[ ١٤٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العاشر
(تابع القوادح في العلة)
فساد الاعتبار
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه؛ أما بعد:
المراد بفساد الاعتبار: فساد الاعتبار للعلة في الحكم، وذلك عند مخالفة القياس للنص، وعرَّفه السيوطي في (الاقتراح) نقلًا عما ورد في الفصل التاسع في (الإغراب في جدل الإعراب) لأبي البركات الأنباري: بأنه الاستدلال بالقياس في مقابلة النص عن العرب، ومثاله: أن يستدل البصري على أن ترك صرف ما لا ينصرف لا يجوز في ضرورة الشعر؛ بأن الأصل في الاسم الصرف، فلو جوزنا ترك صرف ما ينصرف، لأدى ذلك إلى أن نرده عن الأصل إلى غير أصل، فوجب ألا يجوز قياسًا على مد المقصور، فإنه ممنوع، فيقول له المعترض عليه في استدلاله وتعليله أي: ممن يجوزون تركَ صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر، وهم الكوفيون وبعض البصريين: هذا استدلال منك بالقياس في مقابلة النص عن العرب، وهو -أي: القياس في مقابلة النص- لا يجوز، فإنه -أي: الحال والشاذ- قد ورد النص عنهم -أي: عن العرب- في أبيات تركوا فيها صرف المنصرف للضرورة، وذلك في كثير من أشعارهم، وإذا ثبت النقل عنهم في ورود المدعَى، فلا اعتبارَ للقياس ولا التفات إليه. ومن هذه الأبيات التي تشهد لذلك وأوردها الأنباري في (الإغراب) و(الإنصاف) قول حسان -﵁:
نصروا نبيهم وشدوا أزره بحُنين يوم تواكل الأبطال
فحنين: اسم واد بين مكة والطائف كانت به وقعة بين المسلمين والكفار، وذكره الله في كتابه فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ (التوبة: ٢٥) وقد أجمع القُراء على صرفه في الآية الكريمة. وقول الأخطل التغلبي من كلمة يمدح فيها سفيان بن الأبيرد:
[ ١٥١ ]
طلب الأزارقَ بالكتائب إذ هَوَت بشبيب غائلة الثغور غدور
الأزارق: أصله الأزارقة، جمع أزرقي، وهو المنسوب إلى رأس الخوارج نافع بن الأزرق، وشبيب هو شبيب بن يزيد الشيباني من الخوارج كذلك، والشاهد في قوله: "بشبيب" حيث منعه من الصرف مع أنه ليس فيه إلا العلمية، وهي وحدها لا تقتضي منعه من الصرف، ومع ذلك فقد منعه للضرورة. وقول أبي دهبل وهب بن زمعة الجمحي:
أنا أبو دهبل وهب لوهب من جُمح والعز فيهم والحَسَب
فترك صرف "دهبل" وهو منصرف، وقد جاء في (الإنصاف) في المسألة السبعين كثير من الأبيات مع هذه الأبيات، وقد رجح الأنباري في (الإنصاف) مذهب الكوفيين والأخفش والفارسي ومَن تبعهم؛ لكثرة النقل الذي خرج عن حد الشذوذ. ورجحه ابن مالك في (الكافية الشافية) فقال:
وبعضهم أجازه اختيارًا وليس بدعًا فدع الإنكار
وقال في (الألفية):
ولاضطرار أو تناسب صرف ذو المنع والمصروف قد لا ينصرف
ومع ذلك فقد ناقش الأنباري هذه المسألة هنا مناقشة أصولية؛ لأنه بصدد بيان سبل الحجاج وطرائق الاستدلال، فقال في (الإغراب): "والجواب -أي: من طرف المستدل بالقياس، وهو هنا البصري- أن تتكلم عليه -أي: أن ترد عليه- أيها المستدل بالقياس بما هيأت أي: بما بينت أنا لك من الاعتراضات على النقل. وتبين أن ما توهمه معارضًا ليس كذلك". فإذا رجعنا إلى الفصل الثامن من (الإغراب) عرفنا هذا الجواب، وعنوان هذا الفصل: في الاعتراض على الاستدلال بالنقل، ومضمون ما قال الأنباري ونقله عنه السيوطي: أن الجواب
[ ١٥٢ ]
هو الطعن في النقل المذكور، ويكون هذا الطعن إما في الإسناد وإما في المتن. أما الطعن في الإسناد فمن وجهين:
أحدهما: أن تطالبه أيها المستدل بالقياس بإثبات الإسناد؛ لأنه مدع، والمدعي عليه الإثبات حتى تنهض دعواه؛ عملًا بالقاعدة الشرعية: البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه. قال الأنباري: "وقد ذهب قوم إلى أنه ليس له أن يطالبه بإثبات الإسناد، وإنما عليه أن يطعن فيه إن أمكنه، وليس ذلك بصحيح؛ لأنه لو لم يكن له -أي: للمستدل- ذلك، لأدى إلى أن يروي كل من أراد ما أراد، وهذا غاية في الفساد"، انتهى.
والجواب من المعترض عن المطالبة بإثبات الإسناد بأحد أمرين؛ أن يسنده أي: ينسبه لسند معين، رجاله معروفون بالعدالة والثقة، حتى ينتهي إلى من نقله عن العرب وأثبته، أو يحيله على كتاب معتمد عند أهل اللغة، وأما الطعن في الرواية فمعناه الطعن في رواية الرجال الذين هم في السند بما يرد روايتهم، ويجعلها غير مقبولة، وجواب الطعن في الرواية من جانب المستدل بها أن يبدي أي: يظهر لذلك النص طريقًا آخرَ، سالمًا من القدح والطعن الذي ورد على النص الأول، وأما الطعن في المتن أي: بعد التسليم بثبوت وروده عن العرب وقبول سنده، فمن خمسة أوجه؛ أحدها: التأويل؛ أي: حمل اللفظ على خلاف الظاهر لدليل، بأن يقول الكوفي ومَن سار على دربه: الدليل على ترك صرف المنصرف قول ذي الإصبع العدواني وهو شاعر معمر شجاع جاهلي:
وممن ولدوا عامـ ر ذو الطول وذو العرض
والشاهد في قوله: "عامر" فقد جاء به مرفوعًا من غير تنوين، فدل على أنه منعه من الصرف مع أنه ليس فيه إلا العلمية وحدها، وقوله: "ذو الطول وذو
[ ١٥٣ ]
العرض" كناية عن عظم الجسم وبسطته. فيلجأ البصري إلى التأويل، فيقول للكوفي: إن البيت ليس مما الكلام فيه من ترك صرف المنصرف، بل هو منصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، إذ لم يصرفه؛ لأنه ذهب به إلى القبيلة، أي: لأنه جعله اسمًا للقبيلة حملًا على المعنى، والحمل على المعنى كثير في كلامهم، كقول الشاعر يحكي عن أعرابية وقفت على قبر ابن لها يقال له: عامر، ترثيه وتبكيه، فقالت:
قامت تبكيه على قبره مَن لي بعدك يا عامر
تركتني في الدار ذا غربة قد ذَل من ليس له ناصر
فقال الشاعر على لسان المرأة: "ذا غربة" ولم يقل: ذات غربة؛ لأنه حمله على المعنى كأنه قال: تركتني إنسانًا أو شخصًا ذا غربة، والإنسان أو الشخص يطلق على الذكر والأنثى، فيقول له الكوفي: قوله: "ذو الطول وذو العرض" يدل على أنه لا يذهب به إلى القبيلة؛ لأنه لو ذهب به إلى القبيلة لقال: ذات الطول والعرض، فيقول له البصري قوله: "ذو الطول" رجع إلى الحي، ونحو هذا في التنقل من معنى إلى معنى قول الراجز:
إن تميمًا خلقت ملموما قومًا ترى واحدهم صهميما
الملموم: اسم مفعول من اللم، وهو الجمع الكثير الشديد، وصخرة ملمومة: مستديرة صلبة، والصهميم: السيد الشريف من الناس، ومن الإبل: الكريم، والخالص في الخير والشر مثل الصميم، والذي لا ينثني عن مراده، ومحل الاستشهاد قوله: "خلقت" فإنه قد جاء به كما يجيء بإخبار المؤنث، فدل بهذا على أنه يريد بتميم القبيلة، ثم قال: "ملمومًا" فأجرى الكلام على أنه يريد الحي، ثم ترك لفظ الواحد وحقق مذهب الجمع، فقال بعد ذلك:
[ ١٥٤ ]
قومًا ترى واحدهم صهميما
والوجه الثاني من أوجه القدح في المدح: المعارضة بنص آخر مثله، فيتساقطان ويسلم الأول، أي: المعارضة بنص ثبت فيه إبقاء صرفه، والنصان متكافئان فيتساقطان، وإلا كان ترجيحًا بلا مرجح، فإذا تساقطَا سلم الدليل الأول لسقوط ما عارضه، كأن يقول الكوفي: الدليل على أن إعمال الأول، أي: لسبقه في باب التنازع أولى أي: أحق من إعمال الثاني، أي: كما يقول البصريون بقربه قول الشاعر:
وقد نغنى بها ونرى عصورًا
وهذا صدر بيت من الوافر، وعجزه:
بها يقتدننا الخلد الخدال
ونسبه سيبويه إلى المرار الأسدي، وأنشد قبله:
فرد على الفؤاد هوًى عميدًا وسوئل لو يبين لنا سؤالا
والهوى العميد: هو العِشق الشديد الذي يضني صاحبه، و"نغنى" مضارع غني بالمكان كرضي، أي: أقام فيه وتوطن، والخليدة: هي المرأة الحيية الطويلة السكوت، أو البكر، والخِدَال: جمع خدلة وهي الممتلئة، وفاعل "رد" في البيت الأول ضمير مستتر تقديره هو، أي: منزل أحبابه، وقد أعاد عليه الضمير مؤنثًا في البيت الثاني في قوله: "بها"؛ لأنه في معنى الدار، والشاهد في البيت الثاني حيث أراد: ونرى الخلد الخدال بها يقتدننا في عصور، فالعصور ظرف، وأعمل العامل الأول وهو نرى في الخلد، ولو أعمل الفعل الثاني وهو يقتاد، لقال: ونرى عصورًا بها تقتادنا الخلد الخدال، بالرفع. فيقول البصري: هذا البيت بعد أن نسلمه ونقول بثبوته، معارض بقول الآخر، وهو الفرزدق:
[ ١٥٥ ]
ولكن نصفًا لو سببت وسبني بنو عبد شمس من مناف وهاشم
النصف: الإنصاف والعدل، والشاهد فيه في قوله: "سببت وسبني بنو عبد شمس" أي: بإعمال الثاني، ولو أعمل الأول لقال: سببت وسبوني بني عبد شمس، بنصب بني وإظهار الضمير في سبني. والوجه الثالث من أوجه القدح في المتن: اختلاف الرواية، كأن يقول الكوفي: الدليل على جواز مد المقصور في ضرورة الشعر قول الشاعر:
سيغنيني الذي أغناك عني فلا فقر يدوم ولا غناء
فمد غنى وهو مقصور ضرورة فقال: غناء، فيقول له البصري: الرواية غناء، بفتح الغين ممدود، أي: من قولهم: هذا رجل لا غناء عنده، فيكون ممدودًا أصالة فلا دليل في البيت، وزعم آخرون أنه بكسر الغين وأنه مصدر: غانيته أغانيه غِناءً، مثل: راميته أراميه رِماءً، إذا فاخرته وباهيته في الغنى بكسر الغين وبالقصر، فهو ممدود قياسًا، فلا دليل. والوجه الرابع من أوجه القدح في المتن: منع ظهور دلالته، أي: دلالة الدليل على ما يلزم منه فساد القياس، كأن يقول البصري: الدليل على أن المصدر أصل للفعل أنه يسمى مصدرًا، والمصدر هو الموضع الذي تصدر عنه الإبل، فلو لم يصدر عنه الفعل لما سُمِّي مصدرًا. فقول البصري: والمصدر هو الموضع، كأنه يشير إلى أنه اسم مكان كمقعد ونحوه، فيقول له الكوفي: هذا حُجة لنا في أن الفعل أصل للمصدر، فإنه إنما سمي مصدرًا؛ لأنه مصدور عن الفعل -أي: مأخوذ منه- فالمراد به المفعول لا الموضع، كما يقال: مَركب فَارِه، ومشرب عذْب، أي: مركوب ومشروب، أي: أن مركبًا ومشربًا بوزن مصدر وهما بمعنى مفعول، فمصدر مثلهما.
[ ١٥٦ ]
قال الأنباري في (الإنصاف) جوابًا عن هذه الحجة الكوفية: "قلنا: -أي: نحن البصريين- هذا باطل من وجهين؛ أحدهما: أن الألفاظ إذا أمكن حملها على ظاهرها فلا يجوز العدول بها عنه، يعني: والظاهر يوجب أن يكون المصدر للموضع لا للمفعول، فوجب حمله عليه، والثاني: أن قولهم: مركب فاره، ومشرب عذب، يجوز أن يكون المراد به موضع الركوب وموضع الشرب، ونُسب إليه الفراهة والعذوبة للمجاورة، يعني: أنه مجاز عقلي علاقته المجاورة، كما يقال: جرى النهر، والنهر لا يجري، وإنما يجري الماء فيه، قال الله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (التوبة: ٧٢) فأضاف الفعل إليها، وإن كان الماء هو الذي يجري فيها؛ لما بينا من المجاورة، ومنه قولهم: بلد آمن ومكان آمن، فأضافوا الأمن إليه؛ مجازًا لأنه يكون فيه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (إبراهيم: ٣٥) وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ (العنكبوت: ٦٧) فأضاف الأمن إليه؛ لأنه يكون فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (سبأ: ٣٣) فأضاف المكر إلى الليل والنهار، ومنه قولهم: ليل نائم، فأضافوا النوم إلى الليل لكونه فيه إلى آخره.
والوجه الخامس من أوجه القدح في المتن سقط من نسخ (الاقتراح) وذكره الأنباري في (الإغراب) وأشار إليه في (الإنصاف) ونقله عنه صاحب (الإصباح في شرح الاقتراح) وهو أن يستدل -أي: المستدل- بما لا يقول به، مثل أن يقول البصري: الدليل على أن واو رُب لا تعمل وإنما العمل لرب المقدرة، أنه قد جاء الجر بإضمارها من غير عِوض في نحو قول جميل بن معمر العذري صاحب بثينة:
رسم دار وقفت في طلله كدت أقضي الحياة من جَلَله
[ ١٥٧ ]
الرسم: ما بقي لاصقًا بالأرض من آثار الديار كالرماد ونحوه، والطلل: ما بقي شاخصًا مرتفعًا من آثارها كالوتد ونحوه، ومن جلله: أي: من أجله، أو من عظمه في نفسي، ومحل الاستشهاد في البيت قوله: "رسمِ دار"، فإن الرواية بجر الرسم، وقد خرجها العلماء على أنه مجرور برب المحذوفة الباقي عملُها، فيقول له الكوفي: إعمال حرف الجر مع الحذف من غير عوض لا تقول به، فكيف يجوز لك الاستدلال به؟!.
فساد الوضع
عرف السيوطي هذا القادح في (الاقتراح) نقلًا عن أبي البركات الأنباري في (الإغراب في جدل الإعراب) فذكر أن معناه: أن يعلق -أي: المستدل- على العلة ضد المقتضَى، أي: أن يعلق عليها حكمًا مضادًّا لما تقتضيه. كأن يقول الكوفي: إنما جاز التعجب من السواد والبياض دون سائر الألوان؛ لأنهما أصلا الألوان. يعني: أنه يجوز أن يستعمل ما أفعله في التعجب من السواد والبياض خاصةً من بين سائر الألوان، نحو أن تقول: هذا الثوب ما أبيضه، وهذا الشعر ما أسوده، والعلة في هذا الحكم بالجواز أن السواد والبياض أصلا الألوان، ومنهما يتركب سائرها من الحمرة والصفرة والخضرة والصهبة والشهبة، إلى غير ذلك، فإذا كانَا هما الأصلين للألوان كلها، جاز أن يثبت لهما ما لا يثبت لسائر الألوان، إذ كانا أصلين لها ومتقدمين عليها.
فيقول له البصري: قد علقت على العلة -أي: التي ذكرتها- وهي كونهما أصلًا للألوان ضد المقتضى، أي: ضد مقتضاها أي: مطلوبها وما تقتضيه. فإن مقتضى كونهما أصلين أبلغيتهما في المنع؛ لأن التعجب إنما امتنع من سائر الألوان
[ ١٥٨ ]
للزومها المحل، يعني: أن التعجب إنما يكون من حدوث أمر وعروضه، وهذه الألوان أشياء مستقرة في الشخص لا تكاد تزول عنه، فجرت مجرى أعضائه. وهذا المعنى في الأصل أبلغ منه في الفرع، أي: أن هذا المعنى وهو لزوم هذه الأشياء واستقرارها في الأصل، أبلغ؛ لقوته وشدته بالأصالة، فإذا لم يجز مما كان فرعًا لملازمته المحل فلأن لا يجوز مما كان أصلًا، وهو ملازم للمحل أولى، أي: أحق بالمنع لأبلغيته فيه. والجواب: أن يبين عدم الضدية، أي: يبين له ألا تضاد بين العلة والحكم الذي تقتضيه، أو يسلم له، أي: للمعترض ذلك، أي: الضدية بين العلة والحكم، ويبين أنه -أي: كونه أصلها- يقتضي ما ذكره هو أيضًا من وجه آخر، أي: غير الوجه المدخول فيه.
المنع للعلة
المراد بهذا القادح الاعتراض على الاستدلال بالقياس لعدم التسليم بالعلة، أي: لرفض العلة وعدم قبولها، وقد ذكر السيوطي نقلًا عن الأنباري في (جدل الإعراب) أن هذا المنع قد يكون في الأصل وقد يكون في الفرع، أي: في علة الأصل المقيس عليه أو في علة الفرع المقيس. قال: "فالأول -أي: المنع في الأصل- كأن يقول البصري: إنما ارتفع المضارع لقيامه مقام الاسم، أي: فهو يقع بجملته خبرًا وصفة وحالًا، والأصل في هذه المواقع الاسم، وهو -أي: قيامه مقام الاسم- عامل معنوي فأشبه -أي: هذا العامل- الابتداء في الاسم المبتدأ والابتداء يوجب الرفع، فكذلك ما أشبهه، أي: وهو القيام مقام الاسم في الفعل المضارع. فيقول له الكوفي: لا نسلم -
[ ١٥٩ ]
يعني: نمنع- أن الابتداء يوجب الرفع في الاسم المبتدأ، أي: لأن الابتداء أمر معنوي يضعف عن التأثير في أمر لفظي".
والثاني أي: وهو المنع للعلة في الفرع، كأن يقول البصري: الدليل على أن فعل الأمر مبني أن دراك ونزال ونحوهما من أسماء الأفعال مبنية؛ لقيامها مقامه، أي: مقام فعل الأمر في إفادة معناه، فعوملت في البناء معاملته، ولولا أنه مبني لَمَا بني ما قام مقامه، أي: الدليل على أن فعل الأمر مبني إجماعنا على أن ما كان على وزن فعال من أسماء الأفعال كنزال وتراك وحذار، مبني؛ لأنه ناب عن فعل الأمر، فنزال ناب عن انزل، وتراك ناب عن اترك، وحذار ناب عن احذر، وهكذا. فالأصل في بناء أسماء الأفعال هذه ونحوها قياسها على فعل الأمر، فبناؤها فرع عن بناء أفعال الأمر التي بمعناها.
فيقول له الكوفي: لا نسلم أن نحو: تراك ودراك إنما بني لقيامه مقام فعل الأمر، أي: فالمنع هنا لوجود العلة في الفرع، بل لتضمنه لام الأمر، بل إنما بني نزال ونحوه؛ لتضمنه معنى لام الأمر، أي: فأشبه الحرف في المعنى لتضمنه معناه، ألا ترى أن نزال اسم انزل وأصله لتنزل، فلما تضمن معنى اللام بني، كتضمن أين معنى حرف الاستفهام. وكما أن أين بنيت لتضمنها معنى حرف الاستفهام، فكذلك بنيت نزال لتضمنها معنى اللام. والجواب عن منع العلة: أن يدل -أي: من جهة المستدل- على وجودها في الأصل أو في الفرع بما يظهر به فساد المنع، أي: بدليل يظهر به للوجود فساد المنع، وأن المنع إنما هو ضرب من ضروب العناد والمكابرة، فلا عبرةَ به؛ لأن المكابرة كما يقولون: توجب قطعَ المناظرة.
[ ١٦٠ ]
المطالبة بتصحيح العلة
من القوادح في العلة: المطالبة من المعترض للمستدل بتصحيح العلة، أي: بإقامة الدليل على صحة ثبوتها، وذكر السيوطي أن أبا البركات الأنباري قال: "والجواب: أن يدل من قبل المستدل على ذلك الثبوت بشيئين؛ التأثير: أي: التأثير في الحكم لمناسبتها له، وشهادة الأصول بكونها علة، فالأول -وهو التأثير- وجود الحكم لوجود العلة وزواله لزوالها، أي: لأن ذلك -أي: دوران الحكم مع العلة وجودًا وعدمًا- هو شأن العلة، كأن يقول المستدل: إنما بنيت قبلُ وبعد على الضم؛ لأنها اقتطعت عن الإضافة، أي: نحو قراءة الجماعة؛ لقول الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (الروم: ٤).
فيقال -أي: من جهة المعترض: وما الدليل على صحة هذه العلة؟ أي: ما الدليل على صحة كون قطع هذين الظرفين ونحوهما عن الإضافة هو علة البناء على الضم؟ فيقول -أي: المستدل: الدليل التأثير، أي: هو الدليل على صحة هذه العلة، وهو وجود البناء لوجود هذه العلة وعدمه لعدمها؛ ألا ترى أنه إذا لم يقتطع عن الإضافة يعرب، فإذا اقتطع عنها بني، فإذا عادت الإضافة عاد الإعراب أي: فوجود الحكم وهو البناء لوجود العلة، وهي القطع عن الإضافة، وعدمه لعدمها دليل على أنها هي المؤثرة فيه وجودًا وعدمًا، والتأثير دليل على صحة العلة. والثاني: وهو شهادة الأصول كأن يقول المستدل: إنما بنيت كيف وأين ومتى؛ لتضمنها معنى الحرف، فيقال: وما الدليل على صحة هذه العلة؟ فيقول: إن الأصول تشهد وتدل على أن كل اسم تضمن معنى الحرف وجب أن يكون مبنيًّا".
[ ١٦١ ]
المعارضة
من القوادح في العلة: المعارضة، ومعنى المعارضة كما قال الأنباري في (جدل الإعراب) و(لمع الأدلة) ونقله عنه السيوطي في (الاقتراح): "أن يعارض المستدل بعلة مبتدأة، أي: أن يعارض الخصم المستدل بعلة مستأنفة تقتضي خلاف مقتضى علة المستدل". وأوضح الأنباري أن العلماء قد اختلفوا في قبول المعارضة، فقال: "والأكثرون على قبولها؛ لأنها دفعت العلة أي: لأنها ردت العلة الأولى وعارضتها، وقيل: لا تقبل؛ لأنها تَصَدٍّ لمنصب الاستدلال، وذلك رتبة المسئول لا السائل، أي: وذهب بعض العلماء إلى عدم قبول المعارضة؛ لأنها تصد لمنصب الاستدلال. والتصدي معناه التعرض، وهو مصدر تصدى إليه أي: تعرض له أي: وإقامة الدليل منصب المستدل وهو المسئول لا منصب المعترض وهو السائل، ومنصب المعترض ووظيفته إنما هو منع دليل المستدل لا إقامة دليل".
قال الأنباري في (لمع الأدلة) ذاكرًا ما علل به الذاهبون إلى عدم قبول المعارضة: "فإن السائل هادم والمعارض بانٍ، والشخص الواحد لا يكون هادمًا بانيًا في حال واحدة"، وعلق الأنباري على ما ذكروه بقوله: "وهذا ليس بصحيح؛ لأن من حق السائل أن يعرض على العلة ويقفها، وقد وجد ها هنا، فإن العلة ما لم تسلم عن معارضة دليل لم يكن عليها تعويل، فوجب أن تكون - يعني: المعارضة- مقبولة صحيحة"، انتهى.
مثال المعارضة: أن يقول الكوفي في الإعمال -أي: في التنازع: إنما كان إعمال الأول أي: من العاملين المتنازعين أو العوامل المتنازعة، أولى؛ لأنه
[ ١٦٢ ]
سابق، وهو صالح للعمل، فكان إعماله أولى لقوة الابتداء به والعناية، أي: أن العامل الأول سابق العامل الثاني وهو صالح للعمل كالعامل الثاني، إلا أنه لما كان مبدوءًا به كان إعماله أولى؛ لقوة الابتداء والعناية به، ولهذا لا يجوز إلغاء "ظن" أو "كان" إذا وقعت أي منهما مبتدأةً، بخلاف ما إذا توسطت أو تأخرت. فيقول البصري: هذا معارض بأن الثاني أقرب إلى الاسم أي: من أن العامل الأول أبعد والثاني أقرب إلى الاسم، وليس في إعماله -أي: في إعمال الثاني- نقض معنى، فكان إعماله أولى، أي: من إعمال الأول. يعني: أن دليلك أيها الكوفي على اختيار الأول معارض بدليل من قبل البصريين على اختيارهم إعمال الثاني لا الأول، وهو أن الثاني يتميز بقرب الجوار، وأنه لا ينقض -أي: لا يغير- معنى، ومعنى هذا أن الثاني من العاملين أقرب إلى المعمول، وليس في إعماله حدوث خلل في المعنى، إذ لا فرقَ في المعنى بين إعمال الأول أو الثاني.
وتكتسب مع إعمال الثاني رعاية جانب القرب، وحرمة المجاورة، فقرب الثاني من المعمول يقتضي ألا يلغَى عنه، يدل عليه أن المجاورة توجب كثيرًا من أحكام الثاني للأول، والأول للثاني، ألا ترى إلى قولهم: الشمس طلعت وأنه لا يجوز فيه حذف التاء لما جاور الضمير الفعل، ولذلك يقولون: إن الفعل هنا وجب التأنيث؛ لماذا؟ لأن الفاعل ضمير يعود على مؤنث على الرغم من أن المؤنث هنا مجازي التأنيث، إلا أن تأنيث الفعل بالتاء واجب لمجاورة الضمير المستتر للفعل، وكذلك: قامت هند، لا يجوز حذف التاء لمجاورة المؤنث الظاهر للفعل، فلو فَصلتَ بينهما بفاصل ما جاز لك في هذه الحالة أن تحذف التاء، أي: جاز لك تذكير الفعل وتأنيثه، وما كان ذلك إلا رعايةً للمجاورة.
[ ١٦٣ ]
ومما يدل على رعايتهم جانب القرب والمجاورة، أنهم قالوا: جحر ضرب خرب، وماء شَن بارد، فأتبعوا الأوصاف إعراب ما قبلها وإن لم يكن المعنى عليه، فَجُحر -كما قلنا من قبل- خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هذا جحر، وهو مضاف، وضب مضاف إليه، ثم جاء النعت خرب، المفروض في المعنى أن يكون الخراب صفةً للجحر وليس صفةً للضب، ومع ذلك جاء الخراب أو جاء الوصف مجرورًا؛ مراعاةً لمجاورته للمجرور، وكذلك: ماء شن بارد، الشن: هو قِربة الماء، والشن لا يوصف بالبرودة وإنما الذي يوصف بالبرودة هو الماء في داخل الشن، فيقال: ماء شنٍ باردٌ، إلا أن المسموع عن العرب: ماء شنٍ باردٍ بالإتباع الشن على اللفظ بالجر؛ مراعاةً للجوار وإن لم يكن المعنى عليه. فإذا كانوا قد لحظوا المجاورة مع فساد المعنى، فالأحرى أن يلحظوها مع صراحه، ومع ذلك فقد أكد سيبويه أنه إذا حدث نقض للمعنى خرج الكلام من باب التنازع، ولذلك قال في قول امرئ القيس:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
قال: "فإنما رفع؛ لأنه لم يجعل "القليل" مطلوبًا، وإنما كان المطلوب عنده الملك، وجعل "القليل" كافيًا، ولو لم يرد ذلك ونصب فسَدَ المعنى"، انتهى. يعني: أن الشاعر امرأ القيس رفع "قليلًا" بكفاني، قال: "كفاني قليل من المال" ولم ينصبه بأطلب، إذ الرواية جاءت برفع "قليل"، قال: لأنه إنما أراد: لو سعيتُ لمنزلة دنية كفاني قليل من المال، ولم أطلب الملكَ، وعلى ذلك معنى الكلام. فإذن هنا عاملان؛ العامل الأول: كفى، والعامل الثاني: أطلب، وجاء المعمول مرفوعًا، هذا الرفع متعلق بالعامل الأول، ولا يمكن أن يوجه إليه العامل الثاني، إذ لو وُجِّه إليه العامل الثاني لفسد المعنى، قال: لو سعيت لمنزلة دنية كفاني قليل
[ ١٦٤ ]
من المال ولم أطلب الملك. قال: وعلى ذلك معنى الكلام؛ لأنه قال في البيت الثاني:
ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
المجد المؤثل: هو المجد المؤصل، ولو نصب بأطلب لاستحال المعنى؛ لماذا؟ لأن شرط هذا الباب أن يكون العاملان موجهين في المعنى إلى شيء واحد، ولو وجه كفاني وأطلب إلى "قليل" لفسد المعنى؛ لماذا؟ لأن "لو" تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، فإذا كان ما بعدها مثبتًا كان منفيًّا، وإذا كان ما بعدها منفيًّا تحول بمقتضاها إلى مثبت، وعلى هذا فقوله: "أنما أسعى لأدنى معيشة" منفي بمقتضى لو؛ لأنه جاء مثبتًا، فأفاد عدم السعي لأدنى معيشة، و"لم أطلب" مثبت بمقتضى لو أيضًا؛ لأنه جاء منفيًّا، فلو وجه إلى "قليل" لوجب إثبات طلب القليل، وهو عين ما نفاه أولًا، وإذا بطَلَ ذلك تعين أن يكون مفعول أطلب محذوفًا تقديره: ولم أطلب الملك بدليل البيت الذي بعده.
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ١٦٥ ]