_________________
(١) عناوين الأقسام كما في نسخة الأصل، وقد أثبتها في أماكنها من الكتاب، إلا هذا العنوان فقد ورد في صفحة العنوان فقط.
[ ١ / ١٠٧ ]
[إملاء ١]
[توجيه الرفع في قوله تعالى "تقاتلونهم أو يسلمون"] (١)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمينن وصلواته على خير خلقه محمد وآله أجمعين. قال الشيخ الإمام العلامة جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب ﵀ ممليًا بدمشق المحروسة سنة سبع عشرة وستمائة: [قوله تعالى] (٢): "تقاتلونهم أو يسلمون" (٣) للرفع وجهان (٤): أحدهما: أن يكون مشركًا بينه وبين (تقاتلونهم) في العطف. والآخر أن يكون جملة مستقلة معطوفة على الجملة التي قبلها باعتبار الجملة، لا باعتبار الإفراد (٥)، و(تقاتلونهم) فيه معنى الأمر، وإن كانت صيغته صيغة الخبر. ولا يستقيم أن يكون مجردًا عن معنى الأمر لأنه يؤدي إلى أن لا ينفك الوجود عن أحدهما لصدق الإخبار،
_________________
(١) ترقيم الإملاءات ووضع عناوينها من عملي.
(٢) زيادة على الأصل من النسخ الأخرى.
(٣) الفتح: ١٦.
(٤) وهي قراءة الجمهور. وقرأ أبي وزيد بن علي بحذف النون منصوبًا بإضمار (أن). انظر البحر المحيط لأبي حيان ٨/ ٩٤ (مطبعة السعادة بمصر).
(٥) قال ابن الحاجب: "والرفع على الاشتراك بين يسلمون وتقاتلونهم على معنى التشريك بينهما في عامل واحد، حتى كأنك عطفت خبرًا على خبر أو على الابتداء". انظر الإيضاح في شرح المفصل ٢/ ٢٣ (تحقيق وتقديم الدكتور موسى بناي العليلي). وقال سيبويه: "إن شئت كان على الإشراك، وإن شئت كان على: أو هم يسلمون". الكتاب ٣/ ٤٧. وانظر المفصل ص ٢٤٧.
[ ١ / ١٠٩ ]
ونحن نرى الوجود ينفكُ عنهما، ولا نقولُ إنه يمتنعُ لما تؤدّي إليه "أوْ" من الشك، وذلك في حق العالمِ باطل، فإنا على يقين نعلمُ أنّ "أوْ" تأتي لأحد الأمرين إذا كان المُخبّر عنه لا ينفكُّ عن أحدهما، وليس ذلك عن شك بل عن قطع أنه كذلك، كقولك: الجسمُ إما أنْ يكون ساكنًا أوْ متحركا، وكذلك ما أشبّهَهُ مما يلزم أنْ يكون على أحد أمرين في عقليته أوْ وجوده. وإنما يلزم الشكُ في الإخبار عنْ أمر معيّن في الوجود وقع أو سيقع على أحد أمرين، فههنا قد يُتوهّمُ لزومُ الشكِ من المُخبِر، كقولك: زيدُ إمَّا مريض وما معافى. وإذا ثبت أنَ (تُقاتِلونَهُمْ" في معنى الأمر، فـ (يسلمون): إما في معنى الأمر، فيتضحُ المعنى، ويكون المعنى: الواجبُ عليكم إما القتالُ، وما الإسلامُ منهم، وهذا واضح، وعُلِم أنّ الإسلام لا يسقط عنهم بالقتال من المسلمين من دليل آخر. وإما أنْ يكون (يسلمون) ليس في معنى الأمر، فيكون المعنى: الإخبارُ بأنّ أحدَ الأمرين لا ينفكُ عنه الوجودُ، وهو إما وجوبُ القتال منكم، أو حصولُ الإسلام منهم (١). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٢]
[وجه التعقيب في قوله تعالى: "فيأتيهم بغتة"]
وقال أيضًا بدمشق سَبْعَ عَشْرَةَ ممليًا على قوله تعالى: "كذلك سلكناه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم. فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون. فيقولوا هل نحن منظرون" (٢).
قال: عقّبَ الإتيان بغتة بعد الرؤية، ولا يستقيم ظاهرا إتيانه بغتة بعد أن
_________________
(١) قال القرطبي: "وهذا حكم من لا تؤخذ منهم الجزية". انظر الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٢٧٣ (مطبعة دار الكتب).
(٢) الشعراء: ٢٠٠ - ٢٠٣.
[ ١ / ١١٠ ]
شُوهد ورُثِي، فلابدّ من حمله على وجه يصحُّ فيه معاقبةُ الإتيان له (١)، وهو على وجهين: أحدهما: أن يُراد بالرؤية مشارفُتها ومقاربتُها، فيستقيمُ تعقيبُه بالإتيان بغتة وإطلاقُ الفعل بمعنى مشارفته وقربه كثير. قال الله تعالى: "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية" (٢). والمعنى: إذا قارب حضور الموت. وكذلك: "إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن" (٣). ومعلوم أنّ الإمساك لا يكون بعد بلوغ الأجل. وإنما المراد: فقاربن بلوغ الأجل. ويدلّك على أن بلوغ الأجل ظاهر في انقضاء العدة قوله: "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن" (٤) الآية. الوجه الثاني: قوله: "فيأتيهم بغتة". أخذه لهم بعد رؤيته هو البغتة، فإنه لا يلزم من رؤيته أنْ يكون آخذًا لهم وهم لا يشعرون، لأنَهم قد يرونه ولا يعتقدون أنه عذاب البتة فيأخذهم بغتة وهم لا يشعرون. كقوله: "وإن يروا كسفًا من السماء ساقطًا يقولوا سحاب مركوم" (٥). وقد يرونه ويعتقدونه عذابًا ولكن لا يعتقدون أنه لهم فيأخذهم بغتة بعد رؤيته. كمن يرى نارًا وتأخذه بغتة فيصح أن يقول: رأيت النار فأخذتني بغتة من غير أن أشعر بأخذها لا برؤيتها. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) قال الزمخشري: "ما معنى التعقيب في قوله فيأتيهم بغتة فيقولوا؟ قلت: ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في الشدة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه لهم مفاجأة فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة". الكشاف ٣/ ١٢٩.
(٢) البقرة: ١٨٠.
(٣) البقرة: ٢٣١.
(٤) البقرة: ٢٣٢.
(٥) الطور: ٤٤.
[ ١ / ١١١ ]
[إملاء ٣]
[توجيه القراءات في قوله تعالى: ﴿لا يعذب عذابه أحد﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة سبع عشرة على قوله تعالى: "فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد" (١): العامل في الظروف (يعذب). وقد جاء ما بعد النفي عاملًا في الظرف في مواضع متعددة، كقوله: "فيومئذ لا يسأل" (٢)، و"قل يوم الفتح لا ينفع" (٣)، "فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم" (٤). وهو كثير. والضمير في (عذابه) في قراءة كسر الذال والثاء (٥) للإنسان المتقدم ذكره (٦). و(أحد) فاعل، أي: لا يعذب معذب يوم القيامة عذابًا مثل عذاب هذا الإنسان. فمهومه أن عذاب غيره دونه لعظم جريمته. ولا يحسن (٧) أن يكون الضمير في (عذابه) لله، لأن المعنى يصير: لا يعذب يوم القيامة عذاب الله أحد. فلا يقوي المعنى لما سيق له، لأن المعنى سيق لتعظيم عذاب الله لهذا الإنسان أكثر من عذاب غيره. وإذا جُعل الكلامُ خبرا، بأن الله ذلك اليوم لا يعذب أحد مثل عذابه فقد هذا المعنى. وأيضًا فإنه يصير مفهومه أن غيره يعذب دون عذابه.
فإن قلت: اجعل المفعول مقدرًا، أي: لا يعذب ذلك اليوم مثل عذاب
_________________
(١) الفجر: ٢٦.
(٢) الرحمن: ٣٩.
(٣) السجدة: ٢٩.
(٤) الروم: ٥٧.
(٥) وهي قراءة الجمهور. البحر المحيط ٨/ ٤٧١.
(٦) قال الزمخشري: "والضمير لله تعالى أي. لا يتولى عذاب الله أحد، لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، أو للإنسان، أي: لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه". الكشاف ٤/ ٢٥٣.
(٧) في س: ولا يحصل.
[ ١ / ١١٢ ]
الله لهذا الإنسان أحدٌ، فحُذِفَ المفعول للعلم به. قلت: لا يستقيمُ أيضا لأنه لا يكون فيه تعظيمُ عذاب للإنسان المذكور، لأن عذاب غيره يصح أن يقال ذلك فيه، إذ يصح أن يقال: لا يعذب مثل عذاب الله لذلك الإنسان ولا لغيره أحد. فلم يبق للإنسان خصوصية بذلك. ويبقى الوجه الثاني على حاله قائمًا.
ومن قرأ (يعذب) بالفتح (١)، فيجوز أن يكون الضمير للإنسن، ويجوز أن يكون لله. فتقديره إذا كان للإنسان: لا يعذب ذلك اليوم أحد مثل عذاب ذلكِ الإنسان، فمهومه أن غيره دونه في العذاب، وأنه هو أعظم، ولم يذكر الفاعل لأنه معلوم، وتقديره إذا كان الضمير لله: فيومئذ لا يعذب أحد مثل عذاب الله لهذا الإنسان (٢)، فيستقيم المعنى أيضًا (٣)، لأن فيه تعظيم عذابه، ومفهومه أن غيره يعذب دونه.
فإن قلت: كيف استقام جعل الضمير لله على هذه القراءة، ولم يستقم على القراءة الأولى؟ قلت: لأن الأمرين المانعين ثَمَّ مفقودان ههنا، أحدهما: أنّه يصحُّ أن يكون غيرهُ كذلك، وهذا ليس كذلك، لأنّ أحدًا ثَمَّ للمعذَّب، فدخل فيه كل معذب غير الله، لأنه مذكور في قولك: عذابه، على هذا التقدير، وها هنا (أحد) للمعذبين والفاعل المراد به الله، فلم يلزم ذلك. والوجه الثاني عن ذلك نشأ، لأنه إذا كان (أحد) للمعذب غير الله، والقراءة بالكسر، مقيّدا باليوم كان مفهومه أن غيره يفعل دون ذلك من العذاب. وفي
_________________
(١) وهي قراءة الكسائي وابن أبي إسحق وابن سيرين. البحر المحيط ٨/ ٤٧٢. وقال الزمخشري: "وهي قراءة رسول الله - ﷺ - والضمير للإنسان الموصوف، وقيل هو أبي بن خلف. أي: لا يعذب أحد مثل عذابه ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه". الكشاف ٤/ ٢٥٣.
(٢) في الأصل: هذا للإنسان. وفي النسخ الأخرى: هذا الإنسان. والأنسب ما أثبته.
(٣) أيضًا: سقطت من م.
[ ١ / ١١٣ ]
الفتح (أحدٌ) للمعذبين، والفاعل الله، فكأنه قال: لا يعذب الله يومئذ مثل عذابه لهذا الإنسان أحدا. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤]
[دخول الفاء في جواب الشرط]
وقال أيضًا سنة سبع عشرة ممليًا بدمشق، قال: إذا قلت: إن أكرمتني أكرمتك. لا يجوز دخول الفاء لما تقرر من أن حرف الشرط إذا أفاد في الجزاء استقبالًا لم يجز دخول الفاء، وكل موضع لم يفد فيه الشرط استقبالًا إنه يجب دخول الفاء، وكل موضع يحتمل الأمرين يجوز فيه الوجهان (١). وهذا مقرر بعلله في الإملاء على المفصل (٢)، وفي المسائل الدمشقية (٣) وفي الإملاء على المقدمة (٤)، فيطلب في أماكنه.
قال: فإن قيل: قوله تعالى: "إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين. وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين" (٥)، فإنه مثل المسألة المفروضة المتقدمة في امتناع دخول الفاء. فكيف صح دخول الفاء في الآية؟ والجواب عنه: أنه لم يُفذْ فيه الشرط استقبالًا البتة، لأنه إخبار
_________________
(١) انظر شرح الرضى على الكافية ٢/ ٢٦٢ (دار الكتب العلمية. بيروت).
(٢) انظر الإيضاح في شرح المفصل ٢/ ٢٤٨ قال ابن الحاجب. "وأما الجائز فكل موضع وقع فيه الجزاء مضارعًا مثبتًا أو منفيًا بلا كقولك: إن أكرمتني أكرمتك، وإن أكرمتني فأكرمك، وإن أكرمتني لا أكرمك، وإن أكرمتني فلا أكرمك. إلا أن حذف الفاء أكثر وهو في المثبت أولى".
(٣) لم يذكرها أحد ممن ترجم لابن الحاجب.
(٤) انظر شرح الكافية لابن الحاجب ص ٣٧ (طبع في استنبول سنة ١٣١١ هـ).
(٥) يوسف: ٢٦، ٢٧.
[ ١ / ١١٤ ]
عن ماضٍ محقق (١)، فعلى هذا لابدّ من دخول الفاء ليوذن بجواب الشرط. وأورد على ذلك قوله تعالى: "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون" (٢). و"إذا" قد عوملت معاملة "إن" في وجوب دخول الفاء وعدمها، واحتمال الأمرين، فلم نفذ (إذا) فيما ذكرناه استقبالا ينبغي دخول الفاء. وكذلك قوله ﷿: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا" (٣)، فإن (إذا) أيضًا ما أفادت استقبالًا، لأن (ما) لنفي. الحال، فيستحيل المجامعة بينه وبين الاستقبال بدليل وجوب الفاء في قوله: "وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين" (٤).
والجواب: أن "إذا" تستعمل لمجرد الظر، والدليل عليه قوله تعالى: "والليل إذا يغشى" (٥). فإنه يستحيل أن تكون ههنا للشرط، وذلك أن الليل مخفوض بواو القسم (٦)، وهو قسم إنشائي، الذي يدل عليه أنه له الجواب، ولو كان إخباريًا لما احتيج إلى جواب، ولما حذف الفعل وأتى الجواب دل على ما ذكرناه. وأيضًا فإنه لو كان إخبارًا لما كان التعبير عنه بالواو. فإذا ثبت ما ذكرناه فمعنى الآية: أقسم الله بالليل في زمن غشيانه. ولو كانت للشرط لزم تعليق القسم على الشرط، والباري تعالى أقسم من غير شرط معلق.
_________________
(١) قال أبو حيان: "وهو على إضمار قد، أي فقد صدقت، وفقد كذبت". البحر المحيط ٥/ ٢٩٨.
(٢) الشورى: ٣٩.
(٣) الجاثية: ٢٥.
(٤) فصلت: ٢٤.
(٥) الليل: ١.
(٦) قال الزمخشري: "والواو الأولى في نحو (والليل إذا يغشى) للقسم، وما بعدها للعطف" المفصل ص ٣٤٩.
[ ١ / ١١٥ ]
[إملاء ٥] [أخر جمع أخرى]
وإذا ثبت أن "إذا" لمجرد الزمان المحض بدليل ما ذكرناه وقدرناه، فيكون معنى الآيتين على هذا واضحًا (١)، وهو أن معنى قوله (هم ينتصرون) ينتصرون (٢) في زمن إصابة البغي لهم. وكذلك قوله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات، ما كان حجتهم) في هذا الزمان إلا أن قالوا؛ إلا أن في قوله: ما كان حدتهم، تقديم ما في حيز النفي عليه. وجوابه أنه ظرف، والظروف اتسع فيها. ومثله في القرآن: "يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين" (٣)، على خلاف يه. وكذلك قوله: "كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون" (٤) وهو أيضًا مختلف فيه (٥).
وفي قوله: "هم ينتصرون"" جوابان آخران، أحدهما: أنّ (ينتصرون) جواب الشرط، وأفاد الشرط فيه استقبالًا، و(هم) تأكيد للضمير في (أصابهم). والآخر: أن الفاء مزاده، وهو قول ضعيف. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥]
[أخر جمع أخرى]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: "فعدة من أيام أخر" (٦):
أخر: جمع أخرى، مثل قولك: فضلى وفضل. وأما آخر فيجمع على
_________________
(١) في الأصل: واضح. وهو خطأ من الناسخ، لأنه خبر يكون.
(٢) ينتصرون: سقطت من س.
(٣) الفرقان: ٢٢.
(٤) الذاريات: ١٧.
(٥) انظر إعراب القرآن المنسوب للزجاج ١/ ٢٩٦ (تحقيق ودراسة إبراهيم الأبياري).
(٦) البقرة: ١٨٥.
[ ١ / ١١٦ ]
أواخر مثل قولك: أفضل وأفاضل، وآخرين إن كان لمن يعقل، كقوله تعالى: "وآخرون يضربون" (١). وإنما جُمع ههنا على فعل وهو ي المعنى جمع آخر لأنه للأيام، وواحدها يوم، ويوم إنما يقال فيه آخر باعتبار أصل آخر، وهو أن كل صيغة لموصوف مذكر مما لا يعقل فأنت فيها بالخيار، إن شئت عاملتها معاملة الجمع المذكر، وغن شئت عاملتها معاملة الجمع المؤنث، وإن شئت عاملتها معاملة المفرد المؤنث، فتقول: هذه الكتب الأفاضل والفضليات والفضل والفضلى. فالأفاضل على لفظه في التذكير، والفضليات والفضل إجراء له مجرى جمع المؤنث لكونه لا يعقل، والفضلى إجراء له مجرى الجماعة، وهذا جار ي الصفات والأخبار والأحوال، ولذلك (٢) جاء أخر نعتًا للأيام إجراء له مجرى جمع المؤنث، ولولا ذلك لم يستقم. ولذلك لو قلت: جاءني رجال ورجال أخر، لم يجز حتى تقول: أواخر أو آخرون، لأنه ممن يعقل. وقد أجرت العرب لما لا يعقل من المذكر في الضمائر مثل هذا، ألا تراهم يقولون: الكتب (٣) اشتريتهن، وهو للمذكر، مثل أخر وهو للمذكر، ولم يأت في الضمير لما لا يعقل من المذكر غير الأمرين بالجمع المؤنث وما لمفرده، بخلاف الظاهر فإنه جاء له بالجمع المذكر بمن يعقل إذا كان (٤) مكسرًا، كأنهم قصدوا أن يجعلوا لمن يعقل أمرًا يختص به. ولما كان في جمع الظواهر جمع تصحيح يختص بمن يعقل شاركوا بين المذكر ممن لا يعقل وبينه في جمع المكسر لاختصاصه بالجمع السالم. وليس في الضمائر لمذكّر من يعقل أمران أحدهما يختص به فيشارك بينه وبين الآخر، فلما لم يكن لجمع المذكر في الضمائر إلا لفظ خصوا به من يعقل، وشركوا بين المذكر ممن لا
_________________
(١) المزمل: ٢٠.
(٢) في م: وكذلك. والصواب ما أثبتناه، لأن المقصود التعليل.
(٣) الكتب: سقطت من س.
(٤) كان: سقطت من س.
[ ١ / ١١٧ ]
يعقل وبين المؤنث في الضمير، فلذلك لم يقولوا: الكتب اشتريتهم، لأنه مخصوص بالعقلاء، كقولك: العبيد اشتريتهم، وكذلك لا تقول (١): الكتب نفقوا، ولكن نفقن ونفقت، لأنه مخصوص بمن يعقل، كقولك: العبيد نفقوا، وكذلك في جميع أبواب الضمير. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦]
[عود الضمير على مذكور وغير مذكور]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة: لا يشترط أن يكون الضمير عائدًا على مذكور ليس إلا، بل على مذكور وغير مذكور، ويدل عليه قوله تعالى: "يوصيكم الله في أولادكم" (٢) إلى قوله: "ولأبويه". فإن الضمير عائد على الميت، وإن لم يتقدم له ذكر، إلا أنه لما قال: يوصيكم، علم أن ثم ميتا، فيعود الضمير على مذكور وغير مذكور إذا كان في الكلام ما يرشد إليه، وإن لم يكن مصرحًا به. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٧]
[إعراب قوله تعالى: "كما بدأنا أول خلق نعيده"]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: "كما بدأنا أول خلق نعيده" (٣):
يجوز أن يكون في موضع نصب على المصدر بـ (نعيده)، كأن الأصل:
_________________
(١) لا تقول: سقطت من س.
(٢) النساء: ١١.
(٣) الأنبياء: ١٠٤. والآية بتمامها: "يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين".
[ ١ / ١١٨ ]
نعيد أول خلق إعادة مثل ما بدأناه، وتكون (ما) مصدرية. ويجوز أن يكون في موضع الحال، كأنه قال: نعيد أول خلق مماثل للذي بدأناه (١). وصح الحال لأنه من الضمير المعرفة في (نعيده). ويجوز أن يكون (كما بدأنا) متعلقًا بـ (نطوي) منصوبا على المصدر، أي: نفعل هذا الفعل العظيم كفعلنا هذا الفعل. والمصدر المذكور للتشبيه تارة يوافق المشبه به في اللفظ والمعنى، وتارة يخالفه. وإذا خالفه فقد يكون الأول بأمر عام والثاني بأمر خاص (٢)، وقد يكون بالعكس (٣)، وقد يكونان جميعًا مذكورين بلفظ خاص (٤)، والمراد تشبيهه بالأمر العام، وهذا من القسم الآخر. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٨]
[إعراب قوله تعالى: "يدعو لمن ضره"]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله: "يدعو لمن ضره أقرب من نفعه" (٥):
فيه أقوال: منها: أن يكون (يدعو) تأكيدًا لـ (يدعو) الأولى (٦)، وما بعدها مبتدأ وخبر، وليس بشيء، فإن التأكيد اللفظي لا يفصل بينه وبين مؤكده بالجمل. ومنها أن (ذلك) في قوله: (ذلك هو الضلال البعيد) بمعنى الذي،
_________________
(١) ما ذكره ابن الحاجب هو موقع الكاف من الإعراب في قوله: كما. قال الزمخشري: "ووجه آخر وهو أن ينتصب بفعل مضمر يفسره (نعيده، وما: موصولة، وأول خلق: ظرف لبدأناه". الكشاف ٢/ ٥٨٥.
(٢) كقولك: فعلت هذا كما ضرب ذاك. هامش الأصل ورقة ٥.
(٣) كقولك: ضربت هذا كما فعلت ذاك. هامش الأصل ورقة ٥.
(٤) كقولك: أكلت هذا كما ضربت ذاك. هامش الأصل ورقة ٥.
(٥) الحج: ١٣. وبعدها: "لبئس المولى ولبئس العشير". والآية التي قبلها: "يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد".
(٦) وقد ذكر هذا الوجه أبو حيان، واستحسنه. البحر المحيط ٦/ ٣٥٦.
[ ١ / ١١٩ ]
و(هو الضلال البعيد) صلته، وهو في موضع نصب مفعول لـ (يدعو)، كأنه قال: يدعو الذي هو الضلال البعيد، وما بعده مبتدأ وخبر دخل عليه اللام، وليس بقوي لأن اسم الإشارة لا يقع عند البصريين بمعنى الذي، وهو قليل أيضًا عند من جوزه (١). ومنها: أن اللام زائدة، فـ (من ضره) في موضع نصب مفعول لـ (يدعو)، وليس شيئا لأن اللام المفتوحة لا تزاد بين الفعل ومفعوله (٢). ومنها: قول من قال: إن اللام مقدمة عن موضعها (٣)، والتقدير: يدعو من لضره أقرب من نفعه، وليس بجيد أيضًا، لأن لام الابتداء لا تقدم عن موضعها. ومنها: قول من قال: إن (يدو) بمعنى ينادي ويقول (٤)، فيصح أن يقع مفعوله جملة، كما يقع مفعول يقول، فيكون (ضره أقرب من نفعه) مبتدأ وخبر في موضع نصب؛ والقائلون بهذا منهم من يقول خبره محذوف تقديره: إله، وحملوا الدعاء والقول على أنه في الدنيا، فأورد عليهم أن هؤلاء لا يصفون آلهتهم بأن ضرها أقرب من نفعها. فأجيب بأن ذلك من قول الحاك، وإذا حكى حاك كلامًا فله أن يصف المخبر عنه لمن يحكي له بما ليس في كلام الشخص المحكي عنه. ومثاله أنه لو قل لك: زيد قائم، لجاز لك أن تحكي لمن يعرف أنه خياط فتقول: قال فلان: زيد الخياط قائم. وكذلك لو كان صفة قبيحة أو حسنة. ومنهم من قال: الخبر: (لبئس المولى ولبئس العشير) (٥)، ويكون هذا
_________________
(١) هم الكوفيون. انظر الإنصاف في مسائل الخلاف ٢/ ٧١٧ (دار الفكر. بيروت).
(٢) وقد ذكر هذا الوجه أبو حيان، وضعفه. البحر المحيط ٦/ ٣٥٦.
(٣) وهو قول الفراء. انظر معاني القرآن ٢/ ٢١٧ (تحقيق محمد علي النجار). وقال أبو حيان: وهو بعيد. البحر المحيط ٦/ ٣٥٦.
(٤) وهو قول الأخفش. انظر معاني القرآن ٢/ ٤١٣ (حققه الدكتور فائز فارس). وقد أجاز أبو البقاء العكبري هذا الوجه. انظر إملاء ما من به الرحمن ٢/ ١٤٠ (تحقيق إبراهيم عطوة عوض).
(٥) وقد جوزه أبو البقاء العكبري. إملاء ما من به الرحمن ٢/ ١٤٠.
[ ١ / ١٢٠ ]
قولهم في الآخرة. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٩]
[التقدير في قوله تعالى: "وكذلك نرى إبراهيم"]
وقال أيضًا ممليًا على قوله تعالى: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض" (١)، لما تقدم قوله: "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصنامًا آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين" (٢). أشار بقوله: وكذلك، إلى هذا، فكأنه قال: نريه ليعلم هذا كما علم أن ما تقدم لا يصلح أن يكون إلهًا، فإذا ظهر التقدير تبين الإعراب. ويجوز أن تكون الرؤية رؤية العين (٣). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٠]
[توجيه القراءات في قوله تعالى: "على كل قلب متكبر"]
وقال أيضًا ممليا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة وستمائة على قوله تعالى: "كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار" (٤):
قرأ أبو عمرو (٥) وابن ذكوان (٦) بتنوين (قلب)، فيكون العموم في القلبوب
_________________
(١) الأنعام: ٧٥.
(٢) الأنعام: ٧٤.
(٣) قال أبو حيان: "والظاهر أنها بصرية". البحر المحيط ٤/ ١٦٥.
(٤) غافر: ٣٥.
(٥) هو زيان بن العلاء بن عمار التميمي المازني البصري. ولد سنة ٦٨ هـ وتوفى سنة ١٥٤ هـ أو سنة ١٥٥ هـ أو سنة ١٥٧ هـ. كان أعلم الناس بالقرآن والعربية مع الصدق والثقة. انظر النشر في القراءات العشر لابن الجزري ١/ ١٣٤ (إشراف ومراجعة علي محمد الضباع).
(٦) هو عبد الرحمن بن أحمد بن بشر بن ذكوان. ولد سنة ١٧٣ هـ. كان شيخ الإقراء في الشام. وتوفي سنة ٢٠٢ هـ. انظر النشر في القراءات العشر ١/ ١٤٥.
[ ١ / ١٢١ ]
مستفادًا من غير تأويل، لأن (كل) داخلة عليه وهو نكرة غير مضاف، كقولك: ضرب كلّ رجل، فلا تبقى الكلية مستفادة إلا في آحاد جنسه، ولا يبقى على هذه القراءة إلا وصف القلب بقوله: متكبر جبار، وهو من صفة الجملة، وهو قريب بوجه من المعنى حسن، وذلك أن العرب تصف الجزء الذي يصح نسبة ذلك المعنى له على الحقيقة بما تصف به الجملة، كما تنسبه إليه (١)، كقولك: أبصرته عيني وسمعته أذني وفهمه قلبي. ومنه قوله تعالى: "فإنه آثم قلبه" (٢)، "وقلوبهم وجلة" (٣)، وأشباه ذلك كثير. ولو قيل إنه في الحقيقة صفته ووصف الجملة به لضرب من السعة لكان صوابًا، ولكنه كثر ذلك حتى صار كأنه الأصل.
وقرأ باقي القراء بإضافة (قلب) إلى (متكبر) فلا يستفاد العموم في القلوب من الظاهر، ولابد من التأويل لأنه لما أضفت (قلب) إلى (متكبر)، و(متكبر) مفرد غير مضاف إليه (كل) وجب أن يبقى على حكم الإفراد، كما في قولك: أكلت كل رغيف زيد أو كل رغيف إنسان. وإذا بطل العموم في ذلك بطل العموم (٤) فيما أضيف (٥) إليه (كل)، لأنه إنما يعم إذا لم ينسب إلى ما يبطل العموم فيه. وإذا بطل العموم فيما أضيف إليه (كل) وجب حمل الكلية على أجزاء ذلك الواحد لأنه لو عم في الأول لعم في الثاني، وقد بطل التعميم في الثاني. ولو عم في الأول من غير الثاني لم يستقم لأنه ليس للمتكبّر الواحد قلوب حتى يعم قولك: كل قلب، المضاف إليه باعتبارها، فوجب تأويل الآي؛ لأن المعنى الذي سيقت له الإخبار بالطبع على جميع قلوب كل متكبر، وذلك حاصل
_________________
(١) ي س: إليك. وهو تحريف.
(٢) البقرة: ٢٨٣.
(٣) المؤمنون: ٦٠.
(٤) بطل العموم: سقطت من د.
(٥) في د: أضيفت.
[ ١ / ١٢٢ ]
بتقدير (كل) محذوف مضاف إلى متكبر، كأنه قيل: كذلك يطبع الله على كل قلب كل متكبر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وحسن لظهور المعنى المراد. وبذلك ينتفي المعارض للعموم في القلب ويحصل الموجب للعموم في المتكبر. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١١]
[الفاء في قوله تعالى: "فتصبح الأرض محضرة"]
وقال أيضًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: "أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة" (١):
الفاء للتعقيب من غير مهلة، وإصباح الأرض مخضرة بعد النزول إنما يكون بمهلة. والجواب (٢): أن هذه الفاء فاء السببية، وفاء السببية لا يشترط فيها ذلكن وإنما شرطها أن يكون ما بعدها مسببًا عن الأول كما لو صرح بالشرط. ألا ترى إلى صحة قولك: إن يسلم زيد فهو يدخل الجنة، مع العلم بالمهلة العظيمة بينهما. ثم لو سلم ههنا أنها لمجرد العطف لم يلزم ما ذكره من نفي المهلة، فإن ذلك إنما يكون على حسب ما يعده الناس متعقبًا، والاخضرار بد الإنزال بعده الناس متعقبا، ولا يعد مثل ذلك فيه مهلة (٣). ألا ترى إلى صحة قولك: تزوج زيد فولد له ولد، وإن كان لا يكون إلا بعد مهلة في الوجود،
_________________
(١) الحج: ٦٣.
(٢) والجواب: سقطت من س.
(٣) وقد أجاب الرضي عن ذلك بقوله: "ثم اعلم أن إفادة الفاء للترتيب بلا مهلة لا ينافيها كون الثاني المترتب يحصل بتمامه في زمان طويل إذا كان أول أجزائه متعقبًا لما تقدم كقوله تعالى: "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة". فإن اخضرار الأرض يبتدئ بعد نزول المطر لكن يتم في مدة ومهلة، فجيء بالفاء نظرًا إلى أنه لا فصل بين نزول المطر وابتداء الاخضرار". شرح الكافية ٢/ ٣٦٧. وانظر ما قاله ابن هشام في هذه الآية في شرح شذور الذهب ص ٣٠٧.
[ ١ / ١٢٣ ]
ولكن يصحٌّ إذا لم يكن (١) إلا مهلة الحملة. وكذلك قوله: "ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا" (٢)، وإن كان في كل واحد مهلة وجودية. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٢]
[معنى "لا" في قوله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن"]
وقال ممليًا بالقاهرة سنة خمس عشرة على قوله: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" (٣):
الظاهر أنه نهي (٤)، والمعنى: واتقوا فتنة مقولا فيها: لا تصيبن الذين ظلموا منكم. والنهي في الظاهر للفتنة، والمعنى نهي المعترضين لها، والفعل للإصابة (٥)، والمعنى التعرض للإصابة. وقد يعدل الناهي عن الشيء لمسببه، لأنه هو المقصود بالنهي، وإذا انتقل إلى المسبب أسنده إلى ما هو فاعل له، كقوله: "لا يفتننكم الشيطان" (٦) و"لا يحطمنكم سليمان" (٧)، وكقولك صاحبك عند تعرضه للمعصية: لا تحرقك نار جهنم، فجعلت الفعل للإحراق، والمنهي النار، وإنما المنهي عنه التعرض والمنهي مخاطبك، ولكنك عدلت إلى المسبب إذ النهي عن التعرض إنما هو خشية إحراق النار، فلما عدلت إلى المسبب أسندته إلى ما هو له وهو النار، فكذلك ههنا، فكانه
_________________
(١) في الأصل: تكن. وما أثبتناه من د، وهو الأحس.
(٢) المؤمنون: ١٤.
(٣) الأنفال: ٢٥.
(٤) قال به الأخفش. انظر معاني القرآن ٢/ ٣٢١.
(٥) في الأصل: الإصابة. وما أثبتناه من ب، د، وهو الأصوب لأن المعنى يقتضيه.
(٦) الأعراف: ٢٧.
(٧) النمل: ١٨.
[ ١ / ١٢٤ ]
قال: لا تتعرضوا للفتنة التي يصيب المتعرضين بلاؤها، فعدل عن التعرض الذي هو سبب إلى الإصابة التي هي مسبب. فعلى ذلك يكون الظالمون مخصوصين بالإصابة لأن المعنى: لا يتعرض متعرض للفتنة فتصيبه خاصة، فعدل على ما ذكرناه، فصار لا تصب الفتنة متعرضًا لها خاصة. ثم ذكر المتعرض بلفظ الظالم تشنيعا عليه للصفة التي يكون عليها عند التعرض، فثبت أن المعنى على ذلك خصوص الظالمين بالفتنة.
ويجوز أن تكون (لا) نافية، ودخول النون فيها على وجه ليس بالقوي (١)، فيكون المعنى: واتقوا فتنة غير مصيبة الظالمين خاصة، ولكنها تعم الظالم وغيره، فعلى هذا تكون الإصابة عامة بخلاف الوجه الأول. وقد ذكر الزمخشري (٢) هذا الوجه (٣)، وجعلها للإصابة أيضًا فيه خاصة، وليس بجيد، إذ المعنى: وصفها بأنها لا تصيب الظالمين خاصة، وإذا لم تصبهم خاصة، فكيف يصح وصفها بكونها خاصة؟
وقد قيل: إنه يجوز أن يكون جوابا للأمر (٤) ويكون دخول النون أيضًا في النفي على وجه ليس بالقوي، فقدروه بأن قالوا: واتقوا فتنة إن أصبتموها لا تُصب الظالمين خاصة، ولكنها تعم فتأخذ الظالم وغيره، وهو غير مستقيم، إذ جواب الأمر إنما يقدر فعله من جنس الأمر المظهر، لا من جنس الجواب. ألا
_________________
(١) وقد أجازه أبو حيان. البحر المحيط ٤/ ٤٨٣.
(٢) هو محمود بن عمر بن أحمد الزمخشري. ولد سنة ٤٩٧ هـ. تلقب بجار الله وفخر خوارزم. ما تصانيفه: الكشاف، المفصل، الأنموذج. تفوي سنة ٥٣٨ هـ. انظر بغية الوعاة للسيوطي ٢/ ٢٧٩.
(٣) انظر الكشاف ٢/ ١٥٣.
(٤) وقد أجاز ذلك الزمخشري فقال: "كيف جاز أن تدخل النون المؤكدة في جواب الأمر؟ قلت: لأن فيه معنى النهي". الكشاف ٢/ ١٥٣. وذكر ذلك أيضًا أبو البقاء ولكنه ضعفه، لأن جواب الشرط متردد فلا يليق به التوكيد، إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٥.
[ ١ / ١٢٥ ]
ترى أنك إذا قلت: أسلم لا تدخل النار، فإن المعنى: فإنك إن تسلم لا تدخل النار، وليس المعنى: فإنك إن تسلم تدخل النار، وههنا لو كان جواب الأمر لكان التقدير: فإنكم إن تتقوا لا تصب الظالمين، فيفسد المعنى، لأنه يصير الاتقاء سببًا لانتفاء الإصابة عن الظالمين خاصة، فكأنه (١) قيل: الاتقاء من المتقي سبب (٢) لانتفاء الإصابة عن الظالم المرتكب وهو بالعكس أشبه، فظهر أن المعنى لا يستقيم في جعله جوابًا لانعكاس المعنى.
وقد ذكر الزمخشري ذلك (٣)، وجعله من المعنى الذي يُوجب التعميم بالإصابة للظالمين وغيرهم، وليس بمستقيم، لما تبين فيه من فساد المعنى من أجل أن فعل الشرط المقدر لا يكون إلا إن تتقوا، وعند ذلك لا يستقيم. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٣]
[عود الضمير في قوله تعالى: ﴿فنعما هي﴾]
وقال أيضًا ممليا بالقاهرة سنة خمس عشرة على قوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ (٤).
الضمير في قوله: هي، يحتمل أن يكون عائدا إلى الصدقات (٥)، ويحتمل أن يكون على الإبداء (٦)، وهذا هو الظاهر، بدليل قوله: ﴿وإن
_________________
(١) في د، س: وكأنه.
(٢) في الأصل وفي م: سببًا. وهو خطأ، لأنه خبر المبتدأ الذي هو: الاتقاء.
(٣) الكشاف ٢/ ١٥٣.
(٤) البقرة: ٢٧١.
(٥) أجازه العكبري. إملاء ما من به الرحمن ١/ ١١٥.
(٦) نص عليه ابن عطية. انظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٢/ ٢٥٦ (تحقيق وتعليق الأستاذ أحمد صادق الملاح).
[ ١ / ١٢٦ ]
تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ (١)، فذكّر الضمير العائد على الإخفاء. ولو قصد الصدقات لقال: فهي. فلئن (٢) قيل لِم أنَّث والذي عاد عليه مذكر؟ فالجواب: أن هذا على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، كقولك: القرية اسألها، فلما حذفت المضاف، بقي المضاف إليه على حالة، والتقدير: إبداؤها. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٤]
[الجواب على إشكالين في قوله تعالى: "فتذكر إحداهما الأخرى"]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ست عشرة على قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ (٣):
فيه إشكالان: أحدهما: أن قوله: أن تضل، ذُكر تعليلًا لاستشهاد المرأتين موضع رجل، ولا يستقيم في الظاهر أن يكون الضلال تعليلًا للاستشهاد، وإنما العلة التذكير. والإشكال الثاني: قال: فتذكر إحداهما الأخرى، وقياس الكلام في مثل ذلك أن يقال: فتذكرها الأخرى، لأنه قد تقدم الذكر، فلم يحتج إلى إعادة الظاهر (٤).
والجواب عن الأول: أن التعليل في التحقيق هو للتذكير، ومن شأن لغة العرب إذا ذكروا علة، وكان للعلة علة قدموا ذكر علة العلة، وجعلوا العلة معطوفة عليها بالفاء لتحصل الدلالتان معا بعبارة واحدة، كقولك: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمها؛ فالإدعام هو العلة في إعداد الخشبة،
_________________
(١) البقرة: ٢٧١.
(٢) في م: فإن. وفي س: فإن قلت.
(٣) البقرة: ٢٨٢. وقبلها: "فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء".
(٤) في م: فلم يحتج إليه.
[ ١ / ١٢٧ ]
والميل هو سبب الإدعام، فذكر على نحو ما ذكرناه، فقيل: أن يميل الحائط فأدعمها (١). ولو قيل: إن الميل في المثال، والضلال في الآية هو السبب لم يكن ذلك بعيد، لأن الضلال (٢) المعلوم من إحداهما (٣) يكثر وقوعه، فصلح أن يكون علة في استشهادهما مقام رجل، وإنما يجيء اللبس ههنا إذا توهم أن وقوع الضلال (٤) هو السبب فيؤدي إلى أن يكون مقصودًا وقوعه باستشهادها، وليس التعليل واجبا فيه أن يكون مقصودًا وقوعه، بل العلة هي المقتضية لذلك المعلوم. ألا ترى إلى قولك: قعدت عن الحرب من أجل الخوف، فالخوف ههنا ليس مرادًا وقوعه في قصد المتكلم حتى يكون سببًا للقعود، فكذلك ههنا المقصود أن الضلال المعلوم هو السبب المقتضي في المعنى استشهادهما في موضع رجل، وذلك مستقيم على هذا التأويل. وكذلك يمكن أن يقال في مثال (٥) الحائط: إنه أيضًا هو السبب على الوجه الذي ذكرناه في الآية. وهذا الوجه الثاني يصلح أن يكون للأول ليجيء الثاني بعده، بعد تقدير التسليم.
وأما الجواب عن الإشكال الثاني فهو أنا نقول: أصل الكلام على الوجه الأول أن تذكر إحداهما الأخرى عند ضلالها، فقدم على ما ذكرناه، فبقي (أن تذكر إحداهما الأخرى) على ما كان عليه. الثاني هو: أنه لا يستقيم في المعنى
_________________
(١) قال سيبويه: "فإنما ذكر أن تضل لأنه سبب الإذكار، كما يقول الرجل: أعددته أن يميل الحائط فأدعمه. وهو لا يطلب بإعداد ذلك ميلان الحائط، ولكنه أخبر بعلة الدعم وبسببه". الكتاب ٣/ ٥٣.
(٢) في الأصل: الإضلال. وما أثبتناه من ب، د. وهو الصواب، لأن الضلال مصدر ضل، والإضلال مصدر أضل.
(٣) في الأصل: أحدهما. وهو سهو.
(٤) في الأصل: الإضلال. وما أثبتناه من ب وهو الصواب.
(٥) في د، م: مثل. وفي ب: ميل، وكله تحريف.
[ ١ / ١٢٨ ]
إلا كذلك، ألا ترى أنه إذا قال: أن تضل إحداهما فتذكرها الأخرى، وجب أن يكون ضمير المفعول عائدًا على الضالة، فيتعين لها. كما إذا قلت: جاءني رجل وضربته، يتعين أن يكون الجائي هو المضروب، وذلك مخل بالمعنى المقصود، لأنها قد تكون الضالة الآن في الشهادة هي الذاكرة يها في زمان آخر، فالمذكرة هي الضالة. فإذا قيل: فتذكرها الأخرى، لم يفد ذلك لتعين عود الضمير إلى الضالة. وإذا قيل: فتذكر إحداهما الأخرى، كان مبهمًا في كل لو انعكس الأمر والشهادة بعينها في وقت آخر، اندرج أيضًا تحته لوقوع قوله: فتذكر إحداهما الأخرى، غير معين. ولو قيل: فتذكرها الأخرى، لم يستقم أن يكون مندرجًا تحته إلا التقدير الأول. فعلم أن العلة هي التذكير من إحداهما الأخرى كيف ما قدر، وإن اختلفت. وهذا المعنى لا يفيده إلا ما ذكرناه، فوجب لذلك أن يُقال: فتذكر إحداهما الأخرى. وهذا الوجه الثاني هو الذي يصلح أن يكون جاريًا على الوجهين المذكورين أولًا؛ وإنه في التحقيق هو الذي وجب لأجله مجيثهما ظاهرين.
وأما الوجه الذي قبله فلا يستقيم إلا على التقدير الأول، لأن التقدير الثاني جعل الضلال هو العلة فلا يستقيم مع (١) ذلك أن يقال: إن أصل الكلام: أن تذكر إحداهما الأخرى لضلالها، مع القول بأن الضلال هو العلة، فثبت بما ذكرناه من المعنى الصحيح وجوب مجيء الآية على ما هي عليه، وأنه لو غير إلى المضمر لاختل (٢) المعنى المقصود واختصَّ ببعضه. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) مع: سقطت من م.
(٢) في الأصل: اختل. وكلاهما جائز. ولكن الغالب في جواب لو إذا كان ماضيًا مثبتًا دخول اللام. انظر مغنى اللبيب ١/ ٣٠١ (تحقيق الدكتور مازن المبارك، محمد علي حمد الله. دمشق).
[ ١ / ١٢٩ ]
[إملاء ١٥]
[إعراب "إخوانا" في قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غلٍ إخوانا﴾]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة تسع (١) على قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين﴾ (٢).
قال: (إخوانا) منصوب بفعل مقدر تقديره: أمدح إخوانا، أو أعني إخوانا؛ والرفع جائز، ولكن النصب أحسن. ويضعف أن يكون منصوبًا على الحال (٣)، لأنه إذا كان حالا، فإما أن يكون حالا من الضمير في (ادخلوها) أو من الضمير في (آمنين)، أو من الضمير في (صدورهم) (٤). ويضعف أن يكون من الأولين للفصل بينه وبينه بالجملة الأجنبية وهي: ونزعنا ما في صدورهم من غل. ولا يجوز أن يكون من الضمير في (صدورهم) لأنه مضاف إليه اسم جامد، والمضاف إليه لا ستيم أن يكون منه حال، إلا أن يكون في معنى الفاعل أو المفعول. وإنما لم يكن منه حال لأنه لا يقبل التقييد، والحال إنما جيء بها مقيدة للفاعل أو المفعول باعتبار فعله، وغير ذلك لا يقبل التقيد. ألا ترى أنك لو قلت: حصير زيد راكبًا سمار، لم يستقم (٥)، لأنها سمار سواء كان
_________________
(١) أي سنة ستمائة وتسع.
(٢) الحجر: ٤٧.
(٣) قال النحاس: إنه حال. انظر إعراب القرآن ٢/ ١٩٦ (تحقيق الدكتور زهير زاهد. بغداد). وكذلك الزمخشري. الكشاف ٢/ ٣٩٢.
(٤) قال أبو البقاء: "هو حال من الضمير في الظرف في قوله تعالى: "جنات". ويجوز أن يكون حالًا من الفاعل في: ادخلوها، مقدرة. أو من الضمير في آمنين. وقيل: هو حال من الضمير المجرور بالإضافة". إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٧٥.
(٥) في ب: يستقر. وهو تحريف.
[ ١ / ١٣٠ ]
راكبًا أو غير ذلك (١)، فوقع التقيد مفسدا، وكذلك لو قلت: زيد قائمًا أبوك، لكان فاسدا، لأنه أبوك قائما أو قاعدا أو غير ذلك، فتقييده، يقع مفسدا. وكذلك لو جعلت (إخوانًا) حالا من الضمير في (صدورهم) لم يستقم، لأنها صدورهم، إخوانًا كانوا أو غير إخوان (٢). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٦]
[العامل في "إذا"]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة أربع عشرة على قوله تعالى: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ (٣):
من الناس من يقول جواب إذا (جاءهم)، وهو العامل فيها على قول أكثر النحويين، لأن "إذا" عندهم مضافة إلى الفعل الذي هو شرطها عاملة فيه عمل كل مضاف في المضاف إليه. وإذا كان الفعل بعدها معمولا لها تعذر أن يكون عاملا فيها لئلا يؤدي إلى أن يكون عاملا معمولا من وجه واحد وهو محال (٤).
وقال بعض النحويين: العامل في "إذا فعل الشرط الذي بعده، وهي عند هؤلاء غير مضافة، وقالوا: إنها في العمل كـ "متى". والفعل الواقع بعد "متى" هو العامل فيا في قول أكثر النحويين (٥)، فلو كانت "إذا" واجبًا إضافتها إلى ما
_________________
(١) في س. أو غير راكب.
(٢) هذا وذكر ابن هشام تبعًا لابن مالك أنه يجوز أن تجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف بعضه. وقد استشهد بهذه الآية، وجعل (إخوانًا) حالًا من الضمير في (صدورهم). انظر أوضح المسالك ٢/ ٣٢٥ (دار الجيل).
(٣) يوسف: ١١٠ وبعدها: "وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين".
(٤) انظر الإيضاح لابن الحاجب ١/ ٥١٢.
(٥) قال الرضي: "فإذا تقرر هذا قلنا: العامل في متى وكل ظرف فيه معنى الشرط شرطه على ما قال الأكثرون. ولا يجوز أن يكون جزاءه على ما قال بعضهم. كما لا يجوز في غير الظروف على ما مر". شرح الكافية ٢/ ١١١.
[ ١ / ١٣١ ]
بعدها لإبهامها وجب تقدير إضافة "متى" إلى ما بعدها لإبهامها، ولم يجب في "متى"، فلا يجب في "إذا". وقالوا أيضًا: لو كان العامل فيها جوابها لاستحال أن يقال: إذا أحسنت إلى اليوم أكرمتك غدًا، لأن "إذا" ههنا عندهم ظرف للإكرام، وقد فُسّرَتْ بكونها غدا، وأضيفت عند هؤلاء إلى الإحسان (١) الذي هو في اليوم، فيؤدي إلى أن تكون هي (٢) اليوم وغدا في الكلام باعتبار الشيء الواحد، وهو محال، والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٧]
[إعراب قوله تعالى: "سلام قولا"]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿ولهم ما يدعون سلام قولا﴾ (٣):
في رفعه أوجه: أحدهما: أن يكون بدلا من قوله: ﴿ولهم ما يدعون﴾ (٤)، تقديره: ولهم سلام، ويكون لقوله: سلام، وجهان على هذا التأويل: أحدهما: السلامة، فلا يحتاج إلى تقدير، كأنه قال: ولهم السلامة. والآخر: أن يكون السلام المعروف، ويكون ذلك من الله أو من الملائكة، ويكون المعنى: ولهم ما يتمنونه من الملائكة أو من الله أو من الجميع.
ويجوز أن يكون مرتفعا على معنى: هو سلام (٥)، تفسيرًا لما يدعونه على
المعنيين (٦).
_________________
(١) في الأصل وفي د، م: الإكرام. وما أثبتناه من ب، س. وهو الصواب.
(٢) في س: هو. والصواب ما أثبتناه لأن الكلام في (إذا).
(٣) يس: ٥٧، ٥٨ وبعدها "ومن رب رحيم".
(٤) أجازه النحاس. إعراب القرآن ٢/ ٧٢٩، والزمخشري. الكشاف ٣/ ٣٢٧.
(٥) في د: الإسلام. وهو تحريف.
(٦) تفسيرًا لما يدعونه على المعنيين: سقطت هذه العبارة من س.
[ ١ / ١٣٢ ]
ويجوز أن يكون مرتفعًا على معنى: يقال لهم سلام، استئنافًا أو حالًا من الضمير في (يدعون) أي: مقولا لهم سلام.
و(قولا) يجوز أن يكون منصوبًا بفعل مضمر محذوف مفعولًا، أعني قولا، أو امدح قولًا، أو على المصدر من القول المقدر مع (سلام) على أحد الأوجه، أو بفعل آخر مقدر له (١) على الاستئناف تقديره: يقال لهم قولا (٢). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٨]
[العطف على عاملين]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿وتصريف الرياح آيات﴾ (٣) وآيات:
في التزام العطف على عاملين فيهما (٤). لأن الرفع يحتاج إلى عامل كما أن النصب يحتاج إلى عامل (٥). وأكثر الناس بفرض الإشكال في قراءة النصب لكون العامل لفظيًا وهما سواء.
_________________
(١) له: سقطت من م.
(٢) وذكر الأخفش وجهًا آخر في إعرابها، وهي أن تكون بدلًا من اللفظ بالفعل، كأنه قال: أقول لك قولًا. انظر معاني القرآن ٢/ ٤٥٠.
(٣) الجاثية: ٥.
(٤) قال الرضي: "معني قولهم: العطف على عاملين، أن تعطف بحرف واحد معمولين مختلفين كانا في الإعراب كالمنصوب والمرفوع أو متفقين كالمنصوبين أو المرفوعين على معمولي عاملين مختلفين، نحو: إن زيدا ضرب عمرا وبكرًا خالدًا. وهذا عطف متفقي الإعراب على معمولي عاملين مختلفين. وقولك: إن زيدًا ضرب غلامه وبكرا أخوه، عطف مختلفي الإعراب، ولا يعطف المعمولان على عاملين بل على معموليهما. فهذا القول منهم على حذف المضاف". شرح الكافية ١/ ٣٢٤.
(٥) الرفع فيهما قراءة الجمهور، والنصب فيهما قراءة حمزة والكسائي ويعقوب. البحر المحيط ٨/ ٤٢.
[ ١ / ١٣٣ ]
اختلف الناس في مسألة العطف على عاملين، فمنهم من يمنعه وهم أكثر البصريين، ومنهم من يجيزه وهم أكثر الكوفيين، ومنهم من يفصل فيقول: أما مثل قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو، فجائز. وأما مثل قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، فلا يجوز. ويزعم أن هذا ثابت عن العرب، ويعلله بأن إحدى المسألتين، المجرور فيها يلي العاطف، فقام العاطف فيها مقام الجار. وفي المسألة الأخرى ليس المجرور فيا يلي العاطف، فكان فيها إضمار الجار من غير عوض (١).
وأما من يمنع العطف على عاملين، فيقول في الآية: إن (آيات) فيها تأكيد لآيات الأولى، ومثل هذا عنده جائز، حتى (٢) لو كانت موضع (آيات) الأخيرة لفظة أخرى لم يجز.
ومن قال بالتفصيل فهذا غير جوزه، ويزعم أن مثله: ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة (٣). وقول أبي دؤاد:
أكل امرئ تحسبين أمرأ ونار توقد بالليل نارًا (٤).
ومعناه: إنكار أن يعتقد أن صورة الشخص بمجردها توجب الصفات الحميدة لذلك الجنس، كما أنه ليس كل نار توقد توجب أن تكون نارًا مفيدة
_________________
(١) انظر توضيح هذه المسألة في مغني اللبيب لابن هشام ٢/ ٤٨٧ (تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد).
(٢) وردت هذه الكلمة هكذا في جميع النسخ. ولا يستقيم المعنى بها. والأحسن: أما.
(٣) قال سيبويه: "وإن شئت نصبت شحمة، وبيضاء في موضع جر، كأنك أظهرت كل، فقلت: ولا كل بيضاء". الكتاب ١/ ٦٥ - ٦٦. وانظر مجمع الأمثال ٢/ ٢٨١.
(٤) البيت من المتقارب. وهو من شواهد سيبويه ١/ ٦٦. والكامل ١/ ٦٩ (مكتبة المعارف بيروت). والمفصل ص ١٠٦. والمقرب لابن عصفور ١/ ٢٣٧ (تحقيق أحمد عبد الستار الجواري وعبد الله الجبوري. بغداد). والشاهد فيه قوله: ونار، فقد حذف المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه. وأبو دؤاد قائل هذا البيت شاعر جاهلي قديم.
[ ١ / ١٣٤ ]
للأضياف والمحتاجين. ومعناه: كل امرئ تحسبين أمرًا كاملًا وكل نار تحسبينها نارًا مفيدة، ولكن مثل ذلك يحذف للعلم ب، وهو أحسن من إثباته (١). ومخالفوه يزعمون أن المضاف محذوف مقدر، وترك المضاف إليه على إعرابه، ومثله في حذف المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه قولهم (٢): ما مثل أبيك ولا أخيك يقولان ذلك. ومثله: ما مثل أبيك يقول ذاك ولا أخيك. ووجه الاستدلال بالمثال الأول أنه لو لم يكن المضاف مقدرًا لوجب أن تقول: يقول ذاك، لأنك إذا جعلت "أخيك" معطوفًا على "أبيك" فقد دخل في حكم المضاف إليه مثل، وأنت لا تخبر إلا (٣) ن المضاف لا عن المضاف إليه، بدليل امتناع: كتاب زيد وعمرو حسنان. وإذا قدرت "مثل" كنت عاطفًا "مثل" أخرى على "مثل" الأولى، فعطفت على المضاف، وإذا عطفت على المضاف وأخبرت عنه وجب أن تخبر عنهما جميعًا بدليل وجوب: زيد وعمرو قائمان.
وأما (٤) المثال الثاني فلأن المعطوف لا يفصل بينه وبين المعطوف عليه بجزء أجنبي، لأن المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد، ولو جعلت "أبيك" معطوفًا على "أخيك" لكنت (٥) فاصلًا بينهما بالجزء الأجنبي الذي هو خبر، وهو: يقول ذاك، فيجب أن تقدر "مثل" لتكون عاطفًا جملة على جملة، حذفت من الجملة الثانية خبرها لدلالة الأول عليه، فكأنه قيل: ما مثل أبيك يقول ذلك ولا مثل أخيك يقول ذلك. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) قال سيبويه: "فاستغنيت عن تثنية كل لذكرك إياه في أول الكلام ولقلة التباسه على المخاطب". الكتاب ١/ ٦٦. فهذا ومثله ليس عنده عطفًا لى عاملين.
(٢) في س: قوله: والأنسب ما أثبتناه.
(٣) ألا: سقطت من د.
(٤) أما: سقطت من د.
(٥) في ب، د: كنت، والأحسن ما أثبتناه.
[ ١ / ١٣٥ ]
[إملاء ١٩]
[إعراب قوله تعالى: "أو أشد خشية"]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة عشر على قوله تعالى: ﴿أو أشد خشية﴾ (١):
يجوز في نصبه (٢) أوجه: أحدها: وهو اختيار الزمخشري (٣)، أن يكون حالًا معطوفًا على الكاف، فيكون المعنى: تخشون الناس مثل أهل خشية الله، ولا يجوز أن تكون (٤) الكاف نعتًا لمصدر محذوف عنده، لأنه كان يلزم أن يكون أو أشد خشية، لأن أفعل التفصيل إذا ذُكر بعده ما هو من (٥) جنسه وجب أن يكون مخفوضًا، لأن الغرض نسبته إلى شيء اشترك هو وهم في ذلك المعنى وزاد عليهم، وهذا معنى الإضافة، إلا أنه خالف باب الإضافة من حيث إنه تجب إضافته إلى شيء هو بعضه، فيكون التقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد. فأشد على هذا في موضع نصب عطفًا على الكاف (٦). ولا ينبغي أن تكون في موضع خفض عطفًا على الأهل الذي قامت (خشية) مقامه، لأنه يكون التقدير: مثل أهل خشية الله، أو مثل قوم أشد خشية، فيكون فيه حذف موصوف وإقامة الصفة مقامه، وليس بقياس في غير المصادر.
_________________
(١) النساء: ٧٧ وقبلها: "فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله".
(٢) أي: نصب (أشد).
(٣) قال الزمخشري: "وأشد معطوف على الحال". الكشاف ١/ ٥٤٣.
(٤) في ب، س: يكون.
(٥) من: سقطت من ب، د.
(٦) وهو ما نص عليه مكي بن أبي طالب. والكاف عنده في موضع نصب نعت لمصدر محذوف تقديره: خشية مثل خشينهم الله. انظر مشكل إعراب القرآن ص ٢٠٣ (تحقيق حاتم الضامن).
[ ١ / ١٣٦ ]
والوجه الثاني: أن تكون (كخشية الله) على ظاهرها نعتًا لمصدر محذوف، فيكون قوله: (أو أشد خشية)، من باب قولهم: جد جده، كأنه جعل للخشية خشية مبالغة، كما جعل للجد جد مبالغة، فيكون ذكر خشية بعد أشد على أنه معنى للخشية لا على أنه جنس، وإن وافق لفظه، فيكون مثل قولك: زيد أشد خشية. وعلى هذا يجوز أن يكون (أشد) معطوفًا على خشية الله المجرورة بالكاف لكونه مصدرًا، ولمصادر يجوز حذف موصوفاتها، يكون التقدير: خشية مثل خشية الله، أو مثل خشية أشد من خشية الله.
والوجه الثالث: أن يكون (أشد) منصوبًا بفعل مضمر دل عليه (يخشون) الأول، فيكون التقدير: يخشون الناس خشية مثل خشية الله، أو يخشون الناس أشد خشية، فتكون الكاف نعتًا لمصدر محذوف، و(أشد) حالًا، وهذا أولى لوجهين: أحدهم: أنه جرت فيه الكاف على ظاهرها، ولا يلزم ما ذكروه في أن المعطوف يشارك المعطوف عليه في العامل، لأن ذلك في المفردات، وهذه جمل، ولا يلزم في مفردات الجمل المعطوف بعضها على بعض أن تكون من باب واحد. والوجه الثاني: أن قوله: "فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا" (١) ليس له وجه مستيم إلا هذا، فينبغي أن يكون هذا في الإعراب مثله لموافقته لفظه، لأنك في (أشد ذكرا)، لا يستقيم أنتقول: هو حال، لأن قوله: (كذكركم)، يمنعه بالظاهر وبالتقدير، ولا يستقيم أن تكون الكاف نعتًا لمصدر محذوف، لأن (أشد ذكرا) يمنعه، ولا يمكن أن يكون (اشد) معطوفًا على (ذكركم)، لأنه كان يجب فيه الخفض، ولا يستقيم أن يكون (أشد) معطوفًا على الكاف والميم في قوله: (كذكركم)، لأنه يكون عطفًا على المضمر المجرور من غير إعادة عامل، وإذا قدرناه جملتين استقام، فيكون المعنى:
_________________
(١) البقرة: ٢٠٠.
[ ١ / ١٣٧ ]
فاذكروا [الله] (١) ذكرا مثل ذكركم آباءكم، أو اذكروا الله في حال كونكم أشد ذكرًا في ذكر آبائكم، وهو الذي ذكرناه.
وذكر الزمخشري (٢) في هذه الآية الأخيرة وجهين: أحدهما: أنه قال: معطوف على ما أضيف إليه الذكر، وهذا عطف على المضمر المخفوض وذلك لا يجوز عنده. ورد قراءة حمزة (٣) أقبح رد (٤)، والوجه الثاني: أنه قال: معطوف على (آباءكم) فيكون التقدير: فاذكروا الله مثل ذكركم آباءكم أو مثل قوم أشد ذكرًا، على معنى: مذكورين كثيرًا، وهذا يلزم منه أن يكون أفعل للمفعول وهو شاذ لا يرجع إليه إلا بثبت، وأفعل لا يكون إلا للفاعل كقولهم (٥): هو أضرب الناس، على معنى: أنه فاعل الضرب، سواءً أضفته أو نصبت عنه تمييز (٦)، والله أعلم بالصواب:
[إملاء ٢٠]
[تثنية الضمير في قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين﴾]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين﴾ (٧):
_________________
(١) زيادة من عندي، يقتضيها المعنى.
(٢) الكشاف ١/ ٣٥٠.
(٣) هو حمزة بن حبيب الكوفي الزيات. أحد أصحاب القراءات السبع. ولد سنة ٨٠ هـ وتوفي سنة ١٥٦ هـ، كان إمام الناس في القراءة بالكوفة بعد عاصم والأعمش. انظر النشر في القراءات العشر ١/ ١٦٦.
(٤) لا أدري ما هي قراءة حمزة، وأين ردها الزمخشري.
(٥) في ب، د، س: كقولك.
(٦) وذكر أبو حيان وجهًا ثالثًا وهو أن يكون منصوبًا بإضمار فعل الكون، والكلام محمول على المعنى، التقدير: أو كونوا أشد ذكرًا له منكم لآبائكم. البحر المحيط ٢/ ١٠٣.
(٧) النساء: ١٧٦. وبعدها: "فلهما الثلثان مما ترك".
[ ١ / ١٣٨ ]
قال أبو علي الفارسي (١): إنما جاز ذلك مع أن التثنية قد استفيدت من الاسم لأنه أريد مجردًا عن الصغر والكبر (٢)، وعلي ذلك يجوز أن يكون (٣) فيه فائدة زائدة (٤) لم تستفد من قوله: كانتا، وتقديره أنه قد علم أن السماء العدد لمطلق المعدودات من غير اعتبار صفة مخصوصة فأطلق ههنا لهذا الغرض. ويرد عليه أن اللفظ وإن كان صالحًا لإطلاقه على الشيء مجردًا عن الصفات باعتبار الذات لا يصح إطلاقه خبرًا دالًا على التجريد عن الصفات، وإنما يعني باللفظ ذاته الموضوعة له. ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني رجل، لا يفهم منه إلا ذات من غير أن يدل على تجريد عن مرض أو جنون أو عقل (٥). ثم ولو سلم صحة إطلاق اللفظ لذلك فهو ههنا لا يصح، إذ لو صح لجاز أن يقال: فإن كانتا على أي صفة حصلت، ولو قيل ذلك لم يصح، لأن تثنية الضمير في (كانتا) لم تصح إلا للإخبار عنه باثنتين، مثل قولك: من كانتا جديتك. فتثنية (كانتا) وإن كان باعتبار الضمير يعود على من لم يصح إلا للإخبار عنه بالمثني، وأولى من ذلك أن يقال: الضمير في (كانتا) عائد على الكلالة، والكلالة تكون واحدًا واثنين وجماعة (٦). فإذا أخبر باثنين حصلت به فائدة، ثم لما كان الضمير الذي في (كانت) العائد على الكلالة هو في المعنى اثنين صح تثنيته،
_________________
(١) هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان الإمام أبو علي الفارسي. واحد زمانه في علم العربية. أخذ عن الزجاج وابن السراج. من مصنفاته: الحجة، الإيضاح العضدي، التكملة توفي سنة ٣٧٧ هـ. انظر إنباه الرواة على أنباه النحاة لأبي الحسن علي بن يوسف القفطي ١/ ٢٧٣ (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم).
(٢) انظر الإيضاح العضدي ١/ ١٢١ (تحقيق الدكتور حسن شاذلي فرهود).
(٣) في الأصل: تكون. وما أثبتناه من د وهو الأحسن.
(٤) زائدة: سقطت من م.
(٥) في ك: تحول. وهو تحريف.
(٦) الكلالة: اسم للورثة الذين ليس فيهم ولد ولا والد. إملاء ما من به الرحمن ١/ ١٧٠، القرطبي ٥/ ٧٧.
[ ١ / ١٣٩ ]
فإذن تثنيته فرع عن الإخبار باثنين، إذ لولاه لم يصح، فصح (١) أنه لم تستفد التثنية إلا من قولك: اثنين (٢). وقد أورد على ذلك اعتراض وهو أن هذه الآية مماثلة لقوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ (٣)، ثم قال: ﴿فإن كن نساء﴾ (٤)، ﴿وإن كانت واحدة﴾ (٥)، فقوله: وإن كانت واحدة، لو كان على ما ذكرتم لوجب أن يصح إطلاق الأولاد على الواحد كما في الكلالة، وإلا كان الضمير لغير مذكور. والجواب بشيء يشمل الجميع وينفي ذلك الأول أيضًا على ما ذُكر، وهو أن يقال: إن الضمير قد يعود على الشيء باعتبار المعنى الذي سيق له ونسب إلى صاحبه، فإذا قلت: إذا جاءك رجال فإن كان واحدا فافعل به كذا، وإن كان (٦) اثنين، فصح إعادة الضمير باعتبار المعنى لأن المعنى المقصود الجائي، فكأنك قلت: فإن كان الجائي من الرجال، لأنه علم من قولك: إذا جاءك. والآية سيقت لبيان الوارث من الأولاد، فكأنه قيل: فإن كان الوارث من الأولاد، لأنه المعنى الذي سيق له الكلام، وكذلك في آية الكلالة، المعنى: فإن كان الوارث من الكلالة، لأنه الغرض المقصود، فقد دخلت الآيتان باعتبار هذا المعنى. ويجوز أن تبقى الآية الأولى على ما ذُكر، ويكون هذا الجواب مختصًا بهذه. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) في د: فيصح.
(٢) قال مكي بن أبي طالب في هذه الآية: "إنما ثنى الضمير في كانتا، ولم يتقدم إلا ذكر واحدة لأنه محمول على المعنى، لأن تقديره عند الأخفش: فإن كان من ترك اثنتين، ثم ثنى الضمير على معنى من". مشكل إعراب القرآن ص ٢١٥.
(٣) النساء: ١١.
(٤) النساء: ١١.
(٥) النساء: ١١.
(٦) في د: كانا. والصواب ما أثبتناه، لأن المقصود، وإن كان الجائي اثنين.
[ ١ / ١٤٠ ]
[إملاء ٢١]
[العامل في قوله تعالى: ﴿إذ تدعون﴾]
وقال أيضًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة ممليًا على قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون﴾ (١):
العامل في ﴿إذ تدعون﴾ على وجه (لمقت الله) الأول (٢)، ومعناه: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم في الآخرة. وليس فيه من الاعتراض سوى الفرق بين المصدر ومعموله بالأجنبي وهو (أكبر) الذي هو الخبر. والجواب عن هذا بأن الظروف اتسع فيها.
وقيل: العامل فيه (مقتكم) الثاني، فيكون المعنى: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون. فاعترض عليه (٣) بأنهم لم يمقتوا أنفسهم إذ كانوا يدعون في الدنيا. فأجيب عنه بأمرين: أحدهما: أن المراد إذ صح كونكم تدعون، مثل قوله: ﴿إذ ظلمتم﴾ (٤). معناه: إذ ثبت ظلمكم، أي: قامت الحجة به عليكم. فعلى هذا يكون: ﴿إذ تدعون﴾ زمن الآخرة أو يكون المراد بأنفسكم أمثالكم من المؤمنين، فيكون (إذ تدعون) للدنيا، والمراد باللفظ غيرهم.
ويجوز أن يكون العامل فيه (أكبر) على التقديرات كلها. ويجوز على
_________________
(١) غافر: ١٠.
(٢) وقد نص ابن جني على ذلك. انظر الخصائص ٣/ ٢٥٦ (حققه محمد علي النجار). ولم يجوزه أبو البقاء. انظر إملاء ما من به الرحمن ١/ ٢١٧.
(٣) في س: عليهم. وما أثبتناه أنسب.
(٤) الزخرف: ٣٩.
[ ١ / ١٤١ ]
الجواب الأول والثاني أن يكون لمقت الله إياكم في الدنيا، ولمقت الله في الآخرة أيضًا صالح لهما. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٢٢]
[استعمال "إذ" في قوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم﴾]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سننة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ (١):
يجوز أن يكون (إذ ظلمتم) بدلا من اليوم (٢)، فيكون المعنى: إذ ثبت ظلمكم، والعامل في (إذ) ما عمل في اليوم، وهو إما النفع المنفي على معنى: أن انتفاعكم في ذلك اليوم منتف، كما تقول: ما نفعني زيد في الدنيا. فالمنفي النفع باعتبار الدنيا، وهو معنى العامل. وعلى هذا لا يكون المنفي من جهة الآية النفع مطلقًا، وإنما هو نفي نفع مخصوص مقيد بكونه في الآخرة. ويجوز أن يكون العامل ما في (لن) من معنى النفي، أي: انتفى في هذا اليوم النفع (٣)، فيكون المنفي النفع مطلقًا.
فإن قلت: فالأشكال في (إذ) باق، لأنها للمضي، وإذا جعلتها من (اليوم)، واليوم يوم القيامة، فقد استعملتها لما هو مستقبل. فالجوابُ: أن النفع المقدر في ذلك اليوم المقصود بالنفي على أن يكون النفي هو العامل إنما يُقدر بعد
_________________
(١) الزخرف: ٣٩.
(٢) أجازه ابن جني في الخصائص ٣/ ٢٢٤، والزمخشري في الكشاف ٣/ ٤٨٩. ونقل ابن هشام عن ابن جني قوله: "راجعت أبا علي مرارًا في قوله تعالى: "ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمت"، الآية، مستشكلًا إبدال "إذ" من اليوم، فآخر ما تحصل فيه أنّ الدنيا والآخرة متصلتان، وأنهما في حكم الله سواء، فكأن اليوم ماض، أو كأن إذ مستقبلة. انظر مغني اللبيب ١/ ٨٧ (دمشق).
(٣) في س: النفي. وهو تحريف.
[ ١ / ١٤٢ ]
ثبوت ظُلمهم، فصار زمان ثبوت الظلم سابقًا للنفع المقدر مستمرًا، فصح التعبير عنه بلفظ المضي لأنه بالنسبة إلى عامله ماض مستمر.
ويجوز أن يكون تعليلًا، فيكون المعنى: لأجل ظلمكم في الدنيا، وفاعلُ (ينفعكم) إما: ﴿أنكم في العذاب مشتركون﴾ (١)، على أنه لا يسليكم التأسي، وإما مضمر يعود على ما قبله، إما القول وإما القرين، وتكون ﴿إذ ظلمتم﴾ على الوجهين المتقدمين على حاله، و﴿وأنكم في العذاب مشتركون﴾ تعليلًا. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٢٣]
[الخلاف في عرفات هل هي مصروفة أو غير مصروفة؟]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة أربع عشرة على قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ (٢):
اختلف العلماء في عرفات ونحوها، هل هي مصروفة أو غير مصروفة؟.
فذهب بعضهم (٣) إلى أنها لا تُوصف بصرف ولا بعدم صرف. وهو الصحيح (٤). وذهب بعضهم إلى أنها غير مصروفة، فهؤلاء يقولون: هذه
_________________
(١) نص عليه أبو البقاء. إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٢٢٧. وتقديره: اشتراكم في العذاب.
(٢) البقرة: ١٩٨.
(٣) في م: بعض الناس.
(٤) في س، وهو صحيح.
[ ١ / ١٤٣ ]
عرفات ورأيت عرفات ومررت بعرفات (١)، وليس بشيء. وذهب قوم إلى أنها منصرفة لعدم ما يمنع الصرف (٢)، وليس بجيد.
الدليل على المذهب الأول: أن المنصرف عبارة عما يقبل الحركات الثلاث والتنوين لفظًا أو تقديرًا، وهذا ليس كذلك (٣). وغير المنصرف ما يمتنع من الجر والتنوين لعلتين، وهذا ليس كذلك.
فإن قال أصحاب المذهب الثاني: فهو ممتنع عندنا من الخفض والتنوين لوجود العلتين. قلنا: هذا فاسد من جهة أن الجموع إذا سمي بها بقيت على حالها التي كانت عليه قبل التسمية في الإعراب. ألا ترى أنك لو سميت بزيدون امرأة، لقلت: هذه زيدون ورأيت زيدين ومررت بزيدين. فإن قالوا: في "زيدون" إذا سميت به وجه آخر، وهو أن تقول: هذه زيدين (٤)، وإنما قبل: زيدين بالياء ولم يقل زيدون بالواو لأن الياء أخف، ولأنه أكثر، ورأيت زيدين ومررت بزيدين، فتعربه بأعراب المفرد غير المنصرف إن كانت فيه علتان، وبإعراب المنصرف إن لم يكن فيه علتان. قلنا: إنما كان كذلك من جهة أنه معرب بالحروف، وهو خلاف إعراب المفردات، فجعل له وجه آخر ليشبه المفرد في إعرابه لما جعل في المعنى اسما لمفرد.
وأما عرفات وشبهه فهو معرب بالحركات، فلا يلزم من تغيير "زيدون" لما جعل مفردا لكونه معربا بالحروف أن يغير عرفات وليس معربا بالحروف.
_________________
(١) حكاه النحاس عن الأخفش والكوفيين. إعراب القرآن ١/ ٢٤٦.
(٢) قال سيبويه: "ألا ترى إلىعرفات مصروفة في كتاب الله ﷿ وهي معرفة، والدليل على ذلك قول العرب: هذه عرفات مباركًا فيها". الكتاب ٣/ ٢٣٣.
(٣) ليس: سقطت من س.
(٤) أي: يجري مجرى غسلين. فيعرب بحركات ظاهرة على النون.
[ ١ / ١٤٤ ]
ووجه آخر وهو: أن "زيدين" إذا أعرب بالحركات كان منصرفا تدخله (١) الحركات الثلاث والتنوين إن لم تكن فيه علتان، وغير منصرف يمتنع منه الجر والتنوين إن كانت فيه علتان، وأما عرفات فلا يتحقق فيه دخول الحركات الثلاث ولا امتناع الجر والتنوين لأجل العلتين، فلا يلزم من الحكم على "زيدين" بمنع الصرف الحكم على عرفات.
وأما المذهب الثالث فغاية ما يقولونه: إنه منصرف لأنه لم يجتمع (٢) فيه علتان. والكلام عليهم من وجهين: أحدهما: أنا نقول: إن كان منصرفا لزم أن يدخله الحركات الثلاث والتنوين، وهذا ليس كذلك. والوجه الثاني: أنا نقول: لو سمينا به امرأة لوجب أن تكون فيه علتان بلا خلاف، وعند ذلك لا يخلو إما أن تعربوه على حاله، فوجب ألا يقل: إنه غير منصرف لأنه لم يمتنع من الجر والتنوين ولم يدخله الفتح، وإما أن تعربوه إعراب ما لا ينصرف، فيكون مذهبكم حينئذ هو المذهب الثاني، وقد تقدم بطلانه. لأن غاية ما قدره هؤلاء أنه ههنا ليست فيه علتان إذ جعلوا التأنيث اللفظي فيه لا اعتداد به لكونه للجمع، والتأنيث التقديري لا اعتداد به لتعذر تقديره مع تاء الجمع فمشوا مذهبهم في عين (٣) المسألة بعض مشي. فإذا فرض تسميتهم بها امرأة وجب أن تكون فيه علتان، وعند ذلك إما أن يسلموا ما ذكر أولًا، وإما أن يكون مذهبهم هو المذهب الثاني. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) في الأصل: يدخله، وما أثبتناه من د، س. وهو الأحسن.
(٢) في م، د: تجتمع. وما أثبتناه أحسن.
(٣) في د: غير. وهو تحريف.
[ ١ / ١٤٥ ]
[إملاء ٢٤]
[إعراب قوله تعالى: ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾ (١):
في (٢) إعرابها أوجه: أحدها: (أنهم) مبتدأ، و(حرام) خبر مقدم واجب تقديمه لما تقرر في النحو من أن خبر "أن" لا بد أن يكون مقدما (٣). وهذا إن جعلت فيه (لا) نافية سد المعنى، إذ يصير التقدير: انتفاء رجوعهم ممتنع، فيؤدي إلى معنى الإثبات، إذ نفي النفي إثبات قطعًا. وإن جعلت (لا) زائدة استقام، ومنهم من كره زيادة لا. و(حرام) خبر مبتدأ مقدر تقديره: وهو أو ذاك حرام، يعني ما تقدم من العمل الصالح المدلول عليه قوله: ﴿فمن يعمل من الصالحات﴾ (٤)، ويكون (أنهم لا يرجعون) تعليلًا لقوله: وذاك حرام، كأنه قيل: لم كان ممتنعًا؟ فقيل: لأنهم لا يرجعون. وقد يضعف هذا الوجه بأنه معلوم امتناع العمل على الهالك، فهو إخبار بما قد تحقق وعلم. ويجاب عنه (٥): بأن المراد امتناع دخولهم الجنة، وكنى عنه بامتناع العمل الصالح وهو السبب، فكأنه ترك ذكر المسبب وذكر السبب، فكأنه قيل: ممتنع دخولهم
_________________
(١) الأنبياء: ٩٥.
(٢) في: سقطت من س.
(٣) قول ابن الحاجب: "من أن خبر أن لابد أن يكون مقدمًا" فيه إبهام. وكان عليه أن يقول: من أن خبر أن وصلتها لابد أن يكون مقدمًا، حتى لا يقع لبس. والمبتدأ إذا كان أن وصلتها فالخبر يكون مقدمًا وجوبًا كقولك: عندي أنك فاضل، إلا إذا وقع بعد أما فيكون تأخير الخبر جائزًا كقول الشاعر: عندي اصطبار وأما أنني جزع يوم النوى فلو جد كاد يبريني انظر مغني اللبيب ١/ ٢٧٩ (دمشق). وأوضح المسالك ١/ ٢١٣.
(٤) الأنبياء: ٩٤.
(٥) عنه: سقطت من ب.
[ ١ / ١٤٦ ]
الجنة لامتناع عملهم (١). وقوله: ﴿حتى إذا﴾ (٢). غاية متعلقة بقوله: ﴿حرام﴾، وهي غاية له، لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة. وهي "حتى" التي يحكى بعدها الكلام. والكلام المحكي من الشرط والجزاء، أعني "إذا" وما في حيزها. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٢٥]
[إعراب قوله تعالى: ﴿أيهم أشد﴾]
وقال أيضا ممليًا بالقاهرة سنة عشر على قوله تعالى: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا﴾ (٣).
قال الشيخ: اختلف في إعرابها. فمذهب الخليل (٤) أنه مرفوع على الحكاية تقديره: لننزعن الذي يقال فيهم: أيهم أشد (٥). فهي على هذا استفهامية، ولذلك قدر القول ليصح وقوع الاستفهام بعده. ومذهب سيبويه (٦)
_________________
(١) وقد ذكر ابن هشام في إعرابها وجهًا آخر وهو أن يكون قوله: حرام، مبتدأ وأن وصلتها فاعل أغنى عن الخبر، وقد نقله عن أبي البقاء. ولكن ابن هشام لم يجيزه، لأنه ليس بوصف صريح، ولأنه لم يعتمد على نفي ولا استفهام. انظر معنى اللبيب ١/ ٢٧٩ (دمشق).
(٢) الأنبياء: ٩٦ الآية بتمامها: "حتى إذا فتحت يأجوج وهم من كل حدب ينسلون".
(٣) مريم: ٦٩.
(٤) هو الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي. كان ذكيًا فطنًا شاعرًا. واستنبط من العروض ومن علل النحو ما لم يستنبط أحد. توفي سنة ١٧٠ هـ، وقيل سنة ١٧٥ هـ وهو ابن أربع وسبعين سنة. انظر مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي ص ٥٤ (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم).
(٥) قال سيبويه: "وزعم الخليل أن أيهم إنما وقع في: اضرب أيهم أفضل، على الحكاية كأنه قال: اضرب الذي يقال له أيهم أفضل". الكتاب ٢/ ٣٩٩.
(٦) هو عمرو بن عثمان بن قنبر، مولى بني الحارث بن كعب. ولد بقرية من قري شيراز يقال لها البيضاء. وكان أعلم الناس بالنحو بعد الخليل. وألف كتابه الذي سماه الناس قرآن النحو. توفي سنة ١٨٠ هـ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. انظر مراتب النحويين ص ١٠٦، وإنباه الرواة على أنباه النحاة ٢/ ٣٤٦.
[ ١ / ١٤٧ ]
أنه مبنى على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلته، حتى لو جيء به لأعرب، فقيل: أيهم هو أشد، فهي على هذا موصولة بمعنى الذي في موضع نصب مفعولًا. لـ (ننزعن)، أي: لننزعن، الذي هم أشد، فضمها بناء (١). وأيهم الموصولة تبني عند حذف صدر الصلة على الأفصح، فإن جاءت كاملة الصلة أعربت باتفاق كقولك: ضربت أيهم هو قائم. ومذهب سيبويه الصحيح، لأن قول الخليل يلزم منه أمور: أحدها: حذف كثير وهو على خلاف القياس. وإنما القول الذي يصح حذفه قول مفرد غير واقع صلة، مثل قوله تعالى: ﴿والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾ (٢). وكذلك قوله: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم﴾ (٣). ومثله في القرآن كثير. وأما حذف الصلة والموصول جميعًا فهو بعيد .. الثاني: أن المعنى لا يستقيم إلا أن يقدر: الذي يقال فيه هو أشد، وليس الكلام كذلك. والثالث: أن الاستفهام لا يقع إلا بعد أفعال العلم أو القول على الحكاية، ولا يقع بعد غيره من الأفعال، تقول: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ ولو قلت: ضربت أزيد عندك أم عمرو؟ لم يجز. و(ننزعن) ليس من أفعال العلم. فإذا قلت: ضربت أيهم قام، فالوجه أن تقول: هي الموصولة لا أن تقول: ضربت الذي يقال فيه (٤) أيهم قام. وإنما
_________________
(١) قال سيبويه: "وأرى قولهم: اضرب أيهم أفضل، على أنهم جعلوا هذه الضمة بمنزلة الفتحة في خمسة عشر، وبمنزلة الفتحة في الآن، حين قالوا: من الآن إلى غد، ففعلوا ذلك يأتيهم حين جاء مجيئًا لم تجئ أخواته عليه إلا قليلًا، واستعمل استعمالًا لم تستعمله أخواته إلا ضعيفا". الكتاب ٢/ ٤٠٠.
(٢) الأنعام: ٩٣.
(٣) الزمر: ٣.
(٤) في س: فيهم، والصواب ما أثبتناه لأن الضمير يعود على مفرد.
[ ١ / ١٤٨ ]
يوهم مثل ذلك لكون اللفظ صالحا لجهة أخرى مستقيمة، فيتوهم المتوهم أن حمله على الجهة الأخرى مستقيم. والذي يدل عليه أنك لو قدرت موضعه استفهامًا صريحًا ليس له جهة أخرى يستقيم باعتبارها لم يجز، فلو قلت: ضربت أزيد عندك أم عمرو؟ لكان منافيًا لكلام العرب، بخلاف قولك: ضربت أيهم عندك. فلو كانت أيهم استفهامًا يجوز فيها ذلك التقدير لجاز في الاستفهام الذي بمعناها، وإنما المجوز لها ما ذكرناه من كونها موصولة، فثبت أن الوجه مذهب سيبويه، ولا يلزم إلا حذف المبتدأ، وهو سائغ في كل موضع عند قيام القرينة (١). وفي هذا الباب قياس للزوم القرينة، وإنما لم يقع الاستفهام إلا بعد أفعال العلم أو القول. أما القول فلأنه يحكى بعده كل شيء فلا إشكال فيه. وأما أفعال العلم فإنما وقع بعدها الاستفهام لأحد أمرين: إما يكون الاستفهام مستعلمًا به؛ فكأنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ كان معناه: أعلمني، فإذا قلت: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ كان معناه: علمتُ ما يطلبُ إعلامك بهذا، فصح وقوعه لما بينهما من الاشتراك في معنى العلم، وحُمِل الحسبان والظن عليها لكونها من بابها. وإما لكثرتها في الاستعمال (٢)، فجعل لها شأن في الكثرة ليس لغيرها، كما جُعل لها خصائص في غير ذلك. ولم يكثر غيرها كثرتها (٣)، والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) قال سيبويه: "وجاز إسقاط هو في أيهم كما كان: لا عليك، تخفيفًا، ولم يجز في أخواته إلا قليلًا ضعيفًا". الكتاب ٢/ ٤٠٠.
(٢) في س: الاستفهام. وهو تحريف.
(٣) وقد فصل أبو البقاء القول في هذه الآية وذكر عدة وجوه: منها: أن الجملة مستأنفة، وأي استفهام، ومن زائدة، ونسب هذا القول للأخفش والكسائي. ومنها: أن "أيهم" مرفوع مشيعة، لأن معناه: تشيع، ونسبه للميرد. انظر إملاء ما من به الرحمن ٢/ ١١٥.
[ ١ / ١٤٩ ]
[إملاء ٢٦]
[إعراب قوله تعالى: ﴿يورث كلالة﴾]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة اثنتي عشرة على قوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾ (١).
قال: (كلالة) يكون للوارث ممن ليس بولد ولا والد، وللموروث الذي ليس بولد ولا والد، ولنفس المعنى الذي هو القرابة التي ليست باعتبار ولد ولا والد. فإن كانت للمعنى نصبت على المفعول لأجله (٢) سواء كان الرجل وارثًا أو موروثًا، تقديره: وإن كان رجل موروث لأجل هذه القرابة. وإن كانت للميت فالمعنى: وإن كان رجل موروث في حال كونه كلالة، فنصبها على الحال من الضمير في (يورث)، والعامل (يورث)، وكذلك إن كانت للوارث فمعناها: وإن كان رجل مورث؛ ويكون (يورث) من أورث بمعنى: ورث، والرجل الذي يورث هو الوارث، فنصبه على الحال (٣).
والأولى في (كان) أن تكون تامة على معنى: وإن حدث أو وقع. وبقية الأقوال المذكورة في نصبها ليست بالقوية (٤). والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) النساء: ١٢.
(٢) في س: من أجله.
(٣) وهذا الذي ذكره ابن الحاجب في معناها وإعرابها هو ما ذكره أبو البقاء العكبري في إملاء ما من به الرحمن ١/ ٧٠، وابن هشام في المعنى ٢/ ٥٢٩ (محيي الدين).
(٤) منها: ما ذكره الزمخشري أنها خبر كان. الكشاف ١/ ٥٠٩.
[ ١ / ١٥٠ ]
[إملاء ٢٧]
[إعراب قوله تعالى: ﴿غافر الذنب وقابل التوب﴾]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول﴾ (١):
غافر الذنب: لا يستقيم أن يكون صفة لقوله: ﴿من الله العزيز العليم﴾ (٢)، لأن غافر الذنب وقابل التوب معناه: أنه يغفر الذنب ويقبل التوب، قال الله تعالى: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ (٣). وقال: "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده" (٤). فيكون في معنى الحال أو الاستقبال، فتكون إضافته غير محضة، فيكون نكرة.
وأجيب عن ذلك بأن غافر الذنب على معنى ثبوت ذلك له، وإذا كان على معنى ثبوت ذلك له فهو بمعنى المضي، فتكون إضافته محضة فيفيد التعريف فيصح وصف المعرفة به. وهذا الجواب وإن كان سديدًا في (غافر الذنب)، و(قابل التوب) إلا أنه لا يمكن مثله في (شديد العقاب)، لأن (شديد العقاب) لا تكون إضافته إلا غير محضة على كل حال، لأنه صفة مشبهة، فلا يفرق بين ماضية وغيره بخلاف اسم الفاعل، فلا يكون إلا نكرة، فيبقى الاعتراض قائما.
فحكم بعض النحويين بأن (شديد العقاب) بدل (٥) بعد أن حكم بأن (٦)
_________________
(١) غافر: ٣.
(٢) غافر: ٢.
(٣) الزمر: ٥٣.
(٤) الشورى: ٢٥.
(٥) وهذا مذهب النحاس. انظر إعراب القرآن ٣/ ٤.
(٦) في ب: أن.
[ ١ / ١٥١ ]
ما قبله صفات بالوجه الذي ذكرناه.
واختار بعضهم أن يكون (غافر الذنب) من أول الأمر بدلًا كراهة أن يخالف بين الصفات فيجعل بعضها صفة وبعضها بدلا، وأجرى البواقي عليها بدلًا (١)، فكأنه قال: من الله العزيز العليم من رب غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب.
وفي هذه الصفات إشكال آخر، وهو قوله: ذي الطول، فإنه معرفة فلا يحسن أن يكون صفة لقولك: من الله، لأنك فصلت بينه وبينه بالبدل، ولا يحسن أن يكون صفة للبدل لأنه نكرة، و(ذي الطول) معرفة، فالأولى أن يقال: هو بدل أيضًا ثان من البدل الأول، كأنه قال: من الله العزيز العليم من رب غافر الذنب من الله ذي الطول. فعلى هذا يستقيم، ولكن بتقدير بدل بعد بدل. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٢٨]
[وضع الظاهر موضع الضمير في قوله تعالى: ﴿ذوقوا عذاب النار﴾]
وقال أيضًا - هذه من خطة سألته عنها بالقاهرة سنة ثلاث عشرة وستمائة، فكتبها بيده الكريمة - على قوله تعالى: ﴿وأما الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ (٢)، إلى قوله: ﴿ذوقوا عذاب النار﴾:
فإن قيل: لم أعيد ذكر النار ظاهرًا؟ ولم لم يستغن بالضمير عن الظاهر لتقدم الذكر في قوله: فمأواهم النار؟. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن
_________________
(١) قال الزمخشري: "الوجه أن ياقل: لما صودف بين هؤلاء المعارف هذه النكرة الواحدة قد آذنت بأن كلها أبدال غير أوصاف". الكشاف ٣/ ١٤١٣.
(٢) السجدة: ٢٠.
[ ١ / ١٥٢ ]
سياق الآية التهديد والتخويف وتعظيم الأمر، وفي ظاهر لفظ النار من ذلك ما ليس في الضمير، ألا ترى إلى قوله:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغني والفقيرا (١)
ومثل ذلك في جعل الظاهر موضع الضمير لغرض في مساق الكلام وإن اختلف المساقان، قوله تعالى: ﴿إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾ (٢). و﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا﴾ (٣). ومثل ذلك في القرآن كثير. والوجه الثاني: أن الجملة الواقعة بعد القول حكاية لما يقال لهم يوم القيامة عند إرادتهم الخروج من النار، فلا يناسب ذلك وضع المضير موضع الظاهر، لأن القول لهم إنما هو بذكر النار، وليس قولهم حينئذ متقدمًا عليه ذكر النار حتى يقال: لم يأت ضمير، وإنما اتفق ذكر النار قبلها عند ذكر الجملة التي قبلها خبرًا عن أحوالهم، فلما سيق بعدها للإخبار بما يقال لهم في الآخرة في ذلك الوقت، ذكر الكلام على استقلاله. ألا ترى أنك لو قلت: جاءني غلام زيد، وقلت له: سافر زيد، لم يحسن وقوع الضمير ههنا موقع (٤) الظاهر، وإن تقدم الذكر. وسببه ما ذكرناه (٥). والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) البيت من الخفيف، وهو لعدي بن زيد. انظر ديوانه ص ٦٥ (حققه وجمعه محمد جبار المعيبد - بغداد). ونسبه سيبويه لسواد بن عدي، الكتاب ١/ ٦٢. وهو من شواهد الخزانة ١/ ١٨٣، والخصائص ٣/ ٥٣، وشرح الكافية للرضي ١/ ٩٢، واللسان (نغص). والشاهد فيه إعادة الظاهر مكان المضمر.
(٢) الأعراف: ١٧٠.
(٣) الكهف: ٣٠.
(٤) في س: موضع.
(٥) في ب: بيناه.
[ ١ / ١٥٣ ]
[إملاء ٢٩]
[إعراب قوله تعالى: ﴿والذين لا يؤمنون في آذائهم وقر﴾]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمي﴾ (١):
يجوز أن يكون (٢) مخفوضًا عطفًا على قوله: ﴿للذين آمنوا﴾. وقوله: ﴿في آذانهم وقر﴾، مرفوع على العطف على قوله: هدى، و(في آذانهم) بيان لمحل الوقر لا خبر (٣) للمبتدأ الذي هو وقر، لأن و(الذين لا يؤمنون في آذانهم وقر) عطف على قوله: ﴿للذين آمنوا هدى وشفاء﴾، فلا بد أن يكون موافقًا له في الإعراب، فيجب أن يكون المعطوف على (للذين) مخفوضًا، والمعطوف على (هدى)، مرفوعًا بالابتداء، ويكون المخفوض مع تقدير خافضه هو الخبر، كما أن الأول كذلك، وإلا لم يكن معطوفًا عليه، ولا يستيم أن يقال: اجعل (في آذانهم وقر) جملة في موضع رفع معطوفة على هدى، لأنه يؤدي (٤) إلى أن يكون المبتدأ جملة، ولا يكون ذلك، إذ (٥) المخبر عنه لا يكون جملة أبدًا، ويلزم من هذا التقدير أن يكون عطفًا على عاملين، ومثل هذا في العطف على عاملين جائز عند المحققين المتأخرين، كقولك: في الدار زيد والحجرة وعمرو، وما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة (٦)، ونظائره، وهو كثير.
_________________
(١) فصلت: ٤٤.
(٢) الضمير في (يكون) يعود على (الذين) الثاني.
(٣) في الأصل لا خبرًا. والصواب ما أثبتناه لأنه مرفوع عطفًا على ما قبله.
(٤) في س: مؤد.
(٥) في س: لأن.
(٦) انظر الإملاء رقم ١٨ من هذا القسم حيث تحدث المؤلف عن مسألة العطف على عاملين.
[ ١ / ١٥٤ ]
ويجوز (١) أن يكون (والذين لا يؤمنون) مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: هو في آذانهم وقر، على أن يكون المبتدأ الثاني محذوفًا وخبره وقر، و(في آذانهم) بيان لمحل الموقر، ولا يكون الوقر مبتدأ بهذا التقدير، لأنه قد قدر: هو. فإذا جعلت (في آذانهم وقر) مبتدأ وخبرًا عن (هو) لم يستقم، إذ لا عائد في الجملة على المبتدأ، وإنما احتيج إلى تقدير (هو) في هذا الإعراب ليحصل ربط بين الجملة الثانية والأولى، لأن الأولى قوله (٢): (هو للذين آمنوا هدى وشفاء) وهو إخبار عن القرآن بأنه للمؤمنين هدى وشفاء، فإذا لم يكن في الثانية ذكر القرآن كانت أجنبية عنها، فلأجل (٣) ذلك قدر (هو).
ويجوز أن يكون (والذين لا يؤمنون) مبتدأ (٤)، خبره (٥) (في آذانهم وقر)، من غير تقدير: هو، ويكون العائد على (الذين) الضمير في قوله: آذانهم، ويكون الرابط المحتاج إليه في المعنى، تقديره: والذين لا يؤمنون به. ويجوز أن يكون قوله: ﴿وهو عليهم عمي﴾ مرتبطًا (٦). بقوله: ﴿هو للذين آمنوا هدى وشفاء﴾. فذكر في الجملة الأولى أن القرآن للمؤمنين شفاء، وفيه عكسه على الذين لا يؤمنون، لأن الضمير على (عليهم) للذين لا يؤمنون، وتكون الجملة التي هي قوله: ﴿والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر﴾ معترضة في غير تقدير ضمير كالجمل المعترضة. وفيها تقدير دم من لم يؤمن، وهو من جملة المعاني الذي سيق الكلام له، وتكون هذه الجملة المعترضة، إما على طريق الدعاء، وإما على طريق الإخبار، إذ كلا الأمرين في المعترضة جائز. وكان أصل
_________________
(١) في الأصل وفي م: ولا يجوز. والصواب ما أثبتناه، لأن المعنى يقتضيه.
(٢) قوله: سقطت من ب.
(٣) لأجل: سقطت من ب.
(٤) ذكره النحاس. انظر إعراب القرآن ٣/ ٤٤.
(٥) في ب، س: وخبره.
(٦) في الأصل: مرتبط. وهو خطأ.
[ ١ / ١٥٥ ]
الكلام: وهو على الذين لا يؤمنون عمي، فلما قدمت الجملة المعترضة وفيها ذكرهم على الذم أو الإخبار بوقر الأذان استغنى عن الإظهار، فأضمر في (عليهم) ذكرهم، والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٣٠]
[توجيه قراءات قوله تعالى: ﴿إن هذان لساحران﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿إن هذان لساحران﴾ (١):
قرأ أبو عمرو إن هذين لساحران (٢). وهي قراءة واضحة. وكذلك روي عنه أنه قال: إني لأستحيي أن أقرأ: إن هذان لساحران، ولعله لم يثبت عنده تؤاثره.
وقرأ ابن كثير (٣) وحفص (٤) إن هذا لساحران. إلا أن ابن كثير شدد النون، ولها وجهان: أحدهما: ما ذهب إليه البصريون أن إن مخففة من الثقيلة، وهذان مبتدأ، لبطلان عمل إن لتخفيفها، ولساحران: خبر، واللام
_________________
(١) طه: ٦٣.
(٢) قرأ أبو عمرو إن هذين لساحران: سقطت هذه العبارة من م.
(٣) هو عبد الله بن كثير بن المطلب الإمام أبو سعيد. ولد سنة ٤٥ هـ. وتوفي سنة ١٢٠ هـ. قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء. كان إمام الناس بمكة حتى مات. لقي من الصحابة عبد الله بن الزبير وأبا أيوب الأنصاري وأنس بن مالك. انظر معرفة القراء الكبار للذهبي ١/ ٧١ (تحقيق محمد سيد جاد الحق).
(٤) هو حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي. ولد سنة ٩٠ هـ وتوفي سنة ١٨٠ هـ. أخذ القراءة عن عاصم، وكان ريبيه وابن زوجته. انظر غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري ١/ ٢٥٤.
[ ١ / ١٥٦ ]
عندهم هي اللام الفارقة بين إن المخففة والنافية، فتدخل على الخبر إن كان بعدها جملة اسمية، وعلى ما هو في معناه إن كان بعدها جملة فعلية. ولذلك التزموا أن يكون الفعل الواقع بعدها من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر؛ وجوز الكوفيون غيره (١).
والوجه الثاني: ما ذهب إليه الكوفيون أن إن نافية وما بعدها مبتدأ، واللام بمعنى إلا وما بعدها خبر المبتدأ، كأنك قلت: ما هذان إلا ساحران.
وقرأ الباقون: إن هذان لساحران. وهي مشكلة، وأظهرها أن يقال: إن (هذا) مبني لأنه من أسماء الإشارة، فجاء في الرفع والنصب والجر على حال واحدة، وهي لغة واضحة، ومما يقويها أن اختلاف الصيغ في اللغة الأخرى ليست إعرابًا في التحقيق لوجود علة البناء من غير معارض، لأن العلة في بناء هذا وهؤلاء كونها اسم إشارة، وهذا كذلك (٢).
وقد قيل: إن (إن) بمعنى نعم (٣)، وهذان لساحران: مبتدأ وخبر، وهو ضعيف من جهة أن (إن) بمعنى نعم (٤) لم يثبت إلا شاذًا، ومن جهة أن لام الابتداء لا تدخل على الخبر مع كونها (٥) مبتدأ.
وأما من قال: إن (إن) فيها ضمير الشأن محذوفًا، والمراد: إنه هذا
_________________
(١) انظر معاني القرآن للقراء ٢/ ١٨٤ وإعراب القرآن للنحاس ٢/ ٣٤٣ ومغني اللبيب ١/ ٣٨ (محي الدين).
(٢) ونسب هذا الرأي لابن كيسان. انظر إنباه الرواة على أنباه النحاة ٣/ ٥٨. وهو قول غريب، فيه مخالفة لجمهور النحاة.
(٣) نقله ابن خالويه عن المبرد. انظر الحجة في القراءات السبع لابن خالويه ص ٢٤٢ (تحقيق وشرح الدكتور عبد العال سالم مكرم).
(٤) نعم: سقطت من ب.
(٥) في الأصل: كونه. وما أثبتناه هو الصواب. لأن معنى العبارة: مع كونها يبتدأ بها.
[ ١ / ١٥٧ ]
لساحران، فأضعف لدخول اللام في الخبر، ولأن حذف (١) ضمير الشأن المذكور لم يثبت إلا شاذًا في مثل قولهم:
إن من يدخل الكنيسة يوما (٢).
وعلى ثبوته فهو ضعيف باتفاق، والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٣١]
[توجيه قراءات قوله تعالى: ﴿والبحر يمده﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر﴾ (٣):
من قرأ (والبحر) بالنصب (٤) فمعطوف على اسم أن، ويمده: خبر له، أي: لو ثبت أن البحر ممدود من بعده بسبعة أبحر؛ ولا يستقيم أن يكون (يمده) حالًا في قراءة النصب، لأنه يؤدي إلى تقييد المبتدأ الجامد بالحال، لأنها بيان لهيئة الفاعل أو المفعول (٥)، والمبتدأ لا فاعل ولا مفعول، فهو (٦) ممتنع، ويؤدي إلى أن يكون المبتدأ لا خبر له، ألا ترى أنه لا يستقيم أن يكون خبر الأول
_________________
(١) حذف: سقطت من ب.
(٢) هذا صدر بيت من الخفيف وعجزه: يلق فيها جآذرا وظباء. وينسب للأخطل، وليس في شعره (صنعة السكري. تحقيق د. فخر الدين قباوة). وهو من شواهد مغنى اللبيب ١/ ٣٦ (دمشق)، والمقرب ١/ ١٠٩، وأمالي بن الشجري ١/ ٥٩٥ (دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت)، وابن يعيش ٣/ ١١٥ (عالم الكتب. بيروت). والشاهد فيه حذف ضمير الشأن شذوذًا.
(٣) لقمان: ٢٧.
(٤) وهي قراءة أبي عمرو وابن أبي إسحق. القرطبي ١٤/ ٧٧.
(٥) في الأصل: والمفعول. وما أثبتناه أنسب.
(٦) في ب، د: وهو. والصحيح ما أثبتناه.
[ ١ / ١٥٨ ]
خبره، لأن الأقلام خبر الأول، فلا يستقيم أن يقدر مثلها خبرًا له.
وأما من قرأ بالرفع (١) فمعطوف على افاعل بثبت المراد بعد لو (٢)، وهو أن واسمها وخبرها جميعًا المقدرة بالمفرد المصدر من خبرها إن أمكن، وإلا قدر كونًا، فإذا قلت: أعجبني أن زيدا ضارب، فتقديره: ضرب زيد، وإذا قلت: سرني أن زيدًا أخوك، فتقديره: سرني كون زيد أخاك، والتقدير ههنا: ولو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلامًا والبحر، فالبحر معطوف على ما هو في معنى الكون المقدر، فـ (يمده) لا يصح أن يكون خبرًا لأن الفاعل لا خبر له فيجب أن يكون حالًا، أي: ولو ثبت البحر في حال كونه ممدودًا بسبعة أبحر، والمعنى عليه. ولا يستقيم أن يقال: إن البحر معطوف على موضع (أن) لأن العطف على الموضع في (أن) شرطه أن تكون مكسورة، مثل: إن زيدًا قائم وعمرو، أو في تأويل المكسورة في الأصل (٣)، مثل علمت أن زيدًا قائم وعمرو. ومثل: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ (٤). لوقوعه بعد قوله: وأذان، بمعنى: وإعلام. فكان مثل قولك: علمت أن زيدًا قائم وعمرو. وإنما لم يعطف على المفتوحة لفظًا ومعنى لأنها واسمها وخبرها بتأويل جزء واحد مشرك (٥) لأن، فلو ذهبت تقدر "أن" في حكم العدم لأخللت بموضوعها بخلاف "إن" المكسورة، فإنها لا تغير المعنى، فجاز تقدير عدمها لكونها للتأكيد المحض، كما جاز تقدير عدم الباء المؤكدة، في قولك:
_________________
(١) وهي قراءة الجمهور. القرطبي ١٤/ ٧٧.
(٢) قال سيبويه: "وقد رفعه قوم على قولك: لو ضربت عبد الله وزيد قائم ما ضرك. أي لو ضربت عبد الله وزيد في هذه الحال، كأنه قال: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر هذا أمره، ما تقدمت كلمات الله". الكتاب ٢/ ١٤٤.
(٣) انظر ما قاله ابن الحاجب في هذه المسألة في الإملاء (٤٦) من هذا القسم. ص: ١٨٢.
(٤) التوبة: ٣.
(٥) في د، س: مشترك. والصواب ما أثبتناه لموافقته المعنى.
[ ١ / ١٥٩ ]
فلسنا بالجبال ولا الحديدا (١).
والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٣٢]
[تعلق "من غم" في قوله تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم﴾ (٢):
يجوز أن يتعلق قوله: ﴿من غم﴾ بيخرجوا، أي: يخرجوا من أجل الغم، ويجوز أن يتعلق بأرادوا، أي: كلما أرادوا من أجل الغم أن يخرجوا، فأخر عن مفعول (أرادوا)، لأن المفعول أولى بالتقديم.
ويجوز أن يكون بدلا من قوله: منها، بدل الاشتمال، والضمير محذوف للعلم به، أي: من غم فيها، وشبهه (٣). والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) الحج: ٢٢.
(٢) وقد أخذ أبو حيان بهذا الوجه فقال: "ومن غم: بدل من منها، بدل اشتمال، أعيد معه الجار والمجرور، وحذف الضمير لفهم المعنى، أي: من غمها". البحر المحيط ٦/ ٣٦٠. وقال ابن هشام: "فالغم بدل اشتمال وأعيد الخافض وحذف الضمير، أي: من غم فيها". مغنى اللبيب ١/ ٣٦٢ (دمشق).
[ ١ / ١٦٠ ]
[إملاء ٣٣]
[تعلق الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿عنده من الله﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله﴾ (١):
يجوز أن يتعلق (من الله) بـ (كتم)، ويكون الكتمان كتمانه عن الأداء الذي أوجبه الله ككتمانها عن الله. ويجوز أن يتعلق بما تعلق به (عنده)، أي: شهادة حاصلة عنده من الله، على معنيين: أحدهما: أن يراد أنها من قبيل الشهادات التي حصلت من الله واجبًا أداؤها. والثاني: على معنى أنها شهادة حصلت من إخبار الله تعالى، وما أخبر الله تعالى به فهو حق، وكتمان الشهادة إم، ولما أخبر الله بما تقدم كان إخباره موجبًا للعلم بخبره، فهي شهادة من إخبار الله، فإذا كتمها كتم شهادة حاصلة عنده من إخبار الله. ويجوز أن يقدر (من الله) متعلقا بمحذوف غير متعلق (عنده)، والمعنى سواء. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٣٤]
[توجيه قراءات قوله تعالى: ﴿لما آتيتكم﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم﴾ (٢) إلى آخرها.
_________________
(١) البقرة: ١٤٠.
(٢) آل عمران: ٨١ وبعدها: "من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه".
[ ١ / ١٦١ ]
قيل: المراد ميثاق النبيين من غير حذف مضاف (١). وقيل المراد ميثاق أمم النبيين.
واللام في (لما) بالفتح هي اللام الموطئة للقسم المراد. وإن كان القسم مفهومًا من أخذ الميثاق أيضًا، ولذلك يجاب بما يجاب به القسم الإخباري تارة والطلبي أخرى. فمثال الأول، ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم﴾ (٢). ومثال الثاني: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم﴾ (٣).
و(ما) في قوله: لما، شرطية (٤)، منصوبة بآتيتكم، لأنه مسلط عليه تسلط المفعولية، كقولك: أي شيء آتيتكم فاقبله.
و(من كتاب وحكمة) تبيين للمؤتى. وقوله: ثم جاءكم رسول، معطوف على فعل الشرط. وقوله: لتؤمنن، هو في المعنى جواب القسم وجواب الشرط، إلا أنه إذا تقدم القسم على الشرط روعي القسم المقدم بجعل اللفظ له على ما يستحقه جواب القسم، كقوله: ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم ليولن﴾ (٥). وجميع ما في القرآن والكلام الفصيح على هذا. ولذلك التزم في الشرط المؤخر عن القسم المصدر أن
_________________
(١) روي ذلك عن علي وابن عباس وطاووس والحسن والسدي. البحر المحيط ٢/ ٥٠٨.
(٢) البقرة: ٨٤.
(٣) البقرة: ٦٣.
(٤) وهذا مذهب الكسائي. البحر المحيط ٢/ ٥٠٨. وهي عند سبويه بمعنى الذي. قال نقلًا عن الخليل: "ما ههنا بمنزلة الذي، ودخلتها اللام كما دخلت على إن حين قلت، والله لئن فعلت لأفعلن، واللام التي في ما كهذه التي في إن واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا"ز الكتاب ٣/ ١٠٧.
(٥) الحشر: ١٢.
[ ١ / ١٦٢ ]
يكون فعله لا يقبل الجزم بالشرط كما تقدم في مواضع كراهية أن يعمل حرف الشرط في أول الفعلين مع جعل الجواب لغيره، فقصدوا أن يأتوا به غير عامل في الموضع (١) الذي جعلوا الجواب في اللفظ لغيره. وأما لو أتى القسم بعد الشرط فجائز جعله للشرط وجعله للقسم. فإذا جعل للشرط جعل القسم معترضًا، كقولك: إن تكرمني – والله – أكرمك. فإذا جعلته للقسم جعلت القسم وجوابه للشرط، فيجب أن تقول: إن تكرمني فوالله لأكرمنك، لأنه موضع يجب فيه دخول الفاء إذا قصد به جواب الشرط (٢).
ويجوز أن تكون (ما) موصولة: فتكون في موضع رفع بالمبتدأ (٣)، والضمير المحذوف قوله: لما آتيتكموه، و(من كتاب): على معناه، ثم (جاءكم) معطوف على الصلة، والعائد منه على الموصول محذوف، لأن الجملة المعطوفة على الصلة مشروط فيها من الضمير ما يشترط في الصلة، فيكون المعنى عنده أو بعده، أو يكون قوله: لما معكم، سد مسد الضمير، لأنه بمعناه، ويكون قوله: لتؤمنن، خبر المبتدأ. ويجوز الإخبار عن المبتدأ بالجملة القسمية، كقولك: زيد لتضربنه (٤).
وأما من قرأ بالكسر (٥) فهي لام التعليل لقوله: لتؤمنن به ولتنصرنه، من حيث كان مطلوبًا في المعنى، وتكون (ما) مصدرية أو مؤصولة، أي: آمنوا بكتابي وانصروا رسولي لأجل إيتائي إياكم الكتاب والحكمة، أو لأجل الذي
_________________
(١) في ب: المواضع. وما أثبتناه هو الصواب، لأن سياق الجملة يقتضيه.
(٢) وفي هذه المسألة يشترط أن تكون أداة الشرط غير لو ولولا، وإلا جعل الجواب لها مطلقًا. انظر شرح التسهيل لابن عقيل ٢/ ٣٢٤ (تحقيق محمد كامل بركات).
(٣) جوزه أبو حيان. البحر المحيط ٢/ ٥٠٨. إلا أنه جعلها مفعولًا بفعل جواب القسم.
(٤) وذكر أبو حيان وجهًا آخر ونسبة لابن أبي إسحق، وهو أن يكون (لما) تخفيف لمّا، والتقدير: حين آتيتكم. البحر الحيط ٢/ ٥٠٨.
(٥) وهي قراءة حمزة. انظر مشكل إعراب القرآن ص ١٦٥.
[ ١ / ١٦٣ ]
آتيتكموه من الكتاب والحكمة، أو لقوله: وإذ أخذ الله، أي: أخذنا ميثاقهم لأجل ما فضلناهم به من إيتاء الكتاب والحكمة، وجاء على لفظ الخطاب، لأنهم إذا أخذ ميثاقهم كانوا مخاطبين. فجاء على الحكاية، كقوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون﴾ (١)، بالتاء وهي قراءة الأكثرين. وأما من قرأ بالياء (٢) فلمجيئه بلفظ الغيب، وهو قوله: بني إسرائيل. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٣٥]
[توجيه قراءات قوله تعالى: ﴿وإن كلا لما ليوفينهم﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم﴾ (٣):
قرأ نافع (٤) وابن كثير: وإن كلا لما، بتخفيف إن ولما. وقرأ حفص وابن عامر (٥) وحمزة: وإن كلا لما، بالتشديد في إن ولما. وقرأ أبو بكر (٦): وإن كلا
_________________
(١) البقر: ٨٣.
(٢) وهي قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. البحر المحيط ١/ ٢٨٢.
(٣) هود: ١١١. وبعدها: "إنه بما يعملون خبير".
(٤) هو نافع بن عبد الرحمن المدني أحد أصحاب القراءات السبع. ولد سنة ٧٠ هـ وتوفي سنة ١٦٩ هـ. كان إمام الناس في المدينة. أصله من أصبهان. انظر النشر في القراءات العشر ١/ ١١٢.
(٥) هو عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة. ولد سنة ٢١ هـ وقيل سنة ٨ هـ، وتوفي بدمشق رسنة ١١٨ هـ. كان عالمًا مشهورًا. أم المسلمين بالجامع الأموي سنين كثيرة. انظر غاية النهاية في طبقات القراء ١/ ٣٢٥.
(٦) هو شعبة بن عياش الأسدي الكوفي ولد سنة ٩٥ هـ وتوفي سنة ١٩٣ وقيل سنة ١٩٤ هـ. كان إمامًا كبيرًا عالمًا، وكان يقول: أنا نصف الإسلام، انظر غاية النهاية في طبقات القراء ١/ ٣٢٥.
[ ١ / ١٦٤ ]
لما، بتخفيف الأول وتشديد الثاني. وقرأ أبو عمرو والكسائي (١): وإن كلا لما، بتشديد الأول وتخفيف الثاني. وهي واضحة إلا قراءة ابن عامر وحمزة وحفص، فإنها مشكلة، ودونها في الإشكال قراءة أبي بكر.
أما من قرأ: وإن كلًا لما، وهي قراءة ابن كثير ونافع (٢)، فإن مخففة من الثقيلة و(كلا) منصوب بها على إحدى اللغتين في الأعمال والإلغاء، وهي لغة فصيحة. واللام هي اللام الفارقة (٣)، و(ما) زائدة، أو بمعنى الذي و(ليوفينهم) جملة في موضع خبر إن، واللام فيها لام القسم، وحسن زيادة (ما) على القول بأنها زائدة لما قصد إلى جعل (ليوفينهم) جواب قسم، فلم يحسن اجتماع اللامين: اللام الفارقة، ولام جواب القسم، فلولا (ما) لقيل. لليوفينهم، فزيدت لتفرق (٤) بينهما، أو صلة لما إن جعلنا (ما) موصولة، كأنه قيل: وإن هؤلاء الذين والله ليوفينهم ربك أعمالهم.
وأما قراءة أبي عمرو والكسائي فإن (كلا) اسم (إن) وهو واضح، والكلام في (لما ليوفينهم) كالكلام في قراءة نافع ومن معه (٥) سواء إلا التخفيف والتشديد في إن.
_________________
(١) هو علي بن حمزة الكسائي، مولي بني أسد. أحد الأئمة القراء من أهل الكوفة. من تصانيفة: معاني القرآن، الآثار في القراءات، كتاب النوادر. توفي سنة ١٩٣ هـ وقيل سنة ١٨٩ هـ. انظر. طبقات النحويين واللغويين لأبي بكر الزبيدي ص ١٣٨ (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم).
(٢) نسب النحاس هذه القراءة لنافع فقط. إعراب القرآن ٢/ ١١٤.
(٣) لأنها تفرق بين المخففة والنافية.
(٤) في الأصل: ليفرق. وما أثبتناه من ب، س، وهو أحسن.
(٥) ومن معه: سقطت من ب.
[ ١ / ١٦٥ ]
وأما قراءة ابن عامر وحمزة وحفص وهي المشكلة (١)، فقيل: لما مصدر من قوله: ﴿أكلا لما﴾ (٢)، أي: وإن كلا جميعًا، ثم حذف التنوين إجراء للوصل مجري الوقف (٣)، وهو ضعيف، لأن استعمال لما في هذا المعنى بعيد، وحذف التنوين من المنصرف في الوصل أبعد.
وقيل: أصله: لمن ما، فأدغمت النون في الميم، فاجتمع ثلاث ميمات، فاستثقل اجتماع الأمثال، فحذفت الميم الأولى، فبقى لما، وهذا بعيد لا ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله، فإن حذف مثل هذه الميم استثقالًا لم يثبت في كلام ولا شعر، فكيف يحمل عليه كتاب الله.
وقيل: (لما) فعلى من اللم (٤)، ومنع الصرف لأجل ألف التأنيث، والمعنى فيه مثل معنى لما المنصرف، وهذا أبعد، إذ لا يعرف لما فعلى بهذا المعنى ولا بغيره، ثم كان يلزم هؤلاء أن يميلوا لمن أمال، وهو خلاف الإجماع، وأن يكتبوها بالياء، وليس ذلك بمستقيم.
ولو قيل: إن (لما) هذه هي لما الجازمة، حذف فعلها للدلالة عليه، لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم: خرجت ولما، وسافرت ولما، ونحوه، وهو سائغ فصيح. فيكون المعنى: وإن كلا لما يهملوا أو لما يتركوا، لما تقدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعين لقوله: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ (٥)، ثم ذكر الأشقياء والسعداء ومجازاتهم، ثم بين ذلك بقوله: ﴿ليوفينهم ربك
_________________
(١) قال أبو جعفر النحاس: "والقراءة الثالثة بتشديد هما جميعًا عند أكثر النحويين لحن" إعراب القرآن ٢/ ١١٥.
(٢) الفجر: ١٩.
(٣) نسب الزجاج هذا القول لأبي علي. إعراب القرآن ٣/ ٨٤١.
(٤) نسب هذا القول لأبي عبيد القاسم بن سلام. إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١١٥.
(٥) هود: ١٠٥.
[ ١ / ١٦٦ ]
أعمالهم﴾. وما أعرف وجهًا أشبه من هذا، وإن كانت النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن، والتحقيق يأبي استبعاده لذلك.
وأما قراءة أبي بكر فلها وجهان: أحدهما: الوجوه المذكورة في قراءة ابن عامر، فتكون (إن) مخففة من الثقيلة في قراءتهم. والوجه الثاني: أن تكون (إن) نافية، ويكون (كلا) منصوبًا بفعل مضمر تقديره: وإن أرى (١) كلا، أو وإن أعلم ونحوه، و(لما) بمعنى إلا كقوله: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ (٢)، ومن ههنا كانت أقل إشكالًا من قراءة ابن عامر لقبولها هذا الوجه الذي هو غير مستبعد ذلك الاستبعاد، وإن كان في نصب الاسم الواقع بعد حرف النفي استبعاد، ولذلك اختلف في مثل قوله:
ألا رجلًا جزاه الله خيرًا (٣).
هل هو منصوب بفعل مقدر أو نون ضرورة؟ فاختار الخليل إضمار الفعل واختار يونس (٤) التنوين للضرورة (٥). والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) في ب: رأي. وهو خطأ.
(٢) الطارق: ٤.
(٣) هذا صدر بيت من الوافر وعجزه: يدل على محصلة تبيت. وهو من شواهد سيبويه ١/ ٣٠٨ ولم ينسبه لأحد. والرضى ١/ ٢٦٢ وابن يعيش ٢/ ١٠١ ونوادر أبي زيد ص ٥٦ (دار الكتاب العربي. بيروت) والخزانة ١/ ٤٥٩ ونسبه لعمرو بن قعاس المراري. والشاهد فيه نصب (رجلا) بفعل مقدر أو نون للضرورة. هذا على رواية النصب.
(٤) هو يونس بن حبيب، أخذ عن أبي عمرو، وكان النحو أغلب عليه وعاش ثمانيًا وثمانين سنة، وتوفي سنة ١٨٢ هـ. انظر: طبقات النحويين واللغوين ص ٤٨.
(٥) قال سيبويه: "وسألت الخليل ﵀ عن قوله: ألا رجلًا جزاه الله خيرًا يدل على محصلة تبيت فزعم أنه ليس على التمني، ولكنه بمنزلة قول الرجل: فهلا خيرًا من ذلك، كأنه قال: ألا تروني رجلًا جزاه الله خيرًا. وأما يونس فزعم أنه نون مضطرًا". الكتاب ٢/ ٣٠٨.
[ ١ / ١٦٧ ]
[إملاء ٣٦]
[إضافة اليوم إلى الوقت]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله تعالى: ﴿قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم﴾ (١):
إن قيل: كيف أضيف يوم إلى الوقت والمراد به الوقت، فيؤدي إلى أن يكون إلى وقت المعلوم، وكان قوله: إلى الوقت المعلوم، يفيد ذلك؟ والجواب من أوجه: أحدها: أن يكون المراد بالوقت المعلوم النفخ في الصور، فكأنه قال: إلى وقت النفخ، إما على أن يكون الوقت المعلوم (٢) غلب علمًا عليه، وإما على حذف مضاف، أي: إلى يوم نفخ الوقت المعلوم والثاني: أن يكون المراد بالوقت المعلوم القيامة، فيكون مثل قوله: إلى يوم القيامة، إما على حذف مضاف، وإما على أن يكون علمًا على الوجهين المتقدمين. والوجه الثالث: أن يكون المراد بالوقت المعلوم النفخ، والمراد بيومه يوم القيامة، وأضيف إليه لما بينه وبينه من الملابسة، لأنه علامة عليه وسبب إليه. والرابع: أن يكون المراد بالوقت المعلوم (٣) يوم القيامة، والمراد بيومه يوم النفخ، وأضيف يوم النفخ إلى يوم القيامة لملابسته له وسببته عليه، أو بهذه الأوجه يندفع الإشكال، ويندفع معنى إضافة يوم إلى الوقت. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) الحجر: ٣٧، ٣٨.
(٢) المعلوم: سقطت من ب.
(٣) المعلوم: سقطت من م.
[ ١ / ١٦٨ ]
[إملاء ٣٧]
[إعراب قوله تعالى: ﴿لابثين فيها﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة، على قوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابًا﴾ (١):
الظاهر أنه حال من الموصول (٢) وهو الألف [واللام] (٣) لا من الضمير في الصلة، وإن كان (٤) مدلولهما في المعنى ذاتًا واحدة، إلا أنه لما اختلف عاملهما صح تقييد الموصول بمثل هذه، ولم يصح تقييد الضمير. فالعامل فيه الاستقرار العامل (٥) في الجار والمجرور، لأنك لو جعلته حالًا من الضمير في الطاغين لوجب أن يكون العامل طاغين، فيلزم أن يكونوا طاغين في حال كونهم لابثين، فيلزم أن يكون معناه: طغوا في حال لبثهم، وهو غير مستقيم، لأنهم لم يطغوا في حال اللبث ولأن الطغيان المراد ما كان في الدنيا، واللبث في الآخرة، فكيف يستقيم تقييد ماضٍ بحال (٦)؟.
وإذا جُعل حالا من الموصول كان المعنى: استقرت للذين كانوا طاغين في حال كونهم لابثين، أي: في حال كون الذين كانوا طاغين لابثين، لا أنهم طغوا لابثين. ومما يحقق ذلك أن رجلًا لو ضرب غلامه وهو كافر، ثم جاء بعد ذلك
_________________
(١) النبأ: ٢٣. والآية التي قبلها: "للطاغين مآبا".
(٢) وهو قوله: للطاغين. والكلام في إعراب: لابثين.
(٣) زيادة من ب، د، س.
(٤) كان سقطت من ب.
(٥) العامل: سقطت من د.
(٦) قال أبو البقاء العكبري: "لابثين: حال من الضمير في الطاغين، حال مقدرة". إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٢٧٩.
[ ١ / ١٦٩ ]
إليك وهو مسلم، فإن قلت: جاءني الضارب [غلامه] (١) كافرًا، كان حالا من الضمير، وإن قلت: جاءني الضارب مسلمًا، علمت أنه حال من الموصول، إذ لم يضرب في حال كونه مسلمًا، وإنما جاء في حال كونه مسلمًا، فكذلك هذا سواء.
ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبر لـ (كان) على مذهب الكوفيين، كأنه قيل: كانت جهنم لابثًا الطاغون (٢) أحقابًا. فلما تقدم ذكر الطاغين وجب إضماره، وهو جار على غير من هو له، لأنه جار على جهنم خبرًا، وهو في الحقيقة للطاغين. فمن جوز جرى الصفة على غير من هي له من غير إبراز الضمير (٣) فجائز أن يكون هذا منه. ومن لم يجوزه لم يجوز أن يكون منه، ولو كان منه عنده لوجب أن يقال: لابثًا فيها هم أحقابًا.
ويجوز أن يكون منصوبًا بفعل مقدر مستأنف من باب الاختصاص بإضمار أعني أو أذم أي: أعني قومًا لابثين، أو أذم قومًا لابثين وشبهه والوجه هو الأول. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٣٨]
[إعراب قوله تعالى: ﴿إلا قليلًا نصفه﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلًا نصفه﴾ (٤):
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) في س: الطاغين. والصواب ما أثبتناه، لأنه مرفوع باسم الفاعل الذي سبقه.
(٣) انظر تفصيل هذه المسألة في أوضح المسالك ١/ ١٩٤.
(٤) المزمل: ١، ٢ وبعدها: "أو أنقص منه قليلًا".
[ ١ / ١٧٠ ]
إن جعل (نصفه) بدلًا من (قليلًا)، ففيه إشكالان: أحدهما: ما يلزم من أن يكون النصف قليلًا لأنه بدل الكل من الكل، فيجب أن يكون الاسمان صالحين، وليس النصف قليلًا بالنسبة إلى الكل. والإشكال الثاني: أنه يؤدي إلى استثناء غير الأقل، وهو ممنوع عند كثير من النحويين والفقهاء. وإن جعل بدلا من الليل أدى إلى أن يكون المبدل منه مقصودًا غير مقصود، لأن الاستثناء منه يشعر بأنه مقصود، وكونه مبدلا منه يشعر بأنه غير مقصود، وهو ممتنع.
والجواب: أن يكون على أحد وجهين: إما بدلا من الليل (١)، وقولهم: إن الاستثناء يشعر بأنه مقصود، ليس بمستقيم، فإن الاستثناء إنما يكون باعتبار المفردات عند أهل التحقيق، لا باعتبار التركيب. وإذا كان كذلك فلا مناقضة بين كونه مستثنى منه ومبدلا منه. ألا ترى أنك لو قلت: أكرم بني فلان إلا فلانًا نصفهم أو غلمانهم، لكان جائزًا. نعم يلزم أن يكون البدل راجعًا إلى المبقي بعد الاستثناء لا إلى أصل المستثنى منه، وإلا وقع الاستثناء لغوًا. فيكون (نصفه) لليل المستثنى منه القليل لا لليل بكماله، فيرجع إلى دون النصف، ويكون قوله: أو أنقص منه قليلًا، أو أنقص من هذا النصف (٢) الذي هو أقل من النصف، فيصير في التقدير ثلثًا، أو انقص من النصف الأصلي قليلًا، فيكون أدنى من النصف. ويكون (أو زد عليه) على المعنيين المذكورين، فيصير المعنى الأول في معنى (٣) النصف المكمل، والمعنى الثاني في معنى أكثر من النصف. وعلى هذين المعنيين قرئ: أدنى من ثلثي الليل نصفه وثلثه،
_________________
(١) قال أبو البقاء: "نصفه، فيه وجهان: أحدهما: هو بدل من الليل، بدل بعض من كل، إلا قليلًا: استثناء من نصفه. والثاني: هو بدل من: قليلًا". إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٢٧١. ونسب القرطبي هذا القول للزجاج. الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٣٣.
(٢) النصف: سقطت من ب.
(٣) معنى: سقطت من د.
[ ١ / ١٧١ ]
بالخفض عطفًا على ثلثي الليل (١)، فيكون المعنى أقل من نصفه وأقل من ثلثه، وبالنصب عطفًا على أدنى، فيكون المعنى نصفًا مكملًا وثلثًا مكملًا.
والوجه الثاني: أن يكون (إلا قليلًا) استثناء من نصفه مقدمًا عليه لرؤوس الآي، فيكون التقدير: قم نصف الليل إلا قليلًا، موافقًا لقوله: ونصفه بالخفض أو أنقص منه قليلًا، يعني: من النصف المستثنى منه، فيكون موافقًا لثلثه بالنصب والخفض جميعًا، لأن أقل من النصف بقليل (٢) يجوز أن يكون ثلثًا، ويجوز أن يكون أقل.
وقوله: (أو زد عليه)، أو زد على النصف المكمل، فيكون موافقًا للقراءتين جميعًا، لأن أكثر من (٣) النصف يجوز أن يكون ثلثين، ويجوز أن يكون أقل منهما. هذا كله إذا لم يجعل (نصفه) بدلًا من (قليلا). فإن جعل (نصفه بدلا من (قليلًا) وصح إطلاق القليل عليه، كان المعنى: قم الليل إلا نصفه، أي: قم نصفه، فيكون موافقًا لقراءة (نصفه) بالنصب. وقوله: (أو انقص منه قليلًا)، أي: أو انقص من النصف وهو مكمل على كل تقدير، فيكون موافقًا للنصب والخفض في ثلثه، لأن أقل من النصف يجوز أن يكون ثلثًا، ويجوز أن يكون أقل من الثلث، وموافقته للخفض في نصفه واضح، ويكون قوله: (أو زد عليه)، أو زد على النصف المكمل، فيكون موافقا لقوله: (أدنى من ثلثي الليل) لا موافقًا لما بعده في نصب ولا خفض. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) وهي قراءة نافع. البحر المحيط ٨/ ٣٦٦.
(٢) في ب، د، س: بقليلين. وهو تحريف.
(٣) في ب: منه. وهو خطأ.
[ ١ / ١٧٢ ]
[إملاء ٣٩]
[إعراب قوله تعالى: ﴿سواء محياهم ومماتهم﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله تعالى: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم﴾ (١):
في نصب (سواء) أقوال (٢): أحدها: أن يكون مفعولًا بعد مفعول لجعل (٣)، فيكون (كالذين)، و(سواء) في درجة واحدة باعتبار المفعول الثاني، كما تقول: جعلت زيدًا عالمًا كريمًا، فعالما كريما وشبهه ولو تعددت آلافًا مفعول ثان لأن الجميع في معنى واحد باعتبار تعلق الجعل به، وهي كأخبار المبتدأ إذا تعددت، فيكون التقدير: أحسب المجترحون أن نجعلهم مماثلين مستوين في الحياة والممات،‘ أي: هذا ليس بكائن.
ويجوز أن يكون (سواء) حالًا من (الذين آمنوا)، ويكون المفعول الثاني (كالذين) وحده وما في حيزه، أي: أحسبوا أن نجعلهم مماثلين للمؤمنين في حال كون المؤمنين مستويًا محياهم ومماتهم، وهذا إذا كان المعنى على أن المؤمنين قُصد إلى أنهم مستو محياهم ومماتهم، على معنى: أنهم لا يعذبون بعد الممات كما لا يعذبون في الحياة. فأما إذا قُصد أن الكفار هم الذين استوى محياهم ومماتهم على معنى: أنهم لا ينعمون بجنة بعدها كما لم ينعموا بجنة في الحياة، فيكون الإعراب على غير ذلك، وهو أن (سواء) يتعين لأن يكون حالًا من الضمير في (نجعلهم)، لأن المراد أن حالهم قد استوت في حال حياتهم وموتهم، فيصير المعنى: أحسبوا أن نجعلهم في
_________________
(١) الجاثية: ٢١.
(٢) والنصب قراءة حمزة والكسائي والأعمش، القرطبي ١٦/ ١٦٥.
(٣) جعله أبو البقاء مفعولًا ثانيًا لحسب وليس لجعل. إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٢٣٢.
[ ١ / ١٧٣ ]
حال كونهم استوى محياهم ومماتهم لأنهم ثابتون على هذه الحال مماثلين للذين آمنوا وعملوا الصالحات الذي هم في الآخرة في الجنة. وعلى هذين المعنيين تجري قراءة الرفع (١) في قوله: ﴿سواء محياهم ومماتهم﴾، هل الضمير في محياهم للمؤمنين، فيكون على المعنى الأول، أو للكافرين، فيكون على المعنى الثاني؟ ومحياهم ومماتهم فاعل لسواء (٢) على التقديرين. ويجوز أن يكون محياهم ومماتهم بدلا من الضمير في (نجعلهم)، على أنه بدل الاشتمال، أي: أحسبوا أن نجعلهم (٣) محياهم ومماتهم سواء، مثل الذين آمنوا، أي: مثل محيا وممات الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ويجوز أن يكون (سواء) منصوبًا على المصدر بما تضمنه التشبيه في (كالذين)، أي: نجعلهم مماثلين للذين آمنوا مماثلة متأكدة عبر عنها بالاستواء لتأكيد المثلية فيها، فيجب أن يكون محياهم ومماتهم غير مرتفع به، إذ المصدر المنصوب على أنه مفعول مطلق لا يعمل، فيكون إما بدلا من الضمير في (نجعلهم)، وإما ظرفًا، أي: في محياهم وفي مماتهم، أي: زمن الحياة وزمن الموت. وإما بدلا من (الذين آمنوا)، ويكون المعنى: أن نجعلهم، أي: أن نجعل حياتهم وموتهم كحياة الذين آمنوا وموتهم (٤). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤٠]
[معنى قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة سبع عشرة على قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم
_________________
(١) وهي قراءة العامة. القرطبي ١٦/ ١٦٥.
(٢) في م: بسواء.
(٣) في الأصل: نجعل. وما أثبتناه من ب، س، وهو الصواب.
(٤) قال الزمخشري: "وقيل: سواء محياهم ومماتهم، كلام مستأنف على معنى: أن محيا المسيئين ومماتهم سواء، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم، كل يموت على حسب ما عاش عليه" الكشاف ٣/ ٥١١.
[ ١ / ١٧٤ ]
إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارًا ماذا يستعجل منه المجرمون﴾ (١).
قيل: معنى (أرأيتم) التعجب (٢)، أي: ما أعجب أمركم إذا أتاكم العذاب، واستعمل (أرأيت) في هذا المعنى لملازمة الرؤية فيما يعظم وقعه حتى صار في المعنى كأنه ما أعجب، فيكون جواب الشرط مستفادًا مما في معنى أرأيتم، أي: إذا أتاكم العذاب فما أعظم أمركم!، ويكون قوله: (ماذا يستعجل منه المجرمون) تقريرًا لما ارتكبوه مما يؤدي إلى سوء منقلبهم الذي يعظم أمره حتى يتعجب منه، لأن العذاب الذي استعجلوه هو المفضي بهم إلى الحال الشنيعة التي لا مخلص لهم منها، فيحسن الابتداء على هذا بقوله: (ماذا يستعجل). وأخرج الكلام مخرج الغيبة بقوله: المجرمون، وإن كان المعنى: على ماذا تستعجلون؟ تنبيهًا لإبانة الصفة التي نشأ التجرو منها وهو الإجرام، وهو باب من بديع الكلام.
وقيل: معنى (٣) (أرأيتم) أي: أخبروني، واستعمل (أرأيتم) في هذا المعنى لكثرته في التعجيب، والتعجيب مستلزم لطلب الخبر، فيكون جواب الشرط مستفادا من معنى (أرأيتم)، ويكون (ماذا يستعجل) معمولا لمعنى أخبروني، والمعنى: ماذا تصنعون (٤) إذا وقع مما تستعجلونه (٥)، فاستعمل السبب موضع المسبب تنبيهًا على أنهم الذين يوقعون أنفسهم لتسببهم إلى مالا مخلص لهم منه، فكان أحسن لذلك من ذكر المسبب في المعنى المقصود.
_________________
(١) يونس: ٥٠.
(٢) قال الزمخشري: "ويجوز أن يكون معناه التعجب، كأنه قيل: أي شيء هول شديد يستعجلون منه، ويجب أن تكون من للبيان في هذا الوجه". الكشاف ٢/ ٢٤٠.
(٣) في م: المعنى. والصواب ما أثبتناه. لأن المعنى يقتضيه.
(٤) في ب: يصنعون. والصواب ما أثبتناه.
(٥) في ب، د، م: يستعجلونه. والصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ١٧٥ ]
ويجوز أن يكون جواب الشرط مستفادًا من قوله: (ماذا يستعجل منه)، أي: إن أتاكم فماذا تصنعون (١)؟. ولم يحسن مجيء الفاء، وإن كان الموضع في الظاهر على هذا التأويل موضع وجوب لكونه (٢) في سياق معنى: أخبروني، فجاء الشرط معترضيًا بين الفعل (٣) وبين مفعوله، والشروط المعترضة لا فاء فيما هو في المعنى جوابها، كالقسم المعترض، كقولك: زيد والله قائم، ولو قلت: زيد والله لقائم، لم يجز. و(أرأيتم) في الوجه الأول باعتبار التقدير الأصلي محذوف مفعوله إن كان من رؤية العين، كأن الأصل: أبصروا أنفسكم أو أبصروا هؤلاء، ومفعولاه إن كان من رؤية القلب، أي: اعلموا هؤلاء جهالًا، أو اعلموكم جهالا. وعلى التقدير الثاني: ماذا يستعجل؟ ثم أخرج على المعنى الأصلي إلى ما ذكرناه من المعنيين. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤١]
[إعراب قوله تعالى: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة سبع عشرة على قوله تعالى: ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ (٤).
إن جعل (كذلك) نصبًا على المصدر بقال التي بعدها، بقي قوله: (مثل قولهم) غير متصل لكونه في المعنى تكرارًا، والفعل لا يتعدى إلى متعلقين بمعنى واحد من جهة واحدة لأنه لا يقتضيه، فلا يتعدى إليه، وإنما يتعدى الفعل إلى ما يقتضيه، ألا ترى أنك لو قلت: ضربت زيدًا عمرًا، لم يجز؛ لأنه
_________________
(١) قال الزمخشري: "وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ منه" الكشاف ٢/ ٢٤٠.
(٢) في ب: لكنه. وهو تحريف.
(٣) في م: المفعول. وهو خطأ واضح.
(٤) البقرة: ١١٨.
[ ١ / ١٧٦ ]
لا يقتضي مفعولين. وإن جعل (١) (مثل قولهم) هو المنصوب على المصدر بقي كذلك غير متصل. وإن جعل (كذلك) من تتمة قوله: (وقال الذين لا يعلمون) أو خبر مبتدأ تقديره: الأمر كذلك، بقي ما بعده من قوله: (قال الذين)، غير مرتبط بما قبله والجواب: أن قوله: (مثل قولهم)، يجوز أن يكون بدلا من قوله: (كذلك). ولا يكون في المعنى تكريرًا (٢) لوقوع الأول مبهمًا والثاني مبينًا، كقولك: هذا زيد يقول كذا وكذا، فزيد بدل ن هذا. وإنما يكون تكرارًا لو كان مبينًا. أما إذا كان في الأول هذا الإبهام جاز التكرار كما جاز في أمثاله.
ويجوز أن يكون قوله: (كذلك)، تقريرًا لما يذكره من الأشياء التي يقصد المتكلم تصديقها كقولك وقد قيل لك: سمع زيد منك كذا وكذا على صفة كذا وكذا، فتقول: سمع مني كذلك. وكقولك (٣) وقد (٤) ذكرت أشياء: الأمر كذلك. وليس ثم في الحقيقة مشبه ومشبه به. وإنما تقريره أنه لما ذكر تلك الأشياء المتقدمة، وصارت متصورة في الذهن لمن فهمها قال المصدق لها: هي كذلك، أو الأمر كذلك، مشبهًا للقضية المذكورة بما يتصوره (٥) السامع في ذهنه. إذ معنى الصدق في الحقيقة كون الخبر على وفق ما فهم، فصح التشبيه بهذا الاعتبار. فيجوز أن يكون ورد تقريرًا لهذا المعنى تتمة لما بعده، ويكون (مثل قولهم) نعتًا لمصدر محذوف (٦)، أي: قولا مثل قولهم. ويكون كذلك تقريرًا للمشابهة بين ما ذكر وبين ما تقرر في الذهن على ما مثل به فيما تقدم.
_________________
(١) في م: جعلت. والأحسن ما أثبتناه.
(٢) في ب: تكرارًا.
(٣) في ب: وقولك.
(٤) وقد: ساقطة من د.
(٥) في م: يتصور.
(٦) قال مكي بن أبي طالب: "مثل قولهم: نصب مقال. وإن شئت جعلته نعتًا لمصدر محذوف". مشكل إعراب القرآن ١/ ١٠٩.
[ ١ / ١٧٧ ]
ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر كذلك (١)، ولا يلزم نفي الارتباط، لأن أمره بوجود (كذلك) وعدمه على سواء، لأنه معمول له في الحقيقة.
ويجوز أن يكون من تتمة قوله: (وقال الذين لا يعلمون)، على الوجه الذي ذكرناه في تشبيه ما يذكر بما استقر في الذهن، وفائدته في التحقيق تقرير ما ذكر وتحقيقه، وإنه على طبق ما ذكر من غير مبالغة ولا نقصان في معناه، ولا يلزم منه قطع ارتباط لما ذكرناه. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤٢]
[معنى النهي في قوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾]
وقال ممليًا بدمشق سنة سبع عشرة على قوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (٢):
إن قيل: كيف نهى عن الموت وليس الانكفاف عنه من مقدوره، وإنما ينهى عما للمكلف تركه؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أنا نقول: إن النهي طلب لانتفاء الفعل، وانتفاء الفعل ليس بفعل، فالنهي واقع عما للمكلف توصل إلى انتفائه وهو الموت في حال غير الإسلام، إذ لم ينه عن الموت مطلقًا وإنما نهي عن الموت في حال غير حال الإسلام، وذلك مما يتوصل إليه بالثبوت والدوام على الإسلام، فينتفي المنهي عنه على الوجه المطلوب. الثاني (٣): وإن سلمنا أن النهي طلب للترك، والترك فعل، فالنهي عنه في التحقيق مزايلة
_________________
(١) ويجوز أن يكون في موضع رفع على الابتداء وما بعد ذلك الخبر. انظر مشكل إعراب القرآن ١/ ١٠٩.
(٢) آل عمران: ١٠٢. وقبلها: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته".
(٣) في د: الوجه الثاني.
[ ١ / ١٧٨ ]
للإسلام (١)، ومفارقته، فمعناه: أثبوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت. ولما كان الموت هو غاية هذا المطلوب أخذ فعله، وصير كأنه المنهي عنه تنبيهًا على أن المقصود دوام ذلك إليه. فهو من باب النهي عن المسبب والمراد السبب، لأن مفارقته للإسلام سبب لموته على غيره. ولما كان المقصود ذلك المسبب على تلك الحال جعل الفعل المنهي عنه تنبيهًا على هذا المقصود (٢). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤٣]
[تقديم الوصية على الدين في قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة خمس عشرة على قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ (٣).
إنما قدمت الوصية على الدين والدين أقوى من الوصية، وتقدمه ما هو الأقوى هو الوجه (٤). والجواب: أن "أو" حكمها في كلام العرب والقرآن حكم الاستثناء في أن ما بعدها يدفع ما قبلها. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾ (٥)، فإن الإسلام، دافع للمقاتلة، فكأنه قال:
_________________
(١) في ب، س: الإسلام.
(٢) قال القرطبي في تفسير هذه الآية: "ألزموا الإسلام ودوموا عليه ولا تفارقوه حتى تموتوا". ٢/ ١٣٦.
(٣) النساء: ١١.
(٤) قال الزمخشري: "فإن قلت: لم قدمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة، قلت لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها، فكان آداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين، بعثًا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين، ولذلك جيء بكلمة أو للتسوية بينهما في الوجوب". الكشاف ١/ ٥٠٨.
(٥) الفتح: ١٦.
[ ١ / ١٧٩ ]
تقاتلونهم إلا أن يسلموا أو إن لم يسلموا، فكذلك هذه الآية. فكأنه قال: من بعد وصية يوصي بها إلا أن يكون دينًا، فلا تقدم. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤٤]
[معنى قوله تعالى: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾]
وقال أيضًا ممليًا بغزة سنة ست عشرة على قوله تعالى: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (١).
فقال: العرب لا تقول: إن لم تفعل فما فعلت. فقال: عنه جوابان: أحدهما: ذكره الزمخشري (٢) والجماعة وهو أنهم قالوا معناه: يا أيها الرسول بلغ جميع ما أنزل إليك وإن لم تفعل، يعني تبليغ الجميع فما بلغت رسالته، لأنه إذا لم يبلغ الجميع فما بلغ على الحقيقة (٣). والثاني وهو المختار، وهو: أن قوله: ﴿فما بلغت رسالته﴾ وضع موضع أمر عظيم، فكأنه قيل: بلغ جميع ما أنزل إليك، وإن لم تفعل فقد ارتكبت أمرًا عظيمًا عبر عنه بقوله: فما بلغت رسالته. قال ﵀: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ومن تاب وعمل صالحًا فإنه يتوب إلى الله متابا﴾ (٤). معناه: فإنه يرجع إلى رب عظيم كريم، عبر بقوله: ﴿فإنه يتوب إلى الله متابا﴾ عن ذلك. كما يقول الرجل: إذا جئت إلى فقد جئت إلى حاتم، معناه: إلى رجل كريم يعطي، وإلا فقوله: ﴿فإنه يتوب إلى الله متابا﴾، ظاهرة كظاهر ﴿وإن لم تفعل فما بلغت﴾. والله الموفق للصواب.
_________________
(١) المائدة: ٦٧ وقبلها: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك".
(٢) الكشاف ١/ ٦٣٠.
(٣) نقل هذا المعنى عن ابن عباس. انظر القرطبي ٦/ ٢٤٢.
(٤) الفرقان: ٧١.
[ ١ / ١٨٠ ]
[إملاء ٤٥]
[التعليل في قوله تعالى: ﴿ليجزي الله الصادقين بصدقهم﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة سبع عشرة على قوله تعالى: ﴿ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين﴾ (١):
إن قيل: كيف يكون (٢) تصديق المؤمنين المتقدم علة لجزاء الصادقين وتعذيب المنافقين؟ فالجواب: أنه قد تقدم ذكر صدق المؤمنين ونفاق (٣) الكافرين بقوله: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا﴾ (٤). وقوله في المنافقين: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا﴾ (٥)، ثم اتصل الكلام إلى قوله: ﴿ليجزي الله﴾. فسيق للتعليلين المختلفين للفعلين المختلفين، والمراد التفصيل، فيكون المراد، صدق المؤمنون ليجزيهم الله، وكذب المنافقون ليعذبهم الله. ويجوز أن يكون متعلقًا بفعل مقدر دل عليه ما قبله، كأنه قيل: قضي الله بذلك ليجزي الصادقين ويعذب المنافقين. وهو أحسن لأمرين: أحدهما: أنه فعل واحد معلل بالقضيتين جميعًا. والآخر: أنه يكون التعليل على ظاهره، وفي الأول لا يكون على ظاهره، بل يكون في الصادقين على ظاهره، وفي المنافقين على أن تكون للعاقبة، لأن المنافقين لم يقولوا ذلك لقصد أن يعذبوا فيحمل على أحد تأويلين: إما استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه جميعًا، وإما استعماله على المجاز فيهما جميعًا. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) الأحزاب: ٢٤.
(٢) يكون: سقطت من س.
(٣) في م: وفسق. وهو خطأ.
(٤) الأحزاب: ٢٣.
(٥) الأحزاب: ١٢.
[ ١ / ١٨١ ]
[إملاء ٤٦]
[العطف على اسم أن بالرفع في قوله تعالى: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾]
وقال أيضًا بدمشق سنة سبع عشرة ممليًا على قوله تعالى: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ (١):
ورسوله بالرفع (٢) معطوف على اسم (أن) باعتبار المحل (٣)، وإن كانت مفتوحة لأنها في حكم المكسورة (٤). وهذا موضع لم ينبه عليه النحويون، فإنهم إذا قالوا: يعطف على اسم إن المكسورة دون غيرها أوهموا أنه لا يجوز العطف على المفتوحة (٥). والمفتوحة تنقسم قسمين: قسم يجوز العطف على اسمها بالرفع، وقسم لا يجوز. فالقسم الذي يجوز هو أن تكون في حكم المكسورة، كقولك: علمت أن زيدًا قائم وعمرو، لأنه في معنى: إن زيدًا قائم وعمرو، فكما (٦) جاز العطف ثم جاز ههنا. ألا ترى أن "علم" لا تدخل إلا
_________________
(١) التوبة: ٣.
(٢) وهي قراءة الجمهور. البحر المحيط ٥/ ٦.
(٣) قال النحاس: "عطف على الموضع: وإن شئت على المضمر، كلاهما حسن، لأنه قد طال الكلام". إعراب القرآن ٢/ ٤.
(٤) وقرأ ابن أبي إسحق وعيسى بن عمر وزيد بن علي ورسوله بالنصب. وقرئ بالجر شاذًا، ورويت عن الحسن، وخرجت على العطف على الجوار. وقرأ الحسن والأعرج إن الله، بكسر الهمزة. البحر المحيط ٥/ ٦.
(٥) لقد خالف ابن الحاجب في هذه المسألة جمهور النحاة، فهم يجيزون العطف على اسم إن المكسورة دون غيرها. قال أبو علي: "فأما سائر الحروف فلا يجوز أن يحمل العطف معها على موضع الابتداء لأن موضعه قد زال بدخولها من أجل ما تضمن من معنى الفعل ولكنه يرفع على الحمل على الضمير الذي في الخبر". انظر الإيضاح العضدي ١/ ١١٧. وانظر تفصيل هذه المسألة في شرح الكافية للرضي ٢/ ٢٥٣. والظاهر أن ابن الحاجب بني كلامه هذا لما رأي سيبويه يستشهد للمكسورة بالمفتوحة. انظر الكتاب ١/ ٢٣٨.
(٦) في د: فلما. وما أثبتناه أحسن.
[ ١ / ١٨٢ ]
على المبتدأ أو الخبر، يدل على ذلك وجوب الكسر في قولك: علمت إن زيدًا لقائم، وإنما انتصب بعدها توفيرًا لما تقتضيه "علمت" من معنى المفعولية. وإذا تحقق أنها في حكم المكسورة وجب أن تكون هذه المفتوحة بعدها في حكم المكسورة، فجاز العطف على موضعها إجراء لها مجرى المكسورة لأنها في حكمها. فإن كانت المفتوحة على غير هذه الصفة لم يجز العطف على اسمها بالرفع، مثل قولك: أعطبني أن زيدًا قائم وعمرًا. فلا يجوز إلا النصب، ولا يستقيم الرفع بحال عطفا على اسم "أن" لأن ليست مكسورة، ولا في حكم المكسورة، لأنها في موضع مفرد من كل وجه. وقد ذكرنا في غير موضع تعليل تخصيص المكسورة بذلك (١). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤٧]
[معنى قوله تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين﴾]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة اثنتى عشرة على قوله تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين﴾ (٢): قوله: ﴿حتى نعلم﴾. العلم يطلق باعتبار الرؤية، والشيء لا يرى حتى يقع. والثاني: أن العلم بمعنى المجازاة، فكأنه قال: حتى نجازي المجاهدين منكم والصابرين. ومعنى الابتلاء: أن الله تعالى يفعل بنا فعلًا يسمى بلاء من بعضنا لبعض (٣). والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) انظر الإملاء (٣١) من هذا القسم.
(٢) محمد: ٣١.
(٣) قال القرطبي في معنى هذه الآية: "ولنبلونكم أي: نتعبدكم بالشرائع وإن علمنا عواقب الأمور. وقيل: لنعاملنكم معاملة المختبرين. وقال ابن عباس: حتى نعلم: حتى نميز. وقال علي ﵁: حتى نرى" ١٦/ ٢٥٣.
[ ١ / ١٨٣ ]
[إملاء ٤٨]
[معنى قوله تعالى: ﴿وترجون من الله ما لا يرجون﴾]
وقال أيضًا بالقاهرة سنة خمس عشرة ممليًا على قوله تعالى: ﴿ولا تهوا في ابتغاء القوم﴾ (١)، إلى قوله: ﴿وترجون من الله ما لا يرجون﴾.
قال: لا يخلو إما أن نقول: الآية عامة أو خاصة. والمراد بالعموم في منكري البعث وعبدة الأوثان ونصارى العرب واليهود والنصارى. فإن كانت على ما ذكرناه كان معنى الكلام ظاهرًا، وهو أنهم لا يرجون جزاء القتال لأنهم لا يؤمنون بالدار الآخرة، والمؤمنون بها يرجون شيئين، أحدهما: النصر العاجل، والآخر: الثواب الآجل.
وإن قلنا: إنها خاصة في اليهود والنصارى لأنهم يرجون المجازاة، فالمعنى: أن هذا الرجاء الذي لهم رجاء وهمي لا حقيقة له، لأن الرجاء إنما يفيد من مؤمن، وقد قامت الأدلة على كفرهم، فلما كان هذا الرجاء لا وجود له فيما يرجع إلى عدم نفعه نفاه الله عنهم، كما نفى أمورًا هي فيهم موجودة حسًا كالسمع والبصر، لما لم ينتفعوا بها صار وجودها وعدمها على حد سواء. قال الله تعالى: ﴿فما أغني عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم﴾ (٢) الآية. والوجه الأول أقوى وأدل على المقصود. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤٩]
[العامل في "إذا" و"متى"]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة تسع عشرة على قوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا
_________________
(١) النساء: ١٠٤.
(٢) الأحقاف: ٢٦.
[ ١ / ١٨٤ ]
اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾ (١):
"إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان. وفيه معنى الشرط غالبًا. واحترز بذلك عن مثل قوله: ﴿والليل إذا يفشي والنهار إذا تجلي﴾ (٢)، وأشباهه. فإنه لا يستقيم أن يكون فيها معنى الشرط في هذه الحال لأنه يلزم أن يكون ما قبلها هو في المعنى مشروطها. ولا يستقيم أن يكون القسم الإنشائي مشروطًا، لوجوه: منها: أن الإنشاء ثابت فلا يقبل تعليقًا. ومنها: أن المعلق إنما يكون في المعنى خبرًا، والإنشاءات ليست أخبارًا. ومنها: أنا قد علمنا أن القسم ثابت في قصد المتكلم، وما كان كذلك لا يصح تعليقه.
واللغة الفصيحة ترك الجزم بإذا (٣). فيقال: إذا تركمني أكرمك. واللغة القليلة الجزم (٤). ولا فرق بين أن تدخل معها "ما" أو لا تدخل.
وأصل "إذا" أن تدخل على الأمور التي لابد من حصولها، كقولك: إذا طلعت الشمس، ومن ثم لم يجزموا بها لكونها فارقت الشرط الصريح في الإبهام. ألا ترى أن "متى" لما جرت في الإبهام مجرى "إن" جزموا بها اتفاقًا، فقالوا: متى تكرمني أكرمك. فعلى اللغة الفصيحة لا يقال: (سمعوا) في موضع جزم، وعلى الأخرى هو في موضع جزم.
وقد اختلف في عامل "إذا" الشرطية، فأكثرهم على أن العامل جوابها،
_________________
(١) القصص: ٥٥.
(٢) الليل: ١، ٢.
(٣) قال ابن يعيش: "ولا يجازي بها فيجزم ما بعدها لما تقدم من توقيتها وتعيين زمانها، فلذلك كان ما بعدها من الفعل مرفوعًا". شرح المفصل ٤/ ٩٧.
(٤) من ذلك ما رواه ابن هشام في المغنى ١/ ٩٨ (دمشق): استغن ما أغناك ربك بالغني وإذا تصبك خصاصة فتجمل
[ ١ / ١٨٥ ]
وأقلهم على أن العامل شرطها، وعكسها في القولين في "متى" (١). وإنما التزم الأكثرون إعمال جوابها لأنهم حملوها على معنى الإضافة لما كانت في المعنى منسوبة إليه وهو محقق. فلما حملوها على الإضافة بطل أن يكون الفعل المضاف إليه في المعنى عاملًا في المضاف لأنه لو عمل فيه لأدى أن يكون الشيء عاملًا معمولًا من جهة واحدة. وبيان ذلك أنه إذا كان مضافًا إليه الزمان لم يكن عاملًا فيه إلا من جهة كونه زمانًا له. ومعنى كونه زمانًا له: أنه وقع فيه. وإن أعملنا الفعل في الظرف فإنما نعمله باعتبار أنه وقع فيه. ومعنى وقوعه فيه كونه زمانًا له. فصار المعنى الذي عمل به الأول هو المعنى الذي عمل به الثاني، وذلك ما أردناه.
وفي "متى" وشبهها لما لم تكن لمعين لم يحكموا بالإضافة. ولما لم يحكموا بالإضافة لما يكن مانع من عمل الفعل في الظرف لزوال المانع بزوال الإضافة. ولم يعتدوا بعمل "متى" في الفعل جزمًا (٢) لأنه عمل بجهة أخرى غي الجهة التي عمل (٣) فيه بها الفعل. ألا ترى أن المعنى الذي عملت به "متى" كونها تضمنت معنى الشرط، والمعنى الذي عمل به الفعل فيها كونها زمانًا له واقعًا فيه. فصار المعنى الذي عمل به "متى" غير المعنى الذي عمل به الفعل.
وأما من عمم أن العامل في الجميع الجواب فليس بجيد، لوجود: أحدها: أنه يصير الجملتين جملة واحدة، لأن الظرف مع عامله لا يكون إلا جزءًا من الجملة. وقد فهم أن الشروط جملتان يربط بينهما الشرط باعتبار الشرطية، كما في قولك: إن تكرمني أكرمك. ومنها: ما ثبت من مثل قوله: ﴿إيا
_________________
(١) تحدث ابن الحاجب عن هذه المسألة في الإملاء (١٦) من هذا القسم ص: ١٣١.
(٢) جزمًا: سقطت من م.
(٣) عمل: سقطت من ب.
[ ١ / ١٨٦ ]
ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ (١)، ومعلوم أنه ليس في الجواب ما يصح (٢) أن يكون ناصبًا. ومنها: أنه يؤدي إلى أن يكون الظرفان المتضادان واقعًا فيهما الفعل الواحد في مثل قولهم: إذا أكرمتني اليوم أكرمتك غدًا. ومعلوم أنه إذا جعل العامل الجواب وجب أن يكون الإكرام واقعًا فيه، وقد علق بغد على معنى وقوعه فيه، وقد علق بغد على معنى وقوعه فيه، وقيد الأول باليوم على معنى أنه هو، فيجب أن يكون الإكرام الواحد واقعًا في اليوم وفي غد جميعًا، وهو باطل من حيث المعقول، ومن حيث ما فهم من مقصود المتكلم، إذ لم يرد أن الإكرام الجزائي واقع في اليوم.
وأما من فرق بين "إذا ومتى" باعتبار التعلق المتقدم فليس أيضًا بالجيد لما ذكرناه. فالأولى أن يكون العامل فيهما جميعا فعل الشرط (٣). وما ذكروه من أنه مضاف يلزمهم مثله (٤) في "متى". فالذي حسن منه في "متى" يقدر مثله في "إذا". وذلك أن لا يقدروه مضافًا بل يقدروه واقعًا فيه كوقوع فعل الشرط في الزمن المذكور معه، كقولك: إن تضرب زيدًا اليوم اضربه غدًا. ولا خلاف أن اليوم متعلق (٥) بفعل الشرط، فكذلك ههنا. فإن زعم أنه ههنا متعين وفي "متى" غير متعين، فليس بمستقيم لأن التعيين ليس في "إذا" وإنما هو في الفعل
_________________
(١) الإسراء: ١١٠.
(٢) في ب: يصلح.
(٣) قال ابن الحاجب: "والحق أن إذا ومتى سواء في كون الشرط عاملًا، وتقدير الإضافة في إذا لا معنى له. وما ذكروه من كونها لوقت. معين مسلم لكنه حاصل بذكر الفعل بعدها كما يحصل في قولك: زمانًا طلعت فيه الشمس. فإنه يحصل التعيين ولا يلزم الإضافة. وإذا لم يلزم الإضافة لم يلزم فساد عمل الشرط، والذي يدل على ذلك قولك: إذا أكرمتني اليوم أكرمتك غدًا". انظر الإيضاح في شرح المفصل ١/ ٥١٣.
(٤) مثله: سقطت من ب.
(٥) في م. معلق.
[ ١ / ١٨٧ ]
المذكور بعدها، على معنى أنه ليس مشكوكًا فيه. وأما معنى نسبتهما جميعًا فهما على حد سواء. فلو قدر في "إذا" مضافًا لوجب أن يكون في "متى" كذلك. ألا ترى أن نسبة الزمان في: إذا تكرمني، في المعنى كنسبته في قولك: متى تكرمني. ومما يوضح ذلك أن الذين جزموا بإذا أجروها مجرى متى، والعامل عندهم حينئذ فعل الشرط كمتي. ومعلوم أن معنى الزمان بالنسبة إلى الفعل مع الجزم كمعناه مع غير الجزم. وإذا كان المعنى فيهما سواء وثبت أن لا يكون مضافًا في أحدهما فليثبت في الآخر.
وأما "سمع" فهو من الأفعال المتعدية إلى واحد في التحقيق كقولك: سمعت كلامًا وشبهة. وقد يتوهم (١) أنه متعد إلى مفعولين من جهة المعنى والاستعمال، أما المعنى فلأنه يتوقف على مسموع منه، كما تتوقف السرقة على مسروق منه، فالوجه الذي تعدي به السرقة إلى مفعولين موجود في السماع. وأما من جهة الاستعمال فلقولهم (٢): سمعت زيدًا يقول ذلك، وسمعت زيدًا قائلًا، وقوله تعالى: ﴿هل يسمعونكم إذ تدعون﴾ (٣). فلولا أن الفعل يتعدى إلى مفعولين لم يقل: إذ تدعون. لأن المعنى حينئذ: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعون، وذلك لا يحسن.
والجواب عن الأول: أن السرقة ليست كالسماع من حيث إن السرقة لا تعقل باعتبار معناها الذي وضعت له إلا بمسروق منه، ألا ترى أنك لو قدرت شيئًا موجودًا ليس في يد أحد، وأخذته خفية، لا يقال له سرقة لفقدان المسروق منه، بخلاف السماع، فإنك لو قدرت صوتًا لفهمت معنى السمع بالنسبة إليه، وكذلك لو قدرت غافلًا عن المسروق منه لم تفهم معنى السرقة. ولو قدرت
_________________
(١) في ب: يوهم.
(٢) في س: كقولهم. والصحيح ما أثبتناه لأن المقصود التعليل.
(٣) الشعراء: ٧٢.
[ ١ / ١٨٨ ]
غافلا عن المسموع منه لم يتعذر معنى السماع. وإنما المسموع منه بالنسبة إلى السمع كالمشموم منه بالنسبة إلى الشم. فكما أن الشم لا يتعدى إلا إلى واحد باتفاق (١)، فكذلك السماع.
وأما (٢) الجواب عن الثاني: فإنهم لما حذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه للعلم به وجب تقديره باعتبار مرتبته، وقرينته لا تكون إلا صوتًا، فذكر بعده حال بين خصوصية ليست مفهومة من ذلك المتعلق. فقائلا، ويقول ذلك: في موضع نصب على الحال، وليس مثل قولك: سمعت قول زيد قائلا، ولا مثل ضربت زيدًا ضاربًا بالسوط، لأنه ههنا قدر غير الأول، وثم قدر مثله أو نوعه فافترقا لذلك. ويخرج قوله: هل يسمعونكم إذ تدعون؟، على أن المقدر: هل يسمعون أصواتكم؟ وهو أبلغ في المعنى المقصود من: هل يسمعون (٣) دعاءكم؟؛ لأنه إذا تحقق أنهم لا يدركون (٤) نفس الصوت فهم في انتفاء إدراك الدعاء أجدر.
قال: واللغو اسم لما لا فائدة فيه من الكلام. فيجوز أن يكون ههنا مصدرًا موصوفًا به، كأنه قيل: الكلام اللغو أعرضوا عنه، جواب لإذا. والمقصود من سياق الآية ذكرهم بالرفق واللين مع المعرفة والإيمان، وهذه كانت صفتهم لذلك قصدًا منهم إلى دعائهم والتلطف في إرشادهم، فيعرضون عما يأتون به من اللغو، ويأخذون فيما يقصدون به إرشادهم وهدايتهم وذلك معلوم من عوائد الداعين والمدعوين، فإنهم لو نافروهم من أول الأمر لكان سببًا في
_________________
(١) في ب: بالاتفاق.
(٢) أما: ساقطة ن س.
(٣) على أن المقدر يسمعون: سقطت هذه العبارة من ب.
(٤) في الأصل وفي ب، م: يدرون. وما أثبتناه من د، س وهو الأصواب.
[ ١ / ١٨٩ ]
اللجاج والعناد. وإذا لاطفوهم ولانوا لهم في القول، وطلبوا المناصفة كان ذلك أدعى إلى القبول وانتفاء العناد واللجاج.
وقوله: ﴿وقالوا لنا أعمالنا﴾، إنما قدموا ذكر أعمالهم لأنها عندهم ليست بالجيدة، فقدموها وأثبتوا عاقبة أمرها لأنفسهم، مثل قوله: ﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم﴾ (١). وقدم الخبر في قوله: لنا أعمالنا، دفعًا من أول الأمر لوهم أن يكون منسوبًا إلى غيرهم ليقوي المعنى المقصود من جميع وجوهه.
وقوله: ﴿سلام عليكم﴾، ليس من باب: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ (٢)، لأن ذلك لم يأت في ظاهر الأمر إلا منصوبًا. لأن المعنى المسالمة، أي: سالمونا ونسالمكم. ويجوز أن يكون منه، وعدل إلى الرفع، كما عدل في التحية إلى الرفع في الوجه المختار. ويجوز أن يكون ذلك منهم قصدًا في الدعاء لهم إلى الإرشاد، وليكون (٣) أبلغ في المقصود الذي توخوه في الرفق واللين. ويجوز أن يكون مستعملًا بينهما على معنى الإعراض على مثل ذلك، لأنه كثر استعماله في العرف عند المفارقة، فلما قصد إلى معنى المفارقة استعمل ما هو مستعمل عندها، كما تقول لمن يأتي بما تكرهه: سلام عليكم، تريد أنك إن دمت على هذا كان سببًا لمفارقتك.
وقوله: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾، يجوز أن يكون من خطابهم لهم، ولا يلزم أن يكون في لفظهم ذكر الجاهلين. وإنما ذكر الجاهلين عند حكاية قولهم من كلام الحاكي، إذ المقصود تعريف الذات المقول لها ذلك للمخاطبين، كما
_________________
(١) يونس: ٤١.
(٢) الفرقان: ٦٣.
(٣) في م: ويكون. وما أثبتناه هو الصحيح، لأن الكلام في سياق التعليل.
[ ١ / ١٩٠ ]
تقول منكرًا على إنسان ضرب زيدًا: لم ضربت هذا الرجل الصالح؟، إذا كانت تلك صفته عند المخاطب أو عند المتكلم. ويجوز أن يكون ليس من خطابهم لهم، ولكن قالوه (١) لأنفسهم أو لغيرهم من المؤمنين، فيجوز أن يكون لفظ الجاهلين من قولهم، ويجوز أن يكون من الحاكي أيضًا على الوجه الأول، ليشمل ذكر الحكم والعلة بلفظ واحد، والجمل كلها في موضع نصب للمصدر (٢) المؤقت للقول عند المحققين، وفي موضع نصب على المفعول به في قول الأكثرين. والصحيح أن القول غير متعد، وأن ما يذكر بعده (٣) من مثل ذلك مصدر (٤). والدليل عليه أنه لو كان مفعولًا به لكان غيره مما تتوقف عقليته عليه، وليس كذلك، وبيان أنه ليس غيره أنك إذا قلت: قلت، فقد اشتمل دلالة على القول، كما أنك إذا قلت: قعدت، فقد دل على العقود، فكما أنك إذا ذكرت قعودًا خاصًا لا تخرجه عن المصدرية في قولك: قعدت القرفصاء، باتفاق، فكذلك إذا ذكرت قولًا خاصًا لا تخرجه عن المصدرية. وزيد قائم، في قولك قلت: زيد قائم، قول خاص كالقرفصاء بالنسبة إلى القعود في كونها قعودًا خاصًا. فيجب أن يحكم عليهما جميعًا بالمصدر أو بالمفعول. ولا قائل بالمفعول لما ذكرناه، فوجب الحكم بالمصدر. وإنما توهم أولئك المفعولية من وجهين: أحدهما: حملهم القول على التلفظ والمعلق على المعنى، فوجودا للفظ باعتبار المعنى تعلقاْ. والآخر: أن توهموا أن القول في تعلقه بالمقول كالعلم في تعلقه بالمعلوم، وذهلوا أن ذلك المتعلق هو نفس القول، وإنما يذكر
_________________
(١) في م: قالوا. والصواب ما أثبتناه، لأنه لابد من وجود الضمير ليتم المعنى.
(٢) في ب، د، س: على المصدر.
(٣) بعده: سقطت من ب.
(٤) وهذه المسألة خالف فيها ابن الحاجب جمهور النحاة. قال ابن هشام: "جملة الحكاية بالقول مفعول به وهو قول الجمهور". المغني ٢/ ٤٦٠ (دمشق).
[ ١ / ١٩١ ]
باعتبار خصائصه بخلاف العلم، فإنه ليس بالمعلوم، فافترقا. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٠]
[توجيه فتح وكسر همزة "أن" في قوله تعالى: ﴿أن كنتم قومًا مسرفين﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحًا أن كنتم قومًا مسرفين﴾ (١).
الهمزة للإنكار (٢)، والفاء تدل على فعل مقدر قبلها يعطف عليه ما بعدها، كأن المعنى: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر أو نترككم أو ما أشبه ذلك (٣). كما قيل (٤) في قوله تعالى: ﴿أفلم يروا إلى ما بين أيديهم﴾ (٥): إن التقدير: أعموا فلم يروا إلى ما بين أيديهم. ويجوز أن تكون الفاء لبيان أن ما قبلها سبب لإنكار ما وقع بعدها (٦). ألا ترى أن قبل قوله: أفلم يروا، ذكر أنهم في الضلال البعيد (٧). فنبه بالفاء على أن الضلال سبب لإنكار كونهم (٨) لم
_________________
(١) الزخرف: ٥.
(٢) قال ابن هشام: "وهذه تقتضي أن ما بعدها غير واقع، وأن مدعيه كاذب. ومن جهة إفادة هذه الهمزة نفي ما بعدها لزم ثبوته إن كان منفيًا، لأن نفي النفي إثبات". المغنى ١/ ١١ (دمشق).
(٣) نص عليه الزمخشري. الكشاف ٣/ ٤٧٨.
(٤) قيل: سقطت من ب.
(٥) سبأ: ٩.
(٦) وقع: سقطت من ب.
(٧) قال تعالى: "بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد".
(٨) في ب: قولهم. وهو تحريف.
[ ١ / ١٩٢ ]
يروا، وكذلك ما قبل هذه الآية من ذكر الإنزال لهداهم سبب لإنكار الأضراب عنهم (١). يقال: أضربت عن كذا وضربت كذا عن فلان. فمعنى أضربت عن كذا: حدت عنه، ومعنى ضربت كذا عن فلان أي: منعته عنه، جاء الرباعي لازمًا، والثلاثي متعديًا. و(صفحًا) منصوب على المصدر، لأن معنى ضربت الذكر عنه: أعرضت، فصفحًا بمعنى إعراضًا. و(أن كنتم) بالفتح تعليل، على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم (٢)، وعلة للضرب الذي أنكر، أن يهملوا بغير تذكير (٣) لأجل من المسرفين. فالتعليل للفعل الذي أنكر، فالإنكار إذن متعلق بالفعل مقيد بعلته، لا مع انقطاعه عن علته، إذ قد ينكر الفعل باعتبار تعليل علة ولا ينكر باعتبار أخرى، كما تقول: أتضرب زيدًا إن أحسن إليك؟، ولا تقول: أتضرب زيدًا إن أساء إليك؟.
وأما قراءة حمزة ونافع والكسائي بالكسر، فشرط يدل على جوابه ما تقدمه (٤)، فانسحب معنى الإنكار على ما دل على جوابه باعتباره، فصار بهذا التقدير كمعنى المفتوحة، لأن المفتوحة إذا كانت تعليلًا فمعناها: أن ما قبلها مسبب لما في حيزها، فكذلك المكسورة إذا كان ما قبلها دالًا على جوابها تدل على أن ما في حيزها سبب لما تقدمها. فتحقق أن المعنى في المكسورة إنكار الإهمال المسبب عن كونهم مسرفين لما علق على الشرط، فرجعا بهذا التقدير إلى معنى واحد. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) عنهم: سقطت من م.
(٢) هو عاصم بن أبي النجود أبو بكر الأسدي. انتهت إليه رئاسة الإقراء في الكوفة. وكان أحسن الناس صوتًا بالقرآن. توفي سنة ١٢٧ هـ أو سنة ١٢٨ هـ. انظر النشر في القراءات العشر ١/ ١٥٥، وغاية النهاية في طبقات القراء ١/ ٣٤٦.
(٣) بغير تذكير: سقطت من ب.
(٤) نص عليه أبو البقاء. إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٢٢٧.
[ ١ / ١٩٣ ]
[إملاء ٥١]
[توجيه إعراب قوله تعالى: ﴿ولا أصغر من ذلك ولا أكبر﴾]
وقال أيضًا ممليًا على قوله تعالى: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب﴾ (١):
وجه الإشكال في الآيتين أن قوله: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، معطوف على قوله: مثقال، أو على موضع (من مثقال) في (يونس). ولذلك (٢) قرئ في يونس رفعًا وخفضا (٣) ولم يقرأ في (سبأ) إلا رفعًا لمجيء (مثقال) مرفوعًا. وإذا تقرر ظهور عطف (ولا أصغر ولا أكبر) على ما قبله، وكان الاستثناء غير مقنطع، كان قوله: (في كتاب مبين) استثناء مفرغًا، صفة لمثقال، مستثنى من صفة عامة محذوفة، كقولك: ما مررت برجل إلا في الدار. أو مستثنى من متعلق للفعل عام، كقولك: ما مررت برجل إلا في الدار، على معنى: ما مررت في مكان من الأمكنة برجل إلا في هذا المكان. وعلى التقديرين (٤) يلزم أن يكون الفعل المنفي قبل إلا مستثنى باعتبار ثبوت ما بعدها. ألا ترى (٥) أنك إذا قلت: ما مررت برجل إلا في الدار، كنت مخبرًا عن مرور ثبت لك برجل في الدار، أو ثبت في الدار لرجل على التقديرين. وإذا تقرر ذلك كان المعنى ثبوت العزوب عند ثبوت الكتاب، وهو غير مستقيم، إذ ليس المراد أنه يعزب إذا كان في كتاب. والجواب من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن الوقف على قوله: في الأرض ولا في السماء، في (يونس)، وعلى الأرض في (سبأ)، و(لا
_________________
(١) يونس: ٦١.
(٢) في د: كذلك. والصواب ما أثبتناه، لأن المعنى يتطلب استعمال اللام وليس الكاف.
(٣) الرفع قراءة يعقوب وحمزة. القرطبي ٨/ ٣٥٦.
(٤) في ب: وعلى هذا التدقير. وما أثبتناه هو الصحيح.
(٥) في ب: ألا تراك.
[ ١ / ١٩٤ ]
أصغر) فيهما مستأنف، جاء في (يونس) على الوجهين الفصيحين في مثل: لا حول ولا قوة، ولا حول ولا قوة، فالتح فيه بناء كالفتح في: لا رجل، لا علامة للخفض. والرفع فيه إعراب على (١) الابتداء. وجاء في (سبأ) على أحد الوجهين، وهو الرفع لا غير، وبهذا يندفع الإشكال. الثاني: أن يكون قوله: وما يعزب بمعنى: ما يخرج إلى الوجود إلا في كتاب، فلا يلزم ما تقدم من الإشكال، إذ المعنى: أنه يخرج في كتاب، لا معنى: أنه يخفى، فيكون (ولا أصغر ولا أكبر) بهذا التقدير عطفًا على ظاهره، ويكون الفتح في (يونس) علامة للخفض عطفًا على مثقال أو على ذكرة (٢). والرفع عطفًا على موضع (من مثقال) (٣). ويكون الضم في (سبأ) عطفًا على مثقال (٤) ولم يأت الفتح فيه على هذا التقدير، إذ ليس قبله ما يصح عطفه عليه بالفتح. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٢]
[الفاء في قوله تعالى: ﴿فكرهتموه﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه﴾ (٥):
الفاء في قوله: فكرهتموه، مشكلة، فإنها إن كانت للسببية احتيج إلى أن
_________________
(١) على: سقطت من ب.
(٢) قال الفراء: "فمن نصبهما فإنما يريد الخفض، يتبعهما المثقال أو الذرة". معاني القرآن ١/ ٤٧٠ (تحقيق أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي النجار).
(٣) قال أبو البقاء: "ويقرآن بالرفع حملًا على موضع من مثقال". إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٣٠. وقال النحاس: "والرفع عطف على الموضع لأن من زائدة للتوكيد". إعراب القرآن ٢/ ٦٥.
(٤) قال النحاس: "وقراءة العامة بالرفع على العطف على مثقال". إعراب القرآن ٢/ ٦٥٦.
(٥) الحجرات: ١٢.
[ ١ / ١٩٥ ]
يقدر معها ما هو سبب لما ذكر بعدها، وإن كانت عاطفة احتيج إلى جملة تكون هي عقبيها، وكلا الأمرين ليس بظاهر في الآية. فالجواب: أنه (١) للسببية، لأن معنى: أيحب أحدكم؟، نفي الحب، لأن همزة الإنكار إذا دخلت على الفعل كان الفعل بعدها نفيًا، إما نفي طلب، أي: نهي كقوله: ﴿أتأخذونه﴾ (٢). وإما نفي حصول، كقوله: ﴿أيحب أحدكم﴾. ولما كان المعنى: ما يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا، ذكر ما هو مسبب عن هذا المنفي وهو تحقق الكراهة وثبوته. ويجوز أن يقال: إنه لما نهي عن الغيبة على صيغة شبهها بما هو مكروه من معتادهم وهو أكل لحم المغتاب ميتًا، وأتى به على صيغة الإنكار تنبيهًا على أنه مما لا يفعلونه. ثم كان ذلك التشبيه سببًا لذكر تحقق الكراهة، فقال بعد ذلك: فكرهتموه، فكان ذكر تحقيق الكراهة وثبوتها مسببًا عن هذا التشبيه الذي قصد به تأكيد كراهة ما نهي عنه، إذ به يتحقق توبيخهم في وقوعهم في الغيبة المشبهة ما يأبونه ويكرهونه. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٣]
[الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا أن يشاء الله﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا. إلا أن يشاء الله﴾ (٣):
الوجه فيه أن يكون استثناء مفرغًا، كقولك: لا تجيء إلا بإذن زيد، ولا تخرج إلا بمشيئة فلان، على أن يكون الأعم المحذوف حالًا أو مصدرًا. فتقدير
_________________
(١) وردت هذه الكلمة في جميع النسخ هكذا. والأنسب: أنها.
(٢) النساء: ٢٠.
(٣) الكهف: ٢٣، ٢٤.
[ ١ / ١٩٦ ]
الحال: لا تخرج على حال إلا مستصحبا لذلك. وتقدير المصدر: لا تخرج خروجًا إلا خرجًا مستصحبًا لذلك، كقولك: ما كتبت إلا بالقلم، ولا نجرت إلا بالقدوم، وحذفت الباء من (أن يشاء الله)، والتقدير: إلا بأن يشاء الله، أي: إلا بذكر المشيئة. وقد علم أن ذكر المشيئة المستصحبة في الإخبار عن الفعل المستقبل هي المشيئة المذكورة بحرف الشرط، أو ما هو في معناه، كقولك: لأفعلن إن شاء الله، أو لأفعلن بمشيئة الله، أو إلا أن يشاء الله وما أشبه ذلك.
وما ذكر من أنه استثناء منقطع أو متصل على غير ذلك فبعيد. أما الانقطاع فلا يتجه لأنه يتجه لأنه يؤدي إلى نهي (١) كل أحد (٢) عن أن يقول إني فاعل غدًا كذا مطلقًا، قيده بشيء أو لم يقيده، وهو خلاف الإجماع، فإنه لا يختلف (٣) في جواز قول القائل: لأفعلن كذا إن شاء الله، وجعله منقطعًا يدرجه في النهي (٤).
وأما ما ذكر من أنه متصل باعتبار النهي فيؤدي إلى أن يكون المعنى: نهيتكم إلا أن أشاء، والنهي لا يقيد بالمشيئة لأنه إن أريد تحقق الإخبار عن نهي محقق فلا يصح تعلقه بالمشيئة. وإن أريد نفس النهي الذي هو إنشاء فلا يقبل تعلقه على المشيئة. وإن أريد دوامه إلى أن يأتي نقيضه، فذلك معلوم في كل أمر ونهي، وكل حكم. ثم يلزم أن يكون كل أحد (٥) منهيًا عن أن يقول: إني فاعل مطلقًا، لأن الاستثناء بالمشيئة لم يتعرض له، وإنما تعرض لنفس النهي أو دوام النهي كما تقدم.
_________________
(١) في س: نفي. وهو تحريف.
(٢) في س: واحد.
(٣) في س: خلاف.
(٤) قال النحاس إنه منصوب على الاستثناء المنقطع. إعراب القرآن ٢/ ٢٧١.
(٥) في د، س: واحد.
[ ١ / ١٩٧ ]
وأما ما ذكر من أنه متصل بقوله: إني فاعل، ففاسد، إذ يصير المعنى: إني فاعل بكل حال إلا في حال مشيئة الله، فيصير منهيًا عن ذلك، وهو خلاف الإجماع، إذ يصير المعنى النهي عن أن يقول: إني فاعل إن شاء الله، وإني فاعل إلا أن يشاء الله، وهذا لا يقوله أحد. وأما ما ذكر من أن بعض المتأخرين زعم أن (إلا) ههنا ليست باستثناء اتصال، فقد تقدم الكلام عليه. وإن أراد أنها ليست باستثناء أصلًا لا منقطع ولا متصل، فلا يصدر ذلك إلا عن جهل وغباوة. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٤]
[الاستثناء في قوله تعالى: ﴿فما بعد الحق إلا الضلال﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿فما بعد الحق إلا الضلال﴾ (١):
يجوز أن يرتفع (الضلال) على أنه بدل باعتبار معنى: ماذا، لأن المعنى النفي، لأن الاستفهام فيه على معنى الإنكار، كأنه قيل: ما شيء بعد الحق إلا الضلال.
ويجوز أن يكون مبتدأ على تقدير استثناء مفرغ من حيث أن المعنى: ما بعد الحق إلا الضلال. ولو قيل ذلك لكان مبتدأ، فكذلك ما كان بمعناه. وإذا جاز البدل والتفريغ في الاستهام وهو على بابه في مثل قولك: هل جاءك رجل إلا زيد؟، وهل جاءك إلا زيد؟، فلأن يجوز إذا كان معناه معنى النفي أجدر. وإنما قدر الاستثناء في الآية على معنى النفي، لأنه المراد لاستحاقة تحقيق الاستفهام في حق الله تعال. وأيضًا فلو جعل الاستثناء على صورة الاستفهام
_________________
(١) يونس: ٣٢.
[ ١ / ١٩٨ ]
لتغير المعنى، لأنك إذا لت: هل جاءك رجل إلا زيد؟، فمعناه: أخبرني عن غير زيد، فلا يستقيم ههنا السؤال عن غير الضلال، إذ لا شيء بعد الحق غيره. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٥]
[توجيه قراءة قوله تعالى: ﴿ولا تتبعان﴾]
وقال ممليًا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾ (١):
روي عن ابن ذكوان تشديد التاس وتخفيف النون (٢). وروي عنه تخفيف التاء وإسكانها وفتح الباء وتشديد النون من تبع يتبع، وليس فيه إشكال، وإنما الإشكال في تخفيف النون. ووجهه أن (لا) نافية، والفعل مرفوع على وجهين: أحدهما: أن تكون جملة خبرية، معناها النهي، كقوله تعالى: ﴿تؤمنون بالله ورسوله﴾ (٣) و﴿لا تعبدون إلا الله﴾ (٤). والمعنى على الأمر والنهي، وعطف جملة خبرية معناها النهي على جملة معناها الطلب. والوجه الثاني: أن تكون الواو واو الحال، أي: استقيما غير متبعين. والجملة النفيية الفعلية يجوز أن تأتي بالواو وبغير واو. وقول من قال: إنها نهيية (٥) وإن النون نون التأكيد
_________________
(١) يونس: ٨٩.
(٢) انظر إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٣٣، والكشاف ٢/ ٢٥١، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/ ٣٧٦.
(٣) الصف: ١١.
(٤) البقرة: ٨٣.
(٥) وهو مذهب أبي جعفر النحاس. انظر إعراب القرآن ٢/ ٧٤.
[ ١ / ١٩٩ ]
الخفيفة كسرت، أو الثقيلة حذفت الأولى منهما، ضعيف، لا ينبغي أن تأول قراءة صحيحة عليه، لأنه لم يثبت في اللغة مثله. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٦]
[وجه النصب في قوله تعالى: ﴿فما كان جواب قومه﴾]
وقال أيضًا ممليا على قوله تعالى: ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا﴾ (١):
المراد في مثل هذه المواضع بما بعد إلا خصوصية المقول، فهو كالعلم في المعنى، لأنك إذا حكيت القول بلفظه ومعناه أو بمعناه، كان كالعلم في صحة وقوعه وقوع المفردات، إلا أنه قصد التعبير عنه باعتبار معناه، فالمعروف ذكر قول قبله، كأنهم قصدوا إلى التنبيه على أن المراد مضمون الجملة، فتقول: قولك: زيد حسن، صدق أو كذب وما أشبه ذلك. فإذا ثبت ذلك كان جعل مثله اسمًا لكان أوضح، لأن الأعلام وما تنزل منزلتها أظهر في التعريف من غير المضمرات. فإذا حسن جعلها اسمًا في هذا المحل لم يستقم تقديمها على (إلا) لفظًا ولا معنى. أما المعنى فلأن المقصود: ألا جواب إلا هذا. ولو قدم، لكان المعنى: ما هذا إلا جواب. وهما مختلفان، لأنه على المعنى ألأول لو قدر أن لهم جوابا آخر لم يستقم منه، وعلى المعنى الثاني لو قدر أن لهم ألف جواب آخر لم يمتنع منه. وأما من جهة اللفظ فلأنك لا تجد "كان" الناقصة داخلة على أن المصدرية مباشرة. ألا ترى أنك لا تقول: كان أن تقوم خيرًا لك، لأنها لما كانت مصدرية شبهوها في امتناع دخول عوامل الابتداء عليها بأن المشددة المصدرية، لأنها مثلها في كونها حرفًا مصدريًا لا يوصل إلا
_________________
(١) العنكبوت: ٢٤.
[ ١ / ٢٠٠ ]
بجملة. وإذا تقرر ذلك تعين النصب في مثل قوله: فما كان جواب قومه (١). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٧]
[إعراب قوله تعالى: ﴿والنجوم مسخرات﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى – في النحل: ﴿والنحوم مسخرات﴾ (٢): لا يجوز أن ينتصب على الحال من معمول (سخر) لأنه لا يجوز أن يقال: ضربته مضروبًا كما لا يقال: قمت قائمًا، على أنه حال، لأنه مفهوم من قوله: قمت، فلا فائدة في قوله: قائمًا. وكذلك ضربته مضروبًا. ولذلك اتفق على تأويل قولهم: قمت قائمًا؛ في أنه في معنى قمت قيامًا. فكذلك قوله: ﴿مسخرات﴾، بعد قوله: ﴿سخر﴾، لا يحسصن فيه الحال لذلك. ولا حالا مؤكدة لأن شرطها مفقود وهو أن تكون مقررة لمضمون جملة اسمية. ولا يحسن أن يكون مصدرًا لمجيئه مجموعًا، والمصادر التي يراد بها المعنى الكلي لا تجمع. فإن حمل على قصد الأعداد، كأنه قيل: مسخرة، بمعنى تسخيرة، ثم جمع مسخرات كما تجمع تسخيرات على إرادة أعداد المرات جاز على ما فيه من بعد. والأحسن أن يكون منصوبًا حالًا (٣) بفعل مضمر واقعًا على قوله:
_________________
(١) قال سيبويه في هذه الآية: "فأن محمولة على ما كان، كأنه قال: فما كان جواب قومه إلا قول كذا وكذا. وإن شئت رفعت الجواب فكانت أن منصوبة". الكتاب ٣/ ١٥٥.
(٢) النحل: ١٢. وقبلها. "وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر".
(٣) قال أبو البقاء: "حال أو خبر. فإن قرأنا النجوم بالنصب كانت حالًا، وإن قرأناها بالرفع كانت خبرًا". إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٧٩. وقال القرطبي: "وهي في قراءة من نصبها حال مؤكدة" الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٨٣.
[ ١ / ٢٠١ ]
﴿والشمس والقمر﴾، تقديره: وخلق الشمس والقمر مسخرات. أو مفعولًا ثانيا، بمعنى: وجعلها مسخرة. أو يقدر الفعل بعد قوله: والنجوم، أو قبله على التأويلين، كأنه خلقها أو جعلها مسخرات. وحسن تقديره لما في (سخر) من الدلالة عليه. ومما يوضح ما ذكرناه قراءة من قرأ: والشمس والقمر وما بعده بالرفع (١)، وقراءة من قرأ: والنجوم مسخرات بالرفع خاصة (٢)، والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٨]
[إعراب قوله تعالى: ﴿ما ليس لك به علم﴾]
وقال أيضًا [في دمشق سنة إحدى وعشرين] (٣) على قوله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم﴾ (٤): لا يستقيم أن يكون (ما ليس لك به علم) بدلا لأمرين: أحدهما: أنه يقال: أشرك زيد كذا بكذا، أي: جعله شريكًا له، وهم كانوا يجعلون شركاء لله كما قال تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء﴾ (٥). ومنه قوله حكاية عن إبليس: ﴿إني كفرت بما أشركتموني من قبل﴾ (٦)، أي: بجعلكم إياي شريكًا. وأما قوله: ﴿وكفرنا بما كنا به مشركين﴾ (٧)، فإنما عدي بالباء لتقدمه على اسم الفاعل، كما تقول: أنا بالله مستعين. والثاني: أنه لو جُعل بدلا لكان من بدل الغلط،
_________________
(١) وهي قراءة ابن عباس وابن عامر وأهل الشام. البحر المحيط ٥/ ٤٧٩.
(٢) وهي قراءة حفص. البحر المحيط ٥/ ٤٧٩.
(٣) زيادة من هامش الأصل. ورقة ٣٥.
(٤) لقمان: ١٥.
(٥) الأنعام: ١٠٠.
(٦) إبراهيم: ٢٢.
(٧) غافر: ٨٤.
[ ١ / ٢٠٢ ]
والقرآن مبرأ من ذلك، لأنه لا يستقيم فيه نوع من أنواع البدل، وذلك واضح. فالوجه أن يقال: إنه مفعول (تشرك)، ولو جعل (تشرك) بمعنى: تكفر، وجعلت (ما) نكرة موصوفة أو بمعنى الذي، بمعنى: كفرًا أو الكفر، ويكون نصبًا على المصدر، لكان وجهًا حسنًا، والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٩]
[ضعف قراءة ابن عامر وعاصم لقوله تعالى: ﴿وكذلك ننجي المؤمنين﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿فاستجبنا له فنجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين﴾ (١):
على قراءة ابن عامر وعاصم لا يظهر فيها وجه مستقيم (٢). فمن وجهها على أنه ماض بني لما لم يسم فاعله فضعيف من حيث أسكنت الياء ومن حيث نصب المفعول به الصريح وأقيم المصدر لما لم يسم فاعله مقام فاعله. ومن وجهها على أنه مضارع "أنجي" أدغمت النون في الجيم فضعيف من حيث إن النون لم يثبت إدغامها في الجيم، وإنما تخفي فيها لا تدغم، فإدغامها فيها بعيد. ومن وجهها على أنه مضارع "نجي" لزمه حذف النون الثانية (٣)، ومثلها لا تحذف، فلا يقال في مضارع "نسى": نسى، ولا في مضارع "نزل": نزل. وتشبيههم إياها بالتاءين (٤) في "تتفعل" و"تتفاعل" غير مستقيم لاختلاف الحركات
_________________
(١) الأنبياء: ٨٨.
(٢) قال الفراء: "وقد قرأ عاصم نجي بنون واحدة، ونصب المؤمنين". معاني القرآن ٢/ ٢١٠.
(٣) قال ابن جني: "ولأنه عندنا على حذف إحدى نوني ننجي. ويشهد أيضًا لذلك سكون لام (نجى). ولو كان ماضيًا لانفتحت اللام إلا في الضرورة". الخصائص ١/ ٣٩٨.
(٤) في م: بالتاء.
[ ١ / ٢٠٣ ]
هنا واتفاقها ثم. ثم ولو اتفقت فلا يثبت حذف النون لمجرد القياس على حذف التاء. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦٠]
[إعراب "إخوانا" في قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا﴾ (١): من قال: إنها حال من الضمير في جنات، فهو ضعيف للفصل بين الحال وصاحبه بالجمل المتعددة، لأن قوله: (ادخلوها) جملة و(نزعنا) جملة. ومن جعلها حالًا من الضمير في (آمنين) فهو أضعف (٢)، لأن (آمنين) في سياق (ادخلوها)، و(ادخلوها) معمول للقول المقدر، أي: يقال لهم: ادخلوها بسلام آمنين. فإذا جعلت (إخوانا) حالًا من الضمير في آمنين وجب أن يكون في سياق القول فتكون فاصلًا بين ما هو كالمفعول الواحد بالأجنبي وهو جملة: ونزعنا، لأن الجملة المقولة وإن تعددت أجزاؤها في حكم المفعول الواحد أو المصدر (٣)، فإذا قطعت بعض أجزائها عن بعض، كنت كالفاصل بين جزء المفعول وجزئه الآخر. هذا وإنه يلزم منه ما لزم في الأول من الفصل بين الحال وصاحبه بالجملة الأجنبية التي هي: ونزعنا.
نعم لو جعل (ادخلوها بسلام) هو مفعول القول دون (آمنين) وجعل (آمنين)
_________________
(١) الحجر: ٤٧. والآيتان اللتان قبلها: "إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين".
(٢) وقد أجازه أبو البقاء العكبري. إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٧٥.
(٣) ذكر ابن الحاجب سابقًا أنها في حكم المصدر. انظر الإملاء (٥٠) من هذا القسم.
[ ١ / ٢٠٤ ]
حالًا من الضمير في (في جنات)، وجعل (إخوانا) حالا من الضمير في (آمنين) اندفع الضعف بالوجه الأول. ولكن يجيء ضعف من جهة أن المفهوم من (آمنين) أنه حال من الضمير في (ادخلوها). فإذا جعل حالًا من الضمير في (في جنات) لزم خروجه عن هذا الظاهر. ومن جعلها حالًا من ضمير الفاعل (١) في (ادخلوها) فالكلام فيه كالكلام فيما تقدم سواء (٢). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦١]
[توجيه القراءات في قوله تعالى: ﴿لا يهدي﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿أمن لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون﴾ (٣): قرأ ابن كثير وورش (٤) وابن عامر (يهدي) بفتح الياء والهاء وتشديدا الدال (٥). وأصله: يهتدي، مضارع اهتدى (٦). والعرب تدغم تاء الافتعال في مثله ومقاربه إدغامًا غير لازم. أما في المثل فلأنها كالمنفصل (٧)، فإن تاء الافتعال لا يلزمها وقوع تاء بعدها. وأما في المقارب فواضح. فإذا قصدوا إلى الإدغام اسكنوا التاء وقلبوها دالًا لأجل الإدغام، فاجتمع ساكنان: الهاء والدال،
_________________
(١) وقد أجاز أبو البقاء هذا الوجه. إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٧٥.
(٢) وجعلها الزجاج حالًا من المضاف إليه في قوله: في صدورهم إعراب القرآن ٣/ ٧٩١. ولا أرى قوله هذا بعيدًا عن الصواب، لأن المضاف بعض المضاف إليه، كقولك: أعجبني وجه الفتاة مسفرة.
(٣) يونس: ٣٥.
(٤) هو عثمان بن سعيد، أحد القراء السبعة. ولد سنة ١١٠ هـ وتوفي بمصر سنة ١٩٧ هـ. قرأ على نافع، وكان حسن الصوت. انظر النشر في القراءات العشر ١/ ١١٢.
(٥) وهي قراءة أبي عمرو أيضا. انظر إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٥٩.
(٦) انظر إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٥٩.
(٧) في الأصل كالمنفصلين. وما أثبتناه هو الصواب.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ففتحوا الهاء لالتقاء الساكنين، وخصت بالفتح تنبيها على حركة ما أسكن للإدغام، كما ضموا في "يرد"، وكسروا في "يفر"، وفتحوا في "يعض"، وأصله: يردد ويفرر ويعضض. وهذه أوضح قراءات التشديد في هذا الحرف. وقرأ حفص (يهدي) بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال (١)، وأصله كما تقدم، والإدغام كالإدغام، إلا أنه كسرت الهاء لالتقاء الساكنين، ولم يراع ذلك الأصل المتقدم من حيث كان ذلك الأصل للتنبيه على ما تختلف حركته، لأن عين الفعل تكون مفتوحة ومضمومة ومكسورة، فلو لم يفعلوا ذلك لأدى إلى اللبس بخلافه ههنا، فإن تاء الافتعال لا يلبس أمرها في أنها بالفتح، فلا حاجة إلى تنبيه عليها، فلذلك كسر الأول من الساكنين على أصل الساكنين. وقرأ أبو بكر مثل حفص، إلا أنه بكسر الياء (٢)، ووجهه كوجهه، وكسر الياء لاتباع الهاء، لما في الهاء من الخفاء، فلما كسرت أشبهت الياء فكسر ما قبلها لذلك. وقرأ أبو عمرو وقالون (٣) (يهدي) بفتح الياء وإخفاء فتحة الهاء وتشديد الدال، وأصله أيضًا: يهتدي. وعلة الإدغام كما تقدم، إلا أنه لم تمكن فتحة الاء ولم تبق ساكنة جمعًا بين أصلها وعارضها. لأن أصلها الإسكان، والعارض يقتضي التحريك فسلك أمر بين أمرين لإمكانه، ولم يسلك ما سلك في "يرد" كما تقدم من أن الحركة ثم مقصودة بالمحافظة بخلافها ههنا.
_________________
(١) ونسبت هذه القراءة لعاصم. إعراب القرآن النحاس ٢/ ٥٩.
(٢) ونقل النحاس عن الكسائي أنها قراءة عاصم. إعراب القرآن ٢/ ٥٩.
(٣) هو عيسى بن مينا بن وردان، قرأ على نافع واختص به كثيرًا، فيقال إنه كان ابن زوجته وهو الذي لقبه قالون لقراءاته، فإن قالون بلغة الروم جيد، ولد سنة ١٢٠ هـ وتوفي سنة ٢٢٠ هـ. انظر النشر في القراءات العشر ١/ ١١٢.
[ ١ / ٢٠٦ ]
ويعض القراء يترجم له في قراءتهما بسكون الهاء، وهو ضعيف لما يؤدي إليه من التقاء الساكنين. وقرأ حمزة والكسائي (يهدي) بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال (١)، وهو مضارع هدى، فلا إشكال فيه. والاستثناء مفرغ لأن المعنى: أم من لا يهدي بسبب من الأسباب إلا بأن يهدي. والقياس مجيء الباء في مثله، مثل قوله: ما مررت إلا بزيد. إلا أنه حسن حذفها ههنا لمجيئها مع أن، وحروف الجر تحذف مع أن وأن، وتثبت قياسًا مطردًا، لذلك حسن الحذف. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦٢]
[معنى "ما" في قوله تعالى: ﴿ما يتذكر فيه من تذكر﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ما يتذكر فيه من تذكر﴾ (٢): لا يستقيم أن تكون (ما) نافية لوجهين: من حيث اللفظ ومن حيث المعنى. أما اللفظ فلأنها يجب قطعها عن (نعمركم) من حيث أن (نعمركم) لا يجوز أن يكون النفي من معموله، وهو خلاف الظاهر. وأيضًا فإن الضمير يرجع إلى غير مذكور في قوله: فيه، وأما من حيث المعنى فلأن قوله: أو لم نعمركم، إنما سيق لإثبات التعمير وتوبيخهم على تركهم التذكير فيه. فإذا جعل قوله: ما يتذكر، نفيًا، كان فيه إخبار عن نفي تذكير متذكر فيه، فظاهره على ذلك نفي التعمير، لأنه إذا كان زمانًا لا يتذكر فيه متذكر لزم أن لا يكون تعميرًا، وهو خلاف قوله: أولم نعمركم (٣). والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) وهي أيضًا قراءة خلف ويحيى الأعمش. البحر المحيط ٥/ ١٥٦.
(٢) فاطر: ٣٧. وقبلها قوله تعالى: "أو لم نعمركم".
(٣) قال أبو البقاء: "أي زمن ما يتذكر، أو أن تكون نكرة موصوفة". إملاء ما من به الرحمن، ٢/ ٢٠١. ويلاحظ أن ابن الحاجب لم يذكر رأيه فيها، واكتفى بقوله: إنها ليست نافية. وهذا مما يؤخذ عليه أحيانًا في بعض إملاءاته فقد يطرح مسألة ولا يذكر جوابها أو رأيه فيها.
[ ١ / ٢٠٧ ]
[إملاء ٦٣]
[الجواب على إشكال في قوله تعالى: ﴿إلا هي أكبر من أختها﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها﴾ (١): قد استشكل من جهة أن أفعل التفصيل إذا نسب إلى شيء وجب أن تكون فيه زيادة على المفصل عليه، فلا يتسقيم أن يقال: الزيدان كل واحد منهما أفضل من الآخر، لما يؤدي إليه من إثبات الزيادة ونفيها في كل واحد منهما، فقوله تعالى: ﴿هي أكبر من أختها﴾ شامل للجميع، فيلزم أن تكون كل واحدة منهما أكبر من الأخرى، وذلك يؤدي إلى أن تكون أكبر وليس بأكبر (٢). والجواب عنه من وجوه: أحها: أن يكون المراد إنما يأتي أكبر مما تقدم فيكون المراد بقوله: من أختها، أي: من أختها المتقدمة عليها. الثاني: أن يكون المراد: إلا هي أكبر من أختها من وجه، وقد يكون الشيئان كل واحد منهما أفضل من الآخر من وجه. الثالث: أن يراد: إلا هي أكبر من أختها عندهم وقت حصولها، لأن لمشاهدة الآية أثرًا في النفس عظيمًا ليس للغائب منها، وإن كان الغائب أكبر، فإن الإنسان يعظم عنده مشاهدة عصا، تنقلب عقربًا أكبر من عظم علمه بأنها تنقلب حية، وإن كان انقلابها حية أعظم في التحقيق. وإنما الشماهدة لها أثر في تعظيم الشيء في النفس. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) الزخرف: ٤٨.
(٢) قال الزمخشري: "الغرض بهذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر لا يكون يتفاوتن فيه. وكذلك العادة في الأشياء التي تتلاقى في الفضل وتتفاوت منازلها فيه التفاوت اليسير أن تختلف آراء الناس في تفصيلها". الكشاف ٣/ ٤٩١.
[ ١ / ٢٠٨ ]
[إملاء ٦٤]
[معنى التوقع في قوله تعالى: ﴿فلعلك تارك﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك﴾ (١): ألفاظ التوقع إذا وردت من الله تعالى فهي محمولة على التوقع من المخاطب كقوله تعالى: ﴿لعله يتذكر﴾ (٢)، بمعنى: اذهبا على توقعكما ذلك. وقوله: فلعلك تارك، بمعنى: أن التوقع منك للترك حاصل لأجل هذه العلة والتعنت المذكور، وهو قولهك: ﴿لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك﴾ (٣). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦٥]
[معنى قوله تعالى: "لو كنت أعلم الغيب"]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ (٤): إن قيل: قد علم أنه لا يقع إلا ما أراده (٥) الله تعالى: وما يريده الله تعالى متحقق في علمه لا يتيغر، فكيف يستقيم أن يفعل من علم الغيب ما لم يكن فاعلًا له لو لم يعلم؟. فالجواب: أن مما علمه الله تعالى وأراده أن الأفعال لا يقع من العالم بها في الغالب إلا ما هو نفع له غير مضر، فاستقام أن يقال: لو كنت أعلم بالغيب، لأنه كان يكون المقدر من أفعاله أكثرها ما هو خير له، فكأنه قيل: لو كنت أعلم الغيب لكان الواقع مني من الأفعال أكثرها خير لي (٦). والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) هود: ١٢.
(٢) هود: ١٢.
(٣) في س: أراد.
(٤) طه: ٤٤.
(٥) الأعراف: ١٨٨.
(٦) المتكلم هو الرسول ﵇. وفي معنى الآية أقوال: منها: لو كنت أعلم ما يريد الله ﷿ مني قبل أن يعرفنيه لفعلته. ومنها: لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب. ومنها: لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح. انظر القرطبي ٧/ ٣٣٦، إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس ١/ ٦٥٥، معاني القرآن للفراء ١/ ٤٠٠.
[ ١ / ٢٠٩ ]
[إملاء ٦٦]
[وضع الظاهر بدلا من الضمير في قوله تعالى: ﴿ثم استخرجها من وعاء أخيه﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿ثم استخرجها من وعاء أخيه﴾ (١): إنما حسن إظهار الوعاء وكان القياس أن يقول: ثم استخرجها منه، لتقدم ذكره، لأنه لو قيل: ثم استخرجها منه، لأوهم أن يكون الضمير للأخ نفسه فيصير كأن الأخ كان مباشرًا بطلب خروج الوعاء، ولم يكن الأمر كذلك، لما في المباشرة من الأذى الذي تأباه النفوس الأبية، فأعيد بلفظ الظاهر لنفي هذا التوهم. وإنما لم يضمر الأخ فيقال: ثم استخرجها من وعائه، لأمرين: أحدهما: أن ضمير الفاعل في (استخرجها) ليوسف ﵇. فلو قال: من وعائه، لتوهم أنه ليوسف، لأنه أقرب مذكور، فأظهر دفعًا لذلك. الثاني: أن الأخ مذكور مضافًا إليه، ولم يذكر (٢) فيما تقدم مقصودًا بالنسبة الإخبارية. فلما احتيج إلى إعادة ما أضيف إليه أظهر أيضًا. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦٧]
[عود الضمير في قوله تعالى: ﴿وإن كنتم من قبله لمن الضالين﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة سبع عشرة على قوله تعالى: ﴿واذكروه كما
_________________
(١) يوسف: ٧٦.
(٢) في د: يذكره. والأصوب ما أثبتناه.
[ ١ / ٢١٠ ]
هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين﴾ (١): الأحسن أن يكون الضمير في قوله: من قبله، يعود على الهدى (٢)، لما دل عليه قوله: هداكم. الكاف نعت لمصدر محذوف، أي: ذكرا مثل ما هداكم (٣)، وإن كان الفاعلان خاصين باعتبار أمر عام اشتركا فيه وهو الاحسان، كأنه قيل: أحسنوا كما أحسن إليكم، مثل قوله: ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ (٤) إلا أنه عدل عن العام الى الخاص لقصد تفهيم خوصوصية المطلوب، وتنبيها على خصوصية السبب. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦٨]
[وجه دخول أن المخففة على "ليس" و"عسى"]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (٥). ﴿وأن عسى أن يكون قد أقترب أجلهم﴾ (٦): (أن) في الموضعين مخففة من الثقيلة. ولا يجوز التعويض فيها، وإن كانت إنما دخلت على الفعل، لأمور: أحدها: أ، هـ لا يصح دخول حرف التعويض عليها بوجه ما، فلم يجز إدخالها عليها ههنا. أما امتناع السين وسوف ولا فلأنها حروف استقبل وهذه ماضية. وأما امتناع "قد" في "ليس" فلأنها لتقريب الماضي من الحال، و"ليس" لنفس الحال، ولأن معناها الاثبات، و"ليس" نفي، فكانا متضادين. فإن قلت: فقد قالوا: قد انتفى الشيء،
_________________
(١) البقرة: ١٩٨.
(٢) قاله ابن عطية. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ١/ ٥٦٠.
(٣) نص عليه النحاس. إعراب القرآن ١/ ٢٤٧.
(٤) القصص: ٧٧.
(٥) النجم: ٣٩.
(٦) الأعراف: ١٨٥.
[ ١ / ٢١١ ]
فأدخلوها على فعل معناه نفي. قلت: الجملة في "ليس" في المعنى هي الجملة الاسمية والمقصود منها نفي الخبر بها عن المبتدأ، وليست مقصودة في الحقيقة بالإخبار بها وبفاعلها. ألا ترى أنك لو قلت: ليس زيد، لم يكن كلاما. فلو دخلت "قد" على هذه الجملة لوجب أن يتحقق نفس ما هو المقصود بالانتفاء وهو الخبر، فتصير نافيا مثبتا. وأما: قد انتفى الشيء، فليس من ذاك. ألا ترى أن قولك: انتفى الشيء كلام مستقيم، فإذا قلت: قد انتفى، فإنما أردت تحقيق ذلك الفعل الذي معناه نفي، فظهر الفرق بينهما. وأما امنتاع "قد" على "عسى" فلأنها لتقريب الماضي من الحال، و"عسى" لا تكون إلا لتقريب في المستقيل، فكانا متضادين، ولأنها تقرب ما لو لم تدخل عليه لكان معناه محتملا في الزمان القرب والبعد. ولا دلالة لعسى على الزمان، فلا معنى لدخول "قد" عليها، ولأن المقصود الحملة الاسمية، فالخبر في الحقيقة هو خبر المبتدأ، ولا معنى لدخول "قد" إلا تحقيق الخبر؛ فلا دخول له على خبر المبتدأ (١). فإن قلت: فقد استقلت "عسى" مع فاعلها كلاما في قولك: عسى أن يقوم زيد، فمقتضى هذا التعليل أن تدخل "قد". قلت: ليس المقصود أيضا بالخبر ههنا إلا بالجملة الواقعة بعد عسى. وهي وإن كانت في صورة الفعلية فالمعنى فيها على الاسمية، والمعنى فيها كمعنى: عسى زيد أن يقومٍ، سواء. والمقصود: زيد يقوم. فالأصل: عسى زيد يقوم، فلما التزموا دخول "أن" لمعنى اقتضاها قدموا تارة الفعل على الاسم ليصح دخول "أن" عليه، فقالوا: عسى أن يقوم زيد، وبقوها تارة أخرى على نظمها الأصلي، وأدخوا "أن" على الفعل مؤخرا، فقالوا: عسى زيد أن يقوم، فصارحكم: عسى أن يقوم، وعسى أن يقوم زيد، سواء. الثاني: ولو سلم صحة دخول حرف التعويض على هذه
_________________
(١) ولا معنى لدخول خبر المبتدأ: سقطت هذه العبارة من م.
[ ١ / ٢١٢ ]
الأفعال في غير هذا الموضع لم يلزم في هذا الموضع، وذلك أن دخولها إنما كان للفرق بين المصدرية والمخففة. ولا تلبس هذه بالمصدرية لأنها لا تدخل عليها، وإنما امتنع دخولها عليها لأمرين: أحدهما: أنها إنما تدخل على ما يخبر عنه في التحقيق أو يخبر به، وهي في الحقيقة ليست مقصودة بالإخبار عنها ولا بها. ألا ترى أن قولك: يعجبني أن تقوم، المقصود الإخبار عن القيام بالإعجاب. وإذا قلت: عسى زيد أن يقوم، فالمقصود الإخبار عن زيد بالقيام. وإنما دخلت "عسى" لتقريب المرجو كدخول لعل. الثاني: أن المصدرية إنما تدخل في موضع يسبك الفعل معها إلى مصدر (١) وليست لهذه مصادر تسبك إليها. الأمر الثالث من الأول: أن هذه الأفعال غير متصرفة لتضمنها معنى الحروف في التحقيق، فأجريت مجرى الحروف في امتناع دخول الأفعال كامتناع دخولها على الحروف. والذي يحقق قربها من الحروف اختلاف العلماء في كونها من باب الحروف (٢). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦٩]
[إعراب "ما" في قوله تعالى: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾]
وقال أيضا ممليا على قوله تعالى: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ (٣): يحتمل وجوها: أحدها أن تكون (ما) زائدة، أي: يؤمنون قليلا (٤).
_________________
(١) في د، م: مصدره.
(٢) قال الرضي: "وزعم الزجاج أن عسى حرف لما رأى من عدم تصرفه وكونه بمعنى لعل، واتصال ضمير المرفوع به يدفع ذلك". شرح الكافية ٢/ ٣٠٢. أما ليس فقال الرضي: "والأولى الحكم بفعليته لدلالة اتصال الضمائر به عليها، وهي لا تتصل بغير صريح الفعل إلا نادرا" شرح الكافية ٢/ ٢٩٦.
(٣) البقرة: ٨٨.
(٤) نص عليه الزمخشري. الكشاف ١/ ٢٩٥.
[ ١ / ٢١٣ ]
معنى القلة ههنا النفي على مذهب قول العرب: قل ما يقول ذاك، أي: ما يقوله. ولذلك امتنع: قل سيرى حتى أدخلها- بالرفع، ووجب النصب، كما امتنع الرفع في قولك: ما سرت حتى أدخلها، ووجب النصب، الثاني: أن تكون في مثل قولك: اضربه ضربا ما، للتقليل بعد التقليل، والوجه في الإعراب كما تقدم سواء. الوجه الثالث: أن تكون (ما) نافية، و(قليلا) إما وصف لمصدر (١) وأما وصف لظرف، وفيه ضعف من حيث إن ما بعد "ما" لا يعمل فيما قبلها وهو في المصدر أضعف منه في الظرف. ويضعف أيضا في الظرف من حيث أنه أنضم إليه حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، كما ضعف: سير عليه طويل، لما انضم إلى حذف الموصوف جعله في موضع الفاعل، ولم يضعف: سير عليه طويلا، ولا: سير عليه زمان طويل، لما لم يكن في واحدة منها إلا أحدهما. ووجهه أنها تشبه بلن حتى لا يفرق بينها وبين لن (٢) بالفعلية فيقال: حرف نفي لا يغير معنى الخبر، فجاز أن تقدم عليه معمول ما بعده قياسا على لن (٣) في قولك زيدا لن (٤) أضرب. وإذا تقدم معمول ما بعد لن (٥) وهي عاملة فيه كان معمول "ما" أجدر، إذا لا عمل لها فيه. ويجوز أن يكون (قليلا) حالا من فعل محذوف دل عليه ما قبله، كأنه قيل: بل لعنهم الله بكفرهم فابعدوا أو فأخزوا أو نحوه في حال كونهم قليلا
_________________
(١) وهو مذهب الزجاج. إعراب القرآن ١/ ٢٩٥.
(٢) في الأصل وفي م: أن. وما أثبتناه من النسخ الأخرى وهو الصواب.
(٣) في الأصل وفي م: أن. وهو خطأ.
(٤) في الأصل وفي م: أن. وهو خطأ.
(٥) في الأصل وفي م: أن. وهو خطأ.
[ ١ / ٢١٤ ]
[إملاء ٧٠] [مسألة في "إذ"]
إيمانهم. وهذا الوجه أقعد في المعنى، وما علمت أحد قاله. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٧٠]
[مسألة في "إذ"]
وقال أيضا بالقاهرة سنة خمس عشرة وستمائة على قوله تعالى: ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون﴾ (١): قال: "إذا" في أصل وضعها للماضي، فكيف يستقيم أن تكون ظرفا ل (سيقولون) مع كونه مستقبلا في قوله تعالى: ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون﴾. لأنه يصير المعنى: أنه يقول في المستقبل في زمان قد مضى وذلك مستحيل؟. فالجواب من أوجه: أحدها: أن يقدر متعلق يتعلق به (إذ) فيكون التقدير: وإذ لم يهتدوا به جحدوا أو كفروا أو ما أشبهه. ثم استؤنف ذكر ما يوقعونه في المستقبل. وأتى بالفاء إيذاننا بأنه مسبب عما قدر متعلقا لإذ. الثان: أن "إذ" وإن كانت لما مضى، فما ذكر بعدها مستمر، فصار فيها شائبتان: شائبة تقتضي المضي لوقوع ذلك، وشائبة تقتضي الاستقبال لا ستمراه، فعبر بإذ باعتبار المضي لتحققه، وعلق (فسيقولون) باعتبار استمراره لأنه مستقبل في المعنى. الثالث: أن تكون متضمنة معنى الشرط بدليل دخول الفاء بعدها (٢)، وكونها في معنى إذا، وذلك إنما يكون للشروط (٣)، فكأانه المعنى: إذا لم يهتدوا به
_________________
(١) الأحقاف: ١١.
(٢) قال الرضي: "لأنه لا يطرأ عليها معنى الشرط كما في إذا، لأن جميع أسماء الشرط متضمنة لمعنى إن، وإن للشرط في المستقبل، وإذ موضوعة للماضي فتنافيا". شرح الكافية ٢/ ١١٥.
(٣) في س: الشرط. والصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٢١٥ ]
فسيقولون، وحسن التعبير بإذ دلالة بها على تحيقق ذلك لأنها في أصل وضعها لتحقيق الشيء لكونها للماضي، وكذلك وقوله: ﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة﴾ (١)، وتقدر الوجوه كلها كما قدرت فيما تقدم (٢). والله أعم بالصواب.
[إملاء ٧١]
[معنى قوله تعالى: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ (٣): يجوز أن يكون: وليس الذكر مثل هذه الأنثى، فتكون الألف واللام في (الأنثى) للمعهود السابق، وتكون الألف واللام في (الذكر) للمعهود الذهني. الثاني: أن المراد نفي التسوية بينهما، فلا فرق بين تقديم الذكر أو تقديم الأنثى. ولذلك قال تعالى: ﴿ليسوا سواء﴾ (٤). وإذا كان المعنى على ذلك، فلا فرق في التقديم والتأخير لصحة الإتيان بهم جميعا بلفظ الجمع. وكل ما صح فيه لفظ الجمع صح في مفرداته التقديم والتأخير. الثالث: أن يكون المعنى على الرد لمن قال: الذكر كالأنثى. فجوابه أن يقال: ليس الذكر كالأنثى، وكان ذلك المقدر على طريقة من يأخذ الأعلى فيجعله المشبه عند قصد التسوية قصدا للمبالغة، فجاء الرد على نحو ما قدر. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) المجادلة: ١٣.
(٢) وهناك وجه آخر في الآية المتقدمة ذكره ابن هشام وهو أن تكون (إذ) للتعليل. انظر مغنى اللبيب ١/ ٨٢ (محيي الدين).
(٣) آل عمران: ٣٦.
(٤) آل عمران: ١١٣.
[ ١ / ٢١٦ ]
[إملاء ٧٢]
[إعادة الظاهر بدلا من الضمير في قوله تعالى: ﴿استطعما أهلها﴾]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها﴾ (١): إنما أعاد (الأهل) بلفظ الظاهر لأحد أمرين: أحدهما: أن (استطعم) صفة لقرية، فلا بد من ضمير يعود من الصفة الجملية إليها. ولا يمكن عوده إلا كذلك لأنه لو قيل: استطعماهم لكان الضمير لغيرها. ولو قيل: استطعما ها لكان على التجوز، إذ القرية لا تستطعم حقيقة. فلما لم يكن بد من ذكر الصمير العائد إلى القرية ولا يمكن ذكره إلا وهو مضاف إليه إلا بذكر المضاف، ولا يمكن ذكر المضاف مضمرا لتعذر إضافة المضمر، تعين ذكره ظاهرا. ولا يرد عليه أن (استطعما) جواب لإذا لا صفة لقرية، لأنا نقول: الظاهر أنه صفة لقرية، وأن (قال) هو جواب (إذا) لقوله في القصة الأخرى: ﴿حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال﴾ (٢). فـ (قال) ههنا جواب (إذا) متعين. ولا يستقيم أن يكون (فقتله) جوابه، إذ الماضي الواقع في جواب "إذا" لا يكون بالفاء، فتعن فيه (قال). وإذا كان كذلك فالظاخر أن القصة الأخرى على هذا النمط في أن (قال) هو الجواب لأنها سيقت سياقا واحد. والثاني: أن الأهل لو أضمر لكن مدلوله مدلول الأول، وملوم أن مدلول الأول جميع الأهل. ألا ترى إذا قلت: أيت أهل قرية كذا، إنما تعني وصلت إليهم، فلا خصوصية لبعضهم دون بعض. والاستطعام في العادة إنما يكون لمن يلي النازل بهم منهم، وهم بعضهم، فوجب أن يقال: استطعما أهلها، لئلا يفهم أنهم استطعموا جميع الأهل وليس كذلك. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) الكهف: ٧٧.
(٢) الكهف: ٧٤.
[ ١ / ٢١٧ ]
[إملاء ٧٣]
[دخول إن الشرطية على الماضي]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت﴾ (١). وكذلك قوله تعالى: ﴿إن كنت قلته فقد علمته﴾ (٢). وكذلك قول الشاعر:
أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم (٣)
الصحيح أن (إن) الشرطية إذا دخلت على الماضي قلبته مستقبلا. فأما قوله: (إن كان قميصه)، فلأن (كان) بمعنى: ثبت، فكأنه قيل: إن ثبت أن قميصه. وثبوت الشيء لا يلزم منه ألا يكون قبل ذلك ثابتا، فهي على بابها في الاستقبال، لأن المعنى: إن يثبت هذا في المستقبل فهي صادقة. وبهذا التأويل أول قوله: إن أذنا قتيبة حزتا، على أن القدير: إن كانت أذنا قتيبة حزتا. وقد ثبت حذف "كان" الناقصة مع الشرط كثيرا، كقولهم: إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ونظائره كثيرة. وأما إن جعلت إن بمعنى إذ (٤) فلا تحتاج إلى جوب.
_________________
(١) يوسف: ٢٦.
(٢) المائدة: ١١٦.
(٣) البيت من الطويل وهو للفرزدق. انظر شرح ديوانه ص ٨٥٥ (تعليق عبد الله الصاوي). وهو من شواهد سيبويه ٣/ ١٦١، والكامل ١/ ٢٨٤، والرضى ٢/ ٢٦٤، ومعنى اللبيب ١/ ٢٢ (دمشق). وقتيبة: هو قتيبة بن مسلم الباهلي، وابن خازم: هو عبد الله بن خازم أمير خراسان من قبل عبد الله بن الزبير. والشاهد فيه كسر همزة "إن" وحملها على معنى الشرط.
(٤) قال ابن هشام: "وزعم الكوفيون أنها تكون بمعنى إذ". المغنى ١/ ٢٢ (دمشق).
[ ١ / ٢١٨ ]
وأما قوله تعالى: ﴿إن كنت قلته﴾، فعلى معنى: إن ثبت أيضا. ولا يقدح أن يقال: إنه عالم بثبوته وعدم ثبوته، فلا يصح فيه "إن" لأنها إنما تدخل على الأشياء المشكوك فيها. فالجواب: أن هذا لازم أيضا وإن لم تكن بمعنى: ثبت، فإن كونه قاله أو لم يقله أمر يعلمه فلا تدخل "إن" عليه. فما أجوبوا به أجبنا به. والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن أمر القيامة عظيم هائل يذهل فيه العالم عن علمه. ألا ترى إلى قوله: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا﴾ (١) والثاني وهو الظاهر: أنه خرج مخرج الإنكار على وجه الأدب، فإن العظيم يخاطب في الإنكار بصيغة الشرط. يقال للملك إذا قال: هل فعلت كذا لشيء ينكره: إن كنت فعلته فقد نقل إليك، على معنى: أني لم أفعله، فكذلك الآية. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٧٤]
[مسألة في الوقف والجواب عنها]
وقال أيضا بدمشق سنة تسع عشرة ممليا على قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ (٢). سئل عن هذه الآية هو وغيره من المشايخ بدمشق. فقيل: هل يجوز الوقف على قوله: ويبقى، والابتداء بما بعده؟ وفي الوقف على قوله: فان؟. وفيمن قال: إنما الوقف على قوله: ويبقى، دون قوله: فان؟. فأجاب وقال: لا ينبغي الوقف على قوله: ويبقى، تعمدا، لأنه يلزم أن يكون فيه ضمير فاعل، وهو غير سائغ أو مستبعد. لأنك إن جعلت الضمير مفسرا بما بعده كان غير
_________________
(١) المائدة: ١٠٩.
(٢) الرحمن: ٢٦، ٢٧.
[ ١ / ٢١٩ ]
سائغ في مثله (١). وإن جعلته راجعا إلى ما تقدم من ﴿ربكما﴾ (٢) أو ﴿رب المشرقين﴾ (٣) أو ﴿الرحمن﴾ (٤) أدى إلى إضمار فاعل لم يحتج إليه، وإخراج ما هو الأولى به من الظاهر بعده إلى أمر آخر بعيد، وكلاهما بعيد. وأما الوقوف على قوله تعالى: ﴿فان﴾، فتام (٥)، لأن ما بعده لا يتوقف إيراده على ما قبله، ولا أثر لواو العطف في الجمل في ذلك. ولا يصح تعليل التمام بكونه رأس آية، ولا بكونه تستقل به الجملة، ولا بهما. فإن قوله: ﴿رب العالمين﴾ (٦) رأس آية باتفاق، وليس بتام باتفاق. وقوله: ﴿الحمد لله﴾ (٧) تستقل الجملة بقوله: لله، وليس بتام ولا كاف (٨) باتفاق. وأما من قال: إنما الوقف على قوله تعالى: ﴿ويبقى﴾ دون ﴿فان﴾، فجاهل. ولو سلم له الوقف على (ويبقى) لم يمتنع الوقف على (فان)، ويكون حينئذ وقفا كافيا، ولا يكون الضمير العائد على ما قبله في (ويبقى) مانعا من الوقف عليه. هذا ما كتبه مجيبا به. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) لأن هذا ليس من الأبواب التي يكون فيها مفسر الضمير مؤخرا. انظر هذه المسألة في شرح شذور الذهب ص ١٣٦ (تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد).
(٢) الرحمن: ١٣.
(٣) الرحمن:١٧.
(٤) الرحمن: ١.
(٥) الوقف التام: أكثر ما يكون في رؤوس الآي واقضاء القصص. انظر النشر في القراءات العشر ١/ ٢٢٦.
(٦) الفاتحة: ١.
(٧) الفاتحة:١.
(٨) والوقف الكافي: يكثر في الفواصل وغيرها. والذي بعده كلام مستغن عما قبله لفظا وإن اتصل معنى. انظر النشر في القراءات العشر ١/ ٢٢٦.
[ ١ / ٢٢٠ ]
[إملاء ٧٥]
[مجيء الجملة الاستفهامية للتعظيم]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿القارعة. ما القارعة. وما أدراك ما القارعة﴾ (١). وشبهه: يقال: دريت بكذا ودريت كذا، أي: علمته. وتدخل الهمزة المتعدى فتقول: أدريته كذا وبكذا. فالمفعول الثاني غير المفعول الأول كمفعولي عرفت زيدا كذا بكذا. ولما كان ذلك من باب العلم، جاء المفعول الثاني تارة مفردا وجملة استفهامية أخرى، كما يجيء الثاني في عرفت والأول [في] (٢) عرفت، وكذلك علمت وأعلمت. تقول: عرفت زيدا من أبوه؟ وأعلمت زيدا أي الناس هو؟ فلذلك (٣) جاء (٤) أيضا: أدريته أي الناس هو؟ ومنه: ﴿وما أدراك ما القارعة﴾ (٥). ومجيء الجملة الاستفهامية في هذه المحال لتعظيم ذكر القضية وأنها من الا جمال بمكان حتى استحقت السؤال عنها بالجملة الا ستفهامية، وإلا فلا استفهام على التحقيق. وإنما المعنى على أن ذلك المسؤول عنه بهذه الجملة معلم، ولذلك قيل: كل ما في القرآن من (وما أدراك) فقد أعلم بمفعوله. وأما "ما" التي قبل "أدراك" فمجيئها أيضا لتعظيم شأن الإعلام وأنه من التعظيم والاجمال بمكان حتى استحق أن سأل عنه بالجمل الاستفهامية. وأما
_________________
(١) القارعة: ١،٢،٣.
(٢) زيادة من ب، د، س.
(٣) في س: فكذلك. والصواب ما أثبته لأن المقصود التعليل.
(٤) في م: جاز. وهو تحريف.
(٥) القارعة: ٣.
[ ١ / ٢٢١ ]
ما في القرآن من قوله: ﴿وما يدريك﴾ فقد قيل: إنه لم يدر به. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٧٦]
[وجه رفع "الأبواب" في قوله تعالى: مفتحة لهم الأبواب]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب﴾ (١): في رفع (الأبواب) وجهان: أن يكون في (مفتحة) ضمير الجنات، ويكون التأنيت تأنيث الجماعة، كما تقول: جنات مفتحة، وتكون الأبواب بدلا من الضمي (٢)، بدل الاشتمال، كما تقول: فتحت الجنات أبوابها، والأبواب منها، فحذف الضمير للعلم به، كما تقول: ضرب زيد الرأس والظهر (٣). والثاني: أن لا يكون في (مفتحة) ضمير، فتكون الأبواب مرتفعة بها ارتفاع ما لم يسم فاعله بما أسند إليه. وقد ضعف أبو علي وغيره هذا الوجه من حيث إن شرط إعمال الصفات أن تكون في السبب دون الأجنبي، فلا بد من ضمير يعود على الأول ولا ضمير (٤)، فإن قيل: الضمير محذوف، والتقدير: مفتحة الأبواب منها، كان مثل قولك: مررت برجل حسن الوجه. وهو ضعيف. فإن قيل: إن الألف واللام قامت مقام الضمير (٥) كان أيضا مثل قولك: مررت برجل
_________________
(١) ص: ٥٠.
(٢) أجازه الزمخشري، الكشاف ٣/ ٣٧٨. والزجاج، إعراب القرآن ١/ ٣٢٣.
(٣) قال سيبويه. "وإن شئت كان على الاسم بمنزلة أجمعين توكيدا. وإن شئت نصبت، تقول: ضرب زيد الظهر والبطن، والعامل فيه الفعل" ١/ ١٥٩.
(٤) انظر ما قاله أبو علي في هذه المسألة في كتاب إعراب القرآن للزجاج ١/ ٣٢٢، ٣٢٣، ٤٢٣، وذكر الزجاج أن كلامه هذا قاله في كتابه (الإغفال).
(٥) نقل الزجاج هذا القول عن الكوفيين. إعراب القرآن ١/ ٣٢٣.
[ ١ / ٢٢٢ ]
حسن الوجه، ولو كانت الألف واللام تقوم مقام الضمير لم يكن ضعيفا. ولا يحسن أن يقال: لو كانت الألف واللام عوضا عن الضمير لجاز: مررت بامرأة حسنة وجهها، كما جاز مررت بامرأة حسنة الوجه، لأنا نقول به على مذهب سيبويه (١)، وإنما يقول هذا من يرى امتناع المسألة. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٧٧]
[إعادة الظاهر بدلا من الضمير في قوله تعالى: ﴿وكانت الجبال كثيبا مهيلا﴾]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا﴾ (٢): إنما أعيد لفظ الجبال، والقياس الإضمار، لتقدم ذكرها. فقال: هذا مثل ما ذكرناه في قوله في (آلم السجدة) في أحد الوجهين، وهو قوله: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار﴾ (٣)، وهو أن الآيتين سيقتا للتخويف والتنبيه على عظم الأمر، فإعادة الظاهر أبلغ. وأيضا لو لم تذكر الجبال لكان الضمير محتملا أن يعود على الأرض، فذكرت الجبال بظاهر دفعا لهذا الاحتمال. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) انظر الكتاب ١/ ١٩٩.
(٢) المزمل: ١٤.
(٣) السجدة: ٢٠.
[ ١ / ٢٢٣ ]
[إملاء ٧٨]
[جواب الشرط في قوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله﴾]
وقال أيضا [بالقاهرة سنة اثنتي عشرة] (١) على قوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ (٢): جواب الشرط (فقد صغت قلوبكما)، من حيث الإخبار، كقولهم: إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس. فالإكرام الذي ذكر شرطا سبب للإخبار بالإكرام الواقع من المتكلم أمس لا نفس ألإكرام، لأن ذلك غير مستقيم من وجهين: أحدهما: أن الإكرام الثاني سبب للأول يستقيم أن يكون مسببا. والثاني: أن ما في حيز الشرط في المعنى مستقبل، وهذا ماض محقق في المعنى. وعن الوجه الأول توهم كثير من المبتدئين أن جواب الشرط يكون مسببا ويكون سببا، وهو فاسد. ولو لصح أن يقال: إن تدخل النار كفرت بالله، وذلك معلوم البطلان. فإن قلت: فالاخبار بالإكرام الواقع أمس قد حصل قبل الشرط، وذلك غير مستقيم. فالجواب (٣): أن المعنى على أن ذكر هذا الخبر بعد وقوع الشرط المسبب، وذلك يحصل بعد الشرط، والخبر سبب للذكر لمضمونه. فذكر السبب مستغنى به عن المسبب، ولذلك وجب في مثل هذه المواضع دخول الفاء. لو قلت: إن أكرمتني فأكرمتك، لم يجز. وعلى ما ذكرناه يحمل الجواب في الآية، أي: إن تتوبا إلى الله يكن سببا لذكر هذا الخبر، وهو قوله: فقد صغت قلوبكما. فإن قلت: الآية سيقت في التحريض على التوبة، فكيف تجعل سببا
_________________
(١) زيادة من هامش الأصل، ورقة ٤٢.
(٢) التحريم: ٤.
(٣) في د: والجواب. والصواب ما أثبته، لأنه جواب شرط واجب الاقتران بالفاء.
[ ١ / ٢٢٤ ]
لذكر الذنب؟ قلت: ذكر الذنب متوبا منه لا ينافي التحريض على التوبة ولا سيما إن كان الذنب مشهورا، فيصير المعنى في الآية: إن تتوبا إلى الله يعلم براءتكما من إثم هذا الصغو، لأن الخبر بالصغو سبب لذكره، وذكره متوبا منه سبب للعلم ببراءتهم من إثمه، فاستغني بسبب السبب. ولو قيل: إن جواب الشرط في الآية محذوف للعلم به (١). أي: إن تتوبا إلى الله يمح إثمكما أو يعف عنكما، ثم قيل: فقد صغت قلوبكما، جوابا لتقدير سؤال سائل عن سبب التوبة الماحية. فإن قلت: كان يلزم على ذلك أن يقال: فقذ صغت قلوبهما. قلت: إذا كان الجواب في التحقيق حاصلا فلا فرق بين الأمرين في ذلك، وهو كذلك أحسن هنا، لأن ما ذكرناه أمر تقديري. ألا ترى أنك لو قلت: أنا أحسن إليك لأنك أحسنت إلي، كان أحسن من: لأنه أحسن إلي، لأنه رجوع إلى خطاب من لم يذكر عن مخاطب مذكور. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٧٩]
[العدول عن المطلوب إلى مسببه وسببه]
وقال أيضا بدمشق سنة ثماني عشرة ممليا على قوله تعالى: ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾ (٢): المأمور في الحقيقة هم المخاطبون، والمأمور به الغلظة، وإن كان في الفظ للكفار، والمأمور به وجدانهم ذلك. ووجهه أن العرب تعدل عن المطلوب تارة الى مسببه لأنه المقصود، وتارة الى سببه تنبيها للمأمرو على
_________________
(١) قال أبو البقاء: "جواب الشرط محذوف تقديره: فذلك واجب عليكما أو يتب الله عليكما، ودل على المحذوف (فقد صغت) لأن إصغاء القلب إلى ذلك ذنب". إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٢٦٤.
(٢) التوبة: ١٢٣.
[ ١ / ٢٢٥ ]
تحصيل المطلوب بسببه. وإذا عدلت إلى ذلك أتت بالفعل الذي المسبب والسبب على صيغة الفعل المطلوب منسوبا الى فاعل ذلك الفعل فيصير في اللفظ كأنه المطلوب، وفاعله كأنه المطلوب منه، والمعنى على ما تقدم. فمن الأول: قوله تعالى: ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾ (١) لما كان المقصود من الأمر بالغلظة إنما هو وجدان العدو ذلك منهم، لا لأنها مطلوبة في نفسها عدل عنها الى مسببها المقصود بها وهو الوجدان، وذكر على صيغة الفعل المطلوب ونسب الى فاعله وهم الكفار عل ما تقدم. ومن الثاني: قوله: ﴿لا يفتننكم الشيطان﴾ (٢). فالمطلوب في الحقيقة هو اجتناب الآثام، ولكنه لما كان سبب الاجتناب اجنتاب فتنة الشيطان عدل اليها عل لفظ المطلوبات ونسبت إلى الشيطان، فصار المطلوب في اللفظ اجتناب أن يجتنب الشيطان الفتنة وهو في لحقيقة لهم على ما تقدم من العدول عن المسبب إلى السبب. وهذا الباب أكثر من أن يحصى. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٨٠]
[الاستثناء في قوله تعالى: ﴿ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ (٣): أما الأول فاستثناء متصل من وجهين: أحدهما: أن المراد بـ (ما دامت السماوات والأرض) جميع الأزمان بعد البعث، فاستثني زمن إقامتهم في
_________________
(١) التوبة: ١٢٣.
(٢) الأعراف: ٢٧.
(٣) هود: ١٠٧.
[ ١ / ٢٢٦ ]
المحشر؛ فإنهم ليسوا في النار حينئذ. والثاني: أن يكون ﴿الذين شقوا﴾ (١) مرادا به المؤمن العاصي والكافر، فيكون (ما شاء ربك) استثناء، أما للمدة التي تكون بعد إخراج العصاة فإنهم ليسوا فيها حينئذ، وإما لمن يخرج، استعمالا لما بمعنى: من، ويكون استثناء (٢) من (الذين شقوا) لا من (دامت). وأما الثاني فلا تظهر (٣) استقامة الاتصال فيها إلا على الوجه الأول. ويضعف الانقطاع فيهما لأنه لا بد من تقدير خبر في المعنى. فإن جعلته اجنبيا عما تقدم ضعف لأن الاستثناء المنقطع لا يكون خبره أجنبيا. وإن جعلته من معنى ما قبله جاء معنى الاتصال، ولا حاجة إلى تقدير الانفصال مع تسويغ الاتصال، لأنه أظهر وأكثر. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٨١]
[الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا﴾ (٤): يجوز أن تكو (كان) ناقصة وتامة وزائدة. فإذا كانت ناقصة جاز أن يكون الخبر (لبشر) (٥) فيكون (إلا وحيا) استثناء مفرغا من عموم الأحوال المقدرة في سياق النفي من الضمير في الخبر أو من اسم الله تعالى. كأنه قيل:
_________________
(١) هود: ١٠٦.
(٢) في م: الاستثناء.
(٣) في الأصل. يظهر. وما أثبتناه من م، وهو الأحسن.
(٤) الشورى: ٥١.
(٥) في الأصل وفي م: للبشر. والصواب ما أثبتناه.
[ ١ / ٢٢٧ ]
على حال من الأحوال إلا لى هذا الحال. فيكون (وحيا) بمعنى: ذا وحي، إما بمعنى: موحيا، وإما بمعنى: موحا. وقوله: ﴿أو من وراء حجاب﴾ متعلق بمحذوف، كأنه قيل: أو موصلا أو موصلا (١) ذلك من وراء حجاب. وقوله: أو يرسل، بالنصب (٢)، عل معنى: أوذا إرسال، عطفا على قوله: وحيا (٣). فلما حذف المضاف منهما وجاءت أن والفعل في موضع المصدر، جاز حذف "أن" كما جاز في قولك: أعجبني قعودك وتكرمني. ويجوز أن يكون (لبشر) غير مستقر، ويكون (إلا وحيا) هو الخبر استثناء مفرغا من عموم الاخبار المقدرة، كأن المعنى: ما كان التكليم إلا إيحاء أو إيصالا من وراء حجاب أو إرسالا، على أنه جعل ذلك تكليما على حذف مضاف، و(لبشر) على ذلك متعلق بما دل عليه (أن يكلمه). لأن المعنى: وما كان تكليم الله لبشر، ولكنه قدم لئلا يلي العوامل الداخلة على المبتدأ حرف (٤)، ألا ترى إلى حسن قولك: ما يكون لي أن أفعل، ما لا يحسن: وما يكون أن أفعل
_________________
(١) موصلا: سقتط من د، م.
(٢) وقراءة نافع وأهل المدينة بالرفع. البحر المحيط ٧/ ٥٢٧.
(٣) قال سيبويه: "وسألت الخليل عن قوله ﷿: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء. فزعم أن النصب محمول عل أن سوى هذا التي قبلها. ولو كانت هذه الكلمة على أن هذه لم يكن للكلام وجه، ولكن لما قال: إلا وحيا أو من وراء حجاب، كان في معنى إلا أن يوحي، وكان أو يرسل فعلا لا يجري على إلا، فأحرى أن هذه، كأنه قال: إلا أن يوحي أو يرسل، لأنه لو قال: إلا وحيا وإلا أن يرسل، كان حسنا، وكان أن يرسل بمنزلة الإرسال فحملوه على أن، إذ لم يجز أن يقولوا: أو إلا يرسل، فكأنه قال: إلا وحيا أو أن يرسل". الكتاب ٣/ ٤٩.
(٤) في الأصل وفي ب: حرفا. والصواب ما أثبتناه لأنه فاعل.
[ ١ / ٢٢٨ ]
لي. وإن كانت تامة كان الاستثناء مفرغا من الأحوال المقدرة على ما تقدم. أو يكون (وحيا) منصوبا على المصدر، أي: إلا حصول وحي، فيكون قوله: أو من وراء حجاب، إما على ذلك المعنى، وإما على تقدير: حاصلا، وإن لم يكن ما قبله حالا كما تقول: ما ضربته إلا تأديبا وقائما يوم الجمعة، وإن كان كل واحد منها مخالفا للآخر، كما تقول ذلك في الاثبات. ومثله قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ (١)، لأن (أشد) لا يستقيم أن يكون معطوفا على الكاف، ولا على (ذكركم) ولا على موصوف الكاف، لأنه كان يجب أن يقال: أو أشد بالخفض. وإنما المعنى: اذكروا الله ذكرا مثل ذكركم آباءكم، أو مثل قوم أشد ذكرا. (فأشد ذكرا) حال (٢) وقد عطف على المصدر كما ترى بتقدير جملة أخرى كالمتقدمة، أي: أو أذكروا الله مثل قوم أشد ذكرا، فحذفت لتقدم ما يدل عليها. وإن كانت زائدة كان مستثنى من عموم الأحوال المقدرة للضمير المستكن في قوله: لبشر، أو من المصادر المقدرة عن الاستقرار والحصول المتعلق به (لبشر) على المعنيين المتقدمين، أو من اسم الله تعالى عل المعاني المتقدمة. ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، وليس بواضح إذ المفهوم من سياق الكلام بيان حصول التكليم من الله لبشر، ولأنه ل ينبغي أن يعدل إلى المنقطع إلا بعد تعذر المتصل. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) البقرة: ٢٠٠.
(٢) انظر الإملاء (١٩) من هذا القسم. ص: ١٣٦.
[ ١ / ٢٢٩ ]
[إملاء ٨٢]
[إعراب قوله تعالى: "أربعين ليلة"]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثلاث وعشرين وستمائة على قوله تعالى: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾ (١): يجوز أن يكون (أربعين) ظرفًا، لأن تمام الميقات فيها، ولذلك لو صرح بفي فقيل: تم (٢) ميقات ربه في أربعين ليلة لكان مستقيمًا. ويجوز أن يكون ظرفًا على معنى: آخر أربعين ليلة، فحذف المضاف للعلم به، إذ تمام مدة الشيء إنما تكون آخره. ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر، إما على معنى: أن الأربعين اسم للآخر كما تقول: هذا أربعون، والكراسة الأربعون. فلما كان هو التمام صح أن ينصب نصب لفظ التمام. وإما على حذف مضاف، أي: تمام أربعين.
ويجوز أن يكون حالًا (٣)، أي: تم في حال كونه بالغًا هذا العدد المخصوص، كما تقول: جاءني إخوتك ثلاثة، كما وصف به في قولك: مررت بنسوة أربع.
ويجوز أن يكون مفعولًا بتم، كأن الميقات، وهو التوقيت، هو الذي أكمل الأربعين لما كان متعلقًا به. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) الأعراف: ١٤٢.
(٢) في م: فتم.
(٣) أجازه الزجاج في إعراب القرآن ١/ ٤٥، والزمخشري في الكشاف ١/ ١١١، ومكي بن أبي طالب في مشكل إعراب القرآن ص ٣٠١.
[ ١ / ٢٣٠ ]
[إملاء ٨٣]
[إعراب قوله تعالى: ﴿زهرة الحياة﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿زهرة الحياة الدنيا﴾ (١): الأظهر أن يكون منصوبًا بفعل مقدر دل عليه ما تقدم، أي: جعلنا لهم، أو آتيناهم ونحوه (٢)، لأنه إذا متعهم بها فقد جعلها وأتاها، وليس في ذلك شيء من التعسف، لأن حذف الفعل لقيام قرينة سائغ واقع فصيح. ويجوز أن يكون الفعل "أعني" بيانًا لما، أو للضمير في (به) أو (أزواجًا) وهو الذي يسمى نصبًا على الاختصاص، كما تقول: هم العرب أقرى الناس للضيف، ولا تعسف فيه.
ويجوز أن يكون بدلًا من (أزواجًا) على حذف مضاف (٣)، أي: أهل زهرة الحياة الدنيا، ويكون بدل الكل من الكل على المبالغة، كأنه جعلهم الزهرة والزينة على الحقيقة. وجعله بدلا من (ما) ضعيف (٤)، إذ لا يقال: مررت بزيد أخاك، أو من (به) أضعف، لأنه مثله وزيادة، للإبدال من المضمر العائد إلى الموصول فيزيده ضعفًا لأنه يصير من باب قولك: زيد رأيت غلامه رجلا صالحًا، وفي جوازها قولان. وجعله صفة لـ (أزواجًا) على حذف مضاف، أو إجراء لزهرة مجرى المصادر على معنى مزينين، ضعيف، لأنه يوجب حذف التنوين للالتقاء الساكنين وهو ضعيف، ويوجب أن تكون (الحياة الدنيا) بدلًا من (ما)، وهو خلاف الظاهر. ولذلك (٥) جعله حالًا من (ما) أو من الضمير لا يجابه
_________________
(١) طه: ١٣١
(٢) نص عليه الزمخشري، الكشاف ٢/ ٥٥٩. وأبو البقاء، إملاء ما من به الرحمن ٢/ ١٢٩.
(٣) ذكره أبو البقاء. إملاء ما من به الرحمن ٢/ ١٢٩.
(٤) ذكره أبو البقاء. المصدر السابق.
(٥) في ن، د، س: وكذلك، والصواب ما أثبتناه، لأن المقصود التعليل.
[ ١ / ٢٣١ ]
ما تقدم بعينه من الضعف المتقدم (١). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٨٤]
[جواز البدل بتكرير لفظ الاستثناء]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ (٢):
الاستثناء مفرغ من عموم الصفات المقدرة لورقة. أي: وما تسقط من ورقة إلا معلومة كقولهم: ما مررت بأحد إلا زيد خير منه. وقوله: ﴿ولا حبة ولا رطب ولا يابس﴾ معطوف على قوله (ورقة)، داخل في سياق النفي. و(إلا في كتاب مبين) بدل من قوله: ﴿إلا يعلمها﴾، لأن ما يعلمه الله حاصل في كتاب. فتقديره: إلا حاصل، أو حصل في كتاب. ولا حاجة إلى أن يقدر مبتدأ محذوف، ألا ترى أنك إذا قلت: ما أنفقت درهمًا إلا من كيس، لم يحتج إلا إلى متعلق الجار لا إلى مبتدأ. فوزانه وزان قولك: مررت برجل في الدار، فكما. لا يقدر مبتدأ في مثل هذه الصفة فكذلك الأخرى، لأنها مثلها. والبدل بتكرير لفظ الاستثناء سائغ، كقول الشاعر:
مالك من شيخك إلا عمله إلا رسيمه وإلا رمله (٣)
والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) وذكر الفراء أنه منتصب على الحال، معاني القرآن ٢/ ١٩٦. وقال القرطبي: "الأحسن أن ينتصب على الحال". الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٢٦١.
(٢) الأنعام: ٥٩. وقبلها: "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض".
(٣) البيت من الرجز. وقد استشهد به سيبويه ولم يذكر قائله، الكتاب ٢/ ٣٤١. وهو من شواهد المقرب ١/ ١٧٠. وهمع الهوامع ١/ ٢٢٧ (دار المعرفة للطباعة والنشر. بيروت). والشاهد تكرار "إلا" مرتين في قوله: إلا رسيمه، على البديلة. والشيخ هنا الجمل، والرسيم والرمل: ضربان من السير.
[ ١ / ٢٣٢ ]
[إملاء ٨٥]
[الخلاف بين النحويين في: لا جرم]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿لا جرم أن لهم النار﴾ (١) وشبهه:
للبصريين فيها قولان: أحدهما: أن (لا) في الأصل رد لما سبق (٢)، وجرم بمعنى: كسب، مثل قوله: ﴿لا يجرمنكم شقاقي﴾ (٣)، ﴿ولا يجرمنكم شئتان قوم﴾ (٤)، وفي (جرم) ضمير فاعل، مستتر يعد على مضمون الجملة المتقدمة المردودة بلا، وأن وما عملت فيه مفعول بجرم، أي: كسب ما تقدم ذلك. والقول الثاني: أن (لا) رد أيضًا، و(جرم) بمعنى ثبت وحق (٥)، وأن ما بعدها رفع على أنه فاعل بجرم، وكثرت على الوجهين جميعًا حتى صار كالتعليل في أن ما بعدها مسبب لما قبلها، فلذلك لا يوقف على (لا) ويبتدأ بجرم. وما توهمه بعض أصحاب الوقف من جواز الوقف على (لا) في مثل قوله: ﴿أن لهم الحسنى لا﴾ (٦). ويبتدئ: جرم، إنما أوقعه فيه ما رآه من قول البصريين أن (لا) رد لما سبق، وجرم: جملة فعلية. ولم يتبين أن الشيء يكون له أصل في
_________________
(١) النحل: ٦٢.
(٢) وهو مذهب الخليل، قال سيبويه: "وزعم الخليل أن لا جرم إنما تكون جوابًا لما قبلها من الكلام، يقول الرجل: كان كذا وكذا، وفعلوا كذا وكذا فتقول: لا جرم أنهم سيندمون أو أنه سيكون كذا وكذا" الكتاب ٣/ ١٣٨.
(٣) هود: ٨٩.
(٤) المائدة: ٨.
(٥) وهو مذهب سيبويه، قال: "وأما قوله ﷿: "لا جرم أن لهم النار" فإن جرم عملت فيها لأنها فعل، ومعناها: لقد حق أن لهم النار، ولقد استحق أن لهم النار". الكتاب ٣/ ١٣٨.
(٦) النحل: ٦٢.
[ ١ / ٢٣٣ ]
الإعراب ثم يدخله معنى آخر لا يجوز الإخلال به.
وللكوفيين قول ثالثك وهو أن (جرم) اسم مبني مع لا (١)، والمعنى: لابدّ، و(أن لهم النار) في موضع نصب أو خفض، مثلها في قولك: عجبت أنك قائم (٢). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٨٦]
[توجيه قراءة النصب في قوله تعالى: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ (٣): قرئ بالنصب في الشواذ (٤). وأشبه ما يقال: إن (هؤلاء) مفعول، و(بناتي هن) مبتدأ وخبر، جيء به كالتفسير للمشار إليه، و(أطهر) حال من المشار إليه، معمول للفعل المقدر العامل في (هؤلاء).
ويجوز أن يكون (هؤلاء) مبتدأ، و(بناتي) خبره، و(هن) بدل من (بناتي). أو (بناتي هن) مبتدأ وخبر عن الأول (٥)، و(أطهر) حال من اسم الإشارة، والعامل فيه ما في اسم الإشارة من معنى الفعل، أي: أشير إليهن في حال كونهن أطهر لكم. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) أي: تكون لا نافية للجنس وجرم اسمها مبنى على الفتح.
(٢) فالخفض بمن مقدرة، وأما النصب فلا يظهر لي أن له وجهًا صحيحًا.
(٣) هود: ٧٨.
(٤) وهي قراءة الحسن وعيسى بن عمرو. القرطبي ٩/ ٧٦. قال الزمخشري: "وعن أبي عمرو بن العلاء: من قرأ هن أطهر بالنصب فقد تربع في لحنه". الكشاف ٢/ ٢٨٣.
(٥) ذكره الزمخشري: الكشاف ٢/ ٢٨٣.
[ ١ / ٢٣٤ ]
[إملاء ٨٧]
[جواب فعل الأمر "قل" في مثل قوله تعالى: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾]
وقال أيضًا ممليًا على قوله تعالى: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾ (١): (يقيموا الصلاة) جواب قل، أي: قل لعبادي يقيموا. و﴿قل للمؤمنين يغضوا﴾ (٢)، ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ (٣). وحذف ما يبين المقول استغناء بتفسير الجواب، أي: قل لهم: أقيموا، وقل لهم: غضوا، أي: قل لهم: ما يقتضي الإقامة وما يقتضي الغض. وما اعترض به على هذا القول من أن الإقامة والغض ليست بلازمة للقول ليس بشيء. فإن الجواب لا يقتضي الملازمة العقلية، وإنما يقتضي الغلبة وذلك حاصل، فإن أمر الشرع للمؤمن بإقامة الصلاة يقتضي إقامة الصلاة منه غالبًا وذلك كاف.
وما حكي عن أبي علي أنه قال: هو جواب (أقيموا) (٤)، إن أراد به هذا المعنى فهو مستقيم، وفي العبارة تسامح، وإن أراد به أنه جواب لأقيموا على التحقيق كان فاسدًا من وجهين: أحدهما: أنه يصير كقولك: اخرج تخرج، وهو فاسد لاتحاد السبب والمسبب. الثاني: أنه كان يجب أن يقال: أقيموا تقيموا، لأنه مقول للمخاطبين (٥)، ولا يجوز أن يقال للمخاطبين: يقيموا. فإن قيل: نجعل (يقيموا) من قول الأمر فيندفع المحذور. فالجواب: أنه إذا قدر هذا التقدير واندفع هذا المحذور لزم محذور أعظم منه وهو أن يكون الأمر من كلام
_________________
(١) إبراهيم: ٣١.
(٢) النور: ٣٠.
(٣) الإسراء: ٥٣.
(٤) ونقل العكبري ذلك عن المبرد. إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٦٨.
(٥) في الأصل: المخاطبين. وما أثبتناه من د، م، وهو الصواب.
[ ١ / ٢٣٥ ]
والجواب من كلام آخر. ألا ترى أنك إذا جعلته جوابًا لأقيموا، فأقيموا: هو من قول المأمور، ويقيموا هو من قول الأمر، فقد صار الأمر والجواب من كلامين، وذلك فاسد (١). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٨٨]
[موقع الجملة الواقعة بعد القول]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة اثنتين وعشرين: الجملة الواقعة بعد القول إذا بني لما لم يسم فاعله تقوم مقام الفاعل، ومنه قوله تعالى: ﴿ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون﴾ (٢)، وإذا قيل لهم: الجملة المنهي عنها، وكذلك ما أشبهه. لأن القول يحكى بعده الجمل، وهي في موضع نصب بلا خلاف. إلا أنها هل (٣) هي مصدر أو مفعول به؟، ينبني على أن القول هل يتعدى أولا يتعدى؟، وفيه قولان: فإن قلنا: يتعدى تعينت لقيامها مقام الفاعل إذا بني الفعل لما لم يسم فاعله. وإن قلنا: لا يتعدى كانت الجملة في موضع نصب بالمصدر (٤). فإن كان ثم غيره من المفاعيل جاز أن يقام كل واحد منها مقام الفاعل، وإن لم يكن غيره تعين. فإن قيل: فالمصدر إذا أقيم مقام الفاعل لابد من وصفه، فكيف صح أن يقام هذا المصدر من غير وصف؟. فالجواب: أنه يتعين وصف المصدر المقام مقام الفاعل إذا وقع نكرة، أما إذا كان معرفة فقد حصل له من التخصيص ما هو أقوى من تخصيص الوصف. ألا ترى أنك إذا قلت: ضرب الضرب، وأنت
_________________
(١) هذا وقد رجح ابن هشام قول الجمهور في أن الجزم في الآية الأولى بشرط مقدر بعد الطلب. المغني ١/ ٢٤٩ (دمشق).
(٢) المطففين: ١٧.
(٣) هل: سقطت من س.
(٤) لقد سبق أن تكلم ابن الحاجب عن هذه المسألة. انظر ص: ١٩١. وقال: إن الجملة بعد القول في موضع نصب على المصدر.
[ ١ / ٢٣٦ ]
تعني ضربًا معهودًا لم يحتج ذلك إلى وصف. وأما إذا قلت: ضرب ضرب، احتجت إلى أن تقول: حسن أو قوي أو ما أشبهه. والسر فيه أن قولك: ضرب، يفيد حصول ضرب، فإذا ذكرت ضربًا مطلقًا لم تكن أتيت بأمر زائد على ما دل عليه الفعل، فكأنك أسندت الشيء إلى نفسه من غير تعدد. وإذا وصفته فقد ذكرت ما لا يدل عليه الفعل، فحصلت فائدة الإسناد (١)، وإذا وقع معرفة كان بالصحة أولى. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٨٩]
[عود الضمير في قوله تعالى: ﴿وما هو بمزحزحه﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة تسع عشرة على قوله تعالى: ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر﴾ (٢):
يجوز أن يكون الضمير الذي هو (هو) ضمير الواد، و(بمزحزحه) الخبر، و(أن يعمر) فاعل بمزحزحه (٣)، كقولك: ما زيد بقائم أبوه.
ويجوز أن يقدر (أن يعمر) بدل اشتمال من الضمير، و(بمزحزحه) الخبر، ويضعف هذا الوجه من جهة الفصل بين البدل والمبدل منه.
ويجوز أن يكون (أن يعمر) مبتدأ، و(يزحزحه) خبره، والجملة خبر (ما) أو خبر المبتدأ. وحسن دخول الباء لأن المعنى معنى النفي.
_________________
(١) ومثل هذا قوله تعالى: "فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة" الحاقة: ١٣.
(٢) البقرة: ٩٦ وقبلها: "يود أحدهم لو يعمر ألف سنة".
(٣) قال الزمخشري: "والضمير في: وما هو، لأحدهم، و(أن يعمر) فاعل بمزحزحه، أي: وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره". الكشاف ١/ ٢٩٨.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ويجوز أن يكون الضمير في قوله: (هو) ضمير الوداد (١) دل عليه (يود) كقوله: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (٢)، هو: ضمير العدل. ويكون (بمزحزحه) الخبر، و(أن يعمر) مفعول من أجله، معمول لقوله (بمزحزحه)، لا بمعنى النفي لئلا يفسد المعنى. فيكون المعنى (٣): وما وداده بمزحزحه من العذاب من أجل أن يعمر، ردًا على من توهم أن الوداد بزحزح عن العذاب لأجل التعمير، فرد هذا المتوهم بإدخال حرف النفي عليه. ولو جعل معمولا للنفي لوجب أن يكون النفي معللا بالتعمير، وهو فاسد لأنه ليس بثابت. ثم لو كان ثابتًا لم يصح التعليل به لأن الانتفاء محقق على كل حال.
ويجوز أن يكون الضمير ضمير التعمير، ويكون (أن يعمر) بدلا منه (٤)، و(بمزحزحه) الخبر، وهو بدل الكل من الكل.
ويجوز أن يكون الضمير (٥) ضمير الشأن (٦)، وما بعده مبتدأ وخبر تفسير له، في موضع الخبر لما، أو خبر المبتدأ على اللغتين. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٩٠]
[إعراب قوله تعالى: "فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون"]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة تسع عشرة على قوله تعالى: "إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" (٧):
_________________
(١) في د: الواد. والصواب ما أثبتناه، لأن المقصود المصدر.
(٢) المائدة: ٨.
(٣) فيكون المعنى: سقطت من م.
(٤) ذكره القرطبي ٢/ ٣٤.
(٥) الضمير: سقطت من م.
(٦) قال القرطبي: "وقالت طائفة هو ضمير الأمر والشأن". ٢/ ٣٤.
(٧) يونس: ٤٩.
[ ١ / ٢٣٨ ]
(لا يستأخرون): جواب إذا. وصحة كونه جوابًا واضح، لأنه قد يتوهم التأخير فنفي هذا المتوهم (١) كما نفي في قوله تعالى: ﴿ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها﴾ (٢).
وأما قوله: ﴿لا يستقدمون﴾، فالأولى أن يكون جملة معطوفة على الجملة الكبرى المركبة من الشرط ولاجزاء جميعا، ولذلك يحسن الوقف على قوله (٣): ساعة، ويبتدئ: ولا يستقدمون، لأنه لا يتوهم متوهم تقديمًا على الأجل عند مجيء الأجل فينفي، وإنما ينفي ما يتوهم أو يعتقد أو يظهن، وأما مثل هذا المعلوم ضرورة فيبعد أن يذكر منفيا في سياق هذا الشرط. ووجه من جعله في سياق الجواب أن يكون معنى (٤) (إذا جاء أجلهم): إذا قدر وحقق، فيصح حينئذ تقدير توهم التقديم لأن الغرض فرض تقدير الأجل قبل حضور وقته، فيكون تقدير توهم التقديم كتقدير توهم التأخير، فجاز أن يشرك بينهما في الجواب بهذا المعنى. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٩١]
[إعراب قوله تعالى: "وليس بضارهم شيئا"]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة عشرين على قوله تعالى: "إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا" (٥):
في (ليس) ضمير هو اسمها يعود على الشيطان أو على الحزن الذي دل عليه (ليحزن)، و(بضارهم) في موضع نصب خبرًا لليس، و(شيئًا) منصوب على
_________________
(١) في م: التوهم.
(٢) المنافقون: ١١.
(٣) قوله: سقطت من م.
(٤) في م: المعنى. وهو خطأ.
(٥) المجادلة: ١٠. وبعدها: "إلا بإذن الله".
[ ١ / ٢٣٩ ]
المصدر، لأن المعنى: شيئًا من الضرر، كما تقول: ما ضربته إلا شيئًا من الضرب، وهو أبلغ من قولك: ما ضربته ضربًا. وإذا كان بمعنى الضرب وجب أن ينتصب انتصابه، كما تقول: ضربته نوعًا من الضرب، وأي ضرب، وأيما ضرب، فينتصب انتصاب المصدر وإن خالفه في اللفظ.
(إلا بإذن الله): استثناء مفرغ، لأنه من عام محذوف، أي: ليس بضارهم بأمر من الأمور إلا بإذن الله. ولا يستقيم أن يكون (شيئًا) خبرًا و(بضارهم) في موضع نصب على الحال لأنه يثبت عكس المعنى المقصود، إذ المعنى المقصود: نفي كونه ضارًا، فيرجع إلى إثبات (١) كونه (٢) ضارًا، لأن الحال حينئذ تكون مثبتة، فيصير الضرر مثبتًا. ثم لا يستقيم أن يكون من اسم (ليس) حال لأنه في معنى المبتدأ، ولا يكون من المبتدأ حال، ثم يبقى الاسثتناء غير مرتبط بما قبله، لأنه إن جعلته من سياق (ضارهم) كان استثناءً مع مثبت ولا يستقيم، لأنه متعين للاستثناء المفرغ لمجيئه بحرف الجر. وإن جعلته من (شيئًا)، صار التقدير: وليس الشيطان شيئًا إلا بإذن الله. وهذا أسقط من أن يتكلم عليه. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٩٢]
[تعلق الجار بالنفي في قوله تعالى: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين: إذا قلت: ما ضربته للتأديب. فإن قصدت نفي ضرب معلل بالتأديب فاللام متعلقة بضربت، ولم تنف إلا ضربًا مخصوصًا، والتأديب تعليل للضرب المنفي. وإن أردت نفي الضرب مطلقًا على كل حال، فاللام متعلقة بالنفي، والتعليل للنفي، ويكون
_________________
(١) فيرجع إلى إثبات: سقطت من س.
(٢) كونه: سقطت من د.
[ ١ / ٢٤٠ ]
المعنى: أن انتفاء الضرب كان من أجل التأديب، لأنه قد يؤدب بعض الناس (١) بترك الضرب لا بالضرب. ولا يستبعد تعلق الجال بالحرف الذي فيه معنى النفي لجواز قولهم: ما أكرمته لتأديبه، وما أهنته للإحسان إليه. فإنك لو علقت ههنا بالفعل (٢) فسد المعنى، إذ لم ترد أنك أكرمته تأديبا، ولا أهنته إحسانًا، وإنما يتعلق بما في الحرف من معنى: انتفى، لأن المعنى: أن انتفاء الإكرام لأجل التأديب، وانتفاء الإهانة لأجل الإحسان. وقوله تعالى: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ (٣). الباء في: بنعمة ربك، متعلقة بالنفي، لا بقوله: بمجنون (٤)، إذ لو علق به لكان المراد نفي جنون من نعمة الله، وذلك غير مستتقيم من وجهين: أحدهما: أنه لا يوصف جنون بأنه من نعمة الله. والآخر: أنه لم يرد نفي جنون مخصوص. وإنما أريد نفيه عمومًا فتحقق أن المعنى: أنه انتفى عنك الجنون مطلقًا بنعمة الله، وعلى هذا يحكم في التعلق، فإن صح تعلقه بالفعل وإلا علق بالحرف على ما تقرره (٥).
وعلى هذا قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ (٦). في أن معناه: في أن تبتغوا، فهي متعلقة بجناح. والمعنى: أن الجناح في انتفاء التجارة منتف، وتعلقه بليس بعيد لأنه لم يرد أن ينفي الجناح مطلقًا، ويجعل ابتغاء التجارة ظرفًا للنفي. فهذا يبعد أن يكون متعلقًا. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) الناس: ساقطة من م.
(٢) في م: بالقول. وهو تحريف.
(٣) القلم: ٣.
(٤) قال الزمخشري: "يتعلق بمجنون منفيا". الكشاف ٤/ ١٤١.
(٥) في م: تقدم.
(٦) البقرة: ١٩٨.
[ ١ / ٢٤١ ]
[إملاء ٩٣]
[إعراب قوله تعالى: ﴿ليّا بألسنتهم﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة عشرين: قوله تعالىك ﴿ليّا بألسنتهم﴾ (١):
منصوب على المصدر من قوله: يحرفون الكلم عن مواضعه، لأن (ليّا) نوع من التحريف، كأنه قال: يحرفون تحريفا، فصار مثل قوله: ﴿ثم إني دعوتهم جهارًا﴾ (٢)، فإنه أحد نوعي الدعاء. ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال (٣).
[إملاء ٩٤]
[إعراب قوله تعالى: ﴿أتأخذونه بهتانًا﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة عشرين على قوله تعالى: ﴿أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ (٤): يجوز أن يكون قوله: بهتانا، مصدرًا مثل: قعد القرفصاء، لأن البهتان ظلم، والأخذ على نوعين: ظلم وغير ظلم، كقوله: ﴿ثم إني دعوتهم جهارًا﴾ (٥). فإن جهارًا أحد نوعي الدعاء. ويجوز أن يكون مفعولا من أجله، ويجوز أن يكون حالًا (٦).
_________________
(١) النساء: ٤٦. قال تعالى: "من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ليا بألسنتهم وطعنا في الدين".
(٢) نوح: ٨.
(٣) وذكر القرطبي قولًا ثالثًا وهو جواز كونه مفعولًا من أجله. الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢٤٣.
(٤) النساء: ٢٠.
(٥) نوح: ٨.
(٦) قال الزمخشري: "وانتصب (بهتانًا) على الحال أو على أنه مفعول لأجله". الكشاف ١/ ٥١٤.
[ ١ / ٢٤٢ ]
[إملاء ٩٥]
[العامل في "كم" في قوله تعالى: ﴿كم أهلكنا قبلهم﴾]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون﴾ (١):
العامل في (كم) قوله: أهلكنا. لأن (كم) لا يعمل فيها ما قبلها (٢)، وتكون الجملة معمولة (يروا)، و(أنهم إليهم لا يرجعون) مفعول لأجله تقديره: لأنهم. وبعض البصريين يجعل (كم أهلكنا قبلهم من القرون) معترضًا، و(أنهم إليهم لا يرجعون) معمول (يروا).
والزجاج (٣): (أنهم إليهم لا يرجعون) بدلا (٤) من (كم أهلكنا قبلهم من القرون)، وهذا يؤدي إلى مذهب الكوفيين في إعمال (يروا) في (كم)، لأن العامل في البدل عامل في المبدل منه. والبدل ههنا (أنهم إليهم)، والعامل فيه (يروا)، والمبدل منه (كم أهلكنا). وإن اعتذر عنه بأنه أراد أن (يروا عامل في
_________________
(١) يس: ٣١.
(٢) قال الزمخشري: "لأن كم لا يعمل فيها عامل قبلها، كانت للاستفهام أو للخبر". الكشاف ٣/ ٣٢١.
(٣) هو إبراهيم بن السري من سهل أبو إسحق المشهور بالزجاج. كان يخرط الزجاج، ثم مال إلى النحو فلزم المبرد. من مصنفاته: معاني القرآن، شرح أبيات سيبويه، كتاب ما ينصرف وما لا ينصرف. توفي سنة ٣١١ هـ، وكانت سنة سبعين سنة. انظر بغية الوعاة ١/ ٤١١ وطبقات النحويين واللغويين ص ٨١.
(٤) انظر إعراب القرآن المنسوب له ٢/ ٥٨٧.
[ ١ / ٢٤٣ ]
(كم أهلكنا) معنى، فضعيف من جهة أن (أنهم) معمول لفظا، فلا يستقيم أن يكون بدلا مما ليس معمولًا بعامله (١). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٩٦]
[إعراب قوله تعالى: ﴿غير بعيد﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة عشرين على قوله تعالى: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد﴾ (٢):
يجوز أن يكون حالًا مؤكدة كقول الفارسي. ويجوز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف أو ظرفا، أي: قربت في زمن غير بعيد (٣). وإنما عبر عنه بالمضي لتحقيقه أو لتقريبه. والمراد بالتحقق ههنا كونه حقًا، لا أن المراد بالتحقق هنا الوقوع الحاصل.
وأما قوله: "اقتربت الساعة" (٤)، و"اقترب للناس حسابهم" (٥). فهذان حاصلان، لأن المراد قرب الحساب والساعة، وهما حاصلان. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) وقد رد ابن هشام هذا الوجه بقوله: "إن عامل البدل هو عامل المبدل منه، فإن قدر عامل المبدل منه (يروا) فكم لها الصدر فلا يعمل فيها ما قبلها. وإن قدر (أهلكنا) فلا تسلط له في المعنى على البدل. والصواب أن كم مفعول لأهلكنا". انظر: مغنى اللبيب ١/ ١٨٤ (محي الدين).
(٢) ق: ٣١.
(٣) قال الزمخشري: "غير: نصب على الظرف. أي مكانًا غير بعيد. أو على الحال". الكشاف ٤/ ١٠.
(٤) القمر: ١.
(٥) الأنبياء: ١.
[ ١ / ٢٤٤ ]
[إملاء ٩٧]
[إعراب "غير" في قوله تعالى: ﴿غير أولى الضرر﴾]
وقال أيضًا ممليا بالقاهرة سنة أربع عشرة على قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر﴾ (١):
قال القسوى (٢) وغيره من النحويين: إن غير في الرفع صفة للقاعدين (٣)، وذلك أن غير نكرة وإن أضيفت إلى المعارف لشدة إبهامها، فكيف يستقيم على هذا أن تكون صفة؟. فإن أجيب عن ذلك: بأن هذا مثل قوله تعالى: ﴿أنعمت عليهم غير المغضوب﴾ (٤) لما كانا محصورين. فإذا قلت: مررت بالمسلم غير الكافر جرت ههنا وصفا لانحصار الضدين. فنقول: الفرق بينهما أنه ليس في ذلك انحصار، لأن القاعدين المضرورين وغير أولى الضرر ليس فيه حصر بخلاف المسلم والكافر، فلا يلزم من الجواز ثم الجواز ههنا، لأنه ههنا كقولك: مررت بالرجل غير العالم. وإذا لم يستقم أن يكون صفة وجب أن يكون استثناء. وإذا وجب أن يكون استثناء فالمختار الرفع. ألا ترى أنك إذا قلت: لا يستوي القاعدون إلا أولو الضرر، كان الرفع هو الوجه، وكان النصب على الاستثناء جائزًا. وإذا ثبت ذلك كان الرفع أقوى من النصب (٥). فإذا جاز النصب على الاستثناء مع ضعفه فلأن يجوز الرفع مع قوته أولى.
_________________
(١) النساء: ٩٥.
(٢) الفسوي هو أبو علي الفارسي. انظر الإيضاح العضدي ١/ ٢٠٩.
(٣) انظر سيبويه ٢/ ٣٣٢، والكشاف ١/ ٥٥٥، ومعاني القرآن للفراء ١/ ٢٨٣.
(٤) الفاتحة: ٧.
(٥) قال الفراء: "يرفع غير لتكون كالنعت للقاعدين. وقد ذكر أن غير نزلت بعد أن فضل المجاهد على القاعد، فكان الوجه فيه الاستثناء والنصب. إلا أن اقتران غير بالقاعدين يكاد يوجب الرفع، لأن الاستثناء ينبغي أن يكون بعد التمام". معاني القرآن ١/ ٢٨٣.
[ ١ / ٢٤٥ ]
والذي يقوي ذلك أن الخفض لم يأت في السبعة لضعفه، لأنه إن جعل صفة كان ضعيفًا، وإن جعل استثناء لم يستقم لأنه يكون من قوله: ﴿من المؤمنين﴾، و(من المؤمنين) ليس في سياق النفي، فيستثنى منه على البدلية، لأنه إنما جيء به بيانًا للقاعدين لا غير. فلم يستقم أن يستثنى منه كما يستثنى من المنفي، فظهر من ذلك أن الرفع هو الوجه على الحمل على الاستثناء، كما حمل النصب على الاستثناء مع أنه أضعف، وظهر أن الخفض ضعيف، ولذلك لم يقرأ به في السبعة، فحمل الآية على ما ذكرناه هو الوجه. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٩٨]
[معنى الموعد في قوله تعالى: ﴿قال موعدكم يوم الزينة﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى﴾ (١):
الظاهر أن الموعد الوعد لأنه وصف بقوله: ﴿لا نخلفه﴾ (٢) والإخلاف إنما يتعلق بالوعد، يقال: أخلف وعده، و﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ (٣)، لا بمكانه ولا بزمانه. فلو جعل زمانًا أو مكانا لوقع الإخلاف على غير الوعد وهو بعيد (٤). فإن قلت: لم لا يكون على حذف مضاف، كأنه قيل: فاجعل بيننا وبينك وقت وعد أو مكان وعد؟ قلت: إضمار مستغنى عنه فلا حاجة إلى
_________________
(١) طه: ٥٩.
(٢) طه: ٥٨.
(٣) الرعد: ٣١.
(٤) قال أبو البقاء: "فإن جعلت موعدًا زمانًا كان الثاني هو الأول. وإن جعلت موعدا مصدرًا كان التقدير: وقت موعدكم يوم الزينة، وهو مصدر في معنى المفعول". إملاء ما من به الرحمن ٢/ ١٢٣.
[ ١ / ٢٤٦ ]
تقديره. فإن قلت: فما المانع من أن يكون موعدكم اسما للزمان أو المكان، ويكون قوله: لا نخلفه، للموعد الذي دل عليه موعدكم؟ قلت: يرجع الضمير (١) إلى غير المذكور، ورجوعه إلى المذكور أولى. فإن قلت: بم ينتصب (مكانًا)؟ قلت: ينتصب بفعل مقدر دل عليه قوله: فاجعل بيننا وبينك موعدا، أي: نتواعد مكانًا. ولا يستقيم نصبه بموعدكم، وإن كان مصدرا، لأنه قد فصل بينه وبينه بالوصف، فصار مثل قولك: أعجبني ضرب حسن زيدا، وهو غير سائغ، لأن منصوب المصدر من تتمته، ولا يوصف الشيء إلا بعد تمامه (٢)، فكان كوصف الموصول قبل تمام صلته. والاحتياج إلى هذا التقدير هو الذي يحسن أن يكون (موعدا) على حذف مضاف، أي: مكان موعد، ويكون (مكانًا) بدلا من المكان المضاف المحذوف، وإنما يبقى الترجيح بين تقدير مضاف أو تقدير فعل. وأما قوله: ﴿موعدكم يوم الزينة﴾. فالظاهر أنه اسم للوقت، لأنه أخبر عنه بيوم الزينة، ولا يخبر بيوم الزينة إلا عن وقت. ولا حاجة غلى أن يقدر وقت وعدكم، لأنه تقدير مستغنى عنه بأن يجعل موعدكم اسما للوقت. وقوله: ﴿أن يحشر الناس﴾ معطوف على الزينة على معنى: يوم الزينة، ويوم حشر الناس (٣). و(ضحى) جائز أن يكون متعلقا بـ (يحشر)، فيكون منصوبًا على الظرف على هذا وهو الظاهر. وجائز أن يكون بدلا من (يوم الزينة) ويكون بدل البعض من الكل، لأن ضحى اليوم بعضه، وحذف الضمير على هذا للعلم به، كما تقول: ضربت زيدا يوم الجمعة عشية، فيكون مرفوعًا.
_________________
(١) الضمير: سقطت من د.
(٢) في س: إتمامه.
(٣) قال الزمخشري: "ومحل أن يحشر الرفع أو الجر عطفًا على اليوم أو الزينة". الكشاف ٢/ ٥٤٢.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وأما على قراءة الحسن البصري (١) وهو ينصب (يوم الزينة)، فيجوز أن يكون موعدكم بمعنى: وعدكم، ويوم الزينة: خبره، متعلقة محذوف، أي: حاصل يوم الزينة وحشر الناس. ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: وقت وعدكم يوم الزينة، فيكون (يوم الزينة) منصوبًا بموعد، لأنه مصدر، وضحى هو الخبر، أي: وقت وعدكم في هذا اليوم هو هذا الوقت، ولا ينبغي أن يكون موعدكم اسما للزمان، فإنه حينئذ لا يعمل في يوم الزينة، ولا يقع خبرا عنه من حيث إنهما زمانان إلا على معنى الجزئية، كما تقول: زمان ضربي يوم الجمعة، كأنه لما كان جزءه صار كأنه حاصل فيه فعلى هذا يكون (يوم الزينة) خبرا للموعد الذي هو وقت. و(ضحى) على قراءة الحسن البصري على الوجه الأول منصوب بـ (يحشر)، وعلى الوجه الثاني يكون مرفوعًا. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٩٩]
[إعراب قوله تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم﴾ (٢). إلى قوله: ﴿وثامنهم كلبهم﴾.
قال: يجوز أن يكون (رابعهم كلبهم) جملة ابتدائية صفة لثلاثة، و(ثلاثة) خبر مبتدأ محذوف.
ولا يجوز أن يكون (كلبهم) مرفوعًا برابعهم، لأن المراد به المضي (٣).
_________________
(١) هو الحسن بن أبي الحسن أبو سعيد البصري. إمام زمانه علمًا وعملًا. وروى عنه أبو عمرو بن العلاء. وهو أحد القراء العشرة. ولد سنة ٢١ هـ وتوفي ١١١ هـ. انظر غاية النهاية في طبقات القراء ١/ ٢٣٤.
(٢) الكهف ٢٢.
(٣) قال الزمخشري: "ويشترط في إعمال اسم الفاعل أن يكون في معنى الحال أو الاستقبال أو أدخلت عليه الألف واللام". المفصل ص ٢٢٨. وأجاز الكسائي إعماله إذا أريد به المضي.
[ ١ / ٢٤٨ ]
ولا أن تكون الجملة حالًا، إذ ليس معناها يصح أن يكون عاملا فيها، لأن التقدير: سيقولون هم ثلاثة، وليس فيه ما يصح أن يكون حالًا، وليس فيها أيضًا واو.
ويجوز أن يكون (رابعهم كلبهم) جملة خبرا للمبتدأ المحذوف بعد خبر، فيكون أخبر بخبرين: مفرد وجملة. ويقوي هذا الوجه أن الجملة الثالثة، وهي قوله: وثامنهم كلبهم، جاءت بالواو، والمعنى فيها كالمعنى فيما تقدم. ويتعذر أن تكون صفة مع الواو، لأنك لا تقول: مررت برجل وعاقل، فيتعين أن يكون المراد خبرًا بعد خبر، والأخبار إذا تعددت جاز أن يكون الثاني بواو وبغير واو، هذا إن سلم أن المعنى في الجمل واحد. وأما إن قيل: إن قوله: ﴿وثامنهم كلبهم﴾ من قول الله تعالى، استئنافًا لا حكاية عنهم، فيكون تقريرًا لكونهم سبعة، ويكون الوقف على قوله: سبعة. ثم أخبر الله تعالى غير حكاية عنهم بأن ثامنهم كلبهم. فيفهم على ذلك أن القائلين بأنهم سبعة أصابوا في ذلك (١)، فلا يلزم على هذا تقوية أن يكون خبرًا بعد خبر، يقويه قوله قبله: رجمًا بالغيب. ثم ذكر بعد قوله: رجما بالغيب، الجملة الثالثة، فدل على أنها مخالفة لما قبلها في الرجم بالغيب، وإذا خالفتها في ذلك وجب أن تكون صدقًا، إلا أن هذا الوجه يضعف من حيث إن الله تعالى قال: ما يعلمهم إلا قليل. فلو جعلنا قوله: وثامنهم كلبهم، تصديقا لمن قال: سبعة، لوجب أن يكون العالم بذلك كثيرًا، فإن أخبار الله تعالى صدق، فدل على أنه لم يصدق منهم أحدا، وإذا كان كذفك وجب أن تكون الجمل كلها متساوية في المعنى، وقد تعذر أن تكون الأخيرة وصفا، فوجب أن يكون الجميع كذلك. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) ونقل القرطبي عن قوم أن عددهم سبعة، وإنما ذكر الواو لينبه على أن هذا العدد هو الحق، وأنه مباين للأعداد الأخرى التي قال فيها أهل الكتاب. الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٣٨٣.
[ ١ / ٢٤٩ ]
[إملاء ١٠٠]
[إعادة لفظ الظاهر بدلا من الضمير في قوله تعالى: ﴿ولا أشرك بربي أحدا﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا﴾ (١):
إنما أعيد لفظ الظاهر في هذه الآية كما أعيد اسم الله تعالى في مثل قوله: واتقوا الله، إن الله، وأشباهه، لما في الاسم الظاهر من التعظيم، فلذلك أعيد لفظ ربي لما في ذكر الرب من التعظيم له، والهضم للمتكلم، فكان التكرير لهذا الظاهر لأجل هذا المعنى أحسن. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٠١]
[تعلق الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿حين توارت بالحجاب﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ (٢): الجار والمجرور متعلق بتوارت، إما على نحو قولك: كتبت بالقلم، لأنها حصل لها التواري بالحجاب، وإما على نحو تعلق قولك: سكنت بالبلد، على معنى: فيه، كأنها توارت فيه.
ويجوز أن يكون حالًا متعلقًا بمحذوف. والأول أوجه؛ لأنه إذا كان حالا فيتعلق بشيء محذوف تقديره: مستقرة بالحجاب. ولا حاجة إلى التقدير مع
_________________
(١) الكهف: ٣٨.
(٢) ص: ٣٢.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وجود ظاهر يغني عنه، مع أن التقدير والأضمار على خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لضرورة (١)، ولا ضرورة تلجئ إلى ذلك. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٠٢]
[حذف مفعول الفعل المتعدي في قوله تعالى: ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾ (٢): هذا من باب قولهم: فلان يعطي ويمنع، ويصل ويقطع، مما استعمل فيه الفعل المتعدي محذوفًا مفعوله حذفًا غير مقصود به مفعول مراد، كأنه قيل: يفعل العطاء والمنع والصلة والقطع، من غير قصد إلى مفعول مراد على نحو خصوص أو عموم. وهو أبلغ في المدح من القصد إلى مفعول، على طريقة خصوص أو عموم. وغذا قصد هذا المعنى لما فيه من المبالغة، ثم قصد المتكلم به ذكر خصوصية متعلقة أجراه مجري الأفعال غير المتعدية، وجعل ذلك كأنه (٣) محل له، وكذلك قول الشاعر:
وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها إلى الصيف يجرح في عراقيبها نصلي (٤)
وموضع الاستشهاد من البيت: يجرح في عراقيبها. ومن الآية: ﴿وأصلح
_________________
(١) في د: بضرورة.
(٢) الأحقاف: ١٥.
(٣) في م: على أنه.
(٤) البيت من الطويل، وهو لذي الرمة، انظر ديوانه ص ٥٧٥ (المكتب الإسلامي للطباعة والنشر. دمشق). وهو من شواهد المفصل ص ٥٤٠، وابن يعيش ٢/ ٣٩، ومغني اللبيب ٢/ ٥٧٥ (دمشق)، والخزانة ١/ ٢٨٤. ومعنى البيت: إذا اعتذرت الإبل إلى الضيف من قلة لبنها فإنه يعقرها لتكون بدل اللبن. والشاهد فيه حذف مفعول "يجرح" والمراد: يجرحها.
[ ١ / ٢٥١ ]
لي في ذريتي﴾، وقد وضح معناهما (١). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٠٣]
[الاستثناء في قوله تعالى: ﴿وما يعبدون إلا الله﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله﴾ (٢): يجوز أن يكون الاستثناء (٣) متصلًا (٤) ومنقطعًا. فالاتصال على أن تكون (ما) للمعبود على تقدير أن يكونوا يعبدون غير الله مع الله (٥). تقديره: وإذ اعتزلتموهم (٦) وعبادتهم. والاتصال أظهر، لأنه الواقع كثيرًا مع الاحتمال الظاهر، فكان حمله عليه أولى. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٠٤]
[معنى "من" في قوله تعالى: ﴿قد كنا في غفلة من هذا﴾]
وقال ممليًا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا﴾ (٧):
_________________
(١) قال الزمخشري في معنى الآية: "معناه أن يجعل ذريته موقعًا للصلاح ومظنه له، كأنه قال: هب لي الصلاح في ذريتي وأوقعه فيهم". الكشاف ٣/ ٥٢١.
(٢) الكهف: ١٦.
(٣) في د: استثناء.
(٤) نص عليه الزمخشري، الكشاف ٢/ ٤٧٥. أما القرطبي فقال: هو استثناء منقطع ١٠/ ٣٦٧.
(٥) مع الله: سطقت من م.
(٦) في ب: اعتزلتموه، وهو خطأ واضح.
(٧) الأنبياء: ٩٧.
[ ١ / ٢٥٢ ]
(من) ههنا يجوز أن تكون بمعنى عن، كما تقول: أطعمه عن الجوع ومن الجوع، وكساه عن العري ومن العري، ورمى عن القوس ومن القوس (١)، وأخذت عنه الحديث وأخذت منه الحديث. والأحسن أن تكون على بابها لابتداء الغاية تنبيهًا على أنه ابتداء ما غفل عنه، لأن الذي بعد ذلك من العذاب أشد عليهم، فكان فيه تنبيه على أنه أولى شيء غفل عنه من الشدائد. ولو قيل: عن هذا، لم يكن فيه ذلك المعنى، إذ ليس في "عن" ما يدل على ابتداء له انتهاء، فكانت "من" بهذا المعنى في هذا الوضع أوجه من "عن". والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٠٥]
[وجه فتح همزة أن وكسرها في آيات من سورة الجن]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن﴾ (٢): أما الكسر (٣) فعلى العطف على ما بعد القول في قوله: ﴿فقالوا إنا سمعنا﴾ (٤)، إلا قوله: ﴿وأنه لما قام عبد الله﴾ (٥)، فإن الأحسن أن يكون مستأنفا لقوله: ﴿كادوا يكونون عليه لبدا﴾ (٦)، لأنه لو كان على قوله: إنا سمعنا،
_________________
(١) وعن في هذه الأمثلة معناها البعد والمجاوزة. انظر المفصل ص ١١٣.
(٢) الجن: ١.
(٣) أي كسر همزة إن في الآيات التي تلي الآية المذكورة. ما عدا قوله: "وأن المساجد لله" وقوله: "وأن لو استقاموا على الطريقة". وهذه قراءة المدنيين. انظر إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٥٢١.
(٤) الجن: ١.
(٥) الجن: ١٩.
(٦) الجن: ١٩.
[ ١ / ٢٥٣ ]
لكان: كدنا نكون. ويجوز أن يكون القول من بعضهم، والإخبار واقع عن بقيتهم.
وأما الفتح (١) فقد قيل إنه عطف على قوله: ﴿أنه استمع﴾، فيكون داخلا في حيز مفعول أوحى (٢)، ويشكل عليه قوله: ﴿وأنه تعالى جد ربنا﴾ (٣). ﴿وأنا لمسنا﴾ (٤)، ﴿وأنا كنا﴾ (٥). إذ لا يحسن أن يقال: أوحي إلى أنا كنا أو أنا لمسنا. وضمير المتكلم للجن، والمتكلم الرسول، وإنما كان يكون وأنهم لمسوا ونحوه. فلذلك فر المحققون من هذا التأويل، وجعلوه عطفًا على الضمير في قوله: ﴿فآمنا به﴾ (٦)، فيكون داخلًا في حيز الجار، ولا يرد عليه على هذا ما تقدم لأن المتكلمين بقوله: فآمنا به، هم الجن. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٠٦]
[استعمال "على" بدلا من "في" في قوله تعالى: ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ (٧):
_________________
(١) قال النحاس: "وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي بالفتح في السورة كلها إلى قوله: "قل إنما أدعو ربي". فلما أشكل عليه هذا عدل إلى قراءة أهل المدينة، لأنها بينة واضحة". إعراب القرآن ٣/ ٥٢١.
(٢) قال النحاس: "والقول في الفتح أنه معطوف على المعنى، والتقدير: فآمنا به أنه تعالى جد ربنا، فأنه: في موضع نصب". إعراب القرآن ٣/ ٥٢١.
(٣) الجن: ٣.
(٤) الجن: ٨.
(٥) الجن: ٩.
(٦) الجن: ٢.
(٧) المؤمنون: ٢٢.
[ ١ / ٢٥٤ ]
قال: إن قيل لم جاء بعلى والقياس والاستعمال يقتضي في؟ أما القياس فلأنه بمعنى الظرفية، كقولك: قعدت في الدار. وأما الاستعمال فلقوله: ﴿قلنا احمل فيها﴾ (١) ﴿فاسلك فيها﴾ (٢). فالجواب: أن (على) في هذا الموضع أوضح، من حيث إن غيره مما ذكر فيه ما يكون باطن الفلك، وهو الأكثر، فغلب، فكانت (في) أحسن لتحقق معنى الظرفية وبعد معنى (على)، لأن المذكور محمولا ثم الأزواج كلها، وكان أكثرها في باطن الفلك، وأعلى السفن مخصوص بالآدميين على ما هو العادة، فلما خصوا في قوله: (وعليها وعلى الفلك تحملون)، كانت (على) أوضح. وفي هذا الموضع لم يرد ذلك المعنى من الأزواج وإنما أريد المخاطبون خاصة، وليسوا في العادة في باطن الفلك، وإنما يكون على ظاهرها، فأتى بما يدل على معنى الاستعلاء تنبيهًا على هذا المعنى، وهذا أحسن ممن يقول: إنما أتى بـ (على) لتقدم (على) في قوله: (وعليها)، لما بين الفلك وبين الإبل من مشاكلة الحمل، فلما أتى بـ (على) في حمل الإبل أتى بـ (على) في الآخر، لأن هذا مراعاة أمر لفظي، وما تقدم مراعاة لأمر معنوي، ولأنه بعينه يقتضي المخالفة من وجه آخر، لأن تكرير الحرف بالمعنى الواحد ليس من باب المجانسة ولا البديع، فلا يحسن أن يخالف الأصل لأجله.
فإن قيل: لو استقل ما ذكرتموه في استحسان (على) لكانت (على) أحسن في قوله: ﴿إنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون﴾ (٣). وقد جاء بـ (في) فدل على أن ما ذكر من تقدم. (على) هو السبب. فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن المراد التنبيه على ذلك المعنى المذكور في قوله: احمل فيها، فاختصر الكلام للعلم به، فجري الأمر فيه على
_________________
(١) هود: ٤٠.
(٢) المؤمنون: ٢٧.
(٣) يس: ٤١.
[ ١ / ٢٥٥ ]
ذلك المجري، فلذلك جيء بـ (في). الثاني: أن يكون ذلك الأمر اللفظي مرجحًا للإتيان بـ (على)، لا على أنه مستقل في السببية، فيكون حينئذ المعنى المذكور هو المقتضى لجواز (على)، وتكون (على) مرجحة لأحد الجائزين. ولا يلزم من كونها مرجحة أن تكون سببًا مستقلًا.
وأما قوله: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ (١)، فإنما أتى بـ (علي) لما في الاستواء من معنى الاستعلاء. ألا ترى إلى قوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ (٢). وقوله: قد استوى بشر على العراق (٣). وأما قوله: ﴿اركبوا فيها﴾ (٤) و﴿ركبا في السفينة﴾ (٥). وقوله: ﴿فإذا ركبوا في الفلك﴾ (٦) فلما قصد في معنى الركوب من معنى الثبوت، كقوله: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ (٧) وإذا استعملت (في) في الصلب لقصد معنى الثبوت، فاستعمالها في الركوب أجدر. والله أعلم.
[إملاء ١٠٧]
[معنى قوله تعالى: ﴿أو كسبت في إيمانها خيرا﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ (٨):
_________________
(١) المؤمنون: ٢٨.
(٢) الأعراف: ٥٤.
(٣) هذا صدر بيت من السريع، وعجزه: من غير سيف ودم مهراق. ذكره ابن منظور في اللسان (سوا) ولم ينسبه لأحد. وكذلك أبو حيان في البحر المحيط ١/ ١٣٤.
(٤) هود: ٤١.
(٥) الكهف: ٧١.
(٦) العنكبوت: ٦٥.
(٧) طه: ٧١.
(٨) الأنعام: ١٥٨.
[ ١ / ٢٥٦ ]
موضع الأشكال في قوله: ﴿أو كسبت في إيمانها خيرا﴾. لأنه لأحد الأمرين. فإذا سيقت في النفي في مثل ذلك اقتضى نفي الأمرين كقوله: ﴿لا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ (١). وأحدهما: آمنت من قبل، والثاني: كسبت في إيمانها خيرا، فيصير المعنى على الظاهر: لا ينفع نفسًا لم تكن آمنت من قبل إيمانها، وهذا واضح، ولا ينفع نفسًا لم تكن كسبت في إيمانها خيرا إيمانها، وهذا مشكل، فإن الإيمان قبل مجيء الآيات نافع، وإن لم يكن عمل صالح غيره، فكيف يصح نفيه؟. والجواب: أن المعنى لا ينفع نفسًا إيمانها ولا كسبها وهو العمل الصالح لم تكن آمنت قبل الآية (٢)، أو كان العمل الصالح مع الإيمان قبلها، فاختصر للعلم به.
وقوله: لم تكن آمنت، صفة لـ (نفسا)، وإن وقع الفصل، لأن المعنى على التأخير، وإنما أوجب التقديم الضمير في (إيمانها). والمغني: لا ينفع إيمان نفس نفسًا لم تكن آمنت من قبل. فلما أوجب الضمير التقديم بقيت الصفة في محلها. و(من) لابتداء الغاية. تقول: ما آمن زيد من يوم كذا، لابتداء الغاية. فيكون نفيًا للإيمان الذي ابتداؤه من يوم الجمعة، ولو قلت: ما آمن زيد يوم كذا، كان نفيًا للإيمان يوم الجمعة. وإذا أسقطت "من" في نحو: ما آمن من قبل (٣)، وما آمن قبل، لم يختلف المعنى، لأنه إذا كان مبتدأ فيه من قبل، فقد حصل قبل، وإذا حصل قبل فقد ابتدئ به من قبل. ولا يلزم ذلك في نحو: يوم الجمعة وشبهه، إذ قد يكون حاصلًا فيه، وقد ابتدئ به من غيره. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) الإنسان: ٢٤.
(٢) وهي طلوع الشمس من مغربها، القرطبي ٧/ ١٤٦.
(٣) ما آمن من قبل: سقطت من د.
[ ١ / ٢٥٧ ]
[إملاء ١٠٨]
[توجيه قراءة حمزة لقوله تعالى: ﴿وليحكم أهل الإنجيل﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿وليحكم أهل الإنجيل﴾ (١): على قراءة حمزة (٢) إما معطوفًا باعتبار المعنى فيما تقدم من قوله: وآتيناه الإنجيل. لأن المعنى: وآتيناه الإنجيل للهدى والنور والتصديق وليحكم. لأن المعنى: ليهدي وينور ويصدق: فحسن قوله: وليحكم، لذلك، كما جاء قوله: ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزية الكواكب. وحفظًا﴾ (٣). لأن المعنى: خلقناها زينة، فحسن مجيء (وحفظًا) لذلك. وإما متعلقا بفعل مقدر دل عليه قوله: ﴿بما أنزل الله﴾. كأنه قيل: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، أنزلناه، فحذف لذلك. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٠٩]
[تقديم الأزواج في قوله تعالى: ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿إن من
_________________
(١) المائدة: ٤٧. وتمامها: "بما أنزل الله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون".
(٢) قرأ الأعمش وحمزة بنصب الفعل على أن تكون اللام لام كي. والباقون بالجزم على الأمر. القرطبي ٦/ ٢٠٩. وقال النحاس: "والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان، لأن الله تعالى لم ينزل كتابًا إلا ليعمل فييما فيه، وأمر بالعمل بما فيه، فصحتا جميعًا". إعراب القرآن ١/ ٥٠٠.
(٣) الصافات: ٦، ٧.
[ ١ / ٢٥٨ ]
أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم﴾ (١).
إنما قدمت الأزواج على الأولاد لأن المقصود الإخبار أن منهم أعداء، ووقوع ذلك في الأزواج أكثر منه في الأولاد، فكان أقعد في المعنى المراد، فكان تقديمه أولى. ولذلك قدمت الأموال في قوله: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (٢) لأن الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة. ﴿إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ (٣). ﴿أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾ (٤). وليست الأولاد في استلزام الفتنة مثلها، فكان تقديمها لكونها أوغل في المعنى المراد أولى. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١١٠]
[إعراب "شهوة" في قوله تعالى: ﴿أتأتون الرجال شهوة﴾]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿أتأتون الرجال شهوة ن دون النساء﴾ (٥): (شهوة) منصوب، إما مفعول من أجله وهو الظاهر، وإما على معنى إتيان شهوة، وإما حال على معنى مشتهين (٦). و(من) في قوله: (من دون النساء)، لابتداء الغاية، أي: تأخذون في ابتداء هذا الفعل من غير النساء، أو على معنى المقابلة، أي: تجعلون هذا عوضًا عن هذا، كما تقول: خذ هذا من دون هذا، أي: اجعله عوضًا منه.
_________________
(١) التغابن: ١٤.
(٢) التغابن: ١٥.
(٣) العلق: ٦.
(٤) الإسراء: ١٦.
(٥) الأعراف: ٨١.
(٦) قال الزمخشري: "شهوة: مفعول له، أي: للاشتهاء، أو حال بمعنى مشتهين". الكشاف ٢/ ٩٢.
[ ١ / ٢٥٩ ]
ويتعلق إما بـ (تأتون) وهو الظاهر، لأن المعنى: تجعلون الإتيان لهؤلاء عوضًا من أولئك، أو تأخذون في الإتيان من هؤلاء. وإما بـ (شهوة) على المعنيين، أي: تتعلق الشهوة منكم بالرجال عوضًا من (١) تعلقها بالنساء. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١١١]
[توجيه القراءات في قوله تعالى: ﴿لتزول منه الجبال﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ (٢): قرأ الكسائي بفتح اللام الأولى من (لتزول) ورفع الفعل بعدها (٣)، وهذه اللام على هذه القراءة هي اللام الفارقة بين المخففة والنافية. تلزم المخففة لتفصلها عن النافية، فيكون معنى قراءته: أن مكرهم تزول منه الجبال.
وقرأ الباقون بكسر اللام الأولى من (لتزول) ونصب المضارع بعدها، لأنها اللام المؤكدة التي ينصب الفعل بعدها. إما بتقدير "أن" على قول البصريين، وإما بغيرها على قول غيرهم (٤). وتسمى لام الجحود لأنها لا تأتي إلا بعد جحد، فتكون (إن) نافيية (٥). والمعنى: ما كان مكرهم تزول منه
_________________
(١) في س: عن.
(٢) إبراهيم: ٤٦.
(٣) ونقلت هذه القراءة أيضًا عن علي. معاني القرآن للفراء ٢/ ٧٩.
(٤) مذهب أكثر الكوفيين أن الفعل بعد اللام منصوب بها بطريق الأصالة. انظر مغني اللبيب ١/ ٢٣١ (دمشق).
(٥) قال ابن هشام: "والذي يظهر لي أنها لام كي، وأن إن شرطية". المغني ١/ ٢١٢ (محي الدين).
[ ١ / ٢٦٠ ]
الجبال. والجمع بين القراءتين، مع أن النفي والإثبات فيهما تواردًا على صورة واحدة. ولا يستقيم تناقض القراءتين عندنا لأنهما ثابتتان بالتواتر، فكلاهما مقطوع به، فلا بد من التأويل. فمعنى قراءة الكسائي: إثبات أن مكرهم عظيم تزول منه الأمور العظيمة التي لا تبلغ مبلغ المعجزات كالقرآن ونحوه.
ومعنى قراءة الجماعة: نفي أن مكرهم تزول منه المعجزات العظام كالقرآن ونحوه لثبوتها واستقرارها كاستقرار الجبال.
فالجبال على قراءة الكسائي: الأمور العظام التي لم تبلغ مبلغ المعجزات. والجبال على قراءة الجماعة: المعجزات العظام كالقرآن ونحوه. وعلى هذا التأويل لم يجيء النفي والإثبات باعتبار واحد. وإذا لم يكونا باعتبار واحد فلا تعارض بين القراءتين والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١١٢]
[التشبيه في قوله تعالىك ﴿كأنهم خشب مسندة﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿كأنهم خشب مسندة﴾ (١):
إنما شبههم بالخشب دون غيرها، لأنه لما ذكر الطبع على قلوبهم وعدم فقههم وأنهم مع ذلك أجسام معجبة، شبههم بما له جسم في الصورة وليس له فهم، فقال: كأنهم خشب مسندة. وتشبيههم بالخشب في هذا السياق أحسن من تشبيههم بالحجارة وأشباهها، فإنها ليست في الغالب لها صورة أجسام الآدميين. وقال: مسندة، لأمرين: أحدهما: التنبيه على أنهم كالخشب
_________________
(١) المنافقون: ٤.
[ ١ / ٢٦١ ]
القائمة، فنبه على أن المراد أنها قائمة بقوله: مسندة، لأن الأخشاب لا تسند إلا وهي قائمة لاستغنائها عن الاستناد في غيره قيامها. وقد تقدم أن المراد عدم فقههم مع عظم أجسامهم، فناسب ذلك تشبيههم بالأخشاب القائمة وهي المسندة. والثاني: التنبيه على أنهم لا فائدة فيهم كالخشب عند عدم استعماله، فإن الخشب القائم ليسقف عليه أو غير القائم ليسقف به (١)، فيه فائدة. وأما المسندة فلا فائدة فيها في حال كونها مسندة" (٢). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١١٣]
[معنى "أو" في قوله تعالى: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ (٣):
اختلف في (أو) هذه. فقيل: إنها التي بمعنى: إلا أن (٤)، أو: إلى أن، فيكون (تفرضوا) في موضع نصب بإضمار "أن" أو بـ "أو" على رأي. وقيل: إن (أو) عاطفة على قوله: (تمسوهن)، أي: ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، فيكون مجزومًا بالعطف على (تمسوهن) (٥). وإنما خالف الأولون الظاهر
_________________
(١) به: سقطت من م.
(٢) قال الزمخشري: "شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحائط، ولأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع. وما دام متروكًا فارغًا غير منتفع به أسند إلى الحائط فشبهوا به في عدم الانتفاع". الكشاف ٤/ ١٠٩.
(٣) البقرة: ٢٣٦.
(٤) قال الزمخشري: "أو تفرضوا: إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا". الكشاف ١/ ٣٧٤.
(٥) قال أبو حيان: "والفعل بعد أن معطوف على تمسوهن، فهو مجزوم، أو معطوف على مصدر متوهم فهو منصوب على إضمار أن بعد أو بمعنى إلا، التقدير: ما لم تمسوهن إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو معطوف على جملة محذوفة، التقدير: فرضتم أو لم تفرضوا". البحر المحيط ٢/ ٢٣١.
[ ١ / ٢٦٢ ]
في (أو) لأحد أمرين: إما لأنها إذا جعلت بمعنى (أو) [العاطفة] (١) كان المعنى: لا جناح عليكم فيما يتعلق بمهور النساء إن طلقتم النساء إذا انتفى أحد هذين الأمرين، لأن (أو) العاطفة تستلزم ظاهرًا معنى أحد الأمرين، وإذا استلزمت ذلك لم يستقم لأنه ينتفي أحد الأمرين وهو الفرض، فيلزم صداق المثل بالمسيس، أو ينتفي المسيس وهو أحد الأمرين، فيلزم نصف ما فرض. وإن كان المسيس منتفيًا فلا يصح نفي الجناح عند انتفاء أحدهما لذلك. والثاني: أن المطلقات المفروضات لهن قد ذكرن ثانيا وترك ذكر الممسوسات لما تقدم من المفهوم، فلو كانت العاطفة لكان المفروضات في الذكر كالممسوسات، وليس الأمر كذلك.
وإذا جعلت (أو) بمعنى: إلا أن، أخرجت عن مشاركة الممسوسات، فلم يلزم ظهور دخولهن معهن، ولذلك لم ير مالك (٢) للمطلقات المفروض لهن قبل المسيس متعة، لأنه لم ير دخولهن في الآية المتقدمة لما ذكرن ثانيا. وجعل المتعة للمسوسات خاصة، أو لغير الممسوسات ولغير المفروض لهن، لأنه لما ذكر المطلقات المفروض لهن ثانيا بحرف الشرط دل ظاهرًا على أنهن لم يكن مرادات أولًا. فلذلك حمل (ومتعوهن) على غيرهن (٣).
_________________
(١) زيادة من عندي يقتضيها المعنى.
(٢) هو الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي. ولد سنة ٩٥ هـ ومات سنة ١٧٩ هـ. أخذ العلم عن ربيعة ثم أفتي معه عند السلطان. قال ابن وهب: سمعت مناديا ينادي بالمدينة، ألا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذئب. انظر طبقات الفقهاء لأبي إسحق الشيرازي الشافعي ص ٦٨ (حققه وقدم له الدكتور إحسان عباس).
(٣) انظر القرطبي ١/ ١٩٦.
[ ١ / ٢٦٣ ]
ويمكن أن يقال عن الأول: لا يلزم أن يكون المعنى: ما أنتفى أحدهما، بل المعنى: ما لم يكن أحدهما. وفرق بين قول القائل: انتفى أحد الأمرين، وبين قول القائل: ما كان واحد من الأمرين. فإن الأول لا ينفي إلا (١) أحدهما لأنه نكرة ليست في صريح سياق النفي، والثاني ينفيهما جميعًا، لأنها نكرة في صريح سياق النفي. فإذا لا فرق في المعنى بين أن تكون: إلى أن، وبين أن تكون العاطفة. فكان حملها على العاطفة أولى، لأنه الأكثر. وإما فلا يلزم من مشاركتهن الممسوسات فيما ذكر مشاركته لهن فيما وراء ذلك. هذا مع أنه قد ذكر ثانيا ما يدل على انتقاء وهم المشاركة. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١١٤]
[معنى قوله تعالى: ﴿وما ينبغي له﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة أربع وعشرين وستمائة على قوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ (٢):
يقال: ما ينبغي، بمعنى: ما يستقيم عقلًا، كقوله تعالى: ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا﴾ (٣). ويقال: ما ينبغي، بمعنى: أنه ما يفعله الله لمصلحة علمها، كقوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ ". وكقوله تعالى: ﴿وما تنزلت به الشياطين. وما ينبغي لهم وما يستطيعون﴾ (٤). ويقال: ما ينبغي في الحرام والمكروه.
والمصلحة التي علمها الله أنه لو كان ممن يقول الشعر لتطرقت التهمة عند كثير من الناس في أن ما جاء به من قبل نفسه لتقويه عليه بقوة الشعر، كما جعله
_________________
(١) إلا: سقطت من د.
(٢) يس: ٦٩.
(٣) مريم: ٩٢.
(٤) الشعراء: ٢١٠، ٢١١.
[ ١ / ٢٦٤ ]
أميا لذلك. ألا ترى إلى قوله: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾ (١). ولذلك قال في عقيب هذه الآية: ﴿ويحق القول على الكافرين﴾ (٢). لأنه إذا انتفت الريب لم يبق إلا المعاندة فيحق القول عليهم حينئذ (٣). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١١٥]
[معنى السلسبيل في قوله تعالى: ﴿عينا فيها تسمى سلسبيلًا﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿عينا فيها تسمى سلسبيلًا﴾ (٤):
السلسبيل في اللغة وصف للمبالغة في السلسال (٥). فيجوز أن يكون ههنا على بابه في الوصفية، كأن المعنى يوصف بذلك، كما تقول: زيد يسمى الشجاع، أي: يوصف به. وإنما لم يقل هنا: عينًا سلسبيلًا، لينبه على شهرته لهذا الوصف.
ويجوز أن يكون علمًا منقولًا عنه (٦)، وصرف لأنه اسم لماء، مراعاة
_________________
(١) العنكبوت: ٤٨.
(٢) يس: ٧٠.
(٣) قال الزمخشري: "وما ينبغي له: وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه. أي: جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل". الكشاف ٣/ ٣٢٩.
(٤) الإنسان: ١٨.
(٥) قال ابن منظور: "السلسبيل: السهل المدخل في الحلق. ويقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل". اللسان (سلسل).
(٦) قال ابن قتيبة: "السلسبيل اسم العين". انظر تفسير غريب القرآن ص ٥٠٣ (تحقيق السيد أحمد صقر). ونقل ابن منظور هذا القول عن الزجاج. اللسان (سلسل). واستبعد الفراء ذلك. معاني القرآن ٣/ ٢١٧.
[ ١ / ٢٦٥ ]
للتذكير، وجريه على العين لا يوجب اعتبار التأنيث، كما لا يوجب قولك: هذه النفس زيد، منع الصرف مراعاة للتأنيث، وكما تقول: هذه واسط.
ويجوز أن يكون صرف لتناسب رؤوس الآي كما في قوله: ﴿قواريرًا﴾ (١) وإجماع القراء على صرفه لا يمنع من ذلك. فقد يجمعون على أحد الجائزين إذا كان قويًا وإن لم يجمعوا على أحد الجائزين إذا كان ضعيفًا.
وقد قيل: إن أصله: سل سبيلًا، على أنه أمر من سأل يسأل، و(سبيلًا) منصوب به، فيكون له لذلك تأويلان: أحدهما: أن يكون قوله: تسمى، تمام الكلام الأول، وحذف مفعول (تسمى) للعلم به، أي: توصف بمثل الزنجبيل لتقدم ذكره، ويكون (سل سبيلًا) استئنافًا، كأنه قيل: اسأل الطريق إليها والوصول، وفيه تعسف. والوجه الثاني: أن يكون (سل سبيلًا) على ذلك صير علمًا اسمًا لهذه العين ك "تأبط شرًا" فجاء على الحكاية، كما تحكي الجمل، كما تقول: هذا يسمى: تأبط شرًا (٢). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١١٦]
[إعراب قوله تعالى: ﴿متكئين فيها﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى في ﴿هل أتى على الإنسان﴾: ﴿متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا﴾ (٣):
_________________
(١) الإنسان: ١٥.
(٢) والأحسن أن تبقى الكلمة على حالها، والمقصود منها غاية السلاسة. ووزنها فعلليل كما قال سيبويه. انظر الكتاب ٤/ ٣٠٣. وقدر الزمخشري زيادة الباء فيها. انظر الكشاف ٤/ ١٩٨.
(٣) الإنسان: ١٣. والآية التي قبلها: "وجزاهم بما صبروا جنة وحريرًا".
[ ١ / ٢٦٦ ]
لا يجوز أن ينتصب على الحال، لأنه إذا جعل حالا من (جزاهم) وجب أن يكون تقييدًا له (١). فإن جعل في المعنى ماضيًا صار المعنى: وجزاهم في حال كونهم متكئين في الجنة الجنة قبل ذلك، ولا يستقيم، وإن جعل مستقبلا فأبعد. فالأولى أن يكون منصوبًا بفعل مقدر على المدح، كأنه قال: أمدح أبرارًا متكئين فيها على الأرائك (٢). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١١٧]
[الفرق بين التسخير والإهانة]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ (٣). وقال: ﴿كونوا حجارة﴾ (٤):
الأول يسمى التسخير والثاني يسمى الإهانة. والفرق بينهما أن التسخير عبارة عن تكوينهم على جهة التبديل، أي: جعلناهم على هذه الصفة، والإهانة عبارة عن تعجيزهم فيما لا يقدرون عليه، أي: أنتم أحقر من ذلك. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١١٨] (*)
[تعدية الفعل بعن]
وقال أيضًا ممليًا على قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (٥):
_________________
(١) قال أبو البقاء: "يجوز أن يكون حالًا من المفعول في جزاهم". إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٢٧٦.
(٢) قال الفراء: "منصوبة كالقطع. وإن شئت جعلته تابعًا للجنة. كأنك قلت: جزاؤهم جنة متكئين فيها". معاني القرآن ٣/ ٢١٦.
(٣) البقرة: ٦٥.
(٤) الإسراء: ٥٠.
(٥) النور: ٦٣. (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع، ١١٩
[ ١ / ٢٦٧ ]
إنما عدي بـ (عن) لما في المخالفة من معنى التباعد والحيد، كأن المعنى: الذين يحيدون عن أمره بالمخالفة، فكان الإتيان بـ (عن) أبلغ للتنبيه على هذا الغرض لما فيه من ذكر المخالفة من التنبيه على البعد والحيد مما لا ينبغي للعاقل ذلك فيه (١). وقد استدل به على أن الأمر يقتضي الوجوب لما تضمنته الآية من الوعيد على المخالفة، وهو لازم الوجوب. فإن قلت: الآية متضمنة الأمر بالحذر لمن يخالف، وحذر المخالف العذاب لا يفيده بعد المخالفة لحصول السبب المقتضي له، وقبلها لا يحذر عذابًا. قلت: هو على أحد وجهين: أحدهما: أن المحذر منه في المعنى المخالفة، ولكن لما كان لأجل مسببها جعل مسببها كأنه المحذر منه. والثاني: أن يكون المعنى: فليحذر الذين وقعت منهم المخالفة ذلك فيستدركوا ما فعلوه بالتوبة والرجوع إلى الله، فيكون ذلك سببًا لدفع العذاب عنهم. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١١٩] (*)
[عطف الإخبار بالحال على الإخبار بالماضي]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس ويصدون﴾ (٢):
يحتمل وجهين: أحدهما: أن يراد أن الخروج كان واقعًا والصد كان حالهم حينئذ، فأخبر عن كل بما هو صالح له، فلما كان الخروج ماضيًا أخبر عنه بالماضي ولما كان الصد حالًا أخبر عنه بالحال، أي: الذين حصل منهم الخروج وهم الآن صادون. الثاني: أن يكون الصد أيضًا كان في المضي، وإنما
_________________
(١) ونقل القرطبي عن أبي عبيدة والأخفش أن (عن) في هذه الآية زائدة. الجامع لأحكام القرآن. ١٢/ ٣٢٣.
(٢) الأنفال: ٤٧. (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع، ١٢٠
[ ١ / ٢٦٨ ]
عبر عنه بفعل الحال تنبيهًا على فظاعته وعظم المعصية به لما فيه من صورة المقاتلة للرد عن سبل الخير الواجب فعلها، والإعانة عليها. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون﴾ (١). فأتي التكذيب بالفعل الماضي، وأتى القتل بفعل الحال ليخطر السامع مدلولة بباله، ومدلوله إنما هو الحال التي هو عليها، فيتبين حينئذ فظاعته لما فيه من التعدي على رسل الله تعالى الواجب اتباعهم وتعظيمهم، بخلاف التكذيب؛ إذ ليس فيه إلا مجرد كلام لا يبلغ ذلك المبلغ. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٢٠]
[إعراب قوله تعالى: ﴿وتركهم في ظلمات لا يبصرون﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿وتركهم في ظلمات لا يبصرون﴾ (٢).
يجوز أن يكون (تركهم) بمعنى صيرهم. فيجوز أن يكون قوله: (في ظلمات) و(لا يبصرون) مفعولين من باب واحد ذكر أحدهما بعد الآخر (٣)، كما تقول: صيرت زيدًا عالمًا عاقلًا، لأنها في المعنى أخبار. فكما جاز تعدد الأخبار جاز تعددها. ويجوز أن يكون الأول هو المفعول والثاني حالًا من الضمير المفعول في (تركهم)، أي: تركهم مستقرين في ظلمات في حال كونهم لا يبصرون. ويجوز أن يكون الأول حالًا والثاني هو المفعول، أي: وصيرهم غير مبصرين في حال كونهم في ظلمات، ويجوز و(تركهم) بمعنى: خلاهم، فلا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، فيكون (في ظلمات) و(لا يبصرون)
_________________
(١) المائدة: ٧٠.
(٢) البقرة: ١٧.
(٣) قال الزمخشري: "أصله: هم في ظلمات، ثم دخل ترك فنصب الجزأين". الكشاف ١/ ٢٠١.
[ ١ / ٢٦٩ ]
حالين من الضمير في (تركهم) (١). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٢١]
[توجيه قراءات قوله تعالى: ﴿بزينة الكواكب﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب﴾ (٢):
تطلق الزينة على ما يتزين به، وتطلق على المصدر، كقولك: زانه يزينه زينة. فمن قرأ بزينة الكواكب بالإضافة وهم الأكثرون، احتمل أن يراد ما يتزين به، ثم أضيف إلى الكواكب إضافة خاتم إلى حديد، لما كان ما يتزين به من أصناف متعددة، فأضيف إلى صنفه ليبين أنه المراد، ويجوز أن يراد المصدر، على أن التزيين وقع بما اشتملت عليه الكواكب من الصفات المخصوصة من النور والترتيب والهيئة المخصوصة التي هي عليها. فإضافتها كإضافة ضرب إلى زيد.
وقراءة حمزة وحفص بزينة، منون، والكواكب مخفوض على أنه بدل (٣) أو عطف بيان، فتكون الزينة على ما يتزين به، إذ لا يستقيم أن تكون الكواكب بدلًا أو عطف بيان من الزينة التي هي مصدر.
وقرأ أبو بكر بزينة، منون، و(الكواكب) منصوبًا، على أن يكون منصوبًا بفعل مقدر (٤)، أعني الكواكب، فتكون (زينة) أيضًا بمعنى ما يتزين به، لأن
_________________
(١) قال النحاس: "لا يبصرون: في موضع الحال". إعراب القرآن ١/ ١٤٣. وقال القرطبي: "لا يبصرون: فعل مستقبل في موضع الحال، كأنه قال: غير مبصرين". ١/ ٢١٣.
(٢) الصافات: ٦.
(٣) وإليه ذهب الأخفش. معاني القرآن ٢/ ٤٥١.
(٤) أجازه النحاس، إعراب القرآن ٢/ ٧٣٩.
[ ١ / ٢٧٠ ]
الكواكب كالتفسير لها، إلا أن تقدر: أعني زينة الكواكب، وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فيجوز أن يكون بمعنى المصدر. ويجوز أن يكون في قراءة أبي بكر بدلًا من السماء، على أنه بدل اشتمال، كأنه قيل: إنا زينا الكواكب في السماء الدنيا بزينة، فتكون الزينة بمعنى المصدر.
وأما قول من قول: إن الكواكب بدل من زينة على المحل (١) فضعيف ضعف قولهم: مررت بزيد أخاك، فلا ينبغي أن تحمل عليه قراءة ثابتة صحتها. ووجه ضعفه أنه إذا جعل بدلًا كان في المعنى معمولًا للعامل الأول، ولا يستقيم أن يكون العامل الأول مسلطًا باعتبار المعنى المقصود بنفسه. ألا ترى أنك لو قلت في: مررت بزيد أخاك، مررت أخاك، لم يجز، فكذلك إذا جعلته بدلا، والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٢٢]
[رجوع الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ (٢)، إلى آخرها:
استدل بهذه الآية على أنها جمل، وقد رجع الاستثناء فيها إلى الجميع (٣)
_________________
(١) وهو مذهب الزمخشري، الكشاف ٣/ ٣٣٥. ونسب النحاسب هذا الرأي لأبي إسحق. إعراب القرآن ٢/ ٧٣٩.
(٢) النور: ٤. وتتمة الآية: "فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون". والآية التي بعدها: "إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم".
(٣) الاستثناء في الآية التي بعدها، وهو قوله: "إلا الذين تابوا". فكان علي ابن الحاجب أن يأتي أيضًا بالآية التي بعدها، حتى يكون كلامه واضحًا، غير مبهم.
[ ١ / ٢٧١ ]
وليس بمستقيم أما الجلد فلم يرجع الاستثناء إليه باتفاق. وأما قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾. فإنما جيء به لتقرير تعليل منع الشهادة فلم يبق إلا قوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾. فوجب رجوع الاستثناء إليها، إذ لم يبق سواها (١).
[إملاء ١٢٣]
[إعادة الشهر في قوله تعالى: ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة خمس وعشرين وستمائة على قوله تعالى: ﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ (٢).
الفائدة في إعادة لفظ الشهر الإعلام بمقدار زمن الغدو وزمن الرواح. والألفاظ التي تأتي مبينة للمقادير لا يحسن فيها بالإضمار. ألا ترى أنك تقول: زنة هذا مثقال وزنة هذا مثقال، فلا يحسن الإضمار كما لا يحسن في التمييز. وأيضًا فإنه لو أضمر فالضمير إنما يكون لما تقدم باعتبار خصوصيته. فإذا لم يكن له وجب العدول عن المضمر إلى الظاهر. ألا ترى أنك لو أكرمت رجلًا وكسوته لكانت العبارة: أكرمت رجلا وكسوته. ولو أكرمت رجلًا وكسوت غيره لكانت العبارة: أكرمت رجلا وكسوت رجلا. فتبين أن ذلك ليس من جعل الظاهر موضع المضمر لما تبين أنه لو أتى بالمضمر لم يستقم. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) ويروي عن الشعبي أنه قال: الاستثناء من الأحكام الثلاثة، إذا تاب وظهرت تويته لم يحد وقبلت شهادته وزال عنه التفسيق. القرطبي ١٢/ ١٧٨.
(٢) سبأ: ١٢.
[ ١ / ٢٧٢ ]
[إملاء ١٢٤]
[إعراب "شكرًا" في قوله تعالى: ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾].
وقال أيضًا ممليًا على قوله تعالى: ﴿اعملوا آل داود شكرًا﴾ (١):
يجوز أن ينتصب على أنه مفعول من أجله، أي: اعملوا من أجل الشكر على إحسانه. ويجوز أن يكون منصوبًا على المصدر (٢)، لأن المراد أمر بالعمل الذي هو شكر لأنه نوعه، فيكون من باب: قعد القرفصاء. وإما لأنه إذا عملوا فقد تضمن ذلك شكرًا لا يحتمل العمل غيره، فيكون من باب: كتاب الله. ويجوز أن ينتصب على الحال، كأنه قال: شاكرين، فأوقع لفظ المصدر موقع الحال. ويجوز أن يكون منصوبا على أنه مفعول به (٣)، كأن العمل له تعلق بالشكر، كما تقول: عملت كذا فأجراه لذلك مجري المفعول به (٤). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٢٥]
[معنى "تبين" في قوله تعالى: ﴿فلما خر تبينت الجن﴾]
وقال أيضًا ممليًا على قوله تعالى: ﴿فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب﴾ (٥):
فيه قولان: أحدهما: أن يكون (تبين) بمعنى: وضح، فيكون: (أن لو كانوا) مع ما في حيزه في موضع رفع بدلًا من الجن، وهو بدل الاشتمال (٦)،
_________________
(١) سبأ: ١٣.
(٢) في س: ويجوز أن ينتصب على المصدر.
(٣) في م: ويجوز أن ينتصب على أنه مفعول به.
(٤) هذه الوجوه الأربعة التي ذكرها ابن الحاجب في نصب (شكرًا) ذكرها الزمخشري، الكشاف ٣/ ٢٨٣.
(٥) زينه ١٤.
(٦) قال الزمخشري: "أن مع صلتها بدل من الجن، بدل الاشتمال". الكشاف ٣/ ٢٨٣.
[ ١ / ٢٧٣ ]
أي: وضح أنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب، أي: وضح أمرهم في جهلهم بالغيب. والثاني: أن يكون (تبين) بمعنى: علم، فيكون على حذف مضاف في الجن وحذف مضاف من (كانوا)، أي: تبين ضعفاء الجن أو اتباع الجن (١) أن لو كان (٢) رؤساؤهم أي: تبين: الضعفاء الذين كانوا يوهمونهم علم الغيب جاهلون به. والله أعلم بالصواب. وأما تقدير مضاف من الجن، على أن معنى (تبين) وضح، وجعل (أن لو كانوا)، مع ما في حيزه بدل كل من كل، أي: تبين أمر الجن أن لو كانوا، فتقدير مستغني عنه. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٢٦]
[إعراب "طولا" في قوله تعالى: ﴿ولن تبلغ الجبال طولا﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة خمس وعشرين على قوله تعالى: ﴿إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولًا﴾ (٣):
الأحسن أن يكون (طولا) تمييزًا (٤)، إما عن الفاعل، أي: لن يبلغ طولك الجبال، وإما عن المفعول، أي: لن تبلغ طول الجبال.
وأما نصبه على الحال من الفاعل أو المفعول على معنى: طويلًا، فضعيف يأباه اللفظ. أما اللفظ فواضح، وأما المعنى فلما يجب من تقدير: ولن تبلغ في حال كونك طويلًا، أو في حال كونها طويلة، وليس المعنى عليه.
_________________
(١) الجن: ساقطة من س.
(٢) في د، س: كانوا. والصواب ما أثبتناه.
(٣) الإسراء: ٣٧.
(٤) أجازه أبو البقاء. إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٩٢.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وأما نصبه على معنى: مطاولًا، فبعيد من حيث أن طولا لم يثبت استعماله بمعنى مطاول.
وأما نصبه على وجه نصب قوله: ذهبت طولًا وذهبت عرضًا (١)، على معنى: ذهبت في طول، أو ذهبت آخذًا في طول، فليس ببعيد. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٢٧]
[معنى "ما" في قوله تعالى: ﴿ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة خمس وعشرين على قوله تعالى: ﴿ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾ (٢):
ما: مصدرية (٣). والمعنى: ليجزيك أجر سقيك لنا، لأنه الذي فعله. ألا ترى إلى قوله: ﴿فسقى لهما﴾ (٤). ولا يحسن أن تكون موصولة لأنه يلزم أن تكون للغنم، لأن التقدير حينئذ: الذي سقيته لنا، والذي سقاه لهما هي الغنم، والأجر إنما يكون على فعله، لا ما تعلق به فعله. فيلزم أن يكون التقدير: أجر سقي الغنم التي سقيتها لنا، فيحتاج إلى تقدير سقي آخر مع الضمير العائد على الموصول من غير حاجة. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) إشارة إلى قول العماني كما في الكتاب ١/ ١٦٣. إذا أكلت سمكًا وفرضًا ذهبت طولًا وذهبت عرضًا
(٢) القصص: ٢٥.
(٣) قال أبو البقاء: "هي مصدرية، أي: أجر سقيك". إملاء ما من به الرحمن ٢/ ١٧٧.
(٤) القصص: ٢٤.
[ ١ / ٢٧٥ ]
[إملاء ١٢٨]
[تعلق "إذا" في قوله تعالى: ﴿فإذا هم فريقان يختصمون﴾]
وقال أيضًا ممليًا على قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون﴾ (١):
يجوز أن تكون (إذا) متعلقة بمحذوف دل عليه معناها الذي هو المفاجأة كأنه قيل: فوجئوا حينئذ أو كانوا أو حصلوا.
ويجوز أن تتعلق بما في (فريقان) من معنى الفعل، لأن المعنى: فإذا هم متفرقون، على تقدير: فحينئذ افترقوا.
ويجوز أن يتعلق بـ (يختصمون) إذا لم تجعله صفة، لأن الصفة لا يتقدم عليها معمولها. كأنه قيل: فحينئذ اختصموا.
وأما (يختصمون) فيجوز أن يكون صفة (٢) لـ (فريقان)، ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبر. ويجوز أن يكون حالًا مما في (فريقان) من معنى الفعل، أي: افترقوا مختصمين. ويجوز أن يكون حالًا مما في (إذا) من معنى الفعل، وذلك بشرط أن تجعله معمولًا لمحذوف لا لـ (فريقان) ولا لـ (يختصمون). ألا ترى أنك إذا جعلت "فيها" في قولك: زيد فيها قائم، متعلقا بـ "قائم" لم يجز أن ينتصب عنه حال ولا غيره، لكن ينتصب عن العامل فيه، فكذلك هذا. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) النمل: ٤٥.
(٢) قال أبو البقاء: "ويختصمون صفة وهي العاملة في إذا". إملاء ما من به الرحمن ٢/ ١٧٣.
[ ١ / ٢٧٦ ]
[إملاء ١٢٩]
[التمييز من أفعل التفضيل لا يكون إلا فاعلًا في المعنى]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة خمس عشرة على قوله تعالى: ﴿أحصى لما لبثوا أمدا﴾ (١):
يمتنع أن يكون (أمدًا) تمييزًا عن أحصى (٢)، لأن التمييز من أفعل التفضيل لا يكون إلا فاعلًا في المعنى للفعل المأخوذ منه أفعل. مثاله قولك: زيدً أحسن وجها. فـ "وجهًا" فاعل في المعنى لفعل "أحسن" الذي هو حسن، كأنك قلت: حسن وجهه. فلو جعلت (أمدًا) منصوبًا على التمييز لوجب أن يكون فعل (أحصى) منسوبًا إليه على الفاعلية فيكون الأمد هو المحصى، وليس كذلك (٣). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٣٠]
[اللام في "لسوف"]
وقال أيضًا ممليًا على قوله تعالى: ﴿ويقول الإنسان إذا ما مت لسوف أخرج حيا﴾ (٤):
اللام في (لسوف) لام تأكيد وليست لام الابتداء، لأنها لو كانت لام الابتداء لوجب أن يكون معها الابتداء. فإن قيل: أقدر المبتدأ محذوفًا وأبقى
_________________
(١) الكهف: ١٢ وقبلها: "ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين".
(٢) قال أبو البقاء: "وإنما الوجه أن يكون تمييزًا". إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٩٩، ويفهم من كلام الفراء أنه أجاز هذا الوجه. معاني القرآن ٢/ ١٣٦.
(٣) ولم يذكر لنا ابن الحاجب رأيه في إعراب هذه الكلمة، وهذا مما يؤخذ عليه في أماليه فإنه يأتي أحيانًا بمسائل ولا يذكر رأيه فيها.
(٤) مريم: ٦٦.
[ ١ / ٢٧٧ ]
اللام داخلة على الخبر، كان فاسدًا من جهة أن اللام مع المبتدأ كقد مع الفعل وإن مع الاسم. فكما لا يحذف الفعل والاسم وتبقى قد وإن بعد حذفهما، فكذلك لا تبقى اللام بعد حذف الاسم التي هي له. وأيضًا فإنه يضعف مثل: لسوف يقوم زيد، لأن المعنى حينئذ يكون: لزيد لسوف يقوم، ولا يخفى ضعفه. وأيضًا فإنه يؤدي إلى التزام إضمار لا حاجة إليه، فكان على خلاف الأصل. وممن قال: إنها للابتداء، الزمخشري في كشافه (١) في قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (٢). ومما يرد عليه قوله تعالى: ﴿وإن ربك ليحكم﴾ (٣). اللام لمجرد التأكيد، مثلها في قولك: إن زيدًا لقائم. ولا يصح أن تكون للحال، لأن المعنى على الاستقبال (٤)، ولا يمكن أن يكون ما يشعر بالحال، فثبت هذه اللام التي ذكرها للحال لا تكون له، وإنما هي لام الابتداء دخلت عليها "إن" فأخرت إلى خبرها في قولك: إن زيدًا لقائم، وقد صرح بذلك في مفصله (٥)، وقال: "ويجوز عندنا إن زيدًا لسوف يقوم. ولا يجيزه الكوفيون". ولو كانت للحال لتناقض مع سوف، وقياس مذهبه أن يمنع كالكوفيين. وقد أجازه بناء على أنه لام "إن". والله أعلم بصواب.
[إملاء ١٣١]
[المعنى عند دخول الاستفهام الإنكاري على الشرط]
وقال ممليًا: إذا دخل الاستفهام الإنكاري على الشرط كان المعنى إنكار أن يكون الجواب معلقًا عليه. فإذا قلت: أإن أكرمتك أهنتني؟ كان المعنى
_________________
(١) ٤/ ٢٦٤.
(٢) الضحى: ٥.
(٣) النحل: ١٢٤.
(٤) قال الزمخشري: "فإن قلت: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلت: لم تجامعها إلا مخلصة للتوكيد". الكشاف ٢/ ٥١٧.
(٥) ص ٣٢٨.
[ ١ / ٢٧٨ ]
إنكار أن تكون الإهانة مسببة عن الإكرام، والأكثر إدخال الهمزة الإنكارية على ما هو معنى الجواب مقدمًا على الشرط، ثم ذكر الشرط بعده، مثل: أتهينني إن أكرمتك؟. وإذا كان الإنكار باعتبار شرط مستقبل كان الفعل المقدم مضارعًا، وإن كان باعتبار شرط ماض في المعنى كان الفعل المقدم ماضيًا إن قصد التوبيخ، ومضارعًا إن قصد النهي، فتقول: أضربت زيدًا لما أكرمك؟ توبيخًا له على الضرب المسبب عن الإكرام. وتقول: أتضرب زيدًا لما أكرمك؟ نهيا له عن أن يفعل (١) ذلك بعد إكرامه. ومنه قوله تعالى: ﴿أتقولون للحق لما جاءكم﴾ (٢)، والمعنى: أتقولون الحق لما جاءكم أنه سحر أو شعر؟ على ما دل عليه قرائن أحوالهم بما كانوا يقولونه (٣). ولا يصلح أن يكون: أسحر هذا؟ من تتمة القول المنكر عليهم، لأنهم لم يكونوا مستفهمين عنه، وإنما حذف المقول لدلالة قوله: أسحر هذا؟ وهو أيضًا إنكارُ أن يكون مثل هذا سحرًا. والمعنى: نهيهم عن أن يقولوا هذا القول مسببًا عن أمر يقتضي نقيضه، وهو مجيء الحق. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٣٢]
[توجيه قراءة قوله تعالى: "وأرجلكم"]
وقال أيضًا ممليا على قوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ (٤):
من قرأ بالخض (٥) فعطفا على قوله: بؤوسكم. والمراد: واغسلوا
_________________
(١) في د: تفعل، وما أثبتناه هو الصحيح.
(٢) يونس: ٧٧.
(٣) قال الزمخشري في معناها: "أتعيبونه وتطعنون فيه، وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه". الكشاف ٢/ ٢٤٧.
(٤) المائدة: ٦، وقبلها: "وامسحوا بؤوسكم".
(٥) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحكزة. وقراءة نافع وابن عامر والكسائي بالنصب. وقراءة الحسن والأعمش بالرفع. انظر القرطبي ٦/ ٩١.
[ ١ / ٢٧٩ ]
أرجكلم. وليس الخفض على المجاوزة، وإنما على الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر، والعرب إذا اجتمع فعلان متقاربان في المعنى، ولكل واحد متعلق، جوزت ذكر أحد الفعلين، وعطفت متعلق المحذوف على المذكور على حسب ما يقتضيه لفظه حتى كأنه شريكه في أصل الفعل إجراء لأحد المتقاربين مجرى الآخر، كقولهم: تقلدت بالسيف والرمح، وعلقتها بالتبن والماء (١). وقال الإمام (٢): إنه مخفوض على الجوار (٣)، وليس يجيد، إذ لم يأت الخفض على الجوار في القرآن ولا في الكلام الفصيح، وإنما هو شاذ في كلام من لا يؤيه له من العرب، فلتحمل الآية على ما ذكر. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٣٣]
[الجمع بين الناصية وناصية كاذبة في سورة العلق]
وقال وقد سُئل عن قوله تعالى: ﴿لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة﴾ (٤):
فقيل: لم حسن الجمع بين الناصية وناصية كاذبة خاطئة، وهلا اقتصر على أحدهما دون الأخرى؟ فالجواب: أن الأولى ذكرت للتنصيص على ناصية المذكور الناهي، وذكرت الثانية تنبيهًا بالصفة على علة السفع ليشمل بذلك ظاهر أكل ناصية هذه صفتها. والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) قال الشاعر: علقتها تبنا وماء باردًا حتى غدت همالة عيناها
(٢) هو أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، إما الحرمين. ولد سنة ٤١٩ هـ وتوفي سنة ٤٧٨ هـ. من كتبه البرهان في أصول الفقه، والإرشاد، والشامل. انظر وفيات الأعيان ٣/ ١٦٧.
(٣) ما قاله الإمام هو: "والمصير إلى أنه محمول على محل (رؤوسكم) أمثل وأقرب إلى قياس الأصول من حمل قراءة الكسر على الجوار. وقال أيضًا: وكسر الجوار خارج عن القانون". انظر: البرهان ١/ ٥٥٠ (تحقيق الدكتور عبد العظيم الديب).
(٤) العلق: ١٦.
[ ١ / ٢٨٠ ]
[إملاء ١٣٤]
[الكلام في إعراب قوله تعالى: ﴿أبعث الله بشرًا رسولا﴾]
وقال أيضًا ممليا على قوله تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرًا رسولا﴾ (١):
(رسولًا) نعت لبشر، والمعنى: إنكارهم بشرًا موصوفًا بصفة الرسالة. وقول الجرجاني (٢): إنه لا يستقيم أن يكون صفة لما يؤدي إليه أن يكون رسولا قبل البعث، ولا يستقيم، أخذًا من أن الصفة يجب ثبوتها للموصوف قبل الحكم، فيلزم ذلك غلط. والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن ما ذكره إنما يكون في الإثبات لا في النفي، والإنكار نفي. ولو كان ما زعمه مستقيمًا لم يستقم أن يقال: ما في الوجود إله ثان، لأنه يلزمه فساده بعين ما ذكره، إذ لا يستقيم نفي ثبوته، ويعد ثبوته لا يستقيم نفي ثبوته. وحل الإشكال من وجهين: أحدهما: وهو قول الأكثرين أن نفي الجمع في مثل ذلك لم يرد على شيء بعد تحققه، وإنما معنى مثل قولك: لا تجتمع حركة وسكون: أنك تفهمت الجمع المطلق ثم نسبته إلى الحركة. والسكون، فوجدت العقل يأباه، لا أنك تعقلته مثبتًا ثم نفيته، فكذلك ما ذكرناه على توهمهم الاستحالة في أن يكون بشر رسول، وعلى هذا قولهم: يستحيل اجتماع الضدين، وجميع ما يأتيك. وهؤلاء هم القائلون باستحالة تعقل الأمر على خلاف حقيقته. الوجه الثاني: أن يكون متعقلًا في الذهن وإن كان مستحيلًا في الوجود، فينفي باعتبار الوجود وإن كان
_________________
(١) الإسراء: ٩٤.
(٢) هو عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني. كان من كبار أثمة العربية، في النحو والبلاغة والبيان. صنف المغني في شرح الإيضاح، المقتصد في شرحه، إعجاز القرآن الكبير والصغير، الجمل، العوامل المئة. توفي سنة ٤٨٤هـ، انظر بغية الوعاة ٢/ ١٠٦، إنباه الرواة ٢/ ١٨٨.
[ ١ / ٢٨١ ]
معتقلا ثبوته، فعلى هذا يكون البشر الرسول متعقلا عندهم في الذهن، وإنما أنكروا وجوده.
والوجه الثاني (١): أن نسلم أن ذلك جار في النفي والإثبات، ولا يلزم ما ذكروه ههنا، لأن حصول البعث مستلزم للرسالة، فعند بعثه يكون رسولا، فيصح وصفه، فلا يلزم توقف أحدهما على الآخر، فيندفع الإشكال. وحمله هؤلاء على الحال لما تخيلوه، وارتكبوا من أجل ذلك صحة الحال من النكرة.
ولا يستقيم أن يكون عطف بيان، لأن من شرطة أن يكون اسمًا غير صفة في الأصل. ولا يستقيم أن يكون بدلًا لأنه لابد له من موصوف مقدر، فيكون التقدير: أبعث الله بشرًا بشرًا رسولًا؟ فيرجع الأمر إلى ما كان عليه. فإن قدر موصوف غير ذلك كان من بدل الغلط، ولا يستقيم في المعنى حمل القرآن عليه (٢). والله أعلم.
[إملاء ١٣٥]
[إعراب قوله تعالى: ﴿وأسروه بضاعة﴾]
وقال ممليًا على قوله تعالى: ﴿وأسروه بضاعة﴾ (٣):
يجوز أن يكون حالًا على معنى: وأسروه متجورًا فيه أو تاجرين (٤)، إما من
_________________
(١) من الجواب على الجرجاني.
(٢) وذكر أبو حيان أنه يجوز أن يكون مفعولًا لبعث، (وبشرا) حال متقدمة عليه. البحر المحيط ٦/ ٨١.
(٣) يوسف: ١٩.
(٤) أجازه النحاس في إعراب القرآن ٢/ ١٣٠، والزمخشري في الكشاف ٢/ ٣٠٩، ومكي بن أبي طالب في مشكل إعراب القرآن ص ٣٨٢، والعكبري في إملاء ما من به الرحمن ٢/ ٥١.
[ ١ / ٢٨٢ ]
الفاعل أو المفعول. ويحتمل أن يكون مفعولًا من أجله (١)، أي: كتموه لأجل تحصيل المال فيه لأنه كان على حال تقتضي التجارة كتمانة خوفًا من أن تمتد الإطماع من غيرهم لما كان عليه من الجمال. ولا يجوز أن يكون تمييزًا لأنه ليس من باب: عشرين، ولا من باب: حسن زيد وجهًا، لما يؤدي إليه من أن الأسرار كان لبضاعته لا له، وهو خلاف المعنى. والله أعلم.
[إملاء ١٣٦]
[تعلق "لكما" في قوله تعالى: ﴿إني لكما من الناصحين﴾]
وقال ممليًا على قوله تعالى، ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ (٢):
الظاهر في (لكما) في مثل هذا ونحوه أنه متعلق بـ (الناصحين) ونحوه، لأن المعنى عليه. ولا يرتاب في أن المعنى: أني من الناصحين لكما، وأن اللام إنما جيء بها لتخصيص معنى النصح بالمخاطبين. وإنما فر الأكثرون لما فهموا من أن صلة الموصول لا تعمل فيما قبل الموصول. والفرق عندنا أن الألف واللام لما كانت صورتها صورة الحرف المنزل جزءًا من الكلمة صارت كغيرها من الأجزاء التي لا تمنع التقدم، ففرق بينها وبين الموصولات لذلك، كما فرق بينهما بالاتفاق في جعل هذه الصلة اسم فاعل أو مفعول، لتكون مع الحرف كالاسم الواحد، ولذلك لم توصل (٣) بجملة اسمية لتعذر ذلك فيها، وهذا واضح ولا حاجة إلى التعسف. والفارون من ذلك اختلفوا فقال قوم: متعلق بما دل عليه (لمن الناصحين) كأنه قيل: إني لمن الناصحين لكما لمن الناضحين، فجعلوا (لمن الناصحين) المذكور تفسيرًا للمحذوف المتعلق
_________________
(١) ولم أر أحدًا ذكر هذا الوجه. وهو لا يبعد عن الصواب.
(٢) الأعراف: ٢١.
(٣) في "د": تصلح. وهو تحريف.
[ ١ / ٢٨٣ ]
(لكما) به. وقال قوم: متعلق بمحذوف مستقل كأنه قال: إرادتي لكما أو تخصيصي لكما، فكأنها عندهم جملة معترضة جيء بها لغرض التخصيص. وقال قوم: متعلق بما تعلق به قوله (من الناصحين) لأن (من الناصحين) واقع خبرًا متعلق بمحذوف باتفاق، فيتعلق أيضًا به (لكما)، كأنه قال: إني حاصل من الناصحين لكما، فيجعل المعنى أن اللام أوصلت معنى حصول النصح للمخاطبين، لا أنها متعلقة بالنصح، وكله تعسف لا حاجة إليه. والله أعلم.
[إملاء ١٣٧]
[معنى قوله تعالى: ﴿وما علمي بما كانوا يعملون﴾]
وقال ممليًا على قوله تعالى: ﴿قال وما علمي بما كانوا يعملون﴾ (١):
إن كان المراد بـ (الأرذلون) (٢) أصحاب الصناعات الخسيسة على معنى الاستهانة بهم لحاقرتهم عندهم باعتبار صنائعهم، فيكون معنى قوله: وما علمي، على معنى نفي أن يفيد العلم بالصنائع أحوال أصحابها وبواطنهم، أي: أن الصنائع لا اعتبار بها إذا كانت الديانة مستقيمة. ولذلك أعقبه بقوله: ﴿إن حسابهم إلا على ربي﴾. والحساب إنما يكون باعتبار أفعال الديانات، فنبه على أن المراد ذاك لا غيره. وإن كان المراد: واتبعك الأرذلون، باعتبار أفعال الديانات إما لأن صنائعهم دلت على ذلك في اعتقادهم على سبيل التحكم منهم، فيكون (وما علمي) نفيًا لما ادعوه، أي: أن ذلك غير معلوم لي فلا يكون معلومًا لكم، فكأنه رد عليهم ادعاءهم بعلم بواطنهم، وأعقبه بقوله: إن حسابهم إلا على ربي، تنبيهًا على أن ذلك مما لا يعلمه إلا الله (٣). والباء
_________________
(١) الشعراء: ١١٢.
(٢) في الآية السابقة وهي قوله تعالى: "قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون".
(٣) قال القرطبي في معناها: "أي لم أكلف العلم بأعمالهم، إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحرف والصنائع". ١ الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ١٢٠.
[ ١ / ٢٨٤ ]
متعلقة بـ (علمي). و(ما) استفهامية استعملت للإنكار على ما هو المعروف فيها عندهم. والله أعلم.
[إملاء ١٣٨]
[إعادة الجار والمجرور في قوله تعالىك ﴿يكفر بها ويستهزأ بها﴾]
وقال ممليًا على قوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم﴾ (١):
إنما أعيد الجار والمجرور في قوله: يكفر بها ويستهزأ بها، لأنه لو حذف من (٢) الثاني لم يكن مرتبطًا لوجوب الضمير في وما وقع مفعولًا ثانيا أو كالمفعول الثاني لـ (سمعتم)، ولو حذف من الأول لم يكن نصًا في أن الكفر متعلق بالآيات، لجواز أن يكون متعلق الأول غير متعلق الثاني، لأنك لو قلت: ضربت وأكرمت زيدًا، لم يتعين أن يكون متعلق الضرب زيدا، وإن كان هو الظاهر.
ووجه آخر وهو: أنهما وقعًا جميعًا في سياق ما يفتقر إلى الضمير (٣) فلزم لذلك في كل واحد منهما. ألا ترى أنك إذا قلت: زيد مررت به واستهزأت به، لم يحسن إلا بإعادة الضمير فيهما، لأن الفعل الأول هو الواقع خبرًا، فلابد من الضمير. والفعل الثاني معطوف عليه، ومن حكم كل معطوف أن يفتقر إلى ما افتقر إليه المعطوف عليه (٤). والله أعلم.
_________________
(١) النساء: ١٤٠.
(٢) من: سقطت من ن.
(٣) في د: المضمر.
(٤) قال الرضى: "إن كل حكم يجب للمعطوف عليه بالنظر إلى ما قبله لا بالنظر إلى نفسه يجب ثبوته للمعطوف، كما إذا لزم في المعطوف عليه بالنظر إلى ما قبله كونه جملة ذات ضمير عائد إليه لكونه صلة له لزم مثله في المعطوف، وكما إذا اقتضى ما قبله كونه نكرة كمجرور رب أو المجرور بكم وجب كون المعطوف كذلك". شرح الكافية ١/ ٣٢١.
[ ١ / ٢٨٥ ]
[إملاء ١٣٩]
[إعادة الاسم الظاهر بدلًا من الضمير في قوله تعالى: ﴿لما بين يديه من التوراة﴾]
وقال أيضًا ممليًا على قوله تعالى: ﴿وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقًا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقًا لما بين يديه من التوراة﴾ (١).
إنما أعيد لفظ التوراة لأمرين، أحدهما: التعظيم المعروف في مثل قوله: إلى الله، إن الله، وهو كثير. وقوله:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء (٢).
والثاني: رفع اللبس لأنه قد تقدم ما يجوز أن يعود الضمير إليه غير التوراة من الآثار والهدى والنور. فكان لفظ التوراة أدفع للبس. والله أعلم بالصواب (٣).
_________________
(١) المائدة: ٤٦.
(٢) سبق الكلام عنه في الإملاء (٢٨) من هذا القسم. ص: ١٥٣.
(٣) بعدها في نسخة الأصل: فرغ من نسخة صاحبة عبد الرحمن بن يحيى بن عمرو المذهبي التبريزي عفًا الله عنه ضحوة يوم الأحد ١٣ من ذي الحجة سنة ٦٨١ في مدينة دمشق المحروسة في الخافونية الجوانية.
[ ١ / ٢٨٦ ]