[ ٨١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس
(أسماء القبائل العربية، وانقسام الكلام المسموع، وأشعار الكفار من العرب، وأحوال الكلام الفرد)
كلام العرب، وأسماء القبائل التي أخذ عنها والتي لم يؤخذ عنها، وتوجيه ذلك
الحمد لله والصلاة، والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن كلام العرب هو المصدر الثالث من مصادر السماع بعد القرآن الكريم والحديث الشريف عند من أجاز الاحتجاج به، وكلام العرب الذي يُحتج به هو كل نظم أو نثر ثبت عن الفصحاء الموثوق بعربيتهم قبل أن تفسد الألسنة؛ فليس كل كلام عربي يصحُّ الاحتجاج به، وإنما وضع العلماء ضوابط مكانيَّة وزمانية لما يجوز الاحتجاج به من كلام العربي، وما لا يجوز؛ فقد نقل السيوطي عن أبي نصر الفارابي المتوفى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة أن قبائل العرب تنقسم من حيث الاحتجاج بكلامها، وعدم الاحتجاج قسمين:
الأول القبائل التي لم يُؤخذ عنها ولم يُحتجّ بكلامها، وهي: لخم وجذام؛ لمجاورتهم أهل مصر والقبط، وقضاعة وغسان وإياد؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام، أي: حيث يسكن الروم، فاختلطت ألسنتهم، وأكثرهم نصارى يقرءون في صلاتهم بغير العربية، وتغلب والنمر؛ فإنهم كانوا مجاورين لليونانية، وبكر؛ لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، وعبد القيس؛ لأنهم كانوا سكّان البحرين مخالطين للهند والفرس، وأزد عمان؛ لأنهم كانوا أيضًا مجاورين للهند والفرس، واليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، وبنو حنيفة، وسكان اليمامة، وثقيف والطائف؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم، وحاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم. فهذه القبائل لا يجوز الاحتجاج بكلامها لأنها قبائل لم تتوغَّل في البداوة، بل كانت تسكن أطراف البلاد المجاورة لغير العرب؛ فلم تسلم لغاتها من التأثر بغير العربية، إذ دخل هذه اللغات ما يُؤثّر في فصاحتها لفظًا بمخالفة القياس وتركيبًا بوقوع اللحن.
[ ٨٣ ]
وكما لم يُؤخذ عن هذه القبائل لم يُؤخذ كذلك عن حضري قط؛ لأن الحاضرة محلّ اجتماع الناس من كل جانب واختلاط اللغات واختلال الألسنة، وقد أفرد ابن جني في (الخصائص) بابًا في ترك الأخذ عن أهل المضر -أي: أهل المدن والقرى- بيَّن فيه علة امتناع الأخذ عنهم، وهي ما عرض للغات الحاضرة وأهل المضر من الاختلال والفساد والخطل. وفي ضوء ما ذكره ابن جني والسيوطي نقلًا عن الفارابي يمكن أن نقول: إن المعيار الذي وضعه العلماء لقبول لغة قبيلة ما هو سلامة لغة هذه القبيلة من الاختلاط بغير العرب؛ لأن الاختلاط بغير العرب من الأعاجم يؤدِّي إلى فساد اللغة وانحراف الألسنة عن الصواب، والألسنة تتأثر بما حولها فيلحقها اللحن، ويتسرب إليها الخطأ.
الثاني: القبائل التي يُحتج بكلامها، وهي: قيس، وتميم، وأسد، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين؛ فهؤلاء هم الذين عنهم نُقلت اللغة العربية، وبهم اقتضي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب، والذي يجمع من بين هذه القبائل هو توغُّلها في البداوة، وبُعدها عن الاختلاط بغيرها من الأمم، واتصالها بالأعاجم، كما يجمع بينها قُربها من قريش؛ لأن قريشًا -كما علمنا- أفصح العرب، وأجودهم انتقادًا للأفصح من الألفاظ.
وقد ذهب ابن خلدون إلى أن مقياس الفصاحة هو القرب أو البعد من قريش فقال في مقدمته: "كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصلحها؛ لبعدها عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ثم من اكتنفهم من ثقيف، وهذيل، وخزاعة، وبني كنانة، وغطفان، وبني سعد، وبني تميم. وأما من بَعُد عنهم من ربيعة، ولخم، وجذامة، وغسان، وإياد، وقضاعة، وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة؛ فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم، أي: بسبب مخالطة الأعاجم، وعلى نسبة بُعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغاتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية" انتهى.
[ ٨٤ ]
وكما جاز الاحتجاج بلغة هذه القبائل جاز الاحتجاج بأمرين آخرين:
أحدهما: ما روي من نثر العرب ونظمهم بعد أن دوِّنت الدواوين بشرط أن يكون الراوي ثقةً صدوقًا أمينًا عدلًا:
والآخر: كلام الإمام الشافعي -﵁- الذي تأخر زمانه عن زمن الاحتجاج. وقد أورد السيوطي كلمة أحمد بن حنبل: "كلام الشافعي في اللغة حجة"، ولم يكن هذا رأي ابن حنبل وحده، بل تعدَّدت أقوال العلماء التي تدل على الاحتجاج بلغة الشافعي، ومنها قول عبد الملك بن هشام: "الشافعي بصير باللغة يؤخذ عنه، ولسانه لغة فاكتبوه"، وقول الوليد بن أبي الجارود: "كان يقال: إن الشافعي لغة وحده يحتج بها"، وقول أبي منصور الأزهري: "والشافعي فصيح حجة في اللغة" ومعنى هذه الأقوال أن ما جاء في مصنفات الإمام الشافعي من عبارات شذَّت عن القواعد العربية المعروفة لا يمكن حملها على الخطأ، وإنما تُجعل عباراته شاهدًا لما استعملت فيه كما تُعدُّ وجهًا من وجوه سعة العربية. وقد أحسن المحقق الكبير الأستاذ أحمد محمد شاكر حين صنع في نهاية (الرسالة) فهرسًا لأقوال الشافعي التي خالفت المعهود من قواعد العربية.
انقسام الكلام المسموع إلى: مطرد، وشاذ
انقسام المسموع إلى مطرد وغيره:
ينقسم المسموع إلى مطرد وشاذ، فالمطرد مأخوذ من طرد، وأصل هذه المادة التتابع والاستمرار. وعليه يكون المطَّرد: هو ما استمرّ من الكلام في الإعراب وغيره. والشّاذ مأخوذ من شذذ، وأصل هذه المادة التفرق والتفرد، وعليه يكون الشّاذّ: هو ما فارق ما عليه بابه، وانفرد عن ذلك إلى غيره.
ونلحظ أن السيوطي قد نقل تعريف المطرد والشاذ عن ابن جني في (الخصائص)، وتصرف في النقل عنه تصرفًا يسيرًا بالإيجاز غير المخل؛ فأسقط بعض الأمثلة
[ ٨٥ ]
والشواهد التي ذكرها ابن جني، ليدل بها على معنى المطرد والشاذ. وكما نقل السيوطي عن ابن جني معنى المطرد ومعنى الشاذ نقل عنه أيضًا تقسيم الاطراد والشذوذ أربعة أضرب، وهي: مطرد في القياس والاستعمال معًا، ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال، ومطرد في الاستعمال شاذ في القياس، وشاذ في القياس والاستعمال معًا.
والحق أن ابن جني فيما ذكره من تقسيم الاطراد والشذوذ كان متأثرًا بشيخه أبي علي الفارسي؛ إذ أفرد في كتابه (المسائل العسكرية) بابًا لمعرفة ما كان شاذًّا في كلامهم، لكنه ذكر فيه أن الشَّاذّ في العربية على ثلاثة أضرب: شاذ عن الاستعمال مطرد في القياس، ومطرد في الاستعمال شاذ عن القياس، وشاذ عنهما.
ولم يذكر أبو علي ما كان مطردًا في القياس والاستعمال معًا؛ لأنه جعل الباب خاصًّا بما كان شاذ في كلامهم، ولأن المطرد في القياس والاستعمال هو الأصل والغالب. والمراد بالقياس: ما ذكره أهل الصناعة النحوية، والمراد بالاستعمال: ما ورد عن العرب الموثوق بعربيتهم وفصاحتهم.
تقسيم المطرد والشاذ: أما القسم الأول منه وهو المطرد في القياس والاستعمال معًا، فهو الغاية المطلوبة والنهاية المرغوب فيها من علم العربية؛ لأنها توافق ما سُمع عن العرب، كما توافق قياس علماء العربية الذي بُني على السماع كرفع الفاعل ونصب المفعول، وجر المضاف إليه، ونحو ذلك، فإن ورد في كلام العرب ما خالف القياس والسماع؛ حُكم بإهدار ذلك المسموع لضعفه كقول العرب: "خرق الثوب المسمار" برفع المفعول ونصب الفاعل.
[ ٨٦ ]
وأما القسم الثاني: وهو المطرد في القياس والشاذ في الاستعمال: فالمراد به ما كان موافقًا لمقاييس العربية، ولكن السماع لم يردْ به، أو وَرَد السماع به على قلة، وله أمثلة متعدِّدة:
المثال الأول: الفعلان: وَذَر، وَوَدَع، فإنهما ماضيان من يَذَر ويدع، والقياس لا يمنع منه؛ لأن كل مضارع يستعمل منه ماضٍ إلا هذين الفعلين؛ فقد شذَّا عن نظائرهما، وانفردا عن بابيهما وغيرهما من الأفعال يأتي منه الماضي نحو: يرث فالماضي منه ورث، ويزن فالماضي منه وزن، ولكن العرب لم تستعمل الماضي من يذر ويدع؛ استغناء عنه بترك، يقول سيبويه في (الكتاب): "وأما استغناؤهم بالشيء عن الشيء، فإن هم يقولون: يدع، ولا يقولون: ودع، استغنوا عنها بترك"، ويقول في موضع آخر: "يدع ويذر على ودعت ووذرت وإن لم يُستعمل"، ويقول في موضع ثالث: "يقال: يذر ويدع، ولا يُستعمل "فعل" أي: لا يُستعمل الماضي منهما، فصار قول الذي يقول: "ودع" شاذًّا عن الاستعمال، ولا يُخرجه عن شذوذه أنه ورد في قراءة: "ما وَدَعَكَ ربك وما قلى" (الضحى: ٣) لأنها قراءة شاذة، كما لا يخرجه عن شذوذه أنه ورد في قول رسول الله -ﷺ: «اتركوا الترك ما تركوكم وذروا الحبشة ما وذروكم»؛ لأن الماضي قد ورد في هذا الحديث للمشاكلة".
المثال الثاني: قول العرب: مكان مبقل، فمبقل اسم فاعل من الفعل الرباعي "أبقل"، وهذا ما يقتضيه القياس؛ إذ إن اسم الفاعل من غير الثلاثي كما نعلم يكون بقلب حرف المضارعة ميمًا مضمومة وكسر ما قبل الآخر، ولكن كثر في الاستعمال قولهم: مكان باقل، فقد نقل ابن منظور عن الأصمعي قوله: "أبقل المكان فهو باقل من نبات البقل، وأورث الشجر فهو وارث إذا أورق" (لسان العرب) مادة: بقل،
[ ٨٧ ]
فباقل أكثر استعمالًا من مُبقل، ومُبقل أقيس، ولكنه شاذٌّ في الاستعمال، وقد سُمع أيضًا في قول القائل:
أعاشني بعدك وادٍ مبقل
المثال الثالث: مجيء خبر كاد وأخواتها اسمًا صريحًا، فيقال: كاد زيد قائمًا، عسى عمرو راجعًا، فهذا هو القياس المطرد، لكنه قد شذَّ في الاستعمال مجيء الخبر اسمًا صريحًا، وكثر مجيئه جملة فعلية فعلها مضارع كقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: ٢١٦) والأول مسموع، ومنه قول رؤبة:
أكثرت في العزل ملحًّا دائمًا لا تكثرنَّ إني عسيتُ صائمًا
وقولهم في المثل عسى الغوير أبؤسًا، فجاء خبر عسى اسمًا صريحًا، ولكنه قليل. وقد بيَّن ابن جني حكم هذا النوع فقال: "إن كان الشيء شاذًّا في السماع مطردًا في القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك، وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله، ومعناه الامتناع من قول ما لم تقله العرب، واستعمال نظيره وإن لم يسمعه المتكلم".
وأما القسم الثالث -وهو المطرد في الاستعمال الشاذ في القياس- فالمراد به: ما استعمل كثيرًا في فصيح الكلام، وهو مخالف لأقيسة علماء العربية ومن أمثلته:
المثال الأول: تصحيح العين في المعتلّ في نحو قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩) ونحو قولهم: استنوق الجمل، وقولهم استصوبت الأمر؛ فالقياس في الأفعال استحوذ، واستنوق، واستصوب أن تُنقل حركة العين المعتلة إلى الساكن الصحيح قبلها، ثم تُقلب الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيقال: استحاذ، واستناق الجمل، واستصاب الأمر، كما يقال: استقام، والأصل: استقوم، هذا هو القياس، ولكن جاء السماع المطرد بخلافه.
[ ٨٨ ]
المثال الثاني: فتح العين من المضارع "يأبى" في نحو قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (التوبة: ٣٢) فإن القياس كسر العين؛ لأن الماضي إذا كان يائيّ اللام كان مضارعه على زنة "يفعل" بكسر العين، نحو: جرى يجري، وأوى يأوي، وثوى يثوي ونحوها. هذا هو القياس، وقد جاء السماع المطرد بخلافه، وحكم هذا النوع وجوب اتباع السمع الوارد به فيه نفسه، لكنه لا يُتَّخذ أصلًا يقاس عليه غيره؛ فلا يتجاوز المتكلم ما ورد السمع به.
وأما القسم الرابع -وهو الشاذ في القياس والسماع معًا- فالمراد به: ما كان مخالفًا للمسموع من أشباهه ونظائره، ومخالفًا لأقيسة علماء العربية، ومن أمثلته: تتميم ما عينه واو عند تميم في صيغة "مفعول" كقولهم: ثوب مصوون، وفرس مقوود، ورجل معوود من مرضه، فهذا شاذٌّ في القياس؛ إذ القياس حذف إحدى الواوين فيقال: مصون ومقود، كما قيل: مزور ومصوغ، وشاذّ في الاستعمال أيضًا؛ إذ لم يوجد في كلامهم إلا قليلًا.
وقد بين ابن جني حكم هذا النوع فقال: "لا يسوغ القياس عليه، ولا ردّ غيره إليه، ولا يحسن أيضًا استعماله فيما استعملته فيه -أي: العرب- إلا على وجه الحكاية".
الاستشهاد بأشعار الكفار من العرب
نقل السيوطي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام، الملقب بسلطان العلماء المتوفى سنة ستين وستمائة من الهجرة قوله: "اعْتُمد في العربية على أشعار العرب، وهم كفار لبعد التدليس فيها" انتهى.
ونلحظ أن العز بن عبد السلام قد قيَّد الاحتجاج بالشعر، وكان الأولى أن يقول: اعتمد في العربية على كلام العرب؛ لأن الشعر العربي ونثرهم في ذلك سواء، وقد اعتذر عنه بعض شُرَّاح (الاقتراح) بأمرين:
[ ٨٩ ]
الأول: أنه اقتصر على الشعر لأن الشعر هو الأغلب في كلام العرب.
والآخر: أنه إذا كان يُحتجُّ بالشعر، مع كون الشعر محلّ الضرائر والضيق؛ فالاحتجاج بالنثر من باب أولى وأحرى، وإنما جاز الاحتجاج بكلام الكفار من العرب؛ لأن اللغة العربية عندهم سليقة طُبعوا عليها، وهذا هو مراد الشيخ العز بن عبد السلام في قوله: "لبعد التدليس فيها".
ثم ذكر السيوطي أن العدالة شرط في الراوي، وليست شرطًا فيمن يُحتجّ بكلامه من العرب، فقال: "فعلم أن العربي الذي يُحتج بقوله لا يشترط فيه العدالة، نعم تشترط -أي: العدالة- في راوي ذلك" انتهى.
فهناك إذًا فرق بين قائل الكلام وراوي الكلام من حيث اشتراط العدالة، وعدم اشتراطها. أما قائل الكلام فلا تُشترط العدالة فيه لماذا؟ لأنه ينطق على سجيَّته، وقد احتجُّوا بكلام الصبيان والمجانين، وأثبتوا به القواعد والكلمات. وأما الراوي فإن العدالة شرط فيه؛ لأنه ناقل كلام غيره، والعدالة أصل في قبول الأخبار. ولما كانت العدالة أصلًا في قبول الأخبار؛ لم يُقبل من الأخبار من انقطع سنده، وهو المرسل، وما لا يُعرف قائله وهو المجهول؛ لأن انقطاع السند والجهل بالناقل يوجبان الجهل بالعدالة.
أحوال الكلام الفرد في الاحتجاج به
إن السيوطي قد لخَّص هذا الموضع من مواضع متفرّقة ذكرها ابن جني في (الخصائص)، وبتأمّل كلام ابن جني نلحظ أن كلمة "الفرد" يُراد بها وصف الكلام حينًا، ويُراد بها وصف المتكلم حينًا آخر، وله أحوال:
الحالة الأولى: أن يكون الفرد صفة للكلام بأن يكون المسموع فردًا ليس له نظير في الألفاظ المسموعة أي: سُمع وحده، ولم يُسمع عن العرب ما يُخالفه، بل
[ ٩٠ ]
أجمعوا على النطق به، مثال ذلك: قولهم في النسب إلى شنوءة، ومن معانيه المتقزّز مما يُعاب به، يقال في النسب إليه: شنأيٌّ بحذف الواو؛ لأن شنوءة على وزن "فعولة"، فحذفت الواو عند النسب كما حُذفت الياء عند النسب إلى ما كان على وزن "فعيلة"؛ لتساويهما -أي: الواو والياء- في كونهما حرفي مدّ، وفي كونهما بعد عين الكلمة، وفي أن آخر كل وزن منهما تاء التأنيث، وفي أن الوزنين يتواردان فيقال: أثيم وأثوم، ورحيم ورحوم؛ فلما استمرَّت حال فعيلة وفعولة هذا الاستمرار، حذفت الواو من شنوءة كما حُذفت الياء من حنيفة، فأطبق العرب على قولهم "شنأيّ" عند النسب، فلم يُسمع خلافه، كما أن هذا المسموع لم يسمع في غير هذه الكلمة، فكان المسموع فردًا.
وحكم هذا النوع أنه يقبل ويُحتج به ويقاس عليه غيره، وعلة ذلك -كما قال العلامة ابن جني-: "أنه لم يأت فيه شيء ينقضه" أي: لم يأتِ فيه شيء آخر، إذ لم يسمع إلا هو. إذًا تُحذف الواو من كل اسم على وزن "فعولة" فيقال -بناء على هذا- في النسب إلى ركوبة وحلوبة: ركبي وحلبي، وإتمامًا للنفع وإكمالًا للفائدة نشير إلى أنه يُشترط في حذف الواو مما على وزن "فعولة" عند النسب ألا تكون العين معلة أو مضعفة، فإن كانت العين معلة لم تُحذف الواو نحو: قوولة، فيقال عند النسب: قُوُولي، وإن كانت العين مضعفة لم تُحذف الواو نحو: حرورة، فيقال عند النسب: حروريّ ببقاء الواو؛ حملًا على بقاء الياء فيما كان على وزن فعيلة نحو: جليلة، إذ يقال في النسب: جليلي.
الحالة الثانية: أن يكون الفرد صفة للمتكلم، وأن يكون المتكلم به من العرب واحدًا مخالفًا لما عليه الجمهور، ولم يردْ استعمال هذا اللفظ إلا من جهة هذا الإنسان، ولا يمكن الحكم بقبوله أو ردِّه إلا إذا نظرنا في حال هذا المتكلم، ولا يخرج حاله عن أمرين، أي: عن أحد أمرين؛ لأنه إما أن يكون فصيحًا في غير
[ ٩١ ]
الموضع الذي خالف فيه الجمهور، أو أن يكون غير ذلك، ولكلٍّ حكم. فإن كان هذا المتكلم فصيحًا في جميع ما قال لم يُؤثر عنه لحن، ولم يُعهد عليه خطأ، وكان الكلام الذي انفرد به مما يقبله القياس اللغوي؛ فحكمه حينئذٍ الحكم بصحته، لقول ابن جني الذي نقله السيوطي: "فإن الأولى في ذلك أن يُحسن الظن به -أي: بالمتكلم- ولا يُحمل على فساده"، وقد يعترض هذا القول متعرض فيقول: إن تفرُّد متكلم واحد بما يُخالف ما عليه جمهور العربي فيه ارتجال لغة لنفسه غير معهودة، ولا يجوز ذلك، فكيف يمكن قبوله. وقد افترض ابن جني هذا الاعتراض، وأجاب عنه بأن تفرُّد متكلم واحد بما يُخالف ما عليه الجمهور ليس ارتجالًا للغة، وإنما يُمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة طال عهدها، وعفى رسمها، ولم يصل إلينا مما قالته العرب إلا أقلُّه؛ فقد يكون هذا الفصيح المتفرّد بالكلام قد وصل إليه من لغات العرب ما لم يصل إلى غيره من العرب، وإن كان المتكلم المخالف للجماعة قد عَرف الناس لحنه، وعهدوا منه فساد كلامه؛ فحكمه أن يُردَّ القول الذي تفرد به، وألا يُسمع منه.
يقول ابن جني: "هذا هو الوجه، وعليه ينبغي أن يكون العمل، فإن قيل: ولم لا يكون قوله الذي تفرَّد به منقولًا عن لغة أخرى لم تصل إلى غيره، كما قيل في حال من عُرفت فصاحته؟
أجيب بأن هناك فرقًا بين من عُرفت فصاحته ومن عُرف فساد قوله، فإن من عرفت فصاحته كان حسن الظن به أولى، فقُبل ما تفرَّد به؛ لاحتمال أنه قد وصل إليه من لغة أخرى. أما من عرف فساد قوله فإنه يُحكم بردِّ ما تفرد به؛ لأنا لو فتحنا هذا الباب ما رددنا خطأً أبدًا لمجيء ذلك الاحتمال فيه، ولأن المدار في الخطأ والصواب على الظواهر.
[ ٩٢ ]
والحالة الثالثة: أن يكون الفرد صفة للمتكلم، وأن يكون المتكلم به من العرب واحدًا، ولا يُسمع من غيره لا ما يُوافقه ولا ما يُخالفه.
فالفرق بين هذه الحالة والتي قبلها أن المتكلم في الحالة السابقة قد خالف ما عليه جمهور العرب، أما المتكلم في هذه الحالة فقد تفرَّد في شيء لم يرد عن العرب لا ما يوافقه ولا ما يخالفه. والحكم عن هذه الحالة متوقف على معرفة المتكلم، فإن كان المتكلم فصيحًا ثبتت فصاحته؛ وجب قبول كلامه ولا يجوز ردُّه.
وقد أفرد ابن جني في كتابه (الخصائص) بابًا في الشيء يُسمع من العربي الفصيح لا يُسمع من غيره؛ فقيد السماع الفرد بأن يكون صادرًا عن عربي فصيح، وذكر من أمثلته: الجبر، ومعناه: الملك، في قوله:
اسلم براوُوق حبيت به وانعم صباحًا أيُّها الجبر
ومن أمثلته أيضًا: البابوس، ومعناه: ولد الناقة، في قوله:
حنت قلوصي إلى بابوسها جزعًا فما حنينك، أم ما أنت والذِّكَر
بكسر الذال وفتح الكاف جمع ذكرة بكسر فسكون، وهي الذكرى بمعنى التذكر، ومن أمثلته أيضًا: المأنوسة، ومعناه: النار، في وقوله:
كما تطاير عن مأنوسة الشَّرَرُ
فهذه أحرف من الغريب الذي قال عنه الأصمعي فيما نقله ابن جني: "لا أعلم أحدًا أتى بها إلا ابن أحمر الباهلي" انتهى.
وحكم هذا النوع: أنه يجب قبوله لما ثبت من فصاحة ابن أحمر، فيكون الذي تفرَّد به إما أن يكون شيئًا أخذه عمَّن نطق به بلغة قديمة لم يُشارك في سماع ذلك منه، أو شيئًا ارتجله، أي: اخترعه وجاء به من عنده، وليس عجيبًا أن يرتجل الأعربي الفصيح ما لم يُسبق إليه؛ فقد حُكي عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان
[ ٩٣ ]
ما لم يسمعاه، أو ما لم يُسبقا إليه، فقبل ما ارتجلاه، ولا يُقبل إلا من فصيح، يقول ابن جني: "لكن لو جاء شيء من ذلك عن ظنين، أو متهم، أو من لم ترقَ به فصاحته، ولا سبقت إلى الأنفس ثقته؛ كان مردودًا غير متقبل" انتهى.
ومعنى ما قاله ابن جني، ونقله السيوطي: هو أن قبول الفرد مقيَّد بفصاحة المتكلم.
ونختم ببيان حكم الكلام الفرد الذي يُخالفه كلام العرب، ويأباه القياس على كلامها، فنقول: نقل السيوطي عن ابن جني قوله: "إن ورد عن بعضهم شيء يدفعه كلام العرب ويأباه القياس على كلامها؛ فإنه لا يُقْنَع في قبوله أن يُسمع من الواحد ولا من العدة القليلة، إلا أن يكثر من ينطق به منهم" انتهى.
ومعنى هذا الكلام: أنه إذا ورد عن بعض المتفردين كلامٌ يُخالف معهود العرب في كلامها، وكان أيضًا مخالفًا لقياس العرب؛ وجب ردُّه، ولم يجز قبوله، فإن كان على قياس كلام العرب قُبل؛ لقول المازني: "ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب"، هذا إذا كان المتكلم واحدًا أو عدة قليلة. أما إذا كثر الناطقون بما خالف قياس العرب في كلامها، فإن الكلام الفرد يكون مقبولًا غير مردود مع ضعفه من جهة القياس، وطريق جوازه أمران:
أحدهما: أن يكون المتكلم به لم يُحكم قياسه.
والآخر: أن يكون المستمع قد قَصُرَ عن استدراك وجه صحته.
وقد ذكر ابن جني: "أنه يُحتمل أن يكون المتفرد قد سمع كلام الفرد من غير فصحاء، ثم دخل غير الفصيح في الفصيح من الكلام، وامتزج به امتزاجًا"، ولكنه ضعَّف هذا الاحتمال بقوله: "إلا أن هذا كأنه متعذِّر، ولا يكاد يقع مثله، وذلك أن الأعرابي الفصيح إذا عُدل به عن لغته الفصيحة إلى أخرى سقيمة عافها ولم يَبْهَأ بها" انتهى.
[ ٩٤ ]
ونقل السيوطي كلام ابن جني، وغيَّر "يَبْهَأ" إلى "يَعْبَأ"، ونبَّه الأستاذ الدكتور أحمد محمد قاسم محقق (الاقتراح) -طيب الله ثراه- إلى هذا التغيير؛ موضحًا أن عبارة ابن جني معناه: لم يأنس بها، فهي أنسب من عبارة السيوطي.
ونخلص مما سبق إلى أن الفصيح إن تكلَّم بكلام قُبل منه كلامه، ولم يُردَّ عليه، ويُحمل أمره على ما عُرف من حاله وإن خالف القياس مشيًا على الظاهر الذي هو مناط الأحكام، ولذلك قاسه ابن جني على قبول القاضي شهادة من دارت عدالته، وإن كان يجوز أن يكون الأمر عند الله بخلاف ما شهد به؛ لأن القاضي إنما أُمر بحمل الأمور على ما تبدو، وإن كان في المغيب غيره. انتهى.
فإذا لم يجزْ للقاضي أن يشكّ فيمن ظهرت عدالته؛ وجب على متلقي اللغة أيضًا ألا يشكَّ فيمن ظهرت فصاحته؛ لأن الشك لو تسرَّب إليه لأدى ذلك إلى ترك الفصيح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٩٥ ]