[ ٣١٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي والعشرون
(الترجيح بين مذهب البصريين ومذهب الكوفيين)
الاتفاق على أن البصريين أصح قياسًا وأن الكوفيين أوسع رواية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، أما بعد:
لقد أجمعت كتب التاريخ والتراجم والطبقات على أن البصرة قد استأثرت بعلم النحو حينًا من الدهر، وأنها صاحبة الفضل في وضع أصول هذا العلم الجليل وأسسه، ومبادئه، وأنها هي التي تعهَّدت هذا العلم في نشأته الأولى؛ فالبصرة -كما قال صاحب (المدارس النحوية) ﵀- هي واضعة النحو أي: متمثلة في أبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة تسع وستين من الهجرة، وموطنه البصرة؛ إذ هو على الراجح الواضع الأول للنحو، وكان النحويون على اختلاف بلدانهم عالة على نحاة البصرة؛ إذ استمدوا علمهم منها ومن علم الخليل المتمثل في كتاب سيبويه خاصة.
وقد ظلت الكوفة نحو قرن من الزمن منصرفة عن علم النحو بما شغلها من رواية الأشعار، والأخبار، والنوادر، ثم اتجه علماؤها إلى دراسة علم النحو، فتلمذوا للبصريين وأخذوا عنهم، ثم خالفوهم في أمور متعددة منها: أن البصريين لا يلتفتون إلى كل مسموع، ولا يقيسون على الشاذ من كلام العرب شعرًا ونثرًا، بل كانوا يقيسون على الكثير المطرد. أما أهل الكوفة فقد كانوا يقيسون على البيت النادر والقول الشاذ، والشاهد الفرد الذي لا نظير له.
يقول السيوطي: "اتفقوا على أن البصريين أصح قياسًا، لأنهم لا يلتفتون إلى كل مسموع، ولا يقيسون على الشاذ، والكوفيون أوسع رواية"، ومعنى ما ذكره السيوطي أن للكوفيين عناية فائقة بالمروي من الأشعار والأخبار والنوادر تفوق عناية البصريين، وأن هذه العناية قد دفعت الكوفيين إلى قبول جميع ما سمعوا، وجعله أصلًا يُقاس عليه، وقد وُصف الكسائي -وهو من أئمة الكوفة- بأنه كان
[ ٣٢١ ]
يسمع البيت الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلًا ويقيس عليه، وكان من آثار ذلك أن قلَّ عند الكوفيين التأويل والتقدير، والقول بالندرة والشذوذ.
وكان من آثار ذلك أيضًا أن عقد الكوفيون كثيرًا من أصولهم وأحكامهم على جميع القراءات القرآنية، المتواترة والشاذة، ولم يلجئوا إلى التأويل الذي لجأ إليه البصريون، ومما يدل على أن الكوفيين يقيسون على البيت الواحد ما نقله السيوطي عن الأندلسي في (شرح المفصل) من قوله: "الكوفيون لو سمعوا بيتًا واحدًا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلًا، وبوَّبوا عليه بخلاف البصريين، ومعنى ما ذكره السيوطي نقلًا عن الأندلسي أن الكوفيين يجعلون البيت الواحد دليلًا على القاعدة، ولو كان مخالفًا للأصول، بل إنهم كانوا يقيسون على شطر بيت لا يُعرف له بقية أو قائل، كمذهبهم في جواز دخول اللام في خبر لكن، كما يجوز في خبر إن مستشهدين بقول الشاعر:
ولكنني من حبها لكميد
مع نص أكثر العلماء على أن هذا الشاهد لا يعرف قائله، ولا تعرف له تتمة، ولا سوابق ولا لواحق. أما البصريون: فإنهم يُحافظون على القواعد، ويبقون الأصول على حالها، ويحملون البيت النادر على القلة، أو الشذوذ، أو الضرورة، أو مخالفة الأصول. ولذلك كانت قواعدهم أضبط، وأصولهم أتقن، وليس هذا بعيب في منهج البصريين؛ فقد أرادوا التثبت في قبول المادة اللغوية التي يبنون عليها قواعدهم، ولذلك كان مما افتخر به البصريون على الكوفيين أن قالوا: نحن نأخذ اللغة من حَرَشَة الضِّبَاب، وأكلة اليرابيع، وأنتم تأخذونها من أكلة الشواء وباعة الكواميخ. وحرشة الضباب أي: صائدو الضباب، والضباب:
[ ٣٢٢ ]
جمع ضب، وهو حيوان يعيش في الصحراء يُشبه التمساح الصغير. ويُروى: نحن نأخذ اللغة من حوشة الضباب، والحوشة بفتح الحاء المهملة والواو والشين المعجمة: جمع حاش، ككاتب وكتبة، والقياس إعلاله بقلب واوه ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وصُحح شذوذًا يقال: حاش الصيد حَوْشًا وحياشة إذا جاءه من حواليه؛ ليصرفه إلى الحِبالة.
قوله: وأكلة إلى آخره، الأكلة: جمع آكل، واليرابيع: جمع يربوع، وهو حيوان معروف كالفأر إلا أنه أطول من الفأر آذانًا وذنبًا، ورجلاه أطول من يديه على عكس الزرافة، والكواميخ: جمع كامخ، وهو نوع من الإدام، ومعناه: أن البصريين قد أخذوا اللغة من الأعراب سكان البوادي الذين لا إلمام لهم بالحاضرة، فأخذوها من منبعها الصافي قبل أن تُكدره دلاء الأعاجم. أما الكوفيون فقد تلقوا اللغة عن الحواضر أهل الأسواق والاختلاط بغيرهم ممن أفسدوا الألسنة، وحرفوا اللغات، فلا عبرة بمن يأخذون عنهم. وخلاصة القول في ذلك: أن البصري أضبط في الأخذ، وأتقن في الاستنباط، وأن الكوفي أوسع في الرواية، وأكثر في النقل. وقد عرف ابن جني الكوفيين ساعة روايتهم فقال في (الخصائص): "أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة" انتهى.
ونشير إلى أن إتقان الأصول عند البصريين، وضبط القواعد لديهم لا يعني خطأ الكوفيين في جميع ما ذهبوا إليه، ولا يعني اتباع البصريين في جميع ما قالوا به، بل الواجب اتباع الدليل، وقد نقل السيوطي عن أبي حيان الأندلسي قوله: "ولسنا متعبدين باتباع مذهب البصريين، بل نتبع الدليل" انتهى. والمراد: أنه ليس مطلوبًا منا اتباع البصريين على وجه التعبد، حتى نقتفي مذهبهم ونأخذ بقولهم، دون أن يظهر لنا وجهه، ونتبين دليله، بل المطلوب هو اتباع الدليل القوي
[ ٣٢٣ ]
الصحيح؛ سواء أكان مع البصريين أم مع الكوفيين، ويمكن أن نُوجز هنا أهم العوامل التي أعانت على ترجيح مذهب النحويين البصريين فيما يلي:
أولًا: نزوح القبائل العربية العريقة في اللغة الفصحى إلى البصرة، فهي تقع على مقربة من البادية التي استطاب أهلها النزوح إليها، وأكثرهم من العرب الأقحاح الذين احتفظوا بلغتهم العربية، خالية من شائبة اللحن والعجمة، ممن هم من قيس وتميم. ثانيًا: وقوع البصرة على مقربة من سوق المِرْبَد، تلك السوق التي صارت في الإسلام صورة معدلة لعكاظ الجاهلية، ففيها تَنَاشُد وتَفَاخُر، وفيها تجارة وبيع، وفيها النوادي الأدبية والمجامع الثقافية، وفيها مجالس العلم والأدب. ثالثًا: الموقع الجغرافي للبصرة، فإنها على طرف البادية مما يلي العراق، وأدنى المدن إلى العرب الموثوق بعربيتهم، فعلى مقربة منها بوادي نجد غربًا، والبحرين جنوبًا، والأعراب تفدُ إليها منهما، ومن داخل الجزيرة العربية بكثرة.
رابعًا: تبادل الرحلات بين علماء البصرة إلى البادية، وورود أعراب البادية إليهم لشئون معايشهم، ومشافهة علماء البصرة للأعراب، وأخذهم اللغة من منابعها الصافية. خامسًا: حِرص علماء البصرة على تحري سلامة لغة العربي الذين يأخذون عنه، وتثبتهم من ضبط الرواة وصدقهم، ذلك كله وغيره كان له أكبر الأثر في فصاحة أهل البصرة، وسلامة لغتهم، قال شيخنا المرحوم الشيخ محمد الطنطاوي -طيب الله ثراه- في كتابه القيم (نشأة النحو) بعد ذكره بعض ما تميزت به مدينة البصرة مهد النحو البصري وموطنه قال: "فكان لزامًا لذلك أنه لم تدون قواعدهم -أي: قواعد البصريين- إلا مدعومة على عناصر ثلاثة؛
[ ٣٢٤ ]
الأول: سلامة من أخذوا عنه من العرب المقطوع بعراقتهم في العروبة، وصونهم فطرهم من تسرب الوهن إليها من رطانة الحضارة حتى لم يأخذوا إلا عن سكان البوادي. الثاني: الثقة برواية ما سمعوه عنهم من طريق الحفظة. الثالث: الكثرة الفياضة من هذا المسموع التي تخول لهم القطع بنظائره، وتسلمهم إلى الاطمئنان عليه في نوط القواعد به"، انتهى ملخصًا.
وقد استشهد شيخنا الطنطاوي -﵀- على تحرز علماء البصرة عن التلقي ممن يلمحون عليهم ضعفًا في اللغة من العرب الذين يأخذون عنهم بما قاله ابن جني في (الخصائص) في باب ترقب اللغات، من أن أبا عمرو بن العلاء، وهو من أشهر العلماء البصريين الذين اعتمد سيبويه على علمهم في (الكتاب)، استضعف فصاحة أبي خيرة نهشل بن زيد لما سأله عن قول العرب: استأصل الله عرقاتهم أي: قلع أصولهم، فنصب أبو خيرة التاء من عِرْقاتهم، وهو جمع عرقة، ومعناها الأصل، فهو جمع مؤنث سالم وقع مفعولًا به، فقال له أبو عمرو: "هيهات أبا خيرة، لان جلدك". يريد أنه بَعُد عهده بالبادية؛ حيث الخشونة والقشف، وأثر فيه الحضر، فنال ذلك من فصاحته.
ويقول المرحوم الدكتور شوقي ضيف -﵀- في كتابه (المدارس النحوية): "وعلى هذه الشاكلة شادت البصرة صرح النحو، ورفعت أركانه؛ بينما كانت الكوفة مشغولة عن ذلك كله، على الأقل حتى منتصف القرن الثاني للهجرة بقراءات الذكر الحكيم، ورواية الشعر والأخبار، وقلما نظرت في قواعد النحو إلا ما سقط إلى بعض أساتذتها من نحاة البصرة؛ إذ كانوا يتتلمذون لهم، ويختلفون إلى مجالس محاضراتهم، وإملاءاتهم، وكان القدماء يعرفون ذلك معرفة
[ ٣٢٥ ]
دقيقة، فنصوا عليه بعبارات مختلفة، من ذلك قول ابن سلام: وكان لأهل البصرة في العربية قُدْمَة -أي: سابقة في الأمر- وبالنحو ولغات العرب والغريب عناية. ويصرح ابن النديم في هذا المجال تصريحًا أكثر وضوحًا إذ يقول في حديثه عن نحاة الكوفة والبصرة: إنما قدمنا البصريين أولًا؛ لأن علم العربية عنهم أُخذ" انتهى.
ويذكر الدكتور شوقي -﵀ رحمة واسعة- أنه يظهر أنه كُفل للبصرة اتصال ببعض الثقافات الأجنبية في القرن الثاني للهجرة ما لم يُكفل للكوفة، فقد كانت مرفأ تجاريًّا للعراق على خليج العرب، فنزلتها عناصر أجنبية أعدت لوصلها بثقافاتها المختلفة، وهكذا نشأ النحو، وتكوَّن في البصرة، وكانت الكوفة وقتذاك منشغلة عنه بالقراءات وروايتها رواية دقيقة، وبالفقه كذلك. كما عنيت عناية فائقة برواية الأشعار القديمة وصنعة دواوين الشعر، وإن كانت لم تعن بالتحري والتثبت فيما جمعت من أشعار؛ حتى إن أبا الطيب اللغوي في كتابه (مراتب النحويين) ليقول: "الشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله، وذلك بيِّن في دواوينهم" انتهى.
ويقول الأفغاني في كتابه (من تاريخ النحو): "أما الكوفة فهي أدخل في العراق، وأقرب إلى الاختلاط بالأعاجم، ولغة أعرابها ليست لها سلامة لغة أعراب البصرة، فأكثرهم يَمَن، وبها قليل من قبائل أخرى، واليمن لا يُحتج بلغتها؛ لتغيرها بالاختلاط بالفرس والأحباش، ثم بين الكوفة وجزيرة العرب صحراء السماوة الشاسعة، فلذا لم تكن رحلات علمائها إلى الجزيرة كرحلات علماء البصرة"، ويذكر لنا الأفغاني قصة نقلًا عن (وفيات الأعيان) هي أبعد في الدلالة على ما حكاه أبو الطيب اللغوي، وهي قصة خلف الأحمر، وهو راوية علماء
[ ٣٢٦ ]
الكوفة الكبير، فقد قال: "أتيت الكوفة لأكتب عنهم الشعر، فبخلوا عليَّ به، فكنت أعطيهم المنحول، وآخذ الصحيح، ثم مرضت فقلت لهم: ويلكم أنا تائب إلى الله تعالى، هذا الشعر لي، فلم يقبلوا مني، وبقي منسوبًا إلى العرب لهذا السبب".
ويتابع الأفغاني حديثه فيقول: "أما راويتهم الأكبر حماد فهو الشمس شهرة في كذبه، ووضعه"، وينقل كلمة للمفضل الضبي عنه وهي: "قد سُلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدًا، فلا يزال يقول الشعر يُشبه به مذهب رجل من الأقدمين، ويدخله في شعره، ويحمل عنه ذلك في الآثار، فتختلط أشعار القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد وأين ذلك؟ ".
احتكاك المدرستين عن طريق المناظرات النحوية
إن الاختلاف في الآراء ووجهات النظر أمر من لوازم الطبيعة الإنسانية جعله الله بين بني البشر، فالقدرة على التفكير، وكيفية معالجة الأمور، ودرجة استيعاب العقول، والفطنة في استنباط الأدلة، كل هذه الأمور متفاوتة عند بني الإنسان. لذلك كان لا بد من الخلاف والاختلاف، وتلك فطرة الله التي فطر الناس عليها. ومن هنا كان من الأمور الطبيعية أن يحدث الخلاف والاحتكاك بين علماء البصرة وعلماء الكوفة، بل كان يحدث أحيانا بين علماء المدرسة الواحدة، والذي يعنينا هنا أن نلقي الضوء على مسألة خلافية مشهورة في تاريخ النحو العربي، وهي التي تُسمى المسألة الزنبورية، وهي توضح لنا صورة من صور التنافس بين المدرستين الكبريين، وهما مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة، ويمثل كل مدرسة
[ ٣٢٧ ]
منهما رئيسها، وأعني بهما: سيبويه رئيس مدرسة البصرة، والكسائي رئيس مدرسة الكوفة.
والمسألة الزنبورية هي المسألة التاسعة والتسعون في كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف)، وقد حفلت بها كتب العلم والأدب، واهتم بها علماء التراجم والطبقات، وقد بدأها أبو البركات الأنباري في (الإنصاف) بقوله: "ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن يقال: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو إياها، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز أن يقال: فإذا هو إياها، ويجب أن يقال: فإذا هو هي".
أما الكوفيون فاحتجوا بالحكاية المشهورة بين الكسائي وسيبويه، وسرد الأنباري الحكاية كما ذكرها غيره، ونمزج هنا قليلًا بين ما يرويه الأنباري الذي أيَّد سيبويه في هذه المسألة، وبين ما يرويه الزجاجي في كتابه (مجالس العلماء)؛ حيث يروي لنا هذه المسألة على لسان علم من أعلام الكوفيين كان أحد شخصيات القصة، وأحد المحركين لأحداثها، وهو أبو زكريا الفراء الذي كان الساعد الأيمن لشيخه الكسائي؛ رغبة منا في الوصول إلى الحقيقة مجردة من التعصب لفريق من الفريقين.
تقول القصة: إن سيبويه قدم على البرامكة، وهم الذين كانوا وزراء الرشيد، وأصحاب الحظوة عنده، وذكر الفراء أن يحيى بن خالد البرمكي وزير الرشيد عزم على الجمع بينهما أي: بين سيبويه والكسائي، وجعل يحيى للمناظرة يومًا حضر فيه سيبويه مجلس يحيى وعنده ولداه جعفر والفضل، ومن حضر بحضورهم من الأكابر، كما حضره عدد من علماء الكوفة على رأسهم تلميذا الكسائي علي بن الحسن المعروف بالأحمر، والمتوفى سنة أربع وتسعين ومائة من
[ ٣٢٨ ]
الهجرة، وأبو زكريا الفراء، فتقدَّم الأحمر على سيبويه قبل حضور الكسائي فسأله عن مسألة، فأجابه سيبويه، فقال له الأحمر: "أخطأت، ثم سأله عن ثانية، فأجابه فيها فقال له: أخطأت، ثم سأله عن ثالثة فأجابه سيبويه فيها، فقال له: أخطأت.
فقال له سيبويه: هذا سوء أدب، ويذكر الفراء أنه أقبل على سيبويه فقال له: إن في هذا الرجل حدة وعجلة، ولكن ما تقول في من قال: هؤلاء أبونا، ومررت بأبينا، كيف تقول على مثال ذلك مِن وَأيت أو أويت؟ فقدَّر فأخطأ، هكذا يحكي الفراء، فقلت -والكلام على لسان الفراء: أعد النظر، فقدَّر فأخطأ، ثلاث مرات يجيب ولا يصيب، فلما كثر ذلك عليه قال: لا أكلمكما، أو يحضر صاحبكما حتى أناظره، قال: فحضر الكسائي، فأقبل على سيبويه فقال: تسألني أو أسألك؟ فقال له سيبويه: لا، بل سلني أنت، فأقبل عليه الكسائي فقال: كيف تقول: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب، فقال له الكسائي: لحنت، ثم سأله عن مسائل من هذا النوع نحو: خرجت فإذا عبد الله القائمُ أو القائمَ. فقال سيبويه في ذلك كله بالرفع، دون النصب.
فقال الكسائي: ليس هذا من كلام العرب، والعرب ترفع ذلك كله وتنصبه، فدفع سيبويه قوله ولم يجز فيه النصب. فقال له يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد اجتمعت من كل أوب، ووفدت عليك من كل صُقْع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المِصْرَيْن، وسمع أهل الكوفة وأهل البصرة منهم، فيحضرون، ويُسألون، فقال له يحيى وجعفر: لقد أنصفت، وأمر بإحضارهم،
[ ٣٢٩ ]
فدخلوا وفيهم أبو فَقْعَس، وأبو زياد، وأبو الجراح، وأبو ثروان، فسُئلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه، فتابعوا الكسائي، وقالوا بقوله.
فأقبل يحيى أو الكسائي على سيبويه فقال: قد تسمع أيها الرجل، فاستكان سيبويه أي: خضع، وأقبل الكسائي على يحيى فقال له: أصلح الله الوزير إنه وفد عليك من بلده مؤمِّلًا، فإن رأيت ألا تردَّه خائبًا، فأمَر له بعشرة آلاف درهم، فخرج سيبويه وصير وجهه إلى فارس، وأقام هناك إلى أن مات، ولم يعد إلى البصرة". وقد اجتمعت كلمة العلماء المنصفين على أن سيبويه قد خُذل في هذه المسألة ظلمًا وعدوانًا، وذكروا أن الحق كان مع سيبويه، وأن ما قاله هو الحق الذي له وجهه الموافق لما في القرآن الكريم من وقوع الجملة الاسمية بعد إذا التي للمفاجأة نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ (الأعراف: ١٠٨)، وقوله ﷿: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ (طه: ٢٠).
وقال ابن الشجري في أماليه: "وإنما أنكر سيبويه النصب؛ لأنه لم يره مطابقًا للقياس، ولم ير له وجهًا يُقارب الصواب، ولما لم يظفر الكسائي بحجة قياسية يدفع بها إنكار سيبويه للنصب؛ كان قصاراه الالتجاء إلى السماع، والتشبث بقول أعراب أُحضروا، فسئلوا عن ذلك، وكان للكسائي بهم أَنَسَة، وسيبويه إذ ذاك غريب طارئ عليهم، وذكر قوم من البصريين أن الكسائي قد جعل لهم جعلًا استمالهم به إلى تصويب قوله، وقيل: إنما قصد الكسائي بسؤاله عما علم أنه لا وجه له في العربية، واتفق هو والفراء على ذلك ليخالفه سيبويه، فيكون الرجوع إلى السماع، فينقطع المجلس عن النظر والقياس" انتهى.
وقال ابن هشام: "يقال: إنهم -أي: العرب الذين استشهد بهم الكسائي- قد أُرشوا على ذلك، أو إنهم علموا منزلة الكسائي عند الرشيد، ويقال: إنهم إنما
[ ٣٣٠ ]
قالوا: القول قول الكسائي، ولم ينطقوا بالنصب، وإن سيبويه قال: يحيى مُرهم أن ينطقوا بذلك، فإن ألسنتهم لا تُطَوَّع به"، ثم قال ابن هشام: "فإذا هو إياها إن ثبت، فخارج عن القياس، واستعمال الفصحاء كالجزم بلن، والنصب بلَم، والجر بلعل، وسيبويه وأصحابه لا يلتفتون لمثل ذلك، وإن تكلم به بعض العرب" انتهى.
مما رجح فيه رأي الكوفيين
سبق أن ذكرنا قول أبي حيان: "ولسنا متعبدين بقول نحاة البصرة"، وعبارة أبي حيان بتمامها كما جاءت في (البحر المحيط) وفي (النهر الماد) بهامش (البحر المحيط)، وكلاهما لأبي حيان قال: "ولسنا متعبدين بقول نحاة البصرة، ولا غيرهم ممن خالفهم، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون، وكم حكم ثبت بنقل البصريين لم ينقله الكوفيون، وإنما يعرف ذلك من له استبحار في علم العربية لا أصحاب الكنانيس، المشتغلون بدروب من العلوم الآخذون عن الصحف دون الشيوخ" انتهى.
وقد قال أبو حيان هذه المقولة في مسألة من مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، وهي مسألة عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وهي من المسائل القليلة التي رجح فيها المذهب الكوفي على المذهب البصري، فقد ذهب البصريون إلى أن الاسم الظاهر لا يجوز عطفه على الضمير المجرور إلا بعد إعادة الجار، فيقال: مررت بك وبزيد، وهذا كتابك وكتاب عمرو، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ﴾ (فصلت: ١١)، وكما في قوله
[ ٣٣١ ]
تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (المؤمنون: ٢٢)، فإن جاء في الكلام عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور دون إعادة الجار؛ كان ذلك قبيحًا عند البصريين، لقول سيبويه -﵀- في (الكتاب): "ومما يقبح أن يَشْرَكَه المظهر علامة المضمر المجرور، وذلك قولك: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو، كرهوا أن يشرك المظهر مضمرًا داخلًا فيما قبله" انتهى.
وذهب الكوفيون إلى جواز عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، واختار مذهبهم بعض المتأخرين، ومنهم أبو حيان معللًا اختياره هذا المذهب بقوله: "لوقوعه في كلام العرب كثيرًا شعرًا ونثرًا" انتهى. فمن الشعر قول الشاعر:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيامِ من عجل
فقوله: "والأيام" عطف على الضمير المجرور في بك، ومنه قول الشاعر:
إذا أوقدوا نارًا لحرب عدوهم فقد خاب من يصلى بها وسعيرها
فسعيرها مجرور عطفًا على الضمير في بها دون إعادة الجار، ومنه قول الشاعر:
نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب غُوطٌ نَفَانِف
فعطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور في بينها دون إعادة الجار، ومن النثر قول بعض العرب: ما فيها غيره وفرسه، بجر فرسه عطفًا على الضمير في غيره، دون إعادة الجار، ومنه قول رسول الله -ﷺ: «إنما مثلكم واليهود والنصارى» بجر اليهود والنصارى عطفًا على الضمير في قوله: «مثلكم» دون إعادة الجار. ولما كثر في كلام العرب شعرًا ونثرًا عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، أجاز بعض معربي القرآن الكريم -ومنهم أبو حيان ﵀-
[ ٣٣٢ ]
حمل بعض الآيات الكريمة عليه، فحملوا عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة: ٢١٧)، فـ ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف على الضمير في ﴿بِهِ﴾، كما حملوا عليه قوله تعالى: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" (النساء: ١) بجر "الْأَرْحَامِ" في قراءة حمزة عطفًا على الضمير في ﴿بِهِ﴾ دون إعادة الجار، وقد رجح أبو حيان مذهب الكوفيين على مذهب البصريين. ومن تمام الفائدة نذكر هنا أن للبصريين فيما ذهبوا إليه حجتين:
الأولى: أن ضمير الجر شبيه بالتنوين ومعاقِب له، فلم يجز العطف عليه كما لا يجوز العطف على التنوين. والثانية: أن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يصح حلول كل واحد منهما محل الآخر، وضمير الجر لا يصح حلوله محل ما يعطف عليه، فيمنع العطف إلا بإعادة الجار، والحجتان ضعيفتان. أما الأولى: فيدل على ضعفها أن شبه الضمير بالتنوين ضعيف، فلا يترتب عليه إيجاب ولا منع، ولو منع من العطف عليه لمنع من توكيده، ومن الإبدال منه، وضمير الجر يؤكَّد، ويبدل منه بإجماع؛ فالعطف عليه أسوة بالتوكيد والبدل.
وأما الثانية: فيدل على ضعفها أنه لو كان حلول كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه شرطًا في العطف؛ لم يجز قولهم: رُب رجل وأخيه ونحوه؛ لأنه لا يصح حلول أخيه محل رجل، إذ إن رُب تختص بالدخول على النكرات، فلما جاز: رب رجل وأخيه؛ دلَّ على أن حلول كل واحد من المعطوف والمعطوف
[ ٣٣٣ ]
عليه ليس شرطًا، ولو كان حلول كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه شرطًا في العطف لم يجز قولهم: كم ناقةٍ لك وفصيلِها، ولم يجز: الواهب الأَمةِ وولدِها، ولم يجز: زيد وأخوه منطلقان، وأمثال ذلك من المعطوفات الممتنع تقدمها وتأخر ما عُطفت عليه، وفي ذلك وارد كثيرًا، فكما لم يمتنع فيها العطف لم يمتنع عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، فبطل ما تمسك به البصريون، وكان مذهب الكوفيين في هذه المسألة من المسائل القليلة الذي يُعد فيها راجحًا، ويكفي دليلًا على رجحانه كثرة الوارد منه في كلام العرب شعرًا ونثرًا، وهذا وحده دليل قوي.
هذا والله ولي التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٣٣٤ ]