[ ٢ / ٦١٣ ]
[إملاء ١]
[توجيه إعراب كلمة في بيت للمتنبي]
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين.
نذكر في هذه الأوراق أبياتا جرت بحضرة الشيخ الإمام السعيد العلامة جمال الدين أبي عمرو بن الحاجب، فتكلم على معانيها وإعرابها من شعر العرب والمتنبي وغيرهما من الشعراء. فمن ذلك إملاؤه على قول المتنبي:
ولو قلما ألقيت في شق رأسه من السقم ما غيرت من خط كاتب (١)
قال بدمشق سنة تسع عشرة وستمائة: يروى بالرفع والنصب (٢)، ولكل وجه. ولكن النصب هو الوجه، لأن [لو] (٣) ههنا حرف شرط يقتضي الفعل
_________________
(١) البيت من البحر الطويل. وهو من قصيدة قالها في مدح أبي القاسم طاهر بن الحسين العلوي. انظر ديوان أبي الطيب التنبي بشرح أبي البقاء العكبري، المسمى بالتبيان في شرح الديوان١/ ١٤٩ (ضبطه وصححه ووضع فهارسه مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، عبد الحفيظ شلبي). ورواية الديوان: ولو قلم. والبيت من شواهد مغني اللبيب ١/ ٢٩٧ (دمشق). يقول: لشدة ضعفي نحلت حتى لم يبق لي جثمان، فلو ألقيت في شق قلم، لم يتغير بي خط كاتب. وهذا من مبالغات الشعراء.
(٢) أي: قوله: قلما.
(٣) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٦١٥ ]
لازما مثل "إن". كما يجب في مثل قولك: إن زيدا تضرب غلامه اضربه، النصب فكذلك ههنا. وهو من باب ما اشتغل فيه الفعل عن المفعول بضميره (١).
وإنما جاء وهم الرفع عند قائله من جهتين: منها: أنه لم يعد الفعل المفسر إلا بحرف الجر، ولم يدخل على المضمر العائد على الأول إلا بواسطتين. ومنها: وهو أظهرها إيهاما أنه جاء على صيغة ما لم يسم فأعله، فتوهم أنه مثل قولك: لو زيد ذهب به لكان كذا. أما كونه لم يعد بنفسه فليس بشيء، إذ لا فرق بين قولك في وجوب نصب: إن زيدا ضربته، وإن زيدا مررت به. وأما كونه لم يدخل على المضمر إلا بواسطتين فغير معتبر أيضا، وإنما المعتبر وجود الضمير معدى إليه الفعل، أو إلى ما يتعلق به بنفسه أو بواسطة حرف الجر. ألا ترى أنه لا فرق بين قولك: إن زيدا ضربته وإن زيدا ضربت غلامه. وأنما يجيء اللبس عند الضعفاء من جهة فهمهم أنه يقدر مثل ذلك الفعل كقولك: زيدا ضربته، أو ما في معناه من كل وجه كقولك: زيدا مررت به، لإمكان: جاوزت زيدا. وليس الأمر كما توهموه بل يقدر مثل الفعل إن أمكن، أو ما (٢) في معناه من كل وجه إن تعذر نفس الفعل، أو الملابسة إن تعذر الأمران مثل هذه المسألة التي نحن فيها وأشباهها.
وأما كونه جاء على ما لم يسم فاعله فليس بمستند، إذ لا فرق بين نصب: الدرهم أعطيتكه، وبين نصب: الدرهم أعطيته. وإنما المعتبر كون الفعل معدى إليه تعدي الناصب، وليس: زيد ذهب به، مثله لأن الفعل لم
_________________
(١) يجب النصب إذا وقع الاسم بعد ما يختص بالفعل، كأداة التحضيض نحو: هلا زيدا أكرمته. وأدوات الاستفهام غير الهمزة، وأدوات الشرط نحو: هل زيدا رأيته؟ وحيثما زيدا ألقيته فأكرمه. إلا أن هذين النوعين الأخيرين لا يقع الاشتغال بعدهما إلا في الشعر.
(٢) ما: سقطت من ب.
[ ٢ / ٦١٦ ]
يعد إليه تعدي الناصب، لأن الجار والمجرور في موضع رفع، فوجب الرفع لذلك. إذ شرط النصب كون الفعل معدى إلى المضمر أو إلى ما يتعلق به تعدي الناصب. نعم لو قلت: الثوب كسيته، لجاء جواز النصب. فكل موضع يجوز النصب فيه إذا طرأ فيه ما يوجب الفعل وجب النصب، فتبين أن النصب واجب في قوله: ولو قلما، على بقدير: ولو لابست قلما ألقيت في شق رأسه. ولو قيل: ولو قلم ألقي به وشبهه، لوجب الرفع، وكان مثل قولك: زيد ذهب به، لما تقدم من أن تعلق بما يتعلق بالضمير على غير وجه تعدي الناصب. ولو قيل: إنه ليس من هذا الباب، وإنما هو من باب ما حذف منه فعله لكثرته في الكلام كقولهم: ائتني بدابة ولو حمار، وشبهه. فيكون التقدير: ولو كان قلم، ويكون "ألقيت" في موضع رفع صفة لـ "قلم لا أنه جيء به لتفسير فعل محذوف، كأنه قيل: ولو كان قلم أنا ملقي قي شق رأسه لما غير (١). إلا أنه ليس بالكثير ولا بالظاهر في هذا، ولأن المفهوم من القائل: لو ألقيت في شق القلم، لا: لو كان قلم.
وقوله: من السقم، متعلق بـ "ألقيت"، لا بـ "غيرت" وإن (٢) كان المعنى يقوي "غيرت" لو ساعد الأمر اللفظي عليه. وعلى أن المعنى في تعلقه بـ " ألقيت" مستقيم. أما كونه لا يصح تعلقه بـ " غيرت" فلأن ما في حيز جواب الشرط لا يتقدم على الجواب. كما أن ما في حيز الشرط لا يتقدم عليه باتفاق. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: إن تضربني في الدار أحسنت إليك، على أن يكون " في الدار" متعلق بـ "أحسنت" بل تحكم قطعا بأنه متعلق بـ " تضربني"
_________________
(١) قال ابن هشام: " والرفع بتقدير فعل دل عليه المعنى، أي: ولو حصل قلم، أي: ولو لوبس قلم ". مغني اللبيب١/ ٢٩٨ (دمشق).
(٢) في الأصل: فإن. والصواب ما أثبتناه، لأن الفاء لا تصلح في مثله.
[ ٢ / ٦١٧ ]
فكذلك هذا. على أن ثم مانعا آخر وهو أن ما في حيز التفي لا يتقدم عليه، إلا أنه لا ينبغي أن يستمسك به ههنا لما وقع من الخلاف في مثله لتقدم الظروف عليه لاتساعهم فيها (١). وأما بيان أن المعنى يستقيم بتعلقه بـ " ألقيت" فمن جهة صحة تعليله به، لأن إلقاءه فيه إنما صح من أجل السقم الذي هو عليه، ولولا ذلك لم يمكن باعتبار الطريق الذي يقصده الشعراء في استعمال الأوهام. وجواب " لو" قوله: ما غيرت، واللام محذوفة (٢)، وحذفها سائغ فصيح في القرآن والشعر، كقوله تعالى: ﴿لو نشاء جعلناه أجاجا﴾ (٣). وقوله: من خط كاتب، مبالغة من وجهين: أنه أتى بـ " من" المشعرة بالتبعيض، كأنه قال: ما غيرت شيئا أصلا، أو بـ " من" الزائدة للتأكيد، وهي تقتضي تقوية ذلك المعنى. والثاني: أنه أتى بـ " كاتب" نكرة ليفيد التعميم في كل خط لكل كاتب، وهو أبلغ من أن يكون مختصا فيهما أو في أحدهما.
[إملاء ٢]
[معنى وإعراب بيت للمتنبي]
وقال ممليا على قول المتنبي [في سنة تسع عشرة] (٤):
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه (٥)
_________________
(١) انظر الإملاء (٤) من الأمالي القرآنية ص: ١١٤. وإعراب القرآن المنسوب للزجاج ١/ ٢٩٦
(٢) جواب (لو) إما مضارع منفي بلم، أو ماض مثبت، أو منفي بما. والغالب على الثبت دخول اللام عليه، والغالب على النفي تجرده منها. انظر مغني اللبيب ١/ ٣٠١ (دمشق).
(٣) الواقعة: ٧٠.
(٤) زيادة من ب، د.
(٥) البيت من البحر الطويل. وهو مطلع قصيدة قالها في مدح سيف الدولة أبي الحسن علي بن عبد الله العدوي. انظر الديوان٣/ ٣٢٥. وهو من شواهد الخصائص ٢/ ٤٠٣. وأمالي ابن الشجري ١/ ١٩٣. والمعني٢/ ٥٩٦ (دمشق). الطاسم: الدارس. والساجم: السائل. وأشجاه: أحزنه.
[ ٢ / ٦١٨ ]
الظاهر أنه أراد أن يخبر عن " وفاؤكما" بقوله: بأن تسعدا. أي: وفاؤكما حاصل بأن تسعدا. وقوله: كالربع، مقدم، والمراد به التأخير، متعلق إما بما تعلق به " بأن تسعدا" أي: حاصل بإسعادكما مثل حصول وفاء الربع بإسعاده بالشجا بسبب الطسم، وإما متعلق بالإسعاد، أي: وفاؤكما حاصل بإسعادكما إسعادا مثل إسعاد الربع بما ذكر، وإما بوفائكما وفاء مثل وفاء الربع بالطسم المعين على الشجا حاصل بأن تسعدا. وإما متعلق بمحذوف، على أن يكون خبر مبتدأ، أي: هو كالربع، إما إضمارا للوفاء، وأما إضمارا للاسعاد، وإما إضمارا للمخاطبين (١). وما ذكره ابن جني في معناه عن المتنبي يشعر بأن الباء وما في حيزها في قوله: بأن تسعدا، وهو الخبر عن " وفاؤكما" (٢). ويجوز أن يكون قوله: كالربع، خبر المبتدأ الذي هو " وفاؤكما"، وقوله: بأن تسعدا، متعلق بـ " وفاؤكما" (٣)، أي: وفاؤكما بالإسعاد مشبه للربع في وفائه بالطسم المعين على الشجا.
_________________
(١) قال ابن سيده. والباء في (بأن تسعدا) متعلقة بمحذوف، أي: وفاؤكما بالإسعاد، ولا تكون متعلقة بـ (وفاؤكما) الأولى. انظر: المشكل من شعر المتنبي ص٥٧ (تحقيق الأستاذ مصطفى السقا، الدكتور حامد عبد المجيد).
(٢) انظر الخصائص٢/ ٤٠٣.
(٣) ويروى أن ابن جني سأل المتنبي عن إعرابه فذكر له هذا الإعراب قال ابن المرشد سليمان بن علي المعري: " قال ابن جني: كلمته وقت القراءة في إعراب هذا البيت. فقلت له: الباء في (بأن) بأي شيء تتعلق؟ فقال بالمصدر الذي هو (وفاؤكما). فقلت له: فيم رفعت (وفاؤكما)؟ فقال: بالابتداء. فقلت له: فأين خبره؟ فقال: كالربع. فقلت له: هل يصح أن يخبر عن اسم قبل تمامه وقد بقيت منه بقية وهي الباء؟ فقال: هذا لا أدري ما هو إلا أنه جاء في الشعر له نظائر". انظر: تفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطيب المتنبي ص ٢٢٣ (تحقيق الدكتور مجاهد محمد محمود الصواف والدكتور محسن غياض عجيل).
[ ٢ / ٦١٩ ]
وقوله: أشجاه طاسمه، تقرير للمعنى الذي يكون به الربع معينا على الإسعاد وهو الاخبار عن كونه مشجيا إذا كان طاسما. وكلها تعسفات لما يلزم من تقديم متعلق المصدر عليه أو الفصل بين المبتدأ وخبره (١) بالأجنبي الذي هو: كالربع، على تأويل: أو أشجاه طاسمه، على كل تأويل. وقوله: والدمع أشفاه ساجمه، مما يقوي هذا المعنى، ويقرر أنه أراد بالإسعاد ما يعين على البكاء والشجا، فلذلك جعل غزارة الدمع شافية، فيقوي أن يكون المعنى بقوله عن الربع: أشجاه طاسمه، تقرير أن طسمه مسعد لكونه يؤدي إلى الشجا المتضمن لغزارة الدمع التي جعلها شافية، ولا إسعاد أبلغ مما يؤدي إلى الشفاء، وهذا يضعف من يزعم أن قوله: كالربع، خبر المبتدأ (٢)، على معنى أنه أهبر عن وفائهما بالإسعاد، أنه مثل الربع في دثوره وذهابه، أي: بعيد منكما داثر مبك لدثوره وعدمه كالربع في دثوره وإبكائه (٣).
[إملاء ٣]
[معنى وإعراب بيت للمتنبي]
وقال أيضا ممليا على قول المتنبي [بدمشق سنة عشرين] (٤):
جللا كما بي فليك التبريح أغذاء ذا الرشا الأغن الشيح (٥)؟
_________________
(١) في م: والخبر.
(٢) وهو ما نص عليه أبو البقاء. الديوان٣/ ٣٢٥.
(٣) قال ابن هشام: " ومعنى البيت: وفاؤكما ياصاحبي بما وعدتماني به من الإسعاد بالبكاء عند ربع الأحبة إنما يسليني إذا كان بدمع ساجم، أي: هامل، كما أن الربع إنما يكون أبعث على الحزن إذا كان دارسا". مغني اللبيب ٢/ ٥٩٧ (دمشق).
(٤) زيادة من ب، د.
(٥) البيت من البحر الكامل. وهو مطلع قصيدة يمدح فيها مساور بن محمد الرومي: انظرالديوان١/ ٢٤٣. التبريح: الشدة. الرشأ: ولد الظبية. الأغن: الذي في صوته غنة. الشيح: نوع من النبات يتخذ من بعضه المكانس، وهو من الأمرار، له رائحة طيبة وطعمه مر، وهو مرعى الخيل والنعم، ومنابته القيعان. اللسان (شيح).
[ ٢ / ٦٢٠ ]
الجلل من الأضداد للعظيم والحقير، ويعلم أنه ههنا للعظيم (١) في قصده بالقرينة، وهو منصوب على أنه خبر لـ " كان" قدم، و" كما" في موضع نصب خبرا بعد خبرا، أو نصبا على المصدر بقوله: جللا، أي: عظيما عظمة مثل عظمة (٢) ما بي. وحذف النون من " يكن" ضرورة لأنها في موضع تحريك (٣). وإنما يحسن حذفها إذا لم تكن كذلك كقولك: لم يك زيد قائما أما مثل: لم يكن الذين، فالحذف فيه ضعيف. ووجهه: أن الأصل السكون فحذفت لذلك، ولأن مجيء ما بعدها مما أوجب حركتها إنما كان بعد تحقق حذفها فبقيت على ما كان جائزا فيها. واللام في قوله: فليك، لام الأمر سكنت لاتصال الفاء بها وهو فصيح (٤). وتقديم الخبر في مثل ذلك ليس بالقوي وإن كان جائزا من جهة أن الجملة تضمنت لام الأمر وهي تقتضي صدر الكلام كما تقتضيه " لا" في النهي، و" ما"، وهمزة الاستفهام، وحروف التحضيض وما أشبه ذلك. فكان القياس أن لا يجوز كما لم يجز في بقية الأبواب. فلا يقال: زيدا ما ضربت، ولا
_________________
(١) في م: للتعظيم. وهو تحريف.
(٢) مثل عظمة: سقطت من د.
(٣) قال أبو البقاء: " فكان ينبغي أن لا يحذفها لكنه لم يعتد بالحركة في النون، لما كانت غير لازمة ضرورة". الديوان١/ ٣٤٣.
(٤) قال ابن هشام: " وحركتها الكسر، وسليم تفتحها، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها" مغني اللبيب ١/ ٢٤٥ (دمشق). وقال الرضي: " وهي مكسورة وفتحها لغة، وقد تسكن بعد الواو والفاء وثم. وهو مع الفاء والواو أكثر لكون اتصالهما بما بعدهما أشد لكونهما على حرف واحد، فصار الفاء والواو مع اللام بعدهما ككلمة وعلى وزن فخذ وكتف فتخفف بحذف الكسر. وأما ثم فمحمول عليهما لكونها حرف عليهما لكونها حرف عطف مثلهما" شرح الكافية ٢/ ٢٥٢.
[ ٢ / ٦٢١ ]
عمرا لا تقتل، ولكنه جاز فيه لما كان الأمر أكثره بصيغة الأمر الموضوعة له من غير حرف، فنزلوها منزلة الفعل الماضي والمضارع لما تجردت عن الحرف وكانت بنفسها هي الدالة على المعنى الذي دل عليه الحرف، ولذلك جاز: زيدا (١) ليضربه عمرو، ولم يجز: زيدا ما ضربه عمرو، لأنه يشترط في المنصوب المشتغل عنه الفعل بضميره صحة عمله فيه متقدما لو علق به. وأما إدخال الفاء في قوله: فليك: فللإشارة إلى أنه قد تقدم ما يرشد إلى المتقضي لهذا الأمر من أن يكون التبريح عظيما، تنبيها على عظم محبوبه وكونه في الغاية القصوى التي لا ينبغي أن يكون الحب له إلا كذلك، كقولك لمن تأمرو بالسفر بعد أن تقدم ما يرشد إلى مصلحة وقوعه: فسافر. ومثله: ﴿ففروا إلى الله﴾ (٢)، ﴿فسبحان الله﴾ (٣). والأمر بالتبريح لفظا، والمراد أصحابه، تنزيلا للمسبب منزلة السبب. والمراد: أمر أصحابه بتعظيم الحب الذي هو سبب لتعظيم التبريح، فيزل التبريح تلك المنزلة كقولك: لتكن الجنة مأواك، وإنما تريد أن تأمره بحسن العمل الذي هو سبب لكون الجنة مأواك (٤). وقوله: أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح؟ من جملة ما يعاب عليه في شعره. وقد روي أنه سئل عنه على وجه التعيير له فلم يجب بشيء. ووجهه أنه لما ذكر أن تبريحه عظيم، وأمر غيره بمثله دل ذلك على عظم محبوبه، فقصد إلى ذكرة
_________________
(١) في الأصل: زيد. والنصب أرجح لأن الفعل طلبي.
(٢) الذاريات:٥٠.
(٣) الأنبياء: ٢٢.
(٤) هكذا في جميع النسخ والصواب مأواه.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
التنبيه عليه بالإشارة، وأنه مشبه للرشأ حتى يشك رائيه في أنه من جنسه حقيقة، فيستفهم: أغذاؤه كغذائه حقيقة أم لا؟ أو يكون الاستفهام على سبيل الإنكار، أي: أن هذا الرشأ الذي بلغ هذا المبلغ في الحسن لا يكون كغيره مما يأكل الشيح وغيره (١). وهي جملة من مبتدأ وخبر. و"ذا" في موضع خفض بالإضافة إليه، و"الرشأ الأغن" صفة لـ " ذا".
[إملاء ٤]
[معنى بيت للمتنبي]
وقال أيضا ممليا على قول المتنبي [بدمشق سنة إحدى وعشرين] (٢):
منافعها ما ضرر في نفع غيرها تغذى وتروى أن تجوع وأن تظما (٣)
الظاهر أنه أراد أن هذه المرأة الممدوحة ينفعها ما يضر غيرها من الأمور الدنيوية لقلة اهتبالها بها واشتغالها بما ينفعها مما يعود عليها بالثناء في الدنيا والثوال في الآخرة. فغيرها يضره أن يجوع وأن يظمأ لا شتغاله بهذه اللذات الدنيوية وانشغاله بها. وهي لشرفها غذاؤها وريها جوعها وعطشها. أي: يقوم الجوع والعطش عند اشتغالها بما يهمها مقام الغذاء والري عند المهتبلين بأمر دنياهم (٤).
_________________
(١) قال أبو البقاء: " وكأن أبا الطيب قال: ليكن تبريح الهوى عظيما مثل ما حل بي، أتظنون من فعل بي هذا الفع غذاؤه الشيح، ما غذاؤه إلا قلوب العشاق". الديوان١/ ٢٤٤.
(٢) زيادة من ب، د س.
(٣) البيت من البحر الطويل. وهو من قصيدة قالها يرثى فيها جدته لأمه. انظر الديوان٤/ ١٠٣.
(٤) قال ابن سيده: " أي: أن ضرها لنفسها منقعة لها إذا جر ذلك نفعا لغيرها تغوثا بالمجد واحتساب الأجر". المشكل من شعر المتنبي ص١١٠.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وقوله: تغذى وتروى، فعلان مضارعن، أي: يحصل لها ما يقوم مقام ذلك بأن تجوع وأن تظمأ، فحذف الباء من " أن" وذلك جائز. ويجوز أن يكون معناه: أنه ينفعها ما يضرها لكونه ينفع غيرها، فتشتغل في نفع غيرها بما يضرها وترى أنه نفع لها لإيصالها الراحة لغيرها. أي: تسعى في منافع الناس وإن كان ذاك يضؤ بها. ثم أوضح بأن قال شيئا كالمثال وهو أنها ترى أن جوعها وظمأها إذا كان بسبب سعيها غذاء وري. وهو من أبياته الضعيفة المعنى.
[إملاء ٥]
[توهم المتنبي أن " ما" تقع للتشبيه]
وقال ممليا على قول المتنبي [بدمشق سنة إحدى وعشرين] (١):
أمط عنك تشبيهي بما وكأنما فما أحد فوقي ولا أحد مثلي (٢)
الظاهر أن قوله: بما، يتعلق بـ " تشبيهي"، فيلزم أن تكون "ما" للتشبيه مثل " كأنما". ولعله توهم أن " ما" في قولهم: ما أشبهه بكذا، للتشبيه مثل " ما" في قولهم: كأنما هو كذا. وليس المر على ما توهم. ولا تعرف " ما" للتشبيه، وما ذكرته مما توهمه غلط محض (٣). فإن التشبيه إنما فهم من لفظ " أشبه"،
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) البيت من الطويل وهو من قصيدة قالها في صباه. انظر الديوان ٣/ ١٦١ وفيه: وكأنه، بدلا من: وكأنما.
(٣) قال ابن سيدة: " (ما) ليست بلفظة تشبيه بمنزلة (كأن). وإنما استجازها في البشبيه لأنه وضع الأمر على أن قائلا قال: ما يشبه؟ فقال له المسؤول: كأنه الأسد، كأنه السيف. فكأن هذه التي للمسؤول إنما سببها (ما) التي للسائل، فجاء هو بالسبب والمسبب جميعا، وذلك لا صطحابهما. وقد يجوز أن تكون (ما) هنا بمعنى الجحد، فجعلها اسما وأدخل الحرف عليها، كأنه سمع قائلا يقول: ما هو إلا الأسد، وفي هذا معنى التشبيه، أي: مثل الأسد". انظر: المشكل من شعر المتنبي ص٣٨.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
و" ما" للتعجب (١) لا للتشبيه. وهذا من أبياته التي يتجرأ على مثلها من غير روية وتمييز. ثم أتم البيت بما يقرر معنى نفي تشبيهه بفوله: فما أحد مثلي. يعني: إنما يشبه بالشيء إ ذا كان دونه أو مثله. وإذا كان الشيء لا شيء فوقه ولا شيء مثله امتنع تشبيهه (٢).
[إملاء ٦]
[معنى وإعراب بيت للمتنبي]
وقال أيضا ممليا على قول المنتبي [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (٣):
أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا والبين جار على ضعفي وما عدلا (٤)
يجوز أن يكون " أحيا" فعلا مضارعا حذف منه همزة الاستفهام للإنكار. وبقديره: أأحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا؟ أي: كيف أحيا وهذه حالي؟ فيكون قوله: وأيسر ما قاسيت، جملة في موضع الحال، أو جملة معطوفة قرر بها الجهة التى من أجلها أنكر الحياة ونفاها. لأنه إذا كان أيسر ما لقيه قاتلا، كان غير حي.
_________________
(١) ونقل أبو البقاء عن الربعي عن النتنبي أنه أراد هذا المعنى. الديوان ٣/ ١٦١.
(٢) قال أبو البقاء في معناه: "يقول: لا تشبهني بأحد، ولا تقل: كأنه وما مثله، فأنا ما فوقي أحد، فلا تشبهني بشيء" الديوان ٣|١٦١.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) هذا البيت من البسيط وهو مطلع قصيدة يمدح فيها سعيد بن عبد الله بن الحسين الكلابي. انظر الديوان ٣|١٦٢ هو من شواهد المعني ١/ ٧ (دمشق)، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٣٠.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
ويجوز أن يكون " أحيا" من باب أفعل التفضيل حذف المضاف إليه استغناء عنه بما عطف عليه مما شرك بينه وبينه فيه. كأنه قال: أحيا ما قاسيت وأيسر ما قاسيت، فحذف المضاف إليه من الأول استغناء عنه بالثاني، أو حذف المضاف إليه من الثاني استغناء عنه بالأول، ثم أخر ليعتمد الناني عليه من حيث اللفظ كما في قولك: نصف وربع درهم، وكقوله:
إلا علالة أوبداهة سابح (١)
ويكون مبتدأ، خبره " ما قتلا" إن كانت " ما" في: ما قاسيت، بمعنى الذي على القول بأن أفعل التفضيل يكتسب التعريف بالإضافة (٢)، وعلى القول بأن المعرفة تتعين بتقدمها للابتداء وإن كانت مشتقة. أو يكون خبرا مقدما على القول بأن أفعل التفضيل لا يكتسب تعريفا بالإضافة، وعلى القول بأن المشتق يتعين للخبر وإن كان معرفة ومقدما. فإن كانت " ما" بمعنى شيء فخبر مبتدأ باتفاق. وأما " أحيا" باعتبار المعنى فيجوز أن يكون مأخوذا من: حيي الشيء، إذا كانت فيه حياة. كأنه قال: أظهر شيء فيه حياة مما قاسيته يقتل. ويجوز أن
_________________
(١) البيت بتمامه: إلا علالة أو بداهة قارح نهد الجزارة وهو من مجزوء الكامل وقائله الأعش. انظئ ديوانه ص١٥٩ (تحقيق الدكتور محمد حسين). والبيت من شواهد سيبويه١/ ١٧٩. والمقتضب٤/ ٢٢٨. والخصائص ٢/ ٤٠٧. البداهة: أول جري الفرس، والعلالة: جرى بعد جريه الأول، والقارح: من الخيل الذي بلغ أقصى أسنانه، والجزارة: الرأس والقوائم. والنهد: العظيم. والشاهد فيه الفصل بين المضاف والمضاف إليه باسم يقتضي الإضافة أيضا وهو (بداهة). فأنزلا منزلة اسم واحد مضاف.
(٢) قال سيبويه: " وإنما أثبتوا الألف واللام في قولهم: أفضل الناس، لأن الأول قد يصير به معرفة". الكتاب ١/ ٢٠٤.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
يكون مبنيا من: أحييته، إذا جعلته حيا، كأنه قال: أظهر شيء يحيى مما قاسيته يقتل، والمقصود يحصل من المعنيين جميعا. وأما قوله: والبين جاؤ على ضعفي، فمبتدأ خبره " جار"، وهو يقوي الوجه الثاني، لأن الوجه الأول الذي أنكر فيه كونه حيا لا يحسن أن يذكر بعده أن البين جار على ضعفه. وبالتقدير الثاني لا يلزم ذلك، لأنه لم يتعرض إلا لشدة ما قاسى، وأن غيره يهلك. بأقله، لا أنه هلك. وإنما أشار فيه إلى صبره وقوته على ما لقيه.
[إملاء ٧]
[معنى وإعراب بيت للمتنبي]
وقال ممليا على قول المتنبي [بدمشق] (١):
أمن ازديارك في الدجى الرقباء إذ حيث كنت من الظلام ضياء (٢)
معناه: أن الرقباء حكموا بانتفاء ما يخافونه من حصول زيارتك في الدجى لما اشتملت عليه من النور الذي يظهر زوارك لو زاروك، فهم يمتنعون من زيارتك لذلك، كما يمتنعون من زيارتك في النهار، فأمنوا لذلك (٣). وإعرابه: أمن: فعل ماض، ومعناه: حصول المعنى المنافي للخوف أو عدم الخوف. يقال: أمنت كذا، إذا لم تخش منه، وإن كان واقعا. وأمنت
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) البيت من البحر الكامل وهو مطلع قصيدة قالها في مده أبي علي هارون بن عبد العزيز الأوراجي الكاتب، وكان يذهب إلى التصوف. انظر الديوان١/ ١٢.
(٣) قال أبوالبقاء في معناه: " يريد أن الرقباء قد أمنوا أن تزريني ليلا لأنك بدل من الضياء في الليل، لأن نورك يزيل الظلمة، كما يزيلها نور الصباح". الديوان١/ ١٢.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
كذا، إذا حكمت بانتفاء وقوعه، وهو مما يخاف على تقدير وقوعه، بمعنى قوله تعالى: ﴿أفأمنوا مكر الله﴾ (١). والظاهر أنه أراد المعنى الثاني، وإن كان الأول جائزا أن يقدر، ويكون المعنى: أن الازديار ولو قدر وقوعه لا يخاف منه من أمر يكره لما اشتملت عليه من الضياء المتقدم ذكره. لكنه ليس المعنى المقصود المتداول فيما ييقصده الشعراء في هذا المعنى. وازديار: مقعول بـ: " أمن". يقال: زاره وازداره، والأصل فيه: ازتيره، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقلبت التاء دالا لوقوعها مع الراي، وعدل إلى " ازدار" لأنه أبلغ في المعنى المقصود. قال سيبويه: افتعل، يكون للتصرف والطلب. وقال: أما كسبت فإنه يقول: أصبت، وأما اكتسبت فإنه للتصرف والطلب (٢)، وعليه قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ (٣). فأتى بـ " كسبت" في الحسنات، وأتى بـ " اكتسبت" ي السيئات. والمعنى: أن الأتل في الحسنات معتد به ولا يعتد له في السيئات الأقل، ولذلك عدل إلى " اكتسب"، فهو من لطيف المعنى لطفا منه سبحانه ورحمة. و" في الدجى": متعلق بـ " ازديارك" لا بـ " أمن"؛ لأنه لو تعلق بـ " أمن" لكان المعنى بقييد الأمن بزمان الظلام وهم آمنون في كل وقت من زيارتها في الظلام. وإذا تعلق بـ " ازديارك" قيد الزيارة المأمونة بأنها في الظلام وهو المقصود. ولا يقال: إنه يفهم منه أن زيارتها في غير الظلام غير مأمونة. فإنه يجاب عنه: أن ذلك كالمعلوم من باب الأولى. والرقباء: قاعل بـ " أمن"، وهو جمع رقيب كشهيد وشهداء وكريم وكرماء، هو كثير.
_________________
(١) الأعراف: ٩٩.
(٢) قال سيبويه: " وأما كسب فإنه يقول: أصاب. وأما اكتسب فهو التصرف والطلب". الكتاب ٤/ ٧٤.
(٣) البقرة: ٢٨٦.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
و" إذ": الظاهر أنه أراد بها التعليل، تقول: ضربتك إذ ضربتني. ومنه قوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم﴾ (١)، أي: من أجل ظلمكم، أو لأنكم ظلمتم. ويجوز أن يراد بها الظرف على تأويل سيأتي ذكره. و" حيث": يجوز أن يكون خبر المبتدأ [الذي] (٢) هو: ضياء أي: إذ الضياء في كل موضع حللت فيه. ويجوز أن يكون مبتدأ على المبالغة. و" ضياء" خبره، أي: إذ المكان الذي تحلين فيه ضياء، أو على تأويل: ذو ضياء. و" كنت": هي كان التامة، أي: وجدت وحصلت. و"من الظلام": يجوز أن يكون متعلقا بمحذوف متعلق بـ "حيث" لبيان الجنس، أي: إذ المواضع التي تحلين فيها التي هي مواضع الظلام. فيقدر حذف مضاف، أو يجعل الظلام كأنه للموضع، أو تجعل الأمكنة كأنها ظلام. ومثل هذا الجار متعلقه صفة لما هو بيان له، أي: إذ الأمكنة التي تحلين بها الحاصلة من مواضع الظلام. ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف متعلق بـ " ضياء"، أي: إذ حيث كنت ضياء من الظلام، أي: حاصل عنه، أي: عوضا منه من قولك (٣). فيكون صفة لـ "ضياء" في الأصل ثم قدم، فقدر نصبا على الحال. ويجوز أن يكو متعلقا بـ " كنت" لأنها كان " التامة"، أي: إذ حيث حللت من مواضع الظلام ضياء. ويجوز أن تكون " إذ" ظرفا على بابها بدلا من قوله: في الدجة، أي: أمن
_________________
(١) الزخرف: ٣٩. انظر: الإملاء (٢٢) من الأمالي القرآينة، والخصائص٣/ ٢٢٤، والكشاف٣/ ٤٨٩، وإملاء ما من به الرحمن٢/ ٢٢٧، ومغني اللبيب١/ ٨٧ (دمشق).
(٢) زيادة من عندي حتى يستقيم المعنى.
(٣) وجد هذا القدر خاليا في الأصل وفي النسخ الأخرى.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
ازديارك في الدجى، في الزمن الذي حيث تحلين فيه من الظلام ضياء. فيجوز أن يكون " من الظلام" على هذا التأويل لبيان " إذ"، أي: في الزمان الذي هو الظلام الذي حيث حللت فيه ضياء.
[إملاء ٨]
[جواب عن إشكال في بيت للمتنبيٍ]
وقال ممليا على قول المتنبي [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (١):
عجز بحر فاقة ووراءه رزق الإله وبابك المفتوح (٢)
وجه الإشكال فيه: أن المعنى على أن يكون " فاقة" مبتدأ و"عجز بحر" الخبر. فيؤدي إلى أن يكون ابتداء بالنكرة من غير شرط من شرائط التصحيح (٣) وهو غير مستقيم. ولا يستقيم أن يقال: إن " عجز" هو المبتدأ، و"فاقة" هو الهبر، لأنه لم يرد أن العجز بالحر فاقة، وإنما أراد أن الفاقة وأنت موجود عجز. فلو جعل " العجز" مبتدأ لأدى إلى أن يكون كل عجز فاقة، ولم يرده ولا ينبغي أن يراد. وإذا جعل "الفاقة" مبتدأ كان المعنى على أن كل فاقة عجز، لأنه لو أتى إليك لأزلتها، فصارت في الحقيقة عجزا عن الحضور إلى بابك، وهو مراده، والمعنى عليه.
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) البيت من البحر الكامل وهو من قصيدة يمدح فيها مساور بن محمد الرومي. انظر الديوان ١/ ٢٥٤. الفاقة: الفقر، وراءه: قدامه. قال أبوالبقاء في معناه: " يرديد: أن من العجز أن يقاسي الحر فاقة، وهي الفقر، ولا يطلب الرزق من الله، ويقصد بابك الذي لا يحجب غنه أحد، لن الله تعالى قد وسع بك الرزق على الناس، فمن لم يقصدك طالبا للرزق فذلك لعجزه". الديوان١/ ٢٥٤.
(٣) وذلك إذا دلت على عموم نحو: ما رجل في الدار، أو دلت على خصوص نحو: رجل صالح جاءنا.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
والجواب من وجوه: أحدها: أنه أراد: كل فاقة عجز، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فكان فيه مصحح تقديري لا بعد في تقديره، مع أن المعنى عليه، ويندفع الإشطال بذلك ويستقيم المعنى على الوجه المفهوم من قصد الشاعر. والثاني: أن يكون " بحر" من تتمة فاقة، كأنه أراد: فاقة بحر، ثم قدم، فيكون المصحح صفته، وهي من جملة المصححات، الثالث: أن يكون " عجز" خبر مبتدأ محذوف، أتى به مبهما لتعظيم الأمر، كأنه قال: هو عجز، ثم فسره بقوله: فاقة، فتكون " فاقة" بدلا من المضمر المفسر، أو خبر مبتدأ محذوف، والجملة تفسير للضمير المحذوف، كأن سائلا سأله عنه فقال: هو فاقة. وأما قوله: ووراءه، فجملة في موضع الحال، وجاءت الواو فيها لأنها جملة اسمية تلزمها الواو على الأفصح (١)، وهي حال إما من المستكن في "بحر" بقديره: الفاقة عجز بحر في هذه الحال، أو فاقة حاصلة بحر في هذه الحال عجز، على التقديرين المتقدمين. وإما من " حر" على تقديى أن يكون المراد وضعه موضع الجنس وهو المراد، كما وضع المعرفة موضع النكرة في قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني (٢)
ويجوز أن تكون حالا من " فاقة" على تقدير أن يكون المعنى: كل فاقة باعتبار المعنى المقدر، كأنه قال: كل فاقة حاصلة عن عجز بالحر ووراءه رزق الإله. إذ لم يرد أن الفاقة هي العجز، وإنما أراد أنها عنها، ثم أخبر بها عنها
_________________
(١) ولا يجوز طرحها إلا في الشذوذ كقولهم: كلمته فوه إلى في. المفصل ص٦٤.
(٢) هذا صدر بيت من الكامل وعجزه: فمضيت ثمت قلت لا يعنيني. وهو من شواهد الكتاب٣/ ٢٤ وقد نسبه سيبويه لرجل من بني سلول. والكامل ٢/ ٧١، والخصائص٣/ ٣٣٠، وأمالي بن الشجري ٢/ ٣٠٢. والشاهد قوله: اللئيم، حيث وضع المعرفة موضع النكرة، لنه لا يقصد لئيما معينا.
[ ٢ / ٦٣١ ]
تجوزا للمبالغة، والضمير في " وراءه" لا يمنع من ذلك، لأن المصحح للحال إنما هي الواو، فتكون لما قصده المتكلم لا لما فيها ضميره. إذ قد يكون الضمير فيها وهي حال من غير صاحبه كقولك: ضربت رجلا وأبوه قائم، فإنه حال من التاء في: "ضربت" لا من "رجل" وإن كانت مشتملة على ضمير رجل عرية عن ضمير صاحب الحال، لأن المصحح هو الواو، ولا أثر للضمير في صحة تصحيح ولا تعيين.
[إملاء ٩]
[معنى وإعراب بيت للمتنبي]
وقال ممليا على قول المتنبي [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١):
ترابه في كلاب كحل أعينها وسيفه في جناب يسبق العذلا (٢)
يجوز أن يتعلق " في كلاب" بالمعنى في قوله: ترابه، على معنى: تراب غاراته في كلاب، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. أو أراد بالتراب الغارات لملازمتها لها (٣). ويجوز أن يتعلق بالمعنى في قوله: كحل أعينها، أي: ملازم للأعين في كلاب، فلما قدم " في كلاب" أعاد الضمير عليه في قوله: كحل أعينها. ويجوز أن يتعلق بما دل عليه " كحل" من المصدر، أي: كحل الأعين في كلاب، تعلق الجار بالمصدر، ثم أضمر على ما تقدم. ويجوز أن يتعلق بمثل المحذوف المقدر، أي: ترابه مماثل لكحل الأعين في كلاب، ثم قدم وأضمر، والمعنى موافق لجميع ذلك.
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) البيت من البحر البسيط وهو من قصيدة قالها في مدح سعيد بن عبد الله بن الحسين الكلابي. انظر الديوان ٣/ ١٦٧. كلاب وجناب: قبيلتان. الأولى قبيلة الممدوح والثانية قبيلة عدوه.
(٣) لها: سقطت من د.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
أما " في جناب" فيجوز أن يتعلق بما دل عليه سيفه، إذ المراد سيف قتله، أو المراد بالسيف القتل. ويجوز أن يتعلق بـ " يسبق" أي: يسبق العذل في هذه القبيلة المخصوصة مشيرا إلى المثل السائر: " سبق السيف العذل" (١). والمعنى: أن غاراته لا تفتر عن كلاب، وأن قتله مسرع في جناب، حتى بلغ أن يقال عنده المثل السائر: "سبق السيف العذل". و" ترابه": مبتدأ، خبره "كحل"؛ وإن صح الخفض في " كحل" فهو بدل من " كلاب"، بدل الاشتمال، أي: ترابه في كحل أعينها، ويكون تعلق الجار بمحذوف إذ هو خبر المبتدأ، أي: ترابه كائن في كحلها. ويجوز أن يكون "في كلاب" و" في جناب" خبران، ويكون " كحل أعينها" جواب سائل (٢) سأل عن معنى كونه في كلاب، فقال: هو كحل أعينها، ويكون "يسبق العذلا" أيضا جوابا لسائل سأل عن جهة استقراره في جناب [لتعدد الوجوه فأجيب بـ "يسبق العذلا". وهي جملة مستقلة فلا تحتاج إلى إضمار. ويجوز أن يكون "يسبق" حالا من المضمر في الخبر الذي هو كائن في جناب] (٣) على هذه الحال بخلاف الأول، إذ لايستقيم أن يكون الأول كذلك لكونه مفردا يحتاج إلى تقدير مبتدأ وإلى تقدير الواو فيبعد ذلك منها. وإنما اختير في " يسبق العذل" الوجه الأول ليطابق الصدر في كونه قدر جوابا على تقدير أن يكون الجاران خبرين.
_________________
(١) قاله ضبة بن أد، لما لامه الناس على قتله قاتل ابنه في الحرم. انطر مجمع الأمثال ١/ ٣٢٨.
(٢) في ب، د: جوابا لسائل.
(٣) مابين القوسين المعقوفين زيادة من ب، د. والظاهر أنه سقط بسبب انتقال النظر.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
[إملاء ١٠]
[القياس إبراز ضمير الشأن، وحذفه شاذ]
وقال ممليا على قول الشاعر العربي:
فليت كفافا كان خيرك كله وشرك عني ما ارتوى الماء مرتو (١)
قال: في "ليت" ضمير الشأن وهو موضع الاستشهاد، وحذفه شاذ لأنه ضمير منصوب، فالقياس إبرازه، وحذفه ضعيف كقولك: إن من يكرمني أكرمه، بالجزم. ولايستقيم أن يكون "كفافا" اسما لـ "ليت" لأنه نكرة فلا يصلح، ولو صلح لم يستقم المعنى، لأن قوله: كان خيرك، وما بعده، لايصلح خبر. وهو منصوب خبر "كان" مقدما عليها، وفيه بعد ذلك وجهان: أحدهما: أن يكون خبرا باعتبار الخير والشر معا، أي: ليت خيرك وشرك بالنسبة إلي لا يفضل أحدهما على الآخر، لأن الكفاف هو الذي ليس فيه فضل. يريد أن شرك زائد على خيرك، فأنا أتمنى لو كان غير زائد. وعلى هذا يكون " مرتو" فاعل " ارتوى"، أي: ما شرب الماء شارب، أي: جميع الدهر، أي: ارتوى من الماء. ويجوز أن يكون " كفافا" خبر "كان" باعتبار خيرك خاصة، على معنى: أنه ما بلغ ذلك إلى أن يكون فيه كفاف، كما تقول: ليت نفقتك كفاف، أي: ليتها مقدار الحاجة، تريد أنها أنقص، فكذلك ههنا. ويكون " شرك" معطوفا بخبره لا بإفراده على الجملة الأولى كما تقول: كان زيد قائما وعمرو قاعدا. ويكون خبر " وشرك" مرتو، كأنك قلت: ليت خيرك يحصل منه كفاف وليت
_________________
(١) هذا البيت من الطويل وقائله يزيد بن الحكم الثقفي من قصيدة يقولها في عتاب ابن عمه عبد الرحمن بن عثمان بن أبي العاص. وهو من شواهد الإنصاف١/ ١٨٤. والمغني ١/ ٣٢٠ (دمشق). والرضي ٢/ ٣٦٣. وأمالي القالي ١/ ٢٨. وأمالي ابن الشجري ١/ ١٨٢. ويروى برفع (الماء) ونصبه. وقد أوضح المؤلف ذلك.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
شرك منكف (١)، فوضع " مرتو" موضع "منكف"، لأن المرتوي من الشيء منكف عنه، ويكون الماء على هذا التأويل مرفوعا (٢) بتأويل حذف المضاف، أي: ما ارتوى شارب الماء. فأنت في الأول عطفت مفردا على مفرد وهو: شرك على خيرك، وأخبرت عنهما بـ " كفافا". وفي الثاني عطفت جملة على جملة أخبرت عن كل مفرد منهما بخبر خاص. وكان القياس على هذا الوجه أن يكون مرتويا لأنه خبر لـ "كان" باعتبار العطف كما تقول: كان زيد قائما وعمرو منطلقا، ولكنه جاء على خلاف القياس للضرورة. ولا يجوز أن يكون مبتدأ وخبرا، كقولك: كان زيد قائما وعمرو منطلق لفساد المعنى، لأنه يكون حينئذ جملة مستقلة منقطعة عن التمني في المعنى مثلها في قولك: ليت زيدا قائم وعمرو منطلق، لأن عمرا منطلق، في مثل ذلك، مثبت له الانطلاق غير داخل في حيز التمني بخلاف: ليت زيدا قائم وعمرا منطلق. وإذا ثبت ذلك كان جعلك: وشرك مرتو، مرفوعا على الابتداء يوجب أن تكون مخبرا بإثبات ذلك فيوجب إخباره بأن شره منكف، فيفسد المعنى، إذ المعنى فيه: أن شره زائد وأنه يتمنى أن لا يكون كذلك، فكيف يحمل على وجه يثبت ما مقصود المتكلم نفيه؟
[إملاء ١١]
[توجبه إعراب كلمة في بيت ينسب للعجاج]
وقال ممليا على قول الشاعر [سنة ثماني عشرة] (٣):
ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا (٤)
_________________
(١) في الأصل: منكفا. وهو سهو.
(٢) في الأصل وفي ب، د، م: مرفوع، وهو خطأ واضح.
(٣) زيادة من ب.
(٤) هذا البيت من البحر الكامل وينسب للعجاج، انظر ملحقات ديوانه ٢/ ٢٨٥. وهو من شواهد المغني١/ ٣٥٢ (دمشق)، وأمالي ابن الشجري ١/ ٥٦، والكشاف ٣/ ٣٧٣ والصفون: أن تقف الدابة على ثلاث. اللسان (صفن).
[ ٢ / ٦٣٥ ]
هذا البيت يوهم أن " كسيرا" خبر (١) لـ " كأن" في المعنى، إ ذ يسبق إلى الفهم أنه شبهه لشدة رفعه إحدى قوائمه بكسير، وإن قوله: مما يقوم على الثلاث، تقرير لسبب تشبيهه به، فكأنه قال: كأنه كسير من أجل دوام قيامه على الثلاث. ويلزم على هذا أن يكون نصب "كسير" لحنا، فينبغي أن يطلب له وجه يصح في الإعراب ولا يخل بالمعنى. فنقول: إنما أخبر بقوله: مما يقوم، و"ما" بمعنى الذي، فكأنه قال: كأنه من الخيل التي تقوم على الثلاث كسيرا، فيكون " كسيرا" حالا من الضمير في "يقوم"، وذكر. "يقوم" إجراء له على لفظ "ما"، فشبهه بالخيل التي تقوم على ثلاث في حال كونها مكسورا إحدى قوائمها، فاستقام المراد على هذا. ووجب نصب " كسيرا" باعتباره على الحال. ولا يستقيم أن يكون "كسيرا" خبرا لـ " يزال" (٢)، لأنك إذا جعلته خبرا لـ "يزال" فلا يخلو إما أن تكون "ما" في " مما يقوم" مصدرية كما قدرت أولا، أو بمعنى الذي كما قدرت ثانيا. فإن جعلتها مصدرية بطل لوجوه: أحدها: أن "كأن" تبقى بلا خبر، إذ "مما يقوم" لا يصلح أن يكون خبرا لفوات الفائدة فيه. والثاني: أن "كأن" تبقى غير مرتبطة بشيء. والثالث: ما يلزم من أنه حكم عليه بالكسر وليس كذلك. ويجاب عن الثالث بأنه (٣) يكون التقدير شبه كسير.
_________________
(١) في الأصل: خبرا، وهو سهو.
(٢) جوز ابن هشام هذا الوجه وجعله أولى من الوجه الأول. قال: " والجواب أنه خبر ليزال، ومعنا كاسر، أي ثان، كرحيم وقدير، لا مكسور ضد الصحيح كجريح وقتيل، وما مصدرية، وهي، وهي وصلتها خبر كأن، أي: ألف القيام على الثلاث فلا يزال ثانيا إحدى قوائمه حتى كأنه مخلوق من قيامه على الثلاث. وقيل: ما بمعنى الذي، وضمير (يقوم) عائد إليها، و(كسيرا) حال من الضمير، وهو بمعنى مكسور، وكأن ومعمولاها خبر يزال، أي: كأنه من الجنس الذي يقوم على الثلاث. والمعنى الأول أولى". مغني اللبيب ١/ ٣٥٢ (دمشق).
(٣) في ب، س: بأنس.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
وإن كانت "ما" تعنى الذي فسد لما يؤدي إليه من اختلال المعنى، وذلك أن " كسيرا" يكون خبرا لـ "يزال" فيكون المعنى: فما يزال كسيرا على الحقيقة أو شبه كسير. ثم قوله: كأنه من التي يقمن على الثلاث، تشبيه للشيء بشيء آخر هو على حاله، لأنه على هذا لأنه على هذا إنما شبهه بالخيل التي تقوم على الثلاث، فصار قائلا: كأن هذا القائم على الخيل القائمة على ثلاث، لخروج " كسيرا" عن حيز " كأن" ودخوله في حيز "ما يزال". هذا إن جعلت " كسيرا" و"كأنه" خبرا بعد خبر. فإما إن لم تجعله كذلك فسد لذلك، ويكون "كأن" مع ما في حيزها تخرج عن الربط بما هو معها، وذلك فاسد.
[إملاء ١٢]
[توجيه إعراب كلمة في بيت ينسب لأبي نواس]
وقال ممليا [بالقاهرة] (١) على قول الشاعر:
غير مأسوف على زمن ينقضي بالهم والحزن (٢)
لايصح أن يكون له (٣) عامل لفظي. وإذا لم يكن له عامل لفظي فإما أن يكون مبتدأ وإما أن يكون خبر مبتدأ. ولايصح أن يكون مبتدأ لأنه لا خبر له، لأن الخبر إما أن يكون ثابتا أو محذوفا، الثابت لا يستقيم لأنه إما " على زمن"، وإما " ينقضي"، وكلاهما مفسد للمعنى. وأيضا فإنك إذا جعلته مبتدأ لم يكن بد من أن تقدر قبله موصوفا (٤)، وإذا قدر قبله موصوف (٥) لم يكن بد من أن تكون
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) هذا البيت من البحر المديد وينسب لأبي نواس، وليس في ديوانه (تحقيق وضبط وشرح أحمد عبدالمجيد الغزالي). وهو من شواهد الرضي ١/ ٨٧، والهمع ١/ ٩٤، والمغني ١/ ١٧١ (دمشق).
(٣) الضمير في (له) يعود على (غير) المذكورة في بداية البيت.
(٤) في الأصل وفي ب، د: موصوف، وهو خطأ، لأنه مفعول به.
(٥) وإذا قدر قبله موصوف: سقطت هذه العبارة من د.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
"غير" له، و" غير" ههنا ليست له وإنما هي " لزمن"، ألا ترى أنك لو قلت: رجل عيرك مربي، لكان في " غيرك" ضمير عائد على رجل. ولو قلت: رجل غير متأسف على امرأة مربي، لم يستقم، لأن " غير" ههنا لما جعلته في المعنى للمرأة خرج عن أن يكون صفة لما قبله. ولو قلت: رجل غير متأسف عليه مربي، جاز لأنها في المعنى للضمير، والضمير عائد على المبتدأ، فاستقام، فتبين أنه لايكون مبتدأ لذلك. وإن جعل الخبر محذوفا لم يستقم لأمرين: أحدهما: أنا قاطعون بنفي الاحتياج إليه. والآخر أنه لا قرينة تشعر به. ومن شرط صحة حذف الخبر وجود القرينة. وإن جعل خبر مبتدأ لم يستقم لأمور: أحدها: أنا قاطعون بنفي الاحتياج إليه. الثاني: أن حذف المبتدأ مشروط بالقرينة، ولا قرينة. الثالث: أنك إذا جعلته خبر مبتدأ لم يكن بد من ضمير يعود منه إلى المبتدأ لأنه في معنى مغاير، ولا ضمير يعود على ما تقدره مبتدأ، فلا يصح أن يكون خبرا، فتبين إشكال إعرابه. وأولى مـ يقال: إنه أوقع المظهر موقع المضمر لما حذف المبتدأ من أول الكلام. فكأن التقدير: زمن ينقضي بالهم والحزن غير متأسف عليه. فلما حذف المبتدأ من غير قرينة تشعر به أتى به ظاهرا مكان المضمر فصارت العبارة فيه كذلك، وهو وجه حسن لا بعد في مثل ذلك (١)، فإن العرب تجيز: إن يكرمني زيد إني أكرمه، وتقديره: إني أكرم زيدا إن يكرمني، فقد أوقعت زيدا موقع المضمر لما اضطرت إلى إعادة الضمير إليه، وأوقعت المصمر موقع المظهر لما أخرته عن الظاهر. فقد تبين لك اتساعهم في مثل ذلك وعكسه.
_________________
(١) ونقل ابن هشام عن ابن جني أنه أجازه. المغني ١/ ١٧٢ (دمشق).
[ ٢ / ٦٣٨ ]
ويحتمل أن يقال: إنهم استعملوا " غير" بمعنى " لا" كما استعملوا " لا" بمعنى " غير" وذلك واسع في كلامهم. فكأنه قال: لا تأسف على زمن هذه صفته. ويدلك على استعمالهم " غير" بمعنى "لا": زيد عمرا غير ضارب، ولا يقولون: زيد عمرا مثل ضارب، لأن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، ولكنه لما كانت " غير" تحمل على "لا" جاز فيها ما لا يجوز في "مثل" وإن كان بابهما واحدا. وإذا كانوا قد استعملوا: أقل رجل يقول ذاك، بمعنى النفي مع بعده عنه بعض البعد، فلأن يستعملوا " غير" بمعنى "لا" مع موافقتها لها في المعنى أجدر. فإن قيل: فإذا قدرتموها بمعنى "لا" فلا بد له من إعراب من حيث كونه اسما، فما إعرابه؟ قلنا: إعرابه كإعراب قولك: أقل رجل يقول ذاك، وهو مبتدأ لا خبر له استغناء عنه (١)، لأن المعنى: ما رجل يقول ذاك (٢). وإذا كان كذلك صح المعنى من غير احتياج إلى خبر، ولا استنكار بمبتدأ لا خبر له إذا كان كذلك صح المعنى من غير احتياج إلى خبر، له إذا كان في المعنى بمعنى جملة مستقلة كقولهم: أقائم الزيدان؟ فإنه بالإجماع مبتدأ، ولا مقدر محذوف، والزيدان فاعل به ليس بخبر. فهذا مبتدأ لا خبر له في اللفظ ولا في التقدير. وإنما استقام لأنه في المعنى: يقوم الزيدان. وكذلك قول بعض المحققين في مثل: نزال وتراك، إنه مبتدأ وفاعله مضمر ولا خبر له لاستقامة المعنى من حيث كان معناه: انزا واترك (٣).
_________________
(١) أجازه ابن الشجري وابن مالك. المغني ١/ ١٧٢ (دمشق).
(٢) قال الرضي: " فهذه كلها مبتدءات لا أخبار لها فيها من معنى الفعل". شرح الكافية ١/ ٨٧.
(٣) قال الرضي: " ثم اعلم أن بعضهم يدعي أن أسماء الأفعال مرفوعة المحل على أنها مبتدءات لا خبر لها كما في: أقائم الزيدان؟ وليس بشيء، لأن معنى قائم معنى الاسم وإن شابه الفعل، أي: ذو قيام، فصح أن يكون مبتدأ، بخلاف اسم الفعل، فإنه لا معنى للاسمية فيه". شرح الكافية ٢/ ٦٧.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وقد ذهب كثير إلى أنه منصوب انتصاب المصدر، كأنه قيل في نزال: انزل نزولا. وهذا عندنا ضعيف، فإنه لو كان كذلك لوجب (١) أن يكون معربا. ونحن نفرق بين "سقيا" وبين " نزال"، فكيف يكمن حملها على إعراب واحد وهو أن يكونا مصدرين مع أن أحدهما معرب والآخر مبني؟
[إملاء ١٣]
[اجتماع الحالين]
وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة] (٢): متى اجتمع حالان من ذاتين مشبهة إحداهما الأخرى أو مفضلة عليها باعتبار الحالين (٣)، أو من ذات واحدة فلضلت على نفسها باعتبار حاليها (٤)، فالوجه تقديم حال ما قدم مولية لصاحبها، كأنهم قصدوا إلى نفي الإلباس بإيلاء كل حال لمن هي له. لأنهم لو أخروا فقالوا: زيد مثل عمرو جالسا قائما، لجاز أن تقدر الحالان للآخر، ولجاز أن يقدر ما هو للآخر للأول وعلى العكس، فيؤدي إلى اللبس. والحال الأولى في أمثال هذا على الحقيقة ليست من الأول وإنما هي من الضمير في خبره، إذ المبتدأ لا يصح أن يكون منه حال لأنه غير قابل للتقييد، وإنما يقبل من نسب إليه فعل أو معنى فعل، وذلك محقق في الضمير الواقع في الخبر في قولك: مثله، أو خير منه، أو ما أشبهه. فإذا قلت: زيد قائما مثل عمرو جالسا، فإنما غرضك تمثيل زيد في حال قيامه بعمرو في حال جلوسه، فكأنك قلت: زيد مماثل في حال قيامه بعمرو في حال جلوسه (٥). وإنما قدمت الحال من الضمير في "مثل" وأوليتها زيدا لما ذكرناه من غرض نفي الإلباس. ألا ترى أنك
_________________
(١) في الأصل: وجب. وما أثبتناه من ب، وهو أحسن.
(٢) زيادة من ب، د، س.
(٣) مثل: زيد جالسا مثل عمرو قائما. وزيد جالسا أحسن من عمرو قائما.
(٤) مثل: هذا بسرا أطيب منه رطبا.
(٥) فكأنك قلت. . في حال جلوسه: سقطت هذه العبارة من د، بسبب انتقال النظر.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
لو قلت: زيد مثل عمرو جالسا قاعدا، لنافر الطبع السليم لما ذكرناه. وهذا مثل قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا (١). وكذلك لو كانت الحال في المعنى للأول خاصة وليس للثاني حال لكان الوجه تقديمها، ومثله قول بعض المحدثين:
الخد كالطرس والنونات دائره مثل الحواجب (٢)
فـ " دائرة" في التحقيق حال من الضمير في "مثل" العائد على النونات، وقدم لما ذكرناه. وجاز تقديم الحال العامل فيها "مثل" لأنها في معنى ممائل، و"مماثل" يجوز تقديم حاله اتفاقا، وكذلك هذا. والرفع في هذا الشعر أحسن لاستقرار المخبر عنه على حالة واحدة، والأحوال إنما تكون للقابل للانتقال إليها.
[إملاء ١٤]
[إعراب قولهم: بنفسي خيال]
وقال ممليا [بدمشق سنة ست وعشرين وستمائة] (٣): قولهم: بنفسي خيال، وبابه. الرفع فيه أقوى من جهة النقل ومن جهة المعنى. أما النقل فالمسموع: بأبي أنت، ولو كان مفعولا لوجب أن يقال: بأبي إياك، وأما من جهة المعنى فلأن المقدر في النصب جملة والمقدر في الرفع مفرد، فكان تقدير المفرد أولى. ويدل عليه إطباقهم على الرفع في قولهم: الهلال ولله والمسك، ولو نصب على معنى: رأيت الهلال وشممت المسك، لكان متجها (٤). وأيضا فإن باب الابتداء يدل على ثبوت الشيء وتقريره، وباب الفعل
_________________
(١) انظر سيبويه ١/ ٤٠٠، والمفصل ص٦٣، والإيضاح في شرح المفصل١/ ٣٣٥.
(٢) لم أعثر على قائله. ومعنى الطرس: الصحيفة. والنونات: الشعر المنعطف.
(٣) زيادة من "ب" و"د".
(٤) انظر المفصل ص٣٤.
[ ٢ / ٦٤١ ]
يدل على حدوثه، والاستقرار أبلغ. ولذلك كان: الحمد لله وسلام عليكم، أحسن من النصب، وإن كان النصب متجها. وأما النصب فالمنصوب بالفعل المقدر أكثر من رفعه بالابتداء، فكان جعله من باب الكثر أولى.
[إملاء ١٥]
[إعراب بيت مجهول القائل]
وسئل في ورقة عن إعراب قول الشاعر:
أحب بلاد الله ما بين منعج إلي وسعدى أن يصوب سحابها (١)
فيكتب بيده الكريمة ما هذه صورته: يجوز أن يكون "أحب" مبتدأ على قول من يرى تعريفه بالإضافة (٢)، و"ما بين منعج" خبر، موصولة أو موصوفة. ويجوز أن يكون "أحب" خبرا مقدما على قول من لا يرى تعريفه، و"ما" مبتدأ، و"إلي" متعلق بـ "أحب" على القولين، على سبيل الاتساع في الظروف. و" سعدى" عطف على "منعج" على أنه اسم موضع، أي: مابين هذين المكانين، أو على أنه اسم امرأة على حذف مضاف، أي: موضع سعدى، و"أن يصوب سحابها" يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون على حذف حرف خفض، أي: في أن يصوب سحابها، كما تقول: أحب الناس إلي زيد في أن يكون عالما، فيكون في موضع نصب على مذهب سيبويه (٣)، أو خفض على مذهب
_________________
(١) هذا البيت من البحر الطويل ولم يعرف قائله. وهو من شواهد الكامل١/ ٤٠٦، وأمالى القالي ١/ ٨٣، والحماسة البصرية ٢/ ١٢٩. ورواية الكامل: مابين مشرف إلى وسلمى. ورواية أمالي القالي: ما بين منعج إلى وسلمى. منعج: اسم مكان. قال ياقوت: " اسم واد يدفع في بطن فلج". معجم البلدان٥/ ٢١٣. وسعدى: اسم امرأة أو موضع.
(٢) انظر الكتاب١/ ٢٠٤.
(٣) قال سيبويه: " فإن ههنا حالها في حذف الجر كحال أن، وتفسيرها كتفسيرها، وهي مع صلتها بمنزلة المصدر". الكتاب ٣/ ١٥٤.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
الخليل. والثاني: أن يكون " أن يصوب سحابها" بدلا من قوله: ما بين منعج وسعدى، على تقدير مضاف في الأول، أي: أحب صوب سحاب بلاد الله إلي صوب سحاب ما بين منعج وسعدى. ويجوز أن لا يقدر مضاف لأن الخبر مطابق للمبتدأ، والبدل لا يغير له الكلامٍ، ألا ترى أنك تقول: أحب الناس إلي زيد علمه، ولا تقول: أحب صفات الناس إلي زيد علمه. والأولى أن يكون " أن يصوب سحابها" مفعولا بفعل مقدر دل عليه "أحب" أي: أحب أن يصوب سحابها. ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله﴾ (١) فإن قوله: ﴿من يضل﴾ مفعول بفعل مقدر دل عليه " أعلم"، أي: يعلم من يضل (٢).
[إملاء ١٦]
[إعراب شطر بيت مجهول القائل]
وقال ممليا على قول بعضهم بالقاهرة بحضرة السلطان الملك الكامل (٣) سنة اثنتي عشرة وستمائة هذا الشعر:
هي البدر من فوق الأزرة طالعا (٤)
_________________
(١) الأنعام: ١١٧.
(٢) وهذا مذهب الفارسي. وقال الكسائي والمبرد: إنها في موضع رفع مبتدأ، والخبر يضل، والجملة في موضع نصب بأعلم. انظر: البحر المحيط٤/ ٢١٠.
(٣) هو أبوالمعالي محمد بن الملك العادل الملقب بالملك الكامل ناصر الدين. كان عظيم القدر جميل الذكر محبا للعلماء متمسكا بالسنة النبوية. بنى في القاهرة دار حديث ورتب لها وقفا جيدا. انظر وفيات الأعيان٥/ ٧٩.
(٤) هذا شطر بيت من الطويل، لم أعرف تمامه ولا قائله. وفي هامش الأصل (ورقة ١٨٢) وهامش د، س مانصه: للوجيه ابن خراز شاعر دولة السلطان الملك الكامل وكان رابطيا يزعم أنه ابن أخت المعلم.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
قال: النصب والرفع فيه لا يجوز باعتبار ما يفهم من المعنى المقصود، ذلك أن الذي يفهم أنه المقصود هي في حال كونها مخرجة وجهها من بين الأزرة مثل البدر في حال كونه بازغا من مشرقه. والعرب إذا حكمت بشيء على شيء باعتبار حالين لهما أولت كل واحد منهما حاله ولم تؤخر الحالين عنهما. فتقول: هذا بسرا أطيب منه رطبا، وزيد قائما أحسن منك قاعدا، وهو كثير في كلامهم. وإذا كان كذلك فقد أخر ما لا يجوز تأخيره، فلا يفيده نصب "طالع" ولا رفعه مع اشتمال الكلام على هذا المفسد الملازم له. وإنما التزموا ذلك خيفة اللبس وتوهم أن الحالين للأخير لو قالوا: زيد مثل عمرو عالما عاقلا، فأراداوا أن يولوا كلا حاله ليرتفع اللبس من أول الأمر. ويجوز أن يحمل على وجه آخر غير ما يسبق من المعنى المقصود، وهو أن يكون "هي" ضمير القصة، و"البدر طالع" مبتدأ وخبر، و"من فوق الأزرة" متلق بـ "طالع"، ويكون المعنى: البدر طالع من فوق الأزرة، لأن ضمير الشأن وجوده وعدمه في المعنى سواء. ويجوز أن يكون "هي" ضميرا لمن تقدم ذكره، و"البدر" خبر له، و"طالع خبر بعد خبر، و"فوق الأزرة" متعلق به.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
[إملاء ١٧]
[الرد على استفتاء لابن بري]
وقال ممليا على قول الشاعر:
أتوب إليك يارحمن مما جنيت فقد تكاثرت الذنوب
وأما من هوى ليلى وتركي زياتها فإني لاأتوب (١)
قال: رأيت استفتاء لابن بري (٢) النحوى فيه ما معناه: كيف يستقيم قول الشاعر: وأما من هوى ليلى، وهو إذا لم يتب من ترك الزيارة تارك للزيارة؟ ألا ترى أنه لو قال: فإني أتوب من ترك الزيارة، لكان مستقيما في غرضه، ولو قال: وأما من هوى ليلى وزيارتها وأسقط "وتركي" لكان مستقيما في غرضه كغرض المعنى المراد، فإذا زاد فيه الترك أو النفي كان لنقيضه، فيفسد المعنى فأجاب ابن بري بتقرير الاعتراض وصحته لو كان الرواية: وتركي، وإنما الرواية: وحبي، فيزول الاعتراض. قلت: وقد قيل: إن الرواية: وقصدى، فيزول أيضا الاعتراض، والبيت مشهور بقوله: وتركي. ووجهه أنه
_________________
(١) البيتان من بحر الوافر وهما موجودان في ذيل الأمالي والنوادر لأبي علي القالي ص٩٢. ولكن برواية تختلف قليلا وهي: أتوب إليك يارحمن مما عملت فقد تظاهرت الذنوب وأما من هوى سعدى وحبي زيارتها فإني لا أتوب ونسبهما لنمير بن كهيل الأسدي. وقد نسبا في الحماسة البصرية لقيس بن الملوح ٢/ ١٧٨.
(٢) هو عبد الله بن بري بن عبد الجبار أبو محمد المقدسي المصري النحوي اللغوي. تصدر للإقراء في جامع عمرو بن العاص. من تصانيفه: اللباب، حواش على الصحاح. انظر بغية الوعاة ٢/ ٣٤، وإنباه الرواة ٢/ ١١٠.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
ذكر الترك البيان ما يطلب منه ثم قال: فإني لا أتوب مما يطلب مني تركه. ألا ترى أنه لو قال: وأما من هوى ليلى وتوبتي من زيارتها فإني لا أتوب، لكان مستقيما. على أن المعنى: فإني لا أتوب مما يطلب مني التوبة منه، لا على معنى: فإني لا أتوب من بوبتي، فكذلك هذا، إذ لا فرق بين أن يقول: وتركي زيارتها أو: وتوبتي من زيارتها. ومن زعم أن "لا" زائدة محافظا على ما تقدم من المعنى فقد أفسده بالنظر الى قوله: وأما من هوى ليلى، لأن المعنى يصير: فإني أتوب من هوى ليلى، وهو فاسد، ولا يستقيم أن يكون الحرف الواحد زائدا غير زائد.
[إملاء ١٨]
[الجواب عن سؤال في بيت لأبي صخر الهذلي]
وقال ﵀ وقد استفتي في قوله الشاعر:
وإني لتعروني لذكراك فترة كما انتفض العصفور بلله القطر (١)
فقيل له: إن شخصين تنازعا فقال أحدهما: البيت: هزة ورعدة، ولا يستقيم معنى البيت على "فترة"، فسئل هل يستقيم معنى البيت على هذه الرواية وقد نقلها غير واحد ممن يوثق بنقله عن الأمالي (٢) لأبي على البغدادي (٣)؟ فكتب مجيبا بخط يده الكريمة ما هذه صورته وهو أن قال:
_________________
(١) هذا البيت من الطويل وقائله أبو صخر الهذلي. وقد ورد في كتب اللغة والأدب بعدة روايات: فترة، هزة نفضة، رعدة. والبيت من شواهد المقرب١/ ١٦٢، وابن يعيش٢/ ٦٧، والهمع١/ ١٩٤، وأوضح المسالك٢/ ٢٢٧.
(٢) رواية أمالي القالي (١/ ١٤٩): هزة.
(٣) هو إسماعيل بن القاسم. ولد سنة ٢٨٨هـ بديار بكر. يقدم بغداد سنة ٣٠٣هـ، فقرأ النحو والعربية والأدب علي الزجاج وابن السراج وابن الأنباري. خرج من بغداد سنة ٣٢٨هـ فدخل قرطبة سنة٣٣٠هـ. صنف بها الأمالي والنوادر. ومات بها سنة ٣٥٦هـ. انظر: بغية الوعاة ١/ ٤٥٣.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
يستقيم ذلك على معنيين: أحدهما: أن يكون معنى: لتعروني، لترعدني، أي: تجعل عندي العرواء وهي الرعدة كقولهم: عري فلان، إذا أصابه ذلك، لأن الفتور الذي هو السكون عن الإجلال والهيبة تحصل عنه الرعدة غالبا عادة فيصح نسبة الإرعاد إليه فيكون "كما انتفض" منصوبا انتصاب قولك: أخرجته كخروج زيد، إما على معنى كإخراج خروج زيد، وإما لتضمنه معنى خرج غالبا، فكأنه قيل: خرج، فصح لذلك مثل خروج زيد، وحسن دلك تنبيها على حصول المطاوع الذي هو المقصود في مثل ذلك، فيكون أبلغ من الاقتصار على المطاوع، إذ قد يحصل المطاوع دونه، مثل: أخرجته فلم يخرج. والثاني: أن يكون معنى: لتعروني، لتأتيني وتأخذني فترة، أي: سكون للسرور الحاصل من الذكرى، وعبر بها عن النشاط لأنها تستلزمه غالبا، تسمية للمسبب باسم السبب، كأنه قال: ليأخذني نشاط كنشاط العصفور. فيكون "كما انتفض" إما منصوبا نصب: له صوت صوت حمار، وله وجهان: أحدهما: أن يكون التقدير: يصوت صوت حمار، وإن لم يجز إظهاره استعناء عنه بما تقدم، والثاني: أن يكون منصوبا بما تضمنته الجملة من معنى: يصوت (١). وإما مرفوعا صفة لـ " فترة"، أي: نشاط مثل نشاط العصفور. وهذه الأوجه الثلاثة المذكورة في الوجه الثاني في إعراب "كما انتفض" تجري على تقدير رواية: رعدة، وهزة. هذا ما كتبه مجيبا به.
_________________
(١) قال سيبويه: "فإنما انتصب هذا لأنك مررت به في حال تصويت، ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلا منه. ولكنك لما قلت: له صوت، علم أنه قد كان ثم عمل، فصار قولك: له صوت، بمنزلة قولك: فإذا هو يصوت، فحملت الثاني على المعنى" الكتاب ١/ ٣٥٦.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
وروى الرماني (١) عن السكري (٢) عن أبي سعيد الأصمعي:
إذا ذكرت يرتاح قلبي لذكرها كما انتفض العصفور بلله القطر (٣)
وهو ظاهر جينئذ.
[إملاء ١٩]
[توجيه إعراب كلمة في بيت للمتنبي]
وقال ممليا على قول المتنبي:
أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني وفرق الهجر بين الجفن والوسن (٤)
أسفا: يجوز أن يكون مفعولا من أجله، وكان القياس يقتضي مجيء اللام، إذ ليس هو لفاعل الفعل المعلل، فيكون حذفها لضرورة الشعر، وقد جاء مثل ذلك. ويجوز أن يقال: إن الهوى لما كان من سبب المتكلم، فكأنه هو الذي
_________________
(١) هو علي بن عيس بن علي أو الحسن الرماني. ولد سنة ٢٧٦هـ. أخذ عن الزجاج وابن السراج وابن دريد. من تصانيفه: التفسير، الحدود الأكبر، شرح سيبويه، معاني الحروف. توفي سنة ٣٨٤هـ. انظر: بغية الوعاة٢/ ١٨١.
(٢) هو الحسن بن الحسين بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن العلاء. جمع شعر جماعة من الشعراء منهم امرؤ القيس والنابغة وزهير، ولد سنة ٢١٢هـ. وتوفي سنة٢٧٥هـ. انظر: بغية الوعاة١/ ٥٠٢.
(٣) انظر كتاب شرح أشعار الهذليين- صنعة أبي سعيد السكري ٢/ ٩٥٧ (تحقيق عبد الستار أحمد فراج. مراجعة محمود محمد شاكر).
(٤) هذا البيت من البحر البسيط وهو مطلع قصيدة قالها في صباه. انظر الديوان ٤/ ١٨٥. أبلى: أضعف، النوي: البعد، الوسن: النوم، والأسف: الحزن. قال أبو البقاء في معناه: "يقول: أبلى الهوى بدني إلى الأسف والهزال يوم الفرق. وبعد هجر الحبيب بين جفني والنوم. وإللاء الهوى البدن أن يذهب قوته ولحمه، لما يورد عليه من شدائده. وخص يوم النوى لن أشد ما يكون الوجد والألم يوم الفراق". الديوان٤/ ١٨٥.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
أبلى نفسه. فيكون "أسفا" فعلا لفاعل الفعل المعلل في المعنى. ويجوز أن يقال: إنه جعل الهوى أسفا مبالغةٍ، كأن الحب نفسه صار له أسف على من تعلق به، فيكون لذلك فعلا لفاعل الفعل المعلل أيضا. ولا بستقيم أن يكون مصدرا إلا على تأويل حذف مضاف، كأنه قيل: إبلاء أسف، وهو ضعيف، لأنه يؤدي إلة أن بكون متعلقات الفعل كلها مصادر كقولك: ضربت يوم الجمعة، وفيه إخراج للأبواب عن حقائقها.
[إملاء ٢٠]
[إعراب كلمة في بيت لأبي نصر عبد العزيز بن نباتة]
وقال ممليا على قول الشاعر:
خلقنا بأطراف القنا في ظهورهم عيونا لها وقع السيوف حواجب (١)
حواجب: إما بدل من "وقع" وإما خبر عن " وقع"، ويكون "لها" إما خبرا بعد خبر وإما فضلة مثل قولك: زيد له غلام، أي: غلام له.
[إملاء ٢١]
[إعراب شطر بيت للنابغة الجعدي]
وقال ممليا على قول الشاعر:
حتى خرجن بنا من تحت كوكبهم حمرا م الطعن أعناقا وأكفالا (٢)
_________________
(١) هذا البيت من البحر الطويل. وقد ذكره ابن الشجري في أماليه ٢/ ١٧٨) وقال: إن قائله أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباته، من قصيدة في الفخر. ولم أجده في مصدر آخر.
(٢) هذا البيت من البحر البسيط وهو للنابغة الجعدي. انظر شعره ص١٠٨. الأكفال مفردها كفل، وهو العجز، يكون للإنسان والدابة، اللسان (كفل). والكوكب: الجيش. ورواية الديوان: حتى خرجن بنا من جوف كوكبهم.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
"أعناقا وأكفالا": تمييز، و"حمرا": حال من الضمير في قوله: خرجن بنا
[إملاء ٢٢]
[معنى بيت منسوب لأبي جلدة]
وال ممليا على قول الشاعر:
فقل للحواريات يبكين غيرنا ولا يبكنا إلا الكلاب النوابح (١)
يقول: لسنا بأهل لأن تبكينا النساء حيث انهزمنا، بل لتبكنا الكلاب. وقيل: نحن أهل بدو ونموت تحت السيوف، وإنما تبكينا السباع.
[إملاء ٢٣]
[معنى بيت مجهول القائل]
وقال ممليا على قول الشاعر:
وليل زجونا أن يدب عذاره فما نم إلا وهو بالصبح مسفرا (٢)
" مسفرا": حالمن الصبح، والعامل فيه ما في الباء من معنى المصاحبة، أي: وإلا وهو مصاحب في حال كونه مسفرا. ومعناه: أنا رجونا أن يأخذ في
_________________
(١) هذا البيت من البحر الطويل. وقد نسبه ابن منزور لأبي جلدة. اللسان (حور). وهو من شواهد الكشاف ١/ ٤٣٢ ولم ينسبه لأحد.
(٢) هذا البيت من البحر الطويل. ولم أعثر على قائله. وقد روى ابن خلكان (١/ ٥٨) بيتا مطابقا للبيت المذكور في صدره وهو: وليل رجونا أن يدب عذاره فما اختط حتى صار بالفجز شائبا وقال: وهو للشاعر إبراهيم الغزي.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
سيره قليلا قليلا كدبيب العذار (١)، فما نم، أي: فما بدا إلا وهو مصاحب للصبح في حال إسفاره. يشير إلى سرعة انقضائه وأنه أوله كان كأنه يليه آخره لسرعة انقضائه.
[إملاء ٢٤]
[أسماء الفاعلين لا تقع مفعولا لأجله]
وقال ممليا على قول الشاعر:
ومر معرضا بحديث نجد فهيج ساكن القلب الطروب (٢)
" معرضا": حال، ولا يجوز أن يكون مفعولا من أجله، لأن أسماء الفاعلين لم تقع المصادر فتقع مفعولا من أجله. وقد وقعت في مواضع محفوظة مصادر (٣). وإنما حملت على المصدرية لتعذر حملها على الحال.
[إملاء ٢٥]
[قبح ظاهر في بيت مجهول القائل]
وقال ممليا على قول الشاعر:
وعلمت أني لا أخاف مهندا ما لم يرعني من سوار معصما (٤)
_________________
(١) العذار: الشعر النابت على جانبي اللحية. اللسان (عذر).
(٢) هذا البيت من بحر الوافر ولم أعثر على قائله.
(٣) كقول الفرزدق: على حلفة لا أشتم الدهر مسلما ولا خارجا من في زور كلام انظر شرح الشافية ١/ ١٧٧.
(٤) هذا البيت من البحر الطويل. ولم أعثر على قائله. والمهند: السيف.
[ ٢ / ٦٥١ ]
سئل عن هذا البيت فقال: إن هذا لبئس الشعر. إلا أن وجهه من حيث الجملة مع رداءته أن فاعل "يرعني" مقدر، تقدر، تقديره: شيء أو نحو ذلك، ويكون قوله "من سوار" صفة لذلك المقدر. ثم لما كان ذلك مبهما فكأن قائلا قال: ما هذا؟ فقال: أعني معصما أو أخص معصما، وفيه قبح ظاهر، وهو أن المعصم هو المراد بالفاعلية في المعنى، و"من سوار" صفة قدمت كما يقدم غيرها من الصفات، فوزانه وزان قولك: جاءني من بني تميم رجلا.
[إملاء ٢٦]
[إشكال في بيت منسوب لبعض بني عمرو بي كادة]
وقال ممليا على قول الشاعر وهو:
قلت اسمعي وذرينا من تفقهكم فلست أفقه منا أم عمارا (١)
ارتكب الشاعر أجد أمرين: أحدهما: أنه أراد: عمارة، فرخم للضرورة (٢). وهذا على لغة من قال: ياحار، وهو جائز عند سيبويه ممتنع عند المبرد، على لغة من يقول: يا حار بالضم (٣)، وهذا الخلاف جار بينهما في كل مرخم من غير النداء. فيجوز عند سيبويه أن يجري فيه الوجهان الجايان في: يا حار ويا حار. وعند المبرد مخصوص بلغة: يا حار بالضم لا غير. والآخر: انه ترك صرفه
_________________
(١) البيت من البحر البسيط. وهو في أمالي القالي منسوب لبعض بني عمرو بن كلدة ٢/ ١٤٠. ولم يذكره مصدر آخر.
(٢) قال سيبويه: "وأعلم أن الترخيم لا يكون إلا في النداء إلا أن يضطر شاعر". وقال: "واعلم أن الترخيم لا يكون في مضاف إليه ولا في وصف لأنهما غير مناديين" انظر الكتاب ١/ ٢٣٩، ٢٤٠.
(٣) فاللغة الأولى لغة من ينتظر، والثانية لغة من لا ينتظر.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
على رأي أهل الكوفة (١)، فإن السبب الواحد عندهم غير (٢) مانع.
[إملاء ٢٧]
[ضعف تمييز المضمر]
وقال ممليا على قول الشاعر:
يبسط للفتية وجها جأبا بسط ذراعيه لعظم كلبا (٣)
"كلبا": نصب على التمييز، وليس له وجه سواه. وفيه ضعف من جهة أن التمييز عن المضمر في مثل قولهم: كلبا (٤)، لله دره فارسا، إنما كان لأنك أضفت المدح إليه وأنت تعني أمرا آخر، فحسن التمييز لتفسيره ذلك الأمر المتعدد في التقدير كما حسن قوله: زيد أحسن وجها، وأعجبني حسنه وجها. في البيت: الضمير في " ذراعيه" هو عين الظاهر المنصوب بخلاف الأول وشبهه. وعلى هذا حمل بعض المفسرين قوله: ﴿فلما رأوه عارضا﴾ (٥)،
_________________
(١) قال الزمخشري: "وأما السبب الواحد فغير مانع أبدا. وما تعلق به الكوفيون في إجازة منعه في الشعر ليس بثبت". المفصل ص١٧. وقد ذكر ابن الحاجب في الإيضاح (١/ ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠) بعض الأبيات التي استدل بها الكوفيون وبين أنها ليست بحجة. من ذلك قول عباس بن مرداش فما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع
(٢) وردت هذه الكلمة في جميع النسخ. والصواب حذفها حتى يستقيم المعنى.
(٣) هذا البيت من الرجز. وقد رواه ابن منظور مع بعض التغيير: يصفح للقنة وجها جأبا صفح ذراعيه لعظم كلبا وذكر أنه نقل عن الأصمعي أن البيت لأبي القعقاع اليشكري. اللسان (جأب). القنة: ضرب من الأدوية، وجمعها قنن. اللسان (قنن). والجأب: الغليظ. اللسان (جأب).
(٤) وجدت هذه الكلمة في الأصل وفي النسخ الخرى ما عدا نسخة ب حيث شطبت وواضح أنها زائدة غير لازمة الأحقاف: ٢٤.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
فقال: " عارضا" تمييز للضمير المبهم في " رأوه" (١). ومثله باتفاق التمييز في قولهم: نعم رجلا، وبئس رجلا، فإنه تمييز للمضمر نفسه لا لما يتعلق به.
[إملاء ٢٨]
[إعراب عجز بيت مجهول القائل]
وقال ممليا على قول الشاعر:
فيا حصيات كن في لمس كفها رزقتن ريا من نشا المسك أطيبا (٢)
" أطيبا": صفة لـ "ريا"، ويكون قوله: من نشا أو من شذا، متعلقا بـ "رزقتن". ويحتمل أن يكون "أطيب" صفة بعد صفة، أي: رزقتن ريا حاصلة من نشا المسك أطيب من مثلها. ويجوز أن يكون " من نشا المسك" متعلقا بـ " أطيب" المتأخرة. وهذا يرد عليه الفصل بين الصفة [والموصوف] (٣). والجواب عنه: أن هذا الفصل من تتمة الصفة كما يقال: مررت برجل من زيد أفضل، إن جوزنا تقدم "من"، وإن منعنا تقدمها كان "أطيب" مفسرا لـ " أطيب" مرادة، والمفسر إعرابه إعراب المفسر.
[إملاء ٢٩]
[معنى وإعراب بيت لعدي بن زيد]
وقال ممليا على قول الشاعر عدي بن زيد:
من رأيت المنون عرين أم من ذا عليه من أن يضام خفير (٤)
_________________
(١) قال الزمخشري: " إما تمييزا وأما حالا وهذا الوجه أعرب وأفصح". الكشاف ٣/ ٥٢٤.
(٢) هذا البيت من البحر الطويل. وهو من جملة أبيات أنشدها أو علي القالي في ذيل الأمالي والنوادر ص٩٦، ولم ينسبها لأحد. وقوله: نشأ المسك، أي: رائحة المسك.
(٣) زيادة من عندي، حتى يستقيم معنى الجملة.
(٤) هذا البيت من الخفيف. انظر ديوان عدي بن زيد ص٨٧ وفيه: خلدن، بدلا من: عرين. وهو من شواهد الخصائص١/ ٩٤. وابن يعيش٤/ ١٠. واللسان (منن). وكتاب المذكر والمؤنث للأنباري ص٢٢٧.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
"من": مبتدأ، و"المنون" مبتدأ ثان، و"عرين" فعل لم يسم فاعله ومفعول لم يسم فاعله خبر لـ " المنون". والضمير إما للمنون تنزيلا له منزلة المنايا لأنه يستعمل في معناها، ولذلك قال الفراء: المنون مؤنثة وتكون واحدة وجمعا. فيحتاج إلى ضمير يعود على "من" لأن هذا المبتدأ والخبر خبر له، ويكون قد بنى الفعل لضمير المفعول الثاني وحذف المفعول الأول وإن كان ضميره مرادا. ويجوز أن يكون الضمير في " عرين" عائدا على "من" حيث المعنى، لأن المراد النفوس، فيكون هو الضمير الذي يحتاج إليه "من" ويكون الضمير الذي يحتاج إليه "المنون" محذوفا، والفعل مبني لضمير المفعول الأول على ما هو الأحسن، وضمير المفعول الثاني محذوف. ومعنى البيت: أنه لم ير أحد عري من المنون، أي: سليم منها. وأتى به على وجه الاستفهام على معنى الاستبعاد والإنكار كقوله:
فمن حدثتموه له علينا العلاء (١)
أتى بـ "رأيت" توكيدا للقضية أنه لم ير أحد سلم من المنون. ويجوز أن يكون "رأيت" على هذا ملغى. ويجوز أن يقال: إن "من" مفعول أول لـ "رأيت"، و"المنون عرين" مبتدأ وخبر في موضع نصب على أنه مفعول ثان، والمعنى على حاله.
_________________
(١) البيت بتمامه: إن منعتم ما تسألون فمن حدثتموه له علينا العلاء وهو من البحر الخفيف وقائله الحارث بن حلزة. انظر ديوانه ص١٢ (إعداد وتحقيق هاشم الطعان).
[ ٢ / ٦٥٥ ]
[إملاء ٣٠]
[توجيه إعراب كلمة في بيت لحميد الأرقط]
وقال ممليا على قول الشاعر:
فأصبحوا والنوي عالي معرسهم وليس كل النوى يلقى المساكين (١)
يجوز الرفع والنصب في " كل"، والنصب أوجه. فالرفع على وجهين: على أن يكون اسما لليس، وعلى أن يكون مبتدأ، ويكون في "ليس" ضمير الشأن. ويضعفان لحذف الضمير العائد على (٢) المبتدأ أو ما هو في معنى المبتدأ، إذ التقدير: يلقيه المساكين. وعلى أنه قد جاء مثل ذلك في قراءة ابن عامر في قوله: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ (٣)، والتقدير: وكل وعده الله الحسنى. ولولا هذا التقدير لم يستقم الرفع. إلا أن النصب أوجه؛ لأنه مثل النصب في قوله: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾. فـ " كل النوى" مفعول بـ " يلقى" قدم على فعله (٤). وفي " ليس" ضمير الشأن، وليس في ضمير الشأن بعد، بل هو باب واسع، فجاء النصب على وجه لا مضعف له ولم ينفك الرفع عن مضعف على ما تقدم. فأما ما يتوهم من أن " المساكين" مبتدأ، و"كل النوي" مفعول بـ " يلقى"
_________________
(١) البيت من البحر البسيط وقائله حيمد الأرقط. وهو من شواهد سيبويه ١/ ٧٠، والمقتضب ٤/ ١٠٠، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٠٣. والمعرس: المنزل الذي ينزل فيه المسافر ليلا. اللسان (عرس). ورواية سيبويه: تلقى.
(٢) في س: إلى.
(٣) الحديد: ١٠. وقد قرأها ابن عامر بالرفع على أنه مبتدأ. انظر البحر المحيط ٨/ ٢١٩.
(٤) قال سيبويه: "ولكنه انتصب على تلقى. ولايجوز أن تحمل المساكين على ليس وقد قدمت فجعلت الذي يعمل فيه الفعل الآخر يلي الأول، وهذا لا يحسن"، الكتاب١/ ٧٠.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
مقدم على فعله، فغير مستقيم أصلا، لأنه يؤدي إلى تقدم الفعل الذي هو خبر عن المبتدأ عليه، وإلى خلو الفعل عن ضمير من هو له، وهو غير سائغ. وأما قول بعض المتأخرين:
أبين جفنيك رام من بني ثعل ام ليس تخطى الرمايا أسهم المقل (١)
ففي "ليس" ضمير الشأن، و" يخطي الرمايا" فعل ومفعول وفاعل، قدم فيه المفعول على الفاعل. ولا بستقيم أن يكون " أسهم المقل" اسما لـ "ليس" ولا مبتدأ، على أن يكون في "ليس" ضمير الشأن، لأنه يؤدي إلى تقديم الفعل الذي هو خبر المبتدأ عليه. ولو ساغ ذلك لساغ أن يكون "زيد" في: قام زيد، مبتدأ، خبره ما تقدم عليه من قولك: قام ولم يصر إليه أحد من المحققين ووجهه ما فهم عن العرب من التزامهم حذف الضمير في مثل قولهم: قام الزيدان وقام الزيدون. ولو كان مبتدأ لوجب أن يقال: قاما الزيدان وقاموا الزيدون، لأن خبر المبتدأ إذا كان جملة لا ينفك عن ضمير يعود على المبتدأ، ولما لم يقل ذلك دل على أنهم التزموا في الفعل إذا كان خبرا ألا يقدم، فإذا وقع فعل مقدم فالاسم بعده فاعل لا مبتدأ على ما بقرر.
[إملاء ٣١]
[معنى وإعراب بيت لعمرو بن ملقط]
وقال ممليا على قول عمرو بن ملقط الجاهلي (٢):
_________________
(١) هذا البيت من البحر البسيط. ولم أعثر له على قائل. وثعل: أبو حي من طيء، وهو ثعل بن عمرو أخو نبهان. الصحاح (ثعل). والظاهر أن هذا الحي كان مشهورا بالرماية. والمقل: جمع مقلة، وهي شحمة العين التي تجمع البياض والسواد. الصحاح (مقل).
(٢) في ب: جاهلي.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
مهما لي الليلة مهما ليه أودى بنعلي وسر باليه (١)
يجوز أن يكون "مه" من قوله: مهما لي الليلة، اسم فعل من قولهم: مه، أي: اسكت واكفف عما أنت فيه من اللوم وشبهه. كأنه يخاطب لائما على ما رآه من الوله. ثم قال: ما لي الليلة؟ تعظيما للحال التي أصابته والشدة التي أدركته. ثم ذكر الأمر الذي يحقق تعظيم الأمر فقال: أودى بنعلي وسر باليه، يعني: ذهب بنعلي وسرباليه، كقوله تعالى: ﴿هلك عني سلطانيه﴾ (٢). وإذا ذهب عنه نعله وسرباله وضلا (٣) دل على أن حاله بلغت مبلغا أذهلته عما لا يذهل متيقظ عن مثله. وصورة الاستفهام للتعظيم. ثم يجيء ما يحقق ذلك التعظيم بجملة أخرى بعد ذلك من فصيح كلام العرب وبديعه. قال لله تعالى: ﴿الحاقة. ما الحاقة. ما أدراك ما الحاقة﴾ (٤)، ثم قال: ﴿كذبت ثمود﴾ (٥)، وقال: ﴿القارعة. ما القارعة﴾ (٦)، ثم قال: ﴿يوم يكون الناس﴾ (٧)، ذلك كثير ويجوز أن يكون "مهما" أصله: ماما، كررت ما الاستفهامية للتأكيد
_________________
(١) البيت من البحر السريع. وهو من شواهد الرضي٢/ ٢٥٣، ونوادر أبي زيد ٦٢، والهمع ٢/ ٥٨، والمغني ١/ ١١٤ (دمشق)، والكشاف ٢/ ١٠٩. والسربال: القميص والدرع. اللسان (سربل).
(٢) الحاقة: ٢٩.
(٣) في ب: وضل.
(٤) الحاقة: ٣،٢،١.
(٥) الحاقة:٤.
(٦) القارعة: ٢،١.
(٧) القارعة:٣س.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
اللفظي فقلبت الألف الأولى هاء، كما قلبت ألف الشرطية في قولهم: مهما، وهي عند الأكثرين أصلها: ماما (١)، وليس ذلك بقياس، وإنما هو حمل لفظ العربي على ما يحتمله مما هو من جنس كلامهم. وليس من القياس المختلف فيه في شيء. يجوز أن يكون "ما" الأولى قدر الوقف عليها فقلبت ألفها هاء ثم أجري الوصل مجرى الوقف. والوجه الأول أوجه وأوضح. والباء في قوله: "بنعلي" (٢)، يعني: أذهبهما وأضلهما عني (٣). يقال: أذهبته وذهبت به، بمعنى واحد. و"سرباليه" معطوف على قوله: بنعلي. و" ما" في موضع رفع بالابتداء، إذ ليس بعدها فعل مسلط عليها. وكل ما كان كذلك من هذا الباب مرفوع (٤) علي الابتداء. و"الليلة" ظرف معمول، إما لمتعلق الجار في قوله: لي، لأنه خبر المبتدأ، يتعلق بمحذوف، أي: ما حصل لي واستقر، وإما بما تضمنه معنى الجملة الكبرى بكمالها، لأن معناها. ما أصنع وما ألابس؟ مثله في: ما لك واقفا؟.
_________________
(١) قال سيبويه: " ولكنهم استقبحوا أن يكرروا لفظا واحدا فيقولوا: ماما، فأبدلت الهاء من الألف الأولى". الكتاب ٣/ ٦٠.
(٢) ونقل البغدادي عن الفارسي جواز كونها زائدة. كأنه قال: أودى نعلاي. انظر الخزانة ٩/ ٢٠ (هارون).
(٣) لم يتعرض ابن الحاجب لشرح الفاعل في قوله: أودى. ويجوز أن يكون التقدير: أودى مود، أي: ذهب ذاهب. ومذهب أبي علي أحسن، لأنه لا يؤدي إلى مثل هذا التقدير ..
(٤) في الأصل وفي م، د: مرفوعا. وهو خطأ لأنه خبر المبتدأ (كل).
[ ٢ / ٦٥٩ ]
[إملاء ٣٢]
[معنى بيت لجرير]
وقال ممليا على قول الشاعر:
لو أن عصم عمايتين ويذبل سمعا حديثك أنزلا الأوعالا (١)
يجوز أن يكون في "أنزل" ضمير تثنية عائدا إلى ما عاد إليه الضمير في "سمعا" وهو: عصم عمايتين ويذبل، أي: عصم هذا وعصم هذا، ثم ثنى على تأويل الجمعين كقولك: غنمان وإبلان. أي: لو أن هذين القبيلين سمعا حديثك أنزلا أنفسهما من محالهما التي لا ينقكان عنها اعتصاما بها إلى المحل الذي لا يعتصمان فيه لخروجهما بسماعه عن حال الا عتدال. وإذا كان هذا الحديث فاعلا بما لا يعقل هذا الفعل لحسنه ورونقه فكيف فعله في العقلاء! وأوقع " الأوعال" موقع قوله: أنفسهما، لينزن الشعر وتسقيم القافية، والمعنى واحد؛ لأن الأوعال هي العصم المذكورة في صدر البيت. ويجوز أن لا يكون في "أنزل" ضمير تثنية، ويكون فيه ضمير قوله: حديثك، أي: أنزل حديثك الأوعال. فأوقع " الأوعال" موقع المضمر، والمعنى: أنزلها أو أنزلهما، فأوقع المظهر موقع المضمر ليتزن البيت وتستقيم القافية. وكلا الوجهين حسن مستقيم، والترجيح فيهما لما يثبت نقله منهما.
_________________
(١) هذا البيت من الكامل، وهو لجرير. انظر ديوانه ص٣٦١ (بيروت). عماية وبذبل: جبلان بالعالية. معجم البلدان٤/ ١٥٢. وقد ثنى عماية على عادة الشعراء في ذلك. وانظر: الهمع ١/ ٤٢، والدرر١/ ١٧.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
[إملاء ٣٣]
[استفتاء في أبيات مجهولة القائل والجواب عنه]
وقال ممليا عن استفتاو شعر وهو (١):
ما القول قي امرأة قالت وقد ورثت إني سأحكم حكما ما به باس
سهامنا ستة لستة قسمت ونحن ستة وراث وأكياس
فلا بنتي وأختي ثم والدتي ولي ولابني هذا المال أسداس
الجواب:
هذا أخوها لأم كان وارثه أما وأخنين منها إذا أتى الكاس (٢)
ومعتقين ونم أولادها اشتركوا على السواء فللميراث لم ياسوا
فكلهم وارث منها كما ذكرت سدسا ولا ريبة فيها ولا باس
[إملاء ٣٤]
[شرط ضمير الفصل]
وقال: الفصل شرطه أن يأتي على طبق الخبر في إفراده وتثنيته وجمعه وتذكيره وتأنيثه كقولك: زيد هو القائم، وكان الزيدان هما القائمين وهم القائمين، ولا يجوز عكسه، لا يجوز هم القائمين ولا هو القائمين. وإنما كان كذلك إما ضمير على التحقيق وإما مشابه للضمير. فإن كان ضميرا فلا إشكال في تعليله، وإن لم يكن ضميرا فهو مشابه له في الصورة، فقصدوا أن يجروه مجرى الضمير لئلا يقع الاختلاط، ولا يحصل فيه انضباط، وإذا تقرر ذلك فقول الشاعر:
_________________
(١) هذه الأبيات من البحر البسيط ولم أعثر على قائلها.
(٢) الكاس: الموت.
[ ٢ / ٦٦١ ]
وكائن بالأطح من صديق يراني لو أصيب هو المصابا (١)
كان ينبعي أن يكون: أنا، لأن الصاب مفعول ثان لـ " يراني"، والمفعول الأول الياء، وهي للمتكلم، المفعول الثاني هو الأول في المعنى، فكان يجب أن يكون الفاصل على القياس المتقدم: أنا. ووجهه أنه ليس على الفصل، بل هو تأكيد للضمير المستتر في "يراني"، أو للضمير في "أصيب". وأما إن قدر: لو أصبت، لم يستقم المعنى، إذ يصير تقديره: يراني مصابا إذا أصابتني مصيبة، ولايخبر بمثل ذلك عاقل، إذ لا يتوهم خلافه.
[إملاء ٣٥]
[معنى بيت لابن قلاقس الإسكندري]
وقال وقد سئل عن قول ابن قلاقس الإسكندري (٢):
ما بال هذا الريم أن لا يريم لو كان يرثي لسليم سليم (٣)
فقال: "سليم" الثاين فاعل لـ "يرثي"، بمعنى: سالم. و" سليم" الأول بمعنى: لديغ. فإنهم يقولون للديغ": سليم، وللأعمى (٤) بصير، على سبيل
_________________
(١) البيت من بحر الوافر وقائله جرير. انظر ديوانه ص ٢١ (بيروت). والرواية فيه: لو أصبت. وهو من شواهد الرضي ٢/ ٢٤، وابن يعيش ٣/ ١١٠، والمقرب ١/ ١١٩، والمغني ٢/ ٥٤٨ (دمشق)، والهمع ١/ ٦٧، وأمالي ابن الشجري ١/ ١٠٦.
(٢) هو نصر الله ين عبد الله بن قلاقس الاسكندري. كانت ولادته بالا سكندرية سنة ٥٣٢هـ. وتوفي بعيذاب سنة٦٧هـ. كان شاعرا مجيدا وفاضلا نبيلا. انظر: وفيات الأعيان٦/ ٣٨٥.
(٣) البيت من البحر السريع. انظر ديوانه ص٥٣٩ (رسالة دكتوراه- إعداد سهام الفريح -جامة القاهرة سنة١٣٩٨هـ- ١٩٧٨م). وقد ذكره ابن خلكان (٠٦/ ٣٨٥) برواية مختلفة: ما ضر ذاك الريم لا يريم. وقال: إنه مطلع قصيدة قالها في مدح القاضي الفاضل عبد الرحيم. الريم: الظبي الأبيض. لابريم: لا يبرح. انظر: اللسان (ريم).
(٤) في الأصل وفي م: الأعمى. وما أثبتناه أصوب.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
التفاؤل. ولا يحسن أن يكون "سليم" الثاني تأكيدا للأول على وجه التأكيد اللفظي، لأنه أولا قد فهم منه قصد التجانس، وليس هذا عندهم معدودا في التجانس. وأيضا فأنه يلزم أن يكون لـ " يرثي" مضمر عائد (١) على " الريم"وليس المعنى عليه، فظهر أن الوجه أن يكون على ما ذكرناه ويكون جواب " لو" محذوفا دل عليه ما قبله، لأن ما قبله يدل على إنكار ذلك وهو كونه: لايريم، والتعجب منه. ثم قال: لوكان يرثي لسليم سليم، على أحد وجهين: إما على الإنكار على نفسه في إنكار الأول، أي: لو كان يرثى للديغ سالم لتوجه الإنكار أو التعجب، أما إذا كان جاريا على المعتاد فلا معنى للإنكار أو للتعجب. وإما على أن يكون الجواب ما دل عليه قوله: أن لا يريم، كأنه لو كان يرثي لسليم سليم لرام. فإن قيل: فقد تقدم ذكر الريم، فليكن فاعل "يرثي" باللام لأنه معهود سابق. فالجواب: أن ذلك إنما يكون إذا أعيد اللفظ الأول مثل قولهم: جاءني رجل، ثم تقول: ما فعل الرجل. وإنما فعلوا ذلك لئلا يؤدي إلى الإلباي بغيره. فإن قيل: لا يلائم عجز البيت صدره، لأن اوله خاص وآخره عام، لأن "لو" من حروف الشرط، والمعلق على الشرط يعم بدليل قولهم: لو أكلامتني أكرمتك، وهذا عام. فالجواب: إنما يمتنع لو لم يكن المذكور في صدر البيت داخلا في العموم، وأما إذا كان داخلا فلا يمتنع، فإن المعنى: لو كان يرثي سليم ما لسليم، فيدخل الريم وعيره.
_________________
(١) في الأصل وفي النسخ الأخرى: مضمرا عائدا. والصواب ما أثبتناه لأنه اسم (يكون).
[ ٢ / ٦٦٣ ]
[إملاء ٣٦]
[لا يصح التمييز عن كل مبهم]
وقال: توهم تعض النحويين أنه يصح التمييز عن كل مبهم مثل قوله تعالى: ﴿فاما رأوه عارضا﴾ (١). ويزعم أنه مصوب على التمييز (٢) من الضمير في (رأوه)، وكذلك قول الشاعر:
لا بارك الرحمن فيها عقربا دبابة دبت إلى دباب (٣)
وكذلك توهم في قوله تعالى: ﴿ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾ (٤)، وشبهه كثير. وهذا غلط، لأن التمييز رفع الإبهام المستقر عن ذات مذكورة أو مقدرة. ونعني بالمستقر ما لا ينفك عنه الإبهام باعتبار الوضع، والمضمر ليس فيه ذلك. فإنه إنما يضمر الشيء بعد أن يعرف، واسم الإشارة وإن سمي مبهما فلا ينفك عن قرينة مشروطة فيه باعتبار الوضع يتبين بها غالبا، ومن هذه الجهة كان الوهم لما رأوها لايفهم منها ماهية مسماها توهموا أنها كعشرين وثلاثين وليسا بسواء، إذ عشرون وثلاثون لا ينفك عن الإبهام باعتبار الوضع. وهذا وبابه إن فرض إبهام فللذهول عن قرينة الإشارة المعينة، وصحة وصفها بأسماء الأجناس كقولك: مررت بهذا الرجل واشتريت هذا الكتاب، توهم ذلك من حيث إن الصفة المعنى فيها هو المقصود. فلو كان هذا يفهم منه الرجولية بالإشارة، لكان الرجل ونحوه تكريرا.
_________________
(١) الأحقاف: ٢٤.
(٢) قال الزمخشري: " إما تمييزا وإما حالا. وهذا الوجه أعرب وأفصح". الكشاف ٣/ ٥٢٤.
(٣) هذا البيت من الرجز. وقد ذكره ابن شاكر في فوات الوفيات٣/ ٩٣ (تحقيق الدكتور إحسان عباس)، وقال: إنه لابن بسام البغدادي وه علي بن محمد بن نصر منصور بن بسام أبوالحسن البغدادي المتوفي سنة ٣٠٢هـ.
(٤) البقرة: ٢٦. وذكر أبو حيان أن انتصابه على التمييز عند البصريين. أما الكوفيون فإنهم ينصبونه على القطع. قال: " والمختار نصبه على التمييز". البحر المحيط١/ ١٢٥.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
والجواب: أن الصفة ليست كالتمييز فإنها تجري للتوضيح والتخصيص. ولما كان المشار إليه ههنا محتملا هذه الذات وغيرها بتقدير الجهل بالقرينة حسن إجراء هذه الأسماء وصفا، كما حسن أن تقول: العين الباصرة والعين الجارية، ولو صح منها تمييز بهذا الاحتمال من الأسماء المشتركة، ولاقائل به ولا (١) جرم، لما جاء شيء من الضمائر مبهمة الذات فسرت بمنصوب على التمييز كقولهم: ربه رجلا ونعم رجلا، وما أشبه ذلك.
[إملاء ٣٧]
[معنى بيتين مجهولي القائل]
وقال وقد سئل عن قول بعض المبتدئين في صناعة الشعر:
يا عقرب الصدغ على خده خافي من الآس على ورده
ويا قضيب البان خف خشية من دقة الخصر على قده (٢)
شبه ما ينعطف من أطراف شعر الصدغ بالعقرب، وأضاف إليه لا ختصاصه به. وقوله: على خده، حال لبيان محله. وقوله: خافي، أمر من: خاف يخاف، لما اتصل به ضمير المخاطب المؤنث وجب إثبات ألفه، وكذالك: خافا وخافوا، وخفي: لحن فاحش. وقوله: من الآس على ورده، تشبيه لمبادي شعر الوجه بالآس لخضرته وللحمرة به بحمرة الورد.
_________________
(١) في ب، د، س: لا.
(٢) هذان البيتان من البحر السريع ولم أعثر لهما على قائل. الصدغ: ما انحدر من الرأس إلى مركب اللحيين، وقيل: هو ما بين العين والأذن. انظر اللسان (صدغ). الآس: ضرب من الرياحين. والبان: شجر يسمو ويطول في استواء وليس لخشبه صلابة، واحدته بانه.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
ويحتمل قوله: خافي، إلى آخره (١)، أمورا: أحدها: أن يكون: خافي على نفسك مما يجاورك من الآس في حال حصوله لى الورد، أو: خافي من الشعر المشب للآس على عادتها في نفرتها من خشونة الشعر. أو: خافي على الورد أن يغلب عليه الآس. فتعلق " على ورده" في الأول والثاني بمحذوف حال من الآس، وتعلقه في الثالث بـ "خافي". وقوله: ويا قضيب البان، شبه قامته بقضيب البان على عادتهم. وقوله: من دقة الخصر على قده، كالأول والثالث في قوله: على ورده (٢).
وكل هذه التشبيهات مستعملة في أشعار الشعراء. والأمر بالخوف في البيتين غريب، وليس ببعيد عن الاستحسان.
[إملاء ٣٨]
[توجيه إعراب كلمتين في بيت لعمر وبن معد يكرب]
وقال ممليا على قول الشاعر وهو من أبيات سيبويه:
الحرب أول ما تكون فتية تسعى بزينتها لكل جهول (٣)
يروى بنصب "أول" ونصب " فتبية" ورفعهما، ورفع الأول ونصب الثاني، ونصب الأول ورفع الثاني.
_________________
(١) إلى آخره: سقطت من د.
(٢) فقوله: على قده، متعلق بمحذوف حال من الخصر، أو متعلق بقوله: خف.
(٣) هذا البيت من الكامل وقائله عمرو بن معد يكرب. انظر شعره ص١٤٢. وهو من شواهد سيبويه١/ ٤٠١، والمقتضب ٣/ ٢٥١، والحماسة البصرية ١/ ١٨، والشعر والشعراء لابن قتيبة ص٢٢٠، والإيضاح في شرح المفصل ١/ ٢٠٠. ورواية سيبويه والمقتضب: تسعى ببزتها. والشاهد فيه رفيه رفع (أول) ونصب (فتية) والعكس، ورفعهما جميعا ونصبهما على تقديرات مختلفة.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
فإذا انتصبا جميعا (١) كان نصب "فتية" إما على أن يكون حالا إما من الضمير في "تسعى"، أي: تسعى ببزتها (٢) في حال كونها فتية وإما حال من الضمير في "تكون" على أن يكون "أول" ظرفا معمولا لـ "تسعى"، أي: تسعى ببزتها لكل جهول في زمن أول وجودها في هذه الحال، فيكون المعنى على أنسعيها ببزتها في أول زمن وجودها على هذه الحال. وإما على أن تكون خبرا لـ "تكون" والمعنى كان. والنصب في "أول" إما على الظرف لـ " تسعى"، أي: تسعى بزينتها أول وجودها، وإما على الظرف لـ " فتية" على أن لا تكون معمولا لـ "تكون" بل لـ "تسعى"، أي: تسعى بزينتها في حال كونها فتية في أول وجودها. وإذا ارتفعا جميعا كان رفع "أول" على أنه بدل من الحرب، وخبره " فتية"، كأنه قال: أول أكوان الحرب فتية، وهو من بدل الاشتمال. وصح الإخبار عن الكون بصفة ما هو كائن فيه كما صح وصف الليل بنائم ووصف اليوم بالأليم، كقولهم: ليل نائم، ومن عذاب يوم أليم، فوصف بصفة ما هو واقع فيه. ولا يستقيم أن يكون خبرا بعد خبر، إذ لا يستقيم أن يخبر عن الحرب بأول أكوانها لفساد المعنى لتغابر الذاتين في المعنى. ورفع " فتية" واضح (٣). وإذا انتصب الأول وارتفع الثاني كان نصب "أول" على أنه ظرف لـ "فتية"، أي: فتية أول ما تكون، كأنه قيل: مستحسنة أول أكوانها. ولا يجوز أن يكون حالا من الحرب لأنه مبتدأ، ولا موضع خبر عنه، لأنه لا فائدة
_________________
(١) ولم يذك ر سيبويه هذا الوجه.
(٢) في د: بزينتها.
(٣) على أنه خبر المبتدأ الذي هو: الحرب.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
فيه إذ كل شيئ مستقر أول أكونه. ولا يجوز أن يكون معمولا لـ " تسعى" لوقوعه بين مبتدأ وخبر قبله، ورفع "فتية" على أنه خبر المبتدأ. وإذا ارتفع الأول وانتصب الثاني كان "أول" إما مبتدأ ثانيا و"فتية" حال سد مسد الخبر كقولك: زيد أخطب ما يكون قائما، وإما بدلا من " الحرب" بدل الاشتمال، و"فتية" حال سد مسد الخبر أيضا، كأنك قلت: أول ما تكون الحرب فتية. ونصب " فتية" كنصب " قائما" في قولك: أخطب ما يكون الأمير قائما (١). ومهما جعل "تسعى" عاملا فيما قبله كان خبر المبتدأ، ومهما جعل ما قبله خبرا كان إما خبرا بعد خبر، وإما جملة مستأنفة.
[إملاء ٣٩]
[معنى بيت غريب]
وقال وقد سئل عن معنى قول الشاعر:
في فتى علق الطلاق بشهر قبل مابعد قبله رمضان (٢)
بعد أن ادعي أنه من المعاني الدقيقة الغريبة التي لا يعرفها في مثل هذا الزمان أحد. فقلت: إنما يستعظم معنى مثل ذلك قوم ليست لهم ممارسة لدقائق العلوم الشرعية. فإذا وقع لهم أنهم فهموا مثله رأوا أنهم فازوا من العلم بنائل أو حلوا بطائل. وقد أجريت هذه المسألة بعينها بمصر وأجيب بما فيه كفاية. ثم سئلت
_________________
(١) قال سيبويه: "كأنه قال: الحرب أول أحوالها إذا كانت فتية، كما تقول: عبد الله أحسن ما يكون قائما". الكتاب ١/ ٤٠٢.
(٢) وهذا البيت من البحر الخفيف ولم أعثر على قائله.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
عنها بدمشق، فقلت: هذا البيت ينشد على ثمانية أوجه. لأن ما بعد "قبل" الأول قد يكون قبلين وقد يكون بعدين، وقد يكونان مختلفين. فهذه أربعة أوجه، كل واحد منها قد يكون قبله قبل وقد يكون قبله بعد، صارت ثمانية. ثم أقدم قاعدة ينبني بفسير الجميع عليها، وهو أن كل ما اجتمع فيه منها قبل وبعد فألغهما، لأن كل شهر حاصل بعد ما هو قبله وحاصل قبل ما هو بعده، فلا يبقى حينئذ إلا بعده رمضان، فيكون شعبان، أو قبله رمضان، فيكون شوالا، فلم يبق إلا ما جميعه قبل أوجميعه بعد. فالأول هو الشهر الرابع من رمضان، لأن معنى: قبل ما قبل قبله رمضان، شهر تقدم رمضان قبل شهرين قبله وذلك ذو الحجة. والثاني وهو الرابع أيضا ولكن على العكس، لأن معنى: بعد مابعد بعده رمضان، شهر تأخر رمضان بعد شهرين بعده وذلك جمادى الآخرة فإذا بقرر ذلك فقل: قبل ما قبله رمضان ذو الحجة، لأن ما قبل قبله شوال وقبله رمضان، فهو ذو الحجة. وقبل ما بعد بعده رمضان شعبان، لأن المعنى: بعده رمضان وذلك شعبان. قبل ما قبل بعده رمضان شوال، لأن المعنى: قبله رمضان وذلك شوال. قبل ما بعد قبله رمضان شوال، لأن المعنى أيضا: قبله رمضان وذلك شوال. فهذه الأربعة الأول، ثم أجر الأربعة الأخر على ما بقدم. فقل: بعد ما قبل قبله رمضان شوال، لأن المعنى: قبله رمضان وذلك شوال، بعد ما بعد بعده رمضان جمادى ألأخرة، لأن المعنى: ما بعده شعبان وبعده رمضان فهو جمادى الآخرة. بعد ما قبل بعده رمضان شعبان. لأن المعنى: بعده رمضان وذلك شعبان، بعد ما بعد قبله رمضان شعبان، لأن المعنى أيضا: بعده رمضان وذلك شعبان. وهذه المسألة منقولة من خط يده الكريمة.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
[إملاء ٤٠]
[توجيه إعراب كلمة في بيت للمتنبي]
قال ممليا على قول المتنبي:
مغاني الشعب طيبا في المغاني بمنزلة الربيع من الزمان (١)
يجوز أن يكون "طيبا" تمييزا من النسبة المفهومة من متعلق الخبر في قوله: بمنزلة الربيع، أي: مقدرة طيبا، أي: مقدر طيبها، فنسب إليها، والمراد طيبها. فلما قصد إلى تبيين المنسوب إليه ذكره منصوبا على التمييز كما تقول: زيد حسن وجها (٢). ويلزم أن يكون فيه تقديم التمييز على عامله، إلا أن يقدر المتعلق قبله، كأنه قال: حاصل طيبها في المغاني بمنزلة الربيع. ويجوز أن يقال: إن النصف الأول جملة مستقلة، فيكون "طيبا" منصوبا على التمييز عن خبر محذوف دل عليه النصف الثاني، كأنه قال: أحسن طيبا وأظهر وما أشبهه. لأنه لما فضل الربيع على الزمان علم أن المراد تفضيل هذه المغاني على غيرها، ويكون قوله: في المغاني، متعلقا (٣) بـ "أحسن" المقدر، ويكون قوله: بمنزلة، إما خبر مبتدأ (٤) محذوف، أي: هي بمنزلة الربيع، ويجوز (٥) أن يكون خبرا بعد خبر.
_________________
(١) البيت من بحر الوافر وهو مطلع قصيدة قالها في مدح عضد الدولة وولديه أبي الفوارس وأبي دلفسن ويذكر طريقه بشعب بوان. انظر الديوان ٤/ ٢٥١. وقوله: الشعب، هو شعب بوان، وهو أحد متنزهات الدنيا، وهو في بلاد فارس. انظر: معجم البلدان (١/ ٥٠٣). والمغاني: هي الأماكن التي فيها أهلها.
(٢) ونقل أبو البقاء عن أبي الفتح أن الشاميين ينصبونه بإضمار فعل، أي: تزيد طيبا، أو تطيب طيبا، وأن البغداديين يرفعونه. ووجه رفعه أن المغاني مبتدأ، وطيب خبره انظر: الديوان٤/ ٢٥١.
(٣) في الأصل: متعلق. وهو خطأ. لأنه خبر يكون.
(٤) في م: لمبتدأ. وهو خطأ. ويصح لو كان ما قبلها منونا.
(٥) الأصوب أن تكون هذه الكلمة: وإما. ولكن هكذا وردت في جميع النسخ.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
ويجوز أن يكون "طيبا" حلا معمولا لمتعق "بمنزلة"، أي: مقدرة بمنزلة الربيع من الزمان في حال طيبها بالنسبة إلى الأزمان، ولا يكون من باب تقديم الحال على العامل المعنوي، لأن العامل ههنا محذوف مقدر بلفظ: مقدرة، لا بالاستقرار. والتقديم على العامل المعنوي في مثل ذلك إنما يمتنع إذا كان المتعلق استقرارا. فأما إذا كان غيره فليس من ذلك، وإنما هو من باب المعمول المحذوف عامله، وذلك سائغ في الحال وغيره. وإن (١) قدرت متعلق " بمنزلة" مقدما على "طيب" اندفع الإشكال.
[إملاء ٤١]
[معنى وإعراب بيت للمتنبي]
وقال ممليا على قول المتنبي وهو:
أهلا بدار سباك أغيدها أبعد ما بان عنك خردها (٢)
أهلا بدار: دعاء للدار على وجهين: أحدهما: خطابها على نحو ما يخاطب المترحب به كعادتهم في خطاب الديار، لأنها لما قابلته (٣) شبهها بمن أقبل عليه، وخاطبها بتحية الآدميين، فيكونن مفعولا بقوله: أتيت أهلا على الوجه الأول. والثاني: أن يكون استعمل ما هو للتحية للمخاطبين لمجرد الدعاء لما كثر دعاء حتى صار معنى الأهل فيه نسيا منسيا. ويفهم الدعاء فيه من لا
_________________
(١) في م: وإذا.
(٢) هذا البيت من البحر المنسرح وهو مطلع قصيدة قالها في صباه يمدح فيها محمد بن عبيد الله العلوي. انظر: الديوان١/ ٢٩٤. الأغيد: الناعم. والخرد: جمع خريدة وهي البكر التي لم تمس. قال أبو البقاء في معناه: "إنه لما دعا للدار بالسقيا ورجوع الأهل إليها بكى. وقال: هذه الدار أبعد شيء فارقك، وبان عنك جواريها الناعمات الأبكار".
(٣) في م: قابلها. والصواب ما أثبتناه، لأن المعنى يقتضيه.
[ ٢ / ٦٧١ ]
يخطر له مدلول الأهل ببال، فيكون دعاء بالخبر على حسب ما يليق بالمدعو له، كأنه قال: عمرت أو سقيت أو ما أشبه ذلك، فيجوز (١) نصبه على المصدر. وقوله: سباك أغيدها، يجوز أن يكون جملة مستأنفة على الوجهين. ويجوز أن يكون صفة لقوله: بدار، على الوجهين، إلا أنه يقوى الوجه الأول للوجه الأول، ويقوى الوجه الثاني للوجه الثاني. ويصح أن يكون مخاطبا لنفسه وأن يكون مقدرا غير مخاطبا له، أي: مقول فيها: سباك أغيدها. وقوله: أبعد ما بان عنك خردها. أبعد: يجوز أن يكون حالا من "أغيدها"، أي: في حال كونه أبعد ما بان، كما تقول: جاءني زيد أحسن ما كان. ويضعف من وجهين: أحدهما: أنه مضاف إلى "ما بان"، فإما أن يقدر مصدرا، وإما أن يقدر ظرفا، فيجب أن يكون " أبعد" جزءا منهما في المعنى، فيمتنع جعله حالا لتغاير الذوات. والوجه الثاني: أنه لا بد في الحال الإفرادية من ضمير لصاحبها، ولا ضمير. والجواب عن الأول: أنه إذا أريد بأفعل التفضيل تفضيل من هو له على نفسه باعتبار أحواله، أضيف إلى "ما" هذه. لأنهم لو أضافوه كما يضيفونه إذا كان مفضلا لوقع اللبس بين تفضيل حال من أحواله على بقيتها وبين تفضيله على أحوال غيره، ويدل عليه جواز قولهم: اشتريته أرخص ما كان، وبعته أغلى ما كان، وأهنته أعز ما كان، وعززته أهون ما كان، والجواب عن الثاني من وجوه: أحدها: الضمير في خردها للأغيد وإن كان مؤنثا، لأن "إغيد" صفة في المعنى لمؤنث. الثاني: أن يكون المراد: خرد
_________________
(١) في م: فيكون.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
أغيد الدار، فلما قصد إلى إضافته وقد تقدم ذكرهما أضمرهما، وتعذر إضافة المضمر إلى المضمر، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه (١). والثالث: أن يريد بالخرد الأغيد، فكرره بغير لفظه، فكأنه قال: أبعد ما بانوا عنك أو بن عنك. ويجوز أن يكون "أبعد" ظرفا معمولا لـ "سباك" أو لمعنى الدعاء في "أهلا"، وهذا أقوى باعتبار اللفظ، والأول أقوى باعتبار المعنى، وتقديره: سباك أغيدها في أبعد أزمنة البعد. أما "أبعد" فجملة مستأنفة لدخول همزة الاستفهام عليها، حذف فعلها للدلالة عليه. ومعناها الإنكار، على معنيين: أحدهما: أتترحب أو أتدعولها بعد أن بان أحبابك منها؟ والثاني: أتتأسف عليها بعد أن بانوا منها؟ ويجوز أن يكون من تتمة قوله: ظلت بها، في البيت الثاني (٢)، فيكون تضمينا مع أنه لا حاجة إليه.
[إملاء ٤٢]
[معنى وإعراب بيت للمتنبي]
وقال ممليا على قول المتنبي وهو:
يعلمن ذاك وما علمت وإنما أولاكما ببكى عليه العاقل (٣)
_________________
(١) مثل: واسأل القرية، أي: أهل القرية.
(٢) وهو قوله: ظلت بها تنطوي على كبد نضيجة فوق خلبها يدها
(٣) البيت من البحر الكامل وهو من قصيدة قالها في مدح القاضي أبي الفضل أحمد ين عبدالله الأنطاكي. الديوان ٣/ ٢٥٠. ومعنى قوله: أولاكما: أحكما، والعاقل: يريد به الفؤاد. وقد أوضح المؤلف معنى هذا البيت والبيت الذي قبله، وما قاله لا يختلف عما ذكره أبو البقاء في شرحه.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
يقول: إن منازل أحبابي لشغفي بها من أجل أحبابي صار في قلبي لها منازل، وإذا كان في قلبي لها منازل لمنازل الأحباب لأجل الأحباب فما ظنك بالأحباب. ثم انعطف فقال: أقفرت أنت ممن كان يحلك منهم، والمنازل التي في قلبي لك لم تخل منك. وإذا لم تخل منها لأجل أحبابه فما ظنك بأحبابه (١). ثم انعطف على صفتها بوصف آخر زائد، أو ابتدأ به على الاستئناف في التقديرين قاصدا إلى أن هذه المنازل لها مزية بالعلم القائم بها. ثم أخبر بما معناه نفي وإثبات وهو قوله: وإنما، على أن منازل قلبه أولى بالبكاء عليها، لكونها عالمة، من البكاء على الجماد. واستغنى بما في قوة الكلام من قوله: ببكى عليه، من إظهار المعنى الذي من أجله كان البكاء. فكأنه قصد إلى معنى أولى المنازل التي بليت وأصابتها النوائب بالبكاء عليها هي المنازل التي شرفت بالعلم. يشير إلى أن فؤاده الذي كنى عنه بالمنازل قد أصابه من البلاء والألم ما لم يصب المنازل ببلاها وخلوها. و"أولاكما" مبتدأ، و"ببكى" متعلق به، و"عليه" متعلق "ببكى"، و"العاقل" خبر المبتدأ، كقولك: أولى الناس بالافضال علي أنت. وأفادت "إنما" ما يفيده قولك: ما أولاكما بالبكاء عليه إلا العاقل. وأتى بلفظ الخطاب للمنازل المثناة لما قصد إلى القبيلين، وإن كان لم يخاطب في صدر كلامه إلا المنازل الخارجة، ولكنه لما أدخلها معها في القصد في آخر الكلام وجب لفظ الخطاب، كما تقول: جاءني زيد وأنت
_________________
(١) ما ذكره ابن الحاجب هنا هو معنى البيت الذي قبل البيت المقصود وهو قوله: لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أواهل ولإيضاح المعنى شرح هذا البيت، لأن البيتين مرتبطان في معناهما.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
أكرمتكما، وإن كان زيد بلفظ الغيبة، إلا أنه لما قصد إدخاله في حكم المخاطب وجب إخراج الكلام فيهما مخرج الخطاب. وضعف أن يكون موضع "ببكى" يبكى عليه؛ لأنه إن جعل خبرا لم يخل أن يكون "العاقل" مرفوعا به أو مرفوعا بفعل مقدر. فإن كان مرفوعا به فسد المعنى. لأنك إن جعلت الضمير للعاقل بقي المبتدأ بلا عائد، إن جعلته للمبتدأ صار مبكيا عليه بـ"يبكى"، والعاقل مبيكا عليه بـ " يبكى" فيفسد. وإن كان مرفوعا بفعل مقدر ضعف من حيث إنه يصير مخرىا عن أولاهما بـ"يبكي العاقل عليه"، فلم يكن فيه تنبيه على جهة الأولوية، ولا تنبيه على علة الأولوية وهو العقل، لأن العاقل ههنا يصير الباكي، وفيما تقدم يصير هو الأولى بالبكاء عليه. وإن جعل حالا، كان قائلا: إن أولاكما في حال كونه مبكيا عليه العاقل منكما، فيفسد المعنى، لأنه يصير إلى أن المعنى أولاكما بأمر آخر غير البكاء من حيث إنه جعل كونه مبكيا عليه حالا ثابتة، فلا يستقيم أن يكون بيانا لجهة الأولوية، وإن جعل موضع "ببكى" يبكى، غير مبني لما لم يسم فاعله من حيث الوجهان المتقدمان، وهو أنه لم يذكر جهة الأولوية لأنه جعل البكاء خبرا، وهو يخالف جهة الأولوية. وأنه جعل العاقل باكيا، والسياق يقتضي خلافهما، إذ الغرض بيان جهة الأولوية، وبيان أن الأولى بالبكاء العاقل منهما (١).
_________________
(١) قال أبو البقاء في معناه: "يقول: منازلك التي في الفؤاد يعلمن بحالك وحالهن. فهن أواهل بذكرك وأنت مقفرة من ذكر أهلك. ولست تذكرين منازلك التي في الفؤاد. أولاكما بالبكاو عليه العاقل، يعني منازل القلب. يريد: أن قلبي أولى بالبكاء لأنك جمد، لا تعلمين ما حل بك من فرقة أهلك". الديوان ٢/ ٢٥٠.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
[إملاء ٤٣]
[معنى وإعراب بيت للمتنبي]
وقال ممليا على قول المتنبي:
أحاد أم سداس في أحاد لييلتنا المنوطة بالتناد (١)
يجوز أن تكون "أم" فيه متضلة ويكون قد حذف الهمزة من أحاد ضرورة، كأنه قال: أأحاد أم سداس في أجاد لييلتنا؟ فيكون " أحاد" خبرا لـ "لييلتنا" واجب التقديم لكونه مع ما يعادله المقصود بالاستفهام. وشرط الهمزة المعادلة لـ "أم" أن يليها أحد الأمرين المطلوب تعيين أحدهما، ويلي "أم" الآخر، كأنهم قصدوا إلى ان يفهموا السامع من أول الأمر المطلوب تعيينه. فيقولون إذا استفهموا عن تعيين خبر: أفائم زيد أم قاعد؟ أو أقائم أم قاعد زيد؟ وإذا استفهموا عن تعيين مخبر عنه والخبر واحد [يقولون] (٢): أزيد قائم أم عمرو؟ أو أزيد أم عمرو قائم؟ ولا يقولون في الأول: أزيد قائم أم قاعد؟ ولا يقولون في الثاني: أقائم زيد أم عمرو؟ ويجوز أن تكون "أم" منقطعة، فيكون أحاد خبرا أيضا غير واجب التقديم لفقدان الموجب لتقديمه. فيكون قد أخبر عن ليلته بأنها واحدة، ثم لما نظر إلى طولها فحصل له الشك في أنها ست (٣) فقال: بل أهي ست؟ (٤) كقولهم: إنها لإبل أم شاء.
_________________
(١) هذا البيت من الوافر. وهو مطع قصيدة قالها يمدح علي بن إبراهيم التنوخي. انظر: الديوان١/ ٣٥٣، ومغنى اللبيب١/ ٤٧ (دمشق)، وشرح المشكل من شعر المتنبي ص٧٠. ومعنى المنوطة: المتعلقة. والتناد: يوم القيامة. ونقل أبوالبقاء عن أبي الفتح أنه يريد: ينادي أصحابه بما يهتم به، وعلى هذا استطال الليلة حتى عزم في صباحها على الحرب، شوقا إلى ما عزم عليه.
(٢) زيادة من عندي يقتضيها السياق.
(٣) في ب: سنة. والصواب ما أثبتناه.
(٤) في ب: سنة. والصواب ما أثبتناه.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
فلو قدم المبتدأ على المعنى الثاني لم يمتنع، ولو قدم المبتدأ في التقدير الأول لم يجز لما ذكرناه. والمعنى على الإعراب الأول: أنه استطال هذه الليلة فشك أهي واحدة أم ست (١) فطلب التعيين على مذاهبهم في التشكيكات الهذيانية كقوله:
آأنت أم أم سالم (٢)
وعلى الإعراب الثاني: أنه أخبر أنها واحدة، ثم طرأ الشك عليه، فأضرب عن إخباره ثم سأل فقال: أهي ست؟ كقولهم: إنها لإبل أم شاء. وقوله: أحاد، يعني به واحدة، استعمل لفظة أحاد في غير ما وضع له، وكذلك سداس، وإنما أراد واحدة أم ست في واحدة. وأحاد وسداس عند من أثبته ليس موضوعا لواحد وستة، وإنما هو موضوع لواحد واحد وستة ستة، كقولك: جاء القوم أحاد وسداس، أي: واحدا واحدا وستة ستة. وأما استعمال أحاد بمعنى واحد مفرد، وسداس بمعنى ست فغير معروف (٣). وقوله - ﷺ -: "صلاة الليل مثنى مثنى" (٤)، وإن فسر بمعنى اثنتين اثنتين، ليس على معنى أن كل واحد من "مثنى" موضوع بمعنى اثنتين منفردا، وإنما
_________________
(١) في ب: ستة. والصواب ما أثبتناه.
(٢) سبق الكلام عنه في الإملاء (١١٢) من الأمالي على المفصل. ص: ٤٥٧.
(٣) قال ابن هشام: "وأعلم أن هذا البيت اشتمل على لحنات: استعمال أحاد وسداس بمعنى واحدة وست، وإنما هي بمعنى واحدة واحدة وست ست. واستعمال سداس وأكثرهم يأباه ويخص العدد المعدول بما دون الخمسة. وتصغير ليلة على لييلة، وإنما صغرتها العرب على لييلية بزيادة الياء على غير قياس". مغني اللبيب١/ ٤٨ (دمشق).
(٤) رواه أبو داود (صلاه:٣١٤)، والترمذي (صلاه: ٢٠٧)، وابن ماجة (إقامة: ١١٦).
[ ٢ / ٦٧٧ ]
معنى كل واحدة منهما اثنين ااثنين (١)، وكررت للتأكيد. فلما فسرت فسرت بأصل المعنى دون التأكيد. ولو فسرت عليهما لقيل معناه: اثنتان اثنتان اثنتان اثنتان.
[إملاء ٤٤]
[حذف علامة التأنيث من الفعل]
قال النحاس (٢) في كتابه الكافي (٣) في النحو عن أبي إسحق الزجاج في قول الشاعر:
ولو ولدت فقيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلابا (٤)
بقديره: ولو ولدت فقيرة الكلابا ياجر وكلب لسب بذلك السبب الجرو. وقال ﵀ ممليا: يلزم قائل هذا القول أنه حذف علامة التأنيث من قوله: لسب، وهو ضعيف، لأن الفعل إذا أسند إلى فاعل مضمر غير حقيقي فالفصيح إثبات العلامة، فهذا جاء به على ذلك الوجه البعيد. وكان يلزمه على الفصيح أن يقول: لسبت.
_________________
(١) هكذا في الأصل والنسخ الأخرى. والصواب: اثنتان اثنتان.
(٢) هو أحمد بن محمد بن إسماعيل أبو جعفر النحاس. أخذ عن أبي إسحاق الزجاج. من مؤلفاته: كتاب إعراب القرآن، وكتاب تفسير أبيات سيبويه، وكتاب الكافي في النحو، وكتاب معاني القرآن. توفي سنة ٣٣٨هـ. انظر: بغية الوعاة ١/ ٣٦٢، وطبقات النحويين واللغويين ص٢٣٩
(٣) قال الدكتور أحمد نصيف الجنابي: إن هذا الكتاب مفقود. انظر: الدراسات اللغوية والنحوية في مصر ص٣٩١ (مكتبة دار التراث بالقاهرة).
(٤) هذا البيت من الوافر وهو لجرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق. وليس في ديوانه. وهو من شواهد الخصائص ١/ ٣٩٧، والرضي ١/ ٨٥، وابن يعيش٧/ ٧٥، والخزانة١/ ١٦٣، والهمع١/ ١٦٢. ويستشهد به النحويون على إنابة الجار والمجرور عن الفاعل مع وجود المفعول به.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وإن أريد جعل "بذلك الجرو" في موضع الفاعل ولا ضمير في "لسب"، والمعنى: لحصل السب بسبب ذلك الجرو، كان مستقيما.
[إملاء ٤٥]
[سيبويه يمنع العطف على عاملين]
قال ممليا: سيبويه يمنع العطف على عاملين بحرف واحد (١)، ويتأول قول الشاعر: هون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ولا قاصر عنك مأمورها (٢)
يقول: لما كانت المنهيات من الأمور، والضمير في مأمورها عائد على الأمور الأولى، كان كأنه عائد على المنهيات لدخولها في الأمور. والله أعلم بالصواب (٣).
* * *
_________________
(١) انظر الكتاب ١/ ٦٤، ٦٥، ٦٦.
(٢) هذان البيتان من المتقارب وقد نسبهما سيبويه للأعور الشنى ١/ ٦٤. وهما من شواهد المقتضب ٤/ ١٩٦، والمقرب١/ ١٩٦، والهمع ١/ ١٢٨، والحماسة البصرية ٢/ ٢ والشاهد فيهما قوله: ولا قاصر، حيث إن سيبويه منع أن يكون عطفا على عاملين. قال: "وقد حره قوم فجعلوا المأمور للمنهي، والمنهي هو المأمور لأنه من الأمور وهو بعضها، فأحراه وأنثه". وقال أيضا: "وإن شئت نصبت فقلت: ولا قاصرا عنك مأمورها". ووجه الرفع فيه أن يكون خبرا، ومأمورها، يكون مبتدأ، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها.
(٣) بعدها في نسخة الأصل: فرغ من نسخه ظهيرة العاشور لسنة اثنتين وثمانين وستمائة عبد الرحمن بن يحيى التبريزي المذهبي في مدينة دمشق المحروسة.
[ ٢ / ٦٧٩ ]