[ ٢ / ٦٨١ ]
[إملاء ١]
[الضمائر الواقعة للربط]
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العاليمن وصلواته على سيدنا محمد وآله أجمعين.
مسألة. قال الشيخ ﵀ ممليا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة وستمائة: الضمائر الواقعة للربط، وهو أن تربط الثاني بالأول، على ثلاثة أضرب: في باب الصلة والصفة والمبتدأ. ففي باب الصلة أنت في الضمير المنصوب بالخيار، إن شئت أثبته وإن شئت حذفته، مثال ذلك: جاءني الذي ضربت. وفي خبر المبتدأ الأكثر إثباته، وقد جاء حذفها قليلا، مثال ذلك: زيد ضربت، قليلا. والضمير في الصفة ليس كالا ستواء في الصلة ولا كالقلة في خبر المبتدأ. وسر ذلك هو أن الصلة مع الموصول جزء واحد، فاستغني بالربط اللفظي عن التزام الضيمر، وخبر المبتدأ مع المبتدأ مستقل في الجزئية، فلذلك التزم الاتيان بالضمير في الغالب ليحصل الربط بينه وبين الجزء الآخر. والصفة ليست كالصلة في الجزئية ولاكالخبر في الاستقلال. فلما كانت بينهما جعل لها (١) حكم بينهما، فلم تكن كالصلة في استواء جواز الحذف والاثبات. وأما الضمائر
_________________
(١) لها: سقطت من د.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
المرفوعة والمجرورة فلا بد من إثباتها، مثاله قولك: جاءني الذي قام، وجاءني الذي مررت به (١). وفي المبتدأ: زيد مررت به، وفي الصفة: رأيت رجلا قام، وضربت رجلا مررت به. وإنما كان كذلك (٢) لأن المرفوع أحد جزئي الجملة، فلا يجوز حذفه بخلاف ما تقدم. وأما المجرور وإن كان فضلة فلأنه يلزم من حذف الجار، فيفوت معنى الجار مع الضمير جميعا، فلا يلزم من جواز حذف شيء واحد حذف شيئين.
[إملاء ٢]
[المعارف يضاف إليها ولا تضاف]
مسألة. وقال ممليا [بالقاهرة سنة أربع عشرة] (٣): المعارف كلها يضاف إليها مثل قولك: غلام زيد، وشبهه. وليست هي مضافة، لا يقال: زيد جعفر، لأنهم لا يجمعون على الاسم تعريفين مجردين، إذ يستعنى بأحدهما عن الآخر، فيقع الآخر ضائعا. فإن قيل: فقد قالوا: يازيد، وحرف النداء يوجب التعريف كقولهم: يا رجل، فقد جمعوا على الاسم تعريفين: العلمية والنداء. فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الاسم جرد عن العلمية ونودي كما تنادى أسماء
_________________
(١) في باب الصلة يجوز حذف العائد المرفوع إذا كان مبتدأ مخبرأ عنه بمفرد نحو قوله تعالى: ﴿وهو الذي في السماء إله﴾ أي: هو إله- الزخرف: ٨٤. ويجوز حذف العائد المجرور بالإضافة إن كان المضاغ وصفا غير ماض، نحو قوله تعالي: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾، أي: ما أنت قاضيه - طه: ٧٢، والمجرور بالحرف إن كان الموصول أو الموصوف بالموصول مجرورا بمثل ذلك الحرف نحو قوله تعالى: ﴿ويشرب مما تشربون﴾ أي: منه- المؤمنون:٣٣.
(٢) في ب، د: ذلك.
(٣) زيادة من ب، د، س.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
[إملاء ٣] [معنى التعلق]
الأجناس، فتعريفه إذن ليس إلا بالنداء خاصة. الآخر (١): أن التعريف بحرف النداء إنما جيء به لطلب إجابة المنادى، والتعريف فيه لازم، فلا يلزم من الجمع بين تعريفين أحدهما غير مقصود، أن يجمع بين تعريفين كل واحد منهما مقصود.
[إملاء ٣]
[معنى التعلق]
وقال ممليا [بالقاهرة] (٢): معنى تعلق هذا بهذا في مثل قولنا: مررت بزيد وشبهه، إيصال الحرف معنى الفعل إلى الاسم. فالذي وصل معناه هو الذي يتعلق به الحرف كقولك: سرت من البصرة. فـ " من" أوصلت معنى السير إلى البصرة على معنى الابتداء وهو متعلق به.
[إملاء ٤]
[معنى الجملة المعترضة]
وقال ممليا [بالقاهرة] (٣): مسألة. معنى الجملة المعترضة: هي التي تتوسط أجزاء الجملة مستقلة لتقرر معنى يتعلق بها أو بأحد أجزائها (٤).
_________________
(١) في د: الثاني.
(٢) زيادة من ب، س.
(٣) زيادة من ب، د، س.
(٤) وقد وقعت في مواضع، منها: بين الفعل وفاعله، وبين الفعل ومفعوله، وبين المبتدأ وخبره، وبين ما أصله المبتدأ والخبر، وبين الشرط وجوابه، وبين القسم وجوابه، وبين الموصوف وصفته، وبين الموصول وصلته، وبين أجزاء الصلة، وبين المتضايفين. انظر: مغني اللبيب ٢/ ٣٨٦ - ٣٩٤ (محيي الدين).
[ ٢ / ٦٨٥ ]
[إملاء ٥]
[قد يكون للشيء معنيان فيؤتى بأحدهما]
وقال ممليا [بالقاهرة] (١): العرب تأتي بالشيء لمعنيين، ثم تأتي به في أحد المواضع لأحد معنييه. مثاله قولك: ياأيها اللاجل، إذا ناديت، فيه معنيان: أحدهما: النداء، والثاني: تخصيص الشخص المنادى. ثم تأتي به لأحد معنييه في مثل قول القائل: أما أنا أيها الرجل فأفعل كذا. فهو ليس فيه سوى معنى التخصيص وليس فيه معنى نداء، لأن المتكلم لا ينادي نفسه (٢).
[إملاء ٦]
[إسقاط حرف الجر والعطف مع " إياك"]
وقال ممليا [بالقاهرة] (٣): مسألة. إياك وأن تقعل كذا، وإياك من أن تفعل كذا، وعن أن تفعل كذا. كل ذلك جائز. فإن قلت: إياك أن تفعل كذا، جاز على إسقاط الجار، لا على إسقاط حرف العطف، لأن حروف الجر تحذف مع أن وأن قياسا مطردا، وحروف العطف لا تحذف. وأما إذا قلت: إياك وزيدا، فلا يجوز حذف الواو لأنه إن كان التقدير: إياك عن زيد، فلا يجوز حذف حرف الجر، وإن كان: وزيدا، لم يجز أيضا، لأن فيه حذف حرف العطف. وقد جاء في الشعر في كتاب سيبويه:
إياك إياك المراء فإنه إلى الشر دعاء والشر جالب (٤)
_________________
(١) زيادة من ب، د، س.
(٢) ويكون المعنى: أنا أفعل ذا مخصوصا من بين الرجال.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) هذا البيت من البحر الطويل وقذ يسبه الزبيدي للمفضل بن عبد الرحمن. انظر: طبقات النحويين واللعويين ص٥٠. وهو من شواهد سيبويه ١/ ٢٧٩، والمقتضب ٣/ ٢١٣، والخصائص٣/ ١٠٢، والرضي١/ ١٨٣، وابن يعيش٢/ ٥٢٥. والشاهد فيه أنه أتى بالمراء وهو مفعول به بعد إياك بغير حرف عطف. قال ابن الحاجب في الإيضاح: " وحمله ابن أبي إسحق على أن أصله إياك من المراء، فحذف حرف الجر لما كان المراء بمعنى أن تماري، فحمله عليه من حيث المعنى على شذوذه"١/ ٣٦٠.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
قال سيبويه: زعمرا أن ابن إسحق (١) أجاز هذا البيت وأنشده. وقال سيبويه في تفسيره: كأنه قال: اتق المراء، فنصبه بفعل مقدر بعد أياك، فيكون على هذا جملتين (٢). وقال سيبويه: لو قلت: إياك زيدا، لم يجز، كما لا يجوز: رأسك الجدار (٣). وإنما جاز ذلك في: إياك إياك المراء، لأنه مصدر، وأن تماري في معناه. فكأنه قال: إياك أن تماري، ولو قاله كذلك لكان جائزا باتفاق، فحمل قوله: إياك المراء، عليه، لأنه بمعناه. وقد قال صاحب المقدمة (٤): وتقول إياك الطريق، على الإغراء وهذا ظاهر الخطأ، لأنه مثل قولك: إياك زيدا، وقد صرح سيبويه بعدم جوازه.
[إملاء ٧]
[إعمال الأفعال المتعدية إلى مفعولين متغايرين]
وقال ممليا [بالقاهرة سنة تسع وستمائة] (٥): مسألة. الأفعال المتعدية إلى
_________________
(١) هو عبد الله بن إسحق الحضرمي. كان مائلا إلى القياس في النحو. توفي سنة١١٧هـ. انظر: طبقات النحويين واللغيويين ص٢٥.
(٢) قال سيبويه: "كأنه قال: إياك، ثم أضمر بعد إياك فعلا آخر، فقال: اتق المراء" الكتاب١/ ٢٧٩.
(٣) قال سيبويه: " واعلم أنه لا يجوز أن تقول: إياك زيدا، كما أنه لا يجوز أن تقول: رأسك الجدار". الكتاب١/ ٢٧٩.
(٤) هو ابن بابشاذ. انظر المقدمة المحسبة ص٥ (مخطوط بدار الكتب رقم١٥٤٠). وابن بابشاذ: هو طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي المصري. ورد العراق تاجرا في اللؤلؤ وأخذ عن علمائها ورجع إلى مصر واستخدم في ديوان الرسائل. توفي سنة٤٦٩هـ من تصانيفه: شرح جمل الزجاجي، والمحتسب في النحو، شرح النخبة، تعليق في النحو، شرح المقدمة المحسبة. انظر بغية الوعاة٢/ ١٧. وإنباه الرواة٢/ ٩٥.
(٥) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
مفعولين متغايرين كأعطيت وكسوت في باب إعمال الفعلين، أنك إذا أعملت الثاني والأول يحتاج إلى فاعل، قلت في المفرد المذكر: أعطاني وأعطيت زيدا درهما. وفي التثنية: أعطياني وأعطيت الزيدين درهمين. وفي الجمع: أعطوني وأعطيت الزيدين دراهم. وفي المفرد المؤنث: أعطتني وأعطيت هندا درهما. وقي التثنية: أعطتاني واعطيت الهندين درهمين. وفي الجمع: أعطينني وأعطيت الهندات دراهم. وإن أعملت الثاني والأول يحتاج إلى مفعول قلت في المفرد المذكر: أعطيت وأعطاني زيد درهما. وفي التثنية: أعطيت وأعطاني الزيدان درهمين. وفي الجمع: أعطيت وأعطاني الزيدون دراهم. وفي المؤيث: اعطيت وأعطتني هند درهما. وفي التثنية: أعطيت وأعطتني الهندان درهمين. وفي الجمع: أعطيت وأعطنتي الهندات دراهم، وإن شئت قلت: وأعطاني. فإن أعملت الأول والثاني يحتاج إلي فاعل قلت في المفرد المذكر: أعطيت وأعطانيه أو إياه زيدا درهما. وفي التثنية: أعطيت وأعطانيهما أو إياهما الزيدين درهمين وفي الجمع: أعطيت وأعطونيها أو اعطونيهن أو إياها الهندات دراهم. فإن أعملت الأول، والثاني يحتاج إلى مفعول قلت في المفرد: أعطاني وأعطيته إياه زيد درهما. وفي التثنية: أعطاني وأعطيتهما إياهما الزيدان درهمين. وفي الجمع: أعطاني وأعطيتهم إياها أو إياهن الزيدون دراهم. وفي المؤنث: أعطتني وأعطيتها إياه هند درهما. وفي التثنية: أعطتني وأعطيتهما إياهما الهندان درهمين. وفي الجمع: أعطتني أو أعطاني (١) وأعطيتهن أو
_________________
(١) بعدها في نسخة الأصل وفي م. كلام مكرر رقدر سطر ونصف.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
أعطيتها إياها أو إياهن النهندات دراهم. وفي هذه المسائل إشكال، وبيانه: أن الاسم المضمر مدلوله مدلول الاسم الظاهر. فإن كان المراد في هذه المسائل أن الدرهم المعطى باعتبار الفعل الأول هو الدرهم المعطى باعتبار الفعل الثاني صحت المسائل، ولا إشكال، وليس بالطاهر. وإن كان دراهم كل واحد من الفعلين غير الأخرى تعين الإشكال من جهة أن الضمير يعود على شيء وهو غيره. وتوجيهه أن يقال: المراد مثلها، فحذف المثل للعلم به، كأنه قال: أعطيته دراهم وأعطاني مثلها، فحذف المثل، فصار الضمير واقعا موقع مثل، فيعرب باعرابه. ومثاله قولهم: ضربت ضرب زيد، والمعنى ضربت مثل ضرب زيد، فحذف للعلم به، وحذف المضاف جائز في كل موضع يكون في الكلام قرينة تدل عليه (١).
[إملاء ٨]
[مسألة في "ليس" و" ما"]
مسألة. قال ممليا [بالقاهرة سنة تسع وستمائة] (٢): " ليس" فيها مسائل، وكذلك "ما". أحدها: ليس زيد بقائم ولا قاعد أبو. فهذه المسألة يجوز فيها ثلاثة أوجه: الخفض على اللفظ فيرتفع " أبوه" بالفاعلية. والنصب على وجهين: أحدهما: أن يكون خبرا مقدما معطوفا على الخبر الذي هو " بقائم"، و" أبوه" معطوف على اسم ليس. ولآخر: أن يكون معطوفا على موضع " بقائم"، و"أبوه" مرفوع بالفاعلية. والرفع: مبتدأ وخبر، قدم خبره عليه. فإذا قلت: هذه المسائل في "ما" جازت الأوجه الثلاثة، فالخفض كما
_________________
(١) نحو: واسأل القرية، أي: أهل القرية.
(٢) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
ذكر في " ليس"، والنصب على الوجه الثاني لا على الوجه الأول، لأنه يؤدي إلى إعمال "ما" في الخبر المقدم وهو ممتنع (١). والرفع على ما ذكر في " ليس". فإن كان موضع " أبوه" أجنبيا كقولك: عمرو وشبهه، امتنع الخفض في " ليس" و"ما" جميعا، لأنه يؤدي إلى الإخبار بالأجنبي أو العطف على عاملين، وكلاهما ممتنع. وجاز النصب في "ليس" خاصة على الوجه الأول لا على الوجه الثاني لأنه يؤدي إلى الاخبار بالأجنبي. ولا يجوز النصب في " ما" البتة، لأنك إن جعلت "عمرا" فاعلا أخبرت بالأجنبي؛ وإن جعلته خبرا مقدما أعملت "ما" مع تقدم الخبر وهو ممتنع. والرفع جائز فيهما جميعا، على أن يكون مبتدأ وخبرا.
[إملاء ٩]
[قول للإمام الجويني في فائدة الواو والرد عليه]
مسألة. قال ممليا [بالقاهرة] (٢): قال الإمام (٣) في البرهان: إن الواو إذا دخلت في الجمل ليس لها فائدة إلا التحسين اللفظي (٤). وهذا مردود بالفاء وثم، فإنك لو قلت: قام زبد فخرج عمرو، أو ثم خرج عمرو، فإنه يفهم منه ما فهم في المفرد، وهو أن مشعر بالتعقيب، ولا مهلة، وهذا مشعر بالتعقيب والمهلة. إلا أن الفرق بينهما في المفردات، أنهما اشتركا في إعراب بعامل وهذه ليست كذلك.
_________________
(١) انظر سيبويه١/ ٥٩.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) هو الإمام الجويني إمام الحرمين الشريفين وقد سبقت ترجمته في صفحة٢٨٠.
(٤) البرهان١/ ٣٩١.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
[إملاء ١٠]
[الاعتبارات التي يطلق بها المفرد]
مسألة. قال ممليا [في القاهرة سنة ثلاث عشرة] (١): المفرد يطلق باعتبارات ثلاثة: أحدها: المفرد الذي هو ضد المضاف. والآخر: المفرد الذي هو ضد المثنى والمجموع. والآخر: المفرد الذي هو ضد الجملة. فلينظر في كل باب على حسبه. إذا وقع الكلام على المفرد وهو في النداء في قولهم: إذا كان مفردا، يعني ضد المضاف.
[إملاء ١١]
[أقسام الكلمة]
قال ممليا [بالقاهرة سنة ست عشرة وستمائة] (٢) في تقسيم بعض النحويين وقولهم في بيان أن الكلمة لا تخرج عن الاسم والفعل والحرف. لا يخلو إما أن يخبر به وعنه أو لا. فإن كان فهو الاسم، وإن لم يخبر به وعنه، فلا يخلو إما أن ينتفيا جميعا فهو الحرف، وإما أن ينتفي أحدهما وهو الفعل. إن ذلك غير مستقيم لوجوه منها: أن من التقسيم قسما رابعا وهو كونه مخبرا عنه لا به، ولم يتعرض له، وقد دخل في قوله: أو ينتفي أحدهما، وهذا التقسيم غير واقع في كلام العرب، فكيف يصح التقسيم مع جره قسما ليس من أنواع المقسم؟. ومنها: أن صفات التقسيم ينبغي أن تكون جارية في جميع أنواع المقسم. وليس الأسماء كلها يخبر بها وعنها، بل بعضها يخبر بها لا عنها ةعكسه. فالأول: أين زيد؟ وكيف عمرو؟ ومتى القتال؟ والثاني: من أبوك؟. ومنها أن كونها يخبر بها وعنها فرع لمعرفة حقيقتها. ألا ترى أنك لا تحكم بذلك إلا بعد نظرك من أي
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٦٩١ ]
قبيل هي، فكيف يصح أن يجعل فرع معرفة الشيء معرفا له؟ وذلك مؤد إلى الدور. ومنها: أن حد كل شيء على حسب معقوليته، فحد الكلمة يجب باعتبار دلالتها لأنه هو المعنى الذي يتميز به لفظ عن لفظ. وإذا وجب ذلك وجب تبيين الألفاظ بدلالتها، ودلالة قسم الاسم المعنى المجرد عن الزمان، ودلالة قسم الفعل المعنى المتعرض للزمان، فيجب تبيينه بذلك. وكونه يخبر به وعنه، أو يخبر به لا عنه، ليس هو دلالته، إنما هو حكم بعد معرفة دلالته، فكان حده باعتبار دلالته أولى. وقال ابن باب شاذ وغيره متعرضا لبيان حصر الأقسام: لا يخلو إما أن يكون المدلول ذاتا أو حدثا عن ذات أو واسطة بينهما (١). فالأول: اسم، والثاني: الفعل، والثالث: الحرف. وهذا وإن لم يكن في لفظه ما يشعر بالحصر، فقد علم بقولهم: واسطة بينهما، يفي الأمرين عنه فيحصل الحصر. ثم هو بعد ذلك فاسد قطعا، وذلك أن المصادر كلها مدلولاتها أحداث، فيجب أن تكون أفعالا، وهو خرق إجماع البصريين وكثير من الكوفيين. نعم إنما يستقيم أن يصدر هذا ممن المصارد عنده من قسم الأفعال وهو بعض الكوفيين، ولعل قائل هذا الحصر رأى ذلك في كلامهم فاعتقد أنه يجري على ذلك الاصطلاح.
_________________
(١) انظر شرح المقدمة المحسبة١/ ٩٢ (تحقيق خالد عبد الكريم).
[ ٢ / ٦٩٢ ]
[إملاء ١٢]
[حكم علامة التأنيث في الفعل]
وقال ممليا [بالقاهرة سنة ستة عشرة] (١): إذا كان الفاعل ظاهرا، أعني غير مضمر، فلا يخلو أن يكون تأنيثه حقيقة أو غير حقيقة. فإن كان حقيقة فلا بد من علامة التأنيث في الفعل، سواء كان بينهما فاصل أو لم يكن، إلا في لغة رديئة، فإنه لا يأتي بالعلامة إذا كان بينهما فاصل (٢)، وهو مما رده المبرد (٣). ولو كا المؤنث غير حقيقي جاز إثبات العلامة وحذفها، كان بينهما فاصل أو لم يكن، إلا أن الأحسن في حالة الفصل عدم العلامة، وإثباتها في عدم الفصل. وبعضهم يسوي بينهما لأن القرآن العظيم وارد بهما (٤). وقال الفقهاء: ما كان تأنيثه غير حقيقي جاز إثبات العلامة وحذفها، وهذا من حيث الاطلاق لا يصح إذ لا بد من علامة التأنيث في الفعل إذا كان فاعله مصمرا سواء كان حقيقيا أو غير حقيقي مثل قولك: الشمس طلعت والسماء انشقت، ولا يحوز: طلع ولا أنشق.
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) إذا لم يكن بينهما فاصل فيجب تأينث الفعل كما ذكر المؤلف، وأما إذا فصل بينهما بفاصل فالصحيح جواز الوجهين، وإن كان التأنيث أكثر. إلا إن كان الفاصل "إلا" فالتأنيث خاص بالشعر عند الجمهور.
(٣) انظر المقتضب ٢/ ١٤٨.
(٤) قال تعالى: ﴿سرابيلهم من قطران وتغش وجوههم النار﴾ (إبراهيم:٥٠). وقال تعالى: ﴿فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم﴾. (الروم:٥٧).
[ ٢ / ٦٩٣ ]
[إملاء ١٣]
[التمييز موضوع للذات أو المعنى]
وقال ممليا [بالقاهرة سنة ست عشرة] (١): التمييزات على ضربين: أحدهما: موضوع للذات فيؤتى على ما وضع كدرهم ودينار ودار وما أشبه ذلك. والآخر: ان يكون موضوعا للمعنى، فللعرب فيه عبارتان: أحدهما: أن يأتوا بذلك اللفظ كقولهم: لله دره فروسية، فيأتون بالصيغة الموضوعة للمعنى. الآخر: أن يأتوا باللفظ الموضوع للذات التي قام بها ذلك المعنى وهو الفروسية، فيقولون: فارسا، لأنه لم يسم إلا باعتبار قيام الفروسية به.
[إملاء ١٤]
[معنى واو الصرف]
وقال ممليا [بالقاهرة] (٢): معنى قولهم: واو الصرف (٣)، أن الكلام انصرف من معنى الشرط إلى معنى آخر.
[إملاء ١٥]
[ضعف إدخال لام الابتداء في " لكن"]
وقال أيضا [بالقاهرة] (٤): إنما ضعف إدخال اللام في " لكن"؛ لأن
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) وهي تسمية الكوفيين. وهي الواو الداخلة على المضارع المنصوب لعطفه على اسم صريح أو مؤول. فالأول كقوله: ولبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف والثاني كقوله: لا تنه عن خلق وتأتي مثله. والنصب بها عندهم. قال ابن هشام: " والحق أن هذه واو العطف". والمغني١/ ٣٦١ (محيي الدين).
(٤) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
"لكن" متعلقة بما قبلها، واللام منقطعة، فلو دخلت اللام لأشعر نقيضتين متغايرتين.
[إملاء ١٦]
[الأفصح إلغاء "كأن" إذا خففت]
وقال أيضا [بالقاهرة] (١): وإنما كانت " كأن" إذا خففت ألغيت عل الأفصح (٢) لوجيهن: أحدهما: بعدها عن شبه الفعل، لأنها إنما عملت لشبهها به، وبيان بعدها دخول الجر عليها. الثاني: أنها لم تكثر كثرة " إن" إذا خففت (٣)
[إملاء ١٧]
[تقديم "إن" على لام الابتداء]
وقال أيضا ممليا [بالقاهرة] (٤): إنما قدمت "إن" وأخرت اللام (٥) لأن " إن" لها أخوات وجب تقديمها وهي: ليت ولعل وكأن، واللام لا أخت لها، فغيرت المنفردة وتركت ذات الأخوات لتكون كأخواتها. الآخر أن " إن" عاملة واللام ليس عاملة فما كان عاملا قوي بالتقديم للعمل، لأن العامل أصله التقديم،
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) قال ابن الحاجب في الإيضاح: " كأن إذا خففت جاز إعمالها وإلغاؤها. إلا أن الإلغاء أكثر"٢/ ١٩٧. والصحيح أنها إذا خففت لا تلغى بل تعمل.
(٣) إذا خففت (إن) كثر إهمالها لزوال اختصاصها بالأسماء. ويجوز إعمالها استصحابا للأصل، كقراءة نافع وابن كثير: ﴿وإن كلا لما ليوفينهم﴾. هود: ١١١. وأما (أن) فيبقى عملها إذا خففت لأنها اكثر مشابهة للفعل من (إن) ويجب أن يكون اسمها ضميرا محذوفا وخبرها جملة.
(٤) زيادة من ب، د.
(٥) المقصود باللام هي لام الابتداء.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
فكانت اللام بالتأخير أولى (١).
[إملاء ١٨]
[عدم جواز إضافة الشيء إلى نفسه]
وقال أيضا [بالقاهرة] (٢): القياس يقتضي أن لا يجوز إضافة الحسن إلى الوجه، لأن الحسن هو الوجه، والوجه هو الحسن من حيث المعنى. والإضافة إنما يبتغى بها تخصيص أو تعريف (٣)، هذه ليست كذلك. فيلزم على ما ذكر إضافة الشيء إلى نفسه. وإنه محال.
[إملاء ١٩]
[توجيه إعراب قولهم: إن المصطلح وأخوه مختصم]
وقال أيضا ممليا [بالقاهرة] (٤): إن المصطلح وأخوه مختصم. رفعت الأخ أو نصبته. وحدت مختصما أو صنيته، فهذه أربعة أوجه. فإذا رفعت فإما أن ترفع على الضمير في " المصطلح" أو على موضع "إن". ولا يستقيم العطف على الضمير لأمرين: أحدهما أنك عطفت على
_________________
(١) قال الرضي: " اعلم أن هذه اللام لام الابتداء المذكورة في جواب القسم. وكان حقها أن تدخل أول الكلام، ولكن لما كان معناها هو معنى (إن) سواء، أعني التوكيد والتحقيق وكلاهما حرف ابتداء كرهوا اجتماعهما فأخروا اللام وصدروا (إن) لكونها عاملة، والعامل حري بالتقديم على معموله، وخاصة إذا كان حرفا، إذ هو ضعيف العمل" شرح الكافية ٢/ ٣٥٥.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) هذا الإضافة المعنوية. أما اللفظية فلا تفيد تعريفا ولا تخصيصا، بل تفيد التخفيف. فإذا قلنا: حسن الوجه، يكون باب الإضافة اللفظية، لأن المضاف صفة مشبهة. ولم أر أحد من العلماء منع مثل هذه المسألة.
(٤) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
الصمير من غير تأكيد. والآخر: أنك أخبرت عن " المصطح" بأنه مختصم، ولا يصح الاختصام من واحد، ولا يمكن أن يقال: قد اشترك الأخ مع المصطلح في الا صطلاح فليشتركا في الاختصام، لأمرين: أحدهما: أن المختصم ههنا مفرد، والآخر أن الخبر عن الموصول لا يدخل معه شيء في الصلة. فإن رفعته على الموضع والمختصم مفرد لم يستقم لأمرين: أحدهما: أن المصطلح لا يكون لواحد، والآخر: أن الاختصام مخبر به عن كل واحد منهما على الافتراق، ولا يستقيم. فإن ثنيت "مختصم" في كل واحد من التقديرين فسد في الوجه الأول لعدم التأكيد، ولأجل أنك أخبرت بقولك: مختصمان، عن واحد. ويفسد في الوجه الثاني من أجل أن الاصطلاح يبقى من واحد ضرورة أنك عطفت "أخوه" على الموصول، المعطوف على الموصول لا يشترك مع ما في الصلة. فإن نصبت الأخ و"مختصم" مفرد، فإما أن تعطفه على المضمر على المفعول معه، وإما أن تعطفه على لفظ " المصطلح" الذي هو اسم "إن" فإن عطفته على المفعول معه لم يستقم من جهة أنك أخبرت بمختصم عن كل واحد منهما على الافتراق. فإن قلت: أخبرت به باعتبار الاجتماع، كان فاسدا من جهة أنك أتيت به مفردا. فإن ثنيت "مختصمان" على التقديرين جميعا فسد في الوجه الأول من جهة أنك أخبرت عن واحد وهو المصطلح باثنين وهو مختصمان. وفي الوجه الثاني من جهة أن الإصطلاح يقع من واحد. فهذه ثمانية تقديرات كلها ممتنعة (١).
_________________
(١) قال أبو علي في هذه المسألة: "ولا يجوز: أن المصطلح وأخاه مختصم، رفعت الأخ أونصبته. فإن زيد في المسألة اسم آخر وثني الخبر فقيل: إن المصطلح هو وأخوه وزيدا مختصمان، استقامت المسألة". انظر الإيضاح العضدي١/ ١٢٢.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
[إملاء ٢٠]
[الفرق بين زيد صديقي وصديقي زيد]
وقال ممليا [بالقاهرة] (١): قولهم: زيد صديقي وصديقي زيد. قال الأمام (٢): إنك إذا أخرت " صديقي" كانت الصداقة غير محصورة في زيد، وإذا قدمت " صديقي" كانت الصداقة محصورة في زيد. وكلامه مشعر بأنه خبر في المحلين جميعا. وقال بعضهم هذا القول وزعم أنه أيهما قدم فهو المبتدأ. وقال قوم: التقديم والتأخير سواء. ووجه قول الإمام: أن " صديقي" متعين للخبرية بدليل دلالته على المعنى المنسوب إلى زيد. كما أنك إذا قلت: زيد صديق لي، أو صديق لي زيد، فإنه متعين بالاجماع للخبرية. فإذا ثبت أنه خبر وقد أخرته في المسألة الأولى لم يلزمم الحصر لجواز أن يكون الخبر أعم كقولك: زيد عالم. فإذا قدمته مع ثبوت كونه خبرا فلم تقدمه إلا لغرض، ولا غرض إلا قصد الحصر، فثبت بذلك الفرق بين المسألتين. ووجه القول الثاني: أن المعرفتين إذا اجتمعا كان المقدم منهما هو المبتدأ. فإذا قلت: زيد صديقي، وجب أن لا يحصل الحصر لجواز عموم الخبر. وإذا قلت: صديقي زيد، وجب الحصر لأن المبتدأ صديقي. فلو قدرت الخبر عاما لم يستقم، فلا بد من مطابقته. وإذا وجبت المطابقة وجب أن لا صديق سواه، وليس القولن بقويين. والدليل على القول الثالث هو أن
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) أي: الإمام الجويني إمام الحرمين. انظر: البرهان١/ ٤٧٩.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
المعرفتين إذا اجتمعا كان المقدم هو المبتدأـ وهذه المقدمة يوافق فيها القائل الثاني ويخالف فيها الأول. والدليل عليها هو أن المعرفتين إذا اجتمعا (١) فلا بد من فائدة تقدر نسبة أحدهما إلى الآخر. ولايجوز أن يقدر في قولك: زيد العالم، مثل ما قدر في قولك: زيد عالم. ألاترى أنك إذا قلت: زيد عالم، أفدت المخاطب نسبة العلم إلى ذات لم يكن يعلم نسبة العلم اليها في ظنك. فلو ذهبت تقصد ذلك في: زيد العالم، كان خطأ من جهة أنك لم تعرفه العالم إلا وقد علم المخاطب الذات المنسوب إليها العلم، لأن التعريف في الألفاظ لم يوضع وضع النسب، وإنما وضع وضع الصفات. ألا ترى أنه لو لم يكن المخاطب عالما بذات منسوب (٢) إليها العلم معهودة بينه ويين مخاطبه لعد هاذيا. وإذا ثبت أنه لا يستقيم أن يكون إخبارا بالعلم عن زيد وجب النظر في معنى يفيد المخاطب فائدة لم تكن عنده. وذلط انما هو الحكم على أحد الذاتين بأنه في الوجود هو الاخر. وذلك أن المخاطب قد يكون علم زيدا من وجه فصار عنده معرفة، وعلم رجلا عالما معهودا بينه وبين مخاطبه ولكنه لا يعلم أنه زيد، فإذا قال المتكلم: زيد العالم، فقد أفاده ما ذكرناه. وإذا ثبت ما ذكرناه، فنقول: قول القائل: صديقي زيد وزيد صديقي، لا يخلو إما أن يريد بالصديق صديقا مفردا معهودا، وأو عموم الأصدقاء. فإن قصد إلى صديق معهود مفرد، وقدم زيدا أو أرخره، فالمعنى واحد على ما ثبت فيما ذكرناه، وإن قصد إلى عموم الأصدقاء وقدم زيدا أو أخره وجب العموم أيضا، لأنه إذا قصد ذلك فواجب استواء التقديم والتأخير. لأنه إذا قال: صديقي زيد،
_________________
(١) في الأصل: اجتمعتا. والصواب ما أثبتناه، لأن المقصود: الاسمين المعرفتين، وبدليل قوله في نهاية العبارة: أحدهما.
(٢) في الأصل وفي النسخ الأخرى: منسوبا. والصواب ما أثبته لأنه صفة للذات.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
وقصد إلى كل صداقة لي محصورة في زيد، أو قال: زيد صديقي، وقصد إلى أن زيدا هو المخبر عنه، لا صديق سواه، وجب الحصر فيهما جميعا. ثم نقول: نسلم أن "صديقي" يتعين "للخبرية" في المسألتين جميعا على ما ذكره الإمام، ونقول: المعنى فيهما واحد، لأنه لا يخلو إما أن يقصد بصديقي العهد العام أو العهد الخاص. فإن قصد الخاص فلا عموم في التقديم والتأخير، وإن قصد العام فالمعنى واحد، لأنه إذا قال: زيد صديقي، وقصد إلى أن "صديقي" عام وجب أن يكون المعنى: أن زيدا هو جميع أصدقائي، فلا صديق لي سواه، وهو يسلم ذلك في المسألة الأخرى. وإنما وقع الوهم في ذلك من جهة توهم أن "زيد صديقي" مثل قولك: زيد صديق، في تأخير "صديق"، وليس بسواء، لأنك إذا قلت: زيد صديق، وجب أن لا يكون المعنى إلا أن يخبر عن زيد بأنه صديق، فجائز أن يكون ثم صديق غيره كقولك: زيد عالم. أما إذا قلت: زيد صديقي، وقصدت إلى ذلك المعنى كان فاسدا من جهة ما أثبتناه في امتناعه في: زيد العالم، فوجب أن يكون المعنى الإخبار عن زيد بأنه الصديق المعهود المعين، وأ بأنه لا صديق سواه. وإذا وجب أن يكون المعنى كذلك استوى تقديم " صديقي" وتأخيره على ما ذكرناه. وإنما أخذ قائل هذا القول " صديقي" عند تأخيره فجعله مثل: زيد عالم، وقدر فهم ذلك، فلزم منه تجويز الصداقة في غيره، وأخذ "صديقي زيد" عند تقديم "صديقي" فجعله عاما لجواز ذلك فيه، وقدر فهم ذلك وأخبر عنه بزيد، فلزم حصر الصداقة في زيد. ومن نظر ما ذكرناه علم أنهما سواء (١) ولله الموقق للصواب.
_________________
(١) قال السيوطي: " قال ابن الخباز: إن قلت: ما الفرق بين. زيد أخوك وأخوك زيد؟ قلت: من وجهين، أحدهما: أن (زيد أخوك) تعريف للقرابة، و(أخوك زيد) تعريف للاسم. والثاني: أن (زيد أخوك) لا ينفي أن يكون له أخ غيره، لأنك أخبرت بالعام عن الخاص. و(أخوك زيد) ينفي أن يكون له أخر غيره، لأنك أخبرت بالخاص عن العام. وهذا ما يشير إليه الفقهاء في قولم: زيد صديقي زيد. نقله ابن هشام في تذكرته" الأشباه وانظائر ٢/ ٢٢٢ (تحقيق طه عبد الرؤوف سعد).
[ ٢ / ٧٠٠ ]
[إملاء ٢١]
[حذف نون الوقاية]
وقال ممليا [بالقاهرة] (١): إذا قلت: يضربونني، فلك أن تأتي بنون الوقاية ولك أن لا تأتي بها، وأيهما المحذوف؟ وقال: نون الوقاية هي المحذوفة لأمرين: أحدهما: أن نون الإعراب دلالتها معنةية والوقاية لفظية. وإذا دار الأمر بين المعنوي واللفظي، فالمعنوي بقاؤه هو الوجه، واللفظي أولى بالحذف. الآخر: أن الوقاية هي التي جاء بها الثقل، وذلك أن النطق بنون الإعراب حاصل أولا قبل النطق بها، فلم تأت الكراهة إلا من الأولى، ولذلك قال الشيخ الشاطبي (٢) في هذا بعينه: والحذف لم يك أولا.
[إملاء ٢٢]
[وجه تسمية حروف العلة بذلك]
وقال ممليا بالقدس سنة ست عشرة وستمائة: إنما سميت حروف العلة
_________________
(١) زيادة من ب، د. س.
(٢) هو القاسم بن فيرة من شيوخ ابن الحاجب. انظر ترجمته ص ٢٤. قال: وخفف نونا قبل في الله من له بخلف أتى والحذف لم يك أولا انظر: الشاطبية ص٥٤ (مطبعة مصطفى البابي الحلبي).
[ ٢ / ٧٠١ ]
بذلك، إما لأنها تعل ما تكون فيه بالتغيير، أي: تغيره، فتكون إضافتها كاضافة حروف الجر، فإنا أضفناها إلى أثرها. وإما لأنها حروف تعتل في أنفسها فتكون إضافتها كإضافة حروف الاستعلاء، فأضفناها إلى صفة من صفاتها، كما تقول: رجل علم. وليس المراد هنا الإضافة التي في اصطلاح النحويين من منعهم إضافة الصفة إلى موصوفها أو العكس، فإنا ههنا قد بينا المراد من قولنا: إنها مضافة إما إلى أثرها أو إلى صفة من صفاتها، فليتأمل ذلك.
[إملاء ٢٣]
[إعراب " السماوات" في قولهم: خلق الله السماوات]
وقال ممليا [بالقاهرة] (١): قولم: خلق الله السموات. من قال: إن الخلق هو المخلوق، فواجب أن تكون " السماوات" مفعولا مطلقا لبيان النوع. إذ حقيقة المصدر المسمى بالمفعول المطلق أن يكون اسما لما دل عليه فعل الفاعل المذكور، وهذا كذلك. لأنا بنينا على أن المخلوق هو الخلق، فلا فرق بين قولك: خلق الله خلقا، وبين قولك: خلق الله السماوات، إلا ما في الأول من قولك: خلق الله خلقا، وبين قولك: خلق الله السماوات، وإلا ما في الأول من الإطلاق وفي الثاني من التخصيص. فهو مثل قولك: قعدت قعودا وقعدت القرفصاء. فإن أحدهما للتأكيد والآخر لبيان النوع وإن استويا في حقيقة المصدرية، وهذا أمر مقطوع به بعد إثبات أن المخلوق هو الخلق. ومن قال: إن المخلوق غير الخلق، وإنما هو متعلق الخلق، وجب أن يقول: إن "السماوات: مفعول به، مثله في قولك: ضربت زيدا، ولكنه غير مستقيم، لأنه لا يستقيم أن يكون المخلوق متعلق الخلق. لأنه لو كان متعلقا له لم يخل أن يكون الخلق المتعلق قديما أو مخلوقا، فإن كان مخلوقا تسلسل
_________________
(١) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
فكان باطلا، وإن كان قديما فباطل لأنه يجب أن يكون متعلقه معه، وإذ خلق ولا مخلوق محال، فؤدي إلى أن تكون المخلوقات أزلية، وهو باطل، فصار القول بأن الخلق غير المخلوق يلزم منه محال. وإذا كان اللازم محالا فملزومه كذلك. فثبت أن الخلق هو المخلوق. وإنما جاء الوهم لهذه الطائفة من جهة أنهم لم يعهدوا في الشاهد مصدرا إلا وهو غير جسم، فتوهموا أنه لا مصدر إلا كذلك. فلما جاءت هذه أجساما استبعدوا مصدريتها لذلك، ورأوا تعلق الفعل بها فحملوه على المفعول به. ولو نظروا حق النظر لعلموا أن الله تعالى يفعل الأجسام كما يفعل الأعراض، فنسبتها إلى خلقه واحدة. فإذا كان كذلك، وكان معنى المصدر ما ذكرناه وجب أن تكون مصادر (١). وليست هذه المسألة وحدها بالذي حملوا فيها أمر الغائب على الشاهد، بل أكثر مسائلهم التي يخالفون فيها على ذلك كمسألة الرؤية وعذاب القبر وأشباههما.
_________________
(١) انظر ما قاله ابن هشام في هذه المسألة. مغني اللبيب ٢/ ٦٦٠ (محيي الدين). وقد أيد قول ابن الحاجب بأنها مصدر وليست مفعولا به، ونسب هذا القول للجرجاني. وقد حاولت جهدي البحث في هذه المسألة في كتب المتقدمين والمتأخرين فلم أجد أحدا قال: إنها مفعول مطلق. وحملها على المفعول به أولى. انظر حاشية الدسوقي على مغني اللبيب ٢/ ٢٨٦ (مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني)، والأشباه والنظائر ٤/ ٩٧ وفيه رد على من قال: إنها مصدر.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
[إملاء ٢٤]
[جواز الاشارة إلى شيء موجود في الذهن]
وسئل بالقاهرة في ورقة أرسلها أبوعلي الحاسب (١) عن قولهم: أكلت هذا الرغيف، فقيل في السؤال: كيف تصح الإشارة إلى شيء وهو معدوم؟ فأجاب بأن المشار إليه لا يشترط أن يكون موجودا حاضرا بل يكفي أن يكون موجودا ذهنا. والدليل عليه قوله تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة﴾ (٢)، وهي
[إملاء ٢٥]
[لا يستقيم تقدير التمييزات كلها بـ "من"]
وقال أيضا ممليا [بدمشق ستة سبع عشرة وستمائة] (٣): لا يستقيم أن تقدر التمييرزات كلها بـ "من". لأن "من" المرادة بتقدير التمييز إنما هي "من" التبيينيه. وذلك أن التمييز لما كان تبيينا للمميز عنه جرت "من" التبيينية فيه. إلا أن شرط التبيينية أن تجري على مذكور. ولما كان التمييز تارة لمذكور، وتارة لمقدر لم يصح الإتيان بها في المقدر. فلذلك لا يحسن أن يقال في: حسن زيد دارا، حسن زيد من دار، ولاتصبب من عرق. فإن زعم زاعم أنه يصح أن يقال: تصبب زيد من العرق، وحسن زيد من الدار. فنقول: ليست "من" هذه "من" التي أردناها، وإنما هذه (٤) "من" التي للسببية، كقولك: جئتك من أجل أن أكرمتني. وحينئذ يفسد ما قصد من تبيين
_________________
(١) لم أعثر له على ترجمة.
(٢) القصص:٨٣.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) في م: وهي.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
التفسير بـ "من" لصحة دخول "من" هذه على غير التمييزات كقولك: أكرمتك حبا لك. ويصح أن تقول: أكرمتك من حبي لك. وهذا بعد التسليم لصحة تقدير: تصبب زيد من العرق، وليس في التحقيق بمستقيم، لأنه إذا جعلناه للتبيين لم يستقم كما تقدم. وإن جعلناه للتعليل وجب نسبة التصبب لزيد، وهو غير مستقيم، فلذلك قلنا: إنه لايستقيم دخول " من" على كلى تمييز.
[إملاء ٢٦]
[مسألة في اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة]
وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة] (١): لم يختلف أحد في أن اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشابهة أنه (٢) ليس جملة مع ضميره المرفوع به في مثل قولك: زيد ضارب، وزيد مضروب، وزيد حسن. فضارب ومضروب وحسن مفرادات تاتفاق. وإن كان لا بد لها من مرفوع غير المبتدأ، وسبب ذلك أمران: أحدهما: أن الجملة هي التي تستقل تالإفادة باعتبار المنسوب والمنسوب إليه، وهذه ليست كذلك، فوجب أن لا تكون جملة. الثاني هو: أن وضع هذه الأسماء على أن تكون معتمدة على من هي له، لأن وضعها على أن تفيد معنى، في ذات تقدم ذكرها. فإذا استعملت مبتدءات خرجت عن وضعها، ولذلك لما خرج بعضها عن هذا المعنى وجعل لمعنى الفعل بشرط ما يكون كالعوض عما كان يستحقه من الاعتماد، أو كالدال على إخراجه عن وضعه الأصلي إلى هذا الوضع، جاز أن يكون مع مرفوعه جملة. واشترط حينئذ أن لا يكون ذلك المرفوع ضميرا خشية التوهم من أنه هو ذلك الجاري على من هو تبع له، تنبيها على أنه أخرج
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) أنه: سقطت من د.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
عن وضعه، فقيل: أضارب الزيدان؟ وما ضارب الزيدان. ولم يقل: أضاربان؟ ولا ما ضاربان، خشية من توهم أنه الجاري صفة على ذات تقدم ذكرها، وتنبيها على أنه أجري مجرى الأفعال في إفادة النسبة للمخاطب، فجرى مجرى قولك: أيضرب الزيدان؟ وما يضرب الزايدان، في صحة وقوعه خبرا به عن متأخر غير مشروط بتقدم من هوله. والذين خالفوا في: زيد ضارب غلامه، وإن كان غلامه فاعلا، وجعلوا " ضارب غلامه" جملة، فليس يخالفون في القواعد التي ذكرناها. وإنما الخلاف في ذلك مبني على أنه هل ثبت أن " ضارب غلاماه" مثل: أضارب الزيدان؟ أو لم يثبت؟ فمن جوزه (١) أجراه مجرى: أضارب الزيدان؟ في إخراج الصفة عن موضوعها الأصلي واستعمالها استعمال الفعل. ومن منعها قصر ذلك على باب الهمزة و"ما" وهو الصحيح، لأنه لم يثبت إخراج الصفة عن أصلها إلا في ذلك، فوجب قصره عليه. ولا يصح قياسه عليه لما ذكرناه من أن فيه تعويضا عن المعتمد وتنبيها على الإخراج، وهما أمران مناسبان، فلا يجوز إلغاؤهما، فوجب القصر على ذلك.
[إملاء ٢٧]
[معنى قول النحويين: الإخبار بالذي وأخواتها]
وقال أيضا ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (٢): معنى قول النحويين: الاخبار بالذي وأخواتها، وإن لم يهتدوا لمعنى ذلك: أن يكون المخاطب يفهم نسبة معينة إلى منسوب إليه غير معين عنده، أو يفهم منسوبا إليه
_________________
(١) هو الفراء. انظر الإيضاح في شرح المفصل١/ ٦٤١.
(٢) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
معينا منسوبا إليه أمر غير معين، فيقصد المتكلم إلى إعلامه بالتعيين فيهما، فيتوصل إلى ذلك بالذي مطلقا، وبالألف واللام في الفعلية. فمثال الأول وهو بيان تعيين المنسوب إليه قولك: الذي هو قائم زيد. ومثال الثاني قولك: الذي زيد هو قائم. وإنماوضعوا في ذلك " الذي" لأنه هو الذي وضع متوصلا به إلى الإخبار عن المنسوب أو المنسوب إليه مع ذكر ذلك بعده، ولذلك لم يوصل إلا بالجمل، فتعين فيما نحن فيه كذلك، لأن الغرض بيان المنسوب أو المنسوب إليه حسب ما ثبت للمخاطب. وإنما وجب أن يكون في موضع المبهم ضمير، لأنه في المعنى هو الذي، فلو لم يكن ثم ضمير لكانت الجملة أجنبية عنه أو كانت غير جملة فيفسد المعنى. وإنما وجب أن يكون الاسم الذي به يقع التعيين خبرا لأن الغرض بيان ذلك المبهم بالخبر، فوجب أن يكون ذلك مؤخرا لأنه خبره. وقول النحويين (١): الإخبار بالذي، ليس على ظاهره، لأن المراد أنك جعلت " الذي" خبرا. وإنما المراد بهذه الباء باء التوصل والتسبب (٢)، كقولك: كتبت بالقلم. فمعنى أخبرت بالذي، أي: توصلت إلى هذا الإخبار بالذي، لا أنك جعلت " الذي" خبرا، لأنه مخبر عنه في جميع هذا الباب. ومعنى قولهم: أخبرني (٣) عن زيد، في: زيد قائم، ليس على ظاهره، لا باعتبار قولهم: عن، ولا باعتبار قولهم: زيد. أما باعتبار قولهم: زيد، فلأنه لو كان "زيد" معلوم لم يخبر عنه، وإنما أخبر باعتبار كونه مجهولا، وإنما المعنى إذا كان المحهول عند المخاطب هو زيد، كيف يكون الإخبار؟ وأما باعتبار "عن" فلا يستقيم أن يكون على ظاهره، لأن الإخبار ليس عن زيد وإنما
_________________
(١) النحويين: سقطت من د.
(٢) وتسمى باء الآلة، لأنها تدل على آلة الفعل وأداته التي يحصل بها معناه.
(٣) في الأصل: أخبر لي .. وهو تحريف.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
هو عن " الذي"، و"زيد" مخبر به، فكيف يصح أن يكون مخبرا عنه؟ وإنما أرادوا بقولهم: إذا أخبرت عن زيد، أي: إذا كان المجهول في الحقيقة هو ذات زيد، كيف تخبر عنه؟ فتجوزوا في ذلك، لم كان المخبر عنه في الحقيقة هو زيد جاز أن يقال: كيف عن زيد؟
[إملاء ٢٨]
[الاستثناء المنقطع]
وقال أيضا ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١): فائدة. الاستثناء المنقطع (٢) وهو المذكور بعد " إلا" وأخواتها غير مخرج، ويثبت له ما يثبت للاستثناء المتصل إن أمكن مثل: ما اشتريت أحدا إلا حمارا، أو ما يدل عليه سياق الكلام إن لم يمكن ذلك مثل: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إ لا من رحم﴾ (٣)، أو الثبوت والحصول مثل: ما زاد إلا ما نقص. وهل يجوز ذكر ما يحبر به عنه؟ وهل يكون ما يذكر معه إن ذكر هو خبر له كخبر " لكن" في قولك: لكن زيدا فعل كذا؟ أو يكون كلاما مستأنفا؟ فيه خلاف. مثاله قوله تعالى: ﴿إلا إبليس أبي﴾ (٤)، و﴿إلا إبليس لم يكن من الساجدين﴾ (٥) و﴿إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا﴾ (٦).
_________________
(١) زيادة من "ب" و"د".
(٢) الاستثناء المنقطع هو الذي لا يكون فيه المستثنى بعضا من المستثنى منه، فلاهو فرد من أفراده، ولا جزء حقيقي منه. ولكن ينبغي أن يكون بينهما اتصال معنوي وعلاقة وربط.
(٣) هود: ٤٣. في الأصل وفي ب، د، م: إلا المرحوم. وهو خطأ. لأن المؤلف قصد نص الآية كما هو واضح من كلامه في آخر الإملاء.
(٤) البقرة: ٣٤ وقبلها: ﴿وإذ قلنا لملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا﴾.
(٥) الأعراف: ١١. وفبلها: ﴿ثم قلنا لملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا﴾.
(٦) الإسراء: ٦١. وقبلها: ﴿وإذ قلنا لملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا﴾.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
فمن جعله خبرا له لم يقف عل قوله: ﴿إلا إبليس﴾، كما لا يقف على قوله: لكن إبليس. ومن جعله كلاما مستأنفا أتى به لإيضاح ما هو في المعنى له، وقف على (إلاإبليس) وابتدأ: (أبى واستكبر)، وكذلك ما أشبهه. وقوله: ﴿لا عاصم اليوم، إنما جيء به ردا على توهمه أن ثم عاصما يعصمه. فلو جعل (إلا من رحم) للمرحومين على أنهم عاصمون لكان فيه إثبات نفس ما سيق الكلام لإنكاره، لأن الملاحومين كثيرون. وإذا كانوا عاصمين، لم يكن لإنكاره ظنه أن ثم عاصما معنى (١).
[إملاء ٢٩]
[تثنية العمرين والقمرين وشبه ذلك على خلاف القياس]
وقال أيضا ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة] (٢): القمران والعمران وشبه ذلك، تثنيته على خلاف القياس. لأن القياس في كل مثنى أن يكونا كشتركين في الاسم، ومسميا هذا المثنى لا يشتركان في الاسم. ووجه خروجه عن القياس كثرة ذكرهما معا، فاقتضى تخفيف اللفظ بهما لأنه قد كثر قولهم: أبو بكر وعمر، كما كثر قولهم: الشمس والقمر، فهذا وجه مخالفة القياس. فلما خالفوه فلا بد من تعيين أحد الاسمين، فكان عمر أولى من وجوه: أحدها: أنه دون الأول في الرتبة، كما فعلوا في القمرين. وسره قصدهم إلى أن يكون الأول اشترك مع الثاني في المعنى، ولو عكسوا لم يكن المتروك اشترك مع المذكور في ثبوت الأفصلية للمذكور. الوجه الثاني: أن عمر أخف لفظا. الثالث: أن تثنية الاسم المضاف العلم على خلاف القياس. وبيان مخالفته
_________________
(١) قال المبرد: " فالعاصم الفاعل، ومن رحم معصوم. فهذا خاصة لا يكون فيه إلا النصب". المقتضب ٤/ ٤١٢.
(٢) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
للقياس (١) هو أنك إذا ثنيت الأول فقد ثنيت بعض الاسم، لأنه إنما كان علما بكماله، ولو ثنيت الثاني كان أبعد، لأنه كذلك، ولأن المقصود بالنسبة هو المضاف، ولو ثنيتهما جميعا كان أبعد لأنك جمعت على الاسم تثنيتين باعتبار واحد. فلما كان ذلك مخالفا للقياس ثنوا ما لا مخالفة فيه، لئلا يجمعوا بين مخالفتين: المخالفة في أصل التثنية المتقدمة، وهذه المخالفة.
[إملاء ٣٠]
[الحروف التي تدل على خصائص أقسام الكلام لا يتقدم عليها ما هو في حيزها]
وقال أيضا ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة وستمائة] (٢): لا يجوز: زيدا هلا ضربت. لأنه لا يتقدم على الحروف التى تدل على خصائض أقسام الكلام معمول ما في حيزها، كما لا يتقدم عليها ماهو في حيزها. وجاز: زيدا اضرب، لأنه ليس ثم حرف مما ذكرناه، فيمتنع التقديم عليه وإنما صيغة الفعل نفسها موضوعة لذلك كما أن " ضربت" يتقدم عليه معموله وإن كان معناه إثباتا لما لم يكن معه حرف وضع لذلك. وجاز: زيدا ليضرب، لأنه في معنى: اضرب، فأجري مجراه لموافقته له في معناه. ولذلك لم يحسن: زيدا ليضرب، كحسن: زيدا اضرب. وجاز: زيدا لا تضرب، إجراء له مجرى: زيدا لضرب، لأنهما في
_________________
(١) في د: القياس.
(٢) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٧١٠ ]
المعنى من باب واحد وهو الطلب للفعل، فشبه الأمر بالنهي لذلك. وجاء تقديم معمول ما بعد "لا" في الظروف (١) كثيرا، لأن "لا" التي للنفي أخت "لا" التي للنهي في اللفظ والمعنى الأصلي، فحملت النفيية على النهيية، وليس كذلك في "ما" لبعدها عن النهيية في اللفظ والمعنى. وجاء: زيدا لن أضرب، لأنها نظيرة " لا" وتأكد امتزاجها مع الفعل لكونه معمولا لها، والمعمول كالتتمة، فكانت كجزئه، بخلاف "لا" النفيية، وبذلك استدل على الخليل في أنها ليس أصلها: لا أن (٢)، لأنها لو كانت كما ذكر، وقد جاء: زيدا لن أضرب، لأدى إلى تقديم معمول ما بعد "أن" عليه، وهو ممتنع باتفاق.
[إملاء ٣١]
[الاستثناء المفرغ لا يقع في الفاعل والمفعول إلافي غير الموجب]
وقال أيضا ممليا [بدمشق سنة تسع عشرة] (٣): إنما لم يقع الاستثناء المفرغ إلا في غير الموجب (٤) في الفاعل والمفعول، لأن الواقع في الوجود لا
_________________
(١) كقوله تعالى: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾. (الرحمن:٣٩). وقوله تعالى: ﴿قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانها﴾. (السجدة: ٢٩).
(٢) قال سيبويه: " فأما الخليل فزعم أنها أن، ولكنهم حذفوا لكثرته في كلامهم". الكتاب ٣/ ٥. وسيبويه لا يوافق الخليل على ذلك فيقول: " ولو كانت على ما يقول الخليل لما قلت: أما زيدا فلن أضرب، لأن هذا اسم والفعل صلة، فكأنه قال: أما زيدا فلا الضرب له ". انظر: الكتاب٣/ ٥.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) لأن التفريغ في الإيجاب يدعو إلى الاستبعاد. فإذا قلت: خرج إلا زيد، كان معناه: خرج جميع الناس إلا زيد، وهذا بعيد، وليست هناك قرينة تدل على أن المقصود جماعة مخصوصة.
[ ٢ / ٧١١ ]
يصح التعبير به عنه في الموجب لتعذر وقوع ذلك. إذ لايمكن أن يقع معنى قولك: ضربت إلا زيدا، وقتلت إلاعمرا، وخرج إلا زيد، وسافر إلا عمرو، لأنه يؤدي إلى أن يكون العام المسكوت عنه مسندا إلى جميعه ذلك وقوعا، وهو متعذر الوقوع من حيث العادة. فلما كان ذلك هو الغالب باعتبار الإثبات، زيدا، وما جاءني إلا زيد، وشبهه. وأما غير الفاعل والمفعول من نحو ظرف الزمان والمكان فيجيء في الموجب والمنفي جميعا، إذ لا يتعذر ذلك في المعنى لصحة وقوعه كقولك: ضربت إلايوم الجمعة، إذ يصح أن تضرب في كل يوم غير يوم الجمعة، ويصح العكس، فجاز الأمران فيه لذلك.
[إملاء ٣٢]
[موضع "أن" و"أن" أذا حذف عنهما حرف الجر]
وقال أيضا ممليا [بدمشق سنة تسع عشرة وستمائة] (١): مذهب الخليل في " أن" و"أن" وما في حيزهما إذا حذف عنهما حرف الجر أنهما في موضع خفض بإضمار حرف الجر. ومذهب سيبويه أنهما في موضع نصب (٢).
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) قال سيبويه: " فأن هاهنا حالها في حذف حرف الجر كحال أن، وتفسيرها كتفسيرها، وهي مع صلتها بمنزلة المصدر". الكتاب ٣/ ١٥٤.وقال أيضا: "وأعلم أن اللام ونحوها من حروف الجر قد تحذف من أن كما حذفت من أن، جعلوها بمنزلة المصدر حين قلت: فعلت ذاك حذر الشر، أي لحذر الشر، ويكون مجرورا على التفسير الآخر". الكتاب ٣/ ١٥٤.
[ ٢ / ٧١٢ ]
فوجه قول سيبويه أنه اسم حذف منه حرف الجر فوجب أن يتعدى الفعل إليه فينصبه كما في قوله: ﴿واختار موسى قومة﴾ (١)، وأمرتك الخير (٢). وهو واضح. ووجه مذهب الخليل أنه اسم سقط منه حرف الجر في موضع لا يصح تسلط الفعل عليه فوجب إضماره كقولك: الله لأفعلن، وكقولك: وبلدة (٣)، وكقول رؤبة: خير (٤)، إذ قيل له: كيف أصبحت؟ وشبهه. وهذا وإن كان يقابله قياس حجة سيبويه إلا أنه أخص من حيث كان أصل سيبويه يصح أن يعدى الفعل إلى ما حذف عنه حرف الجر، وليس الفرع كذلك، والأصل والفرع فيما قاس عليه كذلك، فحصل الفرق في قياس سيبويه، إلا أنه يمكن أن يلغى ذلك الفرق وهو أن يقال: أما قول رؤبة: خير، فشاذ لا ينبغي أن يعول عليه في حمل اللغة الفصيحة. وأما: الله، في القسم، فقد جاء النصب والخفض، والنصب هو الوجه، فالقياس عليه إذن أقوى من القياس على الآخر. وأما قوله: وبلدة، فالمنازعة أولا في أن الخفض ليس بإضمار "رب" وإنما هو بالواو التي بمعنى رب (٥). وإذا احتمل ذلك صار الأصل منازعا فيه، فلا يصح القياس. وكيف والخفض بإضمار حرف الجر قليل شاذ باتفاق (٦).
_________________
(١) الأعراف: ١٥٥.
(٢) قال عمرو بن معد يكرب: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب انظر شعره ص٤٧، وسيبويه ١/ ٣٧، والمفصل ص ٢٩١.
(٣) قال جران العود: وبلدة ليس به أنيس إلا اليعافير وإلا العيس انظر سيبويه ١/ ٢٦٣، والخزانة ٤/ ١٩٧.
(٤) يروى أنه إذا قيل له: كيف أصبحت؟ يقول: خير عافاك الله. انظر المفصل ص٢٩٢.
(٥) وعند سيبويه أن الخفض بإضمار (رب). الكتاب ١/ ٢٦٣.
(٦) كقول الفرزدق إذا قيل: أي الناس شر قبيلة أشارت كليب بالأكف الأصابع
[ ٢ / ٧١٣ ]
وإذا ثبت ذلك، فالقياس على ذلك مع إمكان القياس على ما هو الكثير الشائع غير سائغ. فإذن القول ما قاله سيبويه، لما يؤدي من إضمار حرف الجر وإعماله وهو قليل شاذ، فلا ينبغي أن يحمل عليه مع إمكان ما هو الكثير السائغ.
[إملاء ٣٣]
[حكم المستثنى إذا تكرر بعد نفي أوما في حكمه]
وقال أيضا ممليا [بدمشق سنة تسع عشرة] (١): قول بعض النحويين في قولهم: ما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدا، لأن المعنى كل الناس أكلوا الخبز إلا زيدا. هذا التعليل وإن كان مستقيما في مثل هذه المسألة، فإنه لا يطرد في بقية الباب، وهو باب واسع. وأصله: أن كل مستثنى تكرر بعد نفي أو ما في حكمه لم يكن للتقريغي ولا (٢). للبدلي إلا واحد، وما زاد فهو منصوب على أصل الاستثناء (٣). وذلك أنه إذا تكرر الا ستثناء المذكور فلا يستقيم في الجميع رجوع إلى المستثنى منه بدلا، ولا ما في معناه من إقامته على ما هو حكم البدل التفريغي. لأنك إن أتيت به بغير حرف عطف كنت مشركا بينهما في الإثبات من غير حرف تشريك، وهو غير سائغ. ولذلك إذا أمكن الإتيان بحرف
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) لا: ساقطة من ب، د.
(٣) قال المبرد: " تقول ما جاني أحد إلا زيدا إلا عمرا. وإن شئت قلت: إلا زيدا إلا عمرو. فالمعنى فيهما جميعا واحد، وإن اختلف الإعراب. لأنك إذا شعلت الفعل بأحدهما انتصب الآخر بالاستثناء. ولم يصلح البدل لأن المرفوع منها واجب". المقتضب ٤/ ٤٢٤.
[ ٢ / ٧١٤ ]
عطف في المواضع التي يمكن التشريك بها في الإثبات والمعنى، صح أن يكون الثاني في معنى الأول كقولك: ماجاءني إلا زيد وإلا عمرو. ولو لم تأت بحرف العطف لوجب النصب في أحدهما. لا يستقيم مثل ذلك في قولك: ما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدا، لأن " الخبز" وزيدا" غير مشتركين في معنى واحد، بخلاف قولك: ما جاءني إلا زيد إلا عمرا. إلا أن الباب كله واحد من جهة أنه إذا تكرر الاستثناء البدلي أو التفريغي لم يكن على البدل والتفريغ إلا واحد (١)، وما زاد فعلى أصل الاستثناء. فإن جيء بحرف العطف وكان المكرر جائزا في المستثنى فيه فالتشريك في المعنى بينه وبين المستثنى البدلي أو التفريغي جاز كمسألة: ما جاءني إلا زيد وإلا عمرو، وإن لم يصح ذلك امتنع، فلم يكن فيه إلا النصب بغير حرف عطف كقولك: ما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدا. فهذا المعنى يشمل جميع الباب، فكان التعليل بالأمر العام الجامع لجميع الباب أولى من التعليل بأمر خا ص. ولا يحسن دفع ما ذكره الفارسي، لأن المستثنى لا يلزم فيه إثبات ما نفي عن المستثنى منه، وإنما يلزم أن يكون مخرجا من المفرد غير مثبت إليه ولا منفي عنه شيء (٢). فعلى هذا لا يكون المعنى: أكل الناس كلهم الخبز، لأن الصحيح أن
_________________
(١) ويحسن أن يكون الأول منها.
(٢) قال أبو علي: " وتقول: ما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدا، فلا يكون في زيد إلا النصب، لأن المعنى: كل الناس أكل الخبز إلا زيدا. وتقول: ماجاءني إلا زيد إلا عمرا. فترفع أحد الاسمين وتنصب الآخر. ولا يجوز رفعهما جميعا، إلا أن تدخل حرف العطف فتقول: وإلا عمرو، لأن فعلا واحدا لا يرتفع به فإعلان إلا على جهة الاشتراك بالحرف". الإيضاح العضدي١/ ٢٠٧.
[ ٢ / ٧١٥ ]
[إملاء ٣٤] [حروف الهجاء]
المستثنى يثبت له الحكم الذي نفي عن المستثنى منه، خلافا لمن زعم ذلك. والدليل عليه القطع بإثبات الإلهية لله تعالى بقول القائل: لا إله إلا الله. وعلى المذهب الآخر يلزم من قال به أنه لم يثبت المتكلم الإلهية له، وإنما نفاها عن من عداه، ولم يتعرض لإثبات ولا نفي للمستثنى. فيجوز أن يكون القائل بذلك قائلا به وهو شاك مصرح بالشك، لأن الشاك يصح أن يكون غير مثبت ولا ناف، ونحن نقطع بخلافه. [إملاء ٣٤]
[حروف الهجاء]
وقال أيضا ممليا [بدمشق سنة عشرين] (١): حروف الهجاء أسماء المفردات الكلم الفظا وخطا، متصلة أو منفصلة، فالجيم اسم جه، من جعفر ونحوها. وجعل أولها مسماها لما أمكن، تبعيدا اللغلط في المسمى. وأشركوا الألف مع الهمزة لسكونها. وشبهه التهليل والحوقلة والحيعلة والبسملة. وهي مبنية ما لم تركب كغيرها. ونحو: صاد وقاف، لم يبن بناء " أين وكيف"، إما للفرق بين ما بين ما بناؤه لفقدان التركيب وما بناؤه لوجود مقتضى البناء، وإما لأنها من قبيل المعرب، وإما لقلتها غير مركبة. وخفف ذو الهمزة مثل: ياء وتاء وثاء، بحذفها ما لم يركب. الزمخشري بأن سكونها للوقف (٢). وفي مفصله (٣):
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) انظر الكشاف ١/ ٧٨.
(٣) ص ٣٥٣.
[ ٢ / ٧١٦ ]
﴿الم. الله﴾ (١). حرك لالتقاء الساكنين، فناقض، إذ لا يكون تحريك لالتقاء ساكنين وفي معناها أقوال: الكثر أنها أسماء للسور، فتكون على ضربين: موازن لكلامهم فيعرب لفظاويحكى، وغير موازن فيحكى (٢)، وتكون خبر مبتدأ، أي: هذه، أونصبا بـ "اذكر"، أو قسما. وقراءة قاف وصاد، فتحا وكسرا ضعيف لما يلزم من منع صرف "دعد" إن كان معربا، أو تحريك غير محرك. وأما "يس" فحسن على النصب بـ "اذكر" وعلى الخفض بالقسم، لا على النصب مثل: الله لأفعلن، لما يلزم من مخالفة المعطوف، إلا عند من يجيز أنها واو القسم. وضعف قول من قال: إنها أسماء للسور بكتابتها، وبأنه إنما يركب اثنان. فأما مثل: كهيعص، فلا، وبأنه يكون الاسم والمسمى واحدا. وأجيب: بأنها كتبت على نحو ما تتهحى، أو خولف القياس كغيره، وبأن التركيب المستكره أن يجعل اسما معربا كحضرموت، فأما أن يكون اسما محكيا مثل: تأبط شرا، وشاب قرناها (٣)، ومثل: قرأت الحمد لله رب العالمين، فلا، وبأنه تسمية مؤلف بمفرد عكس. الثاني من الأقوال: أنها مفردات عددت للتنبيه والتحريك للنظرر في أن
_________________
(١) آل عمران: ٢،١.
(٢) في الأصل: فتحكى.
(٣) قال الشاعر: كذبتم وبيت الله لا تنكحونها بنى اب قرناها تصر وتحلب وهو لرجل من بني أسد. انظر سيبويه٣/ ٢٠٧.
[ ٢ / ٧١٧ ]
المعجز مركب من عين مفردات كلامكم، ليستيقنوا إذ عجزوا وهم المتهالكون على الافتنان بأنه ما بز بلاغة كل ناطق وشق غبار كل سابق إلا لأنه من عند الله (١). الثالث: أنها عددت للتنبيه على أن الأمي لا يعدد حروف التهجي على وجه لا يتنبه له إلا بعلم الخط، حتى لو غير حرف بغيره لفات، وإلا لأنه من عند الله. وذلك أنها نصف الجملة المستعمل كثيرا، وفيها نصف المستعمل كثيرا من كل نوع منها. فمن المهموسة: صح سكة، ومن المجهورة: ألم طير نعق، ومن الشديدة: أقطك، ومن الرخوة (٢): المرء صح سعيه، ومن المطبقة: طص، ومن المنفتحة: المكر سحقه عني، ومن المستعلية: قصط، ومن المنخفضة: المكر سنح عيه، ومن القلقلة: قط (٣). وتفريقها لإعادة التنبيه لأنه أبلغ من جمعها مرة. ولا محل لها على الوجهين الأخيرين بخلاف الأول. والأحسن أن تكون إلى (المتقين) أربع جمل مستقله مرتبطة المعنى. ويجوز أن تقدر ثلاثا واثنتين وواحدة (٤).
_________________
(١) انظر الكشاف ١/ ٩٦.
(٢) المثال الذي أتى به ابن الحاجب للزخوة ليس صحيحا، إذ حروف الرخوة ستة عشر حرفا هي: الحاء والسين والخاء والظاء والشين والهاء والزاي والصاد والعين والثاء والفاء والذال والواو والألف والياء والضاد. انظر: شرح المقدمة الجزرية للشيخ خالد الأزهري ص١٤ (طبع في مطبعة التوفيق بدمشق). ولو قال: صح سعيه، لكان سليما.
(٣) وقد تحدث الزمخشري عن معناها، فمها قاله: الجهر إشباع الاعتماد من مخرج الحرف ومنع النفس أن يجري معه، والهمس بخلافه. والشدة أن يحصر صوت الحرف في مخرجه فلا يجري، والرخاوة بخلافها. والإطباق أن تطبق على مخرج الحرف من اللسان وما حاذاه من الحنك، والانفتاح بخلافه. والاستعلاء ارتفاع اللسان إلى الحنك أطبقت أو لم تطبق، والانخفاض بخلافه. والقلقلة ما تحس به إذا وقفت عليها من شدة الصوت المتصعد من الصدر مع الحفز والضغط. انظر المفصل ص٣٩٥.
(٤) أراد ابن الحاجب بكلامه هذا قوله تعالى: ﴿الم. ذلك الكتاب لا ريت فيه هدى للمتقين﴾. (البقرة: ٢،١).
[ ٢ / ٧١٨ ]
[إملاء ٣٥]
[دخول الألف واللام على العلام]
وقال أيضا ممليا [بدمشق سنة إحدى وعشرين] (١): الأعلام بالنسبة إلى الألف واللام عند المحققين على ثلاثة أقسام: قسم يجوز دخول الألف واللام عليه، وقسم لا ينفك عنه، وقسم لا يجوز دخول الألف واللام (٢). وعند غيرهم على قسمين: قسم واجب دخولها وقسم ممتنع. وقال هؤلاء: لا يخلو العلم من أن يكون سمي بالألف واللام أو لا. فإن سمي بالألف واللام وجبت، وإن سمي بغيرهما امتنعت. هذا حاصل كلامهم. وأما المحققون فيثبتون الجائز بما صح عن العرب من قوله للشخص الواحد المسمى بحسن: الحسن، وبحسين: الحسين، وبعباس: العباس، وفي الحديث الصحيح عن عبدالله بن عباس، وعن عبدالله بن العباس، وعن حسن وحسين، وعن الحسن والحسين. ولو كان على ما زعم أولئك لم تجز هذه الأسماء إلا بألف ولام، أو لا بألف ولا لام. ووجه دخولها أنهم لما سموا بهذه الأسماء وصلها صفات ولمحوا فيها معنى الوصفية أدخلوا اللام فيها لذلك، بخلاف الأسماء التي لم يقصد فيها قصد الوصفية كجعفر وأسد، فإنه لا يجوز دخول اللام عليها، إذ المعنى المسوغ لدخول اللام مفقود. الذي يدل على صحة واعتبار الوصفية فيها وإن كانت أعلاما ما ثبت أنهم
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) انظر: المفصل ص١١، والإيضاح في شرح المفصل١/ ٩٩.
[ ٢ / ٧١٩ ]
يحمعون " أحمر" وبابه إذا كان علما على " حمر" وعلى " أحامر"، ولولا لمح الوصفية لم يجز جمعه على حمر، لأن " أفعل" إذا كان اسما إنما يجمع على أفاعل، وبابه إذا كان صفة أن يجمع على فعل. فإذا جمع على فعل لمح معنى الوصفية كما لمح في إدخال اللام. وإذا جمع على أحامر لم يلمح كما لم يلمح إذا استعمل بغير ألف ولام (١). وأما ما يجب فيه اللام فهو كل اسم غلب بالألف وللام من الصفات، أو سمي بالألف واللام من غير الصفات. مثال الأول: الصعق ونحوه، ومثال الثاني: الدبران (٢) والعيوق (٣) ونحوه. ولا فرق بين أن يعرف له اشتقاق أو لا يعرف. ولو سمي رجل بالأسد، بالألف واللام، غلبة أو وضعا، للزمت لزومها في الصفة. ثم كل هذه اللامات الداخلة على الأسماء والأعلام وغيرها مما عرف له اشتقاق أو لم يعرف زائدة على بنية الكلمة، إذ ليس في كلام العرب ما أوله همزة وصل بعدها لام ساكنة إلا وهي زائدة. وقول بعض النحويين: إن الألف واللام في نحو: العباس والحرث، غير زائدة وفي نحو: اللات والآن، زائدة، وفي نحو العزى، محتملة للأمرين، ليس مخالفا لما ذكرناه، وإنما أطلق الزائد ههنا بمعنى أنه أفاد ما لا يفيده الاسم لو كان مجردا عنه، بخلاف الآخر. وذلك لأن (٤) العباس إنما أدخلت اللام فيه
_________________
(١) قال سيبويه: " وإن سميت رجلا بأحمر فإن شئت قلت: أحمرون وإن شئت كسرته فقلت: الأحامر. ولا تقول: الحمر لأنه الآن اسم وليس بصفة"، الكتاب ٣/ ٣٩٨.
(٢) الدبران: نجم بين الثريا والجوزاء وهو من منازل القمر. اللسان (دبر).
(٣) العيوق: كوكب أحمر مضيء بحيال الثريا في ناحية الشمال ويطلع قبل الجوزاء. اللسان (عوق).
(٤) في ب، د: أن.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
للمح معنى الصفة، فصار دخولها كدخولها على الصفات، بخلاف قولك: الآن، إذ ليس معك آن، فلمحت معنى جوز دخول الألف وللام فيها، وكذلك واللات. وأما "العزى" فمن لمح معنى " عزى" تأنيث الأعز، صح أن يقول: ليست زائدة بهذا الاعتبار، إذ دخولها للمح معنى الصفة. وإن لم يكن أصلها ذلك صح أن يقال: إنها زائدة بمثابة اللات، والأمر في ذلك قريب.
[إملاء ٣٦]
[بعليل عدم ترك أبي عمرو بن العلاء الهمزة في آية قرآنية]
وقال أيضا ممليا على تعليل قراءة أبي عمرو بن العلاء في كونه لم يتزك الهمزة في قوله تعالى: ﴿إن تصبك حسنة تسؤهم﴾ (١)، وشبهه: يعلل ذلك بوحهين: أحدهما: أنه إنما ترك الهمزات السواكن في أصل البناء، وسكون هذه الأشياء عارض، فأجراها مجرى المتحرك، ولم يعتد بالعارض، فلذلك لم يترك همزها (٢). فإن قييل: هذا إنما يمشي فيما كان مجزوما، فأما ما كان من صيغ الأمر كـ " أنبئهم ونبئهم" فإنه مبني لا مدخل له في الإعراب. فالجواب: أن هذا قد اختلف فيه، هل هو معرب أم مبني (٣)؟ قإن بنينا على أنه معرب فلا إشكال في كونه مثل الأول، وإن بنينا على أنه مبني فهو مشبه به من حيث كونه مأخوذا منه وراجع إليه، فأجري مجراه لذلك، ومن ثم لم يختلف في أن بناءه على ما
_________________
(١) التوبة: ٥٠.
(٢) انظر: إعراب القرآن المنسوب للزجاج ٢/ ٥٩٦.
(٣) ذهب الكوفيون إلى أن فعل الأمر معرب مجزوم. وذهب البصريون إلى أنه مبني. انظر الإنصاف مسألة (٧٢).
[ ٢ / ٧٢١ ]
يعرب به المضارع، وليس إلا لحمله عليه وتشبيهه به. فإن قيل: فلم لم يجر " قرأت وأدارأتم" وشبهه مجراه، فلا يهمزه لأنه مبني على السكون مثله؟ فالجواب: أن هذا ليس له مدخل في الإعراب بوجه أصلي ولا فرعي، وإنما هو مبني لا يدخله في هذا المحل حركة بحال، فلذلك لم يلحقه به. والوجه الثاني: أنه لو ترك همز هذا الباب لأدى إلى أحد أمرين محذورين، وهو إبقاء حروف العلة آخر الفعل مع الجازم أو حذفها، وإبقاؤها على خلاف القياس، لأن القياس أن يحذغ للجزم ما آخره واو أو ألف، وحذفها على خلاف القياس، لأن أصلها همزة، وإنما يحذف ما ليس بهمزة. فإن قيل: إذا كان القياس في الحذف إنما يكون عن غير همزة، فبقاؤها غير مخالف للقياس. فالجواب: أن الكلام مفروض على تقدير ترك همزها، وإذا ترك همزها فقد اعتد بالعارض، وجعله كأنه أصل. ومقتضى ذلك أن يعتد بالعارض الذي صارت إليه وهو حروف المد واللين، فيلزم على هذا أن تحذف إجراء للعارض مجرى الأصلي. فلما كانت كذلك كان تركها على همزيتها أولى.
[إملاء ٣٧]
[علة امتناع بناء " كان" الناقصة وأخوانها لما لم يسم فاعله]
وقال أيضا ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١): إنما امتنع بناء " كان" الناقصة وأخواتها لما لم يسم فاعله، لأنها لو بنيت لم يخل إما أن يحذف
_________________
(١) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
معمولاها (١) جميعا أو يثبتا جميعا، أو أحدهما دون الآخر، والجميع باطل، فكان باطلا. أما إذا حذفا جميعا فإنه فاسد من جهة إخراج " كان" عن معناها الموضوعة له. لأنها موضوعة لإثبات شيئ على صفة، فإذا لم يذكرا جميعا فقد استعملتها في غير ما وضعت له، وهو فاسد. وأما إذا أثبتا جميعا فلا يستقيم لأنه إخراج لبناء ما لم يسم فاعله عن حقيقته، إذ حقيقته أن يحذف (٢) المنسوب إليه الفعل، وهذا لم يحذف. وأما إن حذف أحدهما، فإن كان الأول فهو فاسد لوجهين: أحدهما: أنه إخراج لـ "كان" عن معناها، وهو غير مستقيم. والثاني: إقامة ما هو في المعنى خبر مقام ما لم يسم فاعله. وإذا امتنع إقامة المفعول الثاني في" علمت" مع كونه مفعولا صريحا لكونه خبرا في المعنى (٣)، فلأن يمتنع هذا أجدر. وإن كان الثاني دون الأول فهو فاسد لوجهين: أحدهما: أنه يلزم في بناء ما لم يسم فاعله حذف المنسوب إليه، وهذا لم يحذف، والثاني: خروج " كان" عن المعنى الموضوعة هي له، إذ وضعها لإثبات الشيء على صفة ولم تذكر الصفة.
[إملاء ٣٨]
[معنى المتعدد المنسوب إليه عدد أو ما في معناه خبرا أو صفة أو حالا]
وقال أيضا ممليا [بدمشق سنة تسع عشرة] (٤): كل متعدد نسب إليه عدد
_________________
(١) أي: اسمها وخبرها.
(٢) في الأصل: تحذف. وما أثبتناه من س. وهو الأصوب.
(٣) وقيل: يجوز إنابة الثاني في هذا الباب إن لم يلبس، ولم يكن جملة، واختاره ابن عصفور وابن مالك. انظر أوضح المسالك٢/ ١٥٢.
(٤) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
أو ما في معناه خبرا أو صفة أو حالا فمعناه الحكم على كل واحد من آحاده بأنه على نحو الواحد من العدد المكرر. فمثال الخبر قوله ﵇: " صلاة الليل مثنى مثنى" (١). ومثال الصفة قوله تعالى: ﴿أولى أجنحة مثنى﴾ (٢). ومثال الحال: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ (٣).ومثال العدد المكرر قولك: صلاة الليل اثنتان اثنتان، وكذلك الباقيان. ومثال ما هو في معنى العدد المكرر ما تقدم في الأول. وقوله - ﷺ -: " صلاة الليل مثنى مثنى"، "مثنى" (٤) الثانية جاءت على جهة التأكيد، كأنه قال: اثنتان اثنتان، اثنتان اثنتان. ألا ترى أن واحدة تفيد المعنى المقصود. وإذا كرر اللفظ الذي بمعناه فهو تأكيد لفظي، فكذلك هذا. ولا خلاف أن معنى مثنى: اثنين اثنين، وأن معنى اثنين اثنين وشبهه ما تقدم ذكره. ولذلك اتفق النحويون أن مثنى وشبهه معدول عن لفظ اثنين اثنين، ولذلك امتنع من الصرف بانضمامه إلى الصفة. ومن النحويين من زعم أنه معدول من جهتين (٥)، وأن الوصفية لا أثر لها، إما للاستغناء عنها، وإما لأن الاسم ليس بصفة لأن أسماء الأعداد ليست بصفات، وإن جرت في موضع صفات فبتأويل لا يوجب كون الصفة فيها معتبرة. ألا ترى أنك تقول: مررت بنسوة أربع، فتصرفه باتفاق، ولو كانت الصفة الطارئة على اسم العدد معتبرة لوجب منع صرفه، فقال على هذا: العدل من جهتين، وجعله بمثابة الجمع
_________________
(١) سبق في الإملاء (٤٣) من الأمالي على الأبيات. ص: ٦٧٧.
(٢) فاطر: ١.
(٣) النساء:٣.
(٤) مثنى: سقطت من ب، م، س.
(٥) قال أبو البركات الأنباري: "فدل أنه معدول من جهة اللفظ والمعنى". انظر أسرار العربية ص ٣١٣.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
وألفي التأنيث في قيامها مقام علتين لتكرره في المنعى، فقال: عدل من وجهين: أحدهما: عن اثنين، باعتبار لفظه ومعناه. أما اللفظ فواضح، وأما المعنى فإفادته منفردا لما أفاده اسم العدد مكررا. وهذا الذي قاله وإن كان متضمنا بالتقرير الذي ذكرناه فليس بمستقيم، لأن الصفة في أسماء العدد إنما لم تعتبر لأن شرط الاعتبار مفقود وهو كونه موضوعا صفة في الأصل، وأسماء العدد ليست كذلك. وهذه الأسماء المعدولة وإن كانت معدولة عن أسماء العدد فإنما عدلت عن اسم العدد باعتبار وقوعه صفة لا باعتبار كونه عددا. ألا ترى أنه لا يستعمل موضع العدد البتة وهو موضوع صفة في الأصل. فكما أن اثنين اثنين لا يكون إلا صفة فكذلك " مثنى" وشبهه، وهو الوضع الأصلي له. فإن قيل: فينبغي أن لا يصرف مثل قوله: اشتر الجوار أربعا أربعا، لأنه لا يستعمل إلا صفة، فليس بمستقيم، لأن هذا كان موضوعا للعدد على التحقيق بهذا اللفظ، وإنما زيد التكرار لمعنى اقتضاه، بخلاف "مثنى" وشبهه، فإنه موضوع في الأصل صفة. وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى تكلف تقدير عدل ثان
[إملاء ٣٩]
[مسألة في حذف المضاف إليه]
وقال ممليا: مذهب سيبويه في مثل: يا تيم تيم عدي (١)، أن المحذوف
_________________
(١) البيت بتمامه: يا تيم تيم عدي لا أبا لكم لا يلقينكم في سواة عمر وهو من البحر البسيط وقائله جرير، انظر: ديوانه ١/ ٢١٢. وهو من شواهد سيبويه ١/ ٥٣، والمقتضب ٤/ ٢٢٩، والخصائص ١/ ٣٤٥، والخزانة ١/ ٣٥٩. وتيم: هو تيم بن عبد مناة. وعدي: هو عدي بن عبد مناة. وعمر: هو عمر بن لجأ والشاهد فيه إقحام (تيم) الثاني بين (تيم) الأول وما أضيف إليه.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
المضاف إليه من الثاني، والمضاف إليه الأول هو المذكور بعد الثاني أخر ضرورة أن يكون المضاف منتهى الاسم (١). وقال في: زيد وعمرو قائم: إن المحذوف خبر الأول، وما ذكر بعد الثاني خبره. والفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن الضرورة التي ألجأت إلى تأخيره ههنا هو كون تيما (٢) الثاني لو قدم ما بعده لبقي مضافا إلى غير مضاف إليه، وذلك لا يستقيم، فكان تأخيره لمعنى مفقود في: زيد وعمرو قائم، وليس كذلك في: زيد وعمرو قائم. ألا ترى أنه لو قدم في: زيد وعمرو قائم، فقال: زيد قائم وعمرو، جاز، ولو قال: يا تيم عدي، تيم، لم يجز باتفاق. دل على أن الموجب للتأخير في: ياتيم عدي، غير موجود في: زيد وعمرو قائم. الثاني: هو أن " ياتيم تيم عدي" جملة واحدة، وزيد وعمرو قائم" جملتان، ويغتفر من التقديم والتأخير في الجملة الواحدة ما لا يغتفر في المتعددة. الآخر: أنه يلزم في الجملتين مخالفة الأصل، ولا يلزم ثم إلا في جملة واحدة. ومخالفة الأصل في جملتين أبعد من مخالفته في جملة واحدة. الآخر: أن الدليل يقتضي في الجميع ما ذكرناه، إلا أنه تخصص بدليل خاص في الجمل، فبقينا فيما عداه على الأصل المقتضي لذلك. والدليل الخاص قوله:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف (٣)
_________________
(١) قال سيبويه: " وقال الخليل ﵀: هو مثل لا أبالك، قد علم أنه لو لم يجىء بحرف الإضافة قال أباك، فتركه على حاله الأولى، واللام هاهنا بمنزلة الاسم الثاني في قوله: يا تيم تيم عدي" ٢/ ٢٠٦.
(٢) تيما: سقطت من س.
(٣) هذا البيت من المنسرح. وقد اختلف في قائله، فقد نسبه سيبويه لقيس بن الخطيم. الكتاب ١/ ٧٥. انظر ديوانه- الملحقات ص٢٣٩ (تحقيق ناصر الدين الأسد)، ونسبه ابن السيرافي لعمرو بن امرىء القيس، شرح أبيات سيبويه ١/ ١٨٦، وفي الإنصاف نسب لدرهم بن زيد الأنصاري ١/ ٩٥. وانظر: المقتضب ٣/ ١١٢، وامالي ابن الشجري ١/ ٣١٠. والمقصود: نحن بما عندنا راضون. فحذف خبر الأول اكتفاء بخبر الثاني وهو قوله: راض.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
ولولا أنه خبر عن الثاني لم يجز أن يقال: راض، ولوجب أن يقول: راضون.
[إملاء ٤٠]
[الفرق بين " أن" المخففة من الثقيلة والناصبة للأفعال]
وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة] (١): إذا وقعت أن "بعد" "علمت"، وجب أن تكون مخففة من الثقيلة (٢)، وإذا وقعت بعد "أردت" وجب أن تكون الناصبة للأفعال (٣). لأن "علمت" لما كان متعلقها متحققا تاسب أن تكون بحرف للتحقيق (٤)، والمخففة من الثقيلة كذلك (٥). و" أردت" لما كان متعلقها ليس للتحقيق وجب أن لا يقع بعدها حرف التحقيق لأنه وضع الشيء في غير محله. ألا ترى أنك إذا قلت: علمت زيدا قائما، كنت مخبرا بتحقيق قيام زيد. وإذا قلت: أردت زيدا قائما،
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) لأن (علم) من أفعال اليقين. وشرط المخففة من الثقيلة أن تقع بعد فعل اليقين أو ما نزل منزلته، كقوله تعالى: ﴿أفلا يرون لا يرجع إليهم قولا﴾ (طه: ٨٩). وقوله: ﴿علم أن سكون﴾ (المزمل: ٢٠). وهذه المخففة من الثقيلة تنصب الاسم وترفع الخبر، وشرط اسمها أن يكون ضميرا محذوفا، وشرط خبرها أن يكون جملة. وربما جاء اسمها ظاهرا وخبرها مفردا وذلك في الضرورة. انظر: مغني اللبيب ١/ ٢٨، ٢٩ (دمشق).
(٣) لأن (أراد) فعل يدل على معنى غير اليقين. و(أن) هذه الناصبة للأفعال موصول حرفي، وتوصل بالفعل المتصرف، مضارعا كان، نحو: يعجبني أن تفعل، أو ماضيا نحو قوله تعالى: ﴿لولا أن من الله علينا﴾ (القصص: ٨٢)، أو أمرا نحو: كتب إليه أن قم. انظر: مغني اللبيب ١/ ٢٦ (دمشق).
(٤) في د، م، س: التحقيق.
(٥) في الأصل وفي م، س: لذلك. وما أثبتناه هو الصواب. لأن المعنى يقتضيه.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
فإنما أخبرت بإرادتك للقيام (١)، ولم تخبر بالقيام، لأنه قد يكون وقد لا يكون، ولذلك يصح لمن سمع من يقول: علمت زيدا قائما، أن يخبر عنه بأنه أخبر بقيام، ولا يجوز لمن سمع من يقول: أردت قيام زيد، أن يخبر عنه بقيام زيد، فلذلك وجب أن تقول: أردت أن يقوم زيد، ووجب أن تقول: علمت أن سيقوم زيد. فإن قوله: أردت قيام زيد، لا يلزم منه الوقوع، لأن الإرادة الحادثة لا تخصيص لها بخلاف الإرادة القديمة. وأما قولنا: علمت زيدا قائما، فلا بد أن يكون حاصلا على التقديرين: القديم والحادث، وإلا لزم منه الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه.
[إملاء ٤١]
[فرق آخر بين "أن" المخففة من الثقيلة وبين الناصبة للأفعال]
وقال ممليا [بدمشق] (٢) على باب " أن المخففة من الثقيلة": إن قيل: الفرق يحصل بنفس " علمت" فلا حاجة إلى فرق بينها وبين الناصبة للفعل وهو التعويض بالحروف التي هي السين أو سوف أوقد أو حرف النفي (٣). فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه لما كانت الناصبة هي الكثيرة وهذه قليلة قصد إلى دفع ذلك التوهم بأن جعل معها ما يدل على أنها ليست الناصبة. والآخر: هو أن دلالة " علمت" على أنها ليست الناصبة إنما هو من حيث الا ستحسان. ووقوع هذه الحروف تدل دلالة قاطعة على أنها ليست الناصبة، فكأنهم لم يكتفوا بذلك التجويز الذهول عنه، أو لتجويز تقدير إهماله مع ذكره، فقصدوا إلى أن يكون الدال أمرا لا ريب فيه ولا إشكال. الثالث: هو أنهم أرادوا في نفس ما
_________________
(١) في ب: القيام. وفي م، د: لقيام.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) والشرط، ولو، كقوله تعالى: ﴿أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم﴾ (الأعراف:١٠. ومثال الشرط قوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم﴾ النساء: ١٤٠.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
يقع فيه اللبس فرق، ولم يكتفوا بالفرق الخارجي عنه. ألا تراهم يقولون: أكل زيد الخبز، فلا يكتفون بالقرينة الدالة على الفاعلية والمفعولية ما لم يأتوا بالأعراب الذي في نفس الاسم كأن لم يكن ثم قرينة.
[إملاء ٤٢]
[إعراب الاسم الواقع بعد الظرف والجار والمجرور]
وقال ممليا: مذهب الأخفش في: " في الدار رجل" وشبهه أنه مرفوع بالقاعلية (١)، لأن الجار لا بد له من متعلق، والمتعلق أصله التقديم، فوجب أن يقدر مقدما، وأصله الفعل، فوجب أن يكون فعلا، وإذا وجب ذلك صار التقدير: استقر في الدار زيد، وإذا صار التقدير كذلك وجب أن يكون فاعلا، إذ لا معنى للفاعل إلا أن يكون كذلك. وما ذكره مستقيم لو سلم من المانع الذي يمنع تقديره مقدما، فمن ثم اندفع استدلاله. والذي يدفعه الإجماع على جواز دخول العوامل عليه. ولو كان فاعلا لم يجز دخول عوامل الابتداء عليه ولما دخلت عليه دخولها على: " زيد قائم" اندفع توهمه، ووجب أن يحتال في التقدير على وجه مستقيم، وذلك بتأخير المتعلق، فعلا أو اسما، ولا مشاحة في هذا المقام في تعيين أحدهما، فيكون التقدير: في الدار رجل استقر، أو في الدار رجل مستقر، ودخولها عليه في مثل قولهم: إن في الدار رجلا، وما أشبهه. ولولا أنه مبتدأ لم يجز دخول ذلك، ولما دخل عليه دل على أنه مبتدأ،
_________________
(١) قال ابن الأنباري: " ذهب الكوفيون إلى أن الظرف يرفع الاسم إذا تقدم عليه، ويسمون الظرف المحل، ومنهم من يسميه الصفة، وذلك نحو قولك: أمامك زيد، وفي الدار عمرو. وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش في أحد قوليه وأبو العباس محمد بن يزيد المبرد من البصريين. وذهب البصريون إلى أن الظرف لا يرفع الاسم إذا تقدم عليه، وإنما يرتفع بالابتداء". انظر: الإنصاف مسألة (٦).
[ ٢ / ٧٢٩ ]
فوجب تأويل المتعلق على وجه مستقيم، ولا وجه أولى مما ذكرناه، فوجب الحمل عليه.
[إملاء ٤٣]
[شبهة بين بدل الكل والتوكيد اللفطي]
وقال ممليا: إن من النحويين من يقول: إن " جاء زيد زيد" بدل الكل من الكل، والصحيح على خلافه، وشبهته من حيث الجملة، أن حقيقة بدل الكل من الكل أن يكون مدلوله مدلول الأول (١)، وهذا كذلك.
[إملاء ٤٤]
[علة بناء " كيت وذيت"]
وقال ممليا: علة بناء " كيت وذيت: أنها شاركت "كم" و" كذا" في أصل وضعها، وهو كونها موضوعة للكناية عن متعدد، وهذه كذلك (٢). ولا يقوى أن يقال: إنها مثلها في الكناية لئلا يرد علينا: فلان وفلانة، فإنهما كنايتان ومع ذلك هما معربان.
_________________
(١) قال الرضي: " قوله: فالأول مدلوله مدلول الأول، فيه تسامح، إذ مدلول قولك أخيك، في: بزيدأخيك، لو كان عين مدلول زيد لكان تأكيدا، ثم قال: " لكن مراده أنهما يطلقان على ذات واحدة، وإن كان أحدهما يدل على معنى فيها لا يدل عليه الآخر" انظر شرح الكافية ١/ ٣٣٩.
(٢) قال ابن الحاجب في الإيضاح: " وأما كيت وذيت فعلة بنائهما أنهما كنايتان عن الجمل، والجمل مبنية باعتبار الجملية، فبنيت تشبيها لها بما كني بها عنه" ١/ ٥٢٤.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
[إملاء ٤٥]
[الفرق بين الإنشاء والخبر]
وقال ممليا [بالقاهرة] (١): الفرق بين الإنشاء والخبر أن كل كلام في النفس على وفق العلم أو الحسبان فهو الخبر. وكل كلام في النفس عبر عنه لا باعتبار تعلق العلم والحسبان فهو المعني بالإنشاء. ولذلك إذا قام بالنفس طلب وقصد المتكلم إلى التعبير عن ذلك الطلب باعتبار تعلق العلم به قال: طلبت من زيد كذا. ولو قصد إلى التعبير عنه لا باعتبار تعلق علم (٢)، لكان التعبير عنه بصيغة الأمر التي هي " أفعل" أو "ليفعل" أو ما أشبهها. وكذلك إذا قام بنفسه تعجب، فعبر عنه باعتبار حصوله متعلقا للعلم قال: تعجبت: ولو عبر عنه باعتباره من غير ذلك لقال: ما أحسنه أو ما أعلمه، وما أشبهه، مما هي من صيغ الإنشاء في التعجب، وكذلك جميع ما يرد من الإنشاءات والأخبار.
[إملاء ٤٦]
[دخول الفاء في جواب الشرط]
وقال ممليا [بالقاهرة] (٣): كل موضع لم يفد فيه الشرط استقبالا وجب دخول الفاء فيه. وكل موضع يفيد فيه استقبالا لم يجز دخولها فيه. وكل موضع يحتمل الأمرين جاز الوجهان (٤). فمثال الأول: إن تكرمني فأنا أكرمك، وإن تكرمني فلن أكرمك وفسوف أكرمك. ومثال الثاني: إن تكرمني أكرمتك. ومثال الثالث: إن تكرمني لا أكرمك.
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) في م: العلم.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) تكلم ابن الحاجب عن هذه المسألة في الإملاء (٤) من الأمالي على آيات من القرآن الكريم، ص:١١٤، وفي الإيضاح ٢/ ٢٤٨، وفي شرح الكافية ص ٣٧.
[ ٢ / ٧٣١ ]
إن جعلت " لا" لمجرد النفي أفاد الشرط الاستقبال، فلا فاء، وإن جعلت " لا" مفيدة للاستقبال على ما هو الأصل فيها كانت مثل " لن" فتدخل الفاء كما تدخل في "لن". قال الله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف﴾ (١). وكذلك: إن تكرمني أكرمك. إن جعلت [الفعل] (٢) دالا على الاستقبال، من قبل الشرط، امتنع دخول الفاء، وهذا هو الكثير، لأن الفعل في أصل وضعه لا يدل على الاستقبال خصوصا، فصار الاستقبال فيه من الشرط، وإن قدرت مبتدأ محذوفا أو جعلت الفعل في نفسه مرادا به الاستقبال من حيث كان صالحا له لوقوعه مشتركا أو ظاهرا فيه عند قوم دخلت الفاء، لأن الشرط لم يفد فيه معنى الاستقبال على التقديرين جميعا، وهذا قليل، ولم يرد في القرآن منه إلا قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر﴾ (٣)، في قراءة حمزة خاصة، لأن بقية القراء يفتحون (أن) فليست عندهم للشرط، فيخرج بذلك عن الباب، فتحقق صحة ما ذكرناه في مواضع الفاء وجوبا وامتناعا وجوازا.
[إملاء ٤٧]
[هل هناك فرق بين " لدى" وعند"؟]
وقال ممليا: إن من النحويين من سوى بين "لدى" وعند". تقول: لدي كذا، لما كان في ملكك حاضرا أو غائبا، وعندي كذلك. والأكثر على خلافه (٤).
_________________
(١) طه: ١١٢.
(٢) زيادة من د، م.
(٣) البقرة: ٢٨٢، انظر الإملاء (١٤) من الأمالي القرآنية. ص: ١٢٧.
(٤) قال الزمخشري: " ومنها لدى. والذي يفصل بينها وبين عند، أنك تقول عندي كذا، لما كان في ملكك حضرك أو غاب عنك. ولدي كذا لما لا يتجاوز جضرتك". الفصل ص١٧٢ وسيبويه جعلهما بمنزلة واحدة. الكتاب٤/ ٢٣٤.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
[إملاء ٤٨]
[القول: إن الأخبار كلها صفات]
وقال ممليا بالقاهرة: ذهب قوم إلى أن الأخبار كلها صفات. فإذا قلت: زيد قائم، فمعناه: زيد رجل قائم، فحذف الكلام لدلالة ما تقدم عليه
[إملاء ٤٩]
[مشابهة "هلم" لأسماء الأفعال]
وقال ممليا [بالقاهرة] (١): إن "هلم" لما ركبت شابهت أسماء الأفعال (٢)، وأسماء الأفعال تجري على نمط واحد، فكذلك " هلم" للواحد ولاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث، على حد واحد (٣). إلا ترى أنك تقول: رويد الزيدين والزيدين، ورويد على حالها. ومذهب البصريين على أن أصلها: ها ألمم، أمشى من حيث المعنى، ومذهب الكوفيين أمشى من حيث اللفظ (٤) (٥)
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) انظر الإيضاح في شرح المفصل ١/ ٤٩٨.
(٣) قال سيبويه: " واعلم أن ناسا من العرب يجعلون هلم بمنزلة الأمثلة التي أخذت من الفعل، يقولون: هلم وهلمي وهلما وهلموا". الكتاب ١/ ٢٥٢.
(٤) قال الزمخشري: " هلم مركبة من حرف التنبيه مع لم، محذوفة من ها ألفها عند أصحابنا، وعند الكوفيين من هل مع أم محذوفة همزتها". المفصل ص١٥٢.
(٥) وجد هذا القدر خاليا في جميع النسخ.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
[إملاء ٥٠]
[تعريف صاحب " الجمل" للمصدر]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قول صاحب الجمل (٢): "والحدث المصدر وهو اسم الفعل، والفعل مشتق منه" (٣). يعني بقوله: المصدر، وقوله: اسم الفعل، أي: المصدر دال على الفعل الحقيقي وهو المعاني وما أجري مجراها من النسب. وقوله: والفعل مشتق منه، يعني به الفعل الصناعي اللفظي قسيم الاسم والحرف الدال على حدث وزمان، مشتق منه، أي: من المصدر على ما هو مذهب البصريين (٤). فتضمن الكلام أمرا يسمى مصدرا، وأمرا يسمى فعلا حقيقيا هو مدلول المصدر، وأمرا يسمى فعلا صناعيا لفظيا هو مشتق من المصدر. فالمصدر الألفاظ التي هي أسماء للأحداث كالقيام والقعود والأكل والخروج ولذلك فسرها آخرا بقوله: "قمت قياما، وقعدت قعودا". ثم قال: "فالقيام والقعود وما أشبههما مصادر"، والقعل الحقيقي هي المعاني وما أجري مجراها، كمدلول لفظ القيام والأكل والشرب والعلم والجهل ونظائرها. والفعل الصناعي اللفظي المشتق من المصدر هي نحو قولك: ضرب وقتل وشبه ذلك. وكذلك مضارعاتها كقولك: يضرب ويقتل، وهي مشتقة من
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) هو عبد الرحمن بن اسحق أبو القاسم الزجاجي، ولد جنوبي همذان، ونزل بغداد، ثم سار إلى دمشق وطبرية ومات بها سنة ٣٣٩هـ. من مؤلفاته: كتاب الجمل، والإيضاح في علل النحو. انظر: بعية الوعاة ٢/ ٧٧.
(٣) انظر: كتاب الجمل ص ١٧ (عتنى بتصحيحه وشرح أبياته الشيخ ابن أبي شنب).
(٤) ذهب الكوفيون إلى أن المصدر مشتق من الفعل وفرع عليه، نحو: ضرب ضربا، وقام قياما. وذهب البصريون إلى أن الفعل مشتق من المصدر وفرع عليه. انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف مسألة (٢٨).
[ ٢ / ٧٣٤ ]
مصادرها. فـ "ضرب" من الضرب، و"قتل" من القتل، وكذلك جميعها، فهذا معنى قوله: والفعل مشتق منه، أي: الفعل اللفظي مشتق من لفظ المصدر على ما ذكرناه.
[إملاء ٥١]
[الجمل تكون نكرات ومعارف]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (١): الجمل إنما تكون نكرات باعتبار معانهيا على ما تقرر في النحو من كون الجمل نكرات (٢). فأما إذا قصدت ألفاظها وجب أن تكون معرفة كقولك: زيد قائم قولك. فـ "زيد قائم" ههنا مبتدأ، و"قولك" خبره، ولم ترد ههنا إلا للفط وقصدت حكايته. واللفظ إذا ذكر وقصد نفس صيغته كان معرفة مقصودا به نفسه. ألا ترى أنك إذا قلت: من حرف جر، كانت " من" مبتذأ مخبرا عنها بقولك: حرف جر، قصد نفس لفظها. فإن قلت: اللفظ لا بد له من مدلول، فإذا تلفظت بـ " من" فلا بد لها من مدلول، ولا مدلول لها ههنا إلا نفسها، فيؤدي إلى أن يكون الدليل والمدلول واحدا. قلت: الألفاظ إنما وضعت دالة على عيرها لزوما في الموضع الذي يكون مدلولها غير لفظ لاحتياج إبلاغ المعاني عن ما ليس بلفظ كقولك: الحصير حسنة والثوب نافع. وأما إذا كانت مدلولاتها لفظا فقياسها ألا تحتاج إلى دليل عليها، بل ينطق بللفظ ويقصد به نفسه، ويستغنى عن الدلالة عليه بغيره، فلا يكون ثم دليل بل
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) لأنها تجري أوصافا على النكرات. انظر ابن يعيش ٣/ ٥٢، ولأشباه والنظائر ١/ ١٤٦.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
نفس المقصود هو الملفوظ به. ومع ذلك فإنهم قد وضعوا لفظا دليلا على لفظ آخر وإن كانوا في غنية عنه تارة لاختصارهم وتارة لتصرفهم. فمثال ما وضعوه لاختصارهم قولك في قصيدة: هذه القصيدة حسنة. فقولك: القصيدة، لفظ دال على لفظ للاختصار، لأنه أخصر من أن تذكر القصيدة وتخبر عنها بقولك: حسنة، وإن كا ذلك ممكنا. وكذلك قولنا: سورة البقرة والفاتحة، وما أشبه ذلك ومثال ما وضعوه لتصرفهم في الكلام كقولك لمن قال: خرجت من البصرة، هذا الحرف الذي قبل البصرة يجر ما بعده. فلم يكن هذا لاختصار، لأن قولك: من، أخصر منه، وإنما هو من تصرفتهم لاتساعهم في الكلام، وقد يكون لرفع لبس كقولك لمن قال: زيد كريم، لفظ المبتدأ حسن، لأنك لو قلت: زيد حسن، لتوهم أنك تعني نفس المدلول. فإذا ذكرته بهذه الصيغة ارتفع هذا الوهم. وإنما سوغه في الموضعين كونه على قياس أوضاعهم، فأجروا ما لو يضطروا إلى الوضع له مجرى ما اضطروا فيه إلى الوضع.
[إملاء ٥٢]
[فظ الحرف باعتبار معناه لا يخبر به ولا عنه]
وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة وستمائة] (١): المحكوم بكونه لا يخبر به ولا عنه إنما هو ألفاظ الحروف باعتبار معانيها المستعملة فيها، فأما قوله: الحرف، فليس من ذلك. وكذلك قولهم: من: حرف جر، فإنه قد أخبر عن الحرف، ولولا أنه خبر عن الحرف لم يصدق قوله: حرف جر. ولكن ليس ذلك المعني بقولهم، فإن هذا لم يخبر عنه باعتبار لفظه ومعناه المستعمل هو فيه، وإنما أخبر عنه باعتبار لفظه، وهو بهذا المعنى اسم. ألا ترى أنك تقول: " من" مبتدأ، و"حرف" خبر مبتدأ، ولا يقع كذلك إلا الأسماء.
_________________
(١) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
فإن قيل كيف يصح أن يكون اسما وقد أخبر عنه بأنه حرف، وهل هذا إلا تناقض؟ فالجواب: أن الوجه الذي كان به اسما غير الوجه الذي أخبر به عنه بأنه حرف، ألا ترى أنك تقول في "من" وشبهها: هذه الكلمة حرف. ولا شك في أن قولك: هذه، اسم، ومع ذلك فق أخبرت عنه بأنه حرف، لأن لفظ الكلمة صالح إطلاقه على الاسم والفعل والحرف جميعا. فإذا قلت: هذه الكلمة حرف، وأنت تعني "من" أو غيرها كان ذلك صحيحا. فكذلك إذل قلت: من حرف، لأنك لم تقصد إلا إلى نفس اللفظ باعتبار كونه كلمة. وهذا بعينه يجاب به عن الفعل، فإنهم لم يعنوا بقولهم: لا يخبر عنه، إلا في حال استعمالهم له على حسب وضعه في معناه في مثل قولك: ضرب زيد. فأما إذا قلت: ضرب: فعل ماض، فإنك وإن استعملت اللفظ لم تستعمله باعتبار معناه الموضوع له. ألا ترى أنك لا تعني بقولك: ضرب، إلا نفي اللفظ ولم تستعمله باعتبار معناه الموضوع له. وإنما قصدت إلى حكاية اللفظة الواقعة في كلام غير ذلك، فهذا هو الوجه في صحة قولهم: الحرف لا يخبر به ولا عنه، والفعل يخبر به لا عنه (١).
[إملاء ٥٣]
[علة حذف الواو من نحو: يعد]
وقال ممليا [بدمشق] (٢): إنما حذفوا الواو من " يوعد" ولم يحذف من " يينع" و"ييسر" لأوجه ثلاثة: أحدها: أن الواو أثقل والياء أخف، فلا يلزم من حذف ما هو ثقيل حذف ما هو خفيف. والآخر: أن وقوع الواو أكثر فلا يلزم من حذف ما كثر حذف ما قل. والآخر: أن الحذف في الواو لا يؤدي إلى لبس
_________________
(١) كلام ابن الحاجب في هذا الإملاء هو نفس كلامه في الإيضاح ٢/ ١٣٨.
(٢) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
وفي الياء يؤدي إلى البس، وهو لبس صيغة الماضي بالمضارع، وليس كذلك في الواو لأنها لا تكون حرف مضارعة (١).
[إملاء ٥٤]
[الصواب كسر الراء في "المضارع" و" المضارعة"]
وقال ممليا: المضارعة والضارع، بالكسر. والفتح خطأ، لأنه اسم فاعل من: ضارع يضارع. والفعل الذي في أوله إحدى الزوائد الأربع ضارع الأسماء فهو مضارع، بالكسر. والأفعال مضارعة ومضارعات، لأن ما لا يعقل وصف جمعه بمفرد المؤنث وجمعه سواء، فلذلك قيل: المضارعة والمضارعات. وأما المضارعة، بالفتح، فمصدر "ضارع"، وهو المعنى الذي كان الفعل مضارعا، فلذلك كان قول من قال: الأفعال المضارعة، بالفتح، خطأ. نعم لو قيل: أفعال المضارعة، فأضافها إلى المعنى الذي به كانت مضارعة كان مستقيما كقولك: رجال العلم ورجال الشجاعة. فأما الوصف به وتسميتها به فغير مستقيم.
_________________
(١) اختلف البصريون والكوفيون في علة حذف الواو من نحو: يعد ويزن. فقال الكوفيون إنما حذفت للفرق بين الفعل اللازم والمتعدي. وقال البصريون إنما حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة. انظر الإنصاف لا بن الأنتاري مسألة (١١٢). وقال ابن الحاجب: " وتحذف الواو من يعد ويلد لوقوعها بين ياء وكسرة أصلية". انظر: مجموعة الشافية بشرح الجاريردي ١/ ٢٧٢ (علم الكتب. بيروت).
[ ٢ / ٧٣٨ ]
[إملاء ٥٥] [كتابة ابن]
[إملاء ٥٥]
[كتابة ابن]
وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة] (١): إذا وقع "ابن" بين علمين صفة ليس بابتداء سطر كتبه الكتاب بغير ألف. وقياسه أن يكتب بالألف. لأن قياس الكتابة أن تكتب كل كلمة بالحروف التي ينطق بها عند الا بتداء به والوقف عليه بالألف. والدليل على ذلك كتابتهم " في الله"، بأثبات الياء في " في"، وإثبات الألف في " الله". وكذلك إذا كتبت " ق زيدا" " كتبت قافا وهاء، لأنك لو وقفت لقلت: قه. فدل على أن قياس " ابن" أن يكتب بالألف مطلقا، لأنك إذا ابتدأت به قلت: ابن، وإنما حذف الألف اختصارا لكثرتها، وكذلك حذفت العرب التنوين من الاسم الأول الواقع قبل "ابن" إذا وقع على هذه الصفة. فالعلة التي حذف العرب التنوين لأجلها هي التي حذف الكتاب الألف لأجلها. وإنما اشترك أن يكون بين علمين وصفة لكونه إنما يكثر إذا كان كذلك. ألا ترى أن وقوع "ابن" بين غير علمين ووقوعه بين علمين غير صفة قليل. فمثال وقوعه ليس بين علمين كقولك: جاءني زيد ابن أخينا. ومثال وقوعه بين علمين كقولك: جاءني زيد ابن أخينا. ومثال وقوعه بين علمين ولكن ليس بصفة قولك: إن زيدا ابن عمرو. فإذا كتبوه عند فقدان أحدهما بالألف فلأن يكتبوه عند فقدانها بألف من طريق الأولى، وذلك قولك: إن زيدا ابن أخينا، فهذا لم يقع بين علمين وليس بصفة. وإنما اشترط أن لا يكون أول سطر لأنه إذا كان أول سطر كان في محل يبتدأ به غالبا، لأن القارىء ينتهي إلى آخر السطر، ثم يبتدىء بأول السطر الذي
_________________
(١) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
بعده، فكرهوا أن يكتبوه على غير ما يوجبه النطق به غالبا (١). وحذفهم الألف وإن كان على خلاف القياس لم يكن إلا لكونه أجري مجرى الوصل الغالب فيه. فإذا فات ذلك الموجب له الحذف لم يكن للحذف وجه، فوجب إثبانه.
[إملاء ٥٦]
[حذف التنوين والألف من " ابن" إذا وقع صفة بين علمين]
وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة وستمائة] (٢): إذا وقع "ابن" صفة بين علمين كان ذلك سببا في تحقيقين: أحدهما: لفظي وهو حذف التنوين، والآخر: كتابي وهو جذف الألف من "ابن" (٣). فإن فقدا أو فقد أحدهما ثبت الأصلان: الألف والتنوين. فمثال فقدانهما جميعا: إن زيدا ابن أخيك. ومثال فقدان كونه بين علمين مع بقاء الوصفية: جاءني زيد ابن اخيك. ومثال كونه غير وصف مع وقوعه بين علمين: إن زيدا ابن عمرو (٤).
_________________
(١) وقد تحدث السيوطي عن هذه المسألة في حديثه عن الحالات التي تحذف فيها همزة الوصل في الخط فقال: " الخامس: من (ابن) الواقع بين علمين صفة مفردا سواء كانا اسمين أم كنيتين، أم لقبين، أم مختلفين نحو: هذا زيد بن عمرو، هذا أبو بكر بن أبي عبد الله، وهذا بطة بن قفة. ويتصور في المختلفين ستة أمثلة. وحكى أبو الفتح عن متأخري الكتاب أنهم لا يحذفون الألف مع الكنية تقدمت أو تأخرت. قال: وهو مردود عند العلماء على قياس مذهبهم لأن حذف التنوين مع المكني كحذفه مع السماء، وإنما هو لجعل الاسمين اسما واسما واحدا، فحذفت الألف، لأنه توسيط الكلمة".همع الهوامع ٢/ ٢٣٦.
(٢) زيادة من "ب" و"د".
(٣) وابنة أيضا، فهي مثل ابن.
(٤) قال الرضي: " والمعتبر في كل ما ذكرنا لفظ ابن وابنة لا تثنيتهما وجمهما وتصغيرهما، لأنه لا يكثر استعمالهما كذلك. وكذا المعتبر كون العلم الموصوف مفردا، لأن المثنى والمجموع ليسا بعلمين، وأيضا لا يكثر استعما لهما". شرح الكافية ١/ ١٤١.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
ولما كان لحذف التنوين سبب آخر وهو كون الاسم غير منصرف أو مبنيا في مثل قولك: جاءني أحمد بن زيد وجاءني سيبويه بن عمرو، جاء حذف التنوين تارة مع بقاء الألف عند مجيء سببه الآخر وعدم السبب الذي ذكرناه كقولك: إن أحمد ابن أخيك. ألا ترى أن التنوين محذوف، والألف تثبت لأن سبب حذف الألف غير موجود، وسبب حذف التنوين موجود إلا أنه غير ذلك السبب المذكرور، فلذ لك لم يلزم من حذف التنوين مطلقا حذف الألف، إلا إذا اتفق ذلك وهو كون حذف التنوين موجبا لكون " ابن" صفة بين علمين. فكل موضع ثبت فيه التنوين في الاسم ثبتت فيه الألف، لأنه لا تثبت وقد تعدد سببا حذفه إلا مع عدمهما جميعا، فيجب عدم كونه صفة بين علمين، فيجب ثبات الألف. وكل موضع حذف منه التنوين لم يلزم حذف الألف لجواز أن يكون حذف التنوين لا لكونه صفة بين علمين بل لكونه غير منصرف أو غير معرب. وعلة حذفهم لذلك كثرة استعمالهم له كذلك. فلما كثر استعماله ناسب التخفيف اللفظي والكتابي، فخففه اللافظ بحذف التنوين، وخففه الكتاب بحذف الألف، وكذلك المنادى بنقله من الضمة إلى الفتحة في مثل: يا زيد بن عمرو (١).
_________________
(١) نقله من الضمة إلى الفتحة ليس وجويا وإنما هو اختبار. وفي هذه المسألة لا بد من توفر أربعة شروط: أن يكون المنادى علما، موصوفا بابن، متصلا، مضافا إلى علم. قال الرضي: "فإذا اجتمعت الشروط اختير فتح المنادى ولا يجب. وقد ذهب بعضهم إلى وجويه. وإنما اختير فتح المنادى مع هذه الشروط لكثرة وقوع المنادى جامعا لها. والكثرة مناسبة للتخفيف، فخففوه لفظا بفتحه، وسهل ذلك كون الفتحة حركته المستحقة في الأصل لكونه مفعولا. وخففوه خطا بحذف ألف ابن وابنة". شرح الكافية ١/ ١٤١.
[ ٢ / ٧٤١ ]
[إملاء ٥٧]
[الصفات العاملة]
وقال ممليا: الصفات العاملة على قسمين: قسم متعد كضارب، وقسم غير متعد، وهو على قسمين: أحدهما: اسم فاعل كقائم وقاعد والآخر: الصفة المشبهة كقريب وبعيد. والأصل في الإعمال فيهما لاسم الفاعل، وحملت الصفة المشبهة به عليه. فإذا أعملت المتعدي أعملته إعمال فعله فتعديه إلى واحد واثنين وثلاثة إن كان متعديا إلى ذلك. وإذا أعملت غير المتعدي والصفة المشبهة أعملتهما في المرفوع لا غير، إلا ما كان من المنصوبات غير مفعول فأنك تعملهما أيضا فيه كالظروف والمصادر كقولك: هذا قائم غلامه يوم الجمعة، وقائم غلامه قياما. فإذا قصدت إلى إضافة المتعدي أضفته إلى مفعوله دون فاعله، تقول: مررت برجل ضارب زيد. ولا يجوز أن تضيفه إلى فاعله لئلا يؤدي إلى اللبس فلا يعرف عند الإضافة أمفعول هو أم فاعل؟ ولأنه يؤدي إلى إضافته إلى ما هو له من غير حاجة. وشرط جواز الإضافة التخفيف في الأكثر وهو حذف التنوين ونوني التثنية والجمع. وقد يكون على التثبيه بالحسن الوجه، لأن باب الحسن لما جازت إضافته إلى معموله دل على جواز إضافة اسم الفاعل إلى معموله، ولم يكن معمول إلا المرفوع أضيف أليه. ولما كان مفيدا تخفيفا غير التنوين وهو حذف المضمر الذي كان فيه جازت الإضافة مع الألف واللام في الحسن، فجاز " الضارب الرجل" حملا له على " الحسن الوجه" ولم يجز " الضار زيد" عندنا (١)، خلافا للفراء (٢)، لأن اللفظ الذي كان سبب
_________________
(١) لعدم التخفيف.
(٢) قال الرضي: " إما لأنه توهم أن لام التعريف دخلتها بعد الحكم بإضافتها فحصل =
[ ٢ / ٧٤٢ ]
التخفيف في " الحسن الوجه" مفقود في " الضارب زيد" وموجود في " الضارب الرجل" وهو اللام في الرجل، فلا يلزم من تشبيه " الضارب الرجل" بـ " الحسن الوجه" تشبيه " الضارب زيد" بـ " الحسن الوجه". وقد تكون الإضافة في باب اسم الفاعل لتعذر غيرها كقولك: مررت برجل ضاربك. لأنه (١) لو لم يضيفوا لأدى إلى التناقض أو مخالفة باب الإضمار. ألا ترى أنهم لو لم يضيفوا مع بقاء الضمير المتصل لقالوا: ضاربنا، فيجمعوا بين دليلي الاتصال والانفصال وهو متناقض. ولو لم يضيفوا مع تغيير الضمير المتصل لقالوا: ضارب إياك، فيخالفوا باب الإضمار وهو الرجوع إلى المنفصل من غير تعذر المتصل، ولا يقال تعذر لأنه لم (٢) يمكن الجمع بينه وبين التنوين، فإنا نقول: لا ضرورة إلى التنوين فام يتعذر. فإن قيل: هذا يؤدي إلى أن لا يقع المنفصل، لأنك إذا قلت: ما ضربت إلا إياك، فممكن أن نقول: ضرتك، فلا يتعذر، قلنا: ليس كذلك، فإن المعنيين في قولك: ضاربك، وضارب إياك، لو قدر اللفظ به، على حد واحد. وليس
_________________
(١) = التخفيف بحذف التنوين بسبب الإضافة ثم عرف باللام. وإما لأنه قاسه على الضارب الرجل والضاربك، فإنه جاز الإضافة فيهما مع عدم التخفيف فلتجز فيه أيضا". قال: " وكلا الأمرين غير مستقيم. أما قوله: أما قوله: لأن لام التعريف دخلتها بعد الحكم بإضافتها، فإنه رجم بالغيب، ومن أين له ذلك ونحن لا نحكم إلا بالظاهر. فإنه وإن أمكن ما قال، إلا انا نرى اللام سابقة حسا على الإضافة، والإضافة في الظاهر إنما أتت بعد الحكم بذهاب التنوين بسبب اللام، فكيق ينسب حذف التنوين إلى الإضافة بلا دليل قاطع ولا ظاهر مرجح. وأما قياسه على الضارب الرجل، فليس بوجه، وذلك أن الضارب الرجل. وإن لم يحصل فيه تخفيف بالإضافة إلا أنه محمول على ما حصل فيه التخفيف مشبه به وذلك هو: الحسن الوجه، والجر فيه هو المختار". شرح الكافية ١/ ٢٨١.
(٢) في م: لأنهم.
(٣) في ب، د: لا.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
المعنيان في قولك: ما ضربت إلا إياك، وما ضربتك، على حد واحد (١)، فثبت الفرق بينهما، فلذلك كان ثم متعذرا، وههنا غير متعذر. وإذا وجبت ولإضافة في هذا الباب من غير تحقق (٢) تخفيف جاء ما فيه التنوين في الأصل، وما ذهب منه التنوين للألف واللام، على حد سواء. فثبت جواز " الضاربك" كما وجب جواز " ضاربك". هذا إن قلنا: الضارب مضاف، وأما غير مضاف فلا إشكال.
[إملاء ٥٨]
[استعمال " أم" و"أو"]
وقال ممليا: " أم" لا تستعمل إلا مع همزة الاستفهام (٣). وشرطها: أن يكون المستفهم عنه تعين أحد الأمرين بعد استوائهما عند المستفهم، ولذلك اشترط أن يكون أحد الأمرين بعد الهمزة، والآخر بعد " أم". وأما "أو" فستعمل مع الهمزة ومع غير الهمزة لأحد الأمرين (٤). تقول في الاستفهام: أقام زيد أو قعد؟ مستفهما عن أحدهما، وتقول في غير الاستفهام: قام زيد أو قعد، مثبتا أحدهما. فإذا استعمل البابان في ضمن الكلام جزاء فشرط استعمال "أم" أن تكون باقية على ما شرط لها من الهمزة مجردة عن معنى الاستفهام لتعذر استعماله
_________________
(١) لأنه في الأولى أثبت الضرب وحصره فيه، وفي الثانية نفاه عنه.
(٢) في الأصل: محقق. وهو تحريف.
(٣) قال سيبويه: " أما أم فلا يكون الكلام بها إلا استفهاما. ويقع الكلام بها في الاستفهام على وجهين: على معنى أيهما وأيهم، وعلى أن يكون الاستفهام الآخر منقطعا من الأول". ٣/ ١٦٩.
(٤) قال سيبويه: " وأما أو فأنما يثبت بها بعض الأشياء، وتكون في الخبر، والا ستفهام يدخل عليها على ذلك الحد" ٣/ ١٦٩.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
ضمنا، إذ له صدر الكلام، ويبقى فيها معنى التسوية، فيجب لها أمران: أحدهما: أن تقدر " أم" بالواو العاطفة ضرورة الغرض المذكور، والأخر: أن يقدر الفعل بالمصدر، لأنه لو قدر باسم الفاعل لكان استعمالا له في غير موضوعه (١)، ألا ترى أنك إذا قلت: سواء علي أقمت أم قعدت، فتقديره: سواء علي قيامك وقعودك، فيجب أن تقدر " أم" بالواو وإلا اختل الكلام. لأنك لو قلت: سواء علي قيامك أو قعودك لم يستقم. ويجب أن تقدر الفعل بالمصدر، لأنك لو قلت: سواء علي قائم وقاعد لا ستعملت اللفظ في غير موضوعه. وإذا استعملت "أو" مع ما في حيزها من لفظ الجملة ضمنا، فشرطها أن لايكون قبل الأولى همزة استفهام، لأنه قد ثبت استعمالها بعد همزة استفهام في أحد وجوهها، إذا قلت: قام زيد أو قعد. والمراد ههنا تجريدها عن معنى الاستفهام، فلم يكن لمجيء الهمزة معنى يقتضيها، لا حقيقي ولا لفظي، بخلاف ما ذكرناه في " أم". ويجب أن تكون "أول" ناقية على معناها في إثبات أحد الأمرين. ويجب أن يقدر الفعل باسم الفاعل أو المفعول على حسب التلفظ به كقولك: أنا أضربك قمت أو قعدت. ألا ترى أنك لو قلت: أنا أ ضربك قياما أو قعودا، لم يكن استعمالا للفظ في موضوعه، لأن المقصود الحال، والحال لا تكون بالمصدر إلا على غير القياس (٢)، ولو قلت: أنا
_________________
(١) في د: موضعه.
(٢) قال الرضي: "ثم اعلم أنه لا قياس في شيء من المصادر يقع حالا بل يقتصر على ما سمع منها نحو: قتلته صبرا، ولقيته فجأة وعيانا، وكلمته مشافهة، وأتيته ركضا أو عدوا أو مشيا. والمبرد يستعمل القياس في المصدر الواقع حالا إذا كان من أنواع ناصبه نحو: أتانا رجلة وسرعة وبطأ ونحو ذلك. وأما ما ليس من تقسيماته وأنواعه فلا خلاف أنه ليس بقياس، فلا يقال: جاء ضحكا أو بكاء، ونحو ذلك، ولعدم السماع". شرح الكافية ١/ ٢١٠.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
أضربك قائما وقاعدا، لم يستقم أن يقصد إلى الاجتماع لأنهما متضادان، بخلاف ما ذكرناه في " أم" فإن الأمر فيها على العكس، لأن المراد مع "أو" بالحالين إثبات أحدهما، فلو عطفت بالواو لكان المراد اجتماعهما في الحالية وهما لا يجتمان، فأدى إلى اجتماع النقيضين. ومع " أم" لا يقصد إلى أنهما مجتمعان، وإن عطفت أحدهما على الآخر وقصدت إلى أنهما متساويان. وعطف أحدهما على الآخر بالواو لمعنى التسوية واجب لا يستقيم إلا بهما. ألا ترى أنك لو قلته بغيرها لكان إما الفاء أو ثم أو حتى، وكذلك إلى آخر حروف العطف، فإن كان بالفاء وثم وحتى لم يستقم لأنها تدل على إثبات الثاني بعد ثبوت الأول، فيؤدي إلى تسوية الواحد قبل مجيء الثاني وهو محال. وإن كان بأو وإما،أم، لم يستقم لأنها لآثبات أحد الأمرين، فيؤدي إلى تسويه نفسه وهو محال. وإن كان بلا ولكن وبل، لم يستقم لأنها لإثبات أحد الأمرين معينا، وإذا لم تثبت التسوية مع أحدهما مبهما فلأن لا تثبت مع التعيين أولى، فصار مجيء الواو في موضع " أم" المذكورة واجبا، وتبقى "أو" على معناها واجبا لما ذكرناه. فإذا تقررت هذه القواعد، فقول الشاعر:
ما أبالي أنب بالحزن تيس أم جفاني بظهر غيب لئيم (١)
_________________
(١) هذا البيت من البحر الخفيف وهو لحسان بن ثابت. انظر ديوانه ص ٢٢٥. وهو من شواهد سيبويه ٣/ ١٨١، والمقتضب ٣/ ٢٩٨، والرضي ٢/ ٣٧٦، والخزانة ٤/ ٤٦١، وأمالي ابن الشحري ٢/ ٣٣٤. ورواية سيبويه والمقتضب: أم لحاني. نبيب التيس: صوته عند الهياج. والحزن: ما ارتفع من الأرض. ولحاني: شتمني، وبظهر غيب: في غيبتي. ومعناه: أنه استوى عنده نبيب التيس ونيل اللئيم من عرضه في غيبته. والشاهد فيه دخول (أم) معادلة للهمزة ولا يجوز (أو) هنا، لأن قوله: ما أبالي، يفيد التسوية.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
واجب فيه " أم" مع همزة الاستفهام على ما تقدم، وكذلك قال سيبويه، لأن المعنى ما أبالي نبيب (١) التيس وجفاء اللئيم، وهذا لا يستقيم إلا بـ " أم" ولو كان بـ " أو" لفسد بوجهين: لأن المعنى يكون: ما أبالي نبيبا وجفاء، ولم يقصد المتكلم إلى معنى مبالاة أحد الأمرين، وإنما أراد نفي المبالاة عنهما جميعا، ففسد لمجيء "أو". والآخر: أن المعنى ما أبالي نابا وجافيا، ويكون استعمالا للفظ في غير موضوعه، لأن المراد ههنا لا الحالية، وتلك إنما تكون بالمصدر لا باسم الفاعل في هذا المحل، وقول الشاعر:
ولست أبالي بعد موت مطرف حتوف المنايا أكثرت أو أقلت (٢)
لا يجوز فيه إلا "أو" من غير همزة على ما قال. لأنه لما أعطى " أبالي" مفعولها وجب أن يكون ما بعدها المذكور في موضع الحال فيصير المعنى: ما أبالي حتوف المنايا مكثرة أو مقلة، وهذا معنى "أو". ولو قلته بـ "أم" لفسد من وجهين: أحدهما: أن الممعنى يكون: ما أبالي حتوف المنايا كثرة وقلة، وذلك غير مستقيم في قصده. والآخر: أن يكون: ما أبالي حتوف المنايا كثيرة وقليلة، وذلك فاسد لأنه يؤدي إلى اجتماع الحالين وهو محال، فوجب استعمال "أو". وكذلك قول الشاعر:
إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده أطال فأملى أو تناهى فأقصرا (٣)
_________________
(١) في الأصل نبوب. وما أثبته هو الصواب. قال ابن منظرو: "نب التيس ينب نبا ونبيبا ونبابا". اللسان (نب).
(٢) هذا البيت من البحر الطويل ولم يعرف قائله، وهو من شواهد سيبويه٣/ ١٨٥، والرضي ٢/ ٣٧٦، والخزانة ٤/ ٣٦٧. وراية سيبويه: بعد يوم مطرف، والرضي: بعد آل مطرف. ومطرف: اسم رجل. والحتوف: جمع حتف وهي المنايا. والمعنى: لا أبالي بعد فقد مطرف كثرة من أفقد أو قلته لعظم المصيبة. والشاهد فيه جواز الإتيان بـ (أو) مجردة عن الهمزة بعد (لا أبالي). ولا يجوز الإتنان بـ (أم).
(٣) هذا البيت من البحر الطويل وقائله زيادة بن زيد العذي. وهو من شواهد سيبويه ٣/ ١٨٥، والقتضب ٣/ ٣٠٢، والخزانة ٤/ ٤٦٩. ورواية نسخة الأصل ود: فابلى، والصواب ما أثبتناه. ومعناه: أنه لا يتكلم بما لا يعلم وأنه ينتهي حيث انتهى به العلم. والشاهد فيه مجيء (أو) لأحد الأمرين. وأجاز المبرد أن ينشد: أم تناهى. فتكون الهمزة في (أطال) استفهامية وعندها لا شاهد فيه لوقوع (أم) بعد همزة التسوية.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
هو موضع "أو"، وكذلك قاله. لأنه لو قاله بـ "أم" لفسد على الوجهين المذكورين وعلى ذلك قول المتنبي:
باد هواك صبرت أو لم تصبرا (١)
جار على هذه القاعدة، لأنه أراد: هواك باد صابرا أو غير صابر. ولو قاله بـ "أم" لكان المعنى: باد هواك صبرا أو غير صبر، وهو فاسد لأنه حال، والحال إنما تكون في هذا المعنى باسم القاعل. والآخر: أنا لو قدرنا أنه مقدر باسم الفاعل لكان المعنى: باد هواك صابرا أو غير صابر، فيكون المعنى: باد هواك في حال كونه على هاتين الحالين، وهو غير مستقيم لتضادهما، وكذلك قوله:
وأثني عليه بآلائه وأقرب منه نأى أو قرب (٢)
جاء على القياس، لأنه لو قاله بأم لفسد المعنى، إذ يصير: وأقرب منه نأيا وقربا، ولا سيتقيم ذلك. والآخر أن يكون " وأثني عليه" في حال كونه ناائيا وقريبا، أي: في هاتين الحالين إذا كان عليهما، وهو باطل لتضادهما، إلا على تأويل لم تبن العرب عليه هذه المحال لما ثبت من استعمال كل واحد من البابين على ما ذكرناه. فلا يستقيم لراد أن يراد أن يرده لجواز استعمال ذلك مجازا في غير هذه المواضع، لأنا لم نثبت الأحكام بالمعاني، وإنما عللنا الواقع بجريه على قياس كلامهم، فلا يخرم هذه القاعدة استعمال ما أنكرناه ههنا مجازا
_________________
(١) هذا صدر بيت من الكامل وعجزه: وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى. انظر: ديوانه ٢/ ١٦٠.
(٢) هذا البيت لأبي الطيب المتنبي وهو من البحر المتقارب. انظر: ديوانه ١/ ١٠٠.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
لكونه على خلاف هذه القاعدة التي قدرناها. وأما ما يقع بعد العلم فمخصوص عندي بالهمزة و"أم" كقولك: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ والمعنى: علمت ما هو جواب ذلك، بخلاف قولك: علمت أزيد عندك أو عمرو؟ لأن جوابه بتعين أحدهما (١). فالمعنى: علمت ما يتعين منهما منهما مما ألبس تعيينه، لأنه متعين للمستفهم عنه. وأما إذا قال: علمت أزيد عندك أو عمرو؟ فليس بمستقيم ذلك: لأنه ليس الجواب متعينا فيعلمه. ألا ترى أن الجواب تارة يكون: نعم، وتارة يكون: لا، بخلاف ما ذكرناه. فلم يستقم تعلق العلم به لا ختلاف أحواله.
[إملاء ٥٩]
[إيراد على الابتداء بالنكرة والجواب عنه]
وقال ممليا مجبيا عن إيرادهم على الابتداء بالنكرة في شرط المصحح لها قوله:
فيوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر (٢)
له تأويلان: أحدهما: أن الخبر محذوف، والأخبار كثير حذفها إذا كان في الكلام دليل عليها، وتقديره: فمن هذه الأيام يوم علينا ويوم لنا مثله (٣).
_________________
(١) انظر المفصل ص ٣٠٥.
(٢) هذا البيت من المتقارب وقائله النمر بن تولب. انظر شعره ص٥٧ (صنعة نوري القيسي بغدا). وهو من شواهد سيبويه ١/ ٨٦، والكشاف ١/ ٤٦٦، والهمع ١/ ١٠١، وثمار القلوب في المضاف والمنسوب للثعالبي ص ٦٤١ (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم).
(٣) قال سيبويه: "سمعناه من العرب ينشدونه. يريدون: نساء فيه ونسر فيه". الكتاب ١/ ٨٦.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
والثاني: أن يكون قولك: علينا، هو الخبر، ويكون المصحح للابتداء الصفة المعلومة، وتقديره: فيوم من الأيام المتقدمة علينا ويوم منها لنا، مثل قولهم: السمن منوان منه بدرهم، فلو لم تقدر "منه" لم يستقيم.
[إملاء ٦٠]
[إيراد على الابتداء بالنكرة الوجواب عنه]
وقال ممليا على قوله تعالى: ﴿هل من مزيد﴾ (١): يرد على الا بتداء بالنكرة، فإنه مصدر، و"من" زائداة، وتقديره: هل زيادة؟ فقد ابتدىء بالنكرة من غير شرط من الشروط المذكورة. وجوابه من وجهين: أحدهما: أن قوله: هل من مزيد؟ ليس بمصدر، وإنما هو صفة لموصوف تقديره: هل من شيء يزاد؟ فما ابتدىء إلابنكرة موصوفة. وإن سلم أنه مصدر فهو الخبر، والمبتدأ إذا حذف خبره فإن كان له مصحح غير تقديم الخبر قدر خبره مؤخرا لأنه الأصل، وإن لم يكن له مصحح قدر الخبر مقدما، ومثاله إذا قيل لك: هل عندك أحد؟ فقلت: رجلان. كان تقديره: عندي رجلان، لأنه لو قدر: رجلان عندي، لم يجز، فكان تقديره على قياس لغتهم واجبا. مثله قوله:
إن محلا وإن مرتحلا (٢)
وذلك كثير، وتقديره: هل عندكم من مزيد؟ أي: هل عندكم زيادة، أو هل ثم زيادة (٣)؟.
_________________
(١) ق: ٣٠.
(٢) سبق الكلام عنه في الإملاء (٥٥) من الأمالي على المفصل. ص: ٣٤٥.
(٣) قال الزمخشري: "مزيد إما مصدر وإما اسم مفعول". الكشاف ٤/ ١٠.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
[إملاء ٦١]
[الاختلاف في ضمير النكرة]
وقال ممليا: اختلف في أن ضمير النكرة نكرة أو معرفة في مثل قولك: جاءني رجل وضربته. فقال: وجه كونها نكرة أن مدلولها كمدلول من يعود عليه. وإذا كان المدلولان واحدا والأول نكرة وجب أن يكون الثاني نكرة، إذ التعريف والتنكير باعتبار المعاني لا باعتبار الألفاظ. ووجه من قال: إنها معرفة، أنك إذا قلت: جاءني رجل وضربته، فالهاء في "ضربته" ليست شائعة شياع رجل، وإنما هي الرجل الجائي خاصة. والذي يحقق ذلك أنك تقول: جاءني رجل، ثم تقول: أكرمني الرجل ولا تعني سوى الجائي. ولا خلاف أن الرجل معرفة فوجب أن يكون الضمير معرفة أيضا لأنه بمعناه، وهذا هو الصحيح. وفي ضمنه جواب عن الشبهة التي توهمت، لأن أصل الوهم أن مدلوله كمدلوله، وليس مدلوله كمدلوله. ألا ترى أن رجلا شائعا في جنسه، لا يخص به واحد دون آخر. والضمير العائد عليه مختص بالرجل المضروب لا يجوز أن يكون شائعا كما مثلناه بدخول الألف واللام، كما أنه مع الألف وللام لا يستقيم تقدير التنكير فيه، فكذلك إذل جاء مضمر الأنه بمعناه.
[إملاء ٦٢]
[معنى الأحنبي]
وقال ممليا: الأجنبي هو الجزء المستقل بنفسه غير الجمل المعترضة كالمبتدأ والخبر والفاعل والفعل. وغير الجنبي هو ما كان له تعلق بذلك الجزء. فإذا قلت: ضربي في الدار زيدا حسن، لم تفصل بين المصدر
[ ٢ / ٧٥١ ]
ومعموله بأجنبي وإنما فصلت بينه وبينه بمتعلق به داخل في حيزه، بخلاف قولك: ضربي حسن زيدا؛ فإنك فصلت بينهما بالخير المستقل الذي لا يصلح أن يكون تتمة لما قبله في الجزئية وإنما أجريت الجمل المعترضة مجرى التتمة لأنه مستقل بنفسه، فكأنه عرض بين الجزئين لغرض. ويوضحه رفع اللبس في أنه لا يلبس في أنها ليست تتمة لأحدهما لا ستقلالها، بخلاف ما ذكرناه، فإنه قد يوهم أنه للثاني وهو للأول، وهو للثاني.
[إملاء ٦٣]
[إعراب "لغة" في قولنا: الدليل لغة، وشبهه]
وقال ممليا: قولنا: الدليل لغة، وشبهه مثل: السنة لغة، والإجماع لغة، القياس لغة، الحكم لغة، منصوب على المصدر، لأن معنى مثل قولهم: الإجماع لغة، العزم، أي: مدلول الإجماع لغة. لأن الدلالة تنقسم إلى دلا لة شرع وإلى دلالة عرف وإلى لغة. فلما كانت محتملة، وذكر أحد المحتملات كان مصدرا من باب المصدر المؤكد لغيره (١). وكان قياسه أن يأتي بعد الجملة ولكنه يقدم للقصد إلى أنه بيان دلالة الإجماع. لأنه لو أخر لكان صالحا لكل واحد منهما.
_________________
(١) قوله ابن الحاجب هذا فيه نظر. فاللغة ليست مصدرا، لأنها ليست اسما للحدث. انظر: الأشباه والنظائر ٣/ ٢٢١.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
[إملاء ٦٤]
[المفعول لأجله سبب لما قبله]
وقال ممليا: المفعول من أجله يجب أن يكون سببا لما قبله لأمور: أحدها: أنه مفعول من أجله الفعل باتفاق وهو معنى السبب. ومنها: أنهم اتفقوا على أنه جواب لسؤال سائل لم فعلت؟ وهو سؤال عن السبب. ومنها: أن من جملته: قعدت عن الحرب جبنا. وأقدمت على الحرب شجاعة، وذلك لا ستقيم أن يكون الأول فيه سببا للثاني. وأما ما يأتي بعد لام كي في قولك: جئتك لتكرمني، وأسلمت لأدخل الجنة. فالأول فيه سبب للثاني في قصد المخبر. والذي يدل عليه اتفاقهم على أنها تدل على أن ما قبلها سبب لما بعدها. وأيضا فلو كان ما بعدها يجوز أن يكون سببا لما قبلها لكان " قعدت عن الحرب لأجبن" أولى بالجواز، ولا يجوز، فلا يجوز. فإن قلت نحن نقطع بأن القائل: جئتك إكراما لك وجئتك لتكرمني، يصح أن يكون المجيء سببا للإكرام حاملا عليه في الموضعين، ويصح أن يكون العلم بالإكرام جاملا على المجيء فيهما جميا. فالجواب: أن تقدير مثل ذلك في المفعول في مثل ذلك جائز، وما ذكرناه من الدليل معين (١) لجمل كل واحد منهما على م ذكرناه، وإن احتمل في بعض مسائله هذا التقدير. فإن قيل: نحن نقطع بأن قولك: قعدت عن الحرب للجبن، بمعنى قولك: قعدت عن الحرب جبنا، فوجب أن يكون: جئتك لإكرامي لك،
_________________
(١) في س: يتعين.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
كذلك. وإذا (١) ثبت أن مجيء اللام وحذفها على حد سواء في المعنى، فقولك: جئتك لإكرامك، هي لام الجر، دخلت على الفعل بتأويل "أن"، و"أن" مع الفعل بتأويل المصدر، فصار المعنى: جئتك لإكرامي لك، وقد ثبت أن الثاني فيه سبب للأول، فليكن كذلك، لأنه فرعه، فالجواب: أنه لا يستقيم ذلك في قولك: جئتك لتكرمني، لأنه واجب أن يكون المعنى على الاستقبال، ألا ترى أن لام "كي" و"أن" المقدرة مخلصة الفعل للاستقبال. وإذا وجب أن يكون مستقبلا استحال أن يكون سببا لماض. إذ لا سيتقيم أن يكون الإكرام الواقع في المستقبل سببا للمجيء الواقع في الماضي. وهذا أيضا دليا على وجوب أن ما قبل "كي" سبب لما بعدها، لا بالعكس. فإن قيل: فقد اتفق الفقهاء على مثل قوله: ﴿كي لايكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ (٢) في أنه علة للمحكم المذكور قبله في قوله: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ (٣). واتفاقهم على ذلك دليل على أن ما بعد "كي" سبب لما قبلها، إذ لا فرق بين قولك: جئتك لتكرمني، وكي تكرمني، باتفاق. فالجواب: أن ذلك مأخوذ بطريق آخر غير طريق دلالة اللفظ، وهو أن كل ما كان بعد لام "كي" مسببا لما قبلها، فوجب أن يكون ذلك المنعى هو الحامل لما قبلها. ومعنى الأسباب الشرعية المعاني التي تثبت بالحكم. فإذل ذكر حكم وجعل سببا لحصول أمر متضمن معنى مناسب علم أن ذلكم المعنى هو سبب الحكم، إذ لا معنى للسبب والعلة في اصطلاحهم إلا ذلك، فكان تسميتهم
_________________
(١) في م: فإذا.
(٢) الحشر: ٧.
(٣) الحشر:٧.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
إياه سببا وعلة جاريا على قياس ما (١) اصطلحوا عليه. فاستقام على ذلك الأقوال (٢) كلها.
[إملاء ٦٥]
[تقديم الحروف الدالة على قسم من أقسام الكلام]
وقال ممليا: كل ما كان موضوعه من الحروف على الدلالة على قسم من أقسام الكلام فلا يتقدم شيء مما في حيزه عليه كالاستفهام والشرط والنداء واشباهها. وسر ذلك قصدهم إلى التنبيه على القسم الذي دل عليه الحرف ليصرف السامع فهمه ويتوفر خاطره على مقاصد معاني ما يسمعه، وذلك يحصل بتقديم ذلك الحرف. ولو أخره لكان منقسم الخاطر في معاني ذلك الكلام المخصوص، وفي التردد بين أقسامه، فيختل عليه التفهيم لا ختلاف المعاني باختلاف الأقسام، فكان التقديم لهذا الغرض. فلا يجوز أن يقدم شيء مما في حيز "إن" عليه (٣) لأنها تدل على الإثبات، ولا لام الابتداء، ولا حرف الشرط. وقد جاء الظرف مقدما على النفي في مثل قوله: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه﴾ (٤) ﴿فيومئذ لاينفع الذين ظلموا معذرتهم﴾ (٥). إما لا تساعهم في الظروف، فيلزم أن يتقدم على غيره ما لم يكن في النفي جهة أحقية من غيره.
_________________
(١) اصطلاحهم إلا .. قياس ما: سقطت من د. بسبب اتقال النظر. .
(٢) في م: الأحوال. وهو تحريف.
(٣) هكذا في جميع النسخ. والصواب عليها.
(٤) الرحمن: ٣٩.
(٥) الروم: ٥٧.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
ويجوز أن يكون مقدرا بفعل منفي دل ما بعده عليه، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور﴾ (١)، وشبهه: في أن العامل فيه ما دل عليه (خبير). فإن قيل: فقد جاء: زيدا اضرب، قلت: ليس فيه حرف مصرح به يدل على ذلك، فجاز على قياس التقديم والتأخير في الأفعال، أو لأنه كثر في كلامهم، وإذا كثر الشيء احتاجوا فيه من التصرف ما لم يحتاجوا فيما قل. فإن قيل: فقد قالوا: عمرا ليضرب زيد، وعمرا لا تضرب، والحرف موجود، وذلك على التعليل الأول. قلت: جاز ذلك حملا على "اضرب زيدا" لأنه من باب واحد (٢)، فلما جاز في أحدهما جوزوه في الآخر حملا عليه، بخلاف غيره، فإن ذلك مفقود فيه. وقد فرق قوم بين النفي وغيره في تقديم الظرف، فأجازوا: يوم الجمعة ما ضربت زيدا، ومنعوا: يوم الجمعة إن زيدا قائم. والفرق بينهما أن "ما" يكون منفيها فعلا، وخبر "إن" لا يكون متعلق الظرف إلا اسما أو فعلا بتأويله، فكان الفعل وما يجري مجراه أقوى من الاسم في العمل وما يجري مجراه، فقدم معمول القوي، ولم يقدم الآخر. وقد فرق قوم بين تقدم معمول المنفي إذل كان بـ "لا" وبين المنفي بـ "ما" فأجازوا: يوم الجمعة لا يقوم زيد، ومنعوا: يوم الجمعة ما زيد قائم. والفرق بينهما هو أن "لا" هذه هي التي ينفى بها الأفعال المستقبلة فلا تدخل إلا على الأفعال، وتلك تدخل على الأسماء والأفعال المستقبلة فلا تدخل إلا على الأفعال، وتلك تدخل على الأسماء والأفعال. فلما كان منفي هذه فعلا ليس
_________________
(١) العاديات:٩.
(٢) وهو الطلب.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
إلا، قوي عملها، فتقدم المعمول، ولما كان منفي "ما" اسما في الأصل ضعف تقديم معموله عليها.
[إملاء ٦٦]
[علة كون الإنشاء بالحروف]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١): وإنما كان الإنشاء بالحروف لأنه معنى يتعلق بجزئين: مسند ومسند إليه. إذ الجمل الإنشائية كالإخبارية في الإسناد. فكما أن المعاني التي تتعلق بالجزئين في الاخبار لا تكون إلا بالحروف كـ "إن" ولام الابتداء وأشباههما والنفي، فكذلك المعاني التي تتعلق بالجزئين في الإنشاء كحرف الاستفهام وليت ولعل ولام الأمر ولا في النهي، وأشباه ذلك. فإذا وجد معنى إنشاء من غير حرف دل عليه، فإما أن يكون محذوفا كهمزة الاستفهام في مثل قوله عند بعضهم: ﴿هذا ربي﴾ (٢)، وإما أن يكون الفعل أو الاسم أو الجملة قد ضمنت ذلك، مثل قوله: بعت، ومن أوبوك؟ وأنت طالق.
[إملاء ٦٧]
[إيراد على حد التنوين عند بعض النحويين]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٣): قول بعض النحويين: التنوين
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الأنعام: ٧٦. قال أبوحيان: "الظاهر أنها جملة خبرية، وقيل: استفهامية على جهة الإنكار حذف منها الهمزة". البحر المحيط ٤/ ١٦٦.
(٣) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
نون ساكنة زائدة لا صورة لها في الخط (١). قوله: لا صورة لها في الخط، إما أن يريد لا صورة لها أصلا، فلا يرد عليه نون التأكيد الساكنة في مثل قولك: اضربا، لأن لها صورة هي ألف (٢). ولكن يرد عليه: ضربت زيدا، في كونه يخرج عن الحد، لأن لها صورة هي ألف، وقد قال: لا صورة لها. وإن أراد بقوله: لا صورة لها، لا صورة لها هي نون، ورد عليه نون التأكيد الخفيفة إذا كان فبلها فتحة مطلقا، مثل قولك: اضربن واقتلن (٣)، في دخولها في الحد، لأنها نون ساكنة زائدة لا صورة لها هي نون، لأنها تكتب ألفا، ولا يرد عليه: رأيت زيدا، لأنها نون ساكنة زائدة لا صورة لها هي نون، فدخلت في الحد.
[إملاء ٦٨]
[إضمار اسم "أن" إذا خففت]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٤): إنما حكم التحويون بإضمار اسم "أن" فيها إذا خففت، مطلقا، ولم يحكموا بذلك في المكسورة المخففة، لأنه لما ثبت إعمال المخففة المكسورة في مثل قوله: ﴿وإن كلا] (٥)، تعذر إضمار اسمها إذ لا يكون لها منصوبان، فوجب ألا يقدر لها اسم آخر
_________________
(١) قال ابن هشام: " هو نون زائدة ساكنة تلحق الآخر لغير توكيد. فخرج نون حسن لأنها أصل، ونو ضيفن للطفيلي لأنها متحركة، ونو منكر وانكمر، لأنها غير آخر، ونو (لنسفعا) لأنها للتوكيد". المغني ٢/ ٣٤٠ (محيي الدين).
(٢) في "م": الألف.
(٣) في الأصل: اضربنا واقتلنا. وهو خطأ. وفي ب: اضربا واقتلا.
(٤) زيادة من ب، د.
(٥) هود: ١١١. وقراءة التخفيف هي قراءة نافع. إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١١٤.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
فإن قيل: فليقدر إذل لم تعمل في مثل قولهم: إن زيد لقائم (١). فالجواب: إنه لو قدر لوجب ألا يجوز العمل لتعذر أن يكون لها اسمان. وقد جاز العمل بالاتفاق في زيد وهو أن يقال: إن زيدا لقائم، وفي ذلك خرق للإجماع، فوجب ألا يقدر. ولما ثبت جواز إعمال المكسورة عند تخفيفها (٢) وقد علم أن المفتوحة أقوى شبها منها بالفعل، كان إعمالها أولى، ولم يثبت لها إعمال في الملفوظ بعدها، فوجب تقدير معمول هو ضمير شأن مراعاة لما ذكرناه من قوة عملها عن المكسورة، لئلا يصير للضعيف في العمل على القوى مزية فيه، وهو غير مستقيم. ولذلك قدر النحويون في مثل قوله: ﴿أن الحمد لله رب العالمين﴾ (٣)، أنه الحمد لله (٤)، ولم يقدروا ذلك في "إن"، وقوة الشبه في "أن" المفتوحة من حيث المعنى واللفظ والاستعمال. أما المعنى فإنها تغير معنى الجملة كما يغير الفعل. وأما اللفظ فهو أنه مفتوح الأول كما أن الفعل الماضي مفتوح الأول. وأما الاستعمال فهو أن العرب عطفت على محل المكسورة ولم تعطف على محل المفتوحة (٥). كل ذلك مشعر بأن إعمال المفتوحة أقوى من إعمال المكسورة.
_________________
(١) ونقل ابن هشام عن الكوفيين أنها لا تخفف. وأنها في مثل هذا المثال نافية واللام بمعنى إلا. انظر: المغني ١/ ٣٦ (دمشق). وانظر: الإنصاف مسألة (٢٤).
(٢) قال سيبويه: "وحدثنا من نثق به، أنه سمع من العرب من يقول: إن عمرا لمنطلق، وأهل المدينة يقرأون: ﴿وأن كلا لما ليوفينهم بربك أعمالهم﴾ يخففون وينصبون"٢/ ١٤٠.
(٣) يونس: ١٠.
(٤) انظر: المفصل ص ٢٩٨.
(٥) قال أبو البركات الأنباري: " فإن قيل: فلم جاز العطف على موضع إن ولكن دون سائر أخواتها؟ قيل: لأنها لم يغيرا معنى الابتداء بخلاف سائر الحروف، لأنها غيرت معنى الابتداء". أسرار العربية ص ١٥١.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
[إملاء ٦٩]
[الإجابة على إشكال في حديث: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) مجيبا عن قوله - ﷺ - (٢): "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة": هذا الحديث فيه إشكال. وجه إشكاله أن قوله: شباب أهل الجنة، يفهم منه أن الجنة فيها شباب وغير شباب، وليس الأمر كذلك، بل كل من فيها شباب على ما وردت به الأخبار (٣)، والدليل على أنه يفهم منه ذلك أنه لو لم يكن كذلك لم يكن للتخصيص فائدة، إذ ذكر الشباب يقع ضائعا، وكان ينبغي أن يقال: سيدا أهل الجنة، فأجاب بأمور ثلاثة: أحدها وهو الظاهر: أنه سماهم باعتبار ما كانوا عليه عند مفارقة الدنيا، ولذلك يصح أن يقال للصغير يموت: من صغار أهل الجنة، والشيخ المحكوم بصلاخه: من شيوخ أهل الجنة، فهما سيدا شباب أهل الحنة بهذا الاعتبار. وحسن الاخبار عنهما بذلك وإن كانا لم ينتقلا عن الدنيا شابين لأنهما كانا عند الإخبار كذلك. والثاني: أن يراد أنهما سيدا شباب أهل الجنة باعتبار ذلك الوقت الذي كانا فيه شابين. ولا يرد على الوجه الأول والثاني إلزام أنهما سيدا المرسلين لأنهم شباب في الجنة، لأنهم غير داخلين في شباب أهل الجنة على المعنيين جميعا. والوجه الثالث: أهل الجنة وإن كانوا شبابا كلهم إلا أن الإضافة ههنا إضافة توضيح باعتبار بيان العام بالخاص كما تقول: جميع القوم، وكل الدراهم. لأن كلا وجميعا يصلحان
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) رواه الترمذي (مناقب:١٨)، وأحمد بن حنبل ٣/ ٣.
(٣) عن أبي هريرة رضي الله عن النبي - ﷺ - أنه قال: " ينادي مناد ان لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا. وأن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا. وأن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا. وأن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا". رواه مسلم (كتاب الجنة: ٢٢).
[ ٢ / ٧٦٠ ]
لكل ذي آحاد. فإذا قلت: القوم والدراهم، فقد خصصته بعد أن كان شائعا، فكذلك شباب، وإن كان جميع أهل الجنة شبابا (١) إلا أنه يصح إطلاقه على من في الجنة وعلى من في غيرها، فخصص شياعه بقوله: أهل الجنة، كما خصص شياع " كل" "وجميع" بالقوم والدراهم لما كان هو مقصود المتكلم دون غيره. ويرد على هذا إلزام سيادتهم المرسلين، لأنهم داخلون على هذا التأويل. وجوابه: أنه (٢) علم خصص، علم تخصيصه بالإجماع، فإن المرسلين أفضل من غيرهم باتفاق.
[إملاء ٧٠]
[تعليل منع البدل في الاستثناء المفرغ]
وقال ممليا: إنما لم يكن في باب الاستثناء المفرغ بدل غير الإعراب بإعراب المحذوف، من حيث كان المستثنى منه غير مذكور، فصار المستثنى في اللفظ حالا محله ونائبا منابه، بخلاف ما جاء المستثنى منه مذكورا، فأنه يجوز البدل والنصب على الاستثناء (٣)، من حيث كانا جميعا سائغين لكون المستثنى منه مذكورا، فساغ. وأما لو جعل المعنصوب ههنا منصوبا على الاستثناء لكان قولك: ما ضربني إلا زيدا، فعلا (٤) من غير فاعل ولا ما يقوم مقام الفاعل، وهو غير مستقيم. ولذلك لم يسمه أحد من النحويين إلا باسم المحذوف تنبيها على أنه أقيم في اللفظ مقامه وعومل معاملته، فيقولون: ماضربني إلا زيد، فاعل، وما ضربت إلا زيدا، مفعول.
_________________
(١) في الأصل: شباب. وهو خطأ.
(٢) في الأصل وفي د، م، س، أنهم. وما أثبتاه من ب، وهو الأصوب.
(٣) والمستثنى الذي يجوز فيه النصب والبدل وهو المستثنى من كلام تام غير موجب، كقولك: ما جاءني أحد إلا زيدا وإلا زيد. انظر: المفصل ص ٦٨.
(٤) في الأصل وفي د: فعل. وهو خطأ لأنه خبر كان.
[ ٢ / ٧٦١ ]
ولم يحسن تسميته بدلا، إما لأن البدل تابع فيلزم أن يكون له متبوع، والمحذوف غير متبوع، وإما للقصد على التنبيه بأنه يخالف باب البدل في لزوم إعراب المحذوف لقيامة مقامه.
[إملاء ٧١]
[وجه تقدير إلا بـ "لكن" في الا ستثناء المنقطع]
وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (١): إنما قدرت "إلا" في باب الاستثناء المنقطع بـ "لكن" لموافقتها لها في العمل والمعنى. أما العمل فالنصب كما تنصب " لكن"، وأما المعنى فللمغايرة التي بين الأول والثاني، لأنك إذل قلت: ما اشتريت عبدا إلا حمارا، كان الحمار منصولا مشترى، وإذا قلت: اشتريت عباد إلا حمارا، كان الحمار منصوبا غير مشترى.
[إملاء ٧٢]
[وجه النسب إلى الصدر في المركب]
وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (٢): إنما نسب إلى الصدر من المركبة لأنه السابق من الجزئين المركب منهما الاسم كامرىء القيس، أو لأنه شبهوه عند الاحتياج إلى حذف أحد المحذورين بالترخيم، فحذفوا الثاني كما حذفوه في بعلبك قي قولهم: يا بعل، والمعنى هو أن أول الاسم إذا تلفظ به غلب على ظن السامع المراد منه قبل تمامه، فكان الباقي كأنه مذكور في المعنى، فكان أولى بالحذف من الأول. ولذلك أن من سمع قائلا ينادي: ياسيب ويا
_________________
(١) زياة من ب، د.
(٢) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
حضر، غلب على ظنه أن المراد سيبويه وحضر موت، قبل تمامه، بخلاف ما لو سمعه يقول: يا ويه ويا موت، فإنه لا يفهم ذلك. وهذا بعينه جار في المفردات. ألا ترى أن من سمع: يا حار، يفهم حارثا، ولو سمع الثاء ونحوها لم يفهم شيئا. فلما كان المقصود من الاسمين يحصل بالأول، واحتيج إلى الحذف كان حذف الثاني أوجب (١).
[إملاء ٧٣]
[جواز وصف "كل" وجواز وصف مضافها دونها]
وقال ممليا: القياس في "كل" أن يوصف مضافها دونها، فيقال: كل رجل عاقل جاءني. هذا هو الفصيح، ويجوز عكسه، فتقول: عاقل، بالرفع وصفا لـ "كل". وفي غير هذا الباب يجوز الوصف على حسب مراد المتكلم، فتقول: جاء غلام زيد، إن شئت وصفت الغلام، وإن شئت وصفت زيدا. والفرق بينهما: أن "كل" ومضافها لشيء واحد، وإنما جيء بـ "كل" لإفادة الإحاطة، وأضيفت إلى ما تضاف إليه لإفادة الحقيقة المقصودة بالإحاطة، فكان وصف المقصود بالذات وهو المضاف إليه أولى من وصف "كل" لأنها
_________________
(١) قال الرضي في شرح الشافية: " اعلم أن جميع أقسام المركبات ينسب إلى صدرها سواء كانت جملة محكية كتأبط شرا، أو غير جملة، وسواء كان الثاني في غير الجملة متضمنا للحرف كخمسة عشر وبيت بيت، أو لا كبعلبك. وكذا ينسب إلى صدر المركب من المضاف والمضاف إليه على تفصيل يأتي فيه خاصة. وإنما حذف من جميع الركبات أحد الجزأين في النسب كراهة استثقال زيادة حف النسب مع ثقله على ما هو ثقيل بسبب التركيب". ثم قال: "وإنما حذف الثاني دون الأول لأن الثقل منه نشأ، وموضع التغيير الآخر، والمتصدر محترم، وأجاز الجرمي النسبة إلى الأول أو إلى الثاني أيهما شئت في الجملة أو في غيرها" ٢/ ٧١.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
ليست في التحقيق لقصد الدلالة على الذات، وجاز وصفها على الشاذ لأنها غير الذات. وأما: غلام زيد، فلكل واحد منهما مدلول مغاير للآخر، فلا يجوز أن يجري على أحدهما ما هو صفة للآخر في الحقيقة، بخلاف "كل" ونحوه. ونحو "كل" فيما ذكر اسماء الأعداد المميزة في مثل قولك: ثلاثة رجال وشبهه، فإن وصف المضاف إليه أحسن من وصف المضاف على ما ذكر في " كل". قال الله تعالى: ﴿إني أرى سبع بقرات سمان﴾ (١). ولو وصف سبعا لقال: سمانا، وهو جائز، ووجهه ما تقدم، والفصيح وصف المضاف إليه دونه.
[إملاء ٧٤]
[علة عدم وقوع المبتدأ جملة]
وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (٢): إنما لم يقع المبتدأ جملة لأن الجملة إذا أولت بالاسم بالاسم فإنما تأول باسم نكرة صفة، فمن ثم جاز أن تقع صفة وخبرا وحالا، ولم تقع مبتدأ لعدم المصحح فيها. ألا ترى أنه لو قيل: قام أبوه في الدار، على معنى: رجل قام أبوه في الدار، رجع الضمير إلى غير مذكور، وهو غير سائغ. ولو صرح بقولنا: رجل قام أبوه في الدار، لكان "رجل" مبتدأ، و"قام أبوه" صفة لا مبتدأ. فإن قيل: فلم لا يجوز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه فيصح كما صح: ضارب في الدار، وشبهه؟ فالجواب: أن حذف الموصوف وإن كان غير قياسي إنما يسوغ إذا كانت الصفة اسما كالموصوف إقامة لها مقامه وإجراء لها
_________________
(١) يوسف: ٤٣.
(٢) زيادة من "ب" و"د".
[ ٢ / ٧٦٤ ]
مجراه (١)، ولا يلزم من صحة إقامة اسم صريح مقام اسم صحة ما هو في تأويل الاسم مقام الاسم. وأما قولهم: ما منهما مات حتى رأيته في حال كذا وكذا، فهو وإن كان من قبيل حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه مع كونها جملة فقليل على خلاف القياس، فلا يقاس عليه (٢).
[إملاء ٧٥]
[معنى قولهم: الفاعل واحد]
وقال ممليا: معنى قولهم: الفاعل واحد، أي: نسبة الفعل إلى من يقوم به نسبة على جهة واحدة (٣)، لا أنهم يعنون أن الفاعل لا يكون إلا مفردا غير مثنى أو مجموع، إذ لا يشك في صحة قولك: خرج الناس كلهم. وإنما أرادوا ما ذكرناه من أن النسبة لا تتعدد جهاتها كما تعددت نسبته باعتبار تعلقه من حيث المعنى بمن وقع عليه (٤)، وكلاهما من حيث المعنى مخالف لتعلقه بما
_________________
(١) قال الرضي: " اعلم أن الموصوف يحذف كثيرا إن علم ولم يوصف بظرف أو جملة كقوله تعالى: " ﴿وعندهم قاصرات الطرف عين﴾. فإن وصف بأحدهما جاز كثرا أيضا بالشرط المذكور بد، لكن لا كالأول في الكثرة، لأن مقام الشيء ينبغي أن يكون مثله" شرح الكافية ١/ ٣١٧.
(٢) قال سيبويه: "وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: ما منهم مات حتى رأيته في حال كذا وكذا. وإنما يريد ما منهم واحد مات". الكتاب ٢/ ٣٤٥. البصريون يقدورون موصوفا في هذا المثال وشبهه. والكوفيون يقدرون موصولا، أي: الذي أو من. وقد رجح ابن هشام قول البصريين لأن اتصال الموصول بصلته أشد من اتصال الموصوف بصفته لتلازمهما. انظر: المغني ٢/ ٦٩٤ (دمشق).
(٣) انظر الإيضاح لابن الحاجب ١/ ١٥٥.
(٤) وهو المفعول به.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
وقع فيه (١)، وكلها من حيث المعنى مخالف لتعلقه بما هو علق له (٢)، وكلها من حيث المعنى مخالف لتعلقه بما فعل الفعل معه (٣)، فهذا هو المعني بقولهم: الفاعل واحد والمفعول متعدد.
[إملاء ٧٦]
[وجه إضافة "سعيد كرز" وبابه]
وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين وستمائة] (٤): إنما أضيف " سعيد كرز" وبابه ولم يضف نحو: أسد سبع وشبهه، لأن الأعلام كثرت فجاز فيها من التخفيف ما لم يجز في عيرها، ولأنا أفدنا بالإضافة معنى مقصودا باعتبار تقدير العلم له ولغيره، كما في قولك: زيدكم، ولأن الثاني أشهر وأعرف، فكان في نسبة الأول إليه فائدة ليست فيما اعترض به.
[إملاء ٧٧]
["الآن" معرفة مبني مدلوله الزمان الحاضر]
وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (٥): "الآن" معرفة مبني مدلوله الزمان الحاضر. أما كونه معرفة فلا خلاف فيه لأنه موضوع لشيء بعينه. وأما بناؤه فالصواب أن يقال: لتضمنه حرف التعريف (٦): " أمس" في اللغة الحجازية.
_________________
(١) وهو المفعول فيه.
(٢) وهو المفعول لأجله.
(٣) وهو المفعول معه.
(٤) زيادة من ب، د.
(٥) زيادة من ب، د.
(٦) وذهب الكوفيون إلى أنه مبني لأن الألف واللام دخلتا على فعل ماض من قولهم: يئين، أي حان، وبقي الفعل على فتحته، وذهب البصريون إلى أنه مبني لأنه شابه اسم الإشارة، واسم الإشارة مبني فكذلك ما أشبهه. وقال أبو علي الفارسي: إنما بني لأنه حذف منه الألف واللام وضمن الاسم معناهما، وزيدت فيه ألف ولام أخريان. انظر: الإنصاف مسألة (٧١).
[ ٢ / ٧٦٦ ]
وهذه اللام التي فيه ليست للتعريف، لأن لام التعريف يجوز إثباتها للتعريف، وحذفها عند التنكير كقولك للرجل: رجل، وهذه ليست كذلك. ولأنها لو كانت للتعريف لوجب إعرابه، إذ ليس في اللغة كلمة تلزمه لام إلا وهو معرب (١). فإن زعم زاعم أنه معرب، وإنما انتصب لكونه ظرفا. رد بقولهم: من الآن، فإن مفتوح مع دخول حرف الجر عليه باتفاق، فوجب أن تكون هذه اللام زائدة لبنية الكلمة لا للتعريف، إذ بطل كونها للتعريف. فإن قيل: فلم لا تكون أصلية ويكون مبنيا بتقدير حرف التعريف كما ذكر تموه في "أمس" في لغة أهل الحجاز (٢)؟ فالجواب: أنها لو كانت أصلية لم يخل من أن تقدر معها الهمزة، أصلية أو زائدة، وكلاهما باطل، أما إذا قدرتها زائدة فيجب أن يكون وزنه "أفعالا"، وليس في اللغة "أفعال" وهمزته همزة وصل. وأيضا فإن "أفعالا" في الأسماء المفردة نادر. وأيضا فإنه كان يكون مما لم يثبت من تركيبهم، لأن "الآن" ليس من تركيبهم. وإن قدرت الهمزة أصلية وجب أن يكون: فعلالا أو فعلانا، وهو أبعد من جهة أن الهمزة الأصلية أبعد في جعلها وصلية. وإذا بعد أن تكون أصلية وهي زائدة، فكونها وصلية وهي أصلية أبعد.
_________________
(١) قال ابن الحاجب: "علة بناء الآن لتضمنها حرف التعريف. ولا يقال إن الألف واللام فيه للتعريف. إذ ليس له (آن) دخلت عليه الألف واللام. بل هو مرفوع في أول أوحواله بالألف واللام، وليس حكم لام التعريف ذلك، فوجب أن يكون تعريفه بأمر مقدر، وهو معنى لام التعريف". انظر: الإضاح في شرح المفصل ١/ ٥١٥.
(٢) فهي مبنية عندهم على الكسر. وعند بني تميم معربة ممنوعة من الصرف.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
وأما قول من قال: إنها بنيت لأنها من أسماء الإشارة (١)، أسماء الإشارة كلها مبني لشبهها بالحرف من حيث احتياجها إلى ما ينضم إليها من قرينة الإشارة، فإنك، إذا قلت: هذا، كان مفتقرا في دلا لته على مدلوله إلى قرينة الإشارة، والإشارة معنى لا يجوز أن ينطق باسم الإشارة منفكا عنه، كما أن الحرف لا يجوز أن ينطق به منفكا عن متعلقه، فلما أشبه الحرف بني، فقول لا يبعد عن الصواب وهو قول أبي إسحق (٢). ولكنه يستضعف من حيث إن أسماء الإشارة تدخل عليها هاء التنبيه وكاف الخطاب، فيقال: هذا وذاك وذاكما وذاكم وذاكن، وكذلك البواقي، ولا يجري ذلك في "الآن". ويجاب عن ذلك بأن من أسماء الإشارة "ثم" وهو للمكان الحاضر المشار إليه، ومع ذلك لا يدخله ذلك. وإذا ثبت أن "ثم" اسما من أسماء الإشارة لا يدخله ذلك لم يلزم ذلك في "الآن". فإن أورد أن "ثم" نادر فلا يحمل، أجيب بأن تقدير لام أخرى فيه للبناء كـ "أمس" نادر فلا يحمل على النادر. وأما "الذي" وأخواتها فمعارف موصولة مبنية لا فتقارها إلى ما يكملها من صلتها جزءا كافتقار الحرف إلى متعلقه، فوجب بناؤها لذلك (٣). والألف واللام في "الذي" ليست للتعريف لما تقدم من أنها زائدة لبناء صيغة الكلمة في "الآن" ولا حاجة تقدير لام أخرى على خلاف القياس مع الاستغناء عن
_________________
(١) وهو مذهب البصريين. انظر: الإنصاف مسألة (٧١).
(٢) هو الزجاج. وقد سبقت ترجمته في صفحة ٢٤٣.
(٣) قال أبو البركات الأنباري: "فإن قيل: فلم بنيت أسماء الصلات؟ قيل: لوجهين: أحدهما: أن الصلة لما كانت مع الموصول بمنزلة كلمة واحدة، صارت بمنزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة مبني. والوجه والوحه الثاني: أن هذه الأسماء لما كانت لا تفيد إلا مع كلمتين فصاعدا أشبهت الحروف، لأنها لا تفيد إلا مع كلمتين فصاعدا". أسرار العربية ص ٣٨٤.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
ذلك. وإنما وجب في "الآن" عند من أوجبه لقيام الدليل على التزامه، فلا يستقيم تقديره ههنا مع فقدان دليل الالتزام. وأما كونه معرفة فلكونه موضوعا لشيء بعينه. وأما ما تعرف به، فإن أريد ما تعرف به "الذي" على انفراده، فخطأ، لأنه على حياله غير مستقل جزءا. والتعريف والتنكير فرع الآستقلال، فإذن هي وما بعدها من صلتها معرفة بها لأنها وضعت في تعريف الجمل مثل اللام في تعريف المفرد. ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجل عالم، فأردت تعريف "عالم" قلت: مررت بالرجل العالم. فإذل قلت: مررت برجل قام غلامه، فأردت تعريفه قلت: مررت بالرجل الذي قام غلامه، وقام الدليل على أن اللام حرف، وعلى أن "الذي" اسم فوجب أن يتبع، ولا بعد في أن يكون الاسم يفهم منه التعريف. وقول من قال: إنها تعرفت بصلتها لأنها لا بد أن تكون معلومة للمخاطب، وهم، فإن اشتراط أن تكون معلومة للمخاطب في دخول الموصول عليه كاشتراط العهد في المفرد في صحة دخول اللام عليه، فلا تدخل اللام إلا في موضع يكون بينك وبين مخاطبك معهود سابق (١) قد بحققته. فكما لا يصح أن يقال: إن تعريفه بالعهد، كذلك لا يصح أن يقال: إن تعريف الموصول بالصلة، وإنما التبس على هؤلاء علة كونه معرفة بالأمر الذي ضم إليه ليدل على كونه معرفة. وليس الكلام إلا في الأمر الذي ضم إليه ليدل على كونه معرفة، فلا يصح أن يعبر عنه بعلة كونه معرفة.
[إملاء ٧٨]
[حد التصغير والنسب]
وقال ممليا: حد التصغير: أنه زيادة تدل على أن مدلول المزيد فيه
_________________
(١) في الأصل: وسابق. فالواو زائدة لا لزوم لها.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
محقر (١). وأما النسب فإلحاق آخر الاسم ياء مكسورا ما قبلها لتدل على أن مدلول جملته بينه وبين ما ألحقت به ملابسة (٢).
[إملاء ٧٩]
[وجه حمل النصب على الجزم]
وقال ممليا: إنما حمل النصب على الجزم لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء (٣). وقد حمل النصب على الجر في الاسماء فيما أعرب بالحروف (٤)، فوجب أن يحمل النصب على الجزم في الأفعال فيما أعرب بالحروف (٥) لئلا يكون للأفعال على الأسماء مزية. ومعنى قولنا: نظير الجر في الأسماء، أن الفعل المضارع لما أشبه الاسم أعرب بالرفع والنصب، وتعذر الجر، فجعل الجزم عوضا عنه، فصار الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء
_________________
(١) قال ابن الحاجب: " المصغر المزيد فيه ليدل على تقليل". انظر: شرح الشافية للرضي ١/ ١٨٩.
(٢) قال ابي الحاجب: "المنسوب الملحق بآخره ياء مشددة ليدل عى نسبته إلى المجرد عنها. وقياسه حذف تاء التأنيث مطلقا، وزيادة التثنية والجمع إلا علما قد أعرب بالحركات". انظر: شرح الشافية للرضي ٢/ ٤.
(٣) قال سيبويه: "لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، والأسماء ليس لها في الجزم يصيب كما أنه ليس للفعل في الجر نصيب". الكتاب ١/ ١٩.
(٤) أي: في جمع المذكر السالم والمثنى.
(٥) وهي الأفعال الخمسة.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
[إملاء ٨٠]
[بناء أسماء الأفعال التي هي بمعنى الأمر]
وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (١): إن قيل: إن أسماء الأفعال التي هي بمعنى الأمر كـ "نزال" وشبهه، بنيت لتضمنها معنى الأمر، فليس بجيد على مذهب البصريين لأنه بمعنى صيغة الأمر، وصيغة الأمر مبنية عندهم (٢)، فلا حاجة إلى تكلف أمر آخر، لأنه من باب التعسف من غير فائدة. وأيضا فإن اللام في صيغة الأمر للمواجه ضعيفة فلا ينبغي أن يقدر الفصيح بأمر يخرجه إلى غير الفصيح. وأما على مذهب الكوفيين الذين يقولون إنه معرب بتقدير لام الأمر (٣)، فهؤلاء يحتاجون الى مثل ذلك، لأن "نزال" إذل كان بمعنى: انزل، و"انزل" معرب، فليس في "نزال" ما يقتضي بناء، وهو ضعيف مبني على صعف الأصل فواضح لأن المقتضي للإعراب مفقود، فلا يستقيم إثباته مع فقدان مقتضاه. وايضا فإن اللام لو كانت مقدرة وجب أن يكون أيضا مبنيا، فهو أحق من بناء "نزال" باعتبار تضمن الحرف. فإذا لم يكن "انزال" مبنيا مع ظهور التضمن عندهم. فلأن لا يكون ذلك في "نزال" أولى. وأما ضعف الفرع فلما ذكرناه من أنه لا يقدر لام الأمر في صيغة المواجه إلا على ضعف
[إملاء ٨١]
[سر كون الضمائر الغائبة لا تعود إلا على متقدم الذكر]
وقال ممليا: سر كون الضمائر الغائبة لا تعود إلا على متقدم الذكر لفظا أو
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) انظر: الإنصاف مسألة (٧٢).
(٣) المصدر السابق.
[ ٢ / ٧٧١ ]
معنى أو حكما (١)، أن (٢) الضمائر ملبسة باعتبار حقائق مدلولها لصحة إطرقها على المختلفات. لأنك إذل قلت: قاموا، وما أشبهه، احتمل الزيدين والعمرين والمسلمين والمشركين، فأرادوا أن لا يعيدوها إلا على ما يتقدم ذكره وفقا لهذا الالباس.
[إملاء ٨٢]
[الإثبات بعد النفي الاستثناء المفرغ مفيد للحصر]
وقال ممليا: الاثبات بعد النفي في الاستثناء المفرغ مفيد للحصر. أي: ينفرد ما بعد "إلا" بذلك دون العام المقدر. فإذا قلت: ما جاءني إلا زيد، ف "زيد" منفرد بالمجيء دون الأحدين المقدرين في قولك: ما جاءني أحد. فإذا قلت: ما زيد إلا بشر، لا يلزم أن يكون: لا بشر إلا زيد، لأنك لم تنف البشرية عمن سواه وأثبتها له، وإنما أثبتها له دون غيرها من الصفات، ولم تتعرض لنفيها عمن عداه. وهكذا الحكم في كل مستثنى هو في الحقيقة خبر كالصفات والأحوال.
_________________
(١) التقدم اللفظي أن يذكر المفسر قبل الضمير ذكرا صريحا، نحو: ضرب زيد غلامه. والتقدم المعنوي أن لا يكون المفسر مصرحا بتقديمه، بل هناك شيء آخر غير ذلك الضمير يقتضي كون المفسر قبل موضع الضمير، نحو: ضرب غلامه زيد. والتقدم الحكمي أن يكون المفسر مؤخرا لفظا، وليس هناك ما يقتضي تقدمه على محل الضمير إلا ذلك الضمير، فإنه وإن لم يكن متقدما على الضمير لا لفظا ولا معنى إلا أنه في حكم المتقدم نظرا إلى وضع ضمير الغائب. وإنما يقتضي ضمير الغائب تقدم المفسر عليه لأنه وضعه الواضع معرفة لا بنفسه بل بسبب ما يعود عليه، فإن ذكرته ولم يتقدم مفسره بقي مبهما منكرا لا يعرف المراد به حتى يأتي تفسيره بعده وتنكيره خلاف وضعه، ومثاله: ربه رجلا. انظر: شرح الكافية للرضي ٢/ ٤.
(٢) ف د: لأن.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
إلا ترى أنك إذا قلت: ما جاءني زيد إلا راكبا، وما زيد إلا عالم، لم ترد نفي الركوب والعلم عمن عداه، وإنما أردت هذه الصفات له، وذلك ثابت. فإن قلت: فيلزم أن يكون ثم منفي عام، وهذا مثبت منه دونه، فيكون المعنى إثبات هذه الصفة له دون غيرها من الصفات، ونحن نقطع بأن ذلك غير مستقيم، فإنك إذا قلت: ما زيد إلا عالم، لم يستقم نفي جميع الصفات عن زيد، إذ لا بد أن يكون على صفات متعددة غير العلم، فهذا إشكال غير الأول. فالجواب: أنه كان قياس هذا الباب، ولكنه أتى على غير ذلك لأمرين: أحدهما: أن ذلك لو اعتبر لا متنع استعمال هذا الباب فيه، فيفوت كل معناه منه. والثاني: أنهم قصدوا إثبات ذلك ونفي ما يتوهم المتوهم مما يضاد ذلك. وكذلك قوله - ﷺ - (١): "لا صلاة إلا بطهور". فإن المعنى إثبات الطهارة للصلاة المشروعة لا إثبات الطهارة لها خاصة حتى يلزم أنها إذا وجدت، إذ قد توجد الطهارة ولا تكون الصلاة مشروعة لفوات شرط آخر.
[إملاء ٨٣]
[وجه عدم نصب الظرف المختص م الأمكنة بتقدير في]
وقال ممليا: إنما لم ينصب المختص من الأمكنة بتقدير "في" كما انتصب المبهم منه وظرف الزمان مطلقا، لثلاثة أمور: أحدها: أنه لو فعل ذلك فيه لأدى إلى الالباس بالمفعول به كثيرا. ألا ترى أنك تقول: اشتريت يوم الجمعة وبعت يوم الجمعة واسكنت يوم الجمعة وبوأت وما أشبه ذلك، ولا يلبس كونه ظرفا. ولو استعملت الدار ونحوها هذا الاستعمال لا لتبس بالمفعول. الثاني: هو أنه لما دخل في مسماه ما اختص به أشبه ما ليس بظرف
_________________
(١) رواه مسلم (طهارة: ٢)، وأبو داود (طهارة: ٣)، والترمذي (طهارة:١)، والنسائي (طهارة: ١٠٣). وابن ماجة (طهارة: ٢)، والدارمي (صلاة: ٢٠).
[ ٢ / ٧٧٣ ]
كالثوب وشبهه، فأجري مجراه، بخلاف غيره فإنه لم يختص بأمر دخل في مسماه، فبقي على ظرفيته. الثالث: هو أن ظرف الزمان المبهم والمختص كثير في الاستعمال فحسن فيه الحذف للكثرة (١)، وظرف المكان إنما كثر فيه (٢) في الاستعمال المبهم دون المختص، فأجري المبهم لكثرته مجرى ظرف الزمان، وبقي ما لم يكثر على أصله في استعماله.
[إملاء ٨٤]
[معنى قول لا بن جني في باب المبتدأ]
وقال ممليا: قول ابن جني في "اللمع" (٣) في باب المبتدأ: " وعرضته لها"، أي: جعلته على حال يصح دخولها عليه وهو كونه مسندا إليه.
[إملاء ٨٥]
[أوجه إطلاق الشاذ]
وقال ممليا: يطلق الشاذ على أوجه: أحدها: أنه يطلق ويراد به أنه قليل الاستعمال أو خارج عن قياس أو غير فصيح (٤).
_________________
(١) في س: لكثرته.
(٢) فيه: سقطت من م.
(٣) ص ٢٥. والعبارة بتمامها: اعلم أن المبتدأ كل اسم ابتدأته وعربته من العوامل اللفظية وعرضته لها.
(٤) قال الجاربردي: " اعلم أن المراد بالشاذ في استعمالهم ما يكون بخلاف القياس من غير نظر إلى قلة وجوده وكثرته". انظر: مجموعة الشافية بشرح العلامة الجاربردى١/ ٢٠.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
فقول من قال: شر أهر ذا ناب (١)، شاذ. إن أراد به الأول فمسلم، وإن أراد الثالث فممنوع، والثاني كالأول.
[إملاء ٨٦]
[الفرق بين التبيين والتبعيض]
وقال ممليا: الفرق بين التبيين والتبعيض، أن التبعيض يجب أن يكون ما قبل "من" بعضا لما بعدها (٢). والتبيين يجب أن يكونا متطابقين. ولذلك كان التبعيض ملتزما التبين، لأنه إذا كان جنسا له كان فيه تبيينه، ولا يكون في التبيين تبعيض، لأن شرطه المطابقة كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ (٣) فالرجس ههنا ليس بعضا للاوثان وإنما أريد به نفس الاوثان، فكان مطابقا في قصد المتكلم. والرجس إن كان يصح أن يطلق على أعم من الأوثان، فيصح إطلاقه على الأوثان، ولذلك فسر بها. ولا يستقيم أن تكون ههنا للتبعيض، لأن الأعم لا يكون بعضا للأخص، والمطابق لا يكون بعضا لمطابقه (٤).
_________________
(١) سبق الكلام عن هذا المثل في الإملاء (٧٤) من الأمالي على المقدمة. ص: ٥٧٥.
(٢) قال ابن هشام: "وعلامتها إمكان سد بض مسدها". المغني ١/ ٣٥٣ (دمشق). نحو: أخذت درهما من المال. .
(٣) الحج: ٣٠.
(٤) قال أبو البركات الأنباري: "فـ (من) هذه دخلت لتبيين المقصود بالاجتناب. ولا يجوز أن تكون للتبعيض، لأنه ليس المأمور به اجتناب بعض الأوثان دون بعض، وإنما المقصود اجتناب جنس الأوثان". أسرار العربية ص ٢٥٩.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
[إملاء ٨٧]
[الصمير المستتر]
وقال ممليا: وضعت الرب الصمير المستتر لأنه أخصر من البارز، فلا يعدلون عنه إلا عند تعذره للالباس، كما أنهم لا يعدلون عن المنفصل إلا عند تعذر المتصل (١)، فوضعوه في الماضي للمفرد المرفوع الغائب، وكان أولى. أما رفعه فلأن الرفع هو السابق للنصب فكان أولى. أما كونه مفردا فلأنه أسبق وأكثر فكان أولى. وأما كونه لغائب فلأن إخبار المتكلم عن غيره أكثر من إخباره عن نفسه. فلما جعلوه مستترا في ذلك وجب أن يكون بارزا في غيره لئلا يقع اللبس، لأنهم لو وضعوه مستترا في غير هذا المحل لم يعلم أنه لهذا دون غيره، فيقع اللبس. ولا يكتفى بتقديم من يعود عليه الضمير، إذ لو اكتفي بذلك لا ستغني عن الضمائر. ووضعوه في المضارع للغائب كذلك. ووضعوه للمخاطب المفرد المذكر المرفوع مستترا، وجعلو قرينة الخطاب تشعر بأنه للمخاطب ثم الكلام في كونه مفردا ومرفوعا كالكلام في الغائب، ولما كانت التاء تاء المخاطب في المضارع لا دلالة لها على خصوصية المذكر دون المؤنث احتاجوا أن يجعلوه بارزا إذا كان لمؤنث، بخلاف الماضي فإنهم (٢) استغنوا بتاء
_________________
(١) قال الزمخشري: "ولأن المتصل أخصر لم يسوغوا تركه إلى المنفصل إلا عند تعذر الوصل فلا تقول: ضرب أنت ولا هو ولا ضربت إياك". المفصل ص ١٢٧.
(٢) في الأصل وفي ب، د، م: فإنه. وما أثبتناه من س. وهو الأصوب.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
التأنيث التي تتصل بالفعل عن إبرازه، ولذلك التزموها وإن كان غير حقيقي. ولم يلتزموها إذا كان الفاعل غير حقيقي (١)، هو ظاهر، كقولك: ظهرت اليوم الظلمة، ولو قلت: الظلمة ظهر، لم يجز. ووضعوه في الفعل المضارع المتكلم مستترا لا غير، لأن قرينة التكلم وإن كانت همزة فقد علم أنها للمفرد. وإن كانت نونا استغنوا بقوة قرينة التكلم في الدلالة على من هو له، عن أن يضعوا له ضميرا بارزا. ووضعوه في الصفات (٢) بجملتها إذا جرت على من هي له مستترا، كأنهم استغنوا بتثنيتها وجمعها وتأنيثها وتذكيرها عن أن يبرزوا ضمائرها لدلالة هذه الأشياء عليها.
[إملاء ٨٨]
[مسألة في حديث: لا يموت لأحد ثلاثة من الولد]
وقال ممليا: قوله - ﷺ - (٣): " لا يموت لأحد ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم". محمول على الوجه الثاني في قولك: ما تأتينا فتحدثنا (٤). ولا يستقيم على الوجه الأول. لأن معنى الأول أن يكون الفعل الأول سببا للثاني كقولك: ما تأتينا فتحدثنا، أي: لو أتيتنا لحدثتنا. وليس عليه قوله: لا يموت لأحد، لأنه
_________________
(١) أي: غير حقيقي التأنيث.
(٢) كاسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة.
(٣) رواه البخاري (جنائز: ٦)، ومسلم (بر: ١٥٠)، والترمذي (جنائز: ٦٥)، والنسائي (جنائز: ٢٥)، وابن ماجه (جنائز: ٥٧). ورواية البخاري: لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار. ورواية مسلم: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار.
(٤) وهو أن الفعل الثاني لم يحصل عقيب الأول.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
[إملاء ٨٩] [حد الفاعل]
يؤدي إلى عكس المعنى المقصود، ويصير المعنى: أن موت الأولاد سبب لمس النار وهو ضد المعنى المقصود. وإذا حمل على الوجه الثاني وهو أن الغرض أن الثاني لا يكون عقيب (١) الأول أفاد الفائدة المقصودة بالحديث، إذ يصير المعنى أن مس النار لا يكون عقيب (٢) موت الأولاد وهو المقصود بأنه إذا لم يكن المس مع موت الأولاد وجب دخول الجنة، إذ ليس بين النار والجنة منزلة أخرى في الآخرة. فثبت أن الخبر لا يمكن حمله إلا على الوجه الثاني لا على الوجه الأول (٣).
[إملاء ٨٩]
[حد الفاعل]
وقال ممليا: الفاعل هو الذي نسب الفعل إليه (٤): ولا فرق بين أن يكون الفعل دالا على أمر وجودي أو أمر نسبي أو أمر عدمي. نزلوا المعاني المعقولة كلها منزلة واحدة ولم يفرقوا بين وجود وغيره. فمثال الأول: علم زيد. ومثال الثاني: بعد زيد. ومثال الثالث: استحال الجمع بين الضدين، وشبهه.
_________________
(١) في م: عقب.
(٢) في م: عقب.
(٣) انظر: الإيضاح في شرح المفصل لابن الحاجب ٢/ ١٦، فقد فصل القول في هذه المسألة، ولم يختلف ما قاله هناك عما قاله هنا.
(٤) وحده في الكافية بقوله: " وهو ما أسند إليه الفعل أو شبهه وقد عليه على جهة قيامه به، مثل قام زيد، وزيد قائم أبوه". انظر: شرح الكافية للرضي ١/ ٧٠. وحده الزمخشري بقوله: " هوما كان المسند إليه من فعل أو شبهه مقدما عليه أبدا"، المفصل ص١٨. وحده أو البركات الأنباري بقوله: "اسم ذكرته بعد فعل، وأسندت ذلك الفعل إليه". اسرار العربية ص ٧٧.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
وإنما جمعوا بينها لأن الغرض نسبة هذا الحكم لها لما كانت الأحكام كلها مفتقرة إلى محكوم عليه بها نزلت جميعها منزلة واحدة، ولم يراعوا من ذلك وجودا ولا نسبة ولا عدما، فلذلك أجروها مجرى واحدا. ولا فرق بين أن تكون هذه الأمور مثبتة أو منفية أومستفهما عنها أو مشروطة أو مأمورا بها أو منهيا عنها، لأن الغرض ذكرها متعلقة بمن هي له على اختلاف الأحكام المتعلقة بها. وسمى النحويون الفاعل على ما فهموه من هذا المعنى عن العرب في أن الباب كله في ذلك واحد.
[إملاء ٩٠]
[إضافة "كلا" و"كل"]
وقال ممليا: "كلا" إذا أخبر عنه فالفصيح أن يخبر عنه بمفرد، فتقول: كلا الرجلين جاءني، ولو قلت: جاءاني، كان غير فصيح. قال الله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾ (١)، ولم يقل: آتتا. وسر ذلك أن "كلا" مثل "كل" باعتبار أنه وضع ليدل على تعدد الاجزاء في الذات المضاف هو إليها، ولذلك التزم إضافتهما إلى ما ينبين به الذات المقصودة بهما. والتزم إضافة "كلا" إلى لأن وضعه لجزئين (٢)، والتزم إضافة "كل"
_________________
(١) الكهف: ٣٣.
(٢) ونقل ابن هشام عن ابن الأنباري إضافتها إلى المفرد بشرط تكريرها نحو: كلاي وكلاك محسنا. انظر: مغني اللبيب ١/ ٢٢٣ (دمشق).
[ ٢ / ٧٧٩ ]
إلى متعدد أو جنس. فإذا أضافوه إلى متعدد كان مرفة، وإذا أضافوه إلى جنس كان نكرة. فتقول: اضرب كل الرجال، واضرب كل رجل. وكان الأصل أن يضاف إلى المتعدد المعرفة كما في "كلا"، ولكنهم قصدوا إلى إيقاع اسم الجنس موقعه. فلما استغنوا عن لفظ التعدد استغنوا عن تعريفه، ولأنه كان يكون موهما من غير فائدة. فأما إذل قلت: اضرب كل رجال، فهو من باب قولك: اضرب كل رجل، إلا أنك جعلت الجمع (١) جنسا، وقدرت أن واحده رجال. فأما إذا أضيف إلى متحد معرفة، أو ممتنع فيه الجنسية وجب تأويله. فإذا قلت: اشتريت كل العبد، وجب حمله على أجزائه، ولذلك لو قلت: جاءني كل العبد، لم يجز. وإذا قلت: جاءني كل غلام رجل، فتأويله: كل غلام كل رجل، لأنه لا يستقيم الجنس إلا كذلك، لأن رجلا جاء في سياق الاثبات، فلا يقبل عموما وقد أضيف غلام إليه، فيتخصص بإضفته إلى رجل. وعليه حمل قوله تعالى: كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾ (٢)، في قراءة [من أضاف (٣)، وأن التأويل: كذلك يطبع الله على كل قلب كل متكبر] (٤). ولو بقي على ظاهره لم يكن له محمل إلا على جملة أجزاء قلب لمتكبر واحد. لأن المتكبر في سياق الاثبات، فلا يكون إلا لواحد، فيجب أن يكون قلبا لواحد، إذ ليس للواحد إلا قلب واحد، فيجب حمل (كل) على الأجزاء، فيصير على ما
_________________
(١) في م: الجميع، وهو تحريف.
(٢) غافر: ٣٥.
(٣) وهو قراءة السبعة. انظر: البحر المحيط ٧/ ٤٦٥.
(٤) ما بين القوسين المعقوفين زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
ذكرناه. وليس بمستقيم لأن الآية لم تسق لذلك، فوجب حملها على ما يوافق المعنى الذي سيقت لأجله وهو عموم قلوب المتكبرين. ثم لا يخلو إما أن يذكر مضاف "كل" معها أو لا يذكر. فإن ذكر فالا خبار بالمفرد في الأكثر، قال تعالى: ﴿وكلهم آتيه يوم القيامة فردا﴾ (١). و(آتيه) مفرد. وإذا لم يذكر معها فالا خبار بالجمع، قال الله تعالى: ﴿وكل أتوه﴾ (٢). وآتوه، على القراءتين (٣). وقال: ﴿وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم﴾ (٤). وسر ذلك هو أنه إذا لم يذكر أرادوا أن ينبهوا على ذلك بخصوصية اللفظ الدال على الجمع وإن كانت "كل" تشعر بذلك
[إملاء ٩١]
[الفرق بين الجملة الانشائية والخبرية]
وقال ممليا: الكلام ينقسم إلى الجملة الانشائية وإلى الجملة الخبرية. فالخبرية: كل جملة ن متعلق علم تحقيقا أو تقديرا. والإنشائيه: كل جملة عن نفس المعنى من غير اعتبار تعلق العلم به. وبيانه أنك إذل قام بنفسك طلب الماء من زيد وعلمت حصول ذلك الطلب، فإذا قصدت التعبير عن الطلب باعتبار تعلق العلم به قلت: طلبت من زيد ماء. فإن قصدت إلى التعبير عن نفس الطلب من غير نظر إلى تعلق العلم
_________________
(١) مريم: ٩٥.
(٢) النمل: ٨٧.
(٣) قرأ أبو عمرو وعاصم والكسائي ونافع وابن عامر وابن كثير: آتوه، وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة: أتوه. انظر: القرطبي١٣/ ٢٤١.
[ ٢ / ٧٨١ ]
به قلت: اسقني. وكذلك التقدير في جميق معاني الانشاء كالاستفهام والتمني والتحضيض والنداء. وأما تبيين الخبر باحتمال الصدق والكذب فغير مستقيم لأنه فرع عقليته فلا يستقيم أن يجعل معرفا لئلا يؤدي إلى الدور.
[إملاء ٩٢]
[إعراب سحر وأمس]
وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة] (١): "سحر" عند العرب جميعيهم معرب إعراب ما ر ينصرف للتعريف والعدل. و"أمس" عند أهل الحجاز مبني على الكسر، وعند بني تميم معرب إعراب ما لا ينصرف (٢). ووجهه عند بني تميم وجه الجميع في "سحر". ووحه لغة أهل الحجاز ف " أمس" أنه تضمن معنى لام التعريف فبني لتضمنه معنى الحرف (٣). وإنما
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) قال سيبويه: "وأعلم أن بني تميم يقولون في موضع الرفع: ذهب أمس بما فيه، وما رأيته مذ أمس، فر يصوفون في الرفع، لأنهم عدلوه عن الأصل الذي هو عليه في الكلام، لا عن ما ينبغي له أن يكون عليه في القياس. ألا ترى أن أهل الحجاز يكسرونه في كل المواضع، وبنو تميم يكسرونه في أكثر المواضع في النصب والجر، فلما عدلوه عن أصله في الكلام ومجراه تركوا صرفه اخر حين قارقت أخواتها في حذف الألف واللام منها، وكما تركوا صرف سحر ظرفا". الكتاب ٣/ ٢٨٣.
(٣) قال الزمخشري: "وأمس وهي متضمنة معنى لام التعريف مبنية على الكسر عند الحجازيين". المفصل ص ١٧٣. وقال السيوطي: " قال ابن القواس في شرح الدرة: أمس مبني لتضمنه معي لام التعريف، فإنه معرفة بدليل: أمس الدابر، وليس بعلم ولا مبهم ولا مضاف ولا بلام ظاهرة فتعين تقديرها". ولأشباه والنظائر ١/ ١٠٥.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
فرقوا بينه وبين "سحر" من جهة أن "سحر" استعمل نكرة استعمل معرفا باللام على قياس التعريف (١)، فحسن أن يقال: سحر معدول عن السحر، لأنه جار على القياس فلم يلزم فيه إلا مخالفة القياس في استعماله على غير قياسه في العتريف لا غير. ولم يحسن ذلك في "أمس" لأنه لا يقال: أمس، منكر ثم يعرف فيقال: الأمس، بل الأمس، بالألف واللام معرفا تعريفا على غير قياس، و"أمس" معرفا على غير قياس. فلو جعل معدولا عن الأمس لكان فيه مخالفة فياسين: أحدهما فيه، والآخر في المعدول عنه، فكان حمله على مخالفة قياس واحد أولى. ولذلك جاءت لغة أهل الحجاز على البناء دون الإعراب.
[إملاء ٩٣]
[ضابط وجوب حذف الخبر]
وقال ممليا: إذل قامت قرينة تدل على خصوصية الخبر وكان معها لفظ في موضع الخبر ملتزم ذكره لموجب أوجبه وجب حذف الخبر (٢)، كقولهم: لولا زيد لكان كذا، وشبهه (٣).
_________________
(١) قال سيبويه: " وإذا قلت: مذ السحر أو عند السحر الأعلى، لم يكن إلا بالألف واللام، فهذه حاله، لا يكون معرفة إلا بهما. ويكون نكرة إلا في الموضع الذي عدل فيه". الكتاب ٢/ ٢٩٤.
(٢) أي: يحذف الخبر وجوبا في موضع يكون فيه مع القرينة الدالة على تعيين الخبر المقدر من بين سائر الأخبار لفظ ساد مسد ذلك الخبر. انظر: شرح الكافية للرضي ١/ ١٠٤.
(٣) ومثل: ضربي زيدا قائما، وكل رجل وضيعته، ولعمرك لأفعلن كذا.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
[إملاء ٩٤]
[الجواب عن سؤال لعبد القاهر الجرجاني في العطف على المنادى]
وقال: قال الشيخ عبد القاهر في شرح المقدمة (١) التي وضعها سؤال صعب، وهو أن يقال: من حكم المعطوف أن يمتنع فيه ما أمتنع من المعطرف عليه، وإذا كان كذلك وجب إذ لم يصح إدخال الألف واللام على المنادى فلا يقال: يا الرجل، أن لا يقال ذلك في المعطوف عليه، وأن لا يقال ﴿يا جبال أوبي معه والطير﴾ (٢). والحواب: أن الذي أوجب جواز ذلك في المعطوف مع امتناع ذلك في المعطوف عليه أن الذي منع أن تقول: يا الرجل، ما ذكر من أن الألف واللام في الاسم للعهد (٣)، وأن تقدير العهد في المخاطب محال من حيث كان العهد يكون في ثالث هو غائب، والمعطوف على المنادى لا يدخل في الخطاب. ويكون في حكم الغيبة. تبيين ذلك أنك إذل قلت: أعنيك وزيدا، لم يدخل زيد في الخطاب وإن كان معطوفا على ضمير المخاطب، وذلك أنه لا يصح الجمع بين شيئين في الخطاب على أن يبدأ بأحدهما ويثنى بالآخر. معنى ذلك أنه لا يصح أن تقول: أنت فعلت كذا، وانت تخاطب زميدا، ثم تقول: وأنت لم تفعل كذا، وأنت تعني عمرا وتقدر خطابك زيدا بقي على حاله في حال خطابك. وإنما يجوز الجمع بين شيئين في الخطاب إذا لم تفرق فقلت: أنتما فعلتما، وما شاكل ذلك.
_________________
(١) يجوز أن يكون كتاب التلخيص وهو شرح موجز لكتاب الجمل. وانظر الجمل ورقة ٦٠ (مخطوط بدار الكتب رقم ١٨٣٣).
(٢) سبأ: ١٠.
(٣) قال أبو البركات: "فإن قيل: فلم لم يجمعوا بين (يأ) والألف واللام؟ قيل: لأن (يا) تفيد التعريف، والألف واللام تفيد التعريف، فلم يجمعوا بين علامتي تعريف، إذ لا يجتمع علامتا تعريف في كلمة واحدة". أسرار العربية ص ٢٢٩.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
وإذا صح ذلك تبين السبب في جواز دخول الألف واللام على المعطوف على المنادى، وإن يصح دخولها على نفس المنادى. فافهمه، فهذا موضع لطيف لم ينعم أصحابنا النظر فيه.
[إملاء ٩٥]
[اعتراض على عبد القاهر الجرجاني في مسألة العطف على المنادى]
وقال ممليا معترضا على عبد القاهر فيما ذكره من السؤال والجواب: المعنى الذي كان به الأول مخاطبا أوموجود هو في الثاني أم لا؟ فإن كان موجودا وجب أن يكون مخاطبا وبقي الا عتراض قائما. وإن لم يكن موجودا بطل أن يكون منادى لأنه هو المعنى الذي كان به الأول مخاطبا. وما توهم من أنه لا يكون مخاطب معطوفا على مخاطب، باطل بقولك: يازيد وعمرو. فإن زعم أن هذا مما يقدر فيه حرف الخطاب عدل عن المعنى الذي كان به مخاطبا إلى التقدير الذى يلزمه في المعنى في أصل المسألة، ثم هو باطل لعلمنا أن عمرا من حيث المعنى بالنسبة إلى زيد كالرجل في قولك: يا زيد والرجل، بالنسبة إلى زيد. وإذا كان كذلك وجب أن يكونا مخاطبين. وما ذكروه من أنه لا يكون مخاطبان بلفظين في جملة واحدة ليس بمطرد إلا في الضمائر قصدا للاختصار. فأما فيما لا يمكن فيه الاختصار فالضرورة تلجىء إلى العطف. ووزانه وزان امتناع قولك: جاءني زيد وزيد. ووجوبه في قولك: جاءني زيد وعمرو. ويوضح ذلك الاجماع جواز: يا هذان زيد وعمرو، وزيدا وعمر، ومعلوم أنهما مخاطبان. وإذا ثبت أن المعنى الذي كان به "زيد" مخاطبا واجب كونه في الرجل، بقي الاعتراض قائما. ولذلك أجوبة: أحدهما: لا نسلم أن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه فيما يمتنع، بدليل قولهم: رب شاة وسخلتها بدرهم،
[ ٢ / ٧٨٥ ]
وشبهه. سلمنا ذلك، إلا أنه مخصوص بما كان عاملا في المعطوف عليه. والدليل عليه أنك تقول: ضربت زيدا ضربتين وعمرا، فلا يلزم تشريك عمرو مع زيد في الضربتين وإن لزم تشريكهما في "ضربت". إذا ثبت ذلك فليس لـ "يا" عمل فلا يلزم تشريكهما فيها. سلمنا تشريكهما فيها، إلا أن شرط جواز دخول "يا" على الثاني إذا أوليته مفقود، فلما وقع وقد فصل بينه وبين الأول حصل شرط الجواز، وأشبه قولك: يا أيها الرجل و"هذا" في: يا هذا الرجل، فقد صح إجراؤه على باب العطف فيما يمتنع فيهما. ولكن اتفق أن الثاني ههنا حصل شرط جواز دخول " يا" عليه ولم يصح فيه لو (١) أوليته. وهذا كله على التسليم في أن المعطوف يقدر العامل الأول فيه. وأما إذا قلنا بالانسحاب كالصفة وعطف البيان والتأكيد، اندفع السؤال من أصله.
[إملاء ٩٦]
[تعدى "حدثت" وأخواتها]
وقال ممليا: "حدثت" وأخواتها (٢) التي تتعدى إلى مفعول واحد ثم تتعدى إلى ثلاثة على ما ذكره النحويون، تارة يلفظ بالثلاث (٣) المفاعيل إذا قصد تفصيل ذلك، وتارة يؤتى بلفظ دال على المفعولين فيستغنى به، ومثله قوله تعالى: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ (٤). فأن (أخبارها) ههنا قائم مقام المفعولين
_________________
(١) في "ب" و"م": أو، وهو تحريف.
(٢) وهي: أعلم وأرى وأنبأ واخبر وخبر.
(٣) وردت هذه الكلمة هكذا في جميع النسخ. وفيها إشكالان: الأول: تعريفها بأل، وهذا جائز عند الكوفيين ممتنع عند البصريين. والثاني: تجريدها من التاء، وهذا لا يجوز. وهو خطأ من النساخ.
(٤) الزلزلة: ٤.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
لكون الخبر يتضمن في المعنى ما ذكر من التفصيل. و﴿بأن ربك أوحى لها﴾ (١). من الناس من قال: بدل من (أخبارها)، ولا بعد في ذلك (٢). وذهب بعضهم إلى أن هذه (تحدث) مستثناة من قاعدة من ذكر وتتعدى إلى مفعول واحد، وليس بصحيح، وفي القرآن مثله، وهو قوله: ﴿من أنبأك هذا﴾ (٣)، فإن (هذا) قائم مقام المفعولين، كأنه قال: من أنبأك النبأ.
[إملاء ٩٧]
[الاعتراض على من قال: إن "عرعار" معدول عن "عرعرة"]
وقال ممليا: ليس قول من قال: إن "عرعار" معدول عن "عرعرة" بمستقيم (٤)، لأن أسماء الأفعال لم تعدل عن المصادر. ولو كان ذلك كذلك، لكان قولهم: نزال، إنه معدول عن النزول، وكذلك ما أشبهه من أسماء الأفعال.
[إملاء ٩٨]
[اعتراض على حد بعضهم البدل]
وقال ممليا: قول بعض النحويين: البدل هو إعلام السامع بمجموعي الاسم على جهة البيان من غير أن ينوى بالأول الطرح (٥).
_________________
(١) الزلزلة: ٥.
(٢) وهو مذهب الزمخشري، انظر: الكشاف ٤/ ٢٧٦.
(٣) التحريم: ٣.
(٤) ذكر سيبويه أن مما جاء معدولا عن حده من بنات الأربع: قرقار وعرعار. قال: "وكذلك عرعار، وهي بمنزلة قرقار، وهي لعبة. وإنما هي من عرعرت". الكتاب ٣/ ٢٧٦. وانظر: المفصل ص ١٥٦. واللسان (عرر).
(٥) وحده ابن عصفور بقوله: " إعلام السامع بمجموع اسمين، أو فعلين على جهة تبيين الأول، أو تأكيده، وعلى أن ينوى بالأول منهما الطرح معنى لا لفظا. فمثال مجيئه للتبيين قولك: قام أخوك زيد، ومثال مجيئه للتأكيد: جدعت زيدا أنفه". المقرب ١/ ٢٤٢.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
فقوله: إعلام، ليس بالبدل، لا غين ولا جنس. لأن الإعلام فعل المتكلم وهو أعلمته إعلاما، فلا يكون بدلا أبدا من حيث كونه إعلاما، وهو بمعنى: جعلت الرجل عالما، أو قصدت إلى جعله عالما، وليس ذلك بالبدل. وقوله: بمجموعي الاسم، غير مستقيم. لأن مجموعي الاسم هو (١) البدل والمبدل منه جميا فيكف يحد البدل بأمر يدخل معه المبدل في الحد. وقوله: على جهة البيان، زيادة لا فائدة فيها، إذ الإعلام لا يكون إلا على جهة البيان. وقوله: من غير أن ينوى بالأول، زيادة مفسرة للحد على تقدير صحته، لأنه يخرج منه بضه، لأن البدل من جملة أنواعه بدل الغلط. فإذا قال من غير أن ينوى بالأول الطرح، خرج من جملة الحد، فلا يصير الحد شاملا فإن زعم زاعم أن الغلظ لا يقصد إلى إدخاله في الحد. قلت: تنويعهم البدل على أربعة أضرب من أدل دليل على أنه مقصود بالنوعية، فوجب إدخاله في الحد. ولو سلم أن الغلط على ما ذكرت، فليس البدل غلطا، بل هو مقصود مراد بالذكر. وإنما الغلط وقع في ذكر المبدل منه، وليس الحد للمبدل منه وإنما هو للبدل، فوجب أن يكون داخلا في الحد. ومن حده بأنه المقصود بالنسبة بعد متبوع للتوطئة والتمهيد، فلا يرد عليه إلا خروج بدل الغلط، فإنه لم يذكر المتبوع قبله للتوطئة والتمهيد إذ وقع غلطا، فكأنه توهم أنه لا يلزمه لأجل كونه غلطا. وقد بينا أنهم اتفقوا على تنويعه،
_________________
(١) في الأصل وفي م: لا هو. وهو خطأ، لأن المعنى لا يستقيم.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
فوجب أن يكون داخلا في الحد. وبينا أنه ليس الغلط فيه وإنما الغلط في أمر آخر ليس هو المحدود.
[إملاء ٩٩]
[إعراب قولهم: تهراق الدماء]
وقال ممليا: قولهم: تهراق الدماء (١). يجوز الرفع والنصب. أما الرفع فعلى من الضمير في "تهراق"، كأنه قيل: تهراق دمها، فجعل الفعل أولا لها ثم أبدل منه كما تقول: أعجبتني الجارية وجهها، وحذف الضمير للعلم به. وأما النصب فاوجهه أن يكون بفعل مقدر. كأنه لما قيل: تهراق، قيل: ما تهريق؟ فقال: تهريق الدماء، مثل: ليبك يزيد (٢)، في التقدير، وإن اختلفا في الإعراب، ومثله كثير في كلامهم. ويجوز أن يكون منصوبا على التمييز وإن كان معرفة (٣)، كما ينتصب مثل قولك: هند مهراقة الدماء، وهو كقولك: زيد حسن الوجه.
_________________
(١) في حديث أم سلمة زوج النبي - ﷺ - أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله - ﷺ -. انظر: سنن أبي دواود (طهارة:١٠٧)، والموطأ (طهارة: ١٠٥).
(٢) قال الشاعر: ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح وقد سبق الكلام عنه في الإملاء (١٠٠) من الأمالي على المفصل. ص: ٤٤٧.
(٣) التمييز يأتي نكرة ولا يأتي معرفة، لأنه يبين ما قبله، كما أن الحال يبين ما قبله. ولما أشبه الحال وجب أن يكون نكرة، كما أن الحال نكرة. انظر: أسرار العربية ص١٩٩. ووجوب كون التمييز نكرة هو مذهب البصريين، أما الكوفيون فلا يوجبون ذلك.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
ويجوز أن يكون منصوبا على توهم التعدي إلى مفعول ثان، لأن الهمزة دخلت على الهاء التي هي عوض عن الهمزة التي في "أراق" فعداه بها إلى مفعول آخر كأن المعنى: جعلها غيرها مهريقة الدماء.
[إملاء ١٠٠]
[هل يحتاج المجاز إلى النقل؟]
وقال ممليا: الانصاف أن المجاز إن كان باعتبار الألفاظ مفردة احتاج إلى التقل، وإن كان باعتبار المعاني الحاصلة باعتبار تعدد الألفاظ مثل: طلع فجر علاه، وشابت لمة سراه (١)، وأشباهه، لم يحتج إلى النقل لما علم من استعمال العلماء م كل طائفة أمثال ذلك في تصانيفهم وخطبهم ورسائلهم وغيرها.
[إملاء ١٠١]
[توجيه إعراب كلمة في قولهم: وكان أجود ما يكون في رمضان]
وقال ممليا بدمشق سنع أربع عشرة على قولهم (٢): " كان رسول الله - ﷺ - أجود ما يكون في رمضان": كل الرفع في " أجود" الثاني هو الوجه، لأنك إن جعلت في "كان" ضميرا يعود على رسول الله - ﷺ - لم يكن "أجود" بمجرده خبرا، لأنه مضاف إلى ما يكون، فهو كون، ولا يستقيم الخبر بالكون عما ليس بكون. ألا ترى أنك لا تقول: زيد أجود ما يكون.
_________________
(١) اللمة: شعر الرأس الذي يلم بالمنكب، اللسان (لمم).
(٢) هذا القول لابن عباس ﵄. رواه البخاري (صوم: ١٢).
[ ٢ / ٧٩٠ ]
فيجب أن يكون إما مبتدأ، خبره قوله: في رمضان، من باب قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائما، وأكثر شربي السويق في يوم الجمعة، فيكون الخبر الجملة بكمالها، كقولك: كان زيد أحسن ما يكون في يوم الجمعة، وإمابدلا من الضمير في "كان"، فيكون من بدل الاشتمال كما تقول: كان زيد علمه حسنا. وإن جعلته ضمير الشأن تعين رفع "أجود" على الابتداء والخبر. وإن لم تجعل في "كان" ضميرا تعين الرفع أنه اسمها، والخبر محذوف قامت الحال مقامه على ما تقر في باب: أخطب ما يكون الأمير قائما (١). وإن شئت ج" في رمضان" هو الخبر كقولهم: ضربي في الدار، لأن المعنى الكون الذي هو أجود الأكوان حاصل في هذا الوقت، فلا يتعين أن يكون من باب: أخطب ما يكون الأمير قائما.
[إملاء ١٠٢]
[علة صرف ما لا ينصرف إذا دخلته اللام أولإضافة]
وقال ممليا: إن قيل: لم انصرف ما لا ينصرف إذا دخلته اللام أو الإضافة، والعلتان باقيتان كنحو: الأحمر وأحمركم، فإن الصفة ووزن الفعل باقية (٢)؟.
_________________
(١) انظر: شرح الكافية للرضي ١/ ١٠٤.
(٢) قال سيبويه: "وجميع ما لا ينصرف إذا أدخلت عليه الألف واللام أو أضيف انجر لأنها أسماء أدخل عليها ما يدخل على المنصرف. وأدخل في المنصرف، ولا يكون ذلك في الأفعال، وأنموا التنوين". الكتاب ١/ ٢٢. وقال المبرد:" وكل ما لا ينصرف إذا أدخلت فيه ألفا ولا ما أو أضفته انخفض في موضع الخفض لأنها أسماء امتنعت من التنوين والخفض لشبهها بالأفعال. فلما أضيفت وأدخل عليها الألف واللام باينت الأفعال وذهب شبهها بها إذ دخل فيها ما لا يكون في الفعل، فرجعت إلى الاسمية الخالصة، وذلك قولك: مررت بالأحمر يا فتى، ومررت بأسودكم". المقتضب ٣/ ٣١٣.
[ ٢ / ٧٩١ ]
فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه منجر بالكسرة غير منصوف. وإنما انجر بالكسرة لأن الموجب للفتحة موضعها تبعها لذهاب التنوين للعلتين. فإذا كان التنوين قد ذهب لأجل اللام والإضافة انتفى موجب حذف الكسرة فبقي منجرا بالكسرة على أصله. هذا إذا قلنا: إن موجب العلتين حذف التنوين وموجب الفتحة موضع الكسرة حذف التنوين للعلتين. فأما إذا قلنا: إن موجب العلتين حذف التنوين والكسرة معا، لا أن الكسرة تبع للتنوين الذاهب للعلتين فإنه يحتاج إلى غير هذا الجواب، وهو أن يقال: لما اختص هذا الاسم بخاصة ممتزجة معه حتى صارت كالجزء، وهي من خصائص الأسماء قابلت بقوتها ذلك الشبه، فرجع الاسم إلى أصله في الصرف، ولا تنوين لتضاده مع الألف واللام، ثم حملت الاضافة على اللام لاشتراكهما في المعنى والموجب. إلا ترى أنه لا يجمع بينه وبين التنوين كاللام، وأنها توجب التعريف كاللام. فإن قيل: فينبغي على هذا أن يكون إسناد الفعل وحرف الجر ودخول "إن" موجبا (١) للصرف لأنه من خصائص الاسماء. فالجواب في ضمن ما تقدم، وهو قولنا: ممتزجة بالاسم امتزاج الجر. ويدلك على ذلك أنها لم تعمل كما عملت حروف الجر وغيرها لما لم تمتزج هذا الامتزاج. فإن قلت: إنما أوردته على الاضافة. فقد تقدم الجواب أيضا، وهو أن الاضافة أشبهت اللام بما ذكرناه، فأجريت مجراها، بخلاف غيرها.
_________________
(١) في الأصل: موجب. وهو سهو من الناسخ، لأنه خبر يكون.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
[إملاء ١٠٣]
[النسبة إلى ميا فارقين]
وقال ممليا: إذا نسبت إلى ميا فارقين (١). فإن كان مركبا كبعلبك أو مضافا كباب عبد القيس فالنسب فيه إلى الأول (٢). وإن كان مضافا كاضافة ابن الزبير فالنسب فيه إلى الثاني (٣). فإذا نسبت إلى الأول لم يخل إما أن تقدره: فعلى أو فعل. فإن قدرته: فعلى، وهو الأولى، لقلة "فعل" فالنسب إليه إما: ميوي كحبلوي، وأما: مييي كحبلي، وبقيت الياء كما بقيتها في أمييي أو مووي، وقلبت الياء كما قلبتها في: أموي أو ميوي، وبقيتها ياء كما بقيتها في: حيوي لجواز أن يكون أصلها ياء. وإن قدرته: فعل، فالنسب إليه ميوي، بتشديد الياء كما تقول في " شلم" (٤): شلمي. واختيار أبي على تخفيف الياء على هذا الوجه غير جيد، إذ لم يثبت حذف مثل هذه الياء في النسب، وقياسه على جلولي وتحروري ضعيف لاختلافهما. وإن نسبت إلى الثاني قلت: فارقيني، كـ " نصيبيني" أو فارقي كـ " نصيبي".
_________________
(١) ميا فارقين: أشهر مدينة بديار بكر. معجم البلدان ٥/ ٢٣٥.
(٢) تقول في نسبة بعلبك: بعلي. وفي نسبة عبد القيس: عبدي.
(٣) أي: إذا كان الثاني مقصودا أصلا. تقول في نسبة ابن الزبير: زبيري. وفي نسبة أبي عمرو: عمري.
(٤) شلم: هي بيت المقدس. انظر اللسان (شلم).
[ ٢ / ٧٩٣ ]
[إملاء ١٠٤]
[الفائدة من ذكر الشيخ والشيخة في قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا]
وقال ممليا سنة [خمس وعشروين] (١) وقد سئل عن قوله (٢): "الشيخ والشيخة إذا زنيا فار جموهما البتة نكالا من الله ورسوله". فقيل: ما القائدة من ذكر الشيخ والشيخة، وهلا قيل: المحصن والمحصنة؟ فقال هذا من البديع في باب المبالغة، أن يعبر عن الجنس في باب الذم بالأنقص والأخس، وفي باب المدح بالكبر والأعلى. فيقال: لعن الله السارق ربع دينار فتقطع يده. والمراد: يسرق رب دينا فصاعدا، إلى أعلى ما يسرق، وقد تبالغ فتذكر ما لا يقطع به تقليلا كما في الحديث (٣): "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده". وقد علم أنه لا يقطع بالبيضة. وتأويل من اوله بيضة الحرب تأباه الفصاحة. وكذلك قول الشاعر حكاية عمن قتل تحريضا لهم على أخذ الثأر وترك الدية:
فلا تأخذوا منهم إفالا وأبكرا وأترك في بيت بصعدة مظلم (٤)
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) هذا مما نسخ تلاوته وبقي حكمه فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول. كما روي أنه كان يقال في سورة النور: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله. ولهذا قال عمر: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي. انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي ٢/ ٣٥ (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم).
(٣) رواه البخاري (حدود: ٧)، ومسلم (حدود:٧)، والنسائي (قطع السارق: ١)، وابن ماجه (حدود: ٢٢).
(٤) هذا البيت من البحر الطويل وهو لكبشة أخت عمرو بن معد يكرب كما في أمالي القالي ٢/ ٢٢٦، وذيل الأمالي والنوادر ص ١٩٠، وحماسة أبي تمام ١/ ٧١. ونسبه الجاحظ في الحيوان (٤/ ١٢٧) لكبشة بنت عمرو بن معد يكرب. الإفال: صغار الإبل بنات المخاض. وصعدة: بلدة في اليمن.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
وقد علم أنهم لا يأخذون الإفال والأبكر في الديات، ولكنه على ما ذكرت في الديات في تقليل ما يؤخذ وتخسيسه. وأبلغ منه قول الشاعر في مثل ذلك:
حشف النخل (١)
وقد علم أن حشف النخل لا يؤخذ في الدية، وهو ولا جنسه، ولكنه على ما ذكرت من قصد المبالغة.
[إملاء ١٠٥]
[الجواب عن سؤال في حديث: كمل من الرجال كثير]
وقال ممليا وقد سئل عن قوله - ﷺ - (٢): كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية ابنة مزاحم، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". هل الألف واللام لا ستغراق الجنس أو لا؟ فأجاب مفتيا بأن قال: الظاهر أن النساء في الأول لمن عدا عائشة ﵂. وأن النساء في الثاني لمن عدا مريم وآسية، فلا دلا لة فيهما على تفضيل أحد القبيلين على الآخر كقول القائل: زيد أفضل القوم، وعمرو أفضل القوم، فيه دلالة على أنهما أفضلا القوم، ولا تفصيل بمجرد ذلك لأحدهما عى الآخر
_________________
(١) البيت بتمامه: قتلنا بقتلانا من القوم عصبة كراما ولم نأكل بهم حشف النخل وهو للحريث بن زيد الخيل كما في الحماسة لأبي تمام ١/ ٤٠٧ (تحقيق د. عبد الله عسيلان).
(٢) رواه البخاري (مناقب: ٣٠)، والترمذي (أطعمة: ٣١). ورواية البخاري: وآسية امرأة فرعون.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
[إملاء ١٠٦]
[الكلام في حديث: اسحللتم فروجهن بكلمة الله]
وقال ممليا على قوله - ﷺ - (١): "استحللتم فروجهن بكلمة الله". لو كان المراد لفظ التزويج ولفظ النكاح لكان الوجه أن يقال: بكلمتي الله، إذ لا يطلق المفرد على الاثنين إلا فيما كان معلوما بالعادة كقولهم: ابصرته بعيني وسمعته بأذني. وأما نحو: اشتريته بدرهم والمراد درهمين فلا قائل به. ولو سلم صحة إطلاق المفرد ههنا على الاثنين لا متنع أيضا من جهة أنه إذا كان المراد اللفظ فاللفظ الموجود في القرآن إنما هو: انكحوهن، ونحو: ﴿إذا نكحتم االمؤمنات﴾ (٢)، و﴿زوجناكها﴾ (٣)، ونحوه. وقد علم أنه إذا أخبر عن الكلمة باعتبار اللفظ أنه إنما يراد صورتها ولفظها مجردة عن معناها أو مع معناها. وقد علم أنه لا يقع الإنكاح بهذه الألفاظ على صورها، لا بمجردها ولا بمعناها المراد بها. ولو سلم أن الانكاح يقع بهما فيلس في اللفظ ما يشعر أنه لا استحلال إلا بذلك، ولو سلم فالعرب إذا كثر الشيء عبر عن جنسه بما كثر. ومعلوم أن الانكاح يقع بذلك غالبا، فأخرج مخرج الغالب. ولو سلم أن في اللفظ ما يشعر بالحصر، فعندنا ما يأباه، وهو أنه قد ذكر لفظ المراجعة معبرا به عن التزويج. قال الله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح
_________________
(١) رواه مسلم (حج: ١٤٧)، وأبو داود (مناسك: ٥٧)، وابن ماجه (مناسك: ٨٤)، والدارمي (مناسك: ٣٤).
(٢) الأحزاب: ٤٩.
(٣) الأحزاب: ٣٧.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
[إملاء ١٠٧] [حذف التنوين]
عليهما أن يتراجعا﴾ (١). والمعنى: فإن طلقها الزوج الثاني بعد أن طلقها الزوج الأول ثلاثا فلا جناح على الزوج الأول وعلى الزوجة المطلقة من هذا الثاني أن يتراجعا. فقد عبر بالمراجعة عن التزويج، والمراد أن يتناكحا. وذلك يأبى الحصر المسلم ظهوره فيه تقديرا.
[إملاء ١٠٧]
[حذف التنوين]
وقال وقد قال بعض من حضر: ادعى رجل على رجل بمال فوجد بخط المدعى عليه ورقة وهو يقول فيها: له عندي ألف وتسعة عشر دينارا. فقال الحاكي: إن الحاكم توقف في الألف، هل يرجع في تفسيرها الى المقر المدعى عليه أو لا؟ فقال: يرجع في تفسيرها إليه. فقيل له: لم قدر في قولهم: له عندي ربع وثمن درهم، أن التقدير: ربع درهم وثمن درهم، بلا خلاف، فهلا كان هذا وما أشبهه كذلك فقال: وذلك أنم يقولون: ربع، ويحذفون تنوينه، وما ذاك إلا لأجل الإضافة. ولما كان في اللفظ ما يشعر بالمضاف إليه صح التقدير. وليس كذلك في قولهم: ألف وشبهه. إذ لو قيل: ألف، غير منون، لكان خطأ، إذ لا يحذف التنوين إلا بسبب من الأسباب المجوزة لحذفه (٢)، وليس هنا شيء. قيل له: فهلا جعلت التنوين هنا عوضا من المضاف إليه كما كان ذلك في قوله: ﴿وكلا وعد﴾ (٣)، وشبه. فقال: إنما كان كذلك لأن "كلا" لا تعقل
_________________
(١) البقرة: ٢٣٠.
(٢) يحذف التنوين لدخول أل نحو: الرجل. وللإضافة نحو: غلامك، ولمانع الصرف نحو: فاطمة، وللوقف في غير النصب، ولالتقاء الساكنين. انظر: معني اللبيب ٢/ ٧١٦ (دمشق).
(٣) النساء: ٩٥.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
إلا مضافة فلما كانت كذلك جعل التنوين فيها على نحو ما ذكر، وليس كذلك ما نحن فيه. إذ هذا تستعمله مضافا وغير مضاف، فتقول: هذه ألف وألفك وألف زيد، فظهر الفرق بين هذا وذاك.
[إملاء ١٠٨]
[الكلام على "غدوة" وأخواتها]
وقال ممليا: غدوة وبكرة وسحر وفينة، أعطوها حكم الأعلام وليست أعلاما على نحو: زيد وعمرو، إنما هي على نحو: أسامة. والذي يدل عليه صلاحيتها لغدوة كل يوم تدخله معها، وهذا هو وضع أسامة (١). إلا أنها اختصت باستعمالها في غدوة يوم معلوم في كلامك أو من قرينة. فإذا قلت: خرجت يوم الجمعة غدوة، فمدلوله غدوة يوم الجمعة، وكذلك ما أشبهه. وهذا لا يخرجه عن أن يكون كوضع أسامة لصلاحية إطلاقه على كل غدوة كصلاحية أسامة. وإنما هو لما أمكن أن يكون معينا باعتبار يوم يذكر، اشترط في استعماله ذلك ليكون كالتوفية له لما يستحقه من التعريف. والذي يدل عليه أنه علم كونهم منعوه الصرف (٢)، وما لم تقدر (٣) فيه
_________________
(١) لأنه يصح استعماله لكل فرد من الآساد، فهو علم جنسي.
(٢) قال ابن الجاجب: "والدليل على أنه علم قولهم: سير عليه فرسه غدوة، فغدوة غير منصرف، ولو لم يكن علما لوجب صرفه، إذ ليس فيه إلا التأنيث اللفظي بالتاء، ولا يكون علة إلا مع العلمية". انظر: الإيضاح ١/ ٩٢ وقال سيبويه: "اعلم أن غدوة وبكرة جعلت كل واحدة منهما اسما للحين، كما جعلوا أم حبين اسما للدابة معرفة". الكتاب ٣/ ٢٩٣. وانظر: المقتضب ٣/ ٣٧٩، والمفصل ص ١١.
(٣) في ب: يقدر.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
العلمية كان مصروفا ممنوعا من الصرف بغير سبب، وذلك معلوم الانتفاء من لغتهم، فوجب أن يحمل على تقدير العلمية كما فعل باب أسامة. وباب أسمامة يطلق علما للحقيقة المتصورة في الذهن ويصح إطلاقها على كل واحد باعتبار الوجود، ضرورة أن ما صلح باعتبار الذهن صالح لكل واحد مم يقع في الوجود لكونه إياه في المعنى، فجاز التعدد باعتبار الوجود لا باعتبار أصل الوضع. فالفرق بينه وبين وضع أسد، أن أسدا موضوع في أصل وضعه لواحد من آحاد هذا الجنس باعتبار أفراده، وأسامة موضوع للحقيقة الذهنية، وإطلاقه على الواحد الوجودي فرع له ضرورة مماثلته له.
[إملاء ١٠٩]
[تعليل قول من قال: إن عوامل الجزم لا أصل لها في العمل]
وقال ممليا: لقول من قال: إن عوامل الجزم لا أصل لها في العمل، وجهان: أحدهما: أن الفعل في الإعراب غير أصل، فعوامله غير أصلية في العمل. ولا خصوصية حينئذ لعوامل (١) الجزم. الثاني هو: أن إعراب الفعل لما كان محمولا على إعراب الاسم، والاسم لا جزم فيه، كان الجزم فرعا في إعراب الفعل، فوجب أن يكون عامله أيضا فرعا، بخلاف عوامل النصب والرفع، فإن الفعل أعرب في الرفع بعامل يشبه عامل الرفع في الاسم، وفي النصب بعامل يشبه عامل النصب في الاسم وهو "أن"، وليس في الأسماء جزم، فلم يكن عامله اصلا في العوامل.
_________________
(١) في الأصل: بعوامل. وما أثبتناه من د، وهو الأصوب.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
إلا أنه يلزم على هذا القول أن تكون وامل النصب كلها راجعة إلى "أن". فإن التزم حصل الجواب، وإن لم يلتزم وجب الاعتذار عنها، أو الا قتصار على الوجه الأول. والعذر أن يقال: إن النصب بـ "أن" أو ما أشبهها، ووجه شبهه أنه حرف مستقل في معنى لا يختص بالفعل مفيد للاستقبال كـ "أن". والمعنى الذي يختص بالفعل هو النفي في "لن" والإثبات في "إذن". و"كي" للتعليل وهو لا يختص بالفعل، ولا يلزم على هذا السين وسوف، وإن كانت مفيدة للاستقبال من حيث كانت لا استقلال لها. وإنما جيء بها مع الفعل لتفيد تعيين أحد مدلوليه الموضوع هو لكل واحد منهما، بخلاف "لن" فإنها موضوعة لمعنى مستقل وهو النفي، وضمنت معنى الاستقبال، فلا يلزم من عملها عمل السين وسوف. فإن قيل: فما ذكرتموه في "لن" موجود في "لا" فإنها للنفي متضمنة معنى الاستقبال. فالجواب من وجهين: أحدهما: أنهما غير لا زمة لذلك، بدليل أنك تقول: أريد أن لا تقوم، تجمع بينها وبين "أن". ولو كانت مثل "لن" لكنت جامعا بين حرفي استقبال، ولذلك لم يجز: أريد أن لن تقوم. الثاني: هو أنه لما كان الوضع محتاجا إلى حرف نفي يجامع حرف الاستقبال مما لا نفي فيه جردوا له حرفا يستعملونه استعمال ما لا استقبال فيه. فلما كان كذلك قطعوه عن العمل لكون (١) قدروا ما كان لأجله العمل كالعدم. فإن قيل: فـ "إن" وأخواتها من كلمات الشرط يلزم أن يقع النصب بها لكونها على ما ذكرتموه. فالجواب: أنها لما كانت لمعنى لا يقبله إلا الفعل جعلت عاملة لإعراب لا يقبله إلا الفعل، بخلاف "لن" فإن معناها النفي، والنفي يقبله الأسماء والأفعال.
_________________
(١) هكذا وردت هذه الكلمة في جميع النسخ. والأنسب أن تكون: لكونهم.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
[إملاء ١١٠]
[نقل عن ابن كيسان في تجويزه إعمال "إن" في أي المفردين وليها]
وقال ممليا وقد قيل له: نقل عن ابن كيسان (١) النحوي أنه يجوز في "إن" أنها إن وليها أي المفردين كان عملت فيه. فيقول على هذا: إن زيدا قائم، وإن قائما زيد. فقال: يحتمل هذا مثل مذهب الأخفش في تجويزه إعمال اسم الفاعل غير معتمد. إذ يجوز: قائم زيد، على أن "قائم" مبتدأ، و"زيد" فاعل سد مسد الخبر مثل: أقائم الزيدان؟ بالإجماع. فعلى هذا "زيد" في: إن قائما زيد، فاعل سد مسد الخبر. والرد عليه كالرد على الأخفش سواء (٢).
[إملاء ١١١]
[رفع الاسم الواقع بعد لولا]
وقال ممليا وقد قيل له: إن بعض النحويين يجعل الواقع بعد "لولا" مرفوعا بالفاعلية بفعل محذوف (٣)، كأنه قال: لولا ثبت أو وجد أو حصل،
_________________
(١) هو محمد بن أحمد بن كيسان النحوي. له من التصانيف: المهذب، الحقائق، المختار، غريب الحديث، المذكر والمؤنث، القصور والممدود، البرهان، الوقف والابتداء. توفي سية ٢٩٩هـ. انظر: طبقات النحويين واللغويين ص ١٧١، وإنباه الرواة ٣/ ٥٧.
(٢) وقد رد الرضي على الأخفش بأن قوله هذا بعيد عن القياس، قال: "لأن الصفة لا تصبر مع فاعلها جملة كالفعل إلا مع دخولها معنى يناسب الفعل عليها كمعنى النفي والاستفهام، أو دخول ما لابد من تقديرها فعلا بعده كاللام الوصولة". شرح الكافية ١/ ٨٧.
(٣) وهو مذهب الكوفيين. أما البصريون فقالوا: إن ما بعدها مرفوع بالابتداء. انظر الإنصاف مسألة (١٠). والإيضاح في شرح المفصل ١/ ١٨٦. وشرح الكافية للرضي ١/ ١٠٤.
[ ٢ / ٨٠١ ]
واختاره بعض المحققين من المتأخرين. ووجهه أنه بمعنى الشرط، فحسن تقدير الفعل معه كما في "لو". ولذلك فتحت "أن" كما فتحت في "لو" كقولك: لو أنك منطلق، فكذلك: لولا أنك قائم. قالوا: لو كان مبتدأ لوجب أن تكون "إن" في موضعه مكسورة لأنه موضع الابتداء. وهذا ليس بقوي لأن "إن" إنما تكسر في موضع ابتداء يكون خبر المبتدأ فيه خبرها ليتحقق كونه موضعا للجملة. فإما إ ذا وقعد في موضع يكون خبرها من تتمة المبتدأ الذي هو مفرد قواجب أن تكون مفتوحة بدليل وجوب فتحها في قولك: عندي أنك قائم، فكذلك ههنا، لأنها مع الاسم والخبر المذكور معها بتأويل المبتدأ المفرد، والخبر محذوف على حاله. ولو كسرتها لوجب أ، يكون الخبر معها خبرا للمبتدأ على تقدير عدمها، فيؤدي إلى أن يكون خبر المبتدأ بعد "لولا" واجبا حذفه واجبا إثباته أو جائزا، وهو متناقض.
[إملاء ١١٢]
[أضرب القسم باعتبار الجواب]
وقال: القسم باعتبار الجواب على ضربين: تأكيد للإخبار وتأكيد للطلب. فتأكيد الإخبار جوابه جملة خبرية بأحد الحروف: اللام وإن وحرف النفي (١). وتوكيد الطلب جوابه جملة طلبية من أمر أو نهي أو استفهام كقواك: بالله أخبرني، وبحباتك زرني (٢).
_________________
(١) كقولك: بالله لأفعلن، والله إنك عالم، تالله لا أفعل هذا.
(٢) مثال الاستفهام: بربك هل قمت بواجبك. ومثال النهي: بالله لا تفعل هذا.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
[إملاء ١١٣]
[رد على الفارسي في قوله: إن الأفعال الخمسة معربة ولا حرف للإعراب فيها]
وقال ممليا رادا على الفارسي في قوله: إن "يفعلون" وأخواته معرب ولا حرف إعراب فيه: والصحيح أنه معرب، وأن حرف الإعراب النون (١)، كما أن "الزيدون" معرب وأن حرف الإعراب الواو، وهو لا ينازع في ذلك. وقوله ههنا: لو كان النون حرف إعراب لما حذفت في قولك: لم يضربوا، لا يصح، فإن الضمة في قولك: لم يضرب، حركة إعراب، ومع ذلك فقد حذفت، فليس المراد بحرف الإعراب وحركة الإعراب إلا ما به يكون الاختلاف، فكذلك النون في قولك: يضربون، وشبهه، لأنه مما به الاختلاف.
[إملاء ١١٤]
[علة من اشترط وجود "فعلى" في الألف ولانون إذا كان صفة]
وقال ممليا: علة من اشترط وجود "فعلى" في الألف والنون إذا كان صفة لأن امتناع تاء التأنيث في "فعلان" إنما كان لوجود صيغة التأنيث المستغني عن تاء التأنيث. فإذا كانت لها صيغة "فعلى" حصل شبهها فاعتبر علة. ومن اعتبر
_________________
(١) قال سيبويه: "فجعلوا إعرابه في الرفع ثبات النون لتكون له في التثنية علامة للرفع". الكتاب ١/ ١٩.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
انتفاء "فعلانة" فلأنه هو المطلوب بوجود "فعلى". فإنه لم يعتبر وجود "فعلى" إلا ليتحقق اتتفاء دخول تاء التأنيث عليه. ألا ترى أنهم اعتبروا الألف والنون في الأعلام لما تحقق انتفاء تاء التأنيث عليه. فكذلك هنا.
[إملاء ١١٥]
[الكلام على "آنك" وشبهه]
وقال ممليا: "آنك" ليس بعربي (١). وإذا كان غير عربي فلا يرد. ولو سلم أن يكون عربيا فلا يستقيم أن يكون "أفعلا" (٢) لأنه لو كان أفعلا لوجب أن تكون ألفه منقلبة ن ياء أو واو. إذ لا ألف أصلية إلا وهي منقلبة عن ياء أو واو. وإذ كانت عن ياء أو واو وجب أن تصح فيقال: أيثك أو أونك؛ لأنه لا موجب لإ علالها، فوجب أن يكون "فاعلا". وإن كان "فاعلا" ليس من أبينتهم أيضا إلا أن ارتكابه أولى لئلا يؤدي إلى ما ذكرنه من إعلال ما لم يوجد فيه سبب الإعلال. وأما "أشد" فلا نسلم أنه مفرد، بل هو جمع (٣)، كانهم جمعوا شدة وقصدوا إلى اختلاف أنواعها فجموها بهذا الاعتبار، أي: جهات ماتحصل به القوة. وليس المراد بالشدة التي هي المصيبة، وإنما المراد الشدة التي هي القوة. و"أرز" أيضا أعجمي، فلا يرد. وأما "أسنم" فإن كان جمعا فهو الذي نقول لا يأتي إلا جمعا. وإن كان اسما علما فلا يرد، لأن الأعلام أتت أيضا في
_________________
(١) قال ابن منظور: "الآنك هو الرصاص القلعي". اللسان (أنك).
(٢) قال ابن: "آنك: أفعل، من أبنية الجمع ولم يجىء عليه للواحد إلا آنك وأشد". اللسان (أنك).
(٣) قال سيبويه: "وقد كسرت فعلة على أفعل وذلك قليل عزيز، ليس بالأصل. فقالوا: نعمة وأنعم وشدة وأشد" ٣/ ٥٨١.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
باب "فالل" كقولهم: بلا كف (١) وحضاجر. لأن الأعلام قد تأتي منقولة ومر تجلة على غير قياس كلامهم. وإن كان اسما مفردا جنسا عربيا فحينئذ يرد، وبم يثبت ذلك، ولو ثبت فجوابه ما أجيب عن سرويل في ذلك الباب (٢). وأما " أبلم" (٣) فإن ثبت فلأنه فرع "أبلمة" كقولك: قمحة وقمح. هذا بعد التسليم أنه مفرد وأما إن قيل: إنه جمع فقد سقط وروده، ويجوز أن يقال: إنهم سوغوه لما كان معناه جمعا، فجرت فيه هذه الصيغة لذلك. وأما "أصبع" و"أثمد" (٤) فشاذ. و"أنملة" و"اسنمة" ليس من ذلك، لأن هذا بالهاء. فإن قالوا: الهاء لا اعتداد بها، قلنا: فلا اعتداد بها أيضا في "صياقلة"، فلا يرد. و"أذرح" (٥)، شاذ كما تقدم في الأعلام (٦).
[إملاء ١١٦]
[البدل لا يتقدم على المبدل منه ولا يفصل بينهما بالجملة]
وقال ممليا: لا يجوز أن يكون: زيدا ضربته، بدلا من الهاء في "ضربته" لوجهين: أحدهما: التقدم، إذ هو تابع. والثاني: الفصل بينهما بالجملة. ولا يجوز أن تكون الهاء بدلا من زيد للفصل بينهما بالجملة الفعلية.
_________________
(١) في الإيضاح لابن الحاجب: ملاكف. (١/ ١٤٣). ولم أعثر على معناها. .
(٢) انظر: الإملاء (٧٩) من الأمالي على المقدمة. ص: ٥٩٤.
(٣) الأبلم: الخوصة. اللسان (بلم).
(٤) الأثمد: الكحل. اللسان (ثمد).
(٥) أذرح: بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة، ثم من نواحي البلقاء. انظر معجم البلدان ١/ ١٢٩.
(٦) انظر: الإيضاح في شرح المفصل ١/ ١٣٧.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
[إملاء ١١٧]
[إطلاق الإعراب]
وقال ممليا: الإعراب يطلق على المعرب، ولا بعد في ذلك، أو على حذف مضاف، كأنه قال: الكلام على صاحب الإعراب، أو ذي الإعراب.
[إملاء ١١٨]
[الغرض من الحرف تحسين الكلام]
وقال ممليا: إن قيل: إن الحرف من مفردات الكلام، فالكلا م يحصل دونه، وهو المبتدأوالخبر أو الفعل والفاعل. فالجواب: أن المفرد على ضربين: مفرد وهو مقوم للشيء، ومفرد ليس مقوما. فالأول: ما ذكرناه من المبتدأ والخبر أو الفعل والفاعل. والثاني: الحرف، وإنما جيء به لتحسين الكلام، فسمي جزءا لهذا، ألا ترى أن القائل لو قال: الحبر يتركب من عفص (١) وزاج (٢) وقلقند (٣) وزعفران (٤) فالزعفران ههنا لم يكن إلا لتحسين الهيئة الحبرية، لا انه من مقوماته، فإنه ينفك عنه ويعقل دونه، كذلك الحرف مثل قولنا: زيد في الدار قائم. ولا شك في كون هذا وما أشبهه فضلة، فإن الكلام مستقل بدونه، وإنما جيء به لغرض آخر.
_________________
(١) العفص: الذي يتخذ منه الحبر. مولد، وليس من كلام أهل البادية. اللسان (عفص).
(٢) الزاج: وهو من أخلاط الحبر. فارسي معرب. اللسان (زوج).
(٣) لم أعثر على معناه: وواضح أنه معرب.
(٤) الزعفران: صبغ معروف، وهو من الطيب. اللسان (زعفر).
[ ٢ / ٨٠٦ ]
[إملاء ١١٩]
[الجواب عن إيراد على حذف حروف الجر]
وقال ممليا مجيبا عن إيراد بعضهم على قوله (١): حروف الجر لا تحذف إلا في مواضع تحفظ ولا يقاس عليها، قولو تعالى: ﴿واختار موسى قومه﴾ (٢): من وجهين: أحدهما: أن " اختار" تارة يتعدى بنفسه، وتارة بحرف الجر كقولك: استغفرت الله الذنب ومن الذنب، فليست (من) فيه محذوفة (٣)، وإنما هي إحدى (٤) اللغتين. الآخر: أنه معدى بنفسه، وجاءت (من) على سبيل الزيادة لا على أنه معدى بـ "من" ثم حذفت، كقولك: ما ضربت أحدا، وما ضربت من أحد.
[إملاء ١٢٠]
[الفرق بين ألفاظ العدد في التمييز وبين المشترك]
وقال ممليا: الفرق بين عشرين وشبهه من ألفاظ العدد في التمييز وبين المشترك، أن المشترك موضوع للدلالة على ذات المسمى باعتبار حقيقته. وإنما يجيء الإلباس في بعض الأحيان للجهل بالقرائن. وأسماء العدد ونحوها مما يميز لم يوضع للذات باعتبار حقيقها التي تحصل بالتمييز لا باشتراك ولا ظهور ولا تجوز. فإنه لا يفهم من عشرين إلا عشرتان من أي معدود كان. ولو أطلقها المطلق مريدا بها الدلالة على ذات الدراهم، كإطلاق
_________________
(١) في ب، د: قولهم.
(٢) الأعراف: ١٥٥.
(٣) قال ابن هشام: إنها محذوفة. انظر المغني ١/ ٣٩٦ (دمشق).
(٤) في ب، د: أحد.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
العين (١) في أحد مدلولية (٢) أو أطلقها بإزائه معتقدا ظهورا كظهور رجل في مسماه، أو أطلقها قاصدا التجوز بها في الدلالة على الدراهم أو غيرها معينا، كإطلاق أسد في الدلالة على الرجل الشجاع، كان مخطئا في الوجوه الثلاثة لأنها لم توضع إلا لمعدود مبهم حقيقته. فاستعمالها على غير ذلك استعمال للفظ في غير موضوعه (٣)، وهو غير مستقيم.
[إملاء ١٢١]
[الكلام في منع صرف "أجمع وجمع" وأخواتهما]
وقال ممليا: "أجمع" وأخواه (٤)، و(جمع) واخواه (٥)، مشكل منع صرفه. لأنه إن قيل في "جمع": العدل والصفة، فالعدل مسلم، والصفة غير مستقيم، لأنها من باب التوكيد، وهما بابان متغايران يتميز كل واحد منهما بخاصته، فلا يستقيم أن يكون أحدهما فرعا (٦) للآخر. فإذا بطل أن يكون صفة فالعدل وحده لا يستقيم وإن قيل: العدل والتعريف. فالتعريف المعتبر في منع الصرف هو العلمية، وهذه ليست باعلام، فلم يصح كون العلمية علة فيها. والكلام في "أجمع" فيما ينضم إلى وزن الفعل من صفة أو تعريف كالكلام في "جمع" فيما انضم إلى العدل من الصفة أو التعريف، ولا شك في إشكال ذلك.
_________________
(١) العين: النقد. اللسان (عين).
(٢) أي: دنانير (ذهب)، أو دراهم (فضة).
(٣) في د: موضعه.
(٤) أكتع وأبتع، ومعهما أبصع.
(٥) كتع وبتع، ومعهما بصع.
(٦) في الأصل وفي ب، د: نوعا، وهو تحريف.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
والجواب أن يقال: أجمع العرب على منع صرف البابين، ولا بد من علتين. ففي "أجمع" وزن الفعل محقق، فيحتاج إلى علة أخرى. وفي "جمع" العدل التحقيقي محقق، فيحتاج إلى علة أخرى، فيجب تقديرها، وإن كان على بعد، [كما] (١) وجب التقدير في أسامة ونحوه، وإن كان على بعد. بقي أن يقال: ما المقدر مع العلم، فإنه لا بد من علة أخرى؟ فيمكن أن يقال: الصفة، باعتبار أصل المعنى (٢)، لا باعتبار الخاصة التي صيرته تأكيدا. ويمكن أن يقال: التعريف، ويمنع أن تكون العلمية مشترطة في التعريف. ويمكن أن يقال: هي أعلام باعتبار معانيها الكلية كباب أسامة، وإن كان بعيدا. ولا ينكر استعماله تابعا مع كونه علما. فقد ثبت في الإبدال وعطف البيان استعمال الا علام توابع مثل: أبو عمرة زيد، وجاو أخوك زيد. إلا أنه يستبعد من حيث كان لا يستعمل إلا تابعا، ولا شك في استبعاده. إلا أنه اغتفر لما لزم من وجوب تقدير علة أخرى، فبقي الترجيح فيما يمكن تقديره، ولم يتعين ما يكمن تقديره لتعدد المقدرات، بخلاف باب أسامة، فإنه لم يكن ثم إلا العلمية، فلذلك تعينت. ويجوز أن يقال: إن هذه الألفاظ في أصلها صفات ثم استعملت غير صفات، فكانت كأسود وأدهم (٣) باعتبار الصفة الأصلية، فلما انضمت إلى العدل وجب منع الصرف، إلا أنه ليس بمحقق كونه صفة في الأصل كأسود، إذ
_________________
(١) كما: زيادة من ب، د.
(٢) قال ابن الحاجب: "والمانع عندنا العدول والصفة الأصلية المقدرة فيه، كأن أصله بمعنى مجتمع". الإيضاح ١/ ١٣٦.
(٣) قال سيبويه: "وأما أدهم إذا عنيت القيد، والأسود إذا عنيت به الحية، والأوقم إذا عنيت الحية، فإنك لا تصرفه في معرفة ولا نكرة، لم تختلف في ذلك العرب". الكتاب ٣/ ٢٠١. وانظر المقتضب ٣/ ٣٤٠.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
لا يقال: مررت برجل أجمع (١) ولا بامرأة جمعاء بخلاف أسود وأدهم وأرقم، فإنه قد ثبت استعمالها صفات محققة. إلا أنه اغتفر هذا التقدير لوجوب تقدير علة [أخرى] (٢)، وكانت أولى من دعوى الصفة المحققة، لعلمنا بانتفائها، ومن كون التعريف معترا، وإن لم يكن علمية من حيث لم يثبت ذلك، ومن حيث صرح المحققون باشتراط العلمية. وأولى من دعوى العلمية فيها لكونها خارجة عن قياس العلم في المعنى والاستعمال. أما المعنى فلجريها على الشيء وشبهه، وأما الاستعمال فلزومها التبعية. وكأن هذا القول فيه جمع بين الأقاويل حسب الإمكان. فإن في إثبات الصفة في الأصل، فهو موافق لمن ادعى الوصفية. وفيه إثبات أن التعريف مشترط فيه العلمية. وفيه إثبات أنها معارف (٣). فقد حصلت الموافقة حسب الإمكان باعتبار الأقاويل الثلاثة.
[إملاء ١٢٢]
[علة عدم تقدم خبر "كاد" على اسمها]
وقال: إنما لم يتقدم خبر "كاد" على اسمها لوجهين: أحدهما: أنها من باب "عسى"، فكما لم يتقدم خبر "عسى" لا يتقدم خبرها. الثاني: أنهم لو قدموه وهو لا يكون إلا فعلا لأدى إلى تقديم خبر المبتدأ عليه وهو فعل، فكما لا يقال: يقوم زيد، على أن يكون "زيد" مبتدأ، و"يقوم" خبره وفيه ضمير فاعل،
_________________
(١) في الأصل وفي ب، د: جمع. وهو خطأ.
(٢) زيادة من م، س.
(٣) قال سيبويه: "وأجمع وأكتع إنما وصف بهما معرفة، فلم ينصرفا لأنهما معرفة". الكتاب ٣/ ٢٠٣. وقال المبرد: "فأما أجمع وأكتع فمعرفة ولا يكون إلا نعتا. فإن سميت بواحد منهما رجلا صرفته في النكرة". المقتضب ٣/ ٣٤٢. وانظر شرح الكافية للرضي ١/ ٤٤.
[ ٢ / ٨١٠ ]
فكذلك لا يقال: كاد يقوم زيد، على ذلك، لأنها إنما تدخل على مبتدأ خبره فعل مضارع، فإذا امتنع التقديم قبل دخوله امتنع بعد دخولها. والذي منع التقديم في "كاد" منع التقديم في "عسى". ألا ترى أنهم حكموا إذا قالوا: عسى أن يقوم زيد، بأن زيدا فاعل "يقوم لما تعذر عليهم تقدير التقديم، فجعلوها على استعمالين لذلك: ويمكن أن يقال: إن معنى: عسى أن يقوم زيد، قرب قيامه، ومعنى: عسى زيد أن يقوم، قارب زيد القيام. فكرهوا التقديم ليظهر الفرق بين المعنيين بذلك (١).
[إملاء ١٢٣]
[إطلاق العوامل اللفظية]
وقال ممليا: العوامل اللفظية مطلقة على "كان" وأخواتها، وعلى "ظننت وأخواتها" و"إن" وأخواتها، و"ما" الحجازية. وحرف الجر، وإن كانت لفظية أيضا، إلا أنها لما كانت تقتضي شيئا واحدا لم تعد مع تيك بخلاف ما ذكر أولا.
[إملاء ١٢٤]
[ضمير الفصل لا يجوز أن يكون توكيدا]
وقال ممليا: هو الذي هو فصل (٢)، لا جائز أن يكون تأكيدا (٣)، لأنه لو
_________________
(١) انظر المفصل ص ٢٦٩، والإيضاح في شرح المفصل لابن الحاجب ٢/ ٩١.
(٢) سمي فصلا لأنه فصل به بين كون م بعده نعتا وكونه خبرا. ويسميه الكوفيون عمادا لكونه حافطا لم بعده حتى لا يسقط عن الخبرية كالعماد في البيت الحافظ للسقف من السقوط. انظر: شرح الكافية للرضي ٢/ ٢٤.
(٣) قال سيبويه: "لأن الفصل يجزىء من التوكيد والتوكيد منه" ٢/ ٣٨٩. وقال الزمخشري: "وليقيد ضربا من التوكيد المفصل ص ١٣٣. والذين ادعوا أنه تأكيد هم الكوفيون انظر: شرح الكافية للرضي ٢/ ٢٧.
[ ٢ / ٨١١ ]
كان تأكيدا لم يخل إما أن يكون لفظيا وأما أن يكون معنويا. لا جائز أن يكون لفظيا، لأن اللفظي إعادة اللفظ الأول بعينه إن كان ظاهرا، وإعادة الفظ إن أمكن، وإلا فما يدل عليه من بابه إن كان مضمرأ كقولك: مررت بك أنت، ورايتني أنا. لأنهم لما قصدوا إلى التأكيد اللفظي فيه وتعذر أن يؤتى بالمتصل من غير متصل به وجب الا نفصال. ولما لم يكن لضمير المجرور منفصل حملوه على المرفوع لأنه أخصر، فلم يقولوا مررت بك إياك، وقالوا: مررت بك أنت، كما قالوا: ما أنا كانت، لما تعذر المتصل أتوا بالمرفوع المنفصل. ولا جائز أن يكون معنويا لأي المعنوي بألفاظ تحفظ ولا يقاس عليها.
[إملاء ١٢٥]
[وجوب اشتمال الجملة الواقعة خبرا على ضمير يعود على المبتدأ]
وقال ممليا: الجملة إذا وقعت خبرا عن المبتدأ فلا بد فيها من ضمير يعود على المبتدأ (١) أما لفظا (٢) وأما تقديرا (٣). وما توهمه المتوهم من مثل: زيد أخول قائم، في أن "زيد" مبتدأ و"أخوك" قائم" جملة خبر لـ "زيد" ولا ضمير، غير مستقيم. لأن "أخوك" ليس بمبتدأ،
_________________
(١) قال أبو البركات الأنباري: "وإنما وجب ذلك ليربط الكلام الثاني بالأول، ولو لم يرجع منه ضمير الأول لم يكن أولى به من غيره، فتبطل فائدة الخبر". أسرار العربية ص ٧٥. هذا وإذا كانت الجملة الخبرية نفس المبتدأ في المعنى فلا تحتاج إلى رابط نحو: (هو الله أحد) إذ قدر "هو" ضمير شأن.
(٢) نحو: زيد أبوه منطلق.
(٣) نحو: السمن منوان بدرهم، أي: السمن منوان منه بدرهم.
[ ٢ / ٨١٢ ]
وإنما هو بدل من "زيد" أوخبر عنه، و"قائم" خبر بعد خبر. وإنما وقع الوهم حيث (١) كان " أخوك" هو "زيد" وهو على صورة المبتدأ، فتوهم أن الكلام صح مع كونه مبتدأ، وليس الأمر كما ظنه، لأن الخبر شرطه أن يكون هو الأول باعتبار الذات، أو فيه ذكر لتحصل الإفادة بينهما. لأنه لو انتفى هذان لم تحصل إفادة. ألا ترى أنك إذل قلت: حصير كتاب، أو زيد عمرو قائم، لم يكن مفيدا، وهذا الإشكال فيه فإن قيل: ضمير "قائم" في: زيد أخوك قائم، عائد على "أخوك"، و"أخوك" هو زيد، فصار في المعنى عائدا على زيد، فلم يخل المبتدأ عن أن يكون في خبره ضمير عائد إليه. فالجواب: أن الضمير إذا عاد على "أخوك" فلا يصح اعتبار عوده إلى غيره، وإن كان هو هو في المعنى، ولذلك لم يخبروا عن الضمير في "منه" في قولهم: السمن منوان منه بدرهم، لكون الضمير لواحد منهما، وهما محتاجان إلى ضميرين: فلو كان ما ذكروه معتبرا لكونه في المعنى لهما لم يمتنع الاخبار ههنا. وسر ذلك أنهما في المعنى واحد لم يقصدوا إعادته إلا على من هو له وكونه في المعنى لمدلول الأول قضية عقلية، والكلام في دلالة الألفاظ باعتبار وضعها.
[إملاء ١٢٦]
[الصواب أن نقول: حال مقيدة]
وقال ممليا: إذا قيل قي الحال في مثل قولهم: جاء زيد راكبا وشبهه: إنها حال مقيدة. فمعناه: أنها قيدت الإطلاق الذي كان يحتمله قولك: جاء زيد، لأنه يحتمل أحوالا مختلفة من الركوب والمشي وغيرهما. فإذا قلت: راكبا،
_________________
(١) في م: من حيث.
[ ٢ / ٨١٣ ]
فقد قيدته بعد أن كان مطلقا. فيكون قولهم: مقيدة، بكسر الياء، على أنه اسم فاعل، لا مفتوحة على أنه اسم مفعول. ولا يصلح أن يقال، مقيدة، لأنها ما جيء بها لتقيد، إنما جيء به لتقيد. ولذلك قيل: ومجيئها لبيان هيئة الفاعل أو المفعول عند نسبته إليه أو وقوعه عليه. وإنما توصف بالمعنى الذي جيء بها لأجله.
[إملاء ١٢٧]
[الكلام في قلب ألف "كلا" ياء إذا أضيف إلى مضمر]
وقال ممليا: قال بعض المتقدمين: إنما قلبت الألف ياء في "كلا" إذا أضيف إلى مضمر تشبيها بقلب الألف ياء في: على وإلى ولدى، إذا اتصلت بالمضمر (١). وأجيب عن حال الرفع في "كلا" حيث لم يقولوا: كليهما، في الرفع: بأن المشبه به إنما وقع في موضع النصب أو الخفض، ولم يقع في موضع الرفع، فلذلك بقيت الألف على حالها في الرفع، وهو غير سديد، لأنه لو كان كذلك لوجب انقلاب كل ألف نحوه من نحو: الغضا والوغى واشباهها، ولا قائل به.
_________________
(١) قال ابن الحاجب: "وقال أكثر البصريين: معرب تقريرأ مطلقا، وقلبت ألفه لي النصب والجر ياء تشبيها لها بألف لدى وعلى في لفظها ولزومها الإضافة، ولم يقلب في الرفع، لأن لدى وعلى لا يقعان في اللافع فبقيت على حالها، وهو جيد، إلا أن ما ذكرناه أولى لقوة المناسبة المذكورة على ما ذكروه، ولأن قلب الألف في لدى وعلى على خلاف القياس، وأيضا فإنها ألف في مبيي فلا يلزم مثله في المعرب، ولأنه اسم معرب اختلف آخره عند اختلاف العامل فوجب أن يكون إعرابا كغيره": انظر: الإيضاح ١/ ١٢٢.
[ ٢ / ٨١٤ ]
[إملاء ١٢٨]
[الجواب عن إيراد على حد الفعل]
وقال ممليا: إذا قيل في حد الفعل: ما دل على معنى في نفسه غير (١) مقترن بزمان محصل، ورد [عليه] (٢) قولنا: الماضي والمستقبل (٣)، فإنه دل على معنى في نفسه مقترن بزمان محصل، وهو اسم باتفاق. والجواب عنه: أن الماضي والمستقبل دل على نفس الزمان، والزمان غير مقترن بزمان. فإن قيل: فإذا أريد بالماضي الفعل الذي انقضى، والمستقبل الفعل الذي لم يأت، لم ينهض هذا الجواب. والجواب: أن المراد به إذا أطلق على ما ذكر الماضي زمانه والمستقبل زمانه، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، توهم أنه له. وعلى تقدير تسليم أنه له، فمدلول الماضي ذات نسب إليها عدم بعد وجود، ومدلول المستقبل أمر معلوم نسب إليه انتظار وجود، فلا دلالة فيهما على الزمان، وإن كان لا يحصل إلا بزمان مختص إلا أنه من لوازمه، لا من دلالته، كما أن الضرب ونحوه لا يكون إلا بزمان، إلا أنه من لوازمه لا من مدلوله.
[إملاء ١٢٩]
[همزة "اضرب" المنقول عن فعل الأمر إذا سمي به]
وقال ممليا: إذا سمي بـ " اضرب" المنقول عن فعل الأمر. فإن سمي به ولا ضمير فيه قلته بقطع الهمزة، فتقول: جاءني إضرب، لأنه صار كـ "إصبع"
_________________
(١) وردت هذه الكلمة في جميق النسخ. ووجودها مخل بالمعنى. والصواب حذفها.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) اي: هذان اللفظان. وليس قصده الفعل الماضي والفعل المستقبل.
[ ٢ / ٨١٥ ]
وإن سميت (١) به وفيه الضمير فهو إذن فعل وفاعل، وهمزته همزة وصل على ما كانت عليه ووجه الفرق ظاهر وهو أنه صار كالأسماء، وليس في الأسماء اسم أوله همزة وصل إلا الأسماء الجارية على الأفعال كالا نطلاق والاقتدار وشبهه، والعشرة الأسماء التي هي ابن وابنة (٢).
[إملاء ١٣٠]
[العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال]
وقال ممليا: قولهم: هذا زيد قائما. إن قيل: كيف صح أن يكون العامل في الحال عن اسم الإشارة ما في معناه من معنى الإشارة مع الاتفاق على أن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال؟ فإذا كان العامل في الحال معنى اسم الإشارة والعامل في صاحب الحال هنا الابتداء لم يصدق أن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال لا ختلاف العاملين. فالجواب: أن اسم الإشارة له جهتان ههنا: أحدهما: أنه مبتدأ، والعامل فيه الابتداء، وليس الحال له على هذه الجهة، والثاني: أنه في المعنى مفعول لما تضمنه معنى الإشارة، فالحال له بهذ الاعتبار. ومعنى الإشارة عامل فيه بهذا الاعتبار الذي كان به صاحب الحال، وهو العامل في الحال، ققد صدق أن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال
_________________
(١) في الأصل: سميته. والأصوب ما أثبتناه.
(٢) وابنم اوسم واست واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة وأيمن الله. انظر: شرح شافية ابن الحاجب للرضي ٢/ ٢٥٠.
[ ٢ / ٨١٦ ]
[إملاء ١٣١]
[إعراب كلام للحريري في الملحة]
وقال ممليا: قول الحريري (١) في الملحة (٢):"حدا ونوعا، وهو التمييز عن النسبة. إذ المراد بقولك: عرفت الكلام ههنا، عرفت حد الكلام ونوعه، كما تقول: حسن زيد وجها ودارا، وأنت تعني: حسن وجه زيد وداره. ويجوز أن يكون حالا بمعنى المفعول، يعني: عرفت الكلام محدودا ومنوعا.
[إملاء ١٣٢]
[إطلاق المعاني عند النحويين]
وقال ممليا: النحويون يطلقون المعاني على الأمور النسبية والأمور الحقيقية كالقرب والبعد وما أشبه ذلك، والأمور المعقولة مثل العلم والإرادة والكلام.
[إملاء ١٣٣]
[الكلام على زعم بعض العلماء أن الفصل يفيد الحصر]
وقال ممليا على زعم بعض العلماء أن الفصل يفيد الحصر: إن له وجهين من الاستدلال: أحدهما: مثل قوله: ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (٣).
_________________
(١) هو القاسم بن علي بن عثمان البصري. ولد سنة ٤٤٦هـ ببلد قريب من البصرة. له من المؤلفات: المقامات المشهورة، درة الغواص، الملحة وشرحها. مات بالبصرة سنة ٥١٦هـ. انظر: بغية الوعاة ٢/ ٢٥٧، وإنباه الرواة ٣/ ٢٣.
(٢) ص ٢ (مطبوعات أسعد محمد سعيد الحبال وأولاده).
(٣) الصافات: ١٧٣.
[ ٢ / ٨١٧ ]
فإنه لم يسق إلا للإعلام بأنهم الغالبون دون غيرهم، وكذلك. وقوله: ﴿وأن المسرفين هم أصحاب النار﴾ (١). ﴿وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ (٢). وهذا معنى الحصر. والثاني: أنه لم يوضع إلا لفائدة، ولا فائدة في مثل قوله (٣): ﴿ولكن كانوا هم الظالمين﴾ (٤)، سوى الحصر (٥).
[إملاء ١٣٤]
[وجه حذف حرف الجر في باب "أن" و"أن"]
وقال ممليا: إنما حذف حرف الجر في باب: أن وأن، ولم يحذف في باب الأسد، في امتناع قولهم: إياك الأسد، بتقدير: من، لأن "أن" و"أن" حرفان موصولان بجملة معهما كالاسم، فاستطيلت مع نفي الالباس، فحذف حرف الجر معها تخفيفا، بخلاف الأسد، فإنه اسم مفرد، فلا يلزم من حذف حرف الجر فيما ذكرناه أن يحذف في باب الأسد. وقوله: مع نفي الإلباس، احتراز من مثل قولهم: عجبت من ما تصنع، فإن "ما" حرف مصدري كأن وأن، ولكنه لا يحذف منه "من"، لأنها لو حذفت عنها لالتبست بـ "ما" التي بمعنى الذي، لأن صورتها واحدة، فلما كان الحذف يؤدي إلى اللبس لم يحذف حرف الجر، وحذف فيما ذكرناه لما ذكر.
_________________
(١) غافر:٤٣.
(٢) الشعراء:٩.
(٣) في الأصل وفي ب، د، س: وقولك. وهو سهو.
(٤) الزخرف: ٧٦.
(٥) ذكرا بن الحاجب وجهي الاستدلال لهذا الزعم، ولكنه لم يرد على ذلك، ولم يبد رأيه في هذا الزعم.
[ ٢ / ٨١٨ ]
[إملاء ١٣٥]
[اعتراض على حد بعضهم الاسم]
وقال ممليا معترضا (١) على حد بعضهم الاسم بقوله: ما دل على المسمى دلالة بيان من غير اقتران بزمان (٢): قوله: ما دل على المسمى. إن أراد بالمسمى المعنى الذي كان به الاسم اسما، أو المعنى باعتبار اشتقاقه من الاسم، فدور، وأيضا لا حاجة الى زيادة. وإن أراد بالمسمى المدلول المطلق فالحرف كذلك. إلا أن يريد بقوله: دلالة بيان، الاستقلال بالمفهومية، فحينئذ يكون مستقيما.
[إملاء ١٣٦]
[نون الوقاية وأشباهها ليست كلمة]
وقال ممليا: نون الوقاية وأشباهها مثل حروف المضارعة وشبهها (٣)، ليست بكلمة وإنما هي كالألف في "ضارب" والميم في "مخرج" والألف في "سكرى" وغضبى" ونحو ذلك. وقد تخيل كون حروف المضارعة كلمة بعض المتأخرين، وهو غلط. والفرق بين هذه الحروف وأشباهها مما ليس بكلمة وبين الحروف التي هي كلمات أن هذه لا تدل على المعنى الذي قصد بزيادتها له إلا بسبك ما
_________________
(١) معترضا: سقطت من ب، د.
(٢) وحده أبو البركات الأنباري بقوله: "كل لفظة دلت على معنى تحتها غير مقترن بزمان محصل". ثم قال: "وقد ذكر فيه النحويون حدودا كثيرة تنيف على سبعين حدا. ومنهم من قال: لا حد له، ولهذا لم يحده سيبويه، وإنما اكتفى فيه بالمثال، فقال: الاسم: رجل وفرس". انظر: أسرار العربية ص ٩. وحده الزمخشري بقوله: "هو ما دل على معنى في نفيه دلالة مجردة عن الاقتران". المفصل ص ٦.
(٣) في ألأ صل وفي م، د: وشبهه. وما أثبتناه من ب. وهو الصواب.
[ ٢ / ٨١٩ ]
انضم إليها معها (١) حتى صارت كالجزء منه. فدلالة "ضارب" على الذات التي قام بها الضرب، كدلالة "علم" وجهل" على مدلولهما. فالألف في هذا المعنى كالضاد والراء والباء، وإن حكم عليها بالزيادة. وأما الحرف الذي هو كلمة فتجد ما ينضم إليه مستقلا في دلالته قبله، وتجده أيضا موضوعا لذلك بمجرده، وإن اشترط في استعماله ذكر متعلقه. فلذلك يقهم من "زيد" في قولك": لزيد، معناه مستقلا. ويفهم من اللام على انفرادها معنى الاختصاص وإن كانت لا تستعمل إلا بمتعلقها. ولو أخرجت الألف من "ضارب" والميم من "مخرج" لم تجد معناه مستقلا فيما كان عليه. وكذلك لو أخذت الميم على انفرادها والألف على انفرادها لم تجد له معنى أصلا. فظهر الفرق بينهما بما يدخل ما هو كلمة في حد الكلمة ويخرج ما ليس بكلمة من حد الكلمة. إذ الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد (٢). وليست الألف في "ضارب" والميم من "مخرج" كذلك. وأما الباء من "بزيد" واللام من "لزيد" فدالة على معنى مفرد. وقد تبين بذلك ما هو المقصود.
[إملاء ١٣٧]
[المراد بالإسناد]
وقال ممليا: قولهم: المراد بالإسناد نسبة تفيد (٣). فإن قيل (٤): فلو قيل على هذه: العالم حادث، لمن يعلم الحدوث، لم يكن كلاما، لأنك لم تفده شيئا.
_________________
(١) معها: ساقطة من د ..
(٢) انظر: المفصل ص٦، وشرح الكافية للرضي ١/ ٢.
(٣) انظر: الإيضاح في شرح المفصل ١/ ٦١.
(٤) في ب، د: قلت.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
فالجواب: أنه ليس المراد أنها تفيد كل من يسمعها، وإنما معنى: تفيد، أي: تفيد من ليس عنده علمها. ويجوز أن يقال: إن المراد بالإفادة إفادة أن المتكلم حاكم بأحد مدلولي الجزتين على الآخر. فلا فرق على هذا بين أن يكون الخاطب عالما أو غير عالم. فإن قيل: فأين الإفادة في مثل: هل زيد قائم؟ على المعنى الأول، وعلى المعنى الثاني: فإنك على المعنى الأول لم تفد أحد هذه النسبة، إذ ليس الكلام موضوعا لإفادتها. وإنما هو سؤال عنها. وعلى المعنى الثاني لا يستفيد السامع أن المتكلم حكم بالقيام على زيد لأنه سائل عنه. فالجواب: أن النسبة حاصلة على المعنيين. أما على الأول فإن المتكلم أفاد المخاطب هذه النسبة على وجه الاستفها، فكأنه نسب قياما مستفهما عنه إلى زيد، فوزانه وزان قولك: زيد أنا مستفهم منك عن قيامه. وعلى المعنى الثاني أوضح، وهو أنه أفاد المخاطب أنه نسب الجزء المستفهم عنه إلى الآخر، فيفهم السامع أنه قام بالمتكلم قيام مستفهم عنه منسوب إلى زيد.
[إملاء ١٣٨]
[إيراد على أن المبتدأ لا يقع جملة والجواب عنه]
وقال ممليا: إن ورد على قولنا: (١) "إن المبتدأ لا يقع جملة"، قوله: ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ (٢). فإن (سواء) خبر مبتدأن مقدم، و(أأنذرتهم أم لم تنذرهم) المبتدأ، وهو جملة (٣).
_________________
(١) انظر: الإملاء (٧٤) من هذا القسم. ص: ٧٦٤.
(٢) البقرة: ٦.
(٣) هناك أوجه أخرى في إعراب "سواء". انظر: مغنى اللبيب ١/ ١٥١ (دمشق).
[ ٢ / ٨٢١ ]
فالجواب: أنه إنما صح الابتداء ههنا بالجملة لأنها مأولة مع حرف الاستفهام بالمصدر المعرفة. وإنما جيء بهمزة الاستفهام المعادلة لـ "أم" لإفادة تحقيق معنى التسوية على ما ذكرناه في غير موضع (١). فوزان ذلك وإن كان مخصوصا بهذا المحل وزان الجملة الواقعة مع "أن" و"ما"، كقولك: أن تحسن خير لك. فكما صح وقوع هذه الجملة مع "أن" و"ما" مبتدأ لكونه متأولا بمصدر معرفة صح وقوع هذه الجملة أيضا مبتدأ لوقوعها موقع المصدر المعرفة في المعنى.
[إملاء ١٣٩]
[علة جعل الإعراب آخر الكلمة]
وقال: إنما جعل الإعراب آخر الكلمة ولم يجعل لا أولا ولا وسطا، لأنه ليس مم تعد حركته وسكونه من بنية الكلمة، بدليل أنه محل التغير والوقف والحذف بخلاف غيره (٢). فلو وضع الإعراب في غيره لأدى إلى الإخلال بالبنية وإلى اللبس. فإنه لا يدرى حينئذ هل حركته لبناء الصيغة أو للإعراب. ويجوز أن يقال: إن الإعراب دليل معان زائدة على معقولية المدلول، فلا ينبغي أن يؤتى بها إلا بعد ثبوت ذكر المدلول، وذلك يقتضي أن يكون آخرا، لأنه لا يثبت ذكر المدلول حتى تتم صيغته. فلو جعل في أوله أو وسطه لكان دالا على شيء قبل ثبوت ما يتوقف عليه (٣).
_________________
(١) انظر: الإملاء (٥٨) من هذا القسم. ص: ٧٤٤.
(٢) انظر: مسائل خلافية في النحو لأبي البقاء العكبري مسألة ١٠ (حققه وقدم له الدكتور محمد خير الحلواني).
(٣) قال السيوطي: " وقال أبو اسحق الزجاج: كان أبو العباس المبرد يقول: لم يجعل الإعراب أولا لأن الأول تلزمه الحركة ضرورة للابتداء لأنه لا يبتدأ إلا بمتحرك، ولا يوقف إلا على ساكن، فلما كانت الحركة تلزمه لم تدخل عليه حركة الإعراب، لأن حركتين لا تجتمعان في حرف واحد، فلما فات وقوعه أولا لم يمكن أن يجعل وسطا، لأن أوساط الأسماء مختلفة لأنها تكون ثلاثية ورباعية وخماسية وسداسية وسباعية وأوساطها مختلفة، فلما فات ذلك جعل آخرا بعد كمال الاسم ببنائه وحركاته". الأشباه والنظائر ١/ ٨٣.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
[إملاء ١٤٠]
[إيراد على علة بناء "من" الموصوفة والجواب عنه]
وقال ممليا: إذا ورد على علة بناء "من" الموصوفة أنها إنما بنيت لافتقارها إلى صفتها كافتقار الموصول إلى الصلة، الأسماء التي لا تعقل إلا مضافة مثل "كل" و"بعض" وشبهه (١)، فإنها مفتقرة إلى المضاف إليه كافتقار الموصول إلى صلته. فجوابه من وجهين: أحدهما: أن كلا وبعضا ونحوهما قد ثبت لها القطع، فصح فيها، بخلاف "من" الموصوفة فإنه لم يثبت قطعها عن صفتها أصلا، فحصل الفرق بينهما باعتبار أن الملازمة ههنا لا تنفك، والملازمة ثم قد انفكت. الثاني: أن افتقار الشيء الى صفة لموصوف الموصول الذي قام الموصول مقامه. وكذلك إذا قلت: جاءني الرجل الذي ضربته، فـ "الذي" في الحقيقة صفة للرجل، ولولا "ضربته" لم تتقوم وضفيته به لأنه لم يوضع إلا ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل. فأنت إذا حذفت موصوف الموصول صار الموصول قائما مقامه ونائبا منابه، فصارت الصلة لذلك صفة في المعنى له. فلما كانت "من" الموصوفة بهذه المثابة في احتياجها إلى موصوف بنيت لشبهها بالموصول.
_________________
(١) في م: وشبهها.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
[إملاء ١٤١]
[هل يقوم المفعول الثاني والثالث مقام الفاعل في باب ما لم يسم فاعله؟]
وقال ممليا: إن قيل: ما المانع من قيام الثاني والثالث مقام الفاعل في باب ما لم يسم فاعله (١) باعتبار جهتين (٢). فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: لا نسلم أن ثم جهتين. سلمنا أن ثم جهتين، ولكن إذا دار الأمر بين أمرين أحدهما فيه اختلاف، والآخر لا اختلافيه، فارتكاب ما لا اختلاف فيه أولى، وهذا كذلك، لأن الأمر جاء على وفقه. والنحوي إنما يعلل الواقع. فالواضع اعتبر هذا الطرف دون غيره.
[إملاء ١٤٢]
[وجه بناء "مثل" و"غير" على الفتح مع "ما" و"أن]
وقال ممليا: إنما خصت "مثل" و"غير" في بنائهما على الفتح مع "ما" و"أن" في مثل قوله: ﴿إنه لحق مثل ما أنكم﴾ (٣). وغير أن نطقت (٤)، لكثرتهما
_________________
(١) أي: المفعول الثاني من باب علمت، والمفعول الثالث من باب أعلمت. والمتقدمون منعوا من قيام ثاني مفعولي علمت مطلقا مقام الفاعل. وأما المتأخرون فقالوا يجوز نيابته عن الفاعل إذا لم يلتبس كما إذا كان نكرة وأول المفعولين معرفة نحو: ظن زيدا قائم. ولا شك أن السماع لم يأت إلا بقيام أول مفعولي علمت لكون مرتبته بعد الفاعل. وكذا لم يسمع إلا قيام أول مفاعيل أعلمت. انظر: شرح الكافية للرضي ١/ ٨٤، والإيضاح في شرح المفصل ٢/ ٥٧.
(٢) من المحتمل أن يكون المقصود بالجهتين، السماع والقياس.
(٣) الذاريات: ٢٣.
(٤) البيت بتمامه: لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أو قال وهو من البحر البسيط. وقد اختلف في قائله. فسيبويه نسبه للكناني ولم يسمه ٢/ ٣٢٩. والزمخشري نسبه لأبي قيس بن رفاعة، المفصل ص ١٢٥. ونسبه البغدادي لأبي قيس بن الأسلت، الخزانة ٢/ ٤٤. ورواه سيبويه برفع (غير) قال: "وزعموا أن ناسا من العرب ينصبون هذا الذي في موضع الرفع. فقال الخليل ﵀: هذا كنصب بعضهم يومئذ في كل موضع، فكذلك: غير أن نطقت". والمقصود بنصبها أنها مبنية على الفتح. والأوقال: جمع وقل، وهو ثمر شجر الدوم. اللسان (وقل).
[ ٢ / ٨٢٤ ]
في الكلام ككثرة الظروف. فلما أضيفتا إلى المبني أجريتا مجرى الظروف في جواز البناء، كما بنوا "غير" على الضم لما قطعت عن الإضافة تشبيها بالغايات، حيث قالوا: لا غير، وليس غير (١). وكان مع "ما" و"أن" المصدرتين لوقوع الجمل بعدهماز وقيل لأنهما حرفان. وعليهما الخلاف في مثل قوله: ﴿هذا يوم ينفع الصادقين﴾ (٢) هل هو مبني أو معرب؟ والاتفاق على البناء في مثل قوله: ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا﴾ (٣). لأنك إن عللت بالحرف فالحرف موجود، وإن عللت بالجملة، فالجملة موجودة.
[إملاء ١٤٣]
[الفرق بين التضمن والتقدير]
وقال ممليا: الفرق بين التضمن (٤) وبين التقدير في قولنا: بني "أين"
_________________
(١) الضمة في مثل هذين المثالين ضمة بناء عند المبرد والمتأخرين. وهي عند الأخفش ضمة إعراب لا بناء، لأنه ليس زمان كقبل وبعد، ولا مكان كفوق وتحت، وإنما هو بمنزلة كل وبعض. وقال ابن خروف: يحتمل الوجهين. انظر: مغني اللبيب ١/ ١٧٠ (دمشق).
(٢) المائدة: ١١٩.
(٣) الانفطار: ١٩.
(٤) في س: التضمين.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
لتضمنه معنى حرف الاستفهام، وضربته تأديبا، منصوب بتقدير اللام، وغلام زيد، مجرور بتقدير اللام، وخرجت يوم الجمعة، منصوب بتقدير "في"، أن التتضمن يراد به أنه في معنى المتضمن على وجه لا يصح إظهاره معه. والتقدير أن يكون على وجه يصح إظهاره معه، سواء اتفق الإعراب أو اختلف. فإنه قد يختلف في مثل قولك: ضربها يوم الجمعة، وضربته في [يوم] (١) الجمعة. وقد لا يختلف في مثل قولك: الله لأفعلن، وبالله لأفعلن. والفرق بينهما أنه إذا لم يختلف الإعراب كان مرادا وجوده، فكان جكمه حكم الموجود. وإذا اختلف الإعراب كان مرادا وجوده، فكان حكمه حكم الموجود. وإذا اختلف الإعراب كان المقدر غير مراد وجوده، فيصل الفعل إلى متعلقه فينصبه.
[إملاء ١٤٤]
[معنى قول للزمخشري في باب الحرف]
وقال ممليا وقد سئل (٢) عن قول الزمخشري في "المفرد والمؤلف" (٣) لما قسم الحرف إلى عامل وغير عامل، ثم قال بعد ذلك: "ولا محال له لجموده ولزومه وتيرة واحدة". فقال: معناه أنه لا يدل كدلالة الاسم والفعل. فإن الاسم يدل على ذات باعتبار معنى، والفعل كذلك، فإنه قد يقع موقع الاسم. ألا ترى أنك تقول: جاء زيد يضرب عمرا، فـ "يضرب عمرا" في موضع نصب على الحال. فقد صار
_________________
(١) يوم: زيادة من ب، د، س.
(٢) في ب، ب: سألته.
(٣) لم أعثر على هذا الكتاب. إلا أن أحد الزملاء قال لي مؤخرا: إنه موجود في دار الكتب المصرية وهو عبارة عن مخطوط مؤلف من خمس ورقات.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
إذن دالا على ذات باعتبار معنى، ولذلك يقع صفة وخبرا، والحرف ليس كذلك. فهذا قوله: لا حال له لجموده ولزومه وتيرة واحدة.
[إملاء ١٤٥]
[المانع من وصف ضمير الغائب]
وقال ممليا: إن قيل: ما المانع من وصف ضمير الغائب؟ وذلك أنه إذا قال: جاء زيد وعمرو وخالد وضربته. فالظاهر عوده على الأقرب، ويحتمل أن يعود على غيره. فإذا قال: الكريم، وعنى به خالدا، فقد أوضحه، لأن الصفة في المعارف إنما هي للتوضيح. ألا ترى أنه إذا قال: زيد، احتمل: زيد الخياط، وزيد النجار. فإذا جاءت الصفة وضح أمره عن غيره. وهذا المعنى بعينه موجود فيما ذكرناه. فالجواب: أن المضمر المتكلم لا يستقيم فيه إيضاح لتعينه ونفي احتماله. فلم يوصف لذلك. والمخاطب والغائب قسم من اقسام المضمرات، فسلك بالجميع مسلك واحد، كما سلكوا بـ: نخرج ويخرج، مسلك: أخرج في حذف الهمزة بعد حرف المضارعة لكونها من باب واحد، لأن العلة التي حذفت لها الهمزة في "أخرج" غير موجودة في بقية أخواتها.
[إملاء ١٤٦]
[سد "أن" المشددة والمخففة مسد مفقولي "ظن" وأخواتها]
وقال ممليا: إنما سدت "أن" المشددة والمخففة منها مسد المفعولين في باب " ظننت" وأخوتها لا شتمالها على محكوم به ومحكوم عليه، وهو ما
[ ٢ / ٨٢٧ ]
تقتضيه، وتعلقه بهما في المعنى على حسب ما كان، فلم تقتض أمرا آخر (١). ومن ههنا جاز كسرها عند إدخال اللام كقولك: ظننت إن زيدا لقائم (٢). ولولا أن معناها ما ذكرناه لم يجز ذلك. ألا ترى أنك لا تقول: أعجبني أن زيد لقائم، لتعذر تقديرها في معنى الجملة المستقلة، لكونه فاعلا. ومن ههنا أيضا عطف على موضعها بالرفع (٣) وأن كانت مفتوحة لفظا، لأنها في معنى المكسورة باعتبار ما ذكرناه فتقول: ظننت أن زيدا قائم وعمرو، كما تقول: إن زيدا قائم وعمرو. ولا يجوز ذلك في المفتوحة في غيرها كقولك: أعجبتني أن زيدا قائم وعمرو، لكونها (٤) ليست في معنى الجملة.
[إملاء ١٤٧]
[وجوب اشتمال الجملة الواقعة خبرا على ضمير يعود على المبتدأ]
وقال: الجملة الواقعة خبرا عن المبتدأ لابد فيها من ضمير (٥). فأما المبتدأ والخبر في باب ضمير الشأن والقصة، مثل: هو زيد قائم، وشبه،
_________________
(١) قال الرضي: "إذا دخلت أفعال القلوب على أن المفتوحة فهي ناصبة لمفعول واحد هو مفعولها الحقيقي". وقال: "ولا تقول إن أن مع جزئيها ساد مسد اسمين هما مفعولا فعل القلب كما يقول بعضهم لأن أن المفتوحة مع جزئيها في تقدير اسم مفرد في جميع المواضع كما يجيء في الحروف المشبهة بالفعل فكيف تكون في تقدير اسمين". شرح الكافية ٢/ ٢٨٦.
(٢) بل يجب كسرها لأن اللام لا تدخل أبدا على أن. انظر: سيبويه ٣/ ١٤٧.
(٣) انظر: الإملاء (٤٦) من الأمالي القرآنية. ص: ١٨٢.
(٤) في الأصل وفي م: لكونه. وهو سهو.
(٥) سبق للمؤلف أن تكلم عن هذه المسألة في الإملاء (١٢٥) من هذا القسم. وهناك روابط أخرى غير الضمير منها: اسم الإشارة، وإعادة المبتدأ بلفظه وإعادة المبتدأ بمعناه، وأل النائبة عن الضمير. انظر: الأشباه والنظائر ٢/ ٤٨، وأوضح المسالك ١٩٧.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
وهذه (١) جملة لا ضمر فيها. وكذلك قوله: ﴿القارعة. ما القارعة﴾ (٢). فالجواب: أما ضمير الشان فالجملة هي المبتدأ في المعنى، والضمير أتي به في مثل قولهم: زيد أبوه قائم، ليحصل الربط بين الأول والثاني، وإلا كان أجنبيا فلا يحتاج إلى ضمير. وأما: ﴿القارعة ما القارعة﴾، وضبهه، فأوقع الظاهر ههنا موقع المضمر لتعظيم الأمر مثل قولهم:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا (٣)
[إملاء ١٤٨]
[على بناء "لدن" مع الإضافة]
وقال ممليا: إنما بنيت "لدن" مع الإضافة ولم تبن قبل وبعد إلا عند الاقتطاع (٤). لأن من جملة لغات "لدن": لد، وهي موضوعة وضع الحروف، فبنيت كما بنيت "مذ" الاسمية و"عن" الاسمية و"كم" "ومن". وليس كذلك قبل وبعد وعند، وإن كانت "لدن" بمعنى عند؛ لأن هذه لم توضع وضع الحروف (٥). ولأحكام لا تثبت بالعلل، وإنما التعليل للواقع، وهذا تعليل مناسب والحكم ثبت على وفقه فيصح التعليل به.
_________________
(١) وردت هذه الكلمة هكذا في جميع النسخ، والصواب أن تكون: فهذه.
(٢) القارعة: ١،٢.
(٣) سبق الحديث عنه في الإملاء (٢٨) من الأمالي القرأنية. ص: ١٥٣.
(٤) أي: إذا نوي معنى المضاف إليه دون لفظه.
(٥) قال سيبويه: "وجزمت لدن ولم تجعل كعند لأنها لا تمكن في الكلام تمكن عند، ولا تقع في جميع مواقعه، فجعل بمنزلة قط لأنها غير متمكنة" الكتاب ٣/ ٢٨٦. وقال الرضي: "فالوجه إذن في بناء لدن أن يقال إنه زاد على سائر الظروف غير المتصرفة في عدم التصرف بكونه مع عدم تصرفه لازما لمعنى الابتداء فتوغل في مشابهة الحرف دونها". شرح الكافية ٢/ ١٢٣.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
[إملاء ١٤٩]
[الجملة المنفية الواقعة حالا]
وقال ممليا: الجملة المنفية الواقعة جالا إما بما وإما بلا، وكلاهما يجوز الإتيان فيها بالواو، ويجوز أن لا يؤتي بها، إلا أن الواو مع "ما" أكثر منه مع "لا" (١). وسر ذلك أن "لا" مع المضارع كالمضارع مجردا، فأجري مجراه. ألا ترى أنك تقول: إن تكرمنى أكرمك، وإن تكرمنى لا أكرمك، بغير "ما" فيهما. ولا تقول: إن تكرمني ما أكرمك، ولا بد من الفاء لأنها لم تجعل مع المضارع لمجرد النفي حتى تنزل منزلته، ولذلك قالوا: أريد أن لا تقوم، ولم يقولوا: أريد أن ما تقوم، ونحوه.
[إملاء ١٥٠]
[الأسماء المبنية لا تنون للضرورة]
وقال ممليا: الأسماء المبنية لا تنون للضرورة، لأن التنوين فرع الإعراب وهي لا يدخلها الإعراب، فلا يدخلها التنوين. أما غير تنوين التمكين (٢)
_________________
(١) وقد خالف الرضي ابن الحاجب في جواز الإتيان بالواو مع المضارع المنفي بما. قال: "وإذا انتفى المضارع بلفظ ما لم يدخله الواو، لأن المضارع المجرد يصلح للحال، فكيف لا إذا انضم مع ما يدل بظاهره على الحال وهو ما، فعلى هذا ينبغي أن يلزمه الضمير. وإذا انتفى المضارع بلا لزمه الضمير كما يلزم المضارع المثبت على ما ذهب إليه النحاة. والأغلب تجرده عن الواو كالمثبت". شرح الكافية ١/ ٢١٣. والذي قاله ابن الحاجب قد نص عليه الزمخشري. قال: "فالمثبت بغير واو، وقد جاء في المنفى الأمران". المفصل ص٦٤.
(٢) تنوين التمكين: هو التنوين اللاحق للاسم المعرب المنصرف إعلاما ببقائه على أصله، وأنه لم يشبه الحرف فيبنى، ولا الفعل فيمنع الصرف. ويسمى تنوين الأمكنية وتنوين الصرف، وذلك كرجل وزيد. انظر: مغني اللبيب ١/ ٣٧٦ (دمشق).
[ ٢ / ٨٣٠ ]
فواضح، وأما تنوين التمكين فإن كان مع الإعراب فيها ففاسد، وليس هو الغرض، وإن كان مع غير الإعراب فلا يستقيم أن يكون صفة للأكملية فيما عري عن الكمال. لأن الإعراب من كمال الاسم، والتنوين من أكمليته، فيكف يستقيم أن يكون أكمل وليس بكامل؟ وأيضا فإن تنوين التمكين عبارة عما يتبع حركة الإعراب. والغرض فرض أنه باق على بنائه، فيخرج تنوين التمكين عن حقيقته.
[إملاء ١٥١]
[الوقف على الاستثناء المنقطع]
وقال: الوقف على الاستثناء المنقطع، منهم من يجوزه مطلقا، ومنهم من يمنعه مطلقا. ولو قيل: يجوز إن صرح بالخبر، ولا يجوز إن لم يصرح، لكان قويا؛ لأنه إذا صرح بالخبر استقلت الجملة واستغنت عما قبلها. وإذا لم يصرح به كانت مفتقرة إلى ما قبلها. ووجه من قال: يجوز مطلقا، أنها في معنى مبتدأ حذف خبره للدلالة عليه، فكان مثل قولك: زيد، لمن قال: من أبوك؟ ألا ترى أن تقدير المنقطع في قولك: ما في الدار أحد إلا الحمار (١)، لكن الحمار في الدار. ولو قلت: لكن الحمار، مبتدئا به بعد الوقوف على ما قبله، لكان حسنا. ألا ترى إلى جواز الوقف بالإجماع على مثل قوله: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ (٢)، والابتداء بقوله: ﴿ولكن الناس أنفسهم يظلمون﴾ (٣). فكذلك هذا.
_________________
(١) النصب لغة أهل الحجاز. أما بنو تميم فيرفعون ويقولون: ما في الدار أحد إلا الحمار انظر سيبويه ٢/ ٣١٩.
(٢) يونس: ٤٤.
(٣) يونس: ٤٤.
[ ٢ / ٨٣١ ]
ووجه من قال بالمنع ما رأى من احتياج الاستثنناء المنقطع إلى ما قبله لفظا ومعنى. أما اللفظ فلأنه لم يعهد استعمال "إلا" وما في معناها إلا متصلة بما قبلها لفظا. ألا ترى أنك إذا قلت: ما في الدار أحد غير حمار، فوقفت على ما قبل غير، وابتدأت به، لكان قبيحا، فكذلك هذا. وأما المعنى فلأن ما قبله مشعر بتمام الكلام في المعنى. ف‘ن قولك: ما في الدار أحد إلا الحمار، هو الذي صحح قولك: إلا الحمار. ألا ترى أنك لو قلت: إلا الحمار، على إنفراده، كان خطأ.
[إملاء ١٥٢]
[القياس أن يكون المبتدأ معرفة والخبر نكرة]
وقال: القياس يقتضي أن يكون المبتدأ معرفة والخبر نكرة، لأن المبتدأ هو المحكوم عليه، فالأولى أن يكون معروفا عند المخاطب ليستفيد الحكم على معروف (١). إلا أنهم سوغوه في النكرة أيضا لأنهم قد يحتاجون إلى الحكم على النكرة كما يحتاجون إليه في المعرفة. فاشترطوا أن تخصص بوجه من وجوه التخصيصات ليكونوا قد وفوا بالغرضين (٢). وأما كون الخبر نكرة فلأنه حكم لا بد أن يكون للإفادة لمن ليس عنده. فلو عوفوه لم يستقم. لأنك إذا حكمت على زيد بالقيام فقلت: زيد قائم، فلم
_________________
(١) قال ابن الأنباري: "لأن المبتدأ مخبر عنه، والإخبار عما لا يعرف لا فائدة منه". أسرار العربية ص ٦٩.
(٢) المبتدأ على نوعين: معرفة وهو القياس، ونكرة إما موصوفة كقوله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾ (البقرة: ٢٢١)، وإما غير موصوفة، كالنكرة الداخلة عليها همزة الاستفهام وام المتصلة، كقولهم: أرجل في الدار أم امرأة؟. والنكرة التي تكون في كلام مقدر بالفاعل، كقولهم: شر أهر ذا ناب. والنكرة التي تقدم عليها خبرها وهو ظرف أو جار ومجرور، كقولهم: تحت رأسي سرج. انظر الإيضاح في شرح المفصل ١/ ١٨٥.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
ذهبت تعرفه لوجب أن تكون الذات المنسوب إليها القيام معروفة (١)، فتكون مخبرا بما لا يفيد المخاطب. وأيضا فإنه لو صح ذلك لوقع التعريف ضائعا، ومن ثم وجب التقدير في مثل: زيد القائم، وزيد أخوك بأن (٢) المعنى زيد محكوم عليه بأنه القائم. وإنما يكون ذلك إذا كان المخاطب قد فهم مسمى بزيد، وفهم ذاتا منسوبا إليها القيام وهو لا يعلم بأنهما في الوجود، فإذا أخبر بذلك أفيد ماليس عنده أما لو كان الخبر بنفس قولك: القائم، لم يستفد ما ليس عنده (٣). ولا يعنون بالقياس العقلي الموجب الذي يستحيل خلافه، وإنما أرادوا القياس العقلي باعتبار الاستحسان.
[إملاء ١٥٣]
[وجه حمل النصب على الجر والجر على النصب]
وقال: إنما حمل النصب على الجر والجر على النصب، ولم يحمل واحد منهما على الرفع لأمور: أحدها: أنهما أخف من الرفع فحمل أحدهما على الآخر، ولم يحمل على الأثقل لئلا يكثر الثقل. الثاني: أنهما كلاهما في الأصل لما هو فضلة، والرفع موضوع لما هو أحد جزئي الجملة (٤)، فحمل أحدهم على الآخر لا شتراكهما في ذلك. الثالث: هو أنهما كلاهما في الأصل من متعلقات الفعل، والرفع لمتعلق الفعل في الأصل إنما هو لمن قام به، فحمل أحدهما على الآخر لاشتراكهما في ذلك (٥).
_________________
(١) في م: معرفة.
(٢) في م: فإن.
(٣) أما لو ماليس عنده: سقطت هذه العبارة من د، بسبب انتقال النظر.
(٤) أي: موضوع للمبتدأ أو الخبر أو الفاعل.
(٥) قال السيوطي: " النصب أخو الجر، ولذا حمل عليه في بأبي المثنى والجمع دون المرفوع قال ابن بابشاذ في شرح المحتسب: وإنما كان أخاه لأنه يوافقه في كناية الإضمار، نحو رأيتك ومررت بك، ورأيته ومررت به، وهما جميعا من حركات الفضلات، أعنى النصب والجر، والرفع من حركات العمد". الأشباه والنظائر ٢/ ٢٧.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
[إملاء ١٥٤]
[عدم جواز: جاء زيد والعاقل]
وقال: لا يجوز: جاء زيد والعاقل. لأنك إما أن تعطف العاقل باعتبار المعنى أو باعتبار الذات. فإن عطفته باعتبار الذات فسد لعدم التعدد، وإن عطفته باعتبار المعنى فسد أيضا. لأنك إنما تعطفه على الذات المنسوب إليها المجيء، فيجب أن يكون المعنى منسوبا إليه المجيء لتشريكه معه بالواو، وهو فاسد، بخلاف قولنا: جاء زيد العاقل والكريم، فإنك عطفت معنى على معنى، والمعنى الأول منسوب إلى الذات المتقدمة، فكذلك المعنى الثاني ثبت فيه ما ثبت في المعطوف عليه بخلاف قولك: جاء زيد والعاقل، لما تقدم.
[إملاء ١٥٥]
[الضمائر لا تعود إلا على الأسماء]
وقال: إنما كانت الضمائر لا تعود إلا على الأسماء، لأنها إذا عادت على شيء فإما أن تكون بمعنى ذلك أو لا، والقسمة حاصرة، وليس إلا الأسماء والأفعال والحروف. فأن كان الأول فهو المراد. وإن كان الثاني لزم أن تكون إما أفعالا وإما حروفا، وهو باطل، لأنه قد ثبت اسميتها بالدخول في حد الأسماء والخواص، وذلك غير خاف.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
[إملاء ١٥٦]
[جواز حذف الموصوف وعدم جواز حذف الموصول]
وقال إن قيل: لم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ولم يفعل ذلك في الموصول؟ فلأن الصفة تدل على الذات التي دل عليها الموصوف بنفسها وباعتبار التعريف والتنكير لأنها تابعة للموصوف في ذلك. والموصول لا ينفك عن جعل الجملة التي معه في معنى اسم معرف. فلو حذف لكانت الجملة نكرة، فيختل المعنى (١).
[إملاء ١٥٧]
[وجه جعل "أي" وصلة لنداء ما فيه الألف واللام]
وقال إنما جعلت "أي" متوصلا بها إلى نداء ما فيه الألف واللام لأنها مبهمة يصح تفسيرها بكل ما فيه الألف واللام (٢). والغرض ههنا أن يأتي ما فيه الألف واللام تفسيرا لها. فلما كانت كذلك صلحت لهذا المعنى. والذي يدل على ذلك أن أسماء الإشارة لما كانت بهذا الوصف وقعت هذا الموقع، فقيل: يا هذا الرجل، ويا هؤلاء الرجال.
_________________
(١) قال الرضي: "وأجاز الكوفيون حذف غير الألف واللام من الموصولات الاسمية خلافا للبصريين. قالوا: قوله تعالى: ﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ أي: إلا من له مقام". شرح الكافية ٢/ ٦١. وقال ابن هشام: "ذهب الكوفيون والأخفش إلى إجازته، وتبعهم ابن مالك، وشرط في بعض كتبه كونه معطوفا على موصول آخر". منغي اللبيب ٢/ ٦٩٢ (دمشق) فإذن كلام ابن الحاجب في أن الموصول لا يحذف هو مذهب البصريين، أما الكوفيون فإنهم يجيزون ذلك.
(٢) قال الرضي: " ولما قصدوا الفصل لين حرف النداء واللام بشيء طلبوا اسما مبهما غير دال على ماهية معينة محتاجا بالوضع في الدلالة عليها إلى شيء آخر يقع النداء في الظاهر على هذا الاسم المبهم لشدة احتياجه إلى مخصص الذي هو ذو اللام". شرح الكافية ١/ ١٤٢.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
[إملاء ١٥٨]
[علة بناء كيت على الضم]
وقال: إنما بنيت "كيت وكيت" على الضم (١) لأنها كناية عما أحد جزئية مضموم، وهو إما الجملة الاسمية أو الفعلية، وعلة بنائها واضح (٢).
[إملاء ١٥٩]
[الإنشاء يدل على الحال ولا يدل على الزمان]
وقال لما ورد على حد الاسم: نعم وبئس (٣). وأجاب عنه بأنها في أصل وضها دالة على الحدث والزمان، وإنما نقلا إلى معنى الإنشاء، والإنشاء لا دلالة له على الزمان: ما المانع من أن يكون "نعم وبئس" الإنشائيان وما اشبههما من الإنشاءات دالا على الحال؟ ولا بعد في ذلك، فإن قرينة الإنشاء ههنا دالة على الحال كما في قولنا: إن قام زيد قمت، مستقبل من حيث القرينة الشرطية الداخلة عليه، وكذلك قولهم: لم يقم، فإنه قبل وجود "لم" مستقبل، فلما دخلت "لم" قلبت معناه إلى المضي. فلا يرد إذن على حد الاسم الذي هو: ما دل على معنى في نفسه دلالة مجردة عن الافتران.
_________________
(١) قال الزمخشري: "وقد جاء فيهما الفتح والكسر والضم". المفصل ص ١٨٣.
(٢) قال ابن الحاجب: "وأما كيت وذيت فعلة بنائهما أنهما كنايتان عن الجمل، والجمل مبنية باعتبار الجملية، فنبت تشبيها لها بما كنى بها عنه". الإيضاح ١/ ٥٢٥. واظر الإملاء (٤٤) من الأمالي المطلقة. ص: ٧٣٠.
(٣) اختلف النحويون في نعم وبئس، هل هما فعلان، أواسمان؟ فذهب البصريون إلى أنهما فعلان ماضيان لا يتصرفان واستدلوا على ذلك بأن الضمير يتصل بهما وأن تاء التأنيث تتصل بهما وأنهما مبنيان على الفتح كالأفعال الماضية. وذهب الكوفيون إلى أنهما اسمان، واستدلوا على ذلك بدخول حرف الجر عليهما، وأنهما يناديان، وأنه لا يحسن اقتران الزمان بمهما كسائر الأفعال، وأنهما لا يتصرفان. انظر أسرار العربية لا بن الأنباري ص٩٦.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
والجواب عن هذا: أنه لو كان الإنشاء دالا على الزمان وضعا لكان: هل زيد قائم؟ دالا على الزمان وضعا، ولا يدل فلا يدل.
[إملاء ١٦٠]
[وجه إنكار فعل الحال]
وقال: من أنكر فعل الحال فله شبهة. وهو أنه يقول: فعل الحال هو الدال على حدث وزمان بين الماضي والمستقبل. ومعلوم أن ذلك الزمن زمن فرد، وكل فعل يعبر عن وقوعه لا يسعه ذلك الزمن، فصار إثباته يؤدي إلى التناقض، لأنه يكون معناه أنه وقع فيه وهو لم يقع فيه، وذلك متناقض. أما كونه يدل على كونه وقع فهو معنى فعل. وأما كونه غير واقع فيه فلما علم من أن كل فعل لا يمكن وقوعه في زمن الحال، فقد أخبر عما لا يمكن وقوعه بأنه وقع، وهو فاسد. وهذا مستقيم لو كانت العرب ضايقت في زمن الحال هذا التضايق. وإنما العرب أجرت الزمان المتقارب في أول الفعل وآخره بمنزلة زمن الحال. فثبت هذا على المسامحة لا على التضايق، ولذلك لو كان الفعل مما لا يكون عادة إلا في شهر أو أكثر صح أن يعبر عنه بفعل الحال إذا كان الحال ملتبسا به. فإذا ثبت ذلك سقط ما توهمه من التضايق، وإذن سقط وضع الحال باعتبار التوسعة التي ذكرناها. وأما إنكار زمن الحال فلا ينكره عاقل لأنه معلوم ضرورة.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
[إملاء ١٦١]
[تسمة حروف التنبيه بهذا الاسم أولى من تسميتها بحروف الاستفتاح]
وقال: تسمية حروف التنبيه (١) بهذا للاسم أولى من تسميتها باستفتاح الكلام، لأن إضافة الحرف في تسميته إلى المعنى المختص به في الدلالة أولى من إضافته إلى أمر ليس من دلالته. والتنبيه من دلالة هذه الحروف، بخلاف الاستفتاح (٢). ألا ترى أن حروف الاستفهام وحروف التحضيض ونظائرها لا تكون إلا مستفتحا بها، ولم تسم حروف استفتاح، لأنه ليس من دلالتها. وإنما سميت حروف استفهام وحروف تحضيض لما كان ذلك المعنى مدلولا بها. وإذا اعتبرت تسميات الحروف باعتبار إضافتها وجدتها كلها كذلك كحروف النداء وحروف الشرط وحروف النفي والاستقبال والجر وغير ذلك، فثبت أن تسميتها بحروف التنبيه أولى.
_________________
(١) وهذه الحروف هي: ألا وأما وها. فألا: تدل على تحقق ما بعدها وتدخل على الجملتين. وإفادتها التحقيق من جهة تركيبها من الهمزة ولا، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق. مغنى اللبيب ١/ ٧١ (دمشق). وأما: تكون بمنزلة ألا وتكثر قبل القسم، وقد تبدل همزتها هاء أو عينا قبل القسم، وكلاهما مع ثبوت الألف وحذفها، أو تحذف الألف مع ترك الإبدال. وإذا وقعت (أن) بعد (أما) هذه كسرت. المغني ١/ ٥٦ (دمشق). وها: تدخل على أربعة: الإشارة غير المختصة بالبعيد، وضمير الرفع المخبر عنه باسم إشارة، وأي في النداء، واسم الله في القسم عند حذف الحرف. المغني ١/ ٣٨٥ (دمشق).
(٢) التنبيه معناها والاستفتاح مكانها.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
[إملاء ١٦٢] [تكرر الخبر]
[إملاء ١٦٢]
[تكرر الخبر]
وقال: إذا تكرر الخبر. فإن كان من الصفات جاز عطف بعضها على بعض كما تعضف الصفات إذا تكررت كقولك: زيد عالم وعاقل (١)، كما تقول: مررت برجل عالم وعاقل، كأنك قلت: ذو علم وعقل. فلما كان الأمر المقصود هو المعنى الواو تشعر بالتعدد جاز الإتيان بها لتعدد المعنى. ولما كانت الذات واحدة جاز حذف الواو لا تخاذ الذات، كما جاء الأمران في الصفات. فإذا لم يكن الخبر من قبيل الصفات فالظاهر أنه إذا تعدد لا يكون فيه الواو مثل قولك: زيد أخوك أبو عمرو. فلو قلت: زيد أخوك وأبو عمرو، لم يكن مستقيما، لأنه لا متعدد تكون الواو جاءت باعتباره. ولذلك لا يفهم عند ذلك إلا العطق على المبتدأ، وتقدير خبر الثاني كالأول، فلا يفهم من قولك: زيد أخوك وأبو عمرو، إلا: زيد أخوك وأبو عمرو أخوك، وكذلك ما أشبهه.
[إملاء ١٦٣]
[علة كون النسب بالياء المشددة]
وقال: إنما كان النسب بالياء المشددة لأنهم لما قصدوا إلى معنى النسب إلى الاسم ولم يكن بد من زيادة تدل عليه، وأكثر الزيادات لحروف المد واللين، فكانت أولى. واختصت الياء لأن الواو مستقلة، والألف لا يمكن تشديدها، فتلبس بما في آخره ألف لا للنسب كـ: فعلى وفعلى وفعلى، وشبهها، فتعينت الياء لأنها
_________________
(١) انظر: الإيضاح في شرح المفصل ١/ ٢٠٣.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
غير مستقلة منها، ويمكن تشديدها، فيذهب اللبس بين قولك: حصيري وحصيري، بالتشديد والتخفيف. أي: إذا شددت علم أنه منسوب، وإذا خففت علم أنه مضاف. ومن قال اختصت الياء لأنه في معنى المضاف (١)، والياء للإضافة، فإن قولك: غلامي، الياء للمتكلم سواء كان الأول مضافا إليه أو واقعا، ألا ترى أنك تقول: غلامي وضربني. وإن أراد أنه قد يكون مضافا إليها، فحينئذ يرد عليه الكاف والهاء لأنها تكون مضافا إليها. فإن قال: أردت أن الياء لا تستعمل للمتكلم إلا بمعنى أنه نسب إليه شيء كقولك: غلامي وضربني، ورد عليه أن الكاف كذلك في: غلامك وضربك.
[إملاء ١٦٤]
[جواز الإضمار في النسب وعدم جوازه في المفردات]
وقال: إنما جاز الإضمار في الشأن والقصة ولم يتقدم ذكره لأنه ضمير لنسبة حاصلة من الجزئين لمسميين كلاما، وذلك معهود لكل عاقل، فكأنه إنما أضمره لتقدم أمر يدل عليه وهو ذلك العهد السابق. فإن قيل: فهذا جار في المفردات، فإنه كما تتعقل النسب تتعقل المفردات فليجز إضمار المفرد بناء على ذلك. فالجواب: أن المفرد لو أضمر
_________________
(١) قال ابن الأنباري: "إنما كانت ياء تشبيها بياء الإضافة، لأن النسب في معنى الإضافة، ولذلك كان المتقدمون من النحويين يترجمونه بباب الإضافة، وكانت الياء مشددة لأن النسب أبلغ من الإضافة، فشددوا الياء ليدلوا على هذا المعنى، وكانت مكسورا ما قبلها توطئة لها". أسرار الغربية ص ٣٦٩.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
مع اختلاف حقائقه لم يكن في الإضمار فائدة للتردد الحاصل فيه بين آلاف، بخلاف النسبة فإنها أمر متميز لا التباس فيه بغيره. فلذلك جوزوا الإضمار في النسب ولم يجوزوه في المفردات.
[إملاء ١٦٥]
[علة بناء الاسم لشبه واحد]
وقال: إن قيل: لم بني الاسم لشبه واحد (١) وامتنع من الصرف لشبهين، وكلا الأمرين خروج عن أصله؟ فالجواب: أن الشبه الواحد بالحرف يبعده عن الاسمية ويقربه مما ليس بينه وبينه مناسبة إلا في الجنس الأعم وهو كونه كلمة، وشبه الاسم بالفعل وإن كان نوعا آخر إلا أنه ليس في البعد عن الاسم كالحرف. ألا ترى أنك إذا قسمت الكلمة خرج الحرف أولا لأنه أحد القسمين، ثم يبقى الاسم والفعل مشتركين، فتفرق بينهما بوصف أخص من وصفهما بالنسبة إلى الحرف. فوزان الحرف من الاسم كالجماد بالنسبة للآدمي، ووزان الفعل من الاسم كالحيوان من الآدمي. ووزان الفعل من الاسم كالحيوان من الآدمي. فشبه الآدمي بالجماد ليس كشبهه بالحيوان. فقد علمت بهذا (٢) أن المناسبة الواحدة بين الشيء وبين ما هو أبعد لا تقاوم مناسبات متعددة بينه وبين ما هو قريب منه.
[إملاء ١٦٦]
[الاقتضاء الوجودي والاقتضاء العقلي]
وقال: قولنا: العامل ما به يتقوم المعنى المقتضي. الا قتضاء على
_________________
(١) هذا الشبه هو الحرف والفعل الماضي والأمر.
(٢) في م: لهذا.
[ ٢ / ٨٤١ ]
ضربين: اقتضاء وجودي واقتضاء عقلي. فالعقلي مثل: ضربت زيدا. والوجودي مثل: ضربت يوم الجمعة، ومكانك، وجاء زيد راكبا. لأنه لا بد له في الوجودي مثل: ضربت يوم الجمعة، ومكانك، وجاء زيد راكبا. لأنه لا بد له في الوجود من حال وزمان ومكان. وأما قولهم: ضربت ضربا، فمن القسم الوجودي، باعتبار التأكيد وبيان النوع.
[إملاء ١٦٧]
[وجه تسمية ما لا ينصرف بهذا الاسم]
وقال: إنما خص باب ما لا ينصرف بهذه التسمية لأن الصريف هو الصوت الرقيق الذي يسمع من البكرة (١). ولما كان التنوين مشبها له سمي ما قام به منصرفا، وسمي ما فقد منه غير منصرف (٢).
[إملاء ١٦٨]
[قول للزجاجي والتعليق عليه]
وقال: قول صاحب الجمل (٣): "ما كان أحد مثلك (٤)، ولم يجز ما
_________________
(١) قال ابن منظور: "وصريف البكرة صوتها عند الاستقاء. وصريف القلم والباب ونحوهما صريرهما". واللسان (صرف).
(٢) وقيل: من الانصراف في جهات الحركات. وقيل: من الانصراف وهو الرجوع، فكأنه انصرف عن شبه الفعل. وقيل: لا نقياده إلى ما يصرفه عن عدم تنوين إلى تنوين، وعن وجه من وجوه الإعراب إلى غيره. انظر: حاشية الصبان على شرح الأشموني ٣/ ٢٢٨.
(٣) وهو عبد الرحمن بن إسحاق أبوالقاسم الزجاجي. وقد سبقت ترجمته. انظر ص: ٧٣٤.
(٤) قال الزجاجي: "ما كان مثلك أحد، بنصب (مثل) فإنه نفى أن يكون على مثل حاله أحد، ولو رفع (مثل) فقال: ما كان مثلك أحدا، لم يجز". انظر: الجمل ص ٦٠. ويلاحظ أن ابن الحاجب لم ينقل عبارة الزجاجي كما هي. وهذا مما يؤخذ عليه في أماليه. ولكن الرجل له عذره، فهو كان يملي من ذاكرته.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
كان مثلك أحدا". لأن الخبر هو المقصود بالنفي. فإذا قال: ما كان أحد مثلك، فقد نفي مماثلة كل أحد له، لأن الضمير المرفوع في "مثل" لأحد، والكاف في معنى المفعول. والمعنى: ما كان أحد مماثلا لك، أي: مشبها لك، فنفى مشابهة كل أحد له، فصار المعنى: بلغت مبلغا من الفضل لم يشابهك أحد فيه. وإذا قال: ما كان مثلك أحدا، وجب أن يكون المنفي معنى الأحدية وهي الإنسانية، فيصير المعنى: ما مثلك إنسانا، ويكون المماثل له مثبتا، وإنما نفى الإنسانية عنه. والمثل المثبت، أما أن يراد به نفس المضاف إليه كما في قولك: مثلك لا يقول ذلك، وإما بمعنى المشابه. وعلى كلا الأمرين لا يستقيم نفي الإنسانية، لأنه يصير بمعنى: ما أنت إنسانا أو مشابهك إنسانا، وكلاهما غير مستقيم. وأما إذا قصدت معنى المبالغة في الذم أو المدح كان جائزا. يريد معنى قوله: ﴿ما هذا بشرا﴾ (١)، لأن المعنى إثبات أمر أعلى من البشرية في مقصود المحكي عنه كقول الشاعر:
فلست لإنسي ولكن لملأك (٢)
_________________
(١) يوسف: ٣١.
(٢) هذا صدر بيت من الطويل وعجزه: تنزل من جو السماء يصوب. وهو من شواهد سيبويه ٤/ ٣٨٠ ولم ينسبه لأحد. وانظر: المفضليات ٢/ ١٩٤ (تحقيق أحمد محمد شاكر وعبدالسلام هارون)، ونسبه لعلقمة بن عبدة. وكذلك ابن الأنباري في كتاب المذكر والمؤنث ص ٢٦٠. ونقل ابن منظور عن ابن بري أن البيت لرجل من عبد القيس يمدح النعمان وقيل: هو لأبي وجزه يمدح عبد الله بن الزبير. اللسان (ألك، صواب). وسيتشهد به النحاة على همز (ملاك).
[ ٢ / ٨٤٣ ]
فيكون قوله: ما مثلك أحدا، في مقصود المدح، إما على معنى: ما أنت بشرا، أي: بل أعلى من البشر. وإذا كان مماثله أعلى من البشر كان هو كذلك من طريق الأولى، لأن المشبه به أقوى في المعنى المراد من المشبه، ويكون معناه في الذم: ما أنت بشرا بل أدنى من البشر، يريد البهيمية وشبهها، كما أراد في المدح الملكية وشبهها.
[إملاء ١٦٩]
[الاختلاف في "كم" وأخواتها هل هي معرفة أونكرة؟]
وقال: اختلف في كم وكذا وكيت وذيت وأيان ومتى وأين وكيف ونحوها. فقيل: معرفة، لأن المعنى في "من": أزيد أم عمرو؟ وفي "ما": الخياطة أم الكتابة صناعتك؟ وفي "أين": أفي السوق أم الدار قعودك؟ وفي "متى": أيوم الجمعة أم يوم السبت سفرك؟ وفي: كم درهما مالك؟ أي الأعداد؟ وفي: كم درهم، الكثير من الدراهم، وفي. كيف حالك؟ أعلى العافية أم المرض؟ وفي: كيت وذيت، لأن معناه: كان من القصة الحديث المعهود. وقيل: نكرة، لأن معنى: من أبوك؟ أي رجل؟ ومعنى: ما صناعتك؟ أي فعل؟ ومعنى: أين؟ أي مكان؟ ومعنى: متى؟ أي زمان؟ ومعنى: كم الاستفهامية، أي عدد؟ والخبرية: كثير. وكيف: أي حال؟ وكيت وذيت: كان من القصة حديث. والظاهر أنها في: من وما وأين ومتى، ونحوها مما في المعنى سؤال عن المعرفة، معرفة. ونحو: كم الاستفهامية والخبرية وكيف وكيت وذيت، نكرة.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
وأما كذا فأوضح في النكرة، لأنك إذا قلت: له كذا وكذا درهما، فغاية أمره أن يكون كالتصريح بقولك: أحد وعشرون درهما، وكذلك جميع الباب فيه.
[إملاء ١٧٠]
[كلم وتمر وبابه ليس جمعا]
وقال: كلم وتمر وبابه ليس بجمع (١) لأوجه ثلاثة (٢): أحدها: أنه لو كان جمعا لكان جمع كثرة، ولو كان لوجب أن يصغر على تميرات. الثاني: أنه لو كان جمعا لم يصغر على تمير. الثالث هو: أن فعلا ليس من أبية الجموع. وإذا تردد الوزن بين كونه جمعا ومفردا لم يثبت كونه جمعا إلا بثبت، لأن أصل الأسماء في الافراد. الثالث (٣) هو: أن هذه (٤) الأسماء موضوعة لمعقولية هذه الأشياء كالتمر والعسل، فلا يصح جمعها إلا إذا قصد آحادها أو أنواعها، فكما أنه لا يصح أن يقال: ماء وعسل، جمع، فكذلك هذا. ويدل عليه امتناع جمع تمر إذا قصد به الجنس، وجواز جمعه إذا قصد به النوع. ولذلك نقطع بالفرق بين معنى تمر وتمرات. في أن تمرات تدل على قصد الوحدان، مثلها في: رجال. وتمر إنما يدل على الماهية مثله في: ماء وعسل
_________________
(١) وإنما هو اسم جنس جمعي. قال عنه سيبويه: "هذا باب ما كان واحدا يقع للجميع، ويكون واحده على بنائه من لفظه، إلا أنه مؤنث تلحقه هاء التأنيث ليتن الواحد من الجميع". الكتاب ٣/ ٥٨٢.
(٢) وردت هذه المكلمة هكذا في جميع النسخ. والصواب: أربعة. لأن الأوجه التي ذكرها أربعة وليست ثلاثة.
(٣) هكذا في جميع النسخ. والصواب: الرابع.
(٤) هذه: سقطت من م.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
[إملاء ١٧١]
[عطف ذي اللام على المنادى المضموم وعلى اسم "لا" النافية للجنس]
وقال: قولهم: ألا يا زيد والضحاك، في جواز الرفع والنصب (١). ولم يأت في باب "لا"، إلا وجه واحد وهو الرفع لا غير، مثل: لا غلام لك ولا العباس. والفرق بينهما أن "لا" لا تدخل على المعارف لما تقرر في موضعه (٢). ولا يمكن حمله على اللفظ، لأن "لا" إنما أتي بها لنفي المتعدد، ولا تعدد في قولك: لا غلام لك ولا العباس، ولأن دخول النصب فيه فرع دخول الفتح فيه إذا كان منفيا، ولا يدخله الفتح فلا يدخله هذا النصب الذي هو فرعه، لأن دخول الفتح إنما كان لتضمنه معنى الحرف. ألا ترى أن معنى قولك: لا رجل في الدار، لا من رجل، ولايتقدر مثل ذلك فيما ذكرناه، ألا ترى أن "لا" إذا وقع بعده المعرفة (٣) وجب الرفع والتكرير (٤). ويرجع الاسم حينئذ إلى أصله، فإذا وجب الرفع فيما يلي "لا" ولم يجز فيه غيره فلان لا يجوز غيره في فرعه الذي هو المعطوف من باب الأولى. وليس كذلك في باب النداء في قولنا: يا زيد والضحاك، فإن حرف
_________________
(١) فالرفع عطف على اللفظ، والنصب عطق على الموضع. والخليل في مثل هذه المسألة يختار الرفع، وأبو عمرو يختار النصب. انظر سيبويه ٢/ ١٨٧، والإملاء (٤) من الأمالي على مسائل الخلاف ص: ٤٨٥، وشرح الكافية للرضي ١/ ١٣٨.
(٢) انظر الإملاء (٨٥) من الأمالي على المفصل ص: ٤١١، وسيبويه ٢/ ٢٧٤.
(٣) ألا ترى أن (لا) إذا وقع بعدها المعرفة: سقطت من د.
(٤) قال المؤلف: "لأن (لا) تقتضي نفي المتعدد وضعا. ولما كان المعرفة الواحد لا تعدد فيه اشترط تكريره ليحصل التعدد. انظر: ص: ٤١١. هذا وقد أجاز المبرد وابن كيسان عدم تكريرها. انظر: أوضح المسالك ٢/ ٥.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
النداء وإن كان متعذرا كما تعذر فيما ذكرناه إلا أنه يتوصل إليه بـ "أي" وبـ "هذا" كقولك: يا أيها الصحاك، ويا أيهذا الضحاك، فصار له دخول وإن كان باشتراط فصل، بخلاف "لا" فإنها لا تدخل بحال.
[إملاء ١٧٢]
[عطف المجرد عن اللام على المنادى المضموم واسم لا النافية للجنس]
وقال: إن قيل: ما الفرق بين قولهم: يازيد وعمرو، فإنه ما جاء فيه إلا وجه واحد وهو قولهم: وعمر (١)، وجاء في المعطوف في باب "لا" وجهان: أحدهما: العطف على اللفظ (٢)، مثل: لا أب وابنا (٣). والثاني: العطف على المحل (٤)، مثل:
لا أم لي إن كان ذاك ولا أب (٥)
والفرق منن وجهين: أحدهما: أن قولنا: يازيد وعمرو، حرف النداء راد وهو جائز حذفه، فجاز الإتيان بأثره (٦)، وليس كذلك في باب "لا" في الصورة
_________________
(١) قال سيبويه: "وتقول: يازيد وعمرو، ليس إلا، لأنهما قد اشتركا في النداء في قوله: يا. وكذلك يا زيد وعبد الله، ويا زيد لا عمرو، ويا زيد أو عمرو. لأن هذه الحروف تدخل الرفع في الآخر كما تدخل في الأول، وليس ما بعدها بصفة، ولكنه على يا" الكتاب ٢/ ١٨٦.
(٢) انظر: سيبويه ٢/ ٢٨٥.
(٣) سبق الحديث عنه في الإملاء (٨٥) من الأمالي على المفصل. ص: ٤١٩.
(٤) انظر: سيبويه ٢/ ٢٩٢.
(٥) سبق الحديث عنه في الإملاء (٧٨) من الأمالي على المقدمة. ص: ٥٩٣.
(٦) قال الرضي: "وعطف النسق من حيث المعنى منادى مستأنف. فإذا لم يكن معه في اللفظ ما يمنع مباشرة حرف النداء، أعني اللام، جعل في اللفظ كالمنادى المستأنف الذي باشره النداء". وشرح الكافية ١/ ١٣٦.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
المذكورة، لأن "لا" لا تحذف في مثل ذلك، وإنما قدر حرف النداء ههنا دون ثم لكثرة النداء في كلامهم. الوجه الثاني: أن "لا" بني اسمها معها إلى أن صار الاسم ممتزجا امتزاج المركبات، ولا يمكن بقاء ذلك مع حذفها، ولم يبنوه بناء منهم على امتزاجه بالأولى، لأنه قد فصل بينهما بكلمتين، ولئلا يؤدي إلى امتزاج أربع كلمات.
[إملاء ١٧٣]
[لا يجوز حذف حرف النداء في مثل قولهم: رجل وامرأة]
وقال: إنما لم يحذف حرف النداء في مثل قولهم: رجل وامرأة وشبهه (١)، لأن الأصل: يا أيها الرجل ويا أيها (٢) المرأة، فاستغنوا بقولهم عن الألف واللام لدلالتها على التعريف المستفاد من الألف واللام. ولما حذفت الألف واللام استغني عن "أيها" لأنها إنما وضعت وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام فبقي: يارجل. فلو حذف حرف النداء لكثر الحذف وأخل، فكره لذلك (٣). ويجوز أن يقال: إنما لم يحذف لأنه ناب مناب حرف التريف المراد معناه في قولك: الرجل. فكما لا يجوز حذف المعرض عنه عند انفراده فكذلك لا يجوز حذف عوضه الذي هو منزل منزلته، بخلاف يا زيد، فإن تعريقه لم يكن
_________________
(١) لا يجوز حذف حرف النداء م اسم الجنس والإشارة والمستغاث والمندوب. والمقصود بالجنس ما كان نكرة قبل النداء. انظر الرضي ١/ ١٥٩.
(٢) كذا في جميع النسخ. والظاهر أنه جائز. انظر سيبويه ٢/ ١٨٨.
(٣) قال أبو البركات الأنباري: "يجوز حذف حرف النداء إلا مع النكرة والمبهم، لأن الأصل فيهما النداء بـ (أي) نحو: يا أيها الرجل، ياأيهذا الرجل، فلما اطرحوا أيا والألف واللام، لم يطرحوا حرف النداء، لئلا يؤدي ذلك إلى الاجحاف بالاسم:. أسرار العربية ص ٢٢٨.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
بشيء حذف وقامت "يا" مقامه، بل هو بالعلمية، ونسبته إلى مسماه وهو منادى كنسبته وهو غير منادى. وهذا يمكن إجراؤه في أسماء الإشارة بوجه، وهو أن يقال إن تعريف أسماء الإشارة ليس كتعريف الاعلام، فإنها لم تتعرف إلا بقرينة القصد إلى مدلولها، و"يا" فيها ذلك المعنى المذكور، فصارت معها كالقرينة المفيدة للتعريف. فإذا حذفتها وأنت قاصد إلى التعريف كنت كالحاذف حرف التعريف (١). ويجوز أن يقال: إنما لم يحذف من رجل وامرأة، لأن وضع هذا اللفظ للتنكير بخلاف زيد وعمرو، فإن وضعه للتعريف، فلا يخل استعماله بغير حرف النداء عن معنى التعريف بخلاف رجل وامرأة، فإن حذف حرف النداء مخل لإيهام بقائه على التنكير، فلم يحذف النداء لذلك. ولا يتقرر مثله في أسماء الإشارة لأنها في أصل وضعها للتعريف، إلا أن يقال: أجريت مجرى النكرة لكون تعريفها مفتقرا إلى القرينة بخلاف: زيد وعمرو، فإنه غير مفتقر إلى القرينة في التعريف، فأجري المفتقر مجرى النكرة ليكون لما لا يفتقر على ما يفتقر مزية. وإنما كان: يا أيها الرجل، هو الأصل لقولك: يا رجل، لأن المقصود نداء المعرفة. ومعلوم كراهتهم الجمع بين حرفي تعريف. وقد علم أن تعريف الرجل بالألف واللام هو الأصل، وإذا كان تعريفه بالألف واللام هو الأصل (٢)
_________________
(١) وقد جوز الكوفيون حذف حرف النداء من اسم الإشارة اعتبارا بكونه معرفة قبل النداء انظر الرضي ١/ ١٦٠.
(٢) وإذا كان تعريفه بالألف واللام هو الأصل: سقطت هذه العبارة من د بسبب انتقال النظر.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
وجب أن تكون: يا أيهذا، هو الأصل لقولك: يا هذا، لأنه لو لم يكن أصله لكان زائدا، فيؤدي إلى أن تزاد الأسماء، وهو على خلاف قياس كلامهم على أن أصل الزيادة على خلاف القياس. وإذا وجب أن لا يكون زائدا وجب أن يكون أصلا.
[إملاء ١٧٤]
[جواب عن إشكال يورد على ظروف المكان]
وقال: الفرسخ والبريد في قولهم: سرت فرسخا وبريدا،، مفعول به؛ لأن "سرت" بمعنى: قطعت، كأنه قال: قطعت فرسخا. وهذا جواب عن إشكال يورد على الظروف وهو أن ظروف المكان لا ينتصب بتقدير "في" فيها إلا المبهم (١) خاصة دون المختص. فإذا ورد الفرسخ والبريد وهما مختصان، فيجاب بما ذكر أولا. أو أنه مما استثني لكثرته، فكان كقولك (٢): " ولفظ مكان لكثرته".
[إملاء ١٧٥]
[الفرق بين المصدر واسم المصدر]
وقال: الفرق بين قول النحويين: مصدر واسم مصدر، أن المصدر هو الذي له فعل يجري عليه كالانطلاق، في: انطلق (٣). واسم المصدر هو اسم
_________________
(١) قال الرضي: "اختلف في تفسير المبهم من المكان. فقيل: هو النكرة، وليس بشيء، لأن نحو: جلست خلفك وأمامك، منتصب بلا خلاف على الظرفية. وقيل: هو غير المحصور كما قلنا في الزمان، وهو الأولى، فتخرج منه المقادير الممسوحة كفرسخ وميل، ولا خلاف في انتصابها على الظرفية". شرح الكافية ١/ ١٨٤.
(٢) الكافية ص ٧. وانظر: الأملاء (٣٣) من الأمالي على المقدمة. ص: ٥٣٢.
(٣) انطلق: سقطت من د.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
لمعنى، وليس له فعل يجري عليه كالقهقرى، فإنه لنوع من الرجوع، ولا فعل له يجري عليه من لفظه. وقد يقولون: مصدر في الشيئين المتقاربين لفظا، وأحدهما للفعل والآخر للآلة التي يستعمل بها الفعل كالطهور والطهور، والأكل والأكل، فالطهور المصدر، والطهور اسم ما يتطر به. والأكل المصدر، والأكل ما يؤكل.
[إملاء ١٧٦]
[عدم جواز التعلق بالأفعال الناقصة]
وقال: لا يصح التعلق بالأفعال الناقصة لأنها لم يقصد بها في التحقيق نسبة حدث محقق إلى فاعلها. ومعنى قولنا: حدث محقق، يعني: أنه لم يرد أن زيدا، ثبت، وإنما أريد أن القيام المنسوب إلى زيد وهو خبره، ثبت، وذلك حاصل لو لم تذكر "كان". وإنما قصد بالإتيان بها على المبتدأ والخبر، وتفيد الخبر معنى بالنسبة إلى المبتدأ مع بقائه في الحقيقة (١) مخبرا عنه على ما كان عليه في الابتداء. ولذلك توهم كثير من النحويين أنه لا دلالة لها على الحدث أصلا، وإنما وضعت للدلالة على مجرد الزمان، فلذلك لم تأت عاملة في شيء غير الاسم والخبر.
[إملاء ١٧٧]
[الفرع والأصل]
وقال: إنما كان العدل فرعا لأنه لا بد من أصل هو معدول عنه
_________________
(١) في الحقيقة: سقطت من س.
[ ٢ / ٨٥١ ]
فالمعدول عنه هو الأصل تحقيقا أو تقديرا على ما ذكروا (١)، وإذا كان ذلك هو الأصل فالمعدول فرع. وإنما كان الوصف فرعا لأنه لا يعقل وصف إلا بتقدم موصوف. فوجود الوصفية مرتبة عليه، فهو فرع لذلك. والتأنيث فرع التذكير، لأن الذكورية هي الأصل من حيث كانت الألفاظ القياسة تجري على المذكر بفسها كأسماء القاعلين والمفعولين والصفات المشبهة. فإذا قصد إلى التأنيث زيدت العلامة لذلك. فـ "قائم" في قولك: قائمة، يدل على ذات قام بها ذلك المعنى كما في قولك: قائم، مجردا. وزيادة التاء تدل على الذات مؤنثة، فكان فرعا لذلك. وإنما كانت المعرفة فرعا على النكرة من حيث إن وضع الألفاظ القابلة للتعريف للنكرة، فإذا قصد إلى التعريف زيد عليها ما يجعلها معرفة كقولك: رجل والرجل. أو وضعت وضعا ثانيا للمعرفة كقولك: جعفر، للنهر، ثم تجعله علما. فكان فرعا لذلك. وإنما كانت العجمة فرعا لأن كلام العرب في أصله موضوعهم دون إدخال غيره فيه، فإذا أدخلوا شيئا من غير كلامهم فهو فرع على كلامهم في التحقيق، فهو أظهر الفروع. وإنما كانت الألف والنون فرعا على المزيد عليه إذ لا تعقل زيادة إلا بمزيد عليه، فكان فرعا لذلك. ووزن الفعل فرع على وزان الاسم لأنه إذا تحقق أن الفعل فرع على الاسم من حيث الاشتقاق والاستقلال فوزن الفرع فرع على وزن الأصل، لأن
_________________
(١) في ب، د: ذكر.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
الأصل إذا تقدم فقد تقدم وزنه لأنه صفته، والفرع إذا تاخر وزنه، فكان فرعا لذلك.
[إملاء ١٧٨]
[إعراب المضاف إلى ياء المتكلم]
وقال: إنما أعرب المضاف إلى [ياء] (١) المتكلم تقديرا في الأحوال الثلاث لأنه تعذر عليه حركات الإعراب فوجب أن يعرب تقديرا. وبيان تعذرها هو: أنه لو أعرب بها لضم في موضع الرفع وهو متعذر إذ لا يكمن مجيء الياء بعدها ساكنة، ومن لغتهم الإتيان بها ساكنة، فوجب أن يعدل عن الضم إلى الكسر ليناسبها، ثم التزموا كسرة فبلها لأجلها. يدلك (٢) على ذلك محيء كل ياء للمتكلم في الفعل أو الحرف أو غيرهما مكسورا ما قبلها كقولك: مني وعني وبي ولي وضربني وقدي وقطي. ولما قبح: مني وعني وضربي ويضربي، زادوا نونا لتكون الكسرة عليها، فقالوا: مني وضربني، وهذا واضح في التزامهم الكسرة قبل ياء المتكلم. وإذا ثبت ذلك تعذر الضم والكسر والفتح. أما الضم والفتح فلتعذر اجتماع متضادين. وأما الكسر فإذا وضح أنهم التزموا كسرة لأجل الياء تعذر مجيء كسرة أخرى تجامعها، إذ يستحيل اجتماع كسرتين في محل (٣) كما سيتحيل اجتماع كسر وضم. ولا يمكن أن يحكم بكسرة الإعراب وزوال الكسرة لأجل الياء، لأن تلك هي السابقة لمعنى، وقد ثبت اعتبارهم إياه فلا
_________________
(١) زيادة من س.
(٢) في م: يدل.
(٣) في م: محل واحد.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
ينبغي أن تزول مع بقاء ذلك المعنى من غير موجب. ثم (١) ولو قدر جواز ذلك لكانت هذه أولى لأنها السابقة. وإنما قلنا: هي السابقة، لأن التركيب فرع الإفراد، ولا يكون إعراب إلابعد التركيب، فهو (٢) فرع الفرع، وهذه الكسرة ثابتة للكلمة في حال الإفراد قبل التركيب الموجب للإعراب، فثبت أنها سابقة.
[إملاء ١٧٩]
[علة عدم وقوع ظروف الزمان أخبارا عن الحثت]
وقال: إنما لم تقع ظروف الزمان أخبارا عن الجثت لعدم الفائدة فيه. لأنها لو أوقعت خبرا لكان التقدير أنها حاصلة وثابتة فيه. وقد علم اشتراك الجثت كلها في ذلك المعنى على جهة، فلا معنى للإخبار بها عنها، بخلاف ظروف المكان فإن كل جزء من الجثت مختص بمكان دون مكان، فكان في الاخبار عنها بالمكان فائدة لم تكن عند المخاطب (٣). ولما كانت معاني المصادر كالجثت بالنسبة إلى المكان في الزمان والمكان، صح الإخبار عنها بالمكان والزمان جميعا كقولك: القتال غدا، والقتال يوم الجمعة، والقتال أمامك، والقتال خلفك.
_________________
(١) ثم: سقطت من ب.
(٢) في م: فهذا.
(٣) قال أبو البركات الأنباري: "فإن قيل: فلم إذا كان المبتدأ جثة جاز أن يقع في خبره ظرف المكان دون ظرف الزمان؟ قيل: إنما جاز أن يقع في خبره ظرف المكان دون ظرف الزمان لأن في وقوع ظرف المكان خبرا عنه فائدة، وليس في وقوع ظرف الزمان خبرا عنه فائدة. ألا ترى أنك تقول في ظرف المكان: زيد أمامك، فيكون مفيدا، لأنه يجوز ألا يكون أمامك. ولو قلت في ظرف الزمان: زيد يوم الجمعة، لم يكن مفيدا، لأنه لا يجوز أن يخلو عن يوم الجمعة. وحكم الخبر أن يكون مفيدا" أسرار العربية ص ٧٥.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
[إملاء ١٨٠]
[علة وجوب حذف العامل في الحال المؤكدة]
وقال: وإنما وجب حذف العامل من الحال المؤكدة (١) دون غيرها لأنه لا بد أن يتقدمها جملة تتضمن في المعنى ثبوتها. فلو أظهر العامل لأظهر الثبوت وهو عين ما دل عليه اللفظ الأول، فكان إظهاره كإظهار العامل في المصدر بعد أن تقدم ما يشعر به، كقولك: هذا عبد الله حقا، وكقوله: ﴿وعد الله﴾ (٢)، و﴿كتاب الله﴾ (٣)، وأمثال ذلك كثير.
[إملاء ١٨١]
[الجواب عن سؤال ورد على تعليل حكم]
وقال جوابا عن سؤال ورد على تعليل حكم وهو أن العرب تجعل صدر الكلام كل شيء دل على قسم من أقسام الكلام كالاستفهام والنفي والتحضيض وإن وأخواتها، سوى أن، وهو: زيدا ضربت، وضربت زيدا فيقال: إنه إذا قيل: زيدا، ألبس على السامع أن يكون المذكور بعده: ضربت أواكرمت أو نحوه. وإذا قيل: ضربت، ألبس على السامع أن يكون زيدا وأن يكون عمرا ونحوه لأمور: أحدها: أن هذا لا يمكن أن يكون إلا كذلك، لأنه لا بد من تقدم مفرد على مفرد، فمهما قدمت أحد المفردين فلا بد من احتمال كل ما يقدر تجويزه في الاخر. الثاني: أن هذا إلباس في آحاد المفردات، وذاك إلباس في أصول أقسام الكلام، فكان أهم. الثالث: أن ذاك ألفاظ وضعت
_________________
(١) " الحال المؤكدة هي التي تجيء على إثر جملة عقدها من اسمين لا عمل لهما لتوكيد خبرها وتقرير مؤداه ونفي الشك عنه، وذلك قولك: زيد أبوك عطوفا". المفصل ص٦٣.
(٢) النساء: ١٢٢.
(٣) النساء: ٢٤.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
للدلالة عليه، فكان تقديمها مرشدا إلى ما وضع له بخلاف هذه، فإنه ليس لها ألفاظ غير لفظها، ولو كان لها ألفاظ غير لفظها لأدى إلى التسلسل، وهو محال.
[إملاء ١٨٢]
[وجه عمل "ليت ولعل وكأن" في الحال]
وقال: إنما عملت ليت ولعل وكأن في الحال (١)، ولم تعمل إن وأن ولكن، من وجوه: منها: أن "ليت ولعل وكأن" معانيها معاني أفعال محققة غير معاني التأكيد. ومعنى "إن" التأكيد المجرد، والتأكيد لا يزيد في المعنى على ما كان عليه. ألا ترى أنك إذا قلت: ماجاءني من أحد، وجاء زيد زيد، لم يجز أن يكون "من" ولا "زيدا" الثاني عاملا في شيء لم يكن عاملا فيه قبل، لأن الأمر فيه على ما كان، بخلاف ليت ولعل فإن معناهما: أتمنى وأتوقع. الثاني: هو أن "ليت" ولعل وكأن" يتعلق بالجزئين كل واحد منهما يصح أن يكون مقيدا بحال باعتبار التمني والتوقع والتشبيه. ألا ترى أنك إذا قلت: كأن زيدا راكبا الأسد، إنما أردت تشبيه زيد في حال ركوبه بالأسد. وكذلك إذا قلت: كأن زيدا الأسد مفترسا، إنما أردت تشبيهه بالأسد في حال (٢) افتراسه، بخلاف "إن" فإنها لتوكيد النسبة، والنسبة لا تقبل ما ذكرناه، لأن ذلك من توابع المفردات لا من توابع النسب. الثالث: قولوا: ليت إن زيدا قائم، بمعنى: أتمنى أن زيدا قائم، وليت زيدا قائما (٣)، في معنى: أتمنى زيدا قائما. فلما استعملوها هذا الاستعمال أعملوها في الحال من طريق الأولي.
_________________
(١) انظر المفصل ص ٦٢.
(٢) ركوبه في الأسد في حال: سقطت من د.
(٣) أجازه الفراء. انظر مغني اللبيب ١/ ٣١٦ (دمشق)، والرضي ٢/ ٣٥٩.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
[إملاء ١٨٣]
[هذا بسرا أطيب منه رطبا]
وقال: هذا بسرا أطيب منه رطبا. "رطبا" حال من الضمير في "منه"، و"بسرا" حال من الضمير في "أطيب" (١).
[إملاء ١٨٤]
[حجة "ورش" في تركه الهمزة إذا كانت فاء الكلمة]
وقال: حجة ورش في تركه الهمزة إذا كانت فاء الكلمة أمران: أحدهما: أن الهمزة إذا كانت مبتدأ بها أو في حكم المبتدأ. لأن ما قبلها حنيئذ لا يكون إلا زائدا. والهمزة إذا ابتدىء بها كانت أثقل منها إذا لم يبتدأ بها، وذلك مدرك عند النطق في مثل: قل أعوذ، مما وقعت فيه أولا. ولم ينقلها في مثل: يسأمون، مما وقعت فيه متوسطة. ولذلك قرأها حمزة بالوقف على الساكن قبلها في مثل: قل أعوذ، ولم يقف على الساكن قبلها في مثل: قل أعوذ، ولم يقف على الساكن قبلها في مثل: يسأمون ويجأرون. ومن ثم قرأ ورش: موجلا ويويد، بقلب الهمزة واوا، وفؤادك، بتحقيق الهمزة لما كانت تلك فاء وهذه غير فاء. الوجه الثاني: أنها إذا كانت فاء وسكنت فقد لحقها تغيير محقق، إذ الفاء لا تكون إلا متحركة في الأصل فكانت لقبول التغيير أقرب منها عينا ولاما لقوة تلك حيث كانت باقية على أصلها، ولذلك نقل الهمزة على الساكن قبلها. ألا ترى أنك
_________________
(١) تحدث ابن الحاجب عن هذه المسألة بشكل مسهب في الإيضاح ١/ ٣٣٦. وذكر أن العامل في (بسرا) أطيب، وليس اسم الإشارة (هذا). وقال الفارسي: "فبسرا ورطبا انتصبا على الحال، ومعنى الكلام: هذا إذا كان بسرا أطيب منه إذا كان رطبا". انظر الإيضاح العضدي ص٢٠١. ومعنى (كان) في قول القارسي: وجد، فهي التامة. وانظر تفصيل هذه المسألة في الأشباه والنظائر ٤/ ٢٦٥.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
إذا ابتدأت بقولك: أخذ، وجدت النطق بالهمزة اثقل منه في قولك: سأل. والوجه هو الأول.
[إملاء ١٨٥]
[إطلاق البقرة والحمامة وأشباه ذلك على الذكر والأنثى]
وقال: البقرة تطلق على الذكر والنثى كقولهم: شاة وحمامة ودجاجة وأشباه ذلك. إذا ثبت هذا الإطلاق فلا يستدل على الأنثى بجري صفات المؤنث وضمائرها. فإن العرب إذا أجرت اسم الجنس المؤنث على المذكر وإن كان حقيقيا، أو أجرت اسم الجنس المذكر على المؤنث وإن كان حقيقيا، راعت اللفظ تارة والمعنى أخرى. فيقولون: ثلاثة أشخص وإن كانت نساء، وثلاث أنفس وإن كانو ذكورا، وهذا أكثر من مراعاتهم مدلوله. وأوضح دليل قوله تعالى: ﴿خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾ (١)، والمراد آدم ﵇. فأنث (واحدة) وأتى بالضمير في (منها) و(زوجها) مؤنثا مراعاة للفظ النفس لما كان مؤنثا. وقد جاء ذلك في مواضع في القرآن، وقد جاء مذكرا بعد تأنيثه في مثل قوله: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها﴾ (٢). فقوله: واحدة، ومنها، وزوجها، على التأنيث كما تقدم. وقوله: ليسكن، وتغشاها، على التذكير. وحسن ذلك وإن لم يحسن من نفس واحد، وجعل منه زوجه، حسنه لأن السكون والغشيان من صفات المذكر، فلما قوي أمر التذكير بهذا المعنى اقتضى ذلك حسن مراعاته. نعم يمكن أن يقال: إن قوله: ﴿عوان بين ذلك﴾ (٣)، ومن صفات النساء
_________________
(١) النساء: ١.
(٢) الأعراف: ١٨٩.
(٣) البقرة: ٦٨.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وهي النصف، وربما قيل: التي ولدت مرة بعد أخرى. فإذا أجري على البقرة دل على التأنيث فيها. ويمكن أن يقال إن جريه على البقرة وإن كانت أنثى مجاز لأنه من صفات النساء. وإذا أجري مجازا على البقرة الأنثى فلا بعد أن يجري مجازا على البقرة الذكر. ويقوي ذلك قولهم: حرب عوان، وحروب عون، وإن لم يكن (١) ثم ولادة أصلا. ولا (٢) بعد في جريه على البقرة الذكر مع مشابهته للأنثى في الولادة. وأما باب: طلحة وحمزة ونحوهما من الأعلام، فالمراعى فيه المدلول على المختار عند الائمة، وإن كان كثير من الكوفيين يجوز: قالت طلحة ونحوه، مراعاة للفظ. وإنما غرهم من ذلك ما تقدم من أسماء الأجناس، فظنوا أن البابين واحد. والفرق بينهما من حيث المعنى أن العلم موضوع لمعين متميز لا يحتمل غيره، واسم الجنس مماذكرناه موضوع لواحد من الأمرين من غير تعيين في أصل وضعه (٣). فلا يلزم من حسن جري صفة المؤنث على ما لم يكن وضعه لمذكر معين، فظهر الفرق بينهما من حيث الاستعمال ومن حيث المعنى. وأما البغلة فالظاهر أنه يقال: البغلة للانثى وبغل للذكر (٤)، كقولهم: حمار وجمارة، وبرذون وبرذونه، ونحوه من الأسماء. فإذا أطلقت بغلة كان واضحا
_________________
(١) في ب: تكن.
(٢) في م: فلا.
(٣) قال الزمخشري: "ومن أصناف الاسم اسم الجنس وهو ما علق على شيء وعلى كل ما أشبهه. وينقسم إلى اسم عين واسم معنى". المفصل ص٦.
(٤) في ب، س: للمذكر. والأصوب ما أثبتناه.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
في أنها أنثى، وإذا ثبت إطلاق بغلة (١) على بغل على بعده لم يقدح ذلك في ظهوره، لأن الاتيان بالتاء في هذا الباب للفرق بينه وبين المذكر، بخلاف باب بقرة فإن إلحاق التاء ثم للفرق بين الجنس والواحدة منه. ولا يستدل على التأنيث في بغلة رسول الله - ﷺ - بعد ثبوت أن البغلة للذكر مثلها في الأنثى بالتأنيث في: كانت، وفي: شهباء. لأنه حينئذ استدلال بمثل: صفراء، ولونها (٢)، في كون البقرة أنثى. على أنه قد نقل عن بعض العلماء أنه قال: سلوني عما شئتم، وكان أبو حنيفة (٣) حاضرا لا يشعر به، فقال لإنسان قل له: أذكرا كانت نملة سليمان أم أنثى؟ فلم يحر له (٤) جوابا ثم قيل لأبي حنيفة ﵀: فما كانت؟ قال: كانت أنثى بدليل التأنيث في ﴿قالت نملة﴾ (٥)، ولو كان ذكرا لقال: قال نملة (٦).
_________________
(١) كان واضحا بغلة: سقطت هذه العبارة من ب، م بسبب انتقال النظر ..
(٢) قال تعالى: ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها، قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾. (البقرة: ٦٩). .
(٣) هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت. ولد سنة ٨٠هـ. كان عالما زاهدا ورعا تقيا. وكان الشافعي يقول: الناس في الفقه عيال علىن أبي حنيفة. توفي ببغداد سنة ١٥٠هـ. انظر وفيات الأعيان ٥/ ٤٠٥.
(٤) له: سقطت من ب، د، س.
(٥) النمل: ١٨.
(٦) قال ابن الحاجب: "فقول من قال: إن قوله تعالى: ﴿قالت نملة﴾ يدل على أن النملة أنثى غير مستقيم، لجواز أن يكون التأنيث لما في لفظ نملة من التأنيث". انظر الإيضاح ١/ ٥٦٢.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
[إملاء ١٨٦]
[مسألة في الاسم الموصول]
وقال ممليا (١): لم تختلف الناس أن الاسم الموصول موصول قبل تمام الصلة. ولذلك نقول: الاسم الموصول، ويكون موصولا بعد تمام الصلة على سبيل التسمية بما كان عليه فنقول: اسم موصول. وكل اسم موصول فقياسه أن يتعرف به ما بعده قياسه على الضارب. فإن قيل: لو كانت كالألف واللام في الضارب والرجل لم يفتقر إلى أن تكون صلتها معلومة للمخاطب. ولما افتقرت إلى ذلك دل على أن التعريف حصل بغيرها. والجواب: أن ذلك لا يمنع بل هو واجب فيه أو في مثله، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن للألف واللام مدلول معين، فاشترط ذلك لتحصل لها الدلالة الموضوعة هي له. ألا ترى أن الألف واللام في الرجل مشروطة بأن يكون رجلا معهودا، لأنه لو لم يكن معهودا لم تحصل الدلا لة بها عل معين، وكذلك الضارب. فكان ذلك من مقوماتها في دلالتها على التعريف لا موانعها. والصلات في أصلها صفات للنكرات، فلما احتيج إلى جريه على المعارف أدخلوا عليه الألف واللام ليصح به وصف المعرفة. ولما كانت الجمل تقع كذلك واحتيج إلى جريها صفات على المعارف أدخلوا عليها ما تتعرف به كما أدخلوا على صارب ورجل عند قصد التعريف ما تتعرف به.
[إملاء ١٨٧]
[المانع من صرف أخر]
وقال: أخر، المانع من صرفه العدل والصفة. وأكثر الناس في تقرير
_________________
(١) بعدها في ب، د: عن الاسم الموصول.
[ ٢ / ٨٦١ ]
العدل، على أنه معدول عن الآخر (١)، إذ استعماله إنما يكون بالألف واللام أو الإضافة أو "من". ولا جائز أن يكون معدولا عن المضاف، لأن المعنى واللفظ يأباه. أما المعنى فلأن المقصود بأخر الغيرية لمن تقدمه، فلو أضيف لتغير ذلك المعنى. بخلاف أفعل التفضيل فإنه لا يتغير معناه بإضافة باعتبار التفضيل. وأما. اللفظ فلآنه لو كان كذلك لوجب بناؤه كما بني قبل وبعد. ولا يجوز أن يكون معدولا عما فيه (من) لأنه جمع، والجمع لا يكون معه (من). واعترض على ذلك أبو على، فقال ما معناه: لو كان معدولا عما فيه الألف واللام لوجب أن يكون معرفة، ولو كان معرفة لم يجز جريه على النكرة ولجاز جريه على المعرفة، والأمران ممتنعان، فتعذر أن يكون معدولا عما فيه الألف واللام. ألا ترى أن "سحر" لما كان معدولا عما فيه الألف واللام وجب أن يكون معرفة، وهو اعتراض مشكل (٢). وغاية ما يقال: إنه لا يلزم من المعدول عن الشيء أن يكون بمعناه من كل وجه، وإنما يلزم أن يكون قد أخرج عن
_________________
(١) قال سيبويه: "قلت: فما بال أخر لا ينصرف في معرفة ولا نكرة؟ فقال: لأن أخر خالفت أخواتها وأصلها، وإنما هي بمنزلة: الطول والوسط والكبر، لا يكن صفة إلا وفيهن ألف ولام، فتوصف بهن المعرفة". ثم قال: "فلما خالفت الأصل وجاءت صفة بغير الألف واللام تركوا صرفها". الكتاب ٣/ ٢٢٤. وقال ابن الحاجب: "ومنها أخر، وهو جمع الأخرى، وأخرى تأنيث آخر. وآخر من باب أفعل التفضيل، وقياس جميع بابه إذا قطع عن الإضافة أن لا يستعمل إلا باللام، فاستعماله بغير لام عدول عما فيه اللام". الإيضاح ١/ ١٣٤.
(٢) قال الرضي: "وأجيب بأنه معدول عن ذي اللام لفظا ومعنى، أي: عدل عن التعريف إلى التنكير، ومن أين له أنه لا يجوز تخالف المعدول والمعدول عنه تعريفا وتنكيرا. ولو كان معنى اللام في المعدول عن ذي اللام واجبا لوجب بناء سحر كما ذهب إليه بعضهم لتضمنه معنى الحرف. فتعريف سحر ليس لكونه معدولا عن ذي اللام بل لكونه علما". شرح الكافية ١/ ٤٢.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
صيغة كان يستحقها في قياس كلامهم إلى صيغة أخرى، وقياس هذه أن تستعمل عند عدم (من) والإضافة بالألف واللام. فلما استعملت بغيره دل على أنهم أخرجوها عن الصيغة المستحقة هي لها إلى صيغة أخرى. وإذا اعترض أن العدل بهذه المثابة لم يثبت في لغتهم فكان إثباتا لما لم يثبت مثله في لغتهم بغير دليل. فالجواب: أنه وإن لم يثبت أثبت ههنا بدليل، وهو أنه إذا لم يتقرر فيه العدل وجب أن يكون غير منصرف بعلة (١) واحدة، وذلك معلوم البطلان من لغتهم، فكان إثبات ذلك واجبا بدليل دل عليه. وقد يقال: إنه معدول عن آخر من كذا (٢)، لأن (من) إذا استعملت وجب إفراد (أفعل)، وإنما يثنى ويجمع عند عدمها، فعدل عن: أفعل من كذا، إلى صيغة الجمع الدال على مثل ما دل عليه ذلك، إذ لا فرق في المعنى بين قولك: مررت بنسوة أفضل منك، ومررت بنسوة فضل، لو قيل ذلك، إلا أنهم لا يقولونه، وإن كان هو قياس غير هذا الباب لمعنى قد ذكر في موضعه (٣). وإذا قيل ذلك اندفع الاعتراض عنه وزال القادح. وما ذكر فيما سبق من أنه لا جائز أن يكون معدولا عما فيه (من) مبني على تقدير كونه باقيا على جمعيته. ونحن لا نقدره معدولا عن ذلك، وإنما نقدره معدولا عما فيه "من" مفردا إلى لفظ الجمع بغيرها، فيندفع ذلك الإبطال على تقدير كونه معدولا عما فيه "من".
_________________
(١) في س: لعلة.
(٢) قال ابن الحاجب: "والأولى أن يكون معدولا عن آخر من كذا، لأنه قياس ما قطع عن اللام والإضافة". الإيضاح ١/ ١٣٤.
(٣) انظر: الإملاء (٥) من الأمالي القرآنية. ص: ١١٦.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
[إملاء ١٨٨]
[الواو في الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض للجمع]
وقال: الواو في الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض للجمع بين ما قبلها وما بعدها. فإذا قلت: أكرمني وأكرمك، فقد أمرت باجتماع الإكرامين كقوله:
فقلت ادعي وأدعو (١)
فقد طلبت اجتماع الدعائين. ويدل عليه تعليله بعد ذلك بقوله:
إن أندى لصوت أن ينادي داعيان
يعني: أن اجتماع الصوتين أبلغ في الاسماع. وكذلك إذا قلت: ما تأتينا وتحدثنا، فمعناه: ما يجتمع منك هذان الأمران، ولم يتعرض لنفي كل واحد على الانفراد. ولذلك لو كان يأتيه ولا يحدثه أو يحدثه ولا يأتيه صح أن يقول (٢): ما يأتينا ويحدثنا. وكذلك إذا قال: لا تأتني وتحدثني، فمعناه: لا تجمع بين هذين الفعلين كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي: لا تجمع بينهما. ولذلك لو أكل السمك على انفراده ثم بعد لك شرب اللبن ولم يجمع بينهما لم يكن مخالفا لنهيه، لأنه إنما نهاه عن الجمع ولم يجمع. وكذلك قوله:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله (٣)
_________________
(١) هذا البيت من البحر الكامل. وقد اختلف في قائله. فسيبويه نسبه للأعشى ٣/ ٤٥، وليس في ديوانه. وفيل: هو للحطيئة. انظر ديوانه- الملحقات ص ٢٧٤ (دار صادر بيروت). ونسبه الزمخشري لربيعة بن جشم، المفصل ص ٢٤٨. ونسبه ابن منظور لمدثار بن شيبان النمري، اللسان (ندى). والشاهد فيه نصب "أدعو" بإضمار أن.
(٢) في س: يقال.
(٣) هذا صدر بيت من الكامل وعجره: عار عليك إذا فعلت عظيم. وقد اختلف في قائله. فسيبويه نسبه للأخطل ٣/ ٤٢. وابن منظور نسبه لأبي الأسود الدؤلي. اللسان (عظظ) ونسبه ابن السيرافي لحسان ٢/ ١٧٨. ونسب في الحماسة البصرية للمتوكل اليثي ٢/ ١٥، انظر شعره ص٨١ (تحقيق الدكتور يحيى الجبوري). وقال البغدادي: "والمشهور أنه من قصيدة لأبي الأسود الدؤلي". الخزانة ٨/ ٥٦٧ (هارون).
[ ٢ / ٨٦٤ ]
إنما أراد أن ينهاه عن الجمع بين خلق ذميم وارتكابه، ولذلك قال:
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها (١)
يشير أنك إذا جمعت بين هذين الأمرين لم يكن نهيك بمسموع ولا مقبول، وإنما يكون مقبولا إذا نهيت وأنت على غيره، ولذلك قال:
فهناك يسمع ما تقول ويقتدى بالرأي منك وينفع التعليم
وهذه الواو معناها الجمع بين الحكمين المطلوبين أمرا ونهيا واستفهاما. وحمل النفي في الباب على النهي. وليست كالواو التي يعطف بها مفرد على مفرد مثله، فإنها لا تدل على معية ولا ترتيب. وإذا قلنا فيها للجمع المطلق، فمعناه أن المعطوف والمعطوف عليه اجتمعا في نسبة الحكم إليهما من غير تعرض لمعية ولا ترتيب. والمراد ههنا في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، الجمع بين الفعلين. فلا ينفك أن يكونا في وقت واحد، فإن الفعلين إما أن يكونا مفترقين أو مجتمعين. وإذا كانا مجتمعين لزم أن يكونا في وقت واحد، وإلا فهما مفترقان.
[إملاء ١٨٩]
[علة وقوع "أن" في خبر "عسى" دون السين وسوف]
وقال: إنما أوقعت "أن" في خبر"عسى" دون السين وسوف لأمرين: أحدهما: أنها تأول با لاسم الذي هو المصدر، والمعنى عليه، فكانت أولى مما
_________________
(١) وعجزه: فإذا انتهت عنه فأنت حكيم.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
لا يأول بذلك وهما السين وسوف. والثاني: أن "عسى" فيها معنى الانشاء، والسين وسوف مع ما بعدهما يستقلان جملة خبرية، بخلاف "أن" مع فعلها، فإنها لا تستقل جملة أصلا، فكان وقوع ما لا تكون فيه في الظاهر منافاة بينه وبين ما هو في حيزه أولى من وقوع ما بينهما المنافاة وهما الانشاء والخبر (١). أما امتناع "لا" و"لن" فواضح، لأنهما للنفي، وهذه للإثبات، وهما متنافيان.
[إملاء ١٩٠]
[حذف الفاء من جواب الشرط]
وقال: قوله:
من يفعل الحسنات الله يشكرها (٢)
الفاء محذوفة في الشذوذ لضرورة الشعر، وهو مذهب سيبويه (٣).
_________________
(١) قال أبو البركات الأنباري: "فإن قي: فلم أدخلت أن؟ قيل: لأن (عسى) وضعت لمقارنة الاستقبال، و(أن) إذا دخلت على الفعل المضارع أخلصته للاستقبال، فلما كانت (عسى) موضوعة لمقارنة الاستقبال و(أن) تخلص الفعل للاستقبال، ألزموا الفعل الذي وضع لمقارنة الاستقبال (أن) التي هي علم الاستقبال". أسرار العربية ص ١٢٧.
(٢) هذا صدر بيت من البسيط وعجزه: والشر بالشر عند الله سيان، وقد اختلف في قائله. فقد نسبه سيبويه لحسان وليس في ديوانه، الكتاب ٣/ ٦٥. ونسبه المبرد لعبد الرحمن بن حسان، المقتضب ٢/ ٧٢. ونسبه ابن السيرافي لكعب بن مالك، شرح أبيات سيبويه ٢/ ١١٤، وهو موجود في ديوانه ص ٢٨٨. وانظر: الخصائص ٢/ ٢٨١، والمقرب ١/ ٢٧٦، والرضي ٢/ ٢٥٦، وابن يعيش ٩/ ٣. والشاهد فيه حذف الفاء من جواب الشرط ضرورة وتقديره: فالله يشكرها.
(٣) الكتاب ٣/ ٦٤.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
ومذهب غيره أن الكلام فيه تقديم وتأخيره، تقديره: الله يشكرها من يفعل الحسنات. وقال سيبويه في قولهم:
إنك إن يصرع أخوك تصرع (١)
إن الكلام فيه وتأخير، تقديره: تصرع إن يصرع أخوك (٢). والفرق بينهما استقامة التقديم والتأخير ثم وامتناعه ههنا. ألا ترى أنك لو قدرت التقديم لم يخل أما أن تقدره مع الضمير اللازم تقديره في قولك: الله يشكرها، أي: منه. أو تقدر تقديمه مجردا عن ذلك، وكلا الأمرين فاسد، فكان فاسدا. بيان الأول: أنه لو كان التقدير: الله يشكر الحسنات من فاعل الحسنات (٣)، لكان ذكر "من" لا معنى له، إذ قد تقدم ذكر الفاعل. ولذلك لو قلت: أنا أكرم المكرم لي من يكرمي، لم يجر. وإن قدرته مجردا عنه كان أبعد لأنك ذكرت ما لايدل على الجواب في المعنى لتجردها عن الضمير المصحح، بخلاف مجرد الشرط فإنه لا يحتاج إلى ذلك، ولا يمنع من ذكره
_________________
(١) هذا عجز بيت من الرجز وصدره: ياأقزع بن حابس يا أقرع. وهو من شواهد سيبويه ٣/ ٦٧، ونسبه لجرير بن عبد الله البجلي. والمقتضب ٢/ ٧٢، والإنصاف ٢/ ٦٢٣، والمقرب ١/ ٢٥٦، والخزانة ٣/ ٣٩٦، ونسبه لعمرو بن خثارم البجلي. وأقرع بن حابس هو من الصحابة. والأجوزة التي منها البيت المذكور قيلت في الجاهلية قبل إسلامه. وذكر البغدادي المناسبة التي قيلت فيها. والشاهد فيه تقديم (تصرع) في النية مع تضمنها للجواب. وهذا من الضرورة لأن من حق حرف الشرط أن يجزم الآخر لأنه جزم الأول.
(٢) انظر: الكتاب ٣/ ٦٧.
(٣) فاعل الحسنات: سقطت من د.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
ذكر الفاعل متقدما. ألا ترى أنك لو قلت: الله يشكر الحسنات إن فعلت أو إن فعلها الناس، كان صحيحا.
[إملاء ١٩١]
[الكلام في قولهم: ليس الطيب إلا المسك]
وقال: إن قيل في قولهم: ليس الطيب إلا المسك (١): إذا جعلتم في "ليس" اسمها مضمرا فيها ضمير الشأن والقصة (٢)، والجملة بعده مفسرة له، فالجملة هي التي تستقل بالإفادة. ولو قلت: الطيب إلا المسك، لم يجز، فكيف صح أن تقع الجملة مفسرة على هذا التقدير؟. فالجواب: أن الجملة المذكورة مفسرة لما قبلها مثبتا كان أو منفيا، وما نحن فيه كذلك. ألا ترى إلى قوله:
وليس منها شفاء الداء مبذول (٣)
_________________
(١) قال ابن هشام: "فإن بني تميم يرفعونه حملا لها على ما في الإهمال عند انتقاض النفي، كما حمل أهل الحجاز ما على ليس في الإعمال عند استيفاء شروطها، حكى ذلك عنهم أبو عمروبن العلاء، فبلغ ذلك عيسى بن عمر الثققيفجاءه فقال: يا أبا عمرو ما شيء بلغني عنك؟ ثم ذكر له، فقال له أبو عمرو: نمت وأدلج الناس، ليس في الأرض تميمي إلا وهو يرفع، ولا حجازي إلا وهو ينصب. ثم قال لليزيدي، ولخلف الأحمر: اذهبا إلى أبي مهدي فلقناه الرفع فإنه لا يرفع، وإلى المنتجع التميمي فلقناه النصب فإنه لا ينصب، فأتياهما وجهدا بكل منهما أن يرجع عن لغته فلم يفعل، فأخبرا أبا عمرو وعنده عيسى، فقال له عيسى: بهذا فقت الناس". انظر: مغني اللبيب ١/ ٣٢٦ (دمشق).
(٢) أجازه أبو على الفارسي. مغني اللبيب ١/ ٣٢٦ (دمشق).
(٣) هذا عجز بيت من البسيط وصدره: هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها. وقائله هشام أخو ذي الرمة كما قال سيبويه ١/ ٧١. وهو من شواهد المقتضب ٤/ ١٠١، والهمع ١/ ١١١، والغني ١/ ٣٢٧ (دمشق)، وابن يعيش ٣/ ١١٦.
[ ٢ / ٨٦٨ ]
أن معناه: ليس الحديث، كذلك ما نحن فيه. والمستثنى منه في هذه وأشباهها محذوف، تقديره: ليس الحديث الطيب شيئا من الأشياء إلا المسك. وينبغي أن يقدر بشيء يصح منه الإخراج.
[إملاء ١٩٢]
[العامل في "إذا و"متى"]
وقال: اختلف الناس في العامل في "إذا" و"متى". فقيل (١): العامل فيهما فعل الشرط، وقيل: العامل في "إذا جواب الشرط، وفي "متى"ن الشرط، وهذا قول أكثر المحققين (٢). فوجه من قال: إن العامل في "إذا" و"متى" فعل الشرك فلأن الشرط والجزاء جملتان، ولا يستقيم عمل الجزاء في اسم الشرط لأنه يؤدي إلى أن يصير جملة واحدة، لأنه إذا كان ظرفا له كان من تتمته، ولا يكون جملة ثانية. ووجه من قال: إن العامل جواب الشرط، هو: أن هذه الأسماء مضافة في المعنى إلى شروطها، وإذا كانت مضافة استحال عمل المضاف إليه في المضاف لئلا يؤدي إلى أن يكون عاملا معمولا من جهة واحدة، وإذا بطل أن يكون العامل الشرط تعين الجزاء (٣).
_________________
(١) في الأصل وفي ب: فقال. والصواب ما أثبتناه.
(٢) سبق للمؤلف أن تحدث عن هذه المسألة في الإملاء (١٦) والإملاء (٤٩) من الأمالي القرآنية. ص:١٣١، ١٨٥.
(٣) وقد ذكر ابن هشام أمورا في الرد على أصحاب هذا القول، منها: أن الشرط والجزاء عبارة عن جملتين تربط بينهما الأداة، وعلى قولهم تصير الجملتان واحدة، لأن الظرف عندهم من جملة الجواب، والمعمول داخل في جملة عامله. ومنها: أنه يلزمهم في نحو: إذا جئتني اليوم أكرمتك غدا، أن يعمل (أكرمتك) في ظرفين متضادين، وذلك باطل عقلا. ومنها: أن الجواب ورد مقرونا بـ (إذا) الفجائية وبالحرف الناسخ، وكل منهما لا يعمل ما بعده فيما قبله، نحو: إذا جئتني اليوم فإني أكرمك. انظر مغني اللبيب ١/ ١٠١ (دمشق).
[ ٢ / ٨٦٩ ]
ووجه من قال: إن العامل في "إذا" جواب الشرط وفي "متى" الشرط وهو قول أكثر الناس قوة توهم الإضافة في "إذا" وضعفه في "متى"، لأنه لما رأى أن "إذا" لا تكون إلا للوقت المعين توهم وجوب الإضافة ليحصل التعيين كقولك: إذا طلعت الشمس آتيك، كأنك قلت: حين تطلع الشمس آتيك. ولما رأى أن "متى" للوقت المبهم لم يقو عنده وهم الإضافة، فكان العامل الشرط. والصحيح أن العامل الشرط فيهما جميعا. وما توهم من الإضافة في "إذا" وانتفائه في "متى" أو فيهما جميعا غير صحيح. أما توهمه في "متى" فبعيد، لأنها ليست لتعيين فيتوهم ذلك، وإنما هي للابهام، ولأنه قد ثبت: أي رجل تكرم فإني أكرمه، بنصب "أي" والعامل الشرط باتفاق، فوجب أن يكون ذلك كذلك. وما توهمه في "إذا" دون "متى" فليس بمستقيم، لأنه لا يلزم من تعيين شرطها إضافتها إليه، لأنا لسنا نعنى بالتعيين إلا أنه لازم أن يكون واقعا، لا أن الظرف يقتضي أن يكون مضافا إليه، فلم يلزم من كونه معينا إضافة الظرف إليه. وإذا لم يلزم ذلك كان كـ "متى" في تقدير أن يكون مضافا وأن لا يكون مضافا. وإذا كانا سواء في صحة التقدير، ومنع من أحد التقديرين مانع وجب الرجوع إلى الآخر، وبيان المانع من أحد التقديرين وهو الإضافة من وجهين: أحدهما: أنه لو كان مضافا لتعين الجزاء للعمل، ولو تعين الجزاء للعمل لوجب أن يكون جملة واحدة، وقد ثبت أنهما جملتان. وإنما التزم ذكرهما لربط الشرط بينهما وعلى تقدير أن يكون الجزاء عاملا لا يكون جملتين فلا يكون الربط لأجل الشرط، وإنما يكون لأجل عمل الجزاء في ظرفه. والوجه الثاني هو: أنه لو كان مضافا لم يكن للظرف عامل في كثير من المواضع كقولك: إذا
[ ٢ / ٨٧٠ ]
أكرمتني فإني أكرمك، أو إذا أكرمتني اليوم أكرمتك غدا. ألا ترى أن قولك: فإني أكرمك، لا يستقيم عمله فيما قبله، لأن ما في حيز الفاء لا يعمل فيما قبلها. وفي المسألة الثانية لو كان العامل الجزاء لأدى إلى خلاف المعقول، لأن اليوم مبين لـ "إذا" وغدا ظرف للجزاء، فلو جعل عاملا في "إذا" وقد تعين أن يكون اليوم وجب أن يكون الغذ هو اليوم، وذلك باطل. وإذا تقرر ذلك ثبت أن العمل في أسماء الشروط كلها لفعل الشرط لا الجزاء. فأما في "إذا" فلا إشكال، لأنها لا عمل لها في الشرط لا باعتبار خفض الموضع ولا باعتبار جزم اللفظ، لأنا قد بينا أنها غير مضافة، وقد ثبت أنها في اللغة الفصيحة لا عمل لها في الفعل. تقول: إذا تكرمني أكرمك، والجزم ضعيف (١)، وهو على ضعفه الكلام فيه كالكلام في "متى" في كونها عاملة في الفعل، والفعل عامل فيها. وأما في الأسماء الجازمة فهي وإن كانت جازمه للشروط فلا يمنع عمل الشروط فيها، بخلاف تقدير كونها مضافة، لأنها إذا كانت مضافة كانت معمولة عاملة من وجهين. ألا ترى أن عملها الجزم ليس من جهة اسميتها وظرفيتها ولكن من جهة تضمنها حرف الشرط، وكونها معمولة للفعل ليس من جهة تضمنها معنى الشرط، ولكن من جهة اسميتها وظرفيتها. فالوجه الذي عملت به في الفعل غير الوجه الذي كانت معمولة به له.
_________________
(١) مثل ذلك ما ذكره ابن هشام في الغني ١/ ٩٣ (محيي الدين) وهو قول الشاعر: استغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتجمل
[ ٢ / ٨٧١ ]
[إملاء ١٩٣]
[إعراب جملة مشكلة]
وسئل رحمه لله عن قوله: من كان من كان من كان أبواه فيه راغبان أخواه جاريتاه أبواهما منطلق أخواهما. فأجاب بخط يده وهي هذه منقولة منها بالقاهرة سنة ثلاث عشرة وستمائة رابع جمادى الأولى: "من" الأولى مبتدأ موصولة، صلتها "كان" وما عملت فيه، وهي التي فيها ضمير الشأن، وإلا وجب نصب "جاريتاه" لأنها خبر في المعنى "لـ"من" الثانية، وخبر "من" الأولى: أبواهما منطلق أخواهما، وهو مبتدأ و"منطلق" خبره (١)، و"أخواهما" فاعل لـ "منطلق"، والعائد على "من" الأولى الضمير المخفوض في "جاريتاه" باعتبار الصلة، وهو صاحب الجاريتين، وهو لاثنين على المعنى بدليل الضمير العائد عليهما من أبواهما. و"من" الثانية موصولة مبتدأ عبر بها عن جاريتين. لأن لفظها صالح للواحد والاثنين والجميع (٢) والمذكر والمؤنث، فلذلك أخبر عنه بقوله: جاريتاه. والضمير العائد عليه المخفوض في "أخواه" على اللفظ لا على المعنى، فهما أذن أختا اللذين أبواهما فيهما راغبان، لأنه قد أخبر بأنهما للجاريتين بدليل إضافة الأخوين إليهما. وإذا كانا أخواهما كانتا أختيهما. وصلة "من" الثانية مثل ما ذكرناه في "من" الأولى في أن "كان" التي بعدها وما عملت فيه هو الصلة. و"من" الثالثة موصولة مبتدأ عبر بها عن الأخوين، ولذلك أخبر عنه بقوله: أخواه، على اللفظ أيضا، وهما أخوا الجاريتين لأنهما أضيفا إلى الضمير الذي يعود على "من" الثانية، وهي أيهما بدليل الإخبار عنه بهما.
_________________
(١) في م: خبر.
(٢) في س: والجمع.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
فعلى هذا تكون "من" الأولى مبتدأ، والثانية مبتدأ ثانيا، والثالثة مبتدأ ثالثا. و"أخواه" خبر الثالثة، و"كاريتاه" خبر الثاني، و"أبواهما منطلق أخواهما" خبر الأولى، وصلة الثالث: كان أبواه فيه راغبان. وصلة الثاني: [كان] (١) من كان أبواه فيه راغبان أخواهما. وصلة الأولى: كان من كان [من كان] (٢) أبواه فيه راغبان أخواه جاريتاه، وهو منتهى كمال هذا المبتدأ. ثم أخبر عنه بقوله: أبواهما منطلق أخواهما. فالأول هو صاحب الجاريتين وهما اثنان على ما تقدم، وهما اللذان انطلق عمهما وخالهما، لأنه أخبر عنهما بأنهما اللذان أنطلق أخوا أبويهما، وأخوا الأبوين العم والخال. والثاني: الجاريتان (٣) وهو لاثنين على ما تقدم، وهما اللتان كان الرجلان اللذان أبواهما فيهما راغبان أخواهما، فهما أختا هذين الرجلين. والثالث: الأخوان (٤) اللذان (٥) أبواهما فيهما راغبان، وهما أخوا الجاريتين على ما تقدم. ولو جيء بالضمائر على المعنى لقيل: من كان من كان أبواهما فيهما راغبان أخواهما جاريتاهما أبواهما منطلق أخواهما. وفيما تقدم بيان ذلك.
_________________
(١) كان: زيادة من د.
(٢) من كان" زيادة من ب، س.
(٣) في الأصل: الجاريتين، وفي س: للجاريتين.
(٤) في الأصل: الأخوين. وفي ب: للأخوين.
(٥) في الأصل: اللذين، وكذلك في ب.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
[إملاء ١٩٤]
[المسألة الزنبورية]
وقال: قولهم: كنت أظن أن الزنبور أشد لسعة من العقرب فإذا هو هي وإذا هو إياها (١). وجه من قال: فإذا هو هي، أن "إذا" للمفاجأة ولا يقع بعدها إلا الجملة الابتدائية، فوجب أن يرتفع الاسمان بعدها لأنهما مبتدأ وخبر، كقولك: خرجت فإذا زبد قائم. فإن قلت: فـ "قائم" يجوز نصبه عل أن يكون خبر المبتدأ محذوفا، وهو حال من الضمير المقدر في الخبر المحذوف. أما كون الخبر يكون محذوفا بعد "إذا" المفاجأة إذا كان عاما فلا إشكال، لثبوت قولهم: خرجت فإذا السبع. وإذا ثبت جواز حذفه وجب تقدير: ثابت وموجود. وإذا وجب تقدير: ثابت وموجود، وجب أن يكون فيه ضمير، وإذا وجب أن يكون فيه ضمير وجب أن ينتصب عنه حال باتفاق، كما انتصب عن المضمر المحذوف في قولك للمسافر: راشدا مهديا، ومصاحبا معافى، وأشباه ذلك. فالجواب: أن هذا إنما يصح فيها يمكن أن يجعل حالا. وأما إذا كان الاسم الثاني معرفة فلا يصح أن يقع حالا لاسيما إذا كان مضمرا. ومسألتنا كذلك، ألا ترى أنك لو جعلت الثاني حالا لوجب أن تقول: فإذا هو إياها، فيكون المضمر (٢) حالا، وهو ممتنع، فهذا تقدير وجه الرفع في الثاني.
_________________
(١) ويطلق عليها المسالة الزنبورية. وقد وقعت هذه المناظرة بين الكسائي وسيبويه فقال سيبويه: فإذا هو هي، وقال الكسائي فإذا هو إياها. ووجه الكلام ما قاله سيبويه. قال تعالى: ﴿فإذا هي حية﴾، ﴿فإذا هي بيضاء﴾. انظر الإنصاف في مسائل الخلاف ٢/ ٧٠٢، ومغني اللبيب ١/ ٩٣ (دمشق).
(٢) في د: الضمير.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
وأما وجه من قال: فإذا هو إياها، فإنه يقدر الخبر محذوف أيضا، ويجعل "إياها" حالا على حذف مضاف، فيكون المضاف المحذوف وهو الحال في المعنى مقدرا بـ "مثل"، و"مثل" إذا أضيفت لفظا أو تقديرا لا توجب تعريفا، فكأنه قال: فإذا هو مثلها، فقدر الخبر محذوفا كما قدر في قولك: فإذا زيد قائما، ونصب "مثلها" عل الحال كما نصب "قائما" على الحال من المضمر المقدم ذكره، ثم حذف المضاف الذي هو "مثل"، وأفما المضاف إليه مقامه فوجب إعرابه، فوجب الاتيان بالضمير المنصوب، فصار اللفظ لفظ الضمير المنصوب، والمراد في المعنى المضاف المحذوف الذي هو "مثل"، وهذه تشبه قولهم: قضية ولا أبا حسن لها (١)، فإن التقدير: ولا مثل أبي حسن، والمعنى عليه، فحذف "مثل" وأقيم المضاف إليه مقامه، فوجب إعرابه بإعرابه وهو النصب، فانتصب لا نتصاب المضاف المحذوف لأنه معمول لـ "لا" مباشرة (٢) فيتوهم الا متناع من حيث إن "لا" دخلت على معرفة منصوبة، فإذا قدر هذا التقدير ارتفع هذا الاشكال، فكانت (٣) "لا" داخلة على نكرة على بابها، ولم يبق إلا حذف مضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، ولا بأس بذلك إذا كان ذلك (٤) معلوما، فكذلك ههنا يتوهم أن "إياها" هو المراد بالحال فيمنع لا متناع أن يقع الحال مضمرا، فإذا قدر "مثل" مضافا هو الحال في المعنى حذف وأقيم المضاف إليه مقامه ساغ ذلك كما في قولهم: ولا أبا حسن لها، فثبت أنهما سائغان.
_________________
(١) أي: قضية ولا عالم بها، فدخل علي ﵁ فيمن يطلب لهذه المسألة. انظر سيبويه ٢/ ٢٩٧. والمقتضب ٤/ ٣٦٣.
(٢) في ب، د: مبارشرا. والصواب ما أثبتناه.
(٣) في ب، د: وكانت.
(٤) ذلك: سقطت من س.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
والوجهان جيدان، وأقواهما الأول لما في الثاني من كثرة التقديرات والخروج عن الظاهر (١).
[إملاء ١٩٥]
[الجواب عن إيراد على تنوين التنكير]
وقال: أورد على قولنا (٢): "إن التنوين في رجل ليس بتنوين تنكير"، لأنه لو سمي به فالتنوين باق على حاله، أنه سمي بـ "صه". فقال: لا يخلوا إما أن يسمى بـ"صه" المعرفة أو النكرة، فإن كان الأول صار علما ولا يرد إذن. وإن كان الثاني فلا يخلو إما أن تحكيه. فإن حكيته ثبت فيه التنوين محكيا، وهو على كسره. فتقول: هذا صه ورأيت صه، ومررت بصه، كما لو سميت بسيبويه منونا فإنك تحكيه بهذا التنوين، وهو تنوين تنكير (٣). وإن لم تحكه عاملته معاملة اسم على حرفين، وأعربته ودخل عليه تنوين التمكين (٤) ما لم يكن علتان، ففيه نظر. فإن كانت فيه علتان احتمل أن يقال: يجرى محرى هند ودعد لخفته (٥)، واحتمل أن يقال: مصروف لا غير، لأنه
_________________
(١) وهناك توجيهات أخرى في المذهب الثاني، أعني النصب، ذكرها ابن هشام، منها: أن ضمير النصب استعير مكان ضمير الرفع، ونسبه لا بن مالك. ومنها: أنه مفعول به، والأصل: فإذا هو يساويها، ثم حذف الفعل فانفصل الضمير، ونسب هذا الوجه لابن مالك أيضا. ومنها: أنه مفعول مطلق، والأصل: فإذا هو يلسع لسعتها، ونسبه للشلوبين عن الأعلم. انظر مغني اللبيب ١/ ٩٦ (دمشق).
(٢) انظر الإيضاح في شرح المفصل ٢/ ٢٧٧.
(٣) وهو التنوين اللاحق لبعض الأسماء المبنية فرقا بين معرفتها ونكرتها. ويقع في باب اسم الفعل بالسماع كصه، وفي العلم المختو بويه بقياس نحو: جاءني سيبويه وسيبويه آخر. انظر مغني اللبيب ١/ ٣٧٦ (دمشق).
(٤) وهو اللاحق للاسم المعرب المنصرف إعلاما ببقائه على أصله كرجل وزيد.
(٥) أي: يجوز فيه الصرف وعدمه لأنه ثلاثي ساكن الوسط.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
[إملاء ١٩٦] [كتابه الجزء]
أخف من باب هند، وليس لهذا أصل يرجع إليه حتى يحمل عليه. فيقال: إن كان ساكن الأوسط فهو مثل هند ودعد، وإن كان متحركه فهو مثل سقر (١). وإنما يمكن أن يقال ذلك في مثل دم ويد وأخ إذا اتفق فيه علتان. ويمكن أن يقال ما قيل أولا.
[إملاء ١٩٦]
[كتابه الجزء]
وقال: الجزء فيه لغتان: إحداهما: ضم الزاي (٢)، والثانية: إسكنها. فإذا ضمت وكان مفردا كتب في الرفع والجر بالواو من غير زيادة، وفي النصب بالواو والألف. فإن اتصل به ما تكون به متوسطة كتب في الرفع والنصب بالواو، وفي الجر بالياء على الأكثر وبالواو على الأقل، كقولك: هذا جزؤك ورايت جزؤك ومررت بجزئك. وإذا سكنت زايه كتب في الإفراد في الأحوال كلها بغير صورة الهمزة. إلا أنه يكون في النصب بألف عوضا من التنوين إن كان منونا. فإن توسط ففيه وجهان: أحدهما: أن يكتب للهمزة صورة، وهو مذهب المتقدمين. والثاني: أن لا يكتب، وهو مذهب المتأخرين، وهو القياس. فإذا كتبت صورة كتبتها على حسب حركتها واوا في الضم وألفا في النصب وياء في الجر. وإذا كتبتها بغير صورة فلا إشكال.
_________________
(١) أي: يمنع من الصرف. لأن سقر ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث، لأن فيه تاء مقدرة، ولقيام حركة الوسط مقام الحرف الرابع.
(٢) في د: الثاني.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
[إملاء ١٩٧]
[الكلام على قول لابن جني في التنوين]
وقال: قول ابن جني في اللمع (١): "وهو الواحد النكرة"، لما قال: "ودخل التنوين الكلام علامة للأخف عليهم والأمكن عندهم" ظاهر كلامه أنه يفسر محل هذا التنوين بما هو كالحد له، فذكر أمرا لا يطرد ولا ينعكس. أما كونه (٢) لا يطرد فهو أن "أحمر" و"آخر" نكرة ولا يوجد فيه هذا التنوين، فقد وجد الحد ولا محدود، ولا معنى لعدم الطرد غير (٣) ذكل. ولا ينعكس لأن "زيدا" ليس بواحد نكرة ومع ذلك فيه تنوين التمكين، فقد انتفى الحد مع ثبوت المحدود، وهو معنى عدم العكس.
[إملاء ١٩٨]
[الكلام على قول لابن جني في الجمع المكسر]
وقال: قول ابن جني: "الجمع المكسر هو ما تغير فيه نظم الواحد وبناؤه" (٤). إن أراد بالنظم والبناء معنى واحد وقع أحدهما مكررا. وإن أراد بأحدهما كونه على هيئة باعتبار ترتيب الحروف فهو غير مستقيم لأن ذلك لا يتغير في الجمع أبدا، فوجب أن لا يكون الجمع معرفا بتغيره لتعذره. ألا ترى أنك إذا قلت: فرس، فلا يتغير ترتيب حروفه باعتبار الجمع. فإنك إذا قلت: أفراس،
_________________
(١) ص ١٢.
(٢) في س: أنه.
(٣) في س: إلا.
(٤) اللمع ص٢٢. وعبارة ابن جني: وهو كل جمع تغير فيه نظم الواحد وبناؤه.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
فالفاء والراء والسين على ما كانت عليه في المفرد باعتبار الترتيب، فدل على أن هذا المعنى لا يستقيم إرادته. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد بتغير نظم الواحد أن تأتي حروف في الجمع بين حروف المفرد فيتغير النظم عما كان عليه أو ينقص، فمثال الزيادة قولك: قدح وأقدح، ومثال النقصان: كتاب وكتب، ويكون تغيير بنائه لتغير الصيغة بالحركة والإسكان خاصة؟ فالجواب: أن تغير البنية يغني عنه. ألا ترى أن كل ما تغير نظمه بالتفسير المذكور فقد تغير بناؤه. فإن قدحا إذا نقل إلى قداح (١) لا يمكن أن يقال تغير نظمه ولم يتغير بناؤه، وإذا كان كذلك فذكر البناء وحده كاف.
[إملاء ١٩٩]
[الكلام في اسم مصغر]
وقال: قوله - ﷺ - (٢): " أبيني لا ترموا جمرة العقبة". الأولى أن يقال: إنه تصغير بني مجموعا، وكان أصله بنيي، لأنه بنيون أضفته إلى ياء المتكلم فصار بنيوي في الرفع وبنيي في النصب والجر فوجب أن تقلب الواو ياء وتدغم على ما هو قياسها في مثل قولك: ضاربي، وكذلك النصب والجر، ولذلك كان لفظ "ضاربي" في الأحوال الثلاث سواء. كرهوا اجتماع الياءات والكسرة فقلبوا اللام إلى موضع الفاء فصار: وبيني، قلبوا الواو همزة فصار: أبيني. وليس في هذا الوجه إلا قلب اللام إلى موضع الفاء، وهو قريب لما ذكرناه من الاستثقال، وقلب الواو المضمومة همزة وهو جائز قياسا (٣). وهذا أولى من قول من يقول:
_________________
(١) في س: أقداح.
(٢) رواه النسائي (حج: ٢٢٢)، وأبو داود (مناسك:٦٦).
(٣) انظر المفصل ص ٣٦١.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
إنه تصغير أبناء، رد إلى الواحد وروعي مشاكلة الهمزة. لأنه لو كان تصغيره لقيل: أبينائي، ولم يرد إلى الواحد لأن أفعالا من جمع القلة فيصغر من غير رد كقولك: أجيمال. وهو أيضا أولى من قول من قال: إنه جمع أبنى مقصور على وزن أفعل، اسم جمع للأبناء، صغر وجمع بالواو والنون لأنه لا يعرف ذلك مفردا، فلا ينبغي أن يحمل الجمع عليه، ولأنه لا يجمع "أفعل" اسما جمع التصحيح (١).
[إملاء ٢٠٠]
[علة منع "الذي" من الجزم إذا تضمنت معنى الشرط]
وقال: إن قيل لم جزمت "متى" وشبهها ولم تجزم "الذي" إذا تضمنت معنى الشرط في قولهم: الذي يأتيني فله درهم؟ فالجواب: أن "الذي" وضعت وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، فأشبهت لام التعريف، فكما أن لام التعريف لا تجزم فكذلك الذي. الآخر: أن الجملة التي توصل بها لا بد أن تكون معلومة للمخاطب، والشرط لا يكون إلا مبهما. الآخر: أن "الذي" مع ما يوصل به اسم مفرد، والشرط مع ما يقتضيه كلمتان مستقلتان.
[إملاء ٢٠١]
[العلة في عدم كون المصدر مع فاعله جملة]
وقال: إنما كان الفاعل مع فعله جملة ولم يكن المصدر مع فاعله جملة؛
_________________
(١) انظر سيبويه ٣/ ٦٤٤.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
لأنك إن جعلته جملة باعتبار كونه مبتدأ وخبرا كان فاسدا؛ لأن الغرض في كونه رافعا فاعلا. وأيضا فإنه لا يستقيم لأنك إن جعلت "ضرب" مبتدأ تعذر الخبر بزيد، وإن جعلت زيدا مبتدأ تعذر الخبر بضرب، إذ زيد لا يكون ضربا، ويؤدي إلى أن يكون المبتدأ نكرة من غير شرط (١). أو إلى أن يكون "عمرا" منصوبا بمصدر مفصول بينه وبينه بأجنبي وهو زيد الذي قدر مبتدأ. ولا يستقيم أن يكون جملة باعتبار كونه فعلا وفاعلا. إذ المصدر ليس بفعل، وقد ثبت أنه لا يكون جملة إلا من مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل، وهذا ليس واحد منهما.
[إملاء ٢٠٢]
[جواز إلغاء العامل الداخل على المتبدأ والخبر إذا زيد معه حرف]
وقال: إذا زيد حرف مع عامل داخل على مبتدأ وخبر جاز إلغاء ذلك العامل وجاز اعتباره مثل قولهم: إنما زيد قائم. ولم يجر (٢) ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ (٣). والفرق هو: أن في المسألة الأولى حيث جاز الوجهان لأنه ثم إذا لم يعتبر العامل رجع الكلام إلى أصله الذي كان عليه، وليس كذلك ههنا، فإنه لا جهة
_________________
(١) لا يجوز أن يكون المبتدأ نكرة إلا إن حصلت به فائدة كأن يخبر عنه بمختص مقدم، ظرف أو مجرور كقوله تعالى: ﴿ولدينا مزيد﴾، أو يتلو نفيا نحو: ما رجل قائم، أو استفهماما كقوله تعالى: ﴿أإله مع الله﴾، أو يكون موصوف كقوله تعالى: ﴿ولعبد مؤمن﴾، أو يكون عاملا عمل الفعل كقوله - ﷺ -: "أمر بمعروف صدقة". انظر أوضح المسالك ا/ ٢.٣، والإملاء (١٥٢) من الأمالي المطلقة. ص: ٨٣٢.
(٢) في م، س: يجز.
(٣) آل عمران: ١٥٩.
[ ٢ / ٨٨١ ]
[إملاء ٢٠٤] [الوقف الحسن]
إلا إعمال الجار، فلو لم نحكم على "ما" بالزيادة لبقي المجرور ولا جار. والله الموفق للصواب.
[إملاء ٢٠٣]
[العلة في عدم كون الفاعل جملة]
وقال ممليا: إنما لم يكن الفاعل جملة لأنه محكوم عليه، والمحكوم عليه لا يكون إلا مفردا، بخلاف الأحكام فإنه يعبر عنها بالمفرد تارة والجملة أخرى. وإنما كان ذلك لا تساعهم في الأحكام. ألا ترى أنهم وضعوا جملة باب الأفعال مشروطة بأن تكون أحكاما لغرض الا تساع فيها والا ختصار، ولم يوضع المحطوم عليه ذلك الوضع. ومن ثم لم يقع الفاعل ولا المبتدأ جملة إلا إذا قصد به نفس اللفظ فيكون حينئذ كالمفرد في الحكم كقولك: زيد قائم، جملة اسمية، وما أشبه ذلك. وقولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه (١)، المراد: أن تسمع (٢)، نصبت أو رفعت.
[إملاء ٢٠٤]
[الوقف الحسن]
وقال ممليا: الوقف الحسن هو الوقف على كلام مستقل بعده جملة مستقلة بينها وبين ما قبلها ربط لا يمنع الا ستقلال (٣). وقد فرق بعضهم بين الحسن والكافي (٤)، فجعل ما تقديم هو الكافي،
_________________
(١) يضرب هذا المثل لمن خبره خير من مرآه. ويقال: إن أول من قاله المنذر بن ماء السماء انظر: مجمع الأمثال للميداني ١/ ١٢٩، وسيبويه ٤/ ٤٤.
(٢) لأجر أن يكون المصدر المؤول في محل رفع مبتدأ، وخير خبره.
(٣) مثل الوفق على بسم الله، وعلى المحمد لله.
(٤) يكثر في الفواصل، وما بعده كلام مستغن عما قبله لفظا وإن اتصل معنى. انظر النشر في القراءات العشر ١/ ٢٢٦.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
وجعل الحسن الوقف على كلام (١) مستقل وما بعده غير مستقل، مثل قوله: الحمد لله، وشبه. وعلى ذلك فلا يستقيم على قول هؤلاء الوقف على الحسن تعمدا.
[إملاء ٢٠٥]
[شرط القرينة المفسرة للمحذوف]
وقال ممليا: المشترط في القرينة المفسرة للمحذوف في مثل قوله: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ (٢)، أن تكون في كلام واحد وجملة واحدة حتى لا يرد قوله تعالى: ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال﴾ (٣). فإن قائلا لو قال: إن حذف الفعل ثم واجب، لم يكن مستقيما، لأن الفعل ههنا لو ظهر لكان جائزا، والقرينة الظاهرة والمقدرة جملتان. فإذا قيدنا بما ذكرنا انتفى هذا (٤) الإشكال بالكلية.
[إملاء ٢٠٦]
[اسم "لا" النافية للجنس إذا كان مفردا ليس معربا]
وقال: نقل بعض الطلبة عن سيبويه أنه قال: لا رجل في الدار، معرب (٥). قلت: لا يخلو هذا الاسم الواقع بعد "لا"، والكلام في غير
_________________
(١) كلام: سقطت من ب.
(٢) التوبة: ٦.
(٣) النور: ٣٦.
(٤) هذا: سقطت من س.
(٥) قال سيبويه: "و(لا) تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين. ونصبها لما بعدها كنصب (إن) لما بعدها، وترك التنوين لما تعمل فيه لازم لأنها جعلت وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد نحو: خمسة عشر". الكتاب ٢/ ٢٧٤. قال الرضي: "والفتحة في: لا رجل، عند الزجاج والسيرافي إعرابية خلافا للمبرد والأخفش وغيرهما" ١/ ٢٣٥. والذي يظهر من كلام سيبويه أن ما بعد "لا" مبني وليس معربا. فما نقله عنه بعض الطلبة كما ذكر ابن الحاجب غير صحيح.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
المضاف والمشبه به، إما أن يكون معربا أو لا. فإن كان معربا لم يخل إما أن يكون منصرفا أو غير منصرف. لا جائز أن يكون غير منصرف لأن الاسم الذي لا ينصرف لابد فيه من علتين، ولا علتين، فلا منع صرف، تعين القسم الآخر. وإذا كان كذلك وجب دخول التنوين ضرورة أن المنصرف السالم الآخر يدخله الحركات الثلاث والتنوين. وقول الناقل: إن "لا" لما كانت فرع الفرع سوغ لذلك حذف التنوين، غير قادح.
[إملاء ٢٠٧]
[الجواب عن إيراد على إطلاق "ما" و"من"]
وقال: (ما) لما لا يقل كثيرا، وقد جاءت لمن يعقل (١) قليلا. و"من" لمن يعقل كثيرا ولغيره (٢) قليلا. وأورد عليه أنه قد قيل: سبحان ما سخر كن لنا، وسبحان ما سبح الرعد بحمده، وهي مطلقة على الباري وليس واحد من القبيلين. والجواب: أنا ما أردنا بقولنا: يعقل، إلا يعلم، ولذلك قال بعض النحويين بل أكثرهم: وهي تختص بأولي العلم. وأما: سبحان ما سخر كن لنا،
_________________
(١) كقوله تعالى: ﴿سبح لله ما في السموات وما في الأرض﴾ وقوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾.
(٢) كقول امرئ القيس: ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
[ ٢ / ٨٨٤ ]
وسبحان ما سبح الرعد بحمده، فإنه لما كانت ذات الباري غير معلومة الحقيقة صارت مبهمة بهذا الاعتبار. والعرب إذا كان الشيء مبهما أو أرادوا أن يبهموه أتوا فيه بلفظ "ما". ألا ترى أنك تقول لشبح رفع لك من بعيد لا تشعر به: ما ذاك؟، فإذا شعرت أنه إنسان قلت: من ذاك؟. وقوله ﷿: ﴿لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ (١). أما الأول فجاء على ما تقرر (٢). وأما الثاني فعنه جوابان: أحدهما: أنه على سبيل المقابلة. والثاني: على ما تقرر في: سبحان ما سخركن لنا (٣). و"من" لمن لا يعقل في قوله: ﴿والله خلق كل دابة﴾ (٤) الآية فأتى بتفصيل هذه الكلية التي دلت على العموم.
[إملاء ٢٠٨]
[قول لا بن الخشاب والجواب عنه]
وقال ممليا: قال ابن الخشاب النجوي (٥): لا يقال ذات الله، لأن ذات بمعنى صاحبة، ولا يقال: صاحبة الله.
_________________
(١) الكافرون: ٣،٢.
(٢) لأن آلهتهم لا تعقل.
(٣) أي: إن ذات الباري غير معلومة الحقيقة فصارت مبهمة بهذا الاعتبار.
(٤) النور: ٥٤. والآية بتمامها: ﴿والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير﴾.
(٥) هو عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر أبو محمد بن الخشاب. صنف شرح الجمل للجرجاني، وشرك اللمع لا بن جني، والرد على ابن بابشاذ في شرح الجمل وغيرها. توفي سنة ٥٦٧هـ انظر بغية الوعاة ٢/ ٢٩، إنباه الرواة ٢/ ٩٩.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
والجواب عن ذلك: بأن العرب تضيف المسمى إلى اسمه في قولهم: ذات يوم وذات ليلة وشبهه. فالذات ههنا المراد بها المدلول، والمضاف إليه المراد به اللفظ، فكأنه قيل: مسمى هذا اللفظ. وأما ذات الله فلا شك، إلا أنها لا تطلق لفساد المعنى، وإنما الكلام في إطلاق لفظ ذات مضافة إلى الله، وهو صحيح بالمعنى المذكور. ومثله في كلام العرب كثير.
[إملاء ٢٠٩]
[كم رجال عندي: يحتمل الإنشاء والخبر]
وقال ممليا: كم رجال عندي. هذا الكلام يحتمل الإنشاء والاخبار. أما الإيشاء فمن جهة التكثير، لأن المتكلم عبر عما في باطنه من التكثير بقوله: رجال. والتكثير معنى محقق ثابت في النفس لا وجود له من خارج حتى يقال باعتباره: إن طابق فصدق وإن لم يطابق فكذب. والأخبار باعتبار العندية، فإن كونهم عنده له وجود خارج، فالكلام باعتباره محتمل للصدق والكذب. فهذا كلام محتمل للأمرين بالاعتبارين المذكورين المختلفين.
[إملاء ٢١٠]
[الرد على النحويين في قولهم: الفاعل حقيقة ومجاز]
وقال ممليا: قول النحويين: الفاعل على ضربين: حقيقة ومجاز، ليس بستقيم. فالمجاز مثل: مات زيد وسقط (١) الحائط. وبيان أنه ليس بستقيم أن المجاز فرع الحقيقة فلا بد في هذا اللفظ أن يكون له حقيقة ثم ينقل عنها إلى المجاز، ولا حقيقة له البتة حتى يقال: إنه مجاز. وأيضا فإن الفاعل عبارة
_________________
(١) في جميع النسخ: وسقطت.
[ ٢ / ٨٨٦ ]
عما نسب الفعل إليه وقدم عليه على جهة قيامه به. وهذا موجود فيما ذكر من قولنا: مات زيد، إذ الفعل مقدم عليه ومسند إليه على جهة قيامه به. فإن الموت قام بزيد، والوقوع قام بالحائط. هذا لا شك فيه، فلا عبرة بقولهم: فاعل حقيقة وفاعل مجازا. وقولنا: على جهة قيامه به، احتراز من مفعول ما لم يسم فاعله، فإنه عند المتأخرين أصحاب هذا الحد ليس فاعلا، فلا بد من زيادة قولهم: على جهة قيامه به، ليخرج، فإنه واقع عليه في قولنا: ضرب زيد، وما أشبهه. وأما المتقدمون فإنهم يجعلونه فاعلا ويحدونه بقولهم: ما قدم الفعل عليه وأسند إليه (١)، وهذا الذي لم يسم فاعله كذلك.
[إملاء ٢١١]
[العامل في نصب "غير" في الاستثناء]
وقال ممليا: انتصب "غير" في قولهم: قام القوم غير زيد، بالفعل وبما تضمنته "غير" من معنى "إلا". وهذا هو عليه المعنى (٢).
_________________
(١) قال أبو علي: "وصفته أن يسند الفعل إليه مقدما عليه". الإيضاح العضدي ١/ ٦٣. وقال أبو البركات الأنباري: "اسم ذكرته بعد فعل وأسندت ذلك الفعل إليه ". أسرار العربية ص ٧٧.
(٢) اختلف النحويون في العامل في المستثنى من الموجب النصب. فذهب البصريون إلى أن العامل هو الفعل بتوسك (إلا). وذهب الزجاج إلى أن العامل هو (إلا) بمعنى: استثني وذهب الفراء إلى أن (إلا) مركبة من (إن لا)، ثم خففت (إن) وأدغمت في (لا)، فهي تنصب في الإيجاب اعتبارا بـ (إن)، وترفع في النفي اعتبارا بـ (لا). والأقرب إلى الصواب ما ذهب إليه البصريون. انظر أسرار العربية ص ٢٠١.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
[إملاء ٢١٢]
["من" و"ما" الموصولتان لا يوصفان ولا يوصف بهما]
وقال ممليا: "من" و"ما" اللتان بمعنى الذي لا يوصفان ولا يوصف بهما. وإنما كان كذلك، أما كونهما لا يوصف بهما فإنهما (١) وضعا للموصوف والصفة جميعا، وما وضع اسما لا يوصف به. وأما كونهما لا يوصفان فلأنهما لو وصفا بمفرد كان على خلاف وضعهما لبيانهما بالنسب لا بالمفردات كجميع الموصولات. ولو وصفا بجملة لكان على خلاف قياس الصفات في وصف المعارف بالنكرات. فإن قصد إلى بيانهما بنسبة أخرى عطفت تلك الجملة على الجملة التي جرت صلة، فيحصل الغرض المطلوب كقولك: جاءني من أكرمك وكاتب أباك، ونحو ذلك.
[إملاء ٢١٣]
[وجه جعل الفاعل في "حبذا" اسم الإشارة دون غيره]
وقال ممليا: إنما كان فاعل "حبذا" اسم الإشارة دون غيره (٢)، لأن الغرض إبهام الفاعل ليفسر بالمخصوص على سبيل التأكيد والتعظيم وعلى وجه لا يحتاج إلى تمييز. فلم يجدوا أشبه من "ذا" لإبهامها، ولما فيها من الاختصار.
_________________
(١) في ب، د: فلأنهما.
(٢) وعند المبرد أن تركيب (حب) مع (ذا) أزال فعلية (حب) فصارت حب مع (ذا) اسما واحدا، وهو مبتدأ. انظر المقتضب ٢/ ١٤٥. والذي ذكره ابن الحاجب من أن (ذا) فاعل هو مذهب سيبويه.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
[إملاء ٢١٤]
[وجه جواز الإضمار في باب "نعم" و"بئس" دون حبذا]
وقال ممليا: وإنما أضمروا في باب: نعم وبئس، دون حبذا، لأن نعم وبئس كثرتا فاستعمل فيهما ما هو أخصر لوجوب الاستتار، ولأجل الاختصار التزموا الافراد حتى لا يؤدي إلى زيادة لفظ عند الإبراز (١)، بخلاف حبذا فإنه لم يكثر، فاغتفروا فيها التلفظ بهذا مع كونهم وفوا بأصل المعنى في الإبهما والتفسير.
[إملاء ٢١٥]
[وجه طرح المثنى المؤنث في باب الإضمار]
وقال ممليا: إنما كان المثنى المؤنث في باب الإضمار مطرحا في قوله: أنتما وهما وشبههما لأمرين: أحدهما: أنه كثر في: ضربتا ورمتا، كضربا ورميا لكون التاء دالة عليه، ثم حمل البواقي عليه إجراء لباب المضمرات مجرى واحدا. والثاني: إرادة الاخنصار فيما لم يكثر بخلاف المفرد والمجموع، فاغتفر اللبس في القيل للاخصار ولم يغتفر في الكثير. والله أعلم بالصواب
_________________
(١) قال أبو البركات الأنباري: "فإن قيل: فلم جاز الإضمار فيهما قبل الذكر؟ قيل: إنما جاز الإضمرا فيهما قبل الذكر، لأن المضمر قبل الذكر يشبه النكرة، لأنه لا يعلم إلى أي شيء يعود حتى يفسر، ونعم وبئس لا يكون فاعليهما معرفة محضة، فلما ضارع المضمر فاعلهما جاز الإضمار فيهما. فإن قيل: فلم فعلوا ذلك؟ قيل: إنما فعلوا ذلك طلبا للتخفيف والإيجاز، لأنهم أبدا يتوخون الإيجاز والا ختصار في كلامهم. فإن قيل: فكيف يحصل التخفيف، والإضمار على شريطة التفسير؟ قيل: لأن التفسير إنما يكون بنكرة منصوبة نحو: نعم رجلا زيد، والنكرة أخف من المعرفة". أسرار العربية ص ١٠٤.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
وإليه المرجع والمآب (١).
_________________
(١) بعدها في نسخة الأصل: فرغ المرتجي رحمة ربه ومغفرته عبد الرحمن بن يحيى بن عمر بن يوسف بن أبي الحسن التبريزي المذهبي عفا الله عنه وستر عيوبه من الأمالي المفرقة نسخا صبيحة يوم السبت الرابع والعشرين من المحرم المبارك لسنة اثنتين وثمانين وستمائة هجرية في جامع مدينة دمشق المحروسة محاذيا لقبر هود النبي ﵇ وذلك من نسخة مقروءة على المملي ﵀، مصححة، عليها خط يده ﵀. ولله الحمد على توفيق الإتمام.
[ ٢ / ٨٩٠ ]