[ ٢ / ٤٩٣ ]
[إملاء ١]
[الصفة الواقعة مبتدأ]
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلواته على خير خلقه محمد وآله أجمعين. قال الشيخ ﵀ إملاء بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة: قوله في المقدمة (١) في المبتدأ والخبر: "أو الصفة الواقعة بعد حرف النفي، وألف الاستفهام، رافعة لظاهر". احتراز من مثل قولهم: أقائم هو (٢)؟. فإنه لم يختلف في أن: أقائم؟ خبر مبتدأ مقدم، ولذلك وجب في التثنية: أقائمان هما؟ وفي الجمع: أقائمون هم؟ ولا يجوز: أقائم هما؟ ولا: أقائم هم؟ وبذلك (٣) جاء قوله ﵇: "أو مخرجي هم" (٤)، بتشديد الياء على ما ذكرناه. ولو كان على غير ذلك لكان أو مخرجي هم، بتخفيف الياء لأنه مفرد. ألا ترى أنك تقول: مخرج، ثم تضيفه فتقول: مخرجي، كما تقول: حصيري، وليس كذلك في التشديد. وإنما لم يجر المضمر في ذلك مجرى
_________________
(١) الكافية ص ٤ (استنبول سنة ١٣١٥ هـ).
(٢) هو: سقطت من س.
(٣) في ب، د: وكذلك. وما أثبتناه أصوب.
(٤) رواه البخاري (بدء الوحي: ٣، تعبير: ١)، ومسلم (إيمان: ٧٣). قال ابن كثير: "فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله - ﷺ - خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا، إذ يخرجك قولمك. فقال رسول الله - ﷺ -: أو مخرجي هم؟ فقال: نعم". انظر البداية والنهاية ٣/ ٣.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
الظاهر لما يؤدي إليه من جعل المتصل منفصلا، لأنه لابد أن يتقدم ذكر لما يعود عليه هذا الضمير. فلا يخلو إما أن يكون في اسم الفاعل مضمر غير هذا المنفصل أولا. فإن كان الأول فهو المقصود ويجب أن يكون غير رافع لما بعده، فوجب الاحتراز منه لوجوب الخبرية فيه لذلك. وإن لم يكن فيه ضمير فهو باطل لما يؤدي إليه من جعل المتصل منفصلًا مع إمكان الاتصال وذلك غير سائغ (١). ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول في مثل قولهم: يقوم هو، إنه فاعل لـ "يقوم"، وإن "يقوم" مجرد عن الضمير المتصل، لأدائه إلى ما ذكرناه. وكذلك: أقائم هو؟ لأنه فرعه ومحمول عليه.
[إملاء ٢]
[توضيح في تنازع الفعلين]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة تسع عشرة في باب تنازع الفعلين: قوله (٢): "وإذا تنازع الفعلان ظاهرًا بعدهما". فقوله: ظاهرًا، احتراز من مثل قولهم. جاءني وضربته، فإن كل واحد من الفعلين أخذ معموله، وشرط هذا الباب أن يكون الفعلان يصح عمل كل واحد منهما في ذلك المعمول، مثل: ضربني وأكرمني زيد، أو ضربت وأكرمت زيدًا، أو بالعكس (٣).
_________________
(١) لأن الضمير وضع للاختصار والإيجاز، والمتصل أكثر اختصارًا في تكوينه لقلة لفظه.
(٢) الكافية ص ٤.
(٣) قال الرضي: "قوله: ظاهرًا بعدهما، إنما قال ذلك لأن بعض المضمرات لا يصح تنازعه، وذلك لأن المضمر المتنازع لا يخلو من أن يكون متصلًا أو منفصلًا، ويستحيل التنازع في المضمر المتصل بالعامل الأخير مرفوعًا ومنصوبًا، لأن التنازع إنما يكون حيث يمكن أن يعمل في المتنازع فيه وهو في مكانه كل واحد من المتنازعين لو خلاه الآخر". شرح الكافية ١/ ٧٧.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
[إملاء ٣]
[الخلاف فيما يعمل من الفعلين في باب التنازع]
وقال أيضًا ممليًا في سنة ثماني عشرة على قوله (١): "فإن أعملت الثاني أضمرت الفاعل" إلى قوله: "إلا أن يمنع مانع فتظهر": قد تقرر أن إعمال كل واحد من الفعلين الموجهين إلى ظاهر واحد في المعنى جائز. إلا أن اختيار البصريين إعمال الثاني والكوفيين الأول (٢). ومعنى إعماله فيه أن تجعله معربًا بما يقتضيه تعلقه به من رفع أو نصب أو خفض بحرف جر. فإذا أعملت أحدهما فيه لم يجز أن تعمل الآخر فيه، فلابد من أن يكون متعلق الآخر مضمرًا أو محذوفًا أو مظهرًا. وبيان ذلك أن يقال: لا يخلو من أن يعمل الثاني أو الأول. فإن أعمل الثاني لم يخل الأول من أن يكون موجهًا على جهة الفاعلية أو المفعولية. فإن كان موجهًا على جهة الفاعلية فقيه ثلاثة مذاهب: أحدهما وهو المختار: أن يكون مضمرًا على وفق الظاهر، كقولك: ضرباني وضربت الزيدين، وشبهه، وهو وإن كان فيه إضمار قبل الذكر إلا أنه قد ثبت أن العرب اغتفرته تنزيلًا له منزلة المذكور للإيجاز والاختصار، كما فعلت مثله في قولك: هو زيد قائم (٣)، ونعم رجلًا زيد، لغرض. والثاني: مذهب الكسائي وهو أنه يحذف ولا يجوز إضماره قبل الذكر، فتقول: ضربني وضربت الزيدين. وإنما أوقعه في ذلك لما رأى أنه إضمار قبل الذكر، وإن الإضمار قبل
_________________
(١) الكافية ص ٤.
(٢) قال الرضي: "وإنما اختار البصريون إعمال الثاني لأنه أقرب الطالبين إلى المطلوب، فالأولى أن يستبد به دون الأبعد. وأيضا لو أعملت الأول في العطف في نحو: قام وقعد زيد، لفصلت بين العامل ومعموله بأجنبي بلا ضرورة، ولعطفت على الشيء وقد بقيت منه بقية، وكلاهما خلاف الأصل. وقال الكوفيون: إعمال الأول أولى لأنه أول الطالبين، واحتياجه إلى ذلك المطلوب أقدم من احتياج الثاني. ولا شك مع الاستقراء أن إعمال الثاني أكثر في كلامهم". شرح الكافية ١/ ٧٩. وانظر: الإنصاف مسألة ١٣.
(٣) في س: قائمًا.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
الذكر مستبعد في كلام العرب؛ فرجح جانب حذف الفاعل من الفعل على الإضمار قبل الذكر، وليس بالجيد، لأنه قد ثبت في كلامهم الإضمار قبل الذكر لغرض، ولم يثبت في كلامهم حذف الفاعل، فحمله على أمر قد ثبت مثله أولى من حمله على وجه لم يثبت مثله في كلامهم. والثالث: مذهب الفراء وهو أنه لا يجوز الإضمار ولا الحذف (١)، فيمنع جواز المذهبين جميعًا، ويوجب إما الإظهار فيهما، وإما الإظهار في الأول والإضمار في الثاني. وإن كان موجهًا على جهة المفعولية حذف قولًا واحدًا إن كان مما يسوغ حذفه، كقولك: ضربت وضربني زيد، لأنهم في غنية عن أن يضمروا قبل الذكر مع كونه فضلة، بخلاف إضمار الفاعل فإنه لابد من ذكره، فلا يلزم من مخالفة القياس لأمر موجب مخالفته لأمر غير موجب. ووقع في كلام بعض العلماء المتأخرين (٢) إضماره، وليس بالجيد، وإن كان مما لا يسوغ حذفه كالمفعول الثاني من باب: علمت، والثالث من باب: أعلمت، وجب الإتيان به مظهرًا، كقولك: ظنني منطلقًا وظننت زيدًا منطلقًا، وكقولك: أعلمني زيد عمرا منطلقًا، وأعلمته إياه منطلقًا.
وإن أعلمت الأول لم يخل الثاني من أن يكون موجهًا على جهة الفاعلية أو المفعولية أيضًا، فإن كان موجهًا على جهة الفاعلية وجب إضماره اتفاقًا على وفق الظاهر، كقولك: ضربت وضرباني الزيدين، إذ ليس فيه إضمار قبل
_________________
(١) قال الرضي: "ونقل المصنف عن الفراء منع هذه المسألة أي: إعمال الثاني إذا طلب الأول للفاعلية وقال: إنه يوجب إعمال الأول في هذا. والنقل الصحيح عن الفراء في مثل هذا أن الثاني إن طلب أيضًا للفاعلية نحو ضرب وأكرم زيد، جاز أن يعمل العاملان في المتنازع فيكون الاسم الواحد فاعلًا للفعلين. لكن اجتماع المؤثرين التأمين على أثر واحد مدلول على فساده في الأصول، وهم يجرون عوامل النحو كالمؤثرات الحقيقية". شرح الكافية ١/ ٧٩.
(٢) المتأخرين: سقطت من د، م، س.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
الذكر، فيتوهم امتناع الإضمار إلى الحذف كما قال الكسائي، أو يتوهم الامتناع كما قال الفراء في الأولى، ألا ترى أن التقدير: ضربت الزيدين وضرباني. وحكم ما كان مقدمًا في التقدير حكم المقدم حقيقة، فكما اتفق على جواز: ضربت الزيدين وضرباني، فكذلك: ضربت وضرباني الزيدين، إذ ليس بينهما إلا التقديم والتأخير الجائز، وذلك مثل: ضرب زيد غلامه، وضرب غلامه زيد. فالإضمار في قولك: ضرب غلامه زيد، سائغ على بابه لما كان زيد في التقدير مقدمًا، فكذلك ما ذكرناه من المسألتين المتقدمتين.
وإن كان الثاني موجهًا على جهة المفعولية، والكلام في إعمال الأول، فالمختار الإضمار إن أمكن. ويجوز الحذف إن كان مما يحذف، كقولك: ضربني وضربته زيد، وضربني وضربت زيد. وإنما اختير الإضمار لأنه ممكن والمعنى عليه، فكان أدل على المعنى (١) وأنفى للالباس. ويجوز الحذف لأنه فضلة، كما يجوز أن تقول: ضربت، من غير أن تذكر المفعول، وهذا كله إذا لم يمنع مانع من الإضمار والحذف. فأما إذا منع مانع وجب الإظهار مثاله: ظنني وظننتهما قائمين الزيدان قائمًا، فلا يجوز أن تضمر قائمين، ولا أن تحذفه. فأما مانع الإضمار فما يؤدي إليه من مخالفة بين مفعولين غير المتغايرين، أو مخالفة بين الضمير وما يعود إليه. ألا ترى أنك لو قلت: إياه، لخالفت بين ضمير الزيدين الذي هو المفعول الأول وبين إياه الذي هو المفعول الثاني في التثنية، وهو غير جائز، ولو قلت: إياهما، لخالفت بين "قائمًا" الذي يعود الضمير عليه وبين "إياهما" الذي هو ضمير له، وكلا الأمرين ممتنع، فامتنع. وأما لو غيرت الضمير إلى غير ذلك لوقعت المخالفة من الوجهين جميعًا، ومثاله أن تقول: إياهم أو غياها وشبهه. وإذا امتنع: إياه وإياهما، لما يؤدي إليه من أحد المحذورين فلأن يمتنع إياهم وإياها مع كونه يؤدي إلى
_________________
(١) المعنى: سقطت من د.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
[إملاء ٤] [معنى مذ ومنذ]
المحذورين جميعًا أجدر. وأما مانع الحذف فلأنه مفعول ثان في باب: ظننت. وقد تقرر أنه في المعنى كأحد جزئي الجملة، فلا يسوغ حذفه، فلذلك وجب أن تقول: ظنني وظننتهما قائمين الزيدان قائمًا، فلو قلت: ظنني وظننتهما الزيدان قائمًا، لكنت قد حذفت المفعول الثاني الذي هو "قائمين" وهو في المعنى كأحد جزئي الجملة، فلم يسغ لذلك.
[إملاء ٤]
[معنى مذ ومنذ]
وقال أيضًا ممليًا (١) في سنة تسع عشرة: "ومذ ومنذ للزمان للابتداء في الماضي والظرفية في الحاضر".
لا تدخل مذ ومنذ إلا على ملض، أو حاضر. فإن دخلت على ماض كقولك: ما رأيته مذ أمس، فمعناه الابتداء، أي: أول المدة التي انتفت فيها الرؤية أمس. فهي بمعنى "من" في الابتداء باعتبار غير الظروف. وإذا دخلت على الحاضر كان معناها الظرفية كقولك: ما رأيته مذ هذا العام، ومذ شهرنا، ومذ عامنا. والمعنى: أن انتفاء الرؤية في جميع هذه المدة، كأنك قلت: ما رأيته في هذه المدة، ولذلك قدرت في الأولة (٢) بـ "من" وقدرت في الثانية بـ "في" (٣). إلا أنها إذا قدرت بـ "من" عند من لا يجوز عنده إدخال "من" على
_________________
(١) الكافية ص ١٩.
(٢) في س: الأولى. واللفظان جائزان.
(٣) مذهب الجمهور أنهما حرفا جر. ومذهب بعض البصريين أنهما اسمان. فإن خفض بهما فعلى الإضافة. وإذا لم ينجر ما بعدهما فلا خلاف في كونهما اسمين. لكن في ارتفاع ما بعدهما أقوال: منها: أنهما مبتدآن، وهو قول جمهور البصريين. ومنها: أنهما خبران، وهو مذهب الزجاجي. انظر شرح الكافية للرضى ٢/ ١١٨.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
الظروف (١) كان تقديرًا للبيان على تحقيق معنى الابتداء لا على صحة دخولها عليه.
[إملاء ٥]
[مسائل في الاشتغال]
وقال أيضًا ممليًا في سنة تسع عشرة على (٢) ما أضمر عامله على شريطة التفسير وهو قوله (٣): "كل اسم بعده فعل أو شبهه مشتغل عنه بضميره أو متعلقة لو سلط عليه لنصبه".
قال: لأنه لا يكون فعلًا ولا حرفًا بعده فعل أو شبهه لأنه الذي (٤) جوز النصب لأجله. فمثال الفعل: زيدًا ضربته. ومثال شبه الفعل: زيدًا أنت ضاربه، وزيدًا أنت مضروب عليه.
قول: "مشتغل عنه بضميره". لأنه لو لم يشتغل عنه بضميره لكان ناصبًا له. والباب معقود لما ينصب إذا نصب بفعل مقدر.
وقوله: "أو ما يتعلق بضميرهط. ليدخل مثل: زيدًا مررت به، وزيدًا ضربت غلامه، وزيدًا ضربت عمرًا وأخاه، وزيدًا سميت به، وشبهه.
_________________
(١) البصريون لا يجوزون استعمالها في الزمان. أما الكوفيون فإنهم يجيزون ذلك. انظر شرح الكافية للرضي ٢/ ٣٢١.
(٢) في ب، د، س: وهو. وما أثبتناه أصوب.
(٣) الكافية ص ٦. وعبارتها: "لو سلط عليه هو أو مناسبه لنصبهط: قال الرضي: "ليس في أكثر النسخ هذه اللفظة أعني: أو مناسبه، والظاهر أنها ملحقة ولم تكن في الأصلن إذ المصنف لم يتعرض لها في الشرح، والحق أنه لابد منها وإلا خرج نحو: زيدًا مررت به، وأيضًا نحو: زيدًا ضربت غلامه، لأنه لابد ههنا من مناسب حتى ينصب زيدًا". شرح الكافية ١/ ١٦٨.
(٤) الذي: سقطت من د.
[ ٢ / ٥٠١ ]
وقوله: "لو سلط عليه لنصبه" احتراز من مثل: زيد هل ضربته؟ وزيد هلا ضربته، وزيد إن تضربه أضربه. ولو لم يذكر هذا القيد لدخلت أبواب هذه المسائل في الضابط لأنه اسم وقع بعده فعل سلط على ضميره، والباب معقود فيما يسوغ فيه النصب بفعل مقدر يدل عليه ما بعده، وهذه لا يسوغ فيها النصب فلم تكن من الباب فوجب الاحتراز عنها، فخرجت بقوله: "لو سلط عليه لنصبه". لأن هذه لا يصح فيها نصب الاسم بالفعل فيها قبل هذه الحروف لما ثبت من أن لها صدر الكلام. ونصب ما قبلها بما بعدها إخراج لها عن صدر الكلام. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: زيدًا هل ضربت؟ ولا زيدًا (١) هلا ضربت، ولا زيدًا إن تضرب أضرب، بل يجب الرفع بالابتداء. وليس من شرط هذا الباب أن يصح النصب بالفعل حقيقة. وإنما معنى قوله: "لو سلط عليه لنصبه" لو قدر أنه عامل بنفسه وسلط على الاسم لنصبه، وإلا (٢) لم يدخل: زيدًا مررت به، وزيدًا سميت به، وزيدًا أنت محبوس عليه، وزيدًا أنت مكابر عليه، وشبهه.
وقوله: "ينصب بفعل مضمر يفسره ما بعده". وإنما قدم ذكر النصب لأن عقد الباب له باعتبار كونه مفعولًا، وإن كان فيه (٣) ما يختار فيه الرفع وما يختار غيره على ما سيأتي.
وقوله: "يفسره ما بعده"، ليس لازمًا بأن يكون الفعل المقدر بلفظ الفعل المقدر ومعناه، بل قد يكون ذلك وهي أعلى الصور مثل: زيدًا ضربته، وقد يكون بمعناه نفسه لا بلفظه كقولك: زيدًا مررت به، لأن التقدير: جاوزته. وقد يكون بمعناه مضمومًا إلى متعلقة كقولك: زيدًا ضربت غلامه، لأن التقدير:
_________________
(١) زيدًا: سقطت من د.
(٢) في س: وإنما. وهو تحريف.
(٣) فيه: سقطت من م.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
أهنت زيدًا ضربت غلامه. وقد يكون بمعنى عام وهو الملابسة عند فقد هذه الأمور الخاصة كقولك: زيدًا حبست عليه، وأزيدًا أنت مكابر عليه؟ وشبهه (١). وكقولك: أزيدًا ضربت عمرًا وأخاه؟ والتقدير: لا بست.
وقوله: "ويختار الرفعط. شرع بعد ذلك يبين مواضع الرفع والنصب استواء ولزومًا في النصب، ولا يكون لزوم في الرفع ههنا لأن الباب معقود للمفعول به والمنصوب بفعل مقدر، فلا يستقيم لزوم الرفع لأنه يخرجه عن حقيقته. فقال: "ويختار الرفع بالابتداء عند عدم قرينة خلافهط. الضمير في "خلافه" يعود على الرفع، أي: عند عدم قرائن النصب على ما سيأتي قرائنه، أو عند وجود أقوى منها. لأنه لو اقتصر على قوله الأول، للزم اختيار الرفع في مثل: ضربت زيدًا وأما عمرو فقد مررت به، لأن قرينة النصب موجودة. فقال: "أو عند وجود أقوى منها". ثم فسره بـ "أما" مع غير الطلب، لأنه لو اقتصر على "أما" لعم جميع مواضعها، فكان يلزم أن يختار الرفع في مثل: أما عمرو فاضربه، وليس الأمر كذلك، لأن قرينة الطلب في النصب أقوى من قرينة "أما" في الرفع، لأن الطلب لا يصح إلا بالفعل، فكان مقتضاه أن يجب النصب. وإنما ساغ الرفع بتأويل: زيد مقول فيه، أو له، أو شبهه.
وأما "أما" فالغالب وقوع المبتدأ بعدها (٢). وقد يقع المنصوب بفعل مقدر ولا يناقضها بخلاف الطلب، فكان الطلب أقو في النصب لذلك.
وقوله: "وإذا المفاجأة". وإنما كانت "إذا" قوية في قرينة الرفع لأنه لم
_________________
(١) وشبهه: سقطت من م.
(٢) وقد يقع بعدها الخبر، نحو: أما في الدار فزيد، أو جملة الشرط نحو قوله تعالى: "فأما إن كان من المقربين فروح وريحان" (الواقعة: ٨٨). أو ظرف معمول لها لما فيها من معنى الفعل الذي نابت عنه أو للفعل المحذوف، نحو: أما اليوم فإني ذاهب. انظر مغنى اللبيب ١/ ٦٠ (دمشق).
[ ٢ / ٥٠٣ ]
يسمع بعدها إلا المبتدأ، فكان مقتضى ذلك أنه لا يجوز: خرجت وإذا عبد الله يضربه عمرو. لأنه إذا نصب قدر الفعل واقعًا بعدها فتخرج عن موضوعها المذكور. إلا أن النحويين جوزوا النصب في هذه المسألة ونحوها، فدل ما تقدم على قوتها في الرفع، ولذلك غلبت قرينة النصب.
قوله: "ويختار النصب". ثم ذكر اختيار النصب عند وجود قرائنه غير المعارضة بما تقدم من: أما وإذا، على التفصيل. ثم شرع فيها واحدا واحدا. فمنها: أن تقع هذه الجملة بعد جملة فعلية، كقولك: خرج زيد وعمرًا ضربته (١)، لأن تقدير الفعل أولى لتتناسب الجملتان. ومنها: بعد "إذا" الشرطية، كقولك: إذا زيدًا تلقاه فأكرمه، لأن الشرط يقتضي الفعل. وكان مقتضى مذهب سيبويه ومن وافقه أن يجب فيها النصب (٢)، لأنه لا يقدر في مثل: "إذا السماء انشقت" (٣) إلا الفعل، ولا يقدر المبتدأ. وإذا وجب تقدير الفعل، فكما وجب النصب في مثل: إن زيدًا ضربته ضربته، يجب النصب في مثل: إذا زيدًا ضربته ضربته، لأن المعنى المقتضي للزوم النصب في "إن" الشرطية حاصل مثله في "إذا"، فجواز الرفع مما يقوى قول مخالفه في وقوع المبتدأ بعدها. ومنها: "حيث لكثرتها في الفعل وقلة وقوع المبتدأ بعدها. ومنها: حرف الاستفهام وحرف النفي، لأن الاستفهام بالفعل أولى. فإذا وقع الاسم فالاستفهام في الحقيقة عن الفعل الذي دل عليه الخبر، وكذلك النفي سواء،
_________________
(١) وضابط هذه المسألة أن يقع الاسم بعد عاطف غير مفصول بـ "أما" مسبوق بفعل غير مبني على اسم، كالمثال الذي أتى به المؤلف.
(٢) قال سيبويه: "ومما يقبح بعده ابتداء الأسماء ويكون الاسم بعده إذا أوقعت الفعل على شيء من سببه نصبًا في القياس: إذا، وحيث، تقول: إذا عبد الله تلقاه فأكرمه، وحيث زيدًا تجده فأكرمه، لأنهما يكونان في معنى حروف المجازاة. ويقبح إن ابتدأت الاسم بعدهما إذا كان بعده الفعل". الكتاب ١/ ١٠٦.
(٣) الانشقاق: ١.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
مثل: أزيد ضربته؟ وما زيدًا ضربته. ومنها: الأمر والنهي، واضح في اقتضائهما الفعل، حتى أن الرفع إنما يجوز بتأويل بعيد، ولذلك غلبت هذه القرينة قرينة الرفع الغالبة ما سوى الطلب من القرائن، وما ذاك إلا لقوتها في اقتضائها النصب حتى غلبت ما غلب غيرها. ومنها: عند خوف لبس المفسر بالصفة، وهذا وإن لم يذكره النحويون في هذا الباب فهو معلوم عند أهل اللغة، وقد ذكره المحققون من المفسرين، ولو لم يحترز عن ذلك لكان الرفع هو المختار في مثل: طإنا كل شيء خلقناه بقدر" (١). فإنه مثل قولك: زيد ضربته، وقد علم أن المختار الرفع، فكان يؤدي إلى أن يكون إجماع القراء على خلاف المختار، وهو غير سائغ.
ومعنى قوله: "عند خوف لبس المفسر بالصفة"، أنك إذا رفعت لم يدر هل قوله "خلقناه"، صفة لـ (شيء) ويكون قوله: "بقدر"، هو الخبر، أو يكون (خلقناه) هو الخبر الذي يصح النصب باعتبار كونه مفسرًا، فحينئذ هل الإخبار عن أن كل شيء مخلوق لي بقدر، أم أن كل شيء مخلوق لي بقدر، وهما ختلفان لأن الأول على معنى الإخبار عن أن ما خلفه فهو بقدر لا الإخبار أنه خلق كل شيء. والمعنى في الثاني: أنه خلق كل شيء. فإذا قصد المتكلم إلى هذا المعنى الثاني اختير النصب رفعًا للبس المقدر عند الرفع، والمعنى ههنا على أنه خلق كل شيء (٢)، فاختير النصب لما يؤدي إليه الرفع من احتمال غير هذا المعنى على ما تقدم (٣).
_________________
(١) القمر: ٤٩.
(٢) فالرفع يوهم وجود شيء لا يقدر لكونه غير مخلوق له تعالى، كأفعال العباد الاختيارية وأفعال الشر، وهذا رأي لا يرتضيه أهل السنة.
(٣) قال ابن الحاجب في شرح الكافية: "ألا ترى أنه يجوز إذا رفعت أن يكون (خلقناه) خبرًا فيفيد المعنى المقصود وصفة فيفيد غير المقصود، لأن التقدير معه: كل شيء مخلوق لنا يقدر، وهو معنى غير المعنى المقصود. فكان النصب أولى لما فيه من البيان للنصوصية على =
[ ٢ / ٥٠٥ ]
قال: "ويستوي الأمران في مثل: زيد قام وعمرا أكرمته"، لأن قرينة النصب المتقدمة في الجملة ألأولى عارضها قرينة الرفع الحاصلة من جملة الجملة المتقدمة لأنها ابتدائية، فاستوى الأمران لذلك (١).
ويجب النصب بعد حرف الشرط وحرف التحضيض وقد تقدم ما يدل عليه، وليس قولك: أزيد ذهب به (٢)؟ منه، فليس فيه إلا الرفع. وإنما لم يكن منه لأن شرطه أن يكون الفعل مسلطًا عليه أو على ضميره تسلط الناصب، وههنا لم يتسلط تسلط الناصب لأنه رافع لا ناصب، إذ قولك: به، في موضع رفع لما لم يسم فاعله، فخرج عن الباب لذلك، فوجب الرفع لما بطل تقدير الناصب. وكذلك: "وكل شيء فعلوه في الزبر" (٣) يعني: باعتبار المعنى الذي قصده المتكلم، لأن المعنى: الإخبار عن كل شيء مفعول في الزبر، لا أن كل شيء مفعول لهم في الزبر (٤). وإذا كان المعنى هو الأول خرج عن الباب لأنه لا يستقيم أن يكون: لو سلط عليه لنصبه، لأنه إذا قدر تسليطه عليه صار المعنى: فعلوا كل شيء في الزبر، وليس قصد المتكلم هذا المعنى، فخرج عن الباب لذلك. وكذلك لو قلت: أكل شيء
_________________
(١) = المعنى المقصودة". ص ٣٦. (١ قال الرضي: "يعني يستوي الرفع والنصب في الاسم المحدود إذا كان قبله عاطف على جملة اسمية الخبر فيها جملة فعلية أو على الخبر فيها. وإنما استويا لأنه يمكن أن يكون ما بعد الواو عطفًا على الاسمية التي هي الكبرى فيختار الرفع مع جواز النصب ليناسب المعطوف المعطوف عليه في كونهما اسمين وأن يكون عطفًا على الفعلية التي هي الصغرى فيختار النصب مع جواز الرفع ليتناسبا في كونهما فعلين". شرح الكافية ١/ ١٧٥.
(٢) به: سقطت من د.
(٣) القمر: ٥٢.
(٤) فيكون قوله: فعلوه، صفة لشيء.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
فعلوه في الزبر؟ لوجب الرفع على ما كان، كما يجب في قولك: أزيد قام؟ وأزيد ذهب به؟ إذ لا وجه لتقدير الناصب.
وقوله: ونحو "الزانية والزاني فاجلدوا" (١). الفاء عند المبرد بمعنى الشرط (٢). كأنك قلت: الذي يزني فاجلدوه، فلا يكون من هذا الباب. لأنك إذا نصبت الأول خرجت الفاء عن معنى الشرط، إذ شرطها أن يكون الأول مبتدأ لا مفعول، فلذلك جاء الرفع على قراءة الجماعة (٣)، وهو بهذا الاعتبار واجب. وهي عند سيبويه جملتان (٤)، كأنه قال: ومما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني. ثم أخذ في بيان ذلك الحكم بفاء العطف فقال: فاجلدوا. فهي على هذا أيضًا جملتان، فتخرج عن الباب إذ لا يصح أن ينصب اسم بفعل في جملة أخرى غير جملته. ولذلك لو وقف على قوله: الزانية والزاني، على مذهب سيبويه لكان وقفا حسنا، ثم يبتدئ: فاجلدوا، لأنهما جملتان مستقلتان.
وقوله: "وإلا فالمختار النصب". يعني: وإن لم يقدر هذا التقدير الذي يخرجها عن الباب فالمختار النصب (٥)، لأنه بقرينة الطلب التي هي أقوى قرائن النصب. ألا ترى أن قولك: زيدًا اضربه، لا يسوغ فيه الرفع إلا على ضعف. فكذلك كان يكون هذا.
_________________
(١) النور: ٢.
(٢) انظر: الكامل ١/ ٣٩٦.
(٣) وقرأ عيسى بن عمر بالنصب. البحر المحيط ٣/ ٤٧٦. قال سيبويه: "وقد قرأ أناس: والسارق والسارقة، والزانية والزاني. وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة. ولكن أبت العامة إلا القراءة بالرفع". الكتاب ١/ ١٤٤.
(٤) الكتاب ١/ ١٤٣.
(٥) قال الرضي: "أي: لولا التقديران المذكوران للمبرد وسيبويه لكان من هذا الباب، فكان المختار النصب لقرينة الطلب التي هي أقوى قرائنه وتقدير المبرد أقوى لعدم الإضمار فيه كما في تقدير سيبويه". شرح الكافية ١/ ١٧٨.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
[إملاء ٦]
[ما يلزم "أن" المخففة مع الفعل]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة في قسم الحرف في الحروف المشبهة بالفعل (١) في "أن" إذا خففت: "ويلزمها مع الفعل السين أو سوف أو قد أو حرف النفي".
قال: إنما كان كذلك لأن "أن" المخففة على قسمين: الأول: أن يليها الأسماء مثل قوله: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ (٢). وشبهه، والتي يقع بعدها الفعل. فالأولة المشار إليها لا تحتاج إلى تعويض. والثانية تحتاج إلى التعويض. وإنما عوضت هذه دون تيك لأنها لو لم تعوض لالتبست بـ "أن" التي تنصب. فإن قيل: فالفرق يحصل بالفعل الذي قبلها، وهو أن "أن" المخففة لا تكون كذلك إلا إذا كان قبلها فعل علم أو مشبه بالعلم. والجواب سيذكر في مسألة مستقلة في "أن" المخففة أيضًا ليست مما يتعلق بالمقدمة ستراها في غير هذه الكراريس (٣).
[إملاء ٧]
[إيراد على حد النعت والجواب عنه]
وأورد على نفسه [بدمشق في سنة ثماني عشرة وستمائة] (٤) لما قال في حد النعت في مقدمته (٥): "إنه تابع يدل على معنى في متبوعه مطلقًا": أعجبني زيد علمه، فإن هذا تابع يدل على معنى وهو العلم في متبوعه وهو زيد، فليكن
_________________
(١) الكافية ص ٢٠٩.
(٢) يونس: ١٠.
(٣) انظر الإملاء (٤٠) والإملاء (٤١) من الأمالي المطلقة. ص: ٧٢٧، ٧٢٨.
(٤) زيادة من ب، د.
(٥) الكافية ص ١٠.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
هذا نعتًا، وليس كذلك. وأجاب عن ذلك (١): بأن هذا وقع في بعض صور البدل. اتفاقًا من قضية عقلية وهو كون العلم لابد له من محل ولا محل إلا زيد. وأما قولنا: أعجبني زيد ثوبه وأعجبني زيد يده وما أشبههما من المسائل، ليس فيها ذلك، فينبغي أن تكون المسائل كلها واحدة، وهو أن الإعجاب إنما نسب إلى الثاني والأول على سبيل التمهيد، وإن أخذت الدلالة على ما ذكر أولا من قضية عقلية. ولهذا يحد البدل بحد يشمل هذه المسائل كلها وهو قولنا: تابع مقصود بما نسب إلى المتبوع دونه، يعني دون المتبوع. وقولنا: مقصود، يدخل فيه العطف بالحرف فأخرجناه بقولنا: بما نسب إلى المتبوع دونه.
[إملاء ٨]
[المعطوف الممتنع دخول "يا" عليه]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة عشرين في قوله (٢): "والخليل في المعطوف يختار الرفع وأبو عمرو النصب، وأبو العباس إن كان كالحسن فكالخليل وإلا فكأبي عمرو" (٣). قال: يعني المعطوف الممتنع دخول "يا" عليه وهو الذي وقع الكلام عليه ههنا نحو قولك: الحسن والضحاك والصعق (٤) والثريا. وفيه وجهان كغيره: الرفع على اللفظ والنصب على المحل، وتوجيههما ظاهر.
والخليل يختار الرفع تشبيها له بالمعطوف المجرد عن اللام كقولك: يا
_________________
(١) وأجاب عن ذلك سقطت هذه العبارة من د.
(٢) الكافية صفحة ٥.
(٣) انظر: سيبويه ٢/ ١٨٧، والمقتضب ٤/ ٢١٢، والإملاء (٤) من مسائل الخلاف.
(٤) قال ابن منظور: "والصعق صفة نقع على كل من أصابه الصعق. ولكنه غلب عليه حتى صار بمنزلة زيد وعمرو علمًا". اللسان (صعق). وقال الزمخشري: "ثم غلب النجم على الثريا والصعق على خويلد بن ثقيل بن عمرو بن كلاب". المفصل ص ١٢.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
زيد وعمرو، والرفع ثم محل اتفاق، وهذا يشبهه فكان رفعه أولى (١).
وأبو عمرو يختار النصب حملا له على الصفات، لأن الصفات إنما اختير فيها النصب من حيث تعذر تقدير العامل، وكما يتعذر تقدير العامل في الصفة يتعذر تقديره في المعطوف ذي اللام. وإذا استويا في المعنى الذي من أجله اختير وجب استواؤهما في اختيار النصب.
وأما المبرد فسلك طريقًا وسطا فقال: إن كان المعطوف كالحسن وبابه مما يجوز حذف اللام منه وإثباتها فالأمر على ما قاله الخليل، وإن كان كالصعق والثريا ونحوهما فالأمر على ما قاله أبو عمرو (٢)، وذلك أن باب الحسن لما صح أن يكون بغير لام وهو على معناه قوي تقدير حرف النداء فيه فصار قريبًا مما لا لام فيه. وأما باب الصعق ونحوه فلا تحذف منه اللام بحال، فلا يصح تقدير حرف النداء بحال، فكان أقرب إلى لاصفات باعتبار امتناع تقدير حرف النداء، وهو المعنى الذي من أجله اختير النصب، فوجب أن يكون النصب ههنا أيضًا مختارًا.
[إملاء ٩]
[مسألة في حد المفعول به]
قوله في المفعول به: "هو الذي وقع عليه فعل الفاعل" (٣). قال الشيخ
_________________
(١) قال المبرد: "وحجة من اختار الرفع أن يقول: إذا قلت: يا زيد والحارث، فإنما أريد: يا زيد وحارث. فيقال لهم: فقولوا: يا الحارث فيقولون: هذا لا يلزمنا، لأن الألف واللام لا نقع إلى جانب حرف النداء. وأنتم إذا نصبتموه لم توقعوه أيضًا ذلك الموقع. فكلامنا في هذا سواء". المقتضب ٤/ ٢١٣.
(٢) ليس في كلام المبرد في هذه المسألة هذا التفصيل الذي ذكره ابن الحاجب. بعد أن تحدث المبرد عن حجة كل من الطرفين قال: "وكلا القولين حسن". ثم قال: "والنصب عندي حسن على قراءة الناس". أي: قراءة قوله تعالى: "يا جبال أوبي معه والطير" (سورة سبأ: ١٠). انظر المقتضب ٤/ ٢١٣.
(٣) الكافية ص ٥.
[ ٢ / ٥١٠ ]
[في سنة عشرين بدمشق] (١) ممليًا: لو اقتصر على قولهم: ما يقع عليه الفعل، لكان أولى. وما يتوهم من أن ذكر الفاعل ههنا يفيد إخراج مفعول ما لم يسم فاعله، فاسد من وجهين (٢): أحدهما: أن مفعول ما لم يسم فاعله وقع عليه أيضًا فعل الفاعل، لأن قولك: ضرب زيد، معلوم أنك أردت فعل الفاعل، وإنما حذفته لوجه من الوجوه المسوغة لحذفه، فقد اشتركا جميعًا في أنهما وقع عليهما فعل الفاعل، وإذا اشتركا لم يخرج ذكر الفاعل أحدهما دون الآخر. الثاني: أن المراد تحديدهما جميعا ولذلك يسمى كل واحد منهما مفعولا به على الحقيقة، فلا يستقيم أن يزاد لفظ يقصد به إخراج أحدهما مع كونه مرادًا، ولذلك يقال: إذا حذف الفاعل وأقيم المفعول به مقامه وجب أن يعدل به عن (٣) النصب إلى الرفع، وهذا تصريح بأنه مفعول به، وأن النصب والرفع حالان (٤)، يعتورانه وهو على حالته من كونه مفعولا به.
وأما ما أورد من قولهم: زيد ضربته، وكونه يدخل في الحد وليس مفعولا به من حيث كان "زيد" في المعقول وقع عليه فعل الفاعل وليس بمفعول. فالجواب عنه وعن مثله: أن هذه الحدود اختصرت للعلم بالمقصود، والمراد منها كلها معنى دلالتها على المعنى المذكور فيها. فإذا قيل: مثل ذلك، فالمعنى: هو ما دل على أنه وقع عليه فعل الفاعل. وإذا قيل: ما نسب إليه، في حد الفاعل، فمعناه: ما دل على أنه الذي نسب إليه الفعل. وإذا كان كذلك فليس "زيد" في قولك: زيد ضربته، موضوعًا دالًا لما وقع عليه الفعل، وإنما وضع دالا لما يحكم عليه، فاتفق أن الحكم فعل واقع على ما هو هو في المعنى، فتوهم أنه
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) في د: جهتين. والصواب ما أثبتناه، بدليل قوله: أحدهما.
(٣) في ب: من.
(٤) في الأصل: جائزان. وهو تحريف.
[ ٢ / ٥١١ ]
مثله، وليس الأمر كذلك (١). فالهاء في قولك: زيد ضربته، هي الموضوعة لذلك، كما أنك إذا قلت: أنا ضربت، كانت "أنا" غير موضوعة لمن نسب إليه الفعل، وإنما هو موضوعة لمن يحكم عليه. والتاء في: ضربت، هي التي وضعت لمن نسب إليه الفعل. ولما اتفق أن الذاتين في المعقول واحدة توهم أنهما على حد واحد باعتبار نسبة الفعل (٢).
[إملاء ١٠]
[معنى أفعال المقاربة]
وقال أيضا ممليا [في سنة عشرين بدمشق] (٣) على قوله (٤): "رجاء أو حصولًا أو أخذًا فيه". قال: يريد أن القرب مرجو وحاصل ومشروع في متعلق القرب. فإذا قلت: كادت الشمس تغيب، فقرب الغيبوبة حاصل. وإذا قلت: طفق يخصف وجعل يقول، فمعناه: أنه أخذ في الخصف والقول.
[إملاء ١١]
[مسألة في حد المفعول به]
وقال أيضًا ممليا على قوله (٥): "المفعول به ما وقع عليه فعل الفاعل": إن قيل: إن المفعول مشتق، والمشتق تتوقف معرفته على معرفة المشتق منه، فإذا علم المشتق منه علم المشتق، فهو أخفى من المشتق فكيف يجعل الأخفى
_________________
(١) كذلك: سقطت من س.
(٢) قال الرضي: "والأقرب في رسم المفعول به أن يقال: هو ما يضح أن يعبر عنه باسم مفعول غير مقيد مصوغ من عامله المثبت أو المجعول مثبتًا". شرح الكافية ١/ ١٢٧.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) الكافية ص ١٨.
(٥) الكافية ص ٥.
[ ٢ / ٥١٢ ]
معرفًا للأظهر؟ فإن قيل: بل الفعل مشتق من المفعول، كان أبعد لما يؤدي إليه من الدور، فإنه لا يعرف المشتق حتى يعرف المشتق منه. فقد بعد المشتق معرفًا فتتوقف معرفة كل منهما على معرفة الآخر. والجواب: أن المفعول لم يقصد به قصد مدلوله باعتبار الاشتقاق، وإنما قصد به في الاصطلاح اللقب على نوع مخصوص مما يتعلق به الفعل تعلقًا مخصوصا، فقصد تعريف ذلك النوع لا باعتبار أصل الاشتقاق في لفظ مفعول، فوجود الاشتقاق في لفظ مفعول في الأصل وعدمه سيان، كما لو سميت ولدًا بحسن وجعلته علمًا عليه، فإن معنى الاشتقاق غير مراد بعد صيرورته علما، وإن كان قبل ذلك مرادا. ولا يضر كون الواضع قصد إلى تسميته بحسن لوجود حسن حاصل في المسمى، فإن ذلك في بعض الأسماء سبب لتخصيصه بذلك الاسم، لا أن معنى الاشتقاق باق فيه بعد صيرورته علما (١). ألا ترى أنك تفهم مدلوله مع قطع النظر عن الحسن، لذلك يفهم مدلوله من لا يفهم مدلول حسن باعتبار الاشتقاق. وإذا كان كذلك فلا فرق بين أن يعرفه بما هو مشتق منه أو بغيره. وهذا الجواب جواب على كلا التقديرين معًا.
[إملاء ١٢]
[من مواضع وجوب تقديم المبتدأ]
وقال أيضًا ممليا [بدمشق سنة عشرين وستمائة] (٢) على قوله (٣): "أو متساويين مثل: أفضل منك أفضل مني وجب تقديمه". قال: لأن الأصل تقديم
_________________
(١) علمًا: سقطت من ب، د.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص ٤. وعبارتها: "أو متساويين مثل أفضل منك أفضل مني أو كان الخبر فعلًا له مثل: زيد قام، وجب تقديمه".
[ ٢ / ٥١٣ ]
المبتدأ، وإذا كان المتقدم صالحًا لأن يكون مبتدأ لم تجز المخالفة فيه لأنه يؤدي إلى المخالفة من غير فائدة بخلاف: حسن زيد، وشبهه، فإنه لم يحكم عليه بالخبر مع صلاحية أن يكون مبتدأ، فلذلك وجب الحكم بالمخالفة ليصح الكلام. ومن جوز الابتداء بالصفات من غير اعتماد وهو الأخفش حكم على هذا بأنه مبتدأ. ووجه التساوي فيهما أن كل واحد منهما نكرة من (١) باب: أفعل، فالذي يسوغ أن يكون الثاني مبتدأ يسوغ أن يكون الأول مبتدأ، فلا معنى لتقدير التقديم والتأخير، لأنها مخالفة من غير فائدة (٢).
[إملاء ١٣]
[إعراب الاسم المركب تركيبا مزيجا]
وقال أيضا ممليا [بدمشق سنة عشرين] (٣) على قوله (٤): "وإلا أعرب الثاني كبعلبك": ثم بين بعد ذلك أن الأول يكون مبنيًا على اللغة الفصيحة. فإذا بني الأول امتزج الاثنان لفظًا وأعرب الآخر على حسب العوامل إذا لا معرب سواه. تقول: جاءني بعلبك ورأيت بعلبك ومررت ببعلبك. وكان غير منصرف لوجود العلتين (٥). وإن أعرب الأول وقد ثبت أن الثاني لابد من إعرابه لم يجز أن يعربا جميعا من وجه واحد، فوجب أن يكون الأول في الصورة كالمضاف إلى الثاني، فيعرب الأول على حسب ما تقتضيه العوامل، ويكون الثاني مخفوضا. وإذا صنع ذلك فهل يكون الثاني منصرفا أو غير منصرف؟ لأصحاب
_________________
(١) في م: ق.
(٢) قال الرضي: "ليس على الإطلاق بل يجوز تأخر المبتدأ عن الخبر معرفتين أو متساويين مع قيام القرينة المعنوية الدالة على تعيين المبتدأ". شرح الكافية ١/ ٩٧.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) الكافية ص ١٢.
(٥) العلمية والتركيب المزجي
[ ٢ / ٥١٤ ]
هذه اللغة لغتان: أحدهما: إعراب ما لا ينصرف، ومنهم من يصرفه. فيقول المانعون: جاءني بعلبك ورأيت بعلبك ومررت ببعلبك، ويقول الذين يصرفون: جاءني بعلبك ورأيت بعلبك ومررت ببعلببك (١) بالتنوين.
[إملاء ١٤]
[إعراب أسماء الكنايات]
وقال أيضًا ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (٢) في الكنايات على قوله: (٣): "وكل ما بعده فعل غير مشتغل عنه كان نصبًا معمولًا على حسبه" إلى آخره. قال: لا تخلو أسماء الكنايات والشروط من أن يكون قبلها جار أو لا. فإن كان قبلها جار فلا إشكال في جرها كقولك: بمن مررت؟ وغلام من أنت؟ كما تقول: بأي رجل مررت؟ وغلام أي رجل أنت؟. وإن لم يكن قبلها جار فلا يخلو أن يكون بعدها فعل مسلط عليها أو لا. فإن كان بعدها فعل (٤) مسلط عليها فهو منصوب على حسبه مفعول به أو مصدر أو ظرف (٥)، كقولك في المفعول [به] (٦): كم ضربت؟ وكم رجلًا ضربت؟ وتقول في الظرف: كم يومًا ضربت زيدًا؟ وتقول في المصدر: كم ضربة ضربت زيدًا؟. وإن لم يكن بعدها فعل مسلط عليها كانت مرفوعة أبدًا، إما ابتداء أو خبرًا؛ لأنه ليس
_________________
(١) ورأيت بعلبك ومررت ببعلبك: سقطت هذه العبارة من ب.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص ١٢.
(٤) قال الرضي: "فعل وشبهه ليشمل نحو: كم يومًا أنت سائر، وكم رجلًا أنت ضارب" شرح الكافية ٢/ ٩٨.
(٥) وزاد الرضي خبر كان نحو: كم كان مالك؟، والمفعول الثاني في باب ظن، نحو: كم ظننت مالك؟. انظر شرح الكافية ٢/ ٩٨.
(٦) زيادة من: د، م، س.
[ ٢ / ٥١٥ ]
قبلها عامل وليس بعدها ما يصلح أن يكون عاملًا. فإذا ثبت تجردها عن العوامل وهي اسم وجب أن يكون إما مبتدأ وإما خبرًا مقدمًا. وإذا أردت أن تعرف ما هي منهما فانظر: فإن كانت ليست يظرف وجب أن يكون مبتدأ لأنها اسم لا مانع يمنعه (١) من أن يكون مبتدا، وقد وجب أحد الأمرين من المبتدأ والخبر فوجب أن يكون مبتدأ كقولك: زيد المنطلق والمنطلق زيد. وإن كان ظرفًا وجب أن يكون خبرًا مقدمًا؛ لأنه لما تعين لأحد الأمرين المبتدأ والخبر، وبطل أن يكون مبتدأ تعين أن يكون خبرًا. مثال الأول: كم رجلًا قام؟. فإن "قام" غير مسلطة على ما قبلها ههنا فوجب أن يكون إما مبتدأ وإما خبرًا (٢). ولا مانع يمنعه من الابتداء فوجب أن يكون مبتدأ (٣)، وهو ههنا واضح في الابتداء من حيث كان ما وقع بعده متعينًا للخبرية. وإنما يحتاج إلى ذلك في مثل قولك: كم رجلًا غلمانك؟ فتقول: اسم مجرد عن العوامل اللفظية ولا مانع يمنعه من أن يكون مبتدأ، فوجب أن يكون إياه كقولك: المنطلق زيد. وأما مثال ما يقع ظرفا فلا يصح أن يكون مبتدأ، ويتعين للخبرية: كم يومًا قراءتك أو كتابتك؟، أو ما أشبهه من المصادر، فإنه لا يصح أن يكون ههنا مبتدأ، لأنك إذا جعلته مبتدأ وهو للأيام كنت مخبرًا عن الأيام، وإذا وجب أن تكون مخبرًا عنه لم يصح الإخبار عنه بقراءتك ولا كتابتك، إذ لا يجوز: يوم الجمعة كتابتك، لأن اليوم لا يكون كتابة فوجب أن يكون في موضع الخبر، لأن الظروف يخبر بها عن أسماء الأفعال (٤)، ولا يخبر بأسماء الأفعال عنها. لأنك إذا أخبرت بها فقلت: قراءتك يوم الجمعة، كان معناه: قراءتك حاصلة في هذا اليوم، فكانت منصوبة في
_________________
(١) يمنعه: سقطت من م، س.
(٢) أي: كلمة: كم.
(٣) في ب، د: ابتداء. وما أثبتناه أحسن.
(٤) المقصود بأسماء الأفعال المصادر.
[ ٢ / ٥١٦ ]
التحقيق بما هو في الحقيقة الخبر. وإذا جعلتها مبتدأة (١) تعذر هذا التقدير فيها، فوجب أن تكون مخبرًا عنها على ما هي عليه في ظاهرها، فتكون قد أخبرت عن اليوم بالقراءة وهو متعذر. فما جاءك من أسماء الشروط والاستفهام وما له صدر الكلام فأجره على هذا الأصل تصب الصواب إن شاء الله تعالىز
[إملاء ١٥]
[المعطوف في حكم المعطوف عليه]
وقال أيضًا ممليًا [بدمشق سنة تسع عشرة وستمائة] (٢) على قوله في المقدمة (٣): "والمعطوف في حكم المعطوف عليه": في المعنى واللفظ. فيشترط في المعطوف أن يكون مشاركًا للمعطوف عليه في المعنى الذي عطف عليه بالنظر إليه. فكما اشترط في الأول باعتبار ذلك المعنى يشترط في الثاني لمشاركته له في ذلك المعنى (٤). فإذا عطفت على الخبر خبرًا آخر لزم في الثاني من أحكام الخبرية ما يلزم في الأول. وكذلك إذا عطفت على الحال والصفة والموصول وجميع ما يصح العطف عليه. فإذا قلت: الذي يأتيني فيكرمني سأكرمه، فقولك: فيكرمني، معطوف على قولك: يأتيني، باعتبار صلة "الذي" فيشترط فيها ما يشترط في الصلة الأولى وهو ضمير يعود على الموصول،
_________________
(١) في س: مبتدأ.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص ١٠.
(٤) قال الرضي: "لا يريدون بقولهم: إن المعطوف في حكم المعطوف عليه، أن كل حكم يثبت للمعطوف عليه مطلقًا يجب ثبوته للمعطوف حتى لا يجوز عطف المعرفة على النكرة وبالعكس، وعطف المعرب على المبني وبالعكس، وعطف المفرد على المثنى أو المجموع وبالعكس. بل المراد به أن كل حكم يجب للمعطوف عليه بالنظر إلى ما قبله لا بالنظر إلى نفسه يجب ثبوته للمعطوف. كما إذا لزم في المعطوف عليه بالنظر إلى ما قبله كونه جملة ذات ضمير عائد إليه لكونه صلة له لزم مثله في المعطوف". شرح الكافية ١/ ٣٢١.
[ ٢ / ٥١٧ ]
ولذلك لو قلت: الذي يأتيني ويخرج زيد سأكرمه، لم يجز لفقدان ما ذكرناه وإنما جاز: الذي يطير فيغضب زيد الذباب، لأنها ليست فاء العطف، وإنما هي فاء السببية. ولا يلزم فيما بعد فاء السببية ما يلزم فيما بعد حرف العطف. فلذلك أو قلت: الذي يطير ويغضب زيد الذباب، لم يجز.
[إملاء ١٦]
[الموصوف أخص من الصفة أو مساو لها]
وقال أيضًا ممليًا [بدمشق سنة عشرين وستمائة] (١) على قوله (٢): "والموصوف أخص من الصفة أو مساو": وإنما كان الموصوف أخص أو مساويًا، لأن الموصوف هو المقصود، والصفة فضلة، والمقصود أولى بأن يكون أدل من غير المقصود وهو معنى قولنا: أخص. فثبت أنه إذا كان الموصوف والصفة غير متساويين فالأولى بالأخصية الموصوف (٣).
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ١٠ وعبارتها: والموصوف أخص أو مساو.
(٣) قال الرضى: "مرادهم أن المعارف الخمس، أعني. المضمرات والأعلام والمبهمات وذو اللام والمضاف إلى أحدهما لا بوصف ما يصح وصفه منها بما يصح الوصف به منها إلا أن يكون الموصوف أخص. أي أعرف من صفته أو مثلها في التعريف". وقال: "فعل هذا: يختص قولهم: الموصوف أخص أو مساو، بالمعرفة، فينبغي أن تعرف مراتب المعارف في كون بعضها أقوى من بعض حتى تبنى عليه الأمر في قولهم: الموصوف أخص أو مساو. فالمنقول عن سيبويه وعليه جمهور النحاة أن أعرفها المضمرات ثم الأعلام ثم اسم الإشارة ثم المعرف باللام والموصولات". وقال: "إنما لم يجز أن يكون النعت أخص من المنعوت لأن الحكمة تقتضي أن يبدأ المتكلم بما هو أخصن فإن اكتفى به المخاطب فذاك، ولم يحتج إلى نعت وإلا زاد عليه من النعت ما يزداد به المخاطب معرفة". انظر شرح الكافية ١/ ٣١٢، ٣١٣.
[ ٢ / ٥١٨ ]
[إملاء ١٧] [حد المعرب]
[إملاء ١٨] [حد الإعراب]
[إملاء ١٧]
[حد المعرب]
وقال أيضًا ممليا بالقاهرة سنة خمس عشرة بمدرسة الفاضل بدرب ملوخيا على قوله (١): "المعرب المركب الذي لم يشبه مبنى الأصل". قال: وهذا أولى من حد النحويين لأمرين، لأن النحويين قالوا: ما اختلف آخره باختلاف العامل. قال: وهذا أولى من وجهين: أحدهما: أن اختلاف آخره فرع على معرفة كونه معربًا، فيلزم على حدهم إذن الدور. لأنه لا يختلف آخره حتى يعرف كونه معربًا، ولا يكون معربًا حتى يختلف آخره. الثاني: أن هذا فيه تنبيه على السبب والمانع. أما السبب فقولنا: مركب، هو سبب الإعراب، والمانع قولنا: لم يشبه مبنى الأصل (٢)، احتراز من قولك: جاءني هؤلاء، فإن التركيب موجود، إلا أنه مبنى لكونه أشبه مبنى الأصل (٣).
[إملاء ١٨]
[حد الإعراب]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة في الموضع المذكور لما حد الإعراب بقوله (٤): "ما اختلف آخره به"، إلى آخره. قال: ليس عندي اختلاف هو
_________________
(١) الكافية ص ٢.
(٢) مبنى الأصل: الحروف وفعل الأمر والفعل الماضي.
(٣) قال ابن الحاجب في شرح الكافية: "وهذا أولى من حد المعرب بأنه الذي يختلف آخره باختلاف العامل، فإنه وإن كان كذلك إلا أنه حد الشيء بما هو أكثر التباسًا منه، وذلك أن الغرض من تعريف المعرب ليعرف كونه يختلف آخره. فلا يليق أن يجد بالشيء الذي الغرض من معرفته معرفته، وما هو إلا كمن يحد الفاعل بأنه المرفوع بالفعل". ص ٨.
(٤) الكافية ص ٢.
[ ٢ / ٥١٩ ]
إعراب البتة. وقولهم: إن ثم اختلافا هو الإعراب، إنما هو نزاع في عبارة، بل الرفع والنصب والجر هي الحركات والحروف فيما أعرب لالحروف. وكل ما كان إعرابًا بحرف فهو عندي الإعراب. والدليل عليه أمران: منقول ومعقول. أما المنقول فقد قال سيبويه: أنواع الإعراب رفع ونصب وجر (١)، ومن ضرورة الفرع أن يوجد فيه حقيقة ذلك الجنس. وأما المعقول فلأن الاختلاف إنما يعقل من متعدد. فإذا قلت: جاء زيد، فـ "زيد" معرب ومع ذلك لا اختلاف فيه. فأورد عليه (٢) أن قيل: عنينا باختلاف قبول الاسم الإعراب. فأجاب بأن قال: إذا قلت: زبد بكر عمرو خالد، معددًا، فلتكن هذه الأسماء معربات لأنها قابلة. وأيضًا فإن الآدمي قابل لأن يكون عالمًا، ولا يلزم من وجود القابل وجود المقبول.
[إملاء ١٩]
[اعتذار ابن الحاجب عن النحويين في حدهم المعرب]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة [سنة خمس عشرة] (٣) معترًا عن النحويين في حدهم المعرب أنهم لم يجهلوا هذا القدر، وإنما هم حدوا المعرب بما هو معربن وهو يشمل الاسم والفعل المضارع، وآخرهما مختلف (٤) ولم يحصل بين القسمين اشتراك إلا في آلات الاختلاف، فلذلك حدوه بالوصف الذي اشترك الجميع فيه، ولم يحدوه بغيره.
_________________
(١) قال سيبويه: "فالرفع والجر والنصب والجزم لحروف الإعراب". الكتاب ١/ ١٣.
(٢) في هامش ب: أورده صاحبنا ابن العربي المغربي. ورقة ٩١.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) في م: يختلف.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
[إملاء ٢٠] [حد المضمر]
[إملاء ٢٠]
[حد المضمر]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة عشرين على حد المضمر (١): طإنه ما وضع لمتكلم أو مخاطب أو غائب تقدم ذكره معنى أو لفظًا أو حكمًا". قال: قوله: أو حكمًا، هذا على قسمين: قسم جار قياسًا، وقسم سماعي يحفظ ولا يقاس عليه. فالقياسي أن يتقدم فعل دال على مصدره، ثم يأتي الضمير بعد ذلك، مثل قوله: "هو أقرب للتقوى" (٢). لما قال قبله: (أعدلوا٩، علم أن ثم عدلًا، فكأنه قيل: العدل أقرب للتقوى. والسماعي ضمير الشأن والقصة، والضمير في "نعم" على خلاف بين البصريين والكوفيين (٣)، والضمير في قولنا: ضربني وضربت زيدًا، والضمير في قولنا: ربه رجلًا (٤).
[إملاء ٢١]
[الصرف للضرورة أو التناسب]
وقال أيضًا ممليًا [بالقاهرة سنة خمس عشرة] (٥) على قوله (٦): "ويصرف للضرورة أو التناسب مثل: ﴿سلاسلا وأغلالا﴾ " (٧). قال: وذلك أن الشيء قد
_________________
(١) الكافية ص ١١.
(٢) المائدة: ٨.
(٣) انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري مسألة (١٤).
(٤) لم يتعرض ابن الحاجب هنا إلى التقدم اللفظي والمعنوي. قال الرضى: طالتقدم اللفظي أن يذكر المفسر قبل الضمير ذكرًا صريحًا". وقال: "والتقدم المعنوي أن لا يكون المفسر مصرحًا بتقديمه بل هناك شيء آخر غير ذلك الضمير يقتضي كون المفسر قبل موضع الضميرز وذلك ضروب كمعنى الفاعلية المقتضي كون الفاعل قبل المفعول رتبة، كضرب غلامه زيد". شرح الكافية ٢/ ٤.
(٥) زيادة من ب، د.
(٦) الكافية ص ٣.
(٧) الإنسان: ٤.
[ ٢ / ٥٢١ ]
يكون غير فصيح فيلجئ إليه أمر فيصير فصيحًا. مثال ذلك أن الله بدأ الخلق. الفصيح بل لا يكاد يسمع إلا "بدأ" قال تعالى: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ (١)، وقال: ﴿كيف بدأ الخلق﴾ (٢)، ثم قال: ﴿أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق﴾ (٣). فجاء رباعيًا فصيحًا لما حسنه من التناسب بغيره وهو قوله: يعيده. وكذلك ما نحن بصدده من قوله: "سلاسلا وأغلالا"، وبابه.
قال: وروي أن بعض الشعراء قال لكاتبه اكتب: يا حار إن الركب قد جازوا، فقال يا سيدي: يا حار، أفصح وأكثر، فقال: اكتب يا حار إن الركب قد جازوا (٤). فالكاتب نظر إلى اللغة الفصيحة الفاشية، وهذا نظر إلى تناسب اللفظ.
فقول الإمام في البرهان: إنما صرف ما كان جمعًا في القرآن لتناسب رؤوس الآي، ليس بمستقيم (٥)، إذ ليس قوله: سلاسلا، رأس آية، ولا "قوارير" (٦) الثاني، بل قد يكون لكونه رأس آية، وقد يكون لاجتماعه مع غيره من المنصرفات فيرد إلى الأصل ليتناسب معها، كما رد إلى الأصل عند وقوعه رأس آية ليتناسب مع غيرها من رؤوس الآي (٧).
_________________
(١) الأعراف: ٢٩.
(٢) العنكبوت: ٢٠.
(٣) العنكبوت: ١٩.
(٤) وأنشد ابن يعيش في شرح المفصل (٢/ ٢٢) لزهير: يا حار لا أرمين منكم بداهية لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك
(٥) قال الإمام: "والصحيح أن الأصل صرف كل اسم متمكن، وليس في صرف ما لا ينصرف خروج عن وضع الكلام". البرهان ١/ ٥٥٠. فما نقله عنه ابن الحاجب ليس دقيقًا.
(٦) الإنسان: ١٦.
(٧) قال ابن الحاجب في شرح الكافية: "ويجوز صرفه للضرورة أو التناسب مثل: سلاسلًا =
[ ٢ / ٥٢٢ ]
[إملاء ٢٢]
[فتح ياء المتكلم]
وقال أيضًا ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (١) على قوله في آخر المجرورات (٢): "وفتحت الياء للساكنين": التزم فتح الياء للساكنين، أيك حذرا من اجتماع الساكنين لو سكنت لأنها تصير ساكنة هي والياء التي قبلها، إذا قلت: مسملي يا هذا، وذلك ممتنع فالتزموا الفتح الذي هو الأصل أو الذي هو الفرع لذلك (٣).
[إملاء ٢٣]
[إضافة الصفة إلى موصوفها]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (٤) على قوله (٥) ك "وجرد قطفة وأخلاق ثياب، متأول": هذا يرد اعتراضًا على قوله: ولا صفة إلى
_________________
(١) = وأغلالًا. أما الضرورة فلأنها تجيز رد الشيء إلى أصله، وأصل الأسماء الصرفز وقوله: أو التناسب، في قوله تعالى: "سلاسلا وأغلالا وسعيرًا"، وقوله: "قواريرًا" الأولى. فأما (سلاسلا) فلأنه لما انضم إلى الاسم أسماء منصرفة حسن أن يرد بها إلى أصله مراعاة للتناسب. وأما قوله: "قواريرًا"، ونحوه، فلأنه رأس آية، ورؤوس الآي في أخواتها بالألف، فحسن صرفه ليوقف عليه بالألف، فتناسب رؤوس الآي" ص ١٢.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص ٩.
(٤) قال الرضي: "يعني: إذا كان قبل ياء الضمير ألف أو ياء أو واو ساكنة فلا يجوز فيها السكون، كما جاز في الصحيح والملحق به وذلك لاجتماع الساكنين". شرح الكافية ١/ ٢٩٤.
(٥) زيادة من ب، د.
(٦) الكافية ص ٩.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
موصوفها. فإن هذا أصله أن يقال: قطيفة جرد، فقدموا الصفة وأضافوها إلى الموصوف. وجوابه: أنهم لما حذفوا الموصوف وقامت الصفة مقامة فصار قولهم: جرد، مبهم الذات، فأضافوه إلى ما يبينه، كإضافة: خاتم حديد، وكذلك: أخلاق ثياب (١).
[إملاء ٢٤]
[عدم جواز إضافة اسم مماثل للمضاف إليه]
وقال أيضًا ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٢) على قوله (٣): "ولا يضاف اسم مماثل للمضاف إليه في العموم والخصوص": أما الخصوص فما ذكر (٤). والعموم مثل قولك: ليوث الآساد، يعني أن يكون مدلولهما واحدًا، أعني المضاف والمضاف إليه (٥).
قوله: سعيد كرز (٦). قال ممليًا يرد اعتراضًا: فإن مدلول سعيد وكرز واحد، فيجب امتناع كليث أسد وحبس منع. وجوابه من أوجه: أحدها: أن سعيدًا يراد به الذات، وكرزًا يراد به اللفظ، فصار كقولك: ذات زيد، أي:
_________________
(١) الكوفيون جوزوا إضافة إلى صفته وبالعكس. والبصريون منعوا ذلك. وجعلوا جرد قطيفة بالتأويل كخاتم فضة، لأن المعنى شيء جرد، أي: بال، ثم حذف الموصوف وأضيفت صفته إلى جنسها للتبيين. انظر شرح الكافية للرضي ١/ ٢٨٧.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص ٩.
(٤) كليث أسد، وحبس منع.
(٥) قال ابن الحاجب في شرح الكافية: "لعدم الفائدة، لأن الإضافة لم تأت إلا لتخصيص أو توضيح. فإذا أضفت الاسم إلى مثله كنت كأنك أوضحته بنفسه أو خصصته بنفسه، وهو غير مستقيم" ص ٥٤.
(٦) الكرز في الأصل: الحرج الذي يضع فيه الراعي زاده ومتاعه.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
مسمى هذا اللفظ والثاني: أن سعيدًا لما كان في معنى الجنس المسمى بسعيد صحت إضافته إلى ما يبعد تقدير ذلك فيه من نحو: كرز، فصار بهذا التأويل من باب: خاتم حديد، ويكون على هذا استعمالًا للعلم الواحد، من الأمة المسماة به، فصحت إضافته لذلك، مثلها في "زيدنا" وشبهه. والثالث: أنهم يختصرون في الأعلام لكثرتها في الكلام فجوزوا إضافته إلى لقبه لما فيه من التخفيف بحذف التنوين لفظًا أو تقديرًا، كما جوزوا حذف التنوين منه عند وصفه بابن وغير ذلك من التخفيفات.
[إملاء ٢٥]
[اعتبار لفظ المعدود ومعناه في تأنيث العدد وتذكيره]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (١) على قوله في أسماء العدد (٢): "وإذا كان المعدود مؤنثًا واللفظ مذكرًا أو بالعكس فالوجهان". قال: كقولك: ثلاثة شخوص. إذا قصدت بالشخوص المؤنث فلك أن تقول: ثلاث شخوص، نظرًا إلى المعنى (٣) لأنه مؤنث (٤)، وبالعكس ثلاثة أنفس وأنت تعني الذكور، فلك أن تقول: ثلاثة أنفس، نظرًا إلى المعنى لأنه مذكر. ولك أن تقول: ثلاث أنفس نظرًا إلى اللفظ لأنه مؤنث. وأما إذا قلت: ثلاثة شخوص وأنت تعني الذكور وثلاث أنفس وأنت تعني المؤنث فليس في الأول إلا إثبات التاء وليس في الثاني إلا حذفها، وليس مما نحن فيه لتطابق اللفظ والمعنى على جهة واحدة، وما نحن فيه مفروض في مخالفة اللفظ للمعنى باعتبار التذكير والتأنيث، ولأجل ذلك ساغ الوجهان نظرًا إلى اللفظ تارة وإلى المعنى أخرى.
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ١٣.
(٣) في الأصل: اللفظ. وما أثبتناه من النسخ الأخرى، وهو الصواب. لأن المعنى يقتضيه.
(٤) في الأصل: مذكر. والصواب ما أثبتناه، لأن السياق يقتضيه.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
[إملاء ٢٦] [حد المجموع]
[إملاء ٢٦]
[حد المجموع]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله (٢): "المجموع ما دل على آحاد مقصودة بحروف مفردة بتغيير ما"ز قال: قوله: دل على آحاد، يدخل فيه باب تمر وقوم وركبز وقوله: مقصودة، يخرج منه باب تمر، لأنه لحقيقة التمرية لا للإعداد قصدًا، لقولك: تمير ورطل تمر. وقوله: بحروف مفردة، يخرج منه باب قوم، لأنه ليس بحروف مفردة، ويخرج منه باب ركب، لأنه لم تقصد الدلالة على جماعة الركبان بوضع ركب مأخوذ من راكب، وإنما وافق الحروف من غير قصد. والدليل عليه أمران: أحدهما: أن "فعلا" لم يثبت كونه من أبنية الجموع بثبت ولا يستقر أصل مع الاحتمال. والثاني: أنهم صغروه تصغير المفردات، ولو كان جمعًا لكان جمع تكسيرن ولو كان جمع تكسير لوجب رده إلى المفرد ثم جمعه (٣). ولما لم يفعل ذلك دل أنه اسم جمع لا جمعًا (٤). وقوله: بتغيير ما، تنبيه على أن فلكًا إذا قصد به الدلالة على الجمعية صح، ويلزم تقدير التغيير. ولو لم يقل: بتغيير ما، لم يكن فيه تنبيه على مذهب من جعله جمعًا (٥)، لأن القائلين بأنه جمع متفقون على أنه لا تغيير
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ١٤.
(٣) وأيضًا لو كان جمعًا لرد في النسب إلى آحاده، ولم يقل: ركبي. انظر شرح الكافية للرضي ٢/ ١٧٨.
(٤) وعند الأخفش جميع أسماء الجموع التي لها آحاد من تركيبها كحامل وباقر وركب جمع، خلافًا لسيبويه. وعند الفراء كل ماله واحد من تركيبه سواء كان اسم جمع كباقر وركب، أو اسم جنس كتمر فهو جمع. انظر شرح الكافية للرضي ٢/ ١٧٨.
(٥) انظر الكتاب ٣/ ٥٧٧. قال سيبويه: "وقد كسر حرف منه على "فعل" كما كسر عليه فعل، وذلك قولك: للواحد: هو الفلك، فتذكر، وللجميع: هي الفلك. وقال الله عز =
[ ٢ / ٥٢٦ ]
فيه. فلو سكت عنه لجاز أن يكون داخلًا وغير داخل لأنه دل على آحاد مقصودة بحروف مفردة. فقوله: بتغيير ما، ليجب به دخول نحو: فلك، إذا قدر أنه مغير حركته، وخروجه إذا لم يقدر ذلك، فإن الاتفاق على أنه إذا قدر جمعًا قدر تغييره، وإذا لم يقدر جمعًا لم يقدر تغييره. فلو لم يقل: بتغيير ما، لوجب دخوله في الحد وإن لم يقدر تغييره.
[إملاء ٢٧]
[حكم ما لا ينصرف]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله في باب ما لا ينصرف (٢): "وحكمه أن لا كسر ولا تنوين". قال معترضًا على نفسه إن قيل: فأنت قلت متقدمًا: غير المنصرف بالضمة والفتحة. هلا استغنيت بذلك ثمة؟ فقال: إنما ذكرت ذلك ههنا لأجل التنوين. فقلت: وحكم ما لا ينصرف أن لا يدخله كسر ولا تنوين لأعرف أن هذا الحكم الخاص لا يدخله.
قوله: "وجميع الباب باللام أو الإضافة ينجر بالكسرة". منهم من يقول: انصرف، ومنهم من يقول: انجر. فالذين قالوا: انجر، فروا من: انصرف، لأنه عندهم غير منصرف لقيام العلتين المانعتين، كأن موجب العلتين عندهم حذف التنوين وموجب حذف الكسرة حذف التنوين لأجل العلتين. فإذا زال التنوين لأجل العلتين فقد ذهب موجب ذهاب الكسر فوجب أن يثبت. ثم إن قصدوا
_________________
(١) = وجل: "في الفلك المشحون"، فلما جمع قال: "والفلك التي تجري في البحر". كقولك أسد وأسد. وهذا قول الخليل".
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص ٢.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
بقوله: انكسر أو انجر بالكسرة، فهو صحيح. وإن قصدوا بقولهم: انجر، غير ذلك، فليس بمستقيم، فإن ما لا ينصرف مجرور، ولذلك يقال: علامة الجر الفتحة. والذين قالوا: انصرف، فروا من: انجر لأنه عندهم منصرف وإن قامت فيه العلتان، كأنهم فهموا أن اللام والإضافة مانعتان لثبوت خصوصيتهما بالأسماء لمعنى يختص بها، فكأنها قابلت السببين أو أحدهما، فرجع الاسم إلى أصله في الصرف، والقولان محتملان.
[إملاء ٢٨]
[حد عطف البيان]
وقع في بعض نسخ المقدمة في حد عطف البيان قوله: "تابع من الحامدة أوضح من متبوعه". فسئل عن ذلك فقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (١): هذا كان في النسخة الأولى. وأولى منه المذكور الآن في النسخ، وهو (٢): "تابع غير صفة يوضع متبوعة". فقيل له: وماذا يرد على الأول؟ فقال: يرد عليه: مررت بهذا الرجل، فإنه تابع "من" الجامدة وليس بعطف بيان بل صفة عند المحققين (٣)، فعدلنا إلى هذان لئلا يرد هذا وأمثاله، وإن كان الجواب على تقدير وروده متيسرًا، فأردنا أن تذكر هذا ليندفع الوارد من أول الأمر.
_________________
(١) زيادة من بن د.
(٢) الكافية ص ١١.
(٣) انظر المفصل ص ١١٦.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
[إملاء ٢٩]
[حد اسم الفاعل]
وقال في اسم الفاعل ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله (٢) ك "ما اشتق من فعل لمن قام به بمعنى الحدوث": فقولنا: ما اشتق من فعل (٣) يشمل اسم المفعول والصفة المشبهة، فإذا قلنا: لمن قام به، خرج اسم المفعول (٤)، فإنه ليس قائمًا به، إنما هو واقع عليه. وقولنا: على معنى الحدوث، مخرج الصفة المشبهة فإنها تدل على الثبوت على ما ذُكر في حدها. وقولنا ههنا: لمن قام به، أولى من قولنا: لمن نسب إليه. لأنا لو قلنا هذه العبارة لورد علينا مفعول ما لم يسم فاعله فإنه منسوب إليه بلا خلاف في قولنا: ضرب زيد، فإن الضرب منسوب إلى زيد على سبيل الوقوع عليه.
[إملاء ٣٠]
[معنى الأعرفية في قوله: وأعرفها المتكلم]
وقال ممليًا على قوله (٥): "وأعرفها المتكلم ثم المخاطب". قال: معنى الأعرفية: بعد احتياج اللفظ إلى التوضيح.
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ١٤.
(٣) أيك من مصدر. وقد سمي سيبويه المصدر فعلًا. ومذهب السيرافي أن اسم الفاعل والمفعول مشتقان من الفعل والفعل مشتق من المصدر. انظر شرح الكافية للرضي ١/ ١٩٨.
(٤) واسم الآلة واسم الزمان والمكان.
(٥) الكافية ص ١٣.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
[إملاء ٣١] [حد الفاعل]
[إملاء ٣١]
[حد الفاعل]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله (٢): "الفاعل ما أسند الفعل أو شبهه إليه وقدم عليه على جهة قيامه بهط. فقال: قولنا: قدم عليه، احتراز من قولنا: زيد قام، وشبهه، فإنه ليس بفاعل. ولما أكثر النحويون الكلام على هذا فيتوهم المتوهم أنه فيه خلاف وليس كذلك. وهذا في التحقيق لا حاجة إليه في الحد، أعني قولنا: وقدم عليه (٣). ألا ترى أن قولنا: زيد قام غلامه، فالإخبار عن زيد وقع بالجملة التي هي الفعل والفاعل، وهذا مما لا شك فيه. فقولنا إذن: زيد قام، هل فيه ضمير أو لا؟ فالإطباق على أن فيه ضميرًا، ذلك الضمير هو الفاعل والفعل مقدم عليه على جهة قيامه به، فهذا يقع زائدًا في الحد، وإنما ذكرته لما ذكرناه آنفًا من رفع الوهم، وإنما اتفق أنه لما كان ذلك الضمير هو زيد في المعنى توهم المتوهم أنه مسند إليه وليس كذلك.
[إملاء ٣٢]
[إيراد على وجوب تقديم الفاعل على المفعول والجواب عنه]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٤) على قوله (٥): "أو وقع مفعوله بعد إلا أو معناها". قال: أورد بعض الأصحاب اعتراضًا، وقال: هل يجوز أن
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ٣.
(٣) قال الرضي: "واحترز بقوله: عليه، عن المبتدأ لأن نحو: زيد، في قولك: زيد قام، مسند إليه (قام)، لأن (قام) خبر عنه، والمسند إليه هو المخبر عنه في الحال أو الأصل". شرح الكافية ١/ ٧١.
(٤) زيادة من ب، و.
(٥) الكافية ص ٣.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
يقال: ما ضرب إلا زيد عمرًا؟ فقلت له: لا يجوز، وهو مذهب المحققين. ولذلك تؤول قوله تعالى: ﴿بالبينات والزبر﴾ (١)، على أنه متعلق بمحذوف دل عليه قوله: ﴿وما أرسلنا﴾ (٢). كأنه قال: أرسلناهم بالبينات والزبر. وكذلك تؤول قوله في الدعاء: لا حول ولا قوة إلا بالله، بأنه إنما جاز لاتفاق الحول والقوة في المعنى، تنبيهًا على أنه لو اختلف لامتنع، ونبه عليه أبو علي الفارسي في تذكرته (٣). وسر ذلك أنهم إنما استعملوا الاستثناء المفرغ في الموضع الذي يجب فيه تقدير عام من جنس المذكور بعد إلا، فتكون نكرة في سياق النفي كقولك: ما جاءني إلا زيد، كأنك قلت: ما جاءني أحد إلا (٤) رجل إلا زيد (٥)، ثم حذفوا وعاملوا ما بعد إلا معاملة المحذوف في رفعه ونصبه.
فلو استعملوا بعد إلا مستثنيين لوجب أن يكون قبلها عامان (٦). فإذا قلت: ما ضرب إلا زيد عمرًا، فإما أن تقول: لا عام لهما أولهما عامان، أو لأحدهما دون الآخر. الأول مخالف للباب، والثاني يؤدي إلى إثبات أمر خارج عن القياس من غير ثبت، ولو جاز ذلك في الاثنين جاز فيما فوقهما وذلك ظاهر البطلان. والثالث يؤدي إلى اللبس فيما قصد، فلذلك حكموا بأن الاستثناء المفرغ إنما يكون لواحد، وتؤول ما جاء على ما يوهم غير ذلك بأنه متعلق بما دل عليه الأول. فإذا قلت: ما ضرب إلا زيد عمرًا، فنحن نجوز ذلك لا على
_________________
(١) النحل: ٤٤.
(٢) النحل: ٤٣.
(٣) ذكره بروكلمان (٢/ ١٩٣). وقال: إنه موجود في (رنجان)، وهو تفسيرات لبعض أبيات عويصة.
(٤) في د، س: أو. وهو تحريف.
(٥) إلا زيد: سقطت من ب.
(٦) في الأصل وفي س: عامين. وهو خطأ من الناسخ.
[ ٢ / ٥٣١ ]
أنه لـ "ضرب" الأولى، ولكن بفعل محذوف دل عليه الأول (١)، كأن سائلًا سأل عمن ضرب، فقال: عمرًا، أي: ضرب عمرًا.
[إملاء ٣٣]
[معنى قوله: ولفظ مكان لكثرته]
وقال ممليًا [بدمشق سنة تسع عشرة] (٢) على قوله (٣) ك "ولفظ مكان لكثرتهط: يعني: أن العرب يقولون: جلست مكانك، وهو ظرف مكان مختص منصوب بتقدير "في". فجوابه: أن لفظ "مكان" كثر في كلامهم، والشيء إذا كثر جعلوا له شأنا ليس لغيره، فاختصر الكلام بحذف "في" فانتصب بتقديرها، فهذا معنى قولنا: ولفظ مكان لكثرته (٤).
[إملاء ٣٤]
[العدل ووزن الفعل لا يجتمعان]
وقال أيضًا ممليًا [بدمشق سنة تسع عشرة] (٥) في باب ما لا ينصرف في قوله (٦) ك "إلا العدل ووزن الفعل وهما (٧) متضادان فلا يكون إلا أحدهما". قال: الاستثناء من قوله: لا يجامع، أي: لا يجامع شيئًا من العلل إلا ما
_________________
(١) هذا الذي ذكره ابن الحاجب في هذه المسألة هو رأي الجمهور وقد خالفهم الكسائي في ذلك. انظر أوضح المسالك ٢/ ١٢٩.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص ٧.
(٤) قال الرضي: "وكذا لفظ الموضع والمقام ونحوه بالشرط المذكور في الكل وهو انتصابه بما فيه معنى الاستقرار". شرح الكافية ١/ ١٨٦.
(٥) زيادة من ب، د.
(٦) الكافية ص ٣.
(٧) في الأصل: فإنهما. وما أثبتناه من النسخ الأخرى ونسخة الكافية وشرحها للرضي ١/ ٦٧.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
هي شرط فيه. فلو لم يستثن العدل ووزن الفعل لبقي داخلًا في العام المحذوف، فيكون المعنى: لا يجامع شيئًا من العلل إلا ما هي شرط فيه، فينتقض بالعدل ووزن الفعل لكون العلمية تجامعهما وليست شرطا فيهما (١). ألا ترى ان نحو: مثنى وثلاث ورباع، ممنوع من الصرف مع انتفاء العلمية. ونحو: أسود وأحمر ممنوع من الصرف مع انتفاء العلمية. فثبت أن العدل ووزن الفعل ليس شرط علتيهما العلمية، فوجب استثناؤه من عموم ما حكم عليه بأن العلمية شرطه.
وقوله: "وهما متضادان". يعني العدل ووزن الفعل من حيث كان وزن الفعل لأوزان مخصوصة منتفية عن أوزان المعدولات، فوجب أن لا يجتمعا، فلا يكون مع العلمية إلا أحدهما ضرورة امتناع اجتماعهما، فإذا انتفت العلمية، فإما أن تنتفي في الموضع الذي كانت شرطًا في العلة الأخرى، وإما أن تنتفي في الموضع الذي جامعت فيه العدل أو جامعت فيه وزن الفعل، وقد ثبت أنه لا يكون معها إلا أحدهما. فإذا انتفت من النوع الأول بقي بلا سبب أصلًا، لأن العلمية قد انتفت، لأن التقدير تقدير انتفائها فيما هي شرط فيه فيجب انتفاء سببيته لانتفاء شرطه، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط (٢) فوجب أن يكون بلا سبب كقولك: رب زينب وفاطمة وعمران وشبهه.
وإن انتفت العلمية مع الثاني بقي على سبب واحد، لأن العلمية ليست شرطًا في العلة الأخرى التي هي العدل أو وزن الفعل. فإذا انتفت العلمية بقي السبب الآخر من غير انتفاء شرط له في كونه أحد السببين، إلا أنه يجب أن لا يؤثر لأنها لا تؤثر منفردة (٣) وإنما تؤثر مع علة أخرى من العلل المذكورة. فثبت
_________________
(١) قال الرضي: "بل هي سبب معهما". شرح الكافية ١/ ٦٧.
(٢) في ب، د: وجب انتفاء المشروط.
(٣) في الأصل وفي ب: منفردًا. والصواب ما أثبتناه.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
بذلك أن كل ما فيه علمية مؤثرة (١) إذا نكر وجب صرفه.
[إملاء ٣٥]
[تقديم الفاعل وتأخيره على سبيل الوجوب]
وقوله في المقدمة (٢): "وإذا اتصل به ضمير مفعول". قال ممليًا [بدمشق سنة تسع عشرة وستمائة] (٣): يعني بالفاعل، لأن الكلام في تقديم الفاعل وفي تأخيره على سبيل الوجوب، فقال في وجوب التقديم: وإذا انتفى الإعراب لفظًا فيهما والقرينة مثل: ضرب موسى عيسى، أو كان، يعني الفاعل، مضمرًا متصلًا مثل: ضربت، أو وقع مفعوله، يعني مفعول الفاعل، بعد "إلا" أو معناها، وجب تقديمه مثل: ما ضرب زيد إلا عمرًا، وإنما ضرب زيد عمرًا. قال بعد ذلك: وإذا اتصل به، يعني بالفاعل، ضمير مفعول مثل قوله: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه﴾ (٤)، أو وقع بعد "إلا" أو معناها، يعني الفاعل، مثل: ما ضرب زيدًا إلا عمرو، وإنما ضرب زيدًا عمرو.
وقوله: "أو اتصل مفعوله"، يعني: مفعول الفاعل إذا اتصل بالفعل. وقوله: "وهو غير متصل"، يعني: الفاعل، وجب تأخيره، مثل قولك: ضربك زيد. وإنما قال: وهو غير متصل، لأنه لو اقتصر لشمل قولك: ضربتك، لأن
_________________
(١) العلمية المؤثرة هي التي يكون منع صرف الاسم موقوفًا عليها، وذلك على ثلاثة أضرب. لأنها إما أن تكون سببًا لا غير أو شرطًا لا غير أو شرطًا وسببًا معًا. فالأول في موضعين: مع العدل ومع الوزن. والثاني في موضع واحد وهو الألف النون. والثالث في أربعة مواضع: في المؤنث بالتاء وفي الأعجمي وفي المركب وفي ذي الألف الزائدة المقصورة. انظر شرح الكافية للرضي ١/ ٦٥.
(٢) الكافية ص ٣.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) البقرة: ١٢٤.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
[إملاء ٣٦] [حد المصدر]
مفعوله متصل، ولكن الفاعل أيضًا متصل، فقال: وهو غير متصل، لتخرج تلك الصورة، لأن الحكم فيها بالعكس، إذ الفاعل ثم واجب التقديم والفاعل هنا واجب التأخير.
[إملاء ٣٦]
[حد المصدر]
وقال ممليًا [بدمشق سنة تسع عشرة وستمائة] (١) على قوله (٢): "المصدر اسم الحدث الجاري على الفعل". قال: اسم الحدث (٣) يشمل شيئين: أحدهما: اسم حدث فعله فاعل فعل مذكور كـ "تربًا وجدلا"، فهذا لا يكون إلا مفعولًا. والثاني: اسم حدث سواء فعله فاعل فعل أو لم يفعله كقولك: ضربت ضربًا، وأعجبني الضرب.
وقوله: "الجاري على الفعل"، احتراز من اسم الحدث الذي لا يجري على الفعل مثل: تربًا وجندلًا، وما أشبه ذلك (٤). والفرق بين البابين هنا وفي المنصوبات في قوله (٥) ك "المصدر هو اسم ما فعله فاعل فعل مذكور"، أن ثم ذكرنا المفعول المطلق الذي فعله فاعل الفعل المذكور سواء جرى على فعله أو لم يجر، وههنا ذكرناه باعتبار كونه جاربًا على فعل في لفظه ومعناه.
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ١٤.
(٣) يعني بالحدث معنى قائمًا بغيره سواء صدر عنه كالضرب والمشي أو لم يصدر كالطول والقصر. شرح الكافية للرضي ٢/ ١٩١.
(٤) قال الرضي: "ولو قال اسم الحدث الذي يشتق منه الفعل لكان حدًا تامًا على مذهب البصرية، فإن الفعل مشتق منه عندهم". شرح الكافية ٢/ ١٩١.
(٥) الكافية ص ٥.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
[إملاء ٣٧]
[من مواضع وجوب تقديم المبتدأ]
وقال ممليًا [سنة ثماني عشرة وستمائة] (١) على قوله (٢): "أو كان الخبر فعلًا له": أي: للمبتدأ (٣)، إذ الكلام إنما هو فيه باعتبار وجوب تقديمه، احتراز من أن يكون الخبر فعلا لغيره، فإنه لا يجب فيه التقديم بل يجوز فيه التقديم والتأخير كقولنا: زيد قام غلامه، فإنه يجوز أن تقول: قام غلامه زيد.
[إملاء ٣٨]
[دلالة المثنى]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (٤) على قوله في المثنى (٥). "ليدل على أن معه مثله من جنسه": احتراز من عين وعين، وجون (٦) وجون إذا قصدت بهما حقيقتين مختلفتين (٧). فإنه لا تصح التثنية وأنت تعنيهما على التحقيق بل لابد في التثنية من أن تقصد إلى اثنين من جنس
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ٤.
(٣) قال الرضي: "أي: فعلًا مسندًا إلى ضمير المبتدأ، نحو: زيد قام، فإنه لو قدم اشتبه المبتدأ بالفاعل". شرح الكافية ١/ ٩٨.
(٤) زيادة من ب، د.
(٥) الكافية ص ١٤.
(٦) الجون: النبات يضرب إلى السواد من خضرته، والأحمر والأبيض والأسود والنهار. القاموس المحيط ٤/ ٢١١.
(٧) وذهب الجزولي والأندلسي وابن مالك إلى جواز مثله. قال الأندلسي: يقال: العينان في عين الشمس وعين الميزان، فهم يعتبرون في التثنية والجمع الاتفاق في اللفظ دون المعنى. انظر شرح الكافية للرضي ٢/ ١٧٢.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
واحد متفقين في الحقيقة. والذي يدل عليه الاستقراء والمعنى. أما الاستقراء فواضح، إذ لم يوجد، ول كان سائغًا قضت العادة بوجوده. وأما المعنى فعلمنا بأن لفظ المشترك لم يوضع ليدل على الحقيقتين في محل واحد، وإنما وضع ليدل على هذا مرة (١) وعلى هذا أخرى. وعلمنا أن الألف المزيدة في آخر الاسم لا دلالة لها إلا على الاثنينية دون الحقيقة. فلو ذهبت تدل على الحقيقتين لكان إخراجا لأحد الأمرين عما علم خلافه، لأنك إن جعلت الدلالة على الجنس الآخر باسم الجنس فقد جعلته يدل بلفظ إفراده على الجنسين جميعا، وقد علم خلافه.
وإن جعلت الدلالة للألف والنون فقد جعلتها تدل على حقائق المسميات وقد علمنا أن وضعها على خلاف ذلك.
[إملاء ٣٩]
[مسألة في فعل ما لم يسم فاعله]
وقال أيضًا [ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة] (٢) على قوله (٣): "ويضم الثالث مع الهمزة والثاني مع التاء خوف اللبس": مثل قولك: انطلق، والثاني مثل قولك: تعلم، خوف اللبس. يعني: أنك لو اقتصرت على ضم الهمزة فقلت: انطلق، وقد علم أن الهمزة تسقط في الدرج لوجب إذا قلت: قال زيد انطلق، أن يحتمل الأمر ويحتمل ما لم يسم فاعله فأدى إلى لبسه بالأمر عند الوصل لذهاب الهمزة، لأن اللفظ حينئذ به، موصولًا موقوفًا عليه، واحد، فضموا معها الثالث ليندفع هذا اللبس
_________________
(١) في م: تارة.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص ١٧.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
[إملاء ٤٠] [حد العلم]
عند الوصل والوقف ولم يضم الثاني لكونه ساكنا لا يقبل حركة في أصل بنيته. وضموا الثاني مع التاء في قولك: تعلم، لأنهم لو لم يضموها لقالوا: تعلم، فإذا وقف عليه لم يعلم أهو مضارع "علمت" أم هو لم لم يسم فاعله؟ فيؤدي إلى اللبس، فضموا الثاني ليعينه لما لم يسم فاعله ويخرجه عن احتمال المضارع إ لا يكون مثل ذلك فيه.
[إملاء ٤٠]
[حد العلم]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله (٢): "والعلم ما وضع لشيء بعينه غير متناول غيره بوضع واحد": فقولنا: بوضع واحد، ورفع لوهم من يتوهم أن زيدا إذا وضع علما لواحد، ثم وضع علما بعد ذلك لآخر أنه قد تناول ما أشبهه، فلا يكتفي بقوله (٣) غير متناول ما أشبهه، لخروج مثل هذا عنه، لأنه متناول ما أشبهه بما تقرر. فإذا زيد "بوضع واحد" اندفع هذا الاعتراض لأنه وإن تناول ما أشبهه فإنما تناوله بوضع ثان. ولم تدخل أسماء الأجناس (٤) لأنها خارجة بالجنس الأول من قوله: ما وضع لشيء بعينه، وهو في الحقيقة غير محتاج إليه، والاعتراض بزيد إذا سمي به باعتبار تعدد وصفه مندفع من غير حاجة إلى زيادة: بوضع واحد، وذلك أن الواضع لما وضعه لشيء بعينه في جميع تقديراته لم يضعه للآخر أصلا، فهو غير متناول ما أشبهه قطعا، فلا حاجة إلى قوله: بوضع واحد، في التحقيق.
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ١٣.
(٣) في ب: بقولك. والأصوب ما أثبتناه.
(٤) نحو: أسامة للأسد، وثعالة للثعلب.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
[إملاء ٤١]
[حد المفعول به]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله (٢): "المفعول به هو ما وقع عليه فعل الفاعل". قال: هذه عبارة النحويين. يقولون: وقع، ولو قالوا: هو الذي تتوقف عقلية الفعل مع ذكر الفاعل عليه، لكان جيدًا. قال الشيخ: ولا حاجة إلى قولنا: الفاعل، بل يكفي أن يقال: هو الذي وقع عليه الفعل. وإنما قلنا: الفاعل، لرفع وهم من يتوهم في قولهم: زيد ضربته، أنه مفعول به، وليس كذلك. فإن زيدًا فيما فرض ليس موضوعًا دالًا على تعلق الفعل به، وإنما هو ههنا مخبر عنه. وإنما الضمير هو الذي تعلق به الفعل. ولما رأى هذا المتوهم الضمير هو في المعنى لزيد توهم أنه في معنى الحد المذكور وليس كذلك، فإن هذه الدلالة ليست دلالة وضعية، وإنما هي دلالة عقلية، والكلام في حدود الألفاظ إنما هو باعتبار الوضع اللغوي لا باعتبار الدلالة العقلية.
[إملاء ٤٢]
[حد المفعول المطلق]
وقال ممليًا [بدمشق سنة سبع عشرة] (٣) على قوله (٤): "المصدر هو اسم ما فعله فاعل فعل مذكور": لو قال: هو ما فعله فاعل الفعل المذكور
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ٥.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) الكافية ص ٥.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
[إملاء ٤٣] [نون الوقاية]
لدخلت الأفعال كلها لأنها كلها تدل على ما فعله فاعل الفعل، وليست بمصادر. فإذا قال: اسم، خرجت الأفعال كلها، فحصل الحد إذن مانعًا لغير المحدود أن يدخل فيه.
[إملاء ٤٣]
[نون الوقاية]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله (٢): "ونون الوقاية لأزمة مع الياء في الماضي والمضارع عريا عن نون الإعراب": إلى آخره، كقولك: ضربني ويضربني ولم يضربوني؛ فلابد من نون الوقاية. ولزمت لأنها ليست معها نون إعراب، فلو كانت معها نون إعراب لجاز الأمران، كقولك: يضربوني ويضربونني. وقرأ نافع: ﴿فبم تبشرون﴾ (٣) و﴿تشاقون فيهم﴾ (٤). فالمحذوف نون الوقاية استغناء عنها بنون الإعراب، وهذا أولى من أن تقدر نون الإعراب محذوفة استغناء عنها بنون الوقاية، لأن نون الوقاية أمر استحساني لا دلالة لها، ونون الإعراب لمعنى. فإذا اجتمعًا وقدر حذف أحدهما كان حذف ما لا دلالة له أولى (٥).
ولزمت في الماضي في مثل: ضربني، وفي المضارع في مثل:
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ١١.
(٣) الحجر: ٥٤.
(٤) النحل: ٢٧.
(٥) مذهب سيبويه أن المحذوف نون الإعراب. ومذهب الجزولي أن المحذوف نون الوقاية. انظر شرح الكافية للرضى ٢/ ٢٢.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
يضربني، كراهة أن يدخل الفعل الكسر، ولم تلزم في يضربونني استغناء عنها بنون الإعراب لأنها مثلها في اتصالها بالفعل فدخل الكسر ولم يكره كراهته فيما هو من نفس الفعل. ومن قال: يضربونني، راعى ما اتصل بالفعل في كراهية دخول الكسر عليه مراعاته في نفس الفعل وهو الأكثر في كلام العرب.
[إملاء ٤٤]
[حد بدل الاشتمال]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله (٢): "والثالث بينه وبينه ملابسة بغيرهما". قال: يعني بغير الكلية والبعضية لئلا تتداخل الأقسام فيدخل بدل البعض في حد بدل الاشتمال، إذ الملابسة حاصلة بين البعض والأصل الذي هو بعضه، وفي الكلية الملابسة بين المدلولين في كونهما لمسمى واحد. ولو احترز عن البعض وحده لكان له وجه، ولكن هذا أولى في دفع ما يتوهم، إذ يمكن أن يقال: إن المدلولين إذا كانا لشيء واحد فهي حقيقة واحدة، والحقيقة الواحدة لا يقال بينها وبين نفسها ملابسة، إذ الملابسة بين الشيئين تقتضي تغايرهما، ثم تعلق أحدهما بالآخر، وليس الأمر ههنا كذلك.
[إملاء ٤٥]
[من مواضع وجوب تقديم الخبر]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٣) على قوله (٤): "وإذا تضمن الخبر المفرد ما لم صدر الكلام" (٥): فقوله: مفرد، احتراز من أن يكون الخبر جملة
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ١٠.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) الكافية ص ٤.
(٥) قال الرضي: "اعلم أنه لا يقع من جملة مقتضيات الصدر خبرًا مفردًا إلا كلمة الاستفهام، =
[ ٢ / ٥٤١ ]
متضمنه صدر الكلام، ولا يجب تقديم الخبر مثل: زيد هل قام غلامه؟، فإنه خبر متضمن صدر الكلام ولم يجب تقديمه، لأن كل واحد منهما وقع في مرتبته. ويرد عليه أن يقال: الخبر هو الذي يحتمل الصدق والكذب وهذا لا يحتمل صدقا ولا كذبًا، فكيف يصح أن يكون خبرًا؟ وجوابه ما ذكر في مثل: زيد اضربه، أي: المقول فيه: اضربه. ويرد أيضًا أن الخبر ثان عن المبتدأ، فإذن ما وفي بالقاعدة المقررة من كون الاستفهام له صدر الكلام (١). وهذا فيه نظر.
[إملاء ٤٦]
[المئة إذا وقعت مميزة لا تجمع]
وقال ممليًا على قوله في أسماء العدد (٢): "وتثنيتهما وجمعه". قال: فإن قلت لم قلت: وجمعه، ولم تقل: وجمعهما؟ قلت: إنه قد تقدم بأن المائة إذا وقعت مميزة لا تكون مجموعة في قولنا: ثلاثمائة إلى تسعمائة (٣). فلو قال: وجمعهما، لأدى إلى أن تكون المائة مجموعة وهي لا تكون مجموعة إلا في الشذوذ، فتمحض على ما ذكرناه عود الضمير على الألف.
_________________
(١) = نحو: من زيد؟ أو مضاف إليها، نحو: غلام من زيد؟ شرح الكافية ١/ ٩٨.
(٢) "وسائر ما يقتضي صدر الكلام يكفيها أن تقع صدر جملة من الجمل بحيث لا يتقدم عليها أحد ركني تلك الجملة ولا ما صار من تمامها". الرضي ١/ ٩٨.
(٣) الكافية ص ١٣.
(٤) وإن لم يضف إليها ثلاث وأخواته جمعت وأضيف ذلك الجمع إلى المفرد، نحو: مئات رجل. انظر الرضي ٢/ ١٥٤.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
[إملاء ٤٧] [لام الجحود]
[إملاء ٤٧]
[لام الجحود]
وقال ممليًا [بدمشق سنة عشرين] (١) على قوله (٢): "ولام الجحود تأكيد بعد النفي لكانط. قال: إنما كانت زائدة للتأكيد لأن مثلها من حروف الجر زيد لتأكيد النفي في مثل قولك: ما جاءني من أحد، وليس زيد بقائم، وشبهه. فكانت هذه كذلك. تيك لو حذفت لكان الكلام مستقلًا بالافادة، فكذلك هذه.
إذ يجوز في غير القرآن في قوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ (٣): وما كان الله يعذبهم (٤). وإنما جاء بعض حروف الجر للتأكيد لأن وضعها أن توصل معاني الأحكام إلى الأسماء، والنفي يدخل لنفي الحكم عن الأسماء، فلما اشتركا فيما يدلان عليه وقصد التأكيد جيء بها لذلك. وخصوا "من" والباء واللام لكثرتها، وخصوا "كان" لكثرتها في الكلام.
[إملاء ٤٨]
[شرط المعرفة المانعة من الصرف]
وقال ممليًا [بدمشق سنة تسع عشرة] (٥) على قوله (٦): "المعرفة شرطها
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ١٦.
(٣) الأنفال: ٣٣.
(٤) فهي عند الكوفيين حرف زائد مؤكد غير جار ولكنه ناصب. وعند البصريين حرف جر معد متعلق بخبر كان المحذوف، والنصب بأن مضمرة وجوبًا. انظر مغني اللبيب ١/ ٢١٢ (محي الدين).
(٥) زيادة من ب، د.
(٦) الكافية ص ٣. وعبارتها: والمعرفة شرطها أن تكون علمية.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
العلمية": احتراز من مثل: الأرنب وأرنبكم. فإن فيه التعريف ووزن الفعل وليس بممتنع لأن التعريف المعتبر إنما هو العلمية، فلم يكن في مثل ذلك إلا علة واحدة. ولو سميت بأرنب فجعلته علمًا لامتنع من الصرف بالإجماع. على أنه لو كانت فيه علتان لكان التعريف باللام أو الإضافة يخرجه عن حكم ما لا ينصرف إلى دخول لفظ الجر إجماعًا. فكان الاحتراز منه لذلك. ولذلك وجب أن يذكر أيضًا حكم ما فيه علتان إذا دخلته الألف واللام أو الإضافة أنه ينجز بالكسرة، وقد ذكر.
[إملاء ٤٩]
[شرط التركيب المانع من الصرف]
وقال ممليًا [بدمشق سنة تسع عشرة] (١) على قوله (٢): "التركيب شرطه العلمية وأن لا يكون بإضافة ولا إسناد" (٣): احتراز من مثل قولك: امرؤ القيس وعبد الفيس وبأبط شرًا، وشبهه مما هو مضاف أو مركب تركيبًا إسناديا. أما المضاف فمعرب وليس ممتنعًا من الصرف، وإنما امتنع من التنوين لأجل الإضافة، فالتركيب فيه غير معتبر. وأما المركب التركيب الإسنادي فغير معرب أصلًا ولا يوصف بكونه منصرفًا ولا غيره. فلو سكت عنه لم يضر لأنه لا يقع فيما يوصف بأنه غير منصرف أو غيره، لأن ذلك إنما يكون في المعرب وهذا غير معرب فهو لا يقع إلا كذلك، إلا أن ذكره أو صح.
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ٢.
(٣) قال الرضي: "وكان عليه أن يقول: ولا معربًا جزؤه الأخير قبل العلمية. ويقول أيضًا وأن لا يكون الثاني مما يبني قبل العلمية ليخرج نحو: سيبويه وخمسة عشر علمًا". شرح الكافية ١/ ٦٠.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
[إملاء ٥٠]
[شرط استعمال "إلا" بمعنى "غير"]
وقال ممليًا في الاستثناء بجامع دمشق سنة سبع عشرة على قوله (١): "إذا كانت تابعة لجمع منكور غير محصور". قال: إذا استعملت "إلا" بمعنى "غير" فلابد من هذه الشروط المذكورة. وإنما كان (٢) كذلك لضعف استعمالها صفة فلم يستعملوها إلا في الموضع الذي يتعذر فيه الاستثناء. وبيان تعذر الاستثناء ههنا مع هذه الشروط أنك إذا قلت: جاءني رجال إلا زيدا، وجعلت زيدًا استثناء، لم يستقم، لأن الكلام في الاستثناء المتصلن وشرطه أن يكون مخرجًا من المستثنى منه على وجه لولاه لدخل فيه، ونحن نقطع بأن رجالًا ليس له دلالة على زيد فلم يستقم إخراج زيد منه. وإذا لم يستقم إخراجه منه لم يصح أن يكون استثناءً منه، فثبت أنه يتعذر الاستثناء في مثل هذه الصورة (٣).
وإنما اشترط أن يكون غير محصور، احتراز (٤) من مثل: له عندي عشرة إلا درهما (٥) فإنه تابع لجمع منكور ولكنه لما كان محصورًا صح أن يكون استثناء، لأنك لو سكت عنه لدخل فيه ووجب على المقر به عشرة (٦)، بخلاف قولكك جاءني رجال إلا زيدًا.
_________________
(١) الكافية ص ٨.
(٢) في س: كانت.
(٣) في ب، د، س: الصور. وما أثبتناه هو الصواب.
(٤) في الأصل وفي: ب، م، د: احتراز. وما أثبتناه من س، وهو الصواب لأنه مفعول لأجله.
(٥) قال الرضى: "لأنه إن كان محصورًا وج دخول ما بعد إلا فيه، فلا يتعذر الاستثناء فلا يعدل عنه، وذلك نحو: كل رجل إلا زيدًا جاءني، وله على عشرة إلا درهما، شرح الكافية ١/ ٢٤٦.
(٦) قال ابن هشام: "وسره أن المعنى حينئذ عشرة موصوفه بأنها غير درهم". المغني ١/ ٧٥ (دمشق).
[ ٢ / ٥٤٥ ]
[إملاء ٥١] [حد النعت]
ولم يشترط في استعمال "غير" بمعنى "إلا" تعذر جعلها صفة كما اشترط في استعمال "إلا" بمعنى "غير" تعذر كونها استثناء، لأن "غير" إذا استعملت في الاستثناء كانت لها أمثال جرت ذلك المجرى، لأن وقوع الأسماء استثناء لا بعد فيه كـ "سوى وسواء" بخلاف استعمال "إلا" صفة لأنها حرف، واستعمال الحرف صفة على خلاف القياس، لأنه استعمال الحرف بمعنى الاسم وإخراجه عن حيز الحرفية إلى حيز الاسمية، فاشترط فيه تعذر جريه على أصله.
[إملاء ٥١]
[حد النعت]
وقال أيضًا ممليًا [بدمشق سنة إحدى وعشرين] (١) على قوله في المقدمة في النعت (٢): "تابع يدل على معنى في متبوعه من غير تقييد". قال: احترز بقوله: من غير تقييد، عن الحال، فإن الحال مقيدة والصفة مطلقة. فأورد عليه بعض الأصحاب الحال المؤكدة فإنها تدل على معنى في صاحبها مطلقًا، فلتكن كالصفة. وأجاب بأن قال: إنما أتى بقوله: من غير تقييد، على سبيل التبيين لا على معنى أنه داخل في تتمة الحد، والحال ليس بتابع.
نعم لو قلنا في الحال: ما يبين هيئة الفاعل أو المفعول لوردت الصفة. إذن فنقول في الصفة: من غير تقييد، فتخرج حينئذ. هذا مع أن الحال ليس بتابع.
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ١٠ وعبارتها: تابع يدل على معنى في متبوعه مطلقًا.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
[إملاء ٥٢] [حد الاسم]
[إملاء ٥٢]
[حد الاسم]
وقال ممليًا [بدمشق سنة سبع عشرة] (١) على قوله (٢): "ما دل على معنى في نفسه". قال: الضمير في قوله: "في نفسه"، عائد على المعنى. يعني: أن اللفظ دال على معنى باعتبار نفسه لا باعتبار تعلقه (٣). لأن دلالة الألفاظ على ضربين: فضرب يدل على المعنى من غير اعتبار تعلق بالغير وهي الأسماء والأفعال، وضرب يدل على معنى باعتبار تعلقه بالغير وهي الحروف. ألا ترى أنك إذا قلت: خرجت من البصرة، فلفظة "من" دلت على ابتداء الخروج المتعلق بالمحل المخروج منهلا باعتبار ابتداء في نفسه. وإذا قلت: أعجبني الابتداء، فالابتداء (٤) مستقل في الدلالة على معناه باعتبار نفسه، فمن ثم حكم على "من" وشبهها أنها حرف وإن دلت على الابتداء، وحكم على لفظ الابتداء بأنه اسم.
ويجوز أن يقال: إن قولهم: في "نفسه" ضمير لما، وهو اللفظ، فيكون معناه: أن اللفظ يستقل (٥) بالدلالة على المعنى بنفسه من غير احتياج إلى أمر آخر يذكر معه يتعلق به، فيكون الحرف محتاجًا في الدلالة إلى الغير، والاسم والفعل مستقلان في الدلالة من غير احتياج إلى غيرهما. والكلام في دلالة المفردات، وأما النسب المفيدة فلا تكون إلا من اسمين أو من فعل واسم على ما تقرر.
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ٢.
(٣) قال الرضي: "في نفسه، الجار والمجرور مجرور المحل صفة لقوله: معنى. والضمير البارز في نفسه لما التي المراد بها الكلمة". شرح الكافية ١/ ٩.
(٤) فالابتداء: سقطت من د.
(٥) في س: مستقل.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
[إملاء ٥٣]
[حد المفعول فيه]
وقال ممليًا في البيت المقدس سنة ست عشرة على حد المفعول فيه (١): "ما فعل فيه فعل مذكور". فقال: إذا قلت: يوم الجمعة سرت فيه، فإنه فعل فيه فعل مذكور وهو السير وليس إعرابه على ذلك. وجوابه: أنه لم يوضع للدلالة على أنه فعل فيه، وإنما هو مخبر عنه، كما قلناه في قولنا: زيد ضربته، نعم الضمير في قولنا: "فيه" هو الذي فعل فيه. وأورد أيضًا: ضرب يوم الجمعة. وأجاب (٢) عنه بأنه مفعول فيه، وشرط نصبه أمر آخر، لا جرم حددنا المفعول فيه بما هو مفعول فيه، وكونه منصوبًا لم نتعرض له.
[إملاء ٥٤]
[حد المضاف إليه]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٣) على قوله في المجرورات (٤): "والمضاف إليه كل اسم نسب إليه شيء بواسطة حرف جر لفظًا أو تقديرًا مرادًا". فقال: إذ قلنا: ما جاءني من أحد وشبهه، فهذا مجرور بواسطة حرف جر ومع ذلك ليس بمضاف إليه (٥). والجواب (٦) عنه من وجهين: أحدهما: أن نقول:
_________________
(١) الكافية ص ٧.
(٢) في م: فأجاب.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) الكافية ص ٩.
(٥) قال الرضي: "بني الأمر أولًا على أن المجرور بحرف جر ظاهر مضاف إليه. وقد سمناه سيبويه أيضًا مضافًا إليه، لكنه خلاف ما هو المشهور الآن من اصطلاح القوم فإنه إذا أطلق لفظ المضاف إليه أريد به ما انجر بإضافة اسم إليه بحذف التنوين من الأول للإضافة. وأما من حيث اللغة فلا شك أن زيدًا في: مررت بزيد، مضاف إليه إذ أضيف إليه المرور بواسطة حرف الجر" شرح الكافية ١/ ٢٧٢.
(٦) في س: وأجاب.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
[إملاء ٥٦] [حد المعرب]
الحروف الزوائد جيء بها كلها لمعنى (١) فلا ينافي كونها زائدة، والمعنى الذي جيء بها له كونها لتأكيد تلك النسبة. ثم وإن سلمنا أنه ليس بنسبة، فلم نقصد بالحدج إلا ما ليس بزائد، لأن الحد باعتبار المعاني، لا تدخل الأمور التي لا معنى لها فيه، لأنه يؤدي إلى أن يكون له معنى فيما ليس له معنى.
[إملاء ٥٥]
[تجرد المضاف من التنوين]
وقال ممليًا في المجرورات أيضًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٢) في قوله (٣): "مجردًا تنوينه لأجلها" (٤): إذا قلت هذا أحمر الثوب فلا تنوين فيه. فالجواب: أنا أردنا التنوين اللفظي والتقديري جميعًا، فإن "أحمر" قبل الإضافة لا تنوين فيه لأنه غير منصرف وبعد الإضافة كذلك. ولكنه لما بعد عن شبه الفعل بالإضافة حكم عليه بالرجوع إلى أصلهن فيكون التنوين مقدرًا. ألا ترى أن الخفض يدخله إذا قلت: مررت بأحمر الثوب، ولولا أنه في حكم المنصرف لم يجز دخول الخفض فيه، فلذلك نقول: زال التنوين فيه لأجل الإضافة.
[إملاء ٥٦]
[حد المعرب]
وقال ممليًا ببيت المقدس سنة ست عشرة وستمائة على قوله (٥):
_________________
(١) في م، س: بمعنى. وهو تحريف.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص ٩.
(٤) قول ابن الحاجب: مجردًا تنوينه، أي: التنوين أو ما قام مقامه من نوني التثنية والجمع.
(٥) الكافية ص ٢.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
[إملاء ٥٧] [حد التوابع]
"ويختلف آخره باختلاف العامل"، قال: أنتم اعترضتم على النحويين في حد المعرب بقولهم: ما اختلف آخره باختلاف العامل، وبينتم أن هذا يلزم فيه الدور (١)، فأنتم أيضًا قد ذكرتم ذلك بعينه في حدكم، وهو قولكم: المعرب المركب الذي لم يشبه مبني الأصل، ويختلف آخره باختلاف العامل. فيلزمكم ما لزمهم. والجواب: أنا لم نجعل الاختلاف فيما ذكرناه مبنيًا، وغنما جعلناه مخبرًا به بعد أن قدمنا ما يدل على المراد وهو قولنا: المعرب المركب الذي لم يشبه مبنى الأصل. ثم أخبرنا بعد أن ثبتت حقيقة المعرب بأنه يختلف. ولا يلزم من الإخبار عن الشيء الأطراد والانعكاس، ألا ترى أنك لو قلت: زيد قائم (٢) وما أشبهه من الإخبارات، لم يلزم أن يكون ذلك مطردًا، بخلاف ما ذكر من الحد.
[إملاء ٥٧]
[حد التوابع]
وقال ممليًا في قوله (٣): "التوابع كل ثان بإعراب سابقة من جهة واحدة": قوله: من جهة واحدة، احتراز من قولنا: أعطيت زيدًا درهما، فإن تعلقه بـ "زيد" على معنى كونه آخذًا، وتعلقه بـ "الدرهم" على معنى كونه مأخوفًا، بخلاف: جاء زيد العاقل.
[إملاء ٥٨]
[العطف على اسم "أن" المفتوحة بالرفع]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (٤) على المقدمة في
_________________
(١) انظر الإملاء (١٧) من هذا القسم. ص: ٥١٩.
(٢) في س: قام.
(٣) الكافية ص ٩.
(٤) زيادة من ب، د.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
قوله (١): "ولذلك جاز العطف على اسم المكسورة لفظًا أو حكمًا بالرفع دون المفتوحة": قولهك أو حكمًا، مثل قوله تعالىك ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ (٢). فإن قوله: ورسوله، معطوف على اسم (أن) (٣) وإن كانت مفتوحة، لأنها في حكم المكسورة. وهذا موضع لم ينبه عليه النحويون. فإنهم إذا قالوا: يعطف على اسم "إن" المكسورة دون غيرها أو هموا أنه لا يجوز العطف على المفتوحة.
والمفتوحة تنقسم قسمين: قسم يجوز العطف على اسمها بالرفع، وقسم لا يجوز. فالقسم الذي يجوز هو أن تكون في حكم المكسورة كقولك: علمت أن زيدًا قائم وعمرو (٤)، لأنه في معنى: إن زيدًا قائم وعمرو، فكما جاز العطف ثم جاز ههنا. ألا ترى أن "علم" لا تدخل إلا على المبتدأ والخبر. يدل على ذلك وجوب الكسر في قولك: علمت إن زيدًا لقائم. وإنما انتصبا بعدها توفيرًا لما تقتضيه "علمت" من معنى المفعولية.
فإذا تحقق أنها في حكم المكسورة جاز العطف على موضعها إجراء لها مجرى المكسورة لأنها في حكمها. فإن كانت المفتوحة على غير هذه (٥) الصفة لم يجز العطف على اسمها بالرفع مثل قولك: أعجبني أن زيدًا قائم وعمرًا، فلا يجوز إلا النصب، ولا يستقيم الرفع بحال عطاف على اسم "أن" لأنها ليست
_________________
(١) الكافية ص ٢٠.
(٢) التوبة: ٣.
(٣) باعتبار أصله قبل الناسخ، ويكون من عطف مفرد على مفرد. ويجوز أن يكون مبتدأ حذف خبره، ويكون من عطف الجمل.
(٤) أي: تكون بعد فعل من أفعال القلوب.
(٥) في الأصل: غير ذلك بهذه. وما أثبتناه من م، د، س. وهو أنسب.
[ ٢ / ٥٥١ ]
[إملاء ٥٩] [حد البدل]
مكسورة ولا في حكم المكسورة لأنها في موضع مفرد من كل وجه (١). وقد تقدم تعليق تخصيص المكسورة بذلك.
[إملاء ٥٩]
[حد البدل]
وقال ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٢) في البدل في قوله (٣): [تابع مقصود بما نسب إلى المتبوع دونه": فقولنا: تابع، يشمل التوابع كلها. وقولنا: مقصود، دخل فيه المعطوف، فأخرجناه بقولنا: دونه، يعني دون المتبوع، فإن الضمير في "دونه" للمتبوع. فإنا إذا قلنا: أعجبني زيد حسنه، فالإعجاب منسوب إلى الحسن، وإنما ذكر زيد للتوطئة والتمهيد، والمعطوف دخل مع المعطوف عليه في المعنى الذي سيق المعطوف عليه لأجله. فإن قولنا: قام زيد وعمرو، شركت بين زيد وعمرو في القيام بما هو قيام، لأنه يستحيل أن يكون قيام زيد قيام عمرو، وإنما التشريك في معقول القيام لا في القيام المضاف إلى زيد.
[إملاء ٦٠]
[إطلاق المركب]
وقال ممليًا [بدمشق سنة إحدى وعشرين] (٤) على قوله (٥): "المعرب المركب الذي لم يشبه مبني الأصل". قال: توهم بعض الأصحاب أن المركب لا
_________________
(١) انظر مسألة العطف بالرفع على محل اسم أن المفتوحة في شرح الكافية للرضي ٢/ ٣٥٣. وانظر الإملاء (٤٦) من الأمالي القرآنية. ص: ١٨٢.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص ١٠.
(٤) زيادة من ب، د.
(٥) الكافية ص ٢.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
يطلق إلا على الجملة بكمالها، وليس بمستقيم. لأن القائل إذا قال: زيد قائم، صح أن يقال: ركبت زيدًا مع "قائم"، فـ "زيدًا" مفعول بـ "ركبت"، وكل مفعول لفعل يصح إطلاق صيغة مفعول عليه، فيجب صحة إطلاق مركب عليه، فيصح أن يطلق (١) على زيد مركب كما صح إطلاق مضروب على زيد إذا قيل: ضربت زيدًا. فقد ثبت صحة إطلاق لفظ المركب على كل واحد مفرد من أجزاء الجملة.
فإن قيل: فيكون "قام" في قولك: قام زيد، مركب مع زيد، وعلى ذلك يكون معربًا لدخوله في حد المعرب. فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه لم يرد ههنا بالمركب إلا الاسم المركب، إذ هذا الحد إنما جيء به لنوع من الأسماء وهو المعرب. وإذا حد نوع من جنس بعد ذكره إنما (٢) يراد ذلك الجنس، فقوله: المركب، إنما أريد الاسم المركب، ولكنه حذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه. الثاني: هو أنه قد اشتمل على قوله: لم يشبه مبني الأصل، "وقام" مبني الأصل فلا ليس. فإن قلت: فـ "يقوم زيد، لا يشمله الجواب الثاني. قلت: بل يشمله لأن "يقوم" يشبه "قام" فهو وإن كان مركبًا فقد أشبه مبني الأصل فلا يرد. والجواب الأول هو المراد المعتمد عليه.
[إملاء ٦١]
[الجمع المانع من الصرف]
وقال ممليًا [بدمشق سنة إحدى وعشرين] (٣) على قوله (٤): "الجمع شرطه
_________________
(١) في الأصل: ينطلق. وهو تحريف.
(٢) في الأصلك كأنما. وما أثبتناه من ب. وهو الأحسن.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) الكافية ص ٣.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
صيغة منتهى الجموع" (١). قال: إنما لم يمنع غير هذه الصيغة من صيغ الجموع لأمرين: أحدهما: أنه لا يتفق اجتماعها مع علة أخرى، لأنها مع العدل لا تكون، إذ للعدل (٢) صيغ محصورة ليس فيها جمع إلا أخر، وهو مستقل بعلتين غيره، وهما العدل والصفة، ولا يستقيم مع الوصفية لأن المعتبر في الوصفية الوصف المفرد لا الجمع من حيث كان المفرد هو الأصل فلم يعتبر سواه، ولا يجامع التتأنيث لأن شرطه العلمية، وإن كان ألفا كان مستغنيًا عن علة أخرى. ولا يجامع العلمية لما بينهما من المنافاة، لأنك إذا سميت به فقد خرج عن كونه جمعًا، وصار بهذا الاعتبار كالأسماء المفردة. فإن قيل: فلم لم يعتبر معه بعد التسمية كما اعتبر في "مساجد" بعد التسمية به؟ فالجواب: أن الجمع في "مساجد" متأكد بما تقرر في بابه، فلا يلزم من اعتبار جمع متأكد في الأصل بعد خروجه بالنقل اعتبار جمع غير متأكد، ولتأكيده قام مقام علتين فظهر الفرق.
وبقية العلل في امتناع اجتماعها مع الجمع واضحة وهي العجمة والتركيب والألف والنون ووزن الفعل.
الوجه الثاني وهو أولاهما: أنه لم يعتبر لشبهه بالواحد، لأن هذه الصيغة غير باب "مساجد" اشتركت كلها في صحة جمعها تشبيهًا بالواحد لفظًا أو حكمًا، فلم تعتبر الجمعية فيها لذلك، إذ الصيغة في الواحد مثلها في باب الجمع بخلاف باب "مساجد" فإنه لم يشركه باب الوحدان (٣) فيما ذكر، فكذلك اعتبر الجمع ولم يعتبر في غيره.
_________________
(١) قال ابن الحاجب: "وهذا أولى من قول الأكثرين: لأنه جمع لا نظير له في الآحاد، فإن ذلك منقوض بأفلس وبابه وهو أكثر من أن يحصى. فأفعل جمع لا نظير له في الأحاد فكان جديرًا بأن يمتنع من الصرفط. شرح الكافية ص ١٥.
(٢) في الأصل وفي ب، د، م: العدل. وما أثبتناه من س. وهو الصواب.
(٣) جمع واحد.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
[إملاء ٦٢]
[حد الاستثناء المنقطع]
وقال ممليًا على قوله (١): "والمنقطع المذكور بعدها غير مخرج". قال: وهذا أولى من حد النحويين الذين يقولون في حد المنقطع: إنه ما كان من غير الجنس. فإنه باطل بقولنا: جاء القوم إلا زيدًا، لقوم معهودين بينك وبين مخاطبك ليس فيهم زيد. فهذا استثناء من الجنس ومع ذلك هو منقطع. قال: ويمكن أن يعتذر للنحويين بأن غير الجنس قد يطلق على ما لم يكن داخلًا في الأول، والجنس ما كان داخلًا. فلما كان المنقطع غير داخل في الأول أمكن أن يعبر عنه بأنه من غير الجنس بالتفسير الذي ذكرناه.
[إملاء ٦٣]
[الكلام في تنوين "غير"]
وقال ممليًا [بالقاهرة سنة خمس عشرة وستمائة] (٢) في قوله (٣): "وغير صفة حملت على إلا في الاستثناء". فقال بعض جماعته أيجوز: غير أو غير بالتنوين؟ فاقل: كل ما يتكلم به إنما هو اسم أو فعل أو حرف. فإن كانت أفعالًا أو حروفًا فالأحسن أن تذكرها على ما كانت عليه في أصل وضعها، فتقول: "ضرب" حكمه كذا، ومن: حرف ابتداء. وإن كانت أسماء فلا يخلو إما أن تكون معربة أو مبنية، فإن كانت معربة فالأحسن أيضًا أن يتكلم بها على ما هي في أصل وضعها، فتقول: "زيد" حكمه كذا، ولو قلت: "زيد" حكمه كذا كان جائزًا، إلا أنه ضعيف. فإن كان غير منصرف فلك أن تحكيه ولك أن تعربه، فتقول:
_________________
(١) الكافية ص ٨.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص ٨.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
سواء: حكمه كذا، وسواء: حكمه كذا. وإن كانت متصرفة أعربته لا غير (١). وإن كان مبنيًا حكي كالأفعال والحروف.
[إملاء ٦٤]
[إضافة الصفة إلى موصوفها وبالعكس]
وقال ممليًا في المقدمة [بدمشق سنة تسع عشرة] (٢) على قوله (٣): "ولا يجوز إضافة الصفة إلى موصوفها ولا الموصوف إلى صفتهطز فقال: إنما امتنع ذلك لأنه لم يخل إما أن تضيف باعتبار الذات أو باعتبار المعنى أو باعتبارهما جميعًا. فإن أضفت باعتبار الذات كان باطلًا لأنه يؤدي إلى إضافة الشيء إلى نفسه. وإن أضفت باعتبار المعنى فهو أيضًا باطل، إذ ليس عالم موضوعًا لمجرد المعنى بل للذات والمعنى، والمعنى هو المقود. ولذلك لو قلت: رجل علم، جازن وباعتبارهما جميعًا أيضًا باطل لأنهما جميعًا ليس اللفظ موضوعًا لهما على السواء، وهذا الوجه يجري في منع إضافة الصفة إلى موصوفها أيضًا (٤).
_________________
(١) قال ابن هشام: "غير اسم ملازم للإضافة في المعنى، ويجوز أن يقطع عنها لفظًا إن فهم المعنى وتقدمت عليها كلمة لس، وقولهم: لا غير، لحن". مغني اللبيب ١/ ١٦٩ (دمشق٩.
(٢) زيادة من: ب، د.
(٣) الكافية ص ٩ وعبارتها: ولا يضاف موصوف إلى صفته ولا صفة إلى موصوفها.
(٤) اختلف الكوفيون والبصريون في هذه المسألة. فقد جوز الكوفيون إضافة الموصوف إلى صفته وبالعكس. فالأول نحو: مسجد الجامع، والثاني نحو: جرد قطيفة. والبصريون منعوا ذلك، ولهذا ينصبون المرفوع بالصفة إذا أريد الإضافة إليه في نحو: حسن الوجه. انظر الإنصاف مسألة (٦١)، وشرح الكافية للرضى ١/ ٢٨٧.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
[إملاء ٦٥] [حد النعت]
[إملاء ٦٦] [نون التوكيد]
[إملاء ٦٥]
[حد النعت]
وقال ممليا بالقاهرة [سنة ست عشرة] (١) علي قوله (٢) النعت تابع يدل علي معني في متبوعه (٣) أورد عليه بعض الأصحاب جاء القوم كلهم متوهما أن كلهم لما كان تأكيد اأنه دال علي معني في المتبوع وهم القوم فقال ممليا أكان كلهم دالا علي معني في المتبوع فليكن قولك جاء زيد زيد دالا علي معني في المتبوع وليس دالا معني في المتبوع وبيانه أن التوهم الذي رفع بزيد الثاني ليس قائما بزيد الأول ولم يكن موضوعا له، وإنما جاء اللبس على السامع بالنظر إلى الوجود، إذ يحتمل أن يكون جاء غلامه أو غيره من المنسوبين إليه. فالمتبوع ليس التوهم قائمآ به البتة بل بالمخاطب، ونحن قد قيدنا وقلنا: ما دل على معنى في المتبوع. وكذلك قولنا: جاء القوم كلهم، لم يأت المتكلم بلفظ كلهم إلا رافعا بها التوهم عن السامع لئلا يقدر أن بعضهم جاء، فليس في المتبوع الذي هم القوم احتمال أصلا مع كلهم
[إملاء ٦٦]
[نون التوكيد]
وقال ممليآ [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٤) على قوله (٥): "نون التوكيد خفيفة ساكنة، ومشددة مفتوحة مع غير الألف" إلى آخره. قال: إنما اختصت
_________________
(١) زيادة من: ب، د.
(٢) الكافية ص ٩.
(٣) قال الرضي:"ولو قال يدل على متبوعه أو متعلقه لكان أعم لدخول نحو: برجل قائم أبوه، فيه" شرح الكافية ١/ ٣٠١.
(٤) زيادة من ب، د.
(٥) الكافية ص.٢١
[ ٢ / ٥٥٧ ]
هذه النون بالفعل المضارع لأنها مشبهة بالتنوين فخصوها به لكونه الأصل في الإعراب، وليس للماضي أصل فيه، فلم يناسب دخولها فيه. ودخلت في الأمر إجراء له مجراه قبل حذف حرف المضارع فأجري على أصله وإن خرج عن الإعراب على المذهب الصحيح (١). وإنما خصوه بالمستقبل لا ستغناء الحال غالبا عن التوكيد لوضوح أمره، بخلاف الغائب في الغالب فإنه غير متضح، فكان أحوج منه إلى التأكيد. واختصت بما فيه معنى الطلب لقصد المتكلم إرادة ما يطلبه غالبآ، فهو مؤكد عنده في طلب حصوله، فكان فيه مناسبة التأكيد دون غيره. وأجري مجراه القسم وإن لم يكن فيه طلب، لأنه إما غالبه أن يكون مرادا وإما لأن جميعه مقصود حصوله للصدق لا لحصوله في نفسه، فأجري مجرى ما المقصود منه الحصول (٢) وإنما لم تدخل النون في الحقيقة على فعل الاثنين وجماعة النساء (٣) كراهة اجتماع الساكنين على غير حدهما (٤) ،ودخلت الشديدة وإن التقى ساكنان لأنهما على حدهما. وإنما كسرت معها خاصة لما ثبت في غيرها من أن
_________________
(١) مذهب البصريين أن فعل الأمر مبني. ومذهب الكوفيين أمعرب مجزوم. انظر الإنصاف مسألة (٧٢).
(٢) وقد يلحقان أيضا الفعل إذا دخلت عليه ربما، وكثر ما، وقلما، أو زيدت قبله ما، قالوا: بجهد ما تبلغن. وقد تلحقان أيضا في الشعر الفعل في الجزاء بغير ما، والفعل المنفي بلم، والواجب. انظر المقرب لابن عصفور ٢/ ٧٤،٧٣.
(٣) "وأما يونس والكوفيون فجوزوا إلحاق الخفيفة بالمثني وجمع المؤنث. فبعد ذلك إما أن تبقى النون عندهم ساكنة وهو المروي عن يونس، لأن الألف قبلها كالحركة لما فيها من المدة كقراءة نافع (محياي) وقراءة أبي عمرو (واللاي) وإما أن تحرك بالكسر للساكنين، وعليه حمل قوله تعالى: (ولاتتبعان) بتخفيف النون"انظر الرضي على الكافية ٢/ ٥٠٤.
(٤) وحدهما أن يكون الأول حرف لين والثاني مدغمآ في نحو: دابة وخويصة. انظر المفصل ص٣٥٢.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
النونات الزوائد على الصيغة بعد الألف مكسورة، ك: رجلان وغلامان وضربان ويأكلان، وهذه كذلك فأجراها. أو لأنها موضع نون التثنية وهي مكسورة، فجعلت مثلها، وشبهت بما في جماعة النساء بها لكونها بعد ألف. وإنما ضمت مع ضمير المذكرين لأنها تنزل مع الضمير البارز منزلة كلمة منفصلة ومع غيره منزلة حرف متصل (١). وقد علمت أنك تقول في "اضربوا" إذا وصلته باليوم: اضرب اليوم، فكذلك يجب أن بقول: اضربن، لأنها في الحقيقة اجتمعت هي ساكنة والنون ساكنة فحذفت لالتقاء الساكنين كما حذفت لسكونها وسكون اللام. ووجه كسرها مع ضمير المخاطب المؤنث على هذا المثال. فإن لم يكن ضمير بارز قدرت متصلة كقولك للرجل: اضربن، كقولك: ليضربن الزيدون العمرين، لأنهما لا ضمير فيهما بارز، لأن الضمير الأول مستتر، ولا ضمير في الثاني. وقد علمت أنهم إذا اتصل بالفعل ما ليس بواو مما يكون لجزئه فتح معه كقولك: اضربا واخرجا، فكذلك يجب أن تقول: اضربن واخرجن. وإنما لم تجعل كالمنفصل مثل الأول لأنه حرف لمعنى في الفعل لم يفصل بينه وبينه فاصل، فجعل كالتنوين وألف التثنية بخلاف ما جاء فيه الضمير البارز، لأنه كلمة أخرى انضمت إلى الفعل، فلم يحسن أن تجعل من جملته بعد الفصل بينه وبينه بكلمة للمنافاة بين جزئي الكلمة وبين الفصل بينهما بكلمة وهذا الأصل ينبني عليه جميع مسائل هذا الباب في الصحيح والمعتل (٢). فمن ثم قيل للواحد: اغزون كما تقول: اغز، وللمذكرين: اغزن كما تقوا: اغزوا اليوم، وللواحدة: اغزن كما تقول: اغز اليوم. وتقول للواحد: رين كما تقول:
_________________
(١) "وإنما ضمت ولم تكسر ولم تفتح إجراء لما قبل نون التأكيد في جمع المذكر في جميع الأنواع مجرى واحدأ بالتزام الضمة فيه".الرضي على الكافية ٢/ ٤٠٤.
(٢) انظر سيبويه ٣/ ٥٢٨.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
ري، وللمذكرين: رون، بواو مضمومة، كما تقول: رووا اليوم، وللمرأة: رين بياء مكسورة كما تقول: ري اليوم، قال الله تعالى: ﴿فإما ترين﴾ (١) وقال: ﴿لترون﴾ (٢) قوله: والمخففة تحذف للساكن، يعني: إذا لقيها ساكن، يعني: إذا لقيها ساكن بعدها، فتقول في "اضربن" إذا وصلته باليوم: اضرب اليوم، ولا تحركها لالتقاء الساكنين كما تحرك التنوين، كأنهم قصدوا أن يكون لما يدخل الاسم على ما يدخل الفعل مزية. فإذا وقفوا فلا يخلو ما قبلها من أن يكون مفتوحآ أو غير مفتوح. فإن كان غير مفتوح حذفوها أيضا كما حذفوا التنوين فيقولون في "اضربن": اضربوا، وفي "اضربن" للمرأة: اضربي. لأنهم لما حذفوها زال المقتضي لحذف الساكن الذي قبلها فوجب رده. فإن قيل كان القياس ألا يرد ما حذف لأجله لأن حذفه عارض، كما أنهم لم يردوا في قولهم: قاض، ما حذفوه لأجل التنوين وهو الياء لما كان حذفه عارضًا على اللغة الفصيحة. فالجواب: أن التنوين في الاسم متأصل موضوع لمعنى أصلي يدل عليه، فإذا حذف في الوقف كان حذفه عارضًا على التحقيق، والأصل الإثبات. ونون التأكيد ليست لمعنى زائد عما يدل عليه الفعل بل هي في معنى حروف الزيادة، فصارت في الأصل عارضا، فإذا حذفت رجعت الكلمة إلى أصلها فوجب رد ما حذف لأجله، فحصل الفرق بينهما لذلك. وكذلك لو قلت: هل تضربن، ثم وقفت قلت: هل تضربون، فتثبت الواو ونون الإعراب ساكنة. أما الواو فلزوال مقتض حذفها وهو النون الساكنة. وأما رد نون الإعراب فلزوال مقتض البناء، لأن
_________________
(١) مريم: ٢٦. وترين: مضارع مؤكد مسند لياء المخاطبة. أصله قبل التوكيد: ترأيين، حذفت الهمزة تخفيفا، ونقلت حركتها إلى الراء فصارت: تريين، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين فصارت: ترين ثم حذفت النون للجازم، وأكد بالنون فحركت الياء بالكسر للمجانسة فصارت: ترين.
(٢) التكاثر:٦.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
نون التأكيد تقتضي بناء الفعل، فإذا زالت رجع الفعل إلى ما يستحقه من الإعراب فوجب رد النون في: هل تضربون؟ لأنها علامة للرفع (١) فيه. وإن كان مفتوحا قلبوها ألفا، تقول في "اضربن": اضربا. وإنما قلبوها ألفا تشبيها لها بالتنوين المفتوح ما قبله مثل قولك: رأيت زيدا وعمرا، وما أشبهه. ولم يحذفوه من (٢) غير عوض كما فعلوا في المضموم ما قبله والمكسور إجراء له مجرى التنوين، ففعلوا به ما فعلوا في التنوين لخفة الفتحة والألف، وثقل الضمة والواو، والكسرة والياء
[إملاء ٦٧]
[المنفي المضاف بلام الإضافة]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٣) على قوله (٤):"ومثل لا أب له ولا غلامين له جائز تشبيهه بالمضاف لمشاركته له في أصل معناه": يعني: أن كل نكرة نسبت إلى منسوب إليه باللام وحكمها يختلف باعتبار إفرادها وباعتبار إضافتها فالقياس استعمالها مفردة لأن اللام قطعتها عن الإضافة لفظا ومعنى كما في سائر الأبواب. ويجوز على غير القياس وهو مع ذلك ليس بالكثير في الاستعمال إجراؤها مجرى المضاف في الحكم لا في المعنى، فتعطى أحكام المضاف من إعراب بحرف أو حذف نون حتى كأنها مضافة، فتقول في: لا ناصرين لك، لا ناصري لك،
_________________
(١) في ب، د. الرفع.
(٢) في الأصل: عن. وهو تحريف.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) الكافية ص ٩.
[ ٢ / ٥٦١ ]
تشبيها له بالمضاف لمشاركته له في أصل معنى الإضافة من حيث كونه منسوبا إلى الثاني على أصل معنى تلك النسبة لا على الاختصاص التعريفي الذي جعلها لواحد معين. ومن ثم، يعني: ومن أجل أن هذا الحكم كان من أجل تشبيهه بأصل معنى الإضافة أنهم لم يفعلوه في: لا أب فيها، ولا قيبى عليها، ولا مجيري منهما، لأن هذه النسبة ليست نسبة الإضافة، فلذلك لم يعط حكم الإضافة باعتباره، بخلاف النسبة التي هي بمعنى اللام. وقد زعم سيبويه وأكثر النحويين أنها إنما أعطيت هذا الحكم لأنهم قصدوا الإضافة فجاءوا باللام للتوكيد لها في المعنى (١). وقال الزمخشري (٢): "وقضاء من حق المنفي في التنكير بما يظهر بها من صورة الانفصال" (٣). وهو إيذان منهم بأن المعنى معنى الإضافة على التحقيق، وهو فاسد من وجوه: منها: القطع بأن معنى: لا أب لك، بمعنى: لا أبا لك.
_________________
(١) قال سيبويه: "اعلم أن التنوين يقع من المنفى في هذا الموضع إذا قلت: لا غلام لك، كما يقع من المضاف إلى اسم، وذلك إذا قلت: لا مثل زيد. والدليل على ذلك قول العرب: لا أبالك، ولا غلامي لك، ولا مسلمي لك. وزعم الخليل ﵀ أن النون إنما ذهبت للإضافة، ولذلك ألحقت الألف التي لا تكون إلا في الإضافة. وإنما كان ذلك من قبل أن العرب قد تقول: لا أباك في معنى لا أبالك، فعلموا أنهم لو لم يجيئوا باللام لكان التنوين ساقطا كسقوطه في. لا مثل زيد. فلما جاءوا بلام الإضافة تركوا الاسم على حاله قبل أن تجيء اللام إذ كان المعنى واحدا، وصارت اللام بمنزلة الاسم الذي ثنى به في النداء" الكتاب ٢/ ٢٧٦.
(٢) المفصل ص ٧٨.
(٣) ومعنى كلام الزمخشري: أن زيادة اللام في: لا أبا لك، أفادت أمرين: أحدهما: تأكيد الإضافة، ولأخر: لفظ التنكير لفصلها بين المضاف والمضاف إليه. فاللام مقحمة غير معتد بها من جهة ثبات الألف في الأب، ومن جهة تهيئة الاسم لعمل "لا" فيه. انظر شرح المفصل لابن يعيش ٢/ ١٠٧.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
و"لا أب لك" غير مضاف باتفاق، فوجب أن يكون الأخر كذلك. ومنها: الاتفاق على أن "لا" هذه لا تدخل إلا على نكرة، فلو جعل مضافا على الحقيقة لكان معرفة فيبطل قولهم: لا تدخل إلا على نكرة. ومنها: لو كان معرفة لكان لواحد مخصوص، ونحن نقطع بأن قولك: لاحما لك ولا أخا لك، ليس لواحد مخصوص، وإنما هو نفي لجميع الأخوة، إما باعتبار الزوم وإما باعتبار نفسه، كما في: لا رجل أفضل منك فثبت أنه نكرة وليس بمعرفة، فوجب أن يكون هذا الحكم الخارج عن القياس لتشبيهه بالإضافة، لا لأنه مضاف حقيقة.
[إملاء ٦٨]
[الإضافة اللفظية]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله (٢): "واللفظية أن تكون صفة مضافة إلى معمولها مثل: ضارب زيد": والمعمول قد يكون مفعولا وقد نكون فاعلا مثل: حسن الوجه. وإذا أضيف إلى ما يحتمل أن يكون معمولا له وإلى ما يحتمل أن لا يكون معمولا له كقولك: هذا مصارع السلطان، جاز أن تكون الإضافة، وجاز أن تكون معنوية. أما نحو: ضارب مصر، فلا ينبغي أن تكون إلا إضافة معنوية لتعذر أن يكون "مصر" معمولا ل"ضارب" قال: "ولا تفيد إلا تخفيفا في اللفظ". معنى هذا: أنها لابد لها من إفادة التخفيف وأنها لا تفيد غيره، فقرر انتفاء ما سوى منطوق قوله: ولا تفيد إلا تخفيفا، بقوله: ومن ثم جاز مررت برجل حسن الوجه (٣). ألا ترى أنه لو كان
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ٩.
(٣) أي: من جهة أنها لم تفد تعريفا بل أفادت تخفيفا فقد جازت هذه المسألة.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
يفيد غير التخفيف لأفاد التعريف، ولو أفاد التعريف لامتنع وصف النكرة به. وكذلك أيضا قرر بامتناع: مررت بزيد حسن الوجه. ألا ترى أنه لو كان مفيدا للتعريف لصحت المسألة، ولما لم تصح دل على أنه لم يفد غير التخفيف، وقرر إفادتها التخفيف الذي هو مستفاد من مفهوم الاستثناء في قوله: إلا تخفيفا، أو مستفاد من الظاهر، إلا أنه دون الأول في الظهور على الخلاف بين الناس بقوله: ومن ثم جاز الضاربا زيد (١). ألا ترى أنه لما استفدنا بالإضافة حذف النون وهو نوع من التخفيف لأجلها جازت الإضافة. وكذلك امتناع الضارب زيد (٢). ألا ترى أنه لما كان التنوين محذوفا لأجل اللام لم تفد الإضافة تخفيفا. ولما لم تفده لم يجز خلافا للفراء. ووجه قول الفراء أن ضارب زيد، منفق عليه وهو نكرة، فلما قصد إلى تعريفه عرف بما يعرف به مثله، فكأن الإضافة أفادت التخفيف، ولم تجىء اللام إلا بعد تخفيفها وتقريرها بشرطها، أو يحمله على مثل: الضارب الرجل، وقولهم: الحسن الوجه، أو على مثل الضاربك، وهو غير مستقيم (٣) أما تقدير الإضافة قبل اللام، فتقول: اللام والإضافة قد اجتمعا فإذا شككنا فيما هو الموجب لحذف. التنوين كان السابق أولى بإثبات الحكم المقتضي هو له من المتأخر. هذا مع أنه لم يثبت مثله في كلام العرب، وإذا لم يثبت فالاحتمال كاف لا سيما إذا كان المعنى المقيض مرجحا. وأما
_________________
(١) لأن التخفيف قد حصل بحذف النون.
(٢) لعدم التخفيف لأن التنوين لم يسقط للآضافة وإنما سقط للآلف واللام.
(٣) قال الرضي: "ونسب ابن مالك إلى الفراء أنه يجيز إضافة نحو: الضارب، إلى المعرف من العلم وغيره. أما إلى المنكر فلا. فعلى هذا له أن يقول: الضارب زيد، يشابه الحسن الوجه أيضا من حيث كون المضاف إليه معرفأ، وإن اختلف التعريفان. والظاهر أن الفراء لا يفرق بين المعرف والمنكر كما نقل عنه السيرافي" شرح الكافية ١/ ٢٨٢.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
الضارب الرجل، فله وجه، وهو أنهم شبهوه في الإضافة بما أفاد تخفيفا وهو قولهم: الحسن الوجه. ألا ترى أنهم شبهوا: حسن الوجه، في صحة الإضافة بباب: ضارب الرجل، فشبهوا الضارب الرجل، في صحة الإضافة بـ"الحسن الوجه". وأما "الضاربك" فإنما يصح لأنه محمول على "ضاربك" و"ضاربك" لا يستقيم اعتبار تحقيق التخفيف فيه (١). ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: ضاربنك ولا ضارب إياك. أما ضاربنك ففاسد للجمع بين مدلولين متناقضين، لأن التنوين يدل على الانفصال، والضمير المتصل يدل على الاتصال وهما متناقضان. وأما: ضارب إياك، فلا يستقيم، لأنهم لا يعدلون إلى المنفصل إلا بعد تعذر المتصل ولم يتعذر. وإذا وجبت إضافة "ضاربك" من غير اعتبار تحقيق التخفيف وجب صحة الضاربك. هذا إن قلنا: إن "الضاربك" مضاف. وأما من قال: إن الكاف في موضع نصب فلا يرد عليه بحال. فإن قيل: هذا يناقض ما ذكرتموه من أن الإضافة اللفظية لا تفيد إلا تخفيفا، قلنا: هو تخصيص له، والإضافة اللفظية في الغالب كذلك على ما قلناه، إلا في هذه المواضع التي خصصت لأجل المعاني التي قررت فيها، والتخصيص بعد التعميم ليس ببدع.
_________________
(١) لقد عقب الرضي على كلام ابن الحاجب في رده على الفراء بقوله: "وفيه نظر وذلك لأن الفراء أن يقول: إذا جاز لك حمل ذي اللام في "الضاربك" في وجوب الإضافة على المجرد منها لعلة في المجرد دون ذي اللام وهي اجتماع النقيضين لو لم يضف لما ذكرت أنهما من باب واحد، فهلا جاز لي حمل ذي اللام في الضارب زيد، على المجرد منها وهو: ضارب زيد في صحة الإضافة لعلة حاصلة في المجرد دون ذي اللام وهي حصول التخفيف بناء على أنهما من باب واحد. شرح الكافية ١/ ٢٨٣.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
[إملاء ٦٩]
[حذف لام المفعول له]
وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (١) على قوله في المفعول له (٢): "وإنما يجوز حذفها إذا كان فعلا لفاعل المعلل ومقارنا له" وإنما اشترط ذلك لتقوى القرينة الدالة على حذف اللام؛ لأن الأصل إثباتها كما أن الأصل إثبات "في" في الظرفية، فكرهوا أن يحذفوها في موضع لم تقو قرينتها. ومعلوم أن كونه فعلا وكونه لمن فعل الفعل الأول وكونه مقارنا مما يغلب على الظن كونه. علة، فجاز حذف الحرف الدال العلية لقيام غيره مقامه. فإن فقد شيء منها رجع إليه كقولك: جئتك للسمن، وقصدتك لإكرامك الزائد، وقعدت عنك اليوم لمخاصمتك لي أمس، فلو حذفت اللام في شيء من ذلك لم يجز لما ذكرناه.
[إملاء ٧٠]
[حمل "عند" و"لدى" وشبههما على ظرف المكانٍ]
وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (٣) على قوله (٤): "وحمل عليه عند ولدى وشبههما لإبهامهما". قال: وجه الإبهام فيهما، إنما كانت الجهات الست مبهمة من حيث كانت متوقفة في معقوليتها على ما تضاف إليه مثل: فوق وتحت وأمام وخلف، فحمل عليه من ظروف المكان ما كان متوقفا في معقوليته على مضافه مثل: لدى وعند وتلقاء وتجاه وحذاء ووسط وبين، ونحو ذلك.
_________________
(١) زيادة من: ب، د.
(٢) الكافية ص ٩.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) الكافية ص ١١.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وليس: مكان ومجلس، من هذا القبيل عند الأكثرين، وإنما هو من الظروف المعينة. وإنما جاز في "مكان" أن ينصب نصب المبهم لكثرته، وهم لما كثر في ألسنتهم مغتفرون فيه ما لا يغتفرون في غيره. وليس قول من قال: إن المبهم هو الذي ليس له أقطار تحيط به ولا نهايات تحصره والمختص عكسه، بمستقيم. فإنه لو قال: جلس في البيت بين يدي، كان ظرفا مبهما، مع كونه له أقطار تحيط به ونهايات تحصره.
[إملاء ٧١]
[اجتماع ضميرين وليس أحدهما مرفوعا]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله (٢): "وإذا اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعا. فإن كان أحدهما أعرف وقدمته فلك الخيار في الثاني": قوله: ليس أحدهما مرفوعا، احتراز من: ضربتك وأكرمتك، فإنهما ضميران ولا يجوز في الثاني إلا الاتصال (٣). فلو (٤) لم يحترز واحترز بجواز الانفصال كان خطأ. قوله: "فإن كان أحدهما أعرف"، احتراز من أن يكونا ضميرين وليس أعرف (٥)، ومع ذلك فإنه لا يجوز فيهما الأمران كقولك: أعطيته إياه. وقوله: "وقدمته" (٦)، احتراز من أن يكون ضميران وليس
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ١١.
(٣) قال الرضي: "فإن كان أحدهما مرفوعا متصلا فالواجب تقدمه على المنصوب لما تقرر من كون المتصل المرفوع متوغلا في الاتصال وكائنا كجزء الفعل حتى سكن له لام الكلمة. وكل ضمير ولي ذلك المرفوع فلا بد من كونه متصلا سواء كان أعرف من ذلك المرفوع نحو: ضربتني، أولا، نحو: ضربتك" شرح الكافية ٢/ ١٨.
(٤) في ب: ولو.
(٥) أعرف الضمائر ضمير المتكلم ثم المخاطب ثم الغائب.
(٦) "أي: قدمت الأعرف. لأنه إذا كان أحدهما أعرف وأخرته وليس أحدهما مرفوعا وجب =
[ ٢ / ٥٦٧ ]
أحدهما مرفوعا وأحدهما أعرف، ولكنه (١) لا يجوز فيه إلا الانفصال كقولك: أعطيته إياك. فلذلك أتى بهذه القيود وفصل الشرط الأول وهو كون أحدهما مرفوعا من الشرطين الأخيرين وهو كون أحدهما أعرف، وقدمته لأنه يقصد إلى نفيهما، وإثبات حكم عند نفيهما، والحكم الذي يثبته عند نفيهما هو وجوب الانفصال كقولك: أعطيته إياه وأعطيته إياك. فلو لم يفصل الشرطين عن الأول وذكرهما ذكرا واحدا لكان عند النفي يشمل الجميع، فيكون الحكم أيضا على الضميرين إذا كان أحدهما مرفوعا، وقد احترز بوجوب الانفصال فيكون خطأ، لأنه إذا قال: وإلا فهو متصل، ودخل فيه كون أحدهما مرفوعا كان مضمونه وجوب قولك: ضربت إياك، وهو خطأ.
وإذا فصلته عن هذين الشرطين الأخيرين بقوله: فإن كان أحدهما، كان قوله: وإلا، راجعا إلى ما أثبته بالشرط الأول، فيبق ذلك غير محكوم على نفيه ههنا. وقد ذكر حكمه فيما تقدم، فبق ذلك الحكم المذكور غير مناقض نصده فوجب لذلك أن يفصل الأول عن الشرطين الأخيرين.
[إملاء ٧٢]
[من مسائل الصفة المشبهة]
وقال ممليا [بدمشق سنة تسع عشرة] (٢) على قوله (٣):ما فيه ضمير واحد
_________________
(١) = أيضا انفصال الثاني، نحو: أعطاه إياك. فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة، أحدها: أن لا يكونن أحدهما مرفوعا، والثاني: أن يكون أحدهما أعرف، والثالث: أن يكون الأعرف مقدما، كان لك الخيار في الثاني". شرح الكافية للرضي ٢/ ١٩.
(٢) في م: ولكن.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) الكافية ص ١٥.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
أحسن وما فيه ضميران حسن وما لا ضمير فيه قبيح" (١):لأنك إذا أعملته فإنما تعمله فيما كان من سببه فلا بد من ضمير يربط بينه وبينه. فإذا حصل الضمير من غير زيادة ولا نقصان [فهو أحسن] (٢) لأنه أتى على وفق ما يقتضيه الكلام من الاتيان بالمحتاج إليه وترك الفضلة. وإذا لم يكن فيه ضمير كان قبيحا من حيث صار كأنه أجنبي، ولا بد أن يكون بينه وبين الأول تعلق. ولولا تقدير الضمير لم يجز البتة، فهذا الذي قبح منه. وإذا كان فيه ضميران لم يكن كالأول في الحسن، ولا كالثاني في القبح، لأنه اندفع الوجه الذي استقبح لأجله وهو عدم الضمير. وإنما حصل ضمير زائد غير محتاج إليه فهو الذي بعده عن الوجه الأول الأحسنية وهو مع ذلك حسن (٣). ثم قال: إذا رفعت الصفة الظاهر وجب أن تكون كالفعل في إفرادها وتأنيثها وامتناع تثنيتها وجمع المصحح. فأما جمع التكسير فأنت فيه بالخيار إذا كان مرفوعها جمعا كقولك: جاءني رجل قعود غلمانه وقاعد غلمانه. ولا يجوز: قاعدون غلمانه (٤). وإنما امتنعوا من "قاعدون" لشبهه بـ "يقعدون" من حيث كان فيه صورة الضمير الذي في "يقعدون". ولم يمتنعوا في "قعود" لعدم هذا المانع فيه، فأجروه تارة مجرى الفعل في الإفراد وتارة مجرى الأسماء في مطابقتها لمن هي له. فقوله تعالى:
_________________
(١) "الضمير إما أن يكون في الصفة أو في معمولها، فإن كان في المعمول فهو ظاهر لبروزه نحو: وجهه أو الوجه منه. وإن كان في الصفة فذلك إذ لم ترفع ظاهرا، فتؤنث لتأنيث الضمير وتثنى وتجمع لتثنيته وجمعه، فإن رفعت ظاهرا فهي كالفعل تؤنث لتأنيث الفاعل وتفرد عند إفراد الفاعل وتثنيته وجمعه". الرضي على الكافية ٢/ ٢١٠.
(٢) فهو أحسن: سقطت من الأصل ومن م.
(٣) انظر كلام ابن الحاجب في هذه المسألة في شرح الكافية (ص ٩٦)، ولم يختلف رأيه هنا عما قاله هناك.
(٤) لم يجز ابن الحاجب هنا: قاعدون غلمانه. ولكنه في الكافية في باب النعت ضعفه. قال: "ومن ثمة حسن: قام رجل قاعد غلمانه، وضعف قاعدون، ويجوز قعود غلمانه". انظر الرضي على الكافية ١/ ٣١١.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
[خاشعا أبصارهم] و[وخشعا أبصارهم] (١)، جاءا.
[إملاء ٧٣]
[مواضع وجوب تقديم الخبر]
وقال ممليا [بدمشق سنة تسع عشرة] (٢) على قوله (٣): "وإذا تضمن الخبر المفرد ما له صدر الكلام"، إلى آخره، وجب تقديمه. قال: وإنما وجب تقديمه إذا كان متضمنا ماله صدر الكلام وهو مفرد (٤) لما تقرر من أنهم يقدمون ما يدل على قسم دون غيره من أقسام الكلام. وإنما اشترط ههنا أن يكون مفردا ليخرج عنه مثل: زيد هل قام أبوه؟ وإنما لم يجب تقديم الخبر ههنا لأنه وقع جملة وقد تقدم ماله صدر الكلام أول جملته، فحصل المقصود من تقديم ماله صدر الكلام أول جملته. فعلى هذا لو قيل: زيد أين؟ لم يجز. وإنما وجب أن يكون "أين" خبرا لأنه مع زيد جملة، فلا بد أن يكون إما مبتدأ وإما خبرا. ولا جائز أن يكون مبتدأ لأنه يلزم أن يكون خبره مطابقا له في المعنى، وليس زيد مكانا ليصح الأخبار عن المكان به. وإذا بطل أن يكون مبتدأ تعين أن يكون خبرا. وصح لما ثبت من صحة الاخبار بالظروف باعتبار متعلقاتها كقولك: زيد أمامك، والقتال يوم الجمعة. لأن المعنى: زيد مستقر أمامك، والقتال حاصل يوم الجمعة. فلما استقر ذلك في الظروف صح وقوعها
_________________
(١) القمر: ٧. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي "خاشعا"، وقرأ الباقون "خشعا".انظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع ٢/ ٢٩٧، وسيبويه ٢/ ٤٣.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص٤.
(٤) انظر: الإملاء (٤٥) من هذا القسم. ص:٥٤١.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
أخبارا، فوجب ثبوت كون "أين" خبرا، وبطل أن يكون مبتدأ، ووجب تقديمه لما تقدم (١) قوله: "أو كان مصححا مثل قولهم: في الدار رجل"؛ لأن المصحح لكونه مبتدأ، وهو نكرة، تقديم هذا الخبر عليه، فإذا أخر زال المصحح، فوجب بطلانه لفقدان مصححه. أو كان لمتعلقه ضمير في المبتدأ مثل قولهم: على التمرة مثلها زبدا (٢). لأنه لو أخر فقيل: مثلها على التمرة، لأدى إلى عود الضمير على غير مذكور وهو فاسد فوجب تقديمه لذلك، كما امتنع: صاحبها في الدار، وضرب غلامه زيدا، على ما تقرر. قوله "أو كان خبرا عن "أن" مثل قولهم: عندي أنك قائم". وإنما وجب تقديم الخبر عن "أن" وما في حيزها إذا وقعت مبتدأة لأنها لو وقعت صدر الكلام لكانت مهيأة لدخول عوامل الجمل الابتدائية عليها، ومن جملتها "إن" المكسورة، فيؤدي إلى اجتماع: إن وأن (٣)، وهم يكرهون اجتماع حرفين بمعنى واحد، فكرهوا ما يؤدي اليه كما كرهوا ما يؤدي إلى الابتداء بالساكن لأنهم كرهوا الابتداء بالساكن. هذا هو تعليل النحويين، وهو مدخول من
_________________
(١) قال ابن الحاجب: "هذا مما التزم فيه تقديم الخبر على المبتدأ، ولا يكون إلا مقدما ولا يكون إلا خبرا. وإنما كانت مقدمة لأنه قسم من أقسام الكلام، وكل باب من أبواب الكلام فالقياس أن يتقدم أوله ما يدل عليه كحرف الشرط والاستفهام والنفي والتمني والترجي والعرض والتنبيه والدعاء والنداء. وإنما كان كذلك لأنهم قصدوا تبيين القسم المقصود بالتعبير عنه ليعلمه السامع من أول الأمر ليتفرغ فهمه لما عداه". الإيضاح ١/ ١٩٢.
(٢) معنى كلامه: أنه إذا اتصل بالمبتدأ ضمير يرجع إلى جزء الخبر وجب تقديم الخبر حتى لا يلزم ضمير قبل الذكر. الرضي على الكافية ١/ ٩٩.
(٣) قال سيبويه: "واعلم أنه ليس يحسن أن تلي إن أن ولا أن إن. ألا ترى أنك لا تقول: إن أنك ذاهب في الكتاب". الكتاب٣/ ١٢٤.
[ ٢ / ٥٧١ ]
جهات: منها: أنه لا يلزم من كونه من باب ما يصح دخول العوامل عليه أن تدخل جميعها عليه، لأن: من زيد؟ من جملة هذا الباب، ولا تدخل "إن" وجميع بابها عليه. وإذا كان جميع الباب ممتنعا عن مثله فهو أجدر بذلك لجواز إدخال العوامل عليه بتقدم الخبر عند إرادته. ومنها: أنهم يقولون: حق أن زيدا منطلق. ومعلوم أن دخول "أن" مع تقديم الخبر ممتنع، فكان تقديم "أن" لأنه الأصل أولى إذا اتفقوا في امتناع دخول العوامل في الحالين جميعا. ومنها: أن الاتفاق على جواز وقوع "أن" مبتدأة بعد "إذا" في مثل قولهم: إذا أنه عبد القفا (١). وكان يجب عندهم أن لا يجوز لأنه مهيأ لدخول العوامل عليه، فقد انتقض تعليلهم لجواز فتح "أن" بعد "إذا".ومنها: أنه يجب أن تفتح "أن" بعد "لولا"، والأمر فيه على ما تقدم في "إذا" إلا أنه في "لولا" واجب (٢)، وفي "إذا" جائر. ولو قيل: لأنه يؤدي إلى إدخال اللبس بين "أن" التي بمعنى لعل وبين "أن" هذه لأنهم يقولون: أن زيدا قائم، بمعنى: لعل زيدا قائم. ومنه قوله تعالى: [أنها إذا جاءت لا يؤمنونٍ] (٣). وهذه التي بمعنى "لعل" يجب أن
_________________
(١) البيت بتمامه: وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا إذا أنه عبد القفا واللهازم وهو من البحر الطويل ولم قائله. انظر الكتاب ٣/ ١٤٤. والشاهد فيه قوله: إذا أنه، حيث يجوز كسر الهمزة وفتحها. واللهازم: أصول الحنكين، واحدتها لهزمة.اللسان (لهزم). ورواه سيبويه: إذا إنه. وقال: ولو قلت:"مررت فإذا أنه عبد، جاز".
(٢) قال سيبويه: "وتقول: لولا أنه منطلق لفعلت، فأن مبنية على لولا كما تبنى عليها الأسماء". الكتاب٣/ ١٢٠.
(٣) الأنعام:١٠٩. قال سيبويه: "وأهل المدينة يقولون: أنها. فقال الخليل: هي بمنزلة قول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا، أي: لعلك، فكأنه قال: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون" الكتاب٣/ ١٢٢. وقد رجح الزجاج قول الخليل، ورده الفارسي انظر مغني اللبيب: ١/ ٢٧٨ (دمشق).
[ ٢ / ٥٧٢ ]
يكون لها صدر الكلام مثل "لعل" ضرورة معنى الانشاء فيها. فلما قصدوا إلى الفرق بينهما قدموا خبر ما يجوز تقديمه في بابه والتزموه فيها ليحصل الفرق بالتزام بينهما فيعلم إذا تقدمت أنها التي بمعنى "لعل" وإذا تأخرت أنها "أن" هذه. ولا يرد على ذلك شيء فيما تقدم، فلذلك وقعت غير مقدم عليها خبرها في الموضع الذي لا تقع فيه "لعل" في مثل قولهم: إذا أنه، ولولا أنك. لأنهم لما أمنوا اللبس الذي من أجله قدموا أتوا بها على بابها، وهذا أولى بالتعليل أيضا اقوة المعنى فيه. فإن أمر اللبس قوي في المعنى، فقصد إزالته، بخلاف ما يؤدي إلى ما ليس بمستحسن لما تقدم من أنه لا يلزم إذا أدى إليه أن يمنع منه إلا إذا كان لازما. أما إذا كان المتكلم على خيرة فيمكنه أن يجري على الأصل. فإذا أتى في الموضع الذي أدى إلى ذلك امتنع منه كما فعلوا ذلك فيما ذكرناه من نحو: من زيد؟ وشبهه.
[إملاء ٧٤]
[وقوع المبتدأ نكرة]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله (٢): "وقد يكون المبتدأ نكرة إذا تخصصت بوجه ما": لأنهم قصدوا إلى أن يكون المحكوم عليه معروفا أو مقربا من المعروف بوجه من وجوه التخصيصات، فمن ذلك النكرة الموصوفة. ولا يخفى ما في الوصف من التخصيص، فلذلك جاز: رجل عالم في الدار، ولم يجز: رجل في الدار، عند المحققين. ومنها: أن تقع النكرة بعد حرف الاستفهام المعادلة لـ "أم" المتصلة (٣) فيجوز أن تكون مبتدأ وإن كانت
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ٤.
(٣) المتصلة: سقطت من ب، د.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
نكرة، كقولك: أرجل في الدار أم امرأة؟. لأنهم لما علموا أن ذلك إنما يسأل به من ثبت عنده العلم بالنسبة إلى أحد الأمرين صار كأنه أمر ثابت له، فأشبه الصفة من حيث ثبوتها لموصوفها من غير قصد إلى إثباته مفيدا للمخاطب النسبة المفهومة منها، فاجتزأوا بذلك مصححا في الموضع الذي ألجأهم إلى تقديم المعنى الذي تقرر عندهم في العبارة عنه (١) بالهمزة وأم، لأنهم التزموا أن يكون أحد الأمرين اللذين علم أحدهما يلي الهمزة والأخر يلي "أم" قصدا منهم إلى التنبيه على ما حصل العلم بأحدهما من أول الأمر، فيقولون: أزيد قائم أم عمرو؟ وأقائم زيد أم قاعد؟ وأزيدا ضربت أم عمرا؟ وأضربت زيدا أم أكرمته؟ وأشباهه. ولا يقولون: أزيد قائم أم قاعد؟ وكذلك جميع الباب. فلما كان ذلك ملتزما عندهم في باب الهمزة المعادلة لـ "أم" المتصلة اجتزأوا بهذا النوع من التخصيص في صحة الابتداء بالنكرة. ومنها: أن تقع النكرة في سياق النفي كقولهم: ما أحد خير منك، لأن النكرة إذا وليها النفي وهي في الحقيقة لواحد لا بعينه لزم من ذلك نفي جميع الجنس، وإلا لم يصدق نفي واحد. فلما كان ذلك معلوما مقصودا صار كأنه نفي جميع الجنس، وجميع الجنس متخصص معروف فصح أن يكون مبتدأ لذلك (٢). وإن قلنا: إن النكرة في سياق النفي تعم جميع الجنس قصدا بدلالتها
_________________
(١) عنه: سقطت من م.
(٢) قال الرضي: "وفيه نظر، وذلك أن التخصيص أن يجعل لبعض من الجملة شيء ليس لسائر أمثاله. وأنت إذا قلت: ما أحد خير منك، فالقصد أن هذا الحكم وهو عدم الخبرية ثابت لكل فرد فرد، فلم يتخصص بعض الأفراد لأجل العموم بشيء، وكيف ذلك والخصوص ضد العموم. بل الحق أن يقال: إنما جاز ذلك لأنك عينت المحكوم عليه وهو كل فرد فرد. ولو حكمت بعدم الخبرية على واحد غير معين لم يحصل للمخاطب فائدة لعدم تعيين المحكوم" شرح الكافية ١/ ٩٠.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
عليه صار مماثلا للمعرفة، إلا أنه يلزم أن يكون معرفة، إذا التعريف والتنكير من الأمور المعنوية. وإذا كان اللفظان بمعنى واحد بالنسبة إلى ما كان الشيء به معرفة ونكرة لزم من كون أحدهما معرفة ونكرة أن يكون الأخر كذلك. وإطباق النحويين على أنها نكرة يدفع ذلك، وكذلك الاجماع على أنه لايتبعها من الصفات إلا النكرة، كقولك: ما رجل عالم في الدار، يدل على أنها نكرة لأنه قد علم أن المعرفة لا توصف بالنكرة. ومما يدل على ذلك أنك لو قلت: ما عندي درهم واحد، كان مثل قولك: ما عندي درهم. ولو كان درهم ههنا لجميع الجنس مرادا لم يصح وصفه بواحد، إذ الجنس المتعدد لا يوصف بالواحد.
ومنها: أن يكون المبتدأ في معنى الفاعل باعتبار نفي إثبات. وشرطه أن يكون الخبر جملة فعلية في معنى نفي عموم من نسب إليه الفعل وإثباته لذلك المبتدأ كقولك: شر أهر ذا ناب (١). بمعنى: ما أهر ذا ناب إلا شر. وأمر أقعده عن الخروج، في ما أقعده عن الخروج إلا أمر. وإنما جاز أن يكون مبتدأ وهو نكرة لأنه في معنى الفاعل، والفاعل يجوز أن يكون نكرة، وإن كان في المعنى محكوما عليه لما فيه من معنى التخصيص فكذلك هذا. ووجه التخصيص في الفاعل أن حكمه لما كان متقدما صار المحكوم عليه لا يذكر إلا بعد تقرر الحكم في الذهن، فلما تقدم العلم بالحكم صار كالصفة في كونه متقدما عليه لكون الصفة لا فرق بينها وبين الخبر إلا تقدم العلم بها دونه. فمن ثم جاز أن يكون الفاعل نكرة مطلقا، ولما كان هذا المبتدأ في معنى الفاعل جاز أن يكون نكرة.
_________________
(١) يضرب هذا المثل في ظهور أمارات الشر. انظر: مجمع الأمثال للميداني ١/ ٣٧٠ (تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد)، وسيبويه ١/ ٣٢٩، والخصائص ١/ ٣١٩، واللسان (هرر). والهرير: صوت دون النباح. وذو ناب: هو الكلب هنا.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
ومنها: قولهم: في الدار رجل، وشبهه. والسر فيه ما ذكرناه في الفاعل، لأن حكمه ههنا لما تقدم صار كالفعل المتقدم على الفاعل فجاز ههنا كما جاز ثم. ولذلك توهم بعض النحويين أنه فاعل (١)، وحكم عليه بالفاعلية. وشرط هذا الخبر المصحح للابتداء بالنكرة أن يكون ظرفا أو ما هو في حكم الظرف من الجار والمجرور. فيجوز: في الدار رجل، ولا يجوز: قائم رجل. إما لأنهم اتسعوا في الظروف اتساعا خصصوه به دون غيره لكثرته في كلامهم، وإما لأنه إنما صحح التقديم لشبهه بالصفة، فكرهوا أن يقدموا ما هو صريح في الصفة على ما هو في المعنى كموصوفه، وليس ذلك في الظروف لأنها ليست صريحة في ذلك لوقوعها مجردة عن ذلك، ولكونها إذا وقعت صفات كان ذلك باعتبار التقدير لا باعتبارها في أنفسها. فلذلك جاز: في الدار رجل، ولم يجز: قائم رجل. والنحويون يعللون هذا، فيقول بعضهم: إنما جاز: في الدار رجل، ولم يجز: رجل في الدار، لأنك في الأول أوقعت في موضع المعرفة معرفة فنابت
عن تعريف المبتدأ، وفي الثاني لم يقع مثل ذلك، فجازت الأولى ولم تجز الثانية. وهذا ليس بمستقيم، فإنه أولا: راجع إلى صورة مجردة عن المعنى، وثانيا: منقوض بقولك: في رأس غلام عندي عمامة، وثالثا: أنه ليس فيه بيان تخصيص المبتدأ الذي أصله أن يكون معرفة، وإنما جاز أن يكون نكرة لوجه من التخصيص. وبعض النحويين علله بأن قال: إنما جاز: في الدار رجل، ولم يجز: رجل في الدار، لأن الأول لا يلبس كونه خبرا، والثاني يلبس، فجاز ثم لعدم الالباس ولم يجز ههنا لما فيه من الالباس. وهذا وأن كان فيه معنى ما، إلا أنه أفسد من الأول. لأنا قاطعون بجواز: رجل عالم في الدار، وفي الدار رجل عالم. وما.
_________________
(١) هو الأخفش. انظر الإنصاف ١/ ٥١س.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
ذكروه بعينه حاصل. وأيضا فإن "زيد العالم" جائز باتفاق مع صحة أن يكون العالم صفة. وأيضا فإن المقصود بيان تخصيص المبتدأ ليقرب من المعرفة، وليس في انتفاء اللبس عن كونه موصوفا تخصيص له.
ومنها: أن يقع المبتدأ مصدرا في معنى الدعاء كقولهم: سلام عليكم، و[ويل للمطففين] (١). وإنما جاز في مثل ذلك لأن الأصل: سلاما عليكم، إذ المعنى عليه. قال الله تعالى: [قالوا سلاما قال سلام] (٢). وإذا كان المعنى عليه فقد علم أن المراد: سلمت سلاما. وإذا كان كذلك وقد حذف الفعل بعد أن علم كان "سلام" متخصصا في المعنى بنسبته إلى من قام به، والتقدير: سلام مني، أو سلام من الله أو نحو ذلك. ولما كان هذا المعنى مفهوما منه صار كأنه مذكور (٣). ولا فرق في الصفة بين أن تذكر لفظا وبين أن تكون معلومة. ومن ثم جاز: السمن منوان (٤) بدرهم، و"منوان" مبتدأ نكرة، لما كان المعنى: منوان منه. فتنزل ما هو معلوم من جهة المعنى منزلة المذكور، فكذلك: سلام عليكم.
[إملاء ٧٥]
[مسائل في الخبر]
وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة وستمائة] (٥) على قوله (٦): "والخبر قد
_________________
(١) المطففين: ١.
(٢) هود:٧٩.
(٣) قال الرضي: "وإنما تأخر الخبر عنه مع كونه جارا ومجرورا لتقديم الأهم للتبادر إلى ما هو المراد. إذ لو قدمت الخبر وقلت: عليك، فقبل أن تقول: سلام، ربما يذهب الوهم إلى اللعنة فيظن أن المراد عليك اللعنة". شرح الكافية ١/ ٩٠.
(٤) مفردها منا. وهو المكيال الذي يكيلون به السمن. اللسان (متى).
(٥) زيادة من ب، د.
(٦) الكافية ص٤.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
يكون جملة" على اختلافهما من اسمية أو فعلية، لأن العرض الحكم على المبتدأ. وكما يصح الحكم بالمفرد يصح الحكم بالجملة إذا كان لها تعلق به. ومن ثم اشترط أن يكون فيها ضمير يعود على المبتدأ، فإن عري عن الضمير لم يجز. وقد يكون الضمير مقدرا إذا كان معلوما مثل: السمن منوان بدرهم، لأنه قد علم أن المراد: منوان منه بدرهم. قوله: "وما وقع ظرفا" (١)، فالأكثر أنه مقدر بجملة، كقولك: زيد في الدار، وزيد أمامك. ومنهم من يقول: هو من قبيل المفردات، فيقدر المتعلق مفردا (٢). وإنما قدر أولئك الجملة لأن المتعلق أصله أن يكون فعلا، لأن ما يقدر متعلقا لا بد فيه من معنى الفعل. وإنما كان كذلك لأنه في المعنى ظرف له، والظروف إنما تكون محلا للأفعال. وإذا كان محتاجا إلى متعلق فتقدير الأصل أولى. ومن قال: متعلق بمفرد، نظر إلى أنه خبر مبتدأ، وخبر المبتدأ أصله أن يكون مفردا، فقدر مفردا لذلك. والأول أولى من وجهين: أحدهما: أن وقوعه خبرا عارض ووقوعه متعلقا أصل، فكان اعتبار الأصل أولى. والثاني: أنه قد ثبت جواز دخول الفاء في مثل: كل رجل في الدار فله درهم (٣)، فلولا أن المتعلق مقدر بفعل لم يجز دخول الفاء، للاتفاق على أنه لو صرح بالاسم متعلقا لما صح دخول الفاء، فلأن يكون ذلك في التقدير أولى. ولما صح دخول الفاء ثبت أن يقدر مما يصح دخولها معه وهو الفعل، ووجب أن لا يقدر ما لا يصح دخولها معه وهو الاسم. وإذا ثبت تقدير الفعل في مثل هذه المسألة ثبت في جميع الباب، لأن المعنى في الجميع واحد.
_________________
(١) أي: ظرفا أو جارا ومجرورا. ولم يذكره لأنه يجري مجرى الظرف في جميع أحكامه.
(٢) وإلى ذلك ذهب ابن السراج وابن جني. الرضي على الكافية ١/ ٩٣.
(٣) لأن معنى الحديث الجزاء. انظر: سيبويه ١/ ١٤٠.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
قوله: "وقد يتعدد الخبر"، لأنه حكم، والمتكلم قد يحكم بحكم واحد وقد يحكم بأحكام متعددة كما في الصفات. وقد يتضمن معنى الشرط فيصح دخول الفاء في الخبر (١). وشرطه أن يكون المبتدأ مفيدا تعميما مشتملا على فعل لفظا أو تقديرا. وإنما اشترط ذلك لتقوى السببية بالشرط. فإنه لوعري عن العموم لزال معنى الشرط منه، إذ أسماء الشروط لا بد فيها من ذلك. واشترط الفعل ليصح ما يربط به، إذ الشرط إنما يكون بالفعل لفظا أو معنى، وذلك لا يتفق حصوله إلا في الموصولات إذا كانت صلاتها أفعالا أو ظروفا، وفي النكرات الداخلة عليها "كل" الموصوفة بفعل أو ظرف، فمثال الأول: الذي يأتيني، أو الذي في الدار فله درهم. ومثال الثاني: كل رجل يأتيني أو كل رجل في الدار فله درهم. وهذه الفاء مؤذنة بأن الأول مرتبط بالثاني ارتباط الشرط بمشروطه في قصد المتكلم، بخلاف قولك: الذي يأتيني له درهم، فإنه ليس في اللفظ ما يشعر بذلك. فإذا دخلت "ليت" أو "لعل" لم تدخل الفاء باتفاق. وألحق سيبويه "أن" بهما في ذلك وخالفه الأخفش فأجاز ذلك (٢). ينبني على تعليلين مختلفين في "ليت" ولعل". فمن اعتقد أن العلة المانعة إنما هي أن هذه الحروف لها صدر الكلام فلا تجامع ماله صدر الكلام ولا ما شبه بما له صدر الكلام، فعلى هذا يمتنع في "إن" كما امتنع في "لعل"، إذا العلة موجودة في الجميع. ومن اعتقد أن العلة في "ليت" و"لعل" أن الخبر في "ليت" و"لعل" إنشائي وهو في الشرط خبري ولا يكون الشيء الواحد إنشاء خبرا لما يؤدي إليه
_________________
(١) قال الزمخشري: "إذا تضمن المبتدأ معنى الشرط جاز دخول الفاء على خبره. وذلك نوعين: الاسم الموصول والنكرة الموصوفة، إذا كانت الصلة أو الصفة فعلا أو ظرفا". المفصل ص ٢٧.
(٢) انظر: الإملاء (١) من الأمالي على مسائل الخلاف، وشرح الكافية للرضي ١/ ١٠٣.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
من التناقض. فلو قيل: لعل الذي يأتيني فله درهم، وجب أن يكون ما دخل عليه خبرا من جهة سببيته ووجب أن يكون إنشاء من جهة كونه خبرا عن "لعل" فيكون محتملا للصدق والكذب باعتبار الاخبار، غير محتمل للصدق باعتبار الانشاء، وذلك متناقض. وعلى ذلك لا يلزم أن تكون "إن" كذلك، إذ ليس فيها إنشاء وخبر، وإنما هو خبر محض فلا منافاة بينه وبين المسببية. والتعليلان واضحان، ولكن لا يصح إثبات الأحكام اللغوية بمجود المعاني المعقولة لأنه يكون إثبات اللغة بالقياس، بل لابد من إثبات ذلك عن العرب. فإن بين سيبويه، ان استقرأ حق الاستقراء حق الاستقراء فلم يوجد مثله صح مذهبه ورجع خصمه محتاجا إلى إثبات ذلك منقولا عن العرب. وإن بين الأخفش مثل ذلك منقولا عن العرب وجب أن يرجع إلى تعليله وصح مذهبه. فمما ذكر محتجا به عن الأخفش قوله تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات﴾ (١)، إلى آخرها. فقد دخلت الفاء. وقوله ﴿إن الذين يكفرون بايات الله﴾ (٢)، إلى قوله: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾. فقد دخلت الفاء. ومنها قوله: ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ (٣). وذلك ظاهر. وقد يجاب عن الأول والثاني بأن الخبر محذوف وأن الفاء دخلت في جملة ثانية معاقبة لها وذلك غير ممتنع باتفاق. فالخبر محذوف على معنى: معذبون. ثم ذكر قوله: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾، و(فلهم) بعد ذلك، لخصوصية أمر المحذوف، لأنه في المعنى مسبب عن الخبر، وقد قوي هذا في الآية الأولى بأنها في قوم مخصوصين، وقد اتفق على أن الخصوصية تبطل معنى الشرط لبطلان التعميم، وكان مفتقرا إلى تأويل إدخال الفاء. وأجيب عن
_________________
(١) البروج:١٠.
(٢) ال عمران: ٢١.
(٣) الجمعة: ٨.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
الثالث: بأن الفاء زائدة، وليس بشيء، إذ يخالف مذهب سيبويه، والعرض الجواب على ما اقتضاه مذهبه. وأجيب: بأن الخبر الذي هو (فإنه ملاقيكم) جملة بعد تمام الجملة الأولى. واعترض على ذلك بأنه لا فائدة فيه من حيث أن ذلك معلوم، ولم يقصد الإخبار عن مثل ذلك. وأجيب بأنهم كانوا يظهرون أن فرارهم لغير ذلك كقوله: ﴿إن بيوتنا عورة﴾ (١)، وشبهه. فأخبر عنهم بأنهم إنما يفرون من الموت، ولذلك كنى بما يدل على التعميم فيهما جميعا.
[إملاء ٧٦]
[من خواص المصدر]
وقال ممليا على قوله في المصدر (٢): "ولا يضمر فيه ولا يلزم ذكر الفاعل":لأنه لو أضمر فيه لأضمر مثنى ومجموعا ولوجب أن يكون مستترا، لأنه ليس في الأسماء ضمير مرفوع بارز، وذلك من خواص الفعل. ولو أضمر مستترا لوجبت علامة التثنية والجمع، لأن كل ضمير مستتر لمثنى أو مجموع لا بد له من دلالة عليه. ولو اتصلت به علامة التثنية لوجب أن يقال: ضربان، ولو قيل: ضربان، لكان ظاهرا في تثنية نفس الضرب فيؤدي إلى إبهام غير ما قصد، لأن الغرض تثنية الفاعل، وهذا يفهم من تثنيته تثنية نفس المصدر لا الفاعل، ولما أدى إلى ذلك رفض الإضمار فيه. فإن قلت: هذا بعينه يطرد في اسم الفاعل والمفعول ولم يمنع من الإضمار فيهما فوجب اطراحه. قلت: ليس كذلك اسم الفاعل والمفعول، لأنه إذا ثني فقيل: ضاربان، لم يوهم أمرا اخر. وسببه أن الضارب في المعنى هو الفاعل، فإذا ثني الفاعل وجبت به تثنية ضارب فكان ذلك على الموافقة له
_________________
(١) الأحزاب: ١٣.
(٢) الكافية ص ١٤.
[ ٢ / ٥٨١ ]
لكون إياه في المعنى بخلاف الضرب نفسه مع الفاعل لأنه غيره، فلذلك صح الإضمار مع اسم الفاعل والمفعول ولم يصح مع المصدر. قوله: "ويلزم ذكر الفاعل". لأمرين: أحدهما: أنه لو لزم لأدى إلى وجوب إضماره، ولوجب إضماره لأدى إلى ما ذكر أولا من الفساد، فوجب أن لا يلزم. الثاني: هو أن المعنى الذي من أجله [لزم] (١) في الفعل مفقود في المصدر، وإنما لزم في الفعل من حيث كان مع مرفوعه جملة، والجملة لا بد لها من مسند إليه فوجب ذكر الفاعل لتحصل الجملة مستقلة. والمصدر لا يكون مع فاعله جملة أبدا، بل لا بد له من جزء اخر غير معموله يكون معه جملة. ألا ترى أنك لو قلت: ضرب زيد عمرا، لم يكن كلاما، حتى تقول: أعجبني أو ما أشبهه، بخلاف قولك: ضرب زيد عمرا. فثبت أن المعنى الذي استحق الفعل ذكر الفاعل لأجله مفقود في المصدر، فلا يلزم من وجوب ذكر الفاعل في الفعل وجوب ذكره في المصدر.
[إملاء ٧٧]
[اعتراض على الابتداء بالنكرة والجواب عنه]
وقال ممليا على المقدمة مجيبا عن سؤال ورد عليه بالقاهرة سنة خمس عشرة وستمائة: اعترض بعض الأصحاب علي فيما وقع في المقدمة التي أنشأتها من ذكر مواضع الابتداء بالنكرة (٢). وقال: قد بقي عليكم مثل (٣) قولهم: تمرة خير من جرادة. فقلت: إنما جاز هذا على أحد وجهين كلاهما مذكور: الأول وهو الظاهر: على أنه غير مختص بتمرة مميزة، فكان فيه معنى
_________________
(١) زيادة من د، س.
(٢) الكافية ص ٤.
(٣) مثل: سقطت من م.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
العموم، كما في: لا رجل أفضل منك، وذلك من وجهين: أحدهما: أنه لما فضل واحد من جنس على واحد من جنس علم أنه لا خصوصية لمفرد منه على مفرد، لأنه يفهم أن الأفضلية إنما وقعت باعتبار كونه من ذلك القبيل، والمفضولية إنما وقعت لكون الأخر مت القبيل الأخر، وإذا كان كذلك فلا خصوصية لمفرد على مفرد. والثاني: أن في معنى التمرية ما يشعر بالتفضيل على الجرادية باعتبار كونه تمرا وجرادا من غير خصوصية لمفرد دون مفرد. وإذا لم يكن ثم خصوصية لمفرد منه متميز حصل الشياع بخلاف ما إذا حكمت بحكم من الأحكام يختص، فإن المفهوم فيه الحكم على واحد متخصص كقولك: رجل في الدار، فلذلك امتنع، لأنه لا يستقيم فيه كل رجل وجودا، فضلا عن الدلالة. ثم ولو استقام وجودا فليس فيه قرينة تشعر بقصد الدلالة عليه كما تقدم، إذ لا مفاضلة فيه بين جنسين، وليس في معنى الرجولية ما يقتضي أن يكون في الدار كما في المثال المتقدم، بل القرينة بعكسه، لأنه إنما استقام الحكم عليه بأنه في الدار لكونه متخصصا. نعم لو قلت: رجل خير من زيد، فهذا يتجاذبه الطرفان، لأن الحكم عليه بالأفضلية يشعر بأنه بمعنى (١) الرجولية كما في الأول في أحد الوجهين، وتخصيصه بالأفضلية على زيد يشعر بكونه (٢) متخصصا، كما في الحكم عليه بأنه في الدار، فيحتاج إلى السماع، والظاهر منعه لأنه إنما ثبت ذلك التعميم في الموضع الذي لا يختص فيه الخبر بوجه، فلا ينبغي أن يحمل عليه ما يصح أن يكون فيه نوع تخصيص لفقدان معنى مناسب في الأصل المتفق عليه.
ومما يحقق أصل المسألة ويوضحه ما ورد في القران من مثل قوله: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾ (٣) وأشباهه. فإنا نقطع أن المراد المفاضلة
_________________
(١) في ب: لمعنى.
(٢) بكونه: سقطت من د.
(٣) البقرة:٢٢١.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
بين الجنسين، لا أن يكون المقصود الإخبار عن عبد متميز، فإنه يفيت (١) المعنى المقصود من مثله. فإن قلت: فهذا عندهم من قبيل ما المصحح فيه الصفة. قلت: هو ليس من ذاك في التحقيق، وإنما هو من هذا. وبيانه أن الصفة إنما تكون مصححة في الموضع الذي يقصد باسم الجنس واحد متميز فتجيء الصفة لتحصل لذلك الواحد تخصيصا، فتجعله لواحد من الجنس الذي وصف، وهو مع ذلك قليل في الاستعمال لبقاء التنكير فيه. ورب نكرة من عير صفة أخص من نكرة موصوفة. ووجه ضعفه أنه إذا صح: جسم حي في الدار، لحصول تخصيصه بالصفة، فينبغي أن يصح: رجل في الدار، لأنه أخص منه بدرجات. فأما إذا حصل ما ذكرناه من قصد التعميم فقد حصل ما في معنى التعريف قبل الصفة، فطاح اعتبار الصفة، وصار موازنا لقولك: كل رجل عالم عندنا، فإنه لا يصح لقائل أن يقول: المصحح الصفة، إذ التعميم حاصل قبل مجيء الصفة فأعنى عنها. وإنما جاءت الصفة لمعناها في التخصيص لا لحاجة من تصحيح الابتداء، ولذلك كان فصيحا في كل كلام فصيح، بخلاف ما المصحح فيه مجرد الصفة. والذي يحقق لك ذلك أن الصفة لا تخرج الموصوف عن مدلوله بل تأتي لتخصيصه في الا حاد أو في الأجناس وهو على حاله، مثاله إذا قلت: جاءني رجل، ثم قلت: عالم، فإنه يخصص مع بقائه لواحد متميز على ما كان عليه. وإذا قلت: جاء الرجال، ثم قلت: العالمون، فإنه يخصص مع بقائه عاما في العالمين. وإذا ثبت ذلك علمت أن التعميم حاصل بغير الصفة، وإذا كان حاصلا بغير الصفة كان مجيء الصفة وانتفاؤها واحدا على ما مثلناه في: كل رجل عالم عندنا. فإن زعم زاعم أن (مؤمن) في قوله: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾
_________________
(١) وردت هذه الكلمة هكذا في جميع النسخ وصوابها: يفوت.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
مصحح للابتداء بالنكرة وقرر ذلك بأنه لو أسقط لم يستقم ذلك، كما أنه إذا أسقط "عالم" من قولك: رجل عالم في الدار، لم يستقم، وهذا معنى التصحيح، فهو غير مستقيم، وجمع بين أمرين مختلفين، وذلك أنا نعني بالتصحيح الذي لولا هو لم يصح الابتداء بالنكرة، لا الذي لولا هو لكان الكلام كذبا، وما نحن فيه من هذا القبيل، ولسنا نعني بالمصحح ذلك. ألا ترى أنا نحكم على الكلام بصحة الإعراب، ثم نحكم بعد ذلك بكونه صدقا أو كذبا، كقول القائل: العالم قديم، فهذا وإن كان إعرابه مستقيما، إلا أنه كذب، كذلك ما نحن فيه، فلم يكن هذا المصحح مصححا للابتداء بل مصححا لصدق الكلام، حتى لو جعلت الخبر ما يكون صدقا استقام، دل على أن الفساد لم يأت إلا من الكذب. وما (١) يوضح ذلك أنك لو قلت: كل رجل كافر في النار، فلو أسقطت "كافر" لم يكن مستقيما من جهة الصدق لا من جهة صحة الابتداء به، لأنك لو أخبرت عنه بخبر صدق صح، وليس الكذب مفسدا للإعراب ولا مأخوذا عدمه في صحة التعبير كما تقدم. فإذا وضح ذلك كان القول بأن هذه الصفة مصححة للابتداء، كالقول بأن "كافر" في قولك: كل رجل كافر، مصحح للابتداء، وقد وضح بطلانه. فإن قلت: ليس "مؤمن" في قولك: ولعبد مؤمن، من هذا القبيل الذي ذكرته بل هو مصحح باعتبار صحة الإخبار لا باعتبار الصدق حتى يكون كما ذكرت. ألا ترى أنك لو أسقطته لم يستقم التعبير به صدقا ولا كذبا، فإنه يكون حينئذ من مضمونه: عبد خير من عبد، وهذا من قبيل اخر غير ما ذكرت. قلت: صدقت أنه من قبيل اخر، ولكنه في الحكم كذلك، لأن الكلام ههنا وقع في شروط المفردات، فإن المبتدأ مفرد، وليس شرط هذا الجزء في هذا المحل هذه الصفة. وإنما جاء الفساد من جهة الإخبار بما لا يستقيم به الإخبار كما في الكذب، وهو مثل
_________________
(١) في ب: ومما.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
قولك: كل رجل عالم خير من جاهل. فكما لا يستقيم أن يقال المصحح لهذا المبتدأ الصفة، لأنك لو أسقطتها لم يستقم الكلام، فكذلك ما نحن فيه. فكان كالكذب سواء، والكلام في شروط المفردات غير الكلام في جهة التركيب. ألا ترى أنك لا تقول لمن قال: كل رجل خير من جاهل، هذا فاسد، من جهة أن الابتداء غير موصوف، وإنما تقول: فاسد من جهة أنك أخبرت بما لا يستقيم خبرا. ولو قلت الأول لكان فاسدا، فإنه حينئذ يثبت لك أنه يكون مبتدأ به من غير صفة. فيفسد القول بأن المصحح الصفة، فكذلك ههنا. فإذا ثبت ذلك فلا فرق فيما نحن فيه من أن يكون المصحح الصدق (١) وبين أن يكون المصحح استقامة (٢) الكلام في أن كل واحد منهما لا يقدح في صحة الابتداء دونه، لما قررناه، لأن الكلام في صحة كونه صدقا وكونه مستقيما أن يخبر عنه بكذا، غير الكلام في صحة كون المبتدأ مبتدأ، وإن لم يكن بد من الخبر، إلا أنه قسم اخر من أقسام فساد الكلام من جهة الكذب أو الاخبار بما لا يصح الاخبار به، فلا يؤخذ منه شرط في صحة المبتدأ، فإن ذلك يؤدي إلى اعتبار ما لا يتناهى من الشروط في المبتدأ. إذ ما من مبتدأ إلا ويمكن تقدير الخبر عنه بما لا يستقيم إلا بقيد، فيؤخذ القيد شرطا ثم يقدر الاخبار عنه بأمر اخر لا يستقيم إلا بأمر اخر فيؤدي إلى اشتراط قيود لا يوقف دونها، وهذا ظاهر الفساد. فثبت أن (مؤمن) في قوله: ﴿ولعبد مؤمن﴾، وما كان مثله، لا يمكن دعوى أن تكون الصفة مصححة للابتداء بالنكرة باعتبار المعنى الذي نحن فيه على ما تقرر (٣).
_________________
(١) في ب: للصدق. والصواب ما أثبتناه.
(٢) في الأصل وفي ب، م: لاستقامة. والصواب ما أثبتناه.
(٣) قال ابن الحاجب في الإيضاح: "والمراد كل عبد مؤمن. ومثل ذلك ليست الصفة فيه بمصححة للابتداء، بل مثلها في قولك: في الدار رجل عالم. والذي يصحح ذلك صحة قولك: رجل خير من امرأة، وقولهم: تمرة خير من جرادة. وذلك جار في كل نكرة لم يقصد بها واحد مختص، فكان في معنى العموم، وذلك مصحح مستقل" ١/ ١٨٤.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
فإن قلت: فما تنكر (١) أن الصفة شرط في صحة هذا المبتدأ، وإن كان التعميم حاصلا فيه نظرا إلى قضية لفظية ليرفى صورة التخصيص ما يشبه به المعرفة لفظا، وإن كان التخصيص حاصلا بغيره، فيكون مثل اشتراط الصفة فيما لم يقصد منه التعميم. ألا ترى أن الصفة تشترط فيما يكون أخص من نكرات موصوفات حتى يحكم بالصحة فيما هو أقل تخصيصا من المحكوم عليه بالفساد لفقدان صورة الصفة التي تكون كالمعرفة في الصورة. والعرب كما تراعي المعاني فكثيرا ما تراعي الألفاظ، وإذا كان ذلك مستقيما فلم عدلت عن اعتباره؟ قلت: هذا إذن كلام مستقيم بالنظر إليه في نفسه، ولا شك أنا لو لم نجد هذا الباب إلا موصوفا لم نعدل إلى التجويز فيه من غير صفة لاحتمال أن تكون الصفة معتبرة لأمر لفظي كما مثلته في مسألة النكرة التي لم يقصد فيها قصد التعميم، ولكنا لما رأيناهم يستعملون مثل ذلك من غير صفة علمنا أن الصفة ملغاة في هذا الباب. ألا ترى إلى قوله: ﴿فأولى لهم طاعة﴾ (٢). وقولهم: فرق خير من حب (٣)، وما نقل من قولهم: تمرة خير من جرادة، وأشباهه. فلما علم ذلك علم أن الصفة في مثل ذلك إنما جاءت لما وراء ذلك، مثلها في قولك: الرجل العالم خير من الجاهل. ألا ترى أن أحدا لا يعتبر هذه الصفة مصححة لما ثبت من جواز "الرجل" مبتدأ مجردا عن الصفة في مثل قولك: الرجل خير من المرأة. ولا يشترط صحة وقوع مثل ذلك مجردا عن الصفة باعتبار خصوصية ذلك الخبر. فإنه قد يكون ذلك ممتنعا باعتبار انتفاء الصدق أو باعتبار انتفاء الاستقامة أصلا. فقد وضح لك من هذه الأبحاث أن
_________________
(١) في ب: ينكر.
(٢) محمد: ٢١،٢٠
(٣) أول من قال ذلك الحجاج للغضبان بن القبعثرى الشيباني. ومعناه: لأن يفرق منك فرقا خير من أن تحب. انظر مجمع الأمثال ٢/ ٧٦، والرواية فيه: فرقا خير من حب، أو انفع من حب. ورواه سيبويه: أو فرقا خيرا من حب. الكتاب ١/ ٢٦٨.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
الصفة في قوله: ﴿ولعبد مؤمن﴾ وبابه، ليست المصححة للابتداء لتحقيق المبتدأ في مثله بدونها. وهي بحوث دقيقة عجيبة، وأغوار غريبة قل من يفهمها فضلا عن من يتنبه لها. وإذا تقرر ذلك كان مماثلا لقولهم: ما رجل خير منك، فإنه إنما صح الابتداء بالنكرة لما حصل من معنى العموم المفضي بها إلى معنى التعريف. وهذا مثل ما حكاه ابن جني (١) من قول بعضهم: أربعة ضعف اثنين، وثمانية ضعف أربعة، وإن لم تكن صورة المفاضلة فيها، إما لأنها بمعناها، لأن معنى: ضعفها، أنها أزيد عليها (٢) بمثلها، وكذلك ما كان مثله في الزيادة والنقصان، وأما لأن المفاضلة لم تكن مناسبة لذلك المعنى باعتبار كونها مفاضلة، وإنما كانت مناسبة باعتبار ما يفهم من أن الحكم بها إنما وقع باعتبار كونه من ذلك القبيل، وهذا كذلك. ألا ترى أن الحكم بالضعفية على الثمانية بالنسبة إلى الأربعة إنما وقع باعتبار كونه (٣) من ذينك القبيلين، فصارت المناسبة التي من أجلها حصل العموم في المفاضلة موجودة في مثل ذلك، فوجب الحكم بمثله.
والثاني حاصل بأيسر تنبه وسيأتي. إلا أن ابن جني حكم بأن أربعة وثمانية وشبهها في مثل ذلك أعلام (٤) غير منصرفة للعلمية والتأنيت. وذلك أنه راه مبتدأ به في معنى المعارف ولا محمل لتعريفه إلا على العلمية لانحصار
_________________
(١) هو عثمان بن جني أبو الفتح الموصلي النحوي اللغوي. صحب أبا علي الفارسي وتبعه في أسفاره. من تصانيفه: اللمع، سر الصناعة، المصنف، الخصائص. توفي ببغداد سنة ٣٧٢هـ. انظر إنباه الرواة على أنباه النحاة ٢/ ٣٣٦.
(٢) في س: منها.
(٣) في ب: كونها. والصواب ما أثبتناه، لأن الضمير يعود على الحكم.
(٤) قال ابن جني: "ومنه أسماء الأعداد، كقولك: ثلاثة نصف ستة، وثمانية ضعف أربعة، إذا أردت قدر العدد لا نفس المعدود، فصار هذا اللفظ علما لهذا المعنى" الخصائص ٢/ ١٩٨.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
المعارف، كتعريف أسامة في مثل قولك: أسامة خير من ثعالة، فإن مثل ذلك علم باتفاق، ورأى هذا أشبه شيء به فحكم عليه بحكمه. ولذلك (١) حكم الجميع على غدوة وبكرة وسحر وفينة بأنها أعلام (٢) وإن لم تكن في قصد التعريف مثل هذه، فهذه إذن أجدر وليس ببعيد عن قياس. إلا أن الأصوب خلافه لما يلزم من رد أسماء الأجناس كلها أعلاما. ألا ترى أن قولك: تمرة خير من جرادة، مثل: أربعة ضعف اثنين، سواء، فلو ساغ جعل أربعة علما لساغ جعل تمرة علما. والأجناس كلها تجري حينئذ هذا المجرى، ولا أعلم أحدا يقول ذلك. وأيضا فإنه لا يحكم على الشيء بأنه علم إلا بثبت كما في زيد وعمرو من وضعها لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه بالوضع الأول (٣) والحكم في باب: أسامة وغدوة وبكرة وسحر وفينة، بأنها أعلام، إنما كان لأنهم منعوها الصرف، ولا وجه إلا العلمية، فلذلك احتيل في تقديرها وجعلها موضوعة للمعنى المتحد في الذهن حتى يصح كونها موضوعة لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه. ولو وجدت مصروفة لم يحكم بأنها أعلام، إنما كان لأنهم منعوها الصرف، ولا وجة إلا العلمية، فلذلك احتيل في تقديرها وجعلها موضوعة للمعنى المتحد في الذهن حتى يصح كونها موضوعة لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه. ولو وجدت مصروفة لم يحكم بأنها أعلام البتة، إذ لا حاجة إلى التكلف مع الاستغناء عنه. وإذا كان فلا حاجة إلى إلحاقها بما هو خارج عن القياس، ومتكلف فيه لضرورة أوجبت التكلف، وترك إجرائها على ما هو الظاهر منها من غير تكلف. وأيضا فإنه لو كان علما لوجب أن يجوز بقاؤه علما في كل أحواله كباب أسامة وجميع الأعلام. ولما لم يجز ذلك فيه باتفاق دل على أنه غير علم. وأيضا فإنه لو كان علما لم يصح دخول اللام عليه، وفي صحة دخولها دليل على خروجه (٤) عن باب الأعلام.
_________________
(١) في ب، س: وكذلك. والصواب ما أثبتناه.
(٢) انظر الإملاء (١٠٨) من الأمالي المطلقة. ص: ٧٩٨.
(٣) انظر المفصل ص ٦. والإيضاح في شرح المفصل ١/ ٦٩.
(٤) في م: خروجها.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
فأما بيان حل إشكال كونها مبتدأ بها في معنى المعارف ولا محمل لتعريفها إلا على العلمية، فإنا نقول: ليست من قبيل المعارف بل أشبهتها من حيث لزم التعميم كما في: ما رجل أفضل منك. ألا ترى أن رجلا نكرة وإن حصل التعميم، فكذلك ههنا لما لم يكن الغرض في واحد مخصوص لم يخص فحصل التعميم، كما أن النفي لما لم يخص حصل التعميم. سلمنا التعريف، إلا أنه ليس على العلمية بل على أحد وجهين: أحدهما: أنه تعريف باعتبار التعميم كما في: كل رجل، فإنه معرفة وليس مما عد من المعارف، فكذلك هذا يكون تعريفا باعتبار التعميم، مثل لا رجل، فيمن قال: إنه عام بأصله لا بلازمه. الثاني: أنه تعريف باعتبار تقدير اللام لأن المعنى: التمرة خير من الجرادة، فعدل عن اللام كما في: سحر وغدوة وبكرة وفينة. فإن قلت: فإذن رجعت إلى مذهب ابن جني، لأن ما ذكرته كله في هذا الوجه ممتنع صرفه للعلمية والعدل، أو للعلمية والتأنيت، أو للجميع. فلا بد من اعتبار العلمية، فوجب أن يكون ما نحن فيه أيضا علما. قلت: ليس العدول عما فيه الألف واللام بالذي يوجب للاسم المعدول علمية وإن كان معرفة ما لم يقصد قصدها ويثبت بدليل خاص عليها. بيان ذلك: أن عشية وعتمة وإن كانا معرفتين باتفاق إذا قصد بها عشية ليلتك وعتمتها معدولان عما فيه الألف واللام، وهو الذي أوجب لهما التعريف، وليسا علمين لكونهما منصرفين (١) فلو كان العدول عن التعريف بالألف واللام يوجب العلمية لوجبت لهما، ولو وجبت لمنعا من الصرف، فلما صرفا دل على أن العلمية لا يحكم بها إلا بثبت وراء ذلك. وسره أن كل عن الألف واللام جائز
_________________
(١) قال ابن الحاجب: " ولكنهم جعلوه معدولا عما فيه الألف واللام لا علما، فلذلك انصرف وإنما لم يقدر العلمية دون العدل لما يلزم من منع صرف عشية وعتمة للعلمية والتأنيث وهي مصروفة باتفاق" الإيضاح ١/ ١٣٦.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
تقديره نكرة وجائز تقديره معرفة حسب ما كان عليه. وإذا احتمل الأمرين لم يحكم بأحدهما إلا بثبت، فحكمنا على غدوة وأخواتها بالعلمية لما ظهر من منع الصرف، إذ لا وجه له سواها، وحكمنا على باب "عشية" بتعريف اللام المقدرة لمجيئها منصرفة فإن قلت: فقد حصل من مجموع ذلك أن بعض ما يعدل عن الألف اللام يكون علما وبعضه يكون غير علم، فما تنكر من أن يكون ذلك من القسم الأول، لأنك قد وافقت على مثله. قلت: قد تقدم أن الحكم على مثل ذلك بالعلمية إنما يكون بثبت من العرب في المحل المخصوص لما في علميته من الإشكال، فحمله على القياسي الذي لا إشكال فيه أولى. فإن قلت: فما تنكر أن تكون "أربعة" ضعف اثنين علما غير منصرف مثل قول النحويين: فاعلة صفة منصرف، فإن ذلك علم عندهم باتفاق، وهو غير منصرف لذلك (١) ووجهه أنه لما عم في الجميع بغير الة كان علما عليه، فكذلك هذا إذا عم في الجميع بغير الة يكون علما. قلت: الفرق بينهما من وجوه: أحدها: أن "فاعلة" وضعه النحويون في أصل وضعه علما على كل موزون على هذه البنية المخصوصة، وهذا معنى العلمية، بخلاف "أربعة" وبابه، فإن أصل وضعه كوضع رجل، فكما لا يصح في رجل أن يدعى أن أصل وضعته العلمية فكذلك هذا. الثاني: أن "فاعلة" لا يجوز دخول اللام عليه كما في الأعلام، و"أربعة" لو قلت: الأربعة، لكان مستقيما، والألف واللام تناقض العلمية. الثالث: أن باب "فاعلة" إذا أطلق على واحد من مدلولاته فالمحققون على إبقائه علما، وهذا لا يجوز إبقاؤه علما عند إطلاقه على أحد مدلولاته.
_________________
(١) قال الزمخشري: "ومن الأعلام الأمثلة التي يوزن بها". المفصل ص١١س.
[ ٢ / ٥٩١ ]
الوجه الثاني من الأولين في أصل المسألة: أن يكون قولهم: تمرة خير من جرادة، على معنى الإخبار عن اللفظ، كأنك قلت: لفظ تمرة مدلولها كذلك أو مدلول تمرة كذلك. فيكون المصحح للابتداء كونه معرفة في التقديرين جميعا. وإنما يستقيم هذا فيما كان الخبر فيه عاما لجميع أنواع المخبر عنه، لأن المبتدأ وقع عاما، لإضافته تقديرا وهو اسم جنس، فصار التقدير: كل مدلول تمرة، أو كل لفظ تمرة. وأقل أحوال الخبر أن يكون مطابقا، فلا يصح على هذا أيضا: رجل في الدار، لتعذر هذا التقدير فيه إذ لا يصح على مدلول رجل بأنه في الدار. نعم يصح على هذا: رجل إنسان وشبهه. وكذلك: أربعة ضعف اثنين. و" أربعة" في هذا أوجه من: تمرة خير من جرادة، فصح أن يكون شارحا لمدلوله، بخلاف الأول، فإنك لم تخبر بحقيقة ما جعلته مبتدأ، بل بحكم من أحكامه. والحكم بحكم من أحكام الشيء لا يكون شارحا له، فلذلك قوي: أربعة ضعف اثنين، في هذا التأويل لما فيه من الانباء عن حقيقة مدلوله، ولم يكن كذلك: تمرة خير من حرادة. فإن قيل: فهل يستقيم منع الصرف على هذا التقدير؟ قلت: له وجه، لأنه قصد قصد اللفظة، وإذا قصد اللفظة جاز أن يعتبر التعريف والتأنيث معنى أو لفظا، وجاز أن يجري على ما كان مستحقا له لو لم يقصد اللفظة: إلا أن هذا هو المعروف. ألا ترى أنه لو استعمل ذلك لقيل في: قام جعفر ومررت بقائمة، جعفر: فاعل، وقائمة: - مجرور، غير منصرفين، ولقيل في: أخذت من زيد، من: حرف جر، وأشباه ذلك، وهو بعيد عن الاستعمال. هذا اخر الجواب.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
[إملاء ٧٨]
[أوجه: لا حول ولا قوة إلا بالله]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١): في: لا حول ولا قوة إلا بالله، خمسة أوجه (٢). فتحهما على أن يكون كل واحد منهما مع متعلقه جملة مستقلة وعطفت الجمل بعضها على بعض. وفتح الأول ونصب الثاني، على أن تكون "لا" الثانية تأكيدا، والاسم بعدها معطوف على الاسم الأول على اللفظ، كقولهم: لا أب وابنا (٣)، ورفع الثاني على أن يكون كالنصب، إلا أنه على المحل كقوله:
لا أم لي إن كان ذلك ولا أب (٤)
وأن ترفعهما جميعا على أنهما مبتدءان، أو على أن "لا" بمعنى " ليس" وإنما حسن الرفع فيهما عند التكرير إما على الابتداء أو على أنها بمعنى " ليس".
وضعف جعلها بمعنى " ليس" على الانفراد، وضعف وقوع المبتدأ بعدها على الانفراد، مثل قولهم: لا حول منفردا، أو لا رجل قائما، من حيث كان
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص٨. ونظر الإملاء (٨٥) من الأمالي على المفصل ص:٤١١. والإيضاح في شرح الفصل١/ ٣٩٤. وشرح الكافية للرضي١/ ٢٦٠. وأوضح المسالك٢/ ١٤.
(٣) البيت بتمامه: لا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا وقد سبق الكلام عنه في الإملاء (٨٥) من الأمالي على المفصل. ص: ٤١٩.
(٤) هذا عجز بيت من الكامل، وصدره: هذا لعمركم الصغار بعينه. وقد اختلف في نسبته لقائل معين. وهو من شواهد سيبويه٢/ ٢٩٢ وقد نسبه لرجل من بني مذحج. والمقتضب٤/ ٣٧١. واللمع ص٤٥. والحماسة البصرية ١/ ١٤ ونسبه للفرعل الطائي أو لهني بن أحمر. واللسان (حيس) ونسبه لهني بن أحمر أو لزرافة الباهلي. والشاهد فيه عطف (أب) على موضع. (أم). ويجوز أن يكون مبتدأ، أو على أن =
[ ٢ / ٥٩٣ ]
شبهها بـ " إن" شبها قويا، فقوي لذلك إعمالها كعملها (١). وإنما جاز الرفع من غير ضعف عند التكرير من حيث كان استعمال ذلك الأصل يوهم ما ليس لغتهم من مزج كلمات متعددات. ألا ترى أنهم إذا فتحوا أيضا على ما هو فصيح أيضا كان ذلك موهما أن الجميع مبني بناء واحدا، وليس ذلك من لغتهم، فصار ذلك كالمانع من استعمال الأصل، فعدل إلى جعله مبتدأ بتقدير إسقاط أثر الحرف وجعله مبتدأ، أو وجوعا إلى اللغة الأخرى لما أوهمت هذه اللغة هذا الوهم.
[إملاء ٧٩]
[الجمع المانع من الصرف]
وقال ممليا على قوله (٢): " الجمع شرطه صيغة منتهى الجموع بغير هاء"، إلى قوله: "فلا إشكال". قال: أكثر النحويين يقول في تفسير الجمع المانع من الصرف: الجمع الذي لا نظير له في الاحاد. وجاء في كلام سيبويه هذا المعنى في موضع (٣)، وجاء ما ذكر في هذه المقدمة في موضع اخر من كلامه، وهذا أولى في تعريفه. لأنه إذا عرف بأنه الجمع الذي لا نظير له في الآحاد ورد
_________________
(١) = "لا" عاملة علم ليس ويكون في الحالتين من عطف الجمل.
(٢) وقد ذكر سيبويه وجهين في هذه المسألة: الوجه الثاني وهو فتح الأول ونصب الثاني. والوجه الثاني وهو فتح الأول ونصب الثاني. والوجه الثالث وهو رفع الثاني. قال: "كما قال بعض العرب: لا حول ولا قوة إلا بالله. وإن شئت حملته على لا فنونته ونصبته". الكتاب ٢/ ٢٩٢.
(٣) الكافية ص٣.
(٤) قال سيبويه: "أعلم أنه ليس شيء يكون على هذا المثال إلا لم ينصرف في معرفة ولا نكرة وذلك لأنه ليس شيء يكون واحدا يكون على هذا البناء، والواحد أشد تمكنا، وهو الأول، فلما لم يكن هذا من بناء الواحدا الذي هو أشد تمكنا وهو الأول تركوا صرفه، إذ خرج من بناء الذي هو أشد تمكنا". الكتاب٣/ ٢٢٧.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
عليه باب " أفعل" مثل: أكلب، وأعين، وأمثاله، فإنه جمع لا نظير له في الآحاد وهو منصرف بإجماع. وقد أجيب عنه بأنه قد جاء نحو: أنملة، وتاء التأنيث غير معتد بها في الزنة، فقد تحقق نظيره في الآحاد، وهو جواب غير سديد، فأنه لو صح أن تكون تاء التأنيث فيه موجبة أن تكون الصيغة على بناء الواحد بدونها من حيث كانت زائدة، لصح أن تكون صياقلة كذلك. والاتفاق على أن فرازنة (١) مثل كراهية في كونه على صيغة الواحد مع الاطباق على أن فرازن ليس على بناء الواحد. وإذا كانت تاء التأنيث في البنية التي ذكروا أنها لا واحد عليها لا أثر لدخولها في كونها مخرجة للصيغة إلى بناء الواحد على تقدير حذفها، فكذلك "أنملة". ووجه ثان في الأولوية أن هذا التعريف ينبىء عن العلة من أول الأمر، لأنها إذا كانت صيغة منتهى الجموع فكأنه جمع متعدد وتلك لا تنبىء عن ذلك، والتعريف المنبىء عن العلة أولى من غيره لو استويا (٢).
وأما قوله: "بعير هاء"، فاحتراز من فرازنة، وقشاعمة (٣). لأنه لو اقتصر دونه لورد نقضا عليه، إذ هو صيغة منتهى الجموع. وإنما انصرف لأن دخول تاء التأنيث يخرجه إلى بناء الواحد مثل: كراهية وطماعية (٤). ويضعف تقدير الجمع فيه، فلا يلزم من إعمال بقدير الجمع الذي لا مضعف له إعماله في الموضع الذي وجد فيه مضعف.
_________________
(١) الفرزان: من لعب الشطرنج أعجمي معرب، وجمعه فرازين. اللسان (فرزن).
(٢) قال ابن الحاجب في شرح الكافية (ص١٥): "وإذا قيل: صيغة منتهى الجموع كان التعليل فيه في قيامه مقام علتين أوضح من قولنا: لا نظير له في الآحاد، واندفع هذا النقص الذي لا جواب له".
(٣) القشعم والقشعام: المسن من الرجال والنسور. وقيل الضخم المسن من كل شيء اللسان (قشعم).
(٤) في س: طواعية.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
قال: " وحضاجر علم (١) للضبع غير منصرف". قال: حضاجر وسراويل، يرد على تعريف الجماعة نقضا، لأنه واحد. وهو على زنة جعافر، وكذلك سراويل، لأنه على زنة قراويح (٢) وهو اسم مدلوله مفرد.
وأجابوا عن سراويل إذا لم يصرف وهو الأكثر، وقدر أنه عربي (٣): بأنه جمع في التقدير لسروالة (٤). فإذا استعمل جمعا فلا إشكال على التعريفين، وإن استعمل للمفرد كان تقدير الجمع فيه ضعيفا من حيث كان النقل في أسماء الأجناس بعيدا. إلا أنه يغتفر ههنا من حيث إنه لا بد من ارتكاب محذورين أحدهما يلزم منه مخالفة أمر معلوم، والآخر يلزم منه ارتكاب أمر مستبعد. وذلك أنه إذا ثبت كونه غير منصرف وثبت أنه لا يمنع الصرف إلا لأحد العلل المذكورة، فكل هذه معلومة، ولا مانع فيه للصرف يمكن تقديره إلا ما ذكر. وإن كان بعيدا، فيجب ارتكاب ذلك المستبعد لئلا يلزم منه مخالفة أمر معلوم. فإن قدر أنه أعجمي فجوابه: أنه حمل على موازنه في العربية عند النقل، فوجب ألا يصرف.
وأما إذا صرف سراويل فيتعين عند هؤلاء أن يكون أعجميا، وإلا لم يصح قولهم: لا نظير له في الآحاد، لأنه إذا لم يكن أعجميا وقد صرف وجب أن يكون مفردا وهو على زنة ما قالوا إنه لا زنة له (٥) في الآحاد. وأما هذا التعريف
_________________
(١) وردت هذه الكلمة في نسخة الكافية وفي نسخ الأمالي مرفرعة. وأوردها الرضي في شرح الكافية منصوبة. وقال: "قوله: علما، حال من الضمير الذي هو في غير منصرف، أي: لا ينصرف في حال كونه علما للضبع" ١/ ٥٥.
(٢) القراويح: الطوال من النخل. اللسان (قرح). وفي هامش الأصل: جمع قرواح، وهو المكان المتسع. ورقة١٦٧.
(٣) قال سيبويه: "وهو أعجمي أعرب كما أعرب الآجر". وهو عنده غير منصرف لأنه أشبه ما لا ينصرف. الكتاب٣/ ٢٢٩. وهذا مذهب المبرد. انظر: المقتضب ٣/ ٣٢٦، ٣٤٥.
(٤) قال المبرد: "ومن العرب من يراها جمعا، واحدها سروالة". المقتضب٣/ ٣٤٥.
(٥) في الأصل وفي ب، د، س: علبه. وما أثبتناه من س. وهو الصواب.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
فلا يرد عليه ذلك نقضا، وإنما يذكر ليبين الوجه في امتناع صرفه إذا لم يصرف، ووجه ما ذكر. وإذا صرف فلا يتعين أنه أعجمي ولا يكون فيه إشكال، لأن المانع كونه جمعا على صيغة منتهى الجموع. وإذا لم يكن جمعا فلم يوجد المشروط، فلذلك قال: وإذا صرف فلا إشكال.
وقوله: " ونحو جوار رفعا وجرا مثل قاض". هذه اللغة الفصيحة في البحر، فأما الرفع والنصب فلم يجىء إلا على لغة واحدة. وأما حال الجر فاللغة الفصيحة: مررت بحوار، والشاذة: مررت بجواري، وهي رديئة (١). وقد وقع الخلاف بين سيبويه ومن قال بقوله، وبين المبرد ومن قال بقوله في التقدير في "جوار" في الرفع وفي الجر على اللغة الفصيحة، وإن كانوا متفقين على اللفظ (٢). فقال سيبويه: هو غير منصرف كمساجد، وما فيه من التنوين إنما هو تنوين العوض لا تنوين الصرف (٣). وقال المبرد: منصرف لفقدان المانع للصرف (٤). فالتنوين تنوين الصرف. وقد احتج لسيبويه بأن الأصل: جواري، منونا، إذ أصل الأسماء الصحيح والصرف، فتحققت فيه العلة المانعة للصرف فحذف التنوين ثم حذفت الضمة عن الياء استثقالا لها بعد الكسرة، ثم عوض عن حركة الياء المحذوفة تنوين العوض، فاجتمع ساكنان (٥)، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين. ووجب أن يكون التنوين تنوين
_________________
(١) قال سيبويه: " وأما يونس فكان ينظر إلى كل شيء من هذا إذا كان معرفة كيف حال نظيره من غير المعتل معرفة، فإذا كان لا ينصرف لم يصرف، يقول: هذا جواري قد جاء، ومررت بجواري قبل. قال الخليل: هذا خطأ" ٣/ ٣١٢.
(٢) انظر: الإملاء (٣) من مسائل الخلاف، والإيضاح في شرح المفصل ١/ ١٤٠، وشرح الكافية للرضي ١/ ٥٨.
(٣) انظر: الكتاب ٣/ ٣٠٨، ٣١٠.
(٤) قال المبرد: " فإنما انصرف باب جوار في الرفع والخفض لأنه أنقص من باب ضوارب في هذين الموضعين". المقتضب ١/ ١٤٣.
(٥) الياء وتنوين العوض.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
العوض بعد أن ثبت أن الاسم غير منصوف. وهذا الاستدلال ضعيف من حيث أنه مبني على النظر في منع الصرف بعد الإعلال. والمبرد يسلم أنه أصله (١)، ولكنه يقدر النظر في الإعلال قبل النظر في منع الصرف، ثم ينهض ذ لك أمارة له في كونه منصرفا، ويكون أولى منحيق إن النظر في الإعلال نظر في تحقيق الصيغة، والنظر في منع الصرف نظر فيما يتبع الإعراب، والإعراب فرع، فما يتبعه فرع الفرع، والنظر فيما هو الأصل مقدم على النظر في فرع فرعه. فإذا أعل أولا حذفت الياء لالتقاء الساكنين: الياء وتنوين الصرف، فيبقى الاسم على فواع. ثم نظر إلى ما يمنع الصرف فلم يوجد ذلك الوزن فبقي الاسم منصرفا على حاله. ويقوي ما ذكر المبرد ما ذكر من تقديم الإعلال على منع الصرف اللغة الفصيحة في: مررت بجوار. ولو كان الأمر على ما ذكر أولا لوجب أن يقال: مررت بجواري، على ما هو في اللغة الرديئة.
والأولى أن ينظر في استدلال آخر، فيقال: المحذوف بالإعلال في حكم الموجود في الأمور الإعلابية باتفاق، بدليل قولك: هذا قاض، ومررت بقاض، ولوكان في حكم العدم لوجب أن يقول: هذا قاض بضم الضاد، ولولا بقدير وجودها ما وجب كسر الضاد في حال الرفع، فالموجب لكسر الضاد كونها في حكم الوجود (٢) باعتبار أمر إعرابي وجب أن تكون في حكم الوجود باعتبار أمر لفظي مثله. ودليل آخر وهو أن يقال: الدليل على أن المحذوف بالإعلال في حكم الموجود بالنظر إلى منع الصرف باعتبار الصيغة إطباقهم على أن باب: أعلى وأدنى، أصله: أعلي وأدني، والإعلال قبل النظر في منع الصرف، فتتحرك الياء وينفتح ما قبلها فتنقلب ألفا، فيجتمع ساكنان فتحذف الألف فيبقى
_________________
(١) أي: أصله جواري.
(٢) انظر: الإيضاح في شرح المفصل ١/ ١٤١.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
" أعلى"منونا، ووزن " أعلى" أفعى، ن وأفعى ليس بأفعل، فلولا أن اللام المحذوفة بالإعلال في حكم الوجود لما منع من الصرف، ولوجب أن يبقى منونا على حاله، كما وجب عندهم أن يكون " جوار" باقيا على حاله بتنوين الصرف لما لم تكن الصيغة بعد الحذف بالإعلال على صيغة الجمع لفظا. ولما وجب اعتبار المحذوف بالإعلال في الصيغة المانعة للصرف في " أعلى" وجب ذلك في "جوار"، إذ لا فيق بينهما. وسيبويه يطرد أصله في أن كل ما آخره ياء معتلة وهو غير منصرف يعوض عن إعلاله تنوين فتحذف الياء لالتقاء الساكنين. والمبرد يجري على أصله في أنه لا يعوض بل يثبت التنوين إن كان تنوين الصرف ويحذف إن كانت علة تمنع الصرف. وعليهما اختلفوا في امرأة سميتها بقاض. فسيبويه يقول: هذه قاض ومررت بقاض ورأيت قاضي (١). والمبرد يقول: هذه قاضي، بإثبات الياء، ورأيت قاضي ومررت بقاضي (٢). لأنهم لم يختلفوا ههنا في أن فيه ما يمنع الصرف، فلا تنوين للصرف، فوجب عند المبرد أن لا يكون فيه تنوين، ووجب عند سيبويه أن يكون فيه تنوين العوض كـ" جوار"، فمن ثم جاء الاختلاف لفظا فيه، ولم يختلف في لقظ "جوار" من حيث إنه لم يتفق على أنه فيه ما يمنع الصرف. وإنما اتفق أن سيبويه القائل فيه بوجود علة منع الصرف يوجب تنوين العوض. وأن المبرد الذي يقول لا تنوين للعوض ليس عنده فيه
_________________
(١) قال سيبويه: " وسألته عن قاض اسم امرأة، فقال: مصروفة في حال الرفع والجر. تصير ههنا بمنزلتها إذا كانت في مفاعل وفواعل. وكذلك أدل اسم رجل عنده. لأن العرب اختارت في هذا حذف الياء إذا كانت في موضع غير تنوين في الجر والرفع، وكانت فيما لا ينصرف، وأن يجعلوا التنوين عوضا من الياء ويحذفوها". الكتاب ٣/ ٣١١.
(٢) قال المبرد: "وكذلك قاض. فاعلم لو سميت به امرأة لانصرف في الرفع والخفض لأن التنوين يدخل عوضا مما حذف منه. فإما في النصب فلا يجري لأنه يتم، فيصير بمنزلة غيره مما لا علة فيه". المقتضب ١/ ١٤٣. يبدو لي في هذه المسألة أن ما نقله ابن الحاجب عن المبرد ليس دقيقا.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
علة تمنع من الصرف، فاتفق القولان في وجود التنوين، واللفظ واحد.
[إملاء ٨٠]
[حكم إظهار "أن" المقدرة]
وقال ممليا [بدمشق سنة إحدى وعشرين] (١) على قوله في المقدمة (٢): "ويجوز إظهار أن مع لام كي والعاطفة ويجب مع لا في اللام": إنما لم يظهروا مع حتى وأو والفاء والواو غير العواطف لأنها تقتضيها اقتضاء واضحا من غير لبس فاستغني عن الإظهار. أما "حتى" فلأنها حرف جر فلا يدخل إلا على اسم، فلم يحتج إلى إظهار لوضوح ذلك فيها، ولا حاجة إلى الفصل بينها وبين الابتدائية لأن تلك لا عمل لها بخلاف لام كي ولام الجحود. وأما " أو" فلأنها إما بمعنى إلى أو إلا (٣)، وكلاهما في اقتضاء " أن" واضح. وأما الفاء فلأنها إنما تكون بعد الأشياء الستة (٤) سببية، فكان ذلك علامة لاقتضائها للناصب، فلم يحتج إلى إظهارها. وأما الواو فلأنها محمولة عليها في كونها بعد الأشياء الستة للجمعية (٥). وإنما أظهرت مع لام كي ليفرق بينها وبين لام الجحود عند قصد الإيضاح من أول الأمر. وإنما أظهرت مع العواطف لأنه لم
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) الكافية ص ١٧.
(٣) فالأول كقول الشاعر: لاستهلن الصعب أو أدرك المنى فما انقادتا لآمال إلا لصابر والثاني كقول الآخر: وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيما
(٤) الأمر والنهي والاستفهام والنفي والتمني والعرض.
(٥) قال الرضي: " وأما الواو والفاء وأو فلأنها لما اقتضت نصب ما تعدها للتنصيص على معنى السببية والجمعية والانتهاء، كما بقدم، صارت كعوامل النصب فلم يظهر الناصب بعدها". شرح الكافية ٢/ ٢٥٠.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
يقو أمر الفرينة في اقتضائها قوتها فما التزم فيه حذفها لما تقدم. وأما إيجاب إظهارها مع "لا" في اللام في مثل: لئلا، فلما كرهوه من إدخال حرف الجر في الصورة على حرف ليس مع ما بعده في تأويل اسم (١)
[إملاء ٨١]
[علم الفاعلية والمفعولية والإضافة]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثلاث وعشرين وستمائة] (٢) على قوله (٣): " ما اشتمل على علم الفاعلية والمفعولية والإضافة": يعني بالعلم اللقب الذي جعل دليلا عليها. فعلم الفاعلية ما جعل دليلا عليها من ضم أو ألف أو واو، في مثل: جاء زيد والزيدان وأخوك والزيدون. وعم المفعولية ما جعل دليلا عليها من فتحة أو ألف أو ياء أو كسرة، كقولك: ضربت زيدا وأخاك والزيدين والقائمات. والخفض كذلك من كسرة أو ياء أو فتحة، كقولك: مررت بزيد والزيدين وأخيك والزيدين وأحمد.
[إملاء ٨٢]
[جواز أبي وأخي عند المبرد]
وقال ممليا [بدمشق سنة أربع وعشرين وستمائة] (٤) على قوله (٥): " وأجاز المبرد أبي وأخي" (٦): إنما خص المبرد "أبي وأخي" لما توهمه من قوله:
_________________
(١) قال الزمخشري: " ويمتنع إظهار أن مع هذه الأحرف إلا اللام إذا كانت لام كي، فإن الإظهار جائز معها، وواجب إذا كان الفعل الذي تدخل عليه داخلة عليه لا، كقولك: لئلا تعطيني". المفصل ص ٢٤٦.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص٩،٥،٣.
(٤) زيادة من ب، د.
(٥) الكافية ص ٩.
(٦) لم أجد فيما اطلعت عليه من كنب المبرد هذا الذي قاله ابن الحاجب. وربما يكون قد نقله =
[ ٢ / ٦٠١ ]
[إملاء ٨٣] [حد الإعراب]
أبي مالك ذو المجاز بدار (١)
وعلم أن "أخي كـ"أبي" في لغاته وأصله وكترته وقلته، بخلاف غيرهما من هذا الباب، فإنه إن وافق أبا من وجه خالفه من وجه.
[إملاء ٨٣]
[حد الإعراب]
وقال ممليا [بدمشق سنة أربع وعشرين وستمائة] (٢) على قوله (٣): "الإعراب ما اختلف آخره به": الضمير في "به" ضمير "ما"، أي: الشيء الذي يختلف آخر المعرب به كما تقول: الإنسان هو ما تتوقف عقليته على النطق. فالضمير عائد على "ما"، لا على الإنسان باعتبار خصوصيته، لأنه لم يكمل باعتبار ذلك إلى الآن، وإنما رجع إلى قولك: ما، فكذلك هذا. ولا بد من هذا الضمير ليعود على الذي، إذ الضمير في قولك: آخره، للمعرب. ولو قلت: الإعراب هو الشيء الذي يختلف آخر المعرب، لم يكن كلاما.
_________________
(١) = عن الزمخشري دون أن يتحقق من ذلك. انظر المفصل ص ١٠٩.
(٢) هذا عجز بيت من الكامل وصدره: قدر أحلك ذا المجاز وقد أرى. وقائله مؤرج السلمي وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية. وذو المجاز: سوق كانت في الجاهلية للعرب. هو من شواهد المفصل ص ١٠٩، والمغني٢/ ٥٢٠ (دمشق)، والرضي ١/ ٢٩٦، وابن يعيش٣/ ٣٦. والشاهد فيه قوله: أبي، فقد ردت اللام له مع إضافته إلى ياء المتكلم، ونقل عن المبرد أنه أجازه. وأنكر الزمخشري ما ذهب إليه المبرد وحمله على الجمع. انظر المفصل ص١١٠. وقال الرضي: "وأجيب بأنه يحتمل أن يكون أبي جمعا لأب مضافا إلى الياء، إذ يقال في أب: أبون". شرح الكافية١/ ٢٩٦.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) الكافية ص٢.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
[إملاء ٨٤]
[وجه عدم ذكر المؤلف اللام بمعنى على]
وقال ممليا على المقدمة (١) وقد قيل له: لِم لم تذكر أن اللام بمعنى "على" وقد ذكرت أنها بمعنى " عن"؟ فقال: أن اللام للاختصاص، والاختصاص على وجهين: إما أن يكون فيه ضرر أولا، فالأول صح دخول " على" فيه لما في الضرر من معنى الاستعلاء لمن نسب إليه، ولم يخرج عن معنى اللام الذكورة.
[إملاء ٨٥]
[العلة في حذف بني تميم خبر" لا" التي لنفي الجنس]
وقال ممليا [بدمشق سنة خمس وعشرين وستمائة] (٢)، في خبر "لا" التي لنفي الجنس (٣): العلة في حذف بني تميم الخبر (٤) يحتمل أمرين: أحدهما: أن الخبر مراد ولكنهم حذفوه حذفا لازما كما حذف الجميع خبر المبتدأ في مواضع، فتكون "لا" حرفا مثلها فيمن يثبت الخبر. والثاني: أن تكون "لا" عندهم اسما من أسماء الأفعال بمعنى: نفيت، فلا تحتاج إلى تقدير خبر محذوف، لأن اسم الفعل مع معموله يستقل كلاما.
_________________
(١) الكافية ص ١٩.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص ٥.
(٤) قال الرضي: " اقتدى فيه بجار الله. قال الجزولي: بنو تميم لا يلفظون به إلا أن يكون ظرفا. قال الأندلسي: لا أدري من أين نقله، ولعله قاسه. قال: والحق أن بني تميم يحذفونه وجوبا إذا كان جوابا، أو قامت قرينة غير السؤال دالة عليه، وإذا لم تقم فلا يجوز حذفه رأسا، إذ لا دليل عليه. بل بنو تميم إذن كأهل الحجاز في إيجاب الإتيان به. فعلى هذا القول يجب إثباته مع عدم القرينة عند بني تميم وغيرهم، ومع وجودها يكثر الحذف عند أهل الحجاز، ويجب عند بني تميم". شرح الكافية ١/ ١١٢.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
والوجه الأول أظهر لموافقته اللغة الفصحى في التقدير ولقلة (١)
ولكون اسم الفعل لم يأت على مثل هذه الصيغة.
[إملاء ٨٦]
[وجوب النصب بعد ما خلا وما عدا]
وقال ممليا في وجوب النصب في قوله (٢): " ما خلا زيدا وما عدا زيدا": لا جائز أن تكون "ما" نافية وهو ظاهر، ولا بمعنى الذي، لأن " الذي" توصل بالجار والمجرور والفعل، فلو كانت بمعنى "الذي" لجاز الخفض عل لغة من خفض (٣). ولما جاء هذا منصوبا ليس إلا، علم أن ثم مانعا منع أن تكون بمعنى الذي (٤).
[إملاء ٨٧]
[وجوب النصب في قولهم: جاء القوم إلا زيدا]
وقال ممليا في وجوب النصب في قولهم: جاء القوم إلا زيدا: إنه لو قدر تابعا لم يخل إما أن يكون توكيدا أو صفة أو بدلا أو عطف بيان أو عطفا بحرف والأقسام كلها باطلة. فالقول بالتبعية باطل. أما التوكيد فلا لفظي ولا معنوي، وهو ظاهر. ولا الصفة لأنها باعتبار التبع أيضا ليست موجودة. ول بدلا، لا كلا ولا بعضا ولا اشتمالا ولا غلطا. الغلط لا يجري في القرآن ولا في الكلام الفصيح، وبجل الكل ليس موجودا، لأن حده أن يكون مدلوله مدلول الأول،
_________________
(١) وجدت هذه الكلمة والفراغ الذي بعدها في الأصل وفي ب، م. وفي س، دلا توجد هذه الكلمة ولا الفراغ الذي بعدها. وهو الصواب لأن الكلام يستقيم.
(٢) الكافية ص٨.
(٣) وجوز الجرمي الجر بعدهما. الرضي على الكافية١/ ٢٣٠.
(٤) و(ما) هنا مصدرية. انظر سيبويه٢/ ٣٤٩.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وليس كذلك فيما نحن فيه، ور بدل البعض، لأن العامل يقدر انسحابه، ولو قدر انسحاب العامل هنا لكان مناقضا، ولا بدل الاشتمال، لأن زيدا ليس مشتملا على القوم، ولا القوم مشتملين عليه. وإذا بطلت الأقسام كلها كان له حكم الاستقلال بنفسه، فيعرب بما تعرب به سائر الفضلات كالحال والتمييز والمفعول وما شاكل ذلك وأما العطف بالحرف (١) فظاهر جدا. ولا عطف البيان (٢)، لأن حقيقته أن يكشف عن المراد كشف الصفة، والأمر هنا على العكس.
[إملاء ٨٨]
[المنادى يشمل المحسوس وغيره]
وقال: قولنا (٣): " المنادى هو المطلوب إقباله بحرف نائب مناب أدعو". فالمطلوب إقباله يشمل المحسوس وغيره كقولهم: يا زيد، ويا الله، وشبهه.
[إملاء ٨٩]
[مسألة في وجوب تقديم المبتدأ]
وقال ممليا على قوله (٤): "وإذا كان المبتدأ مشتملا على ماله صدر الكلام مثل: من أبوك؟ ": فـ"من" مبتدأ و"أبوك" خبره (٥). وكذلك: من
_________________
(١) في س: بحرف.
(٢) في س: بيان.
(٣) الكافية ص٥.
(٤) الكافية ص٤.
(٥) قال الرضي: "مبني على مذهب سيبويه، وذلك لأنه يخبر عنده بمعرفة عن نكرة مضمنة استفهاما أو نكرة هي أفعل تفضيل مقدم على خبره، والجملة صفة لما قبلها نحو: مررت برجل أفضل منه أنوه. وغير سيبويه على أن مثل هذين خبران مقدمان". شرح الكافية١/ ٩٧.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
زيد؟ من عمرو؟ لأنهما معرفتان، فوجب أن يكون السابق هو المبتدأ كقولك: أزيد أبوك؟ وقد يتخيل أنه خبر لضرورة الاستفهام لوجهين (١): أحدهما: أن قولك: من زيد؟ معناه النجار أم الخياط، فقد وقع "من" موقع الحكم، والحكم خبر، فما يقع موقعه خبر. والثاني: ما فيها من الإبهام وعدم التعيين، إذ هو صالح لكل واحد ممن يصلح أن يكون أبا على سبيل البدل، فكان كرجل.
والأول فاسد من وجهين (٢): أحدهما: أنه ليس بمثابة ما ذكره من الأحكام، بل لو أجابه بكنية أو لقب لكان مجيبا على المطابقة. ولو سلم ما ذكر فالصحيح أنه لو صرح بالحكم فقيل: الضارب زيد، لكان الضارب هو المبتدأ، فهذا أجدر. وأما الثاني: فغير مستقيم لأن الإبهام الذي في "من " إنما نشأ من قبل الاستفهام الذي فيه، لا من حيث كونه نكرة. ألا برى أنه بمعنى قولك: أزيد أبوك أم عمرو أم خالد؟ فتطرق الإبهام في هذه المسميات على المتكلم لا يوجب لها تنكيرا، فكذلك هذا. وجواب خذه الأسماء بالمعرفة مما يحقق كونها معرفة. كما أن جوابها بالأسماء مما يحقق كونها أسماء بالاتفاق، وهي بمعنى: أي الرجال، وأي الرجال: معرفة بالاتفاق، فكذلك هذا.
[إملاء ٩٠]
[معنى الفعل الماضي]
وقال ﵀: قولنا (٣): " الماضي ما جل على زمان قبل زمانك" أي:
_________________
(١) في ب، د: من وجهين.
(٢) ذكر ابن الحاجب أحد هذين الوجهين، ولم يذكر الآخر.
(٣) الكافية ص١٦.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
الماضي المجرد من القرائن في أصل وضعه. فإن قولنا: إن قام زيد قمت، هو ماض في الفظ. وقولنا: لم يقم، ماض معنى. فإنك لو أخذت "يقم" (١) عريا عن القرائن لم يدل على ماض أصلا.
[إملاء ٩١]
[إيراد على موضع من مواضع وجوب بقديم الخبر والجواب عنه]
وقال وقد أورد بعض الأصحاب على قوله في. المقدمة (٢): "وإذا تضمن الخبر المفرد ماله صدر الكلام مثل: أين زيد؟ " وكيف عمرو؟ وشبهه. فقال: معكم أمران، مل واحد منهما يقتضي التقديم، فلم ترجح أحدهما دون الآخر؟ فأجيب بأن المبتدأ وإن كان أصله التقديم إلا أنه على سبيل الجواز ما لم يكن مشتملا على ما يقتضي وجوب تقديمه. وأما هذا وما أشبهه فيقتضي التقديم وجوبا، والواجب مقدم على غير الواجب.
[إملاء ٩٢]
[إيراد على حد المعرب والجواب عنه]
وقال ممليا: إذا أورد على قولنا في المقدمة في حد المعرب (٣) "أي"، فإنها أشبهت مبني الأصل وهي معربة (٤). فجوابه: أن "أيا" لما كانت
_________________
(١) في س: يقوم. والصحيح ما أثبتناه.
(٢) الكافية ص٤.
(٣) الكافية ص٢.
(٤) إلا إذا كانت موصولة وحذف صدر صلتها وكان ضميرا، فتبنى على الضم وهذا مذهب سيبويه، انظر الكتاب١/ ٣٩٧. قال الرضي: " صلتها إما اسمية أو فعلية. والفعلية لا يحذف منها شيء فلا تبنى (أي) معها. والاسمية قد يحذف صدرها أعني المبتدأ بشرط أن يكون ضميرا راجعا إلى (أي). فلا يحذف المبتدأ في نحو: اضرب أيهم غلامه قائم وأيهم زيد غلامه". شرح الكافية ٢/ ٥٧. ويفهم من كلام سيبويه أن الإعراب مع حذف الصدر لغة جيدة. الكتاب ٢/ ٣٩٩. ومذهب الخليل ويونس والكوفيين أنهاه معربة مطلقا، وتمسكوا بقراءة نصب: "أي" في قوله تعالى: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد﴾ وهي قراءة هارون القارئ. انظر مشكل إعراب القرآن ٢/ ٤٥٨.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
مضافة والإضافة من خواص الأسماء قابلت ذلك الشبه، فرجع الاسم إلى أصله في الإعراب، إذ أصله ذلك على ما قرر.
[إملاء ٩٣]
[إيراد على حد الحرف والجواب عنه]
وقال ممليا: إذا أورد على قولنه في حد الحرف (١): " ما دل على معنى في غيره" الأسماء المشتركة (٢) فإنه لا يفهم مدلولها إلا بالقرينة، وكذلك الحرف فإنه لا يفهم معناه إلا بذكر متعلقه معه. فجوابه: أن الأسماء المشتركة ليس من شرط استعمالها لفظ آخر يقترن بها، بل قد يكون قصد المتكلم الإبهام. ومن ثم يجيء كثير من المشتركات يجوز فيها الأمران، أعني كل واحد من مدلوليها، كقوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ (٣). وليس كذلك في الحرف، فإنه لا يستقيم أن نقول: خرجت من.
[إملاء ٩٤]
[إيراد على حد العطف والجواب عنه]
وقال ممليا على قوله (٤): " العطف تابع يتوسط بينه وبين متبوعه أحد
_________________
(١) الكافية ص١٩.
(٢) أي: الأسماء التي لها أكثر من مدلول نحو: عين.
(٣) البقرة: ٢٢٨. والقرء: الطهر والحيض. اللسان (قرأ).
(٤) الكافية ص١٠. وعبارتها: " العطف تابع مقصود بالنسبة مع متبوعه يتوسط بينه وبين متبوعه أحد الحروف العشرة". وهذه الحروف هي: الواو، والفاء، وثم، وحتى، وأو، وأم، ويل، ولكن، ولا، وليس.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
الحروف العشرة": وهذا يرد عليه: جاء زيد العالم والعاقل، فإنه تابع توسط بينه وبين متبوعه أحد الحروف العشرة، وليس بعطف في التحقيق وإنما هو باق على ما كان عليه في الوضعية. وإنما حسن دخول حرف العطف لنوع من الشبه بالمعطوف ولما بينهما من التغاير.
[إملاء ٩٥]
[معنى المفرد في قوله: الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد]
وقال ممليا: المفرد يطلق باعتبارات ثلاثة في قولنا (١): " الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد": المفرد ضد الموكب، والمفرد ضد المضاف، والمفرد ضد المثنى والمجموع. فقولنا: " لفظ وضع لمعنى مفرد"، المراد به ههنا ضد المركب، والمراد بالمركب كلمتان فصاعدا أسندت إحداهما إلى الأخرى إسنادا يفيد المخاطب ما لم يكن عنده في ظن المتكلم. فإذا ورد على قولنا: مفرد، قام وشبهه، فإنه لفظة تدل على معنى مركب وهو الحدث والزمان، فصار بمثابة قولك: قام زيد، في الدلالة على التركيب، فقد بطل حد الكلمة. فجوابه ما قيدنا به قولنا: إن المفرد المراد به ههنا ضد المركب، وقد فسرنا المركب، فعلى هذا "قام" داخلة في الحد، وكذلك: غلام زيد، وكذلك: بعلبك، وكذلك: الزيدان والزيدون، وما أشبه ذلك.
_________________
(١) الكافية ص٢.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
[إملاء ٩٦]
[الفعل المتعدي قد لا يحتاج إلى مفعول به]
قوله (١): "وهو في غير الموجب ليفيد". قال ممليا [بدمشق سنة ست وعشرين وستمائة] (٢):أي: تحصل عنه الإفادة، ولم يحتج إلى ذكر مفعول لأنه خرج مخرج قولهم: فلان يعطي ويمنع، وفلان جاد وأفاد. والمعنى: حصل منه الإعطاء والمنع والإفادة والجود. ومن ثم لم يحتج إلى ذكر مفعول به لا ملفوظا به ولا مقدرا.
[إملاء ٩٧]
[عدم جواز استعمال "من" تامة وصفة]
قوله (٣): " ومن كذلك إلا في التمام والصفة". يعني: أنها لا تستعمل تامة كاستعمالهم "ما" في مثل قوله: ﴿فنعما هي﴾ (٤). ولا تستعمل صفة في مثل قولهم: اضربه ضربا ما، ولم يرد أنها لا تكون [موصوفة] (٥) فإنهما تكونان
_________________
(١) الكافية ص٨.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) الكافية ص ١٢.
(٤) البقرة: ٢٧١. قال الزمخشري: (ما) في: نعما، نكرة غير موصولة ولا موصوفة" الكشاف١/ ٣٩٧.
(٥) زيادة من عندي حتى يستقيم الكلام.
[ ٢ / ٦١٠ ]
موصوفتين على ما ذكر في " في" (١). والله أعلم بالصواب (٢).
* * *
_________________
(١) معنى كلامه: أن (من) تأتي موصولة واستفهامية وشرطية وموصوفة ك " ما" ولا تأتي تامة. أي: نكرة غير موصوفة، ولا صفة. ونقل الرضي عن أبي علي أنه جوز كونها نكرة غير موصوفة، أي: تامة. انظر شرح الكافية٢/ ٥٥.
(٢) بعدها في نسخة الأصل: هذا آخر ما أملاه على المقدمة مفرقا بالقاهرة وبالقدس وبدمشق. فرغ من نسخه عبد الرحمن بت يحيى بن عمر التبريزي المذهبي. غفر الله له ولوالديه ظهيرة يوم الثلاثاء ٩المحرم المبارك لسنة اثنتين وثمانين وستمائة في مدينة دمشق المحروسة. حامدا مصليا مسلما مستغفرا. .
[ ٢ / ٦١١ ]