[ ٢٥٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع عشر
(من صور التعارض والترجيح)
ما كثر استعماله مقدم على ما قوي قياسه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
قد يكون الشيء كثيرًا في استعمال العرب الفصحاء الموثوق بعربيتهم، وهو مع كثرته في الاستعمال أضعف في القياس من غيره، وإذا تعارضت قوة القياس بقوة علته مع كثرة الاستعمال، وضعف علته بالنسبة لعلة القياس؛ كان استعمال ما كثر استعماله أولى مما قوي قياسه. وقد ساق السيوطي في هذا الأمر مثالًا نقله عن ابن جني، وهو تقديم اللغة الحجازية في إعمال ما النافية عمل ليس على اللغة التميمية في إهمالها، ولغة بني تميم أقوى قياسًا؛ لأن ما فقدت شرط العمل، وهو الاختصاص، ولذلك قال سيبويه عن إهمال ما في لغة بني تميم: "وهو القياس"، فهي حرف غير مختص؛ فكان القياس ألا تعمل، إلا أن قوة القياس هنا معارضة بكثرة المسموع؛ إذ كثُر في الكلام الفصيح إعمال ما عمل ليس، وعُدَّت هذه اللغة هي اللغة العليا؛ لأن القرآن الكريم نزل بها.
ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف: ٣١)، وقوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (المجادلة: ٢)، ولما تعارضت قوة القياس مع كثرة الاستعمال؛ كانت كثرة الاستعمال هي المقدمة. وكان على المتكلم أن يستعمل في كلامه ما كثر استعماله في كلام الفصحاء، ولذلك قال ابن جني في الاستعمال مع ضعف علته بالنسبة لقوة القياس: "اللغة التميمية في ما هي أقوى قياسًا وإن كانت الحجازية أسير استعمالًا، وإنما كانت التميمية أقوى قياسًا من حيث كانت عندهم كهَلْ في دخولها على الكلام مباشرة كل واحد من صدري الجملتين، الفعل، والمبتدأ،
[ ٢٦١ ]
كما أن هل كذلك، إلا أنك إذا استعملت أنت شيئًا من ذلك؛ فالوجه أن تحمله على ما كثُر استعماله، وهو اللغة الحجازية، ألا ترى أن القرآن بها نزل" انتهى.
ومعنى ما ذكره ابن جني: أن على المتكلم أن يتكلم بلغة الحجاز، لأنها اللغة التي كثر استعمالها، إلا أن هذا الحكم ليس على إطلاقه، وإنما هو حكم مقيد بقيد، وهو أن تستوفي ما شروط إعمالها عند الحجازيين، وهي مراعاة الترتيب بين اسمها وخبرها؛ بأن يكون اسمها متقدمًا وخبرها متأخرًا، وألا يتقدم معمول الخبر وهو غير ظرف ولا مجرور، وألا ينتقض النفي بإلا. فإن فقد شرط من هذه الشروط، أهملت ما وهو القياس. وقد نقل السيوطي في (الاقتراح) عن ابن جني قوله: "فمتى رابك في الحجازية ريب من تقديم خبر، أو نقض النفي، فزعت إذ ذاك إلى التميمية، فكأنك من الحجازية على حَرْد، وإن كثرت في النظم والنثر" انتهى.
وقوله: "فكأنك من الحجازية على حرد" يعني: كأن المتكلم بها غير مطمئنٍّ إليها؛ لضعف قياسها بالنسبة لقياس التميمية، فهو يتهيَّأ الفرصة؛ ليخرج منها عند اختلال شرط من شروط إعمالها، لأن ذلك هو القياس، أو كأنه على المنع لها، والتحرج منها، وقد يكون الأصل: فكأنك من الحجازية على حرف، كما ذكر المحقق -رحمة الله ورضوانه عليه. وإنما وجب الرجوع حينئذ إلى التميمية لأنها القياس، ولأنه لا معارض للقياس لفقد شرط المعارضة. ونلحظ أن ابن جني قد عبَّر بالفعل فزع ليدل به على وجوب الإسراع والمبادرة، فليس للمتكلم أن يختار، يقال: فزع إلى الأمر كفرح أي: بادر إليه وأسرع، وأصله المبادرة إلى النصرة والإغاثة، ثم تجاوزوا به ذلك إلى مطلق المبادرة، وإنما يجب عليه أن يُسرع ويُبادر إلى لغة تميم؛ لأنها القياس.
[ ٢٦٢ ]
الحكم في معارضة مجرد الاحتمال للأصل والظاهر
لقد تناول ابن جني هذه القضية في موضعين من (الخصائص)، وعليهما عوَّل السيوطي في (الاقتراح)، بيد أنه أوردهما بعكس ترتيب ورودهما في (الخصائص): فبدأ بالموضع الثاني في (الخصائص)، وافتتح المسألة بقوله: "قال في (الخصائص): باب في الشيء يرد، فيوجب له القياس حكمًا، ويجوز أن يأتي السماع بضده، أُيقطع بظاهره، أم يتوقف إلى أن يرد السماع بجلية حاله؟ " انتهى. ومعنى قول ابن جني: "أيقطع بظاهره" أي: لا يُنظر إلى ما يحتمله اللفظ، وإنما ينظر إلى ظاهر حاله ومعنى قوله: "بجلية حاله" أي: بحاله الجلية الظاهرة، ومن الواضح أن ابن جني لم يذكر فيه رأيه ومذهبه صراحة، وإن كان تقديمه للقطع في اللفظ يدل على تقديمه إيَّاه في العمل. وقد كثرت الأمثلة التي تدل على أنه إذا تعارض الظاهر مع الاحتمال كان القول بالظاهر أولى، ومنها:
القول في نون عنبر وعنتر ونحوهما، فإن الظاهر هو القول بأن النون فيهما أصلية؛ لأنها وقعت في موضع الأصل وهو العين في فعلل نحو: جعفر، فلما وقعت النون في موضع الأصل كان الظاهر أنها أصلية، ويجوز أن يُحكم على النون بأنها زائدة، كما قيل بزيادتها في عَنْسَل، وهي الناقة السريعة، فإن النون فيها زائدة قطعًا، ويدل على زيادتها الاشتقاق من العسلان، وهو إسراع الذئب في مشيته، فحكموا بأن وزنه فنعل، مع عدم هذا الوزن في أبنيتهم، وإنما أوجبوا أن يكون عنسل على وزن فنعل؛ لأن الاشتقاق دال عليه، وهذا هو الأصح، وبه جزم سيبويه في كتابه فقال: "ومما جعلته زائدًا بثبت العنسل، لأنهم يريدون العَسُول" انتهى.
[ ٢٦٣ ]
وقوله: "يريدون العسول" معناه: زيادة النون، وقيل: إنه من العَنْس، وهو الناقة الصلبة فنونه أصلية ولامه زائدة إلا أن الأصح قول سيبويه؛ لأن زيادة النون أكثر من زيادة اللام آخرًا. ومن الأمثلة التي ذكرها ابن جني في هذا الباب أيضًا ألف آأة حملها الخليل -﵀- على أنها منقلبة عن الواوا؛ حملًا على الأكثر. وأوضح ابن جني أننا لسنا ندفع مع ذلك أن يرد شيء من السماع يقطع معه الخليل بكونها منقلبة عن ياء، على ما قدمنا من بُعد نحو ذلك لمخالفته الظاهر، ونعذره أي: ونتكلف العذر له، والآأة واحدة الآء، ففي (لسان العرب) مادة الهمزة مع الواو مع الهمزة: "آء على وزن عاع: شجر واحدته آأة، وفي حديث جرير: «بين نخلة وضالة وسدرة وآأة»، الآأة بوزن العاعة، وتُجمع على آءٍ بوزن عاع، هو شجر معروف ليس في الكلام اسم وقعت فيه ألف بين همزتين إلا هذا، هذا قول كراع، وهو من مراتع النعام، وتصغيرها أُويئَة. قال ابن بري: والدليل على أن أصل هذه الألف التي بين الهمزتين واو قولهم في تصغير آأة: أويئة" انتهى.
ومن الأمثلة التي أوردها ابن جني في هذا الباب كذلك ما أشار إليه في قوله: "ويجيء على قياس ما نحن عليه أن تسمع نحو: بيت وشيخ، فظاهره لعمري أن يكون فَعْلًا مما عينه ياء، ثم لا يمنعنا هذا أن نجيز كونه فيعِلًا مما عينه واو كميت، وهين. ولكن إن وجدت في تصريفه نحو: شيوخ وأشياخ ومشيخة قطعت بكونه من باب بيع وكَيْل أي: حكمت بأنه من الثلاثي الذي على وزن فعل بفتح الأول وسكون الثاني كبيع وكيل، غير أن القول وظاهر العمل أن يكون من باب بيع؛ بل إذا كان سيبويه قد حمل سِيدًا على أنه من الياء تناولًا لظاهره مع توجه كونه فعلًا مما عينه واو كريح، وعيد؛ كان حمل نحو شيخ على أن يكون من الياء
[ ٢٦٤ ]
لمجيء الفتحة قبله أولى وأحجى، فعلى نحو من هذا فليكن العمل فيما يرد من هذا" انتهى.
يدعم ابن جني ما ذكره من أن نحو: بيت وشيخ مما يُحمل على الظاهر، فيُجعل من باب فعل بفتح الفاء وسكون العين مع ورود احتمال كونه من باب ميت وهين أي: من باب فيعل؛ إذ أصلهما مَيْوِت وهيون، وأُبدلت الواو فيهما ياء وأدغمت الياء في الياء، ثم خُفِّف بحذف الياء الثانية وهي العين، لكن مع وجود بعض التصريفات الأخرى يُقطع بصواب حمله على ظاهر حاله، وهو كونه ثلاثيًّا يائي العين، ومما يؤكد هذا الحمل أن سيبويه قد حمل سِيدًا: وهو الذئب أو الأسد على أنه من قبيل يائي العين؛ تناولًا لظاهر حاله مع ورود توجه أن يكون مما عينه واوا قُلبت ياء لعلة تصريفية، بل إن احتمال ورود هذا في لفظ سيد أقوى من احتمال وروده في لفظ بيت وشيخ؛ لأن كسر الحرف الأول في سيد أعون على إحداث قلب الواو ياء عنه في بيت وشيخ، لفتح الأول فيهما.
أما الموضع الثاني الذي تناول فيه ابن جني هذه القضية في (الخصائص) فهو في باب عنوانه: باب في الحمل على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيره، وهذا الباب في (الخصائص) وارد قبل الباب السابق غير أن السيوطي أخَّر الحديث فيه؛ لكثرة ما تضمنه من تفصيلات، ومعنى ما ذكره ابن جني في هذا الباب أن الشيء يجب حمله على ظاهره، وإن كان ممكنًا من جهة العقل أن يكون باطنه بخلاف هذا الظاهر. وقد وصف ابن جني القول بذلك بأنه المذهب، وبأن العمل عليه، وبأن الوصية به فقال: "اعلم أن المذهب هو هذا الذي ذكرناه، والعمل عليه، والوصية به، فإذا شاهدت ظاهرًا يكون مثله أصلًا؛ أمضيت الحكم على ما شاهدته من حاله، وإن أمكن أن تكون الحال في باطنه بخلافه".
[ ٢٦٥ ]
ثم ذكر مثالًا يدل على عناية علماء العربية بالظاهر، وهو حمل سيبويه كلمة سِيد على أن عينه ياء، فوضعه في (الكتاب) في باب تحقير كل اسم كان ثانيه ياء تثبت في التحقير، فالظاهر من حاله أن تكون عينه ياء، ولذلك قال سيبويه في تصغيره: سُيَيْد بضم أوله؛ لأن التصغير يضم أوائل الأسماء، فهو لازم له، كما أن الياء لازمة له، ثم ذكر سيبويه أن من العرب من يكسر أوله فيقول: سِيَيْد كراهية الياء بعد الضمة. ومن هذا المثال يتبين أن سيبويه قد حمل لفظ سيد على أن عينه ياء، لأنه هو الظاهر من حاله مع إمكان أن يكون عينه واوًا، ولذلك قال السيوطي: "حمل سيبويه سيدًا على أنه مما عينه ياء فقال في تحقيره: سييد عملًا بظاهره مع توجه كونه فعلًا مما عينه واو كريح وعيد" انتهى.
يريد السيوطي أن سيبويه حمل لفظ سيد على الظاهر من حاله، وهو أنه مما عينه ياء؛ لأن ظاهر حاله أخذه من السيادة، وإن احتمل أن يكون واوي العين من السواد، أو السُودد؛ فقلبت عينه ياء لسكونها إثر كسرة، كلفظ ريح الذي كان أصله واوي العين، وأصله رِوْح بدليل جمعه على أرواح؛ فقلبت عينه ياء لسكونها إثر كسرة. وكلفظ عيد الذي فُعل به ما فُعل بريح، وأصله واوي العين؛ لأنه من العَوْد، لأنه يعود كل سنة، وإنما يُجمع على أعواد، دفعًا لتوهم أنه جمع عُود، ومراعاة للفظ الواحد. وقال ابن يعيش في (شرح الملوكي): "فأما قولهم: عيد وأعياد فإنما أُلزم القلب لكثرة استعماله، وأما ريح فتكسيره على أرواح قال الشاعر:
تلفه الأرواح والسُّمِي
وربما قالوا: أرياحا ألزموه القلب، وهو قليل من قبيل الغلط" انتهى. وذكر ابن عصفور في (الممتع) أن عيدًا من عاد يعود، وأن الأصل فيه عِوْد؛ فقلبت الواو
[ ٢٦٦ ]
ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فقيل عيد. ولكن ينبغي إذا جمعنا أن نقول في جمعه: أعواد بالواو؛ لزوال موجب قلبها ياء، كما قالوا في جمع ريح: أرواح بالواو لزوال موجب قلبها ياء في ريح، وهو سكونها وانكسار ما قبلها قال:
تلفه الأرواح والسُّمِي
إلا أنهم لما أبدلوا الواو ياء في عيد أجروا هذه الياء مجرى الأصلية. انتهى. وكون السيد واويًّا هو الذي عليه أكثر أهل الاشتقاق، بل زعم بعضهم أنه لا وجود لمادة سيد بالتحتية بين المهملتين أصلًا، وقول السيوطي: "مع توجه كونه فعلًا" معناه: أن كلمة سيد على وزن فعل أي: على هذا الوزن بكسر الفاء وسكون العين، لا أنها فِعْل من الأفعال، وهذا القول من السيوطي يصحح سهوًا وقع فيه محقق كتاب (الاقتراح) -﵀- تبعًا لمحقق كتاب سيبويه -رحم الله الجميع- إذ أثبتاه بلفظ سَيد والصحيح أنه سِيد بكسر السين.
ومن باب إتمام الفائدة وإكمال النفع نقرأ معًا ما قال ابن جني في (الخصائص) في استدلاله بحمل سيبويه لفظ سِيد على الظاهر مع إمكان أن يكون المراد غيره، يقول ابن جني: "ألا ترى أن سيبويه حمل سيدًا على أنه مما عينه ياء فقال في تحقيره: سُييد وسِييد، كديك ودييك، وفيل وفييل". ونلحظ أن محقق (الخصائص) -رحمه الله تعالى وأجزل ثوابه- قد ضبط السين في مصغر سيد بالضمة والكسرة معًا، وأشار في الهامش بأن هذا الضبط مطابق لأصح نسخ الأصل، وموافق للقاعدة الصرفية؛ إذ الوجهان جائزان لمكان الياء، وهو يُشير إلى قول سيبويه: "ومن العرب من يقول: شِيَيْخ وبييت، وسييد؛ كراهية الياء بعد الضمة" انتهى.
ونعود إلى حديث ابن جني حيث يقول معللًا تصغير سيبويه لفظ سيد على أنه مما عينه ياء بحمله على ظاهر حاله يقول: "وذلك أن عين الفعل لا يُنكر أن تكون ياء
[ ٢٦٧ ]
يعني: وذلك لأن عين هذا اللفظ الذي على وزن فعل بكسر الأول وسكون الثاني لا يُنكر أن تكون في الاحتمال طبقًا للظاهر ياء قال: وقد وُجدت -أي: العين- في سيد ياء فهي في ظاهر أمرها إلى أن يرد ما يستنزل عن بادئ حالها يعني: إلى أن يأتي ما يدل على أنها على خلاف هذا الظاهر، قال: فإن قلت -أي: معترضًا على جعل هذه الكلمة من قبيل يائي العين: فإنا لا نعرف في الكلام تركيب السين مع الياء والدال، فهلَّا لما لم يجد ذلك حمل الكلمة على ما في الكلام مثله، وهو ما عينه من هذا اللفظ واو، وهو السواد والسودد، ونحو ذلك.
قيل -أي: في الرد: هذا يدلك على قوة الظاهر عندهم، وأنه إذا كان مما تحتمله القسمة، وتنتظمه القضية؛ حُكم به وصار أصلًا على بابه، وليس يلزم إذا قاد الظاهر إلى إثبات حكم تقبله الأصول ولا تستنكره ألا يُحكم به حتى يوجد له نظير، وذلك أن النظير لعمري مما يؤنس به. فأما ألا تثبت به الأحكام فلا"، وقال أيضًا: "فإن قلت: فإن سيدًا مما يمكن أن يكون من باب ريح وديمة يعني: أن يكون واوي العين مثلهما، فهلا توقف أي: سيبويه عن الحكم بكون عينه ياء لأنه لا يأمن أن تكون واوًا قيل: هذا الذي تقوله إنما تدَّعي فيه ألا يؤمَن أن يكون من الواو، وأما الظاهر فهو ما تراه ولسنا ندع حاضرًا له وجه من القياس لغائب مُجَوَّز ليس عليه دليل، فإن قيل: كثرة عين الفعل واوًا تقود إلى الحكم بذلك قيل: إنما يحكم بذاك مع عدم الظاهر، فأما والظاهر معك فلا معدل عنه بك، لكن لعمري إن لم يكن معك ظاهر احتجت إلى التعديل والحكم بالأليق والحمل على الأكثر" انتهى.
ومن الأمثلة التي أوردها ابن جني في هذا الباب أيضًا حمل سيبويه لفظا عَيَّنٍ على ظاهر حاله مما عينه ياء، فأثبت به فيعلًا بفتح العين يقال: سقاء عين وعين
[ ٢٦٨ ]
بفتح الياء المشددة وكسرها أي: قربة ماء رقت فلم تُمسك الماء، وقد كان يمكن أن يكون هذا اللفظ من قبيل واوي العين على وزن فوعل، أو فعول من غير أن ينكر أحد عليه ذلك. قال ابن جني: "وعلى نحو مما جئنا به في سيد حمل سيبويه عيَّنًا، فأثبت به فيعلًا مما عينه ياء، وقد كان يمكن أن يكون فوعلًا وفعولًا من لفظ العين ومعناها، ولو حكم بأحد هذين المثالين؛ لحمل على مألوف غير منكور، ألا ترى أن فوعلًا وفعولًا لا مانع لكل واحد منهما أن يكون في المعتل كما يكون في الصحيح، وأما فيعل بفتح العين مما عينه معتلة فعزيز، ثم لم يمنعه عزة ذلك أن يحكم به على عيَّن، وعدل عن أن يحمله على أحد المثالين اللذين كل واحد منهما لا مانع له من كونه في المعتل العين كونه في صحيحها، وهذا مما يبصرك بقوة الأخذ بالظاهر عندهم، وأنه مكين القدم راسيها في أنفسهم" انتهى. وابن جني يشير بذلك إلى استشهاد سيبويه في (الكتاب) بقول رؤبة:
ما بال عيني كالشعيب العين
والشَّعِيب العَيَّن القربة الخلق الممزقة البالية التي يسيل منها الماء لقدمها، ويذكر ابن جني في ختام هذا الباب أن قوة اعتقاد العرب في الحمل على الظاهر إنما تكون إذا لم يمنع من هذا الحمل مانع، فإن منع منه مانع فلا حمل عليه. ويمثل لذلك بقوله: "وأما حيوة والحيوان فيمنع من حمله على الظاهر يعني: على كونه يائي العين واوي اللام أنا لا نعرف في الكلام ما عينه ياء ولامه واو، فلا بد أن تكون الواو بدلا من ياء لضرب من الاتساع مع استثقال التضعيف في الياء، ولمعنى العلمية في حيوة، وإذا كانوا قد كرهوا تضعيف الياء مع الفصل حتى دعاهم ذلك إلى التغيير في حاحيت، وهاهيت، وعاعيت يعني: أن أصولها حيحيت، وهيهيت، وعيعيت، وهي أسماء أصوات لزجر الغنم ونحوها، وأبدلت الياء الأولى فيها ألفًا كراهة تضعيفها، كان إبدال اللام في الحيوان يختلف الحرفان أولى
[ ٢٦٩ ]
وأحجى، فإن قلت: فهلَّا حملت الحيوان على ظاهره، وإن لم يكن له نظير كما حملت سيدًا على ظاهره، وإن لم تعرف تركيب السين مع الياء والداء، قيل: ما عينه ياء كثر، وما عينه ياء ولامه واو مفقود أصلًا من الكلام، فلهذا أثبتنا سيدًا ونفينا ظاهر أمر الحيوان" انتهى.
الحكم في تعارض الأصل والغالب
إذا تعارض الأصل والغالب فقد ذكر السيوطي أن علماء النحو قد حذوا حذو الفقهاء في اختلافهم، فقد اختلف الفقهاء على قولين، وهما: العمل بالأصل والعمل بالغالب، والأصح العمل بالأصل في الأكثر، وإلا فقد يُعملون الغالب، وعلى دربهم سار النحويون، فمنهم من ذهب إلى أن العمل يكون بالأصل، ومنهم من ذهب إلى أن العمل يكون بالغالب. ومثال ذلك ما ذكره ابن هشام الخضراوي المتوفى سنة ست وأربعين وستمائة من الهجرة في كتابه (الإفصاح) من أن الأصل في الاسم أن يكون مصروفًا، فإن جاء في كلامهم اسم علم على وزن فعل بضم الفاء وفتح العين، ولم يُعلم أصرفوه كما هو الأصل، أم منعوه من الصرف كما هو الغالب فيما كان على وزن فعل نحو: عمر وزفر، فإنهما ممنوعان من الصرف للعلمية والعدل، فإذا جاء اسم علم ولم يثبت عدله عن غيره ولم يُعلم اشتقاقه فهل يكون مصروفًا؛ لأن الأصل في الاسم الصرف أم يكون ممنوعًا من الصرف، لأن نظيره من الأسماء ممنوع من الصرف. لقد ذكر السيوطي أن في ذلك ونحوه مذهبين للنحاة:
الأول: مذهب سيبويه وهو الصرف حتى يثبت أنه معدول أي: جريًا على الأصل في الأسماء، لأن الأصل في الأسماء عدم العدل عن غيرها، يقول
[ ٢٧٠ ]
سيبويه في (الكتاب): "هذا باب فُعَل، اعلم أن كل فعل كان اسمًا معروفًا في الكلام أو صفة فهو مصروف، فالأسماء نحو: سرد، وجعل، وثقب، وحفر إذا أردت جماع -أي: جمع- الحفرة والثقبة، وأما الصفات فنحو: هذا رجل حطم" انتهى. والمذهب الثاني: مذهب غير سيبويه وهو المنع من الصرف لأنه الأكثر والغالب في كلامهم، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه؛ لأن الأصل في الأسماء أن تكون مصروفة لا ممنوعة من الصرف، فلما لم يقم دليل على منع بعضها؛ كان الرجوع إلى الأصل أولى. ومما تعارض فيه الأصل والغالب أيضًا ما ذكره أبو حيان في (شرح التسهيل) من اختلافهم في رحمان ولحيان بفتح اللام، وهو عظيم اللحية على قولين؛ أحدهما: الصرف لأنه الأصل أي: ولأنه لا يُمنع من الصرف إلا بشرط ألا يكون مؤنثه بالتاء بأن يكون مؤنثه على وزن فَعْلى، ورحمان ولحيان لا مؤنث لهما. والآخر: المنع لأن الغالب هو أن يكون وزن فعلان ممنوعًا من الصرف، فتعارض الأصل والغالب.
وقال السيوطي -﵀- نقلًا عن أبي حيان: "والصحيح صرفه -أي: صرف رحمان ولحيان- لأنا قد جهلنا النقل فيه عن العرب، والأصل في الأسماء الصرف، فوجب العمل به، ووجه مقابله أن ما يوجد من فعلان الصفة غير مصروف في الغالب، والمصروف منه قليل؛ فكان الحمل على الغالب أولى" انتهى ما قال أبو حيان. وعقب السيوطي على عبارة أبي حيان بقوله: "هذه عبارته" أي: هذه عبارة أبي حيان في (شرح التسهيل)، وكأن السيوطي قال ذلك للتبرؤ؛ لأنه أورد ذلك للتمثيل، لا لكونه يرى رأي أبي حيان لأن غيره صحح الأصل.
[ ٢٧١ ]
تعارض أصلين
لقد عقد ابن جني في كتابه (الخصائص) بابًا عنوانه: باب في مراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد، وقد وصف هذا الموضع بأنه موضع يجب أن يُنبه عليه، ويحرر القول فيه، والمراد بمراجعة الأصل الأقرب دون الأبعد، هو أنه إذا تعارض في الكلام أصلان أحدهما قريب والآخر بعيد؛ وجب الرجوع إلى الأصل القريب دون البعيد.
ومما تعارض فيه أصلان ضم الذال من كلمة مذ في نحو: ما رأيته مذ اليوم، فإن الأصل في الكلمة أن تكون ساكنة ويليها ساكن، فكان القياس أن يتخلص من التقاء الساكنين بالكسر، كما هو الشأن دائمًا في كل ساكنين التقيا، فالتخلص منهما يكون بكسر أولهما فيقال: ما رأيته مذِ اليوم، ولكن هذا الأصل قد عارضه أصل آخر؛ لأن أصلها الضم في منذ، وضُمت فيه لالتقاء الساكنين إتباعًا لضمة الميم، فهنا أصلان تعارضا؛ الأول: الأصل الأبعد وهو السكون، والثاني: الأصل الأقرب وهو الضم، فكان الرجوع إلى الأصل الأقرب أولى، فضمت الذال من مذ عند التقاء الساكنين؛ ردًّا إلى الأصل الأقرب وهو ضم منذ، ولم ترد إلى الأبعد الذي هو سكونها، لأن مراجعة الأصل الأقرب أولى من مراجعة الأبعد.
ومما تعارض فيه أصلان أيضًا أحدهما قريب والآخر بعيد قولهم: بعت بكسر الباء، وقلت بضم القاف فأصل الفعلين باع وقال أن يكونا على وزن فعل بفتح العين، فلما أسندا إلى تاء الفاعل نُقل الفعل باع إلى وزن فعل بكسر العين، ونقل الفعل قال إلى وزن فعل بضم العين، ثم قلبت كل من الواو والياء ألفًا لتحركهما
[ ٢٧٢ ]
وانفتاح ما قبلهما، فالتقى ساكنان وهما العين المقلوبة ألفًا، ولام الفعل التي سكنت لاتصال الفعل بتاء الفاعل، ثم نُقلت الكسرة التي في عين الفعل الأول وهو بعت إلى فاء الكلمة، ونقلت الضمة التي في عين الفعل الثاني وهو قلت إلى الفاء أيضًا فقيل: بعت وقلت، وفي هذا النقل مراجعة للأصل الأقرب وهو اعتبار الفعلين بعد نقلهما من فعل المفتوح العين إلى فعل وفعل المكسور العين والمضمومها.
ولمزيد من البيان نوجز ما ذكره ابن جني في (المنصف) عن قال وباع، فقد ذكر أن الفعل قال لا يخلو من أن يكون فعَلت أو فعُلت أو فعِلت، وليس قسم رابع، فلا يمكن أن يكون فعُلت؛ لأن مضموم العين لا يجيء متعديًا، وقد قالوا: قلتُه، ولا يمكن أن يكون فعِلت، لأن الماضي مكسور العين، لا يأتي مضارعه مضموم العين، ومضارعه: يقول، فلم يبق إلا أن يكون مفتوح العين في الماضي، وأما الفعل باع فلا يمكن أن يكون مضموم العين لمجيء مضارعه مكسور العين فقالوا: يبيع، ولو كان مكسور العين في الماضي لجاء مضارعه يَبَاع كما قالوا في هِبتُ: أهاب.
هذا وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٢٧٣ ]