[ ١٣٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع
(القوادح في العلة)
النقض
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومَن والاه؛ أما بعد:
القوادح على وزن فواعل، فهو صيغة من صيغ منتهى الجموع -أي: الجمع الأقصى- ومما يطرد فيه هذا الجمع من المفردات ما كان صفة لمذكر غير عاقل كصاهل وصواهل، فهو جمع قادح والقادح اسم فاعل من القدح، وهو العيب في العِرض، وأُكال يقع في الشجر والأسنان والعفن، والصدع في العود، والسواد الذي يظهر في الأسنان. يقول جميل بثينة:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى وفي الغر من أنيابها بالقوادح
فالقوادح -إذن- هي العيوب التي تُصيب العلةَ النحويةَ، ويعترض بسببها على الاستدلال بالقياس، والتعبير عنها بالجمع الأقصى إشارة إلى كثرة هذه العيوب. ومن هنا افتتح السيوطي مبحثها بقوله: "منها"، وهذا تعبير يدل على عدم استيفائه إياها، واكتفائه بإيراد بعضها في ضوء ما أتى به ابن جني في (الخصائص) وأبو البركات الأنباري في (الإغراب في جدل الإعراب) و(لمع الأدلة). والقادح الأول كما رتبه السيوطي النقض: بالنون والقاف والضاد المعجمة، ومعناه في اللغة: الكسر والإبطاء، والمراد به هنا كما قال الأنباري في (الإغراب في جدل الإعراب) وجود العلة ولا حكم على مذهب مَن لا يرى تخصيص العلة، أي: على مذهب من لا يرى تخصيص العلة ببعض الأفراد لوجود اطرادها، فإذا وُجدت العلة وجد الحكم، فتخلفه عنها مع وجودها نقض لها.
قال الأنباري في (لمع الأدلة): "الأكثرون على أن الطرد شرط في العلة، أي: وإلا لم تكن علة؛ لفقد المشروط عند فقد شرطه، وذلك -أي: الطرد- المعتبر لتحقق العلة أن يوجد الحكم عند وجودها في كل موضع. يعني: أن يوجد الحكم
[ ١٣٥ ]
المعلل بها عند وجود العلة في كل موضع، فلا يتخلف عنها لدورانه عليها وجودًا وعدمًا، كرفع كل ما أسند إليه الفعل في كل موضع لوجود علة الإسناد، يعني: مثل رفع المسند إليه في الجملة الفعلية، سواء أكان فاعلًا أم نائبَ فاعل. لوجود علة الإسناد المقتضية للرفع عند وجودها، ونصب كل مفعول وقع فضلة؛ لأن المفعول به هو المراد عند الإطلاق كما قال ابن هشام في (مغني اللبيب) في الباب السابع في كيفية الإعراب، قال: إن كان المبحوث فيه مفعولًا عُين نوعه، فقيل: مفعول مطلق أو مفعول به أو لأجله أو معه أو فيه، وجرى اصطلاحهم على أنه إذا قيل مفعول وأطلق، لم يرد إلا المفعول به، لما كان أكثر المفاعيل دورًا في الكلام خففوا اسمه". انتهى.
لوجود علة وقوع الفعل عليه. أي: لأنه الذي يقع الفعل عليه. وكجر كل ما دخل عليه حرف الجر لوجود عامله، وكذلك وجود الجزم في كل ما دخل عليه حرف الجزم لوجود عامله. وإنما كان الطرد شرطًا -يعني: في العلة- لأن العلة العقلية لا تكون إلا مطردة. أي: والعلة النحوية هنا كالعلة العقلية. ولا خلاف في أن العلة العقلية لا تكون إلا مطردة، ولا يجوز أن يدخلها التخصيص فكذلك العلة النحوية؛ لأنها إذا خصصت ببعض أفراد المعلول كان تحكمًا وإلغاءً لغير مقتض. وقال قوم: ليس الطرد بشرط، فيجوز أن يدخلها التخصيص. أي: ويكفي العلة ثبوتها في الأعم الأغلب من الأفراد؛ لأنها دليل على الحكم بجعل جاعل أي: وهو الواضع للفن، فصارت بمنزلة الاسم العام الصادق على ما فوق الواحد من غير حصر في أنه لا يجب تعميمه عقلًا لجميع الأفراد، بل يجوز تخصيصه ببعضها؛ لأن عمومه ظاهري لا قطعي، فكما يجوز تخصيص الاسم العام فكذلك ما كان في معناه، أي: يجوز أيضًا تخصيص ما كان بمعنى الاسم
[ ١٣٦ ]
العام من العلة الجعلية بقصرها على بعض أفراده، وكما يجوز التمسك بالعموم المخصوص، فكذلك يجوز التمسك بالعلة المخصوصة.
قال السيوطي: "وعلى الأول -وهو جواز عدم التخصيص- قال الأنباري في (الجدل) ". أي: في (جدل الإعراب). مثال النقض: أن يقول المستدل: إنما بُنيت حَذام وقطام ورقاش، أي: كل ما كان علمًا مؤنثًا على وزن فَعال على الكسر في لغة الحجازيين مطلقًا، أي: سواء كان آخره راء كسقار، وهو اسم لماء من مياه العرب، ملحوظًا فيه التأنيث، أو اسم لبئر، وكَوَبار، وهو اسم لقبيلة، أو لا، كحذام وقطام ونحوهما، وأما التميميون فمنهم مَن أعربه إعرابَ ما لا ينصرف، ومنهم من فصل بين ما ختم بالراء فبناه على الكسر، وما ليس كذلك فأعربه إعرابَ ما لا ينصرف، لاجتماع ثلاث علل، وهي: التعريف والتأنيث والعدل، أي: إنما بُنيت هذه الأعلام المؤنثة التي على وزن فعال على الكسر؛ لاجتماع ثلاث علل فيها: التعريف والتأنيث والعدل، عن حاذمة وقاطمة وراقشة، أي: لتقدير هذه الأعلام معدولة عن وزن فاعلة؛ لأنها أعلام مؤنثة.
فنقول: هذا البناء المعلل بما ذُكِر ينتقض بأذربيجان أو أذربيجان، ففي نطقها قولان بفتح الهمزة والذال المعجمة وسكون الراء أَذَرْبِيجان، أو بفتح الهمزة وسكون الذال وفتح الراء وكسر الموحدة أَذْرِبيجان، بلد بنواحي العراق غربي أرمينيةَ، فإن فيه ثلاث علل وهي: العلمية والتأنيث والعجمة، بل أكثر، كأنه يشير إلى التركيب أيضًا؛ لأنه قيل: إنه مركب من أذربي وجان، وقد جعله ابن جني في (شرح اللمع) اسمًا ممنوعًا من الصرف لاجتماع خمسة موانع من الصرف فيه، وهي: التعريف والتأنيث والعجمة والتركيب وزيادة الألف والنون، ومع ذلك ليس بمبني، بل هو معرب غير منصرف، أي: فانتقضت
[ ١٣٧ ]
العلة التي هي اجتماع العلل بوجودها مع فقد الحكم الذي هو البناء في كلمة أذربيجان.
قال -أي: الأنباري: "والجواب عن النقض أن يمنع -أي: المعلل- مسألةَ النقض إن كان فيها مَنعه، أي: إن كان فيها احتمال منعه. بأن يمنع وجود العلة فيما نقضت فيه، أو يدفع النقض باللفظ أو بمعنى في اللفظ. فالجواب إذن بأحد ثلاثة أشياء فصلها بقوله: فالمنع مثل أن تقول: إنما جاز النصب في تابع المنادى المضموم في نحو: يا زيد الظريف؛ حملًا على الموضع، أي: على موضع المنادى إذ هو في محل نصب؛ لأنه وصف لمنادًى مفرد مضموم لفظًا منصوب محلًّا، فيقال: هذا ينتقض بقولهم: يا أيها الرجل، فإن الرجل وصف لمنادى مفرد مضموم، ولا يجوز فيه النصب، أي: لأنه غير مسموع، فالعلة وجدت وهي كون التابع وصفًا لمنادى مفرد مضموم دون الحكم، وهو جواز النصب. فنقول جوابًا عن النقض: لا نسلم أنه لا يجوز فيه النصب ويمنع -أي: ويدفع النقض- على مذهب من يرى جوازه، أي: مَن يرى جواز النصب في نعت هذا المنادى، كالمازني والزجاج؛ قياسًا على صفة غيره من المناديات المضمومة، فهما يجيزان أن يقال: يا أيها الرجل".
وقول الأنباري: "ويمنع" هو تفسير لقوله: "لا نسلم"؛ لأن هذه العبارة هي المعروفة بالمنع عند أهل المناظرة، أي: يمنع النقض، والدفع باللفظ مثل أن يقول في حد المبتدأ: كل اسم عريته -أي: جردته- من العوامل اللفظية لفظًا أو تقديرًا فيقال: هذا ينتقض بقولهم: إذا زيد جاءني أكرمته، فزيد قد تعرَّى عن العوامل اللفظية ومع هذا فليس بمبتدأ، أي: بل هو فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور، فيقول المعلل: قد ذكرت في الحد ما يدفع هذا النقض؛ لأني قلت: لفظًا أو تقديرًا، وهو -أي: زيد في المثال المذكور- إن تعرى لفظًا لم يتعر تقديرًا، فإن التقدير: إذا جاءني زيد جاءني، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، والدفع
[ ١٣٨ ]
بمعنى في اللفظ، مثل أن يقول: إنما ارتفع يكتب في نحو: مررت برجل يكتب؛ لقيامه مقامَ الاسم وهو كاتب، فيقول المعترض على المعلل: هذا ينتقض بقولك: مررت برجل كتب، فإنه -أي: كتب- فعل قد قام مقام الاسم وهو كاتب، وليس بمرفوع، فانتقضت العلة.
فتقول في الجواب: قيام الفعل مقام الاسم إنما يكون موجبًا للرفع إذا كان الفعل معربًا، وهو الفعل المضارع نحو: يكتب، وكتب فعل ماض، والفعل الماضي لا يستحق شيئًا من الإعراب أي: لا رفعًا ولا غيره، فلما لم يستحق شيئًا من جنس الإعراب، أي: لعدم وجود ما يقتضي الإعراب فيه وهو تعاور المعاني المختلفة على التركيب، مُنِعَ هذا الفعل الرفع الذي هو نوع منه -أي: من الإعراب- فكأنا قلنا: هذا النوع من الأفعال الذي هو المضارع المستحق للإعراب، قام مقام الاسم فوجب له الرفع، أي: وقوله: هذا النوع المستحق للإعراب لم يذكر في لفظ العلة، لكنه معنى موجود فيها، فلا يرد النقض بالفعل الماضي الذي لا يستحق شيئًا من الإعراب، فدفع النقض هنا كان بمعنى في اللفظ، أما على مذهب من يرى تخصيص العلة فإن النقض غير مقبول، أي: لأن العلة عنده مخصوصة بغير ما نقضت به.
تخلف العكس
ذكر السيوطي أن القادح الثاني من القوادح في العلة تخلف العكس، فقال: "ومنها -أي: من القوادح- تخلف العكس، بناء على أن العكس شرط في العلة، وهو رأي الأكثرين"، وهو -أي: العكس- كما قال الأنباري في (لمع الأدلة): "أن يعدم الحكم عند عدم العلة"، فمعنى تخلفه انتفاؤه، أي: كون العلة غير منعكسة مع أن العكس شرط فيها عند الأكثرين. ومن أمثلة العكس التي أوردها
[ ١٣٩ ]
السيوطي نقلًا عن الأنباري: كعدم رفع الفاعل لعدم إسناد الفعل إليه لفظًا أو تقديرًا، وعدم نصب المفعول لعدم وقوع الفعل عليه لفظًا أو تقديرًا.
ومع أبي البركات الأنباري حيث يقول: "وقولنا: تقديرًا؛ احتراز من نحو قولهم: إنِ الله أمكنني من فلان، وامرأ اتقى الله، فإنه وإن كان إسناد الفعل إلى الفاعل ووقوع الفعل على المفعول قد عدم لفظًا، إلا أنه قد وجد تقديرًا؛ لأن التقدير في قولهم: إنِ الله أمكنني من فلان: إن أمكنني الله أمكنني من فلان، فحذف الفعل الأول لفظًا وجعل الثاني تفسيرًا له، وعلى هذا التقدير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (التوبة: ٦) أي: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك، فحذف الأول وجعل الثاني تفسيرًا له، والتقدير في قولهم: امرأً اتقى الله: رحم الله امرأً، فحذف الفعل لفظًا لدلالة الحال عليه، فالفعل ها هنا وإن عدم لفظًا فقد وجد تقديرًا، فلهذا المعنى قلنا: أو تقديرًا. وإنما وجب أن يكون العكس شرطًا في العلة؛ لأن هذه العلة مشبهة بالعلة العقلية، والعكس شرط في العلة العقلية، فكذلك ما كان مشبهًا بها.
وذهب بعضهم إلى أن العكس ليس بشرط في العلة -أي: في صحتها- ومعنى عدم العكس -أي: تخلف العكس- أنه لا يعدم الحكم -أي: لا يفقد- عند فقدها، أي: عند عدم العلة. فتخلف العكس هو وجود الحكم مع فقد العلة، وذلك نحو ما ذهب إليه بعض النحويين الكوفيين من أنه لا يعدم أي: لا يعدو نصب الظرف إذا وقع خبرًا عن المبتدأ نحو: زيد أمامك، من أنه منصوب بفعل محذوف غير مطلوب إظهاره، ولا مقدر وجوده، بل حذف الفعل واكتفي بالظرف منه وبقي منصوبًا بعد حذف الفعل لفظًا وتقديرًا على ما كان عليه من قبل حذف الفعل، أي: وبهذا المثال يعلم أنه وجد المعلول وهو نصب الظرف بغير علته وهو الفعل الناصب له.
[ ١٤٠ ]
وتمسكوا -أي: القائلون بأن العكس ليس بشرط في صحة العلة- في الدلالة على أن العكس ليس بشرط في العلة، بأن هذه العلة مشبهة بالدليل العقلي، والدليل العقلي يدل وجوده على وجود الحكم ولا يدل عدمه على عدم الحكم، فإن وجود العالم يدل على وجود الصانع، ولا يدل عدمه على عدمه". وأبطل أبو البركات الأنباري ما ذهب إليه أصحاب هذا الرأي الأخير، وأفسد دليلهم، فقال: "وهذا ليس بصحيح، وذلك أن الدليل لو تُصور عدمه لَعُدِمَ المدلول، فإن مدلول العالم العلم بالصانع مع نتيجة وجود العالم، والعالَم لن يُتصور خروجه عن أن يكون موجودًا في الوقت الذي كان موجودًا فيه، ولو تصور عدمه لعدم المدلول وهو العلم بالصانع، وإذا كان ذلك شرطًا في الدليل العقلي فكذلك ها هنا أي: كما قال الأولون".
عدم التأثير
القادح الثالث من القوادح في العلة: عدم التأثير؛ أي: عدم التأثير للوصف في الحكم، قال السيوطي: "وهو أن يكون الوصف لا مناسبة فيه". وقد نقل السيوطي هذا المبحث عن الأنباري في (لمع الأدلة) حيث قال الأنباري: "اعلم أن العلماء -أي: أكثرهم- ذهبوا إلى أنه لا يجوز إلحاقه على الإطلاق سواء كان لدفع نقض أو غيره، بل هو حشو في العلة لا يجوز تعليق الحكم به، أي: لا يجوز إلحاق الوصف بالعلة مع عدم المناسبة، بل يُعد حشوًا زائدًا يقدح في العلة، وذلك - أي: عدم تأثير الوصف- مثل أن يدل المستدل على ترك صرف حُبلى، فيقول: إنما امتنع هذا اللفظ من الصرف؛ لأنه في آخره ألف التأنيث المقصورة، أي: فوجب أن يكون غير منصرف كسائر ما في آخره ألف التأنيث المقصورة،
[ ١٤١ ]
فَذِكْر المقصورة حشو؛ لأنه لا أثر له في العلة؛ لأن ألف التأنيث لم تستحق أن تكون سببًا مانعًا من الصرف لكونها مقصورةً، وإنما كانت مانعة من الصرف لكونها للتأنيث فقط.
ألا ترى أن ألف التأنيث الممدودة سبب مانع من الصرف كالألف المقصورة أي: لوجود المانع وهو التأنيث، فلو كان القصر معتبرا في منع الصرف ما مُنعت الممدودة، وإنما قام التأنيث بهما -أي: بالمقصورة والممدودة- مقام سببين بخلاف التاء للزومها، أي: للزوم ألف التأنيث الكلمة بخلافها، أي: بخلاف تاء التأنيث، ألا ترى أنه ليس لهم حُبل وحبلى كما لهم طلح وطلحة". وانتقل الأنباري إلى ذكر دليل القائلين بعدم جواز إلحاق الوصف بالعلة مع عدم المناسبة، فقال: "وتمسكوا في الدلالة على أنه لا يجوز إلحاقه -أي: إلحاق الوصف المذكور ونحوه بالعلة- وأنه حشو فيها، بأنه لا إخالةَ فيه ولا مناسبة، وإذا كان خاليًا عن الإخالة والمناسبة لم يكن دليلًا، أي: على الحكم المعلل به، وإذا لم يكن دليلًا لم يجز إلحاقه بالعلة، وإذا لحق بها كان حشوًا فيها أي: قادحًا فيها؛ لعدم تأثيره.
وذهب بعضهم إلى التفصيل بين أن يذكر الوصف دليلًا للحكم فلا يجوز، أو يذكر للنقض فيجوز، فذهبوا إلى أنه إذا ذكر -أي: الوصف- لدفع النقض -أي: للعلة فيما تخلف فيه الحكم عنها- لم يكن حشوًا في العلة، أي: لم يكن خاليًا عن الفائدة لتأثيره في الحكم". قال الأنباري: "وتمسكوا أي: الذين فصلوا في الدلالة على ذلك، أي: على أن الوصف المذكور لدفع نقض لا يعد حشوًا في العلة، بأن قالوا: الأوصاف في العلة تفتقر إلى شيئين؛ أحدهما: أن يكون لها تأثير، والثاني: أن يكون فيها احتراز، فكما لا يكون ما له تأثير حشوًا، فكذلك
[ ١٤٢ ]
لا يكون ما فيه احتراز حشوًا، أي: لما علمت أن الاحتراز من مطالب العلة كالتأثير". قال الأنباري معقبًا على ما قالوا: "وهذا ليس بصحيح؛ لأن ما له تأثير فيه تأثير واحتراز، فلوجود الشرطين جعل علةً، وما ذكر للاحتراز فقط فَقَدْ فُقِدَ فيه أحدُ الشرطين فلا يعتد به".
قال السيوطي: "وقال ابن جني في (الخصائص): قد يزاد في العلة صفة لضرب من الاحتياط، أي: لا للتأثير ولا للاحتراز. ولكن لضرب من الاحتياط، بحيث لو أُسقطت لم يقدح إسقاطها فيها، أي: لم يؤثر إسقاط الصفة في العلة. كقولهم في همز أوائل وهو جمع أول، وأصله: أوأل، من وأل أي: نجا؛ لأن النجاة في السبق، وقيل: أصله أأول، بفتح فسكون، من آل بمعنى: رجَعَ؛ لأن كل شيء يرجع إلى أوله، فهو أفعل بمعنى مفعول كأشهر وأحمد، فأبدلت الهمزة في الوجهين المذكورين واوا إبدالا شاذا، وقال الكوفيون: هو فَوْعل من وَوَل، فأبدلت الأولى همزةً، قال الرضي في (شرح الكافية): وتصريفه كتصريف أفعل التفضيل، واستعماله بـ"مِن" مبطلان لكونه فوعلًا"، انتهى.
قالوا في همز أوائل: أصله -أي: أصل أوائل-: أواول، أي: بواوين كما كانتا في المفرد، فلما اكتنفا أي: أحاط الألف واوان، وقربت الثانية منهما من الطرف، ولم يؤثر إخراج ذلك على الأصل تنبيهًا على غيره من المغيرات في معناه، أي: لم يعهد إبقاء ذلك على أصله من غير تغيير دلالةً على ما غير من غيره -كما سيأتي- وليس هناك ياء قبل الطرف، يعني: أنه جاء على مثال مفاعل وليس على مثال مفاعيل بياء قبل آخره، إذ لو وجدت هذه الياء لفظًا أو تقديرًا لمنعت من الإبدال كما ستعرف، وكانت الكلمة جمعًا، ثقل ذلك، فأبدلت الواو همزةً، فصار أوائل، أي: لأنه من مواضع إبدال كل من الواو
[ ١٤٣ ]
والياء همزة وجوبًا أن تقع إحداهما ثاني حرفي علة توسطتهما ألف الجمع الذي على مثال مفاعل، سواء أكان الحرفان المكتنفان لألف الجمع واوين كأوائل، وأصله أواول، أم ياءين كعيائل وهو جمع عَيِّل، بمعنى فقير، أو كثير العيال، من: عَال يعيل عيلًا وعيلةً وعيولًا، فأصل الجمع: عيايل، أم مختلفين كبوائع في جمع بائعة، وسيائد في جمع سيد، وأصلهما: بوايع وسياود، فهذه علة مركبة من خمسة أوصاف محتاج إليها في وجوب الإبدال، إلا الخامس، وهو كون الكلمة جمعًا، أي: فإنه لا حاجة إليه لتحقق الإبدال مع الأربعة الأول سواء كان مفردًا أو جمعًا. فقولك: ولم يؤثر إلى آخره، احتراز من نحو قوله:
تسمع من شُذّانها عواولا
هذا القول رجز لم يعلم قائله، والشذان جمع شاذ، كشاب وشبان. قيل: والعواول جمع عِوَّال بكسر العين وتشديد الواو، مصدر عوَّل، أي: صاح، كما يقال: كذب كذابًا، وكأنه يصف دلوًا يتناثر منها الماء، أو منجنيقًا يتناثر منها الحجارة، قيل: وأصل العواول العواويل، فحذفت الياء للضرورة، والذي نراه أنه لا ياءَ مقدرةً في عواول، وليس أصلها عواويل، وحذفت الياء للضرورة كما قيل، إذ لو كان الأمر كذلك لاتفق هذا الشاهد مع ما بعده، وصارَا معًا بمنزلة شيء واحد لشاهد واحد، وصارت العلة مركبة من أربعة أشياء لا من خمسة كما ذكر السيوطي.
كما أن عبارة ابن جني: "ولم يؤثر " إلى آخره. لا تعين على هذا التخريج، وتوحي أن هذا الجزء من العلة المذكورة مغاير للذي بعده، وأقرب تفسير لذلك من وجهة نظرنا في ضوء ما ذكره ابن جني والسيوطي: أن عواول ليس جمع عِوال، وإنما هو جمع عائلة، وهو اسم فاعل لمؤنث على فاعلة من الفعل
[ ١٤٤ ]
الأجوف الواوي عالت تعول إذا صاحت، وكان هذا الجمع بمقتضى القياس يستحق الإبدال كصوائل وجوائل، ولكن أُوثِر إخراج هذا الجمع على أصله، أي: من غير إبدال؛ ليكون دلالةً على أصل ما غُير من غيره في نحوه كما قال ابن جني، وهذا هو الشاهد فيه. ويؤيد هذا التفسير أن شذان قد جاء في بعض نسخ (الخصائص) كما ذكر محققه -رحمه الله تعالى- بفتح الشين، وذكر (القاموس) وغيره من المعاجم اللغوية: أنه بالفتح والضم ما تفرق من الحصى وغيره، فربما يكون المعنى: أنك تسمع من ارتطام هذا الحصى المتفرق بعضه ببعض أصواتًا عاليةً تشبه ما عَلَا من الصياح. والله أعلم. وقولك: وليس هناك ياء مقدرة لئلا يلزمك نحو قوله: وكحل العينين بالعواور؛ لأن أصله عواوير، يخاطب الراجز، وهو جندل بن المثنى الطهوي أو العجاج امرأته بقوله:
غرك أن تباعدت أباعري وأن رأيت الدهر ذا الدوائر
حنى عظامي وأراه ثاغري وكحل العينين بالعواور
وتباعد الأباعر وهو جمع بعير كناية عن ترك السفر لكبره، أو عن فقره، فقلت أباعره، وقرب بعضها من بعض، وثاغر: كاسر ثغري أي: أسناني، والعواور جمع عوار بضم العين وتشديد الواو كرُمان، وهو القذى الذي في العين، أو الرمد الشديد، وأصل الجمع عواوير؛ لأن ألف الجمع الأقصى تأتي ثالثة فاصلة بين الواوين، إذ الواو المشددة في موضع العين بواوين، فالجمع على مثال مفاعيل، وكل ما كان على هذا الوزن من مثل هذا الجمع لا يُبدل حرف العلة الثاني منه همزة؛ لبعده عن الطرف؛ لأن الياء التي قبل الآخر جاءت مبعدة إياه عن ذلك، وقد نص العلماء على أن هذه الياء تمنع الإبدال سواء أكانت منطوقًا بها أم كانت مقدرةً، فالعبرة بما يقتضيه القياس لا بالمنطوق، وبناء على هذه القاعدة سَلِمَ الجمع في الرجز المذكور؛ عملًا بالقياس؛ لأن الجمع القياسي لعوار
[ ١٤٥ ]
هو العواوير، ولكن الراجز حذف الياء للضرورة، فهي في تقدير الموجودة.
وقولك: وكانت الكلمة جمعًا، غير محتاج إليه؛ لأنك لو لم تذكره لم يخل ذلك بالعلة، أي: لحصول الحكم وإن فُقدت الجمعية، ألا ترى أنك لو بَنيت من قُلت وبِعت واحدًا على فواعل أي: كعوارض وهو جبل ببلاد طيئ، وعليه قبر حاتم، أو أُفاعل أي: كأُباتر، وهو الذي يقطع رحمه أو الذي لا نسل له، لهمزتَ كما تهمز في الجمع، أي: لهمزت ذلك المفرد كما تهمز في الجمع، لكنه ذُكر -أي: ذكر وصف الجمع مع التعليل- تأنيثًا. عبارة ابن جني في (الخصائص): "فَذِكْرك الجمع في أثناء الحديث إنما زدت الحال به أنسًا". انتهى.
من حيث كان الجمع في غير هذا، أي: في غير هذا الوزن مما يدعو إلى قلب الواو ياء في نحو: حُقي ودلي، أي: في جمع حَقو وحِقو بفتح الحاء وكسرها، وهو الخاصرة، ودلو، وقد وقعت الواو فيهما لامًا لجمع على فعول، فأصلهما: حقوو ودلوو، بواوين، أولاهما واو الجمع، والثانية لام الكلمة، فتقلب الثانية منهما ياءً؛ استثقالًا لاجتماع واوين مع ثقل الجمعية، وقبلهما ضمتان. وفي الطرف الذي يتطلع إلى التخفيف ثم تقلب الأولى ياء؛ لاجتماعها ساكنة مع الواو، ثم تدغم الياء في الياء، ثم تقلب الضمة قبل الياء المشددة كسرةً؛ لمناسبة الياء، وهذا هو قدر واجب. أما إتباع الفاء للعين في الكسر فجائز حسن. فذُكر هنا -أي: ذكر في أوائل- قيد الجمع في أوصاف العلة؛ تأكيدًا لا وجوبًا، أي: لما علمت أن ذلك الوزن يقتضي القلب مطلقًا، وأن الجمع مما يدعو إليه. قال -أي: ابن جني في (الخصائص): "ولا يجوز زيادة صفة لا تأثير لها أصلًا البتة، كقولك في رفع طلحة من نحو: جاءني طلحة، إنه لإسناد الفعل إليه، أي: وهذه هي العلة الصحيحة، ولأنه مؤنث وعَلَم، فَذِكْر التأنيث والعلمية لغو لا فائدةَ له". انتهى. أي: قدر زائد خال عن الفائدة.
[ ١٤٦ ]
القول بالموجب
الموجب -بفتح الجيم- ما يقتضيه الدليل، أو هو المسبب، وبكسرها: الدليل نفسه، أو السبب، وقد ذكر السيوطي نقلًا عن أبي البركات الأنباري قوله في (جدل الإعراب) معرفًا بالقول الموجب في اصطلاح علماء الأصول: "وهو أن يسلِّم للمستدل -أي: الخَصم- ما اتخذه موجبًا للعلة مع استبقاء الخلاف، أي: في المتنازع فيه، ومتى توجه -أي: الخلاف- في عموم الصور المختلف فيها كان المستدل منقطعًا، فإن توجه في بعض السور مع عموم العلة، لم يعدَّ منقطعًا. أي: لعموم علته لذلك وإن اختلف فيه، أي: في هذا العموم".
وضَرَبَ مثلًا لذلك، فقال: "مثل أن يستدل البصري على جواز تقديم الحال على عاملها الفعل المتصرف". هذه عبارة السيوطي. وعبارة الأنباري: "مثل أن يستدل البصري على جواز تقديم الحال على العامل في الحال إذا كان العامل فيها فعلًا متصرفًا، وذو الحال -أي: وصاحب الحال- اسمًا ظاهرًا، نحو: راكبًا جاء زيد، فراكبًا حال، وجاء فعل ماض، وزيد فاعل، فالعامل في الحال -وهو جاء- فعل متصرف، فيكون عمله قويًّا، فيجوز تقديم الحال عليه، ولذلك قيل: راكبًا جاء زيد". قال ابن مالك:
والحال إن ينصب بفعل صرفا أو صفة أشبهت المصرفا
فجائز تقديمه كمسرعًا ذا راحل ومُخلصًا زيد دَعَا
ابن مالك أتى في البيت الثاني بمثالين؛ المثال الأول: تقدمت فيها الحال والعامل في الحال لفظ راحل، وهو صفة متصرفة؛ لأنها اسم فاعل،
[ ١٤٧ ]
والمثال الثاني: مخلصًا زيد دعا، تقدم الحال، والعامل فعل متصرف وهو دعا، فشمل النوعين، فيقول -أي: البصري: جواز تقديم معمول الفعل المتصرف ثابت في غير الحال، يعني: في نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (الضحى: ٩) فـ ﴿الْيَتِيمَ﴾ مفعول مقدم، وقد تقدم على عامله المتصرف، ونحو قوله -﷿: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ (البقرة: ٨٧) ﴿فَفَرِيقًا﴾ مفعول به مقدم، وقد تقدم على عامله الفعلي المتصرف، وما لا يحصَى من المفاعيل، فكذلك في الحال، أي: كغيره من المنصوبات.
فيقول له الكوفي: أنا أقول بموجبه، فإن الحال يجوز تقديمها عندي إذا كان ذو الحال مضمرًا، أي: إذا كان صاحب الحال مضمرًا، نحو: راكبًا جئتُ، فراكبًا حال، وقد تقدمت على العامل، لكن صاحب الحال هنا مضمر وليس اسمًا ظاهرًا، وهو الضمير: تاء الفاعل، دونما إذا كان صاحب الحال مظهرًا. لماذا؟ لئلا يؤدي ذلك إلى الإضمار قبل الذكر، أي: وذلك عندي -أنا الكوفي- ممنوع. والجواب: أن يقدر العلة على وجه لا يمكنه القول بالموجب، بأن يقول: عنيت به ما وقع الخلاف فيه، وعرفته بالألف واللام، فتناوله وانصرف إليه.
وبهذا نكون قد وصلنا إلى ختام هذا الدرس هذا وبالله التوفيق.
[ ١٤٨ ]