درهمًا. معناه أن عندك عشرين من الدراهم، فقد دخله بهذا المعنى الاشتراك بين الدلالة على الإفراد والجمع، وما كان كذلك كان نكرة والممنوع كأضداد ذلك، فيمنع أن تنصب الفاعل إلا ما سُمع شاذًّا كما سبق بيانه، أو أن تجره بحرف أصلي. وأما قول جمهور البصريين: إن نحو قولنا في التعجب: أحسن بزيد. مثلًا الباء داخلة فيه على الفاعل، فإنهم يفسرون ذلك بأن الباء حرف جرّ غير أصلي، وما بعدها فاعل مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وأن أصل التركيب في هذا ونحوه: أحسن زيد أي: صار ذا حسن؛ فالهمزة الداخلة على الفعل تسمى همزة الصّيرورة كقولهم أغدّ البعير، أي: صار ذا غدة، والغدة هي طاعون الإبل؛ فالصيغة في الأصل كانت خبرية ماضوية، ثم غُيّرت إلى إنشاء التعجب، فغيرت الصيغة إلى الأمرية أي: إلى أحسن زيد؛ فقبح إسناد صيغة الأمر إلى
[ ٣٩ ]
الاسم الظاهر، لأن صيغة الأمر لا ترفع الاسم الظاهر، فزيدت الباء في الفاعل؛ ليصير في صورة المفعول به المجرور بالباء كامرر بزيد، ولم يتغيّر إعراب الاسم المتعجب منه. وقس على ما تقدَّم ما حكم عليه النحويون بالمنع من أضداد ما حكموا عليه بالوجوب.
أما الحكم بالحسن فكحكمهم على رفع المضارع الواقع جوابًا وجزاءً لأداة شرط جازمة بعد شرط ماضٍ، وبيان ذلك: أن فعل الشرط إذا كان ماضيًا لفظًا أو معنًى -وهو المضارع المنفي بلم- وكانت الأداة جازمة؛ جاز لك رفع المضارع الواقع جوابًا وجزاءً، وهذا الرفع حسن؛ لأنه لمَّا لم يظهر لأداة الشرط تأثير في فعل الشرط لكونه ماضيًا ضعفت عن العمل في الجواب، وذلك نحو قولك: إن قام خالد يقوم عمرو، ونحو: إن لم يقم خالد يقوم عمرو، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان:
وإن أتاه خليلٌ يوم مسْغبة يقول لا غائبٌ مالي ولا حرم
فالفعل المضارع "يقول" جاء مرفوعًا مع أنه في جواب أداة الشرط الجازمة، ومثله قول الآخر:
ولا بالذي إن بان عنه حبيبه يقول ويخفي الصبر إني لجازع
ويجوز جزم المضارع الواقع جوابًا وجزاء حينئذٍ، والجزم أحسن؛ لأنه هو الأصل وفاءً بحق الأداة الجازمة، والقبيح كرفع المضارع الواقع بعد شرط المضارع والأداة جازمة، كقول الراجز:
يا أقرع بن حابس يا أقرعُ إنك إن يُصرعْ أخوك تصرعُ
والشاهد في "تصرع" في آخر الرجز؛ حيث جاء مرفوعًا بعد شرط مضارع مجزوم، وإنما حكموا عليه بالقبح؛ لأن فيه تهيئة العامل للعمل ثم قطعه عنه، وقد أشار الناظم إلى الحسن والقبح في المثالين المذكورين ونحوهما بقوله:
[ ٤٠ ]
وبعد ماضٍ رفعك الجزا حسن ورفعه بعد مضارع وهن
أي: ضعف أو قبح، والحكم بخلاف الأولى مثل حكم النحويين بذلك على تقديم الفاعل في نحو: ضرب غلامه زيدًا، أي: ضرب غلام زيد سيده زيدًا؛ فالضمير متصل بفاعل مقدم وعائد على مفعول مؤخر، وقد أجاز هذه الصورة الأخفش وابن جني، ومن الكوفيين أبو عبد الله الطوال مستدلِّين بنحو قول حسان -﵁- يرثي مطعم بن عدي:
ولو أن مجدًا أخلد الدهر واحدًا من الناس أبقى مجده الدهر مطعما
قوله: "الدهر" منصوب على الظرفية الزمانية في شطري البيت. والشاهد قوله: "أبقى مجده الدهر مطعما" حيث عاد الضمير من الفاعل المتقدّم على المفعول المؤخر. ويرى بعض العلماء ومنهم السيوطي أن ذلك ونحوه خلاف الأولى، وكأن الذي سوَّغ ذلك من وجهة نظر المجيزين تقدُّم ذكر المفعول، وكأن الشاعر قال: أبقى مجد هذا المذكور المتقدم ذكره مطعمًا. فوضع الظاهر موضع المضمر، كما لو قلت: إن زيدًا ضربت جاريته زيدًا، أي: ضربت جاريته إياه، ولا بأس بمثل هذا -كما قال عبد القادر البغدادي- ولا سيما إذا قصدت التعظيم والتفخيم لذكر الممدوح، والجمهور يُقصرون جواز ذلك على الضرورة، ويُوجبون فيه في النثر تقديم المفعول كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (البقرة: ١٢٤) والجائز على السواء كحذف المبتدأ أو الخبر، وإثباته؛ حيث لا مانع من الحذف ولا مقتضي له، وأمثلة ذلك لا تخفى عليك، وقد اجتمعت الأقسام الستة في عمل الصفة المشبهة لاسم الفاعل، وهي كما عرَّفها ابن الناظم: "الصفة المصوغة لغير تفضيل لإفادة نسبة الحدث إلى موصوفها، دون إفادة الحدوث: وأشار الناظم إليها بقوله:
[ ٤١ ]
صفة استُحسن جر فاعل معنًى بها المشبهة اسم الفاعل
يعني: هي التي استحسن فيها أن تضاف لما هو فاعل بها في المعنى كطويل الأنف، وعريض الحاجب، وواسع الفم، وحسن الوجه، ونقي الثغر، وطاهر العرض، والأصل في هذه المُثل: طويل أنفه، وعريض حاجبه، وواسع فمه، وحسن وجهه، ونقيّ ثغره، وطاهر عرضه. وتفصيل اجتماع الأقسام الستة في عملها أنها إما أن تكون بـ"أل" أو لا، فلها حالتان. ومعمولها إما مجرد أو مقرون بـ"أل" أو مضاف إلى ما فيه "أل" أو إلى ضمير الموصوف، أو إلى مضاف إلى ضمير الموصوف، أو إلى مجرد من أل والإضافة. فله ست حالات، فهذه اثنتا عشرة وعملها: إما رفع للمعمول على الفاعلية للصفة عند سيبويه، أو على الإبدال من ضمير مستتر فيها عند الفارسي، أو نصب على التشبيه بالمفعول به إن كان معرفة كالوجه، وعليهم أو على التمييز إن كان نكرة كوجهًا، أو جرٌّ بالإضافة؛ فمجموع الصور ست وثلاثون صورة، وهي الحاصلة من ضرب أوجه الإعراب الثلاثة في حالتي تنكير الصفة وتعريفها، في الحالات الست للمعمول تتعاورها الأحكام الستة النحوية على الوجه الآتي:
الجارّ ممنوع في أربع صور، وهي: أن تكون الصفة بأل، والمعمول مجرد منها ومن الإضافة لما هي فيه، بأن يكون مجردًّا من أل والإضافة كالحسن وجه، أو يكون مضافًا إلى مجرد منهما كالحسن وجه أب، أو يكون مضاف إلى ضمير الموصوف كالحسن وجهه، أو يكون مضافًا إلى مضاف لضمير الموصوف كالحسن وجه أبيه. ووجه المنع في الصورتين الأولى والثانية: لزوم إضافة المعرفة إلى النكرة، وفي الصورتين الثالثة والرابعة: عدم الفائدة، وذلك لأن الإضافة اللفظية إنما تجوز إذا أفادت تخفيفًا، أو رفع قبح، ولا يوجد تخفيف في هاتين الصورتين؛ لسقوط التنوين بسبب وجود أل، ولا يوجد أيضًا رفع قبح؛ لوجود الضمير مع المعمول.
[ ٤٢ ]
وخلاف الأولى الجرُّ في صورتين أن تكون الصفة مجردة من أل، والمعمول مضاف إلى ضمير الموصوف كحسن وجهه، أو مضاف إلى مضاف لضمير الموصوف كحسن وجه أبيه، والجر فيهما عدَّه سيبويه من الضرورات الشعرية، ومنعه المبرد في الشعر والنثر؛ لأنه يُشبه إضافة الشيء إلى نفسه، وأجازه الكوفيون في الكلام كله، ورأى ابن مالك أن رأيه هو الصحيح لوروده في بعض الأحاديث النبوية الشريفة كالحديث الذي رواه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، باب: واذكر في الكتاب مريم، في وصف الدجال، وفيه: «أعور عينيه اليمنى»، ورأى السيوطي مراعاة للخلاف: أنهما خلاف الأولى، وخلاف الأولى أيضًا النصب في أربع صور: أن تكون الصفة مجردة والمعمول بأل، أو مضاف إلى ما فيه أل، أو مضاف إلى ضمير الموصوف، أو مضاف إلى مضاف لضمير الموصوف نحو: حسن الوجه، وحسن وجه الأب، وحسن وجه، وحسن وجه أبيه، ووجه كونها خلاف الأولى أنها من إجراء وصف القاصر مجرى وصف المتعدي.
والقبيح الرفع في أربع صور: أن يكون المعمول مجردًّا، أو مضاف إلى مجرد؛ سواء كانت الصفة بأل أم بدونها، وذلك مثل: الحسن وجه، والحسن وجه أب، وحسن وجه، وحسن وجه أب، ووجه القبح بها خلو الصفة من ضمير يعود على الموصوف لفظًا، وعلى قبحها فهي جائزة في الاستعمال؛ لوجود الضمير تقديرًا، والحسن فيها النصب أو الجر. والواجب النصب في صورتين: أن تكون الصفة بأل، والمعمول مجرد أو مضاف إلى مجرد نحو: الحسن وجهًا، والحسن وجه أب. والجائز على السواء الأوجه الإعرابية الثلاثة في صورتين: أن تكون الصفة بأل والمعمول مقرون بها، أو مضاف إلى معرف بها نحو: الحسن الوجهُ، والوجهَ والوجهِ، والحسن وجه الأب، وجه الأب، وجه الأب بالأوجه الإعرابية الثلاثة.
[ ٤٣ ]
تقسيم الحكم النحوي إلى رخصة وغيرها
ذكر السيوطي أن الحكم النحوي ينقسم أيضًا إلى رخصة وغيرها، وأراد بالرخصة: ما جاز استعماله لضرورة الشعر، أي: ما جاز في الشعر مما لا يجوز استعمال نظيره في الكلام النثري الاختياري، وهو المعروف بالضرائر الشعرية، وأوضح أن هذه الضرائر ليست على درجة واحدة، بل هي تتفاوت حسنًا وقبحًا أي: أن النحويين حكموا على بعض الضرائر بالحسن، وعلى بعضها بالقبح. وقال: "وقد يلحق بالضرورة ما في معناها، وهو الحاجة إلى تحسين النثر بالازدواج".
ومن الواضح أن السيوطي قد اختار مذهب سيبويه والجمهور في تعريف الضرورة الشعرية؛ فالضرورة الشعرية عند هؤلاء العلماء: ما جاز في الشعر مما لا يجوز نظيره في الكلام الاختياري مطلقًا، أي: سواء أكان للشاعر عنه مندوحة -أي: مهرب وسعة وفسحة- أم لم يكن له عنه مندوحة لماذا؟ لأنهم يَرَوْن أن الشعراء أُمراء الكلام، والضرورة هي مخالفة لسَنَن الكلام أي: لطريقة الكلام الاختياري، بالنسبة للإجراء على القواعد النحوية المعروفة، ولكن ليس معناها الخروج ألبتَّة عن قواعد اللغة ومقاييسها، فللضرورة عندهم حدود تنتهي إليها، وغاية تقف عندها، ومقاييس يلتزم الشعراء بها، نعم هي مُخَالِفة ومُخَالَفة لسنن الكلام المنثور، خارجة عن قوانينه بما للشعر من سمات معينة، وطبيعة منفردة تجعله خليقًا بأن يتخفَّف من قيود الكلام، لكن الشاعر مع ذلك يُراعي أن الشعر أحد نوعي التعبير اللغوي؛ فينبغي أن تتصل بين النوعين الأسباب، وأن تمتدَّ بينهما الوشائج، فلا ضرورة إلا وهناك صلة ما تربطها بالكلام النثري، وهذه
[ ٤٤ ]
الصلة هي التي تُعرف بوجه الضرورة، أو بعلة الضرورة، والمتتبّع لضرائر الشعر عند العرب يجد أن وجه الضرورة لا يكاد يخرج عن أحد أمرين:
الأول: تشبيه ما وقع في الشعر بما وقع في الكلام النثري، كصرف ما لا ينصرف من الأسماء تشبيهًا له بما ينصرف في الكلام للتناسب، كتنوين "سلاسل" مع كونها على صيغة منتهى الجموع؛ لمناسبة ما بعدها في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ (الإنسان: ٤) وقال أبو كبير الهذلي:
مما حملنا به وهن عواقد حُبك النطاق فشب غير مهبل
وصف الشاعر رجلًا شهم الفؤاد، ماضيًا في الرجال ينزع إلى أبيه في الشَّبَه، والشاهد في البيت صرف عواقد، مع أنه على صيغة منتهى الجموع، فهو جمع عاقدة، وذلك للضرورة الشعرية.
والوجه الآخر للضرورة: ردُّ الأشياء إلى أصولها كفكّ المدغم الواجب إدغامه في الكلام كقول الشاعر:
مهلًا أَعاذلَ قد جربت من خلقي أني أجود لأقوم وإن ضَنِنُوا
الواجب في الكلام أن يقال: وإن ضنًّوا بوجوب إدغام المثلين، فلما اضطر الشاعر فك الإدغام؛ رجوعًا إلى الأصل.
ومما يؤكد اختيار السيوطي لمذهب سيبويه والجمهور في الضرورة الشعرية إجازته أن يُلحَق بالضرورة ما في معناها، وهو الحاجة إلى تحسين النثر؛ فسيبويه والمبرد والسيرافي وابن عصفور وغيرهم كثير من النحويين قد أجازوا في بعض أنواع الكلام النثري ما جاز في الشعر، كالكلام المسجوع، والأمثال؛ لورود ذلك عن العرب. ففي حين منع جمهور البصريين حذف حرف النداء إذا كان المنادى نكرة مقصودة، ذكر سيبويه أنه قد يجوز بقلةٍ حذف ياء من النكرة المقصودة في الشعر
[ ٤٥ ]
فقال في (الكتاب): "وقد يجوز حذف ياء من النكرة -أي: المقصودة- في الشعر، وقال العجاج:
جاري لا تستنكري عذيري
يريد: يا جارية، وقال في مثل: افتدي مخنوق، وأصبح ليل، وأطرق كرى" انتهى.
وهكذا أدخل سيبويه الأمثال في حيّز ما يُستجاز في الشعر. وقال المبرد في (المقتضب): "والأمثال يستجاز فيها ما يستجاز في الشعر لكثرة الاستعمال لها" انتهى.
واستطرد السيوطي فقال: "فالضرورة الحسنة ما لا يستهجن، ولا تستوحش منه النفس يُريد ما لا يستقبح، أو يعاب، أو تنفر منه النفس" وضرب لذلك ثلاثة أمثلة من غير استشهاد عليها، وهي صرف ما لا ينصرف كبيت أبي كبير الهذلي الذي أوردناه فيما سبق، وقصر الجمع الممدود كقول الشاعر:
فلو أن الأطبّا كان حولي وكان مع الأطباء الأُسَاة
فقصر الشاعر الأطباء في الشطر الأول من البيت، وهو جمع طبيب، كما أنه أيضًا اكتفى بالضمة عن واو الجماعة في قوله: كانوا، وهي ضرورة أخرى في البيت، وإن لم يذكرها السيوطي في (الاقتراح)، وقيل: إن السيوطي أراد بضرورة قصر الجمع الممدود حذف الياء الواقعة قبل الآخر في الجمع الأقصى، كقول الراجز يصف ما أصابه من الكبر:
وكحل العينين بالعواور
والأصل: بالعواوير؛ لأنه جمع عُوَار، والعوار: هو الرمد الذي يصيب العين، ومن الضرائر الشعرية التي أوردها السيوطي: مدُّ الجمع المقصور، قيل: أراد به
[ ٤٦ ]
زيادة ياء قبل آخر الجمع الأقصى كقول الفرزدق يصف ناقة بالسرعة في حرّ الهاجرة، فقال:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة نفي الدنانير تنقاد الصياريف
فالصياريف أصله: الصيارف؛ لأنه جمع صيرف، فاضطر الشاعر إلى إشباع كسرة الراء وزيادة الياء.
وذكر السيوطي أن أسهل الضرورات جمع المؤنث السالم للاسم المؤنث الثلاثي ساكن العين مفتوح الفاء، الذي على وزن "فَعْلة" -بسكون العين في المفرد- فإن قاعدة جمعه تقتضي أن تُفتح عينه في الجمع وجوبًا؛ إتباعًا لحركة فائه، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ (البقرة: ١٦٧) فحسرات جمع حسرة بسكون السين في المفرد، وبفتحها في الجمع، ويجوز تسكين عين الجمع في الشعر للضرورة الشعرية كقول الراجز:
فتستريح النفس من زفراتها
ومما عدَّه السيوطي من أقبح الضرائر الشعرية: الزيادة المؤدية لما ليس أصلًا في كلام العرب، كقول الشاعر:
وأنني حيثما يَثني الهوى بصري من حيثما سلكوا أدنُوا فأنظُور
يريد: فأنظر، ولكنه اضطر فأشبع الضمة على الظاء؛ فتولَّد عن هذا الإشباع زيادة الواو، وكذلك الزيادة المؤدية إلى ما يقل في الكلام كقول امرئ القيس يُشبه ناقته بعقاب خفيفة سريعة:
كأني بفتخاء الجناحين لقوت صيود من العقبان طأطأت شيمالي
يريد: شمالي، ولكنه اضطر فأشبع الكسرة، وقيل: الشيمال لغة في الشمال، ولكنها لغة قليلة، وكذلك يُستقبح النقص المُجْحِف كقول لبيد:
[ ٤٧ ]
درس المنى بمتالع فأباني فتقادمت بالحبس فالثوبان
أراد الشاعر درس المنازل، يقال: درس المنزل أي: عفى وانمحى أثره، ومتالع، وأبان، والحبس، والثوبان: أسماء مواضع.
ومما يستقبح من الضرائر أيضًا: العدول عن صيغة لأخرى كقول الحطيئة:
فيه الرماح وفيه كل سابغة جدلاء محكمةٍ من نسج سلَّام
أي: من نسج سليمان. وختم السيوطي هذه المسألة بالإشارة إلى مذهب ابن مالك في الضرورة الشعرية؛ حيث ذهب ابن مالك إلى أن الضرورة ما ليس للشاعر عنه مندوحة، أي: ما ليس له عنه سعة وفسحة، وهو بهذا يُخالف ما عليه مذهب سيبويه والجمهور وقد حكم النحويون على مذهب ابن مالك بالفساد والبطلان؛ لاعتماده على مجرد التفسير اللغوي البحت لمعنى الضرورة، من غير مراعاة لطبيعة الشعر الذي هو لغة العواطف والوجدان؛ فالضرورة عند ابن مالك مشتقَّة من الضرر، وهو النازل الذي لا مدفع له، فقول الشاعر:
يقول الخنا وأبغضُ العجم ناطقًا إلى ربنا صوت الحمار اليُجَدَّع
فيه ضرورة عند الجمهور، وهي إدخال أل الموصولة على صريح الفعل المضارع المبني للمفعول؛ لمشابهته لاسم المفعول، وذلك لا يجوز عندهم في النثر؛ إذ هو شاذّ قبيح لا يجيء إلا في ضرورة.
وذهب ابن مالك إلى أن وصل أل بالمضارع وغيره جائز اختيارًا، ولكنه قليل، وعلل بجعله في الاختيار بإمكان الشاعر أن يقول: صوت الحمار يُجدّع. من غير إخلال بالوزن أو المعنى، واعتمادًا على هذا المذهب في الضرورة لا يرى ابن مالك بأسًا من الاستشهاد لمجيء المضارع مجزومًا بلام طلب مقدرة بعد قول خبري في الاختيار، بقول الراجز:
[ ٤٨ ]
قلت لبواب لديه دارُها كيدًا فإني حموها وجارها
فهو يرى أن الأصل لتأذن، فحذف الشاعر اللام الجازمة وأبقى عملها، وكسر حرف المضارعة، وليس الراجز مضطرًا إلى هذا الحذف؛ لتمكنه من أن يقول: إيذن من غير إخلال بالوزن، أو المعنى، فحذف اللام الطلبية وإبقاء عملها إنما هو في البيت من قبيل العمل الاختياري، وليس كما رأى الكثير أن ذلك مقصورٌ على الشعر للضرورة الشعرية. ورفض هذا المذهب كثير من العلماء لأنه يؤدّي إلى أنه ليس في كلام العرب ضرورة؛ إذ لا توجد لفظة إلا يمكن للشاعر تبديلها، ونظم لفظ آخر مكانها، وربّ كلمة يرى الشاعر مفعمة بالمعاني التي تجيش في صدره، صادقة في التعبير عنها مع ما في استعمالها من مخالفة لسنن الكلام الاختيار وقواعد النحاة، ولا يرى ذلك في مرادفاتها مما يُساير سنن الكلام وقواعد النحاة.
ولذلك رأى أبو حيان وغيره أن ابن مالك لم يفهم قول النحويين في ضرورة الشعر؛ فقال في غير موضع: "ليس هذا البيت بضرورة لأن قائله متمكن من أن يقول كذا" ففهم أن الضرورة في اصطلاحهم هي الإلجاء إلى الشيء، وليس كذلك. وقد أبطل الشاطبي مذهب ابن مالك من وجوه، أهمها: إجماع النحاة على عدم اعتبار ذلك المنزع، وعلى إهماله في النظر القياسي جملة، ولو كان معتبرًا لنبَّهوا عليه. والثاني: أن الضرورة عند النحاة ليس معناها أنه لا يمكن في الموضع غير ما ذُكر؛ إذ ما من ضرورة إلا يُمكن أن يعوَّض من لفظها غير هذا اللفظ، ولا ينكر هذا إلا جاحد لضرورة العقل.
هذه الراء في كلام العرب من الشياع في الاستعمال بمكانٍ لا يُجهل، ولا يكاد المتكلم ينطق بجملتين تعريان عنها، وقد هجرها واصل بن عطاء لمكان لُثغته فيها، حتى كان يناظر الخصوم، ويخطب على المنبر، فلا يُسمع في نطقه راء؛ فكان إحدى الأعاجيب حتى صار مثلًا فيها.
والسلام عليكم ورحمة الله.
[ ٤٩ ]