[ ١ / ٢٨٩ ]
[إملاء ١] [حد الكلمة]
[إملاء ١]
[حد الكلمة]
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين. قال الشيخ ﵀ ممليًا بدمشق سنة عشرين وستمائة: قول الزمخشري (١): "الكلمة هي اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع".
الأولى أن يقال: اللفظ الدال، لأن قوله: اللفظة، إما أن يريد به اللفظ باعتبار حقيقته من غير قصد إلى متميز منه كالضرب، وإما أن يريد المتميز منه كالضربة. فإن أراد الأول فليس بمستقيم، لأن اللفظة كالضربة، فكما لا تطلق الضربة على معنى الضرب فكذلك لا تطلق اللفظة على معنى اللفظ. وإن أراد به معنى الضرب فليس بمستقيم لأنه لابد من تحقق تميزها كتميز مدلول الضربة والجلسة. وإذا لم يكن بد من تميزها، فكل ما يقدر تميزها به إن كان منتهى ما يمكن تقديره في الزيادة ورد عليه [ما] (٢) دونه، وإن كان منتهى القلة ورد عليه ما فوقه، وإن كان متوسطًا ورد عليه ما فوقه وما تحته جميعًا. فإنه إن قدر اللفظة مثلًا ما هو عشرة أحرف ورد عليه ما دونها. وكذلك الباقي (٣). والله أعلم.
_________________
(١) المفصل ص ٦.
(٢) زيادة من ب، د.
(٣) قال ابن الحاجب في الإيضاح: "وقوله: اللفظة، إن أراد أقل ما ينطلق عليه اللفظ،
[ ١ / ٢٩١ ]
[إملاء ٣] [حد التوابع]
[إملاء ٢]
[العلم الواقع على الجنس]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الزمخشري (١): "فإنه موضوع للجنس بأسره":
غير مستقيم، لأنه إما إن يريد أنه موضوع له باعتبار شموله للجنس فليس كذلك. فإن قولنا: قتله أسامة، لا يدل على ذلك. وإما أن يريد أنه موضوع لكل واحد من أحاده، فهو أيضًا غير مستقيم (٢)، لأن الموضع موضع يراد فيه تبين وجه علميته، وما ذكره تقرير الشبهة الواردة على علميته.
[إملاء ٣]
[حد التوابع]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في التوابع (٣): "هي الأسماء التي لا يمسها الإعراب إلا على سبيل التبع لغيرها":
غير جيد لوجيه: أحدهما: أنه ذكر لفظ التبع فيه، ومن جهل التابع جهل التبع. والآخر: أنه بينه بما يتوقف عليه، لأن الغرض أن يعرف التابع فيعطي إعراب متبوعة، فإذا عرفناه بإعراب متبوعه جر ذلك إلى الدور.
_________________
(١) المفصل ص ٩. والعبارة فيه: فإن العلم فيه للجنس بأسره.
(٢) في س: فليس بمستقيم.
(٣) المفصل ص ١١٠.
[ ١ / ٢٩٢ ]
[إملاء ٤]
[مسألة في "إذ" و"إذ"]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة سبع عشرة على قول الزمخشري (١): "وقد استقبحوا: إذ زيد قام".
لأنه يلزم منه تغيير خبر الجملة الاسمية عن الاسم إلى الفعل من غير فائدة. ألا ترى أنك إذا قلت: إذ زيد قائم، فهم منه ما يفهم من قولك: إذ زيد قام، وليس كذلك: زيد قام، من غير إذ، لأن هذا التغيير لغرض إفادة المضي، ولا يفيده الخبر إذا كان اسمًا، فلا يلزم من صحة تغيير الخبر إذا كان اسمًا لغرض مستقيم صحة تغيير لا لغرض مستقيم (٢). فإن قيل: فقد قالوا: إذا زيد يقوم، ولم يستقبحوه. فالجواب: أن ذلك غير لازم، لأن المذهب المعمول عليه أن "إذا" لا يقع بعدها إلا الفعل، فزيد فاعل وليس بمبتدأ (٣)، ويقوم: مفسر للفعل المحذوف، حتى لو جعل (٤) موضعه اسم لم يجز، فلا يرد على هذه القاعدة أصلًا، لأنه واجب أن يكون فعلًا وواجب أن يكون الاسم قبله فاعلًا لأمر مناسب وهو اقتضاؤها الفعل وتفسير المحذوف بفعل بعد الاسم. فإن قيل: فقد قيل: إن "زيد" بعد إذا مبتدأ، وما بعده خبر، فكيف استقام ذلك على هذا المذهب، ولم يستقم: إذ زيد قام؟ قلت: لا التزم توجيه المذاهب الرديئة. ثم أقول على تقدير الالتزام: إن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الفعل المضارع أقرب إلاى الاسم من الماضي، فجاز وقوعه موقعه لقربه ومشابهته له، والذي يؤكده قولهم: جاء زيد يضرب، موضع "ضاربًا". ولا يقولون: جاء زيد
_________________
(١) المفصل ص ١٧٠.
(٢) انظر الإيضاح لابن الحاجب ١/ ٥١١.
(٣) خلافًا للأخفش. مغني اللبيب ١/ ٩٧ (دمشق).
(٤) في الأصل وفي م، س: جعلت. والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٢٩٣ ]
ضرب (١)، إلا مع قرينة أخرى تشعر بالحالية (٢)، فلا يلزم من وقوع المضارع موقع الاسم لمشابهته له وقوع الماضي مع بعده عنه. والوجه الثاني: أن "يقوم" لا دلالة له على الاستقبال صريحًا، و"قام" في: إذ زيد قام، صريح في المضي، ولذلك لا يحسن: إذا زيد سيقوم، فلا يلزم من امتناع وقوع ما يدل على ما دل عليه الأول امتناع وقوع ما لا دلالة له على ما دل عليه الأول.
[إملاء ٥]
[حقيقة التمييز المنتصب عن الجملة]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة عشرين وستمائة على قوله في المفصل في التمييز لما ذكر المنتصب عن المفرد والجملة، وأن قوله: ﴿ومن أحسن قولا﴾ (٣). ﴿ومن أصدق من الله حديثا﴾ (٤). أن التمييز فيه منتصب عن جملة، مثله في: طاب زيد أبا (٥).
وهذا ليس بمستقيم، لأن حقيقة التمييز المنتصب عن الجملة أن يكون مبينًا للإبهام الناشئ عن النسبة فيها، كقولك: حسن زيد وجهًا. ومعلوم أنك إذا قلت: زيد حسن وجهًا، أنه ليس منصوبًا عن الإبهام الناشئ من نسبة الخبر إلى المبتدأ، بل من الإبهام الناشئ من نسبة الصفة إلى الضميرن ويبين لك ذلك قولك: زيد حسن غلامه وجهًا، وليس انتصاب "وجهًا" ههنا بملبس في أنه عن نسبة شيء إلى زيد، وإنما هو عن نسبة الحسن إلى الغلام؛ كذلك إذا
_________________
(١) وقد أجاز الكوفيون ذلك، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش من البصريين. انظر الإنصاف في مسائل الخلاف مسألة ٣٢.
(٢) وذلك إذا دخلت عليه قد، أو كان وصفًا لمحذوف. انظر الإنصاف مسألة ٣٢.
(٣) فصلت: ٣٣.
(٤) النساء: ٨٧.
(٥) المفصل ص ٦٥.
[ ١ / ٢٩٤ ]
قلت: زيد حسن وجهًا، لأنك تعلم أن نسبة الحسن إلى الضمير كنسبته إلى الغلام، وإذا وضح أن "وجهًا" في قولك: زيد حسن غلامه وجهًا، منتصب عن نسبة الحسن إلى الغلام علمت أن وجهًا في قولك: زيد حسن وجهًا، منتصب عن نسبة حسن إلى الضمير. وإنما جاء الوهم من جهة أن مدلول الضمير ومدلول الاسم المتقدم واحد، فتوهم لذلك أنه مثل: حسن زيد وجهًا، لاتحاد الذات المنسوب إليها (١) الحسن، وهو وهم على ما تقدم.
وإذا وضح ذلك في: زيد حسن وجهًا، فقوله: (ومن أصدق)، (ومن أحسن)، مثله لأن في "أصدق" ضميرًا مرفوعًا (٢) بـ "أصدق" منسوبًا (٣) إليه الأصدقية موازنًا (٤) للضمير في قولك: زيد حسن. وإذا وجب ذلك في: زيد حسن وجهًا، باعتبار ما ذكرناه، وجب في: (ومن أحسن قولًا)، لأنهما سواء في الغرض الذي قصدناه. والله أعلم.
[إملاء ٦]
["إذا" الظرفية المتضمنة معنى الشرط]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة عشرين وستمائة على قوله في المفصل (٥) على قول الشاعر:
ومن فعلاني أنني حسن القرى إذا الليلة الشهاء أضحى جليدها (٦)
_________________
(١) في الأصل وفي ب، د، م: إليه. وما أثبتناه من س. وهو الصواب لأن الضمير يعود على الذات، وهي مؤنث.
(٢) في الأصل وفي ب، د: ضمير مرفوع. والصواب ما أثبتناه لأنه اسم أن.
(٣) في الأصل وفي ب، د: منسوب. والصواب ما أثبتناه لأنه تابع لما قبله.
(٤) في الأصل وفي ب، د: موازن. والصواب ما أثبتناه لأنه تابع لما قبله.
(٥) ص ٢٦٦.
(٦) هذا البيت من الطويل. وقد نسبه الزمخشري لعبد الواسع بن أسامة، وكذلك ابن يعيش ٧/ ١٠٣. وهو من شواهد همع الهوامع ١/ ١٦٦. واستشهد به الزمخشري على وقوع (أضحى) تامة بمعنى الدخول في وقت الضحى.
[ ١ / ٢٩٥ ]
"إذا" ههنا ظرف فيه معنى الشرط، والليلة الشهباء: تقدر على وجهين: أحدهما: مذهب سيبويه، وهو أنه مرفوع بفعل مقدر دل عليه ما بعده (١)، تقديره كتقدير: ﴿إذا السماء انشقت﴾ (٢) تقديره: إذا انشقت السماء، لاقتضاء ما فيها من معنى الشرط للفعل، وتقديره في البيت: إذا أضحى جليد الليلة الشهباء، أو إذا لويست الليلة الشهباء، ثم فسر الملابسة بقوله: أضحى جليدها، كقولك: إذا زيدًا تلقى غلامه فأكرمه، كأنك قلت: إذا لابست زيدًا، ثم فسرت الملابسة بملابسة خاصة، وهو كقولك: لقيت غلامه. والوجه الثاني: قول الأخفش (٣) أن يكون مبتدأ، ما بعده من الفعل خبره، والتزموا الفعل خبرًا تنبيهًا على اقتضاء "إذا" للشرط كما التزموا في خبر إن الواقعة بعد "لو" الفعل لما تقتضيه "لو" من ذلك، وعليه حمل قوله: ﴿إذا السماء انشقت﴾ (٤). وكلا القولين سائغ. فالأولى تجويزهما من غي رد لأحدهما، والذي يدل على تجويز الأمرين الأطباق في جواز الرفع في قوله:
إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته (٥).
_________________
(١) انظر الكتاب ١/ ١٠٦.
(٢) الانشقاق: ١.
(٣) هو سعيد بن مسعدة أبو الحسن. أخذ النحو عن سيبويه وكأن أكبر منه، وصحب الخليل أولًا، وكان معلمًا لولد الكسائي. من مصنفاته: كتاب الأوسط في النحو، وكتا الاشنقاق، وكتاب المقاييس، وكتاب معاني الشعر. انظر إنباه الرواة ٢/ ٣٦، بغية الوعاة ١/ ٥٩٠.
(٤) الانشقاق: ١.
(٥) هذا صدر بيت من الطويل عجزه: فقام بفأس بين وصليك جازر. وهو لذي الرمة. انظر ديوانه ص ٣٤٠. والخطاب لناقة بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري. ويروي بنصب (ابن) ورفعه. قال سيبويه: "والنصب عربي كثير والرفع أجود" ١/ ٨٢. والبيت من شواهد المقتضب ٢/ ٧٧ والرضى ١/ ١٧٤ والخزانة ١/ ٤٥٠ والإيضاح لابن الحاجب ١/ ٣١١. والشاهد فيه جواز نصب ورفع (ابن). فالرفع على الابتداء، والنصب بفعل محذوف.
[ ١ / ٢٩٦ ]
[إملاء ٧] [حذف المضاف]
ولو كان تقدير الفعل واجبا لم يجز الرفع بحال، إذ التقدير حينئذ: إذا بلغت، فيتعين النصب.
وأما العامل فيها فيجيء على الخلاف في أن العامل في "إذا" فعلها أو جوابها. فإن كان جوابها فتقديره: حسن قراي، دل عليه قوله: حسن القرى. وجواب الشرط يحذف إذا تقدم ما يدل عليه، كقولك: آتيك إن تأتني. وإن كان شرطها فواضح (١).
ويجوز أن تقدر ظرفًاعريا عن الشرطية كما في قوله: ﴿والليل إذا يغشى﴾ (٢). ﴿والليل إذا سجى﴾ (٣)، وأشباهه. ويكون العامل فيها: حسن القرى، كأنه قال: يحسن قراي في زمن إضحاء جليد الليلة الشبهاء. والله أعلم.
[إملاء ٧]
[حذف المضاف]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (٤) على قول الشاعر:
أكل امرئ تحسبين أمرًا ونار توقد بالليل نارًا (٥)
"أكل امرئ وأمرًا" مفعولان لتحسبين. وقوله: نار، عند سيبويه مخفوض على حذف المضاف الذي هو: كل، لدلالة الأول عليه وإرادته موجودًا مقدرًا،
_________________
(١) لقد تحدث ابن الحاجب عن هذه المسألة. وكان رأيه أن العامل في "إذا" فعلها. انظر الإملاء (١٦) والإملاء (٤٩) من الأمالي القرآنية. ص: ١٣١، ١٨٥.
(٢) الليل: ١.
(٣) الضحى: ٢.
(٤) ص ١٠٦.
(٥) لقد سبق الحديث عن هذا البيت في الإملاء (١٨) من الأمالي القرآنية. ص: ١٣٤.
[ ١ / ٢٩٧ ]
فلذلك بقى المضاف إليه على إعرابه (١). وهذا وإن كان على خلاف قياس حذف المضاف مخصوص عنده بكل ومثل إذا قصد بها التحقيق لا التشبيه، كقولك: ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك. وإنما اختصتا بذلك من حيث كانا لذات واحدة في المعنى، فلما تقدم ما يدل على ذلك اغتفر أمر الحذف وبقي أثره على ما كان عليه. فعلى ذلك لا يكون قوله: ونار توقد بالليل نارًا، عطفا على عاملين من حيث كان "نار" مخفوضا بكل مقدرة في حكم الوجود، فكأنه قال: وكل نار. ولو صرح وقال: وكل نار، لم يكن عطفا على عاملين اتفاقا، فكذلك إذا كان "كل" مرادًا وجودها، لأنه يكون عطفا على معمولي "تحسبين" خاصة، وهو عامل واحد. وكثير من النحويين لا يقدر تقدير سيبويه لأنه عنده يوجب إعرابه بإعراب المحذوف على القياس المعروف في حذف المضاف، فيجعله معطوفًا على أمرئ المخفوض أولًا، ويجعل نارًا المنصوبة معطوفا على "امرأ"، ويجوز هذا الضرب من العطف على عاملين وهو أن يكون الأول منهما مخفوضًا، وأن يكون المعطوف جاء على الترتيب الأول كقولك: في الدار زيد والحجرة عمرو، وأشباه ذلك. وسيبويه يمنع في هذه المسائل. وقد استدل القائلون بها بمثل قوله تعالى: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ (٢)، إلى آخر الآية. وهو ظاهر فيما ذكروه، لأنه تقدم: ﴿وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات﴾ (٣)، على الرفع والنصب، كلاهما سواء. ثم قال: واختلاف، فطعفه على خلقكم. ثم قال: آيات، بالرفع عطفا على آيات التي مع (وفي خلقكم) وبالنصب
_________________
(١) قال سيبويه: "فاستغنيت عن تثنية كل لذكرك إياه في أول الكلام، ولقلة التباسه على المخاطب". الكتاب ١/ ٦٦. والمراد بالتثنية ذكره ثانيًا.
(٢) الجاثية: ٥ وبعدها: "وما أنزل الله من السماء من رزق فأحي ابه الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون".
(٣) الجاثية: ٤.
[ ١ / ٢٩٨ ]
عطفا عليها إذا كانت منصوبة، وهذا عطف على عاملين (١). واستشهد أيضًا بالبيت المذكور، وبقولهم: ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة (٢). ومنه قوله عند هؤلاء: ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ (٣)، ثم قال: ﴿والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها﴾ (٤).
وسيبويه يتأول ذلك كله فرارًا من العطف على عاملين. فتأول البيت كما ذكر، وكذلك: ما كل سوداء (٥)، وما مثل أخيك ولا أبيك. وتأول: ﴿اختلاف الليل والنهار﴾، على أنه هو المعطوف وحده، و(آيات) جرى تأكيدا للأول كما تقول: جاءني زيد زيد، فتكرار (آيات) كتكرار زيد. ويتأول قوله: ﴿والذين كسبوا السيئات﴾، على أنه مبتدأ خبره: (جزاء سيئة بمثلها)، أي: لهم جزاء سيئة، فيكون قد عطف جملة على جملة، وغيره لا يحتاج إلى شيء من هذه التأويلات كلها لتجويزه هذا النوع من العطف على عاملين، فيحمل الباب كله على ظاهره من غير تأويل.
[إملاء ٨]
[الترخيم في غير النداء]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الزمخشري في مفصله (٦):
_________________
(١) انظر إملاء (١٨) من الأمالي القرآنية. ص: ١٣٤.
(٢) قال ابن يعيش: "موضع الشاهد أن ترفع (كل) بما)، وتخفض سوداء بالإضافة، والفتحة علامة الخفض لأنه لا ينصرف، وثمرة منصوب لأنه خبر ما، وبيضاء مخفوض أيضًا على تقدير كل". شرح المفصل ٣/ ٢٧.
(٣) يونس: ٢٦.
(٤) يونس: ٢٧.
(٥) قال سيبويه: "ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة. وإن شئت نصبت شحمة، وبيضاء في موضع جر كأنك أظهرت كل، فقلت: ولا كل بيضاء". الكتاب ١/ ٦٥.
(٦) ص ٢٢٧.
[ ١ / ٢٩٩ ]
أو ألفا مكة من ورق الحمى (١)
رخم في غير النداء على غير قياس الترخيم (٢)، لأن قياس الترخيم في مثل ذلك أن تحذف الميم، وتبقى الألف على حالها. فشذوذه من وجهين، فلذلك كان أضعف من الترخيم على قياسه في غير النداء. والوجه الآخر الذي هو على غير قياس الترخيم قلبه الألف ياء أو حذفها، فتكون الياء ياء الإطلاق وكلاهما شاذ.
[إملاء ٩]
[الحال من المعرفة أولى من النكرة المقدمة عليها]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله في المفصل (٣).
لعزة موحشًا طلل قديم عفاه كل اسحم يستديم (٤)
يجوز أن يكون "موحشًا" حالًا من الضمير في "لعزة" وإن كان عائدًا على
_________________
(١) هذا الرجز للعجاج. وقبله: ورب هذا الحرم المحرم: القاطنات البيت غير الريم. انظر ديوانه ١/ ٤٥٣ (تحقيق عبد الحفيظ السطلي). وهو من شواهد سيبويه ١/ ٢٦. والخصائص ٢/ ٤٧٣. وابن يعيش) / ٧٥. وأمالي القالي ٢/ ١٩٩ (دار الفكر). والشاهد فيه قوله: الحمى، حيث رخمه في غير النداء على غير قياس الترخيم. واستشهد به الزمخشري على أن (أو ألفا) وهو جمع اسم الفاعل قد عمل عمله فنصب (مكة). والورق: جمع ورقاء وهي الحمامة إذا كان في لونها غبرة.
(٢) وذلك في قوله: الحمى. فأصله الحمام، حذف الميم، فصار الحما، ثم قلب الألف ياء.
(٣) ص ٦٣.
(٤) هذا البيت من الوافر. وينصب لذي الرمة، وليس في ديوانه. وهو شواهد ابن يعيش ٢/ ٦٤. وخزانة الأدب ١/ ٥٣١. والخصائص ٢/ ٤٩٢. والرضى ١/ ٢٠٤ وقد استشهد به الزمخشري على تقدم الحال على صاحبها المنكر. ولم يذكر الزمخشري إلا الشطر الأول منه. ورواية البيت المشهورة: مستديم.
[ ١ / ٣٠٠ ]
النكرة، لأن ضمير النكرة معرفة خلافًا لبعض النحويين (١). وإذا كان معرفة فجعل الحال من المعرفة أولى من جعلها من النكرة مقدمةً عليها، لأن هذا هو الكثير الشائع، وذاك قليل نادر، فكان أولى.
[إملاء ١٠]
[إيراد على حد المبني والجواب عنه]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله في المفصل في المبني (٢): "هو الذي سكون آخره وحركته لا يعامل".
قال: توهم بعض طلبة الأدب أن عصا وموسى، سكون آخره لا بعامل، وهو معرب باتفاق. والجواب: أن هذا له حركة في الآخر بعامل، وهي حركة مقدرة، إذ لا فرق بين اللفظية والتقديرية، فليس حركة آخره بغير عامل، فقد خرج عن قوله: سكون آخره وحكرته لا بعامل، لأنه له حركة بعامل. والمراد بقوله: سكون آخره وحركته، اللفظية إن لم يكن تقدير، والمقدرة إن كانت فيهما جميعًا. فإن كانت بعامل فهو المعرب وإلا فهو المبني، ولذلك نقول في قولك: سري ودعا، إنه مبني على الحركة المقدرة، إذ أصله سري ودعو، وكذلك عصا وبابه يجب أن يكون معربًا.
_________________
(١) اختلف النحويون في الضمير الراجع إلى النكرة هل هو نكرة أو معرفة؟ على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه نكرة مطلقا، والثاني: أنه معرفة مطلقًا. والثالث: أن النكر التي يرجع إليها ذلك الضمير إما أن تكون واجبة التنكير أو جائزته، فإن كانت واجبة التنكير فالضمير نكرة، وإن كانت جائزة فالضمير معرفة. فمثال الأول: ربه رجلًا. ومثال الثاني: جاءني رجل وأكرمته. انظر شرح شذور الذهب لابن هشام ص ١٣٤، وانظر الإملاء (٦١) من الأمالي الملطقة. ص: ٧٥١.
(٢) ص ١٢٥.
[ ١ / ٣٠١ ]
[إملاء ١١]
[الضمير في قوله: ربه رجلًا]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله في المفصل (١) في فصل: "ربه رجلًا":
الضمير في قوله: ربه رجلا، ليس بنكرةن وإنما كان حكمه حكم النكرات باعتبار كونه مبهما أطلق عليه النكرة لذلك، ولذلك لم يوصف لأنه ضمير بلا خلاف، والضمائر لا توصف.
وقال أيضًا في هذا الضمير: إنه مفرد على كل حال لأنه مضمر على خلاف القياس، أتى به لغرض الإبهام، فوجب أن يكون مفردًا قياسًا على نعم (٢).
[إملاء ١٢]
[تعلق اللام في قول الزمخشري: ولأن المتصل أخصر]
وقال أيضًا ممليًا: إن اللام في قوله (٣): "ولأن المتصل أخصر" تتعلق بمعنى قوله: "لم يسوغوا تركه"، لأن التعليل لنفي التسويغ لا للتسويغ.
[إملاء ١٣]
[فائدة ضمير الفصل]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله في المفصل (٤):
_________________
(١) ص ١٣٤.
(٢) قال ابن الحاجب في الإيضاح: "فالبصريون يفردونه في جميع وجوهه فيقولون: ربه رجلا وربه امرأة. والكوفيون يقولون: ربه رجلا وربها امرأة وربهما رجلين وربهما رجالًا. ومذهب أهل البصرة هو الجاري على القياس، لأنه مضمر مبهم فيجب أن يتحد في جميع وجوهه قياسًا على الضمير في نعم" ١/ ٤٧٤.
(٣) ص ١٢٧.
(٤) ص ١٣٣.
[ ١ / ٣٠٢ ]
"وليفيد ضربًا من التوكيد": أي: ليفيد بمجموعها فضل توكيد لا يكون في الإفراد، أي: بمجموع الأول والفصل. فإذا قلت: زيد هو أفضل من عمرو، فالضمير الذي هو [هو] (١) وزيد مجموعهما فيه تأكيد ومبالغة. ولذلك قال سيبويه (٢): زيد هو أفضل من عمرو، آكد من قولك: زيد أفضل من عمرو. وذلك أن هو في المسألة المفروضة راجع إلى زيد فكأنه ذكر مرتين، وذكر الشيء مرتين أبلغ من ذكره مرة واحدة.
[إملاء ١٤]
[توضيح كلام للزمخشري في حديثه عن الأسماء المبنية]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله في المفصل (٣): "وأنا أسوق إليك عامة ما بنته العرب من الأسماء إلا ما عسى يشد منها":
الاستثناء منقطع ولا يستقيم أن يكون متصلا، لأنه لو كان متصلًا لم يخل إما أن يكون من قوله: عامة، أو من قوله: ما بنته العرب، أو من قوله: الأسماء. ولا يستقيم واحد منها، لأنه لو كان من "عامة" لصار المعنى: أنا أسوق الأكثر إلا الشاذ، فيكون قد بقي شيء جاء به ليس بشاذ، ولم يرد ذلك. وإن كان من قوله: ما بنته، صار المعنى: أني أذكر أكثر المبنيات التي ليست بشاذة، فيلزم أن يكون قد ترك شيئًا ليس بشاذ، لأن أكثر ما ليس بشاذ بعضه، وإذا لم يذكر إلا بعض ما ليس بشاذ لزم منه أن يكون قد ترك بعض ما ليس بشاذ. ولا يستقيم أن يكون من قوله: من الأسماء، لأنه تفسير لقوله: ما بنته، وقد تبين بطلان رجوع الاستثناء إليه، فيلزم بطلانه في رجوعه إلى تفسيره، لأن المعنى فيهما واحد.
_________________
(١) سقطت هذه الكلمة من الأصل.
(٢) لم أعثر على قوله هذا في الكتاب.
(٣) ص ١٢٦.
[ ١ / ٣٠٣ ]
[إملاء ١٥]
[وجه نصب ورفع فعل مضارع واقع بعد واو العطف]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة وستمائة على قوله في المفصل (١) في بيت كعب الغنوي وهو قوله:
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ويغضب منه صاحبي بقؤول (٢)
الواو في "ويغضب" ليست واو الجمع (٣)، وإنما هي واو العطف، وذكرها وإن لم يكن بابها لموافقتها لواو الجمع في وجهي الرفع والنصب، وكذلك فعل في الفاء.
ووجه النصب أنه معطوف على قوله: للشيء، فلابد من تقديره اسمًا ليصح عطفه (٤) على الاسم، ولا يتقدر اسمًا إلا بحرف المصدر الذي هو: ما أو كي أو أن. بطل أن يكون "كي" لفساد المعنى، لأن "كي" للتعليل وأن الأول سبب للثاني وهو يخل بالمعنى. وبطل أن يكون "ما"، إذ ليس لها عمل، فلا يكون في اللفظ إشعار بالمقصود، فوجب أن يكون "أن"، مثل قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل﴾ (٥). فقوله: أو يرسل، معطوف على (وحيا)، إذ المعنى: إلا وحيًا أو إرسالًا. ولا
_________________
(١) ص ٢٤٩.
(٢) البيت من الطويل وهو من شواهد الكتاب ٣/ ٤٦. والمقتضب ٢/ ١٩. وابن يعيش ٧/ ٣٦. والخزانة ٣/ ٦١٩. والرضى ٢/ ٢٤٩. واللسان (قول). والشاهد فيه جواز الرفع والنصب في قوله: ويغضب. قال سيبويه: "والرفع أيضًا جائز حسن". ثم قال: "ويغضب معطوف على الشيء، ويجوز رفعه على أن يكون داخلًا في صلة الذي". الكتاب ٣/ ٤٦.
(٣) أي: واو المعية.
(٤) عطفه: سقطت من ب، د، س.
(٥) الشورى: ٥١.
[ ١ / ٣٠٤ ]
يستقيم عطفه على (أن يكلمه) لفساد المعنى، إذ يؤدي إلى أن يكون: وما كان لبشر أن يكلمه الله أو يرسل رسولًا، وهو فاسد (١).
ولا يستقيم أن يكون "ويغضب" على النصب (٢) معطوفًا على "نافعي" في قوله: ليس نافعي ويغضب، كقولك: ما تأتيني وتحدثني، لأمر معنوي وهو أنه يصير المعنى: لا ينفعني ولا يغضب صاحبي، وليس الغرض كذلك، بل الغرض نفي النفع عنه وغثبات الغضب للصاحب لينفيه المتكلم عنه، فوجب أن يكون معطوفًا على الشيء، فيكون تقديره: وما أنا للشيء ولغضب (٣) صاحبي بقؤول (٤)، إلا أنه يحتاج في استقامته إلى حذف مضاف، لأن غضب صاحبه ليس بمقول حتى يصح تعلق القول به، فيكون التقدير: ولسبب غضب صاحبي بقؤول.
والرفع له وجه واحد وهو أن يكون معطوفًا على الجملة التي هي: ليس نافعي، داخلًا في حكم الصلة، ولذلك احتيج فيه إلى مضمر يعود إلى الموصول وهو الهاء في "منه". والرفع أقوى (٥).
_________________
(١) انظر الإملاء (٨١) من الأمالي القرآنية. ص: ٢٢٧.
(٢) على النصب: سقطت من د.
(٣) في د، س: ويغضب. والصحيح ما أثبته لأن السياق يقتضيه.
(٤) قال ابن الحاجب: "فلم يبق إلا أن يكون واو العطف. وتكون عاطفة (الغضب) على قوله: للشيء. وإذا عطف الفعل على الاسم وجب تقديره بتأويل الاسم، ولا يقدر إلا بأن على ما تقدم، فيكون المعنى: وما أنا للشيء ولغضب صاحبي بقؤول". الإيضاح ٢/ ٢٨.
(٥) قال ابن الحاجب في الإيضاح: "والرفع أظهر من وجهين: أحدهما: أن عطف الفعل على اسم غير مصدر ضعيف. والآخر: أنه لا تقدير يلزم فيه بخلاف النصب، لأنه جملة معطوف على: ليس نافعي، فهي داخلة في حكم الصلة ولذلك احتيج فيها إلى ضمير يرجع إلى الذي، ووصلها بجملتين أحدهما منفية والأخرى مثبتة ولا بعد في ذلك" ٢/ ٢٩.
[ ١ / ٣٠٥ ]
[إملاء ١٧] [عطف البيان]
[إملاء ١٦]
[مسألة في العلم المنقول عن فعل الأمر]
وقال أيضًا ممليًا على قوله في المفصل (١): بوحش اصمت (٢):
قال بعض طلبة الأدب: ما المانع من أن يكون: بوحش اصمت، بكمالها اسم موضع؟ فقال: لا يجوز ذلك، لأنه لو كان كذلك لم يخل إما أن يكون من باب: تأبط شرًا (٣)، أو من باب: بعلبك (٤)، لا جائز أن يكون من الأولن إذ ليس بجملة باتفاق، ولا جائز أن يكون من الثاني، لأن هذا الباب اللغة الفصيحة أن يقول: هذا بعلبك ورأيت بعلبك ومررت ببعلبك، بفتح آخر الأول، فكان يجب فتح الشين، والاتفاق على كسرها، فدل على أنه مضاف ومضاف إليه وهو المقصود.
[إملاء ١٧]
[عطف البيان]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة إحدى وعشرين على المفصل (٥): اشترط
_________________
(١) ص ٧.
(٢) البيت بتمامه: أشلى سلوقية باتت وبات بها بوحش اصمت في أصلابها أود وهو من البسيط وقائله الراعي النميري. انظر شعره ص ٤٦ (جمعه وقدم له وعلق عليه ناصر الحاني. دمشق). وهو من شواهد ابن يعيش ١/ ٣٠، واللسان (صمت). وسلوقية: منسوب إلى سلوق موضع تنسب إليه الكلاب السلوقية. والأود: الإعوجاج. واستشهد به الزمخشري على أن (اصمت) اسم علم منقول عن فعل الأمر.
(٣) أي: إنه مركب تركيبًا إسناديًا.
(٤) أي: إنه مركب تركيبًا مزجيًا.
(٥) ص ١٢٢.
[ ١ / ٣٠٦ ]
الزمخشري في عطف البيان أن يكون أشهر من متبوعه، ولذلك قال: "وينزل من المتبوع منزلة الكلمة المستعملة من الغربية إذا ترجمت بها"، أي: إذا فسرت بها. يعني: أن عطف البيان يفسر متبوعه، إذ المتبوع كالغريب، ولذلك مثل بقوله:
أقسم بالله أبو حفص عمر (١)
فإن عمر أشهر من قولهم: أبو حفص، لما كان محتملًا غيره، والتابع كالمشهور، وليس ذلك بشرط، فإن الإنسان إذا قال: جاء أبو عمرو زيد، وكان ثم آخر اسمه أبو زيد خالد، وثم زيود كثيرة، فإنه يحصل الإيضاح والكشف وإن لم يكن أشهر. نعم الزمخشري بني الأمر على الأكثر.
[إملاء ١٨]
[رد على الزمخشري في حده المبني]
وقال أيضًا ممليًا على قوله في المفصل في المبني (٢): "وهو الذي سكون آخره وحركته لا بعامل":
هذا الحد ليس بمستقيم لأنه أتى في الحد بواو العطف. فإن قصد
_________________
(١) هذا صدر بيت من الرجز، وعجزه: ما مسها من نقب ولا دبر. وقد نسبه ابن حجر العسقلاني لعبد الله بن كيسبة النهدي. انظر الإصابة في تمييز الصحابة ٥/ ٩٦ (تحقيق على محمد البجاوي). ونسبه الزمخشري لعمر بن كيسبة النهدي، انظر ربيع الأبرار ونصوص الأخبار ١/ ٢٨٩ (تحقيق الدكتور سليم النعيمي). وانظر الصحابي لأحد بن فارس بن زكريا ص ٢٩٨ (تحقيق السيد أحمد صقر). وابن يعيش ٣/ ٧١، ونسبه لرؤية، وهو وهم.
(٢) ص ١٢٥.
[ ١ / ٣٠٧ ]
الجمع لم يستقم، إذ ليس شيء فيه سكون وحركة في آخره". وإن قصد معنى أو، كان فيه شذوذ لفظي في استعماله الواو بمعنى أو، واستعماله لفظة أو في الحد الواحد.
[إملاء ١٩]
[معنى حروف التحضيض]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل وفي حروف التحضيض (١): "تريد استبطاءه وحثه على الفعل". بعد قوله: "لولا فعلت كذا":
ليس يجيد، لأن الاستبطاء والحث على الشيء إنما يكون في الزمن المستقبل. وأما الماضي أو الحال فلا يتصور فيه حث، لأنه انقضى وتصرم، فكيف يتصور الحث عليه؟ وأما الحال فكذلك، لأن الفعل حالة الحث قائم بذات المطلوب منه ذلك، والحث عليه يستدعي تحصيله منه، والحاصل لا يحصل، وهذه الحروف إذا وقع بعدها الماضي كانت للتوبيخ، وإذا وقع بعدها المستقبل كانت للحث والطلب (٢).
_________________
(١) ص ٣١٥.
(٢) قال ابن يعيش: "وإذا وليهن المستقبل كن تحضيضًا، وإذا وليهن الماضي كن لومًا وتوبيخًا فيما تركه المخاطب أو يقدر فيه الترك، نحو قوله القائل: أكرمت زيدًا، فتقول: هلا خالدًا، كأنك تصرفه إلى إكرام خالد وتحثه عليه أو تلومه على ترك إكرامه. وحيث حصل فيها معنى التحضيض وهو الحث على إيجاد الفعل وطلبه جرت مجرى حروف الشرط في اقتضائها الأفعال، فلا يقع بعدها مبتدأ ولا غيره من الأسماء" ٨/ ١٤٤.
[ ١ / ٣٠٨ ]
[إملاء ٢٠]
[الرد على من قال: إن "لولا" أصلها "لو" زيدت عليها "لا"]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (١). "وللولا ولوما معنى آخر وهو امتناع الشيء لوجود غيره".
قال الشيخ: ذهب بعض الناس إلى أنها أصلها "لو" زيدت عليها "لا" (٢)، وهذا ليس بمستقيم، لأن "لو" معناها عندنا على ما دل عليه الدليل: امتناع الثاني، كقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (٣). فالتعدد منتف لأجل امتناع الفساد (٤). وهذا القائل إنما بنى هذا المذهب على توهمه أن الثاني امتنع لأجل امتناع الأول. فإذا تحقق هذا لم يستقم هذا المذهب، لا من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى. أما من حيث اللفظ فكان يلزم أن يرتبط وجود الثاني لانتفاء الأول كما ارتبط في "لو" وجود الثاني بوجود الأول. لأن "لا" لما دخلت على الأول صار نفيًا، فوجب أن يكون وجود الثاني مرتبطًا بنفي الأول والأمر بالعكس. وأما من حيث المعنى فلأن "لو" انتفى الأول فيها لأجل انتفاء الثاني ولما دخلت لا، فيجب أن يوجد الأول لأجل انتفاء الثاني والأمر بالعكس. وإذا بني على المسامحة في أن "لو" تدل على امتناع الثاني لامتناع الأول صح ما ذكروه لأنها (٥) تدل على امتناع الثاني لوجود الأول.
_________________
(١) ص ٣١٦.
(٢) وهذا مذهب سيبويه. انظر الكتاب ٤/ ٢٢٢.
(٣) الأنبياء: ٢٢.
(٤) وهذه المسألة خالف فيها ابن الحاجب جمهور النحاة، قال الرضي: "والصحيح أن يقال كما قال المصنف هي موضوعة لامتناع الأول لامتناع الثاني: أي: إن امتناع الثاني يدل على امتناع ألأول". شرح الكافية ٢/ ٣٩٠.
(٥) تدل على امتناع لأنها: سقطت هذه العبارة من د.
[ ١ / ٣٠٩ ]
[إملاء ٢١]
[إيراد على الزمخشري في تقسيمه الاسم المعرب]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (١): "والاسم المعرب على نوعين: نوع يستوفي حركات الإعراب والتنوين":
إن قيل: إنه أراد الام المفرد، ورد عليه رجال ومساجد، فإن رجالًا جمع يعرب بالحركات الثلاثة، ومساجد جمع غير منصرف.
[إملاء ٢٢]
[إيراد على الزمخشري في حده الحرف والجواب عنه]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة سبع عشرة على قوله في الحرف (٢): "ما دل على معنى في غيره": يرد عليه الأسماء التي لا تعقل إلا بمتعلق مذكور معها مثل: عند وقيد (٣) وقدي وقاب (٤) وما أشبهها. وجوابه: أنا نحكم بأن معنى القدر والجهة مفهوم من قاب وعند كالفوقية من فوق. وإنما اتفق أنهم لم يستعملوه إلا كذلكز ونحكم على أن "من" ونحوها لا يفهم منها ذلك المعنى من حيث وضعها إلا مضمومًا إلى متعلقها. وإنما حكمنا بذلك لما ثبت من استقراء كلامهم أن الحرف وضعه كذلك والاسم كذلك، وثبت أن هذه من قبيل الأسماء بخصائصها، فوجب أن لا تحمل على جهة يلزم أن تكون به حرفًا بعد ثبوت اسميتها لما فيه من التناقض. والذي يوضح لك ذلك إطباقهم على أن "عن وعلى" في قولك: قعدت عن يمينه ووليت عليه، حرف أيضًا، وهما
_________________
(١) ص ١٦.
(٢) ص ٢٨٣.
(٣) في س: قبل. وهو تحريف.
(٤) معنى قيد: قدر وكذلك قدي. انظر اللسان (قيد. قدا).
[ ١ / ٣١٠ ]
اسمان في قولك: قعدت من عن يمينه وأخذت من عليه (١). ولولا ما ثبت من خاصية الاسم فيهما في المحلين المخصوصين لم يحكم عليهما باسمية، فلما ثبت كونهما اسمين بالخواص التي توجب الاسمية وجب حملهما على معنى الاسم وإن كان فيه بعد، إذ تقديرها على ما كانت عليه من معنى الحرفية يلزم منه التناقض العقلي، وحملها على هذه الجهة يلزم منه استبعاد. وإذا تردد بين التناقض والاستبعاد والتجيء إلى أحدهما وجب الحمل على الاستبعاد، فكذلك ههنا.
[إملاء ٢٣]
[ليس معنى "من" المزيدة ابتداء الغاية]
وقال أيضًا ممليًا على قوله في قسم الحرف (٢) في الزيادة في قولك: "ما جاءني من أحد، راجع إلى هذا": أي: إلى معنى الابتداء. ليس بمستقيم؛ لأن معنى كونها زائدة أنك لو أسقطتها كان المعنى الأصلي بحالة. ولا يستقيم على هذا أن يكون مفهومًا منها معنى الابتداء، لأنك لو حذفتها لم يبق معنى الابتداء، فيبطل كونها زائدة، ولزم منه أن تكون زائدة غي زائدة وهو باطل.
[إملاء ٢٤]
[معنى بيت وإعراب جزء منه]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر (٣):
_________________
(١) قال قطري بن الفجاءة: فلقد أراني للرماح دريئة من عن يميني مرة وأمامي وقال مزاحم بن الحارث العقيلي في وصف قطاة: غدت من عليه بعدما تم ظمؤها تصل وعن قبض بزيزاء مجهل
(٢) ص ٢٨٣.
(٣) ص ٣٧٣.
[ ١ / ٣١١ ]
ودع ذا الهوى قبل القلى ترك ذي الهوى
متين القوى خير من الصرم مزدرا (١)
يجوز أن يكون معناه: ودع ذا، أي: أقلل منه وأقصر، ويجوز أن يكون "ذا" بمعنى صاحب، فيراد به المحبوب لأنه لذي تعلق به الهوى، فيكون صاحب الهوى بهذا الاعتبار المحبوب، ثم قال: ترك ذي الهوى، فيجوز أن يكون أضافه إلى الفاعل على الوجه الأول، ويجوز أن يكون أضافه إلى المفعول في الوجه الثاني: فيكون المعنى على الوجه الأول: ترك المحب هوى متين القوى (٢)، فيكون "متين القوى" مفعولًا لـ (ترك"، ويجوز أن يكون "متين القوى" حالًا من ذي الهوى، أي: ترك المحب في حال كونه متين القوى حبه خير من أن تقع المفارقة على زعمه. وإن جعلنا "ترك" مضافًا إلى المفعول كان "متين القوى" حالًا منه، فيكون المعنى: ترك المحبوب في حال كونه قويًا حبه لك أو حبك له خير من أن تقع مفارقته (٣) لك مراغمة. و"مزدرًا" حال من الصرم، أي: مراغمة.
[إملاء ٢٥]
[وجه نصب ورفع فعل مضارع وقع بعد أو]
وقال أيضًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشارع في المفصل (٤):
_________________
(١) هذا البيت من الطويل، ولم ينسبه أحد لقائل. وهو من شواهد ابن يعيش ١٠/ ٣٧٣، واللسان (صدر٩. والقلا: العداوة. والصرم: الهجران. ومزدرا: مصدرًا، أبدلت الزاي من الصاد. وقد استشهد الزمخشري به على إبدال الزاي من الصاد في قوله: (مزدرا).
(٢) القوى: سقطت من س.
(٣) في الأصل: مفارقة، وما أثبتناه من ب، د، وهو الأصوب.
(٤) ص ٢٤٧.
[ ١ / ٣١٢ ]
فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا (١)
أما النصب فإنه فإنه أخبر بمحاولة الملك، وجعل الموت غاية له، والعذر مسبب عنه، لن المعنى: إلى أن نموت فنعذر، وهو ظاهر في تسليته صاحبه عن بكائه.
وأما الرفع فإنه أخبره بحصول أحد الأمرين لا ينفك عن أحدهما، وهو محاولة الملك أو الموت، إما على سبيل المبالغة في أنه لا ينفك عن أحدهما، كما لا ينفك الجوهر عن أن يكون متحركًا أو ساكنًا، فلا يلزم تقدير شك، لأن المعنى: أنه قد ثبت عنده، وعلم أنه لا ينفك عن أحد (٢) هذين الأمرين. وإما على معنى الإخبار بأنه يكون إما على هذا وإما على هذا، فيكون على الشك في حصول كل واحد منهما في كل زمان يقدره إلى الموت، لا في حصول كل واحد منهما بعده، فإن ذلك معلوم من ضرورات الوجود، فلا حاجة إلى التكلف في الجواب عن تقديره.
[إملاء ٢٦]
[الرد على الزمخشري في تجويزه جزم مضارع ونصبه]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٣):
_________________
(١) البيت من الطويل وهو لامرئ القيس. انظر ديوانه صفحة ٩٥ (بيروت). وهو في شواهد سيبويه ٣/ ٤٧، والمقتضب ٢/ ٢٨، والخصائص ١/ ٢٦٣، وابن يعيش ٧/ ٢٢. والشاهد فيه جواز رفع (نموت) على أحد وجهين: عطفه على (نحاول) أو قطعه. قال سيبويه: "ولو رفعت لكان عربيًا جائزًا على وجهين: على أن تشرك بين الأول والآخر، وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعًا من الأول، بمعنى: أو نحن ممن يموت". الكتاب ٣/ ٤٧.
(٢) أحد: سقطت من د.
(٣) صفحة: ٢٤٨.
[ ١ / ٣١٣ ]
ولا تشتم المولى وتبلغ أذاته (١)
أورده استشهادًا على الجزم في قوله تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا﴾ (٢) أن يكون (تكتموا) منصوبا ومجزومًا. ثم أورد البيت على الجزم، فيكون منهيًا على كليهما، عن الشتم والأذى. ولا يستقيم النصب في البيت لأنه لو كان منصوبًا لكان منهيا عنهما على سبيل الجمعية، ولا ينهي عن الجمع بالواو إلا بين شيئين متغايرين. أما ما هو أعم في المعنى فلا يصح النهي عن الجمع بينهما لأن الشتم أذية، وقوله: وتبلغ أذاته، مثله غاية ما. ثم إن الأذية عامة لأنها بالقول والفعل، والشتم خاص، وليس المراد إلا مطلق الأذية بما هي أذية. فكأنه تكرير للفظ من غير فائدة، فكأنه قال: لا تؤذ المولى لا تؤذ المولى (٣). وليس كذلك الآية حيث جاز فيها النصب والجزم. وأما الجزم فعلى أن يكون كل واحد منهما منهيًا عنه. وأما النصب فعلى معنى: لا تجمعوا بين هذين.
[إملاء ٢٧]
[مسألة في أفعل التفضيل]
وقال أيضًا بدمشق سنة ثماني عشرة ممليًا على فصل أفعل التفضيل (٤): في الوجه الغالب في مثل قولهم: أكرم الناس، أنه يلزم أن يكون جميع الناس
_________________
(١) هذا صدر بيت من الطويل عجزه: فإنك إن تفعل تسفه وتجهل. ونسبه سيبويه (٣/ ٤٢) لجرير، وليس في ديوانه (تحقيق نعمان طه). ونسبه ابن السيرافي لجحدر العكلي، شرح أبيات سيبويه ٢/ ١٧٧. والشاهد فيه جواز جزم "تبلغ" ونصبه.
(٢) البقرة: ٤٢.
(٣) في الأصل وفي م، س: لا تؤذي المولى لا تؤذي المولى، والصواب ما أثبتناه لأن الفعل مجزوم.
(٤) ص ٨٩.
[ ١ / ٣١٤ ]
كرماء في قصد المتكلم وهو باطل، وكذلك قوله ﵇ (١): "ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني"، ثم قال: "ألا أخبركم بأبغضكم إلي وأبعدكم مني". فيلزم أن يكون المخاطبون محبوبين مبغوضين مقربين مبعودين، وهو غير جائز. ووجه اللزوم أنه قد أضاف الأحب والأبغض إلى المخاطبين، فيلزم أن يكونوا مشتركين في أصل ما أضيف إليهم من المحبة والبغض. ومن ثم قال في هذا الفصل بعينه في قولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، إنه على معنى عادلا، لما يلزم من أنهم يكونون مشتركين في العدل ولم يشتركوا عنده، فحمله لذلك على معنى فاعل (٢). وأما تثنيته فلا يلزم منها أن يكون هو الذي حمله على أن يكون بمعنى فاعل لأن تثنية المضاف وجمعه في باب أفعل التفضيل جائز بالاتفاق، كقوله تعالى: ﴿أكابر مجرميها﴾ (٣)، وشبهه (٤). والجواب: أن المضاف إليه في هذه المواضع المعترض بها يجب أن تكون مخصصة بالمشتركين في أصل المعنى الذي دل عليه "افعل" فيكون قوله: بأحبكم، أحب المحبوبين منكم، وكذلك أقربكم وأبغضكم وأبعدكم. وقوله: أكرم الناس وشبهه، على ذلك.
ويجوز أن يقدر مضاف محذوف كأنه قيل: أحب محبوبيكم وأكرم كرماء الناس. ويكون دليل التأويل على أحدهما ما عُلم من لغتهم أنهم لا يطلقون
_________________
(١) رواه الترمذي (بر: ٧٠) وأحمد بن حنبل ٤/ ١٩٣ (بيروت). ورواية الترمذي: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون".
(٢) الناقص هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، سمي بذلك لنقصه أرزاق الجند. والأشج عمر بن عبد العزيز بن مروان، سمي بذلك لشجة أصابته بضرب الدابة. انظر حاشية الصبان على شرح الأشموني ٣/ ٤٩ (دار إحياء الكتب العربية).
(٣) الأنعام: ١٢٣.
(٤) هذا إذا كان مضافًا لمعرفة. أما إذا أضيف إلى نكرة فيلزمه الإفراد والتذكير. انظر أوضح المسالك ٣/ ٢٩٧.
[ ١ / ٣١٥ ]
أفعل التفضل إلا على ذلك. فلما كان ذلك معلومًا عندهم صح إطلاق العام مرادًا به التخصيص بما دل عليه من القاعدة المذكورة عندهم. فلذلك جاءت هذه الألفاظ في نحو هذه المواضع على ما ذكر من المعنى.
[إملاء ٢٨]
[جواز حذف التمييز في "حب" وامتناعه في "نعم"]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله في المفصل (١): "ولأنه كان لا ينفصل الفاعل عن المخصوص في نعم وينفصل في حبذا":
ذكره علة في الفرق بين تمييز فاعل "نعم" إذا أضمر وبين تمييز فاعل "حبذا" في جواز حذف التمييز في "حب" وامتناعه في "نعم". يريد أنه لو جاز حذف التمييز في "نعم" عند الإضمار لأدى إلى وقوع اللبس بين فاعله ومخصوصه في كثير من الصور ولم يرد جميع الصور، لأنك لو قلت: نعم زيد، لعلم أنه ليس بفاعل، إذ الفاعل في باب "نعم" لا يكون علمًا. كما أنك إذا قلت: حبذا، علم أنه ليس بمخصوص، إذ المخصوص في باب "حب" لا يكون اسم الإشارة الموجود بعد "حب"، وإنما أراد أنه يقع اللبس في مثل قولك: نعم غلام الرجل، وشبهه، لأنك إذا جوزت حذف التمييز جاز لظان أن يظن حين قلت: نعم غلام الرجل، أن يكون التقدير: نعم رجلا، أو نعم غلامًا أو ما أشبهه، وتكون قد أضمرت وحذفت التمييز، وأن يكون لا إضمار فيه لكون الأمرين سائغين، فيبقى غلام الرجل عنده جائزًا أن يقدر فاعلًا على تقدير أن لا إضمار في "نعم"، وجائزًا (٢) أن يقدر مخصوصًا على تقدير الإضمار، فأدى حذف التمييز في "نعم" إلى وقوع اللبس بين المخصوص وبين الفاعل في
_________________
(١) ص ٢٧٦. وعبارة المفصل: ولأنه كان لا ينفصل المخصوص عن الفاعل.
(٢) في الأصل وفي د، م، س: جائز. وما أثبتناه من ب، وهو الأصوب، لأنه معطوف على (جائزًا) الأولى.
[ ١ / ٣١٦ ]
قولك: نعم غلامًا غلام الرجل، بخلاف قولك: حبذا زيد، فإنه لما تعين أن ذا هو الفاعل تعين أن يكون زيد هو المخصوص، فلم يؤد حذف التمييز فيه إلى اللبس الذي ذكرناه في "نعم" (١). ولم يرد صاحب الكتاب أن اللبس يقع في مثل قولك: نعم رجلا زيد، إذا حذف التمييز بين الفاعل والمخصوص لما تحقق من أن فاعل باب "نعم" لا يكون علمًا، فلا ينبغي أن يحمل عليه، ويجب أن يحمل على ما ذكرناه".
[إملاء ٢٩]
[إدخال الألف واللام على اسم للصوت]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (٢):
كما رعت بالجوت الظماء الصواديا (٣)
قياس الألفاظ التي تستعمل مرادًا بها لفظها أن تستعمل على لفظها
_________________
(١) قال ابن يعيش: "إلا أنه في حبذا يجوز أن لا تأتي بالمفسر، وتقول: حبذا زيد، ولا يجوز ذلك في نعم، فلا تقول: نعم زيد، وذلك لأن ذا اسم ظاهر يجري مجرى ما فيه الألف واللام من أسماء الأجناس على ما ذكرنا، فاستغنى عن المفسر لذلك. فكما تقول: نعم الرجل زيد، ولا تأتي بمفسر، كذلك تقول: حبذا زيد، ولا تقول: نعم زيد. وأيضًا فإنه ربما ألبس في "نعم" لو فعل ولا يلبس في حبذا. وذلك أن "حب" فعل عمل في "ذا" واستوفى ما يقتضيه فإذا وقع بعده المخصوص بالمدح مرفوعًا لا يشكل بأن يتوهم أنه فاعل، لأن الفعلا لا يكون له فاعلان، وليست "نعم" كذلك، لأن فاعلها مستتر لا يظهر فافتقر إلى تفسير". شرح المفصل ٧/ ١٤٢.
(٢) ص ١٦٦.
(٣) هذا عجز بيت من الطويل وصدره: دعاهن رد في فارعوين لصوته. وقائله عويف القوافي الفزاري. وهو من شواهد الرضي ٢/ ٨١. واللسان (جوت). ومعنى: ارعوين: رجعن عن الغي. والجوت: صوت تدعي به الإبل للماء. والصواديا: العطاشي. والشاهد فيه: دخول أداة التعريف على اسم الصوت وهو (جوت).
[ ١ / ٣١٧ ]
الأصلي، فإن كانت بغير ألف ولام استعملت كذلك، وإن كانت بألف ولام استعملت كذلك (١)، إلا أن تكون نكرة فلا بعد في إدخال الألف واللام عليها كقولك في جاءني رجل: الرجل مرفوع بالفاعلية، وإن كنت لا تعني ههنا إلا اللفظ. وأما نحو قولهم: جوت، إذا استعمل هذا الاستعمال فقياسه أن يقال: رعت بجوت، مبني ومعرب، كما تقدم في غير هذا الموضع.
وأما إدخال الألف واللام عليه فليس بالقياس، ووزانه وزان إدخال الألف واللام على مثل: آمين ورويد وما أشبهه، وهو بعيد، ووجهه على شذوذه أن هذه الألفاظ إذا استعملت هذا الاستعمال كانت في الحقيقة أعلامًا لأنفسها، وهي متعددة ألفاظها في الوجود، فكان تعددها كتعدد مدلول الاسم العلم الموضوع بأوضاع متعددة، وقد ثبت أن ذلك يصح إجراؤه مجرى النكرة على شذوذ، كقولهم: هذا الزيد أشرف من ذلك الزيد، فلما كان هذا كذلك صح أن يقصد إلى ذلك القصد فأدخل عليه الألف واللام لذلك. فهذا وجه إدخال الألف واللام على ما فيه من الشذوذ. وأما بناؤها فقد تقدم في غير هذا الموضع (٢) أن مثل هذه الأسماء إذا خرجت عن استعمالها للمعنى الذي وضعت له أنه يجوز فيها حكايتها على البناء ويجوز فيها الإعراب، فقد (٣) حكاها ههنا، والحكاية هي الأكثر.
[إملاء ٣٠]
[صيغة المبالغة تعمل عمل فعلها]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٤):
_________________
(١) وإن كانت بألف ولام استعملت كذلك: سقطت هذه العبارة من د.
(٢) انظر الإيضاح في شرح المفصل ١/ ٥٠٦.
(٣) في ب: وقد.
(٤) ص ٢٢٦.
[ ١ / ٣١٨ ]
أخا الحرب لباسًا إليها جلالها وليس بولاج الخوالف أعقلًا (١)
موضع استشهاده (٢) في قوله: جلالها، فإنه منصوب بقوله: لباسًا، فإنه أورده على ما ذكره سيبويه من قوله (٣): "وأجروا اسم الفاعل إذا أرادوا أن يبالغوا في الأمر مجراه إذا كان على بناء فاعل".
ومعنى البيت: أنه يصف هذا المذكور بالشجاعة والمبادرة إلى الحرب. والجل بالضم واحد جلال الدواب، وجمع الجلال أجلة، كأنه جمع الجمع، والمراد ههنا به الدروع أو ما يقوم مقامها مما يدفع به عن نفسه السلاح، والخوالف جمع خالفة، وهي عمود من أعمدة الخباء. والخوالف أيضًا في قوله: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ (٤) النساء.
وأما إعراب "أخا الحرب" فهو منصوب على المدح. و"لباسًا" بدل منه، بدل كل من كل. ولا يستقيم أن يكون "أعقلًا" حالًا، لأنه يؤدي إلى أن يكون الولوج المنفي مقيدًا لا منفيًا على الإطلاق، فيضعف المعنى المراد لأن الغرض نفي هذه الدنية مطلقًا لا نفيها في حال دون حال. وأنت إذا قيدتها بـ "أعقلا" جعلته نفاها في حال دون حال. وبعير أعقل وناقة عقلاء بينة العقل، وهو التواء في رجل البعير واتساع كثير. قال ابن السكيت (٥): "هو أن يفرط الروح حتى يصطك العرقوبان، وهو مذموم" (٦).
_________________
(١) هذا البيت من الطويل. وقد نسبه سيبويه للقلاخ ١/ ١١١. وهو من شواهد المقتضب ٢/ ١١٣، وابن يعيش ٦/ ٧٠، واللسان (ثعل)، والهمع ٢/ ٩٦، والشاهد فيه قوله: لباسًا، وهي صيغة مبالغة قد عملت عمل فعلها فنصبت (جلالها).
(٢) في م، س: الاستشهاد.
(٣) الكتاب ١/ ١١٠.
(٤) التوبة: ٨٧.
(٥) هو يعقوب بن إسحق المعروف بابن السكيت. من مؤلفاته، إصلاح المنطق، الألفاظ، الأمثال، المقصور والممدود، المذكر والمؤنث. مات سنة ٢٤٤ هـ وقيل سنة ٢٤٦ هـ وبلغ عمره (٥٨) سنة. انظر وفيات الأعيان ٦/ ٣٩٥، بغية الوعاة ٢/ ٣٤٩.
(٦) انظر إصلاح المنطق صفحة ٥٣ (تحقيق أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون).
[ ١ / ٣١٩ ]
[إملاء ٣١] [إضافة العلم]
قال يصف ناقة مفروشة الرجل فرشًا لم يكن عقلًا. فمعنى البيت على هذا: إنه ليس بملازم للنساء ولا أعقل من قلة التصرف وترك الحرب، فإن ذلك يؤدي، إلى العقل المذموم، فيكون خبرًا بعد خبر على هذا.
[إملاء ٣١]
[إضافة العلم]
وقال أيضًا ممليا على قول الشاعر في المفصل (١) في السنة المذكورة (٢):
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم بأبيض ماضي الشفرتين يمان (٣)
موضع الاستشهاد فيه ظاهر، وهو: زيدنا وزيدكم. وقوله: أبيض، متعلق بـ "علا" تقديره: علا رأسه في يوم النقا بأبيض، على معنى الاستعانة. و"يمان" صفة بعد صفة للسيف، وأصله يماني، فأعلوه كما أعلوا: مررت بقاضي. وهو منسوب إلى اليمن، فأصله (٤) في النسبة يمني، إلا أنهم لما قالوا: يماني حذفوا إحدى الياءين، وجعلوا الألف عوضا منها، ثم أعلوه إعلال قاض، ولذلك لم يعتد بزنته، لأن الياء ياء النسبة، كما لم يعتد بها في ثمان، فتقول: رأيت ثمانيًا وثمان، في أن الياء ياء النسبة كيمان لأنه مشتق من اليمن، فنسب إليه تقديرًا على غير قياس، ثم جعلت الألف عوضًا من إحدى الياءين،
_________________
(١) ص ١٢.
(٢) أي سنة ثماني عشرة وستمائة.
(٣) هذا البيت من الطويل ولم ينسبه أحد لقائل معين. وهو من شواهد الكامل ٢/ ١١٨ ونسبه لرجل من طيء. والرضى ١/ ٢٧٤. والخزانة ١/ ٣٢٧. ومغني اللبيب ١/ ٥٣ (دمشق). وزهر الآداب للحصري ٢/ ١٠٣٢ (تحقيق علي محمد البجاوي). النقا: الكثيب من الرمل. ويوم النقا: يوم الحرب. والشاهد فيه إضافة العلم وهو قوله: زيدنا وزيدكم.
(٤) في د: وأصله.
[ ١ / ٣٢٠ ]
إلا أن ثمانيا لا يستعمل (١) إلا بالألف ويمان يستعمل بالألف محذوفة ياؤه، ويغير ألف مثبتة ياؤه، فقالوا: يمان ويمني، ولم يقولوا: ثمني. ويجب أن يكون ثمانيا كذلك لأنه قد علم أنه من الثمن، فوجب الحكم على الياء بالزيادة. وأيضًا فإنه ليس في كلامهم في المفردات ما هو على هذه الزنة إلا ما كان منسوبًا (٢)، فوجب أن يحمل على ذلك. وأما "يمان" فالأمر فيه أوضح لأمرين: أحدهما: أنه مفهوم منه النسبة، والآخر: أنه يقال: يمني، بمعناه، فعلم أنه فرعه، وليس في ثمان شيء من ذلك.
[إملاء ٣٢]
[إدخال الألف واللام على العلم]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٣):
باعد أم العمرو من أسيرها حراس أبواب على قصورها (٤)
موضع استشهاده في قوله: العمرو. ومن أسيرها: متعلق بـ "باعد" على معنى أن هذا الحرف أوصل مباعدة المفعول من الأسير على معنى ابتداء الغاية. "وعلى قصورها" متعلق بمحذوف، إما صفة الأبواب، فيجب أن يقدر
_________________
(١) في الأصل وفي م، س: يستعملوه. وهو خطأ.
(٢) في س: ما هو منسوب.
(٣) ص ١٣.
(٤) هذا البيت من الرجز وهو لأبي النجم واسمه الفضل بن قدامة من جاز الإسلام الفحول. وهو من شواهد المقتضب ٤/ ٤٩. والإنصاف ١/ ٣١٧. وابن يعيش ١/ ٤٤. والهمع ١/ ٨٠. واللسان (وبر). والشاهد فيه دخول الألف واللام على عمرو وهو علم لتقدير الشيوع فيه.
[ ١ / ٣٢١ ]
بصفة لها فيه ضميرها، وتقديره: حراس أبواب مركبة أو حاصلة على قصورها، يعني قصور أم العمرو المذكورة؛ أو صفة لحراس، فيجب أن يقدر صفة لهم، فيقدر: حراس أبواب ثابتون وحاصلون، فهو في الأول في موضع خفض، وفي الثاني في موضع رفع.
[إملاء ٣٣]
[إدخال الألف واللام على العلم]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (١):
رأيت الوليد بن اليزيد مباركًا شديدًا بأحناء الخلافة كاهله (٢)
موضع الاستشهاد في قوله: اليزيد. والرؤية رؤية العلم وليس من رؤية العين، لأن شرط رؤية العين أن يكون الثاني متضمنًا وصفًا مرئيًا كقولك: رأيت زيدًا أسود أو أبيض أو متحركًا. وههنا ليس متضمنًا ذلك، فوجب أن يكون بمعنى العلم، و"شديدًا" مفعول بعد مفعول على أنهما من باب واحد لا على اختلافهما. ولذلك لا يقال في مثله: مفعول ثالث، لأن شرط تعدد المفاعيل اختلاف تعلق الفعل بهما (٣). ألا ترى أنك إذا قلت: أعطيت زيدًا درهما، فتعلق الإعطاء بزيد يخالف تعلقه إلى درهم. وإذا قلت: علمت زيدًا عالمًا
_________________
(١) صفحة: ١٣.
(٢) هذا البيت من الطويل وهو لابن ميادة، واسمه الرماح من بني مرة بن عوف، من قصيدة يمدح بها الوليد بن اليزيد. وهو من شواهد الإنصاف ١/ ٣١٧. والرضى ٢/ ١٣٦. والخزانة ١/ ٣٢٧. وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٥٢. وأحناء الخلافة: أمورها. والكاهل: ما بين الكتفين. والشاهد فيه دخول الألف واللام على الوليد واليزيد وهما علمان، لتقدير التنكير فيهما.
(٣) وردت هذه الكلمة هكذا في جميع النسخ. والصواب بها، لأن الضمير يعود على المفاعيل.
[ ١ / ٣٢٢ ]
عاقلًا: فتعلق العلم بعالم وعاقل من جهة واحدة. وإنما صح ذلك في "علمت" لأنها داخلة، على المبتدأ والخبر. ولما كان الخبر يصح أن يكون متعددًا صح أن يكون المفعول الثاني متعددًا لأنه الذي كان خبرًا. ولما كان ذلك في الخبر (١) يجوز بالواو وحذفها جاز في هذا أن يكون بالواو وحذفها لأن باب العلم إنما يدخل على الجمل الاسمية فلا يغيرها عن معناها. وإذا كان كذلك وقد علم أن الخبر يكون متعددًا صح أن يكون المفعول الثاني متعددًا.
ومعناه: علمت أن هذا الخليفة ميمون النقيبة على المسلمين، شديدًا دولته في جوانب ملكة. وعبر عن ذلك بشدة الكاهل على سبيل الاستعارة، لأن شدة الرجل في العادة باعتباره، فعبر عن كل شديد في المعنى بشدة الكاهل.
وكونه حالًا ضعيف، لأن المقصود الإخبار عن هذا الممدوح بأن هذه صفته مطلقًا، فإذا جعلته حالًا، أعني: شديدًا، لزم تقييد الحال، والتقييد مفسد للمعنى، لأن التقدير على هذا: علمت الوليد مباركًا في حال كونه شديدًا، وليس مراده إلا إطلاق الخبر بأن هذه صفته مطلقًا.
[إملاء ٣٤]
[إدخال الألف واللام على العلم وإضافته]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٢):
وقد كان فيهم حاجب وابن أمه أبو جندل والزيد زيد المعارك (٣)
_________________
(١) في الأصل وفي ب، د، م: المبتدأ. وما أثبتناه من س، وهو الصواب، لأن المعنى يقتضيه.
(٢) ص ١٤.
(٣) البيت من الطويل وهو للأخطل. انظر شعره ص ٥٠٣. وهو من شواهد ابن يعيش ١/ ٤٤. والزيد هو زيد بن عبد الله بن دارم، أو زيد بن نهشل، وأبو جندل هو نهشل. وحاجب اسم شخص. وموضع استشهاده إدخال الألف واللام على زيد، وهو علم، وإضافته.
[ ١ / ٣٢٣ ]
فيه استشهادان: أحدهما: بالألف واللام، والآخر: بالإضافة. فجمع في هذا البيت بين ما صدر به أولا من قوله (١): "فيجترأ على إضافته وإدخال اللام عليه". وابن أمه: معطوف على حاجب، والضمير عائد على حاجب، أي: أخوه من أمه. ومعناه: أنه كان في هذه القبيلة حاجب، وهو رجل كبير من العرب معروف. والزيد: زيد المعارك، وزيد المعارك: بدل من الزيد، وهو بدل الكل من الكل. وقوله: أبو جندل، بدل من (٢): ابن أمه. وقوله في آخر الفصل (٣): "وهو قليل"، يحتمل أن يكون من كلام أبي العباس المبرد (٤)، ويحتمل أن يكون من كلام الزمخشري.
[إملاء ٣٥]
[مسألة في إعلال الواو والياء لامين]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على المفصل في قسم المشترك (٥): الجباوة شاذ. وإنما ذكره مع ما ليس بشاذ ليعلم أنهم قد فعلوا هذا
_________________
(١) المفصل ص ١٢.
(٢) في د: عن.
(٣) المفصل ص ١٤.
(٤) هو محمد بن يزيد أبو العباس المبرد. ولد سنة ٢١٠ هـ وتوفي بالكوفة سنة ٢٨٦ هـ. كان فصيحًا ثقة، أخذ عن المازني والسجستاني، وروي عنه الصفار ونفطويه. من مؤلفاته: المقتضب، الكامل، الاشتقاق، إعراب القرآن. انظر بغية الوعاة ١/ ٢٦٩، طبقات النحويين واللغويين ص ١٠٨.
(٥) ص ٣٨٣.
[ ١ / ٣٢٤ ]
[إملاء ٣٦] [أصناف الاسم]
الفعل. فإن البقوي (١) والشروي (٢) كما ذكر، والجباوة ليس كذلك، إذ يقال: جبيبت الخراج. ويد ودم أيضًا شاذ، لأنه إما أن يكون أصله: فعل أو فعل، وعلى كلا التقديرين فهو خارج عن القياس. أما خروجه عن القياس على الوجه الأول فقياسه أن يجري مجرى ظبي، فيقال: هذه يدي ورأيت يديا ومررت بيدي. وعلى الثاني كان قياسه أن يجري مجرى عصا، فيقال فيه كما قيل فيه في الأحوال كلها، فقد خرج عن القياس على التقديرين جميعًا.
[إملاء ٣٦]
[أصناف الاسم]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة مستدلا على حصر الاسم في اسم الجنس والعلم والمعرفة (٣): إن اللفظ إما أن يوضع ليء بعينه أولا. فإن وضع (٤) لشيء لا بعينه فهو اسم الجنس ويسمى نكرة، إذ رجل موضوع لزيد وعمرو، لا على جهة التعيين، وإنما على البدل، وكذلك ما أشبهه. وإن كان لشيء بعينه فلا يخلو إما أن يصح إطلاقه على غيره أو لا، فإن لم يصح إطلاقه على غيره فهو العلم، وإن صح فهو المعرفة.
_________________
(١) قال ابن منظور: "البقوي والبقيا: اسمان يوضعان موضع الإبقاء". اللسان (بقي). وقال ابن سيده: "البقوي والبقيا، وأرى ثعلبا قد حكى: البقوي بالواو وضم الباء". المحكم ٦/ ٣١٦ (تحقيق الدكتور مراد كامل).
(٢) قال ابن منظور: "وشروي الشيء مثله. واوه مبدلة من الياء، لأن الشيء إنما يشري بمثله، ولكنها قلبت ياء كما قلبت في تقوى ونحوها". اللسان (شرى).
(٣) المفصل ص ٦.
(٤) فإن وضع: سقطت من د.
[ ١ / ٣٢٥ ]
[إملاء ٣٧]
[استعمال "لا" بمعنى "ليس"]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (١):
من صد عن نيرانها فأنا ابن قيس لا براح (٢)
أورده على أن "لا" بمعنى ليس، و"براح" اسمها، وخبرها محذوف للعلم به. أي: ليس براح حاصلا لي أو ثابتا أو ما أشبهه. ومعناه: أنه يصف نفسه بالشجاعة. والضمير للحرب لما تقدم ذكرها في أول القصيدة وهي قوله:
يا بؤس للحرب التي: حطت أراهط فاستراحوا
وفي القرآن موضع اختلف فيه هل "لا" فيه بمعنى "ليس" أو لنفي الجنس؟ وهو قوله: ﴿ولات حين مناص﴾ (٣). وقد ذكرناه في الإملاء (٤).
[إملاء ٣٨]
[معنى "من" في بيت من الشعر]
وقال ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (٥):
_________________
(١) ص ٣١.
(٢) هذا البيت من مجزوء الكامل وهو لسعد بن مالك القيسي. وهو من شواهد سيبويه ١/ ٥٨. والمقتضب ٤/ ٣٦٠. والإنصاف ١/ ٣٦٧. والرضى ١/ ١١٢. والخزانة ١/ ٢٢٣. ورواية الكتاب: من فر عن نيرانها. والشاهد فيه إجراء "لا" مرجى ليس.
(٣) سورة ص: ٣.
(٤) قال ابن الحاجب: "قلت اختلف الناس في "لا" التي تلحق آخرها التاء. فمنهم من قال: إنها بمعنى ليس، وهو مذهب البصريين. ومنهم من قال: إنها التي لنفي الجنس وهو مذهب الكوفيين. ومنهم من قال: هذه التاء من حين، ويجعل حين تحين لغتين. فعلى هذا تكون التاء فيه للجنس، وهو مذهب أبي عبيدة". الإيضاح ١/ ٣٩٩.
(٥) ص ٣٦٥.
[ ١ / ٣٢٦ ]
لها أشارير من لحم تتمره من الثعالي ووخز من أرانيها (١)
يقول: كانوا يطعمونها كل يوم لحم الأرانب والثعالب لعزتها عندهم. والتتمير التقديد. يقال: تمر اللحم أي: قدده. والأشارير قطع القديد. والوخز الشيء القليل. وفي بعض النسخ متمرة. وواحد الأشارير إشرارة، وهو ما يبسط عليه الأقط وغيره. ومن في المواضع الثلاثة: أما: من لحم تتمره، فهي للتبيين على هذه الرواية. وأما: من الثعالي، ووخز من أرانيها، فيجوز في كل واحدة منهما الأمران: أن تكون مبينة ومبعضة، فالتبين في الأول للأشارير وفي الثاني للحم، وفي الثالث للوخز. والتبعيض ظاهر فيهما. ولا يجوز أن تكون الأولى مبعضة على هذه الرواية التي هي: تتمره، لأن "تتمره" صفة للحم وهي الأشارير، فكيف يقال: اللحم الذي هو الأشارير بعض الأشارير؟ هذا خلف. نعم على من قال: متمرة، يجوز فيها ما جاز في أختيها من الوجهين لأن متمرة صفة لـ "أشارير". وقوله: لها، أي: للغبة، وهي فرخ عقاب كانت لبني يشكر.
[إملاء ٣٩]
[مسألة في الصفة]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٢).
_________________
(١) هذا البيت من البسيط. وقد اختلف في قائله، فقد نسبه سيبويه لرجل من بني يشكر ٢/ ٢٧٣. ونسبه ابن منظور لأبي كاهل اليشكري. اللسان (تمر، رنب). ونسبه الشنقيعلي في الدرر للنمر بن تولب اليشكري ١/ ١٥٧. وهو من شواهد المقتضب ١/ ٢٤٧. والمقرب ٢/ ١٦٩. والهمع ١/ ١٨١. وأورده الزمخشري شاهدًا على إيدال الباء ياء في قوله: الثعالي وأرانيها.
(٢) صفحة ١٤.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وقبلي مات الخالدان كلاهما عميد بني جحوان وابن المضلل (١)
عميد: إما صفة لـ (الخالدان٩، وإما بدل. ولا يثوهم عدم الجواز فيما ذكر أنه مفرد وموصوفه مثني، فإنهما ههنا في حكم الشيء الواحد لأنهما قد شرك بينهما بحرف العطف. والصفة تارة تأتي على هذه الصورة، وتارة يقال: جاءني زيد وعمرو العاقلان، وجاء (٢) الزيدان العاقلان، وجاء الزيدان العالم والعاقل.
ومات أصله: موت، ومضارعه يموت، فإذا أردت الفاعل إلى نفسك قلت: مت. وأما مت بالكسر فهو من ماضي موت، مثل خوف في خفت. وقبلي: ظرف، وهو معرب تقديرًا، وإن كان الخلاف في كل ما أضيف إلى ياء المتكلم، هل هو معرب أو مبني؟ والكلام في ياء الإضافة هل أصلهما السكون وفتحت تقوية لها أو أصلها الحركة وسكنت تخفيفًا؟ فيه خلاف ليس فيه كبير أمر، فقد أشرنا إلى ذلك في الإملاء (٣).
[إملاء ٤٠]
[توجيه إعراب كلمة في بيت لرؤية]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر رؤية في المفصل (٤) وهو:
_________________
(١) هذا البيت من الطويل وقائله الأسود بن يعفر كما في نوادر أبي زيد ص ١٦٠. وانظر اللسان (خلد، ضلل). وابن يعيش ١/ ٤٦. والخالدان هما: خالد بن نضلة وخالد بن قيس بن المضلل. انظر المفصل ص ١٤. وأورده الزمخشري شاهدا على دخول الألف واللام على العلم المثني وهو قوله: الخالدان.
(٢) في س: جاءني.
(٣) انظر الإيضاح في شرح المفصل ١/ ٤٣١. وقد قال: إن أصلها الفتح.
(٤) ص ١٥.
[ ١ / ٣٢٨ ]
أنا ابن سعد أكرم السعدينا إن تميما لم يكن عنينا (١)
أما الرفع (٢) فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قيل: أنا ابن سعد، كأن سائلا سأل وقال: من هو ابن سعد؟ فقال له شخص: هو أكرم السعدينا.
ولا يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، ولا صفة، ولا بدلا لقولك: أنا. أما الصفة فباطلة، لأنه صفة لابن، فيلزم أن يكون سعدا، وليس سعدا، إنما هو ابن سعد إذ أكرم الضاربين ضارب. ولو كان بدلًا لكان إما بدل الكل فيجب أن يكون مدلوله مدلول الأول، وإذا كان كذلك وجب أن يكون ابن سعد، وإذا كان ابن سعد وجب أن يكون أكرم السعدين سعد وليس سعدًا. وبدل الاشتمال ويدل البعض ظاهر بطلانهما.
والخفض صفة لسعد، ولا يجوز أن يكون صفة [لأنا] (٣) لأن المضمرات لا توصف، ومن حيث المعنى أيضًا ما تقدم (٤).
[إملاء ٤١]
[الواو في ورنتل ليست زائدة]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (٥):
_________________
(١) انظر مجموع أشعار العرب ص ١٩١ (تصحيح وترتيب وليم بن الورد). وهو من شواهد سيبويه ٢/ ١٥٣، والمقتضب ٢/ ٢٢٣، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٣٩٢. وأورده الزمخشري شاهدًا على دخول الألف واللام على جمع سعد، وهو علم.
(٢) أي رفع: أكرم.
(٣) زيادة من عندي يقتضيها المعنى.
(٤) قال سيبويه: "وزعم يونس أنه سمع رؤية يقول: أنا ابن سعد أكرم السعدينا نصبه على الفخر". الكتاب ٢/ ١٥٣.
(٥) ص ٣٥٨.
[ ١ / ٣٢٩ ]
[إملاء ٤٢] [حد الكلمة]
"وورنتل كجحنفل" (١): يعني أن الواو فاء الكلمة وليست بزائدة، ومثله بوازنه مما وقعت فيه الفاء حرفا لا تصلح للزيادة وهو جحنفل. وجاء بمثال في ثالثه نون ليقرب به الشبه في أنه مثله.
[إملاء ٤٢]
[حد الكلمة]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله في المفصل (٢): "الكلمة هي اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع وهي جنس تحته ثلاثة أنواع":
إن قيل: كيف يصح انقسام الشيء إلى نفسه وإلى غيره؟ فالجواب: أن المنقسم المسمى لا نفس اللفظ. فإن المسمى يصح إطلاقه على الاسم والفعل والحرف، كل واحد على حياله، فالمقسم الجنس المسمى بالكلمة.
[إملاء ٤٣]
[جواز كون الواحد الوجودي جنسا]
وقال ايضًا ممليًا بدمشق سنة ثلاث وعشرين مجيبًا عن وهم متوهم أورد على الزمخشري سؤالًا في قوله (٣): "الكلمة هي اللفظة الدالة" إلى آخرها. قال المورد: الكلمة موضوعة لواحد متعين، فكيف يستقيم أن تكون جنسًا؟
_________________
(١) ورنتل: الشر والأمر العظيم. اللسان (ورنتل). جحنفل: الغليظ، ونونه زائدة. اللسان (جحفل).
(٢) ص ٦.
(٣) ص ٦.
[ ١ / ٣٣٠ ]
فالجواب: أنه لا يمنع (١) صحة إطلاقها على الواحد الوجودي من أن تكون جنسًا، كما لا يمنع صحة إطلاق الإنسان والرجل على الواحد الوجودي من أن يكون جنسًا، لأن المراد بالجنس هو ما حد باعتبار الأمر المتعقل لا باعتبار الأمر الوجودي، فمعنى الجنس: ما يتعقل مما يقبل فصولًا متعددة يكون باعتبار كل فصل لحقيقة غير الأخرى وإن اشتركا في الأمر الكلي الشامل للجميع المسمى باعتبار شموله لها جنسًا.
[إملاء ٤٤]
[قلب الواو ياء في بيت من الشعر]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل في قسم المشترك (٢).
وقد علمت عرسي مليكة أنني أنا الليث معديا عليه وعاديا (٣)
يجوز أن يكون "معديا" حالًا مقيدة، إما من الليث، وإما من المشبه بالليث. والعامل فيها معنى التشبيه، كأن التقدير: أنا مماثل لليث في حال كونه على هذه الصفات، أو في حال كوني على هذه الصفات. فالتقييد تارة للمشبه وتارة للمشبه [به] (٤). ويجوز أن يكون حالًا مؤكدة على معنى (٥) أنه نفس
_________________
(١) في س: يمتنع. والصواب ما أثبتناه.
(٢) ص ٣٩٠.
(٣) البيت من الطويل، وقائله عبد يغوث الحارثي. وهو من شواهد سيبويه ٤/ ٣٨٥. وابن يعيش ٥/ ٣٦، ١٠/ ٢٢. واللسان (عدا). والمحتسب لابن جني ٢/ ٢٠٧ (تحقيق على النجدي ناصف والدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي). وذكره ابن يعيش بروايتين مختلفتين، الأولى كرواية صاحب المفصل. والثانية قوله: أنا الليث معدوًا على وعاديًا.
(٤) زيادة من م، س.
(٥) معنى: سقطت من د.
[ ١ / ٣٣١ ]
الليث مبالغة، ثم أكد ذلك بهذه الحال التي هي تقرير لذلك في المعنى كقولك: أنا حاتم جوادًا، وأنا فلان بطلًا شجاعًا.
وموضع الاستشهاد في قوله: معديًا، وأصله معدوو، ففعل به ما فعل، بعتي وجثي. و"عاديًا" من باب غازية ومحنية، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وأما ما فعل بعتي وجثي جمع عات وجاث فاستثقلوا الواو المتطرقة المضمومة. ولم يعتد بالساكن بينهما لأنه هوائي فلم يعتد به. فكأنها متطرفة وقبلها ضمة، فقلبوا الضمة كسرة فانقلبت الواو ياء.
[إملاء ٤٥]
[مجيء المنصوب على الاختصاص نكرة]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله (١):
ويأوي إلى نسوة عطل وشعثًا مراضيع مثل السعالي (٢)
قال: استشهد به على أن هذا الباب الذي يقال: فيه: نصب على الاختصاص، يأتي نكرة. ولا يجوز أن يكون مفعولًا معه، لأن شرط المفعول معه التشريك مع المرفوع في نسبة الفعل مثل قولك: جاء زيد وعمرًا، فعمرو جاء أيضًا. وكذلك: جاء البرد والطيالسة (٣)، وما زلت أسير والنيل. وقد توهم
_________________
(١) ص ٤٦.
(٢) هذا البيت من المتقارب. وهو لأمية بن أبي عائد. انظر ديوان الهذليين ٢/ ١٨٤ (الدار القومية للطباعة والنشر. القاهرة). والرواية فيه: له نسوة عاطلات الصدور: عوج مراضيع مثل السعالي. وهو من شواهد سيبويه ١/ ٣٩٩. والرواية فيه: وشعث. والرضي ١/ ٣١٦. والخزانة ١/ ٤١٧. والمقرب ١/ ٢٢٥. والكشاف ١/ ٤١٧. والشعث: جمع شعثاء وهي التي تغير شعرها وتلبد. والسعالي: جمع سعلاة وهي الغول. وقد أوضح المؤلف موضع الشاهد فيه.
(٣) الطيالسة: جمع الطيلس والطيلسان، وهو ضرب من الأكسية. اللسان (طلس).
[ ١ / ٣٣٢ ]
من لا عبرة به جواز: سرت والجبل، وهو غير جائز لما ذكرناه. إذ الجبل لا يسير، بخلاف ما تقدم في صحة نسبة الفعل إليهما على سبيل المعية. ثم ولو سلم جوازه فلابد فيه من تأويل وهو أنه يجعل كأن كل جزء من الجبل سائر، لأنه إذا سار من موضع من نواحي الجبل فذاك مفارق (١) له فيسمى سائرًا.
ومعنى البيت: أنه يأوى إلى النسوة الموصوفة بالعطف. وقوله (٢): وشعثا، هن المتقدمات بالذكر بعينهن.
[إملاء ٤٦]
[علم منقول عن فعل الأمر]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٣):
على أطرقا باليات الخيام إلا الثمام وإلا العصي (٤)
موضع الاستشهاد في قوله: أطرقا، فإنه منقول عن فعل الأمر، وهو اسم لموضع. وقد أخذ على المستدل به. والأخذ مشار إليه في الإملاء (٥)، وهو أنه ساقه في قسم المفردات وهو داخل في قسم المركبات، فإن "أطرقا" فعل وفاعل، فليكن مثل قولك، يزيد، إذا سمي به باعتبار الضمير.
_________________
(١) له: سقطت من د.
(٢) وقوله: سقطت من م.
(٣) ص ٨.
(٤) البيت من المتقارب وهو لأبي ذؤيب الهذلي. انظر ديوان الهذليين ١/ ٦٥. وقد روي برفع (الثمام) و(العصي). وهو من شواهد ابن يعيش ١/ ٣١، واللسان (طرق). والثمام: نبت معروف في البادية. والشاهد فيه أن (أطرقا) علم منقول عن فعل الأمر.
(٥) انظر الإيضاح في شرح المفصل ١/ ٧٨. قال: "فتمثيله بقوله: أطرقا في غير قسم المركب ليس بمستقيم".
[ ١ / ٣٣٣ ]
ومعنى البيت: أنه يقول عرفت ديار أحبتي في هذا الموضع المعروف بـ "أطرقًا" في حال كونها باليات خيامها عافيات آثارها لكثرة شغفه بها وبحثه عنها، فعرفها في حال خفائها لغرامه بها ودروس ما فيها حتى لم يبق بها مبينًا إلا الثمام والعصى كالأوتاد وآلات البيوت.
وباليات: يروي منصوبا وهو الصحيح، وقد جاء مرفوعا. فالنصب على أنه حال من الديار، والمعنى عليه على ما تقدم. والرفع على أن يكون البيت مستقلًا في معناه من غير نظر إلى ما قبله، فيكون مبتدأ به، كأنه قال: على أطرقا منازل باليات خيامها، ويكون خبره: على أطرقا. وهو ناشئ عن توهم استقلال البيت وقطع النظر عما قبله.
وقوله: إلا الثمام وإلا العصي، جاء مرفوعًا، وليس بالجيد، وجاء منصوبًا، فيطلق العصي ويحذف منه الياء الثانية على ما هو أصل في مثله، إذ كل ما آخره حرف مشدد وبنيت قافيته على الوقف فواجب فيه حذف الثاني، وإن كان حرفا صحيحا فهو في المعتل أشبه.
ووجه النصب في الثمام ظاهر، وهو أنه مستثنى من كلام موجب مع كونه من غير الجنس، فقوي النصب من الوجهين جميعًا، والرفع ضعيف جدًا. وإنما جاء الوهم فيه من جهة أن القوافي كلها إذا رفعت استقامت إعرابًا ووزنًا على أصل عروضه لأنه من المتقارب، وأصل المتقارب فعول ثماني مرات كاملة كقوله:
فأما تميم تميم بن مر فألفاهم القوم روبي نياما (١)
_________________
(١) البيت من المتقارب وهو لبشر بن أبي خازم. انظر ديوانه ص ١٩٠ (تحقيق الدكتور عزت حسن). وهو من شواهد سيبويه ١/ ٨٢. وانظر البيان والتبين للجاحظ ٣/ ٤٤ (دار الفكر). وأدب الكاتب لابن قتيبة ص ٦٤ (تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد) والإيضاح لابن الحاجب ١/ ٣١٣. وروبي: الذين استثقلوا نومًا. اللسان (روب).
[ ١ / ٣٣٤ ]
فلما رئي بهذه المثابة ظن أنه كذلك، فالحق هذا البيت به، فرفع من غير نظر وتبيين لوجه رفعه، والصواب أنه محذوف منه سبب خفيف من آخر الجزء وهو الضرب الثالث من ضروب المتقارب (١)، فيستقيم إعراب البيت. ولا بعد في مخالفة ذلك الوزن الأصلي لأنه لا يلزم منه ما لا يجوز، وارتكاب أمور متعددة مما يجوز ارتكابها [جائز] (٢) باتفاق وإن كانت خارجة عن أصل غير مرفوع لاسيما إذا اضطر إليه موجب. وأما ارتكاب أمر لا يجوز لأجل مراعاة أمور أصلية مخالفتها جائز، فغير جائز باتفاق. فلذلك (٣) كان الرفع غير مستقيم والنصب هو المستقيم. ووجهه على شدة ضعفه أنه لما كان "الخيام" في موضع رفع أجرى تابعه عليه رفعا ثم استعمل إلا إما (٤) بمعنى غير، وصفا للخيام على المحل، فأجرى ما بعدها بإعرابها على ما هو ثابت لها، فارتفع الثمام لذلك، وعطف العصي عليه (٥). و"على أطرقا" يتعلق بـ "عرفت" إن قلنا إن له تعلقًا بالبيت الذي قبله (٦)، وإن قطعنا النظر عنه تعلق بمحذوف تقديره: منازل باليات الخيام مستقرة على أطرقا.
_________________
(١) يكون فيه الضرب محذوفًا على وزن (فعو).
(٢) زيادة من عندي يقتضيها السياق.
(٣) في د: فكذلك. والصواب ما أثبتناه، لأن المقصود التعليل.
(٤) وردت هذه الكلمة في جميع النسخ، والكلام يستقيم بدونها.
(٥) قال ابن الحاجب: "وأما كون إلا بمثابة غير فشرطه في الفصيح أن تكون تابعة لجمع منكر غير منحصر، وذلك مفقود ههنا". الإيضاح ١/ ٧٧.
(٦) وهو قوله: عرفت الديار كرقم الدوا ة يزيرها الكاتب الحميري
[ ١ / ٣٣٥ ]
[إملاء ٤٧]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (١):
إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد (٢)
يصف هؤلاء القوم بأن شيوخهم إلى الفساد أقرب من شبابهم. وموضع الاستشهاد في قوله: كيسان، وهو علم، والذي يدل على أنه علم منعه الصرف، ولا علقة تقدر مع الألف والنون إلا العلمية، فوجب أن يكون ذلك علما لذلك، والجار والمجرور في قوله: إلى الغدر، يتعلق بـ "أدنى" ولا يتعلق بـ "كان" لأنها ناقصة والناقصة لا يتعلق بها، إما لأنها لا دلالة لها على الحدث، وإما لأنها تدخل على الجمل على ما هي عليه من أخبارها وتعلقاتها. فلو ذهبت تعلق بها لخرج ما علقته بها عن حيز الجملة الداخلة هي عليه، وذلك تغيير لوضعها.
[إملاء ٤٨]
[إجراء أسماء المعاني مجرى الأعيان]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٣):
_________________
(١) ص ١٠.
(٢) هذا البيت من البحر الطويل وهو اللنمر بن تولب. انظر ديوانه صفحة ١٢٥ (مطبعة المعارف. بغداد). وقيل: هو لضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن. وقيل: هو لغسان بن وعلة. وهو من شواهد ابن يعيش ١/ ٣٧. والحماسة البصرية ٢/ ٢٨٨ (تصحيح وتعليق الدكتور مختار بن أبي الفرج). وكيسان: اسم للغدر. وقد ذكر المؤلف موضع استشهاده.
(٣) ص ١٠.
[ ١ / ٣٣٦ ]
[إملاء ٤٩] [حد الكلام]
إذا قال غاو من تنوخ قصيدة بها جرب عدت على بزويرا (١)
معناه: أن هؤلاء يقولون الشعر الرديء فينسب إلي، وذلك يكون إما لكونه من قبيلتهم وقد اشتهر دونهم، وإما لأنهم يرجعون إليه فيما يأتون ويذرون من أشعارهم. أو يريد: أنه إذا قال أحد من هذه القبيلة شعرًا مما يؤثر أثرًا غير حميد عد علي وقصد جزائي به حتى كأني الذي باشرته، وذلك لما تقدم من الاحتمال. و"من تنوخ" للتبيين. و"عدت" جواب إذا. وموضع الاستشهاد في قوله: بزويرا. وهو علم [منع من الصرف] (٢) للتأنيث المعنوي والعلمية؛ ولا يجوز أن يكون متروكًا صرفه للضرورة؛ لأنه لو كان كذلك لكان ممنوعًا من غير علة، وهو لا يجوز باتفاق. إنما موضع الخلاف فيما (٣) إذا كانت فيه علة واحدة. وبيان أنه يكون مصروفا بغير علة أن التانيث المعنوي مشروط في كونه علة العلمية. فإذا قدرنا انتفاء العلمية زال كون التأنيث مشروطًا لزوال شرطه.
[إملاء ٤٩]
[حد الكلام]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (٤): "الكلام هو المركب من كلمتين":
_________________
(١) هذا البيت من البحر الطويل وقد اختلف في قائله. فقد نسبه الزمخشري للطرماح وكذلك ابن يعيش ١/ ٣٧. انظر ديوان الطرماح – الذيل ص ٥٧٤ (حققه الدكتور عزت حسن). ونسبه ابن الحاجب في الإيضاح ١/ ٩١ لابن أحمر. وفي الحماسة البصرية ٢/ ١٣ نسب لحميد بن ثور. ونسبه ابن الأنباري في الإنصاف ١/ ٤٩٥ للفرزدق، وكذلك ابن منظور (زبر). والبيت في ديوان الفرزدق ١/ ٢٠٦ (دار صادر. بيروت). تنوخ: اسم قبيلة. وزوير الشيء: جميعه أو كله،. وقد ذكر المؤلف موضع استشهاد ومعناه.
(٢) زيادة من عندي اقتضاها المعنى.
(٣) فيما: سقطت من م.
(٤) ص ٦.
[ ١ / ٣٣٧ ]
لو (١) اقتصر على قوله: من كلمتين، لورد عليه بعلبك ومعدي كرب، وقولهم (٢): حصير ثوب زيد، وما أشبهها من الألفاظ المهملة. فإن التركيب موجود صورة، ومع ذلك ليس بكلام. فلابد من زيادة: أسندت إحداهما إلى الأخرى. ونعني بالإسناد إفادة المخاطب ما ليس عنده في ظن المتكلم.
[إملاء ٥٠]
[العلم المركب]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٣):
نبئت اخوالي بني يزيد ظلما علينا لهم فديد (٤)
نبئت: فعل مبني لما لم يسم فاعله، وهو من الأفعال المتعدية إلى ثلاثة
_________________
(١) في د: إذا. والصواب ما أثبتناه بدليل قوله: لورد، فاللام داخلة في جواب لو.
(٢) قولهم: سقطت من د.
(٣) ص ٦.
(٤) هذا البيت من الرجز، ولم ينسبه أحد لقائل معين. وقد رأيته في ملحقات ديوان رؤية بن العجاج ص ١٧٢. وهو من شواهد الرضى ١/ ٦٤. ومغني اللبيب ٢/ ٦٩٣ (دمشق). ومجالس ثعلب ص ١٧٦ (شرح وتحقيق عبد السلام هارون). واستشهد به الزمخشري على أن (يزيد) اسم علم مركب وهو جملة. قال ابن يعيش: "وفي نسخ المفصل: يزيد، بالياء، وصوابه: تزيد، بالتاء المعجمة بثنتين من فوقها، وهو تزيد بن حلوان أبو قبيلة معروفة إليه تنسب البرود التزيدية". شرح المفصل ١/ ٢٨. قال ابن الحاجب: "وقول بعضهم: إنما هو نبئت أخوالي بني تزيد بالتاء، تنطع عنه وتبجح بأنه قد علم أن في العرب تزيد بالتاء وإليه تنسب البرود التزيدية. وهو مردود من وجهين: أحدهما: أن الرواية هنا بالياء. والثاني: أن تزيد بالتاء مفرد في كلامهم لا جملة". الإيضاح ١/ ٧٢.
[ ١ / ٣٣٨ ]
مفعولين. وتحقيق تعديه في الإملاء على المفصل (١). فالتاء هي المفعول الأول، وأخوالي المفعول الثاني. وبني يزيد: صفة لأخوالي. والأحسن أن لا يكون بدلا، لأن البدل إنما يكون بالأسماء الموضوعة للذوات بخلاف ابن فإنه موضوع لذات باعتبار معنى هو المقصود، وهو البنوة. ويزيد: في موضع خفض. وقوله: ظلمًا، إما مصدر في موضع الحال، وإما مفعول من أجله (٢). ولهم فديد: جملة في موضع المفعول الثالث. والفديد: الصوت. ومعنى البيت: أن هذا القائل يقول: أخبرت أن أخوالي الموصوفين بهذه الصفة لهم علينا صوت وجلبة في حال كونهم ظالمين علينا أو لأجل ظلمهم. وكلاهما ضعيف. أما الحال فلأنه من الضمير في "لهمط، والعامل فيه ما في "لهم" من معنى الفعل، وهو عامل معنوي. ونقدم (٣) الحال على العامل المعنوي ضعيف. ووجه ضعفه مذكور في إملاء المفصل، فلينظر ثم (٤). وأما المفعول من أجله فكذلك، لأن العامل معنوي، وتقدمه ضعيف كقولك: عندي مال اكتسابًا من تجارة. فلو قلت: اكتسابًا من تجارة عندي مال، كان ضعيفًا.
فإن توهم متوهم أنه حال من أخوالي، والعامل: نبئت، فهو باطل لأنه يلزم منه تقييد المبتدأ من حيث كونه مبتدأ، والمبتدأ لا يقبل التقييد. فإذا قيل: زيد قائما يضحك، قلنا: ليس حالًا من المبتدأ، وإنما هو حال (٥) من الضمير في الخبر الذي هو "يضحك". ولذلك لو جعلت موضع "يضحك" اسما جامدا لم
_________________
(١) انظر الإيضاح في شرح المفصل ١/ ٧١.
(٢) قال ابن يعيش: "والعامل فيه فعل محذوف دل عليه: لهم فديد. والتقدير حملوا علينا ظلمًا". شرح المفصل ١/ ٢٨.
(٣) في د: وتقديم.
(٤) انظر الإيضاح في شرح المفصل ١/ ٣٣٠.
(٥) وإنما هو حال: سقطت هذه العبارة من د.
[ ١ / ٣٣٩ ]
يجز، لأنه ليس معك حينئذ ما يقبل التقييد، فدل على أن المبتدأ لا يقبل. وكذلك إذا قلت: نئبت أخوالي قائمين ضاحكين. فقائمين: حال وليس عامله "نبئت" وإنما عمله "ضاحكين"، ولذلك لو جعلت موضع "ضاحكين" اسمًا جامدًا لم يجز أن يكون ذلك حالًا. فلو كان العامل فيه "نبئت" لجاز.
فإن توهم متوهم (١) أن "بني يزيد" المفعول الثالث. فهو غلط لوجهين: أحدهما: أن قوله: لهم فديد، يبقى ضائعًا لا ارتباط له بالأول، مع أن المعنى ما أشرنا إليه. والثاني: أنه إخبار بأنه أخبر بأن أخواله بنو يزيد. ومعلوم أن سياق كلامه أنه لم يقصد أنه أخبر بأن أخواله بنو يزيد لظهور ذلك عنده.
وموضع الاستشهاد في قوله: يزيد، لأنه قال: والمركب إما جملة في مثل قولك: نبئت. لأنه إما أن يريد: يزيد، من قولك: يزيد المال، أو المال يزيد. فلا يجوز أن يراد الأول لأنه يبقى مفردًا باعتبار التسمية، فيكون من باب: تغلب ويشكر، وهو أخذ يزيد على حياله مجردًا عن الضمير، فيتعين أن يكون من باب: المال يزيد، فيكون جملة على هذا. والجمل إذا سمي بها تحكي على ما هي عليه في أصل وضعها. ولهذا لو سميت رجلًا بقولك: اضرب. فلا يخلو إما أن تقصد إلى الضمير أو لا. فإن قصدت إلى الضمير قلت: جاءني اضرب ورأيت اضرب ومررت باضرب، لا خلاف في ذلك. وإن لم تقصد إلى الضمير البتة بل سميت بهذا اللفظ مجردًا عنه قلت: جاءني اضرب ورأيت اضرب ومررت باضرب (٢).
_________________
(١) متوهم: سقطت من د.
(٢) فتمنعه من الصرف للعلمية ووزن الفعل.
[ ١ / ٣٤٠ ]
[إملاء ٥١]
[علم منقول عن فعل الأمر]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (١):
أشلى سلوقية باتت وبات بها بوحش أصمت في أصلابها أود (٢)
موضع الاستشهاد في قوله: اصمت، فإنه منقول عن فعل أمر. واصمت اسم لبرية قيل إنها سميت بذلك لأنه غلب عليها كثرة (٣) قول الرجل لصاحبه: اصمت اصمت، لشدة الخوف فيها.
وقد أخذ على صاحب المفصل باستشهاده به. فإن العرب تقول: صمت يصمت، فالأمر فيه بالصم، فكيف جاء اصمت؟ وجوابه أن يقال: إن "فعل" يأتي على يفعل وعلى يفعل (٤). ومنهم من يقول: إن سمع للفعل مضارع اتبع وإلا فأنت فيه مخير: إن شئت قلت يفعل أو يفعل. ومنهم من يقول: إن كثر استعمال. المضارع اتبع وإلا كنت فيه بالخيار (٥). والجار والمجرور في قوله: بوحش، يتعلق بـ "أشلى" وتقديره: أشلى سلوقية بوحش هذه البرية، باتت السلوقية في هذه البرية وبات بها، أي: عندها، والضمير للسلوقية.
_________________
(١) ص ٧.
(٢) سبق الكلام عن هذا الشاهد في الإملاء (١٦) من هذا المسم. ص: ٣٠٦.
(٣) كثرة: سقطت من م.
(٤) انظر سيبويه ٤/ ٣٨.
(٥) قال ابن الحاجب: "استشهاده بالبيت يستقيم على وجهين أحدهما: أن فعل يجيء على يفعل ويفعل. والوجه الثاني: أن يثبت صمت يصمت. ولا يستقيم على غير ذلك". الإيضاح ١/ ٧٥.
[ ١ / ٣٤١ ]
وقوله: في أصلابها أود، يعني السلوقية، يصفها بالقوة. والأولاد: العوج كأنه قال: في أصلاب السلوقية عوج، وذلك يدل على قوتها.
[إملاء ٥٢]
[الإغراء يكون بالمخاطب وليس بالغائب]
وقال أيضًا ممليا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله في المفصل (١): "عليه رجلا ليسني" (٢): انتصب "رجلا" بـ "عليه"، وهو شاذ لأن "عليه" ليس يغري بها (٣). وإنما يغري بعليك ودونك. وفي "ليس" اسمها، والياء في موضع الخبر على الشذوذ. وإنما كان الإغراء بالمخاطب لأن صيغة الأمر لا تكون في الغالب إلا للمخاطب.
[إملاء ٥٣]
[استعمال "بينا" بغير "إذا"]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٤):
فبينا نحن نرقبه أتانا معلق وفضه وزناد راع (٥)
_________________
(١) ص ١٣٢.
(٢) هو حكايةعن بعض العرب. قال ذلك لرجل ذكر أنه يريده بسوء. ابن يعيش ٣/ ١٠٧.
(٣) قال أبو البركات الأنباري: "وأما قول بعض العرب: عليه رجل ليسني، فلا يقاس عليه لأنه كالمثل". أسرار العربية ص ١٦٤ (تحقيق محمد بهجت البيطار٩.
(٤) ص ١٧٢.
(٥) هذا البيت من الوافر. وقد نسبه سيبويه لرجل من قيس عيلان ١/ ١٧١، وروايته: بينا نحن نطلبه. وهو من شواهد معاني القرآن للفراء ١/ ٣٤٦. والمحتسب ٢/ ٧٨. والهمع ١/ ٢١١. والوفضة: جعبة السهام. قال ابن السيرافي: معناها في البيت: خريطة تكون مع الفقراء والرعاة يجعلون فيها أزوادهم. انظر شرح أبيات سيبويه ١/ ٢٦٧. والشاهد فيه استعمال (بينا) بغير إذ.
[ ١ / ٣٤٢ ]
بين: هذه هي الظرف الذي يقضي أن يكون المنسوب هو إليه متعددًا مخفوضًا بالإضافة إليه كقولهم: المال بين زيد وعمرو. وجئتك بين الظهر والعصر، وما أشبه ذلك. إلا أنهم لما قصدوا إلى نسبتها إلى أوقات نسبة حذفوا الأوقات وعوضوا عنها حرفا من الكلام وهو ما، أو حرفا من الكلام وهو الألف، وذكروا الجملة التي المقصود نسبة "بين" إلى أوقات نسبتها، فوجب حكاية الجملة على ما هو عليه، مثلها في: ربما زيد قائم، فقالوا: بينما نحن بمكان كذا. وهو منصوب على الظرف معمول لما يذكر معه من الجملة التي وقع نسبتها فيه، كقولك: بينما نحن بمكان كذا طلع علينا فلان، ومعناه باعتبار إعرابه. وأصله: طلع علينا في الوقت الذي يتخلل طرفيه وقوع هذه النسبة. ومن ثم لم يستفصح الأصمعي (١) دخول إذ وإذا مع الفعل لما فيه من بقاء الظرفين من غير عامل ظاهر يعمل فيهما. لأنك إذا أدخلت "إذ" صارت كأنها بدل من "بينما"، ومنعت أن تعمل "طلع" فيما قبلها، فيصير ظرف مذكور من غير عامل يستقل كلاما. ووجه دخول، "إذ" أن يكون ظرفًا معمولا للمفاجأة مثل "إذا" في قولك: خرجت فإذا زيد بالباب، أي: فاجأته، أي: وجدته فجأة، أي: اتفاقا. فيكون "بينما" أيضًا معمولا لذلك، أي: فاجأت طلوع فلان في الوقت الذي بين الطرفين المذكورين على ما تقدم، إلا أن فيه زيادة تقدير على حذفها. ومعلوم أن حذفها أجرى وأقعد باعتبار زيادة التقدير. ولذلك لم يستفصحه الأصمعي. ويقوي إثباتها أن المتكلم قاصد إلى المفاجأة، وهي معنى مقصود. وإذا كان معنى مقصودا وجب الإتيان بما يدل عليه وهو: إذ وإذا، ويجب حذف الفعل، لأن "إذا" المفاجأة واجب حذف فعلها، فيرجع
_________________
(١) هو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي. ولد سنة ١٢٣ هـ. وكان من أهل البصرة. قدم بغداد في أيام هارون الرشيد. وتوفي سنة ٢١٠ هـ. من كتبه. خلق الإنسان، الأجناس، المقصور والمدود، الخيل، كتاب الأنوا. انظر: طبقات النحويين واللغويين ص ١٨٣، ومراتب النحويين ص ٨٠.
[ ١ / ٣٤٣ ]
إثباتها بذلك من التقدير أحسن من الحذف. والوجه أن الوجهين سائغان، لأنه ثبت ذلك في لغتهم (١). فمن قصد إلى إثبات الفعل في ذلك الوقت من غير تعرض لمفاجأة حذفها، ومن قصد إلى معنى المفاجأة بالتعبير عنه أثبتها. فلا وجه إذن لترجيح أحد الأمرين على الآخر، لأنهما معنيان صحيحان يقصدان بمثابة قولك: خرجت وزيد بالباب، وخرجت فإذا زيد بالباب، ولا شك. إلا أن البيت الذي أنشده الأصمعي جاء على حذفها، ولا دليل إذا ثبت الوجه الآخر وثبت أنهما معنيان في ذلك على الترجيح.
ومعلق وفضه: نصب على الحال من الضمير في "أتانا".
[إملاء ٥٤]
[إعراب بيت لكعب بن زهير]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قول الشاعر في المفصل (٢) وهو:
صبحنا الخزرجية مرهفات أبار ذوي أرومتها ذووها (٣)
صبحناهم أي: سقيناهم، من الصبوح، وهو شرب الغداة، وهو نقيض
_________________
(١) قال ابن الحاجب: "والجميع جيد، ألا ترى أنك تقول: إن تكرمني إذا أنا أكرمك. ولم يدل ذلك على أن الإسقاط أفصح، قال الله تعالى: "وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقطنون" على ما ذكره". الإيضاح ١/ ٥١٤.
(٢) ص: ١٠٩.
(٣) البيت من الوافر وقائله كعب بن زهير. انظر شرح ديوانه ص ٢١٢ "صنعة الإمام أبي سعيد السكري). وهو من شواهد المقرب ١/ ٢١١. والهمع ٢/ ٥٠. وانظر ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٤٠٧ (مطبعة السعادة). المرهفات: السيوف القواطع. والشاهد فيه إضافة ذو إلى الضمير على الشذوذ، وهو إنما يضاف إلى اسم جنس ظاهر.
[ ١ / ٣٤٤ ]
[إملاء ٥٥] [حذف خبر إن]
الغبق. ونصب "مرهفات" على أنه مفعول ثان، على طريق التمثيل كقوله:
تحية بينهم ضرب وجيع (١)
كأنه لما جعل مكانه سمي باسمه. وأبار: أهلك. وذوي أرومتها: مفعول مقدم. والأرومة: الأصل، وذووها: فاعل أبار. والضمير في "ذووها" راجع إلى المرهفات، أي: أهلك ذوي أصلها أصحابها المرهفات، وإنما يعني نفسه ومن أخبر عنه، لأن المرهفات لهم، فهم أصحابها، ولكنه جعل الفاعل ظاهرا إظهارًا وتوكيدا، لأنهم اصحاب المرهفات. والضمير في أرومتها يعود على الخزرجية. وكان القياس يقتضي أن يقول. أبرناهم بها، ولكنه عدل إلى الظاهر لما ذكرناه.
[إملاء ٥٥]
[حذف خبر إن]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قول الشاعر في المفصل (٢) وهو:
إن محلا وإن مرتحلا وإن في السفر إذ مضوا مهلا
استأثر الله بالبقاء وبالعد ل وولى الملامة الرجلا (٣)
_________________
(١) هذا عجز بين من الوافر وصدره: وخيل قد دلفت لها بخيل. وقائله عمرو بن معد يكرب. انظر ديوانه ص ١٣٠ (صنعة هاشم الطعان). وهو من شواهد سيبويه ٢/ ٣٢٣. وابن يعيش ٢/ ٨٠. والشاهد فيه جعل الضرب تحية على الاتساع.
(٢) ص ٢٨. ولم يذكر الزمخشري إلا البيت الأول.
(٣) هذان البيتان من المنسرح وهما للأعشى. انظر ديوان الأعشى الكبير ص ٢٣٣ (شرح وتعليق الدكتور محمد حسين). والذي في كتب اللغة والأدب هو البيت الأول. وهو من شواهد سيبويه ٢/ ١٤١. والمقتضب ٤/ ١٣٠. والرضى ٢/ ٣٦٢. والخزانة ٤/ ٣٨١. والشاهد فيه حذف خبر إن. أي: إن لنا محلا وإن لنا مرتحلا. قال ابن يعيش: "ولا يرى الكوفيون حذف الخبر إلا مع النكرة، والبصريون يرونه مع المعرفة والنكرة. وكان الفراء يذهب إلى أنه إنما يحذف مثل هذا إذا كررت إن ليعلم أن أحدهما مخالف للآخر عند من يظنه غير مخالف". شرح المفصل ١/ ١٠٤.
[ ١ / ٣٤٥ ]
معناه: أنهم يقولون: إن لنا محلا في الدنيا وارتحالا بالموت، وإن في مضي من قبلنا، يعني: موت من يموت، مهلة لنا، لا أنا نبقى بعدهم، وهو معنى الإمهال.
[إملاء ٥٦]
[حكم المؤنث مما لا تاء فيه في الجمع]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قول الشاعر في المفصل (١) وهو:
عيرات الفعال والسؤدد العد إليهم محطوطة الأعكام (٢)
معناه: أن الفعال الجميل والسؤدد العظيم قد ثبت عندهم واختص بهم. وجعل له أحمالًا قد حطت عندهم على سبيل الاستعارة. وإليهم: متعلق بمحطوطة، لما تضمن معنى واصلة. وموضع استشهادة واضح.
_________________
(١) ص ١٩٢.
(٢) البيت من الخفيف وينسب للكميت بن زيد وليس في ديوانه (تحقيق داود سلوم). وهو من شواهد ابن يعيش ٥/ ٣١ وروايته له: عيرات الفعال والحسب، بدلا من السؤدد. والعيرات جمع عير وهي القافلة. والسؤدد: السيادة. والعد: الكبيرز والأعكام: الأحمال. والشاهد فيه: أن المؤنث الذي لا تاء فيه مما هو معتل العين قياس جمعه تحريك عينه وهو قوله: عيرات. قال ابن الحاجب: "وقوله عيرات في جميع عير إنما يكون على لغة هذيل، لأنه معتل العين". الإيضاح ١/ ٥٤٠.
[ ١ / ٣٤٦ ]
[إملاء ٥٧]
[إعراب قول للزمخشري في فصل الاختصاص]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله في المفصل (١): "ولم يعنوا بالرجل والقوم والعصابة إلا أنفسهم وما كنوا عنه بأنا ونحن والضمير في لنا" (٢).
قال الشيخ: قوله: "وما كنوا" عطف على قوله: أنفسهم، لا مبتدأ، لأنك إن جعلته مبتدأ وجب أن يكون كأنه خبره إلى آخره، فيحتاج إلى ضمير يعود عليه، ومع احتياجك إلى الضمير يكون فاسدًا في المعنى لأنه يصير تفسيرًا له ضرورة أنك جعلته خبرا، ولا يصلح أن يكون تفسيرًا، إذ ليس معنى أنا في قولك: أما أنا فأفعل كذا، متخصصا بذلك من بين الرجال، وكذلك الباقية. وإنما هو تفسير للجملة الأولى بكاملها. وإنما حمله قوم على هذا مع ما فيه من الاستبعاد لما رأوا من أنه إذا عطف على "أنفسهم" وجبت المغايرة، ولا مغايرة بين مدلول أنفسهم وبين ما كنوا عنه بأنا ونحن، والضمير في لنا. وإذا تعذرت المغايرة تعذر العطف، فمن ههنا فروا وجعلوه مبتدأ، وظنهوا أن ذلك ينجيهم، ولا حاجة إلى هذا التعسف.
ويجاب عما استشكلوه بأمرين: أحدهما: أن أنفسهم وإن كان مفعولًا فهو في المعنى خبر عن الرجل. لأنك تقول: عنيت بالرجل المذكور أخاك في معنى: الرجل المذكور أخوك. وإذا كان في المعنى خبرًا صح أن يؤتى بحرف العطف من جهة أن الأخبار وما في معناها يصح عطف بعضها على بعض.
_________________
(١) ص ٤٥.
(٢) وقبل هذه العبارة: "وفي كلامهم ما هو على طريقة النداء ويقصد به الاختصاص لا النداء وذلك قولهم: أما أنا فافعل كذا أيها الرجل، ونحن نفعل كذا أيها القوم، والمهم اغفر لنا أيتها العصابة، جعلوا أيا مع صفته دليلًا على الاختصاص والتوضيح".
[ ١ / ٣٤٧ ]
تقول: زيد أخوك وصاحبك. وتقول: عنيت بزيد أخاك وصاحبك، وكذلك ههنا. وهذا هو المراد في الظاهر.
ويجوز أن يكون قوله: "وما كنوا"، خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: وهو (١) ما كنوا عنه. فلم يبق فيما ذكروه إشكال بهذا التفسير.
[إملاء ٥٨]
[ما يجري مجرى الصحيح في الوقف من الأسماء المعتلة]
وقال أيضًا ممليًا في سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (٢): "وإذا اعتل الآخر وما قبله ساكن كآخر ظبي ودلو، فهو كالصحيح" (٣): وكذلك إذا كان مشددًا مثل صبي وكرسي، لأن المشدد بحرفين أولهما ساكن فهو راجع إلى الأول. وإنما ذكروه لئلا يلتبس (٤) على المبتدئين. وإنما تستثقل حركة الياء والواو (٥) إذا تحركت وتحرك ما قبلها. فأما إذا سكن ما قبلها فإنها لا تستثقل، لأن السكون يقع قبلها كالاستراحة، فينطق بها متحركة بعد أن استريح دونها فسهل النطق بها لذلك. ولذلك تجد الاستثقال في قولك: قاضي، ولا تجد مثله في قولك: ظبي. ولذلك لم يعلوا الياء إذا انفتحت وانكسر ما قبلها لسهولة النطق بها لخفة الفتحة على الياء بعد الكسرة بخلافها إذا كانت مضموة أو مكسورة، فصححوا نحو: رأيت قاضيًا، وأعلوا نحو: جاءني قاض ومررت بقاض.
_________________
(١) وهو: سقطت من م، س.
(٢) ص ٣٤٠.
(٣) أي: إن الاسم المعتل الآخر الذي قبل سكون يجري مجرى الصحيح في الوقف كما يجري مجراه في تحمل حركات الإعراب. فحكمه كحكمة في الوقف عليه. ويجوز فيه ما جاز في الصحيح، ويمتنع منه ما امتنع في الصحيح. انظر ابن يعيش ٩/ ٧٤.
(٤) في م: تلتبس. والأصوب ما أثبتناه.
(٥) والواو: سقطت من س.
[ ١ / ٣٤٨ ]
[إملاء ٥٩]
[حكم أفعل التفضيل إذا أضيف]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (١).
ومية أحسن الثقلين جيدًا وسالفة وأحسنه قذالا (٢)
الضمير في قوله: وأحسنه، يجوز أن يكون للثقلين، ويجوز أن يكون للجيد. وهو للثقلين أقوى في المعنى، وللجيد أقوى في اللفظ. فإذا حملته على أحدهما تأولت للآخر على خلاف ما هو الظاهر. فإذا جعلته ضمير الثقلين كان ظاهرًا في المعنى، إذ المعنى: أحسن الثقلين جيدًا وأحسن الثقلين قذالًا. فكان ظاهرًا من حيث المعنى، ضعيفا من حيث اللفظ، إذ الضمير للثقلين، إما أن يقصد الجمعية فيهما فيقال: وأحسنهم، أو إلى لفظ التثنية فيقال: وأحسنهما، كما قال تعالى: ﴿ستفرغ لكم﴾ (٣) وقال: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ (٤). فجاء بلفظ التثنية والجمع على المعنيين المذكورين. ووجهه هو أنه أتى به على معنى المذكور أو ذلك، كما في قول رؤية: كأنه في الجلد، بعد قوله:
فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق (٥)
_________________
(١) ص ٢٣٣.
(٢) البيت من الوافر وهو لذي الرمة. انظر ديوانه ص ٥٢٢، وروايته: أحسن الثقلين خدًا. وفي الخصائص ٢/ ٤١٩: ومية أحسن الثقلين وجهًا. وانظر الكامل ٢/ ٥٥، والخزانة ٤/ ١٠٨، والهمع ١/ ٥٩. السالفة: صفحة العنق، والقذال: مؤخر الرأس. وقد أوضح المؤلف موضع الشاهد فيه.
(٣) الرحمن: ٣١.
(٤) الرحمن: ١٣.
(٥) انظر مجموع أشعار العرب ص ١٠٤ والرواية فيه: كأنها. ومغنى اللبيب ٢/ ٧٥٥. (دمشق). البلق: سواد وبياض. اللسان (بلق). والبهق: بياض دون البرص. اللسان (بهق).
[ ١ / ٣٤٩ ]
وكقوله: ﴿نسقيكم مما في بطونه﴾ (١) في أحد الأوجه.
وإذا جعلت الضمير للجيد كان ظاهرًا من حيث اللفظ لكونه مذكرًا مفردًا مثله، ولم يتقدم ما يطابقه سواه. إلا أنه يضعف من حيث المعنى، إذ يصير التقدير: مية أحسن الجيد قذالًا، ولا شك، إلا أن هذا معنى لا يستقيم، إذ شرط أفعل التفضيل أن يضاف إلى ما هو بعضه، وليست مية بعض الأجياد. ثم ولو قدر جوازه ضعف أيضًا إذ لا يحسن تمييز حسن الجيد بالقذال حسن تميز حسن المرأة بالجيد. ووجهه أن يجعل أحسن للجيد، كأنك قلت: وهو أحسن جيد. فعلى هذا يكون قد أضيف إلى ما هو منه، كقولك: زيد أفضل رجل. ثم ميزة بقذال، لما بينه وبينه من الملابسة، كما يصح تمييز حسن الرأس بالشعر في قولك: رأسه أحسن رأس شعرًا. فكذلك يصح أن تقول: جيدها أحسن جيد قذالًا.
واستشهد به على أن أفعل إذا أضيف فجائز أن يأتي مفردا مذكرًا وإن كان لمؤنث، فينتهض في البيت موضعان على الوجه الأول: أحدهما: أحسن الثقلين، والآخر: وأحسنه، لأنهما جميعًا لمية، وقد جاءا مذكرين. وعلى الوجه الثاني لا ينتهض إلا الأول، لأن الثاني للجيد، وهو مذكر، فليس فيه استشهاد على المقصود بخلاف الأول فإنه لا إشكال في كونه (٢) لمية.
_________________
(١) النحل: ٦٦. قال سيبويه: "وأما أفعال فقد يقع للواحد. من العرب من يقول: هو الأنعام. وقال الله ﷿: "نسقيكم مما في بطونه"". الكتاب ٣/ ٢٣٠.
(٢) كونه: سقطت من س.
[ ١ / ٣٥٠ ]
[إملاء ٦٠]
[الخلاف في كلمة هل هي مصدر أو اسم زمان؟]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (١).
مغار ابن همام على حي خثعما
وصدره
وما هي إلا في إزار وعلقة (٢)
يقول: إنها متخففة مثل تخفف ابن همام وقت إغارته، لأنه كان جريئًا لا يهتم بلباس الحرب عند الإغارة. هذا معناه.
وقد أخذ على سيبويه في إيراده هذا البيت مستشهدًا به على أن "مغار) اسم للزمان (٣). فقيل: إن المراد: وما هي إلا متخففة تخففًا كإغارة ابن همام، أي: كتخفف إغارة ابن همام، فهو بالمصدر أجدر، فتقديره اسم زمان، أو مكان، ناء لذلك عن الصواب. وزادوه تقريرًا بأن قالوا: إن اسم الزمان والمكان لا عمل لهما و"على حي خثعما" متعلق بمغار فلا يصح أن يكون إلا مصدرًا لذلك.
وأورده الزمخشري على نحو إيراد سيبويه، ووجهه: وما هي إلا متخففة
_________________
(١) صفحة ٢٣٨.
(٢) البيت من الطويل وقد نسبه سيبويه لحميد بن ثور. الكتاب ١/ ٢٣٥. انظر ديوان حميد بن ثور – الاستدراكات صفحة ١٧٣ (صنعة عبد العزيز الميمني). وهو من شواهد: المقتضب ٢/ ١٢١، والكامل ١/ ١١٨، والخصائص ٢/ ٢٠٨، والإيضاح لابن الحاجب ١/ ٦٦٦. وابن همام: هو عمرو بن همام بن مطرف. وخثعم: حي من اليمن. والعلقة: ثوب قصير. انظر شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ١/ ٢٢٨. واستشهد به الزمخشري على أن (مغار) اسم زمان.
(٣) قال سيبويه: "فسير مغارًا وقتا وهو ظرف". الكتاب ١/ ٢٣٥.
[ ١ / ٣٥١ ]
في زمان كمغار ابن همام، أو مكان كمكان ابن همام. وهو أقل تقديرًا من الأول، لأن في الأول ثلاثة تقديرات، وما قل التقدير فيه أولى.
وأما تعلق "على حي خثعما"، فإن لم يصح تعليقه بمغار تعلق بما دل عليه مغار، وذلك جائز باتفاق ولا بعد فيه. وينتصب مغار على قول غير سيبويه على المصدر لأنه نعت للمصدر على حذف المضافين المذكورين. وينتصب على التقدير الثاني على أنه ظرف للزمان أو المكان، لأنه صفة لظرف على حذف المضاف المذكور.
والاستثناء استثناء مفرغ، لأن المستثنى منه محذوف، وهو خبر المبتدأ المقدر عامًا.
وفي إزار: مستثنى منه، كقولك: ما زيد إلا في الدار. فيكون التقدير: وما هي على حكم من الأحكام إلا هذا الحكم.
[إملاء ٦١]
[عود الضمير إلى محذوف]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (١):
فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها (٢)
الضمير في "ودقها" و"إبقالها" راجع إلى غير المزنة والأرض المذكورتين. ولا يستقيم أن يعود إلى المذكورتين لأن المعنى: فلا مزنة ودقت
_________________
(١) ص ١٩٨ وقد ذكر الزمخشري عجز البيت فقط.
(٢) هذا البيت من البحر المتقارب وقائله عامر بن جوين الطائي. وهو من شواهد سيبويه ٢/ ٤٦. والرضي ١/ ١٤. والخصائص ٢/ ٤١١. والخزانة ١/ ٢١. وأمالي ابن الشجري ١/ ١٥٨. المزنة: السحابة، والودق: المطر. وذكره الزمخشري شاهدًا على حذف التاء من (أبقلت) ضرورة. ويسوغه أن الأرض بمعنى المكان.
[ ١ / ٣٥٢ ]
ودقها ودقا مثل ودقها. فلو رجع الضمير إليها لصار مخبرًا أنه ليس مزنة تدق ودقا مثل ودق نفسها، وهو فاسد، لأنها تدق ودق نفسها، فلا يستقيم أن يقصد إلى أن ينفي عنه فعل يماثله. وإن لم تقدر محذوفًا كان أفسد، إذ يصير المعنى: أنه لبس مزنة تدق ودق نفسها، وهو فاسد، لأن الأمر على خلافه؛ إذ لا تدق مزنة ودق نفسها، فوجب أن يكون التقدير: فلا مزنة ودقت ودقا مثل ودق هذه المزنة المحذوفة، كما تقول: زيد لا يضرب رجل ضربه ولا عالم يعلم علمه. فضربه وعلمه ليس راجعًا إلى رجل (١) وعالم، لفساد المعنى على حسب ما تقدم. وإنما يرجع إلى زيد، فكذلك ههنا.
[إملاء ٦٢]
[حروف الإضافة]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة عشرين على أول قسم الحرف (٢) من المفصل (٣): "الحرف ما دل على معنى في غيره" (٤):
ومعنى ذلك أن وضعه لمعناه مشروط بذكر متعلقة بخلاف الاسم والفعل فإنه لا يشترط فيهما ذلك باعتبار إفرادهما. فإن ذكر متعلق فلأمر غير ذلك. قال: "ومن ثم لم ينفك". يعني: ومن أجل أن وضعه مشروط بذكر المتعلق لم
_________________
(١) في م: ضارب. وهو خطأ.
(٢) في د: الحروف.
(٣) ص ٢٨٣.
(٤) قال الفارسي: "والحرف ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل". الإيضاح العضدي ١/ ٨. وقال الزجاجي: "الحرف ما دل على معنى في غيره". الإيضاح في علل النحو ص ٥٤ (تحقيق مازن المبارك). قال ابن يعيش: "وقولهم ما دل على معنى في غيره أمثل من قول من يقول: ما جاء لمعنى في غيره. لأن في قولهم: ما جاء لمعنى في غيره إشارة إلى العلة، والمراد من الحد الدلالة على الذات لا على العلة التي وضع لأجلها، إذ علة الشيء غيره". شرح المفصل ٢/ ٨.
[ ١ / ٣٥٣ ]
يكن بد من ذكر متعلقة معه، وهو إما اسم وإما فعل، فلا ينفك إذن حرف من متعلق إما اسم وإما فعل.
ثم قال: "إلا في مواضع مخصوصة. حذف فيها الفعل واقتصر على الحرف". فقوله: حذف فيها الفعل، يوهم أن ذلك إنما جاء في موضع كان المتعلق فعلًا خاصة وليس الأمر كذلك، بل جاءت مواضع حذف فيها الفعل ومواضع حذف فيها الاسم، على أن عين ما مثل به في حذف الفعل يجري مثله. في حذف الاسم. فإنك إذا قلت: نعم، فإن كان تصديقًا لقولك: قام زيد، فقد حذف فيه الفعل. وإن كان تصديقًا لقولك: زيد قائم، فقد حذف فيه الاسم، وكذلك بقية ما مثل به. فجعله المحذوف فعلا فقط ليس بمستقيم لما ذكرته.
وقوله: "وإنه" يعني به: "إن التي للتصديق في مثل قوله:
ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت فقلت إنه (١)
فهي مثل نعم. والهاء في قوله: إنه، هاء السكت، على أنها قليلة في الاستعمال مع احتمال أن تكون في البيت إن المؤكدة، وتكون الهاء اسمها ويكون الخبر محذوف، أي: إنه كذلك، لأن ما تقدم يدل عليه من قوله: ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت، فقال: إنه كذلك، أي: إن الأمر كذلك.
ثم أخذ يصنف القسم كما صنف الاسم والفعل، فقال: "ومن أصناف الحرف حروف الإضافة" (٢). ثم أخذ في بيانها من حيث الجملة، فقال: "وهي
_________________
(١) البيت من مجزوء الكامل وهو لعبيد الله بن قيس الرقيات. انظر ديوانه ص ٦٦ (تحقيق وشرح الدكتور محمد يوسف نجم). وهو من شواهد سيبويه ٣/ ١٥١. ومغنى اللبيب ١/ ٣٧ (دمشق٩ز وابن يعيش ٨/ ٧٨. والشاهد فيه مجيء (إنه) بمعنى نعم.
(٢) وتسمى حروف الجر لأنها تجر ما بعدها من الأسماء، أي: تحفظها. وقد يسميها الكوفيون حروف الصفات لأنها تقع صفات لما قبلها من النكرات. انظر ابن يعيش ٧/ ٨.
[ ١ / ٣٥٤ ]
أن تقضي بمعاني الأفعال إلى الأسماء" (١)، يعني: توصل معاني الأفعال أو ما هو في معناها إلى ما بعدها من الأسماء. ولما كانت هذه الحروف لهذا المعنى لم يكن بد من فعل، أو ما هو في معنى فعل، توصل معناه إلى ما بعدها، فلذلك احتاجت إلى متعلق.
فإذا قال النحوي: بم يتعلق هذا الحرف أو ما العامل فيه؟ فإنما يعني: ما الذي أوصل هذا الحرف معناه؟ فهي عبارات عن معنى واحد. ومن ثم احتاج الظرف إلى متعلق من حيث كان مقدرًا بحرف الجر، وكذلك كل اسم مقدر بحرف الجر فإنه لابد له من ذلك لما ذكرناه.
ثم قال: "وهي فوضى في ذلك". أي: سواء في هذا المعنى، وإن اختلفت بها وجوه الإفضاء، يعني: أنها وإن اختلفت فإنما تختلف من وجه آخر غير هذا الأمر الكلي الجامع لها.
ثم قال: "وهي على ثلاثة أضرب: [ضرب] (٢) لازم للحرفية (٣)، وضرب كائن اسمًا وحرفًا (٤) وضرب كائن فعلًا وحرفًا" (٥). وقد اعترض بأن القسم الأول قد ذكر فيه ما يستعمل فعلًا وحرفًا. وجعله مما لا يستعمل إلا حرفًا مثل: من، فإنه إذا أمرت من مان يمين، قلت: من ومثل: في، فإنك إذا أمرت المرأة المخاطبة من وفي يفي، قلت: في. واللام في قولك: لزيد، إذ١اأمرت من ولي يلي،
_________________
(١) وعبارة المفصل: على أن تقضي بمعاني الأفعال إلى الأسماء.
(٢) زيادة في المفصل.
(٣) وهي تسعة حروف: من، إلى، حتى، في، الباء، اللام، رب، واو القسم وتاؤه.
(٤) وهي خمسة: على، عن، الكاف، مذ، منذ.
(٥) وهي ثلاثة: حاشًا، عدا، خلا.
[ ١ / ٣٥٥ ]
قلت (١): له، وكذلك غيرها، فهو مثل القسم الثالث في كون "حاشا" تكون فعلًا وحرفًا.
والجواب: أنه لم يرد اعتبار صورها فقط، وإنما أراد باعتبار صورها ومعانيها الأصلية. ألا ترى أن "عدا" و"خلا" لما استعملا حرفين فهما في المعنى الأصلي كاستعمالهما فعلين. ألا ترى أن قولك: عدا زيدًا وخلا زيدًا، في استعمالهما فعلين، مثلهما في المعنى الأصلي في استعمالها حرفين في قولك: خلا زيد وعدا زيد، وكذلك حاشًا.
فإن قيل: فإن أراد ذلك فقوله: إن "عن" و"على" مما تكون حرفًا واسمًا لا غير (٢) ليس بمستقيم، لأنه يصح أن تكون فعلا، إذ يقال: علا زيد، وهو فعل ماض، فإن أراد ذلك وجب أن يكون "على" إما قسما برأسه وإما من القسم الثالث والثاني جميعًا. فجعله للثاني دون الثالث تحكم. فالجواب: "أن "على" المستعملة حرفًا واسمًا وإن وافقت هذه في المعنى الأصلي ليست موافقتها في اللفظ، ألا ترى أنك تقول في هذه (٣): علوت وتقول في تيك: عليه، فألف تلك تنقلب ياء، وهذه تنقلب واوا. فدل على أنهما مختلفان في اللفظ وإن اتفقا في الصورة، فظهر الفرق بين البابين (٤). وإن كان كثير من النحويين والأصوليين يذكرون "على" مما استعمل حرفا واسما وفعلا، ومستندهم ما أشير إليه أولًا. وكأن صاحب هذا الكتاب نظر أدق من نظرهم فجعلها من القسم الثاني، ولم يجعلها قسمًا برأسه، ولا من القسم الثالث. ثم عددها جملة في ضمن تقاسيمها بالمعنى الذي قصده، فحصل الغرضان معًا. ثم شرع في تفصيلها
_________________
(١) قلت: سقطت من د.
(٢) لا غير: سقطت من م.
(٣) هذه: سقطت من س.
(٤) انظر الإيضاح لابن الحاجب ٢/ ١٤١.
[ ١ / ٣٥٦ ]
بالفصول واحدًا واحدًا فقال: "فمن: معناها ابتداء الغاية، كقولك سرت من البصرة". ومعنى ابتداء الغاية أي: المحل الذي ابتدئ فيه ذلك الفعل المعلقة هي به. والغاية هي الانتهاء، فقال: ابتداء الغاية، أي: ابتداء النهاية الذي وصل بالفعل إليها، وتعرفها بأنها التي تصلح قبالتها "إلى" كقولك: سرت من البصرة إلى بغداد. وقد تجيء ملتبسة في بعض المواضع مثل قولك: زيد أفضل من عمرو. وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأشباهها، لبعد تقدير "إلى" وهي هذه. ومعنى: زيد أفضل، أي: أخذ في ابتداء الفضل من هذا المذكور. وإذا أخذ في الابتداء منه فله منتهى، وإنما استبعد تقديره لكونه (١) غير مفهوم تعيين المنتهى فيه. وكذلك إذا قلت: أعوذ بالله من الشيطان، فمعناه: ابتدأت بالاستعاذة من هذا المستعاذ منه، فهو أول باعتبار ابتداء هذا الفعل، واستبعد المنتهى فيه كما استبعد في: زيد أفضل من عمرو.
[إملاء ٦٣]
[توجيه فتح وكسر همزة أن في بيت من الشعر]
وقال أيضًا ممليا بالقاهرة سنة عشر وستمائة على قوله في المفصل (٢):
ثم زادوا أنهم في قومهم غفر ذنبهم غير فخر (٣)
للفتح في "أن" وجهان: أحدهما: أن تكون في موضع المفعول
_________________
(١) في م: لأنه.
(٢) ص ٢٢٨.
(٣) البيت من بحر الرمل وهو لطرفة بن العبد. انظر ديوانه ص ٦٤ (شرح الأعلم الشتتمري. تحقيق درية الخطيب، لطفي الصقال). وهو من شواهد الرضى ٢/ ٢٠٢. ونوادر أبي زيد ص ١٠. ومختارات ابن الشجزي ص ١٥٥ (تحقيق علي محمد البجاوي). واستشهد به الزمخشري على أن جمع صيغة المبالغة يعمل عمل المفرد.
[ ١ / ٣٥٧ ]
والآخر (١): أن يكون المعنى: ثم زادوا على ما تقدم من الخصال أو على من تقدم، ثم فتح "أن" على معنى: لأنهم على صفة كذا وكذا.
وللكسر وجهان: أحدهما: التعليل على ما ذكر في الوجه الثاني. والثاني: أن يكون على الحكاية، ومعناه: ثم زادوا، وهو ضعيف، لأنه ليس موضع (٢) الحكاية. وقبله:
وتساقي القوم كأسًا مرة وعلى الخيل دماء كالشقر
والمعنى: أنه يمدح هؤلاء القوم بالشجاعة والنجدة، ثم أنهم يزيدون على ذلك بالصفات المذكورة.
[إملاء ٦٤]
[تنازع الفعلين]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٣):
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ثلاث الأثافي والديار البلاقع (٤)
الفعلان (٥) في التحقيق موجهان إلى ثلاث الأثافي والديار على جهة
_________________
(١) في م: والثاني.
(٢) في م: على.
(٣) ص ٨٤. ولم يذكر الزمخشري إلا عجزه.
(٤) هذا البيت من الطويل وهو لذي الرمة. انظر ديوانه ص ٤٢٢. وهو من شواهد المقتضب ٢/ ١٧٦. وابن يعيش ٢/ ١٢٢. والهمع ٢/ ١٥٠. ورواية ابن يعيش: ثلاث الآثافي والرسوم البلاقع. الأثافي: جمع الأثفية وهي ثلاثة أحجار يوضع عليها القدر عند الطبخ. والبلاقع: جمع بلقع وهي الأرض الخالية. والشاهد في هذا البيت قوله: ثلاث الأثافي، وهو تجريد العدد من آل لأنه أضيف لما فيه آل، خلافًا للكوفيين.
(٥) يرجع ويكشف.
[ ١ / ٣٥٨ ]
الفاعلية. ومذهب البصريين أنهما إذا وجها إلى شيء وجب إذا أعمل أحدهما أن يكون في الآخر ضمير الفاعل على حسب الظاهر المذكور، كقولك: ضرباني وأكرمني الزيدان أو ضربني وأكرماني الزيدان (١). وإذا وجب ذلك اقتضى أن يكون في أحدهما ههنا ضمير لثلاث الأثافي والديار البلاقع، وهو جمع لا يعقل، وقياسه أن يكون ضميره ضمير جمع المؤنث، أو ضمير الواحدة المؤنثة، فيكون: يرجعن التسليم أو يكشف أو يرجع التسليم أو يكشفن أو ترجع التسليم أو يكشف أو يرجع التسليم أو تكشف. ولم يجيء على واحدة من الأربع (٢) الصور المذكورة. وإنما جاء بالياء فيهما جميعًا ولا يكون فيه على ذلك ضمير، وهذا مما يقوي به مذهب الكسائي، فإنه يزعم إذا وجه الفعلان إلى ظاهر فأعمل فيه أحدهما، وكان الآخر موجهًا على جهة الفاعلية، أن الفاعل لا يضمر، وأنه يحذف (٣)، وهذا كذلك، فإنه أعمل أحدهما بلا خلاف والآخر موجه إلى الفاعلية بلا خلاف ولم يضمر فيه، إذ لو أضمر لكان على ما ذكرناه، ولو قدر فيه إضمار لوجب أن يكون ضمير المفرد المذكر، ولا يصح أن يكون ضمير الواحد المذكر للجمع.
وقد أجيب عن ذلك بأمرين: أحدهما: أن الفعلين لم يوجها إلا على البدل، والإضمار إنما يكون في توجيههما جميعًا على التحقيق، وليس بالجيد، فإنه لم يجب الإضمار إلا من حيث إنه يؤدي إلى إخلاء لفظ الفعل عن الفاعل، وليس من لغتهم. ولا فرق بين أن يكون الفعل على البدل أو على التحقيق. ألا ترى أنه يجب الإضمار في قولك: قام الزيدون أو قعدوا، كما يجب في قولك:
_________________
(١) ويختار البصريون إعمال الثاني لأنه أقرب الطالبين إلى المطلوب. ويختار الكوفيون إعمال الأول لأنه أول الطالبين واحتياجه إلى ذلك المطلوب أقدم من احتياج الثاني. انظر الرضى على الكافية ١/ ٧٩.
(٢) أضيف هذا العدد إلى ما فيه أل، لكن ابن الحاجب لم يجرده منها، فسار بذلك على مذهب الكوفيين في هذه المسألة. ومذهب البصريين تجريده منها فيقولون: أربع الصور.
(٣) انظر الرضى على الكافية ١/ ٧٩.
[ ١ / ٣٥٩ ]
قام الزيدون وقعدوا. ولو كان ما ذكروه مستقيما لجاز أن يقال: قام الزيدون أو قعد، إذ لا فرق بينهما في المعنى المقتضى لوجوب الإضمار. والوجه الثاني: أن يقدر الإضمار على تقدير كما قيل (١) في قوله تعالى: ﴿نسقيكم مما في بطونه﴾ (٢) فقد رجع ضمير المذكر على الجمع بتأويل المذكور. وهو أجدر من حيث كان "ثلاث" ليس بجمع صريح. وكذلك قول رؤية: فيها خطوط من سواد ويلق (٣) "، فأعاده وهو ضمير مذكر على خطوط وهو جمع، أو على سواد ويلق وهو مثنى، وكلاهما سواء في الغرض من صحة إعادة الضمير بتأويل المذكور وإن لم يكن صالحا له باعتبار أصل وضعه. وهذا الوجه أيضًا بعيد، إلا أنه أوجه من الأول. ودليل احتماله ما علم من قصد محافظتهم على الفاعل، وأنهم لا يحذفونه أبدًا. وإذا علم ذلك منهم وجب التأويل فيما يخالفه وإن كان بعيدًا، لأن البعيد جائز وخلاف المعلوم غير جائز.
وما في قوله: ﴿وإن لكم في الأنعام﴾ (٤)، محمول عند سيبويه على أن الأنعام اسم مفرد وإن كان مدلوله جمعا (٥)، كما في قولك: كل الناس ضربته، لا على أنه الجمع المحقق حتى اغتفر تأويل الأنعام إلى اسم الجمع ولم يغتفر جعل الضمير راجعًا إليه مع كونه جمعا.
و"التسليم" مفعول ب "يرجع" لأنه ههنا بمعنى: صيرته راجعًا، كقوله تعالى: ﴿فإن رجعك الله﴾ (٦)، ورجع: يكون لازما ومتعديا، يقال: رجع زيد
_________________
(١) قيل: سقطت من م، س.
(٢) النحل: ٦٦.
(٣) انظر الإملاء (٥٩) من هذا القسم.
(٤) النحل: ٦٦.
(٥) قال سيبويه: "وأما أفعال فقد يقع للواحد. من العرب من يقول: هو الأنعام". الكتاب ٣/ ٢٣٠.
(٦) التوبة: ٨٣.
[ ١ / ٣٦٠ ]
في نفسه، ورجع زيد عمرا، أي: صيره راجعًا. فمعنى: وهل يرجع التسليم، أي: فهل يصير ثلاث الأثافي والديار البلاقع التسليم راجعًا. فالتسليم مفعول بوقوع الفعل عليه كما قررناه. أي: فهل يرد الأثافي والديار التسليم. لأن معنى رجع المتعدي معنى رد. والعمى: مفعول بـ "يكشف" إذ معناه: أزال، يقال: كشف الله الغمة، أي: أزالها.
[إملاء ٦٥]
[إعراب مكان أسماء الإعال والأصوات]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على أسماء الأفعال والأصوات في المفصل (١). قال: في إعراب مكانها مذهبان: أحدهما: أن تكون مصدرًا، فتكون في موضع نصب على المصدر كما في قولك: سقيا ورعيًا وشبهه، كأنك قلت في آفة: تضجرأ، وفي آمين: استجابة (٢). والمذهب الثاني: أن تكون مبتدأ سد المرفوع مسد خبرة لاستقلال الفائدة به، كما في قولك: أقائم الزيدان وما قائم العمران، لأن معناها معنى الفعل، ولابد لها من فاعل، فاستقل المعنى بما فيها من معنى الفعل والفاعل، كما استقل المعنى في قولك: أقائم الزيدان؟ بما فيه من معنى الفعل والفاعل (٣). والأول ضعيف وإن كان اختيارًا (٤) لكثير من المحققين. ووجه ضعفه هو أنه إذا جعل مصدرًا، فلا يخلو
_________________
(١) ص ١٥١.
(٢) قال الرضي: "وما ذكره بعضهم من أن أسماء الأفعال منصوبة المحل على المصدرية ليس بشيء. إذ لو كانت كذلك لكانت الأفعال قبلها مقدرة، فلم تكن قائمة مقام الفعل، فلم تكن مبنية، ولا نقول في: أمامك، بمعنى: تقدم، أنه منصوب بفعل مقدر، بل النصب فيه صار كفتح فاء جعفر". شرح الكافية ٢/ ٦٧.
(٣) قال الرضى: "وليس بشيء لأن معنى: قائم، معنى الاسم وإن شابه الفعل، أي: ذو قيام، فصح أن يكون مبتدأ، بخلاف اسم الفعل فإنه لا معنى للاسمية فيه، ولا اعتبار باللفظ". شرح الكافية ٢/ ٦٧.
(٤) اختيارًا: سقطت من د.
[ ١ / ٣٦١ ]
إما أن يكون كالمصدر الذي قام مقام الفعل حتى صار الفعل (١) نسيًا منسيا، أو كالمصدر الذي يجوز ذكر الفعل معه. ولا يجوز أن يكون الثاني، لأنه لا يجوز ذكر الفعل معه، فلا ينبغي أن يجري مجرى ما يجوز ذكر الفعل معه لاختلافهما في الحكم لذلك. وإذا وجب أن يحمل على المصدر الذي لا يجوز ذكر الفعل معه، فالأصل لا يجوز أن يرتفع به ظاهر. ألا ترى أنك لو قلت: سقيا زيد عمرا، لم يجز. وقد ثبت في هذا الباب: شتان زيد وعمرو. فلما ارتفع به الظاهر دل على أنه ليس منزلا منزلة المصدر، لما ذكرناه من أن مثل ذلك في أصله لا يجوز. وإذا امتنع في أصله فالفرع أحرى بالمنع، فثبت أن الوجه ما ذكرناه من الوجه الثاني. وإنما امتنع أن يرتفع (٢) الظاهر بالمصادر التي التزم فيها حذف أفعالها لأنها إنما حذفت أفعالها لكثرتها منسوبة إلى فاعلها، فجاز حذفها للعلم بها وبفاعلها. والذي أوجب حذفها هو الموجب لحذف فاعلهان فكما لا يجوز ذكر فعلها لا يجوز ذكر فاعلها.
[إملاء ٦٦]
[إعراب أسماء الأفعال والأصوات]
وقال أيضًا ممليًا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٣) على أسماء الأفعال والأصوات (٤): إما يقصد بها معناها الذي وضعت له فيجب بناؤها على ما بنيت عليه من سكون أو حركة، وإما أن يقصد بها غير ذلك. وإذا قصد بها غيره فتارة يسمى بها فتكون في المعنى كالعلم، وتارة يراد بها نفس اللفظ كما يستعمل
_________________
(١) الفعل: سقطت من د.
(٢) في س: يرفع.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) المفصل ص ١٥١.
[ ١ / ٣٦٢ ]
غيرها من الألفاظ لنفس اللفظ. وفيها من الوجهين جميعًا مذهبان: أحدهما: أن تحكي على ما كانت عليه كقوله:
عدس ما لعباد عليك إمارة أمنت وهذا تحملين طليق (١)
وقوله:
بجيهلا يزجون كل مطية أمام المطايا سيرها المتقاذف (٢)
والثاني: أن تعرب إعراب الأسماء. وإذا أعربت إعراب الأسماء المفردة، فإن كانت للفظ جاز صرفها ومنعه. فالصرف لقصد التذكير، ومنع الصرف بناء على أنها للفظة أو الكلمة، كما يفعل الأمران في أسماء البلدان بناءً على أنها للموضع أو للبقعة. وإن كانت للعلمية نظر، فإن انضم إلى العلمية علة أخرى امتنع من الصرف وإلا صرف، كما لو أعربت "عدس". فإن كان آسما لذكر قلت: عدس، منصرف، وإن كان لمؤنث منعته من الصرف.
_________________
(١) هذا البيت من الطويل وقائلة يزيد من مفرع. انظر ديوانه صفحة ١٧٠ (جمعة وحققه الدكتور عبد القدوس أبو صالح). وهو من شواهد الإنصاف ٢/ ٧١٧. وابن يعيش ٢/ ١٦. والخزانة ٢/ ٥١٤. والرضى ٢/ ٤٢. عدس: زجر للبغلة. وعباد: هو عباد بن زياد بن أبي سفيان. والشاهد فيه قوله (هذا)، حيث جاء اسم الإشارة بمعنى اسم الموصول على رأي الكوفيين.
(٢) هذا البيت من الطويل وينسب للنابغة الجعدي. انظر ديوانه – الملحقات صفحة ٢٤٧ (المكتب الإسلامي للطباعة والنشر). وهو من شواهد الكتاب ٣/ ٣٠١. والمقتضب ٣/ ٢٠٦. والخزانة ٣/ ٤٣. وشرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ٢/ ٢٠٦ ونسبه لمزاحم العقيلي. والشاهد فيه قوله (بجيهلا)، حيث جاء على الحكاية وأريد به لفظه.
[ ١ / ٣٦٣ ]
[إملاء ٦٧]
[المذاهب في فعال المعدولة]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (١) وهو:
ومر دهر على وبار فهلكت جهرة وبار (٢)
المذاهب في فعال المعدولة ثلاثة: مذهب أهل الحجاز البناء في الجميع، ومذهب القليل من تميم الإعراب في الجميع كغير المنصرف. ومذهب الكثير من بني تميم الفرق بين ما آخره راء وغيره، فإن كان آخره راء فمذهبهم كمذهب الحجازيين في وجوب بنائه، وإن لم يكن آخره راء فمذهبهم كمذهب القليل منهم في أنه إعراب غير المنصرف.
فقوله: ومر دهر، البيت، شاهد لمذهب القليل من بني تميم. فأما آخر البيت فظاهر في الاستشهاد به على ذلك لوقوع الضمة فيها. ولو كانت مبنية لوجب الكسر، ولا إشكال في ذلك.
وأما قولهك على وبار. فيجوز أن يقال: إنه أتى به على قصد البناء ولكنه نون لضرورة الشعر. ويجوز أن يقال: إنه قصد إلى إعرابه إعراب غير المنصرف، فلما أجراه ذلك المجري اضطر إلى صرفه فصرفه فأدخله الكسر والتنوين، فيكون شاهدًا كشهادة الثاني.
_________________
(١) ص ١٦٠.
(٢) البيت من مخلع البسيط وهو للأعشى. انظر ديوانه ص ٢٨١. ورواية الديوان: ومر حد. وهو من شواهد سيبويه ٣/ ٢٧٩، والمقتضب ٣/ ٥٠، والمقرب ١/ ٢٨٢، والهمع ١/ ٢٩. والشاهد فيه إعراب كلمة (وبار) الثانية مع أن آخرها راء. ووبار اسم موضع. قال ابن منظور: "أرض لعاد غلبت عليها الجن" اللسان (وير).
[ ١ / ٣٦٤ ]
ويضعف الوجه الأول وهو أن يكون مبنيا نون للضرورة من وجهين: أحدهما: أن الشاعر واحد. وقد علم أن من مذهبه إعراب وبار للزوم ذلك من آخر البيت. فلا ينبغي أن يحمل الأول على خلافه مع إمكانه، لأنه استعمال للغة (١) تخالف لغته على كل تقدير، والظاهر خلافه. والثاني: أن فيه تنوين المبنيات بالأصالة. والمبنيات بالأصالة لا تنون للضرورة. ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال في تعالى: تعالًا، ولا في عدس: عدسًا، ولا في نزال: نزال. وإذا لم يحسن ذلك على الوجهين المذكورين ثبتع أن المراد هو الأول، ويكون الموضعان جميعًا استشهادًا للغة المعربين من غير تفرقة بين ما آخره راء وبين غيره.
[إملاء ٦٨]
[موضع أسماء الأفعال والأصوات من الإعراب]
وقال أيضًا ممليًا بالقدس في آخر سنة ست عشرة وستمائة على أسماء الأفعال والأصوات في المفصل (٢). قال: اختلف فيها، هل لها موضع من الإعراب أو لا (٣)؟ أما أسماء الأصوات فلا غشكال في أنها غير معربة، لأن الموجب للإعراب فيها مفقود، وإذا فقد سبب الإعراب فلا إعراب. وأما أسماء الأفعال فقد قيل أيضًا: إنها لا إعراب لها (٤)، لأنها أسماء موضوعة موضع ما لا إعراب له فكان حكمها حكمه، وهذا ليس بشيء، فإن الأسماء مستحقة للإعراب
_________________
(١) للغة: سقطت من د.
(٢) ص ١٥١.
(٣) لقد سبق لابن الحاجب أن تحدث عن إعرابها في الإملاء (٦٥) من هذا القسم. ويلاحظ عليه في أماليه أنه يملي أحيانًا على موضوع واحد أكثر من مرة. وقد يكون له عذره، فطبيعة الأمالي تفرض عليه ذلك.
(٤) وقد نقل هذا الرأي عن الأخفش. انظر حاشية الصبان على الأشموني ٣/ ١٩٦.
[ ١ / ٣٦٥ ]
بالتركيب على ما ثبت من لغتهم سواء وقعت موقع ما لا إعراب له أو موقع ما له إعراب. ولذلك أجمعوا على أن سائر المبنيات إذا وقعت مركبة فإنها معربة محلًا، وإن كان واقعًا موقع ما لا إعراب له، فكذلك يجب ههنا. فالأولى أن ينظر فيما يكون إعرابها. وقد قيل في ذلك وجهان: أحدهما: أنه منصوب نصب المصدر، كأنك قلت في صلة: سكوتًا، أي: اسكت سكوتًا، فبني لكونه أقيم مقام اسكت، وكان موضعه نصبًا لكونه واقعًا موقع "سكوتًا، فبني لكونه أقيم مقام اسكت، وكان موضعه نصبًا لكونه واقعًا موقع "سكوتًا". والذي يدلك على ذلك أنك إذا قلت: رويد زيد، كان مصدرًا لفظًا ومعنى، وإذا قلت: رويد زيدًا، كان اسم فعل. وهو بمعناه، فوجب أن يكون موضعه نصبًا على المصدر. وكذلك: بله زيدًا وبله زيد.
وإذا ثبت أن نفس اسم الفعل قد استعملوه صريحًا في المصدر، وهو بمعناه إذا كان اسم فعل، علم أنه في حال اسميته للفعل نصب على المصدر، وكانت له جهتان هو باعتبار أحدهما واجب له النصب لكونه موضوعًا وضع المصدر في المعنى. وبالاعتبار الآخر وجب له البناء لكونه وقع موقع ما لا إعراب له.
والثاني في إعرابها: أن تكون مبتدأ ويكون الضمير فيها مرفوعًا على أنه فاعل. واستغنى عن الخبر كما استغنى عنه في: أقائم الزيدان؟ لاستقلال الجزئين كلامًا. وإنما حكمنا عليه بالابتداء لأنه اسم جرد عن العوامل اللفظية. كما أن "أقائم" مبتدأ لذلك. فالوجه الذي حكم على "أقائم" بأنه مبتدأ يجري مثله في قولك: صه ومه، في وجوب كونه مبتدأ. وهذا أجرى على قياس كلامهم، لأن إيقاع الاسم المجرد عن العوامل وإن لم يكن مخبرا عنه مبتدأ كثير كقولك: أقائم الزيدان؟ وما قائم الزيدان، وكذلك جميع هذا الباب، فقد ثبت مثل ذلك في لغتهم.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وأما وقوع اسم الفعل موقع المصدر فلم يثبت ذلك إلا على أمر مقدر. وما كان ثابتًا جنسه من غير تقدير أقوى مما لم يثبت إلا بتقدير، فثبت أن هذا الوجه أعرب من الأول (١).
[إملاء ٦٩]
[الأولى في "لله دره فارسًا" التمييز]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على المفصل في قوله (٢): "لله دره فارسًا" وشبهه: الأولى فيه التمييز. وانتصابه على الحال ضعيف. لأنه لا يخلو إما أن تكون حالًا مقيدة أو مؤكدة، وكلاهما غير مستقيم. أما المقيدة فلأن قولك: لله دره فارسًا، لم ترد به المدح في حال الفروسية، وإنما تريد مدحه مطلقًا، بدليل أنك تقول: لله دره كاتبًا، وإن لم يكن يكتب، بل تريد الإطلاق بذلك. وكذلك: لله دره عالمًا. والحال المؤكدة أيضًا غير مستقيمة، لأن الحال المؤكدة شرطها أن يكون معنى الحال مفهومًا من الجملة التي قبلها. وأنت ها هنا لو قلت: لله دره، لكان محتملا للفروسية وغيرها، ولكان قولك: لله دره عالما أو رجلا أو كاتبًا، لا يفيد إلا ما أفاده الأول، ولا خلاف في جواز ذلك، فدل والحالة هذه على انتفاء الحال المقيدة والحال المؤكدة، وإذا بطلا ثبت التمييز، وكذا الكلام في: أبرحت جارا (٣)، وعظمت جارا، وقوله:
_________________
(١) لقد ذهب كثير من النحويين منهم الأخفش إلى أن أسماء الأفعال لا موضع لها من الإعراب. وذهب المازني ومن وافقه إلى أنها في موضع نصب بمضمر. ونقل عن سيبويه وعن الفارسي القولان. انظر حاشية الصبان على الأشموني ٣/ ١٩٦.
(٢) ص ٦٦.
(٣) البيت بتمامه: تقول ابنتي حين جد الرحيل فأبرحت ربًا وأبرحت جارا وهو من المتقارب. وقائله الأعشى. انظر ديوانه ص ٤٩. وهو من شواهد سيبويه ٢/ ١٧٥، والخزانة ١/ ٥٧٥. والشاهد فيه نصب (ربا) و(جارا) على التمييز.
[ ١ / ٣٦٧ ]
يا جارتا ما أنت جاره (١)
وشبهه.
[إملاء ٧٠]
[الأمثلة التي يوزن بها أعلام]
وقال أيضًا مليًا بدمشق سنة سبع عشرة على قوله في المفصل (٢): "ومن الأعلام الأمثلة التي يوزن بها في قولك: فعلان"، إلى آخره:
وضع النحويون هذه الألفاظ لغرضين: أحدهما: الاختصار في التعبير عن الأصول والزوائد (٣). فكل ما كان في الموزون [أصلا] (٤) جعلوه في الوزن فاء وعينًا ولاما على هذا الترتيب، وكل ما كان زائدًا لفظوا به، عينه في موضعه في لفظ الزنة، فمثال ذلك إذا قيل: مضروب ما وزنه؟ قيل: مفعول، فكان ذلك أخصر من أن يقال: ميمه زائدة وضاده ورواؤه أصليتان، وواوه زائدةة وباؤه أصلية. والغرض الثاني: أن يذكروه مرادًا به جميع ما يوزن ليحكم عليه بأحكامه الخاصة به كقولهم: كل أفعل إذا كان صفة فإنه لا ينصرف. ثم لا يخلو استعمالهم إياه من أن يكون للأفعال خاصة أو غيرها. فإن كان لفعل حكوه على لفظ الفعل الذي هو وزن له كقولهم: تفاعل: لما يكون من اثنين فصاعدًا، واستفعل: لطلب الفعل، وفعل: للتكثير. فيكون على صورة الفعل من غير إعراب لفظي باعتبار اسميته.
_________________
(١) هذا عجز بيت من مجزوء الكامل وصدره: بانت لتحزننا عفاره. وقائله الأعشى. انظر ديوانه ص ١٥٣. وهو من شواهد الخزانة ١/ ٥٧٨، والرضى ١/ ٢٢٤، والمقرب ١/ ١٦٥. ورواية الديوان: يا جارتي ما كنت جاره. وعفارة اسم امرأة. والتقدير: ما أنت من جاره. ومن: إنما تدخل على التمييز، لا على الحال.
(٢) ص ١١.
(٣) انظر الإيضاح لابن الحاجب ١/ ٩٤.
(٤) زيادة من ب، د.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وإن كان لغير الأفعال من الأسماء وحدها أو من الأسماء والأفعال معًا، فلا يخلو إما أن يذكر موزونة أو لا يذكر. فإن ذكر موزونة معه فقد كان معربًا على ما يستحقه بلا خلاف. ثم هو في حكم الصرف وعدمه راجع إلى نفسه أو إلى موازنه؟ فيه خلاف. فمذهب الزمخشري أنه علم على كل حال فيرجع في ذلك إليه في نفسه، فإن كان معه علة أخرى امتنع من الصرف وإلا فلا.
وذهب بعضهم إلى أنه في ذلك كموزونه، إن كان منصرفًا صرف، وإن كان غير منصرف لم يصرف (١). ومثال ذلك قولك: وزن قائمة فاعلة. والزمخشري يقول: فاعلة، غير مصروف، وبعضهم: فاعلة مصروف. فوجه مذهب الزمخشري أنه قد ثبت استعمال هذه الأوزان أعلامًا بدليل اتفاقهم على قولهم: أفعل صفة لا ينصرف، ولولا أنه علم لم يمنع الصرف وهذا متفق عليه. وإذا ثبت أنه علم، فإما أن يكون على نحو الأعلام في: زيد وعمرو، أو على نحوها في: أسامة وثعالة. لا جائز أن يقال: إنها مثل زيد وعمرو لأنها توضع لآحاد بأعيانها، وإنما وضعت للجنس (٢). وإذا وجب أن تكون كوضع أسامة، وقد ثبت أن باب وضع أسامة لا يطلق على الأمر الذهني فيعم، يضح إطلاقه على كل واحد من الآحاد الوجودية. وإذا ثبت ذلك كان ما نحن فيه مثله فيصح إطلاقه على جنسه بكمالة فيقول: أفعل صفة لا ينصرف، ويشمل جميع موزوناته كقولك: أسامة خير من ثعالة، فيشمل جميع الجنس ويصح إطلاقه على كل واحد من آحاد جنسه، كما قيل، أسامة، لواحد في الوجود، فكذلك يقول: وزن قائمة فاعلة، فيطلقه على قائمة علما (٣) وإن كان واحدًا من آحاد
_________________
(١) قال ابن يعيش: "فإن أوقعته موقع نكرة كان اسمًا منكورًا وإن أوقعته موقع معرفة كان اسمًا معرفة. ثم ينظر، فإن كان فيه في حال التعريف والتنكير ما يمنع الصرف منع صرفه. وإن لم يكن فيه ما يمنع الصرف كان منصرفًا". شرح المفصل ١/ ٣٩.
(٢) في س: للحقيقة. وهو خطأ.
(٣) في م: تحكمًا – وهو تحريف.
[ ١ / ٣٦٩ ]
جنسه، فصح بذلك جعله علمًا وإن كان موزونه واحدًا من آحاد جنسه كما ثبت ذلك في أسامه باتفاق.
ووجه من قال بخلافه أن أعلام باب أسامة إنما اضطررنا إلى جعلها أعلامًا باعتبار إطلاقها على الواحد من حيث وجود حكم العلمية، فاضطررنا إلى تأويلها بوجه بعيد لنلحقها بقياس كلامهم ضرورة ما ثبت فيها من حكم العلمية (١)، وكان القياس الظاهر أنه لا يثبت فيها حكم العلمية. وإذا كان مثل ذلك في باب أسامة مخالفًا للقياس كان تأويله على ذلك للضرورة فلا وجه لأجزائنا هذا الباب على مخالفة القياس، واحتياجنا إلى التأويل من غير ضرورة تحمل على ذلك.
ثم نرجع إلى التقسيم فنقول: وإن لم تكن للأفعال ولم يذكر الموزون (٢) معه فلا يخلو إما أن يكون قد أوقع (٣) موقع موزون خاص قام مقامه في محله أو لا. فإن كان قد ذكر واقعًا موقع موزون فلا خلاف أنه يجري مجراه على تقدير وجوده إعرابًا وصرفًا أو منع صرف، كقولك: مررت برجل أفعل منك، وهو متفق عليه. ووجهه أنه أريد به معنى موزونه، فوجب أن يجري مجراه لأنه كالنائب عنه والكناية له، فكان إعرابه كإعرابه. وإن لم يكن على ما ذكرناه فهو علم باتفاق يقصد به الجنس الذي هو على هذه الهيئة كقولك: أفعل لا ينصرف، وفعلان علما غير منصرف، وشبه ذلك (٤).
قال سيبويه حكاية عن الخليل: كل أفعل إذا كان صفة لا ينصرف. قال سيبويه: قلت له كيف تصرفه وقد قلت: لا أصرفه؟ فقال: إنما صرفته لأنه غير
_________________
(١) فاضطررنا. حكم العلمية: سقطت هذه العبارة من د بسبب انتقال النظر.
(٢) في د: الوزن. والصواب ما أثبتناه.
(٣) في س: وقع.
(٤) في م: وشبهه.
[ ١ / ٣٧٠ ]
صفة (١). ثم قال بعد ذلك: أفعل إذا كان صفة لا ينصرف (٢).
قال المازني (٣): أفعل أيضًا ههنا غير صفة، فيجب أن يصرفه، لأنه قال في قوله: كل أفعل، إنما صرفه لأنه غير صفة، وهذا أيضًا غير صفة فيجب أن يصرفه وإلا نقض جميع ما قاله.
قال أبو علي الفارسي: لم يصنع المازني شيئًا، وإنما سأل سيبويه الخليل عن ذلك لأنه توهم أن الموزون إذا كان صفة كانت الزنة صفة، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجل أفعل منك، حكمت عليها بحكم موزونها. فلما فهم الخليل منه هذا الوهم الذي يلزم منه أن يكون المسئول عنه لذلك غير منصرف بين له أن ما توهمه فيه مما يوجب منع صرفه مفقود، فقال له: ليس بضفة، فتنبه لذلك، وعلم ما أشار إليه، ولم يحتج أن يبين له أنه غير علم، لأن ذلك معلوم في ظاهر الأمر بدخول كل عليه. وإنما بين له انتفاء الشبهة التي فهم عنه أنه توهمها، ولم يتعرض لغير ذلك. ولم يرد الخليل أن انتفاء الصفة علة في الصرف في كل ورد وصدر، فإن ذلك معلوم الانتفاء بالاتفاق. فإنا قاطعون بأن أكثر الأسماء تمتنع (٤) من الصرف مع كونها غير صفة، وإنما قصد إلى
_________________
(١) قال سيبويه: "تقول: كل أفعل يكون وصفًا لا تصرفه في معرفة ولا نكرة، وكل أفعل يكون اسمًا تصرفه في النكرة. قلت: فكيف تصرفه وقد قلت: لا تصرفه؟ قال لأن هذا مثال يمثل به، فزعمت أن هذا المثال ما كان عليه من الوصف لم يجر، فإن كان اسمًا وليس بوصف جري". الكتاب ٣/ ٢٠٣. ويلاحظ أن ابن الحاجب نقل عبارة سيبويه بتصرف.
(٢) قال سيبويه: "وتقول: أفعل إذا كان وصفًا لم أصرفه". الكتاب ٣/ ٢٠٣.
(٣) هو بكر بن محمد بن عثمان أبو عثمان المازني، أحد بني مازن بن شيبان. كان من فضلاء الناس ورواتهم وثقاتهم. قرأ علي أبي الحسن الأخفش كتاب سيبويه. من تصانيفه: علل النحو، تفاسير كتاب سيبويه، التصريف. انظر بغية الوعاة ١/ ٤٦٣، مراتب النحويين ص ١٢٦.
(٤) في س: ممتنع، وهو خطأ.
[ ١ / ٣٧١ ]
ذلك (١) في المحل المخصوص لما كان الوهم نشأ منه. فقوله: أفعل إذا كان صفة لا ينصرف، لا يلزمه أن يصرف لما تقدم من قوله: إن كل أفعل غير صفة، لأنه ههنا قد وجدت فيه علتان مقتضيتان لمنع الصرف، وهما العلمية ووزن الفعل، فوجب أن يكون غير منصرف، فتبين بذلك أنه لا يلزم من نفي الصفة عن قوله: كل أفعل، على سبيل التبيين، رفع الوهم عمن توهم الوصفية فيه أن يكون كل ما ليس بصفة منصرفًا. فظهر أن قول أبي علي الفارسي: لم يصنع المازني شيئًا، مستقيم، وأراد به ما ذكرناه، ولم يبينه لأنه كالظاهر عنده، ولا شك أنه ليس بخفي (٢).
ثم شرع صاحب الكتاب في تبين استعمال هذه الألفاظ أعلامًا. فقال: "في قولهم (٣): فعلان الذي مؤنثه فعلى، وأفعل صفة، لا ينصرف" خبر (٤) عن قوله: فعلان، وعن قوله: أفعل، جميعًا في المعنى وفي الفظ، لأنه إما أن يكون للأول وإما أن يكون للثاني. فكأنه قال: فعلان الذي مؤنثه فعلى لا ينصرف، وأفعل صفة لا ينصرف. كما تقول: زيد وعمرو قائم، وهو جائز باتفاق. ولا يستقيم أن يقال: إنه خبر عن الثاني، والأول منقطع عنه معنى ولفظًا، لأنه قصد إلى بيان استعمال النحويين له في كلمهم. والنحويون لا يقولون: فعلان الذي مؤنثة فعلى، ويقتصرون، فلابد من جزء آخر ينضم إليه ليكون قولًا، ولا جزء يمكن ضمه إلا ما ذكرناه، فوجب تقديره لأنه هو الموجود، ولأنهم كذلك يستعملونه.
ثم قال: "وزن: طلحة وإصبع: فعلة وافعل". يعني وفي قولهم: وزن
_________________
(١) ذلك: سقطت من د.
(٢) انظر الإيضاح لابن الحاجب ١/ ٩٧.
(٣) في المفصل: قولك.
(٤) الخبر هو قوله: لا ينصرف.
[ ١ / ٣٧٢ ]
طلحة فعلة، وافعل، فعطفته على قوله: فعلان، الداخل في حكم قوله: في قولهم. وقصد به التبيين، أن ذلك أيضًا علم على ما هو مذهبه كما ذكرناه حكمًا وتعليلًا. ولذلك أتى بافعل غير منصرف لأن فيه عنده علتين: وزن الفعل والعلمية. وأما قوله: وزن طلحة فعلة، فمتفق عليه في الحكم وإن اختلف التعليل، فمذهبه أنه امتنع من الصرف للعلمية والتأنيث. ومذهب غيره أنه امتنع من الصرف لأن موزونه غير منصرف.
واعلم أن الألفاظ التي يوزن بها إذا قصد بها عموم موزوناتها على أربعة أقسام: تارة تكون منصرفة وموزونها منصرف مثل: كل فعل إذا لم يكن مؤنثا منصرف. وقد يكونان غير منصرفين، كقولك: أفعل إذا كان صفة غير منصرف. وقد يكون الوزن منصرفًا والموزون بخلافه، كقولك: كل أفعل، إذا كان صفة (١) لا ينصرف وقد يكون الأمر بالعكس، كقولك: أفعل إذا لم يكن صفة ولا علمًا منصرف. وتحقيق ذلك أن كل موضع كان في الزنة علتان امتنع من الصرف. وكل موضع لم يكن فيه علتان كان منصرفًا. وكذلك الموزون المحكوم عليه، إن اتفق أن يذكره باعتبار إثبات علتين (٢) له وجب أن يحكم عليه بأنه غير منصرف. وإن ذكره على غير ذلك وجب أن يحكم عليه بأنه منصرف، ولذلك جاءت في التركيب على الأربعة الأوجه (٣) التي ذكرناها.
_________________
(١) غير منصرف .. إذا كان صفة: سقطت من د بسبب انتقال النظر.
(٢) في د وفي ب: العلتان. وما أثبتناه هو الصواب.
(٣) نلاحظ هنا أن ابن الحاجب لم يجرد العدد من (أل) عند إضافته إلى ما فيه (أل)، وهذا مذهب الكوفيين. أما البصريون فيمنعون ذلك، وابن الحاجب نفسه لم يجز ذلك في موضع آخر. قال: كذلك لا يجوز الخمسة الأثواب. انظر إملاء (٧٧) من هذا القسم. ص: ٣٨٨.
[ ١ / ٣٧٣ ]
[إملاء ٧١]
[معنى حمل الرفع على الجر والنصب على الجر وأشباهه]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على المفصل (١) على قوله: "كما حمل النصب على الجر": معنى قولهم: حمل الرفع على الجر والنصب على الجر وأشباهه، أي: أتى بلفظ لأصل آخر غير ما يقتضيه لفظ أصله، وجعل له. فالمحمول هو الذي عدل عن لفظ أصله، وإن كان في الحقيقة من حيث المعنى موجودًا. والمحمول عليه هو اللفظ الذي وضع لغير أصله وإن كان في المعنى غير موجود، مثاله: إذا قلت: مررت بأحمد، فإن الجر محمول على النصب، لأن الجر ههنا ذكر فيه لفظ غير ما يقتضيه لفظ أصله، فهو المحمول، والمذكور لفظ لأصل آخر غير ما ذكر وهو النصب، لأن الفتح أصل في النصب، فالجر إذن محمول. وإذا قلت: رأيت الزينبات، فالأمر بالعكس، لأن النصب ههنا ذكر فيه لفظ غير ما يقتضيه لفظ أصله، فهو المحمول، والمذكور لفظ لأصل آخر غير ما ذكر وهو الجر. وعلى هذا تتفهم المواضع كلها. فإذا قلت: لولاك، فالرفع محمول على الجر. وإذا قلت: عساك، فالرفع محمول على النصب. وإذا قلت: ما أنا كأنت، فالجر محمول على الرفع. والأصل أن تنظر، فمهما وجدت اللفظ لغير ما هو له في المحل المخصوص فاحكم بأن مدلوله هو المحمول في المحل المخصوص. فلذلك إذا قلت: ما أنا كأنت، وجدت اللفظ للجر، وليس هذا اللفظ لفظ المجرور. فعلمت أنه المحمول. ثم تنظر ما الذي هو أصل اللفظ فتعلم أنه للرفع فتحكم بأنه محمول عليه. وعلى هذا تجري المسائل كلها.
_________________
(١) ص ١٣٨.
[ ١ / ٣٧٤ ]
[إملاء ٧٢]
[مجيء المصدر على وزن اسم المفعول]
وقال أيضًا ممليًا بالقاهرة سنة خمس عشرة على قول الشاعر في المفصل (١) وهو:
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا وأنجو إذا غم الجبان من الكرب (٢)
قال: كل فعل زاد على ثلاثة أحرف فإن مفعوله واسم الزمان والمكان والمصدر (٣) تكون على لفظ واحد كقولك: أخرجته فهو مخرج، وأخرجته في يوم كذا، واليوم مخرج حسن، وهذا المكان مخرج حسن، وأخرجته مخرجًا بمعنى: إخراجًا. قال الله تعالى: ﴿وأخرجني مخرج صدق﴾ (٤). أي: إخراج صدق.
فقوله: أقاتل، البيت، نصب مقاتلًا لأنه مفعول بـ "أرى". كما تقول: لا أرى لي قتالًا. ومقاتل في الأصل مصدر. لأنك تقول: قاتلته قتالًا ومقاتلًا، بمعنى واحد.
ومعنى قوله: وأنجو، يجوز أن يكون معناه: وأسرع إلى المحاربة عند عجز الجبان منها. ويجوز أن يكون معناه: وأخلص من المحال التي لا يخلص منها الجبناء.
_________________
(١) ص ٢٢٢.
(٢) هذا البيت من الطويل وقائله كعب بن مالك. انظر ديوانه صفحة ١٨٤ (تحقيق سامي العاني). وهو من شواهد سيبويه ٤/ ٩٦ ونسبه لمالك بن أبي كعب. والمقتضب ١/ ٧٥. والخصائص ١/ ٣٦٧. والشاهد فيه استعمال (مقاتلا) بمعنى القتال.
(٣) أي: المصدر الميمي.
(٤) الإسراء: ٨٠.
[ ١ / ٣٧٥ ]
[إملاء ٧٣]
[مسائل في الاستثناء]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (١) في الاستثناء: "وتقول: ما جاءني من أحد إلا عبد الله": هذا الفصل ينعطف على الوجه الثالث من المستثنى، وهو ما يجوز فيه النصب والبدل. فبين ههنا أن البدل ينقسم فيه إلى ما يكون بدلًا من حيث اللفظ وإلى ما لا يستقيم فيه بدل اللفظ فينتقل فيه إلى البدل على المعنى. وهو كل موضع تعذر فيه تقدير العامل في المبدل منه بعد إلا. ومثله بأمثلة، منها قولك: ما جاءني من أحد إلا زيد، لأن من ههنا زائدة لتأكيد النفي. فلو أبدلت من معمولها بعد الإثبات لوجب تقديرها معه، فتخرج عن موضوعها، لأن موضوعها تأكيد النفي لا تأكيد الإثبات. وكذلك: لا أحد فيها إلا زيد، لأن "لا" لم تعمل إلا للنفي، فإذا أبدلت من معمولها بعد الإثبات وجب تقديرها نافية بعده؛ لأن عملها لأجل النفي، فيتناقض حينئذ النفي والإثبات لورودهما على محل واحد. والذي يحقق ذلك وجوب النصب في قولك: ليس زيد إلا قائمًا (٢)، ووجوب الرفع في قولك: ما زيد إلا قائم، والفرق بين "ليس" وبين "ما" في العمل أن ليس عملت للفعلية لا للنفي، فكأنها في التقدير فعل دخل عليه نفي. فغذا قلت: ليس زيد إلا قائمًا، فكأنك قلت: ما كان زيد إلا قائمًا. فكما أنه لا يقدر بعد إلا في قولك: ما كان، إلا "كان" دون النفي لأنها العاملة فيما بعد إلا، فكذلك لا يقدر في: ليس زيد إلا قائمًا، إلا المعنى الذي عملت ليس لأجله، لا النفي، بخلاف: ما زيد إلا قائم، فإنها لم تعمل إلا للنفي، فلو عملت بعد "إلا" لوجب
_________________
(١) ص ٧١.
(٢) وبنو تميم يرفعونه. وقد عرفت هذه المسألة بمسألة: ليس الطيب إلا المسك. انظر الإملاء رقم (١٩١) من الأمالي المطلقة، ومغني اللبيب ١/ ٣٢٥ (دمشق).
[ ١ / ٣٧٦ ]
تقديرها نافية، ففيتناقض النفي والإثبات، وهذا هو التحقيق في المسألة.
فأما ما ذكره أبو علي (١) من أنه لم يبدل عن اللفظ لأن "لا" لا تعمل في المعارف ففاسد، بدليل: لا أحد فيها إلا رجل واحد. فهذا نكرة وحكمه حكم المعرفة في وجوب البدل على المحل. فلو كان ما ذكره مستقيمًا لجاز ههنا الإبدال على اللفظ، ولما لم يجز دل على أن ما ذكره من العلة منتقض (٢)، وهو أولى من توهم أن امتناع العمل اللفظي فيما بعد "إلا"، لأن "لا" لم تعمل في الأول، وإنما هو مبني معها. وإذا لم يكن لها عمل فيه لم يبق إلا البدل على المحل، فإنه فاسد بدليل قولهم: لا غلام رجل عندي إلا رجل واحد. فإن حكمه وإن كان الأول معربًا باتفاق حكم المبني، دل على أن ما ذكره هذا القائل ليس بشيء، فثبت أن التعليل الأول هو المستقيم.
قال: "وإن قدمت المستثنى على صفة المسثنى منه"، إلى آخره. هذا الفصل ينعطف على بعض القسم الأول من المستثنيات وهو ما قدم من المستثنى لأنه تفصيل له، فكأنه يقول: ما قدم من المستثنى تارة يقدم على المستثنى منه وصفته وتارة يقدم على صفة المستثنى منه. ومذهب سيبويه أنه لا اعتداد بتقديمه على الصفة (٣). وهو الصحيح لأمرين: أحدهما: أن المستثنى منه هو الموصوف دون الصفة، والصفة فضلة، فلا فرق بين وجودها وعدمها
_________________
(١) قال أبو علي: "وكذلك لا أحد فيها إلا عبد الله، حملت عبد الله على موضع "لا" مع أحد، لأن الموضع رفع بالابتداء، ولم يجز الحمل على اللفظ لأن (لا) لا تعمل في المعارف، إنما تعمل في الأسماء الشائعة". الإيضاح العضدي ١/ ٢٠٦.
(٢) في ب: منتقضة. والصواب ما أثبتناه.
(٣) قال سيبويه: "فإن قلت: ما أتاني أحد إلا أبوك خبر من زيد، وما مررتع بأحد إلا عمرو خير من زيد، كان الرفع والجر جائزين، وحسن البدل لأنك قد شغلت الرافع والجار، ثم أبدلته من المرفوع والمجرور، ثم وصفت بعد ذلك". الكتاب ٢/ ٢٣٦.
[ ١ / ٣٧٧ ]
باعتبار صحة هذا الاستثناء، فكما أنها لو كانت مفقودة لم يكن لها أثر، فكذلك إذا كانت موجودة. والثاني هو: أن المعنى الذي اقتضى صحة البدلية عند التأخير موجود. والذي اقتضى وجوب النصب عند التقديم مفقود، وإذا كان كذلك وجب البدل وبطل وجوب النصب على التقديم (١). وذلك أن معنى البدلية كونه مذكورًا بعد تابع عوضًا منه وهذا كذلك. فثبت أن المعنى الذي اقتضى صحة البدلية موجود. وأن المعنى الذي اقتضى وجوب النصب هو تعذر البدلية وذلك التقديم على الاسم المستثنى وهو مفقود. فثبت أن المعنى المقتضى لوجوب النصب مفقود. وإذا كان كذلك وجب صحة البدل كما لو تأخر أو لم تذكر صفة.
قال: "وتقول في تثنية (٢) المستثنى". يريد: إذا ثنيت الاستثناء من غير تشريك، فأما إذا ذكرت حرف التشريك فلا إشكال. فكل استثناء ثان فما بعده يجب فيه النصب، ولا إشكال في نصبه، ولذلك لم يمثل به لظهور أمره، كقولك: جاء القوم إلا زيدًا إلا عمرًا. وإن كان مع استثناء يجب له الرفع أو الجر أو يختار، وجب فيما عداه النصب، وهو ما مثل به كقولك: ما أتاني إلا زيد إلا عمرًا (٣). وذلك أن أحدهما يجب أن يكون مرفوعًا بحق الفاعلية لـ "أتاني"ز فإذا استوفى الفعل فاعله لم يبق لعمرو إلا النصب على الاستثناء. ولا يتخيل التشريك مع عمرو في اللفظ لفقدان حرف التشريك. ولا يتخيل بدلية لانتفاء المعنى فيها. بقي أن يتخيل أن عمرًا مخرج في التقدير من جماعة ليس منهم زيد نفي عنهم الإتيان، فكأنه قيل: ترك من عدا زيدًا الإتيان إلا عمرًا. ولو
_________________
(١) والنصب على الاستثناء هو اختيار أبي عثمان المازني. ابن يعيش ٢/ ٩٢.
(٢) المراد بالتثنية التكرار.
(٣) قال سيبويه: "وإن شئت قلت: ما أتاني إلا زيدًا إلا عمرو، فتجعل الإتيان لعمرو، ويكون زيد منتصبًا من حيث انتصب عمرو، فأنت في ذا بالخيار، إن شئت نصبت الأول ورفعت الآخر، وإن شئت نصبت الآخر ورفعت الأول". الكتاب ٢/ ٣٣٨.
[ ١ / ٣٧٨ ]
صرح بذلك لم يكن عمرو فيه إلا منصوبًا، فهو بالنصب في الأصل أجدر، ولذلك لم يتعرض صاحب الكتاب إلا لهذا التمثيل لأنه أشبه ما يقدر دون غيره.
ثم انتقل إلى المسألة الأخرى وهي: "ما أتاني إلا عمرًا إلا بشرًا أحد". ولم يتعرض إلا لوجوب النصب فيما كان بعد أحد في التقدير، لا في الآخر، لأن الآخر قد ثبت نصبه في حال تأخره عن الفعل، فنصبه متقدمًا أجدر، فلم يبق إلا الكلام في نصب ما لو تأخر لكان مرفوعًا، فقال: لو أخرته لرفعته على البدلية من أحد. فإذا قدمته على المستثنى منه وجب نصبه على ما تقدم، لأن المقدم من المستثنى منه واجب فيه النصب.
قال: "وتقول (١): ما مررت بأحد إلا زيد خبر منه". هذا الفصل ينعطف على القسم الخامس من المستثنيات وه٩والذي يسميه النحويون الاستثناء المفرغ، وقد تقدم أنه جار في كل ما يصح أن يكون معمولًا لما قبله، فجرى في الأحوال والصفات. وكما أن الصفة يصح أن تقع مفردة وجملة في غير هذا الموضع فكذلك ههنا. فلذلك: جاز: ما مررت بأحد إلا زيد خبر منه، كما جاز: ما مررت بأحد إلا عالم (٢). فما بعد "إلا" واقع صفة لأحد، و"إلا" لغو في اللفظ لأنها وقعت في الاستثناء المفرغ معطية في المعنى فائدتها (٣).
وقوله: "جاعلة زيدًا خيرًا من جميع من مررت بهم"، غير مستقيم، لأن كون زيد ههنا خيرًا من جميع من مررت بهم مفهوم من خبرة، وهو قوله: خير
_________________
(١) وعبارة المفصل: وإذا قلت. ص ٧٢.
(٢) وتقول في الجملة إذا وقعت حالًا: ما مررت بزيد إلا أبوه قائم. وما مررت بالقوم إلا زيد خير منهم.
(٣) "ولا تقع الجملة في هذه المواضع إلا أن تكون اسمية من مبتدأ وخبر، ولا تكون فعلية، لأن إلا موضوعة لإخراج بعض من كل، فإذا تقدم إلا الاسم فلا يكون بعدها إلا اسم لأنهما جنس واحد، فيصح أن يكون بعضًا له". ابن يعيش ٢/ ٩٣.
[ ١ / ٣٧٩ ]
منه، لا من "إلا" فلم يصح قوله: إن فائدة "إلا" أنها جعلت زيدًا خيرًا من جميع الممرور بهم. ووجه الإلباس في ذلك أن الصفات والأحوال الواقعة في الاستثناء المفرغ لم تجر على ذوق المستثنيات. وبيان ذلك أنك إذا قلت: ما ضربت إلا زيدًا، فقد نفيت الضرب عن كل أحد وأثبته للمذكور بعد "إلا". وفي الصفة والأحوال ليس كذلك. ألا ترى أنك إذا قلت: ما جاءني رجل إلا عالم، لم يستقم أن تقدر نفي جميع الصفات عن رجل وإثبات صفة العلم خاصة، لأن ذلك باطل، فإنه لا ينفك عن صفات سوى العلم، وكذلك في الأحوال. فلما كانت الصفات والأحوال بهذه المثابة توهم أن الذي أفادته "إلا" هو ما ذكره، وليس بصحيح. فإن قيل: فما الذي تفيده "إلا" في الصفات والأحوال مع استحالة نفي الأجناس فيها؟ قلنا: لما استعملت الصفات والأحوال في الاستثناء المفرغ وتعذر من حيث الوجود نفي أجناسها جعل المنفي إما الأنواع المضادة للمذكور بعدها وإما الجنس على سبيل المبالغة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما﴾ (١)، إلى آخره، وذلك كثير في الكلام. فبهذا التأويل تستعمل الصفات والأحوال في الاستثناء المفرغ. فعلى هذا لا تكون "إلا" أفادت إلا أحد أمرين: إما نفي جميع الصفات على طريق المبالغة. كأن قائلًا قال: ليس زيد خيرًا (٢) ممن مررت بهم، فقلت: ما مررت بأحد إلا زيد خير منهم، وإما نفي ما يضاد كونه خيرًا منهم على ما تقدم.
قال: "وقد أوقع الفعل موقع المستثنى في قولهم: نشدتك"، إلى آخره. وقوع الفعل موقع الاسم في مواضع محفوظة. منها: وقوعه بعد
_________________
(١) الأنعا: ١٤٥.
(٢) في الأصل وفي ب: خير وهو خطأ من الناسخ.
[ ١ / ٣٨٠ ]
"إلا" (١). و"لما" في معناها (٢)، أو أوقعت بعد فعل طلب في قسم الاستعطاف، وإنما لوقعوه على سبيل الاختصار لكثرة وقوعه، وكذلك أوقعوا الفعل الذي قبله مثبتًا لفظًا منفيًا معنى لذلك. والمعنى في قولك: نشدتك بالله إلا فعلت ما أطلب منك، إلا فعلك (٣)، فما بعد "إلا" في موضع نصب على المفعولية، والاستثناء من باب الاستثناء المفرغ، فهو مفعول، كقولك: ما أطلب إلا فعلك.
[إملاء ٧٤]
[اتصال الضميرين الغائبين وليس أحدهما فاعلا]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (٤):
وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة لضغمهماها يقرع العظم نأبها (٥):
يقول: طابت نفسي للشدة التي أصباتني لوقوع القاصد لي بها في أعظم منها، والضغمة عبارة عن الشدة. وهما اثنان قصداه بسوء فوقعا في مثل ما طلباه له.
_________________
(١) قال سيبويه: "وسألت الخليل عن قولهم: أقسمت عليك إلا فعلت ولما فعلت، لم جاز هذا في هذا الموضع، وإنما أقسمت هاهنا كقولك: والله؟ فقال: وجه الكلام لتفعلن هاهنا، ولكنهم إنما أجازوا هذا لأنهم شبهوه ينشدتك الله، إذ كان فيه معنى الطلب". الكتاب ٣/ ١٠٥.
(٢) مثل: عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطًا، بمعنى: إلا ضربت.
(٣) انظر الإيضاح في شرح المفضل ١/ ٣٧٨.
(٤) ص ١٣٠.
(٥) هذا البيت من البحر الطويل وقائله لقيط بن مرة الأسدي كما في أمالي ابن الشجري ١/ ٨٩ والحماسة البصرية ١/ ٩٩. وهو من شواهد سيبويه ٢/ ٣٦٥. ولم ينسبه لأحد، والرضى ٢/ ١٩، والخزانة ٢/ ٤١٥، وابن يعيش ٣/ ١٠٥ ونسبه لمغلس بن لقيط الأسدي. وقد أوضح المؤلف معنى البيت وموضع استشهاده.
[ ١ / ٣٨١ ]
و"جعل" هذه من أفعال المقاربة التي يجب أن يكون خبرها فعلًا مضارعًا. ولضغمة: معمول ل "تطيب"، إعمال الفعل في مفعوله، وليست بمعنى المفعول من أجله، لأنه لم يرد أنها طابت لأجل الضغمة، وإنما طابت بها. والتعليل هو قوله: لضغمهماها، أي: طابت نفسي لما أصابني من الشدة لإصابة من قصدني بمثلها. والضغمة: العضة، فكني بها عن المصيبة. ويقال: ضغم الشدة وضغمته. وجاء البيت على الوجهين. فقوله: لضغمة، من قولهم: عضته الشدة، لقوله: يقرع العظم نابها. وقوله: لضغمهماها من قولهم: عضضت الشدة، لأن الفاعل ضمير من أصابها، وضمير المفعول ضميرها. أي: لضغمهما إياها، فهي معضوضة لا عاضة لمجيئها مفعولة لا فاعلة. ويجوز أن يكون الموضعان من: ضغمت الشدة، لأضغمتني. ويكون قوله: يقرع العظم نابها، مبالغة في أنه عض الشدة عضا قويًا بلغ منتهى ما يبلغه العض، وكنى ببلوغ الناب العظم من ذلك.
وموضع استشهاده مجيء الضميرين الغائبين متصلين وليس أحدهما فاعلا وهما ضمير الفاعلين، وهو قوله: هما، وضمير العضة وهو قولك: ها، وهو شاذ. والقياس في مثله: لضغمهما إياها، كراهة اجتماع ضمائر الغائبين البارزة من جنس واحد بخلاف ما لو اختلفا (١). والضمير الأول في موضع خفض بالإضافة، وهو فاعل في المعنى. والضمير الثاني في موضع نصب على المفعولية بالمصدر، أي: لأن ضغماها. ويقرع العظم نابها: في موضع صفة، إما لضغمة الأولى، وفصل للضرورة بالجار والمجرور الذي هو لضغمهماها، ويضعف لأجل الفصل بين الصفة والموصوف بالأجنبي، وهو
_________________
(١) قال الشاعر: لوجهك في الإحسان بسط وبهجة أنالهماه قفو أكرم والد انظر أوضح المسالك ١/ ١٠٤.
[ ١ / ٣٨٢ ]
غير سائغ. وإما في موضع صفة لمعنى قولك: ها، إذ معناه: لضغمهما مثلها، إذ الأولى لم تصب هذين وإنما أصابهما مثلها، فهو في المعنى مراد، فـ "مثل" (١) نكرة وإن أضيفت إلى المعرفة، فجاز أن توصف بالجملة.
ويجوز أن يكون: يقرع العظم نابها، جملة مستأنفة لتبيين أمر الضغمة في الموضعين جميعًا، فلا موضع لها من الإعراب، لأنها لم تقع موقع مفرد. وما يتوهم من أن "لضغمهماها" مضاف إلى المفعول و"ها" في المعنى فاعل فيؤدي إلى أنه أضاف إلى المفعول وأتى بعده بالفاعل بصيغة ضمير المنصوب، مندفع بما تقدم من أنه لم يرد أن الشدة عضت، وإنما أراد أنهما عضا الشدة، إذ لا يستقيم أن يضاف المصدر إلى المفعول ويؤتي بالفاعل بصيغة ضمير المنصوب باتفاق، فوجب حملة على ما ذكرناه دفعًا لما يلزم مما أجمع على امتناعه.
[إملاء ٧٥]
[قول لابن برهان والرد عليه]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٢):
كم نالني منهم فضلًا على عدم إذ لا أكاد من الاقتار أحتمل (٣)
_________________
(١) في ب، د، س: ومثل:
(٢) ص ١٨١.
(٣) هذا البيت من البسيط وقائله القطامي، وهو عمير بن شييم، من قصيدة يمدح فيها عبد الواحد بن الحارث بن الحكم والي المدينة في عهد مروان بن الحكم الأموي. انظر ديوانه ص ٦ (تحقيق ياكوب بارث – ليدن ١٩٠٢م). وهو من شواهد سيبويه ٢٠/ ١٦٥ والمقتضب ٣/ ٦٠ والإنصاف ١/ ٣٠٥ والرضى ٢/ ٩٧. واستشهد به الزمخشري على أنه لما فصل بين "كم" ومميزها نصب المميز، وهذا مذهب البصريين. أما عند الكوفيين فإنه يجر. انظر الإنصاف ١/ ٣٠٣.
[ ١ / ٣٨٣ ]
قال ابن برهان (١) النحوي: كم: مبتدأ، ونالني: خبره. وفي "نالني" ضمير فاعل عائد على "كم". وقوله: على عدم، حال من "ي". إذ لا أكاد: ظرف زمان مضاف إلى الجملة من الفعل والفاعل. وأحتمل: منصوب بـ:أكاد". ومن الاقتار: مفعول له يعمل فيه أحتمل. انتهى كلام ابن برهان (٢).
قال الشيخ ﵀: لا يصح أن يكون (٣) معمولًا لـ "أحتمل" لفساد المعنى إذ الاحتمال لم يكن من أجل إقتار فيخصصه بالنفي، وإنما يصح مثل ذلك لو كان قصد إلى شيء يصح أن يكون معللًا بمثل ذلك ثم ينفيه مخصصًا له كقولك: ما جئتك طمعًا في برك. فإن المجيء قد يكون طمعًا في البر، فنفي المجيء المقيد بعلة الطمع، ولذلك لا يلزم منه نفي المجيء لغير ذلك، لأنه لم يتعرض له، بل قد يفهم منه إثبات مجيء لغير ذلك عند من يقول بالمفهوم. أما لو قال: ما كلفتك بشيء للتخفيف عليك، فلا يستقيم أن يكون تعليلًا لـ "كلفتك"، فإنه لا يصح أن يكون التخفيف علة للتكليف، وإنما علل به نفي التكليف، أي: انتفى التكليف من أجل غرض التخفيف. وسر ذلك هو أنه إذا تعلق الفعل بشيء فلابد أن يعقل مثبتًا في نفسه ثم يتعلق النفي به. وإذا تعلق افنفي به انتفى المقيد بما تعلق، ولا ينتفي مطلقًا، إذ لم ينفه إلا مقيدا. ومن أجل ذلك امتنع تعلق "من الاقتار" بـ "أحتمل". ويمتنع أيضًا تعلقه بـ "أكاد"؛ إذ لا يتصور تعليل مقاربة الاحتمال بالاقتار لأنه عكس المعنى على ما تقدم في
_________________
(١) هو عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي العكبري نسبة إلى عكبرا على دجلة فوق بغداد، صاحب العربية واللغة والتاريخ. كان زاهدًا ومتعصبًا لأبي حنيفة. توفي سنة ٤٥٦ هـ. انظر بغية الوعاة ٢/ ١٢٠ وإنباه الرواة ٢/ ٢١٣.
(٢) انظر قوله هذا في شرح الدمع ص ٣٦٥ (رسالة ماجستير. تحقيق فائز فارس محمد الحمد. جامعة القاهرة سنة ١٩٧٤م).
(٣) الضمير المستتر في (يكون) يعود على (من الإقتار).
[ ١ / ٣٨٤ ]
"احتمل"، فوجب أن يكون متعلقًا بالنفي إذ هو المسبب في المعنى، لأن المعنى: انتفت مقاربة الاحتمال من أجل الاقتار. ألا ترى أنك (١) لو قلت لمن قال: انتفت مقاربة الاحتمال: ما سبب ذلك؟ لصح أن يقول: سببه الاقتتار. ولو قلت لمن قال: ما سبب مقاربة الاحتمال أو ما سبب الاحتال؟ وقال: سببه الاقتتار، لكان فاسدًا. فهذا مما يوضح أنه تعليل للنفي، غير مستقيم أن يكون تعليلًا لـ "أحتمل" أو "أكاد".
[إملاء ٧٦]
[وضع الضمير المتصل موضع المنفصل]
وقال أيضًا ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٢) وهو:
وما نبالي إذا ما كنت جارتنا ألا يجاوزنا إلاك ديار (٣)
معناه: إذا حصلت مجاورتك فانتفاء مجاورة كل أحد مغتفرة غير مبالي بها، لأن مجاورتك هي المقصودة دون جميع المجاورات. و"أن لا يجاورنا" في موضع مفعول. إما على تقدير حذف حرف الجر، كقولك: ما باليت بزيد، أو على التعدي بنفسه، كقولك: ما باليت زيدًا. وديار: فاعل لـ "يجاورنا". وموضع الاستشهاد قوله: إلاك، لوضعه الضمير المتصل موضع المنفصل. والأصل أن لا يجاورنا إلا إياك ديار، لأنه مستثنى مقدم على المستثنى منه، فوجب أن يكون منصوبًا كقولك: ما جاءني إلا أخاك أحد، فعدل عن لفظ
_________________
(١) ألا ترى أنك: سقطت من د.
(٢) ص ١٢٩.
(٣) هذا البيت من البسيط ولم يعرف قائله. وهو من شواهد الرضي ٢/ ١٤، والخصائص ١/ ٣٠٧، والمغني ٢/ ٤٩٢ (دمشق)، والخزانة ٢/ ٤٠٥، وقد ذكر المؤلف موضع استشهاده ومعناه.
[ ١ / ٣٨٥ ]
المضمر المنفصل الذي هو إياك إلى المضمر المتصل الذي هو الكاف وحدها للضرورة.
[إملاء ٧٧]
[الإضافة اللفظية والمعنوية]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (١): "وإضافة الاسم إلى الاسم على ضربين: معنوية ولفظية": أخذ في الكلام على المضاف إليه باعتبار الحرف المراد لا باعتبار الحرف الملفوظ به، لأن ذلك من باب حرف الجر، وستأتي (٢)، معرفتها فلا حاجة إلى تكرارها (٣) ههنا.
وأما الكلام على المضاف إليه فليس له موضع أشبه من هذا، ولذلك استوعب ذكره ولم يتعرض للآخر.
وفسر المعنوية بقوله: "ما أفاد تعريفًا أو تخصيصًا" (٤). وليس هذا التعريف بمستقيم لأن الغرض أن يعلم بالإضافة ذلك. فإذا عرفت به صار دورًا في حق المتعلم، إلا أنه اغتفره من حيث إنه بين اللفظية بعد ذلك بأمر واضح والمعنوية ما عداها، فلما كانت مبينة بذلك اغتفر الأمر فيما ذكرناه ولم يؤخرها بعد اللفظية
_________________
(١) ص ٨٢.
(٢) في الأصل: وسيأتي. وما أثبتناه من ب، وهو الأحسن.
(٣) في ب، س: تكريرها.
(٤) قال ابن يعيش: "وأما الإضافة المعنوية فإن تجمع في الاسم مع الإضافة اللفظية إضافة معنوية، وذلك بأن يكون ثم حرف إضافة مقدر يوصل معنى ما قبله إلى ما بعده، وهذه الإضافة هي التي تفيد التعريف والتخصيص، وتسمى المحطة، أي: الخالصة بكون. المعنى فيها موافقًا للفظ". شرح المفصل ٢/ ١١٨.
[ ١ / ٣٨٦ ]
لتوقف معرفتها في التحقيق عليها لأنها أصل في باب الإضافة، فلا يليق تأخيرها عن الفرع.
قال: "واللفظية أن تضاف الصفة (١) إلى مفعولها أو إلى فاعلها". فكل صفة مضافة إلى معمولها فهي اللفظية، وما عدا ذلك فمعنوية. فإذا أضيف ما ليس بصفة إلى معمول فهي معنوية، وإذا أضيفت الصفة إلى غير معمولها كانت معنوية أيضًا. فإذا قلت: ضرب زيد حسن، فإضافة "ضرب" وإن كان مضافًا إلى معمولة معنوية (٢)، وكذلك إذا قلت: ضارب مصر، فالإضافة معنوية، لأنك لم ترد أن الضرب واقع في مصر، وإنما نسبت الضارب إلى مصر، كما لو نسبته إلى العلم وشبهه لتعريفه. وعلى ذلك حمل بعضهم: ﴿مالك يوم الدين﴾ (٣). كراهة أن تجري النكرة صفة على المعرفة. وعلى هذا الوجه يكون معرفة لأنها إضافة معنوية فتفيد تعريفًا.
قال: "ولا تفيد إلا تخفيفًا في اللفظ". لأن الغرض بها تخفيف لفظي لا أمر معنوي. وإذا لم يكن المراد بها أمرًا معنويا وجب أن يكون بعد الإضافة كما كانت عليه قبلها، فلذلك قبل: مررت برجل ضارب زيد، فوصف به النكرة، ولو كان معرفة لم يجر صفة للنكرة، وامتنع: بزيد ضارب عمرو. ولو كان معرفة لجاز وصف المعرفة به، وجاز: مررت بزيد ضارب عمرو، على أن يكون حالًا. ولو كان معرفة لم يقع حالًا. وهذه كلها أحكام تدل على أن معناها بعد الإضافة كما كان قبل الإضافة (٤).
_________________
(١) وهذه الصفة ثلاثة أنواع: اسم الفاعل كضارب زيد، واسم المفعول كمضروب الغلام، والصفة المشبهة كحس الوجه.
(٢) لأن المضاف غير صفة.
(٣) الفاتحة: ٣.
(٤) أي: أن الإضافة اللفظية لا تفيد تعريفًا ولا تخصيصًا بدليل وصف النكرة بها، ووقوعها حالًا. فمثال وصف النكرة بها قوله تعالى: "هديًا بالغ الكعبة". ومثال وقوعها حالًا قوله تعالى: "ثاني عطفه".
[ ١ / ٣٨٧ ]
[قال] (١): "وقضية الإضافة المعنوية أن يجرد لها المضاف من التعريف". وإنما كان كذلك من جهة أن تعريف الإضافة راجع إلى أمر معنوي معهود بينك وبين من تخاطبه في نسبة المضاف إلى المضاف إليه. والتعريف بالام راجع إلى ذلك، فكرة أن يجمع بين أمرين، أحدهما مغن عن الآخر. فإن قلت: لم لا يجمع بين الإضافة وبين غير تعريف الألف واللام كالأعلام وأسماء الإشارة؟ فالجواب: أنه في ذلك أبعد لأنه إذا لم يجز الجمع بين تعريفين متساويين للاستغناء بأحدهما فلأن لا يجمع بين تعريف قوي وتعريف ضعيف استغناء بالقوى عن الضعيف أجدر. والتعريفات الأصلية أقوى من تعريفات الإضافة، فلذلك لم يجز إضافة اسم الإشارة ولا المضمر ولا العلم (٢).
فأما زيد الفوارس فذاك راجع إلى تأويله بالنكرات حسب ما تقدم في الأعلام، لا على أنه أضيف مع إرادة العلمية، لأن ذلك متعذر.
[قال] (٣): "وما نقله (٤) الكوفيون من قولهم: الثلاثة الأثواب فبمعزل عند أصحابنا عن القياس واستعمال الفصحاء". أما القياس فلما ذكرناه. وأما استعمال الفصحاء فنحو ما أنشده وما تمسك به الكوفيون لغة ضعيفة، فلا تقوى لمعارضة ما ذكره البصريون من القياس واستعمال الفصحاء.
ووجه هذه اللغة أنهم لما رأوى الثلاثة الأثواب وبابه، المضاف والمضاف إليه في المعنى كشيء (٥) واحد، بخلاف باب غلام زيد، توهموا أنه ليس من
_________________
(١) زيادة من عندي ليعلم أن ما بعدها من كلام الزمخشري.
(٢) لأنه لا يعرض لها ما تحتاج معه إلى الإضافة.
(٣) زيادة من عندي حتى لا يختلط كلام ابن الحاجب بكلام الزمخشري.
(٤) عبارة المفصل: تقبله. ص ٨٣.
(٥) في الأصل: لشيء. وما أثبتناه من س، وهو الصواب.
[ ١ / ٣٨٨ ]
ذلك القبيل، فعرفوا الاسمين جميعًا، وهو وهم محض، فإنه لو لم يقدر التعدد لم تصح الإضافة. ألا ترى كيف امتنعت في نحو: حبس منع، وأسد سبع (١)، لما لم يكن تقدير التعدد ممكنًا.
فدل على ذلك أن باب الإضافة عندهم سواء. فكما لا يجوز: الغلام زيد، بالإجماع، كذلك لا يجوز: الخمسة الأثواب (٢).
قال: "وتقول في اللفظية: مررت برجل حسن الوجه" (٣). يعني: أنهم لم يمتنعوا في اللفظية من تعريف الأول كما امتنعوا في المعنوية، لانتفاء مانع ذلك. ألا ترى أن اللفظية لا تفيد تعريفًا، والمانع إنما كان التعريف المفاد بالإضافة في المعنوية، فلما لم يكن ذلك ههنا لم يكن تعريف الأول ممتنعا، فلذلك جاز: الحسن الوجه، كما يجوز: الحسن، لو لم تضفه، لأن الحاجة إلى تعريفه مضافًا كالحاجة إلى تعريفه مفردًا.
قال: "ولا تقول: الضارب زيد" لأن التنوين زال بالألف واللام، فلم تفد فيه الإضافة خفة (٤)، وشرط الإضافة اللفظية ذلك في مثله، فلما انتفى الشرط انتفى الحكم. وأجازه الفراء (٥)، إما لأنه لا يعتبر الخفة كما لا يعتبرها في
_________________
(١) أي: إضافة الاسم إلى مرادفه.
(٢) ولكن ابن الحاجب نفسه استخدم مثل هذا في كلامه. قال: "ولذلك جاءت في التركيب على الأربعة الأوجه التي ذكرناها". انظر إملاء (٧٠) من هذا القسم.
(٣) وعبارة المفصل: وتقول في اللفظية مررت بزيد الحسن الوجه. المفصل ص ٨٤.
(٤) قال ابن يعيش: "لأن الألف واللام إذا لحقت اسم الفاعل كانت بمعنى الذي وكان اسم الفاعل في حكم الفعل من حيث هو صلة له فيلزم إعماله فيما بعده". شرح المفصل ٢/ ١٢٢.
(٥) هو يحيى بن زياد بن عبد الله أبو زكرياء الفراء. كان أبرع الكوفيين في علمهم. أخذ علمه عن الكسائي، ثم أخذ عن أعراب وثق بهم. وكان متورعًا متدينًا، زائد العصبية على سيبويه. انظر مراتب النحويين ص ١٣٩، وطبقات النحويين واللغوين ص ١٤٣.
[ ١ / ٣٨٩ ]
الضاربك، وإما لأنه يقدر التنوين محذوفًا للإضافة، ويقدر التعريف بعد ذلك. أما كونه لا يعتبر التخفيف فليس بمستقيم، فإنا متفقون على امتناع: الحسن وجهه، وليس إلا لذلك (١). وأما تقديره التنوين محذوفًا قبل الإضافة فليس بمستقيم، لأنا نعلم أن الألف واللام سابقة، وإذا كانت سابقة وجب إثبات حكمها سابقًا، وإذا وجب حذف التنوين لأجلها لم يبق للإضافة ما يحذف تخفيفًا.
قال: "وأما الضارب الرجل، فمشبه بالحسن الوجه" (٢)، من حيث كان: الحسن الوجه، محمولا على باب: الضارب الرجل، حتى جوز فيه النصب الذي هو على خلاف المعنى. فإذا حمله عليه لمشابهته فيما هو مخالف للمعنى فلأن يجوز مشابهة أخيه به في أمر لفظي أقرب، وهي الإضافة التي هي أقوى الوجوه في الحسن الوجه. وسيأتي ذكره في بابه.
قال: "وإذا كان المضاف إليه ضميرًا متصلًا جاء ما فيه تنوين". يريد: أن متعلق اسم الفاعل إذا كان مضمرًا لا يجوز أن يكون منصوبًا به لما يؤدي إليه من التناقض. لأنهم لو نصبوا بضارب في: ضاربك، لجمعوا بين التنوين والضمير. وكونه مضمرًا متصلًا يشعر أنه من تمام الأول، ودخول التنوين أو النون يشعر بانفصال الأول، فكان الجمع بينهما من قبيل التناقض. ولما كان ذلك مرفوضًا في: ضاربك، ثبت أن للمضمر المتصل بالنسبة إلى هذه الإضافة شأنا ليس لغيره وهو كونه لا يعتبر فيه التخفيف كما اعتبر في غيره لأداء ذلك إلى
_________________
(١) في د: كذلك. والصواب ما أثبتناه.
(٢) وجه الشبه بينهما أن الضارب صفة كما أن الحسن صفة، وما بعده يكون مجرورًا أو منصوبًا. فتقول: هذا ضارب زيدًا وضارب زيد، كما تقول: مررت برجل حسن وجهًا وحسن الوجه. فلما أشبهه جاز إدخال الألف واللام عليه، وإن لم يكن مثله من كل وجه. ألا ترى أن المضاف إليه في: الضارب زيد، مفعول منصوب في المعنى، والمضاف إليه في: الحسن الوجه، فاعل مرفوع. انظر ابن يعيش ٢/ ١٢٣.
[ ١ / ٣٩٠ ]
التناقض. وإذا ثبت ذلك: اربك، ثبت مثله في: الضاربك، لأنه فرعه، فجرى الضاربك في الصحة كما جرى ضاربك (١). وهذا إذا قلنا: إن الضاربك مضاف، وأما إذا قلنا: إنه عامل في الكاف النصب سقط احتجاج الفراء به على: الضارب زيد، واستغنينا عن الجواب عنه، فهذا مقصوده في الفصل.
وأورد قوله:
هم الآمرون الخي والفاعلونه (٢)
اعتراضًا في الجميع بين النون والمضير. وأجاب بأنه شاذ لا يعمل عليه.
قال: "وكل اسم معرفة يتعرف به ما أضيف إليه إضافة معنوية". لأن الغرض فيها نسبة خصوصية بين الأول والثاني، فيلزم اكتساب التعريف لتعيينه بالخصوصية. قوله: إضافة معنوية، احتراز من الإضافة اللفظية، لما تقدم من أنها لا تفيد إلا تخفيفًا في اللفظ، والمعنى على ما كان عليه.
قال: "إلا أسماء توغلت في إبهامها فهي نكرات وإن أضيفت إلى المعارف". لأنه تعذر اعتبار الخصوصية المفيدة فبقى منكرًا، وذلك في (٣) نحو: غير ومثل وشبهه. لأن المثلية والغيرية تقدر بين كل شيئين. فلما توغل الإبهام فيها تعذر اعتبار الخصوصية بخلاف رجل وثوب ودار.
_________________
(١) ونقل عن سيبويه أن الضمير في "الضاربك" منصوب، وفي "ضاربك" مجرور. انظر أوضح المسالك ٣/ ١٠١.
(٢) هذا صدر بيت من الطويل وعجزه: إذا ما خشوا من حادث الدهر معظمًا. وهو من شواهد الكتاب ١/ ١٨٨ ولم ينسبه لأحد. وقال: "وزعموا أنه مصنوع"، ورواية الشطر الأول فيه: هم القائلون الخير والآمرونه. وانظر خزانة الأدب ٢/ ١٨٧. وابن يعيش ٢/ ١٢٥.
(٣) وجدت هذه الكلمة في الأصل وفي م. وسقطت من الباقي. والمعنى يستقيم بدونها.
[ ١ / ٣٩١ ]
قال: "إلا إذا شهر المضاف بمغايرة (١) المضاف إليه أو بمماثله فحينئذ يمكن اعتبار الخصوصية، فيحصل التعريف لذلك.
قال: "والأسماء المضافة إضافة معنوية على ضربين: لازمة للإضاءة لازمة لها". فاللازمة للإضافة كل اسم ذي نسبة توغل في الإبهام باعتبار النسبة، أو اسم الغرض بوضعه المنسوب إليه هو. فالأول كأمام وقدام وشبه. والثاني: كسوى وذو. وهي على ضربين على ما ذكر: ظروف ظروف، ولكنها لا تخرج في المعنى عما ذكرناه. وغير اللازمة للإضافة يكن كذلك، نحو: ثوب ودار، فإنه يستعمل مفردًا ومضافًا (٢).
قال: "وأي إضافته إلى اثنين فصاعدًا إذا أضيف إلى المعرفة" (٣). "أي" يقتضي الإضافة لأن الغرض به تفصيل المتعدد، فالمتعدد ما يوضعه. وهو في الاستفهام معناه السؤال عن تعيين جزء المتعدد باعتبار نُسب إليه. فإذا قلت: أي الرجلين عندك؟ فمعناه السؤال عن تعيين الرجلين الذي استقر عنده. ثم لا يخلو إما أن يكون السؤال عن واحد أو فإن كان السؤال عن واحد كان له طريقان: أحدهما: أن تضيفه إلى معرفة أو مجموع، عهدا في المثنى، وعهدا وجنسا في المجموع. والثاني أن إلى نكرة مفرد (٤). فتقول في الأول: أي الرجلين وأي الرجال عندك (٥)
_________________
(١) كقوله تعالى: "غير المغضوب عليهم" (الفاتحة: ٧).
(٢) مثل: مررت بعبد الله مثلك.
(٣) قال ابن يعيش: "وإذا أضيفت إلى معرفة وجب أن تكون تلك المعرفة مما يتبعض بأن تكون المعرفة إما تثنية أو جمعًا نحو قولك: أي الرجلين عندك رأي الرجال، رأيت وأيهم مررت به". شرح المفصل ٢/ ١٣٢.
(٤) "وإنما جاز إضافته إلى الواحد المنكور ههنا من حيث كان نوعًا يعم أشخاص ذلك فهو يشمل كل من يقع عليه ذلك الاسم، فلذلك جازت إضافته إليه". انظر ابن ٢/ ١٣٣.
(٥) في س: عندي.
[ ١ / ٣٩٢ ]
الثاني: أي رجل عندك؟ وإن كان السؤال متعدد وجب إضافته إلى طبق ما يسأل عنه منكرا، فتقول: أي رجلين وأي رجال؟ ولذلك وجب أن تقول في الأول: أي الرجلين جاءك؟ وأي الرجال جاءك؟ وفي الثاني: أي رجلين جاءاك؟ وأي رجال جاؤوك؟ لأن الضمير يعود على المسؤول عنه، وهو في الأول مفرد وفي الثاني متعدد. وكأنهم لما قصدوا السؤال عن متعدد أضافوه إلى ما يطابقه، كأنهم فصلوا الجنس هذا التفصيل، ثم سألوا عن هذا الجزء الذي على هذه الصفة منه. فعلى هذا يكون قولهم: أي رجل؟ من القبيل الثاني، إلا أنه وافق الأول في المعنى من حيث كان السؤال عن مفرد، ولذلك (١) ذكره صاحب الكتاب مع المثنى والمجموع.
قال: "وحق ما يضاف إليه (كلا) أن يكون معرفة (٢) ومثنى (٣) أو ما هو في معنى المثنى (٤) ". أما كونه مثنى فلأن وضعه لتأكيد المثنى، وهو لفظ مبهم يضاف لتبين ما هو له. فلو أضيف إلى غير المثنى لفسد المعنى. وأما كونه معرفة فلأن الغرض بإضافتها تبين ما هي له. فلو أضيفت إلى نكرة لم يحصل تبين، وأيضًا فإنها من ألفاظ التواكيد، والتواكيد معارف. فإن قيل: فـ "كل" كذلك باعتبار الجمع، فكان حكمها ألا تضاف إلا إلى معرفة مجموع، وقد قيل: كل رجل. فالجواب: أنهم التزموا في "كل" مثل ما التزموه في "كلا" إلا أن اسم
_________________
(١) في الأصل: وكذلك، عن والصواب ما أثبتناه.
(٢) وأجاز الكوفيون إضافتها إلى النكرة المختصة نحو: كلا رجلين عندك محسنان. مغني اللبيب ١/ ٢٢٣ (دمشق).
(٣) وأجاز ابن الأنباري إضافتها إلى المفرد بشرط تكريرها نحو: كلاي وكلاك محسنان. مغنى البيب ١/ ٢٢٣ (دمشق).
(٤) كقول الشاعر: إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل لأن "ذا" مثناة في المعنى.
[ ١ / ٣٩٣ ]
الجنس لما كان عامًا حصل معنى الجمع ومعنى التعريف، فكان في المعنى مضافًا إلى مجموع معرفة وهو المقصود. ولو فعل بكلا هذا الفعل فسد المعنى، إذ لا يصح العموم مع قصد المثنى. والأفصح أن يكون لفظ المضاف إليه لفظًا واحدًا غير معطوف عليه لفظ آخر يكون باعتبارها مثنى. كأنهم قصدوا إلى إرادة تبين أن المراد الجزاءان (١) المضاف إليهما "كلا"، وقد جاء ذلك في الشعر تنزيلا للمعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد، كقوله: كلا زيد وعمرو (٢).
[إملاء ٧٨]
[من معاني تفاعل]
وقال أيضًا ممليا على قول الشاعر في المفصل (٣):
إذا تخازرت وما بي من جزر ثم كسرت العين من غير غور (٤)
تخازر الرجل: إذا ضيق جفنه ليحدد النظر، كقولك: تعامي وتجاهل، والخزر: ضيق العين وصغرها. ورجل أخزر: بين الخزر. ويقال: هو أن يكون الإنسان كأنه ينظر بمؤخرها. وموضع الاستشهاد منه ظاهر، وهو أن "تفاعل" يأتي ليريك الفاعل أنه في حال ليس فيها، كما قال: تجاهلت وتغافلت. يعني أن هذه الحال ليست ثابتة له.
_________________
(١) في ب: الجزئين، والصواب ما أثبتناه، لأنه خبر أن.
(٢) وكقول الشاعر: كلا أخي وخليلي واجدي عضدا وساعدًا عند إلمام الملمات
(٣) ص ٢٨٠.
(٤) هذا البيت من الرجز وينسب لعمرو بن العاص. وقيل: للنجاشي الحارثي. وقيل: لأرطأة بن سهية. وهو من شواهد سيبويه ٤/ ٦٩ والمقتضب ١/ ٧٩ وأمالي القالي ١/ ٩٦ وشرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ٢/ ٣٣٩. وقد أوضح المؤلف معناه وموضع استشهاده.
[ ١ / ٣٩٤ ]
[إملاء ٧٩]
[مجيء العلم الثلاثي الساكن الوسط منصرفا وغير منصرف]
وقال أيضًا ممليا على قول الشاعر في المفصل (١)
لم تتلفع بفضل مئزرها دعد ولم تسق دعد في العلب (٢)
لفع رأسه تلفيعا أي: غطاه. ولفعت المزادة أيضًا قلبتها. وتلقعت المرأة بمرطها (٣) أي: تلحفت به. واللفاع ما يتلفع به. ومعناه: أن هذه عندها رفاهية وليست كغيرها تغتذي فيما يحلب فيه، بل لها إناء غيره تسقي فيه أو تغتذي فيه. ولا تتستر بفضل مئزرها في أنها تشده في وسطها وتعمل فاضلة على رأسها، بل لها شيء آخر تلفع به رأسها. وإنما يتلفع بفضل مأزرهن البدويات والإماء الماهنات الممتهنات.
وقيل: إن هذه لم تسق اللبن لا في علبة ولا في غيرها لأنها متحضرة. وإنما يشرب اللبن أهل البدو لأنهم لا يكادون يجدون الماء. وموضع الاستشهاد ظاهر. والعلب جمع علبة، وهو محلب من جلد. ويقال في جمعه أيضًا علاب.
_________________
(١) ص ١٧.
(٢) هذا البيت من المسرح. قيل: لعبيد الله بن قيس الرقيات. انظر ملحقات ديوانه ص ١٨٧. وقيل: لجرير. انظر الأشعار المنسوبة إليه في ديوانه ٢/ ١٠٢١. وهو من شواهد سيبويه ٣/ ٢٤١، والكامل ١/ ١٨٣، والخصائص ٣/ ٦١. والشاهد فيه مجيء العلم الثلاثي الساكن الوسط منصرفًا وغير منصرف.
(٣) المرط: كساء من خز أو صوف. اللسان (مرط).
[ ١ / ٣٩٥ ]
[إملاء ٨٠]
[إعمال جمع صيغة المبالغة إعمال الواحد]
وقال أيضًا ممليا على قول الشاعر في المفصل (١):
شم مهاوين أبدان الجزور مخا ميص العشيات لا خور ولا قزم (٢)
الشمم: ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه. فإن كان فيها أحديداب فهو القني، يصفهم بالارتفاع، إما في النسب أو الكرم أو القدر، أو غيره. وهو مأخوذ من الشمم المذكور. وقوله: مهاوين أبدان الجزور، جمع مهوان على سبيل المبالغة، أي: ينحرونها. وقوله: مخاميص العشيات، أي: ضامرون. البطون. يصفهم بأنهم لا يبادرون إلى العشاء، بل ينتظرون من يأكل معهم من ضيف أو غيره. وقوله: لا خور ولا قزم. والخور: الضعف، يقال: رجل خوار، ورمح خوار، وأرض خوارة، والجمع خور. والقزم بالتحريك: الدناءة والقماءة. والقزم: رذال الناس وسفلتهم. يعني: ولا ضعفاء ولا رذال الناس.
وموضع الاستشهاد من (٣) قوله: "مهاوين أبدان". فإنه أورده في قوله: "وما ثنى من ذلك وجمع مصححا ومكسرًا يعمل عمل المفرد". و"أبدان" منصوب به. و"شم" خبر مبتدأ محذوف، وما بعده أخبار. وأضاف قوله
_________________
(١) ص ٢٢٨.
(٢) البيت من البسيط وهو للكميت. انظر ديوانه ٢/ ١٠٤. وهو من شواهد سيبويه ١/ ١١٤ والهمع ٢/ ٩٧ والخزانة ٣/ ٤٤٨. والصفات في البيت تروي مرفوعة ومجرورة. قال البغدادي: الأوصاف جميعها مجرورة في البيت لأن قبله: يأوى إلى مجلس باد مكارمهم لا مطمعي ظالم فيهم ولا ظلم. وقد أوضح المؤلف معناه وموضع استشهاده.
(٣) في ب، د: في.
[ ١ / ٣٩٦ ]
"مخاميص"، إلى العشيات، مثل قوله تعالى: ﴿بل مكر الليل﴾ (١). ويا سارق الليلة أهل الدار (٢)، على سبيل الاتساع.
[إملاء ٨١]
[تعقيب على كلام للزمخشري في المبتدأ والخبر]
وقال ممليًا [بدمشق سنة عشرين وستمائة] (٣) على قوله في المفصل (٤): "لأنهما لو جردًا لا للإسناد لكانا في حكم الأصوات التي حقها أن ينعق بها غير معربة، لأن الإعراب لا يستحق إلا بعد العقد والتركيب": جعل انتفاء الإعراب ههنا من أجل انتفاء سببه. وذكر الأصوات في المبنيات وجعل كونها مبنية لمانع منع من الإعراب وهو مناسبتها لما هو مبني في أصل وضعه (٥)، فناقض في موجب البناء وتحكمه في أحد الموضعين بانتفاء سبب الإعراب، وفي الموضع الآخر بوجود السبب لأنه إذا حكم بانتفاء الحكم لوجود "المانع فقد أثبت وجود السبب. هذا إن حملنا الأصوات ههنا على أنها هي التي قصدها ثم وهو الظاهر. فأما إذا قصد بالأصوات ههنا اللفظ الذي لا تركيب فيه، وقصد بالأصوات ثم الألفاظ التي يحكى بها صوت مع التركيب صح أن يكون الأول لانتفاء السبب والثاني لوجود المانع، أو قصد بالأصوات هنا تلك الأصوات مع عدم التركيب، وقصد بها ثم هذه مع وجود التركيب، فيكون بناؤها ههنا لانتفاء سبب الإعراب، وبناؤها ثم لوجود المانع، فيزول التناقض.
_________________
(١) سبأ: ٣٣.
(٢) من شواهد سيبويه ١/ ١٧٥. ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٨٠. والمحتسب ١/ ١٨٣. والشاهد فيه جعل الليلة مسروقة على سبيل الاتساع.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) ص ٢٤.
(٥) قال الزمخشري: "وسبب بنائه مناسبته ما لا تمكن له بوجه قريب أو بعيد بتضمن معناه". المفصل ص ١٢٥.
[ ١ / ٣٩٧ ]
[إملاء ٨٢]
[مسائل في الحال]
وقال أيضًا ممليًا على مواضع في الحال في المفصل (١). قال: "شبه الحال بالمفعول من حيث إنها مفعول فيها". كان يقتضي أن يذكر شبهه بالمفعول بعد ذكر حده، وإنما قدمه لينبه على أن المفاعيل قد انتهت وأن هذا ابتداء المشبهات، ولو أخره لم يحصل هذا الغرض إلا بانتهائه.
قال: "ومجيئه (٢) لبيان هيئة الفاعل أو المفعول". فأتى بالمعنى الذي وُضع لأجله الحال فصلا يميزه عن غيره. وكذلك جميع حدود النحويين لا يمكن أن تكون إلا كذلك، لأن الألفاظ من حيث كونها ألفاظًا لا يختلف بعضها عن بعض بحقيقة نفسية بل كلها حقيقة واحدة. وإنما تختلف من جهة الموضوعات، فتجعل الموضوعات كأنها حقائق لها تقديرًا، وتحد بها. ولما تحقق ذلك وأراد حد الحال ذكر المعنى الذي وضع لأجله الحال، وجعله فصلا لأنه هو الذي يميزه عن غيره. ويرد عليه في قوله: بيان لهيئة الفاعل أو المفعول، أن يقال: جاء زيد العاقل، بيان لهيئة زيد وهو فاعل، فهو بيان لهيئة الفاعل (٣) وليس بحال. وجوابه أن يقال: قوله: بيان لهيئة الفاعل، تنبيهًا على اعتبار الفاعلية في بيان الهيئة. وفي قولك: جاء زيد العاقل، لم تجيء بالعاقل بيانًا لزيد باعتبار الفاعلية، وإنما جئت به بيانًا باعتبار الذات لا باعتبار كونها فاعلة، فحصل الغرض من الفرق بينهما.
وقوله: "لقيته مصعدًا ومنحدرًا". وقع في بعض النسخ: مصعدًا منحدرًا،
_________________
(١) ص ٦١. وعبارة المفصل: شبه الحال بالمفعول من حيث إنها فضلة مثله جاءت بعد مضي الجملة ولها بالظرف شبه خاص من حيث إنها مفعول فيها.
(٢) في المفصل: ومجيئها. ص ٦١.
(٣) زيد العاقل لهيئة الفاعل: سقطت من د.
[ ١ / ٣٩٨ ]
بلا واو، ولكل وجه. ولكن الغرض الذي قصده صاحب الكتاب إنما يستقيم بالواو لأنه قصد إلى مجيء الحالين فيهما بعد ثبوتهما جمعًا وتفريقًا. وإذا صح مجيئهما جمعًا وجب عند تفريقهما أن يكون بالعطف. بيانه في الصفات أنك تقول: مررت بزيد وعمرو العاقلين، فإذا فرقت ما تعذر فيه الجمع جمعت بينهما بالواو فقلت: مررت بزيد وعمرو العاقل والجاهل. كذلك إذا قصدت ههنا تفريق ما قصدت إلى جمعه معنى وتعذر لفظًا قلت: لقيته مصعدًا ومنحدرًا. نعم لو لم ترد الجمع بين الحالين في المعنى وقصدت إلى أن تجعل مصعدًا حالًا من المفعول ثم انعطفت إلى بيان ذكر الفاعل فقلت: منحدرًا، لوجب أن يكون بغير واو، كما أنك لو قلت: مررت بزيد وعمرو العاقل، وكان العاقل نعتًا لعمرو، ثم خطر لك أن تصف بصفة هو عليها لوجب أن تقول: الجاهل.
قال: "والعامل فيها فعل وشبهه (١) من الصفات". قال الشيخ: لابد للحال من عامل كسائر المعربات، وعامله هو الذي اقتضى التقييد، والمقتضى للتقييد هو الفعل إذ لولاه لم يكن حال، إذ الحال بيان هيئة الفاعل من حيث هو فاعل، وهذا إنما يكون بالفعل. فالفعل إذن هو الذي اقتضى هذه الحال، فيجب أن يكون هو الحال.
قوله: "وقد منعوا في (٢): مررت راكبًا بزيد" إلى آخره. قال الشيخ: للنحويين في هذا خلاف، منهم من يمنعه وهم أكثر البصريين. فمن منعه فحجته أنه لم يوجد في كلام العرب، ولا يمكن حمله على المرفوع والمنصوب وإن لم يسمع لظهور الفرق بينهما. وبيانه هو: أن الحال في المعنى معمولة لما
_________________
(١) في المفصل: إما فعل وشبهه. ص ٦٢.
(٢) في: سقطت من ب، د، س. وهي موجودة في المفصل، ص ٦٢. والعبارة بكاملها: وقد منعوا في: مررت راكبًا بزيد، أن يجعل الراكب حالًا من المجرور.
[ ١ / ٣٩٩ ]
عمل في صاحبها، والعامل في صاحبها هو الفعل والجار جميعًا. إلا أن عمل الجار لفظي وعمل الفعل معنوي، فينبغي أن يكونا عاملين في الحال من حيث اللفظ والمعنى، إلا أنهما ههنا بالعكس، عمل الفعل لفظي وعمل الحرف معنوي، والعرب لا تقدم معمول الجار عليه. فكما لا يجوز تقدم زيد على الباء فكذلك لا يجوز تقدم فرعه الذي هو حاله ومعمول عامله على الباء. وقد أجازه بعض النحويين حمكمًا عليه بأنه كالمرفوع والمنصب (١)، ولم ينتبهوا للفرق، ولولا الفرق لكان الأمر على ما قالوه (٢).
قوله: "ومن حقها أن تكون نكرة وذو الحال معرفة". والذي يدل على كونها نكرة أمران: أحدهما: الفرق بينها وبين الصفة في كثير من المواضع، لأنك لو قلت: ضربت زيدًا القائم، لاشتبه بالصفة. الثاني: أن المقصود الهيئة، والهيئة تحصل بالنكرة كما تحصل بالمعرفة. إلا أن النكرة أولى لخفتها لفظًا وتقديرًا. أما اللفظ فلأن قولك: قائم، أخف من قولك: القائم. وأما التقدير فلأن أصل الأسماء التنكير، وما كان أصلًا كان أخف (٣).
قوله: "وذو الحال معرفة". ليس بلازم أن يكون ذو الحال معرفة إلا في الحال الذي لا يجب تقديمها وهو الذي قصده، لأن ذا الحال قد يكون نكرة وتكون الحال واجبة (٤) تقديمها.
_________________
(١) وقد أجازه ابن كيسان قياسًا إذا كان العامل فيه الفعل حقيقة. انظر ابن يعيش ٢/ ٥٢.
(٢) وقد صرح ابن الحاجب بمنعه في الإيضاح. قال: "فثبت أن الوجه امتناعه" ١/ ٣٣٠.
(٣) قال أبو البركات الأنباري: "فإن قيل: لم وجب أن يكون الحال نكرة؟ قيل: لأن الحال جرى مجرى الصفة للفعل، ولهذا سماها سيبويه نعتًا للفعل، والمراد بالفعل المصدر الذي يدل الفعل عليه وإن لم تذكره. ألا ترى أن جاء يدل على مجيء. وإذا قلت: جاء راكبًا، دل على مجيء موصوف بركوب. فإذا كان الحال يجري مجرى الصفة للفعل وهو نكرة، فكذلك وصفه يجب أن يكون نكرة". أسرار العربية ص ١٩٣.
(٤) هكذا في جميع النسخ: والصواب حذف الثاء.
[ ١ / ٤٠٠ ]
وقد قال في آخر الفصل: "وتنكير ذي الحال قبيح إلا إذا قمت عليه" (١). فلا يجمع بين الكلامين إلا بما ذكرناه.
وقوله: "أنا فلان بطلا شجاعًا وكريمًا جوادًا". إنما يريد إذا اشتهر الشخص بهذه الصفات فحينئذ تأتي مؤكدة لأنه ذلك الشخص، ولذلك قال: "فتحقق ما أنت متسم به وما هو ثابت لك في نفسك".
وقوله: "زيد أبوك منطلقًا أو أخوك أحلت" (٢). لا يستقيم أن يكون حالًا لا مقيدة ولا مؤكدة. أما المؤكدة فلا يستقيم إذ لا نسبة بين الانطلاق وبين الأبوة في التقدير والتحقيق. ولا يستقيم أن تكون مقيدة لاستحالة المعنى، إذ يصير المعنى (٣): أبوك في حال كونه منطلقًا، فلا تجوز إلا إذا أردت التبني والصداقة، لأن المعنى: يرجع زيد مثل أبيك. وكونه مثله يقبل التقييد، فجاء التقييد للمماثلة، فيكون قد أخبر بأنه مماثل لأبيه في حال الانطلاق خاصة، ولا يكون من هذا الباب، وكذلك أخوك.
قال: "والجملة تقع حالًا". قد تقدم (٤) أن الجمل نكرات فيصح وقوعها أحوالًا. ولا تخلو من أن تكون اسمية أو فعلية. فالاسمية بالواو على المختار، إلا أن لا يكون فيها ضمير فيجب إثبات الواو، ولما التزم إثبات الواو مطلقًا، جعل: "فوه إلى في" شاذا (٥). وتأول: لقيته عليه جبة وشي، وجعل "عليه" هو الحال،
_________________
(١) كقول الشاعر: لعزة موحشًا طلل قديم عفاه كل أسحم يستديم
(٢) "يعني أنه لا يكون أخاه أو أباه في حال دون حال أو وقت دون وقت. فإن أردت أنه أخوه من حيث الصداقة أو أبوه من حيث أنه تبني به جاز، لأن ذلك مما ينتقل، فيجوز أن يكون في وقت دون وقت". ابن يعيش ٢/ ٦٥.
(٣) المعنى: سقطت من س.
(٤) في ب: تقرر.
(٥) قال ابن يعيش: "فإن أراد أنه شاذ من جهة القياس فليس بصحيح لما ذكرناه من وجود" الرابط في الجملة الحالية وهو الضمير في (فوه). وإن أراد أنه قليل من جهة الاستعمال فقرب لأن استعمال الواو في هذا الكلام أكثر، لأنها أدل على الغرض وأظهر في تعليق ما بعدها بما قبلها". شرح المفصل ٢/ ٦٦.
[ ١ / ٤٠١ ]
وجبة: فاعل، فدل بهذا على أنها لا تكون جملة لا اسمية ولا فعلية. وإن كانت فعلية لم يخل الفعل من أن يكون مضارعًا أو ماضيا، لأن الأمر لا يقع لأنه إنشاء، والحال خبر، فلم يبق إلا الماضي والمضارع. والمضارع مثبت ومنفي، فالمثبت بغير واو، مثاله: جاء زيد يضرب عمرًا، لأنه بمنزلة اسم الفاعل لفظًا ومعنى، فاستغنى عن الرابط، ولا يكون إلا بضمير كاسم الفاعل، فيه أو فيما يعمل فيه. وإن كان منفيًا جاز إثبات الواو وحذفها. أما حذفها فلأنه كاسم الفاعل في المعنى فأجرى مجراه. وأما إثباتها فلأن النفي في المعنى هو الحال منسوبًا إلى الفعل، فبعد عن اسم الفاعل فاحتاج إلى الواو. وأما الماضي إن كان مثبتًا (١) فهو كالمضارع المنفي في جواز الأمرين لقربه من اسم الفاعل من وجه (٢) وبعده من وجه. أما قربه فلأنه مثله في المعنى. وأما بعده فلأنه ليس على وزن اسم الفاعل. وأما الماضي المنفي فإثبات الواو أحسن لأنه أبعد منهما بالوجهين المتقديمن فكان إثباتها أحسن. وهذا إذا كان فيه ضمير. وأما إذا انتفى الضمير فلابد من الواو (٣).
قال: وقوله: "أخذته بدرهم فصاعدًا". هذا إنما يكون في أشياء متعددة
_________________
(١) إن كان مثبتًا: سقطت من م.
(٢) من وجه: سقطت من م.
(٣) أجاز الكوفيون والأفخش من البصريين مجيء الحال من الفعل الماضي. أما البصريون فإنهم لا يجيزون ذلك. ويجمعون على أنه إذا كانت معه قد، أو كان وصفًا لمحذوف فإنه يجوز أن يقع حالًا. انظر الإنصاف مسألة ٣٢. ولا يفهم من كلام ابن الحاجب هنا أنه يجيز وقوع الفعل الماضي حالًا. فهو يمنع ذلك إلا مع قرينة تشعر بالحالية. وقد ذكر ذلك في الإملاء (٤) من هذا القسم. ص: ٢٩٤.
[ ١ / ٤٠٢ ]
اشترى أقلها بدرهم وبعضها بأكثر. فذكر أقل الأثمان أولًا ثم أتبع ذكر الزائد منصوبًا. على أن المعنى: فذهب الثمن في بعضه زائدًا على الدرهم، واختصر الكلام لكثرته وعلمهم. ولو خفضت لم يستققم، لما فيها من التعقيب مع العطف، فيؤدي إلى أن يكون الثمن في وقت أكثر من وقت في بيع واحد. وأيضًا لو سلم من التعقيب أدى إلى أن يكون الثمن الدرهم والزائد، فيفسد المعنى من حيث إنه يصير الثمنان لشيء واحد، وليس هو المراد. وإنما المراد ما تقدم. ولا تستقديم الواو لا خفضًا ولا نصبًا. أما الخفض فلفساد الجمع بين الثمنين لشيء واحد. والنصب لما فيها من معنى الجمعية، وغرض المتكلم أن يتبع ذلك الثمن ثمنًا آخر، وهذا إنما يحصل بالفاء. وأما "ثم" فقد جاءت قليلًا لما فيها من معنى الاتباع. إلا أن الفاء أولى منها لأمرين: أحدهما: أنها أخف. والآخر: أن في "ثم" دليل المهلة ولا حاجة إليه.
[إملاء ٨٣]
[مسائل في التمييز]
التمييز. قال صاحب الكتاب (١): "وهو رفع الإبهام في جملة أو مفرد بالنص على أحد محتملاته". قوله: رفع الإبهام، يجوز أن يكون أراد المعنى وجاء به حدًا، لأنه هو المقصود، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: دليل رفع الإبهام، ويجوز أن يكون الرفع بمعنى الرافع، ويرد عليه الحال، لأن قولك: جاء زيد، يحتمل أن يكون راكبًا، ويحتمل غير ذلك. كما أنك إذا قلت: عشرون، احتمل أن يكون دينارًا، وغير ذلك. وأجيب بأن هذا إبهام محقق في قولك: عشرون، لأنك لا تعلم أن العشرين دراهم أو دنانير، بخلاف
_________________
(١) المفصل ص ٦٥.
[ ١ / ٤٠٣ ]
قولك: جاء زيد، فإنه لا لبس فيهما ولا في تركيبهما. فإن لفظة "زيد" لا إبهام فيها. ولفظة "جاء" كذلك. ونسبة المجيء إلى زيد كذلك. فلذلك قال: في مفرد أو جملة. معناه: يكون الإبهام حاصلًا بخلاف قولك: جاء زيد، فإنه إبهام تقديري باعتبار الوجود وإن سلم وروده، فينبغي أن يريد في قوله: رفع الإبهام في جملة أو مفرد، عن ذات، والحال إنما هو رفع إبهام عن هيئات. وإذا وردت الصفة في النكرات فليس هو رفع إبهام في الموصوف وإنما هو تخصيص له. وإن كان في معرفة فليس الإبهام محققًا وإنما هو تقديري بعيد لاحتمال أن يقع. وأشكل ما يرد عليه صفة المشتركات كقولك: أعجبتني العين الباصرة. فإن العين تحتمل أشياء مختلفة كما يحتملها عشرون فيدخل في حد التمييز. والجواب: أن العين لها دلالة على كل واحد من مدلولاتها على البدل. وإنما جاء الإبهام اتفاقًا لأجل الاشتراك بخلاف، "عشرون" وشبهه، فإنه لا دلالة فيه على واحد من الذوات المخصوصة، والإبهام محقق، وقد حصل الفرق بما يخرج عن الحد. والتمييز لا يكون إلا في جملة، وإنما غرضه أن يكون الإبهام عن جملة تارة وعن مفرد أخرى. والفرق بينهما أنك إذا قلت: عشرون، كان الإبهام في نفس المفرد الذي هو عشرون. وإذا قلت: طاب زيد، فطاب ليس فيه إبهام، وزيد ليس فيه إبهام. وإنما نشأ الإبهام من نسبة الطيب إلى ما يتعلق بزيد، وهو ذوات مختلفة غير مذكورة (١)، فاحتاج إلى التبيين.
وقوله: "أبرحت جارًا" (٢). يجوز أن يكون الممدوح هو الجار، ويكون المعنى: أبرح جارك، أي: عظم جارك. ويجوز أن يكون هو نفس المذكور، أي: أبرحت باعتبار كونك جارًا.
_________________
(١) في س: مؤكدة. وهو تحريف.
(٢) انظر الإملاء (٦٩) من هذا القسم. ص: ٣٦٧.
[ ١ / ٤٠٤ ]
وقوله: "باعتبار معنى" (١)، يعني في الاسم غير الصفة، احتراز من قولك: حسنت وجهًا، فإن الحسن لنفس الوجه لا باعتبار معنى آخر، بخلاف قولك: لله دره فارسًا، فإنه لا يحتمل إلا المعنى الثاني. والفرق بينهما: أن كل تمييز عن جملة هو اسم غير صفة باعتبار معنى جاز فيه الوجهان، مثل قولك: عظمت أبا وعما وخالًا. إلا أن يرد ما يمنع فيه تقدير الغير، كقولك: طاب زيد نفسًا.
وكل تمييز كان صفة لم يحتمل إلا وجهًا واحدًا. وقوله: "امتلأ الإناء ماء". يقال: إن التمييز عن الجمل هو في الحقيقة واقع موقع المنسوب إليه. فإذا قلت: طاب زيد أبا وما أشبهه، الطيب منسوب إلى النفس، فالمعنى: طاب أبو زيد. فينبغي على هذا أن يكون التقدير: امتلأ ماء الإناء، وهو غير معروف، فالجواب: أن أصله أن يقال: ملأت الماء فامتلأ، ثم كثر استعمالهم نسبة الامتلاء إلى الإناء حتى صار كأنه من صفته، فصار ذكر الماء بعده مفارقًا لـ "نفسًا" في قولك: طاب زيد نفسًا. وفي الحقيقة ما جاء إلا على الأصل المذكور في أن أصله: امتلأ ماء الإناء، كما قيل: إن أصلك طاب زيد نفسًا، طابت نفس زيد. ثم قيل: امتلأ الإناء ماء، كما قيل: طاب زيد نفسًا. و﴿فجرنا الأرض عيونًا﴾ (٢): يتوهم أن التفجير من صفة الأرض، وليس هو إلا للماء. يدل عليه قوله: ﴿فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا﴾ (٣) فالأصل: فجرت عيون الأرض، وفجرنا عيون الأرض، فهو مثل قولك: امتلأ الإناء ماء. إلا أن هذا مفعول وذلك فاعل. ففجرنا الأرض عيونًا، مثل قولك: ملأت الإناء ماء. وامتلأ الإناء ماء، مثل قولك: انفجرت الأرض عيونًا.
_________________
(١) لم ترد هذه العبارة في المفصل. ولا أدري من أين جاء بها ابن الحاجب.
(٢) القمر: ١٢.
(٣) البقرة: ٦٠.
[ ١ / ٤٠٥ ]
قال: "ولا ينتصب المميز عن مفرد إلا عن تمام" (١) ز قال: "والذي يتم به أربعة أشياء". قوله: "التنوين". إن أراد به التنوين الملفوظ به والمقدر فهو باطل بقوله: "فالزائل التمام (٢) بالتنوين"، والتنوين المقدر لا يزول. وإن أراد بالتنوين الأول اللفظي لم يكن حاصرًا لما يكون به التمام، لأن أحد عشر تمام بالتنوين المقدر. وكان الأولى أن يقول: بالتنوين الملفوظ به والمقدر، ويقول ثانيًا: فالزائل التمام بالتنوين الملفوظ به.
قال: "فالزائل التمام بالتنوين ونون الثتنية". فأنت بالخيار، يعني: أنك بالخيار، إن شئت أن تزيل هذا التمام بأن تنسبه إلى تمييزه نسبة المضاف إلى المضاف إليه فتخفض، كما تقول: خاتم حديد. وإن شئت بقيت الأول تامًا، فيكون الثاني فضلة فينتصب كما تنتصب سائر الفضلات. وكذلك في نون التثنية.
قوله: "واللازم التمام بنون الجمع والإضافة". إن قيل: فنون الجمع قد تكون زائلة في قولك: مررت برجال حسني وجه وحسنين وجهًا، لا خلاف في جواز هذا. فجوابه: أن هذا منصوب في المعنى عن جملة، لأن معنى قولك: حسني وجه، حسنو وجوهًا. فهو منتصب في المعنى عن جملة لا عن مفرد. وقد بينا الانتصاب عن المفرد وعن الجملة. وإن الانتصاب عن الجملة راجع إلى مثل هذا. وإنما لزم التمييز عن مفرد إذا كان جمعًا النصب، لأنه لا يكون إلا في "عشرون" إلى "تسعون"، وهذا تلزمه النون؛ لأنه لو أضيف لكان إما تثبت
_________________
(١) قال ابن يعيش: "يريد أن المميز إذا كان بعد مفرد فلابد أن يستوفي ذلك المفرد جميع ما يتم به ويؤذن بانفصاله مما بعده بحيث لا يصح إضافته إلى ما بعده إذ المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد فإذا لم يكن هناك ما يمنع الإضافة كان في حكم الناقص الذي لا يتم معناه إلا بما بعده من المضاف إليه". شرح المفصل ٢/ ٧١.
(٢) التمام: سقطت من م.
[ ١ / ٤٠٦ ]
نونه أو تحذف، فكرهوا حذفها لأنه ليس بجمع على الحقيقة، وكرهوا إثباتها لأنه يشبه الجمع.
وأما المثنى فهو مثنى على الحقيقة. فجاز حذف نونه قياسًا على سائر المثنيات عند الإضافة.
قال: "وتمييز المفرد أكثر (١) فيما كان مقدارًا". وقد يكون فيما ليس إياها كقولهم: لله دره فارسًا. ولم يذكر له ضابطًا. وحقيقته أنه راجع إلى معنى الانتصاب عن الجملة كما ينتصب "أبا" في قولك: الطيبون أبا، وإن كانت صورته صورة المفرد فهو راجع إلى معنى الجملية. لأن معنى قولك: الطيبون، طابوا أبا. ولم يجيء التمييز فيه إلا بهذا الاعتبار، وكذلك: لله دره فارسًا، وحسبك به ناصرًا، معناه: اكتف به نصرة، وأتعقب منه فروسية، وأعظمه رجولية. والذي يبين أنه منتصب باعتبار الجملية أن كل تمييز عن معنى جملي يجوز فيه الجمع والإفراد إن كان المعنى يحتمله. وكل تمييز عن مفرد لا يجوز فيه إلا الأفراد كـ "عشرون درهمًا". وهذا يجوز أن يكون جمعًا، لأنك لو قلت: لله درهم فرسانًا، لكان جيدًا. فيتبين أنه منتصب عن معنى جملي لا عن إفراد.
قال: "ولقد أبي سيبويه تقدم المميز على عامله" (٢). لا يجوز تقدم التمييز مطلقًا (٣) لأمرين: أحدهما: أن العامل فيه كله الأمر المحتاج إلى
_________________
(١) في المفصل: أكثره ص ٦٦، وكذلك في نسخة ب.
(٢) قال سيبويه: "وذلك قولك: امتلأت ماء وتفقأت شحمًا، ولا نقول: امتلأته ولا تفقأته. ولا يعمل في غيره من المعارف، ولا يقدم المفعول فيه فتقول: ماء امتلأت". ١/ ٢٠٥.
(٣) قال ابن الحاجب: "لا خلاف أن تقديم تمييز المفردات غير جائز عند الجميع، فلا يجوز: عندي درهمًا عشرون، وكذلك ما أشبهه. وإنما الخلاف فيما انتصب عن الجملة المحققة كقولك: طاب زيد نفسًا وحسن زيد أبا. وأجاز المازني والمبرد التقديم ومنعه سيبويه". الإيضاح ١/ ٣٥٦. وانظر أوضح المسالك ٢/ ٣٧١. والصبان ٢/ ٢٠٠.
[ ١ / ٤٠٧ ]
التبيين، وليس هو بالفعل. فالعامل في "درهما" قولك: عشرون، لاقتضائه تفسيرًا. والعامل في قولك: طاب زيد نفسًا، الإبهام في الأمور المحتملة المنسوب إليها الطيب، وقد أجمعنا على أن: درهما عشرون، لا يجوز، فكذا هذا. والآخر: سلمنا أن العامل الفعل في أحدهما: ولكن التمييز في المعنى موصوف قدمت صفته لغرض، فإذا قدم زال ذلك الغرض فيفوت ذلك المعنى (١)، والمميزات كلها في الحقيقة موصوفات لما انتصب عنه، وما انتصب عنه صفات لها، لأن قولك: عشرون درهمًا، معناه: دراهم عشرون. وكذلك: منوان (٢) سمنا، معناه: سمن منوان. وكذلك: طاب زيد نفسًا، لأن النفس هو الموصوف بالطيب في المعنى.
[إملاء ٨٤]
[مسائل في حذف "كان"]
وقال أيضًا ممليًا على المفصل (٣) على قوله: الخبر والاسم في بابي: كان وإن. قال: "لما شبه العامل في البابين بالفعل المتعدي شبه ما عمل فيه بالفاعل والمفعول". كلامه هذا يشعر بأن اسم "كان" وأخواتها مشبه بالفاعل. ولم يذكره في المشبهات بالفاعل. فإما أن يكون خالف قوله ثم بقوله ههنا، وإما أن يريد بقوله: "شبه ما عمل فيه بالفاعل" المرفوع في "كان" دون "إن"، لأنه قد يجمل الشيء ويراد به التفصيل، وهذا أولى ليجمع (٤) بين الأول والثاني من
_________________
(١) قال ابن الحاجب: "وإنما لم يجز تقديمه لأنه في المعنى فاعل، فكما أن الفاعل لا يتقدم على الفعل، فكذلك هذا. والثاني أن تقديمه يخرجه عن حقيقة التمييز، فكان في تقديمه إبطال أصله". الإيضاح ١/ ٣٥٦.
(٢) مثنى منا، وهو مكيال للسمن.
(٣) ص ٧٢.
(٤) في س: للجمع.
[ ١ / ٤٠٨ ]
غير تناقض. والذي يدل عليه أن حد الفاعل بحد يدخل فيه اسم "كان" وقال (١): "هو ما كان المسند إليه من فعل أو شبهه مقدمًا عليه". و"كان" كذلك.
ثم قال: "ويضمر العامل في خبر كان". وخص "كان" بالذكر لئلا يتوهم أن أخواتها مثلهاز ومثل بقوله: إن خيرًا فخير. وفي (٢) هذه المسألة أربعة أوجه: نصبهما، ورفعهما، ونصب الأول ورفع الثاني، ورفع الأول ونصب الثاني. أما نصب الأول فقوى على إضمار "كان"، وإنما أضمرت "كان" دون غيرها لأنها كثرت في الاستعمال، ولما كثر في الاستعمال شأن في التخفيف، أو لأن معناها إذا حذفت لا يخل، فجاز فيها الحذف لذلكز وأما الرفع في الأول فضعيف، وله وجهان (٣): أحدهما: وهو الأضعف، هو الذي ذكره صاحب الكتاب (٤) فقال: تقديره كان خيرًا. وضعفه عن الرفع من وجهين، أحدهما: أنه قدر الفعل الماضي مع وجود الفاء وهو متعذر، إذ لا يقالك إن أكرمتني فأكرمتك. الثاني: أن حذف المبتدأ بعد فاء الجزاء (٥) أقرب من حذف الفعل والفاعل. فتحقق من ذلك أن نصب الأول ورفع الثاني هو الوجه (٦)، لأنك
_________________
(١) المفصل ص ١٨.
(٢) في ب: ففي.
(٣) ذكر ابن الحاجب أحد هذين الوجهين، ولم يذكر الآخر.
(٤) لم يذكر الزمخشري رفع ألأول، وقد أشار ابن الحاجب إلى ذلك في الإيضاح ١/ ٣٨٢.
(٥) في م: الجواب.
(٦) فتكون "كان" قد حذفت هي واسمها. والتقدير في المثال المذكور: إن كان عملهم خيرًا فجزاؤهم خير. ومثل ذلك قول الشاعر: لا تقربن الدهر آل مطرف إن ظالمًا أبدًا وإن مظلومًا ومن ذلك قوله - ﷺ -: "التمس ولو خاتمًا من حديد". ومثله قول الشاعر: لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكًا جنوده ضاق عنها السهل والجبل
[ ١ / ٤٠٩ ]
جمعت فيه بين وجهيهما القويين (١). وعكس ذلك ضعيف فيهما جدًا، لأنك جمعت فيهما بين وجهيهما الضعيفين. ونصبهما جميعًا ضعيف باعتبار الثاني دون الأول (٢). ورفعهما جميعًا ضعيف باعتبار الأول دون الثاني (٣).
وأما قوله:
إما أقمت وأما أنت مرتحلًا (٤)
فتقديره كما قال: لأن كنت منطلقًا انطلقت. فأن مصدرية موصولة بكان المحذوفة. ولما حذفت عوضت عنها ما يوجب أن يكون الفاعل منفصلا لحذف ما يتصل به، مثل قوله سبحانه: ﴿قل لو أنتم تملكون﴾ (٥).
ومنطلقًا: خبر كان. وجاز حذف "كان" على ما تقدم، وعوضت "ما" لأن "أن" موصولة بالفعل مقتضية له، ولم تعوض في "إن" وإن كانت مقتضية، لأمرين: أحدهما: أن "إن" أكثر في الاستعمال. والآخر: أن "ما" مع أن صلة له. فـ "أن" غير مسقتلة إلا بصلتها، وأما "إن" فمستقلة بمعناها، فلا يلزم من
_________________
(١) قال ابن الحاجب: "وإنما اختير نصب الأول ورفع الثاني، لأنا إذا نصبنا فالتقدير: وإن كان عمله خيرًا، والمعنى عليه". الإيضاح ١/ ٣٨٠.
(٢) قال سيبويه: "ومن العرب من يقول: إن خنجرًا فخنجرًا، وإن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا". الكتاب ١/ ٢٥٨، والتقدير: إن كان عملهم خيرًا فيجزون خيرًا.
(٣) قال سيبويه: "وإن أضمرت الرافع كما أضمرت الناصب فهو عربي حسن، وذلك قولك: إن خير فخير". الكتاب ١/ ٢٥٩. والتقدير: إن كان في عملهم خير فجزاؤهم خير.
(٤) هذا صدر بيت من البسيط وعجزه: فالله يكلأ ما تأتي وما تذر. ولم ينسبه أحد لقائل. وهو من شواهد الخزانة ٢/ ٨٢، والرضي ١/ ٢٥٤، ومغنى اللبيب ١/ ٣٤ (دمشق). والشاهد فيه حذف كان بعد أن المصدرية. وأصله: لأن كنت مرتحلًا. حذفت اللام للاختصار، ثم حذفت "كان"، فانفصل الضمير ثم زيدت "ما" للتعويض.
(٥) الإسراء: ١٠٠.
[ ١ / ٤١٠ ]
التعويض فيما لا يستقل التعويض في المستقل. وقوله:
أما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع (١)
دخول الفاء ههنا في المعنى كدخولها في جواب الشرط، لأن قولك: أن كنت منطلقًا انطلقت، بمعنى قولك: إن كنت منطلقًا انطلقت، لأن الأول سبب للثاني في المعنى. فلما كان كذلك دخلت دلالة على السببية كما تدخل في جواب الشرط، فلهذا المعنى جاءت الفاء بعد الشرط المحقق والتعليل، وهي لهما جميعا في المعنى، قال شاعرهم:
إما أقمت وأما أنت مرتحلا فالله يكلأ ما تأتي وما تدر
[إملاء ٨٥]
[المنصوب بلا التي لنفي الجنس]
قال صاحب الكتاب (٢): "هي كما ذكرت محمولة على إن"، قال الشيخ: يشترط في نصبها أن يكون مضافًا أو مضارعًا للمضاف (٣)، لأنه إذا لم
_________________
(١) البيت من البسيط وقائله عباس بن مرداس وأوله: أبا خراشة. وهو من شواهد سيبويه ١/ ٢٩٣، والخزانة ٢/ ٨٠، والإنصاف ١/ ٧١، والرضى ١/ ٢٥٣، والخصائص ٢/ ٣٨١. وأبو خراشة هو خفاف بن ندبة صحابي شهد فتح مكة. والضبع: السنة المجدبة. ومعناه: يا أبا خراشة إن كنت ذا جماعة كثيرة فإن قومي لم تأكلهم السنون المجدبة لكثرتهم. والشاهد فيه حذف كان بعد أن المصدرية. قال سيبويه: "فإنما هي (أن) ضمت إليها (ما)، وهي (ما) التوكيد، ولزمت كراهية أن يجحفوا بها لتكون عوضًا من ذهاب الفعل". الكتاب ١/ ٢٩٣.
(٢) ص ٧٤.
(٣) المضاف كقولك: لا صاحب فضل موجود. وأما المضارع للمضاف فهو الشبيه به كقولك: لا خيرًا من زيد قائم، ولا حافظًا للقرآن عندك، ولا ضاربًا زيدًا في الدار، ولا عشرين درهمًا لزيد. فالكلمات: خيرًا، حافظًا، ضاربًا، عشرين، شبيهة للمضاف وجارية مجراه لأنها عاملة فيما بعدها، كما أن المضاف عامل فيما بعده.
[ ١ / ٤١١ ]
يكن كذلك كان مبنيا على الفتح غير معرب. وعلة بنائه تضمنه معنى الحرف، لأن قولك: لا رجل في الدار، متضمن معنى قولك: لا من رجل في الدار. ولم يبن إذا كان مضافًا لوجهين: أحدهما: أنهم كرهوا أن يبنوا متعددات. والآخر: أن الإضافة أقوى خواص الأسماء، فقابلت ذلك التضمن، فرجع الاسم إلى أصله.
والدليل على أن المفرد مبني أنه غير منون، ولا مانع منه لولا البناء. والدليل على أن المضاف والمشبهه بالمضاف معرب التنوين عند الإمكان في قولك: لا ضاربًا زيدًا في الدار، ووجوب نصب صفته في قولك: لا غلام رجل أفضل منك موجود.
وقوله:
"لا نسب اليوم ولا خلة (١)
على إضمار فعل". وقع منه غلطًا، وإلا فلا خلاف أن المعطوف على المنفي بلا يجوز فيه النصب، سواء كررت "لا" أو لا، كقولك: لا حول ولا قوة. وقد ذكر ذلك فيما بعد في فصلك لا حول ولا قوة.
وقد أورد هذا البيت النحويون مستشهدين به في نصب المعطوف على اللفظ. وأما قوله:
ألا رجلا جزاه الله خيرًا يدل على محصلة تبيت (٢)
_________________
(١) هذا صدر بيت من السريع. وعجزه: اتسع الخرق على الراقع. ونسبه سيبويه لأنس بن العباس من بني سليم ٢/ ٢٨٥. ونسبه ابن منظور لأبي عامر جد العباس بن مرداس (قمر). وهو من شواهد الكامل ٢/ ٦٩. واللمع لابن جني ص ٤٤. ومغنى اللبيب ١/ ٢٤٩ (دمشق). وقد أوضح المؤلف موضع استشهاده. وزعم يونس أنه نون مضطرًا. انظر الكتاب ٢/ ٣٠٩.
(٢) سبق الكلام عن هذا الشاهد في الإملاء (٣٥) من الأمالي القرآنية. ص:١٦٧.
[ ١ / ٤١٢ ]
فهذا هو الذي يستقيم فيه ما ذكر، لأن "لا" فيه لم تقع متكررة بعد أخرى. فإما أن ينتصب على إضمار فعل كما ذكره الخليل؛ وهو أولى لأنه أبعد عن الضرورة إذ حذف الفعل كثير. وإما أن ينون ضرورة كما زعم يونس (١).
فإن قيل: فهل يجوز أن يكون "رجلا" منصوبًا بفعل دل عليه "جزى" كأنه قال: ألا جزى الله رجلًا خيرًا، وتكون "ألا" للاستفتاح، مثلها في: ألا قام زيد، و﴿ألا إن وعد الله حق﴾ (٢)؟ قلت: هو مستبعد مع جوازه لفظًا ومعنى. أما المعنى فهو أنه لم يرد أن يدعو لرجل على هذه الصفة، إنما قصده طلبه، فنصبه على ذلك المعنى يفسد معنى الطالب. وأما اللفظ فإن قوله: يدل، على هذا التأويل، صفة لرجل، وقد فصل بينه وبينه بالجملة المفسرة وهي أجنبية.
قال: "وما حقها أن يكون نكرة" (٣)، لأن وضعها لنفي المتعددات، وهذا يقتضي التنكير. ولذلك إذا وقعت المعرفة وجب التكرير لويفر ما يقتضيه من التعداد (٤) وشبهها سيبويه برب لذلك (٥).
وأما قوله: "لا هيثم" (٦) وشبهه مما ذكر، فعلى تقدير التنكير، يعني: أن
_________________
(١) قال سيبويه: "وأما يونس فزعم أنه نون مضطرًا". الكتاب ٢/ ٣٠٨.
(٢) يونس: ٥٥.
(٣) المفصل ص ٧٦. والعبارة فيه: وحقه أن يكون نكرة.
(٤) في س: التعدد.
(٥) قال سيبويه: "واعلم أن كل شيء حسن لك أن تعمل فيه رب حسن لك أن تعمل فيه لا". الكتاب ٢/ ٢٨٦. وقال أيضًا: "فلا لا تعمل إلا في نكرة كما أن رب لا تعمل إلا في نكرة". الكتاب ٢/ ٢٧٤.
(٦) الرجز بتمامه: لا هيثم الليلة للمطي. وبعده: ولا فتى مثل ابن خيبري. ولم يعرف قائله. ومعناه: لا سائق كسوق هيثم. وهيثم اسم رجل كان حسن الحداء للإبل. انظر سيبويه ٢/ ٢٩٦ والمقتضب ٤/ ٣٦٢. والشاهد فيه نصب هيثم بلا التي لنفي الجنس، وهو علم معرفة. وجاز ذلك لأنه على سبيل التنكير.
[ ١ / ٤١٣ ]
"مثل" مقدرة في المعنى، فصار نكرة في المعنى، فصح دخول "لا" عليه. و"مثل" وإن أضيف إلى المعرفة فهي نكرة.
واعلم أن كل موضع حذفت منه "مثل"، فلا يخلو الاسم الباقي من أن يكون مضافًا أو مفردًا. فإن كان مضافًا فلا إشكال أنه معرب على كل تقدير، مثل قولك: ولا أبا حسن لها (١)، وشبهه. وإن كان مفردًا كان مبنيا، لأن حكم المضاف بعد "لا" غير حكم المفرد في اللفظ. وعند حذف المضاف رجع الباقي مفردًا، فيجب إعطاؤه حكم المفرد وهو البناء، ولذلك قالوا: لا هيثم. ولو كان معربًا لوجب أن يقال: لا هيثما. وأما: لا بصرة، فلا دليل منه لأنه يصح أن يقدر معربًا ومبنيا، ولكن يحكم عليه بالبناء لما تقدم.
قال: "وتقول: لا أب لك"، إلى آخره، في: لا أب لك ولا غلامين لك وشبهه مما كان مفردًا ودخلت اللام للاختصاص بينه وبين من نسب إليه وجهان: أحدهما: وهي اللغة الفصيحة إجراؤه مجرى المفرد المقطوع عن الإضافة وإعطاؤه حكم البناء، إما بالحركات إن قبلها أو بحروف النصب إن لم يقبلها، أعني الحركات (٢)، واللغة الأخرى إجراؤه مجرى المضاف وإعطاؤه حكمه من الإعراب بالحركات أو الحروف. فمن المواضع ما يظهر بين اللغتين الفرق لفظًا كقولك: لا أبا لك ولا غلامي لك. فإن الإعراب بالألف في: لا أبا، أثره الإضافة، وحذف النون في: لا غلامي لك، أثر الإضافة، ومنه ما لا
_________________
(١) العبارة بكاملها: قضية ولا أبا حسن لها. أي: قضية ولا عالم بها. فدخل علي ﵁ فيمن بطلب لهذه المسألة. انظر سيبويه ٢/ ٢٩٧.
(٢) قال ابن يعيش: "فذلك في الاسم المنفي وجهان، أحدهما: أن يبني مع "لا" ويكون حذف التنوين معه كحذفه مع خمسة عشر وبابه، وتكون اللام في موضع الخبر أو في موضع الصفة للاسم ويكون الخبر محذوفًا، وهذا الوجه هو الأصل والقياس". شرح المفصل ٢/ ١٠٥.
[ ١ / ٤١٤ ]
يظهر لفظًا، كقولك: لا غلام لك. فهذا إن قدرته مضافًا كانت الحركة حركة إعراب وإن قدرته منفصلًا كانت الحركة حركة بناء، إذ لا أثر للإضافة في مثله في هذا الموضع إلا حذف التنوين وهو أثر البناء، فيصير لفظ الإعراب ولفظ البناء فيه سواء.
فأما وجه اللغة الأولى فواضح وهو الشائع الكثير. وأما وجه اللغة الثانية فقد ذكر صاحب الكتاب أنهم قصدوا إلى الإضافة، وإذا كان مضافًا فحكم الإضافة فيه هو ذلك الحكم. وجعل اللام مزيدة توكيدًا للإضافة. زيدت مع قصد الإضافة، ليوفر على "لا" من حيث اللفظ ما يقتضيه من التنكير، وهو معنى قوله: "وقضاء من حق المنفي في التنكير بما يظهر بها من صورة الانفصال" (١). فجعله مضافًا من حيث المعنى، وجعل اللام زائدة لقصد صورة الانفصال. وهذا غير مستقيم في المعنى، ولو كان معرفة لم يجز دخول "لا" عليه. و"لا" لا تدخل إلا على النكرات. ولا ينفعه أن دخول "لا" تجعله في الصورة نكرة، لأن امتناع دخول "لا" على المعارف لأمر معنوي لا لأمر لفظي. الثاني: أنا قاطعون بأن: لا أب لك، بمعنى لا أبا لك. و"لا أب لك" غير مضاف في المعنى، فيجب أن يكون: لا ابا لك، غير مضاف في المعنى. والأولى أن يقال: إنه في المعنى غير مضاف ولكنه أشبه المضاف من جهة أنك إذا قلت: غلام زيد، وغلام لزيد، فكلا اللفظين متفق على أن المعنى نسبة الغلام إلى زيد، وإن كان في الحذف معنى زائد باعتبار زيادةة خصوصية. وإذا ثبت ذلك فقد صار ما وجد فيه اللام وما لم يوجد مشتركين في أصل النسبة.
_________________
(١) قال ابن يعيش: "يريد أن زيادة اللام في: لا أبالك، أفادت أمرين: أحدهما: تأكيد الإضافة، والآخر: لفظ التنكير لفصلها بين المضاف والمضاف إليه. فاللام مقحمة غير معتد بها من جهة ثبات الألف في الأب ومن جهة تهيئة الاسم لعمل لا فيه يعتد بها". شرح المفصل ٢/ ١٠٧.
[ ١ / ٤١٥ ]
فلما حصل هذا التشبيه أجرى مجرى المضاف في اللفظ والمعنى على حاله، كما أجرى "لا ضاربًا زيدًا" باتفاق مجرى المضاف في الإعراب. وإذا أجروا المشبه بالمضاف من حيث مجرى المضاف حقيقة، فلا بعد في أن يجري المشبه بالمضاف من وجه في المعنى مجرى المضاف. وإذا ثبت ذلك استقام التعليل وانتفى الاعتراض.
وقوله: "وقد شبهت في أنها مزيدة ومؤكدة بتيم الثاني" (١) بناء على تعليلهن وقد تبين رده.
قال: "والفرق بين المنفي في هذه اللغة"، يعني: عند إثبات الألف إذا قلت: لا أبا لك "وبينه في الأولى" يعني: عند حذف الألف غذا قلت: لا أب لك "أنه في هذه معرب"، لأنه مضاف عنده والمضاف معرب أو لأنه مشبه بالمضاف عندنا فأجرى مجراه، "وفي تلك مبنى" لأنه لا إضافة، ولم يعتبر شبه الإضافة من ذلك الوجه المعنوي فوجب البناء.
قوله: "وإذا فصلت فقلت: لا يدين بها لك، ولا أب فيها لك، امتنع الحذف". في: لا يدين وشبهه، "والإثبات" في: لا أبا وشبهه اللذان هما أثر الإضافة "عند سيبويه" لأنه عنده مضاف (٢)، والمضاف لا يفصل بينه وبين
_________________
(١) وذلك في قول جرير: يا تيم تيم عدي لا أبا لكم لا يلقينكم في سوا’ عمر فعدي: مجرور بإضافة تيم الأول إليه، وتيم الثاني مقحم زائد للتوكيد. وسيأتي الحديث عن هذا البيت في الإملاء رقم (٣٩) من الأمالي المطلقة إن شاء الله. ص: ٧٢٥.
(٢) قال سيبويه: "وتقول: لا يدين بها لك، ولا يدين اليوم لك، إثبات النون أحسن، وهو الوجه. وذلك أنك إذا قلت: لا يدي لك ولا أبا لك، فالاسم بمنزلة اسم ليس بينه وبين المضاف إليه شيء، نحو: لا مثل زيد، فكما قبح أن تقول: لا مثل بها زيد، فتفصل، قبح أن تقول: لا يدي بها لك، ولكن تقول: لا يدين بها لك، ولا أب يوم الجمعة لك، كأنك قلت: لا يدين بها ولا أب يوم الجمعة، ثم جعلت لك خبرًا فرارًا من القبح". الكتاب ٢/ ٢٧٩.
[ ١ / ٤١٦ ]
المضاف إليه في غير الشعر، وعلى ما قلناه وهو مشبه بالمضاف فلا يقوى قوة المضاف. ولا يلزم من جواز الفصل بالظرف في المضاف الفصل فيما شبه به لضعفه عنه. وعلى مذهب يونس جاز لأنه مضاف أو مشبه بالمضاف، وقد حصل الفصل باللام، فلا بعد في الفصل بغيرها، والمذهب الأول.
[قال] (١): "وإذا قلت: لا غلامين ظريفين لك، ولم يكن بد من إثبات النون في الصفة والموصوفط، لتعذر إضافتهما أو أحدهما (٢)، أما تعذر إضافتهما فإنه لا يضاف اسم إلا وله في المعنى ذات منسوبة إلى من أضيف إليه. فلو أضيفًا جميعًا لاقتضيا ذاتين. الآخر: لو أضيفًا لاقتضيا مشركا، إذ لا يضاف شيئان إلى واحد إلا بمشرك، ولو جاء المشرك فسد معنى الصفة. ولا يضاف الأول للفصل الحاصل بغير الظرف، ولا الثاني لأنه ليس بمقصود بالذات، وإنما يضاف ما قصد به الذات لأن الإضافة لها. ولا يرد: لا ناصري لك وشبهه. لأن الموصوف فيه محذوف، وقد قامت هذه الصفة مقامه وأريد بها تلك الذات فأجريت مجراه.
قال: "وفي صفة المفرد وجهان" (٣). ذكر الصفة ههنا لأجل حكم اقتضاء النفي كما ذكرناه في صفة المنادي، وإلا فأحكام الصفات في الصفات.
_________________
(١) زيادة من عندي ليعلم أن ما بعدها قول الزمخشري.
(٢) قال سيبويه، "هذا باب لا تسقط فيه النون وإن وليت لك. وذلك قولك: لا غلامين ظريفين لك ولا مسلمين صالحين لك، من قبل إن الظريفين والصالحين نعت للمنفي ومن اسمه، وليس واحد من الاسمين ولي "لا" ثم وليته لك. ولكنه وصف وموصوفن فليس إلى الموصوف سبيل إلى الإضافة". الكتاب ٢/ ٢٩٠.
(٣) عبارة الزمخشري بتمامها: "وفي صفة المفرد وجهان: أحدهما: أن يبني معه على الفتح كقولك: لا رجل ظريف فيها. والثاني: أن تعرب محمولة على لفظه أو محله". وكان على ابن الحاجب أن يذكر العبارة كاملةن لأنه قد تحدث عن أشياء لم يذكرها.
[ ١ / ٤١٧ ]
وقوله: "المفرد". احتراز من المضاف والمشبه به لأنه لا يجوز في صفته إلا النصب. أما وجه البناء فلأنهم نزلوا الصفة مع الموصوف كالشيء الواحد من جهة أن ذاتهما واحدة. والمقصود نفي رجل موصوف بالظرف. وقد يقال: فلم لم تنزل صفة المنادي المبني مع الموصوف كالشيء الواحد حتى تكون الصفة مبنية؟ فالجواب عنه من أوجه: أحدهما: أن الصفة ههنا مقصودة مخصصة، إذ لولاها لكان "رجل" في قولك: لا رجل، عام في الظرفاء وغيرها (١). وليس الصفة في قولك: يا زيد العاقل، إلا لرفع وهم مقدر. والآخر: أن صفة المنادي المبني لا تكون إلا معرفة بالألف واللام أو بالإضافة. والإضافة والألف واللام يمنعان من البناء العارض. ألا ترى أنه لا يبني: لا غلام رجل، ولا غلام لزيد، وإذا كان ذلك مانعًا من البناء في الأصل الموصوف فهو في الصفة أجدر. الثالث: أن الألف واللام حرف لمعنى (٢) بمثابة واو العطف في كونها حرفًا لمعنى (٣)، فكما أنه لا يبني: لا رجل وامرأة، فكذلك ههنا، لئلا يؤدي إلى بناء أشياء متعددة.
والوجه الثاني مما يجوز في صفة المنفي: الإعراب، وهو على وجهين: على اللفظ (٤) وعلى المعنى (٥). ووجهه ما ذكرناه في صفة المنادى، وعامله كعامله، وعلته كعلته. فإن فصلت بينهما أعربت ليس إلا. لأن الفصل يبطل
_________________
(١) هكذا وردت هذه الكلمة في جميع النسخ. والصواب: وغيرهم.
(٢) لمعنى: سقطت من س.
(٣) في الأصل وفي م، ب: حرف المعنى. وما أثبتناه هو الأصح.
(٤) تنصبه وتنونه فتقولك لا رجل ظريفًا عندك. وأجاز سيبويه عدم تنوينه. قال: "اعلم أنك إذا وصفت المنفي فإن شئت نونت صفة المنفي وهو أكثر في الكلام، وإن شئت لم تنون. وذلك قولك: لا غلام ظريفًا لك، ولا غلام ظريف لك". الكتاب ٢/ ٢٨٨.
(٥) ترفعه حملًا على موضع لا واسمها. لأنها وما عملت فيه بمعنى اسم واحد مرفوع بالابتداء، فتقول: لا رجل ظريف عندك.
[ ١ / ٤١٨ ]
جعلهما كشيء واحد، فتعذر البناء، وليس في الصفة الزائدة (١) عليها إلا الإعراب لئلا يؤدي إلى بناء المتعدات وجعلها كشيء واحد، وليس من جنس لغتهم. وإن كررت المنفي جاز في الثاني البناء لأنه تأكيد لفظي، فجاز أن يجري مجرى الأول لفظًا لأنه تكرير له. وجاز الإعراب لأن علة البناء إنما وجدت في الأول دون الثاني، فأعرب الثاني لذلك.
قال: "وحكم المعطوف حكم الصفة إلا في البناء"، لأن البناء متعذر، إما لزيادة الحرف على ما تقدم، وإما لأن المعطوف والمعطوف عليه متغايران، فلا يستقيم جعلهما كشيء واحد كالصفة. فلم يبق إلا الإعراب لفظًا أو محلا، فاللفظ مثل قوله:
لا أب وابنا مثل مروان وابنه (٢)
ويجوز في "مثل" الرفع على أن يكون خبرًا، ويجوز النصب على أن يكون صفة وهو صفة لهما. ولا يجوز الرفع على الصفة لهما، لأن "ابنا" معرب، والرفع إنما يجوز على المحل إذا اتفق للموصوف محل يخالف اللفظ. وههنا أحد الاسمين وهو الثاني منصوب معرب فليس له محل في الرفعن فوجب أن تكون الصفة لهما فيما يتفقان فيه وهو لفظ النصب. ولا يجوز أن تكون الصفة لهما فيما اختلفا فيه لأنه يؤدي إلى مثل قولك: قام زيد وضربت عمرًا العاقلين، لأن
_________________
(١) كقولك: لا غلام ظريف عاقلًا عندك. قال ابن يعيش: "كنت في الوصف الأول بالخيار، إن شئت بنيته ومنعته التنوين، وإن شئت أعربته ونونته ولا يكون الثاني إلا منونًا معبربًا، إما بالنصب وإما بالرفع، ولا يجوز فيه البناء". شرح المفصل ٢/ ١٠٩.
(٢) هذا صدر بيت من الطويل، وعجزه: إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا. ولم ينسبه أحد لقائل. وهو من شواهد سيبويه ٢/ ٢٨٥، والمقتضب ٤/ ٣٧٢، والخزانة ٢/ ١٠٢. ومروان: هو مروان بن الحكم. وابنه: عبد الملك بن مروان. والشاهد فيه قوله: ابنًا، حيث عطف بالنصب على لفظ اسم لا. ويجوز فيه الرفع أيضًا، عطفًا على اسم لا قيل دخول لا عليه، أو عطفًا على لا مع اسمها، وهما بمنزلة المبتدأ.
[ ١ / ٤١٩ ]
الرفع في الصفة في قولك: لا أب وابنًا مثل، إنما يصح لأن قولك: لا أب، في محل رفع، فيبقى قولك: وابنًا، منصوبًا لفظًا ومحلا، فتصير قد وصفت بصفة واحدة اسمين، أحدهما مرفوع والآخر منصوب على التبعة اللقظية. وهذا مثل قولك: يا زيد وعبد الله العاقلين. لا يجوز الرفع لأنهما لم يتفقا في جهة، إذ أحدهما منصوب لفظًا ومحلًا، فلا وجه لجرى الرفع عليه ويجب النصب لاتفاقهما باعتباره، لأن الأول منصوب محلًا والثاني منصوب لفظًا ومحلا، فأجريت الصفة على ما اتفقا، لا على ما اختلفا. فإجراء الصفة ههنا على المحل واجب كإجراء الصفة ثم على اللفظ، لأنهما ههنا اتفقا بالمحل واختلفا باللفظ، وثم اختلفا بالمحل واتفقا باللفظ، فلذلك كانت الصفة باعتبار الاتفاق.
قال: "وإن تعرف فالحمل على المحل لا غير" (١). قال: لأن دخول النصب فيه فرع دخول الفتح فيه إذا كان منفيًا، ولا يدخله الفتح فلا يدخله هذا النصب الذي هو فرعه، لأن دخول الفتح إنما كان لتضمنه معنى الحرف. ألا ترى أن معنى قولك: لا رجل، لا من رجل. ولا يتقدر مثل ذلك في: لا زيد، لأن "من" ههنا جيء بها لتأكيد نفي المتعددات، وليس في قولك: لا زيد، تعدد.
قال: "ويجوز رفعه إذا كرر". قال الله تعالى ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ (٢). وقال: ﴿لا بيع فيه ولا خلة﴾ (٣).
قال الشيخ: خص الرفع بالذكر وإن كان فيه إذا كرر خمسة أوجه على ما
_________________
(١) كقولك: لا غلام لك والعباس، ولا غلام لك وزيد. قال ابن يعيش: "لا يجوز نصبه بالحمل على عمل (لا)، لأن (لا) لا تعمل إلا في النكرةن وإنما ترفعه على موضع (لا) وما عملت فيه لأن موضعهما ابتداء". شرح المفصل ٢/ ١١٠.
(٢) البقرة: ١٩٧.
(٣) البقرة: ٢٥٤.
[ ١ / ٤٢٠ ]
يأتي في الفصل الذي بعده، لأن بقية الأوجه قد تقدم بعضها القوي، وذكر آخر هذا الفصل بعضها الضعيف، فلم يبق إلا وجه رفعهما، ولذلك خصه بالذكر. ووجهه أحد أمرين: إما أن يقال: المعطوف والمعطوف عليه في الصورة إذا بنيا جميعًا كانا كالشيء الواحد، فكره بناء أشياء متعددات، فعدل إلى الأصل وهو الرفع. وإما أن يقال: هو جواب لمن سأل عن شيئين أو أثبت الحكم لشيئين فقال: في الدار رجل وامرأة، فأجيب بقوله: لا رجل في الدار ولا امرأة، ليكون الجواب مطابقًا للسؤال. فإن قيل: فليكن "لا رجل" فصيحًا جائزًا جوابًا لقول من قال: في الدار رجل. فالجواب: أن ذلك غير لازم، لأنك في قولك: لا رجل ولا امرأة، مضطر في غرضك لذكرهما، لأنك لو قلت: لا، أو: لا رجل، أو: لا امرأة، لم يحصل غرضك، وليس كذلك مسألة الاعتراض، إذ لو قصدت مجرد الجواب لوجب أن تقول: لا، أو: نعم. وليس في ذكر رجل زيادة فثبت أنها تخالفها في وجوب ذكر الاسمين للغرض المقصود، فحسنت المطابقة. وتك المسألة إن ذكرت رجلًا فليس لهذا الغرض يجب أن يكون له حكم لا باعتبار المجاب لانتفاء الغرض فيه بانتفاء الجواب. [قال] (١) "فإن جاء مفصولًا بينه وبين لا أو معرفة وجب الرفع والتكرير" (٢). أما الرفع فلأن الفصل يمنع البناء، وأما التكرير فلأن "لا" تقتضدي نفي المتعددة وضعًا. ولما كان المعرفة الواحد لا تعدد فيه اشترط تكريره ليحصل التعدد.
[قال] (٣): "وفي: لا حول ولا قوة إلا بالله، ستة أوجه". وهي خمسة أوجه (٤) لأن الوجه السادس الذي جعله عكسًا لرفع الأول وفتح الثاني هو أن
_________________
(١) زيادة من عندي ليعرف أن ما بعدها من كلام الزمخشري.
(٢) فمثال الفصل قولك لا فيها رجل ولا امرأة. ومثال كونه معرفة قولك: لا زيد عندي ولا عمرو.
(٣) زيادة من عندي حتى لا يختلفط كلام الزمخشري بكلام ابن الحاجب.
(٤) انظر تفصيل هذه المسألة في الإملاء رقم (٧٨) من الأمالي على المقدمة ص: ٥٩٣ والإيضاح في شرح المفصل ١/ ٣٩٤ والرضى ١/ ٢٦٠ وابن يعيش ٢/ ١١٣.
[ ١ / ٤٢١ ]
تقول: لا حول ولا قوة. وهذا هو الوجه الذي هو فتح الأول ورفع الثاني وهو قولك: لا حول ولا قوة.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن تقسيمه باعتبار التعليل. والوجه الخامس هو رفع الأول على أن "لا" بمعنى ليس، أو على مذهب أبي العباس (١)، فيكون الوجه السادس معللا بهذا التعليل، وهو بهذا الاعتبار يخالف الوجه الثالث، وهذا غلط، إذ لو قصد ذلك لكانت وجوهًا كثيرة، لأن رفعهما جميعًا يجوز أن يكون للوجهين الذين ذكرناهما، وأن يكون على مذهب أبي العباس. أو على أن "لا" بمعنى ليس. وهذه أربعة أوجه. فدل ذلك على أنه لم يقصد إلا صورة الأحكام لا إلى تعليلها، وأن قوله: "وأن تعكس هذا"، وقع غلطًا، وكثيرًا ما يغلط العلماء في مثل ذلك عند التقسيم.
[إملاء ٨٦]
[خبر ما ولا المشبهتين بليس]
قال صاحب الكتاب (٢): "هذا التشبيه لغة أهل الحجاز وأما بنو تميم فيرفعون ما بعدهما على الابتداء ويقرأون: ﴿ما هذا بشر﴾ (٣)، إلا من دري كيف هي في الصحف".
لغة أهل الحجاز على خلاف القياس عند النحويين (٤). ولغة بني تميم
_________________
(١) مذهبه جواز الرفع بلا من غير تكرير. فهو لا يرى بأسًا أن تقول: لا رجل في الدار. انظر المقتضب ٤/ ٣٥٩.
(٢) ص ٨٢.
(٣) المؤمنون: ٢٤.
(٤) ويروي عن الأصمعي أنه قال: ما سمعته في شيء من أشعار العرب، يعني نصب خبر ما المشبهة بليس. ابن يعيش ١/ ١٠٨.
[ ١ / ٤٢٢ ]
موافقة للقياس، لأنهم يزعمون أن كل حرف لا اختصاص له بواحد من الأسماء والأفعال لا عمل له في أحدهما، و"ما" و"لا" كذلك. ووجهه أن الشبه لما قوي بين "ما" و"ليس"، أجريت مجراها في العمل، وخولف ذلك القياس لقوة الشبه.
قوله: "وبنو تميم يقرأون: ﴿ما هذا بشر﴾، ليس بجيد، لأن هذه القراءة إن كانت لهم جائزة قبل المصحف فلا تنسخ بوجود المصحف، وإن لم تكن لهم جائزة فقد نسبهم إلى الجهل وارتكاب المحظورات.
وقوله: "فإذا انتقض النفي بإلا، أو تقدم الخبر بطل العمل". أما إذا انتقض فلأنها شبهها باعتبار النفي، ولا نفي في الخبر مع وجود "إلا" فبطل. وأما التقدم فلأنها لم تقو قوة الأفعال فيتقدم منصوبها على مرفوعها. ودخول الباء في (١) الخبر إنما يصح على لغة أهل الحجاز، واستدل بقوله: "لأنك لا تقول: زيد بمنطلق". وهذا غير مستقيم لأنه لا يصح أن يقال: دخول الباء لأجل النفي في قولك: ما زيد بمنطلق، على اللغتين، ولم يستقم: زيد بمنطلق، لعدم النفي، كما تقول: ما لكم من إله، وأنت لا تقول: لكم من إله، ولا عمل لواحد منهما.
وقوله: "ولا التي يكسعونها (٢) بالتاء هي المشبهة بليس بعينها ولكنهم أبوا إلا أن يكون المنصوب بها حينًا".
اختلف الناس في "لا" هذه. فقال البصريون: هي "لا" المشبهة بليس لأنها ألحقت التاء المختصة بالأفعال، فلولا شبهها بالفعل لم تلحقها. وإذا كانت المشبهة بالفعل فهي التي بمعنى ليس أيضًا. فإن المعنى على قولك:
_________________
(١) في س: على.
(٢) معنى يكعسونها: يتبعونها. اللسان (كسع).
[ ١ / ٤٢٣ ]
ليس هذا الحين حين مناص، وشبهه مما يقع فيه لات (١). واغتفروا ما يلزمهم لقيام هذا الدليل، والذي يلزمهم أن "لا" بمعنى "ليس" شاذ. وجوابه أنه شاذ ما لم تدخل التاء، فإذا دخلت فليس بشاذ. ومنها: ما يلزمهم من إضمار الاسم في الحرف، لأن المعنى عندهم: ليس الحين حين مناص، والحروف لا يضمر فيها. وجوابه: أنه قد قوي شبهه بالفعل فأجرى مجراه في هذا المثال لكثرة استعماله مثله. ومنها: ما لزمهم من الإضمار قبل الذكر، لأن المعنى: ليس الحين حين مناص. وجوابه: أن مثل هذا الإضمار جائز لقيام القرينة الحالية عليه. وإذا قامت القرينة على الإضمار كان بمثابة تقدم الذكر.
وذهب بعض الناس إلى أنها "لا" التي لنفي الجنس (٢). ودليله عندهم ما ذكروه اعتراضًا على البصريين. والاعتراض عليه ما ذكره البصريون جوابًا ودليلًا.
[إملاء ٨٧]
[مسائل في المنادى]
المنصوب باللازم إضماره. قال (٣): "هو أقسام منه المنادى (٤) "،. والنداء جملة إنشائية يقصد بها تنبيه من تخاطبه بأحد الحروف المخصوصة (٥). والمنادى هو الاسم المخاطب فيها. واختلف في تقديرها جملة. فمنهم من
_________________
(١) قال تعالى: "ولات حين مناص" (ص: ٣).
(٢) وهو مذهب الكوفيين. انظر الإيضاح في شرح المفصل ١/ ٣٩٩.
(٣) المفصل ص ٣٥.
(٤) قال ابن الحاجب: "لم يحده لإشكاله". الإيضاح ذ/٢٤٩. ثم قال: "والتحقيق أن يقال في حده: هو المطلوب إقباله بحرف نائب مناب أدعو لفظًا أو تقديرًا. فالمطلوب إقباله جنس له ولغيره، وبحرف نائب مناب أدعو فصل. وخرج المندوب عنه بأصل الجنس فإنه ليس مطلوبًا إقباله". الإيضاح ١/ ٢٤٩.
(٥) وهي: يا، أيا، هيا، وا، أي، الهمزة.
[ ١ / ٤٢٤ ]
يقول: أصلها: أريد (١) أو أعني أو ما أشبهه. فيا عند هؤلاء حرف وضع دليلًا على الإنشاء للنداء كما وضعت الهمزة دليلًا على إنشائية الاستفهام. والجملة عندهم من الفعل والفاعل المقدر، والاسم مفعول بذلك الفعل.
وقال بعضهم (٢): يا: اسم من أسماء الأفعال متضمن معنى الإنشاء، وعبد الله مفعول باسم الفعل، ولا شيء مقدر، هو ضعيف، لأن من جملة حروف النداء الهمزة، وليس من أسماء الأفعال اسم على حرف واحد. وأيضًا فإن أسماء الأفعال تتحمل الضمائر، كقولك: هيهات ورويد، وهذه يعلم أنها لا تتحمل الضمائر، ولو تحمل الضمير لاستقل كلامًا، ولا يستقل ذلك مع مضمره كلامًا. وإذا بطل ذلك فالمذهب ما تقدم، ويجب تقدير الفعل للعلم بأنها جملة، والمعنى عليه، فوجب تقديره بالفعل. وإنما وجب الحذف لأن الواضع علم أن هذا مما يكثر في كلامهم، فحذفه (٣) لكثرته المعلومة عنده، وصارت "يا" متضمنة ذلك الفعل المحذوف، فلم يجمعوا بينها وبينه. ثم إن المنادى منصوب لفظًا ومنصوب محلًا. فالمنصوب من حيث المحل على أضرب: منها: المنادى المضموم، وشرطه أن يكون مفردًا معرفة غير داخلة عليه لام الجر ولا ألف الندبة، وبني لشبهه بالمضمر من حيث اللفظ ومن حيث المعنى. أما من حيث اللفظ فلأنه مفرد، ومن حيث المعنى هو أنه مخاطب، وأصل المخاطب أن يكون بالضمائر، ولكنهم وضعوا ههنا الأسماء الظاهرة موضع المضمرات لأنهم علموا أنهم ينادون في الغالب الغائب عن العين، فلو وضعوا (٤) المضمر موضعه لجوز كل سامع له أنه المنادى، فعدلوا إلى الأسماء
_________________
(١) في الأصل: يا زيد. وهو تحريف.
(٢) وهو مذهب الفارسي. انظر شرح الكافية للرضى ١/ ١٣٢.
(٣) في س: فحذف. والأصوب ما أثبتناه.
(٤) في س: وضع. والأصح ما أثبتناه.
[ ١ / ٤٢٥ ]
الظاهرة لتختص بمن هي لقب عليه، فيرتفع ذلك اللبس. وبني على حركة إما للهرب من التقاء الساكنين في كثير من الأسماء كزيد وعمرو ثم حملت البواقي عليها، وإما لعروض البناء، جعلوا المبني عارضًا بالآلة العارضة وهي الحركة، إذ أصل البناء السكون (١)، وبني على الضم لأنهم لو بنوه على الفتح لالتبس بالمعرب، إذ موضعه نصب (٢). ولو بنوه على الكسر لالتبس بالمضاف إلى ياء المتكلم عند حذف الياء وهي كثيرة، فبنوه على الضم ليرتفع هذا اللبس (٣).
قال: "توابع المنادى المضموم غير المبهم". قال صاحب الكتاب: "إذا أفردت حملت على لفظة أو محله". ذكر بعض التوابع باعتبار حكم ثبت لأجل منادى مخصوص كان ذكره في النداء لأنه أثره. أما التوابع وأحكامها من حيث كونها توابع فموضعها باب التوابع. وشرط هذا الحكم أن يكون المتبوع منادى مضمومًا غير مبهم، وأن يكون التابع مفردًا غير بدل ولا معطوفًا مما يصح دخول حرف النداء عليه. أما كونه منادى فليحصل اللفظ والموضع، وأما كونه مضمومًا فليتحقق مخالفة اللفظ الموضع، وأما كونه غير مبهم فلأنه إذا كان مبهمًا كان المتبوع هو المقصود بالنداء، وقد أجاز بعض النحويين فيه الوجهين، فعلى هذا لا يحتاج إلى قيد يخرجه.
_________________
(١) قال ابن يعيش: "أما تحريكه فلأن له أصلًا في التمكن فوجب أن يميز عن ما بني ولا أصل له في التمكن، فبني على حركة تمييزًا له عن مثل: من وكم وغيرهما مما لم يكن له سابقة إعراب". شرح المفصل ١/ ١٣٠.
(٢) لو بنوه. إذ موضعه نصبك سقطت هذه العبارة من د.
(٣) وزاد ابن يعيش سببًا آخر وهو شبهه بالغايات نحو: قبل وبعد. ووجه الشبه بينهما أن المنادى إذا أضيف أو نكر أعرب، وإذا أفرد بني، كما أن قبل وبعد تعربان مضافتين ومنكورتين وتبنيان في غير ذلك. انظر شرح المفصل ١/ ١٣٠. وقال ابن الحاجب في الإيضاح: "وإنما بني على الضم لطروء سبب أوجب البناء، وهو مناسبة ما لا تمكن له في الإعراب، وهو شبهه بالمضمر" ١/ ٢٥٢.
[ ١ / ٤٢٦ ]
وقوله: "إذا أفردت"، احتراز من أن تكون مضافة لأنها إذا كانت مضافة لم يكن فيها إلا النصب من جهة أن إعرابها بالرفع إنما كان إجراء لها مجرى المنادى بتقدير دخول حرف النداء عليها (١). وأما إذا كانت مضافة انتفى هذا التقدير عنها ولزم نصبها.
وقولنا: غير بدل، لأنها إذا كانت بدلًا كان في حكم تكرير العامل، فكأنه موجود، فحكمه حكم منادى مستقل، فيجب ضمه. وقولنا: غير معطوف مما يصح دخول حرف النداء عليه، لأنه إذا صح دخول حرف النداء عليه قدر، وإذا قدر كان حكمه حكم نفسه، وجرى مجرى البدل.
وما له لفظ ومحل على ثلاثة أقسام: ققسم مبني بالأصالة فهذا لا يجري عليه شيء إلا باعتبار موضعه، كقولك: جاءني هؤلاء العقلاء، وشبهه، لأن لفظه أصل في البناء، فلا اعتداد به، إذ لا شبه له بالمعرب. وقسم طرأ فيه البناء في محل مخصوص كالمنادى المضموم والمنفي بلا التي لنفي الجنس، ففي تابع هذا وجهان: الإجراء على الموضع وهو القياس لأنه مبني فلا اعتداد بلفظه قياسًا على سائر المبنيات. ومنهم من يجريه على لفظه لطروء البناء فيه تشبيهًا لها بحركة الإعراب لتغير الحركة العارضة فيه (٢). وقسم معرب بإعراب ثان بعد إعراب أصل كالمضاف إليه المصدر واسم الفاعل واسم (٣) المفعول، كقولك: ضرب زيد وضارب زيد ومضروب زيد. ففي هذا أيضًا وجهان: الإجراء على اللفظ وهو القياس لأنه معرب على الحقيقة فجرت عليه
_________________
(١) عليها: سقطت من م.
(٢) تقول: يا زيد الطويل والطويل، ويا تميم أجمعون وأجمعين، ويا غلام بشر وبشرًا، ويا عمرو والحارث والحارث.
(٣) اسم: سقطت من ب، د.
[ ١ / ٤٢٧ ]
توابعه على لفظه كسائر المعربات، ومنهم من يجري توابعه على إعرابه الأصلين وهو ضعيف، وقد تقدم.
[إملاء ٨٨]
[المفعول المطلق]
قوله (١): "ذكر المنصوبات. المفعول المطلق". لم يحد المصدر لأنه قد تقدم ما يشعر به وهو لقبه. فإن لقبه مشعر بفصله. والمقصود في الحدود إنما هي المفصول فكأنه قال: هو الاسم الذي فعل، وهذا فصل المفعول المطلق عن غيره. وحده: هو ما فعله فاعل الفعل المذكور. فقولنا: المذكور، احتراز عن مثل قولك: كره زيد الضرب، فإنه مفعول لفاعل ولكنه ليس هو المذكور.
وقوله: "سمي مصدرًا لأن الفعل يصدر عنه" (٢). هذا مذهب البصريين أن المصدر أصل أخذ منه الفعل (٣)، والدليل عليه من وجهين: أحدهما: تسميته بالمصدر، والمصدر في اللغة هو الذي يصدر عنه، فدلت تسميته على أنه قد صدر عنه الفعل، وعلى مذهب الكوفيين كان ينبغي أن يسمي الفعل مصدرًا ولم يسم، فدل على أنه ليس بأصل. الثاني: أن معنى الاشتقاق هو أخذ لفظ فرعي من لفظ أصلي موافق له في الحروف الأصول والمعنى الأصلي، وهذا لا يتحقق في المصدر والفعل إلا على مذهب البصريين، لأنا نقول: إن جعلنا الفعل أصلا فالفعل يدل على حدث وزمان معين فيجب أن يكون المصدر يدل أيضًا على الحدث والزمان المعين، ولا قائل يقول: إن المصدر يدل على حدث وزمان معين. وإذا قلنا: إن المصدر هو الأصل وهو دال على
_________________
(١) ص ٣١.
(٢) عبارة المفصل: سمي بذلك لأن الفعل يصدر عنه.
(٣) انظر الإنصاف في مسائل الخلاف مسألة ٢٨.
[ ١ / ٤٢٨ ]
حدث مجرد عن الزمان فالفعل قد شاركه في هذا المعنى الأصلي، فقد ثبت أن الحق ما ذهب إليه البصريون.
المبهم ما دل على ما دل (١) عليه الفعل من الحدث، والمؤقت ما دل على زيادة، وتلك الزيادة تكون في الأنواع كقولك: ضربت ضربًا شديدًا، وفي الأعداد كقولك: ضربت ضربة وضربتين (٢).
وقوله: "وقد يقرن بالفعل غير مصدره مما هو بمعناه وذلك على نوعين: مصدر وغير مصدر". فقوله: وغير مصدر، ظاهره التناقض، لأن كلامه في المفعول المطلق وتقسيمه وقد ذكر أنه مصدر، فكيف يكون من تقاسيمه غير مصدر، فيكون مصدرًا غير مصدر؟ والجواب: أن المصدر يطلق باعتبارين: أحدهما: الذي فعله فاعل الفعل المذكور. والآخر: باعتبار ما له فعل يجري عليه، كانطلق للانطلاق وشبهه، وله باب يذكر فيه. فقوله: وغير مصدر، أي: ليس له فعل يجري عليه، وهو مصدر باعتبار أنه فعله فاعل الفعل، فهو مصدر باعتبار غير مصدر باعتبار آخر.
وأما قوله: "رجع القهقري" وأخواتها (٣)، فللناس فيها مذهبان: مذهب صاحب الكتاب أنها ههنا أسماء ليست لها أفعال، فهي منصوبة انتصاب: أنواعًا من الضرب. وقد ذهب غيره إلى أنها صفات لمصادر محذوفة (٤). فرجع
_________________
(١) على ما دل: ساقطة من ب.
(٢) تحدث ابن الحاجب في هذه الفقرة عن قسمي المصدر، ولكنه لم يصدرها بعبارة الزمخشري كعادته. فبدل الكلام غير مرتبط بما قبله. فلابد من ذكر كلام الزمخشري، حتى يتصل الكلام ببعضه البعض ويستقيم المعنى. وعبارة الزمخشري: "وينقسم إلى مبهم نحو: ضربت ضربًا وإلى مؤقت نحو: ضربت ضربة وضربتين".
(٣) منها: اشتمل الصماء، وقعد القرفصاء.
(٤) وهو مذهب المبرد. انظر الرضي على الكافية ١/ ١١٥.
[ ١ / ٤٢٩ ]
القهقري، تقديره: رجع الرجوع القهقري. فعلى هذا يكون المصدر هو المحذوف، والقهقري وأخواتها صفات المصادر المحذوفة والمقدرة، فلا تكون من هذا الباب بل تكون من باب قولك: ضربت ضربًا كثيرًا.
قوله: "والمصادر المنصوبة بأفعال مضمرة على ثلاثة أنواع". والدليل على الحصر باعتبار جواز الإضمار ووجوبه، أنه لا يخلو أن يجوز إظهاره أو لا فإن جاز إظهاره فهو قسم الأول (١). وإن لم يجز إظهاره فلا يخلو إما أن يكون له فعل من لفظه أو لا. فإن كان له فعل من لفظه فهو الثاني (٢). وإن لم يكن له فعل من لفظه فهو الثالث (٣). فمنها ما لا يعرف إلا بالسماع وهو الأول من النوع الثاني. وطريق الدليل على التزامهم حذف الفعل من هذا القسم أنا نقول: هذه ألفاظ كثرت في كلامهم، ولم توجد إلا محذوفًا فعلها. فدل على أنها ملتزمة الحذف، إذ لو لم تكن كذلك لوجدت مع كثرتها في بعض المواضع مظهرًا أفعالها. ولما لم توجد إلا محذوفة دل على أنها لا يجوز إظهارها. وقد استعمل هذا الدليل في مواضع مخرجًا لما ثبتت قاعدته بالقياس، فهو أولى ههنا.
قال سيبويه: "لا يقال: ما أقيله، استغناء بما أكثر قائلته" (٤). وقال
_________________
(١) نحو: مواعيد عرقوب، وخبر مقدم، وغضب الخيل على اللجم. فهذا النوع يجوز فيه إظهار الفعل ويجوز حذف. انظر المفصل ص ٣٢.
(٢) نحو قولك: سقيًا ورعيًا وخيبة وجدعًا وعقرًا وبعدًا وسحقًا. فكل هذه مصادر منصوبة بفعل مضمر متروك لأنها صارت بدلًا منه. انظر المفصل ص ٣٢.
(٣) نحو: دفرًا وبهرًا وأفة وتفة وويحك وويسك وويلك. فهذه مصادر ليست لها أفعال من لفظها. انظر المفصل ص ٣٣.
(٤) قال سيبويه: "ولا يقولون في قال يقيل: ما أقيله، استغنوا بما أكثر قائلته". الكتاب ٤/ ٩٩.
[ ١ / ٤٣٠ ]
أيضًا: "واستغنوا بتركت عن وذرت" (١). وقال أيضًا: "لا يقال نازعني فنزعته، واستغنى عنه بغلبته" (٢). وهذه كلها أمور أخرجت عن القياس لهذا الدليل، وطريق بيانه ما ذكرناه.
وضابط هذا النوع الثاني من النوع الثاني الذي هو: إنما أنت سيرًا سيرا، وما أنت إلا قتلًا قتلًا: أن يتقدم نفي أو ما هو في معنى النفي وبعده اسم لا يصح أن يكون المصدر عنه خبرًا (٣). وقولنا: لا يصح أن يكون المصدر عنه خبرًا، حذرًا من قولك: ما ضربك إلا ضرب حسن، فإنه يجب فيه الرفع. وحكمة هذا الضابط هو أن وقوعه موقعًا لا يصح أن يكون خبرًا دال على أن الخبر غيره. ولا خبر يصلح من حيث المعنى إلا فعل بمعناه، فقد علم بهذه القرينة خصوصية الفعل وفي موضعه باشتراط الإثبات بعد النفي لفظ أو تقدير لفظ واقع موقع الفعل، فاستغنى بالقرينة واللفظ الواقع موقع الفعل عن التلفظ بالفعل، كما استغنى في قولهم: لولا زيد لكان كذا، وبابه.
قوله: "ومنه قوله: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ (٤) ". ضابط هذا: أن تتقدم جملة تقتضي تفصيلًا باعتبار معناها، ويستغنى باقتضائها التفصيل مع ذكر المصادر بعدها عن ذكر الفعل ويستغنى بلفظ ما تقدم عن لفظ الفعل، فصارت (٥) قرينة ولفظ، فأشبه ما تقدم.
_________________
(١) قال سيبويه: "كما أن يدع على ودعت، ويذر على وذرت وإن لم يستعملا، استغنى عنهما بتركت". الكتاب ٤/ ٦٧.
(٢) قال سيبويه: "ألا ترى أنك لا تقول نازعني فنزعته، استغنى عنها بغلبته وأشباه ذلك". الكتاب ٤/ ٦٨.
(٣) ومثل هذا قولك: إنما أنت سير البريد، وأأنت سيرا؟
(٤) محمد: ٤. وقبلها: "فشدوا الوثاق". فـ "منا" و"فداء" ذكرا تفصيلًا وتوضيحًا لعاقبة الأمر بشد الوثائق.
(٥) في جميع النسخ وردت هذه الكلمة هكذا. والصواب أن تكون: لأنه. وقد ذكر ذلك في الصفحة التالية.
[ ١ / ٤٣١ ]
وقوله: "مررت [به] (١) فإذا له صوت صوت حمار وإذا له صراخ صراح الثكلى وإذا له دق دقك بالمنحاز حب القلقل (٢) ". ضابط هذا: أن يتقدم اسم فعل، يعني مصدرًا منسوبًا إلى من قام به وبعده مصدر في معناه، فإنه ينصب على الوجه المختار (٣)، فيستغنى بما تقدم من ذكر اسم الفعل المنسوب عن الفعل الناصب لأنه قرينة ولفظ كما تقدم. وهل الناصب له نفس ما تقدم فيقوم مقام الفعل أو الناصب له فعل آخر مقدر؟ فيه خلاف بين النحويين (٤). ظاهر كلامه أنه بفعل مقدر، لأن الكلام في تقسيم ما ينتصب بفعل واجب إضماره. وعلى التقدير الآخر لا يكون منصوبًا بفعل مضمر. وقولنا: اسم فعل منسوب إلى من قام به، احتراز من أن يكون غير اسم فعل، كقولك: فإذا له يد يد الثور (٥)، واحتراز من أن لا يذكر شيء في موضعه أصلا، كقولك: فإذا له صوت حمار. وقولنا: إلى من قام به، احتراز من قولك: فإذا صوت صوت حمار.
_________________
(١) زيادة من المفصل ص ٣٢.
(٢) المنحاز: الهاون. اللسان (نحز). والقلقل: شجر أو نبت له حب أسود. قال ابن منظور: "والعامة تقول: حب الفلفل، وهو تصحيف. إنما هو بالقاف وهو أصلب ما يكون من الحبوب". اللسان (قلقل).
(٣) قال سيبويه: "فإنما انتصب هذا لأنك مررت به في حال تصويت ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلًا منه. ولكنك لما قلت: له صوت، علم أنه قد كان ثم عمل، فصار قولك: له صوت، بمنزلة قولك: فإذا هو يصوت، فحملت الثاني على المعنى". الكتاب ١/ ٣٥٦.
(٤) قال سيبويه: "ويدلك على أنك إذا قلت: فإذا له صوت صوت حمار، فقد أضمرت فعلًا بعد له صوت، وصوت حمار انتصب على أنه مثال أو حال يخرج عليه الفعل – أنك إذا أظهرت الفعل الذي لا يكون الصدر بدلًا منه احتجت إلى فعل آخر تضمره". الكتاب ١/ ٣٥٧.
(٥) قال سيبويه: هذا باب لا يكون فيه إلا الرفع، وذلك قولك: له يد يد الثور، وله رأس رأس الحمار، لأن هذا اسم، ولا يتوهم على الرجل أنه يصنع يدًا ولا رجلًا، وليس بفعل". الكتاب ١/ ٣٦٦.
[ ١ / ٤٣٢ ]
قوله: "ومنه ما يكون توكيدًا إما لغيره أو لنفسه". التوكيد لغيره أن تتقدم جملة يكون معناها باعتبار المصدر المذكور بعدها متعددًا (١). والتوكيد لنفسه أن تتقدم جملة يكون معناها باعتبار المصدر المذكور بعدها متحدًا (٢).
وقوله: "أجدك لا تفعل كذاط. أصله لا تفعل كذا جدًا. فالجملة بالنسبة إلى "جدا" تحتمل الغير، فصار توكيدا لغيره، ثم أضيف إلى فاعله كقولك (٣): صنع الله، ثم دخلت الهمزة للإنكار، فالتزم تقديمه لأجل الهمزة، ثم كثر في ألسنتهم حتى استعمل استفتاحًا، فلذلك وقعت بعده الجملة الإنشائية كقولك: هل تفعل كذا؟ ولا تفعل كذا. والإنشائية هي التي: لا تحتمل صدقًا ولا كذبًا.
قوله: "ومنه ما جاء مثنى وهي: لبيك وسعديك". ضابط هذا أن يكون مسموعًا من العرب مثنى. ووجوب حذف الفعل معلوم قياسًا، وسره أنهم لما ثنوه فكأنهم ذكروه مرتين، فاستغنوا بذكر أحدهما مقدرًا عن الفعل، كما أنهم إذا قالوا: الطريق الطريق، استغنوا بالتكرار عن الفعل، فإذا قالوا: الطريق، لم يستغنوا.
قوله: "ومنه ما لا يتصرف، وهي (٤) سبحان الله ومعاذ الله وعمرك وقعدك الله". قال سيبويه: معنى كونها لا تتصرف: أنها لا تستعمل إلا مصدرًا ولا تقع فاعلة ولا مفعولة ولا مضافًا إليها (٥). وقال بعضهم: إنها مصدر لسبح، ولا
_________________
(١) كقولك: هذا عبد الله حقًا.
(٢) كقولك: له علي ألف درهم عرفا. أي: اعترافًا.
(٣) في ب: كقوله.
(٤) في المفصل: نحو، بدلًا من: وهي.
(٥) عدم تصرفها عند سيبويه ليس كما نقله عنه ابن الحاجب، وإنما لأنها لا تقع في موضع الجر والرفع ولا تدخلها الألف واللام. انظر الكتاب ١/ ٣٢٢.
[ ١ / ٤٣٣ ]
يصح لأن شرط كل مصدر لفعل يوافقه في معنى الحدوث. وسبح معناهك قال: سبحان الله. وسبحان الله معناه: براءة الله. وليس التلفظ بسبحان الله براءة، فلا يستقيم أن يكون مصدرا له. فسبح: إذا قال: سبحان، مثل بسمل: إذا قال: بسم الله، وحوقل: إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ولو استقام أن يكون سبحان مصدرا لسبح لكان: بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، مصادر لبسمل وحوقل. وإنما سبحان الله مصدر لفعل في معنى البراءة أو التنزيه لا يظهر. فكأنه قال: برئ الله من السوء براءة.
وعمرك الله. مذهب سيبويه أنها منصوبة على المصدر، تقديره: عمرتك الله تعميرا (١). حذف عمرتك، ووضع عمرك موضع التعمير مضافًا إلى مفعوله، وبقي اسم الله منصوبًا على ما كان عليه. والدليل على كونه مصدرا وقوعه موقع الفعل في قول الشاعر:
عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا هل كنت جارتنا أيام ذي سلم (٢)
فهو بمعنى عمرك الله. وإذا وقع في موضع عمرتك ومعناه وجب أن يكون مصدرًا كما كان "سقيا" مصدرًا لذلك. وذهب غيره إلى أن عمرك الله منصوب على أنه مفعول به بفعل مقدر لا مصدرا. كأنه قال: سالت عمرك، أي: سألت حياتك الله (٣).
ومذهب سيبويه أولى لأوجه: أحدها: أنا اتفقنا على أن "سقيا" مصدر،
_________________
(١) قال سيبويه: "وكأنه حيث قال: عمرك الله وقعدك الله، قال: عمرتك الله بمنزلة نشدتك الله، فصارت عمرك الله منصوبة بعمرتك الله، كأنك قلت: عمرتك عمرًا، ونشدتك نشدًا، ولكنهم خزلوا الفعل لأنهم جعلوه بدلًا من اللفظ به". الكتاب ١/ ٣٢٢.
(٢) هذا البيت من البحر البسيط وهو للأحوض. انظر ديوانه صفحة ٢٠١ (جمع وتحقيق إبراهيم السامرائي). وهو من شواهد سيبويه ١/ ٣٢٣، والمقتضب ٢/ ٢٢٩، والخزانة ١/ ٢٣١. والشاهد فيه: "عمرتك الله" وضعت موضع: عمرك الله.
(٣) وقد أجاز الأخفش رفع الله في "عمرك الله" ليكون فاعلًا، أي: عمرك الله تعميرًا. انظر الرضي على الكافية ١/ ١١٩.
[ ١ / ٤٣٤ ]
وهذا مثله، فيجب أن يكون مصدرًا. الآخر: أن حذف الفعل الناصب للمصدر أكثر من حذف الفعل الناصب للمفعول، فحمله على الأكثر أولى. الآخر: أن جعله مصدرًا يكون فيه قرينة تدل على الفعل. الآخر: أنه لو كان مفعولا بفعل مقدر لكان تقديم الله هو الوجه لأنه المفعول الأول للفعل المحذوف، ولما لم يجز دل على أنه ليس بمفعول.
وقوله: "قعدك". الكلام فيه كالكلام في عمرك الله، إلا أنه لم يأت من "قعدك الله" قعدتك الله (١)، كما جاء من "عمرك الله" عمرتك الله. إلا أنه يقدر: فعدتك، بمعنى: سألت الله أن يكون صاحبك، وقعدك بهذا المعنى، فيجب أن يكون مصدرًا كما كان عمرك. والخلاف فيه كالخلاف فيه، وقد تقدم وجه نصرة مذهب سيبويه.
والنوع الثالث: دفرا. معناه: نتنًا، كأنه قال: نتن نتنًا؛ وبهرا، إن أريد به الغلبة واللعن فليس من هذا، لأنه يقال: بهرني إذا غلبني، وبهرته إذا لعنته، لأن هذا باب ما ليس له فعل من لفظه. وإن أريد به تبًا وخسرانًا فهو من هذا الباب وهو المقصود. وأفة وتفة بمعنى: تضجرًا، كأنه قال: تضجرت تضجرًا. قوله: "وقد تجري أسماء غير مصادر ذلك المجرى". يعني بقوله: غير مصادر، أنها ليست جارية على أفعال كالانطلاق الجاري على انطلق. وقوله: ذلك المجرى، يعني: أنها منصوبة على أنها مصادر باعتبار أنها موضوعة في هذا المحل المخصوص للمعنى الذي فعله فاعل الفعل المذكور لا يجوز إظهار الفعل معها. وإنما ذكرها في هذا الفصل باعتبار وجوب إضمار الفعل، وإلا فقد ذكرها في الفصل الأول باعتبار ما فعله فاعل الفعل في قولك: ضربته سوطًا ورجع الفهقري.
_________________
(١) قال سيبويه: "فقعدك الله يجري هذا المجرى وإن لم يكن له فعل". الكتاب ١/ ٣٢٣.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وقوله: "تربًا" إلى آخره. هي لأجسام بالأصالة. والمتكلم إذا قالها لا يخطر بباله التراب أصلا. فمعنى تربًا: تعسًا وخيبة. فقد قصد به ههنا معنى تعس، فيجب أن يكون نصبه على المصدر، إلا أنه لا يجوز إظهار فعله. وجندلًا: مثله.
وقوله: "فاها لقيك". معناه: دهيًا وخيبة، فهو موضوع لمعنى فعل، فيجب أن يكون مصدرا (١).
وقوله: "هنيئًا" (٢). يعني: أنها صفات في الأصل موضوعة للذات التي قام بها المعنى، إلا أنها في هذا المحل استعملت للمعاني أنفسها، فهي ههنا مصادر لأنها أسماء لمعان فعلها فاعل الفعل المذكور، وهي غير مصادر باعتبار أنها في الأصل اسم للذات التي قام بها المعنى. فهنيء ومريء: اسم فاعل من قولهم: هنأ ومرأ. وقائمًا: اسم فاعل من قام. وقاعدًا: اسم فاعل من قعد. إلا أنك إذا قلت: هنيئًا لك الظفر، لم تعن إلا ليهنك الظفر (٣). وقد وقع "هنيئًا" موقع الفعل وهو الذي يعني به المصدر. وإذا قلت: أقائمًا وقد قعد الناس؟ فهو قائم مقام قولك: أتقوم؟ فيجب أن يكون مصدرا، وكذلك: أسائرًا؟ وليس قوله: ﴿فكلوه هنيئًا مريئا﴾ (٤) من هذا القبيل، فإنها صفات بالأصالة، وإنما جاءت نعتًا للمصدر المحذوف. فتقديره: أكلًا هنيئًا وأكلًا مريئًا. فهي صفات حذف موصوفها وأقيم الصفة مقامه.
_________________
(١) فاها: منصوب بمنزلة تربًا وجندلًا، كأنك قلت: تربًا لفيك. وإنما يخصون الفم بذلك لأن أكثر المتألف فيما يأكله الإنسان ويشربه. وصار "فاها" بدلًا من اللفظ بقولك: دهاك الله. انظر ابن يعيش ١/ ١٢٢.
(٢) هنيئًا سقطت من د.
(٣) انظر سيبويه ١/ ٣١٧.
(٤) النساء: ٤.
[ ١ / ٤٣٦ ]
وقوله: "ومن إضمار المصدر". ليس هذا من قياس باب الإضمار، وإنما هو إضمار بقرينة دلت عليه. فقولك: أظنه، هي القرينة الدالة على الظن، كقوله تعالى: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (١)، فالضمير للعدل، واعدلوا: دال عليه.
فأما ما جاء من قولهم في الدعوة المرفوعة، واجعله الوارث منا (٢)، وذلك بعد قوله: اللهم متعنًا بأسماعنا وأبصارنا وأبداننا أبدًا ما أحييتنا واجعله الوارث منا. "يحتمل عندي أن يوجه على هذا". قال الشيخ: محتمل عندي أن يوجه على أن الضمير في "واجعله" ضمير المصدر المؤكد لجعل، تقديره: اجعل جعلًا، وبعض الناس يقول: إنه ضمير المقدم ذكره مما عدد من الأسماع والأبصار وغيرها. وهذا باطل من حيث اللفظ والمعنى. أما اللفظ فلأن المقدم ذكره جمع والضمير مفرد، وكيف يكون ضمير الجمع مفردًا؟ بل لو كان ضميرها لكان يقول: واجعلها أو اجعلهن. وأما المعنى فكيف يستقيم أن يقال: واجعل ما هو عين ما يفنى ويورث الوارث منا؟ فتوجه على هذا ما ذكره صاحب الكتاب من الاحتمال (٣).
والقائل بأن الضمير للأسماع وللأبصار وغيرها، أن ذلك غير فاسد من حيث اللفظ والمعنى أيضًا. أما اللفظ فيجوز أن يكون الضمير لهن وإن كان مفردا، ويكون تقديره ذلك، أي: اجعل ذلك المقدم ذكره. وكيف لا يكون وقد قال تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقا
_________________
(١) المائدة: ٨.
(٢) هذه الدعوة من حديث للرسول - ﷺ -. انظر سنن الترمذي (باب الدعوات: ٨٣).
(٣) وهو أن يكون من إضمار المصدر. والضمير في (اجعله) ضمير المصدر، والتقدير: اجعل جعلًا.
[ ١ / ٤٣٧ ]
حسنا﴾ (١). وقوله: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه﴾ (٢). وقوله: ﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ (٣). فأتى الضمير مفردا لجماعة ومثنى.
وقد حكي أن أبا عبيدة (٤) سأل رؤية عن قوله:
فيها خطوط من سواد ويلق كأنه في الجسم توليع البهق (٥)
فقال كيف تقول: كأنه؟ ولا يخلو أن تريد الخطوط فقل: كأنها، أو السواد والبلق فقل: كأنهما، فقال: أردت ذلك وبذلك.
وأما جواز أن تكون الأسماع وغيرها مقصودة بالدعاء من حيث المعنى فطلب استصحاب بقائها والاستمتاع بها ملازمة إلى آخر دقيقة، كما غلب من عادة الوارث ملازمته لموروثه عند الموت، فقد حصل مما ذكرناه تجويز الاحتمالين. والتقدير على الأول: واجعله الوارث مستقرا منا، فيكون "مستقرا" المفعول الثاني. وعلى الاحتمال الآخر يكون الوارث هو المفعول الثاني والضمير المفعول الأول.
_________________
(١) النحل: ٦٧.
(٢) النحل: ٦٦.
(٣) البقرة: ٦٨.
(٤) هو معمر بن المثنى اللغوي البصري. ولد سنة ١١٢ هـ. أخذ عن يونس وأبي عمرو. وهو أول من صنف غريب الحديث. أخذ عنه أبو حاتم والمازني. من تصانيفه: المجاز في غريب القرآن، المثالب، أيام العرب، معاني القرآن توفي سنة ٢٠٩ هـ، وقيل سنة ٢٠٨ هـ. انظر بغية الوعاة ٢/ ٢٩٤.
(٥) سبق الكلام عنه في الإملاء (٥٩) من هذا القسم. ص: ٣٤٩.
[ ١ / ٤٣٨ ]
[إملاء ٨٩] [المفعول به]
[إملاء ٨٩]
[المفعول به]
قال صاحب الكتاب (١): "هو الذي يقع عليه فعل الفاعل". أراد بقوله: يقع عليه فعل الفاعل، ما تعلق به فعل الفاعل، أي: بيانا لما تعلق به فعل الفاعل، ثم هذا التعلق قد يكون أمرًا معنويا، وقد يكون أمرًا حسيًا (٢). والضمير في قوله: "أهله" (٣)، ضمير القول الذي هو المدح أو الذم المفهوم من القول، وقوله: "ومنه قولهم (٤) كاليوم رجلا"، منصوب بفعل مقدر محذوف لكثرته في كلامهم، قامت الكثرة لاستعمالهم إياه على هذا المعنى مقام القرينة الدالة على المحذوف. ألا ترى إلى قولك: عبد الله، يفهم منه أنك قصدت: يا عبد الله، لكثرة: يا عبد الله في كلامهم، فصارت الكثرة تشعر بالمحذوف إشعارًا كالقرائن الحالية والمقالية، ولولا ذلك لم يجز أن تقول: كاليوم رجلا.
وفي قوله: "كاليوم" أوجه من الإعراب: أحدها: أن يكون "رجلا" هو المفعول، ويكون قوله: كاليوم، إما بتأويل: مثل رجل اليوم، فيكون فيه وجهان: أحدهما: أنه صفة نكرة تقدمت فينتصب على الحال، أو تكون الرؤية رؤية القلب فيكون مفعولًا ثانيا. وإما بتأويل: ما رأيت مثل رؤية اليوم، أي: رؤية مثل رؤية اليوم، حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فيكون منصوبًا على المصدر، والرؤية رؤية
_________________
(١) ص ٣٤.
(٢) قال ابن الحاجب في الإيضاح: "أراد بالوقوع التعلق المعنوي للمفعول لا الأمر الحسي. إذ ليس كل الأفعال المتعدية واقعة على مفعولها حسًا كقولك: علمت زيدًا، وأردته، وشافهته، وخاطبته، وما أشبه ذلك" ١/ ٢٤٤.
(٣) وعبارة المفصل: ولمن يذكر رجلًا أهل ذلك وأهله.
(٤) في المفصل: قوله.
[ ١ / ٤٣٩ ]
العين، لأنه لا يستقيم أن يكون مفعولا لمخالفته رجلا في المعنى. ويجوز أن يكون "رجلا" تمييزًا لما في قولك: كاليوم، من الإبهام، ويكون "كاليوم" نفسه هو المفعول، مثل قولك: على التمرة مثلها زبدًا. لما احتمل أن يكون المثل للزبد وغيره، فميز بقولك: زبدًا. وكذلك لما احتمل قولك: مثل اليوم، الرجل وغيره، فميز برجل. وكل ما تقدم من الأولجه في قوله: كاليوم رجلا، يجري في قوله:
كاليوم مطلوبًا ولا طلبا (١)
ما خلا وجهًا واحدًا وهو التمييز، فإنه يضعف، لأن قوله: ولا طلبًا، معطوف على قوله: مطلوبًا، والمعطوف بحرف النفي إنما يكون على ما انتفى لا على ما تعلق بالمنفي، و"كاليوم" هو المنفي لا "مطلوبًا"، فلا يستقيم أن يكون معطوفًا.
[إملاء ٩٠]
[العطف بالجزم على جواب الأمر المنصوب بعد فاء السببية]
وقال أيضًا ممليًا على قول الشاعر في المفصل (٢) وهو:
دعني فأذهب جانبًا يوما وأكفك جانبا (٣)
_________________
(١) هذا عجز بيت من الكامل وصدره: حتى إذا الكلاب قال لها. وقائله أوس بن حجر. انظر ديوانه ص ٣ (تحقيق وشرح محمد يوسف نجم). وهو من شواهد ابن يعيش ١/ ١٢٥، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٦١، والكشاف ١/ ٣٨٩. والشاهد فيه أن (مطلوبًا) نصب بفعل مقدر محذوف جوازًا.
(٢) ص ٢٥٥.
(٣) البيت من مجروء الكامل وهو لعمرو بن معد يكربز انظر شعره ص ١٨٥. وهو من شواهد الرضي ٢/ ٢٦٧، والخزانة ٣/ ٦٦٥. وأنكر البغدادي نسبته لعمرو بن معد يكرب. والشاهد أنه عطف (أكفك) مجزومًا على جواب الأمر المنصوب وهو (فأذهب) على توهم سقوط فاء السببية.
[ ١ / ٤٤٠ ]
يجوز أن يكون المعنى: اتركني أتصرف فأذهب إلى جهة فأكفيك جانبا تحتاج إلى كفايته بتصرفي وذهابي. ويجوز أن يريد: دعني يوما وأكفك جانبا يوما، أي: إذا تصرفت لنفسي يوما كفيتك جهة تخشاها يوما آخر. وموضع الاستشهاد والإعراب واضح.
[إملاء ٩١]
[الكلام على "أن" في بيت من الشعر]
وقال أيضًا في قول الشاعر في المفصل (١):
فيا راكبًا إما عرضت فبلغن نداماي من نجران أن لا تلاقيا (٢)
يجوز أن تكون "أن" مخففة من الثقيلة. ويجوز أن تكون مفسرة، لأن قوله: فبلغن، فيه معنى القول.
[إملاء ٩٢]
[جواز إضمار اسم ليس]
وقال أيضًا في قول الشاعر في المفصل (٣):
أبني لبيني لستم بيد إلا يدا ليست لها عضد (٤)
_________________
(١) ص ٣٦.
(٢) البيت من الطويل وهو لعبد يغوص الحارثي. وهو من شواهد سيبويه ٢/ ٢٠٠، والمقتضب ٤/ ٢٠٤، والرضي ١/ ١٧٥، والخزانة ١/ ٣١٣. واستشهد به الزمخشري على نصب "راكبًا" لأنه منادى نكرة.
(٣) ص ٧١.
(٤) البيت من الكامل وهو لأوس بن حجر. انظر ديوانه ص ٢١. وهو من شواهد سيبويه ٢/ ٣١٧، والمقتضب ٤/ ٤٢١. ونسبه الزمخشري لطرفة، واستشهد به على الإبدال من محل الجار والمجرور. ويروي: يا ابني لبيني لستما.
[ ١ / ٤٤١ ]
[إملاء ٩٣] [حذف كان]
يجوز أن يكون في ليس ضمير الشأن (١). ويجوز أن يكون فاعلها (٢) مضمرًا يعود على اليد لما تقدم ذكرها. ويجوز أن يكون "عضد" اسمها، ولها: خبر لها. ومعناه: أنه يصفهم بعدم النصرة، وأن نصرتهم كلا نصرة. فإن اليد التي لا عضد لها لا نصرة لها.
[إملاء ٩٣]
[حذف كان]
وقال أيضًا ممليا على قول الشاعر (٣):
أبا خراشة أما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع (٤).
ومعناه: أنه يمدحه. أي: أنا بخير لا تأكلنا السنين (٥) ولا يضمرنا ضار لأجل أن كنت ذا نفر. يعني: أنا بنعمة ما دمت في نعمة (٦).
_________________
(١) انظر سيبويه ١/ ٧٠.
(٢) وردت هذه الكلمة هكذا في جميع النسخ. والمقصود اسمها. وقد استعمل سيبويه مثل هذا التعبير. الكتاب ١/ ٤٩.
(٣) المفصل ص ٧٤.
(٤) سبق الكلام عنه في الإملاء (٨٤) من هذا القسم. ص: ٤١١.
(٥) هذه الكلمة ملحقة بجمع المذكر السال/، فيلزم أن تكون بالواو لأنها فاعل. ولكن يبدو أن المؤلف قد عاملها معاملة غسلين فرفعها بضمة على الأخير، أو أن الكلمة بالواو وكتبها النساخ بالياء، لأنها وردت هكذا في جميع النسخ.
(٦) ليس معنى البيت كما ذكره المؤلف، وليس الشاعر يمدح أبا خراشة، وإنما يقول له: لا تفخر على يا أبا خراشة لكونك ذا قوم كثيرين، فإن قومي أصحاب قوة لم تأكلهم السنوات المجدبة، ولم تؤثر فيهم الحوادث.
[ ١ / ٤٤٢ ]
[إملاء ٩٤]
[إعراب ومعنى بيت من الشعر]
وقال أيضًا ممليًا على قول الشاعر في المفصل (١):
يا قر إن أباك حي خويلد قد كنت خائفة على الأحماق (٢)
حي خويلد: بدل أو عطف بيان من "أباك"، و"كان" واسمها وخبرها خبر "إن". ومعناه: أنني كنت أرى من أبيك مخايل تدل على أنه يلد ولدًا أحمق، وقد تحقق بولادته إياك. ومثل ذلك أبلغ من أن يقول: أنت أحمق، لأن ذلك يشعر بتحقق ذلك فيه. أي: كان ذلك معروفًا من أبيك قبل أن يلدك. فهذا أبلغ من دعوى الحمق فيه الآن. وإدراك مثل هذه المعاني لا يكاد يحصل بالتعبير وإنما هي أمور في الغالب تدرك بالقوة التي جعلها الله تعالى في أهل هذا اللسان. والجار والمجرور متعلق بخائفه. يقال: خفته على كذا، أي: خفت منه.
[إملاء ٩٥]
[معنى بيت لطفيل الغنوي]
وقال أيضًا على قول الشاعر في المفصل (٣):
وكمتًا مدماة كأن متونها جرى فوقها واستشعرت لون مذهب (٤)
_________________
(١) ص ٩٥.
(٢) البيت من البحر الكامل. وقائله جبار بن سلمى بن مالك من بني عامر بن صعصعة. وهو من شواهد الخصائص ٣/ ٢٨. والمقرب ١/ ٢١٣. والرضي ١/ ٢٨٦. والخزانة ٢/ ٢١٦. واستشهد به الزمخشري على إقحام لفظ (حي)، وهو مضاف. وقر: ترخيم قرة.
(٣) ص ١٩.
(٤) البيت من الطويل وقائله طفيل الغنوي. انظر ديوانه ص ٢٣ (تحقيق محمد عبد القادر أحمد). وهو من شواهد سيبويه ١/ ٧٧. والمقتضب ٤/ ٧٥. والإنصاف ١/ ٨٨. وابن السيرافي ١/ ١٢٧. والشاهد فيه قوله: جرى، واستشعرت، حيث توجها إلى معمول واحد ظاهر بعدهما، فأعمل الثاني، وأضمر في الأول. وقد أوضح المؤلف معناه.
[ ١ / ٤٤٣ ]
يصف خيلًا بحسن الألوان كأنها أشربت الدم. كأن متونها، أي: كأن ظهورها جرى فوقها لون الإذهاب أو لون شيء مذهب. واستشعرته، أي: جعلته شعارها. يقال: استشعرت الثوب، إذا جعلته يلي الجسم، وسمي شعارًا من ذلك. وموضع الاستشهاد منه ظاهر.
[إملاء ٩٦]
[معنى بيت لعمر بن أبي ربيعة]
وقال أيضًا ممليًا على قول الشاعر في المفصل (١):
إذا هي لم تستك بعود أراكة تنخل فاستاكت به عود إسحل (٢)
يعني: أنها يتخير لها ما تستاك به. وعود الأراك هو المختار عندهم للسواك، فإذا لم تستك به لأمر لم تعدل إلا إلى ما يتنخل ويختار من الأسحل، فيكون ما يختار منه لجودته يقارب الأراك.
[إملاء ٩٧]
[إضافة ما فيه الألف واللام إلى المضمر المتصل]
وقال أيضًا ممليا على قول الشاعر في المفصل (٣) (٤):
_________________
(١) ص ٢٠.
(٢) هذا البيت من البحر الطويل. وقائله عمر بن أبي ربيعة. انظر شرح ديوانه ص ٤٩٨ (محمد محي الدين عبد الحميد). وهو من شواهد سيبويه ١/ ٧٨. ونسبه ابن السيرافي لطفيل الغنوي ١/ ١٣٠. واستشهد به الزمخشري على إعمال الفعل الأول والإضمار في الثاني وهو قوله: تنخل فاستاكت. وأراك وإسحل: شجران يستاك بهما.
(٣) ص ٨٥، ولم يذكر الزمخشري إلا البيت الأول.
(٤) هذان البيتان لعبد الرحمن بن حسان من قصيدة يهجو فيها مسكين الدارمي، وهما من البحر الخفيف. والبيت المستشهد به هو الأول. وهو من شواهد ابن يعيش ٢/ ١٢٣، واللسان (سب). وقد ذكر المؤلف معناه وموضع استشهاده. أما البيت الثالث فهو ليس لعبد الرحمن بن حسان وإنما هو لحسان بن ثابت. انظر ديوانه ص ٢٢٥ (بيروت). وسيأتي الحديث عنه في الإملاء (٥٨) من الأمالي المطلقة إن شاء الله.
[ ١ / ٤٤٤ ]
أيها الشاتمي ليحسب مثلي إنما أنت في الضلال تهيم
لا تسبنني فلست بسبي إن سبي من الرجال الكريم
قال ابن الأعرابي (١) ثالثها:
لا أبالي أنب بالحزن تبس أم لحساني لحاني بظهر غيب لئم
يهجو بهذا الشعر مسكين بن عامر الدارمي. معناه: أنك عالم بأن قدرك دون قدري، وأنك لست ممن يشاتمني. وإنما تفعل ذلك لتظهر بالمشاتمة أن ثم مماثلة لما يظهر بها في العادة مع علمك بخلافه. ثم رد بعجز البيت هذا الغرض الذي قصده، فقال: إنما أنت في الضلال تهيم. يعني: أن المشاتمة إنما يستدل بها على المماثلة عند تقارب الشخصين، فأما عند التباعد فلا، لوضوح نفيها، فجعله في فعله ذلك الذي لا يتم به الغرض المقصود عند العقلاء لركوبه التعاسيف التي تضر ولا تنفع، ولذلك قال: تهيم. يقال: هام على وجهه، إذا سلك غير الطريق. وموضع استشهاده في قوله: الشاتمي، في صحة إضافة ما فيه الألف واللام إلى المضمر المتصل، كقولك: الضاربي والضاراباتي. ومفعول ما لم يسم فاعله مضمر مستتر يعود على الشاتمي، لأنه بمعنى: الذي يشتمني. وهو وإن كان مخاطبًا إلا أنه لما وصفه بالموصول (٢) أجرى الضمير على لفظ الغيبة كقولك: أنت الذي ضرب، وهو أحسن من
_________________
(١) هو محمد بن زياد أبو عبد الله بن الأعرابي. من موالي بني هاشم. كان عالمًا باللغة والشعر. ولد سنة ١٥٠ هـ. من تصانيفه: النوادر، الأنواء، الخيل، معاني الشعر. توفي سنة ٢٣١ هـ وقيل ٢٣٣ هـ. انظر بغية الوعاة ١/ ١٠٥.
(٢) في الأصل: بالمجرور. وهو تحريف.
[ ١ / ٤٤٥ ]
قولك: أنت الذي ضربت، قال الله تعالى: ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه﴾ (١). ولو جاء على الخطاب لقال: يا أيها الذي نزل عليك الذكر. وإنما كان كذلك لأن "الذي" من ألفاظه الغيبة، وضمير ألفاظ الغيبة غيبة، فلذلك جاء الفصيح بضمير الغيبة.
[إملاء ٩٨]
[معنى وإعراب بيت ينسب للنابغة الجعدي]
وقال أيضًا ممليا على قول الشاعر في المفصل (٢) وهو:
بحيهلا يزجون كل مطية أمام المطايا سيرها المقاذف (٣)
يريد أنهم مسرعون (٤) في السير، فهم يسوقون المطي (٥) بهذا الصوت لتسرع في سيرها. وقال: أمام المطايا، لأنه إذا سيقت الأول تبعها ما بعدها بخلاف سوق الأواخر. وقال: سيرها المتقاذف، يعني: أنهم يسوقونها مع كون سيرها متقاذفًا، والتقاذف: الترامي في السير. وإذا سيق المتقاذف كان سيره أبلغ مما كان عليه. وأمام المطايا: في موضع وصف لمطية. وسيرها المتقاذف: جملة ابتدائية واقعة صفة لمطية. والجار والمجرور متعلق بـ "يزجون".
[إملاء ٩٩]
[مجيء "ذا" بمعنى الذي]
وقال أيضًا ممليًا على قول الشاعر في المفصل (٦):
_________________
(١) الحجر: ٦.
(٢) ص ١٥٣.
(٣) سبق الكلام عنه في الإملاء (٦٦) من هذا القسم. ص: ٣٦٣.
(٤) في م، س: يسرعون.
(٥) في م: المطايا.
(٦) ص ١٥٠.
[ ١ / ٤٤٦ ]
عدس ما لعباد عليك إمارة أمنت وهذا تحملين طليق (١)
معناه: أنه لما أمر الخليفة بتخليصه من حبس عباد وإركابه وتسيره أنشد مخاطبًا لدابته في أنه لم يبق لعباد عليه حكم. وقال: أمنت، يعني من حكم عباد. وإذا لم يكن له حكم على دابته فلئلا يكون عليه حكم أولى. وقال: وهذا تحملين طليق، يعني نفسه. وموضع استشهاده ظاهر.
[إملاء ١٠٠]
[رفع الفاعل بفعل مضمر]
وقال أيضًا ممليًا على قول الشاعر (٢):
لبيك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح (٣)
معناه: أن هذا الممدوح الذي هو يزيد كان رجلًا عظيمًا، يقصد في النصر وفي العطاء. فيقصده الضارع للخصومة لينصره وهو المائل إليها. ويقصده المختبط مما تطيح الطوائح، وهو الذي أصابته شدة السنين. والطوائح: الشدائد، يقصده ليدفع عنه بالعطاء شدة ما أصابه من ذلك، فوصفه بالنصر والكرم. و"ما" في قولك (٤): "مما تطيح"، مصدرية، و"من"
_________________
(١) سبق الكلام عنه في الإملاء (٦٦) من هذا القسم. ص:٣٦٣.
(٢) ص ٢٢.
(٣) هذا البيت من البحر الطويل وقد اختلف في قائله. وهو من شواهد سيبويه ١/ ٢٨٨ ونسبه للحارث بن نهيك. والمقتضب ٣/ ٢٨٢. والرضي ١/ ٧٥. والخزانة ١/ ١٤٧ ونسبه البغدادي لنهشل بن حري. والدرر ١/ ١٤٢ ونسبه لضرار بن نهشل. والحماسة البصرية ١/ ٢٦٩ ونسبه للحارث بن ضرار النشهلي. والشاهد فيه رفع (ضارع) بإضمار فعل دل عليه ما قبله. كأنه حين قال: لبيك يزيد، قيل: فمن يبكيه؟ فقال: ضارع. وقد أوضح المؤلف معناه.
(٤) وردت هذه الكلمة هكذا في جميع النسخ. والصواب أن تكون: قوله.
[ ١ / ٤٤٧ ]
[إملاء ١٠١] [حذف المنادى]
لابتداء الغاية، أو بمعنى السببية، فالأول على أن ابتداء الاختباط من الإطاحة، أو سبب الاختباط الإطاحة.
[إملاء ١٠١]
[حذف المنادى]
وقال أيضًا ممليًا على قول الشاعر في المفصل (١):
يا لعنة الله والأقوام كلهم والصالحين على سمعان من جار (٢)
يجوز في "والصالحين" الرفع على الموضع، لأن المعنى: يا قوم لعن الله والأقوام والصالحون. والخفض ظاهر. والرفع مثل قولك: أعجبني ضرب زيد وعمرو، عطفًا على موضع زيد، إذ موضعه رفع. و"من" في قوله: من جار، للبيان، فتتعلق بمحذوف تقديره: على سمعان الحاصل من الجيرانن أو حاصلًا من الجيران.
[إملاء ١٠٢]
[كتابة عمرويه بعد ترخيمه]
وقال أيضًا ممليًا على قوله في مفصله في الترخيم في عمرويه (٣). فقال: إذا رخم عمرويه كيف يكتب (٤) على لغة يا حار ويا حار (٥)؟ إن كان المحذوف
_________________
(١) ص ٤٨.
(٢) البيت من البسيط ولم يعرف قائله. وهو من شواهد سيبويه ٢/ ٢١٩. والكامل ٢/ ١٩٩. وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٢٥. والهمع ٢/ ٧٠. والشاهد فيه حذف المنادى لدلالة حرف النداء عليه.
(٣) ص ٤٨.
(٤) في م: تقول، وهو خطأ.
(٥) فاللغة الأولى يكون المحذوف كالثابت في التقدير. واللغة الأخرى يجعل ما بقي كأنه اسم برأسه فيعامل بما تعامل به سائر الأسماء. وتسمي الأولى لغة من ينتظر والثانية لغة من لا ينتظر. انظر المفصل ص ٤٧.
[ ١ / ٤٤٨ ]
[إملاء ١٠٣] [حذف المنادى]
مرادًا كتب بغير واو لأنها زيدت فيه فرقًا بينه وبين عمر، وإذا اتصلت به "ويه" سقطت الواو، فإذا كانت مرادة كان حكمها حكم الموجود، وإن كان المحذوف نسيًا منسيًا، فثبت الواو. قال: وهذا وإن لم يذكره أحد إلا أن هذا فقهه لجريه على القواعد.
[إملاء ١٠٣]
[حذف المنادى]
وقال أيضًا ممليًا على قوله في المفصل في حذف المنادي (١): "يا بؤس لزيد": لو لم يكن المنادى محذوفًا لوجب نصبه لأنه حينئذ مضبه للمضاف من أجل طوله. فلذلك رفعه فقال: يا بؤس لزيد، بمعنى: يا قوم بؤس، وهو مرفوع بالابتداء (٢)، والجار والمجرور الخبر. وهو من باب: ويل وويس لزيد.
[إملاء ١٠٤]
[الكلام في تنوين كلمة وردت في المفعول لأجله]
وقال أيضًا ممليًا [بدمشق سنة ثلاث وعشرين وستمائة] (٣) على قوله في المفصل (٤): "وهو جواب لمه": لا يجوز تنوين "جواب" لأنه يفسد المعنى. لأنك إذا نونته تعذرت الإضافة، وإذا تعذرت الإضافة فالجواب جواب قولك: لمه، بكمالها. فإذا نونت احتجت إلى أن توصل معنى الجواب إلى متعلقه
_________________
(١) ص ٤٨.
(٢) قال ابن يعيش: "وساغ الابتداء به وهو نكرة لأنه دعاء ومثله قولهم: يا ويل لزيد". شرح المفصل ٢/ ٢٤.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) ص ٦٠.
[ ١ / ٤٤٩ ]
بلام، فإن جعلتها هذه اللام صار الجواب جواب قولك: مه، لا جوابًا لقولك: لمه. نعم لو قلت: وهو جواب للمه، لكان مستقيمًا، لأن اللام الأولى هي الموصلة ولمه التي بعدها هي المقصودة بنسبة الجواب إليها.
[إملاء ١٠٥]
[وقوع الفعل الماضي بعد حروف التحضيض]
وقال أيضًا ممليًا "بدمشق سنة أربع وعشرين وستمائة] (١) على قوله في المفصل في حروف التحضيض (٢): إن قبل: إن حروف التحضيض (٣) إذا وقع بعدها الماضي فيستحيل أن يكون فيها معنى الطلب لاستحالة طلب الفعل بعد مضي وقته. وإذا لم يكن فيها معنى الطلب تعذر النصب بعدها بالفاء والجزم بغير فاء.
فالجواب: أنها لا تنفك عن إفادة معنى الطلب في الوقت الذي كان صالحًا له. وإنما أوقع بعدها الماضي تنبيهًا على أن المطلوب منه ذلك، فوته حتى انقضى وقته فصار كالتوبيخ على ترك المطلوب. فباعتبار ما فيه من معنى الطلب المقدر في وقته نصب جوابه بعد الفاء وجزم بغير فاء.
[إملاء ١٠٦]
[حذف المضاف في بيت لحسان]
وقال أيضًا ممليًا [بدمشق سنة أربع وعشرين] (٤) على قول الشاعر في المفصل (٥):
_________________
(١) زيادة من "ب" و"د".
(٢) ص ٣١٥.
(٣) إن قيل: إن حروف التحضيض: سقطت من م، س.
(٤) زيادة من ب.
(٥) ص ١٠٥.
[ ١ / ٤٥٠ ]
يسقون من ورد البريص عليهم بردي يصفق بالرحيق السلسل (١)
يجوز أن يكون المراد مدح ماء بردي وتفضيله على غيره، ومعنى: يصفق، أي: يمزج. يقال: صفقته، إذا مزجته. والرحيق: الخبر. والسلسل: السهل، كالسلسال، والسلسبيل، أي: كأنه ممزوج بذلك، فأسقط التشبيه كعادتهم في المبالغة.
ويجوز أن يكون المراد مدح هؤلاء القوم بالكرم، وأنهم لا يسقون الماء إلا ممزوجًا بالخمر لسعتهم وكرمهم وتعظيم من يرد عليهم. والبريص: يقال: إنه موضع بدمشق (٢). وقال قوم هو بالضاد. والمراد ببردي ماء بردي، ولذلك ذكر الضمير.
[إملاء ١٠٧]
[الكلام في إعراب فعل مضارع وقع بعد الواو]
وقال أيضًا [بدمشق سنة أربع وعشرين وستمائة] (٣) على قول الشاعر في المفصل (٤):
متى ما تلقني فردين ترجف روانف اليتيك وتستطارا (٥)
يجوز أن يكون معطوف على "ترجف" وألحقت به نون التأكيد الخفيفة
_________________
(١) البيت من الكامل وهو لحسان بن ثابت. انظر ديوانه ص ١٨٠. وهو من شواهد الرضى ١/ ٢٩٢. والخزانة ٢/ ٢٣٦. والهمع ٢/ ٥١. والشاهد فيه قوله: بردي، حيث حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والمقصود ماء بردي.
(٢) قيل: هو اسم نهر في دمشق، وقيل: هو الغوطة بأجمعها. انظر معجم البلدان ١/ ٤٠٧.
(٣) زيادة من ب، د.
(٤) ص ٦١.
(٥) البيت من الوافر وهو لعنترة العبسي. انظر ديوانه ص ٤٣ (بيروت). وهو من شواهد الرضى ٢/ ١٧٦، والكشاف ١/ ٤٢٩، والهمع ٢/ ٦٣. وقد أوضح المؤلف معناه. واستشهد به الزمخشري على مجيء الحال لبيان هيئة الفاعل والمفعول معًا، وهو قوله: فردين.
[ ١ / ٤٥١ ]
فقلبت ألفًا في الوقف. إلا أن إلحاقًا نون التوكيد في جواب الشرط ضعيف. ويجوز أن يكون منصوبًا على أحد وجهين: أحدهما: مذهب الكوفيين، بالواو التي يسمونها واو الصرف (١)، مثلها عندهم في قوله تعالى: ﴿ويعف عن كثير ويعلم﴾ (٢) في قراءة الأكثرين. والثاني: مذهب البصريين، وهو أن يكون معطوفًا على مقدر، مثلها عندهم في قوله: ويعلم، أي: لينتقم ويعلم. إلا أنه لا يمكن التقدير لفعل منصوب لأنه في المعنى سبب. ولو قدر فعل منصوب لكان مسببًا، فينبغي أن يكون التقدير لاسم منصوب مفعول من أجله، كأنه قيل: ترجف روانف أليتيك خوفًا واستطارة. فلما أتى بالفعل موضع "استطارة" عطفًا على "خوفًا" المقدر وجب أن يكون منصوبًا، مثله في قولك: أريد إتيانك. وتحدثني. والروانف: أطراف الأليتين، واحداته: رانفة. وتستطارا، بمعنى: يطلب منك أن تطير خوفًا وجبنًا. والعرب تقول لمن اشتد به الخوف: طارت نفسه خوفًا، ومنه قوله:
أقول لها وقد طارت شعاعًا (٣)
وقال ههنا: وتستطارا، كأنه طلب منه أن يطير من الخوف. والضمير في "وتستطارا" للمخاطب لا للروانف، إذ لا يطلب من الروانف استطارة، وإنما المقصود طلبه من المخاطب.
_________________
(١) وهي الواو الداخلة على المضارع المنصوب لعطفه على اسم مؤول: انظر مغنى اللبيب ص ٤١٢ (دمشق).
(٢) الشورى: ٣٤، ٣٥.
(٣) هذا صدر بيت لقطري بن الفجاءة، وعجزه: من الأبطال ويحك لن تراعي. انظر ديوان الحماسة لأبي تمام ١/ ٢٤.
[ ١ / ٤٥٢ ]
[إملاء ١٠٨]
[معنى وإعراب: على أن]
وقال أيضًا ممليًا بدمشق [سنة أربع وعشرين وستمائة] (١) على قول الشاعر في المفصل (٢):
على أنها تعفو الكلوم وإنما نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي (٣)
"على هذه تقع في شعر العرب وكلامهم كثيرًا. والمعنى فيها استدراك وإضراب عن الأول. ألا ترى أنك إذا قلت: لا يدخل فلان الجنة لسوء صنيعه على أنه لا يأس من رحمة الله، كان استدراكًا لما تقدم، وإضرابًا عن تحقيقه. وكذلك قوله في البيت الذي قبله:
فوالله لا أنسى قتيلًا رزئنه بجانب قوسي ما مشيت على الأرض
ثم قال: على أنها تعفو الكلوم. لأن المعنى: على أن العادة نسيان المصائب إذا تطاولت، والجزع على ما كان من المصائب قريب العهد، وهذا إضراب واستدراك لما تقدم من قوله: لا أنسى. وكذلك قوله وهو أيضًا في الحماسة (٤):
_________________
(١) زيادة من ب، د.
(٢) ص ١٣٤. وذكر الزمخشري الشطر الأول فقط.
(٣) هذا البيت من الطويل وقائله أبو حراش واسمه خويلد بن مرة، من هذيل. انظر ديوانه الهذليين ٢/ ١٥٨، وروايته: بلى إنها تعفو الكلوم، وكذلك الخصائص ٢/ ١٧٠. وانظر: ديوانه الحماسة لأبي تمام ١/ ٣٢٦، والخزانة ٢/ ٤٥٨، ومغنى اللبيب ١/ ١٩٣ (دمشق). واستشهد به الزمخشري على مجيء ضمير الشأن مؤنثًا وهو قوله: إنها، لأن في الكلام مؤنثًا وهو: الكلوم.
(٤) انظر ديوان الحماسة لأبي تمام (٢/ ١٠٢) وقد نسبها لعبد الله بن الدمينة. وفي ديوان عبد الله بن الدمينة البيت الثاني والثالث ص ٨٢ (صنعة أبي العباس ثعلب ومحمد بن =
[ ١ / ٤٥٣ ]
وقد زعموا أن المحب إذا دنا يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا على أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع إذا كان من تهواه ليس بذي ود
فقوله: بكل تداوينا فلم يشف ما بنا، ثم قال: على أن قرب الدار خير من البعد، كالإضراب عن الأول. لأن المعنى: فلم يحصل لنا شفاء أصلًا. وإذا كان قرب الدار خيرًا في المعنى المراد فقيه شفاء أو بعض شفاء. وكذلك قوله: على أن قرب الدار ليس بنافع، استدراك لعموم قوله: على أن قرب الدار خير من البعد. فاستدرك أنه لا يكون خيرًا إلا مع الود، فأبطل العموم المتقدم في قوله: قرب الدار خير من البعد. هذا معناها. وأما تعلقها على الوجه الأعرابي فيحتمل أمرين: أحدهما: أن تتعلق بالفعل المتقدم قبلها كما تعلقت "حاشا" الاستثنائية بما قبلها لكونها أوصلت معنى ما قبلها إلى ما بعدها على وجه الإضراب أو الإخراج. وأظهر منه أن يقال: إنها في موضع خبر محذوف المبتدأ، كأنه قيل: والتحقيق على أن الأمر كذا. فتعلقها بمحذوف كما يتعلق كل خبر وجار ومجرور، لأن الجملة الأولى وقعت غير تحقيق، ثم جيء بما هو التحقيق فيها، وحذف المبتدأ لوضوح المعنى.
[إملاء ١٠٩]
[جواز حذف الفعل بعد "قد"]
وقال أيضًا ممليًا على قول الشاعر في المفصل (١):
_________________
(١) = حبيب، تحقيق أحمد راتب النفاخ). والبيتان الأول والثاني ذكرهما أبو علي القالي في قصيدة أولها: ألا يا صبا نجد لقد هجت من نجد. ونسب القصيدة ليزيد من الطثرية. انظر ذيل الأمالي والنوادر ص ١٠٤ (بيروت). وذكر النويري البيت الأول والثاني ولم ينسبهما لأحد. نهاية الأرب ٢/ ١٥٨ (مطبعة دار الكتب المصرية).
(٢) ص ٣١٧، ورواية المفصل: أفد الترحل.
[ ١ / ٤٥٤ ]
أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد (١)
يصف أحوال الناس في الدنيا، وأن الناس منهم من رحل ومنهم من قرب رحيله. فأشار بقوله: وكأن قد، أي: وكأن قد زالت ركابنا. وموضع الاستشهاد منه ظاهر وكذلك إعرابه.
[إملاء ١١٠]
[زيادة الباء في فاعل "حب"]
وقال أيضًا ممليًا على قول الشاعر في المفصل (٢):
فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها وحب بها مقتولة حين تقتل (٣)
شرع في هذا البيت يبين الأصل الذي كانت عليه "حب" قبل اتصالها بـ "ذا" وإنها لها (٤) كالأفعال. و"مقتولة" نصب على الحال من الضمير في "بها". و"بها" فاعل "حب" زيدت فيه الباء على غير قياس، كقوله: كفى به شهيدًا، ومعناه واضح. وقد تبين موضع الاستشهاد منه.
_________________
(١) هذا البيت من الكامل وقائله النابغة اذبياني. انظر ديوانه ص ٣٨ (تحقيق وشرح كرم البستاني). ورواية الديوان: أفد الترحل. وهو من شواهد الخصائص ٢/ ٣٦١، والرضى ٢/ ١٣١، والهمع ١/ ١٤٣، والخزانة ٣/ ٢٣٢. والشاهد فيه جواز طرح الفعل بعد (قد) إذا فهم.
(٢) ص ٢٧٥. وقد ذكر الزمخشري عجز البيت ولم يذكر صدره.
(٣) هذا البيت من الطويل وهو للأخطل. انظر شعره ١/ ١٩ ورواية الديوان: وأطيب بها مفتولة. وهو من شواهد الخزانة ٤/ ١٢٢، واللسان (قتل)، وابن يعيش ٧/ ١٢٩. والشاهد فيه مجيء فاعل (حب) الذي للمدح متصلًا بالباء الزائدة.
(٤) لها: سقطت من د.
[ ١ / ٤٥٥ ]
[إملاء ١١١]
[جواز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه]
وقال ممليًا على قول الشاعر في المفصل (١):
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني (٢)
يعني: أنني أرتكب الأهوال ولا أجبن عنها. وقوله: متى أضع العمامة، إما أن يريد كثرة مباشرته الحروف فلا يراه الأكثر إلا بغير عمامة، فقال: متى أضع العمامة يعرفني الذي ما رآني إلا غير متعمم. أو يريد أنني مكثر لمباشرة الحروب ولباس عدة الحرب، فمتى أضع العمامة وألبس آلة الحروب تعرفوني. يعني: أني إذا حاربت عرفت بإقدامي وشجاعتي. وأما قوله: جلا، فقيه أقوال: قيل: تقديره: أنا ابن رجل جلا، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. وقيل: إن "جلا" علم غلب على أبيه. وقيل: إنه (٣) أراد أنا ابن ذي جلا، و"جلا" انحسار الشعر عن مقدم الرأس.
[إملاء ١١٢]
[تسكين هاء "هي" في بيت من الشعر]
وقال ممليًا على قول الشاعر في المفصل (٤):
فقمت للطيف مرتاعًا وأرقني فقلت أهي سرت أم عاقني حلم (٥)
_________________
(١) ص ١١٩.
(٢) هذا البيت من الوافر وهو لسحيم بن وثيل الرياحي. وهو من شواهد سيبويه ٣/ ٢٠٧، والكامل ١/ ١٣٢، ومجالس ثعلب ص ١٧٦، والمقرب ١/ ٢٨٣، والرضي ١/ ٦٤. والشاهد فيه أن (رجل) صفة لمحذوف، أي: رجل جلا.
(٣) في س: إنما.
(٤) ص ٣٥٦. ولم يذكر الزمخشري إلا عجزه.
(٥) البيت من البسيط. وينسب لزياد بن حمل. وهو من شواهد الخصائص ١/ ٣٠٥، والمغني =
[ ١ / ٤٥٦ ]
يريد أني قمت من أجل الطيف قائمًا منتبهًا مذعورًا للقائه، وأرقني لما لم يحصل اجتماع محقق، ثم ارتبت لعدم الاجتماع هل كان (١) على التحقيق أو كان ذلك في المنام. ويجوز أن يريد: فقمت للطيف، أي: قمت وأنا في النوم إجلالا في حال كوني مذعورًا لاستعظامها، وأرقني ذلك لما انتبهت فلم أجد شيئًا محققا. ثم من فرط صبابته شك أهي في التحقيق سرت أم كان ذلك حلمًا على عادتهم في مبالغاتهم كقوله:
آأنت أم أم سالم (٢)
وذلك كثير في شعرهم. و"مرتاعًا" نصب على الحال. وإعرابه وموضع استشهاده ظاهر.
[إملاء ١١٣]
[من مسائل إعمال الصفة المشبهة]
وقال ممليًا على قول الشاعر في المفصل (٣):
_________________
(١) = ١/ ٤١ (دمشق)، واللسان (هيا). ورواية المفصل: أم عادني حلم. والشاهد فيه تسكين هاء (هي) وقد اتصلت بهمزة الاستفهام للضرورة.
(٢) في الأصل وفي ب، د، م: كانت. وما أثبتناه من س. وهو الصواب لأنه لا مسوغ لتأنيثه.
(٣) البيت بتمامه: فيا ظبية الوعاء بين جلاجل وبين النقا آأنت أم أم سالم. وهو من البحر الطويل وقائله ذو الرمة. انظر ديوانه ص ٧٠٠. وهو من شواهد سيبويه ٣/ ٥٥١ والمقتضب ١/ ١٦٣ والخصائص ٢/ ٤٥٨ وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٢١. والشاهد فيه حذف خبر المبتدأ الذي هو أنت.
(٤) ص ٢٣٠.
[ ١ / ٤٥٧ ]
ونأخذ بعده بذناب عيش أجب الظهر ليس له سنام (١)
وقبله:
فإن يهلك أبو قابوس يهلك ربيع الناس والنعم الركام
يعني: إن يهلك هذا الرجل يذهب عنا بهلاكه ما كنا فيه من الخير والسعة والنصر، ونأخذ بعده في حال لا ترجى. ثم شبهها بالذناب، وجعل لها ظهرًا مقطوعًا لا سنام له كله مبالغة في رداءة العيش الذي يكونون فيه بعده. وقوله: أجب الظهر، منصوب على التشبيه بالمفعول. و"أجب" مخفوض، علامة خفضه الفتحة، صفة لذناب أو عيش. ونصب "الظهر" كنصب الوجه في قولك: مررت برجل حسن الوجه، وهي لغة فصيحة على التشبيه بالمفعول. ومنهم من جعله نصبًا على التمييز، ولا حاجة إليه لكونه معرفة، والتمييز المنصوب إنما يكون بالنكرات. وقول بعضهم: إنه تمييز وإنما أتى التعريف لما كان الخفض أكثر بالألف واللام، فمرنت ألسنتهم عليه، وقصدوا إلى التمييز، جرت ألسنتهم على اللام مع قصد التمييز، كما جرت على ضم اللام في: الحمد لله، لما مرنت ألسنتهم على الاتباع، ضعيف، ويكفي في ضعفه تشبيهه بـ (الحمد لله)، فإنه رديء إذ لم تعهد لام الجر مضمومة. وأيضًا فإنه كان يجب على هؤلاء أن يجيزوا خاتم الحديد، لأنه يقال: خاتم حديد، وخاتم الحديد، وخاتم حديدًا، كما يجوز أجب ظهر وأجب الظهر وأجب ظهرًا. فإن حسن "أجب الظهر" لما ذكروه، حسن "خاتم الحديد"، ولا قائل به.
_________________
(١) هذا البيت من الوافر وقائله النابغة الذبياني. انظر ديوانه ص ١١٠. ورواية الديوان: ونمسك بعده بذناب عيش. وهو من شواهد سيبويه ١/ ١٩٦، والمقتضب ٢/ ١٧٩، والرضي ٢/ ٣٠٩، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٤٣. والشاهد فيه أنه أعمل (أجب) في الظهر كما أعمل (حسن) في الوجه في قولك: مررت برجل حسن الوجه.
[ ١ / ٤٥٨ ]
[إملاء ١١٤]
[مجيء اسم المكان على رنة اسم المفعول]
وقال ممليًا على قول الشاعر في المفصل (١) وهو:
محرنجم الجامل والنئي وصاليات للصلى صلي (٢)
وقبله:
أأن (٣) شجاك طلل عامي قدما يرى من عهده الكرسي (٤)
يجوز أن يكون مصدرًا في الأصل، ووصف به كما وصف بغيره من المصادر. ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: ذو احرنجام. والجامل فاعل في المعنى أضيف المصدر إليه. ويجوز أن يكون اسم مكان أضيف إلى الجامل للتخصيص كما يضاف مكان إلى زيد، فيكون على هذا بدلًا من "طلل"، بدل كل من كل، لأن أسماء المكان لا يوصف بها. وهو على الأول صفة. و"النئي" عطف على "طلل"، كأنه قيل: أشجاك طلل وشجاك نئي؟ ولا يجوز أن يكون عطفًا على الجامل، وإن قلنا: إنه فاعل في المعنى، لأن النئي لا يوصف بالأحرنجام، ولا على "محرنجم" إذا جعل صفة لأنه ليس بصفة. وصاليات: معطوف على "طلل"، و"صلي" صفة لـ "صاليات" كما تقول: جاءني عالم عاقل، فتصف الصفة لما أقمتها مقام الموصوف.
_________________
(١) ص ٢٣٨. ولم يذكر الزمخشري إلا الشطر الأول.
(٢) هذا الرجز للعجاج. انظر ديوانه ١/ ٤٨٤. وهو من شواهد الخزانة ٤/ ٥١٢ محرنجم الجامل: أي مكان اجتماع الإبل. والنئي: حفرة حول الخيمة تمنع المطر. والصاليات: الأثافي. والصلى: الوقود. والشاهد فيه مجيء (محرنجم) اسم مكان وهو على رنة اسم المفعول.
(٣) في الديوان: من أن.
(٤) الكرسي: هي الدمن والأبعار. اللسان (كرس).
[ ١ / ٤٥٩ ]
[إملاء ١١٥]
[أفعل التفضيل لا يعمل في الظاهر]
وقال ممليًا على قول الشاعر (١):
وأضرب منا بالسيوف القوانسا (٢)
وصدره:
أكر وأحمى للحقيقة منهم
وقبله:
فلم أر مثل الحي حيًا مصبحًا ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
إن أريد بالرؤية العلم فـ "حيًا" منصوب بها مفعول أول، و"مثل الحي" مفعول ثان. و"فوارسا" مفعول أول، و"مثلنا" مفعول ثان. وإن أريد رؤية العين فيحتمل أن يكون "حيًا مصبحًا" هو المفعول، و"مثل الحي" صفة قدمت فانتصب على الحال. ويجوز أن يكون "مثل الحي" هو المفعول، و"حيًا مصبحًا" إما عطف بيان لقوله: مثل الحي، وإما حال من الحي. كأنه قال: مثل الحي مصبحًا، وأتى بـ "حي" للتوطئة للصفة المعنوية كقولهم: جاءني الرجل الذي تعلم رجلًا صالحًا. وصح الحال من المضاف إليه لأنه هنا في معنى المفعول، أي: لم أر مماثلا للحي في حال كونهم مصبحين. والمضاف إليه إذا كان في معنى فاعل أو مفعول صح منه الحال كغيره (٣).
_________________
(١) ص ٢٣٧.
(٢) البيت من الطويل وقائله عباس بن مرداس. انظر حماسة أبي تمام ١/ ١٦٩، والحماسة البصرية ١/ ٥٥، وابن يعيش ٦/ ١٠٦. والشاهد فيه قوله: "القوانسا) حيث نصب بفعل محذوف دل عليه (أضرب). وقونس المرأة: مقدم رأسها. وقونس البيضة من السلاح: مقدمها، وقيل: أعلاها. انظر اللسان (قنس).
(٣) وتحقيق هذه المسألة هو أن الحال تجيء من المضاف إليه إذا كان المضاف بعضه، كأعجبني =
[ ١ / ٤٦٠ ]
ويجوز أن يكون تمييزًا كقولك: عندي مثله تمرًا أو قمحًا أو شبه ذلك، كقولهم: على التمرة مثلها زبدا، لما في "مثل" من إبهام الذات، فصح تمييزها كتمييز ما أشبهها، قال الله تعالى: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾ (١)، وكل ما ذكر في ذلك فهو جار في قوله: مثلنا فوارسًا. ففوارسا: مثل قوله: مصبحًا. ومثلنا: مثل قوله: مثل الحي.
وقوله: أكر وأحمي، تبيين لما ادعاه فيما تقدم. فيجوز أن ينتصب بفعل مقدر لا صفة لما تقدم، لئلا يفصل بين الصفة والموصوف بما هو كالأجنبي إذا جعلًا تمييزًا. ويجوز أن يكون صفة لما تقدم، كأنها صفة واحدة إذا جعلًا غير تمييز، كأنه قال: جاءني زيد وعمرو العاقل والعالم، وذلك جائز. فـ "أكر وأحمي" صفة لـ "حيا مصبحًا". و"أضرب منا" صفة لـ "فوارسا". و"القوانسا" منصوب بفعل مقدر، كأنه سئل عما يضربون، فقال: نضرب القوانسا، لأن أفعل لا يعمل في الظاهر (٢)، وهو موضع الاستشهاد، والمعنى: أنه وصف الحي الذين صبحوهم بأنهم على قوة وشدة وكر وحماية. وإذا وصف من أخذوهم بالقوة دل ذلك على قوة الآخذين، بخلاف ما إذا كانوا ضعفاء.
[إملاء ١١٦]
[جمع "من" في الوصل للضرورة]
وقال ممليًا على قول الشاعر في المفصل (٣):
_________________
(١) = وجهها مسفرة، أو كبعضه نحو "ملة إبراهيم حنيفا"، أو عاملًا في الحال نحو: هذا شارب السويق ملتوتًا. انظر أوضح المسالك ٢/ ٢٢٩.
(٢) المائدة: ٩٥.
(٣) إلا في مسألة الكحل مثل قولك: ما رأيت عينًا أحسن فيها الكحل منه في عين زيد.
(٤) ص ١٤٧. ولم يذكر الزمخشري إلا صدره.
[ ١ / ٤٦١ ]
أتوا ناري فقلت: منون أنتم فقالوا: الجن قلت: عموا ظلامًا (١)
وقبله:
ونار قد حضأت لها بليل بدار لا أريد بها مقاما
سوى تحليل راحلة وعين أكالئه مخافة أن تنامي
وبعد قوله: أتوا ناري:
فقلت: إلى الطعام فقال منهم زعيم: نحسد الإنس الطعاما
"ظلاما" منصوب على التمييز، أي: نعم ظلامكم، كما تقول: أحسن الله صباحك. ولا يحسن أن يكون ظرفًا، إذ ليس المراد أنهم نعموا في ظلام وفي صباح، وإنما المراد أنه نعم صباحهم، وإذا حسن صباحهم كان به المعنى.
وقوله: نحسد الإنس الطعاما. "الطعام" مفعول ثان، إما على تقدير حذف حرف خفض، أي: نحسد الإنس على الطعام، وإما على أنه متعد بنفسه من أصله، كقولك: استغفرت الله الذنب ومن الذنب.
ويقال: إنس وأنس بمعنى واحد. وموضع الاستشهاد منه ظاهر. وما قبله كذلك في الظهور. و"حضأت" أي: أشعلت وأوقدت، يقال: حضأت النار أحضؤها حضئًا.
وقوله: سوى تحليل راحلة، أراد سوى راحلة أقمت بها فيها بقدر تحلة اليمين.
_________________
(١) هذا البيت وما بعده من الوافر. وقد اختلف في قائله. وهو من شواهد سيبويه ٢/ ٤١١، والمقتضب ٢/ ٣٠٧، والخصائص ١/ ١٢٩، والدرر ٢/ ٢١٨. ونسبه الشنقيطي لشمر بن الحارث الضبي. ونسبه ابن البيرافي لسمير الضبي ٢/ ١٧٤. ونسبه ابن يعيش ٤/ ١٦ لشمر بن الحارث الطائي. والشاهد فيه قوله (منون) حيث جمعه بالوصل ضرورة. وهو جمع (من).
[ ١ / ٤٦٢ ]
[إملاء ١١٧]
[معنى شعر لعوف بن الأحوص]
ومن أبيات المفصل (١) قول عوف بن الأحوص من كلام الخطيب التبريزي (٢) عرضته عليه فاستجوده:
وكنت إذا منيت بخصم سوء دلفت له فأكويه وقاع (٣)
بعده:
فتبدي عن فقار الصلب طورًا وطورًا قد تجوب عن النخاع
منيت: بليت، ودلفت له: قصدته فكويته، فتبدي الكية عن فقار صلبه، وهي العظام التي في وسطه، الواحدة: فقارة. والنخاع: الذي كهيئة الخط الأبيض يكون في وسط فقار الصلب. وتجوب: تخرق في الجلد واللحم والعظم حتى تصل إلى النخاع، وهذا على طريق التمثيل، وليس يريد الكي في التحقيق. إنما يريد أنه يعمل به عملًا يبلغ به غاية المكروه، فيكون بمنزلة من كوي هذا الكي.
قال: وهي الدائرة على الجاعرتين (٤) وحيث ما كانت، ولا تكون إلا دارة.
_________________
(١) ص ١٥٩.
(٢) هو يحيى بن محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن الخطيب التبريزي. أحد الأئمة في النحو واللغة والأدب. أخذ عن أبي العلاء المعري وعبد القاهر الجرجاني. من تصانيفه: شرح القصائد العشر، شرح شعر المتنبي، شرح شعر ابي تمام، تهذيب الإصلاح لابن السكيت. توفي سنة ٥٠٢ هـ. انظر بغية الوعاة ٢/ ٣٣٨.
(٣) البيت من بحر الوافر. انظر اللسان (وقع). ونوادر أبي زيد ١٥١. وابن يعيش ٤/ ٦٢. والشاهد فيه قوله: (وقاع)، حيث استعملها علمًا على تلك الكية المخصوصة. وقد أوضح المؤلف معناه.
(٤) الجاعرتان: حرفا الوركين المشرفان على الفخذين. وقيل: هما رؤوس أعالي الفخذين =
[ ١ / ٤٦٣ ]
[إملاء ١١٨]
[إبدال الصاد تاء]
وقال أيضًا على قول الشاعر في المفصل (١):
وبني كنانة كاللصوت المرد (٢)
وصدره:
فتركن نهدًا عيلًا أبناؤها
معناه: أن هؤلاء تركوا هذه القبيلة أبناؤها فقراء لأنهم قتلوا آباءهم وبني كنانة كذلك. وانضم إلى ذلك أنهم بقوا من شدة الفقرة لصوصًا مردة. وموضع الاستشهاد ظاهر. ويقال: لص ولص بين اللصوصية، والجمع لصوص. قال أبو بكر (٣): قال الأصمعي: والفتح أعلى. وقال صاحب الصحاح (٤): لُصٌّ بضم اللام.
_________________
(١) = اللسان (جعر). وكلام ابن الحاجب هنا في معنى: وقاع.
(٢) ص ٣٦٨. ولم يذكر الزمخشري إلا قوله: كاللصوت المرد.
(٣) البيت من الكامل وهو لعبد الأسود بن عامر بن جوين الطائي. وهو من شواهد شرح الشافية للرضي ٣/ ٢٢٢ (تحقيق محمد نور الحسن، محمد الزفزاف، محمد محيي الدين عبد الحميد). ولسان العرب (عيل، لصت). والمذكر والمؤنث للأنباري ص ٣١٦ (تحقيق الدكتور طارق عبد عون الجنابي). نهد: اسم قبيلة. وعيل: فقراء. والشاهد فيه (كاللصوت) حيث أبدل الشاعر الصاد تاء.
(٤) هو محمد بن الحسن بن دريد. ولد بالبصرة سنة ٢٢٣ هـ. روى عن عبد الرحمن أخي الأصمعي وأبي حاتم. وروي عنه السيرافي وأبو الفرج الأصبهاني. من تصانيفه الجمهرة في اللغة، الأمالي، المقصور والممدود، المقصورة، الأنواء. مات في عمان سنة ٣٢١ هـ. انظر بغية الوعاة ١/ ٧٦.
(٥) هو الجوهري. انظر الصحاح (لصص). والجوهري هو إسماعيل بن حماد. صنف مقدمة في النحو، والصحاح في اللغة. توفي ٣٩٨ هـ. انظر إنباه الرواة ١/ ١٩٤.
[ ١ / ٤٦٤ ]
[إملاء ١١٩]
[معنى رجز ينسب للعجاج]
وقال أيضًا ممليًا على قول الشاعر في المفصل (١):
جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط (٢)
وقبله:
ما زلت أسعى معهم وأختبط حتى إذا جن الظلام المختلط
جاءوا: معناه أنه يصفهم بالبخل واللؤم في ترك إكرام من نزل بهم. وبالغ في أنهم لم يأتوا بما أتوا (٣) به مع ما فيه من اللؤم إلا بعد سعى واختباط ومضي جانب من الليل. ثم بعد ذلك لم يأتوا إلا بلبن قد شيب بالماء حتى صار كلون الذئب لزرقته (٤) لأنه سمار، أي: مشوب بالماء.
[إملاء ١٢٠]
[فائدة عمرك الله وقعدك]
وقال ممليًا بدمشق في رجب سنة أربع وعشرين وستمائة على قول صاحب المفصل (٥): "عمرك الله وقعدك": فيهما فائدة. لأنه إذا ثبت أن الواضع
_________________
(١) ص ١٥.
(٢) قيل: إن هذا الرجز للعجاج انظر ديوانه - الملحقات ٢/ ٣٠٤. والرواية فيه: حتى إذا كاد الظلام يختلط. وانظر الكامل ٢/ ١١٣ والإنصاف ١/ ١١٥ والمقرب ٢/ ٢٢٠ والخزانة ٢/ ٤٨٢. والشاهد فيه قوله: هل رأيت، حيث وقع صفة (مذق) بتقدير القول، لأنها جملة إنشائية لا تصلح أن تكون صفة. والمذق: اللبن المخلوط بالماء.
(٣) بما أتوا: سقطت من د.
(٤) في ب: لورقته. وهو تحريف.
(٥) ص ٣٣.
[ ١ / ٤٦٥ ]
الله تعالى وثبت أن من لغة العرب لفظًا يطلقونه على الباري لم يحتج إلى إذن من الشرع لثبوت أن الله هو الواضع. وإن قلنا: إن الواضع العرب، واحد أو جماعة، لم يكفنا إطلاق اللفظ لجواز أن يطلقوا على الباري ما يمنع الشرع بعد وروده إطلاقه.
[إملاء ١٢١]
[مسألة في توابع المنادى المضموم]
وقال أيضًا في قوله: ﴿يا جبال أوبي معه والطير﴾ (١): الأولى أن يكون من هذا الباب (٢)، لأن باب المفعول معه قليل حتى أن بعضهم لم يجوزه إلا سماعًا لا قياسًا (٣)، وهذا الباب جار قياسًا كثيرًا فحمله على الأكثر أولى.
[إملاء ١٢٢]
[توضيح كلام للزمخشري في باب المثنى]
وقال ممليًا بدمشق سنة خمس وعشرين وستمائة في قول صاحب المفصل (٤): "فاستعمل هذا والأصل معًا": ولم يقل: فاستعمل الأصل وهذا معًا، لأن مقصوده أن الأصل عنده مطرح وهو قوله: ظهراهما (٥): ولما كان
_________________
(١) سبأ: ١٠.
(٢) أي: باب توابع المنادى المضموم. انظر المفصل ص ٣٧.
(٣) قال أبو علي الفارسي: "قال أبو الحسن: قوم من النحويين يقيسون هذا في كل شيء، وقوم يقصرونه على ما سمع منه. وقوى هذا القول الثاني". الإيضاح العضدي ص ١٩٥.
(٤) ص ١٨٨.
(٥) الرجز بتمامه: ظهراهما مثل ظهور الترسين. وهو لخطام المجاشعي. وقبله: ومهمين قذفين مرتين. انظر سيبويه ٢/ ٤٨ والخزانة ٣/ ٣٧٤.
[ ١ / ٤٦٦ ]
[إملاء ١٢٥] [حذف خبر إن]
ظهور الترسين هو الأصل عنده خصه بالذكر بالإشارة، بخلاف الأصل المرفوض عنده، فلهذا قال: فاستعمل هذا، يعني: ظهور، والأصل، يعني ظهراهما.
[إملاء ١٢٣]
[السبب في عدم حد الزمخشري خبر إن وأخواتها]
وقال أيضًا على المفصل (١) في قوله: "خبر إن وأخواتها هو المرفوع": إنما لم يحده لأنه معلوم. وذلك أنه خبر المبتدأ في المعنى، ولما تقدم ذكره استغنى عن حده هنا بما تقدم.
[إملاء ١٢٤]
[تكرير المخشري الكلام في حذف خبر إن]
وقال أيضًا في قوله (٢): "وقد حذف في قولهم: إن مالًا وإن ولدًا" إلى آخره. لا حاجة إلى ذكر هذا لأنه قد ذكر ما يدل عليه وهو قوله: "وجميع ما ذكر في خبر المبتدأ من أصنافه وأحواله وشرائطه قائم فيه"ز فإن كون الخبر محذوفًا تارة ومثبتًا أخرى حال من أحواله، فهو داخل في قوله: وأحواله، فهذا يقع تكرارًا. وإنما ألجأه إلى ذكر التنبيه على ما وقع في كلامهم من هذا الباب.
[إملاء ١٢٥]
[حذف خبر إن]
وقال أيضًا في قول صاحب المفصل (٣): "إن مالًا وإن عددًا": ينبغي أن
_________________
(١) ص ٢٧.
(٢) ص ٢٨.
(٣) ص ٢٨. وعبارة الزمخشري: إن مالًا وإن ولدًا وإن عددًا.
[ ١ / ٤٦٧ ]
يكون التقدير: إن لنا مالًا (١)، فيقدر الخبر متقدما، ولو قدره متأخرًا لم يسغ، لأن الاسم يبقى نكرة من غير شرط، بخلاف قولهم: إن زيدًا وإن عمرًا، فإنه لو قدر متقدمًا أو متأخرًا لكان سائغًا. وأمثلته في الأول تدل على ذلك.
[إملاء ١٢٦]
[تسمية "لا" التي لنفي الجنس]
وقال أيضًا على قوله (٢): "خبر لا لنفي الجنس": "لا" التي لنفي الجنس، و"لا" التي بمعنى ليس، كلاهما لنفي الجنس. وإنما خصوا الأولى بهذا الاسم لأن هذه هي الموضوعة لذلك فصيحًا، فأضافوها إلى المعنى الذي وضعت لأجله. واستعمالها بمعنى ليس غير فصيح. ألا ترى أن العربي الفصيح في سعة الكلام لا يقول: لا رجل في الدار، وإنما يقول: لا رجل في الدار، فلذلك سموها بمعناها الذي هو نفي الجنس. وأيضًا فإن "لا" التي بمعنى ليس لها شبه بـ "ليس" وهو شبه قوي، وليس كذلك "لا" التي لنفي الجنس، فإنها وإن شبهت بـ "إن" إلا أنه شبه باشتراكهما في النقيض.
[إملاء ١٢٧]
[الكلام في قولهم: فاهًا لفيك]
وقال أيضًا في المصدر (٣): "فاهًا لفيك" هذا أصله أن يكون: فوهًا
_________________
(١) قال ابن يعيش: "اعلم أن أخبار هذه الحروف إذا كانت ظرفًا أو جارًا ومجرورًا فإنه قد يجوز حذفها والسكوت على أسمائها دونها، وذلك لكثرة استعمالها والاتساع فيها، ودلالة قرائن الأحوال عليها، وذلك قولهم: إن مالًا وإن ولدًا وإن عددًا؛ أي: إن لهم مالًا وإن لهم ولدًا وإن لهم عددًا، ولم يحتج لإظهاره لتقدم السؤال عنه". شرح المفصل ١/ ١٠٣.
(٢) ص ٢٩. وعبارة الزمخشري: خبر لا التي لنفي الجنس. والظاهر أن (التي) سقطت من النسخ سهوًا.
(٣) ص ٣٣.
[ ١ / ٤٦٨ ]
لفيك، جملة من مبتدأ وخبر، فكان القياس أن تأتي على ما كانت عليه. إذ الجمل هذا سبيلها. إذا كانت في الأصل لشيء ثم نقلت عن ذلك الأصل تنقل على ما كانت عليه. وكذلك قولهم: كلمته فاه إلى في. أصله: فوه إلى في. إلا أنهم (١) لما كثر استعمالهم له بمعنى: مشافها، وغلب ذلك فيه حتى صار يفهم منه: مشافها، مع قطع النظر عن مفردات الجملة باعتبار الإسناد أجروه مجرى المفرد في إعرابه بإعرابه لما قبل ذلك. وكذلك: فاهًا لفيه، لما علموا استعماله في معنى الخيبة والدهي حتى يصير التركيب فيه نسيًا منسيًا أجروه مجرى المفرد الذي صار بالآخرة كمعناه في إعرابه الاسم الأول بإعرابه، وصار الثاني كأنه (٢) جار ومجرور من تتمته، كقولهم: بايعته يدًا بيد، وبعت الشاء شاة ودرهما، وكذلك ما أشبهه. وهذا مما لم يتكلم عليه النحويون لغموضه وإشكاله (٣).
[إملاء ١٢٨]
[إمالة "دعا" وعدم إمالة "قال"]
وقال أيضًا ممليًا على المفصل في الأمالة في المشترك (٤): إن قيل لم أمالوا "دعا" ولم يميلوا "قال" والعلة المقتضية للإمالة في "دعا" موجودة فيه وأمثاله. وذلك أن العلة للإمالة هي صيرورة الألف إلى الياء إذا بني الفعل لما
_________________
(١) في س: أنه.
(٢) كأنه: سقطت من د.
(٣) قول ابن الحاجب: "وهذا مما لم يتكلم عليه النحويون لغموضه وإشكاله" فيه نظر فقد تكلم سيبويه عن هذه المسألة. انظر الكتاب ١/ ٣١٥، ٣٩١.
(٤) ص ٣٣٥.
[ ١ / ٤٦٩ ]
لم يسم فاعله في قولك: دعي، فليكن كذلك في قولهم: قال ولام من اللوم، وما شاكل ذلك. فإنك تقول فيه: قيل وليم، فتنقلب الألف ياء، فليكن مثل: دعا؟.
وأجاب عنه من وجهين: أحدهما: أن الياء في "دعي" يجب قلبها متحركة فصارت كالأصلية لقوتها، والياء في "ليم" و"قيل" لا تتحرك بل ميتة ساكنة، فجعل للمتحرك على الساكن مزية. الثاني: أن قلبها في "دعي" واجب لا ينتقل فيه إلى غيره والكسرة قبلها لازمة لا تقبل غير ذلك بخلاف: ليم وقيل، فإنه قد يقال فيه: لوم وقول (١). وقد يشم (٢) الحرف المكسور الضم على لغة فصيحة، فجعل لما قبلها فيه واجب، والكسرة لازمة على ما ليس كذلك مزية.
[إملاء ١٢٩]
[اعتراض على الزمخشري في إعلال الواو]
وقال ممليًا: وسياقه الولدة مع وعد (٣)، ليس بمستقيم لأنه يقال: لدة وولذة وجهة ووجهة. فهذا مما يجوز فيه ثبوت الواو وإسقاطها فكيف يستقيم سياقها مع ما هو واجب الثبوت؟ وإنما أتى به على أحد الأمرين في الثبوت، ولم يعتبر الأمر الآخر.
_________________
(١) وتنسب هذه اللغة لفقعس ودبير وهما حيان من قبيلة بني أسد. انظر أوضح المسالك ٢/ ١٥٧.
(٢) الأشمام: هو ضم الشفتين بعد الإسكان.
(٣) ص ٣٧٥. قال الزمخشري: "الواو تثبت صحيحة وتسقط وتقلب فثباتها على الصحة في نحو: وعد وولد والوعد والولدة".
[ ١ / ٤٧٠ ]
[إملاء ١٣٠] [حد اللقب]
[إملاء ١٣٠]
[حد اللقب]
وقال ممليًا: حد اللقب الذي أشار إليه الزمخشري في مفصله (١): كل اسم غير صفة صار علمًا بالغلبة. والمراد بالغلبة ما لم يوضع بوضع واضع خاص. وإنما قلنا: غير صفة، احتراز من الصفات التي غلبت حتى صارت أعلامًا، من نحو قولك: الكاتب والوزير والصاحب. لأنها لو كانت منها لجاز إضافة الاسم إليها في مثل قولك: زيد الكاتب وعمرو الصاحب، بل بقوها جارية صفات على ما كانت عليه. وهذه جوزوا فيها الإضافة إذ لم يكن لها مع الاسم حال مخصوصة متقدمة فتبقى عليه، فلذلك قالوا: زيد قفة، والمراد مسمى هذا اللقب على ما بسط في غير موضع (٢). وإنما قلنا: صار علمًا بالغلبة، احتراز من أن يسمى مسمى (٣) باسمين بالأصالة، فإنه لا يقال: زيد أبي عمرو، لأنهما عندهم سواء، بخلاف اللقب الغالب لأنه لم يغلب إلا لشهرته، فأضافوا الخفي إلى المشهور ليوضحوه، ويحققه أنهم لا يقولون: قفة زيد، ولا بطة قيس. ثم لا ننكر أن اللقب يصح إطلاقه على كل ما ذكر، وإنما قصدنا تفسيره في هذا الموضع في قصد مورده.
[إملاء ١٣١]
[اعتراض على الزمخشري في باب اسم "لا" التي لنفي الجنس]
وقال أيضًا ممليًا على قوله (٤): "واعلم أن كل شيء حسن لك أن تعمل فيه رب حسن لك أن تعمل فيه لا":
_________________
(١) ص ٩.
(٢) انظر الإيضاح في شرح المفصل ١/ ٨٠.
(٣) في الأصل وفي م، د: يسمي مسم. وما أثبتناه هو الصحيح لأن المعنى يستقيم به.
(٤) ص ٧٦. وقد نقلها الزمخشري عن سيبويه. انظر الكتاب ٢/ ٢٨٦.
[ ١ / ٤٧١ ]
أورده على أن "لا" لا تعمل إلا في النكرة، مستشهدًا بقول سيبويه. وليس بمفيد مقصوده لكونه وقع خبرًا، والخبر قد يكون أعم، ألا ترى أنه لو كانت "لا" تعمل في النكرة والمعرفة لكان هذا الكلام صحيحًا، وإذا كان كذلك لم يفد أنها لا تعمل إلا في النكرة.
[إملاء ١٣٢]
[جواب إيراد على الزمخشري في تعريف الأعلام المثناة أو المجموعة]
وقال ممليًا إذ. أورد على قول الزمخشري في مفصله (١): "وكل مثنى أو مجموع من الأعلام فتعريفه باللام" قولهم: يا زيدان ويا زيدون، فإنه معرف ولا لام فيه.
فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن "يا زيدان". هنا تثنية زيد في قولك: جاءني زيد من الزيود، على اللغة القليلة. فيكون قولك: يا زيدان، مثل قولك: يا رجلان (٢)، ويا زيدون، مثل قولك: يا ضاربون. الثاني: أن "يا زيدان" الأصل فيه: يا أيها الزيدان ويا أيها الزيدون، كما أن أصل قولك: يا رجل، يا أيها الرجل. ولكن لما كان باب قولك: يا أيها الرجل، لك أن تحذف اللام وتستغني بحرف النداء لا فادتها المعنى الذي يفيده اللام أجرى. قولك: يا أيها الزيدان، مجراه لأنه من بابه. والذي على أنه منه امتناع: زيدان، كامتناع: رجل، كراهية أن يكثر الحذف.
_________________
(١) ص ١٤.
(٢) قال ابن يعيش في الفرق بينهما ما معناه: إن الزيدين مشتركان في التسمية بزيد والرجلين مشتركان في الحقيقة وهي الذكورية والآمية. شرح المفصل ١/ ٤٦.
[ ١ / ٤٧٢ ]
[إملاء ١٣٣] [حد اسم الجنس]
[إملاء ١٣٣]
[حد اسم الجنس]
وقال ممليًا: كره الزمخشري أن يقول في حد اسم الجنس ما ذكره المنطقيون من قولهم: ما وضع لمسمى لا تمنع الشركة فيه، وهو يسمى متواطئًا. وكره أن يقول: ما دل على كثرة باعتبار معنى واحد، لئلا يوهم أن الكثرة مستفادة من إطلاقه، ولا يستفاد منه إلا المفرد، فعدل إلى قوله: (١): "ما دل على شيء وعلى كل ما أشبهه" (٢). ولم يمكنه أن يحده بما ذكر أولًا لأنه أمر ذهني، والمعنى الذهني متحد لا شركة فيه. ثم ليس هو في الحقيقة موضوعًا له، فإنا نقطع بأن وضع رجل لما في الخارج، وما في الذهن يستحيل أن يكون في الخارج.
[إملاء ١٣٤]
[توضيح كلام للزمخشري في باب التمييز]
وقال ﵀: قوله في التمييز (٣): "ومنادية على أن الأصل". استعار
_________________
(١) ص ٦. وعبارة الزمخشري: ما علق على شيء وعلى كل ما أشبهه.
(٢) قال ابن يعيش موضحًا قول الزمخشري: "وتحقيق ذلك أن الاسم المفرد إذا دل على أشياء كثيرة ودل مع ذلك على الأمر الذي وقع به تشابه تلك الأشياء تشابهًا تامًا حتى يكون ذلك الاسم اسمًا لذلك الأمر الذي وقع به التشابه فإن ذلك الاسم يسمى اسم الجنس وهو المتواطئ كالحيوان الواقع على الإنسان والفرس والثور والأسد. فالتشابه بين هذه الأشياء وقع بالحياة الموجودة في الجميع، وكذلك إذا قلت: إنسان، وقع على كل إنسان باعتبار الآدمية، وكذلك إذا قلت: رجل، وقع على كل رجل باعتبار الرجولية وهي الذكورة والآدمية". شرح المفصل ١/ ٢٦.
(٣) ص ٦٦.
[ ١ / ٤٧٣ ]
لها النداء وكأن فيها شيئًا ينادي بأن أصلها كذا، كما يقال: فعل فلان ينادي عليه بكذا" (١).
وقوله في المفصل (٢): "التمييز رفع الإبهام". قال ممليًا: ليس التمييز في الحقيقة رفعًا لأنه اللفظ الذي حصل عنه هذا الرفع المراد. وإنما يغتفر النحويون مثل ذلك لكونه معلومًا. إما على معنى لفظ رفع الإبهام أو رافع الإبهام أو ما أشبه ذلك، أو لأن الغرض ذكر ما يتميز به باعتبار المدلولات، إذ كان هو المقصود في التحقيق.
[إملاء ١٣٥]
[معنى بيت لذي الرمة وإعراب بعض كلماته]
وقال ممليًا على قول الشاعر في المفصل (٣):
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحته عن يديه المقادر (٤)
"الوجد" إما فاعل "الباخع" فلا ضمير في "الباخع"، والتقدير: الذي بخع الوجد نفسه، أي: أهلك، من قولك: "فلعلك باخع نفسك" (٥) وإما مفعول من أجله. فيكون في "الباخع" ضمير يرجع إلى الموصول الذي بخع هو
_________________
(١) قال ابن يعيش: "وقوله: ومنادية على أن الأصل كذا، يريد أنه مفهوم منها معنى الوصفية، وإن لم يكن اللفظ على ذلك". شرح المفصل ٢/ ٧٥.
(٢) ص ٦٥.
(٣) ص ٣٩.
(٤) هذا البيت من البحر الطويل، وقائله ذو الرمة. انظر ديوانه ص ٣٣٨. وهو من شواهد المقتضب ٤/ ٢٥٩، واللسان (بخع)، وابن يعيش ٢/ ٧. والشاهد فيه قوله: أي، وهو منادى مبهم قد وصف باسم الإشارة (هذا).
(٥) الكهف: ٦.
[ ١ / ٤٧٤ ]
[إملاء ١٣٦] [حد اللقب]
نفسه، أي: أهلكها من أجل الوجد. فـ "الوجد" بالنصب تعليل لقوله: بخع نفسه، المعنى: أهلكها من أجل الوجد. و"لشيء" مع صفته تعليل لإهلاك النفس المعلل بالوجد، فهو تعليل الفعل المعلل، كما تقول: ضربت زيدًا تأديبًا لأنه قرابتي. فالتأديب تعليل للضرب، ولأنه قرابتي تعليل للضرب المعلل بالتأديب.
ومعنى البيت: التسلية، كأنه قال: يا من أهلك نفسه الوجد أو أهلكها من أجل الوجد لأمر أزالته عن يديه المقادير. والله أعلم بالصواب (١).
[إملاء ١٣٦]
[حد اللقب] (٢)
وقال أيضًا ممليًا على قوله في المفصل في حد اللقب: هو كل اسم غلب على مسماه حتى صار أشهر من أسمه. يعني: من غير وضع واضع. ويدل على ذلك قول صاحب المفصل (٣): "وقد يغلب بعض الأسماء الشائعة على أحد المسمين به فيصير علمًا له بالغلبة"، إشارة إلى هذا، إذ قولهم: ابن عمر لعبد الله، ليس وضعًا. والله أعلم.
_________________
(١) بعدها في نسخة الأصل: فرغ عبد الرحمن بن يحيى المذهبي التبريزي أصلح الله حاله منه نسخًا ظهيرة يوم الجمعة ٢٥ من ذي الحجة سنة ٨٢ في مدينة دمشق المحروسة حامدًا مصليًا مسلمًا.
(٢) هذا الإملاء موجود في الأصل وفي س. وغير موجود في بقية النسخ.
(٣) ص ١١.
[ ١ / ٤٧٥ ]
كتاب
لأبي عمرو عثمان بن الحاجب
(٥٧٠ - ٦٤٦ م)
دراسة وتحقيق
الدكتور فخر صالح سليمان قداره
الأستاذ المساعد في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
فرع القصيم
الجزء الثاني
دار عمار دار الجيل
عمان - الأردن بيروت - لبنان
[ ٢ / ٤٧٦ ]