بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني
(أمثلة العلة النحوية للخليل وسيبويه)
بعض أمثلة التعليل النحوي للخليل بن أحمد، وسيبويه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
المثال الأول: قال سيبويه في (الكتاب) في باب الأفعال التي تستعمل وتلغى: "وسألته عن أيهم، لم لم يقولوا: أيهم مررت به؟ فقال: لأن أيهم هو حرف الاستفهام لا تدخل عليه الألف، وإنما تركت الألف استغناء، فصارت بمنزلة الابتداء، ألا ترى أن حدَّ الكلام أن تؤخِّر الفعل فتقول: أيهم رأيت، كما تفعل ذلك بالألف، فهي نفسها بمنزلة الابتداء" انتهى. ذكر السيرافي أن قول سيبويه في (الكتاب): "وسألته" إنما يعني به الخليل، وكذلك كل ما ورد في (الكتاب) مثله إذا لم يتقدم ذكر عالم غيره، فسيبويه يسأل شيخه الخليل لِمَ لم يجز نصب اسم الاستفهام أيٍّ بفعل مضمر يُفسره الفعل المذكور، كما اختير في قولك: أزيدًا ضربته. فأجابه الخليل بأن هناك فرقًا بين التعبيرين، فنحن إذا قلنا: أزيدًا ضربته، فأداة الاستفهام -وهي الهمزة- منفصلة من زيد بمعنى: أنها كلمة مستقلة عنه قائمة بنفسها، وهي بالفعل أولى؛ إذ الغالب دخولها على الأفعال، فأضمرنا بينها وبين زيد فعلًا ينصبه.
أما أي في المثال فهي اسم متضمن معنى همزة الاستفهام، مثل من وما، وسائر أسماء الاستفهام، فلا تدخل عليها همزة الاستفهام التي يغلب دخولها على الأفعال؛ لأن الاستفهام لا يدخل على الاستفهام، ولتضمنها معنى الاستفهام صار لها الصدارة كالهمزة، فلا يعمل فيها متقدم عليها، وصار حد الكلام أن تؤخر الفعل عنها فتقول مثلًا: أيهم رأيت، فالمثال الذي فيه أي هنا بمنزلة قولنا: زيد ضربته في اختيار رفع الاسم المتقدم، وما أجاز نحو: زيدًا ضربته، بنصب زيد بمرجوحية، بتقدير: ضربت زيدًا ضربته، يجيز أن يقال: أيَهم مررت به،
[ ٢٥ ]
بنصب أي بمرجوحية أيضًا، مقدرًا فعلًا ناصبًا من معنى الفعل المذكور لا من لفظه، فالتقدير عنده: أيهم جزت مررت به أو أيهم لاقيت مررت به. وهكذا يسأل سيبويه شيخه الخليل عن الحكم فيجيبه عنه مشفوعًا بعلته.
والمثال الثاني: قال سيبويه في (الكتاب): "وزعم الخليل -﵀- أن الألف واللام إنما منعهما أن يدخلا في النداء، من قبل أن كل اسم في النداء مرفوع معرفة، وذلك أنه إذا قال: يا رجل، ويا فاسق فمعناه كمعنى يا أيها الفاسق ويا أيها الرجل، وصار معرفة، لأنك أشرت إليه وقصدت قصده، واكتفيت بهذا عن الألف واللام، وصارت كالأسماء التي هي للإشارة نحو: هذا وما أشبه ذلك، وصار معرفة بغير ألف ولام؛ لأنك إنما قصدت قصد شيء بعينه، وصار هذا بدلًا في النداء من الألف واللام، واستغني به عنهما، كما استغنيت بقولك: اضرب عن لتضرب، وكما صار المجرور بدلًا من التنوين، وكما صارت الكاف في رأيتك بدلًا من رأيت إياك" انتهى.
يذكر سيبويه في هذه الفقرة نقلًا عن الخليل -﵀- علة منع النداء ما فيه "ال" في الاختيار من غير ما استثني، ومجمل هذه العلة أن النداء يُفيد التعريف، وال تفيد التعريف، ولا يُجمع بين معرِّفين على معرَّف واحد، فلا يدخل حرف تعريف على حرف تعريف، كما لا يدخل فعل على فعل؛ لأنه لا يقتضيه، وإنما يدخل الفعل والحرف على مقتضاهما، قيل: ولهذا لا يجوز الجمع بين تعريف النداء وتعريف العلمية في الاسم المنادى العلم نحو: يا زيد، بل يُعرى عن تعريف العلمية تقديرًا، ويعرف بالنداء، فإذا لم يجز الجمع بين تعريفين: أحدهما بعلامة لفظية والآخر بعلامة معنوية، فمن طريق الأَولى ألا يجوز الجمع بين تعريفين كلاهما بعلامة لفظية.
[ ٢٦ ]
قال السيرافي: "وقوله: واستغنيت بقولك: اضرب عن لتضرب؛ لأن الأصل عنده -أي: عند سيبويه- لتضرب، واضرب داخلة عليها، وإنما صار كذلك؛ لأن الأمر يقتضي النهي، والنهي لا يكون إلا بحرف كقولك: لا تضرب زيدًا، فينبغي أن يكون الأمر بحرف يوجب الإعراب، ويقوي تعريفه -يعني: تعريف النداء- أن يونس زعم أنه سمع من العرب من يقول: يا فاسق الخبيث، ويقوي أنه معرفة أيضًا، ترك التنوين؛ لأنه اسم شُبه بالأصوات، فيكون معرفة إذا لم ينون، وينون إذا كان نكرة، ألا ترى أنهم قالوا: هذا عمرويه وعمرويه آخر"، انتهى.
والمثال الثالث: في باب المنفي المضاف بلام الإضافة قال سيبويه في (الكتاب): "اعلم أن التنوين يقع من المنفي في هذا الموضع إذا قلت: لا غلام لك، كما يقع من المضاف إلى اسم، وذلك إذا قلت: لا مثل زيد، والدليل على ذلك قول العرب: لا أبا لك، ولا غلامي لك، ولا مسلمي لك، وزعم الخليل -﵀- أن النون إنما ذهبت للإضافة، ولذلك ألحقت الألف التي لا تكون إلا في الإضافة، وإنما كان ذلك من قِبل أن العرب قد تقول: لا أباك في معنى لا أبا لك، فعلموا أنهم لو لم يجيئوا باللام؛ لكان التنوين ساقطًا كسقوطه في لا مثل زيد، فلما جاءوا بلام الإضافة تركوا الاسم على حاله قبل أن تجيء اللام؛ إذ كان المعنى واحدًا، وصارت اللام بمنزلة الاسم الذي ثُنِّي به في النداء، ولم يغيروا الأول عن حاله قبل أن تجيء به، وذلك قولك: يا تيم تيم عدي. وبمنزلة الهاء إذا لحقت طلحة في النداء لم يغيروا آخر طلحة عما كان عليه قبل أن تلحقه، وذلك قولهم:
كِليني لهمٍّ يا أميمة ناصب
[ ٢٧ ]
ومثل هذا الكلام قول الشاعر إذا اضطر النابغة:
يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام
حملوه على أن اللام لو لم تجئ لقلت: يا بؤس الجهل"، انتهى. وبيان ذلك أنه إذا وقع بعد الاسم المفرد المنفي بلا النافية للجنس، إذا وقع بعده اسم مجرور باللام، فالأصل والقياس أن يكون الاسم مبنيًّا مركبًا مع لا وأن يكون الجار والمجرور بعدهما في موضع النعت للاسم، أو في موضع الخبر كما قال السيرافي فيقال: لا غلام لك، ولا أبا لزيد، ولا أخ لعمرو، إلى آخره، كما قال نهار بن توسعة اليشكري:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
وكما قال الآخر:
هذا لعمركم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
غير أن العرب قالوا: لا أبا لك ولا غلامَي لك، ولا مسلمي لك، مخالفين بذلك الأصل والقياس، وقد اختلف النحاة في توجيه هذه الأساليب الخالية عن القياس على ثلاثة مذاهب، والذي يعنينا من هذه المذاهب هنا مذهب الخليل وسيبويه والجمهور، وهو أن اسم "لا" في العبارات المذكورة ونحوها مضاف إلى المجرور باللام، فهو معرب منصوب، أما اللام الواقعة بين المتضايفين فهي زائدة مقحمة بين المضاف والمضاف إليه لأمرين؛ الأمر الأول: لتأكيد الإضافة، إذ الإضافة في هذه العبارات ونحوها على معنى اللام، فاللام الظاهرة تأكيد للام المقدرة التي الإضافة بمعناها، كتيم الثاني في قولهم: يا تيم تيم عدي. والأمر الثاني: للفصل بين المتضايفين لفظًا حتى يصير المضاف كأنه ليس بمضاف، فلا يستنكر لفظه، وهم قد قصدوا نصب هذا المضاف المعرف بلا من غير تكرير لا تخفيفًا، وحق
[ ٢٨ ]
المعارف المنفية بلا الرفع مع تكرير لا. والدليل على قصدهم هذا الغرض أنهم لا يعاملون المنفي المضاف إلى النكرة هذه المعاملة، فلا يقولون مثلًا: لا أبا لرجل حاله كذا، ولا غلامي لشخص نعته كذا.
ونلحظ من النص السابق أن الخليل وسيبويه -رحمهما الله- قد عللا ذهاب النون في المثنى والجمع الذي على حده في الأساليب المذكورة ونحوها، ولحاق الألف في الأسماء الستة فيها بالإضافة، كما عللا كون اللام فيها زائدة مقحمة بأن العرب قد تقول في الشعر للضرورة: لا أباك في معنى لا أبا لك أي كقول مسكين الدارمي:
وقد مات شماخ ومات مزرد وأي كريم لا أباك يخلد
كما أبرزا -أي: الخليل وسيبويه- اسم لا في التراكيب المذكورة في صورة غير المعرف بالإضافة، وذلك بالتنظير بقولك: لا مثل زيد، ومن المعلوم أن إضافة مثل إلى المعرف لا تفيد تعريفه، كما نظرا كذلك لإقحام اللام بين المتضايفين من غير أن تُحدث تغييرًا في إعراب الاسم المنفي المضاف إلى ما بعدها بثلاثة أمور، كلها سُمعت عن العرب في أسلوب النداء، وهي؛ أولًا: قول العرب: يا تيم تيم عدي بفتح الأول، فمذهب سيبويه أنه منادى معرب منصوب؛ لأنه مضاف إلى ما بعد الثاني أي: أنه مضاف إلى عدي، ففتحته فتحة إعراب. أما الثاني: المتوسط بينهما فهو مقحم بينهما بين المتضايفين، وعومل في منع التنوين معاملة الأول.
الأمر الثاني: قول العرب: يا طلحة أقبل. المنادى هنا مفرد معرفة، لكنه -كما ذكر سيبويه والخليل- بتقدير حذف التاء التي كان ينتهي بها هذا الاسم المنادى للترخيم على لغة من ينتظر، فصار المنادى يا طلح بالحاء فقط، بفتح الحاء كما
[ ٢٩ ]
كانت قبل حذف التاء؛ لأنه على لغة من ينتظر المحذوف، ثم إقحام التاء المذكورة وترك الاسم على حاله، التي كان عليها قبل الإقحام، فالتاء المذكورة في قولهم: يا طلحة هي مقدر إقحامها بين الحاء وبين التاء الأصلية التي حذفت للترخيم. والأمر الثالث: قول النابغة الذبياني:
كليني لهمٍّ يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب
وقد فعل الشاعر بأميمة ما فعلوا بطلحة من الترخيم والإقحام، الترخيم بحذف التاء الأصلية، وإقحام هذه التاء المذكورة مقدرًا توسطها بين الميم وبين التاء الأصلية.
والمثال الرابع: في باب الجزاء يقول سيبويه: "وزعم الخليل أن إنْ هي أم حروف الجزاء، فسألته: لم قلت ذلك؟ فقال: من قبل -يعني: من جهة- أني أرى حروف الجزاء قد يتصرفن، فيكن استفهامًا، ومنها ما يفارقه ما؛ فلا يكون فيه الجزاء، وهذه -وهي إن- على حال واحدة أبدًا لا تفارق المجازاة" انتهى.
يذكر الخليل لتلميذه سيبويه أن إن هي أم حروف الجزاء، فيسأله عن علة ذلك، لم كانت إن أم حروف الجزاء؟ فيبادره بذكر العلة، وهي أنها دون سائر ما يجازى به تدخل على الجزاء في جميع وجوهه، وليست كذلك سائر ما يجازى به، أي: لأن مَن الأصل أن يُجازى بها فيمن يعقل، وما ومهما فيما لا يعقل، وأيًّا فيما له أجزاء، ومتى وأيان للزمان، وأين وأن وحيثما للمكان، وإذن يتكلم بها القليل منهم، وما كل العرب تعرفها كما قال السيرافي. كما أن إن قد اتفق النحاة على أنها حرف وُضع للدلالة على مجرد التعليق أي: تعليق وقوع الجواب على وقوع الشرط، كما اتفقوا على أن مَن وما ومتى وأيًّا وأيان وأين وحيثما أسماء، تضمنت معنى الشرط، واختلفوا في إذما ومهما، أما إذما فهي حرف عند سيبويه
[ ٣٠ ]
بمنزلة إن، وأما مهما فهي اسم على الأصح بمعنى ما؛ خلافًا للسهيلي الذي زعم أنها تأتي حرفًا.
فالخلاصة: أن إن هي حرف عند الجميع، والتعليق معنى، والأصل في المعاني أن تؤدى بالحروف، لكل ذلك كانت إن أم أدوات الشرط والجزاء.
ولعلك تلحظ أن الأحكام النحوية وعللها قد امتزجت في (الكتاب) وتلاحمت عند الخليل وسيبويه، فلا تكاد تفرق بين الخليل وشيخه فيها، وكأن سيبويه يرى أنه وشيخه بمنزلة علم واحد، وكأنه ذاب في شيخه، أو ذاب فيه شيخه، فإن عرفت صاحب الحكم فلا تعرف من صاحب العلة، اللهم إلا إذا كان لسيبويه رأي آخر، ومن ذلك مثلًا ما ورد في (الكتاب) في باب عنوانه: باب آخر من أبواب أن، يقول سيبويه في هذا الباب: "وسألت الخليل عن قوله جل ذكره: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: ٥٢) بفتح الهمزة في قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، فقال: إنما هو على حذف اللام، كأنه قال: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون، وقال: ونظيرها ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (قريش: ١)؛ لأنه إنما هو لذلك فليعبدوا، فإن حذفت اللام من أن فهو نصب، كما أنك لو حذفت اللام من ﴿لِإِيلَافِ﴾ كان نصبًا".
ثم قال: "ولو قال إنسان: إن أن في موضع جر في هذه الأشياء، ولكنه حرف كثر استعماله في كلامهم؛ فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا رب في قولهم: وبلد تحسبه مكسوحًا، لكان قولًا قويًّا، وله نظائر نحو قوله: لاه أبوك، والأول قول الخليل" انتهى.
يشير هذا النص إلى رأي كل من الخليل وسيبويه في موقع المصدر المؤول الذي يُحذف منه الجار قياسًا مطردًا، ما موقعه بعد حذف الجار، فالخليل يرى أنه في
[ ٣١ ]
موضع نصب على نزع الخافض، وسيبويه أجاز هذا، كما أجاز أن يكون في موضع جر معللًا ذلك بأن هذا الموضع كثر استعماله، فجاز فيه حذف الجار قياسًا على حذف رُب، واعتمادًا على نظائره من نحو قولهم: لاه أبوك، والأصل لله أبوك. وقد نبه سيبويه على أن هذا الرأي الأول إنما هو لشيخه الخليل.
العلة النحوية في القرن الثالث الهجري
مع بداية القرن الثالث الهجري ظهرت عند بعض النحويين فكرة تخصيص العلة النحوية بمؤلفات خاصة بها، مقصورة عليها، فألف تلميذ سيبويه أبو علي محمد بن المستنير الذي أطلق عليه شيخه سيبويه لقب قطرب، والمتوفى سنة ست ومائتين من الهجرة، ألف كتاب (العلل في النحو) كما ألف أبو عثمان المازني المتوفى سنة تسع وأربعين ومائتين من الهجرة على الراجح، ألف في علل النحو أيضًا كتابًا، ثم ظهر من وجّه عناية فائقة بالتعليل، وكان من أعمدة المدرسة البصرية، وهو محمد بن يزيد المعروف بالمبرد المتوفى سنة خمس وثمانين ومائتين.
وقال عنه ابن جني: "يُعدُّ جيلًا في العلم، وإليه أفضت مقالات أصحابنا أي: البصريين، وهو الذي نقلها، وقررها، وأجرى الفروع، والعلل، والمقاييس عليها" انتهى. وقال عنه الأزهري في مقدمة (تهذيب اللغة): "كان أعلم الناس بمذاهب البصريين في النحو ومقاييسه"، وقال عنه صاحب (المدارس النحوية): وكان يحتكم دائمًا إلى القياس ولكنه لم يكن يقدمه على السماع عن العرب، بحيث يرفض ما ورد على ألسنتهم، أو قل، أو كثر على ألسنتهم؛ فقد كان يرد ما يخالف الكثرة الكثيرة الدائرة في أفواههم، ولكن حين لا توجد هذه الكثرة كان يُفسح للقياس، وكذلك كان يفسح له حين يشيع استعمال بين العرب، وليس
[ ٣٢ ]
معنى ذلك أنه كان يقيس على الشاذِّ والنادر؛ إنما كان يقيس على ما سمع كثيرًا قائلًا: إذا جعلت النوادر والشواذ غرضك، واعتمدت عليها في مقاييسك كثرت زلاتك"، انتهى. وإليك طرفًا من تعليلاته التي حفل بها كتابه (المقتضب):
أولًا: في أول الجزء الثاني من (المقتضب): هذا باب إعراب الأفعال المضارعة، وكيف صار الإعراب فيها دون سائر الأفعال، يعلل لإعراب الفعل المضارع دون سائر الأفعال، فيذكر أن الأفعال إنما دخلها الإعراب لمضارعتها الأسماء، ولولا ذلك لم يجب أن يُعرب منها شيء، وذلك أن الأسماء هي المعربة، وإنما دار على الأسماء من الأفعال ما دخلت عليه زائدة من الزوائد الأربع، يريد ما بُدئ بحرف من أحرف المضارعة الأربعة، ويصلح لوقتين يعني: للحال وللاستقبال، ويعلل للمضارعة بقوله: "وإنما قيل لها مضارعة، لأنها تقع مواقع الأسماء في المعنى " إلى آخره.
ثانيًا: في باب إضافة العدد واختلاف النحويين فيه، يبطل مذهب القائلين بتعريف العدد بإدخال الألف واللام على غير ما ذهب إليه البصريون، سواء أكان العدد مضافًا أم مركبًا، وهو أحد عشر وتسعة عشر وما بينهما، أم لفظًا من ألفاظ العقود. قال: "اعلم أن قومًا يقولون: أخذت الثلاثة الدراهم يا فتى، وأخذت الخمسة عشرة درهم، وبعضهم يقول: أخذت الخمسة العشرة درهم، وأخذت العشرين الدرهم التي تعرف. وهذا كله خطأ فاحش، وعلة من يقول هذا الاعتلال بالرواية، يريد بالنقل عن العرب، لا أنه يصيب له في قياس العربية نظيرًا. وإنما يبطل هذا القول أن الرواية عن العرب الفصحاء خلافه، فرواية برواية، والقياس حاكم بعدُ، أنه لا يضاف ما فيه الألف واللام من غير الأسماء المشتقة من الأفعال، يريد أن ألا تدخل على المضاف في غير الإضافة غير المحضة،
[ ٣٣ ]
وفي المواضع التي نبَّه عليها النحاة قال: لا يجوز أن تقول: جاءني الغلام زيد؛ لأن الغلام معرف بالإضافة، وكذلك لا تقول: هذه الدار عبد الله ولا أخذت الثوب زيد.
وأما قولهم: الخمسة العشر فيستحيل من غير هذا الوجه، يريد لعلة أخرى، ويبين هذه العلة بقوله: لأن خمسة عشر بمنزلة حضرموت، وبعلبك، وقالقلا، وعيدسبا، وما أشبه ذلك من الاسمين اللذين يجعلان اسمًا واحدًا، فإذا كان شيء من ذلك، فإن تعريفه أن يجعل الألف واللام في أوله. وأما العشرون الدرهم فيستحيل من وجه ثالث " إلى آخره.
والمثال الثالث: في باب ما يُعرب من الأسماء وما يبنى يقول: "اعلم أن حق الأسماء أن تُعرب جُمع وتُصرف، فما امتنع منها من الصرف فلمضارعته الأفعال؛ لأن الصرف إنما هو تنوين، والأفعال لا تنوين فيها ولا خفض، فمن ثم لا يُخفض ما لا ينصرف إلا أن تضيفه أو تدخل عليه ألفًا ولامًا، فتذهب بذلك عنه شبه الأفعال، فترُدَّه إلى أصله؛ لأن الذي كان يوجب فيه ترك الصرف قد زال. وكل ما لا يُعرب من الأسماء فمضارع به الحروف، لأنه لا إعراب فيها" انتهى.
وكان المبرد صاحب شخصية علمية مستقلة، فرأيناه يبدي الرأي، ويصدر الحكم، ويثبت التعليل وإن خالف إمام النحاة سيبويه، ومن ذلك أن سيبويه ذكر في (الكتاب) أن الخليل ﵀ قال: "اللهم نداء، والميم ها هنا بدل من يا، فهي ها هنا فيما زعم الخليل بمنزلة يا في أولها، إلا أن الميم ها هنا في الكلمة كما أن نون المسلمين في الكلمة بُنيت عليها، فالميم في هذا الاسم حرفان أولهما مجزوم أي: ساكن، والهاء مرتفعة؛ لأنه وقع عليها الإعراب، وإذا ألحقت الميم -يعني: بأن قلت: اللهم- لم تصف الاسم من قِبل أنه صار مع الميم عندهم بمنزلة
[ ٣٤ ]
صوت كقولك -يعني لمن جُهل اسمه: يا هناه، يريد أن الميم صوت ليس باسم ولا فعل ولا حرف يدور في المواقع، كما هو الشأن في الحروف، وإنما هو صوت اتصل بالآخر، فالأصوات لا توصف. وأما قوله ﷿: ﴿اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الزمر: ٤٦) فعلى يا" انتهى.
وهكذا رأى سيبويه أن لفظ ﴿فَاطِرَ﴾ في الآية الكريمة منادى بحرف نداء محذوف، ولا يجوز أن يكون وصفًا للفظ الجلالة على المحل، وخالف في ذلك المبرد، فقال في (المقتضب) في باب الحروف التي تنبه بها المدعو: "ولا يجوز عنده -أي: عند سيبويه- وصفه، ولا أراه كما قال: لأنها -أي: الميم المشددة- إذا كانت بدلًا من يا، فكأنك قلت: يا الله، ثم تصفه كما تصفه في هذا الموضع فمن ذلك قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ وكان سيبويه يزعم أنه نداء آخر، كأنه قال: يا فاطر السموات والأرض" انتهى.
ومن ذلك أيضًا في (الكتاب) قال سيبويه: "وتقول: هذا رجل وامرأته منطلقان، وهذا عبد الله وذاك أخوك الصالحان؛ لأنهما ارتفعا من وجه واحد، وهما اسمان بُنيا على مبتدأين، وانطلق عبد الله ومضى أخوك الصالحان؛ لأنهما ارتفعا بفعلين، وذهب أخوك وقدم عمرو الرجلان الحليمان" انتهى.
وخالفه المبرد فقال في (المقتضب) في باب اشتراك المعرفة والنكرة: "وكان سيبويه يجيز جاء عبد الله وذهب زيد العاقلان على النعت؛ لأنهما ارتفعا بالفعل، فيقول: رفعهما من جهة واحدة، وكذلك هذا زيد وذاك عبد الله العاقلان؛ لأنهما خبر ابتداء، وليس القول عندي كما قال؛ لأن النعت إنما يرتفع بما يرتفع به المنعوت، فإذا قلت: جاء زيد وذهب عمرو العاقلان؛ لم يجز أن يرتفع بفعلين، فإن رفعتهما بجاء وحدها، فهو محال؛ لأن عبد الله إنما يرتفع بذهب، وكذلك لو رفعتهما بذهب لم يكن لزيد فيها نصيب".
[ ٣٥ ]
أثر علوم المنطق والكلام والشريعة في العلة النحوية
في كتاب (النحو العربي) قال الدكتور مازن المبارك: "وأما العلة في القرن الرابع فلا بد قبل الخوض فيها في الحديث عنها من وقفة قصيرة نتناول الحديث فيها عن المنطق والفقه والكلام، وصلتها بالنحو العربي، وذلك لأن العلة في القرن الرابع وما بعده كانت خاضعة لتأثير تلك العلوم، منطبعة بكثير من خصائصها"، انتهى. واحتذاء بهذا المنهج العلمي السليم وسيرًا على دربه، نوجز أثر العلوم المذكورة في النحو العربي بعامة، وفي التعليل النحوي بخاصة فنقول: قال الزجاج: "لما قدم المبرد بغداد جئت لأناظره، وكنت أقرأ على أبي العباس، فعزمت على إعناته أي: إيقاعه في شدة، فلما فاتحته ألجمني الحجة بالحجة، وطالبني بالعلة، وألزمني إلزامات لم أهتدِ إليها".
يعلق الدكتور مازن المبارك على حديث الزجاج فيقول: "وهكذا إذن لم يبلغ القرن الثالث نهايته حتى كانت علل النحو موضوعا ذا قيمة، ترمقه أنظار النحاة، ويكتبون فيه، ويتخذون منه وسيلة امتحان واختبار، وقد أجمع العلماء الذين تناولوا ظاهرة التعليل النحوي نشأة وتطورًا، على أن العلة النحوية باعتبارها جزءًا أساسيًّا من النحو، كانت في القرن الرابع وما بعده خاضعة لتأثير علوم المنطق والشريعة والكلام؛ لخضوع علم النحو لهذه العلوم وتأثره". فأما المنطق فهو العلم الذي يبحث في صحيح الفكر وفاسده، وهو الذي يضع القوانين التي تعصم الذهن من الوقوع في الخطأ في الأحكام، فموضوعه هو الفكر الإنساني من ناحية خاصة هي ناحية صحته وفساده، ويتم له ذلك عن طريق البحث في القوانين العقلية العامة، التي يتبعها العقل الإنساني في تفكيره،
[ ٣٦ ]
فما كان من التفكير موافقًا لهذه القوانين كان صحيحًا، وما كان مخالفًا لها كان فاسدًا.
وهو من علوم اليونان والراجح أن تأثير المنطق في النحو العربي وغيره من علوم اللسان، بدأ مع ظهور ترجمة بعض كتب اليونان التي شاع فيها المنطق، عندما دعا الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور -المتوفى سنة ثمان وخمسين بعد المائة من الهجرة- عبد الله بن المقفع المتوفى في الثانية والأربعين بعد المائة من الهجرة؛ ليترجم هذه الكتب، بيد أن هذا التأثير بدا في بعض المؤلفات النحوية في أواخر القرن الثاني، وفي القرن الثالث الهجريين كما تقدم، ولكنه كان ضئيلًا ومحدودًا وبعيدًا عن الإيغال، ولكنه ظهر واضحًا في القرن الرابع الهجري وما بعده، بحيث لا يوجد مجال لإنكار تأثيره في المباحث النحوية، وبخاصة العلة النحوية.
وقد ظهر تأثير المنطق في الدرس النحوي بصورة واضحة في استعمال النحويين للتعريفات، أو الحدود، والعوامل، والأقيسة، والعلل، وبعض المصطلحات المنطقية كالجنس، والفصل، والخاصة، والماهية، والماصدق، والعهد، والاستغراق، والعموم، والخصوص، المطلق، والعموم والخصوص الوجهي، والموضوع والمحمول، واللازم والملزوم، إلى آخر هذه المباحث المنطقية. وقد أدى نشوء الاعتزال واعتماد المعتزلة على العقل، وتقديمهم له، وإفساحهم المجال أمامه إلى آخر الحدود إلى تأثر النحويين البصريين خاصة؛ إذ نشأ بين ظهرانيهم في البصرة، فانصرف نحاة البصرة إلى تحكيم المقولات العقلية في دراساتهم النحوية من وجوه كثيرة، حتى وجدنا طابعها سائدًا في أساليب حجاجهم، وطرق جدالهم، وفي مناهجهم، وقواعدهم، ومصطلحاتهم.
[ ٣٧ ]
وقد قال أبو البركات الأنباري في مقدمة كتابه (الإغراب في جدل الإعراب): "وبعد فإن جماعة من الأصحاب اقتضوني بعد تلخيص كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف) تلخيص كتاب في جدل الإعراب معرى عن الإسهاب، مجرد عن الإطناب؛ ليكون أول مصنف لهذه الصناعة في قوانين الجدل والآداب، ليسلكوا به عند المجادلة والمحاولة والمناظرة سبيل الحق والصواب، ويتأدبوا به عند المحاورة والمذاكرة عن المناكرة والمضاجرة في الخطاب، فأجبتهم على وفق طلبتهم؛ طلبًا للثواب، وفصلته اثني عشر فصلًا على غاية من الاختصار تقريبًا على الطلاب، فالله تعالى ينفع به إنه كريم وهاب" انتهى.
وعلى النحو الذي حدث في علم الكلام وعلم النحو اقتحم علم المنطق علوم الشريعة، فلم تكن هذه العلوم بمعزل عنه، أو بمنأى عن تأثيراته، فأصابها ما أصاب غيرها من هذه التأثيرات، ولما كان علماء الشريعة من المهتمين بعلم النحو باعتباره أداة الدرس الأولى في هذه العلوم؛ كان لا بد أن يتداخل تأثير هذه العلوم في علم النحو، وتأثير علم النحو في هذه العلوم، يقول أبو البركات الأنباري: "علوم الأدب ثمانية: اللغة، والنحو، والتصريف، والعروض، والقوافي، وصنعة الشعر، وأخبار العرب وأنسابهم، وألحقنا بالعلوم الثمانية علمين وضعناهما، علم الجدل في النحو، وعلم أصول النحو، فيعرف به القياس، وتركيبه، وأقسامه من قياس العلة، وقياس الشبه وقياس الطرد إلى غير ذلك على حد أصول الفقه، فإن بينهما من المناسبة ما لا خفاء به؛ لأن النحو معقول من منقول، كما أن الفقه معقول من منقول" انتهى.
ويقول السيوطي في (الاقتراح): "ورتبته على نحو ترتيب أصول الفقه في الأبواب والفصول والتراجم". ويقول الأستاذ سعيد الأفغاني: "فلما ذهبت
[ ٣٨ ]
دولة المعتزلة غلبت دولة المحافظين في اللغة كما هو الشأن في كل علم، إذا عرفت ذلك كله أدركت الأثر البعيد الذي للعلوم الدينية في نشأة العلوم اللسانية، هذا في القياس خاصة، وقد علمت أن علماء العربية احتذوا طريق المحدِّثين من حيث العناية بالسند ورجاله، وتجريحهم، وتعديلهم، وطرق تحمل اللغة؛ فكانت لهم نصوصهم اللغوية كما كان لهؤلاء أو لأولئك نصوصهم الحديثية، ولهم طبقات الرواة كما لأولئك، ثم احتذوا المتكلمين في تطعيم نحوهم بالفلسفة والتعليل، ثم حاكوا الفقهاء أخيرًا في وضعهم أصولًا تشبه أصول الفقه، وتكلموا في الاجتهاد فيه، كما تكلم الفقهاء، وكان لهم طرازهم في بناء القواعد على السماع والقياس والإجماع، كما بنى الفقهاء استنباط أحكامهم على السماع والقياس والإجماع، وذلك تأثر واضح من آثار العلوم الدينية في علوم اللغة" انتهى.
هذا وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٣٩ ]