[ ٨٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس
(جواز التعليل بعلتين وجواز تعليل حكمين بعلة واحدة)
تعليل الحكم الواحد بعلتين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
إنما جاز تعليل الحكم الواحد بعلتين، لأن المعاني لا تتزاحم، والعلل موضحة ومبينة وليست مؤثرة لأنها بعد الوقوع، وقد استمدَّ السيوطي مادة هذه المسألة، وهي جواز تعليل الحكم بعلتين من كتابي (الخصائص) و(لمع الأدلة)، ومجمل ما أورده ابن جني في (الخصائص) في باب عنوانه: باب في حكم المعلول بعلتين، أن هذا الباب على ضربين؛ أحدهما: ما لا نظر فيه، والآخر محتاج إلى النظر، ومن أمثلة الضرب الأول نحو قولهم: هذه عشريَّ، وهؤلاء مسلمي، فإن الأصل عشروي ومُسْلِمُويَ، فقُلبت الواو ياء لأمرين كل واحد منهما على حدته موجب للقلب من غير احتياج إلى الآخر؛ للاستعانة به على قلبه. أحدهما: اجتماع الواو والياء وسبق الأولى منهما بالسكون، والآخر أن ياء المتكلم أبدًا تكسر الحرف الذي قبلها إذا كان صحيحًا لمناسبتها نحو: هذا غلامي، ورأيت صاحبي، وقد ثبت فيما قبل أن نظير الكسر في الصحيح الياء في هذه الأسماء؛ فوجب قلب الواو ياء، وإدغامها في الياء؛ ليمكن كسر ما قبل ياء المتكلم، فهذه علة غير الأولى في وجوب قلب الواو ياء.
ومن المعلول بعلتين أيضًا قولهم: سي في لاسيما، وري، والسي هو المثل والنظير تقول مثلًا: أتقن علوم العربية ولاسيما النحو، والمعنى: وبخاصة النحو، وسي أصله سِوْيٌ، وري أصله رويٌ؛ فانقلبت الواو ياء -إن شئت- لأنها ساكنة غير مدغمة وبعد كسرة، وإن شئت لأنها ساكنة قبل الياء، فهاتان علتان، إحداهما: كقلب ميزان أو كعلة قلب ميزان، وأصله موزان.
[ ٨٧ ]
والأخرى: كعلة طي ولي مصدري طويت ولويت، وأصل المصدرين طوي ولوي، وكل من هاتين العلتين مؤثرة على حدة في القلب.
فهذا ونحوه أحد ضربي الحكم المعلول بعلتين، والضرب الآخر منهما ما فيه النظر، وهو باب ما لا ينصرف، وذلك أن علة امتناعه من الصرف إنما هي لاجتماع شبهين فيه من أشباه الفعل، أو لوجود شبه واحد يقوم مقام الشبهين كما مضى تفصيله في بابه من النحو، كما أورد ابن جني في (الخصائص) في باب عنوانه: باب في تقاود السماع، وتقارع الانتزاع أنه قد يكثر الشيء، فيُسأل عن علته كرفع الفاعل ونصب المفعول، فيذهب قوم إلى شيء وآخرون إلى غيره، فيجب إذن تأمل القولين واعتماد أقواهما أي: أن يعتمد المتأمل ما يراه قويًّا من ذلك؛ لقوة مدركه، أو لموافقته المنقول، ويرفض الآخر، ولا يعتد به، فإن تساويا في القوة أي: في قوة المدرك وموافقة المنقول؛ لم ينكر اعتقادهما جميعًا، فقد يكون الحكم الواحد معلولًا بعلتين.
أما أبو البركات الأنباري، فذكر في الفصل التاسع عشر من (لمع الأدلة) أن العلماء اختلفوا في تعليل الحكم بعلتين فصاعدًا، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز؛ لأن هذه العلة أي: النحوية مشبهة بالعلة العقلية، والعلة العقلية لا يثبت الحكم معها إلا بعلة واحدة أي: لأنها مؤثرة، ولا يوجد أثر واحد لمؤثرين، فكذلك ما كان مشبهًا بها. وذهب قوم إلى أنه يجوز أن يعلل الحكم بعلتين فصاعدًا، وذلك مثل أن يدل على كون الفاعل ينزل منزلة الجزء من الفعل بعلل متعددة:
الأولى: أنه تسكن له لام الفعل إذا اتصل به ضمير رفع متحرك نحو: أنا فهمت، ونحن فهمنا، وهن فهمن.
[ ٨٨ ]
والثانية: أنه يمتنع العطف عليه إذا كان ضميرًا متصلًا قبل الفصل بينه وبين ما عطف عليه بشيء، ويجوز العطف مع الفصل كالفصل بالضمير المنفصل مثل: أحسنت أنت وإخوانك، فما بعد الواو معطوف على الضمير المرفوع المتصل الواقع فاعلًا في محل رفع، وصحَّ ذلك للفصل بالضمير المنفصل، وهو أنت، والضمير المرفوع المستتر في ذلك كالضمير المرفوع المتصل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (البقرة: ٣٥) فزوجك معطوف على الضمير المرفوع المستتر في ﴿اسْكُنْ﴾؛ لأن الضمير المرفوع المتصل أو المستتر كالجزء من عامله لفظًا ومعنى، ولا يُعطف على جزء الكلمة، فإذا فُصل بينه وبين ما عُطف عليه بفاصل ما؛ حصل له نوع من الاستقلال فجاز العطف عليه.
والثالثة: وقوع الإعراب بعده في الأمثلة الخمسة أي: في الأفعال الخمسة فتقول: الطلاب يجتهدون ولم يقصروا، ولن يقصروا، فواو الجماعة في الأفعال الثلاثة المذكورة ضمير رفع؛ لأنها فاعل، والفعل الأول مرفوع بثبوت النون، والثاني مجزوم بحذفها، والثالث منصوب بحذفها كذلك، فإعراب الثلاثة وقع بعد الضمير. ومن المعلوم أن الإعراب إنما يكون في أواخر الكلم مما يدل على أن الضمير المرفوع عُدَّ كالجزء من الفعل، وكأن آخر الفعل ما بعده.
والرابعة: اتصال تاء التأنيث بالفعل إذا كان الفاعل أو نائبه مؤنثًا.
والخامسة: قول العرب في النسب إلى كنت: كنتيٌ، فاعتبروا كان واسمها -وهو ضمير مرفوع متصل- كلمة واحدة، فألحقوا بآخرها علامة النسب، وهي الياء المشددة كقول الشاعر:
فأصبحت كنتيًّا وأصبحت عاجنًا وشر خصال المرء كنت وعاجن
[ ٨٩ ]
فقوله: كنتي معناه أن يقول: كنت أفعل في شبابي كذا، وكنت في حداثتي أصنع كذا، والعاجن هو الذي أسن، فلا يستطيع القيام إلا إذا اعتمد على يديه من شدة ضعفه، فأجروا ضمير الرفع مجرى الدال من زيد، وكأنهم نبَّهوا بهذا على قوة اتصال الفعل بهذا الضمير المتصل به، وأنهما قد حلَّا جميعًا محل الجزء الواحد.
والسادسة: قولهم: حبذا، من نحو: حبذا زيد يعني: أنهم ركبوا حَب وهو فعل مع اسم الإشارة ذا، فصارا بمنزلة اسم واحد حكم على موضعه بالرفع على الابتداء، وهو ظاهر مذهب الخليل وسيبويه، كما في (الكتاب). وقد تغلَّب على المركب في هذا القول جانب الاسمية.
والسابعة: قولهم: لا أحبذه، أي: لا أقول له مادحًا إياه: حبذا، فلا نافية، وأحبذ فعل مضارع، فاعله ضمير مستتر تقديره: أنا، والهاء مفعوله، وقد تغلب على المركب في هذا القول جانب الفعلية.
والثامنة: إبدالهم تاء الضمير طاء في قولهم: فحصط برجلي، وأصله فحصت، فشبهوا تاء الفاعل بتاء افتعل كاصطبر، وأصله اصتبر؛ فأبدلت التاء طاء لتجانس الصاد في الإطباق، والإطباق هو أن ترفع في النطق أطراف لسانك إلى الحنك الأعلى مطبقًا له، فيفخم ذلك نطق الحرف، وحروف الإطباق هي: الصاد والضاد والطاء والظاء.
قال ابن جني في (سر صناعة الإعراب): "ووجه شبه تاء فعلت بتاء افتعل أنها ضمير الفاعل، وضمير الفاعل قد أُجري في كثير من أحكامه من الفعل مجرى بعض أجزاء الكلمة من الكلمة، وذلك لشدة اتصال الفعل بالفاعل" انتهى.
[ ٩٠ ]
فهذه ثماني علل عُلِّلَ بها حكم واحد مما يدل على جواز تعدد العلل لحكم واحد في العربية، قال الأنباري في (لمع الأدلة) بعد إيراده هذه العلل وغيرها: "وتمسكوا -أي: مجيزو التعدد- في الدلالة على جواز ذلك بأن هذه العلة ليست موجبة، وإنما هي أمارة ودلالة على الحكم، وكما يجوز أن يستدل على الحكم بأنواع من الأمارات والدلالات، فكذلك يجوز أن يستدل عليه بأنواع من العلل، وعقَّب الأنباري بقوله: وهذا ليس بصحيح. وقولهم: إن هذه العلة ليست موجبة، وإنما هي أمارة ودلالة قلنا: ما المعنيِّ أي: ما المقصود بقولكم: إنها ليست موجبة؟ إن عنيتم -أي: إن قصدتم- أنها ليست موجبة كالعلل العقلية كالتحرك لا يُعلل إلا بالحركة، أو العالِمية لا تُعلل إلا بالعلم، فمسلَّم، وإن عنيتم أنها غير مؤثرة بعد الوضع على الإطلاق فلا نسلم، فإنها بعد الوضع أصبحت بمنزلة العلل العقلية، فينبغي أن تجري مجراها" انتهى. ويُفهم من هذه العبارة أن الحكم من الأنباري بعدم الصحة ينصب على تفسير كون العلة النحوية ليست موجبة بأنها غير مؤثرة، لا على جواز تعدُّد العلل.
جواز تعليل حكمين بعلة واحدة
افتتح السيوطي هذه المسألة بعد العنوان بقوله: "قال في (الخصائص): سواء لم يتضادا أم تضادا كقولهم: مررت بزيد إلى آخره"، وكعادة السيوطي نراه يتصرف في النقل، فيورد النص بالمعنى، ويتجه غالبًا إلى الإيجاز والاختصار، وعبارة ابن جني منقولة بمعناها من باب عنوانه: باب في تقاود السماع، وتقارع الانتزاع أي: في اتفاق السماع واطراده في شيء، وتخالف الاستنباط وتغايره فيه.
قال ابن جني في هذا الباب: "واعلم أن اللفظ قد يرد شيء منه، فيجوز جوازًا صحيحًا أن يُستدل به على أمر ما، وأن يُستدل به على ضده البتة، وذلك نحو:
[ ٩١ ]
مررت بزيد، ورغبت في عمرو، وعجبت من محمد، وغير ذلك من الأفعال الواصلة بحروف الجر، فأحد ما يدل عليه هذا الضرب من القول أن الجار معتدٌّ من جملة الفعل الواصل به، ألا ترى أن الباء في مررت بزيد معاقبة لهمزة النقل في نحو: أمررت زيدًا، وكذلك أخرجته وخرجت به، وأنزلته ونزلت به، فكما أن همزة أفعل مصوغة فيه كائنة من جملته، فكذلك ما عاقبها من حروف الجر ينبغي أن يعتدَّ أيضًا من جملة الفعل؛ لمعاقبته ما هو من جملته، فهذا وجه. والآخر: أن يدل ذلك على أن حرف الجر جارٍ مجرى بعض ما جره، ألا ترى أنك تحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب فيعطف عليه، فينصب لذلك فتقول: مررت بزيد وعمرًا، وكذلك أيضًا لا يفصل بين الجار والمجرور؛ لكونهما في كثير من المواضع بمنزلة الجزء الواحد، أفلا تراك كيف تقدر اللفظ الواحد تقديرين مختلفين، وكل واحد منهما مقبول في القياس متلقى بالبشر والإيناس" انتهى.
ومجمل ما ذكره ابن جني في هذا النص أن نحو: مررت بزيد ونظائره مما يتعدى فيه الفعل بحرف من حروف الجر، يُستدل به على أن الجار والمجرور معدود من جملة الفعل، كما يستدل به على ضد ذلك أي: على أنه معدود من جملة الاسم المجرور به، ووجه كونه معدودًا من جملة الفعل أنه معدٍّ للفعل يجعل الفعل يتعدى به، فهو بمنزلة همزة التعدية التي تكون مجعولة حرفًا من بنية الفعل، وهي همزة أفعل، فكذلك ما عاقبها يعني: ما ناب عنها وخلفها. ووجه كونه جاريًا مجرى بعض مجروره أمران؛ أحدهما: أنه يحكم لموضع الجار والمجرور بالنصب، فيعطف عليهما بالنصب مراعاة لموضعهما في نحو: مررت بزيد وعمرًا، فعمرًا منصوب عطفًا على موضع بزيد عند ابن جني.
[ ٩٢ ]
والآخر: أنه لا يُفصل بينهما بفاصل لأنهما بمنزلة الجزء الواحد، ونحن نلاحظ أن السيوطي لم يذكر في (الاقتراح) ما أجازه ابن جني من نحو: مررت بزيد وعمرًا، لماذا؟ لأنه لا يجيز ما أجازه ابن جني من مثل هذا الإعراب، وإنما يختار مذهب المحققين في اشتراطهم في العطف على الموضع إن كان ظهور هذا الموضع في فصيح الكلام، ولا يجوز في فصيح الكلام أن يقال: مررت زيدًا، ومن هنا لا يجوز عند المحققين العطف بالنصب على موضعه، ما دام المعطوف عليه لا يجوز نصبه وإسقاط الجار منه في الكلام الفصيح؛ لما فيه من تعدية القاصر أي: اللازم بنفسه. أما قول جرير:
تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكم علي إذن حرام
فمقصور على السماع أو هو ضرورة، وابن جني لم يشترط ما اشترطه المحققون الذين يجيزون نحو: مررت بزيد وعمرًا، لكنهم يعربون ما بعد الواو -يعني: يعربون عمرًا- مفعولًا به لفعل محذوف تقديره: وجزت عمرًا، مثلًا، وقد أعاد ابن جني حديث مررت بزيد ونحوه في باب التقديرين المختلفين لمعنيين مختلفين في (الخصائص)، وعقَّب عليه بقوله: "فإنه مما يقبله القياس ولا يدفعه" انتهى. وأورد السيوطي مثالًا آخر نقلًا عن (الخصائص) أيضًا فقال: "وقال -أي: ابن جني في موضع آخر: باب في أن سبب الحكم قد يكون سببًا لضده على وجه، هذا باب ظاهره التدافع أي: التعارض، وهو مع استغرابه صحيح واقع، وذلك نحو قولهم: القود، أي: القصاص، والحَوَكة جمع حائك من حاك الثوب يحوكه حوكًا، وحياكًا، وحياكة أي: نسجه".
قال السيوطي ملخصًا ما قال ابن جني في تصحيح الواو الواقعة عينًا لكلمتي القود والحوكة، ونظائرهما قال: "فإن القاعدة في مثله الإعلال بقلب الواو ألفًا
[ ٩٣ ]
لتحركها، وانفتاح ما قبلها، لكنهم شبهوا حركة العين التابعة لها بحركة اللين أي: بحرف الألف التابع لها، فكأن فعلن فعال، فكما صح نحو: جواب وهيام، صح باب القود والغيب ونحوه" انتهى. يعني: أن القاعدة الصرفية تقضي بقلب الواو والياء ألفين إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما، ولكن الكلمات التي جاءت عن العرب بتصحيح العين مما يُخالف بظاهره هذه القاعدة كالقود، والحوكة، والغَيَب، وهو جمع غائب، وكلها على وزن فعل، فقد شبَّهوا الفتحة التي هي حركة العين في هذه الكلمات بحرف الألف، فعوملت معاملة ما كان وزنه فعالًا كجواب، وهيام. ومن شروط قلب الواو والياء ألفين إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما أن يتحرك ما بعدهما إن كانتا عينين، ولذلك صحت العين في نحو: بيان، وطويل، وغيور، لسكون ما بعدهما.
قال ابن جني معلقًا على ذلك: "ألا ترى إلى حركة العين التي هي سبب الإعلال كيف صارت على وجه آخر سببًا للتصحيح، وهذا وجه غريب المأخذ" انتهى.
ومن باب إتمام الفائدة وإكمال النفع نذكر مثالًا آخر لهذا الباب، أورده ابن جني في (الخصائص)، ولم يذكره السيوطي عملًا بمبدئه في التلخيص والاختصار، وذلك قول كَلْحَبة العريني:
إذا المرء لم يخش الكريهة أوشكت حبال الهوينى بالفتى أن تقطعا
ومعنى البيت: أن الإنسان إذا لم يخشَ مواجهة الشدائد والنوازل قاربت حبال الهوينى أي: الصبر والاتئاد عنده أن تتقطع عند إحساسه بأقل بادرة منها، قال ابن جني معلقًا على البيت: "وهذا عندهم قبيح، وهو إعادة الثاني مظهرًا بغير لفظه الأول، وإنما سبيله أن يأتي مضمرًا نحو: زيد مررت به، فإن لم يأت مضمرًا وجاء مظهرًا، فأجود ذلك أن يُعاد لفظه الأول البتة نحو: زيد مررت بزيد كقول الله
[ ٩٤ ]
سبحانه: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ (الحاقة: ١، ٢)، و﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ (القارعة: ١، ٢) وقوله:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقير
يعني ابن جني: أن وجه الحكم بالقبح على ما قال كلحبة، هو إعادته الاسم الظاهر، وهو المرء بلفظ اسم ظاهر غير لفظه الأول، وهو لفظ الفتى. وكان عليه إما أن يعيد الثاني مضمرًا فيقول: أوشكت حبال الهوينى به، وإما أن يُعيده مظهرًا لكن بلفظ الاسم الأول أي: أن يقول: أوشكت حبال الهوينى بالمرء، واستشهد على إعادة الثاني بلفظه الأول بما جاء في أول سورتي الحاقة والقارعة، وببيت من شواهد سيبويه في (الكتاب) منسوب إلى سواد بن عدي. وقد ذكر السيرافي في شرحه على (الكتاب) أن الاسم الظاهر متى احتيج إلى تكريره في جملة واحدة، كان الاختيار أن يذكر ضميره؛ لأن ذلك أخفَّ، وأنفى للشبهة، واللبس، ولو أعدت لفظه بعينه في موضع ضميره؛ لجاز، ولم يكن ذلك وجه الكلام، وإذا أعدت ذكره في غير تلك الجملة جاز إعادة ظاهره وحسن، كقولك: مررت بزيد، وزيد رجل صالح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤) فأعاد الظاهر؛ لأن قوله: ﴿اللهُ أَعْلَمُ﴾ جملة ابتداء وخبر وقد مرت الجملة الأولى" انتهى.
وإنما تعيد العرب الظاهر بلفظه في جملة واحدة في مقام التفخيم أو التهويل كقوله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (الواقعة: ٨)، وقوله ﷿: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾. ونعود إلى مواصلة حديث ابن جني عن بيت كلحبة حيث قال: "ويمكن أن يجعله جاعل سبب الحسن". يعني: يمكن أن يجعل جاعل
[ ٩٥ ]
إعادة الظاهر بلفظ غير لفظه في البيت، وهو الذي كان سببًا للحكم عليه بالقبح يُمكن أن يجعله سببًا للحكم له بالحسن. وأوضح ابن جني ذلك فقال: "وذلك أنه لما لم يعد لفظ الأول البتة، وعاد مخالفًا للأول؛ شابه بخلافه له المضمر الذي هو أبدًا مخالف للمظهر وعلى ذلك قال: أوشكت حبال الهوينى بالفتى، ولم يقل: به ولا بالمرء، أفلا ترى أن القبح الذي كان في مخالفة الظاهر الثاني للأول قد عاد فصار بالتأويل من حيث أرين حسنًا، وسببهما جميعًا واحد، وهو وجه المخالفة في الثاني للأول" انتهى.
تعارض العلل
مادة هذه المسألة في (الاقتراح) ملخصة عن باب أورده ابن جني في (الخصائص) بالعنوان نفسه، وقد ذكر ابن جني فيه أن الكلام في معنى تعارض العلل ضربان؛ أحدهما: حكم يتجاذب وجوده وحصوله علتان فأكثر منهما، والآخر حكمان في شيء واحد مختلفان دعت إليهما علتان مختلفتان، فالأول: سبق ذكره عن ابن جني وهو جواز التعليل بعلتين، ومثَّل له فيما مثل بقلب الواو ياء في نحو: مسلمي لأمرين، ومن الأمثلة التي ذكرها في باب تعارض العلل لهذا النوع أيضًا رفع المبتدأ. فالبصريون يعللون رفعه بالابتداء، والكوفيون يعتلون إما يرفعونه بالخبر الذي هو مرافعه، فالمبتدأ والخبر عندهم يترافعان، وإما بما يعود عليه من ذكره من الخبر على حسب مواقعه. وكذلك رفع الخبر، ورفع الفاعل، ورفع ما أقيم مقامه، ورفع خبر إن وأخواتها، وكذلك نصب ما انتصب، وجر ما انجر، وجزم ما انجزم، مما يتجاذبه الخلاف في علله، فكل واحد من هذه الأشياء له حكم واحد تتنازعه العلل.
[ ٩٦ ]
والثاني من ضربي تعارض العلل كإعمال أهل الحجاز ما النافية تشبيهًا لها بليس أي: لكونها مثلها لنفي الحال عند الإطلاق، وترك بني تميم إعمالها، وإجرائهم إياها مجرى هل، ونحوها مما لا يعمل؛ لعدم الاختصاص بقبيل أي: بنوع من نوعي الكلمة الأسماء والأفعال. فكأن أهل الحجاز لما رأوها داخلة على المبتدأ والخبر دخول ليس عليهما، ونافية للحال نفيها إياها؛ أجروها في الرفع والنصب مجراها، وكأن بني تميم لما رأوها حرفًا داخلًا بمعناه يعني: لمجرد إفادة معنى النفي على الجملة المستقلة بنفسها، ومباشرة لكل واحد من جزأيها كقولك: ما زيد أخوك، وما قام زيد؛ أجروها مجرى هل، ألا تراها داخلة على الجملة لمعنى النفي دخول هل عليها للاستفهام، ولذلك كانت عند سيبويه لغة التميميين أقوى قياسًا من لغة الحجازيين. انتهى.
يريد أقوى مدركًا، وإن كانت الحجازية أفصح وأقوى سماعًا؛ لنزول القرآن الكريم بها، وكذلك ليتما، وأصلها ليت، وقد اتصلت بها ما الزائدة فمن العرب من يلغيها عن العمل؛ إلحاقًا لها بأخواتها إن وأن وكأن ولعل، ولكن إذا اتصلت بهن ما الزائدة، فإنها تكفهنَّ عن العمل، وتجعلهن حروف ابتداء، وتهيئهن للدخول على الجمل الفعلية أيضًا بعد أن كنَّ مختصات بالدخول على الجمل الاسمية، ومن كفَّ ليت عن العمل بما قال: لا تكون ليت في وجوب العمل بها أقوى من الفعل. وقد نرى الفعل إذا كف بـ: ما زال عن عمله، وذلك كقولهم: قلما يقوم زيد، فما دخلت على قل، كافة لها عن عملها، ومثله كثرما وطالما، فكما دخلت ما على الفعل نفسه فكفته عن العمل، وهيأته لغير ما كان قبلها متقاضيًا له، كذلك تكون ما كافة لليت عن عملها، ومصيرة لها إلى جواز وقوع الجملتين جميعًا بعدها.
[ ٩٧ ]
وبعض العرب يجعل ليتما ناصبة للاسم رافعة للخبر، من غير أن تكفها ما الزائدة عن العمل؛ إلحاقًا لها بحروف الجر التي تدخل عليها ما الزائدة، فلا تكفها عن العمل مثل: الباء كقوله ﷿: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٥)، وعن كقوله تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (المؤمنون: ٤٠)، ومِن كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ (نوح: ٢٥) في قراءة غير أبي عمرو من السبعة، واللام كقول الأعشى:
إلى ملك خير أربابه فإن لما كل شيء قرارًا
أي: فإن لكل شيء قرارًا، وذكر ابن جني أن الفرق بين ليت وبين كأن ولعل أنها أشبه بالفعل، منهما وقال: "ألا تراها مفردة وهما مركبتان؛ لأن الكاف زائدة واللام زائدة" انتهى. وقال السيوطي: "وفرق بينها أي: بين ليت، وبين أخواتها بأنها أشبه بالفعل في الإفراد، وعدد الحروف" انتهى. قال ابن الطيب في (الفيض): "فإن ليت بوزن ليس بخلاف أخواتها" انتهى. وابن جني إنما ذكر في (الخصائص) الفرق بينها وبين كأن ولعل كما أوضحنا، والذي يطمئن إليه الضمير العلمي في هذه المسألة في ضوء ما ورد في (الكتاب) لشيخ النحاة سيبويه وغيره ممن تناولها بالبحث والدراسة: أن ليتما يجوز كفها عن العمل بـ: ما المتصلة بها، وهذا الإلغاء حسن، ويجوز إعمالها واعتبار ما زائدة غير كافة يعني: وهذا الإعمال أحسن. وقد قال ابن يعيش في (شرح المفصل): "ومن ذلك ليتما الإلغاء فيها حسن، والإعمال أحسن؛ لقوة شبهها بالفعل، وعدم تغاير معناها" انتهى.
وعكس ذلك الحكم ابن الحاجب في كافيته، وسار شارحه الرضي على مذهبه، فقال ابن الحاجب فيها: "وتلحقها ما فتلغى على الأفصح"، وقال الرضي في (الشرح): "إذا دخلت ما على ليت جاز أن تعمل وأن تلغى، وروي قوله:
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا ونصفه فقد
[ ٩٨ ]
رفعًا ونصبًا يعني: برفع الحمام على إهمال ليتما، ونصبه على إعمالها، ولم يسمع الإلغاء والإعمال عن العرب إلا مع ليتما"، وتابع الرضي شرحه فقال: "والإلغاء أكثر، لأنها تخرج بـ: ما عن الاختصاص بالجملة الاسمية، فالأولى ألا تعمل" انتهى. ولم يذكر شاهدًا واحدًا على دخول ليتما على الجملة الفعلية.
ومن الضرب الثاني لتعارض العلل أيضًا: هلم، فقد ألحقها الحجازيون باسم فعل الأمر؛ لدلالتها على الأمر من غير أن تقبل علامة فعل الأمر، فلا تتصل بها نون التوكيد، وتكون بلفظ واحد للمفرد والمثنى، والجمع، والمذكر والمؤنث، وبلغتهم جاء التنزيل، وقد وردت متعدية بمعنى أحضِر، وهات، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ (الأنعام: ١٥٠)، ولازمة بمعنى: ايت، وأقبل، وتتعدى بإلى كقوله ﷿: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (الأحزاب: ١٨) والتميميون يُلحقونها العلامات، فهي عندهم فعل أمر فتتصل بها الضمائر على حد اتصالها بالأفعال، فيقولون: هلم، وهلمي، وهلما، وهلموا، وهلممن، على حسب نوع المخاطب وعدده استصحابًا ومراعاة لأصلها، فهي في الأصل مركبة من ها التي للتنبيه، ولُمَّ التي هي فعل أمر من قولهم: لَمَّ الله شعثه أي: جمعه، كأنه قيل: اجمع نفسك إلينا، وحذفت ألفها لكثرة الاستعمال، وهذا رأي أكثر البصريين، أو مِن هل الاستفهامية وأُمّ بضم الهمزة وشد الميم بمعنى: اقصد وهو رأي الفراء، ونسب إلى الكوفيين، والمشهور بين أهل العربية أنها بسيطة، كما نقله ابن العِلْج للبسيط، بل حكى بعضهم الإجماع على بساطتها، وفيه نظر لما علمت.
هذا وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٩٩ ]