[ ٣٠٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العشرون
(ما رجحت به لغة قريش على غيرها)
مصادر لغة قريش
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
إن لغة العرب هي إحدى اللغات السامية، وقد انقسمت هذه اللغة إلى لهجات عديدة في أنحاء شبه الجزيرة العربية، وأدَّى إلى هذا الانقسام أن أصحاب اللغة الواحدة كانوا يعيشون في بيئة جغرافية واسعة، تختلف الطبيعة فيها من مكان إلى مكان، وأدَّى هذا الاختلاف إلى وجود لهجات تنتمي إلى اللغة نفسها. وقد عُرفت هذه اللهجات عند القدماء باسم اللغات، وقد عقد ابن جني بابًا في (الخصائص) عنوانه: اختلاف لغات العرب وكلها حجة، والمراد باللغات اللهجات، وكذلك قول السيوطي: "لغة قريش"، يريد به لهجتها التي تنتمي إلى اللغة العربية. فاللهجة أخص من اللغة، واللغة أعم منها؛ لأن العلاقة بين اللغة واللهجة هي العلاقة بين العام والخاص، إذ إن اللهجة طريقة معينة في الاستعمال اللغوي، توجد في بيئة خاصة من بيئات اللغة الواحدة. وقد اتفق القدماء على أن لهجة قريش هي أفصح اللهجات العربية وأعلاها، وأنها اللغة التي سادت شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام.
يقول ابن فارس -﵀: "أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم، وأيامهم، ومحالهم أن قريشًا أفصح العرب ألسنة، وأصفاهم لغة، وذلك أن الله -جل ثناؤه- اختارهم من جميع العرب واصطفاهم، واختار منهم نبي الرحمة محمدًا -ﷺ، فجعل قريشًا قُطَّان حرمه، وجيران بيته الحرام، وولاته، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم، يفدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم، وكانت قريش تعلمهم مناسكهم وتحكم بينهم، ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها عليهم، وتسميها أهل الله؛ لأنهم
[ ٣٠٥ ]
الصريح من ولد إسماعيل -﵇- لم تشبهم شائبة، ولم تنقلهم عن مناسبهم ناقلة، فضيلة من الله -جل ثناؤه- لهم وتشريفًا، إذ جعلهم رهط نبيه الأَدْنَيْن، وعترته الصالحين" انتهى.
وإنما كانت لغة قريش هي اللغة الغالبة لعدة أسباب: منها أن قبيلة قريش هي القبيلة التي قامت بخدمة البيت الحرام، والعناية بشئونه، واستضافة الحجيج وسقايتهم، وتعليمهم مناسكهم، وقد كان العرب من مختلف القبائل يحجون إلى بيت الله الحرام، ويتحدثون بلغاتهم المختلفة، وكانت قريش تستمع إلى هذه اللغات، فتختار منها أحسنها وأصفاها، وتترك منها ما تراه مخلًّا بالفصاحة، وقد نقل السيوطي عن أبي نصر الفارابي أن قريشًا كانت أجود العرب انتقادًا للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا وإبانة عما في النفس. ومن هنا كانت لغة قريش هي أفصح لغات العرب، والسبب في ذلك أنها تكلمت بما استحسنته من لغات العرب، وقد نقل السيوطي عن الفراء قوله: "كانت العرب تحضر الموسم في كل عام، وتحج البيت في الجاهلية، وقريش يسمعون لغات جميع العرب، فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به، فصاروا أفصح العرب، وخلت لغتهم من مستبشع اللغات، ومستقبح الألفاظ" انتهى.
ومعنى ما ذكره السيوطي: أن قريشًا كانت تنتقي من الألفاظ أفصحها، ومن التراكيب أسهلها، وقد أدَّى ذلك إلى أن تكون للغة قريش الغلبة على غيرها من اللغات، حتى أصبحت لغة عامة العرب، استعملتها القبائل المختلفة في نتاجها الأدبي من شعر، ونثر، وإن احتفظت كل قبيلة بخصائصها اللهجية، فيما يدور بين أبنائها من حديث يومي، ومن هنا تجلت حكمة الخالق -﵎- حين اختار هذه اللغة؛ لتكون لغة القرآن الكريم.
[ ٣٠٦ ]
صفاء لغة قريش وخلوها من مستبشع اللغات
لقد خلت لغة قريش من تلك الخصائص اللهجية التي ذكرها السيوطي في (الاقتراح)، وهي: الكشكشة، والكسكسة، والعنعنة، والفحفحة، والوكم، والوهم، والعجعجة، والاستنطاء، والوتن، والشنشنة. فهذه هي الخصائص اللهجية التي عُرفت عند بعض القبائل، وقد خلت منها لغة قريش.
ونشير إلى أمر ذي بال، وهو أن العرب في الجاهلية لم تكن تعرف هذه الألقاب، وإنما ذكرها رجل من جَرْم كان في مجلس معاوية بن أبي سفيان، وقد سأل معاوية جلساءه قائلًا لهم: "من أفصح الناس؟ فقام رجل من السماط -أي: من الصف، أو من أمام مائدة الطعام- فقال: قوم تباعدوا عن فراتية العراق، وتيامنوا عن كشكشة تميم، وتياسروا عن كسكسة بكر، ليس فيهم غمغمة قضاعة، ولا طُمْطُمانية حمير، فقال له معاوية: من أولئك؟ فقال: قومك يا أمير المؤمنين، فقال له معاوية: من أنت؟ قال: رجل من جرم"، قال الأصمعي: "وجرم من فصحاء الناس". وقد شاعت هذه الألقاب منسوبة إلى بعض القبائل العربية التي نطقت بها.
أولًا: الكَشْكَشة بالشين المعجمة، وإلحاق الشين بالكاف، وقد سُميت هذه اللغة بالكشكشة؛ لاجتماع الكاف والشين فيها، وقيل: تُسمى هذه اللغة الكشكشة بكسر الكافين، قيل: وهو الأصل لحكاية الكسر أي: حكاية كِشكِش، فركب، ولكون الكاف للمؤنث، ومن يفتحهما يأتي بهما على حد قولهم في التعبير عن بسم الله بالبسملة. وقد نسب السيوطي وبعض العلماء هذه اللغة إلى ربيعة ومضر، ونسبها ابن جني إلى ربيعة وحدها في (الخصائص)، والمراد بالكشكشة
[ ٣٠٧ ]
نطقهم بالشين بعد كاف الخطاب في المؤنث أي: أنهم يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شينًا، سواء أكانت كاف الخطاب للمؤنث في موضع نصب، أم كانت في موضع جر، فمثال ما كانت فيه كاف الخطاب في موضع نصب: رأيتكِ، وربيعة ومضر يقولون: رأيتكش، ومثال ما كانت فيه الكاف في موضع جر: مررت بك، وربيعة ومضر يقولون: مررت بكش، بزيادة الشين بعد الكاف في الموضعين.
ونلحظ أن الكاف هنا لا يلحقها تغيير، بل هي مكسورة على أصلها في الجميع، ولم يكن الناطقون بالكشكشة سواء؛ بل افترقوا ثلاث فرق؛ الفرقة الأولى: تثبت الكاف بعد الشين في حال الوقف فقط، وهو الأشهر، فإذا وصلت لم تثبت الشين، وقد أشار سيبويه إلى هذه اللغة بقوله في (الكتاب): "وقوم يُلحقون الشين ليبينوا بها الكسرة في الوقف، وذلك قولهم: أعطيتكش، وأكرمكش، فإذا وصلوا تركوها" انتهى. كما أشار إليها ابن جني فقال حكاية عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب: "وأما كشكشة ربيعة، فإنما يريد قولها مع كاف ضمير المؤنث إنكش، ورأيتكش، وعطيتكش، تفعل هذا في الوقف، فإذا وصلت أسقطت الشين".
والفرقة الثانية: تثبت الكاف بعد الشين في الوصل والوقف جميعًا. والفرقة الثالثة: تجعل الشين في موضع الكاف فتقول: منش، والمراد منك، ويقولون: عليش والمراد عليك، وقد نسب سيبويه هذه اللغة إلى ناس كثير من تميم وأسد، فقال في (الكتاب): "فأما ناس كثير من تميم، وناس من أسد، فإنهم يجعلون مكان الكاف للمؤنث الشين، وذلك أنهم أرادوا البيان في الوقف" انتهى، وتبعه الرضي فقال في (شرح الكافية): "وناس كثير من تميم ومن أسد يجعلون مكان كاف المؤنث في الوقف شينًا" انتهى.
[ ٣٠٨ ]
ومعنى ما ذكره سيبويه وتبعه فيه الرضي أن قلب الكاف شينًا لا يكون إلا في الوقف، وقد وردت الشواهد على إبدال الكاف شينًا في الوقف والوصل، فمن شواهد إبدال الكاف شينًا في الوقف ما ورد في (خزانة الأدب) من قولهم للمرأة: "جعل الله البركة في دارش"، ومن شواهد إبدال الكاف شينًا في الوصل قراءة من قرأ: "قد جعل ربش تحتش سريا" لقوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (مريم: ٢٤)، ومنه قول القائل:
فعيناش عيناها وجيدش جيدها ولكن عظم الساق منش دقيق
يريد عيناك وجيدك، ومنك، فأبدل الكاف شينًا في الوصل، والبيت للمجنون يُخاطب ظبية أعطى صائدها شاة، ثم حلها من الشرك بعد أن تأمل في محاسنها. ومع ورود الشواهد الدالة على إبدال الكاف شينًا في الوصل والوقف، فإن الأصل هو إبدالها في الوقف كما قال سيبويه، وتبعه الرضي، وإنما أبدلت في الوصل إجراء للوصل مجرى الوقف.
ثانيًا: الكَسْكَسة بالسين المهملة، وهي إلحاق السين بالكاف، وسُميت هذه اللغة بالكسكسة؛ لاجتماع السين والكاف فيها، وقد نسبت هذه اللهجة إلى بكر وهوازن، ونسبها السيوطي إلى ربيعة ومضر، والمراد بها إلحاق كاف الخطاب بالمؤنث سينًا فيقال: أعطيتكس وعليكس، والمراد أعطيتك وعليك. ونلحظ في هذين المثالين أن السين تلحق الكاف؛ سواء أكانت في موضع نصب كما في المثال الأول، أم في موضع جر كما في المثال الثاني. وقد ذكر سيبويه أن إبدال الكاف سينًا يكون في الوقف دون الوصل فقال في (الكتاب): "واعلم أن ناسًا من العرب يلحقون الكاف السين ليبينوا كسرة التأنيث، وإنما ألحقوا السين لأنها قد تكون من حروف الزيادة في استفعل، وذلك أعطيتكس وأكرمكس، فإذا وصلوا لم يجيئوا بها؛ لأن الكسرة تَبِين" انتهى.
[ ٣٠٩ ]
ومعنى ما ذكره سيبويه أن الكسكسة هي إلحاق الكاف سينًا، ولذلك قال الرضي في شرحه على الكافية: "وأما سين الكسكسة، وهي في لغة بكر بن وائل فهي السين التي تلحقها بكاف المؤنث في الوقف، إذ لو لم تلحقها لسكنت الكاف، فتلتبس بكاف المذكر، وجعلوا ترك السين في الوقف علامة المذكر، فيقولون: أكرمتكس، فإذا وصلوا لم يأتوا بها؛ لأن حركة الكاف إذن كافية في الفصل بين الكافين" انتهى. ومن العلماء من ذهب إلى أنها إبدال الكاف سينًا كما تقدم في الحديث عن الكشكشة.
ثالثًا: العنعنة بعينين مهملتين ونون، وقد نُسبت هذه اللهجة إلى تميم وقيس وأسد، ومن جاورهم، والمراد بها جعل الهمزة المبدوء بها عينًا، وقد أورد السيوطي في كتاب (الاقتراح) ثلاثة أمثلة للعنعنة فقال: "تقول في أنك عنك، وفي أسلم عسلم، وفي إذا عذًا". فهذه الأمثلة الثلاثة التي أوردها السيوطي يُفهم منها أن العنعنة هي إبدال الهمزة عينًا إذا وقعت في أول الكلام مطلقًا دون تخصيص، ومن العلماء من ذهب إلى أن العنعنة هي إبدال همزة أنْ وأنَّ وحدهما. وإلى هذا ذهب ابن جني فقال في (الخصائص): "فأما عنعنة تميم، فإن تميمًا تقول في موضع أنّ عن، تقول: عن عبد الله قائم، وأنشد ذو الرمة عبدَ الملك:
أعن رسمت من خرقاء منزلة
انتهى". وهو صدر بيت عجزه:
ماء الصبابة من عينيك مسجوم
ترسمت الدار أي: تأملت رسمها بأن نظرت وتفرست أين تحفر أو تبنى، وخرقاء هي صاحبته والهمزة في أول البيت للاستفهام التقريري، خاطب به نفسه
[ ٣١٠ ]
على طريق التجريد يقول: لأجل ترسمك ونظرك دارها التي نزلتْ بها، أسالت عينك دموعها. والشاهد في قوله: "أعن"، أصلها أأن، قلبت بنو تميم وبنو أسد همزة أن عينًا، فقد حصر ابن جني إبدال الهمزة عينًا في حرفين هما: أن وأن، ومثَّل لكل منهما بمثال، ثم علل ابن يعيش اختصاص هذين الحرفين بإبدالهما عينًا، فقال في (شرح المفصل): "وذلك أي: الإبدال في أن وأن خاصة؛ إيثارًا للتخفيف، لكثرة استعمالهما وطولهما بالصلة قالوا: أشهد عنك رسول الله، ولا يجوز مثل ذلك في المكسورة" انتهى. ولو كان إبدال الهمزة عينًا جائزًا في كل همزة مبدوء بها؛ لجاز في إنّ المكسورة، فلما لم يجز دل ذلك على أنه خاص بأن وأن.
رابعًا: الفَحْفَحة؛ وقد نُسبت هذه اللغة إلى هذيل، والمراد بها قلب الحاء عينًا في كلمة حتى، فيقال فيها: عتى، ولم يشر السيوطي -﵀- إلى أن هذا القلب خاص بكلمة حتى فقال: "الفحفحة في لغة هذيل يجعلون الحاء عينًا"، وكلام السيوطي يوهم أن قبيلة هذيل تقلب الحاء عينًا أينما وقعت، وليس الأمر كذلك، بل الصواب أن هذا القلب خاص بكلمة حتى وحدها. ومن هنا علق محقق (الاقتراح) المرحوم الأستاذ الدكتور أحمد محمد قاسم -﵀- على كلام السيوطي بقوله: "ظاهر ما قاله السيوطي أن الفحفحة إبدال الحاء عينًا مطلقة، مثل أن نقول في: حال الحول وحل الموعد، عال العول وعل الموعد".
ثم نقل عن المرحوم الدكتور إبراهيم أنيس قوله في كتابه (اللهجات العربية): "وهذا ضعيف لأنه لم يرد به نص عن العرب، والصحيح الذي لا ينبغي العدول عنه هو أن الفحفحة لهجة تخص كلمة واحدة، وهي كلمة حتى، فإن هذيلًا تقلب حاءها عينًا، فتقول: عتى، ويشهد لذلك ويدل عليه قول ابن جني
[ ٣١١ ]
في (المحتسب): روي عن عمر أنه سمع رجلا يقرأ "عتى حين" (يوسف: ٣٥) فقال: من أقرأك؟ قال الرجل: ابن مسعود، فكتب إليه عمر: إن الله -﷿- أنزل هذا القرآن فجعله عربيًّا، وأنزله بلغة قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام" انتهى. ووجه الاستشهاد بهذه القصة أن الحاء لم تُقلب عينا في كلمة ﴿حِينٍ﴾، وهي مجاورة لكلمة ﴿حَتَّى﴾، ولو كانت الفحفحة قلب الحاء عينًا مطلقًا؛ لقلبت في الكلمتين، فلما لم تقلب إلا في كلمة ﴿حَتَّى﴾ دلَّ ذلك على أن هذا الإبدال خاص بها دون غيرها.
خامسًا: الوَكْم، وهو مصدر وَكَم يَكِم كوعد، يقال: هم يكمون الكلام أي: يقولون: السلام عليكِم بكسر الكاف، والمراد بهذه اللغة كسر الكاف من ضمير المخاطب المتصل كم، إذا كان هذا الضمير مسبوقًا بكسرة أو ياء، فيقال: بِكِم، وعليكم بكسر الكاف فيهما، وكأنهم كانوا يرون في ذلك مناسبة كما هو ظاهر. وعامة العرب تضم الكاف، وقد نسبت لغة الكسر إلى ربيعة وقوم من كلب، ونسبها سيبويه إلى قوم من بكر بن وائل، ووصف هذه اللغة بالرداءة، فقال في (الكتاب): "وقال ناس من بكر بن وائل: مِن أحلامكم، وبكم شبهها -أي: الكاف- بالهاء؛ لأنها عَلَم إضمار، وقد وقعت بعد الكسرة، فأتبع الكسرة الكسرة؛ حيث كانت حرف إضمار، وكانت أخف عليهم من أن يضم بعد أن يكسر، وهي رديئة جدًّا، سمعنا أهل هذه اللغة يقولون: قال الحطيئة:
وإن قال مولاهم على جُل حادث من الدهر ردوا فضل أحلامكِم ردوا
يمدح آل قريع، وهم حي من تميم، والمولى هنا ابن العم، وجل حادث أي: حادث جليل، والمعنى: إذا احتاج المولى إليهم عادوا عليه بفضل حلومهم، ولم يخذلوه، والشاهد فيه: كسر الكاف من أحلامكم تشبيهًا لها بهاء أحلامهم؛
[ ٣١٢ ]
لأنها أختها في الإضمار، ومناسبة لها في الهمس، وهي لغة ضعيفة؛ لأن أصل الهاء الضم، والكسر عارض عليها بخلاف الكاف، فحمل الكاف عليها بعيد ضعيف لأنها أبين منها وأشد".
سادسًا: الوهم؛ والمراد به كسر الهاء من ضمير الغائبين المتصل هم مطلقًا، فيقال: منهِم، وعليهم، ونبئهم، وإن لم يكن قبل الهاء ياء ولا كسرة، وعامة العرب تضم الهاء من هذا الضمير، إلا إذا وقع بعد كسرة أو ياء، فمثال ما وقع بعد كسرة: بهم، وبصاحبهم، ومثال ما وقع بعد ياء: قاضيهم، فإذا لم يقع هذا الضمير بعد كسرة أو ياء؛ بقي على أصله، وهو ضم الهاء، إلا أن بني كلب يكسرون الهاء مطلقًا، وهو ما عُرف بالوهم. وتجدر الإشارة إلى أن ظاهرتي الوكم والوهم متقاربتان؛ إذ إنهما تختصان بضميري الخطاب والغيبة، فالأصل في الكاف والهاء الضم فيقال: كتابكم وكتابهم، إلا أن بعض القبائل العربية يكسر الكاف، وبعضها يكسر الهاء.
سابعًا: العجعجة بعينين مهملتين وجيمين، وقد نُسبت هذه اللغة إلى قضاعة، والمراد بها جعل الياء المشددة الدالة على النسب في الأكثر جيمًا، فيقولون في تميمي: تميمج، ويقولون بصرج وكوفج، والمراد بصري وكوفي، وقد يبدلون الياء غير النسبية جيمًا أيضًا فيقولون في علي علج أي: أنهم يُبدلون الياء المشددة جيمًا، سواء أكانت هذه الياء للنسب، أم كانت لغيره. قال سيبويه في (الكتاب): "وأما ناس من بني سعد، فإنهم يُبدلون الجيم مكان الياء في الوقف؛ لأنها خفية، فأبدلوا من موضعها أَبْيَنَ الحروف، وذلك قولهم: هذا تميمج يريدون تميمي، وهذا علج يريدون علي، وسمعت بعضهم يقول: عربانج، يريد عرباني، وحدثني من سمعهم يقولون:
[ ٣١٣ ]
خالي عُويف وأبو علج المطعمان اللحم بالعشج
وبالغداة فِلَق البَرْنِج
يريد بالعشي، والبرني، فزعم أنهم أنشدوه هكذا" انتهى. والفلق: جمع فلقة بالكسر، وهي ما قُطع من التمر بعد تكتله، والبرني بفتح الباء: ضرب من التمر أصفر مدور، وهو أجود أنواع التمر، والشاهد في الرجز: إبدال الجيم من الياء في علي، والعشي، والبرني، يقول السيوطي: "ومن ذلك -أي: من المستقبح الذي خلت منه لغة قريش- العجعجة في قضاعة، يجعلون الياء المشددة جيمًا"، ونلحظ في هذا النص أن السيوطي قد جعل إبدال الياء جيمًا خاصًّا بالياء المشددة، وقد ورد ما يدل على أن الياء الخفيفة تُبدل جيمًا كقول الراجز:
يا رب إن كنت قبلت حجتج فلا يزال شاحج يأتيك بج
أقْمَر نَهَّاة يُنَزِّي وَفْرَتِج
أي: حجتي، ويأتيك بي، ووفرتي، والياء فيها ليست مشددة، بل هي ياء المتكلم الخفيفة، والشاحج بالشين المعجمة، والحاء المهملة قبل الجيم: البغل والحمار مِن شَحَج البغل والحمار شحيجًا، وشُحاجًا إذا صوَّت، والأقمر: الأبيض، والنهَّاة: النَّهَّاق يقال: نهَت الحمار ينهت بكسر الهاء أي: نهق، ونهت الأسد أيضًا أي: زأر، والنهيت دون الزئير، وينزي بالنون والزاي المعجمة أي: يُحرك، والتنزية: التحريك، والوفرة بالفاء: الشعر إلى شحمة الأذن، يقول: اللهم إن كنت قبلت حجتي، فلا تزال دابتي تأتي بيتك، وأنا عليها أحرك وفرتي، أو جسدي في سيرها إلى بيتك، أي: إن علمت أن حجتي هذه مقبولة، فأنا أبدًا أزور بيتك.
والشاهد: إبدال الياء الخفيفة جيمًا، فدل ذلك على أن العجعجة إبدال الياء مطلقًا خفيفة كانت أو مشددة جيمًا، وقد ذهب ابن عصفور في كتاب (ضرائر
[ ٣١٤ ]
الشعر) إلى أن إبدال الياء الخفيفة جيمًا من الضرائر الشعرية أي: أنه خاص بالشعر فقال: "ومنه -يعني: ومن إبدال الحرف من الحرف في الضرورة الشعرية- إبدالهم الجيم من الياء الخفيفة نحو قول هِميان بن قحافة:
يطير عنها الوبر الصُّهابِج
يريد الصهابي من الصهبة، فحذف إحدى الياءين تخفيفًا، وأبدل من الأخرى جيمًا؛ لتتفق القوافي، وسهل ذلك كون الجيم والياء متقاربين في المخرج. ومثل ذلك قول الآخر أنشده الفراء:
يا رب إن كنت قبلت حجتج .
إلى آخر الأبيات يريد حجتي، ويأتيك بي، وينزي، وفرتي، فأبدل من الياء جيمًا. وقول الآخر:
حتى إذا ما أمسجت وأمسج ..
يريد أمست وأمسى، إلا أنه ردهما إلى أصلهما، وهو أمسيتْ وأمسيا، ثم أبدل الياء جيمًا؛ لتقاربهما لَما اضطر إلى ذلك" انتهى كلام ابن عصفور. وقال البغدادي في (شرح شواهد الشافية) معلقًا على جعل ابن عصفور ذلك من الضرائر مع أنه لغة قال: "ولم أره لغيره" انتهى.
ثامنًا: الاستنطاء؛ كأنه استفعال من نطى أي: طلب هذا اللفظ، وقد نُسبت هذه اللغة إلى سعد بن بكر، وهذيل، والأزد، وقيس، والأنصار، والمراد بها جعل العين الساكنة نونًا إذا جاورت الطاء، وظاهر هذا التعريف أن العين الساكنة إذا جاورت الطاء في أي كلمة؛ قُلبت عند بعض القبائل نونًا، ولم تذكر المصادر إلا مثالًا واحدًا لهذه اللغة، وهو إبدال العين الساكنة نونًا في كلمة أعطى فيقال: أنطى فإن العين ساكنة، وقد جاورت الطاء فقُلبت نونًا. قال أبو حيان في (البحر
[ ٣١٥ ]
المحيط): "قرأ الجمهور: ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾ (الكوثر: ١) بالعين، والحسن وطلحة وابن محيصن والزعفراني "أنطيناك" بالنون، وهي قراءة مروية عن رسول الله -ﷺ".
وأورد أبو حيان وغيره بعض الشواهد الأخرى على هذه اللغة. ومن شواهد هذه اللغة ما جاء في الحديث النبوي الشريف: «اللهم لا مانع لما أنطيت، ولا منطي لما منعت»، وحديث: «اليد المنطية خير من اليد السفلى»، فقد ذكر ابن الأثير هذين الحديثين في كتابه (النهاية في غريب الحديث والأثر)، وذكر أنهما مرويان بالنون، والرواية المشهورة فيهما بالعين، والأصل: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت»، و«اليد المعطية خير من اليد السفلى»، إلا أن العين الساكنة جاورت الطاء فقُلبت نونًا، فجاءت على لغة الاستنطاء.
تاسعًا: الوَتْم، هكذا ضبطها السيوطي بالتاء، ومادة وَتَم مهملة، والمادة المعروفة بالثاء المثلثة الوثْم، وقد نُسبت هذه اللغة إلى أهل اليمن، والمراد بها قلب السين تاء فيقولون في الناس: النات، وفي (مختصر شواذ القرآن) حكى أبو عمرو أن برب النات في قوله تعالى: "قل أعوذ برب النات" (الناس: ١) لغة لقضاعة. انتهى، وعليه جاء قول الراجز:
يا قبح الله بني السَّعْلات عمرو بن يربوع شرار النات
غير أعفاء ولا أكيات
أراد عمرو بن يربوع شرار الناس، غير أعفاء ولا أكياس، فأبدل السين تاء.
عاشرًا: الشنشنة؛ وقد نسبت هذه اللغة إلى أهل اليمن، والمراد بها جعل الكاف شينًا مطلقًا نحو: لبيش اللهم لبيش، والمراد لبيك اللهم لبيك. وتختلف هذه الظاهرة عن ظاهرة الكشكشة التي سبق ذكرها؛ لأن ظاهرة الكشكشة تختص بحرف الكاف إذا كان ضمير خطاب لمؤنث، أما الشنشنة ففيها إبدال الكاف مطلقًا.
[ ٣١٦ ]
وبعد أن ذكر السيوطي هذه الظواهر اللهجية العشر بألقابها التي عُرفت بها مقرونة بأسماء القبائل العربية التي نطقت بها، نقل عن (معجم الأدباء) لياقوت الحموي أن من العرب من يجعل الكاف جيمًا، فيقول: الجعبة، والمراد الكعبة، وأيًّا كان الأمر، فإن هناك لغات أخرى فوق هذه اللغات، وأعني بها لهجات أخرى فوق هذه اللهجات، ولكن الله -﵎- من فضل الله علينا وعلى الناس، وهو الذي قدر منذ الأزل أن يكون القرآن الكريم بلسان عربي مبين، اختار لهذه الأمة أن تأتي قريش، وأن تختار قريش من سائر اللغات العربية أفصح ما في هذه اللغات، أو أفصح ألسنة العرب وأصفاها في اللغة حتى يكون القرآن بلسان عربي مبين، ولتظل مائدة الله -﵎- موصولة ممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تنفيذًا لعهده ووعده: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩).
هذا وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٣١٧ ]