[ ١١٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن
(العلة في ضوء ما ورد في كتاب (الاقتراح) للسيوطي)
مسلك التقسيم عند أبي البركات الأنباري
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
خصص الأنباري الفصل الرابع والعشرين من فصول (لمع الأدلة) للحديث عن ذكر ما يُلحق بالقياس من وجوه الاستدلال، موضحًا في بداية هذا الفصل أن أنواع الاستدلال كثيرة تخرج عن حد الحصر، وأنه سيذكر في هذا الفصل ما يكثر التمسك به، وأورد أمورًا أربعة مما يُلحق بالقياس، جاعلًا في مقدمتها التقسيم، ثم ذكر أن الاستدلال بالتقسيم ضربان؛ أحدهما: أن يذكر المستدل الأقسام التي يجوز عقلًا أن يتعلق الحكم بها، فيبطلها جميعًا، فيبطل بذلك قوله: أي: قول المثبت للحكم المتعلق بها في ضمن ما أبطله من الأقسام. ومثال ذلك: حكم دخول اللام في خبر لكنَّ المشددة النون، قياسًا على أختها إن، فقد ذهب الكوفيون إلى جوازه؛ احتجاجًا بقول بعض العرب:
ولكنني من حبها لعميد
وهذا الذي أجازه الكوفيون يبطل بطريق السبر والتقسيم، إذ يقال: إن هذه اللام الداخلة على خبر لكن، إما أن تكون لام التوكيد أو لام القسم. ولا يجوز أن تكون هذه اللام للتوكيد؛ لأن لام التوكيد إنما حسن دخولها على خبر إن لاتفاقهما في معنًى واحد وهو التأكيد، ولذا وجب تأخير اللام عن إن ودخولها على الخبر؛ لئلا يتوالى مؤكدان. ومن ثمَّ سُميت المزحلقة أي: التي زحلقت إلى موضع الخبر، وتدخل على الاسم إذا تأخر كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ (النازعات: ٢٦) ونحوه. ولكنّ ليست للتأكيد، لأنها ليس فيها توكيد، ولا هي موضوعة له؛ فبطل أن تكون اللام الداخلة في خبرها للتأكيد. كما يبطل أن تكون اللام للقسم؛ لأن إن واللام بينهما مناسبة، وهي وقوع كل منهما في
[ ١١٩ ]
جواب القسم، فمن وقوع إن في جواب القسم قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (يس: ٣) جوابًا لقوله ﷿: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ (يس: ١، ٢). ولمَّا لم يجز وقوع لكن في جواب القسم امتنع أن تكون اللام للقسم، وإذا بطل أن تكون اللام للتوكيد وأن تكون للقسم؛ تعين بطلان الحكم نفسه، وهو دخول اللام في خبر لكن. وأما قول الشاعر:
ولكنني من حبها لعميد
فلا حجة فيه لشذوذه، إذ لا يعلم له تتمة، ولا قائل، ولا راوٍ عدل يقول: سمعت ممن يوثق بعربيته، والاستدلال بما هو هكذا في غاية الضعف، ولهذا لا يكاد يُعرف له نظير في كلام العرب وأشعارهم. ولو كان قياسًا مطردًا لكان ينبغي أن يكثر في كلامهم وأشعارهم كما جاء في خبر إن، وفي عدم ذلك دليل على أنه شاذ لا يُقاس عليه. وقد أورد أبو البركات الأنباري هذه المسألة في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف)، وأوضح أن الكوفيين ذهبوا إلى أنه يجوز دخول اللام في خبر لكن، كما يجوز في خبر إن نحو: ما قام زيد لكن عمروًا لقائم، وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز، وأن الكوفيين قد احتجوا على ذلك بالنقل والقياس. أما النقل -أي: السماع- فقد جاء عن العرب إدخال اللام على خبرها، قال الشاعر:
ولكنني من حبها لكميد
وقد ذكر محقق (الإنصاف) شيخنا المرحوم محمد محيي الدين عبد الحميد -طيب الله ثراه- في تعليقه على هذا الشاهد أن أكثر العلماء الذين استشهدوا به ينصون على أنه لا يعلم قائله، ولا تعرف له تتمة، ولا سوابق أو لواحق، إلا ابن عقيل، فإنه رواه بيتًا كاملًا من غير عزو هكذا:
[ ١٢٠ ]
يلومونني في حب ليلى عواذلي ولكنني من حبها لعميد
وأما حجة الكوفيين القياسية فهي كما ذكر الأنباري أن الأصل في لكن إن، زيدت عليها لا والكاف فصارتا أي: إن والزيادة جميعًا حرفًا واحدًا. وقد ردَّ البصريون حجة الكوفيين السماعية بما ذكره في (لمع الأدلة)، وقد أوردناه فيما سبق، وأجابوا عن الحجة القياسية بأنها مجرد دعوى من غير دليل ولا معنى. والثاني من ضربي التقسيم: أن تُذكر الأقسام التي يجوز أن يتعلق الحكم بها، فيبطلها المستدل إلا الذي يتعلق الحكم به من جهته فيصح قوله. ومن ذلك عامل النصب في المستثنى الموجب أي: الثابت، ويلزم كونه تامًّا كما يدل له مثاله الذي أورده في (لمع الأدلة)، وهو نحو: قام القوم إلا زيدًا، فقد اختلف فيه على أربعة أقوال؛ الأول: أن عامل النصب هو الفعل المتقدم بتقوية إلا. والثاني: أن عامل النصب هو إلا نفسها؛ لأنها بمعنى أستثني. والثالث: أن عامل النصب هو إلا نفسها؛ لأنها مركبة من إن المخففة أي: المكسورة ولا، وأدغمت النون في اللام لتقاربهما مخرجًا. والرابع: أن عامل النصب هو أن المقدرة، إذ التقدير فيه: قام القوم إلا أن زيدًا لم يقم.
فهذه الأقسام الأربعة المحتملة، فمنها ثلاثة تبطل ولا يصح تعلق الحكم بها، ويبقى واحد وهو الصحيح الذي يتعلق الحكم به من جهته. فالقول الثاني وهو أن عامل النصب في المستثنى هو إلا؛ لأنها بمعنى أستثني مردود من أربع جهات؛ الأولى: نحو: قام القوم غير زيد، فلو كان النصب بإلا التي بمعنى أستثني؛ لكان التقدير: إلا غير زيد، وهذا يؤدي إلى فساد المعنى.
[ ١٢١ ]
والثانية: لو كان عامل النصب إلا بمعنى أستثني؛ لوجب النصب في النفي كما يجب في الإيجاب، لأن فيه أيضًا معنى أستثني، وذلك نحو: ما قام القوم إلا زيد أو إلا زيدًا. ولما كان المستثنى في النفي يجوز فيه النصب على الاستثناء، ويجوز فيه الإتباع على البدلية؛ دلَّ ذلك على أن إلا ليست هي عامل النصب. والثالثة: أنه لو كان عامل النصب إلا التي بمعنى أستثني؛ لأدى ذلك إلى إعمال معنى الحرف، وذلك لا يجوز.
والرابعة: أنه لو كان عامل النصب إلا لأنها بمعنى أستثني؛ لجاز الرفع بتقدير امتنع أي: بصيغة الماضي، فيحتاج لفاعل هو ذلك المستثنى، فنحو: قام القوم إلا زيدًا، لو قدر فيه امتنع؛ لوجب رفع زيد، لأن الفعل ماض يحتاج إلى فاعل. وقد استوى أستثني وامتنع لاستقامة المعنى مع كل منهما، فلا يجوز ترجيح أحدهما على الآخر؛ إذ ترجيح أحدهما على الآخر مع كون المعنى مع كل منهما مستقيمًا ظاهرًا ضرب من ضروب التحكم. كما أورد ذلك عضد الدولة، وهو أحد أمراء بني بويه على أبي علي الفارسي، وكان معه يومًا في الميدان، فسأل عضد الدولة الفارسي: "بِمَ ينتصب المستثنى؟ فقال له الفارسي: بتقدير أستثني. فقال له: لم قدرت: أستثني فنصبت، هلَّا قدرت امتنع زيد فرفعت؟ فقال الفارسي معتذرًا: هذا جواب ميداني أي: ذكرته في عجالة. فإذا رجعت قلت الجواب الصحيح"، والذي اختاره أبو علي الفارسي في (الإيضاح) أنه منتصب بالفعل المقدم بتقوية إلا. فهذه أربع جهات تبطل القول بأن عامل النصب هو إلا لأنها بمعنى أستثني.
كما بطل أيضًا القول الثالث وهو أن عامل النصب إلا؛ لأنها مركبة من إن المخففة ولا، والذي يبطل هذا القول أن فيه إعمال إن المخففة، وإن إذا خففت
[ ١٢٢ ]
قل عملها جدًّا، وكان الأكثر إهمالها. كما يبطله أن الحرف إذا رُكب مع حرف آخر خرج كل منهما عن حكمه، وثبت للمركب بالتركيب حكم آخر غير الحكم الذي كان لأجزائه التي رُكب منها. والقول الرابع: وهو أن عامل النصب هو أن المقدرة قول مردود كذلك؛ إذ يبطله أن أن لا تعمل مقدرة، وإنما تعمل ظاهرة، وإذا بطلت هذه الآراء الثلاثة؛ تعين القول الأول، وهو أن عامل النصب في المستثنى هو الفعل المتقدم بتقوية إلا، ويدل على صحة هذا القول أن أصل العمل يكون للفعل إلا أن الفعل لا يصل إلى المعمول بنفسه، وإنما يصل بإلا، فكان الفعل هو العامل لكن بواسطتها، ويشهد لصحة هذا القول وجود النظير، وهو عامل النصب في المفعول معه؛ فإنه الفعل المتقدم بواسطة الواو على الرأي الراجح من آراء النحويين.
وخلاصة ما سبق: أن السبر والتقسيم مسلك من مسالك العلة عند النحويين، وأن الأقسام المحتمل منها ما يصلح فيبقى، وما لا يصلح فينفى.
مسلك المناسبة
المسلك الخامس من مسالك العلة طبقًا لما ورد في (الاقتراح) هو المناسبة، وقد ذكر السيوطي أن المناسبة تسمى أيضًا الإخالة؛ لأن بها يُخال -أي: يظن- أن الوصف علة، ويسمى قياسها قياس علة. قال ابن الطيب في (الفيض): "قوله: الإخالة بالخاء المعجمة، كأنه مصدر أخاله أي: صيره خائلًا أي: ظانًا كما أشار إليه"، انتهى. ومعنى ما ذكره السيوطي وابن الطيب أن هذا المسلك طريقه غلبة الظن والإخالة، وأن المتكلم بالعلة قد سلك إلى الوصول إليها طريق القياس على الأصل، وقد غلب على ظنه أنها العلة للحكم في الفرع المسئول عنه، ومن هنا كان قياسها كما قال السيوطي قياس علة.
[ ١٢٣ ]
وقد عرف السيوطي تبعًا لأبي البركات الأنباري هذا القياس بأنه حملُ الفرع على الأصل بالعلة التي عُلِّق عليها الحكم في الأصل، ومثَّل له بحمل ما لم يُسمَّ فاعله، وهو النائب عن الفاعل في الرفع بعلة الإسناد، وبحمل المضارع يعني: عند خلوه من نوني التوكيد والنسوة على الاسم في الإعراب بعلة اعتوار أي: توارد المعاني عليه. وذكر الأنباري في الفصل الرابع عشر من (لمع الأدلة) أنه يُستدل على صحة العلة بشيئين: التأثير وشهادة الأصول، فأما التأثير فهو وجود الحكم لوجود العلة، وزواله لزوالها، وذلك مثل: أن يُدل على بناء الغايات كقبل وبعد على الضم باقتطاعها عن الإضافة، فإذا طولب المستدل بالدليل على صحة العلة قال: الدليل على صحتها التأثير، وهو وجود الحكم لوجودها، وهو البناء، وعدمه لعدمها. ألا ترى أنها قبل اقتطاعها -يعني: عن الإضافة- كانت معربة، فلما اقتطعت عن الإضافة صارت مبنية.
وأما شهادة الأصول بصحة العلة فمثل: أن يدل على بناء كيف، وأين، وأيان، ومتى؛ لتضمنها معنى الحرف، فإذا طولب المستدل بصحة هذه العلة قال: الدليل على صحة هذه العلة أن الأصول تشهد وتدل على أن كل اسم تضمن معنى الحرف؛ وجب أن يكون مبنيًّا، فإن قيل: ومن أين زعمتم أن الأصول تشهد أن كل اسم تضمن معنى الحرف وجب أن يُبنى؟ وقد أعربوا أيًّا مع تضمن معنى حرف الاستفهام كما تضمنت كيف وأخواتها؟ قيل: إنما بقوا أيًّا وحدها على إعرابها مع تضمن معنى الحرف؛ تنبيهًا على أن الأصل في الأسماء الإعراب، كما أنهم بقَّوا الفعل المضارع إذا اتصلت به نون التوكيد مع مشابهة الاسم الموجبة للإعراب على البناء، تنبيهًا على أن الأصل في الأفعال البناء، على أنهم قد قالوا: إنما أعربوها أي: أعربوا أيًّا حملًا على نظيرها ونقيضها، فنظيرها جزء، ونقيضها كل، وبنوا الفعل المضارع إذا اتصلت به نون التوكيد؛
[ ١٢٤ ]
لأن نون التوكيد أكدت فيه الفعلية، فردته إلى أصله وهو البناء على أن أيًّا جاءت شاذة في بابها، والشواذ لا تورد نقضًا على القواعد المطردة. ألا ترى أن الأصل في كل واوٍ تحركت وانفتح ما قبلها أن تُقلب ألفًا نحو: باب، ودار، وعصا، وقفا، والأصل فيها: بوب، ودور، وعصو، وقفو، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قُلبت ألفًا.
ولا يجوز أن يورد -يعني: أن يدخل في هذا الباب- القود والحوكة أيضًا؛ لشذوذه في بابه، فكذلك هنا، وأورد السيوطي ما ذكره أبو البركات الأنباري في الفصل الحادي والعشرين من (لمع الأدلة) من حديث عن اختلاف العلماء في وجوب إبراز المستدل وجه المناسبة والإخالة، وإظهارها عند مطالبة الخصم بذلك، أو عدم وجوب ذلك قال الأنباري: "اعلم أن العلماء اختلفوا في ذلك" يعني: في إبراز الإخالة والمناسبة عند المطالبة، وأوضح الأنباري أن العلماء قد انقسموا إزاء ذلك قسمين: فذهب قوم إلى أنه لا يجب إبراز الإخالة، وذهب آخرون إلى وجوب إبرازها، ولكل حجته ودليله، وقد بدأ أبو البركات الأنباري بسوق حكم القائلين بعدم الوجوب، وحجتهم، فذكر أن قومًا قالوا: لا يجب أي: لا يجب على المستدل إبراز المناسبة عند مطالبة خصمه بذلك، كأن يستدل المستدل على جواز تقديم خبر كان عليها فيقول: هي -أي: كان- فعل متصرف، فجاز تقديمه -أي: تقديم الخبر- عليها قياسًا على سائر الأفعال المتصرفة أي: في جواز تقديم مفعولاتها عليها لقوتها بالتصرف.
فإذا طالبه الخصم بوجه الإخالة والمناسبة بين كان وباقي الأفعال المتصرفة حتى يسوغ هذا الحمل، فلا يجب عليه إبراز ذلك. واستُدلَّ على عدم وجوب ذلك بأن المستدل أتى بالدليل بأركانه التي أثبتها علماء أصول النحو، وهي الأصل،
[ ١٢٥ ]
والفرع، والعلة الجامعة، فلا يبقى عليه إلا الإتيان بوجه الشرط، وهو الإخالة، وليس على المستدل بيان الشرط؛ بل يجب على المعترض بيان عدم الإخالة التي هي الشرط لصحة القياس. وذلك بأن يأتي بما يمنع المناسبة بين الحكم والوصف، ولو كلفنا المستدل أن يذكر الأسئلة، لكلفناه أن يستقلَّ بالمناظرة وحده، وأن يورد الأسئلة ويجيب عنها، وذلك لا يجوز؛ لأنه إلزام بما لا يتوقف عليه القياس.
وذهب قوم آخرون إلى وجوب إبراز الإخالة والمناسبة بين الأصل والفرع، وحجتهم في ذلك أن الدليل إنما يكون دليلًا إذا ارتبط به الحكم وتعلق به، وإنما يكون مرتبطًا ومتعلقًا به إذا بان وجه الإخالة، قال أبو البركات الأنباري معقبًا على رأي القائلين بوجوب إبراز الإخالة بحجة أن عدم وجوبها يُزيل الارتباط بين الدليل والحكم: "وأجيب بوجود الارتباط -يعني: بين الدليل والحكم- فإنه قد صرح بالحكم، فصار -أي: الحكم- بمنزلة ما قامت عليه البينة بعد الدعوى، فأما المطالبة بوجه الإخالة والمناسبة فمنزلة عدالة الشهود، فلا يجب ذلك على المدعي أي: لأنه عليه إحضار الشهود لا القدح فيهم، ولكن على الخصم أن يقدح في الشهود أي: فإذا قدح الخصم في الشهود فعلى المدعي حينئذ تزكيتهم، وإظهار عدالتهم. فكذلك لا يجب على المستدل إبراز الإخالة، وإنما على المعترض أن يقدح". انتهى ما أورده الأنباري من اختلاف العلماء في وجوب إبراز المناسبة، أو عدم وجوب ذلك.
ونحن نلحظ أن الأنباري قد رجح في هذا الخلاف الرأي الذي صدر به المسألة، وهو رأي القائلين بعدم الوجوب، وختم الخلاف بالرد على حجة القائلين بالوجوب، ففندها، وأيَّد رأي مخالفيهم وما ذهب إليه هو الصواب.
[ ١٢٦ ]
قياس الشبه
هذا المسلك هو السادس من مسالك العلة، وقد نقله السيوطي في (الاقتراح) ملخصًا عن كتاب (لمع الأدلة)، الفصل الخامس عشر؛ حيث بدأه أبو البركات الأنباري بتعريفه فقال: "اعلم أن قياس الشبه أن يُحمل الفرع على الأصل بضرب من الشبه، غير العلة التي عُلق عليها الحكم في الأصل"، وبهذا التعريف علمنا من بداية الأمر أن بين مسلك المناسبة والإخالة، وبين مسلك قياس الشبه اتفاقًا وافتراقًا، فأما الاتفاق بينهما فمن جهة أن كليهما حمل الفرع على الأصل، وأما الافتراق فلأن العلة التي في الفرع هي عين العلة التي عُلق عليها الحكم في الأصل في المناسبة والإخالة، أما في قياس الشبه فالعلة التي في الفرع غير العلة التي عُلق عليها الحكم في الأصل، وإنما هي بضرب من الشبه، وذلك مثل أن يُدل على إعراب الفعل المضارع أي: حملًا على إعراب الاسم الثابت بعلة المناسبة والإخالة، بأنه يتخصص بزمن معين بعد أن كان شائعًا في زمني الحال والاستقبال، ويخصص لأحدهما بالقرينة.
قال الأنباري: "وبيان ذلك أنك تقول: يقوم فيصلح للحال والاستقبال، فإذا أدخلت عليه السين اختص بالاستقبال، كما أنك تقول: رجل، فيصلح لجميع الرجال، فإذا أدخلت عليه الألف واللام فقلت: الرجل اختص برجل بعينه، فلما اختص هذا الفعل بعد شياعه، كما كان الاسم يختص بعد شياعه؛ فقد شابه الاسم، والاسم معرب، فكذلك ما شابهه أي: أن الفعل المضارع يدل على حدث شائع في زمنين هما الحال والاستقبال، وصالح لأن يتخصص لأحدهما بالقرينة ككلمة الآن، التي تخصصه للحال وما في معناها، ولام
[ ١٢٧ ]
الابتداء، ونفيه بليس أو ما، أو إن، أو ككلمة غد التي تخصصه للمستقبل، ومثلها بقية ظروف المستقبل ونواصب المضارع، واقتضاؤه طلبًا أو وعدًا، وسبقه بأداة ترج، أو سبقه بلو المصدرية، أو حرف تنفيس، واتصاله بنون التوكيد. كما أن الاسم يتخصص بعد شياعه أي: فإنه يكون شائعًا كرجل، ثم يتخصص بقرينة كالوصف، والألف واللام، والإضافة فيصير معينًا، فقد شابه الفعل المضارع الاسم في الشياع وصلاحية التخصص، فكان معربًا كالاسم لذلك.
والعلة الجامعة بين الفرع والأصل في هذا القياس هي الاختصاص بعد الشياع، أو أن يدل على إعراب المضارع بأنه يدخل عليه لام الابتداء كقوله ﷿: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل: ١٢٤) فكان معربًا كالاسم لذلك"، قال الأنباري: "أو أن يدل على إعرابه بأن تدخل عليه لام الابتداء كما تدخل على الاسم، والاسم معرب، فكذلك هذا الفعل" وبيانه أنك تقول: إن زيدًا لا يقوم، كما تقول: إن زيدًا لقائم، وقائم معرب، فكذلك ما قام مقامه. والعلة الجامعة بين الفرع والأصل في هذا القياس هي دخول لام الابتداء عليه، أو أن يُدل على إعراب المضارع بجريانه على لفظ اسم الفاعل في مطلق الحركات والسكون، وعدد الحروف، وتعيين الأصول والزوائد، كما في يضرب وضارب، ويكرم ومكرم، وينطلق ومنطلق، ويستخرج ومستخرج. فكذلك كان الفعل المضارع مضارعًا أي: مشابهًا للاسم في هذه الأشياء، فكان معربًا، والعلة الجامعة بين الفرع والأصل في هذا القياس هي جريانه على الاسم المعرب في حركاته وسكناته.
وختم الأنباري هذا الفصل بذكره أن قياس الشبه قياس صحيح يجوز التمسك به في الأصح كقياس العلة أي: كقياس المناسبة، لأن كلا القياسين يوجبان غلبة
[ ١٢٨ ]
الظن، ولأن مشابهة الفرع للأصل تقتضي أن يكون حكمه مثل حكمه، ولو لم يدل على جواز التمسك به إلا أن الصحابة تمسكوا به في المسائل الظنية، ولم يُنكر ذلك منهم منكر، ولا غيَّره مغير؛ لكان ذلك كافيًا.
مسلك الطرد
وهو المسلك السابع من مسالك العلة، وقد نقله السيوطي في (الاقتراح) ملخصًا عن (لمع الأدلة) الفصل السادس عشر، وقد صدره أبو البركات الأنباري بتعريف هذا المسلك، فأوضح أن الطرد هو الذي يوجد معه الحكم، وتفقد الإخالة في العلة. وانتقل إلى بيان موقف العلماء من حجيته، فذكر أنهم قد اختلفوا في كونه حجة على فريقين، فذهب قوم إلى أنه ليس بحجة؛ لأن مجرد الطرد لا يوجب غلبة الظن أي: بعلة جامعة بين الأصل والفرع، ألا ترى أنك لو علَّلت بناء ليس بكونها جامدة لا تتصرف؛ لاطراد البناء في كل فعل جامد لا يتصرف، وعللت إعراب الاسم الذي لا ينصرف بعدم الانصراف لاطراد الإعراب في كل اسم غير منصرف؛ لما كان ذلك الطرد يُغلِّب على الظن أن بناء ليس لعدم التصرف، ولا أن إعراب ما لا ينصرف لعدم الانصراف.
أي: أنك لو عللت بناء ليس بالجمود، وإعراب ما لا ينصرف بعدم الانصراف؛ لما جعل الطرد الظن غالبًا بما عللت، لاحتمال أن بناء ليس وإعراب ما لا ينصرف لأمر آخر غير ما عللت به، فتنتفي غلبة الظن؛ لأنا نعلم على سبيل اليقين أن ليس إنما بُني لأنه فعل، والأصل في الأفعال البناء، وأن ما لا ينصرف إنما أُعرب لأنه اسم، والأصل في الأسماء الإعراب، فكل منهما على أصل بابه.
وإذا ثبت بطلان هذه العلة مع اطرادها؛ عُلم أن مجرد الطرد لا يكتفى به أي: في القياس في نقل حكم الأصل للفرع ونحوه، فلا بد من إخالة أو شبه، ليحمل
[ ١٢٩ ]
الفرع على الأصل بواحد منهما. قالوا: ويدل على أن الطرد لا يكون علة أنه لو كان علة لأدَّى إلى الدور أي: لأدى إلى توقف الشيء على ما يتوقف عليه، ويُسمى الدور المصرح كما يتوقف ألف على باء، وبالعكس أو بمراتب، ويسمى الدور المضمر، كما يتوقف ألف على باء، وباء على جيم، وجيم على ألف، وكلاهما باطل، وما أدَّى إلى الباطل باطل، ألا ترى أنه إذا قيل له -أي: للمستدل مثلًا: ما الدليل على صحة دعواك؟ فيقول: أن أدعي أن هذه العلة علة في محل آخر، فإذا قيل له: وما الدليل على أنها علة في محل آخر؟ فيقول: دعواي على أنها علة في مسألتنا، فدعواه دليل على صحة دعواه أي: دعوى على أنها علة في محل آخر دليل على صحة دعواه في مسألتنا، وإثبات كل منهما موقوف على إثبات الآخر، وهذا هو الدور.
فإذا قيل له: وما الدليل على أنها علة في الموضعين جميعًا؟ فيقول: وجود الحكم معها في كل موضع دليل على أنها علة أي: لوجوده عند وجودها، وذلك هو شأن العلة. فإذا قيل له: فإن الحكم قد يوجد مع الشرط كما يوجد مع العلة أي: فيحتاج إلى الفرق، فما الدليل على أن الحكم ثبت بها -أي: بالعلة- في المحل الذي هو فيه؟ قال في (الفيض): "قوله: في المحل الذي هو، كذا في الأصول بتذكير الضمير، والظاهر أن يقال: هي -أي: العلة- فيه، وهو الفرع". أي: أن صحة تركيب السؤال السابق أن يقال له: فما الدليل على أن الحكم ثبت بها في المحل الذي هي فيه؟ أي: ما الدليل على أن حكم الأصل ثبت للفرع في الموضع الذي العلة في هذا الفرع؟ لأن شأن العلة أن يثبت بها الحكم في الفرع عند قيام علة الأصل في الفرع.
فيقول: كونها علة، فإذا قيل: وما الدليل على كونها علة؟ أي: وهلَّا كانت شرطًا وليست علة، فيقول: وجود الحكم معها في كل موضع وُجدت فيه،
[ ١٣٠ ]
يعني: وليس ذلك للشرط أي: شأن الشرط فقد المشروط عند فقده. أما عند وجوده فيجوز الوجود والعدم، فيصير الكلام دورًا أي: لأنه أثبت الحكم بها وأثبتها به. وخلاصة هذا المذهب: أن مجرد الطرد دون إخالة أو شبه ليس بحجة لأمرين؛ أولهما: أن مجرد الطرد لا يوجب غلبة الظن بعلة جامعة بين الأصل والفرع. والآخر: أن الطرد لا يكون علة؛ إذ لو كان علة لأدى إلى الدور، وذلك باطل، وما أدى إلى الباطل باطل. وقال آخرون: إن الطرد حجة، واستدلوا على ذلك بثلاثة أدلة:
الأول: قولهم: الدليل على صحة العلة اطرادها وسلامتها من النقض، وهذا موجود ها هنا. والثاني: ربما قالوا: عجز المعترض أي: عن الفرق بين الموضعين المطردة فيهما العلة دليل على صحة العلة أي: عجز المعترض على المستدل، عن إيجاد الفرق بين الموضعين اللذين ذكر المستدل أن العلة موجودة فيهما دليل على صحتها أي: لأنها لو لم تكن علة لهما؛ لأبدى المعترض فرقًا وما عجز عن ذلك. والثالث: ربما قالوا: الطرد نوع من القياس أي: لصدق تعريف القياس عليه، فوجب أن يكون حجة، كما لو كان فيه إخالة أو شبه أي: كغيره من أنواع القياس الصحيح.
وبهذا نكون قد وصلنا أخي الدارس إلى ختام هذا الدرس هذا وبالله التوفيق.
[ ١٣١ ]