[ ٢٤٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس عشر
(الحكم في تعارض السماع والقياس)
حكم ما ورد شاذًّا في القياس مطردًا في الاستعمال
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه؛ أما بعد:
تكرر حديث ابن جني في (الخصائص) عن القياس والسماع؛ لكونهما في مقدمة أدلة النحو المعتمدة، كما تكرر حديثه عن الاطراد والشذوذ، وذكر غيرَ مرةٍ أن الكلام إذا كان مطردًا في القياس والاستعمال جميعًا كان هو الغاية المطلوبة والمثابة المنوبة، وأن ذلك ما لا غايةَ وراءه ولا هدف بعده نحو منقاد اللغة من النصب بحروف النصب، والجر بحروف الجر والجزم بحروف الجزم وغير ذلك، مما هو فاشٍ في الاستعمال قوي في القياس. ومن ذلك حديثه في باب: القول على الاطراد والشذوذ، وذكر فيه أن الكلام في الاطراد والشذوذ على أربعة أضرب: مطرد في القياس والاستعمال جميعًا، ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال، ومطرد في الاستعمال شاذ في القياس، وشاذ في القياس والاستعمال جميعًا. وذكر حكمَ كل ضرب منها وبعضَ أمثلته، ثم أفرد بابًا عنوانه: باب في تعارض السماع والقياس في الجزء الأول أيضا من (الخصائص).
وقد فَصَّل فيه ما أجمله في الباب الأول، ولكنه أكد في البابين على قوانينَ تُعد من الثوابت في العربية. وفي مقدمة هذه القوانين: أن أقوى الكلام ما كان فاشيًا في الاستعمال قويًّا في القياس، وذلك نحو: قام زيد، وأكرمت عمرًا، ومررت بسعيد، أي: ما كان مراعيًا للقواعد المطردة المستنبطة من كلام العرب الفصحاء الموثوق بعربيتهم، وأن السماع والقياس إذا تعارضَا نطقت بالمسموع على ما جاء عليه، أي: لأنه نص وأصل ولم تقسه في غيره، أي: في غير ما ورد من النص؛ لاقتضاء القياس المنع من ذلك، وأجزتَ الوارد لوروده مقتصرًا عليه دون قياس ما وراءه عليه لمخالفته القياس، أي: إذا كان قياس النحويين يؤدي إلى حكم من
[ ٢٤٥ ]
الأحكام يخالف الحكم الذي يؤدي إليه المسموع، فليس لك أن تحدث في المسموع تغييرًا، وإنما عليك أن تنطق به كما سُمع عن العرب ولا تقيسه في غيره؛ لأنه ليس بقياس، لكنه لا بد من قبوله؛ لأنك إنما تنطق بلغتهم وتحتذي في ذلك -أي: وتتبع في ذلك- أمثلتهم، ثم إنك من بعد لا تقيس عليه غيره، وهذا ما يعرف بأنه شاذ في القياس مطرد في الاستعمال، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (المجادلة: ١٩).
فهذا النص القرآني يقتضي إبقاء الواو في قوله: ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ على حالها وهذا ليس بقياس؛ لأن القياس يقتضي انقلابها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومع قبوله بحاله كما ورد في النص الكريم لا تقِس عليه غيره، فلا تقل في استقام: استقوم، ولا في استباع: استبيع، بل تجيء بذلك على ما يقتضيه القياس، فتقلب كلًّا من الواو والياء ألفًا، وتقتصر في إبقاء المسموع عن العرب مخالفًا لذلك بحاله عن الوارد عنهم، المسموع منهم، فتكون بذلك جامعًا بين إعمال النص وإعمال القياس.
ومما ورد من هذا النوع مخالفًا للقياس قولهم لمن ذل بعد عز: استنوق الجمل، أي: صار كالناقة في ذلها، وقولهم لمن أشبه الفيل في عظمه: استفيل الجمل، أي: صار كالفيل في ضخامته، وقولهم: استتيست الشاة، أي: صارت كالذكر من المعز، وذكر ابن جني أن استنوق واستفيل واستتيسَ مع شذوذه أسهل من استحوذ، وذلك أن استحوذ فعل مزيد بالألف والسين والتاء، وقد تقدمه فعله الثلاثي المجرد المعتل، وهو حاذ يحوذ نحو قول العجاج يصف ثورًا وكلابًا:
يحوذهن وله حُوذي كما يحوذ الفئة الكَمِي
يروَى بالذال والزاي: يحوذهن ويحوزهن، أي: يسوقهن السوق الشديد، والحوذي والحوزي: هو السائق المُجِد المستحث على السير. قال ابن جني مشيرًا
[ ٢٤٦ ]
إلى احترام المسموع مع شدة مخالفته للقياس: "فلما كان استحوذ خارجًا عن معتل -يعني: حاذ يحوذ- وجب إعلاله؛ إلحاقًا في الإعلال به، وكذلك باب: أقام وأطال واستعاذ واستزاد، مما يسكن ما قبل عينه في الأصل. ألا ترى أن أصل أقام: أقوم، وأصل استعاذ: استعوذ، فلو أخلينا وهذا اللفظ أي: الذي عليه هذا الأصل، لاقتضت الصورة تصحيح العين لسكون ما قبلها، يعني: لبقيت الواو من غير إعلالها بقلبها ألفًا لسكون ما قبلها، غير أنه لما كان منقولًا ومخرجًا من معتل هو قام وعاذ، أُجري أيضًا في الإعلال عليه. وليس كذلك: استنوق الجمل واستتيست الشاة؛ لأن هذا ليس منه فعل معتل. ألا تراك لا تقول: ناقَ ولا تاس؟ إنما الناقة والتيس اسمان لجوهر، لم يصرف منهما فعل معتل، فكان خروجهما على الصحة أمثلَ منه في باب: استقام واستعاذ، وكذلك: استفيل"، انتهى.
يقارن ابن جني في النص السابق بين الشذوذ القياسي في الكلمات: استنوق واستتيس واستفيل، والشذوذ في كلمة: استحوذ، فيذكر أن الشذوذ في الكلمات الأول أسهل من الشذوذ في الكلمة الأخيرة، وذلك أن استحوذ تقدمها فعلها الثلاثي المجرد وهو حاذ، وهو فعل أجوف واوي العين، وقد أعل بقلب واوه ألفًا، فكان القياس يوجب إلحاق مزيد هذا الفعل به في الإعلال، فيقال: استحاذ، هذا ما كان يقتضيه القياس، وما يقتضيه في كل فعل أجوف من بابي: أفعل واستفعل، نحو: أقام وأطال واستعاذ واستزاد، فهذه الأفعال المزيدة ونحوها قد أُعلت فيها العين وهي واو أو ياء بقلبها ألفًا؛ حملًا على إعلال مجردها، فأصل الفعل أقام: أقوم، ووزنه: أفعل، فَأُعِل بقلب عينه وهي الواو ألفًا بعد نقل حركتها إلى الساكن الصحيح قبلها، وهو القاف.
[ ٢٤٧ ]
ولولا نقل حركة الواو إلى الساكن قبلها ما قُلبت ألفًا؛ حتى لا يلتقي ساكنان، وإنما كان لا بد لإحداث قلب هذه العين المحركة في الأصل ألفًا أن يفتح ما قبلها؛ حتى تكون الواو قد تحركت في الأصل وانفتح ما قبلها بعد نقل حركتها، وحينئذٍ تُقلب ألفًا؛ إجراءً للفعل المزيد مجرى فعله المجرد في الإعلال. وهكذا في بقية الأفعال التي على هذه الصفة من أفعال هذين البابين، فأطال أصله: أطول، واستعاذ أصله: استعوذ، واستزاد أصله: استزيد، وقد فُعل فيها ما فعل بأقام؛ حملًا للمزيد على مجرده في الإعلال. أما: استنوق واستتيس واستفيل ونحوها مع شذوذها وخروجها عن القياس، فأمر شذوذها أسهل، إذ لم يتقدمها فعل معتل؛ لأن الناقة والتيس والفيلَ أسماءُ ذوات، فكان خروجها إلى الصحة وعدم الإعلال أيسر من خروج استحوذ.
وذكر ابن جني أن مما ورد شاذًّا عن القياس ومطردًا في الاستعمال أيضًا قولهم: الحَوَكَة، في جمع الحائك الذي ينسج الثياب، والخونة؛ وذلك لأن الواو فيهما قد تحركت وانفتح ما قبلها، فكان مقتضى القياس قلبها ألفًا لا تصحيحها، ولكنهم صححوا العين فيها؛ تنبيهًا على الأصل، وقد قالوا على القياس: خانه، ومع شذوذ الحوكة والخونة، هما في الاستعمال غير متأبيين، فهما شائعان، ولكنهما لا يقاس عليهما، فلا يقال في جمع قائم: قومة، ولا في جمع صائم: صومة، ولو جمع ذلك على وزن فَعلة ما كان إلا معلًّا.
ومما ورد شائعًا في الاستعمال شاذًّا عن القياس قولهم: أقائم أخواك أم قاعدان؟ قال ابن جني: "ومن ذلك قول العرب: أقائم أخواك أم قاعدان؟ هذا كلامها، قال أبو عثمان: والقياس يوجب أن تقول: أقائم أخواك أم قاعد هما؟ إلا أن العرب لا تقوله إلا: قاعدان، فتصل الضميرَ، والقياسُ يوجب فصلَه؛ ليعادل
[ ٢٤٨ ]
الجملة الأولى"، انتهى. وبيان ذلك: أن المبتدأ في القول المذكور هو اسم الفاعل قائم، وقد رفع فاعلًا مستغنيًا به عن الخبر وهو أخواك، وأَمْ حرف عطف، وقاعدان معطوف على الوصف المستغني بمرفوعه عن الخبر، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره هما، والضمير المستتر بمنزلة الضمير المتصل، وقد ذَكر كثير من النحويين منهم أبو الحسن الأشموني: أن مرفوع الوصف المستغني بمرفوعه عن الخبر إما أن يكون اسمًا ظاهرًا كالمثال المذكور، وإما أن يكون ضميرًا منفصلًا، كقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ (مريم: ٤٦).
وبذلك يكون ما بعد العاطف في المثال المذكور قد خالف القياس؛ لأن الوصف المعطوف رفع ضميرًا متصلًا، والقياس يوجب أن يكون ضميرًا منفصلًا. ومن هنا رأى أبو عثمان المازني: أن القياس يوجب أن يقال: أم قاعد هما؟ ليحصل التعادل بين الجملتين، فيعطف قاعد على قائم ويكون مرفوع الوصف الأول اسمًا ظاهرًا، ومرفوع الوصف الواقع بعد العاطف ضميرًا منفصلًا. وقال ابن هشام: "قاعدان مبتدأ؛ لأنه عطف بـ"أم" المتصلة على المبتدأ، وليس له خبر ولا فاعل منفصل، وإنما جاز؛ لأنهم يتوسعون في الثواني"، انتهى. فأشار ابن هشام إلى فاعلية الضمير المستتر وإغنائه عن الخبر على خلاف القياس؛ لأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، أي: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وجوز غيره كون الوصف الثاني خبر مبتدأ محذوف، أي: أم هما قاعدان؟ فتكون أم منقطعة.
ولا يقف احترام المسموع عن العرب عند حد تقديمه على القياس عند تعارضهما عند هذا الحد، بل إن ابن جني ينقل لنا وصيةً عن أبي الحسن الأخفش،
قال ابن جني: "واعلم، أنك إذا أداك القياس إلى شيء ما، ثم سمعت العرب قد نطقت
[ ٢٤٩ ]
فيه بشيء آخر على قياس غيره، فدَعْ ما كنتَ عليه إلى ما هم عليه، فإن سمعت من آخر مثل ما أجزته فأنت فيه مخير، تستعمل أيهما شئتَ، فإن صح عندك أن العرب لم تنطق بقياسك أنت كنت على ما أجمعوا عليه البتة، وعَدَدْتَ ما كان قياسك أداك إليه لشاعر مولد أو لساجع أو لضرورة؛ لأنه على قياس كلامهم. بذلك وصى أبو الحسن"، انتهى.
حكم ما شذ في الاستعمال وقوي في القياس
ذكر ابن جني في (الخصائص): أنه إن كان الشيء شاذًّا في السماع مطردًا في القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك، وجريتَ في نظيره على الواجب في أمثاله، من ذلك: امتناعك من: وذَر وودع، لأنهم لم يقولوهما، ولا غَرْوَ عليك -أي: لا عجبَ عليك- أن تستعمل نظيرهما نحو: وزن ووعد لو لم تسمعهما، فأما قول أبي الأسود:
ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الحب حتى ودعه
فشاذ، وكذلك قراءة بعضهم: "ما وَدَعَكَ ربك وما قلى" (الضحى: ٣). وذهب بعض العلماء إلى أن العرب لم تتحامل البتة استعمال الفعل الماضي وَدَع كما ذكر ابن جني، لكنهم استعملوه بقلة، ففي (لسان العرب): "ودَعَ، وقال ابن الأثير: وإنما يُحمل قول النحاة على قلة استعماله، فهو شاذ في الاستعمال، صحيح في القياس، وقد قرئ به في قوله تعالى: "ما ودَعَك ربك وما قلى" بالتخفيف". انتهى. وذكر ابن جني أن من الشاذ في السماع المطرد في الاستعمال أيضًا: استعمالك "أنِ" المصدرية بعد كاد، نحو: كاد زيد أن يقوم، هو قليل شاذ في الاستعمال وإن لم يكن قبيحًا ولا مأبيًّا في القياس، ويرى سيبويه عدم جواز
[ ٢٥٠ ]
اقتران خبر كاد بـ"أنْ" إلا في الضرورة الشعرية، وكرر ذلك في (الكتاب)، ومن ذلك قوله: "ويضطر الشاعر فيقول: كدت أن، وكدت أن أفعل، لا يجوز إلا في شعر"، وقوله: "وقد جاء في الشعر كاد أن يفعله، شبهوه بعسى، قال رؤبة:
قد كاد من طول البلى أن يَمْصَحا
والمحص مثله". انتهى. ووصف منزلًا بالِبلَى والقِدم، وأنه لذلك كاد يمصح، أي: يذهب. وذهب جماعة من النحاة منهم ابن مالك إلى ما ذهب إليه ابن جني من أن اقتران خبر كاد بـ"أنْ" قليل وليس مقصورًا على الضرورة، واستدل على ذلك في كتابه (شواهد التوضيح والتصحيح) فيما استدل به بما جاء من نحو قوله -ﷺ: «كاد الحسد يغلب القدر، وكاد الفقر أن يكون كفرًا»، وقال أبو البركات الأنباري في كتابه (الإنصاف): "فأما الحديث: «كاد الفقر أن يكون كفرًا» فإن صح فزيادة أن من كلام الراوي لا من كلامه -﵇- لأنه -صلوات الله عليه- أفصحُ مَن نطق بالضاد". انتهى. أي: أنه يرى رأي سيبويه.
حكم ما ضعف في القياس والاستعمال جميعًا
ذكر ابن جني في (الخصائص): أن كل ما شذ في القياس والاستعمال فلا يسوغ القياس عليه، ولا رد غيره إليه، ولا يحسن أيضًا استعماله فيما استعملته فيه العرب إلا على وجه الحكاية، كتتميم مفعول فيما عينه واو، نحو: ثوب مصوون، ونظائره، وقد سبق القول فيه، وقال: "وأما ضعف الشيء في القياس وقلته في الاستعمال، فمرذول مطرح، غير أنه قد يجيء الشيء منه إلا أنه قليل". والمثال الأول الذي أورده ابن جني لهذا الضعف المزدوج قول الشاعر:
اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرس
[ ٢٥١ ]
قوله: "طارقها"، اسم الفاعل من طرق يطرق: إذا أتى ليلًا، وقَوْنَس الفرس -بفتح القاف والنون وسكون الواو، وآخره سين مهملة- هو العظم الناتئ بين أذني الفرس. وقد ذكر ابن جني أن سبب الحكم على هذا البيت بالضعف في الاستعمال والقياس، أن فيه مخالفةً للقواعد ونقضًا للغرض؛ وذلك لأن الشاعر أكَّدَ فعل الأمر اضربن بنون التوكيد الخفيفة الساكنة، وفعل الأمر يبنى على الفتح مع نوني التوكيد، والتوكيد يدل على المبالغة في الدلالة على هذا الأمر، ويقتضي الإطناب والإسهاب، ولا يليق به الإيجاز والاختصار، ولكنه -أي: الشاعر- مع ذلك حذف نون التوكيد وهو ينويها، فلذلك أبقى الفتحة في آخر الفعل؛ لتكون هذه الفتحة مشيرةً إليها ودالةً عليها، والحذف منافٍ لغرض التأكيد، فضلًا عن أن نون التوكيد الخفيفة لا تُحذف إلا إذا وليها ساكن؛ حتى لا يلتقي ساكنان، وما بعدها في البيت المذكور متحرك وليس ساكنًا.
قال ابن جني معلقًا على هذا البيت: "قالوا: أراد اضْربَنْ عَنْكَ، فحذف نون التوكيد، وهذا من الشذوذ في الاستعمال على ما تراه، ومن الضعف في القياس على ما أذكره لك، وذلك أن الغرض في التوكيد إنما هو التحقيق والتسديد، وهذا مما يليق به الإطناب والإسهاب، وينتفي عنه الإيجاز والاختصار. ففي حذف هذه النون نقض الغرض، فجرى وجوب استقباح هذا في القياس مجرى امتناعهم من ادغام الملحق".
وذكر ابن جني أمثلةً لبعض الأسماء والأفعال التي كرر فيها العرب المثلين المتحركين في أواخرها للإلحاق بغيرها، وذكر النحويون: أنه قد استقبحوا الإدغام على الرغم من توالي المثلين المتحركين في أواخر هذه الكلمات ونحوها؛ للوفاء بحق ما يقتضيه القياس من تماثل الملحق مع الملحق به في حركاته وسكونه، وذلك
[ ٢٥٢ ]
نحو: مَهدد، وهو عَلم امرأة، وقد كررت فيه الدال للإلحاق بجعفر، وقَردد وهو اسم جبل، وما ارتفع من الأرض، ومن الظهر أعلاه، ومن الشتاء شدته وحدته، وهو كسابقه في الإلحاق بجعفر، وجلبب يقال: جلببه أي: ألبسه الجلباب، وقد كرر فيه الحرف الأخير للإلحاق بدحرج، وشملل أي: أسرع، وهو كسابقه في الإلحاق بدحرج، وسبهلل، السبهلل: هو الفارغ، يقال: جاء سبهللًا أي: لا شيءَ معه، وهو ملحق بسفرجل، وقَفَعْدَد، والقفعدد: هو القصير، وهو كسابقه في الإلحاق بسفرجل.
وذكر ابن جني: أن العرب لو أدغموا المثلين المتحركين في الكلمات السابقة ونظائرها، لنقضوا الغرضَ الذي اعتزموه من الإلحاق، أي: لوقعوا في ضعف الاستعمال والقياس الذي وقع فيهما من قال: اضرب عنك. وأورد مثالًا آخر لعدم نقضهم الغرض الذي اعتزموا، فذكر أن أبا الحسن الأخفش امتنع من توكيد الضمير المحذوف المنصوب في نحو: الذي ضربت زيدٌ، أي: الذي ضربتَه زيد، فمنع الأخفش أن يقال: الذي ضربت نفسه زيد، على أن نفسه توكيد للضمير المنصوب المحذوف الذي كان عائدًا على الاسم الموصول؛ لأن ذلك يؤدي إلى نقض الغرض، إذ الحذف ينافي التوكيد. والمثال الثاني الذي جاء في (الخصائص) لضعف الاستعمال والقياس جميعًا، قول الشماخ بن ضرار يصف حمارًا وحشيًّا هائجًا:
له زجل كأنه صوت حاد إذا طلب الوسيقة أو زمير
الوسيقة: هي أنثاه، والزمير: هو الغناء في القصبة، شَبَّه تطريب هذا الحمار إذا طلب أنثاه بصوت الحادي أو بالغناء، يقول: إذا طلب وسيقته -أي: أنثاه- صَوَّت بها في تطريبٍ وترجيعٍ كالحادي الذي يتغنى بالإبل، أو كأن صوته صوت
[ ٢٥٣ ]
مِزمار. والبيت من شواهد سيبويه في (الكتاب) في باب: ما يحتمل الشعر، وقد أورده سيبويه شاهدًا على ضرورة شعرية، وهي حذف الواو الواقعة صلةً للضمير الغائب وهو الهاء في "كأنه"؛ إجراءً للوصل مجرى الوقف، وتبع كثير من النحاة سيبويه في اعتبار هذا الحذف ضرورة، ومنهم المبرد وابن عصفور، والإتيان بحركة هاء الغائب كاملة من غير صلة -أي: من غير إشباع- يسمى اختلاسًا. وقد حكم ابن جني على هذه الضرورة بالضعف استعمالًا وقياسًا، فقال: "ومما ضعف في القياس والاستعمال جميعًا بيت (الكتاب):
له زجل كأنه صوت حاد ..
فقوله: "كأنه" بحذف الواو وتبقية الضمة ضعيف في القياس قليل في الاستعمال". وذكر محقق (المقتضب) شيخنا المرحوم محمد عبد الخالق عضيمة -﵀ رحمةً واسعةً- أن اختلاس حركة هاء الغائب الذي جعله سيبويه والمبرد من الضرورة الشعرية، جاء في آيات كثيرة في القراءات السبعية المتواترة، منها قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (الأنعام: ٩٠) وقوله -﷿: ﴿فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ (النمل: ٢٨) وقوله -عز من قائل: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (الزمر: ٧).
والحق أن هناك فرقًا بين اختلاس حركة هاء الغائب في الضرورة التي أشار إليها سيبويه في (الكتاب) وما ورد في القراءات السبعية المتواترة التي أشار إليها شيخنا عضيمة -طيب الله ثراه- وذلك أن الهاء في الآيات الكريمة المذكورة ونحوها كانت مسبوقةً بحرف علة ساكن، وهاء الضمير إن سُبقت بحرف علة ساكن -واو أو ياء أو ألف- فالمختار حذف الياء والواو بعدها، قال سيبويه في باب: ثبات الياء والواو في الهاء التي هي علامة الإضمار وحذفهما،: "فإذا كان قبل الهاء حرف لين، فإنَّ حَذْفَ الياء والواو في الوصل أحسنُ؛ لأن الهاء من مخرج
[ ٢٥٤ ]
الألف، والألف تشبه الياءَ، والواو تشبههما في المد وهي أختهما، فلما اجتمعت حروف متشابهة حذفوا وهو أحسن وأكثرُ، وذلك قولك: عليه يا فتى، ولديه فلان، ورأيت أباه قبلُ، وهذا أبوه كما ترى. وأحسن القراءتين: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (الإسراء: ١٠٦) و﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ (الأعراف: ١٧٦) و﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ (يوسف: ٢٠) و﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ (الحاقة: ٣٠) والإتمام عربي". انتهى ما قال سيبويه.
فَصِلة الضمير كانت محذوفة في الفعل "يرضاه" قبل الجزم، فلما جزم؛ لوقوعه في جواب الشرط وحذفت الألف للجزم، لم يُعتد بهذا الحذف، وبقيت الصلة؛ استصحابًا للأصل، وحمل عليه أمره نحو: اقتده وألقه إلى آخره. وليس كذلك ما ورد في الشعر شاهدًا على الضرورة المذكورة، إذ لم تُسبق فيه هاء الضمير بحرف علة ساكن، وعلى هذا يمكن القول: بأن حَذْف صلة ضمير الغائب إنما يكون ضرورة عند سيبويه ومَن تبعه إذا لم يكن ما قبل هاء الضمير حرفُ علةٍ ساكنًا في الأصل كالبيت المذكور.
ونعود إلى (الخصائص) لنقف على وجه ضَعْف بيت الشماخ السابق، فنجد ابن جني يقول: "ووجه ضعف قياسه أنه ليس على حد الوصل ولا على حد الوقف، وذلك أن الوصل يجب أن تتمكن فيه واوه كما تمكنت من قوله في أول البيت: له زجل، والوقف يجب أن تحذف الواو والضمة فيه جميعًا وتسكن الهاء، فيقال: كَأَنَّهْ فَضَمُّ الهاء بغير واو منزلةٌ بين منزلتي الوصل والوقف، وهذا موضع ضيق ومقام زَلْخ، لا يتقيك بإيناس ولا ترسو فيه قدمُ قياسٍ. وقال أبو إسحاق في نحو هذا: إنه أجرى الوصل مجرى الوقف، وليس الأمر كذلك؛ لما أريتُك من أنه لا على حد الوصل ولا على حد الوقف".
[ ٢٥٥ ]
ومن العجيب أننا نجده يفرد بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب في الحكم يقف بين الحكمين، ويصدره بقوله: "هذا فصل موجود في العربية لفظًا، وقد أعطته مقادًا عليه وقياسًا"، ثم يذكر أن من ذلك بيت (الكتاب):
له زجل كأنه صوت حاد
ويقول معلقًا عليه: "فحذف الواو من قوله: كأنه لا على حد الوقف ولا على حد الوصل، أما الوقف فيقضي بالسكون كأنهْ وأما الوصل فيقضي بالمطل وتمكين الواو كأنهُ. فقوله إذن: كأنهُ منزلة بين الوصل والوقف، وكذلك أيضًا سواء قوله:
يا مرحباه بحمار ناجية إذا أتَى قربته للسانية
فثبات الهاء في مرحباه ليس على حد الوقف ولا على حد الوصل، أما الوقف فيؤذِن بأنها ساكنة: يا مرحباه، وأما الوصل فيؤذن بحذفها أصلًا: يا مرحبا بحمار ناجية، فثباتها إذن في الوصل متحركة -أي: قوله: يا مرحباه بحمار ناجية- منزلةٌ بين المنزلتين"، انتهى. ثم يقول في ختام هذا الباب: "فظاهر هذا الجمع بين ضدين، فهو إذن منزلة بين المنزلتين، وسبب جواز الجمع بينهما أن كل واحد منهما قد كان جائزًا على انفراده، فإذا جُمع بينهما فإنه على كل حال لم يَكْلَف إلا بما من عادته أن يأتي به مفردًا، وليس على النظر بحقيقة الضدين كالسواد والبياض والحركة والسكون، فيستحيل اجتماعهما، فَتَضَادُّهُمَا إذن إنما هو في الصناعة لا في الطبيعة، والطريق مُتْلَئِبة منقادة، والتأمل يوضحها ويمكنك منها"، انتهى.
فعبارات ابن جني في هذا الباب الأخير توحي بأن المُنَزَّلَ بين منزلتي الوصل والوقف معهود موجود في العربية لفظًا واستعمالًا، وجائز قياسًا، فقد أعطته
[ ٢٥٦ ]
العربية -كما قال ابن جني نفسُه- مقادًا عليه وقياسًا، والطريق أمامه متلئبة منقادة، والتأمل يوضحها ويمكِّنك منها، وكان ذلك رجوعًا عما أورده من الحكم على بيت (الكتاب) بالضعف في القياس، والقلة في الاستعمال، وهذا ما ذكره ابن عصفور في كتابه (ضرائر الشعر) بعد أن استدل على ضرورة إثبات هاء السكت في حال الوصل بقول الراجز، وهو عروة بن حِزام العذري:
يا مرحباه بحمار عفراء
قال ابن عصفور بعد إيراده البيت: "قال أبو الفتح -أي: ابن جني: وهو شاذ ضعيف عند أصحابنا لا يثبتونه في الرواية، ولا يحفظونه في القياس، من جهة أنه لا يخلو من أن تجري الكلمة على حد الوقف أو على حد الوصل، فإنْ أجراها على حد الوصل فسبيله أن يحذف الهاء وصلًا، أي: أن يحذف هاء السكت في حالة الوصل؛ لاستغنائه عنها في الوصل بما يتبع الألف، وإن كان على حد الوقف فقد خالف ذلك بإثباته إياها متحركةً بالكسر كانت أو بالضم، وهي في الوقف بلا خلاف ساكنة، ولا يعلم هنا منزلة بين الوصل والوقف يرجع إليها، وتجري هذه الكلمة عليها، فلهذا كان إثبات الهاء متحركة خطأً عندنا".
قال ابن عصفور معلقًا على عبارة ابن جني التي وردت في شرحه ديوان المتنبي: "وهذا الذي أنكره قد جاء مثله وهو قوله:
له زجل كأنه صوت حاد
البيت، وأشباهه، ألا ترى أن قوله: كأنه صوت حاد، ليس على حد الوقف؛ لأن الضمير متحرك، أي: كأنه، ولا على حد الوصل؛ لأنه غير ممطول، أي: لم يقل: كأنهُ بالإشباع وزيادة الواو بعد حركة الضمير. فهو بين الوصل والوقف، وقد أثبت هو -أي: ابن جني- هذا وأمثالَه، ولم ينكره". يشير ابن
[ ٢٥٧ ]
عصفور إلى ما ذكره ابن جني في الباب الأخير، قال: "فكان ينبغي ألا ينكر "يا مرحباه" وأمثاله من جهة القياس". انتهى ما قاله ابن عصفور. فابن عصفور في النص السابق يسجل على ابن جني رجوعه عن رأيه بإنكار ما كان على منزلة بين الوصل والوقف.
ونقل عبد القادر البغدادي ما ذكره ابن جني في (شرح ديوان المتنبي)، ذكر ذلك في (خزانة الأدب) ثم قال: "وقد رجَعَ عن هذا في (الخصائص) ". انتهى. ولكن العجيب أنه قال الرأي ورجع عنه في كتاب واحد وهو (الخصائص). غير أننا نؤكد أن ما ذكره شيخنا ومَن سار على دَرْبه بأن سيبويه كان يذكر أحيانًا بعضَ الضرائر على الرغم من أنها قد جاءت في بعض روايات سبعية متواترة، فنحن نقول: إن هناك فرقًا بين هذه الضرائر التي أشار إليها سيبويه، وبين ما أورده شيخنا -﵀- في كتابه العظيم (دراسات لأسلوب القرآن الكريم).
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٥٨ ]