[ ٢٨٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع عشر
(تابع صور التعارض والترجيح)
الحكم إذا كان أحد القولين المتعارضين مرسلًا والآخر معللًا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
إن المجتهد الواحد قد يكون له في المسألة الواحدة قولان؛ لاختلاف نظره فيها، وتغير اجتهاده إزاءها، ولقد قضى عمر بن الخطاب -﵁- في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وإخوتها لأبيها وأمها، فأشرك عمر بين الإخوة للأم والإخوة للأب والأم في الثلث، فقال له رجل: "إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا، فقال: تلك على ما قضينا يومئذٍ، وهذه على ما قضينا اليوم". وقد يكون للعالم الواحد قولان متعارضان في المسألة الواحدة في كتاب واحد من كتبه، أو في كتابين، وحينئذٍ يقف القارئ حائرًا، فلا يدري أيَّ القولين يأخذ وأي القولين يدع. وقد أفرد ابن جني -رحمه الله تعالى- بابًا في (الخصائص) عنوانه: باب في اللفظين على المعنى الواحد يردان عن العالم متضادين، وقد وضع في هذا الباب بعض القواعد التي يُمكن للقارئ أن يتعرف في ضوئها على ما ينبغي عليه الأخذ به وما يجب عليه أن يتركه، وما هو مخير بين أخذه وتركه، وذكر أن ذلك على أوجه:
أحدها: إذا كان أحد القولين مرسلًا أي: غير مقيد بالدليل، والآخر معللًا أي: مقيدًا بالدليل مصحوبًا بالعلة، أُخذ بالمعلل لقيام حجته، وترك المرسل لضعفه، وعدم قيام حجته. ووجب مع ذلك أن يتأول المرسل يعني: أن يصرف عن ظاهر معناه إلى ما يطابق معنى المعلل؛ لإزالة التضاد بين القولين.
ومن الأمثلة التي أوردها ابن جني على ذلك قول صاحب (الكتاب) أي: سيبويه في غير موضع في التاء من بنت وأخت: "إنها للتأنيث"، أي: ولم يذكر علة كونها للتأنيث، وقال أيضًا مع ذلك في باب ما ينصرف وما لا ينصرف: "إنها ليست للتأنيث"، واعتل لهذا القول أي: لأنها ليست للتأنيث بأن ما قبلها
[ ٢٩١ ]
ساكن، وتاء التأنيث في الواحد لا يكون ما قبلها ساكنًا، إلا أن يكون ألفًا كقناة وفتاة وحصاة، والباقي كله مفتوح كرطبة وعنبة وعلّامة ونسابة، قال -يعني سيبويه: "ولو سميت رجلًا ببنت وأخت لصرفته، وهذا واضح، فإذا ثبت هذا القول الثاني بما ذكرناه -وما زلنا مع عبارة ابن جني- وكانت التاء فيه إنما هي عنده على ما قاله بمنزلة تاء عفريت وملكوت؛ وجب أن يُحمل قوله فيها: إنها للتأنيث على المجاز، وأن يُتأول ولا يحمل القولان على التضاد" انتهى.
وخلاصة ما ذكر ابن جني في النص السابق أن لسيبويه في (الكتاب) نصين متعارضين في نوع التاء في كلمتي بنت وأخت، ففي غير موضع ذكر أن التاء فيهما للتأنيث، وستعرف أنه ذكر ذلك في ثلاثة أبواب في باب الإضافة أي: النسب إلى بنات الحرفين، وباب يُجمع فيه الاسم إن كان لمذكر أو مؤنث بالتاء، كما يُجمع ما كان آخره هاء التأنيث أي: باب جمع المؤنث السالم، وباب علل ما تجعله زائدًا من حروف الزوائد، وما تجعله من نفس الحرف، ولم يعلل كونها للتأنيث، وذكر مع ذلك أنها للإلحاق في باب ما ينصرف في المذكر البتة مما ليس في آخره حرف التأنيث، وفي باب الوقف في أواخر الكلم المتحركة في الوصل. وبالرجوع إلى كتاب سيبويه نجد أن سيبويه قد تناول الحديث عن كلمتي بنت وأخت في خمسة مواضع من (الكتاب) ذكر في ثلاثة منها أن التاء فيهما للتأنيث، وفي اثنين منها أنها للإلحاق:
الموضع الأول: في باب ما لا يجوز فيه من بنات الحرفين إلا الرد، وهو أحد أبواب الإضافة أي: النسب، قال: "وإذا أضفت أي: نسبت إلى أخت قلت: أخوي، هكذا ينبغي له أن يكون على القياس، وذا القياس قول الخليل من قِبل أنك لما جمعت بالتاء حذفت تاء التأنيث كما تحذف الهاء، ورددت إلى الأصل؛
[ ٢٩٢ ]
فالإضافة أي: النسب تحذفه كما تحذف الهاء، وهي أَرَدُّ له إلى الأصل"، ثم قال في الباب الذي يليه: "وأما بنتٌ، فإنك تقول: بنوي من قِبل أن هذه التاء التي هي للتأنيث لا تثبت في الإضافة كما لا تثبت في الجمع بالتاء، وذلك لأنهم شبهوها بهاء التأنيث، فلما حذفوا، وكانت زيادة في الاسم كتاء سَنْبَتَة، وتاء عفريت، ولم تكن مضمومة إلى الاسم كالهاء؛ يدلك على ذلك سكون ما قبلها جعلناها بمنزلة ابن" انتهى.
وظاهر ما قال في هذين النصين بالنسبة لكلمة أخت أن التاء فيها للتأنيث، وأن النسب إليها من قبيل النسب إلى ما ورد من الأسماء على حرفين حذف ثالثهما؛ لأن أقل أبنية الاسم المجرد ثلاثة أحرف، ولذلك عند جمعها بالألف والتاء والنسب إليها كان القياس أن يردَّ إليها ما حُذف منها وهو اللام؛ لأن الجمع والنسب مما يُردُّ فيهما الأسماء إلى أصولها، بل إن النسب أقوى من الجمع بالألف والتاء من ردِّ اللام المحذوفة إلى أصلها، فكما تقول في الجمع: أخوات برد اللام المحذوفة وهي الواو، تقول في النسب: أخوي، وذلك هو القياس عند الخليل وسيبويه. وأما بالنسبة لكلمة بنت فقد جعل حكمها في النسب كحكم نظيرتها أخت، ذاكرًا مرة أن التاء فيها هي التاء التي للتأنيث، ومرة أخرى أنهم شبهوها بهاء التأنيث.
والموضع الثاني: قال: "هذا باب يُجمع فيه الاسم إن كان لمذكر أو مؤنث بالتاء، كما يُجمع ما كان آخره هاء التأنيث، وتلك الأسماء التي آخرها تاء التأنيث، فمن ذلك بنت إذا كان اسمًا لرجل، تقول: بنات من قِبَل أنها تاء التأنيث لا تثبت مع تاء الجمع، كما لا تثبت الهاء، فمن ثم صيرت مثلها، وكذلك هَنْت وأخت، لا تجاوز هذا فيها" انتهى.
[ ٢٩٣ ]
والموضع الثالث: في باب علل ما تجعله زائدًا من حروف الزوائد، وما تجعله من نفس الحرف، قال: "وكذلك تاء أخت وبنت، وثنتين، وكلتا؛ لأنهن لحقن للتأنيث، وبُنِينَ بناء ما لا زيادة فيه من الثلاثة، كما بنيت سنبتة بناء جندلة" انتهى. وأما الموضعان اللذان ذكر سيبويه فيهما أن تاءهما للإلحاق فهما:
الموضع الأول: في باب ما ينصرف في المذكر البتة مما ليس في آخره حرف التأنيث، قال: "وإن سميت رجلًا ببنت وأخت صرفته؛ لأنك بنيت الاسم على هذه التاء، وألحقتها ببناء الثلاثة، كما ألحقوا سنبتة بالأربعة، ولو كانت كالهاء لما أسكنوا الحرف الذي قبلها؛ فإنما هذه التاء فيها كتاء عفريت، ولو كانت كألف التأنيث لم ينصرف في النكرة، وليست كالهاء لما ذكرت لك، وإنما هذه زيادة في الاسم بني عليها وانصرف في المعرفة، ولو أن الهاء التي في دجاجة كهذه التاء انصرف في المعرفة" انتهى.
والموضع الثاني: في باب الوقف في أواخر الكلم المتحركة في الوصل، قال: "فعلامة التأنيث إذا وصلته التاء، وإذا وقفت ألحقت الهاء، أرادوا أن يفرقوا بين هذه التاء والتاء التي هي من نفس الحرف نحو: تاء القَت، وما هو بمنزلة ما هو من نفس الحرف نحو: تاء سنبتة، وتاء عفريت؛ لأنهم أرادوا أن يلحقوهما ببناء قَحْطَبة، وقنديل. وكذلك التاء في بنت وأخت لأن الاسمين ألحقا بالتاء ببناء عُمْر وعِدْل، وفرقوا بينها وبين تاء المنطلقات؛ لأنها كأنها منفصلة من الأول، كما أن موت منفصل من حضر في حضرموت" انتهى.
وكان هذا مظهرًا من مظاهر العجب في كتاب سيبويه، وأوقع كثيرًا من النحاة في اضطراب، وهم يحاولون الوقوف على حقيقة التاء في الكلمتين المذكورتين في ضوء ما ذكر إمام النحاة سيبويه، حتى قال شيخنا المرحوم الشيخ محمد عبد
[ ٢٩٤ ]
الخالق عضيمة -طيب الله ثراه- في كتابه القيم (فهارس كتاب سيبويه): "عنيت ببحث موضوع الإلحاق منذ عشرين سنة فكتبت عنه بحثًا ضافيًا شغل أربعين صفحة، أرسيت قواعده، وأوضحت أماراته.
ثم بعد هذا رأيت أبا الفتح أي: ابن جني في (المنصف) وابن سيده في (المخصص)، وابن يعيش وغيرهم يقولون: إن تاء بنت للإلحاق بجذع، وتاء أخت للإلحاق بقُفل، هالني الأمر؛ إذ لم أر إلحاق ثلاثي بثلاثي في غير هذا، ثم إن التاء في بنت وأخت تدل على التأنيث، وشأن حرف الإلحاق ألا يدل على معنى مطرد، قرأت كثيرًا في كتاب سيبويه فلم أهتدِ إلى شيء، ثم بعد سنوات أوقفتني المصادفة وحدها على حديث سيبويه عن ذلك في باب الوقف، من كان يخطر بباله أو يقع في ظنه أن يعرض سيبويه لمسألة من الإلحاق في الوقف، وما صلة باب الوقف بالإلحاق، شتان ما بينهما" انتهى كلام شيخنا -عليه رحمة الله.
ولذلك من العلماء من رأى أن التاء فيهما بدل من اللام المحذوفة، وأنها دالة على التأنيث؛ أخذًا بظاهر ما ورد في (الكتاب)، ومن هؤلاء المالقي المتوفى في السنة الثانية بعد السبعمائة من الهجرة، قال في كتابه (رصف المباني في شرح حروف المعاني): "وأما أخت وبنت وهنت، فذهب الأكثرون إلى أنها -أي: التاء- عوض من لام الكلمة، لأنها واو أو ياء في الأصل فأصلها أَخَوَة، وهَنَوَة، وبنوة، وأعلوها بالحذف كما أعلوا مذكرها، وذهب بعضهم إلى أنها علامة تأنيث، والصحيح أنها عوض من لام الكلمة التي هي واو في الأصل، كما تقدم، ولكن مع ذلك تدل على التأنيث بلفظها، ويخرج من مذهب سيبويه القولان، وظاهر مذهبه أنها بدل، ودالة على التأنيث" انتهى.
[ ٢٩٥ ]
وذهب أكثر العلماء ومنهم ابن جني إلى أن مذهب سيبويه هو القول الثاني أي: أن التاء فيهما للإلحاق، ذكر ذلك في (الخصائص)، وفي (سر صناعة الإعراب)، وفي (المنصف)، كما ذكر أن أصل أخت أَخَوَة، وأصل بنت بنوة، وأن وزنهما في الأصل فَعَل، فنُقلوا إلى فُعْل وفِعْل، وألحقوهما بالتاء المبدلة من لامهما بوزن قفل، وحِلْس، فقالوا: أخت وبنت، وقال في (سر صناعة الإعراب): "وليست التاء فيهما بعلامة تأنيث، كما يظن من لا خبرة له بهذا الشأن؛ لسكون ما قبلها هذا مذهب سيبويه، وهو الصحيح وقد نص عليه في باب ما لا ينصرف فقال: لو سميت بهما رجلًا لصرفتهما معرفة، ولو كانت للتأنيث لما انصرف الاسم" انتهى.
وأوضح ابن جني أن وجه الجمع بين القولين الواردين في كتاب سيبويه أن هذه التاء، وإن لم تكن عنده للتأنيث فإنها لمَّا لم توجد في الكلمة إلا في حال التأنيث؛ استجاز أن يقول فيها: "إنها للتأنيث"؛ على أن سيبويه قد تسمح في بعض ألفاظه في (الكتاب) فقال: "هما علامتا تأنيث" وإنما ذلك تجوز منه في اللفظ؛ لأنه أرسله غُفْلًا، وقد قيده وعلله في باب ما لا ينصرف، والأخذ بقوله المعلل أولى من الأخذ بقوله الغفل المرسل، ووجه تجوزه أنه لما كانت التاء لا تُبدل من الواو فيهما إلا مع المؤنث صارتا كأنهما علامتا تأنيث. ونذكر تفسيرًا لبعض الكلمات اللغوية التي وردت في نصوص (الكتاب) السابقة، فنقول: القَتُّ: الكذب، وقحطبة: عَلَم، والسنبتة: سوء الخلق، وسرعة الغضب، والمدة من الزمن، والهنت: كناية عن الشيء يُستفحش ذكره، والجندلة: واحدة الجندل، وهو الصخر العظيم، والعِدْل: من معانيه المثل والنظير.
[ ٢٩٦ ]
الحكم إذا كان القولان المتعارضان مرسلين وأمكن تأويل أحدهما
أشار ابن جني في (الخصائص) إلى الحكم إذا كان القولان لعالم واحد في مسألة واحدة قد وردا عنه متضادين، وكانا مرسلين أي: مطلقين من التعليل بقوله: "ومن ذلك أن يرد اللفظان عن العالم متضادين على غير هذا الوجه، أي: على غير الوجه الأول الذي سبق الحديث عنه، وهو أن يحكم في شيء بحكم ما، ثم يحكم فيه نفسه بضده، غير أنه لم يُعلل أحد القولين، فينبغي حينئذٍ أن يُنظر إلى الأليق بالمذهب، والأجرى على قوانينه، فيُجعل هو المراد المعتزم منهما، ويتأول الآخر إن أمكن"، وذكر ابن جني مثلًا لذلك بما وقع من سيبويه في (الكتاب) في ناصب الفعل المضارع الواقع بعد حتى، فقال: "وذلك كقوله -يريد سيبويه- حتى الناصبة للفعل، وقد تكرر من قوله أنها حرف من حروف الجر، وهذا نافٍ؛ لكونها ناصبة له، من حيث كانت عوامل الأسماء لا تباشر الأفعال، فضلًا عن أن تعمل فيها.
وقد استقر من قوله في غير مكان ذكر عدة الحروف الناصبة للفعل، وليست فيها حتى، فعُلم بذلك وبنصه عليه في غير هذا الموضع أن أن مضمرة عنده بعد حتى، كما تُضمر مع اللام الجارة في نحو قوله سبحانه: ﴿يَغْفِرْ لَكَ اللهُ﴾ (الفتح: ٢) ونحو ذلك، فالمذهب إذن هو هذا". وإذا انتقلنا قليلًا من ابن جني إلى (الكتاب) لسيبويه وقفنا على الآتي:
أولًا: من أبواب (الكتاب): هذا باب إعراب الأفعال المضارعة للأسماء، وقد صدره سيبويه بقوله: "اعلم أن هذه الأفعال لها حروف تعمل فيها فتنصبها، لا تعمل في الأسماء، كما أن حروف الأسماء التي تنصبها لا تعمل في الأفعال"، وتلا هذا الباب مباشرة باب الحروف التي تُضمر فيها أن، وبدأه سيبويه بقوله: "وذلك اللام التي في قولك: جئتك لتفعل، وحتى، وذلك قولك: حتى تفعل ذاك، فإنما
[ ٢٩٧ ]
انتصب هذا بأن، وأنْ ها هنا مضمرة، ولو لم تضمرها؛ لكان الكلام محالًا، لأن اللام وحتى إنما يعملان في الأسماء فيجران، وليستا من الحروف التي تُضاف إلى الأفعال، فإذا أضمرت أنْ حسن الكلام، لأن "أنْ" وتفعل بمنزلة اسم واحد، كما أن "الذي" وصلته بمنزلة اسم واحد، فإذا قلت: هو الذي فعل، فكأنك قلت: هو الفاعل، وإذا قلت: أخشى أن تفعل، فكأنك قلت: أخشى فعلك، أفلا ترى أن أنْ تفعل بمنزلة الفعل، فلما أضمرت أن؛ كنت قد وضعت هذين الحرفين مواضعهما، لأنهما لا يعملان إلا في الأسماء، ولا يضافان إلا إليها، وأنْ تفعل بمنزلة الفعل".
ثم قال في الباب نفسه: "واعلم أن أنْ لا تظهر بعد حتى وكي، كما لا يظهر بعد أما الفعل في قولك: أما أنت منطلقًا انطلقت، واكتفوا عن إظهار أنْ بعدهما بعلم المخاطب أن هذين الحرفين لا يُضافان إلى فعل، وأنهما ليسا مما يعمل في الفعل، وأن الفعل لا يحسن بعدهما إلا أن يُحمل على أنْ، فأنْ ها هنا بمنزلة الفعل في أما. وما كان بمنزلة أما مما لا يظهر بعده الفعل، فصار عندهم بدلًا من اللفظ بأنْ" انتهى. وهكذا يذكر سيبويه غير مرة أن حتى من عوامل جر الأسماء، وأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال، كما أن عوامل الأفعال لا تعمل في الأسماء، وأن الفعل المضارع المنصوب بعد حتى منصوب بأنْ مضمرة بعدها، وأنها والفعل بمنزلة اسم واحد هو المصدر.
وبعد صفحات قليلة من الباب السابق في (الكتاب) نجد بابًا عنوانه: هذا باب حتى، يقول سيبويه في أوله: "اعلم أن حتى تنصب على وجهين؛ فأحدهما: أن تجعل الدخول غاية لمسيرك، وذلك قولك: سرت حتى أدخلها، كأنك قلت: سرت إلى أنْ أدخلها، فالناصب للفعل ها هنا هو الجار للاسم، إذا كان غاية؛ فالفعل إذا كان غاية نصب، والاسم إذا كان غاية جر، وهذا قول الخليل. وأما الوجه الآخر: فأن يكون السير قد كان، والدخول لم يكن، وذلك إذا جاء مثل كي التي فيها إضمار أن وفي معناها، وذلك قولك: كلمته حتى يأمر لي بشيء" انتهى.
[ ٢٩٨ ]
فظاهر النص الأخير يتعارض مع ما ورد في النص الأول، إذ النص الأخير يدل بظاهره على نسبة النصب للفعل المضارع إلى حتى، من غير إشارة إلى "أنْ" من قريب أو من بعيد، غير أن الأمر كما أوضح ابن جني أنه قد تكرر من قول سيبويه أن حتى من حروف الجر، وهذا نافٍ لكونها ناصبة للفعل المضارع من حيث كانت عوامل الأسماء لا تُباشر الأفعال، فضلًا عن أن تعمل فيها، كما استقر من قوله في غير موضع: "ذكر عدة الحروف الناصبة للفعل"، وليست فيها حتى، فعُلم بذلك وبنصه على أن أنْ هي الناصبة مضمرة بعد حتى أن المذهب والأجرى على قوانينه، أن حتى من حروف الجر، وأن الناصب بعدها أنْ مضمرة وجوبًا. ومن هنا فقد حرص ابن جني على إزالة هذا التعارض الظاهر بين القولين بتأويل القول الثاني فقال: "ووجه القول في الجمع بين القولين بالتأويل أن الفعل لما انتصب بعد حتى، ولم تظهر هناك أنْ، وصارت حتى عوضًا منها ونائبة عنها؛ نسب -أي: سيبويه- النصب إلى حتى، وإن كان في الحقيقة لـ: أنْ" انتهى.
الحكم إن لم يمكن التأويل
إذا تعذر الأخذ بأحد القولين المرسلين المتعارضين لعدم إمكان الرجوع عن الآخر بضرب من التجوز والتأويل، فإن نص العالم في أحدهما عن الرجوع عن الآخر؛ عُلم بذلك أن رأيه مستقر على ما أثبته ولم ينفيه، وأن القول الآخر مطرح متروك، لا يُنسب إليه بعد رجوعها، قال ابن جني: "ومن ذلك أن يرد اللفظان عن العالم متضادين، غير أنه نص في أحدهما على الرجوع عن القول الآخر؛ فيُعلم بذلك أن رأيه مستقر على ما أثبته ولم ينفِهِ، وأن القول الآخر
[ ٢٩٩ ]
مطرح من رأيه"، ثم ذكر أن من أمثلة الشائع في الرجوع عنه من المذاهب ما كان أبو العباس المبرد قد تتبع به كلام سيبويه وجمعه في كتاب سماه (مسائل الغلط)، ثم اعتذر منه وكان يقول: "هذا شيء كنا رأيناه في أيام الحداثة، فأما الآن فلا".
فإن تعذر الأخذ بأحدهما وتأويل الآخر، ولم ينص العالم على الرجوع عن أحدهما، واستبهم الأمر فلم يُعرف التاريخ؛ وجب سبر المذهبين، وإنعام الفحص عن حال القولين، فإن كان أحدهما أقوى من صاحبه؛ وجب إحسان الظن بذلك العالم، وأن ينسب إليه أن الأقوى منهما هو قوله المعتمد الذي به يقول وله يعتقد، وأن الأضعف منهما هو القول الذي تركه ولم يعتمده، وإن تساوى القولان في القوة؛ وجب أن يُعتقد أنهما رأيان له، وأن الدواعي إلى تساويهما عند الباحث عنهما هي الدواعي التي دعت القائل بهما إلى أن اعتقد كلًّا منهما.
وذكر ابن جني أن أبا الحسن الأخفش كان يقع له ذلك كثيرًا، حتى إن أبا علي كان إذا عرض له قول عنه يقول: "لا بد من النظر في إلزامه إياه؛ لأن مذاهبه كثيرة"، كما حكى عن أبي علي -﵀- أنه كان يقول في هيهات: "أنا أفتي مرة بكونها اسمًا سُمي به الفعل كصه ومه، وأفتي مرة أخرى بكونها ظرفًا على قدر ما يحضرني في الحال"، وقال مرة أخرى: "إنها وإن كانت ظرفًا فغير ممتنع أن تكون مع ذلك اسمًا سُمي به الفعل كعندك ودونك" يعني: أن أبا علي كان يرى مرة أن هيهات اسم فعل ماض بمعنى بعُد كصه، التي هي اسم فعل أمر بمعنى: اسكت، ومه التي هي اسم فعل أمر أيضًا بمعنى اكفف، فيفتي بذلك، ومرة أخرى يراها ظرفًا فيفتي بكونها ظرفًا يعني إذا قلت: هيهات ما تقول، فالمعنى: في البُعد ما تقول. وكان مرة ثالثة يرى أنها وإن كانت ظرفًا فغير ممتنع أن تكون ظرفًا سُمي به الفعل.
[ ٣٠٠ ]
وتابع ابن جني حديثه عن شيخه أبي علي، وبيان ما كان يفعله إزاء ما يسمعه من أقوال أبي الحسن الأخفش الكثيرة فقال: "وكان إذا سمع شيئًا من كلام أبي الحسن -أي: الأخفش- يُخالف قوله يقول: عكر الشيخ، يعني: أخرج كلامه عن الوضوح والصفاء إلى الغموض والخفاء، قال: وهذا ونحوه -أي: ما يخطر بباله من الأفكار والإدراكات- من خلاج الخاطر، وتعادي المناظر، وهو الذي دعا أقوامًا إلى أن قالوا بتكافؤ الأدلة أي: بتساويها، واحتملوا أثقال الصغار والذلة. قال: وحدثني أبو علي قال: قلت لأبي عبد الله البصري: أنا أعجب من هذا الخاطر في حضوره تارة ومغيبه أخرى، وهذا يدل على أنه من عند الله، فقال: نعم، هو من عند الله إلا أنه لا بد من تقديم النظر" انتهى.
وأختم بذكر مثال للقولين المتضادين لعالم واحد، وبالبحث عن تاريخهما يُعلم أن الثاني هو ما اعتزمه ذلك العالم، وأن الأول يُعدُّ مرجوعًا عنه في ضوء ما وضعه ابن جني من قوانين، وما نص عليه من قواعد، وإن لم يذكر لنا مثالًا لذلك. وذلك المثال الذي نورده هنا من واقع بعض مؤلفات ابن مالك -رحمه الله تعالى. قال ابن مالك في كتاب (التسهيل) باب إعمال المصدر: "والغالب إن لم يكن بدلًا من اللفظ بفعله تقديره به بعد أنِ المخففة أو المصدرية، أو ما أختها".
ويُفهم من هذه العبارة شيئان؛ أحدهما: أن المصدر العامل عمل فعله نوعان: نوع يقدر بالفعل، وحرف مصدري من الأحرف الثلاثة، ونوع يقدر بالفعل وحده وهو الآتي بدلًا من اللفظ بفعله. والآخر: أن تقدير المصدر بالفعل والحرف المصدري في النوع الأول ليس شرطًا لازمًا في عمل المصدر، بل هو عند ابن مالك شرط غالب يعني: قد يتخلف،
[ ٣٠١ ]
وأيَّد ذلك في (شرح التسهيل) فقال: "وليس تقدير المصدر العامل بأحد الأحرف الثلاثة شرطًا في عمله، ولكن الغالب أن يكون كذلك"، لكنه رجع عن ذلك الرأي الذي خالف فيه جمهور النحاة في (الألفية) قال في باب إعمال المصدر:
بفعله المصدر ألحق في العمل مضافًا او مجردًا أو مع ال
إن كان فعل مع أن أو ما يحل محله والاسم مصدر عمل
وتبعه شراحها في اشتراط ما اشترطه فيها، فإذا انتقلنا إلى (الكافية الشافية) لابن مالك أيضًا وجدناه يقول في نظمها:
كفعله المصدر أعمل حيثما يصح حرف مصدري تمما
ثم يقول في الشرح: "وينبغي أن يُعلم أن المصدر العامل على ضربين؛ أحدهما: مقدر بالفعل وحرف مصدري، والثاني: مقدر بالفعل وحده، فإن أُريد بالأول الحال قُدِّر بـ: ما المصدرية والفعل، ولم يقدر بـ: أنْ؛ لأن مصحوبها لا يكون حالًا، وإن أريد به غير الحال؛ جاز أن يُقدَّر بـ: أن وبـ: ما، ولأجل الحاجة إلى غير أنْ قلت -يعني: في النظم: حرف مصدري، ثم قال: ولأجل تقديره أي: المصدر العامل بفعل وحرف مصدري، جُعل هو ومعموله كموصول وصلته"، انتهى كلام ابن مالك في (شرح الكافية الشافية)، وهكذا رجع عن الرأي الذي أثبته في (التسهيل) وشرحه.
هذا وبالله التوفيق.
[ ٣٠٢ ]