باب حروف الجر
[باب حروف الجر١]:
هذا باب حروف الجر.
[عدد حروف الجر] .
وهي عشرون حرفا٢؛ ثلاثة مضت في الاستثناء، وهي: خلا، وعدا، وحاشا، وثلاثة شاذة:
_________________
(١) ١ هذه تسمية البصريين، وعللوا ذلك بأنها تعمل الجر فيما بعدها ظاهرا أو مقدرا أو محليا كما قيل: حروف النصب، والجرم لذلك. أو لأنها تجر معاني الأفعال وشبهها وتوصلها إلى ما تجره، ومن أجل هذا سماها الكوفيون: حروف الإضافة؛ لأنها تضيف معاني الأفعال وتربطها بما بعدها. حاشية يس على التصريح: ٢/ ٢. ٢ عشرون حرفا على المشهور، غير أنه في بعضها خلاف، وقد أشار الناظم إليها بقوله: هاك حروف الجر وهي: من، إلى حتى، خلا، حاشا، عدا، في، عن، على مذ، منذ، رب، اللام، كي، واو، وتا والكاف، والبا، ولعل، ومتى وحروف الجر تقع كلها أصلية إلا "من، والباء، واللام، والكاف" فتستعمل زائدة أحيانا و"رب ولعل" حرفا جر شبيهان بالزائد؛ وترك المؤلف ذكر "لولا" حيث يعدها بعض النحاة من حروف الجر، في بعض استعمالاتها؛ فهي تدخل على الاسم الصريح، والمؤول، وعلى الضمير المنفصل، والمتصل؛ فتقول: لولاي، ولولاه، ولولاك؛ واختلف النحاة في هذا الاستعمال، ولهم في ذلك ثلاثة مذاهب: الأول: أن الضمير المتصل "الياء، الكاف، الهاء" موضوع موضع الضمير المنفصل؛ ومحله من الإعراب الرفع، وليس له إلا هذا الإعراب؛ ليجري استعمالها في الأحوال كلها مجرى واحدا. وهذا مذهب الكوفيين، والأخفش من البصريين، ونسبة العيني إلى الخليل ويونس. الثاني: أن "لولا" في هذه الحالة حرف زائد، لا يتعلق بشيء؛ والضمير الذي بعدها؛ له محلان من الإعراب؛ أحدهما: الجر، والثاني: الرفع بالابتداء، كالمجرور بـ"من" الزائدة، كما في قولهم: "ما في الدار من أحد"؛ فأحد: مجرور لفظا ومحله الرفع؛ لأنه مبتدأ؛ وهذا مذهب سيبويه، وجمهور البصريين. =
[ ٣ / ٣ ]
[الأحرف الشاذة]:
أحدها: "متى" في لغة هذيل١؛ وهي بمعنى "من" الابتدائية٢، سمع من بعضهم: "أخرجها متى كمه"، وقال٣: [الطويل]
_________________
(١) = الثالث: أن هذا الاستعمال خطأ، لم يرد عن العرب، غير أن هذا المذهب زعم خلاف الحقيقة، حين ورد عمن يحتج بكلامهم هذا الاستعمال، كما في قول العرجي: ولولاك في ذا العالم لم أحجج وكقول عمرو بن العاص يخاطب معاوية بن أبي سفيان في شأن الحسن بن علي ﵄: أتطمع فينا من أراق دماءنا ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن وهذا المذهب المحجوج مذهب أبي العباس المبرد. انظر حاشية يس على التصريح: ٢/ ٢، ورصف المباني: ٢٩٢، والجنى الداني: ٥٩٧ ومغني البيب: ٣٦١، والمقتضب للمبرد: ٣/ ٧٣، وابن عقيل: ٣/ ٧. فائدة: حرف الجر الأصلي؛ ما له معنى خاص، وهو يحتاج إلى متعلق مذكور أو محذوف. وحرف الجر الزائد؛ ما ليس له معنى خاص، وإنما يؤتى به لمجرد التوكيد، وليس له متعلق مذكور أو محذوف في الكلام؛ نحو قولهم: ما زارني من أحد؛ وعملنا أن المجرور به له محلان من الإعراب، فأحد: مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل زارني. وأما حرف الجر الشبيه بالزائد؛ فله معنى خاص كالحرف الأصلي، غير أنه لا متعلق له كالزائد؛ ففيه شبه من الأصلي، وشبه من الزائد؛ ومثاله: "لولا، ورب، ولعل"؛ فـ"لولا" تدل على امتناع لوجود، و"رب" تدل على التقليل أو التكثير، و"لعل" تدل على الترجي؛ وهذه تجر كالحروف الأصلية، غير أنها لا تحتاج إلى متعلق، فأشبهت الحرف الزائد؛ ولذا سميت أحرف جر شبيهة بالزائدة. ١ من القبائل العربية القحطانية التي أسهمت في الوضع اللغوي، وعنها أخذ اللسان العربي، وكان فيها أكثر من سبعين شاعرا مشهورا، منهم أبو ذؤيب الهذلي. ٢ قال في الهمع: وتأتي اسما بمعنى "وسط" حكي: وضعها متى كمه، أي وسطه، وهي حينئذ مبنية لمشابهتها الحرفي. همع الهوامع: ٢/ ٣٤. ٣ القائل: هو أبو ذؤيب الهذلي؛ خويلد بن خالد بن محرك، أحد بني هذيل بن مدركه من مضر، شاعر فحل، مخضرم، أسلم وحسن وإسلامه، كان فصيحا كثير الغريب له العينية المشهورة، عاش إلى أيام عثمان بن عفان، واشترك في فتح إفريقيا. مات سنة ٢٧هـ.
[ ٣ / ٤ ]
٢٨٧- متى لجج خضر لهن نئيج١
_________________
(١) تجريد الأغاني ٧٨٦، والشعر والشعراء: ٢/ ٦٥٣، الجمحي: ١/ ١٣١، والأعلام: ٢/ ٣٢٥، والخزانة: ١/ ٢٠٣. تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: شربن بماء البحر ثم ترفعت وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢، وهمع الهوامع: ٢/ ٣٤، والدرر اللوامع: ٢/ ٣٤، وابن عقيل: ٣/ ٦، والأشموني: ٥٢٤/ ٢/ ٢٨٤، والخصائص: ٢/ ٨٥، والمحتسب: ٢/ ١١٤، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٧، والخزانة: ٣/ ١٩٣، والعيني: ٣/ ٢٤٩، ٢٧٢، ٤/ ٤٢٢، والمغني: ١٥٧/ ١٤٢، ١٧٥/ ١٥١، ٦٢٨/ ٤٤١، والسيوطي: ١٠٩، وديوان الهذليين: ١/ ٥١. المفردات الغريبة: شربن: المراد حملن الماء، والضمير للسحاب. ترفعت: ارتفعت وتصعدت. لجج: جمع لجة وهي معظم الماء، ونئيج: مر سريع بصوت. المعنى: هذا البيت يعبر عما كان العرب يعتقدون، من أن للسحب شبه خراطيم تدنو من البحر المالح في بعض الأماكن فتأخذ من مائه ما شاءت ثم تصعد إلى الجو سريعا ولها دوي؛ فيعذب هذا الماء ويتنقل ثم ينزل إلى حيث يشاء الله مطرا. ونستطيع أن نفسر هذا الاعتقاد الساذج بما يتفق مع ما قرره العلم اليوم، وهو أنه كناية عن تصعد ماء البحار بوساطة حرارة الشمس وتنقله من جهة إلى أخرى بالهواء، حتى يرتفع إلى حيث يشاء الله، ويكون سحبا تنزل بعد مطرا. الإعراب: شربن: فعل ماض مبني على السكون، ونون النسوة في محل رفع فاعل. "بماء": متفلق بـ"شرب"، وماء: مضاف. البحر: مضاف إليه. ثم: حرف عطف. ترفعت: فعل ماض مبني عل الفتح، والتاء: حرف دال على التأنيث، لا محل له من الإعراب، والفاعل: هي، يعود إلى السحائب المذكورة في بيت سابق. متى: حرف جر -على لغة هذيل- بمعنى "من" الابتدائية. لجج: مجرورة بـ"متى" وعلامة جره الكسرة. و"متى لجج": متعلق بـ"شرب". خضر: صفة لـ"لجج" مجرورة. "لهن": متعلق بمحذوف خبر مقدم. نئيج: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "لهن نئيج": في محل جر صفة ثانية لـ"لجج"؛ ويمكن أن تكون في محل نصب حالا من لجج؛ لأنها وصفت؛ فتخصصت بالوصف. موطن الشاهد: "متى لجج". وجع الاستشهاد: استعمال "متى" حرف جر بمعنى "من" على لغة هذيل، وجره لـ "لجج".
[ ٣ / ٥ ]
والثاني: "لعل" في لغة عقيل١، قال٢: [الوافر]
٢٨٨- لعل الله فضلكم علينا٣
_________________
(١) ١ بالتصفير؛ قبيلة عربية أبوها عقيل بن كعب بن ربيعة من قيس عيلان بن مضر. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: بشيء أن أمكم شريم وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢، والأشموني: ٥٢٣/ ٢/ ٢٨٤، والعيني: ٣/ ٢٤٧، والمقرب: ٤١، والخزانة: ٣٦٨. المفردات الغريبة: لعل: حرف جر شبيه بالزائد ومعناه الترجي، وقيل: هو هنا بمعنى الإشفاق، ولا يتعلق بشيء. فضلكم: زادكم. شريم: هي المرأة المفضاة التي اختلط مسلكاها، ويقال فيها: شرماء وشروم. المعنى: آمل أن يكون الله -سبحانة وتعالى- فضلكم علينا وأكرمكم؛ لأن أمكم -أو بكون أمكم- بهذه الحالة؛ قد اختلط قبلها بدبرها، وهذا الشاعر تهكم واستهزاء. الإعراب: لعل: حرف جر شبيه بالزائد، يفيد معنى الترجي. الله: "لفظ الجلالة" مجرور لفظا مرفوع محلا، على أنه مبتدأ. فضلكم: فعل ماض، والفاعل: هو، و"كم": مفعول به؛ وجملة "فضلكم": في محل رفع خبر المبتدأ. "علينا": متعلق بـ"فضلكم"، أو بمحذوف حال من "شيء"؛ لأنه تقدم عليه. "بشيء": متعلق بـ"فضلكم". إن: حرف مشبة بالفعل. أمكم: اسم "إن" منصوب، وهو مضاف، و"كم": مضاف إليه. شريم: خبر مرفوع؛ وجملة "إن أمكم شريم": لا محل لها من الإعراب؛ لأنها تعليلية. ويجوز فتح همزة "إن"، ويكون المصدر المؤول من "أن وما بعدها": في محل جر بدل من "شيء". موطن الشاهد: "لعل الله". وجه الاستشهاد: استعمال "لعل" حرف جر -على لغة عقيل- فجر بها لفظ الجلالة؛ ومعلوم أن "لعل" ليس له متعلق كما سبق؛ لكونه حرفا شبيها بالزائد، ومثل هذا البيت قول كعب الغنوي: فقلت: ادع أخرى وارفع الصوت جهرة لعل أبي المغوار منك قريب انظر حاشية الصبان: ٢/ ٢٠٥.
[ ٣ / ٦ ]
ولهم في لامها الأولى: الإثبات، والحذف١؛ وفي الثانية: الفتح والكسر. والثالث: "كي" وإنما تجر ثلاثة؛
أحدها: "ما" الاستفهامية٢، يقولون إذا سألوا عن علة الشيء: "كيمه"٣؛ والأكثر أن يقولوا: "لمه".
_________________
(١) ١ إثبات اللام الأولى وحذفها في لغات العرب عامة، وليس في "لعل" التي يجر الاسم بعدها خاصة كما ظن بعضهم، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فمثال إثبات اللام الأولى، قول خالد بن جعفر: لعل الله يمكنني عليها جهارا من زهير أو أسيد ومثال حذف لامها الأولى قول نافع بن سعد الطائي: ولست بلوام على الأمر بعدما يفوت، ولكن عل أن أتقدما وقول العجير السلولي: لك الخير، عللنا بها، عل ساعة تمر، وسهواء من الليل يذهب شرح التصريح: ٢/ ٣. ٢ أي التي يسأل بها عن سبب الشيء وعلته. ٣ أصل "كيمه": كيما؟ أي: لما؛ ومعلوم أن "ما" الاستفهامية، إذا جرت؛ تحذف ألفها، ويحل محلها "هاء السكت" في الوقف؛ حفظا للفتحة الدالة على الألف؛ وإعرابها كالآتي: كي: حرف جر أصلي، يفيد التعليل، وما: استفهامية في محل جر بـ"كي" وحذفت ألفها لما ذكرنا؛ وذهب الكوفيون في هذه العبارة مذهبا بعيدا، حيث عدوا "كي" -هنا- مصدرية ناصبة للفعل المضارع، وهذا الفعل المضارع المنصوب بها محذوف، وأن "مه" التي بعدها مؤلفة من "ما" اسم الاستفهام، ومن "هاء" السكت، وأن "ما" الاستفهامية في محل نصب مفعولا به؛ لذاك الفعل المحذوف؛ والتقدير -عندهم- كأن قائلا، قد قال لك: جئت، فقلت له: كي تفعل ماذا؟. ونلحظ في مذهب الكوفيين -فضلا عن التكلف الغريب الظاهر- أربعة أمور، لا يجيزها جمهور النحاة وهي: أ- في تأويلهم تخريجهم حذف صلة الحرف المصدري مع بقاء معمولها، فالحرف المصدري "كي"، وصلته: المضارع الذي التزموا تقديره، ومعمول الصلة: ما الاستفهامية؛ وهذا غير جائز. في نصب اسم الاستفهام بعامل تقدم عليه؛ ومعلوم أن الأسماء الاستفهام لها الصدارة؛ فلا يتقدم عليه العامل فيه. =
[ ٣ / ٧ ]
الثاني: "ما" المصدرية وصلتها١؛ كقوله٢: [الطويل]
٢٨٩- يراد الفتى كيما يضر وينفع٣
_________________
(١) = ج- في حذف ألف "ما" الاستفهامية، في غير الجر، وقد علم أن ألفها، لا تحذف إلا في حالة الجر. د- في حذف المنصوب مع بقاء عامل النصب، وهذا لا نظير له في لغة العرب. وانظر في هذه المسألة: الجنى الداني: ٢٦٢، وصف المباني: ٢١٥، والمقتضب: ٢/ ٦. ٣ أي المصدر المنسبك من "ما" وصلتها، فإن هذا هو المجرور محلا بالحرف. ٤ القائل هو: قيس بن الخطيم بن عدي الأوسي، أبو يزيد: شاعر الأوس، وأحد صناديدها في الجاهلية، وأشهر بعد تتبعه قاتلي أبيه وجه حتى قتلهما، له شعر جيد في ذلك، وفي وقعة البعاث بين الأوس والخزرج. أدرك الإسلام ولم يسلم مات سنة ٢ق. هـ. تجريد الأغاني: ٣٠٧-٣٢١، والجمحي: ٢٢٨، الأعلام: ٥/ ٢٠٥، الأغاني: ٢/ ١٥٤. ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: إذا أنت لم تنفع فضر فإنما وقد اختلف في نسبته، فقد نسبه بعضهم للنابغة الذبياني، ونسبه البعض إلى النابغة الجعدي. وهو من شواهد التصريح: ٢/ ٣، والأشموني: ٥٢١/ ٢/ ٢٨٣، والخزانة: ٣/ ٥٩١، والعيني: ٣/ ٣٤٥، ٤/ ٣٧٩، والمغني: ٣٣١/ ٢٤١، والسيوطي ١٣٣، وديون قيس بن الخطيم: ١٧٠. المفردات الغريبة: يراد: يقصد. المعنى: إذا لم يكن في مقدورك أن تنفع من يستحق النفع والعون، فضر من يستحق الضرر والإيذاء؛ فإن الإنسان لا يقصد من الحياة غير هذين العملين. الإعراب: إذا: طرف لما يستقبل من الزمان، وخافض لشرطه منصوب بجوابه، مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية. أنت: فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده؛ مبني على الفتح، في محل رفع؛ والجملة "من الفعل المحذوف وفاعله": في محل جر بالإضافة. لم: حرف جزم ونفي وقلب. تنفع: فعل مضارع مجزوم، والفاعل: أنت؛ وجملة "لم تنفع": تفسيرية، لا محل لها. فضر: الفاء واقعة في جواب شرط غير جازم. ضر: فعل أمر مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وحرك بالفتح؛ للتخلص من التقاء الساكنين، وللتخفيف، والفاعل: أنت؛ وجملة "ضر": جواب شرط غير جازم، لا محل لها. فإنما: الفاء تعليلية. إنما: كافة ومكفوفة، تفيد الحصر، لا محل لها. يراد فعل مضارع مبني للمجهول، مرفوع وعلامة رفعه الضمة =
[ ٣ / ٨ ]
أي: للضر والنفع؛ قاله الأخفش١؛ وقيل: "ما" كافة.
الثالث: "أن" المصدرية وصلتها؛ نحو: "جئت كي تكرمني" إذا قدرت "أن" بعدها؛ بدليل ظهورها في الضرورة، كقوله٢: [الطويل]
٢٩٠- لسانك كيما أن تغر وتخدعا٣
_________________
(١) = الظاهرة: الفتى: نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر. كيما: "كي" حرف تعليل وجر، و"ما" حرف مصدري مبني على السكون، لا محل له. يضر: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو؛ والمصدر المؤول من "ما المصدرية وما دخلت عليه" في محل جر بـ"كي"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ"يراد"؛ وتقدير الكلام: "يراد الفتى للضر والنفع"؛ وجملة "يضر": صلة الموصول الحرفي، لا محل لها. وينفع: الواو: عاطفة جملة على جملة، ينفع: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو، يعود إلى الفتى؛ وجملة "ينفع": معطوفة على جملة "يضر": لا محل لها. موطن الشاهد: "كيما". وجه الاستشهاد: دخول "كي" على "ما" المصدرية، وجرها للمصدر المؤول كما بينا في الإعراب -على تأويل الأخفش- وهي عند غيره كافة لـ"كي" عن عمل النصب في الفعل المضارع؛ والفعل المضارع مؤول بالمصدر على القولين. انظر حاشية الصبان: ٢/ ٢٠٤. ١ مرت ترجمته. ٢ القائل: هو جميل بن معمر العذري، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: وقالت: أكل الناس أصبحت مانحا والبيت من قصيدة مطلعها قوله: عرفت مصيف الحي والمتربعا كما خطت الكف الكتاب المرجعا والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٣، والأشموني: ٥٢٢/ ٢/ ٢٨٣، والعيني: ٣/ ٢٤٤، ٤/ ٣٧٩، وشرح المفصل: ٩/ ١٤، والخزانة: ٣/ ٨٥٤، والهمع: ٢/ ٥، والدرر: ٢/ ٥، والمغني: ٣٣٣/ ٢٤٢، والسيوطي: ١٧٣، والتصريح: ٢/ ٢٣٠، ٢٣١، ديوان جميل: ٢٥. المفردات الغريبة: مانحا: اسم فاعل من المنح وهو الإعطاء، تغر: تخدع -يقال غره غرورا- خدعه. تخدعا: خدعه؛ ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم. المعنى: أصبحت مانحا جميع الناس حلاوة لسانك وحسن كلامك، لتغرهم وتوقعهم في المكروه من حيث لا يشعرون؛ أن هذا عمل لا يليق بالكملة من الرجال. =
[ ٣ / ٩ ]
والأولى أن تقدر "كي" مصدرية١ فتقدر اللام قبلها؛ بدليل كثرة ظهورها معها؛ نحو: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ ٢.
_________________
(١) = الإعراب: فقالت: الفاء عاطفة، قالت: فعل ماض؛ والتاء: للتأنيث، والفاعل: هي. أكل: الهمزة حرف استفهام، كل: مفعول به ثان لـ"مانح" تقدم عليه وعلى المفعول الأول، وكل: مضاف، والناس: مضاف إليه مجرور. أصبحت: فعل ماض ناقص، والتاء: في محل رفع اسمه. مانحا: خبر "أصبح" منصوب؛ وفاعل اسم الفاعل "مانح" ضمير مستتر فيه؛ تقديره: أنت. لسانك: مفعول به أول، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه. كيما: "كي" حرف تعليل وجر، لا محل له من الإعراب، و"ما" حرف زائد. أن: حرف مصدري ونصب، لا محل له من الإعراب. تغر: فعل مضارع منصوب بـ"أن" المصدرية، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، الفاعل: أنت. وتخدع: الواو عاطفة، تخدع: فعل مضارع معطوف على فعل "تغر" منصوب مثله. والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل جر بـ"كي"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ"مانح"؛ والتقدير: أصبحت مانحا لسانك كل الناس؛ للنفع والضر. موطن الشاهد: "كيما أن تضر". وجه الاستشهاد: ظهور "أن" المصدرية بعد "كي" وفي ظهورها دلالة على أن "كي" للتعليل، وليست حرفا مصدريا؛ وكذلك يستفاد -هنا- أن "كي" التعليلية، تقدر بعدها "أن" إذا لم تكن موجودة؛ لأن ظهور الشيء في بعض الأوقات دليل على أن هذا الموضع محل له؛ ومثل هذا الشاهد قول الآخر: أردت كيما أن تطير بقربتي فتتركها شنا ببيداء بلقع وكذا: أردت لكيما أن ترى إلي عثرة ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل ١ ومتى قدرت مصدرية، كانت هي الناصبة للمضارع، وذلك إذا لم تذكر "أن" بعدها؛ فإذا ذكرت "أن" المصدرية بعدها، ولم تسبقها لام الجر؛ كانت حرف جر؛ شبيهة بلام التعليل من حيث المعنى والعمل؛ فإن ذكرت قبلها اللام؛ كانت حرفا مصدريا ناصبا بنفسه، كأن المصدرية؛ من حيث المعنى والعمل؛ وإن توسطت بينهما؛ فالأحسن اعتبارها جارة للمصدر المنسبك بعدها، مؤكدة للام الجر قبلها؛ ويجوز أن تكون مصدرية مؤكدة بـ"أن" بعدها، والمصدر المنسبك مجرور باللام قبلها. وإن لم توجد "لام الجر" قبلها، ولا "أن" بعدها؛ جاز اعتبارها مصدرية بتقدير اللام قبلها، أو حرف جر بتقدير "أن" بعدها. فائدة: تختص "متى، ولعل، وكي" بالدخول على الاسم الظاهر، وهي لا تستعمل في الجر إلا قليلا. ٢ ٥٧ سورة الحديد، الآية: ٢٣. =
[ ٣ / ١٠ ]
_________________
(١) = موطن الاستشهاد: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ . وجه الاستشهاد: اقتران اللام بـ"كي" في الآية الكريمة، يرجع تقديرها عند عدم ظهورها في الكلام. فائدة: ورد في الكلام الفصيح انتصاب الفعل المضارع بعد "كي" التي لم تسبق بلام التعليل، ولا المتبوعة بـ"أن" المصدرية من غير شذوذ ولا علة، في نحو فوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾، وكقول النابغة الذبياني: وقفت فيها طويلا كي أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد وأما مذهب النحاة في الناصب للمضارع في مختلف الأحوال فهي: أ- ذهب الأخفش إلى أن الناصب للمضارع في الأوجه كلها "أن" المصدرية ظاهرة أو مقدرة؛ لأن الأخفش يرى أن "كي" لا تكون إلا حرف جر دالا على التعليل؛ فإذا ذكرت اللام قبلها، كما في قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ﴾؛ فهو يرى أن "اللام" للتعليل، و"كي" بدل منها، وكانت "أن" مضمرة بعدهما. وإذا ذكرت اللام بعد كي، كما في قول ابن قيس الرقيات: "كي لتقضيني رقية" كانت اللام بدلا من "كي" التعليلية، و"أن" مقدرة بعدها. ب- وذهب الخليل إلى أن الناصب للمضارع في الوجوه كلها "أن" المصدرية ظاهرة أو مقدرة -كما رأى الأخفش- غير أنه ذهب هذا المذهب؛ لكونه لا يرى ناصبا للمضارع غير "أن" المصدرية مظهرة أو مضمرة. ج- وذهب الكوفيون إلى أن الناصب في تلك الوجود كلها "كي" نفسها؛ وذلك؛ لكونهم يرون أن "كي" لا تكون إلا حرفا مصدريا ناصبا للمضارع؛ مذكورا أو مقدرا؛ فإن ذكرت "أن" بعد كي؛ كانت مصدرية أيضا وهي بدل من كي؛ وإن ذكرت اللام بعد؛ كانت اللام زائدة. د- وذهب جمهور البصريين إلى أن "كي" -أحيانا- حرف جر دالا على التعليل، وتكون أحيانا أخرى حرفا مصدريا ناصبا؛ فهم يلتزمون الوجه "الثاني" كما التزمه الكوفيون، ولا يلتزمون الوجه الأول الذي التزمه الأخفش. - وهم يرون أن "كي" تأتي حرفا مصدريا ناصبا للمضارع، ولا تحتمل وجها آخر في إلا حالة واحدة؛ وهي أن تذكر اللام قبلها، ولا تذكر "أن" بعدها، كقول عمر بن أبي ربيعة: "لكي يعلموا أن الهوى حيث تنظر" وهي -عندهم- حرف تعليل وجر ولا تحتمل غير ذلك في حالتين:
(٢) أن تذكر اللام بعدها، كقول ابن الرقيات: "كي لتقضيني رقية".
(٣) أن تذكر "أن" بعدها، ولا تذكر قبلها اللام، كما في قول جميل: "كيما أن تغر وتخدعا". =
[ ٣ / ١١ ]
والأربعة عشر الباقية قسمان:
[ما يجر الظاهر والمضمر]:
سبعة تجر الظاهر والمضمر؛ وهي: من، إلى، وعن، وعلى، وفي، والباء، واللام؛ نحو: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ ١، ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ٢، ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ٣، ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ٤، ﴿﵃﴾ ٥، ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى
_________________
(١) = وهي -عندهم- محتملة للوجهين في حالتين: ١- أن تذكر -وحدها- من دون أن تتقدما اللام ولا تذكر بعدها "أن". ٢- أن تقع "كي" بين اللام وأن، في نحو: "لكيما أن تطير" فإذا عدت كي تعليلية كانت مؤكدة للام، وإن عدت "كي" مصدرية؛ كانت "أن" مؤكدة لها؛ والأول أفضل. انظر في هذه المسألة: مغني اللبيب: ٢٤١-٢٣٤، التصريح: ٢/ ٢٣٠-٢٣١. ١ ٣٣ سورة الأحزاب الآية: ٧. موطن الشاهد: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ . وجه الاستشهاد: جر "من" للضمير في الموضع الأول، واللاسم الظاهر في الموضع الثاني. ٢ ٥ سورة المائدة، الآية: ٤٨. موطن الشاهد: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: جر "إلى" للاسم الظاهر؛ وهو اسم الجلالة. ٣ ١٠ سورة يونس، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: جر "إلى" للضمير المتصل الهاء. ٤ ٨٤ سورة الانشقاق، الآية: ١٩. موطن الشاهد: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ . وجه الاستشهاد: جر "عن" للاسم الظاهر "طبق". ٥ ٩٨ سورة البينة، الآية: ٨. موطن الشاهد: ﴿﵃﴾ . وجه الاستشهاد: جر "عن" للضمير المتصل "هم".
[ ٣ / ١٢ ]
الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ١، ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ ٢؛ ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ ٣، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ ٤، ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ ٥، ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ٦، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ٧.
[ما يختص بالظاهر]:
وسبعة تختص بالظاهر، وتنقسم أربعة أقسام٨:
_________________
(١) ١ ٢٣ سورة المؤمنون، الآية: ٢٢. موطن الشاهد: ﴿عَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: جر "على" في الموضع الأول للهاء، والاسم الظاهر "الفلك" في الموضع الثاني. ٢ ٥١ سورة الذاريات، الآية: ٢٠. موطن الشاهد: ﴿فِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ . وجه الاستشهاد: جر "في" للاسم الظاهر "الأرض". ٣ ٤٣ سورة الزخرف، الآية: ٧١. موطن الشاهد: ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ . وجه الاستشهاد: جر "في" للضمير الهاء. ٤ ٥٧ سورة الحديد، الآية: ٧. موطن الشاهد: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ . وجه الاستشهاد: جر "الباء" للاسم الظاهر "لفظ الجلالة". ٥ ٤٦ سورة الأحقاف، الآية: ٣١. موطن الشاهد: ﴿آمَنُوا بِهِ﴾ . وجه الاستشهاد: جر "الباء" للضمير المتصل "الهاء". ٦ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٨٤. موطن الشاهد: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ . وجه الاستشهاد: جر "اللام" للاسم الظاهر "لفظ الجلالة"؛ وجر "في" للاسم الظاهر السموات. ٧ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٥٥. موطن الشاهد: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ . وجه الاستشهاد: جر "اللام" للضمير المتصل "الهاء"؛ وجر "في" للاسم الظاهر "السموات". ٨ هذا التقسيم بالنسبة لعملها في الظاهر.
[ ٣ / ١٣ ]
أ- ما لا يختص بظاهر بعينة؛ وهو: حتى، والكاف، والواو، وقد تدخل الكاف في الضرورة على الضمير؛ كقول العجاج١: [مشطور الرجز]
٢٩١- وأم أو عال كها أو أقربا٢
_________________
(١) ١ العجاج بن رؤية وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من مشطور الزجز وقبله قوله: خلى الذنابات شمالا كثبا وفيه يصف العجاج حمارا وحشيا وأتنه. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٣، والأشموني: ٥٢٨/ ٢/ ٢٨٦، وابن عقيل: ٢٠٣/ ٣/ ١٣، وشرح المفضل: ٨/ ٤٤، والعيني: ٣/ ٢٥٣، وديوان العجاج: ٧٤. المفردات الغريبة: خلى: ترك الذنابات: موضع معين شمالا: أي ناحية الشمال. كثبا: قريبا، والكثب: القرب. أم أوعال: هضبة معروفة. كها: أي مثل الدنابات في البعد. المعنى: أن هذا الحمار ترك الذنابات عن شماله قريبا منه، وترك أم أوعال مثل الذنابات أو أقرب منها إليه. الإعراب: خلى: فعل ماض، وفاعله: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى حمار الوحش. الذنابات: مفعول به لفعل "خلى" منصوب، وعلامة نصبه الكسرة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. شمالا: ظرف مكان متعلق بـ"خلى". كثبا: صفة لـ"شمالا" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة. وأم: الواو عاطفة، أم: اسم معطوف على الذنابات، وهو مضاف. أوعال: مضاف إليه مجرور. كها: "الكاف" حرف تشبيه وجر، و"ها" ضمير متل يعود إلى الذنابات، في محل جر بحرف الجر؛ و"كها": متعلق بحال محذوفة من أم أوعال؛ وعلى رواية رفع "أم أوعال" فـ"أم": مبتدأ مرفوع. و"كها": متعلق بالخبر المحذوف. أو: حرف عطف. أقربا: اسم معطوف علي الضمير المجرور محلا بالكاف -على رواية رفع أم أوعال- حيث يكون الجار والمجرور خبرا؛ وهو مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه لا ينصرف للوصفية ووزن الفعل؛ وهو معطوف على محل الجار والمجرور، إن رويت "أم أوعال" بالنصب، ويكون الجار والمجرور حالا؛ وهو منصوب -على هذه الرواية- وعلامة نصبة الفتحة الظاهرة. موطن الشاهد: "كها". وجه الاستشهاد: جر "الكاف" الضمير المتصل "ها" ومن حق "الكاف" أن تجر الاسم الظاهر، والضمير المنفصل -عند بعض النحاة- وجرها الضمير المتصل ضرورة من =
[ ٣ / ١٤ ]
وقول الآخر١: [الزجز]
٢٩٢- كه ولا كهن إلا حاظلا٢٢٩٢- كه ولا كهن إلا حاظلا٢
_________________
(١) = ضرورات الشعر؛ وقال الأعلم: إدخال الكاف -أي في الشاهد- على المضمير تشبيها لها بـ"مثل"؛ لأنها في معناها، واستعمل ذلك عند الضرورة؛ وسيبوية يرى ذلك قبيحا؛ والعلة له: أن الإضمار يرد الشيء إلى أصله؛ فالكاف بمعنى "مثل". ومثل الشاهد السابق قول أبي محمد اليزيدي اللغوي: شكوتم إلينا مجانيكم ونشكو إليكم مجانيننا فلولا المعافاة كناكهم ولولا البلاء لكانوا كنا وقول الآخر: لا تملني فإنني كك فيها إننا في الملام مشتركان انظر همع الهوامع: ٢/ ٣٠-٣١. ١ القائل: هو رؤبة بن العجاج وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت في وصف حمار وحشي وأتن وحشيات وصدره قوله: فلا ترى بعلا ولا حلائلا وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٤، والأشموني: ٥٢٩/ ٢/ ٢٨٦، وابن عقيل: ٢٠٤/ ٣/ ١٤، وسيبويه ١/ ٣٩٢، والمقرب: ٤١، والعيني: ٣/ ٢٥٦، والهمع: ٢/ ٣٠، والدرر: ٢/ ٢٧، وديوان رؤبة بن العجاج: ١٢٨. المفردات الغريبة: بعلا: زوجا، والجمع البعولة، ويقال للمرأة أيضا: بعل وبعلة؛ كزوج وزوجة. حلائل: جمع حليلة وهي الزوجة. حاظلا: مانعا من التزوج. المعنى: لا ترى من الأزواج والزوجات مثل حمار الوحش وأتنه، كل يقصر نفسه على صاحبه، ولا يتطلع إلى غيره إلا من منع أنثاه قهرا عن التزوج، وذلك أن الحمار يمنع أتنه من حمار آخر يريدها. وكانت عادة العرب في الجاهلية إذا طلقوا امرأة، منعوها من التزوج إلا بإذنهم، فجعل الأتن كالحلائل، وجعل الحمار بعلهن. الإعراب: لا: نافية، لا محل لها من الإعراب. ترى: فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر، والفاعل: أنت، بعلا: مفعول به منصوب. ولا: الواو عاطفة، لا: زائدة للتأكيد النفي. حلائلا: معطوف على قوله: "بعلا" منصوب مثله؛ والألف: للإطلاق. كه: "الكاف" حرف تشبيه وجر، و"الهاء": ضمير متصل يعود إلى الحمار الوحشي في محل جر بحرف الجر، و"كه": متعلق بمحذوف صفة لـ"بعل". ولا: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي. "كهن": جار ومجرور معطوف على "كه" السابق. إلا: أداة حصر. حاظلا: حال من "بعلا" الموصوف بالجار والمجرور الأول "كه"؛ و"الجار والمجرور" الواقع صفة لـ"بعلا" سوغ مجيء =
[ ٣ / ١٥ ]
ب- وما يختص بالزمان؛ وهو: مذ، ومنذ؛ فأما قولهم: "ما رأيته مذ أن الله خلقه"؛ فتقديره: مذ زمن أن الله خلقه؛ أي مذ زمن١ خلق الله إياه.
وما يختص بالنكرات؛ وهو: رب، وقد تدخل في الكلام على ضمير غيبة ملازم للإفراد، والتذكير، والتفسير بتمييز بعده مطابق للمعنى٢؛ قال٣: [الخفيف]
٢٩٣- ربه فتية دعوت إلى ما٤
_________________
(١) = "حاظلا" حالا من "بعلا" الواقع نكرة؛ وإما إذا عدت "ترى" علمية فـ"حاظلا" مفعول به ثان؛ والأول -هنا- أرجع. موطن الشاهد: "كه، كهن". وجه الاستشهاد: جر "الكاف" الضمير المتصل؛ وحكم جرها له الجواز للضرورة الشعرية. ١ فمذ في الحقيقة إنما جرت زمانا محذوفا مضافا إلى المصدر. ويشترط في الزمان المجرور بهما: أن يكون معينا لا مبهما، كمنذ زمن. وماضيا أو حالا لا مستقبلا، كمنذ غد. ومتصرفا لا غيره، كمنذ سحر، تريد سحر يوم بعينه، فإن لم ترده من يوم بعينه فهو متصرف كقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ . وشرط عاملهما أن يكون فعلا ماضيا: إما منفيا متكررا نحو: ما رأيته منذ يوم الجمعة. أو مثبتا متطاولا -فيه معنى الاستمرار- كسرت منذ يوم الخميس، ولا يجوز قتله مذ يوم الخميس. ٢ في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، وقد استغنى بمطابقة التمييز للمعنى عن مطابقة الضمير. والكوفيون يجيزون مطابقة الضمير لفظا تقول: ربها امرأة، وربهما رجلين وهكذا. التصريح: ٢/ ٤، والأشموني: ١/ ٢٨٦، والدرر اللوامع: ٢/ ٢١. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجز قوله: يورث المجد دائبا فأجابوا وهو من الشواهد: التصريح: ٢/ ٤، والأشموني: ٢/ ٢٨٦ عرضا، والهمع: ٢/ ٢٧، والدرر: ٢/ ٢٠، والشذور: ١٨٠/ ٦٥، والعيني: ٣/ ٢٥٩، والمغني: ٨٧٧/ ٦٣٨، والسيوطي: ٢٩٦. =
[ ٣ / ١٦ ]
د- ما يختص بالله ورب مضافا للكعبة أو لياء المتكلم؛ وهو التاء؛ نحو: ﴿تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ﴾ ١، و"ترب الكعبة"، و"تربي لأفعلن"، وندر: "تالرحمن" "وتحياتك"٢.
_________________
(١) = المفردات الغريبة: فتية: جمع فتى. دعوت ناديت. يورث: يكسب المجد: الكرم والشرف. دائبا: مداوما مجتهدا فيه. المعنى: كثير من الشباب دعوتهم إلى ما يكسبهم المجد والشرف والكرم، وثابرت على دعائهم فاستجابوا لما دعوتهم إليه، ولبوا ندائي. الإعراب: ربه: "رب" حرف جر شبيه بالزائد، يفيد التقليل، و"الهاء" ضمير غيبة يعود إلى فتية المميز له؛ والمتاخر عنه، وهو مبني على الضم؛ وله محلان من الإعراب؛ الجر بـ"رب"؛ والرفع على الابتداء. فتية: تمييز لـ"ضمير الغيبة المجرور محلا بـ"رب". دعوت: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: فاعل؛ وجملة "دعوت": في محل نصب صفة لـ"فتية". "إلى ما": متعلق بـ"دعوت". يورث: فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، والفاعل: هو؛ يعود إلى الاسم الموصول. المجد: مفعول به منصوب؛ وجملة "يورث": صلة للموصول، لا محل لها. دائبا: حال من التاء في "دعوت" منصوب. فأجابوا: الفاء عاطفة، أجاب: فعل ماض مبني على الضم، لاتصاله بالواو؛ والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل؛ موطن الشاهد: "ربه فتيه". وجه الاستشهاد: جر "رب" الشبيه بالزائد ضمير مفردا مذكورا، مع أنه مفسر بتمييز مجموع "فتية"؛ فدل ذلك، على أنه يجب إفراد الضمير وتذكيره مهما يكن مفسره؛ وذلك لأن هذا التمييز لازم، لا يجوز تركه؛ فتركوا بيان المراد من الضمير للتمييز؛ واختلف في الضمير المجرور بـ"رب" فقيل: معرفة، وقيل: نكرة؛ لأنه عائد على واجب التنكير. انظر شرح التصريح: ٢/ ٤. ١ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ٥٧. موطن الشاهد: "تالله لأكيدن". وجه الاستشهاد: مجيء "التاء" حرف جر وقسم داخله على لفظ الجلالة؛ وهي تدخل على لفظ الجلالة كما في المتن، وعلى "رب" مضافا إلى الكعبة أو إلى ياء المتكلم، على رأي الأخفش؛ وندر دخولها على "الرحمن" و"حياتك"؛ فتقول: "تالرحمن، وتحياتك" على رأي سيبويه. شرح التصريح: ٢/ ٤. ٢ معناه: وحياتك، فالتاء بدل من واو القسم.
[ ٣ / ١٧ ]
[معاني الحروف] .
فصل: في ذكر معاني الحروف١.
لـ"من" سبعة معان؛
أحدها: التبعيض؛ نحو: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ٢، ولهذا قرئ: "بعض ما تحبون".
والثاني: بيان الجنس٣
_________________
(١) ١ مذهب البصريين أن لكل حرف من حروف الجر معنى واحدا يؤديه على سبيل الحقيقة، فمعنى "في" الظرفية، و"على" الاستعلاء إلخ. فإذا أدى الحرف معنى آخر غير المعنى الخاض به كانت تأديته لهذا المعنى بطريق المجاز، أو بتضمين العامل الذي يتعلق به الحرف معنى عامل آخر يتعدى بهذا الحرف. ولا بد لصحة استعمال المجاز من علاقة بين المعنى المنقول منه والمعنى المنقول إليه، وقرينة تصرف الذهن عن المعنى الأصلي إلى المعنى المجازي. ومذهب الكوفيين: أن قصر الحرف على معنى واحد تعسف لا مبرر له، وأنه إذا اشتهر استعمال الحرف في معنى، شاعت دلالته عليه؛ بحيث يفهمها السامع بلا لبس ولا غموض كان هذا المعنى حقيقيا بالنسبة للحرف، ولا مجاز ولا تضمين، وفي هذا المذهب تيسير، وقد رجحه كثير من المحققين، على أن الباحثين متفقون على أن المجاز إذا اشتهر وشاع أصبح حقيقة عرفية. التصريح: التصريح: ٢/ ٤-٥. ٢ ٣ سورة آل عمران، الآية: ٩٢. أوجه القراءات: ذكر صاحب التصريح أن قراءة "بعض ما تحبون" لعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. انظر شرح التصريح: ٢/ ٨. موطن الشاهد: "مما تحبون". وجه الاستشهاد: مجيء "من" بمعنى "بعض"؛ لأن المراد: حتى تنفقوا بعض ما تحبون؛ ولذا، كلما جاز حذف "من" ووضع بعض مكانها؛ كانت دالة على التبعيض، كما في المتن. ٣ أي بيان أن ما بعدها جنس يشمل ما قبلها، وأكثر ما تقع بعد "ما" و"مهما" لشدة إبهامهما، نحو ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾، و﴿مَا نَنسَخ من آيَةٍ﴾ وعلامتها: صحة الإخبار بما بعدها عما قبلها، وهنالك علامة أخرى وهي صحة حذف "من" ووضع اسم موصول مكانها؛ مع ضمير يعود على ما قبلها إن كان معرفة. فإن كان نكرة فالعلامة أن يخلفها الضمير وحده؛ فنحو: ﴿أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ تقول فيه: هي ذهب. و"من" البيانية =
[ ٣ / ١٨ ]
نحو: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ١.
والثالث: ابتداء الغاية٢ المكانية باتفاق؛ نحو: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٣، والزمانية، خلاف لأكثر البصريين٤، ولنا قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ٥،
_________________
(١) = مع مجرورها ظرف في محل نصب على الحال إن كان ما قبلها معرفة، ونعت تابع لما قبلها إن كان نكرة. مغني اللبيب: ٤٢٠، الجنى الداني: ٣٠٩-٣١٠، وصف المباني: ٣٢٣. ١ ١٨ سورة الكهف، الآية: ٣١. موطن الشاهد: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وجه الاستشهاد: مجيء "من" الثاينة دال على بيان الجنس، وأما "من" الأولى فزائدة؛ وأنكر بعض النحاة مجيء "من" لبيان الجنس، وقالوا: إن قوله تعالى ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾، و﴿مِنْ سُنْدُسٍ﴾ للتبعيض، وليست لبيان الجنس. ٢ المراد بالغاية هنا: المقدار والمسافة لا آخر الشيء، وعلامتها: أن يصلح في مكانها "إلى" أو ما يفيد فائدتها. ٣ ١٧ سورة الإسراء، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "من" مفيدة ابتداء الغاية المكانية؛ وحكم مجيئها مفيد هذا المعنى الجواز باتفاق. ٤ يرى البصريون أن "من" لا تأتي لابتداء الغاية الزمانية، وأما الكوفيون، فيرون أنها تكون الغاية الزمانية، بقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾؛ ومعلوم أن "أول يوم" من الزمان؛ بينما زعم البصريون أن "من" في الآية لابتداء الغاية في الأحداث، وأن التقدير: من تأسيس أول يوم؛ وابن هشام في "مغني اللبيب" مال إلى رأي البصريين؛ فرأيه -هناك- خلاف رأيه هنا. انظر مغني اللبيب: ٤١٩، وشرح التصريح: ٢/ ٨. ٥ ٩ سورة التوبة، الآية: ١٠٨. موطن الشاهد: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ . وجه الاستشهاد: احتج الكوفيون بهذه الآية على مجيء "من" مفيدة ابتداء الغاية في الزمان -كما أسلفنا- بينما رأى البصريون أن "من" لابتداء الغاية في الأحداث -هنا- والتقدير: من تأسيس أول يوم.
[ ٣ / ١٩ ]
والحديث: "فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة"١، وقول الشاعل٢: [الطويل]
٢٩٤- تخيرن من أزمان يوم حليمة٣
_________________
(١) ١ حديث رواه البخاري في باب الاستسقاء: ٢/ ٥٠٨؛ وفيه: جاء إلى النبي ﷺ فقال: "هلكت المواشي، وتقطعت السبل"، فدعا -أي رسول الله صلى اله عليه وسلم- فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة. ومثله في الموطأ: ١/ ١٩١. ٢ هو: النابغة الذبياني، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت يمدح فيه الشاعر عمرو بن الحارث الأعرج، أحد ملوك الغسانيين وعجزه قوله: إلى اليوم قد جربن كل التجارب وقبل الشاهد البيت المشهور: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٨، والأشموني: ٥٣٣/ ٢/ ٢٨٧ وابن عقيل: ٢٠٥/ ٣/ ١٦ ومغني اللبيب: ٥٩٨/ ٤٢٠ والخزانة: ٣/ ٣٠٣، وشرح المفصل: ٥/ ١٢٨، والعيني: ٣/ ٢٧٠، وديوان النابغة: ٦. المفردات الغريبة: تخيرن: وقع الاختيار عليهن، واصطفين، وضمير الإناث للسيوف في البيت الأول. يوم حليمة: يوم من أيام العرب المشهورة. وكان سنة ٦١ق. هـ وحليمة هي: بنت الحارث بن أبي شمر ملك غسان، وكان أبوها قد وجه جيشا إلى المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة بالعراق، فشجعت الجيش ومنحت أفراده جزءا من طيبها فانتصر وقتل المنذر. وقد ضرب بذلك المثل فقيل: "وما يوم حليمة بسر" وهو يضرب لكل أمر مشهور. جربن: اختبرن وامتحن. التجارب: جمع تجربة وهي اختبار الشيء، مرة بعد أخرى. المعنى: أن هذه السيوف، جربت واختبرب مرات كثيرة من هذا الوقت، وأظهرت التجارب مضاءها وصفاء جوهرها، وجودة صقلها وشدة فتكها بالأعداء. الإعراب: تخيرن: فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة؛ والنون: في محل رفع نائب فاعل. من: حرف جر دال على ابتداء الغاية الزمانية. أزمان: اسم مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف. ويوم: مضاف إليه وهو مضاف. حليمة: مضاف إليه؛ وقد صرفه الشاعر لاضطراره إلى تنوينه -لإقامة الوزن- ومن ثم، جره بالكسرة الظاهرة. "إلى اليوم": متعلق بـ"تخير". قد: حرف تحقيق، لا محل له من الإعراب. جربن: فعل ماض، مبني للمجهول، مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة؛ و"النون" في محل رفع نائب فاعل. كل: معفول مطلق منصوب، وهو مضاف. التجارب: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة. =
[ ٣ / ٢٠ ]
والرابع: التنصيص على العموم١؛ أو تأكيد التنصيص عليه٢؛ وهي الزائدة٣؛ ولها ثلاثة شروط: ان يسبقها نفي، أو
_________________
(١) = موطن الشاهد: "من أزمان". وجه الاستشهاد: استشهد الكوفيون بهذا البيت على مجيء "من" دالة على ابتداء الغاية الزمانية، ورد عليهم البصريون بأن الكلام على تقدير مضاف؛ أي: من استمرار يوم حليمة؛ كما قدروا مضافا في الحديث الشريف السابق؛ لتكون "من" لابتداء الغاية في الأحداث؛ أي: من صلاة يوم الجمعة؛ وربما جاء الابتداء في غير الزمان والمكان، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ . ضياء السالك: ٢/ ٢٥٢. ١ أي: عموم المعنى وشمول كل فرد من أفراد الجنس، وهي الداخلة على نكرة ليست ملازمة للوقوع بعد النفي، ولا تدل على العموم بنفسها؛ نحو: ما جاءني من رجل؛ ذلك أن كلمة "رجل" من النكرات التي قد تقع بعد النفي أو لا تقع؛ فوقوعها بعد النفي لا يفيد العموم والشمول لكل فرد، بل يحتمل خروج بعض الأفراد من دائرة النفي؛ فإذا أريد النص في الشمول على سبيل اليقين جيء بالحرف الزائد "من"، ووضع قبل النكرة مباشرة، ومن ثم لا يصح أن يقال: ما غاب من رجل وإنما غاب رجلان أو أكثر منعا للتناقض. مغني اللبيب: ٤٢٥، والتصريح: ٢/ ٨. ٢ هي الداخلة على نكرة لا تستعمل إلا بعد نفي أو شبهه، فتدل بنفسها على العموم مثل: أحد -عريب- ديار، تقول: ما جاءني من أحد، فيدل ذلك دلالة قاطعة على العموم والشمول، وإنما كانت الأولى للتنصيص، وهذه للتأكيد؛ لأن النكرة الملازمة للنفي تدل على العموم بنفسها، فزيادة "من" تأكيد لذلك العموم. أما الأولى فإن النكرة قبل دخول "من" تحتمل نفي الواحدة ونفي الجنس على سبيل العموم؛ فدخولها نص على الثاني. ضياء المسالك: ٢/ ٢٥٣. ٣ المواضع التي تزاد فيها "من" على وجه التفصيل تسعة:
(٢) قبل الفاعل، كقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾، فذكر: فاعل يأتي، وقبل "من" ما النافية.
(٣) قبل النائب عن الفاعل، كقولك: ما اتهم من أحد بهذه التهمة، فأحد: نائب فاعل اتهم المبني للمجهول، وقبل "من" ما النافية.
(٤) قبل المبتدأ، كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ فخالق مبتدأ، وقبل "من" هل الاستفهامية.
(٥) قبل اسم كان، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ فخرج: اسم كان، وقبل "من" ما النافية.
[ ٣ / ٢١ ]
نهي١، أو استفهام بهل٢، وأن يكون مجرورها نكرة، وأن
_________________
(١) = ٥- قبل المفعول به، كقوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ فأحد: مفعول به لتحس، وقبل "من" هل الاستفهامية.
(٢) قبل المفعول الأول من مفعولي ظن وأخواتها، نحو: ما ظننت من أحد يذهب إلى مثل ما ذهبت إليه.
(٣) قبل المفعول الأول من مفعولات أعلم وأخواتها نحو: ما أعلمت من أحد أنك مسافر.
(٤) قبل المفعول الأول من مفعولي أعطى، نحو: ما أعطيت من أحد مثل ما أعطيتك.
(٥) قبل المفعول الثاني من مفعولي أعطى نحو: ما منحت أحدا من دينار. وكل هذه المواضع يصدق عليها أنها فاعل أو مفعول أو مبتدأ. وزيادتها يعني وقوعها في موضع يطلبه العامل بدونها فتكون مقحمة بين طالب ومطلوب، وإن كان سقوطها مخلا بالمعنى المراد. الجنى الداني: ٣١٩، وحاشية يس على التصريح: ٢/ ٩. ١ فلا تزاد في الإثبات إلا في تمييز "كم" الخبرية؛ إذا كان مفصولا منها بفعل متعد، نحو قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ . فائدة: ذهب الكوفيون إلى أنه لا يشترط في مجرور "من" الزائدة إلا شرط واحد، وهو أن يكون مجرورها فاعلا، أو مفعولا، أو مبتدأ، ولا يشترط أن يتقدم عليها نفي، أو استفهام، أو نهي؛ واستدلوا على ذلك بورودها زائدة في الكلام الموجب الذي لم يتقدمه نفي أو نهي أو استفهام، كما في قولهم: "قد كان من مطر" وقولهم: "وقد كان من حديث فخل عني"؛ فكان -هنا- تامة محتاجة إلى فاعل، و"من" زائدة، و"مطر" و"حديث" فاعل؛ وكلاهما مجرور لفظا مرفوع محلا؛ وأول بعض العلماء هذين الشاهدين بأن الفاعل فيهما ضمير مستتر؛ تقديره: هو، يعود إلى اسم الفاعل كان؛ والتقدير: قد كان هو -أي الكائن- من مطر؛ وفي الثاني: قد كان هو -أي الكائن- من حديث؛ وقالوا: لو سلمنا بأن الاسم الذي دخلت عليه "من" هو الفاعل، فلا نسلم بأنه لم يتقدم عليه نفي أو استفهام بهل؛ بل ندعي أنه قد سبقه استفهام بـ"هل"، وندعي أن هذا الكلام واقع في جواب كلام، وأنه وارد على سبيل حكاية ما تكلم به المستفهم. وكأن قائلا يقول: هل كان من مطر؟، فقيل له: قد كان من مطر؛ وهل كان من حديث؟، فقيل له: قد كان من حديث؛ وهذا تكلف، لا نرى له مسوغا. وذهب الأخفش والكسائي وهشام إلى أنه تجوز زيادة "من" بغير شرط؛ فتزاد بعد الإيجاب، وبعد النفي؛ ويجوز أن يكون مدخولها معرفة، وأن يكون نكرة؛ ويجوز أن يكون واقعا في أحد مواقع الإعراب المذكورة، أو في غيرها. وانظر شرح التصريح: ٢/ ٩-١٠، ومغني اللبيب: ٤٢٨، والجنى الداني: ٣١٨. ٢ أو بالهمزة كذلك على الراجح، نحو: هل جاءك، أو أجاءك من بشير؟. هذا وقد زاد =
[ ٣ / ٢٢ ]
يكون إما فاعلا؛ نحو: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ ١، أو مفعولا؛ نحو: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ ٢، أو مبتدأ؛ نحو: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٣.
والخامس: معنى البدل٤، نحو: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ ٥.
_________________
(١) = الفارسي، الشرط، واستشهد لذلك بقول زهير بن أبي سلمى: ومهما تكن عند امرئ من خلقية وإن خالها تخفى على الناس تعلم مغني اللبيب: ٤٢٥-٤٢٦. ١ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ٢. موطن الشاهد: ﴿مِنْ ذَكَرٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "من" حرف جر زائد في الآية الكريمة، بعد النفي ومجيء المجرور بها -لفظا- فاعلا لـ"تأتيهم" المنفي بـ"ما" وهو نكرة؛ وحكم مجيئها حرف جر زائد -في هذه الحال- الجواز باتفاق. ٢ ١٩ سورة مريم، الآية: ٩٨. موطن الشاهد: "من أحد". وجه الاستشهاد: مجيء "من" حرف جر زائد في الآية الكريمة؛ حيث جاءت بعد الاستفهام بـ"هل" وجاء المجرور بها -لفظا- مفعولا به لفعل "تحس" المسبوق بـ"هل"؛ وحكم مجيء "من" حرف جر زائد -في هذه الحال- الجواز باتفاق. فائدة: قد تزاد "من" مع المفعول المطلق، كما في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقوله -ﷻ: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾، فجعل أبو البقاء "شيء" بمعنى تفريط في الآية الأولى، وبمعنى "ضرر" في الآية الثانية. شرح التصريح: ٢/ ٩، ومغني اللبيب: ٤٢٦. ٣ ٣٥ سورة فاطر، الآية: ٣. موطن الشاهد: "هل من خالق". وجه الاستشهاد: مجيء "من" حرف جر زائد بعد الاستفهام، ومجيء المجرور به -لفظا- نكرة، وهو مبتدأ. ٤ أي: أن تكون بمعنى كلمة "بدل" بحيث يصح أن تحل هذه الكلمة محلها؛ وقد أنكر قوم مجيء "من" للبدل، فقالوا: التقدير في هذه الآية، أي بدلا من الآخرة، وعلى هذا يكون المفيد للبدل هو متعلق "من"، لا "من" نفسها و"من" هنا للابتداء. مغني اللبيب: ٤٢٣، التصريح: ٢/ ١٠. ٥ ٩ سورة التوبة، الآية: ٣٨.
[ ٣ / ٢٣ ]
والسادس: الظرفية١، نحو: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ ٢، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ ٣.
والسابع٤: التعليل؛ كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ
_________________
(١) = موطن الشاهد: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "من" في الآية الكريمة بمعنى "بدل" أي بدل الآخرة، وأنكر قوم مجيئها للبدل كما أوضحنا. ١ مكانية أو زمانية، وهذا هو قول الكوفيين، وقال البصريون: هي في الآيتين؛ لبيان الجنس كما في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ مغني اللبيب: ٤٢٠. ٢ ٣٥ سورة فاطر، الآية: ٤٠. موطن الشاهد: "من الأرض". وجه الاستشهاد: مجيء "من" بمعنى "في" تفيد الظرفية المكانية على مذهب الكوفيين، والبصريون رأوا أنها -هنا- لبيان الجنس، وليست للظرفية، كما بينا. ٣ ٦٢ سورة الجمعة، الآية: ٩. موطن الشاهد: "من يوم". وجه الاستشهاد: مجيء "من" بمعنى "في" أي: في يوم الجمعة؛ فهي في هذه الآية بمعنى الظرفية الزمانية -على مذهب الكوفيين- والبصريون يرون أنها لبيان الجنس. ٤ وقد ذكر في المغني إضافة إلى هذه المعاني: ثامنا: المجاوزة كـ"عن" نحو قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي عن ذكر الله. تاسعا: وهو الانتهاء، نحو قولك: قربت منه، أي إليه. عاشرا: وهو الاستعلاء، نحو قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي عليهم وخرجها المانعون على التضمين؛ أي: منعناه بالنصر من القوم. حادي عشر: وهو الفصل؛ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ونحو: لا تعرف زيدا من عمرو. فقد دخلت "من" على متضادين أو نحوهما. ثاني عشر: بمعنى الباء، وهذا عند بعض البصريين، وبعض الكوفيين؛ نحو: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي بطرف. ثالث عشر: موافقة "عند" كقوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قاله أبو عبيدة. رابع عشر: مرادفة "ربما" وذلك إذا اتصلت بما كقوله: إنا لمما نضرب الكبش ضربة. خامس عشر: للغاية، تقول: رأيته من ذلك الموضع، فجعلته غاية لرؤيتك. وقد أسقط المصنف ذكر هذه المعاني لما في بعضها من الرد. =
[ ٣ / ٢٤ ]
أُغْرِقُوا﴾ ١، وقال الفرزذق: [الطويل]
يغضي حياء ويغضَى من مهابته٣
[معاني اللام]:
وللام اثنا عشر معنى:
أحدها: الملك٣، نحو: ﴿لَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ٤.
والثاني: شبه الملك، ويعبر عنه بالاختصاص٥؛ نحو: "السرج للدابة".
_________________
(١) = التصريح: ٢/ ١٠، ومغني اللبيب: ٤١٩ وما بعدها. ١ ٧١ سورة نوح، والآية: ٢٥. موطن الشاهد: "مما خطيئاتهم". وجه الاستشهاد: مجيء "من" مفيدة التعليل -على رأي جماعة من النحاة- لأن التقدير: أغرقوا لأجل خطاياهم؛ فقدمت العلة على المعلول للاختصاص. شرح التصريح: ٢/ ١٠. ٢ هذا صدر بيت، من كلمة يقولها الفرزدق في مدح زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم. وعجز هذا البيت قوله: فما يكلم إلا حين يبتسم وقد مر تخريج هذا الشاهد والتعليق عليه. موطن الشاهد: "من مهابته". موطن الاستشهاد: مجيء "من" مفيدة التعليل -على رأي بعض النحاة- لأن التقدير: يغضى منه لأجل مهابته؛ والإغضاء: إرخاء الجفون. فائدة: إذا ولي "من" اسم مبدوء بـ"أل" فالأحسن فتح نونها؛ نحو: قدم المدينة؛ وإذا وليها ساكن آخر، فالأغلب كسر نونها؛ نحو: سررت من اجتهادك. ضياء السالك: ٢/ ٢٥٤. ٣ هي التي تقع بين ذاتين، الثانية منهما هي التي تملك حقيقة، وهذا المعنى أكثر استعمالاتها؛ نحو: القلم للتلميذ. ٤ ٣١ سورة لقمان، الآية: ٢٦. موطن الشاهد: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" مفيدة معنى الملك؛ لأن ما في السموات وما في الأرض ملك لله تعالى. ٥ وتقع بين ذاتين؛ ثانيتهما لا تملك حقيقة، وإنما تختص بالأولى دون تملك من أحداهما =
[ ٣ / ٢٥ ]
والثالث: التعدية؛ نحو: "ما أضرب زيدا لعمرو"١.
والرابع: التعليل؛ كقوله: [الطويل]
وإني لتعروني لذكراك هزة٢
والخامس: التوكيد؛ وهي الزائدة٣؛ نحو قوله٤: [الكامل]
٢٩٥- ملكا أجار لمسلم ومعاهد٥
_________________
(١) = للأخرى، كمثال المصنف. أو أولاهما لا تملك؛ كأنت لي، وأنا لك، وقد تقع اللام قبل الذاتين، نحو: لأخي ابن ذكي. فإن وقعت بين معنى وذات، نحو الحمد لله، والويل للكافرين، كانت للاستحقاق، وقد يعبر عن الجميع بلام الاختصاص. مغني اللبيب: ٢٧٥. ١ "ضرب" متعد في الأصل، فلما بني للتعجب؛ نقل إلى "فعل" فصار قاصرا فعدي بالهمزة إلى زيد وباللام إلى عمرو؛ هذا مذهب البصريين؛ وذهب الكوفيون إلى أن الفعل باقٍ على تعديته، ولم ينقل، واللام هنا لتقوية العامل لضعفه باستعماله في التعجب. ٢ تقدم تخريج هذا الشاهد والتعليق عليه في "باب إن وأخواتها". موطن الشاهد: "لذكراك". وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" مفيدة التعليل؛ والتقدير: تعروني -لأجل تذكري إياك- هزة. ٣ وتقع بين الفعل ومعموله المؤخر عنه كمثال المؤلف، وبين المتضايفين نحو: يا بؤس للحرب. وفائدتها، تقوية المعنى دون العامل ولا تتعلق بشيء وهناك رأيان في ما بعدها، أهو مجرور بها، أم بالمضاف؟. ٤ القائل: هو الرماح بن أبرد المعروف بابن ميادة، وقد مرت ترجمته. ٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره وقوله: ومكلت ما بين العرق ويثرب والبيت من كلمة للشاعر في مدح أمير المدينة؛ عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان ومطلع هذه القصيدة قوله: من كان أخطأه الربيع فإنما نضر الحجاز بغيث عبد الواحد إن المدينة أصبحت معمورة بموج حلو الشمائل ماجد والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١١، والأشموني: ٥٤٠/ ٢/ ٩٠ مغني اللبيب: =
[ ٣ / ٢٦ ]
وأما ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ١؛ فالظاهر: أنه ضمن معنى اقترب؛ فهو مثل ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ ٢.
_________________
(١) = ٣٩٢/ ٢٨٥، والأغاني "بولاق": ٢/ ١١٥، والعيني: ٣/ ٢٧٨، والهمع: ٢/ ٣٣، ١٥٧، والسيوطي: ١٩٧. المفردات الغريبة: يثرب: الاسم القديم للمدينة المنورة، سميت باسم رجل من العمالقة بناها، وتسمى كذلك "طيبة" سماها بذلك الرسول ﷺ. أجار: حفظ وحمى. معاهد: هو من يدخل بلاد الإسلام بعهد من الإمام. المعنى: لقد امتد سلطانك وانبسط نفوذك، حتى شمل ما بين العراق والمدينة المنورة، وشملت الجميع بعدلك وحمايتك، سواء في ذلك المسلم والمعاهد. الإعراب: ملكت: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: فاعل. ما: اسم موصول بمعنى الذي، مفعول به لـ"ملكت" مبني على السكون في محل نصب. "بين": متعلق بمحذوف صلة الموصول، وهو مضاف. العراق: مضاف إليه مجرور. ويثرب: الواو عاطفة، يثرب: اسم معطوف على العراق مجرور مثله؛ وصرف الشاعر "يثرب" اضطرارا لإقامة الوزن؛ فنونه، وجره بالكسرة. ملكا: مفعول مطلق منصوب. أجار: فعل ماض، والفاعل: هو؛ وجملة "أجار": في محل نصب صفة لـ"ملكا" لمسلم: اللام حرف جز زائد، لا محل له من الإعراب، مسلم: اسم مجرور لفظا منصوب محلا، على أنه مفعول به لـ"أجار". ومعاهد: الواو عاطفة، معاهد: اسم معطوف على مسلم -على لفظه- مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة. موطن الشاهد: "لمسلم". وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" زائدة لمجرد التوكيد؛ لأن فعل "أجار" يتعدى بنفسه، وقد تقدم على معموله؛ فهو ليس بحاجة إلى اللام. ١ ٢٧ سورة النمل، الآية: ٧٢. موطن الشاهد: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" في الآية الكريمة زائدة على رأي المبرد؛ بينما يرى ابن هشام أن فعل "ردف" ضمن معنى اقترب؛ وعليه فاللام صلة له، لا زائدة، وبه جزم في المغني، وهو الأرجح، والصواب. انظر شرح التصريح: ٢/ ١١، والمقتضب: ٢/ ٣٧، والمغني: ٢٨٥. ٢ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" صلة لفعل "اقترب" فهي ليست زائدة في الآية الكريمة.
[ ٣ / ٢٧ ]
والسادس: تقوية العامل الذي ضعف: إما بكونه فرعا في العمل١؛ نحو: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ ٢، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٣، وإما بتأخره عن المعمول؛ نحو: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ٤، وليست المقوية زائدة محضة٥، ولا معدية محضة٦؛ بل هي بينهما.
والسابع: انتهاء الغاية؛ نحو: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ٧.
والثامن: القسم؛ نحو: "لله لا يؤخر الأجل"٨.
_________________
(١) ١ أي مأخوذا من غيره كالفروع، وذلك كالمصدر، ومثاله قوله: ساءني ضرب علي لخالد واسم الفاعل، ومنه الآية الأولى في أمثله المؤلف، واسم المفعول؛ نحو: زيد معطى للدراهم. وأمثلة المبالغة، ومن أمثلته الآية الثانية من أمثلة المؤلف. ٢ ٢ سورة البقرة، الآية ٩١. موطن الشاهد: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" زائدة لتقوية العامل "مصدقا"؛ لأنه اسم فاعل؛ فهو فرع في العمل؛ فقوي باللام. ٣ ٨٥ سورة البروج، الآية: ١٦. موطن الشاهد: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" زائدة لتقوية العامل "فعال"؛ لأنه صيغة مبالغة؛ فهو فرع في العمل؛ فقوي باللام. ٤ ١٢ سورة يوسف، الآية: ٤٣. موطن الشاهد: ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: الأصل -والله أعلم- إن كنتم تعبرون الرؤيا؛ فلما أخر الفعل، وقدم معموله عليه؛ ضعف عمله فقوي باللام. ٥ لأنها تفيد التقوية وتتعلق بالعامل الذي قوته؛ بخلاف الزائدة المحضة؛ فإنها لا تتعلق بشيء. ٦ وذلك لاطراد صحة إسقاطها. ٧ ٣٥ سورة فاطر، الآية: ١٣. موطن الشاهد: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" مفيدة لانتهاء الغاية؛ لأن المعنى: كل يجري إلى أجل مسمى المعنى. ٨ القسم والتعجب معا، ويشترط أن تكون جملة القسم محذوفة، وأن يكون المقسم به لفظ =
[ ٣ / ٢٨ ]
والتاسع: التعجب؛ نحو: "لله درك! "١.
والعاشر: الصيرورة٢؛ نحو: [الوافر]
٢٩٦- لدوا للموت وابنوا للخراب٣
_________________
(١) = الجلالة؛ لأنها خلف عن التاء، والتاء أكثر ما تستعمل مع لفظ الجلالة، كقوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ . مغني اللبيب: ٢٨٢. ١ أي: المجرد عن القسم، بشرط القرينة، ويغلب أن يكون بعد النداء؛ نحو: يا للغروب وما فيه من روعة، وكون اللام للتعجب -هنا- يخالف ما قاله النحاة من أن الصيغة كلها للتعجب، ويجاب بالتزام ما قالوه في باب التعجب، وإن ما قيل -هنا- من باب نسبة ما للكل إلى ما للجزء؛ فهو مجاز مرسل علاقته الكلية والجزئية. حاشية يس على التصريح: ٢/ ١١-١٢. ٢ أي: لبيان ما يصير إليه الأمر، وتسمى كذلك "لام العاقبة"؛ لأنها توضح عاقبة الشيء وما يؤول إليه. همع الهوامع: ٢/ ٣٢، ومغني اللبيب: ٢٨٢. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فكلكم يصير إلى الذهاب وهو من شواهد التصريح: ٢/ ١٢، والهمع: ٢/ ٣٢، والدرر: ٢/ ٣١. المفردات الغريبة: لدوا: فعل أمر من الولادة. المعنى: لدوا وتكاثروا وابنوا وشيدوا كما تشاءون ليكون المآل والمصير والعاقبة إلى ما ذكر؛ فكل إنسان مصيره الموت والفناء. الإعراب: لدوا: فعل أمر مبني على حذف النون؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو: فاعل، والألف: للتفريق. للموت: متعلق بـ"لدوا". وابنوا: الواو عاطفة، ابنوا: فعل أمر مبني على حذف النون؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو: في محل رفع فاعل، والألف: للتفريق؛ وجملة "ابنوا": معطوفة على جملة "لدوا" لا محل لها. "للخراب": متعلق بـ"ابنوا". فكلكم: الفاء تعليلية، لا محل لها من الإعراب، كل: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، و"كم": مضاف إليه. يصير: فعل مضارع ناقص مرفوع، وفاعله: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى "كل". "إلى زوال": متعلق بخبر "يصير" المحذوف؛ وجملة "يصير إلى زوال": في محل رفع خبر "كل"؛ وجملة "كلكم يصير إلى زوال": تعليلية، لا محل لها. موطن الشاهد: "للموت، للخراب". وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" في الموضعين للصيرورة، وليست للتعليل؛ لأن =
[ ٣ / ٢٩ ]
والحادي عشر: البعدية، نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ١، أي: بعده.
والثاني عشر: الاستعلاء٢، نحو: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ ٣؛ أي: عليها٤.
_________________
(١) = الموت، ليس علة للولد، ولأن الخراب ليس علة للبناء؛ فالموت والخراب أمران يصير المآل إليهما، من غير أن يكون أحدهما باعثا أو حافزا؛ ومثل هذا، قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ فالباعث الذي بعث فرعون على التقاط موسى وتربيته؛ ليكون لهم قرة عين، وأن يتخذ ولدا، لكن صادف أن كانت عاقبته ومآله أن كان لهم عدوا. وقد منع البصريون أن تجيء اللام للصيرورة، وزعم الزمخشري أنها لا تنفك عن التعليل؛ وهؤلاء يجعلون اللام في البيت وفي الآية الكريمة داخلة على محذوف؛ هو العلة الباعثة. انظر مغني اللبيب: ٢٨٣. ١ ١٧ سورة الإسراء: الآية: ٧٨. موطن الشاهد: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" بمعنى "بعد"؛ لأن المراد: بعد دلوك الشمس، وهذه الآية، ذكرت في "باب المفعول له" وذكر المؤلف -هناك- أن اللام للتعليل، وفسر الدلوك بميل الشمس عن وسط السماء. ٢ أي: الدلالة على أن شيئا حسيا أو معنويا وقع فوق الاسم الذي بعدها؛ فتكون بمعنى "على". ٣ ١٧ سورة الإسراء، الآية: ١٠٩. موطن الشاهد: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "اللام" مفيدة معنى الاستعلاء حقيقة؛ لأن المعنى: يخرون عليها؛ وتأتي بمعنى الاستعلاء المعنوي؛ ومثاله، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي: عليها؛ ومن شواهد مجيء اللام بمعنى "على" قول النبي ﵊ لعائشة، حين اشترت بريرة: "اشترطي لهم الولاء" أي: عليهم، وعليه خرج قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، وتله: كبه وصرعه. ٤ وتأتي "اللام" في النسب؛ نحو: لزيد عم هو لعمرو خال. وللتبليغ؛ نحو؛ ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ﴾، وللتبيين؛ نحو: سقيا لك. وللظرفية نحو ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: فيه. وبمعنى "عند"، كقراءة الجحدري ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ -بكسر اللام وتخفيف الميم- أي: عند مجيئه إياهم. وبمعنى "من"؛ نحو قول جرير: "ونحن لكم يوم القيامة أفضل" أي: نحن أفضل منكم يوم القيامة وبمعنى "عن" إذا استعملت مع القول؛ نحو: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: عن الذين آمنوا. وللتمليك وشبهه؛ نحو: وهبت لزيد دينارا، ونحو ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ . مغني اللبيب: ٢٨٠، والهمع: ٢/ ٣٢، والتصريح: ٢/ ١٢.
[ ٣ / ٣٠ ]
[معاني الباء]:
وللباء اثنا عشر معنى أيضا:
أحدها: الاستعانة؛ نحو: "كتبت بالقالم"١.
والثاني: التعدية٢؛ نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ٣؛ أي: أذهبه.
والثالث: التعويض؛ كـ"بعتك هذا بهذا"٤.
_________________
(١) ١ "الباء" دالة على آلة الفعل وأداته التي يحصل بها معناه، فهي الواسطة بين الفاعل ومفعوله المعنوي؛ ولذلك تسمى "باء الآلة"؛ ومثلها؛ نجرت بالقدوم. وذكر الزمخشري قولين في باء البسملة؛ أحدهما: أن الباء فيها للآلة مجازا؛ لأن الفعل لا يتأتى على أتم وجه وأكمله إلا بالاستعانة بالله. والثاني: أن الباء فيها للمصاحبة، وذلك تحاشيا من سوء الأدب مع الله -﷿- أن يجعل آلة ولو مجازا. التصريح: ٢/ ١٢. ٢ أي: يستعان بها غالبا في تعدية الفعل إلى مفعوله كما تعديه همزة النقل؛ ولذلك تسمى "باء النقل"، وأكثر ما تعدي الفعل القاصر، كمثال المصنف، ومن ورودها مع الفعل المتعدي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ والأصل: دفع بعض الناس بعضا. ٣ ٢ سورة البقرة، الآية: ١٧. أوجه القراءات: قرئت: أذهب الله نورهم. موطن الشاهد: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى التعدية. رد العلماء بهذه الآية على المبرد والسهيلي اللذين زعما أن بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء فرقا، شرح التصريح: ٢/ ١٢. ٤ هي الداخلة على الأعواض والأثمان، حسا أو معنى، والعوض: دفع شيء في مقابلة شيء آخر؛ ولذلك تسمى باء المقابلة، ومثل المؤلف للعوض الحسي، أما المعنوي؛ فنحو: قابلت إحسانه بالشكر والدعاء، وجعل من هذا النوع قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ خلاف للمعتزلة؛ لأن دخول الجنة، قد يكون بالعوض، وقد يكون فضلا من الله وإحسانا. وحملت الباء في قوله ﷺ: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" على أنها للسببية؛ ليدل على أن العمل ليس سببا موجبا لدخول الجنة. وهذا ينفي التعارض بين الحديث والآية. مغني اللبيب: ١٤١، والتصريح: ٢/ ١٢.
[ ٣ / ٣١ ]
والرابع الإلصاق١؛ نحو: "أمسكت بزيد"٢.
والخامس: التبعيض٣؛ نحو: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ ٤؛ أي: منها.
والسادس: المصاحبة٥؛ نحو: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ ٦؛ أي: معه.
والسابع: المجاوزة٧؛ نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ٨؛ أي: عنه.
_________________
(١) ١ الإلصاق هو: مطلق التعليق، وهذا المعنى أصل معانيها لا يفارقها، يؤيد هذا قول سيبويه: "وإنما هي للإلصاق والاختلاط وما اتسع من هذا في الكلام فهذا أصله". وهو إما حقيقي، كمثال المصنف، أو مجازي؛ نحو: مررت بمحمد، أي: جعلت مروري بمكان يقرب من مكانه. المغني: ١٣٧-١٣٨. ٢ معناه: قبضت على شيء من جسمه، أو مما يتصل به من ثوب أو نحوه، وهذا أبلغ من أمسكت زيدا؛ لأنه يفيد منعه من الانصراف بأي وجه كان. ٣ أثبت مجيء الباء للتبعيض الأصمعي، والفارسي، والقتبي، وابن مالك والكوفيون، واستدلوا بالآية التي تلاها المؤلف، وبقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ وعلى هذا بنى الشافعي مذهبه في أن الواجب في الوضوء مسح بعض الرأس. انظر شرح التصريح: ٢/ ١٣. ٤ ٧٦ سورة الإنسان، الآية: ٦. موطن الشاهد: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى التبعيض في الآية الكريمة؛ لأن المعنى: يشرب منها، كما بين المؤلف في المتن. ٥ المصاحبة: انضمام شيء إلى آخر انضماما يقتضي تلازمهما فيما يقع عليهما أو منهما، وعلامتها: أن يصلح في موضعها "مع"، ويغني عنها وعن مصحوبها الحال. ٦ ٥ سورة المائدة، الآية: ٦١. موطن الشاهد: ﴿دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى المصاحبة؛ لأن معنى وقد دخلوا بالكفر؛ أي: معه؛ أو كافرين المعنى. ٧ أي: التي يصلح في مكانها "من". قيل: ويختص هذا المعنى بالسؤال، كما مثل المصنف، وبدليل ﴿يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ وقيل: لا يختص بذلك بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾، أي: عنه شرح التصريح: ٢/ ١٣. ٨ ٢٥ سورة الفرقان، الآية: ٥٩. =
[ ٣ / ٣٢ ]
والثامن: الظرفية١؛ نحو: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ ٢؛ أي: فيه، ونحو: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ ٣.
والتاسع: البدل؛ كقول بعضهم٤: "ما يسرني أني شهدت بدرا بالعقبة"؛ أي: بدلها.
والعاشر: الاستعلاء؛ نحو: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ ٥؛ أي: على قنطار.
والحادي عشر: السببية؛ نحو: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ ٦.
_________________
(١) = موطن الشاهد ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى المجاوزة؛ لأن المعنى: فاسأل عنه خبيرا. ١ هي التي يصلح في مكانها "في"، والظرفية مكانية وزمانية. ٢ ٢٨ سورة القصص، الآية: ٤٤. موطن الشاهد: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى الظرفية المكانية؛ والتقدير: وما كنت فيه، كما في المتن. ٣ ٥٤ سورة القمر، الآية: ٣٤. موطن الشاهد: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى الظرفية الزمانية؛ والتقدير: نجيناهم فيه. ٤ القول للصحابي الجليل، رافع بن خديج، وفي الحديث: "ما يسرني بها حمر النعم" أي: بدلها. ٥ ٣ سورة آل عمران، الآية: ٧٥. موطن الشاهد: ﴿تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" مفيدة معنى الاستعلاء؛ لأن المعنى -كما جاء في المتن: على قنطار. ومن أدلة أنه يحسن في موضعها "على" قوله تعالى: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ شرح التصريح: ٢/ ١٣. ٦ ٥ سورة المائدة، الآية: ١٣. موطن الشاهد: ﴿بِمَا نَقْضِهِمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الباء"مفيدة معنى السببية؛ لأن المعنى: لعناهم بسبب نقضهم ميثاقهم؛ وهي غير الداخلة على آلة الفعل "باء الاستعانة" خلافا لابن مالك الذي أدرجهما في بعضهما.
[ ٣ / ٣٣ ]
والثاني عشر: التأكيد؛ وهي الزائدة١؛ نحو: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ٢، ونحو: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٣، ونحو: "بحسبك درهم"، ونحو: "زيد ليس بقائم"٤.
[معاني "في"]:
ولـ"في" سنة معان:
١- الظرفية؛ حقيقة مكانية أو زمانية؛ نحو: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ ٥، ونحو: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ وتزاد الباء في الحال المنفي عاملها، وفي التوكيد بالنفس والعين كقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ وفي هاتين الحالتين خلاف. مغني اللبيب: ١٤٤ وما بعدها. ٢ ٤ سورة النساء، الآية: ٧٩. موطن الشاهد: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" زائدة مفيدة معنى التوكيد؛ وزيدت -هنا- مع الفاعل؛ لأن المعنى: كفى الله شهيدا. ٣ ٢ سورة البقرة، الآية: ١٩٥. موطن الشاهد: ﴿لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الباء" زائدة مفيدة معنى التوكيد؛ وقد زيدت -هنا- مع المفعول؛ لأن المعنى: لا تلقوا أيديكم. ٤ زيادة الباء في المثال الأول مع المبتدأ مع لفظ حسب، وفي المثال الثاني مع خبر "ليس". توجيه: تأتي الباء للقسم وهي أصل أحرفه، وتستعمل في القسم الاستعطافي، وهو المؤكد بجملة طلبية؛ نحو: بالله هل قام زيد، أي أسألك بالله مستحلفا، وغير الاستعطافي، وهو المؤكد بجملة خبرية؛ نحو: بالله لتفعلن، وللغاية؛ نحو: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ أي: إلي. وقيل: ضمن "أحسن" معنى لطف؛ وللتعدية؛ نحو: بأبي أنت وأمي، أي فداك أبي وأمي. مغني اللبيب: ١٣٧، همع الهوامع: ٢/ ٢١، التصريح: ٢/ ١٣. ٥ ٣٠ سورة الروم، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "في" مفيدة معنى الظرفية المكانية حقيقة؛ وقد اكتسبت معنى الظرفية من المضاف إليها "أدنى"؛ وأدنى: اسم تفضيل من الدنو. ٦ ٣٠ سورة الروم، الآية: ٤.
[ ٣ / ٣٤ ]
أو مجانية؛ نحو: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ ١.
٢- والسببية؛ نحو: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
٣- والمصاحبة؛ نحو: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ ٣.
٤- والاستعلاء؛ نحو: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ٤.
_________________
(١) = موطن الشاهد: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "في" مفيدة معنى الظرفية الزمانية حقيقة؛ وبضع: اسم لما بين الثلاث إلى التسع. فائدة: الظرفية الحقيقية، هي التي يكون الظرف والمظروف فيها من الذوات، فإن كانا جميعا من أسماء المعاني؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أو كان الظرف من أسماء المعاني، والمظروف من أسماء الذات؛ نحو قولك: المتقون في رحمة الله، أو كان الظرف ذاتا، والمظروف معنى؛ كانت الظرفية مجازية وقد اجتمعت الظرفية الحقيقية والمجازية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ . شرح التصريح: ٢/ ١٣-١٤. ١ ٣٣ سورة الأحزاب، الآية: ٢١. موطن الشاهد: ﴿كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "في" مفيدة الظرفية المجازية؛ لاختلال شرط الظرفية الحقيقية؛ حيث أتى الظرف ذاتا رسول الله ﷺ، والمظروف معنى "أسوة". ٢ ٢٤ سورة النور، الآية: ١٤. موطن الشاهد: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "في" مفيدة معنى السببية؛ لأن المعنى: لمسكم عذاب عظيم بسبب ما أفضتم -أي: خضتم فيه من حديث الإفك، وما اتهمتم به السيدة عائشة ﵂- وجاء في الحديث الشريف: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها " أي: بسبب؛ أو لأجل هرة حبستها. ٣ ٧ سورة الأعراف، الآية: ٣٨. موطن الشاهد: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "في" مفيدة معنى المصاحبة؛ لأن المعنى: ادخلوا مع أمم؛ و"في" التي تفيد المصاحبة؛ هي التي نستطيع أن نضع مكانها "مع". ٤ ٢٠ سورة طه، الآية: ٧١. موطن الشاهد: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ﴾ .
[ ٣ / ٣٥ ]
٥- والمقايسة١؛ نحو: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ٢.
٦ وبمعنى الباء؛ نحو٣: [الطويل]
٢٩٧- بصيرون في طعن الأباهر والكلى٤
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: مجيء "في" مفيدة معنى الاستعلاء؛ لأن المعنى: لأصلبنكم على جذوع النخل -على رأي الكوفيين والقتبي- وقيل: ليست -هنا- للاستعلاء، ولكن شبه المصلوب لتمكنه من الجذع بالحال في الشيء. ١ أو الموازنة، وهي أن يكون ما قبلها ملاحظا بالقياس إلى ما بعدها، ويحكم عليه بعد هذا القياس بأمر ما؛ فهي واقعة بين مفضول سابق وفاضل لاحق، ولا مانع من العكس أحيانا. ٢ ٩ سورة التوبة، الآية: ٣٨. موطن الشاهد: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "في" مفيدة معنى المقايسة؛ لأن المعنى: فما متاع الحياة الدنيا بالقياس إلى الآخرة. ٣ قائل هذا البيت، هو الصحابي زيد الخير، والذي كان يعرف في الجاهلية بزيد الخيل؛ وذلك؛ لكثرة خيله، يكنى أبا مكنف، كان طويلا جسيما وشاعرا محسنا، أدرك الإسلام ووفد مع قومه طيئ على الرسول ﷺ وقد فرح بإسلامه، وقال: ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الإسلام إلا رأيته دون ما وصف لي، غيرك. الشعر والشعراء: ١/ ٢٨٦، تجريد الأغاني: ١٨٦٧، الأعلام: ٣/ ٦١، الإصابة: ت: ٢٩٣٥، الخزانة: ٢١/ ٤٤٨. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: ويركب يوم الروع منا فوارس. والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤، والأشموني: ٥٥٠/ ٢/ ٢٩٢، والخزانة: ٤/ ١٦٥، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٦٨، والهمع: ٢/ ٣٠، والدرر: ٢/ ٢٦، والمغني: ٣٠٥/ ٢٢٤. المفردات الغريبة: الروع: الفزع والخوف. فوارس: جمع فارس على غير قياس. بصيرون: عارفون وخبيرون. الأباهر: جمع أبهر، وهو عرق متصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه، الكلى: جمع كلوة أو كلية. المعنى: في اليوم الذي يفزع فيه الناس ويرهبون -وهو يوم الحرب- يركب منا فرسان شجعان مدربون على الحرب، خبيرون بطعن المقاتل التي تقضي على الأعداء. الإعراب: ويركب: الواو عاطفة، يركب: فعل مضارع مرفوع. "يوم": متعلق =
[ ٣ / ٣٦ ]
[معاني "على"]:
ولـ"على" أربع معان:
أحدها: الاستعلاء١، نحو: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) = بـ"يركب"، وهو مضاف. الروع: مضاف إليه مجرور. "منا": متعلق بمحذوف حال من فوارس؛ والأصل بمحذوف صفة لفوارس؛ فلما تقدم عليه، صار حالا؛ لأن الصفة، لا تتقدم على الموصوف. فوارس: فاعل مرفوع، وقد صرفه الشاعر -للضرورة- ونونه؛ ومعلوم أن "فوارس" ممنوع من الصرف؛ لكونه على زنة منتهى الجموع. بصيرون: صفة لـ"فوارس" مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم. "في طعن": متعلق بـ"بصيرون"، وهو مضاف. الأباهر: مضاف إليه مجرور؛ من إضافة المصدر إلى مفعوله. والكلى: الواو عاطفة، الكلى: اسم معطوف على الأباهر، مجرور مثله، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف؛ منع من ظهروها التعذر. موطن الشاهد: "في طعن". وجه الاستشهاد: مجيء "في" بمعنى "الباء"؛ لأن "بصير" يتعدى بها، ولا يتعدى بـ"في" عادة. فائدة: تأتي "في" بمعنى "إلى" الغائية؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ كناية عن عدم الرد، وعن ترك الكلام؛ وتأتي بمعنى "من"؛ نحو قوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾؛ وتأتي بمعنى "الباء" التي للإلصاق؛ نحو: وقف الحارس في الباب، اي: ملاصقا له؛ وللتعويض؛ وهي الزائدة عوضا من أخرى محذوفة كقولك: ضربت فيمن رغبت، أصله: ضربت من رغبت فيه. وللتوكيد وهي الزائدة لغير تعويض وجعل منه الفارسي ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ أي اركبوها. مغني اللبيب: ٢٢٥، التصريح: ٢/ ١٤، وضياء السالك: ٢/ ٢٦١. ١ أي العلو؛ وهو أكثر معانيها استتعمالا، والاستعلاء، قد يكون حقيقة إن كان على نفس المجرور وهو الغالب؛ حسا كمثال المصنف، أو معنى؛ نحو: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ . ومجازا؛ إن كان العلو على ما يقرب من المجرور. نحو: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً﴾ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فقد شبه التمكن من الهدى والأخلاق العظيمة الشريفة والثبوت عليها بمن علا دابة يصرفها كيف شاء. وليس من الاستعلاء المجازي قولهم: توكلت على الله، واعتمدت عليه؛ لأن الله لا يعلو عليه شيء لا حقيقة ولا مجازا، وإنما ذلك من باب الإضافة والإسناد، أي أضفت توكلي واعتمادي إلى الله، وأسندتهما إليه ﷾. ٢ ٢٣ سورة المؤمنون، الآية: ٢٢. موطن الشاهد: ﴿عَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ . =
[ ٣ / ٣٧ ]
والثاني: الظرفية؛ نحو: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ ١؛ أي: في حين غفلة.
والثالث: المجاوزة؛ كقوله٢: [الوافر]
٢٨٩- إذا رضيت علي بنو قشير٣
أي: عني.
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: مجيء "على" مفيدة معنى الاستعلاء في الموضعين؛ أي الاستعلاء على مجرورها، وحكم مجيئها مفيدة الاستعلاء الجواز مع التغليب. ١ ٢٨ سورة القصص، الآية: ١٥. موطن الشاهد: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "على" مفيدة معنى الظرفية؛ لأن التقدير: في حين غفلة. ٢ القائل: هو قحيف العامري: لم أجد ترجمة بهذا الاسم؛ ولعله قحيف العقيلي؛ قحيف بن ضمير، أحد بني قشير بن مالك بن عقيل بن كعب من ربيعة؛ وهو شاعر مقل، من شعراء الإسلام؛ كان يشبب بخرقاء التي كان يشبب بها ذو الرمة. الأغاني "ط. دار الشعب": ٢٨/ ٩٥١٦. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: لعمر الله أعجبني رضاها والبيت في مدح حكيم بن المسيب القشيري، وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤، والأشموني: ٥٥٤/ ٢/ ٢٩٤، وابن عقيل: ٢٠٩/ ٣/ ٢٥، والنوادر: ١٧٦، والمقتضب: ٢/ ٣٢٠، والخصائص: ٢/ ٣١١، ٣٨٩، والمحتسب: ١/ ٥٢، ٣٤٨ وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٦٩، والإنصاف: ٦٣٠، وشرح المفصل: ١/ ١٢٠، والهمع: ٢/ ٢٨، والدرر: ٢/ ٢٢. المفردات الغريبة: بنو قشير: قبيلة تنسب إلى كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. لعمر الله: المراد: الحلف بإقراره لله تعالى بالبقاء بعد فناء الخلق. المعنى: يريد الشاعر القول: إذا ما حظيت برضا بني قشير؛ فيكفيني فخرا وشرفا، ووالله إنني لأسر، وأفرح برضاها؛ الذي يبعث الأمل والتفاؤل في نفسي. الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه، مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية. رضيت: فعل ماض مبني على الفتح، لاتصاله بتاء التأنيث الساكنة، والتاء: لا محل لها من الإعراب. "علي": متعلق بـ"رضي". بنو: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وبنوا: مضاف. قشير: مضاف إليه مجرور. لعمر: اللام لام الابتداء، عمر: مبتدأ مرفوع، =
[ ٣ / ٣٨ ]
والرابع المصاحبة؛ نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ ١؛ أي: مع ظلمهم٢.
_________________
(١) = وهو مضاف. الله "لفظ الجلالة" مضاف إليه، وخبر المبتدأ محذوف؛ والتقدير: لعمر الله يميني؛ أو قسمي؛ أو ما أحلف به. أعجبني: فعل ماض مبني على الفتح، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب مفعولا به. رضاها: فاعل "أعجب" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر، وهو مضاف، و"ها": مضاف إليه؛ وجمل "أعجبني رضاها" جواب شرط غير جازم، لا محل لها. موطن الشاهد: "رضيت علي". وجه الاستشهاد: مجيء "على" بمعنى "عن"؛ لأن الأصل في "رضي" أن يتعدى بـ"عن" لا بـ"على"؛ وقال بعضهم: إن "رضي" مضمن معنى عطف. ١ ١٣ سورة الرعد، الآية: ٦. موطن الشاهد: ﴿لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "على" بمعنى "مع" كما جاء في المتن. ٢ بقي من معاني "على":
(٢) أنها تأتي بمعنى اللام، نحو قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي لهدايته إياكم.
(٣) تأتي بمعنى "عند" نحو قوله ﷾: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أي عندي.
(٤) تأتي بمعنى "من" نحو قوله -جلت قدرته: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ أي من الناس.
(٥) تأتي بمعنى الباء، نحو قوله -جل شأنه: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ أي حقيق بألا أقول.
(٦) أن تكون زائدة، كما في قول حميد بن ثور: أبى الله إلا أن سرحة مالك على كل أفنان العضاه تروق فتروق فعل يتعدى بنفسه، فزاد الشاعر معه "على". ونص سيبويه على أن "على" لا تقع زائدة، وعلى رأيه يخرج ما في البيت بأن "يروق" قد ضمن معنى تشرق.
(٧) تأتي بمعنى "لكن" الدالة على الاستدراك؛ نحو قولك: فلان يرتكب الآثام على أنه لا يقنط من رحمة الله. التصريح: ٢/ ١٥، مغني اللبيب: ١٨٩-١٩٥.
[ ٣ / ٣٩ ]
[معاني "عن"]:
ولـ"عن" أربعة معان أيضا:
أحدها: المجاوزة١؛ نحو: "سرت عن البلد"، و"رميت عن القوس".
والثاني: البعدية، نحو: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ٢؛ أي: حالا بعد حال.
والثالث: الاستعلاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٣؛ أي: على نفسه؛ وكقول الشاعر٤: [البسيط]
_________________
(١) ١ المجاوزة: هي ابتعاد شيء مذكور أو غير مذكور عما بعد حرف الجر بسبب شيء قبله؛ فالأول؛ نحو: رميت السهم عن القوس، والثاني: نحو رضي الله عنك، أي جاوزتك المؤاخذة بسبب الرضا. والمجاوزة قد تكون حقيقية كهذين المثالين، وقد تكون مجازية، إذا كانت في المعاني؛ نحو: أخذت الفقه عن عالم متمكن، أي أن الفقه جاوزه بسبب الأخذ منه؛ والمجاوزة أظهر معاني "عن" وأكثرها استعمالا. ولم يذكر البصريون سواه. ٢ ٨٤ سورة الانشقاق؛ الآية: ١٩. موطن الشاهد: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "عن" مفيدة معنى "البعدية"؛ والمعنى -كما في المتن- حالا بعد حال؛ أي: من البعث والسؤال والموت؛ أو من النطفة إلى ما بعدها. وقال الدماميني: يحتمل أن تكون" عن" على بابها، والتقدير طبقا تباعدا عن طبق آخر دونه، فيكون كل طبق أعظم في الشدة مما قبله. انظر شرح التصريح: ٢/ ١٥. ٣ ٤٨ سورة محمد، الآية: ٣٨. موطن الشاهد: ﴿يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "عن" بمعنى" على" كما جاء في المتن. وخرج الدماميني الآية على أن "يبخل" قد ضمن معنى يبعد، أي ومن يبخل فإنما يبعد الخير عن نفسه. ٤ الشاعر: هو: ذو الإصبع العدواني؛ واسمه الحارث بن محرث؛ وقيل "الحرثان" ينتهي نسبه إلى مضر، شاعر حكيم شجاع جاهلي لقب بذي الإصبع؛ لأن حية نهشت إصبع رجله، وقيل: لأنه كانت له إصبع زائدة، عاش طويلا، وشعره مملوء بالحكمة والفخر. مات حوالي ٢٢ق. هـ. الشعر والشعراء: ٢/ ٧٠٨، تجريد الأغاني: ٣٥٣، الأغاني: ٣/ ٢، الاشتقاق: ١٦٣، الأعلام: ٢/ ١٧٣.
[ ٣ / ٤٠ ]
٢٩٩- لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني١
أي: علي.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا جزء من بيت للشاعر يقوله في مزين بن جابر؛ وتمام عجزه قوله: عني ولا أنت دياني فتخزوني والبيت من قصيدة له مشهورة؛ مطلعها قوله: يا من لقلب شديد الهم محزون أمسى تذكر ريا أم هارون وبعد الشاهد قوله: ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ولا بنفسك في الضراء تكفيني فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي فإن ذلك مما ليس يشجيني ومنها: إن الذي يقبض الدنيا ويبسطها إن كان أغناك عني سوف يغنيني والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٥، والأشموني: ٥٥٨/ ٢/ ٢٩٥، وابن عقيل: ٢٠٨/ ٣/ ٢٣، ومجالس العلماء: ٧١، والخصائص: ٢/ ٢٨٨، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ١٣، ١٦٩، والإنصاف: ٣٩٤، وشرح المفصل: ٨/ ٥٣، ٩/ ١٠٤، والمقرب: ٤٢، والخزانة: ٣/ ٢٢٢، والعيني: ٣/ ٢٨٦، والمفضليات: ١٦٠. المفردات الغريبة: لاه: أصله: لله، حذفت لام الجر، واللام الأولى من لفظ الجلالة شذوذا. أفضلت: زدت وصرت صاحب فضل. حسب: هو كل ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه ومآثرهم. دياني: مالك أمري، وهو صيغة مبالغة من دان فلان فلانا، أخضعه وملك أمره. تخزوني: تسوسني وتقهرني. المعنى: لله در ابن عمك -يعني نفسه- فقد حاز من الصفات السامية ما يتعجب منه، وأنت لم تفضلني في المفاخر ولست القائم على أمري وبيدك مصيري، حتى تسوسني وتقهرني وتذلني. الإعراب: لاه: مجرور بحرف جر محذوف -على مذهب سيبويه- و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف خبر مقدم. ابن: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. عمك: "عم" مضاف إليه، وهو مضاف؛ و"الكاف": مضاف إليه. لا: نافيه. أفضلت: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك؛ والتاء: في محل رفع فاعل. "في حسب": متعلق بـ"أفضل". "عني": متعلق بـ"أفضل" أيضا. ولا: الواو عاطفة، لا: نافية. أنت: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ. دياني: خبر المبتدأ، وهو مضاف، والياء: مضاف إليه. فتخزوني: الفاء عاطفة، تخزو؛ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو، منع من ظهروها الثقل؛ والفاعل: أنت؛ والنون: للوقاية؛ والياء: مفعول به لـ"تخزو". =
[ ٣ / ٤١ ]
والرابع: التعليل؛ نحو: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ ١ أي: لأجله٢.
[معاني الكاف]:
وللكاف أربع معان أيضا:
أحدها: التشبيه؛ نحو ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ ٣.
_________________
(١) = موطن الشاهد: "لا أفضلت في حسب عني". وجه الاستشهاد: مجيء "عن" في الشاهد بمعنى "على" مفيدة الاستعلاء؛ لأن السائغ في اللغة أن يقال: أفضلت عليه؛ وجوز الرضي أن تكون "عن" باقية على أصلها؛ وضمن الشاعر "أفضلت" معنى تجاوزت في الفضل؛ والأول أفضل، وقد سبق ابن هشام إليه ابن السكيت في "إصلاح المنطق"، وابن قتيبة في "أدب الكاتب"؛ وفي البيت شاهد آخر على حذف حرف الجر وبقاء عمله -على مذهب سيبويه- كما أسلفنا وعلى حذف اللام الأولى من لفظ الجلالة شذوذا، كما بينا في لغة البيت. انظر التصريح: ١/ ١٥، ومغني اللبيب: ١٩٦. ١ ١١ سورة هود، الآية: ٥٣. موطن الشاهد: "عن قولك". وجه الاستشهاد: مجيء "عن" بمعنى التعليل؛ أي: لأجل قولك؛ وجوز الزمخشري أن يكون حالا من ضمير تاركي؛ والتقدير: ما نتركها صادرين عن قولك. شرح التصريح: ١/ ١٦. ٢ من معاني "عن" أيضا:
(٢) تأتي بمعنى "من"؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ أي منهم.
(٣) تأتي بمعنى "الباء"؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أي به.
(٤) تأتي بمعنى البدل؛ نحو قوله تعالى: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي بدل نفس. وفي الحديث الشريف "صومي عن أمك" أي: بدلها.
(٥) تأتي دالة على الاستعانة؛ نحو قولك: رميت عن القوس.
(٦) تكون للظرفية؛ نحو قول الأعشى: وأس سراة الحي حيث لقيتهم ولا تك عن حمل الرباعة وانيا التصريح: ٢/ ١٦، ومغني اللبيب: ١٩٦. ٣ ٥٥ سورة الرحمن، الآية: ٣٧. موطن الشاهد ﴿كَالدِّهَانِ﴾ . =
[ ٣ / ٤٢ ]
والثاني: التعليل؛ نحو: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ ١؛ أي: لهدايته إياكم.
والثالث: الاستعلاء؛ قيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ فقال: كخير؛ أي: عليه٢؛ وجعل منه الأخفش قولهم: "كن كما أنت"؛ أي: على ما أنت عليه٣.
والرابع: التوكيد؛ وهي الزائدة؛ نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٤؛ أي: ليس شيء مثله٥.
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: وقوع الكاف مفيدة التشبيه في الآية الكريمة؛ وهو -التشبيه- أشهر معاني "الكاف". ١ ٢ سورة البقرة، الآية: ١٩٨. موطن الشاهد: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "الكاف" مفيدة التعليل، وما مصدرية؛ والتقدير: لهدايته إياكم؛ غير أن أكثر النحاة، قالوا: إنه من وضع الخاص موضع العام، إذ الذكر والهداية، يشتركان في أمر، وهو الإحسان؛ فهذا في الأصل، بمنزلة ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ والكاف للتشبيه ثم عدل عن ذلك للإعلام بخصوصية المطلوب: شرح التصريح: ١/ ١٦. ٢ استدل المصنف بهذا؛ لأن المقول به، والمجيب هو رؤبة بن العجاج الراجز المشهور؛ وقيل: الكاف للتشبيه على حذف مضاف، أي كصاحب خير. ٣ الكاف بمعنى "على"، وما موصولة في محل جر بالكاف. أنت: مبتدأ حذف خبره، والجملة من المبتدأ وخبره، لا محل لها من الإعراب صلة، والتقدير: كن على الحال الذي أنت عليه، وقيل: "ما" زائدة ملغاة، وأنت: ضمير مرفوع أقيم مقام الضمير المجرور، وهو في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر كن، وكأنه قال: كن كأنت، أي كن فيما يستقبل من الزمان مماثلا لنفسك فيما مضى منه. وفيه أعاريب أخرى. انظر شرح التصريح: ١/ ١٦. ٤ ٤٢ سورة الشورى، الآية: ١١. موطن الشاهد: ﴿كَمِثْلِهِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الكاف" زائدة -في الآية الكريمة- مفيدة التوكيد؛ والمعنى: ليس شيءٌ مثلَه؛ هكذا قدره الأكثرون؛ فرارا من إثبات المثل وهو محال عليه سبحانه، وقد زيدت الكاف لتوكيد نفي المثل؛ لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة. وقيل: إن الكاف ليست بزائدة، و"مثل" بمعنى الذات أو الصفة، وقيل غير ذلك. ٥ زاد في المغني من معاني الكاف المبادرة، وذلك إذا اتصلت بما في نحو: سلم كما تدخل =
[ ٣ / ٤٣ ]
[معاني إلى وحتى]:
ومعنى إلى وحتى: انتهاء الغاية، مكانية أو زمانية نحو: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ١؛ ونحو: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ٢؛ ونحو: "أكلت السمكة حتى رأسها"؛ ونحو: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ٣.
وإنما يحر بحتى في الغالب آخر أو متصل بآخر؛ كما مثلنا؛ فلا يقال: "سهرت البارحة حتى نصفها"٤.
_________________
(١) = وقولهم: صل كما يدخل الوقت، وذكر هذا النوع على غرابته السيرافي، وابن الخباز في النهاية. انظر مغني اللبيب: ٢٣٧، والتصريح: ٢/ ١٧. ١ ١٧ سورة الإسراء، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إلى" مفيدة معنى انتهاء الغاية المكانية. ٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ١٨٧. موطن الشاهد: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إلى" مفيدة معنى انتهاء الغاية الزمانية. ٣ ٩٧ سورة القدر، الآية: ٥. موطن الشاهد: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "حتى" مفيدة معنى انتهاء الغاية الزمانية. ٤ لأن النصف، ليس آخرا، ولا متصلا به؛ والغالب: أن يكون مجرور "حتى" اسما ظاهرا، لا مضمرا. فوائد: فائدة "١": تأتي "إلى" للمصاحبة؛ نحو: من غش في المعاملة أساء قومه إلى نفسه؛ أي: مع نفسه؛ وتأتي للاختصاص؛ نحو: أمر الأمة إلى رئيسها، وأمر الأسرة إلى راعيها؛ وتأتي للظرفية؛ نحو: سيجمع الله الناس إلى يوم تشيب في الولدان؛ أي: في يوم. فائدة "٢": تأتي حتى للتعليل، والدلالة على أن ما قبلها علة وسبب لما بعدها؛ بعكس اللام، فإن ما بعدها، هو علة لما قبلها؛ وفي هذه الحالة لا تجر إلا المصدر المنسبك من أن الناصبة وصلتها؛ نحو: أحسن عملك حتى تكافأ. فائدة "٣": ذكر النحاة فروقا بين "إلى وحتى" منها: أ- أن "إلى" تجر الاسم الظاهر والمضمر، و"حتى" لا تجر إلا الظاهر على الأرجح. =
[ ٣ / ٤٤ ]
ومعنى كي: التعليل؛ ومعنى الواو والتاء: القسم؛ ومعنى مذ ومنذ: ابتداء الغاية؛ إن كان الزمان ماضيا؛ كقوله١: [الكامل]
٣٠٠- أقوين مذ حجج ومذ دهر٢
_________________
(١) = ب- أن "إلى" تقتضي انقضاء ما قبلها بغير تمهل، بخلاف "حتى". ج- أن "إلى" لا تدخل على المضارع؛ بخلاف "حتى". د- أن "إلى" تدل على النهاية إذا وجدت قبلها "من" الدالة على البداية. ضياء السالك: ٢/ ٢٦٧. ١ القائل: هو زهير بن أبي سلمى المزني، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: لمن الديار بقنة الحجر وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٧، الأشموني"٥٦٨/ ٢/ ٢٩٧، والعيني: ٣/ ٣١٢، والجمل: ١٥٠، والإنصاف: ٣٧١، وشرح المفصل: ٤/ ٩٣، ٨/ ١١، والخزانة: ٤/ ١٢٦. والهمع: ١/ ٢١٧، والدرر: ١/ ١٨٦ والمغني: ٣٠/ ٤٤١ والسيوطي، وديوان زهير: ٨٦. المفردات الغريبة: قنة: هي أعلى الجبل. الحجر: منازل قوم ثمود بالشام عند وادي القرى. أقوين: خلون من السكان. حجج: سنين، جمع حجة وهي السنة. وهو اسم زمان كالدهر. المعنى: لمن هذه الديار التي بأعلى هذا المكان؟ وقد خلت من ساكنيها من سنوات وأزمان طويلة. الإعراب: لمن: اللام حرف جر، من: اسم استفهام في محل جر بحرف الجر، و"لمن": متعلق بمحذوف خبر مقدم. الديار: مبتدأ مؤخر مرفوع. "بقنة": متعلق بمحذوف حال من "الديار"؛ أو متعلق بمحذوف صفة من "الديار" إذا عددناه محلى بـ"أل" الجنسية؛ لأنه كالنكرة، وقنة: مضاف. الحجر: مضاف إليه مجرور. أقوين: أقوى فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة، والنون: في محل رفع فاعل. مذ: حرف جر بمعنى "من". حجج: اسم مجرور، و"الجار والمجرور": متعلق بـ"أقوى". ومذ: الواو عاطفة، مذ: حرف جر. دهر: اسم مجرور بـ"مذ" و"الجار والمجرور": معطوف بالواو على الجار والمجرور السابق. موطن الشاهد: "مذ حجج، ومذ دهر". وجه الاستشهاد: مجيء "مذ" في كلا الموضعين حرف جر لابتداء الغاية الزمانية؛ لأن الحجج جمع حجة؛ وهي السنة؛ ومعلوم أن السنة اسم زمان، وكذلك الدهر؛ وعدت =
[ ٣ / ٤٥ ]
وقوله١: [الطويل]
٣٠١- وربع عفت آثاره منذ أزمان٢
_________________
(١) = "مذ" لابتداء الغاية الزمانية؛ لكون الزمن المجرور بهما ماضيا؛ وقد روى الكوفيون هذا البيت "من حجج ومن دهر" واستدلوا بهذه الرواية على أن "من" تأتي لابتداء الغاية الزمانية، وأنكر البصريون تلك الرواية، واعتمدوا الرواية التي ذكرها المؤلف في المتن. ١ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٧، والأشموني: ٥٦٧/ ٢/ ٢٩٧ والعيني: ٣/ ٣١٩، والهمع: ١/ ٢١٧، والدرر: ١/ ١٨٦، والدمنهوري: ٤١، ٧٤، والمغني: ٦٢٩/ ٤٤١، والسيوطي: ٢٥٤، وديوان امرئ القيس: ٨٩. المفردات الغريبة: قفا: أمر للواحد بلفظ الاثنين على عادة العرب مثل: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ . ذكرى: تذكر. عرفان: معرفة. ربع: منزل ودار. عفت آثاره: درست وانمحت علاماته. المعنى: قف يا صاحبي نندب حظنا ونذرف الدمع من تذكر الأحبة والأصدقاء الذين فقدناهم، وتلك المنازل التي درست بعد أن كانت عامرة بأهلها، وذهبت آثارها ومعالمها من أزمان طويلة. الإعراب: قفا: فعل أمر مبني على حذف النون؛ لاتصاله بألف الاثنين؛ أو لأن مضارعه من الأفعال الخمسة؛ والألف: ضمير متصل في محل رفع فاعل؛ ويجوز أن يكون الفعل للمخاطب المفرد؛ وأصله: قفن "بنون التوكيد الخفيفة" ثم انقلبت النون ألفا، كما تنقلب في الوقف. نبك: فعل مضارع مجزوم؛ لوقوعه في جواب الطلب، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، والفاعل: نحن. "من ذكرى": متعلق بـ"نبك"، وذكرى: مضاف. حبيب: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. وعرفان: الواو عاطفة، عرفان: اسم معطوف على حبيب. وربع: الواو عاطفة، ربع: اسم معطوف على حبيب أيضا. عفت: فعل ماض، والتاء: للتأنيث. آثاره: فاعل مرفوع، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه. منذ: حرف جر. أزمان: اسم مجرور. موطن الشاهد: "منذ أزمان". وجه الاستشهاد: مجيء "منذ" حرف جر، دخل على لفظ دال على الزمان؛ والمراد به -هنا- الزمان الماضي؛ فدلت "منذ" على ابتداء الغاية الزمانية؛ وبهذا الشاهد وأمثاله، استدل الكوفيون على أن "منذ" قد تكون لابتداء الغاية الزمانية، كما أسلفنا.
[ ٣ / ٤٦ ]
والظرفية: إن كان حاضرا؛ نحو: "منذ يومنا"، وبمعنى "من" و"إلى" معا؛ إن كان معدودا؛ نحو: "مذ يومين".
[معنى "رب"]:
و"رب": للتكثير كثيرا، وللتقليل قليلا١؛ فالأول؛ كقوله عليه الصلاة٢ والسلام: "يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة" ٣، وقول بعض العرب، عند انقضاء رمضان: "يا رب صائمه لن يصومه، وقائمه لن يقومه"٤ والثاني كقوله٥:
[الطويل]
٣٠٢- ألا رب مولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان٦
_________________
(١) ١ يرى فريق من النحاة أنها للتقليل دائما، وزعم ابن درستويه وجماعة أنها للتكثير دائما. مغني اللبيب: ١٧٩، والتصريح: ٢/ ١٨. ٢ حمل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، فوجه الدلالة من الآية الكريمة ومن الحديث أن "رب" فيهما للتكثير وليست للتقليل؛ لأن كلا منهما مسوق للتخويف، ولا يناسب التخويف أن يكون القليل هو ودادتهم أن يكونوا مسلمين، ولا أن يكون القليل هو أن يعرى في الآخرة من كان كاسيا في الدنيا. ومن مجيئها للتكثير -أيضا- قول جذيمة الأبرش: ربما أوفيت في علم ترفعن ثوبي شمالات فالبيت مسوق للافتخار، ولا يناسبه التقليل. مغني اللبيب: ١٨٠. ٣ حديث شريف أخرجه البخاري في باب التهجد: ١/ ٢٠١ و٣/ ١٠ و١٠/ ٣٠٢-٥٩٨. والترمذي: ٢١٩٦. موطن الشاهد: "رب كاسية". وجه الاستشهاد: مجيء "رب" حرف جر شبيه بالزائد، مفيدا للتكثير؛ لما أوضحنا. ٤ استدل الكسائي على إعمال اسم الفاعل المجرد بمعنى الماضي من هذا القول. ٥ ينسب هذا البيت إلى رجل من أزد السراة ولم يعين اسمه؛ وذكر الفارسي: أنه لرجل اسمه عمرو الجنبي، كان من حديثه أنه لقي امرأ القيس في إحدى الفلوات فخاطبه بهذا البيت. ٦ تخريج الشاهد: ينشد بعد هذا البيت، قوله: وذي شامة غراء في حر وجهه مجللة لا تنقضي لأوان =
[ ٣ / ٤٧ ]
يريد بذلك آدم وعيسى عليهما الصلاة والسلام.
_________________
(١) = ويكمل في خمس وتسع شبابه ويهرم في سبع معا وثمان والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ١٨، والأشموني: ٥٦٩/ ٢/ ٢٩٨، والعيني: ٣/ ٣٥٤ وسيبويه: ١/ ٣٤١، ٢/ ٢٥٨، والخصائص: ٢/ ٢٣٣، وشرح المفصل: ٤/ ٤٨، والمقرب: ٤٢ والخزانة: ١/ ٣٩٧، والهمع: ١/ ٥٤، ٢/ ٢٦، والدرر: ١/ ٣١، ٢/ ١٧، والمغني: ٢٢٤/ ١٨١، والسيوطي: ١٢٦. المفردات الغريبة: مولود ليس له أب: هو عيسى ﵇. ولد ليس له أبوان: هو آدم ﵇ فقد خلق من تراب، وأراد بالبيتين التاليين القمر. المعنى: المعنى واضح في بيان المفردات السابقة. الإعراب: ألا: حرب تنبيه. رب: حرب جر شبيه بالزائد، يفيد -هنا- التقليل. مولود: اسم مجرور لفظا، مرفوع محلا على أنه مبتدأ. وليس: الواو حرف زائد؛ لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف؛ ويجوز أن تكون حالية و"ليس": فعل ماض ناقص. "له": متعلق بمحذوف خبر ليس المتقدم على اسمها. أب: اسم "ليس" مؤخر مرفوع؛ وجملة "ليس له أب": في محل رفع، أو جر صفة لـ"مولود" -على الوجه الأول- وفي محل نصب على الحال على الوجه الثاني، وخبر المبتدأ "مولود" محذوف؛ والتقدير: ألا رب مولود موصوف بكونه لا أب له موجود. وذي: الواو عاطفة، ذي: اسم معطوف على مولود -على لفظ- مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف. ولد: مضاف إليه مجرور. لم: جازمة نافية، لا محل لها من الإعراب. يلده: فعل مضارع مجزوم بـ"لم" وعلامة جزمه السكون المقدر؛ منع من ظهوره حركة التخلص من التقاء الساكنين؛ حيث سكنت اللام تشبيها بـ"كتف" و"فخذ" ونحوهما، من كل كلمة ثانيها مكسور؛ فإنه يجوز إسكانه للتخفيف، وسكنت الدال للجازم، فحركت الدال بالفتح اتباعا للياء، ويجوز ضمها اتباعا للهاء؛ و"الهاء": في محل نصب مفعولا به. أبوان: فاعل لـ"يلد" مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى؛ وجملة "لم يلده أبوان": في محل جر صفة لـ"ذي ولد". موطن الشاهد: "رب مولود". وجه الاستشهاد: مجيء "رب" حرف جر شبيه بالزائد، وقد أفادت التقليل؛ لأن المولود الذي ليس له أب قليل جدا، ولا يعرف منه إلا عيسى ﵇، وكذا ذو الولد الذي لم يولد من أبوين؛ حيث لم يوجد منه إلا آدم ﵇؛ ولا تجر "رب" -غالبا- إلا الاسم الظاهر النكرة، وتحتاج هذه النكرة إلى صفة من مفرد، أو جملة، أو شبهها؛ وقد تجر -على قلة- ضميرا للتنبيه، يفسره اسم منصوب بعده، يعرب تمييزا. ضياء السالك: ٢/ ٢٧٠.
[ ٣ / ٤٨ ]
[ما لفظه مشترك بين الحرفية والاسمية]:
فصل: من هذه الحروف ما لفظه مشترك بين الحرفية والاسمية، وهو خمسة:
أحدها: الكاف؛ والأصح أن اسميتها مخصوصة بالشعر١؛ كقوله٢: [الرجز]
٣٠٣- يضحكن عن كالبرد المنهم٣
_________________
(١) ١ يرى الأخفش والفارسي وابن مالك: أن استعمالها اسما قياسي في سعة الكلام، ولا يختص بضرورة الشعر، وقد كثر في كلام الفحول من الشعراء. وإذا صارت اسما كانت بمعنى "مثل" وتقع فاعلا، فتكون مبنية على الفتح في محل رفع، كقول الشاعر: ما عاتب الحر الكريم كنفسه ومفعولا، كقول الآخر: ولم أر كالمعروف إما مذاقه فحلو وإما وجهه فجميل وفي محل جر؛ تبتسم عن كاللؤلؤ، وشاهد المؤلف في المتن. مغني اللبيب ٢٣٨-٢٣٩. التصريح: ٢/ ١٨. ١ القائل هو الراجز المشهور، العجاج بن رؤبة، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز في وصف نسوة بالحسن والجمال، وقبله قوله: بيض ثلاث كنعاج جم ويروى قبل الشاهد قوله: عند أبي الصهباء أقصى همي ولا تلمني اليوم يابن عمي والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٨، والأشموني: ٥٦٢/ ٢/ ٢٩٦، والعيني: ٣/ ٢٩٤. المخصص: ٩/ ١١٩، وشرح المفصل: ٨/ ٤٢، ٤٤، والخزانة: ٤/ ٢٦٢، والهمع: ٢/ ٣١، الدرر: ٢/ ٢٨، والمغني: ٣٢٥/ ٢٣٩، والسيوطي: ٧١، وملحقات ديوان العجاج: ٨٣. المفردات الغريبة: بيض: جمع بيضاء. نعاج: جمع نعجة، والمراد بها هنا البقرة الوحشية، شبهت بها المرأة الحسناء، ولا يقال نعاج لغيرها. جم: جمع جماء، وهي التي لا قرن لها. البرد: مطر ينعقد كرات صغيرة. المنهم: الذائب منه بعضه حتى يصير كرات صغيرة جدا. المعنى: أن هؤلاء النسوة البيض اللاتي كبقر الوحش خفة ورشاقة يضحكن عن أسنان كالبرد الصغير صفاء ولطافة. الإعراب: يضحكن: فعل مضارع مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة، والنون: =
[ ٣ / ٤٩ ]
والثاني والثالث: "عن" و"على"؛ وذلك١، إذا دخلت عليهما "من"؛ كقوله٢: [الكامل]
٣٠٤- من عن يميني مرة وأمامي٣
_________________
(١) = ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل؛ وجملة "يضحكن": في محل رفع صفة ثانية لـ"بيض ثلاث" والصفة الأولى هي متعلق الجار والمجرور في قوله "كنعاج جم". عن: حرف جر. كالبرد: الكاف اسم بمعنى مثل، مبني على الفتح في محل جر بـ"عن"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ"يضحك"، والكاف الاسمية مضاف. البرد: مضاف إليه مجرور. المنهم: صفة للبرد مجرورة. موطن الشاهد: "عن كالبرد". وجه الاستشهاد: مجيء "الكاف" اسما بمعنى "مثل"، ودليل ذلك، دخول حرف الجر عليها؛ لأن حرف الجر لا يدخل إلى على الاسم. فائدة: اتفق العلماء على مجيء "الكاف" اسما بمعنى "مثل"، واختلفوا: هل يختص ذلك في ضرورة الشعر أو لا؟، فذهب الأخفش والفارسي وابن مالك إلى أنه لا يختص بضرورة الشعر؛ وجوزوا في نحو قولك: "زيد كالأسد" أن تكون الكاف حرف جر، وأن تكون اسما بمعنى "مثل" أضيف إلى الأسد. انظر مغني اللبيب: ٢٣٨-٢٣٩. ١ ليس ذلك بقيد لاسميتهما وإنما الغالب وقوعهما مجرورتين بمن، وإذا استعملا اسمين، كانت "عن" بمعنى جانب، وعلى بمعنى فوق، وهذا الاستعمال قياسي فيهما. ٢ القائل: هو قطري بن الفجاءة التميمي الخارجي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فلقد أراني للرماح دريئة وهو من شواهد التصريح: ٢/ ١٩، والأشموني: ٥٦٤/ ٢/ ٢٩٦، وابن عقيل: ٢١٣/ ٣/ ٢٩" وسيبويه: ٢/ ٢٢٩، ٢٥٤، شرح المفصل: ٨/ ٤٠، الخزانة: ٤/ ٢٥٨، العيني: ٣/ ٥٠٠، الهمع: ١/ ١٥٦، ٢/ ٣٦، وشرح الحماسة للمرزوقي: ١٣٦، والمغني: ٩٣٣/ ٦٩٠، والسيوطي: ١٥٠. المفردات الغريبة: دريئة: هي الحلقة التي يتعلم عليها الطعن والرمي. المعنى: يصف نفسه بالشجاعة والصبر على الجلاد في معمعة الحرب حين يفر الأبطال، فتتقاذف عليه رماح الأعداء ونبالهم وتأتيه من كل جانب وهو ثابت. أو يريد: أن المحاربين معه يتخذونه وقاية يتقون بها ضربات الأعداء؛ لشجاعته ورباطة جأشه. الإعراب: ولقد: الواو حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف؛ والتقدير: والله لقد =
[ ٣ / ٥٠ ]
وقوله١: [الطويل]
٣٠٥- غدت من عليه بعدما تم ظمؤها٢
_________________
(١) = أراني؛ واللام واقعة في جواب القسم المقدر، و"قد": حرف تحقيق، لا محل له من الإعراب. أراني: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف؛ للتعذر؛ والفاعل: ضمير مستتر فيه وجوبا؛ تقديره: أنا؛ والنون: للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب مفعولا به أول لـ"أرى". "للرماح": متعلق بمحذوف حال من "دريئة" الآتي. وكان أصله وصفا؛ فلما تقدم أعرب حالا. دريئة: مفعول به ثان لـ"أرى". من: حرف جر. عن: اسم بمعنى جهة أو جانب مبني على السكون في محل جر بـ"من" و"الجار والمجرور": متعلق بفعل دل عليه قوله: "أراني للرماح دريئة"؛ والتقدير: تجيئني هذه الرماح من جهة يميني تارة، و"عن": مضاف. يميني: يمين: مضاف إليه، وهو مضاف، والياء: مضاف إليه. "تارة": متعلق بالفعل المحذوف المدلول عليه، كما بينا. وأمامي: الواو حرف عطف، أمامي: معطوف على يميني؛ والمعطوف على المجرور مجرور مثله، وهو مضاف، وياء المتكلم: مضاف إليه. موطن الشاهد: "من عن يميني". وجه الاستشهاد: مجيء "عن" في الشاهد اسما بمعنى جانب أو جهة؛ ودليل ذلك دخول حرف الجر عليه؛ لأن حروف الجر، لا تدخل إلا على الأسماء. ١ القائل: هو مزاحم بن الحارث العقيلي، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت للشاعر في وصف قطاة، وعجزه قوله: تصل وعن قيض بزيزاء مجهل وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٩، والأشموني: ٥٦٥/ ٢/ ٢٩٦، وابن عقيل: ٢١٢/ ٣/ ٢٨. وسيبويه: ٢/ ٣١٠، والنوادر ١٦٣١، والمقتضب: ٣/ ٥٣، الكامل: ٤٨٨، الجمل: ٧٣، المقرب: ٤٢، والخزانة: ٤/ ٢٥١، وشرح المفصل: ٨/ ٣٧، والعيني: ٢/ ٣٦، الدرر: ٢/ ٣٦، الهمع: ٢/ ٣٦، السيوطي: ١٤٥. المفردات الغريبة: غدت: صارت، والضمير فيه عائد على القطاة. تم: كمل. ظمؤها: مدة صبرها عن الماء، والظمء: ما بين الشرب والشرب. تصل: تصوت أحشاؤها من العطش. قيض: هو القشر الأعلى للبيض. زيزاء: بيداء، وهي الأرض القفر التي لا ماء فيها. مجهل: قفز ليس فيها أعلام يهتدى بها. المعنى: أن هذه القطاة، صارت من فوق فرخها -وقد مضت المدة التي تصبر فيها عن الماء- تصوت من شدة الظمأ، وهي على قشور البيض والأفراخ في تلك الأرض الغليظة القفر الخالية مما يهتدي به السائرون.
[ ٣ / ٥١ ]
والرابع والخامس: "مذ" و"منذ"؛ وذلك في موضعين:
أحدهما: أن يدخلا على اسم مرفوع؛ نحو: "ما رأيته مذ يومان"، أو "منذ يوم الجمعة"؛ وهما حينئذ مبتدآن، وما بعدهما خبر؛ وقيل بالعكس؛ وقيل: ظرفان، وما بعدهما فاعل بكان تامة محذوفة١.
_________________
(١) = الإعراب: غدت: فعل ماض ناقص بمعنى "صار" مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين، والتاء: للتأنيث، لا محل لها من الإعراب؛ واسم "غدت": ضمير مستتر جوازا تقديره: هي، يعود إلى القطاة الموصوفة بهذا البيت، وما قبله من الأبيات. من: حرف جر "عليه": على: اسم بمعنى فوق أو عند مبني على السكون في محل جر بـ"من". و"من على": متعلق بخبر "غدا" المحذوف؛ و"على" -هنا- مضاف، والهاء: مضاف إليه. "بعد": متعلق: بـ"غدا". ما: حرف مصدري، لا محل له من الإعراب. تم: فعل ماض. ظمؤها: فاعل مرفوع، وهو مضاف، وضمير "ها" -العائد على القطاة- في محل جر بالإضافة؛ و"ما المصدرية وما دخلت عليه" في تأويل مصدر مجرور بإضافة "بعد" إليه؛ والتقدير: بعد تمام ظمئها. تصل: فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم؛ والفاعل: هو، يعود إلى القطاة؛ وجملة "تصل": في محل نصب على الحال من "قطاة". وعن: الواو عاطفة، عن: حرف جر. قيض: اسم مجرور بـ"عن". و"الجار والمجرور": معطوف بالواو على قوله "من عليه" السابق. "بزيزاء": متعلق بمحذوف صفة لـ"قيض"؛ وزيزاء: اسم ممنوع من الصرف؛ لاختتامه بألف التأنيث الممدودة؛ فعلامة جره الفتحة. مجهل: صفة لـ"زيزاء" مجرورة، وعلامة جرها الكسرة. موطن الشاهد: "من عليه". وجه الاستشهاد: مجيء "على" اسما بمعنى "مثل"؛ ودليل ذلك، دخول حرف الجر عليها؛ وقيل: إن معنى "على" -هنا- فوق؛ وهو قول الأصمعي؛ وقيل: معناه عند؛ وهو قول أبي عبيدة، وجماعة النحويين. انظر شرح التصريح: ٢/ ١٩. ١ بيان ما أورده المؤلف: أن في قولك: ما رأيته منذ يومان. أربعة مذاهب: الأول: مذهب المبرد والفارسي وابن السراج وبعض الكوفيين واختاره ابن الحاجب؛ وحاصله أن معنى "مذ ومنذ" الأمد إذا كان الزمان حاضرا أو معدودا، فإن كان الزمان ماضيا فمعناهما أول المدة، وهما على كل حال مبتدآن، وما بعدهما خبر عنهما واجب التأخير وهو أولى المذاهب بالاتباع. الثاني: مذهب الأخفش والزجاج والزجاجي، أنهما ظرفان متعلقان بمحذوف، هو الخبر، وما بعدهما مبتدأ مؤخر؛ ويكون معنى: ما لقيته مذ يومان: بيني وبين لقائه يومان، وهذا تكلف. =
[ ٣ / ٥٢ ]
والثاني: أن يدخلا على الجملة؛ فعلة كانت؛ وهو الغالب؛ كقوله١: [الكامل]
٣٠٦- ما زال مذ عقدت يداه إزاره٢
_________________
(١) = الثالث: مذهب جمهور الكوفيين، واختاره ابن مالك وابن مضاء والسهيلي، وهو أنهما ظرفان والاسم المرفوع بعد كل منهما فاعل لكان تامة محذوف. والتقدير: مذ كان أو قد مضى يومان. والرابع: مذهب بعض الكوفيين؛ وحاصله أن مذ ومنذ أصلهما "من" حرف الجر، و"ذو" الموصولة التي بمعنى الذي في لغة طيئ، والاسم المرفوع بعد كل منهما خبر مبتدأ محذوف؛ وجملة "المبتدأ والخبر": لا محل لها من الإعراب؛ لأنها صلة الموصول؛ والتقدير: ما رأيته من ابتداء الوقت الذي هو يومان. مغني اللبيب: "٤٤-٤٤٣"، والتصريح: ٢/ ٢٠. ١ القائل: هو الفرزدق، وقد مر ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت من كلمة للشاعر يرثي فيها يزيد بن المهلب، وعجزه قوله: فسما فأدرك خمسة الأشبار وبعد الشاهد قوله: يدني كتائب من كتائب تلتقي في ظل معترك العجاج مثار والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٢١، والمقتضب: ٢/ ١٧٦، والجمل: ١٤٢، وشرح المفصل: ٢/ ١٢١، ٦/ ٣٣، والعيني: ٣/ ٣٢١، والهمع: ١/ ٢١٦، ٢/ ١٥٠، الدرر: ١/ ١٨٥، ٢/ ٢٠٦، والمغني: ٦٣١/ ٤٤٢، والسيوطي: ٢٥٦، وديوان الفرزدق: ٣٧٨. المفردات الغريبة: عقدت يداه إزاره: كناية عن مجاوزته حد الطفولة وبلوغه سن التمييز، والإزار: ما يلبسه الإنسان في نصفه الأسفل. فسما: شب وارتفع. أدرك: بلغ ووصل. خمسة الأشبار: المراد: ارتفعت قامته وبلغ مبلغ الرجال. المعنى: أن يزيد منذ بلغ سن التمييز واستطاع أن يقضي حوائجه بنفسه، ظهرت عليه مخايل الرجولة، وأخذ يتدرج في مدارج الرفعة والشجاعة، ويظهر منه ما لا يرى إلا من الأبطال العظماء. الإعراب: ما زال: ما نافية، لا عمل لها. زال: فعل ماض ناقص؛ واسمه: هو؛ يعود إلى يزيد. مذ: ظرف زمان، مبني على السكون في محل نصب، متعلق بـ"زال"؛ وهو مضاف إلى جملة "عقدت يداه إزاره"؛ وهو الأفضل -هنا-. عقدت فعل ماض مبني على =
[ ٣ / ٥٣ ]
أو اسمية؛ كقوله١: [الطويل]
٣٠٧- وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع٢
_________________
(١) = الفتح، والتاء للتأنيث. يداه: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، والهاء: في محل جر بالإضافة. إزاره: مفعول به منصوب، والهاء: مضاف إليه. فسما: الفاء عاطفة، سما: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، منع من ظهوره التعذر؛ والفاعل: هو: يعود إلى يزيد. فأدرك: الفاء عاطفة، أدرك: فعل ماض، والفاعل: هو؛ يعود إلى يزيد. خمسة: مفعول به منصوب، وهو مضاف. الأشبار: مضاف إليه مجرور؛ وخبر "زال" جملة "يدني" في البيت الذي يليه؛ وهو: يدني كتائب من كتائب تلتقي في ظل معترك العجاج مثار موطن الشاهد: "مذ عقدت". وجه الاستشهاد: دخول "مذ" على جملة فعلية؛ وهو الغالب في استعمالها، وينبغي أن يكون فعلها ماضيا. ١ القائل: هو الأعشى ميمون بن قيس، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وليدا وكهلا حين شبت وأمردا وهو من قصيدته المشهورة والتي مطلعها قوله: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبت كما بات السليم مسهدا والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٢١، والأشموني: ٥٦٦/ ٢/ ٢٩٧، والعيني: ٣/ ٣٢٦، الهمع: ١/ ٢١٦، الدرر: ١/ ١٨٥، المغني: ٦٣٢/ ٤٤٢، السيوطي: ٢٥٧، وديوان الأعشى: ١٠٢. المفردات الغريبة: أبغي: أطلب. يافع: هو الغلام الذي بلغ الحلم أو ناهز العشرين، يقال: أيفع الغلام ويفع فهو يافع، ولا يقال موفع، وكأنهم استغنوا باسم الفاعل من الثلاثي. وليدا: صبيا. كهلا: هو من جاوز الثلاثين أو الأربعين إلى الخمسين أو الستين. أمردا: هو الشاب الذي طر شاربه ولم تنبت لحيته؛ لأنه لم يبلغ سن الالتحاء، فإذا بلغه -ولم تنبت لحيته- فهو ثط. المعنى: أنني أطلب المال وأسعى للحصول عليه منذ كنت ناشئا، ثم صبيا، إلى أن بلغت سن الكهولة. الإعراب: ما زلت: ما نافية، زلت: فعل ماض ناقص، مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع اسم "زال". أبغي: فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، وعلامة رفعه الضمة المقدرة =
[ ٣ / ٥٤ ]
وهما، حينئذ، ظرفان باتفاق١.
[زيادة "ما" بعد "من" و"عن" و"الباء"]:
فصل: تزاد كلمة "ما" بعد "من" و"عن" والباء؛ فلا تكفهن عن عمل الجر٢،
_________________
(١) = على الياء للثقل؛ والفاعل: أنا. المال: مفعول به منصوب؛ وجملة "أبغي المال": في محل نصب خبر "زال". مذ: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بـ"أبغي". أنا: ضمير رفع منفصل، في محل رفع مبتدأ. يافع: خبر مرفوع؛ وجملة "أنا يافع": في محل جر بالإضافة؛ وهو الأفضل. موطن الشاهد: "مذ أنا يافع". وجه الاستشهاد: دخول "مذ" على الجملة الاسمية؛ وبعض العلماء يرون أن "مذ" داخلة على زمن مضاف إلى الجملة؛ والتقدير: مذ زمن كوني يافعا؛ وبعضهم أعرب "مذ" مبتدأ، وجعل جملة "أنا يافع" في محل جر بإضافة اسم زمان، يقع خبرا للمبتدأ "مذ". والتقدير: أول أمد بغائي الخير وقت أنا يافع؛ والوجه الذي اعتمدناه أفضل من هذا كله. ١ ذهب بعض النحاة، وتبعهم المؤلف في "مغني اللبيب" إلى أن "مذ ومنذ" إذا وقعت بعدهما جملة فعلية أو اسمية، فهما اسمان غير ظرفين؛ ويكون كل منهما مبتدأ محذوف الخبر؛ غير أن عبارة ابن هشام في المغني تشير إلى الخلاف بوضوح، هل هما ظرفان أو اسمان؟ فهو يقول: "والحالة الثانية أن يليهما الجمل الفعلية أو الاسمية والمشهور أنهما حينئذ ظرفان مضافان، فقيل: إلى الجملة، وقيل: إلى زمن مضاف إلى الجمل؛ وقيل: مبتدآن، فيجب تقدير زمان مضاف إلى الجملة، يكون هو الخبر؛ فما كان -عنده- متفقا عليه في "أوضح المسالك" جعله المشهور في "مغني اللبيب" وعلى كل، فالقول باسميتهما ضعيف. انظر شرح التصريح: ٢/ ٢١، والمغني: ٤٤١-٤٤٢. فائدة: اختلف النحاة في "مذ ومنذ" أهما أصلان أم أن أحدهما أصل للآخر؟ فقال الجمهور: "منذ" أصل، و"مذ" فرع عنه بحذف النون؛ وقال ابن ملكون: كل منهما أصل برأسه؛ وقال المالقي: إذا كانا اسمين، فإن "مذ" فرع عن "منذ"؛ وإذ كانا حرفين؛ فكل منهما أصل، ووجه ذلك أن ادعاءه زيادة النون أو حذفها، تصرف؛ والمقرر أن الحرف، لا يتصرف. أوضح المسالك: ٣/ ٦٤. ٢ لأنها لا تزيل اختصاصهن بالأسماء، ويرى الجمهور: أن "ما" إذا دخلت على واحد من الحروف الثلاثة: الباء، ومن، وعن، لم تكفه أصلا، وهو يؤولون قول الشاعر: فلئن صرت لا تحير جوابا فبما قد ترى وأنت خطيب حيث استشهد به ابن مالك على أن "ما" قد تدخل على الباء، فتكفها. وما ذكره ابن الشجري أن "ما" قد تدخل على "من" فتكفها كقول أبي حية النميري: وإنا لمما نضرب الكبش ضربة على رأسه تلقي اللسان من الفم =
[ ٣ / ٥٥ ]
نحو: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ ١، ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ ٢، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ ٣.
[زيادة "ما" بعد "رب" و"الكاف"]:
وبعد "رب" و"الكاف"؛ فيبقى العمل قليلا؛ كقوله٤: [الخفيف]
٣٠٨- ربما ضربة بسيف صقيل٥
_________________
(١) = يؤولون هذا الشاهد ونحوه على أن "ما" مصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر مجرور بالباء أو من، فتقدير البيت الأول: فبرؤيتنا إياك، وتقدير الثاني: وإنا لمن ضربنا الكبش. هذا وقد زاد جماعة أن "ما" تزاد بعد اللام أيضا فلا تكفها عن عمل الجزء واستدلوا بقول الأعشى: إلى ملك خير أربابه فإن لما كل شيء قرارا مغني اللبيب: ٤٠٨-٤٠٩. ١ ٧١ سورة نوح، الآية: ٢٥. موطن الشاهد: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ما" زائدة بعد "من" الجارة، ولم تمنعها عن العمل في الاسم الذي بعدها، فخطيئات مجرورة بـ"من"، و"هم": في محل جر بالإضافة. ٢ ٢٣ سورة المؤمنين، الآية: ٤٠. وجه الاستشهاد: مجيء "ما" زائدة بعد "عن" الجارة، ولم تكفها عن العمل في الاسم الذي بعدها، كما في الآية السابقة. ٣ ٤ سورة النساء، الآية: ١٥٥، ٥ سورة المائدة، الآية: ١٣. موطن الشاهد: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ما" زائدة بعد الباء الجارة، ولم تكفها عن العمل في الاسم الذي بعدها؛ و"نقضهم": اسم مجرور بالباء، و"هم": في محل جر بالإضافة. ٤ القائل: هو عدي بن الرعلاء الغساني، شاعر جاهلي، اشتهر بنسبته إلى أمه، وضاع اسم أبيه، وهو صاحب القصيدة التي منها البيت المشهور: ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء الخزانة: ٤/ ١٨٧، الأصمعيات: ١٧٠، المرزباني: ٢٥٢، الأعلام: ٤/ ٢٢٠. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: بين بصرى وطعنة نجلاء =
[ ٣ / ٥٦ ]
وقوله١: [الطويل]
٣٠٩- كما الناس مجروم عليه وجارم٢
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢١، والأشموني: ٥٧٢/ ٢/ ٢٩٩، أمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٤٣، والهمع: ٢/ ٣٨، الدرر: ٢/ ٤١، المغني: ٢٣٣/ ١٨٣، ٥٨٨/ ٤١١، السيوطي: ١٣٨-٢٤٧، الخزانة: ٤/ ١٨٧. المفردات الغريبة: صقيل: مجلو أملس. بصرى: بلد بالشام. كان بها سوق في الجاهلية، وذهب إليه النبي ﷺ مع عمه للتجارة، ورآه فيها بحيرا الراهب. نجلاء: واسعة ظاهرة الاتساع. المعنى: كثيرا ما استعملت سيفي للضرب، ورمحي للطعن في هذه الجهة استعمالا مشرفا. الإعراب: ربما: رب حرف جر شبيه بالزائد، و"ما" زائدة لا عمل لها. ضرب: اسم مجرور لفظا بـ"رب" مرفوع محلا، على أنه مبتدأ مرفوع. بسيف: متعلق بمحذوف صفة لـ"ضربة". صقيل: صفة مجرورة لـ"سيف". "بين": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و"بين" مضاف. بصرى: مضاف إليه. وطعنة: الواو عاطفة، و"طعنة": اسم معطوف على ضربة مجرور مثله. نجلاء: صفة لـ"طعنة" مجرورة. فائدة: أضاف الشاعر "بين" إلى "بصرى"؛ وهو اسم مفرد، ولم يعطف عليه مثله -ومعلوم أن "بين" لا تضاف إلا إلى متعدد- لأحد احتمالين؛ الأول: كون "بصرى" في قولة المتعدد؛ لأنها ذات أجزاء، ومحلات كثيرة؛ والتقدير: بين أجزائها وأماكنها؛ والثاني: أن هناك مضافا محذوفا؛ والتقدير: بين أماكن بصرى. موطن الشاهد: "ربما". وجه الاستشهاد: زيادة "ما" بعد "رب" من دون أن تمنعها من العمل؛ وحكم ذلك الجواز مع القلة. ١ القائل: هو عمرو بن براقة الهمداني، وبراقة اسم أمه واسم أبيه منبه، شاعر همداني قبيل الإسلام؛ له أخبار في الجاهلية، عاش إلى خلافة عمر بن الخطاب، ووفد مع من وفد من قومه، ودخل عليه، وكان شيخا كبيرا يعرج، مات بعد سنة ١١هـ. الأعلام: ٥/ ٧٦، الإصابة: ت: ٦٤٧٧، سمط اللآلي: ٧٤٨ و٧٤٩، الأغاني: ٢١/ ١٧٥ "ط. ليدن". ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: وننصر مولانا ونعلم أنه وهو من كلمة قالها عمرو في رجل اسمه حريم من مراد، كان قد أغار على إبل عمرو =
[ ٣ / ٥٧ ]
_________________
(١) = فاستاقها، فأغار عمرو على حريم، واستاق كل شيء عنده، فأتى حريم بعد ذلك عمرا، وطلب إليه أن يرد عليه بعض ما أخذه منه، فأبى عمرو، ورجع حريم. وأول هذه الكلمة قوله: تقول سليمى لا تعرض لتلفة وليلك عن ليل الصعاليك نائم والشاهد من شواهد: "التصريح: ٢/ ٢١، الأشموني: ٥٧٣/ ٢/ ٢٩٩، ابن عقيل: ٢١٧/ ٣/ ٣٥، وأمالي القالي "بولاق": ٢/ ١٢٣، المؤتلف: ٦٧، العيني: ٣/ ٣٣٢، الهمع: ٢/ ٣٨، ١٣٠، الدرر: ٢/ ٤٢، ١٧٠، المغني عدة مرات منها: ١٠١/ ٩٢، ٣٢١/ ٣٢٦، والسيوطي: ٧٣، ٢٤٧، ٢٦٣. المفردات الغريبة: ننصر: نعين ونؤازر. مولانا: المراد هنا: حليفنا أو سيدنا. مجروم: مظلوم واقع عليه الجرم والتعدي. جارم: ظالم معتد. المعنى: يفتخر الشاعر بقومه قائلا: إن من أخلاقنا وشيمتنا، أن نساعد حليفنا، ونعينه على عدوه، ونحن نعلم أنه كغيره من الناس يظلم ويَظلم غيره. الإعراب: وننصر: الواو بحسب ما قبلها، ننصر: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: نحن. مولانا: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، وهو مضاف، و"نا": مضاف إليه. ونعلم: الواو عاطفة، نعلم: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: نحن، وجملة "نعلم": معطوفة على جملة ننصر. أنه: أن حرف مشبه بالفعل، والهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب اسم "أن". كما: الكاف حرف تشبيه وجر، و"ما": زائدة لا محل لها من الإعراب. الناس: اسم مجرور بالكاف، وعلامة جره الكسرة؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف خبر "أن"؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": سد مسد مفعولي نعلم. مجروم: خبر ثان لـ"أن"مرفوع. "عليه": في محل رفع نائب فاعل لاسم المفعول "مجروم". وجارم: الواو عاطفة، جارم: اسم معطوف على "مجروم" مرفوع مثله؛ وفي "جارم" ضمير مستتر فاعل لاسم الفاعل. موطن الشاهد: "كما الناس". وجه الاستشهاد: اقتران الكاف بـ"ما" الزائدة، من دون أن تكفها عن العمل في الاسم الذي بعدها؛ وحكم اقترانها بـ"ما" الزائدة مع بقاء عملها الجواز مع القلة، كما جاء في المتن. فائدة: أولى: قد تزاد "ما" -على قلة أيضا- بعد "اللام"، كما في قول الأعشى: إلى ملك خير أربابه فإن لما كل شيء قرارا أي: فإن لكل شيء. ثانية: تزاد "ما" بعد أدوات الشرط الجازمة في نحو قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾، وبعد أدوات الشرط غير الجازمة في نحو قوله -جل شأنه: ﴿حَتَّى =
[ ٣ / ٥٨ ]
والغالب أن تكفهما عن العمل؛ فيدخلان -حينئذ- على الجمل؛ كقوله١: [الطويل]
٣١٠- كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه٢
_________________
(١) = إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾؛ وهي في الموضعين لم تغير من وضع الأداة شيئا، وإنما زيدت في أحوالها كلها لمجرد التأكيد. ١ القائل: هو نهشل بن حرى بن ضمرة الدارمي، شاعر مخضرم، عاش في الجاهلية، وأدرك الإسلام وأسلم ولم ير النبي ﷺ صحب عليا في حروبه؛ أثنى عليه الجمحي وعلى آبائه وذلك بتواليهم بالشعر والشرف، وقال: لا أعلم في تميم رهطا يتوالون تواليهم. مات نحو سنة ٤٥هـ. الشعر والشعراء: ٢/ ٦٣٧، الجمحي: ٢/ ٥٨٣، الاشتقاق: ١٥٠، الأغاني: ٨/ ١٥٣، الأعلام: ٨/ ٤٩. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، يرثي فيه الشاعر أخاه مالكا، وكان قد قتل في جيش علي يوم صفين، وصدره قوله: أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٢، والعيني: ٣/ ٣٣٤، والهمع: ٢/ ٣٨، والدرر: ٢/ ٤٢. المفردات الغريبة: ماجد: ذو مجد، والمجد: الرفعة والشرف والكرم. يخزني: يوقعني في الخزاية، وهي الإهانة والفضيحة، والمراد: يخذلني. يوم مشهد: اليوم الذي يشهده الناس ويحضرونه، والمراد يوم صفين، وهو الذي قتل فيه أخوه مالك. سيف عمرو: المراد: عمرو بن معديكرب الزبيدي، وسيفه: الصمصامة. مضاربه: جمع مضرب، وهو نحو شبر من طرفه. المعنى: يمدح الشاعر أخاه بالشجاعة والإقدام والكرم، وأنه لم يتخل عنه ولم يخذله، ولم يحجم عن لقاء الأعداء معه يوم صفين؛ كما أن سيف عمرو بن معديكرب لم يخذله، ولم ينب في يده. الإعراب: أخ: خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو أخ. ماجد: صفة لـ"أخ" مرفوع. لم: نافية جازمة. يخزني: فعل مضار مجزوم بـ"لم" وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب مفعولا به؛ والفاعل: هو؛ وجملة "لم يخزني": في محل رفع صفة ثانية لـ"أخ". "يوم": متعلق بـ"يخزي"، وهو مضاف. مشهد: مضاف إليه مجرور. كما: الكاف حرف تشبيه وجر، و"ما" حرف كاف مبني على السكون لا محل له من الإعراب. سيف: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. عمرو: مضاف إليه مجرور. لم: جازمة نافية. تخنه: فعل مضارع مجزوم بـ"لم" وعلامة جزمه =
[ ٣ / ٥٩ ]
وقوله١: [المديد]
٣١١- ربما أوفيت في علم٢
_________________
(١) = السكون، والهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعولا به. مضاربه: فاعل مرفوع، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه؛ وجملة "لم تخنه مضاربه": في محل رفع خبر المبتدأ "سيف". موطن الشاهد: "كما سيف عمرو". وجه الاستشهاد: مجيء الكاف الجارة مقترنة بـ"ما" الكافة؛ فكفتها عن عمل الجر، ودخلت على الجملة الاسمية -كما بينا في الإعراب- حيث تلاها "سيف" الواقع مبتدأ، وخبره جملة "لم تخنه مضاربه"؛ وحكم اقتران "ما" الكافة بالكاف ومنعها من العمل -أي من جر الاسم بعدها- الجواز مع الرجحان. ومثل الشاهد السابق قول عمرو بن حكيم بن معية: ولو جاورتنا العام سمراء لم نبل على جدبنا ألا يصوب ربيع لقد علمت سمراء أن حديثها نجيع كما ماء السماء نجيع والشاهد في قوله: "كما ماء السماء نجيع" حيث جاءت الكاف الجارة، واقترنت بها "ما" الكافة فمنعتها من عمل الجر، وتلاها جملة اسمية؛ فـ"ماء" مبتدأ، والسماء: مضاف إليه. نجيع: خبر المبتدأ مرفوع. ١ القائل: هو جذيمة الأبرش، ويعرف بالوضاح، ثالث ملوك الدولة التنوخية في العراق، جاهلي عاش عمرا طويلا، وملك أرضا واسعة بفضل تنظيمه للجيوش واستعماله للمجانيق. من حديثه أنه قتل عمرو بن الظرف، أبا الزباء واستولى على أرضه، ثم ثأرت الزباء لأبيها فقتلته وذلك نحو: ٣٦٦ق. هـ. خزانة الأدب: ٤/ ٥٦٩، الأعلام: ٢/ ١١٤. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: ترفعن ثوبي شمالات وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٢، والأشموني: ٥٧٤/ ٢/ ٢٩٩، سيبويه: ١/ ١٥٤، والنوادر: ٢١٠، والمقتضب: ٣/ ١٥، والمؤتلف: ٣٤٠، أمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٤٣، شرح المفصل: ٩/ ٤٠، المقرب: ٨٦، العيني: ٣/ ٢٣٤، ٣/ ٣٢٨، الهمع: ٢/ ٣٨، ٧٨، الدرر: ٢/ ٤١، ٩٩، المغني: ٢٢٢/ ١٨٠، ٢٣٢/ ١٨٣، ٥٧٦/ ٤٠٧، والسيوطي: ١٣٤، ٢٤٥. المفردات الغريبة: أوفيت: نزلت. علم: جبل. شمالات: جمع شمال، وهي ريح تهب من ناحية القطب الشمالي، =
[ ٣ / ٦٠ ]
والغالب على "رب" المكفوفة" أن تدخل على فعل ماض، كهذا البيت١.
وقد تدخل على مضارع منزل الماضي؛ لتحقق وقوعه؛ نحو: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢.
_________________
(١) = المعنى: كثيرا ما أنزل على الجبال العالية في مهب الرياح العاتية، متحملا المصاعب لأرقب الأعداء؛ فهو يفتخر بأنه يرقب الطليعة بنفسه متحملا المشاق ولا يعتمد على غيره في المراقبة. الإعراب ربما: رب حرب جر شبيه بالزائد، يفيد التقليل، و"ما": حرف كاف لـ"رب" عن عمل الجر لفظا في الاسم الذي يليه؛ وهو مهيئ لهذا الحرف أن يدخل على الجمل. أوفيت: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك؛ والتاء: في محل رفع فاعل. "في علم": متعلق بـ"أوفى". ترفعن: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة؛ ونون التوكيد لا محل لها من الإعراب. ثوبي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل الياء، منع من ظهروها اشتغال المحل بالحركة المناسبة لياء المتكلم؛ والياء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. شمالات: فاعل مرفوع مؤخر. موطن الشاهد: "ربما أوفيت". وجه الاستشهاد: اقتران "ما" الكافة بـ"رب" ومنعها إياها من عمل الجر؛ ودليل ذلك دخول "رب" على الجملة الفعلية؛ ولو بقي عمل "رب"؛ لدخل على الاسم. ١ لأن معناها التكثير أو التقليل، وهما إنما يكونان فيما عرف حده، والمستقبل مجهول، وإذا كانت "ما" كافة، و"رب" غير عاملة وجب وصلهما كتابة؛ فإن كانت "رب" عاملة وجب فصلهما. ٢ ١٥ سورة الحجر، الآية: ٢. موطن الشاهد: "ربما يود". وجه الاستشهاد: دخول "رب" المكفوفة على فعل مضارع متحقق الوقوع؛ وحكم دخولها على الفعل المضارع الجواز مع القلة، كما في الآية الكريمة؛ وذكر ابن هشام في "المغني": إنما جاز دخول "ربما" على "يود"؛ "لأن المستقبل معلوم -عند الله تعالى- كالماضي، وقيل: هو على حكاية حال ماضية مجازا، مثل قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾؛ وقيل: التقدير ربما كان يود، وليس حذف كان من دون "إن" و"لو" الشرطيتين سهلا، ثم الخبر حينئذ -وهو "يود"- مخرج على حكاية الحال الماضية؛ فلا حاجة إلى تقدير كان، ولا يمتنع دخولها على الاسمية، خلافا للفارسي". انظر مغني اللبيب: ٤٠٨، وشرح التصريح: ٢/ ٢٢.
[ ٣ / ٦١ ]
وندر دخولها على الجملة الاسمية؛ كقوله١: [الخفيف]
٣١٢- ربما الجامل المؤبل فيهم٢
حتى قال الفارسي٣: يجب أن تقدر "ما" اسما مجرورا بـ"رب" بمعنى
_________________
(١) ١ القائل: هو أبو دؤاد الإيادي؛ جارية بن الحجاج، شاعر جاهلي، وأحد وصاف الخيل المشهورين شهد له بذلك الأصمعي. وله شعر في المدح والهجاء وقد كانت تفخر إياد به فتقول: فينا أشعر العرب، تجريد الأغاني، ١٧٧٨، الشعر والشعراء: ١/ ٢٣٧، الأعلام: ١/ ١٠٦، السمط: ٨٧٩. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وعناجيج بينهن المهار والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٢، والأشموني: ٥٧٠/ ٢/ ٢٩٨، وابن عقيل: ٢١٥/ ٣/ ٣٣، والعيني: ٣/ ٣٢٨، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٤٣، وشرح المفصل: ٨/ ٢٩، الخزانة: ٤/ ١٨٨، الهمع: ٢/ ٢٦، ٣٨، الدرر: ٢/ ٤١، المغني: ٢٣٤/ ١٨٣، السيوطي: ١٣٩، ديوان أبي دؤاد: ٣١٦. المفردات الغريبة: الجامل: اسم جمع للإبل لا واحد له، وقيل القطيع من الإبل مع رعاتها. المؤبل: المعد للقنية. عناجيج: جمع عنجوج كعصفور، وهي الخيل الجياد الطويلة الأعناق. المها: جمع مهر، وهو ولد الفرس، والأنثى مهرة. المعنى: يفتخر الشاعر بنفسه ويصفها بالجود والكرم، وأنه لا يبخل على من يتصل به بأحسن ما عنده؛ من الإبل المتخذة للقنية، والخيل الجياد التي معها أولادها. الإعراب: ربما: حرف جر شبيه بالزائد، يفيد التقليل، وما: كافة لـ"رب" عن العمل، الجامل: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، المؤبل: صفة لـ"الجامل" مرفوع. "فيهم": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. وعناجيج: الواو عاطفة، عناجيج: اسم معطوف على الجامل مرفوع مثله. بينهن: "بين" متعلق بمحذوف خبر مقدم، و"هن": في محل جر بالإضافة. المهار: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "المبتدأ والخبر": في محل رفع صفة لـ"عناجيج". موطن الشاهد: "ربما الجامل فيهم". وجه الاستشهاد: دخول "رب" المكفوفة بـ"ما" على الجملة الاسمية؛ وحكم دخولها على الجمل الاسمية الجواز مع الندرة. ٣ جعل الفارسي "ما" في هذا البيت نكرة بمعنى شيء مجرور المحل برب؛ وذلك لأنه لا يجوز دخول "رب" المكفوفة على الجملة الاسمية، وجعل "الجامل": خبر مبتدأ محذوف، أي: رب شيء هو الجامل، وفيهم: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال؛ =
[ ٣ / ٦٢ ]
شيء؛ و"الجامل"؛ خبرا لضمير محذوف؛ والجملة صفة لما؛ أي: رب شيء هو الجامل المؤبل.
[حذف "رب" وبقاء عملها]:
فصل: تحذف "رب" ويبقى عملها، بعد الفاء كثيرا؛ كقوله١: [الطويل]
٣١٣- فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع٢
_________________
(١) = فيكون مدخول رب مفردا، وإنما قدر الفارسي ضميرا محذوفا، ولم يجعل الجملة على حالها صفة لما؛ ليحصل الربط بين الصفة والموصوف؛ وفي هذه الحالة، تكتب "ما" مفصولة من "رب"، بخلاف "ما" الكافة فإنها تكتب موصولة؛ كما بينا من قبل. انظر مغني اللبيب: ٤٠٨، والتصريح: ٢/ ٢٢. ١ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فألهيتها عن ذي تمائم محول والبيت من معلقته المشهورة، وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٢، والشذور ١٦١/ ٤٢٥، والهمع: ٢/ ٣٦، والدرر: ٢/ ٣٨، والمغني: ٢٢٧/ ١٨١، ٢٩٠/ ٢١٣، والسيوطي: ١٣٧-١٥٨، وابن عقيل: ٢١٨/ ٣/ ٣٦، والأشموني: ٥٧٧/ ٢/ ٣٩٩، وديوان امرئ القيس: ١٤٧. المفردات الغريبة: طرقت: أتيتها ليلا، والطروق: الإتيان في الليل. ألهيتها: شغلتها. تمائم: جمع تميمة وهي التعاويذ التي تعلق على الصبي لتقيه من العين والسحر ونحوهما على عقيدة العرب. محول: اسم فاعل، من أحول الصبي إذا مر من عمره حول. المعنى: رب امرأة مثلك حبلى ومرضع قد أتيتها ليلا فشغلتها عن طفلها الصغير الذي تولع به. وخص الحبلى والمرضع؛ لأنهما أزهد النساء في الرجال، ومع ذلك تعلقتا به ومالتا إليه. الإعراب: فمثلك: الفاء عاطفة، مثل: اسم مجرور لفظا بـ"رب" المقدرة، منصوب محلا على أنه مفعول به لـ"طرقت" الآتي، والكاف: في محل جر بالإضافة؛ والتقدير: فـ"رب مثلك طرقت". حبلى: بدل من "مثل" مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة إن راعينا اللفظ. ومنصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة إن راعينا المحل. قد: حرف تحقيق. طرقت: فعل ماض، والتاء: في محل رفع فاعل. ومرضع: الواو عاطفة، مرضع: اسم معطوف على "حبلى"؛ والراجح في روايته الجر؛ غير أنه يجوز مراعاة =
[ ٣ / ٦٣ ]
وبعد الواو أكثر١؛ كقوله٢: [الطويل]
_________________
(١) = المحل، فيجوز نصبه عطفا على محل "حبلى". فألهيتها: الفاء عاطفة، ألهى: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، و"ها": ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعولا به. "عن ذي": متعلق بـ"ألهيتها"؛ و"ذي" من الأسماء الستة؛ فعلامة جره الياء بدل الكسرة، وهو مضاف. تمائم: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف؛ لأنه على صيغة منتهى الجموع. محول: صفة لـ"ذي تمائم" مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. موطن الشاهد: "فمثلك". وجه الاستشهاد: جر "مثل" بـ"رب" المحذوفة بعد الفاء؛ وحكم الجر بـ"رب" المحذوفة بعد الفاء الجواز مع الكثرة؛ ومثل هذا الشاهد قول المتنخل الهذلي: فحور قد لهوت بهن عين نواعم في المروط وفي الرياط ١ ذهب الكوفيون وأبو العباس المبرد من البصريين إلى أن الواو تعمل بنفسها الجر في النكرة، وقالوا في تعليل ذلك: لأن الواو نابت عن "رب" التي تعمل الجر؛ فلما نابت عنها؛ عملت عملها، ولا يمكن أن نعد هذه الواو واو العطف؛ لأنها تقع في أول الكلام؛ وذهب البصريون إلى أن الواو، ليست هي التي تعمل الجر، وإنما عامل الجر "رب" مقدرة، وقالوا في تعليل رأيهم: "لأن الواو حرف غير مختص، والحرف غير المختص أصله ألا يعمل شيئا، وإذا كانت الواو، ليست هي عامل الجر، لزم أن نقدر عاملا يكون جر ما بعد الواو به، وإنما قدرنا الجر بـ"رب" لأنا رأينا "رب" يجوز ظهورها مع الواو، فيقال: ورب ليل ورب بلد، ومن ذلك قول الشاعر: "ورب أسيلة الخدين بكر" والذي ينقض قول الكوفيين والمبرد: "إن العامل هو الواو نفسها في نحو: وليل، ونحول: وبلد" أنا رأينا العرب تجر بـ"رب" محذوفة، وليس في الكلام عوض منها: كما في قول الشاعر: مثلك أو خير تركت رذية تقلب عينيها إذا طار طائر ورأينا العرب -أيضا- تجر الاسم النكرة بعد بل وبعد الفاء، ولم يقل أحد منا ومنكم: إن بل أو الفاء تجر، وهذان الحرفان، يحسن ظهورهما في الكلام مع "رب" كما قلنا في شأن الواو، ولو كان حرف منها نائبا عن رب وعوضا عنها، لم يجز أن يظهر في الكلام معها؛ لأن العوض لا يذكر مع المعوض. انظر مغني اللبيب: ٤٧٧، وهمع الهوامع: ٢/ ٣٦-٣٧. ٢ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته.
[ ٣ / ٦٤ ]
٣١٤- وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله١
وبعد "بل" قليلا؛ كقوله٢: [الرجز]
٣١٥- بل مَهمَهٍ قطعت بعد مهمه٣
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: علي بأنواع الهموم ليبتلي والبيت من معلقته المشهورة التي كثر الاستشهاد بأبياتها. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٢، وشذور الذهب: ١٦٠/ ٤٢٤، شرح الزوزني: ١٠٦، والمغني: ٦٧٢/ ٤٧٣، والأشموني: ٥٧٩/ ٢/ ٣٠٠، وديوان امرئ القيس: ١٥١. المفردات الغريبة: كموج البحر: أي مثله في شدة هوله وظلمته. سدوله: ستوره، والمفرد: سدل. ليبتلي: ليختبر ويمتحن. المعنى: رب ليل عظيم الهول والخوف أسدل علي ستور ظلامه مع أنواع الهموم والأحزان؛ ليختبر ما عندي من الشجاعة والاحتمال والصبر، أو الجزع والفزع قطعته ولم أبال به. الإعراب: وليل: الواو: واو رب، لا محل لها من الإعراب، ليل: اسم مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ. "كموج": متعلق بمحذوف صفة لـ"ليل"، وموج: مضاف. البحر: مضاف إليه مجرور. أرخى: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، منع من ظهروه التعذر؛ والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره هو. سدوله: مفعول به منصوب، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه؛ وجملة "أرخى سدوله": في محل رفع خبر المبتدأ المجرور لفظا بـ"رب" المقدرة. "علي": متعلق بـ"أرخى". بأنواع: متعلق بـ"أرخى" أيضا، وأنواع مضاف. الهموم: مضاف إليه مجرور. ليبتلي: اللام للتعليل، يبتلي: فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد لام التعليل؛ والمصدر المؤول من "أن المصدرية المضمرة مع يبتلي": في محل جر بلام التعليل؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ"أرخى". موطن الشاهد: "وليل". وجه الاستشهاد: جر "ليل" بـ"رب" المقدرة بعد الواو؛ وحكم عمل رب محذوف بعد الواو الجواز وهو شائع بكثرة؛ وعملها محذوفة بعد الواو من عملها محذوفة بعد الفاء. ٢ القائل: هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا بيت من مشطور الرجز استشهد به: التصريح: ٢/ ٢٣، والعيني ٣/ ٣٤٥، وشرح شواهد الشافية: ٢٠٢، واللسان "بلل"، وديوان رؤبة: ١٦٦. =
[ ٣ / ٦٥ ]
وبدونهن أقل؛ كقوله١: [الخفيف]
٣١٦- رسم دارٍ وقفت في طلله٢
_________________
(١) = المفردات الغريبة: مهمه: مفازة بعيدة الأطراف. قيل سميت بذلك؛ لأن سالكها يقول لصاحبه من الخوف والذعر: مه مه، أي كف عن الحديث. الإعراب: بل: حرف عطف يفيد الإضراب، لا محل له من الإعراب. مهمه: اسم مجرور لفظا بـ"رب" المقدرة المحذوفة، منصوب محلا، على أنه مفعول به لـ"قطعت" الآتي. "بعد": متعلق بـ"قطع"، وهو مضاف. مهمه: مضاف إليه مجرور. موطن الشاهد: "بل مهمه". وجه الاستشهاد: جر "مهمه" بـ"رب" المحذوفة المقدرة بعد "بل"؛ وحكم حذف "رب" مع بقاء عملها بعد "بل" الجواز مع القلة؛ ومثل هذا الشاهد قول رؤبة بن العجاج: بل بلد ذي صعد وأصباب قطعت أخشاه بعسف جواب فجاءت "رب" مقدرة بعد "بل"، وبقي عملها، بعد حذفها. ١ القائل: هو جميل بن معمر العذري، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: كدت أقضي الحياة من جلله وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٣، وابن عقيل "٢٢٠/ ٣/ ٣٨"، وأمالي القالي: ١/ ٢٤٦، واللسان "جلل"، وديوان جميل بن معمر العذري: ١٨٧. المفردات الغريبة: رسم دار: هو ما بقي من آثارها لاصقا بالأرض، كالرماد ونحوه. طلله، الطلل: ما شخص أي ما ارتفع من آثارها، كالوتد والأثافي. من جلله: من أجله، أو من عظم شأنه في نفسي. المعنى: رب أثر باق من آثار ديار الأحبة وقفت عنده، فكدت أموت أسى وحزنا على تلك الديار، التي كانت عامرة ولها أعظم شأن في نفسي، فاصبحت خرابا خاوية من أهلها. الإعراب: رسم: اسم مجرور لفظا بـ"رب" المقدرة، مرفوع محلا على أنه مبتدأ؛ وهو مضاف. دار: مضاف إليه مجرور. وقفت: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: في محل رفع فاعل. "في طلله": متعلق بـ"وقف"، وطلل: مضاف، والهاء مضاف إليه؛ وجملة "وقفت في طلله": في محل رفع صفة لـ"رسم"؛ أو في محل جر صفة له؛ تبعا للفظ الموصوف. كدت: فعل ماض من أفعال المقاربة مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك؛ والتاء: في محل رفع اسم "كاد". أقضي: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. الحياة: مفعول به منصوب. "من جلله": متعلق بـ"أقضي"، وجلل: مضاف، و"الهاء": في محل جر بالإضافة؛ وجملة "أقضي =
[ ٣ / ٦٦ ]
[حذف غير رب وبقاء عمله]:
وقد يحذف غير "رب" ويبقى عمله؛ وهو ضربان:
١- سماعي؛ كقول رؤبة: "خيرٍ والحمد لله"؛ جوابا لمن قال له كيف أصبحت١؟
٢- وقياسي، كقولك٢: "بكم درهم اشتريت ثوبك"؛ أي: بكم من درهم؟؛
_________________
(١) = الحياة..": في محل نصب خبر "كاد"؛ وجملة "كاد واسمها وخبرها": في محل رفع خبر المبتدأ. موطن الشاهد: "رسم دار". وجه الاستشهاد: جر "رسم" بـ"رب"؛ وهي محذوفة من غير أن يتقدم هذا المجرور حرف من الأحرف السابق ذكرها؛ وحكم هذا قليل ونادر. ١ الأصل: بخير، أو على خير، فحذف الجار وأبقى عمله، ورؤبة هذا من فصحاء العرب الذين يستشهد بقولهم. ٢ بقي مما يطرد فيه الحذف غير ما ذكره المصنف:
(٢) أن يكون الجار أحد حروف القسم والمجرور لفظ الجلالة دون عوض من حرف القسم المحذوف: الله لأفعلن.
(٣) في جواب سؤال اشتمل على حرف مثل الحرف المحذوف، نحو "زيد"، في جواب من قال: بمن اهتديت؟
(٤) في العطف على ما تضمن مثل الحرف المحذوف إذا كان العطف بحرف منفصل بـ"لو" كقول الشاعر: "متى عدتم بنا ولو فئة منا".
(٥) أن يكون المجرور معطوفا على آخر؛ بحرف منفصل بلا، كقول الشاعر: ما لمحب جلد أن يهجرا ولا حبيب رأفة فيجبرا
(٦) أن يكون المجرور مقرونا بهمزة استفهام بعد كلام تضمن مثل الحرف المحذوف، نحو قولك: "أزيد بن عمرو" جوابا لمن قال: "اهتديت بزيد".
(٧) أن يكون المجرور مسبوقا بهلا بعد كلام اشتمل على مثل الحرف المحذوف؛ نحو: "هلا رجل يعتمد عليه". بعد قول القائل "تمسكت بخالد".
(٨) أن يكون المجرور مسبوقا بإن، وفي الكلام السابق عليه مثل الحرف المحذوف؛ نحو: لا تمسك بأحسنهما خلقا، إن علي وإن عمرو".
(٩) لام التعليل إن جرت كي المصدرية وصلتها؛ نحو: جئت كي أتعلم. =
[ ٣ / ٦٧ ]
خلافا للزجاج، في تقديره١. الجر بالإضافة؛ وكقولهم: "إن في الدار زيدا والحجرة عمرا" أي: وفي الحجرة؛ خلافا للأخفش، إذ قدر العطف، على معمولي عاملين٢؛ وقولهم: "مررت برجل صالح إلا صالحٍ فطالحٍ" حكاه يونس٣؛ وتقديره: إلا أمر بصالح، فقد مررت بطالح٤.
_________________
(١) = ٩- بعد أن المصدرية وأن المؤكدة؛ نحو: "رغبت أن أتنسك" و"عجبت أنك مستمر في ضلالك".
(٢) أن يكون المجرور بالحرف معطوفا على خبر "ليس" أو "ما" الحجازية بشرط أن يكون صالحا لدخول حرف الجر عليه، بأن يكون الخبر اسما لم ينتقض نفيه بإلا؛ نحو: لست مدركا القطار، ولا قادر على العودة بجر "قادر" بالعطف على مدركا، الذي يجوز جره بالباء، فيقال: لست بمدرك. فعلى الجواز الموهوم عطف عليه بالجر؛ وهذا هو الذي يسميه النحاة: العطف على التوهم. انظر: همع الهوامع: ٢/ ٣٧، والنحو الوافي: ٢/ ٥٣٢، والأشموني مع حاشية الصبان: ٢/ ٢٣٣-٢٣٥. ١ وذلك من وجهين: أحدهما: أن كم الاستفهامية، لا يصلح أن تعمل الجر؛ لأنها قائمة مقام عدد مركب؛ والعدد المركب، لا يعمل الجر، فكذا ما قام مقامه. والثاني: أن الجر بعد "كم" الاستفهامية، لو كان بالإضافة، لم يشترط دخول حرف الجر على كم، فاشتراط ذلك دليل على أن الجر بمن مضمرة؛ لكون حرف الجر الداخل على كم عوضا عن اللفظ بمن بخلاف كم الخبرية؛ فإنه لما لم يشترط دخول حرف الجر عليها، كان تمييزها مجرورا بالإضافة لا بمن مضمرة خلافا للفراء. شرح التصريح: ٢/ ٢٣. ٢ فجعل "الحجرة" معطوفة على الدار، و"عمرا" معطوفا على "زيدا" والدار وزيد معمولان لعاملين مختلفين؛ لأن العامل في الدار حرف الجر، والعامل في "زيد" إن. والعطف بحرف واحد على معمولين لعاملين مختلفين، مما لا يجيزه. سيبويه وأنصاره؛ لضعف حرف العطف عن أن يقوم مقام عاملين مختلفين. انظر حاشية الصبان. ٢/ ٢٣٥، وشرح التصريح: ٢/ ٢٣. ٣ وحكاه سيبويه "إلا صالحا فطالحا" بنصبهما على تقدير إلا يكن صالحا يكن طالحا، وحكاه أيضا "إلا صالحا فطالح" بنصب الأول ورفع الثاني على تقدير إلا يكن صالحا فهو طالح. ٤ هذا تقدير ابن مالك، وقدره سيبويه: إلا أكن مررت بصالح فبطالح. قيل: وهو الصواب؛ لئلا يتنقض إخبارك أولا بالمرور فيما مضى؛ لأن إلا أمر معناه في =
[ ٣ / ٦٨ ]
_________________
(١) = المستقبل؛ ويمكن حمل تقدير ابن مالك عليه، بأن يجعل معنى إلا أمر إن لا أكن مررت. شرح التصريح: ٢/ ٢٣. حاشية الصبان: ٢/ ٢٣٥. فائدتان: ١- لا يجوز الفصل بين حرف الجر ومجروره اختيارا، ويجوز الفصل بينهما اضطرارا بظرف أو جار ومجرور.
(٢) ذكرنا: أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلق يرتبطان به، وهذا المتعلق قد يكون فعلا أو شبهه كاسم الفعل، او مؤولا بما يشبه ذلك، أو ما يشير إلى معناه، نحو: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ أي وهو المسمى بهذا الاسم، ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ أي: انتفى الكون مجنونا بنعمة ربك، فإن لم يكن شيء من ذلك، قدر الكون المطلق متعلقا. ويستثنى من ذلك: أ- الحروف الزائدة؛ لأنه أتى بها للتأكيد لا للربط. ب- "لعل" في لغة عقيل؛ لأنها شبيهة بالزائد. ج- "رب" في مثل: رب رجل محسن قابلت؛ لأن مجرورها مفعول. د- "لولا" عند من جر بها؛ لأنها بمنزلة "لعل" في رفع ما بعدها محلا. هـ- حروف الاستثناء وهي: خلا، وعدا، وحاشا، إذا خفضن. انظر الأشموني مع حاشية الصبان: ٢/ ٢٣٦.
[ ٣ / ٦٩ ]
[باب الإضافة١]
هذا باب الإضافة
[ما يحذف من الاسم المراد إضافته]:
تحذف من الاسم٢ الذي تريد إضافته ما فيه من تنوين؛ ظاهر، أو مقدر؛
_________________
(١) ١ الإضافة في اللغة: مطلق الإسناد، قال امرؤ القيس بن حجر الكندي: فلما دخلناه أضفنا ظهورنا إلى كل حاري جديد مشطب يريد: لما دخلنا هذا البيت، أسندنا ظهرونا إلى كل رحل منسوب إلى الحيرة؛ لأن جلب منها أو صنع بها. والإضافة في اصطلاح النحاة: إسناد اسم إلى غيره، على تنزيل الثاني من الأول منزلة التنوين أو ما يقوم مقامه. وإن شئت قلت: هي نسبة تقييدية بين اسمين تقتضي أن يكون ثانيهما مجرورا دائما والمراد بالنسب: الإسناد والحكم. ومعنى كونها تقييدية: أنها نسبة جزئية؛ الغرض منها تقييد المضاف بالمضاف إليه، وإيجاد نوع من القصر والتحديد له بعد أن كان عاما مطلقا. هذا، ولا يكون المصاف إلا اسما؛ لأن الإضافة تعاقب التنوين أو النون القائمة مقام التنوين والذي -أي التنوين- هو من صفات الأسماء، ولأن الغرض من الإضافة تعريف المضاف. والفعل لا يتعرف، فلا يكون مضافا؛ وكذلك المضاف إليه، لا يكون إلا اسما؛ لأنه محكوم عليه، ولا يحكم إلا على الأسماء. انظر شرح التصريح: ٢/ ٢٣-٢٤، وهمع الهوامع: ٢/ ٤٦. ٢ يحذف من الاسم المراد إضافته ثلاثة أشياء:
(٢) التنوين الظاهر من الاسم المنصرف؛ نحو: "ثوب خالد"، والتنوين المقدر في الاسم الممنوع من الصرف؛ نحو: دراهم زيد.
(٣) النون المعوض بها عن التنوين، وذلك في المثنى، تقول في عصوان: عصواك. وجمع المذكر السالم، فتقول في "مستوطنون" مستوطنو مصر.
(٤) "أل" المعرفة، وذلك في الإضافة المحضة مطلقا فتقول في إضافة الدرهم: درهمك، ولا تقول: الدرهمك. وأما الإضافة غير المحضة، فإن كان المضاف مثنى أو جمع مذكر سالما أو لم يكن واحدا منهما لكن كان المضاف إليه مقترنا بأل صح أن تبقى أل في المضاف نحو: المستوطنا عدن، والضاربو زيد، والضارب الرجل، فأما إذا كان المضاف =
[ ٣ / ٧٠ ]
كقولك في "ثوب ودراهم": "ثوب زيد" و"دراهمه" ومن نون تلي علامة الإعراب؛ وهو نون التثنية وشبهها؛ نحو: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ١، و"هذان اثنا زيد"، ونون جمع المذكر السالم وشبهه؛ نحو: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ ٢، و"عشرو عمرو"٣، ولا تحذف النون التي تليها علامة الإعراب؛ نحو: "بساتين زيد"، و﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ﴾ ٤.
ويجر المضاف إليه بالمضاف، وفاقا لسيبويه٥، لا بمعنى اللام؛ خلافا للزجاج٦.
_________________
(١) = مفردا والمضاف إليه غير مقترن بأل فيجب حذف أل من المضاف، فتقول في إضافة "الساكن": ساكن مصر، ولا تقول: الساكن مصر. ويجوز حذف تاء التأنيث بشرط ألا يوقع حذفها في لبس؛ نحو: عدة وإقامة، يجوز أن تقول: عدتك وإقامتك -بذكر التاء- وقد حذفت التاء في قوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾ . انظر حاشية يس على التصريح: ٢/ ٢٤، وحاشية الصبان: ٢/ ٢٣٧. ١ ١١١ سورة المسد، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف نون التثنية في "يدا" لإضافتها إلى أبي لهب. ٢ ٢٢ سورة الحج، الآية: ٣٥. موطن الشاهد: ﴿الْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف نون جمع المذكر السالم في "المقيمي" لإضافتها إلى الصلاة؛ ولو أعمل اسم الفاعل؛ لثبتت النون في "المقيمين" وانتصبت الصلاة على المفعولية. ٣ عشرو: شبيه بجمع المذكر في إعرابه بالحروف، وليس بجمع؛ لأنه لا مفرد له. ٤ ٦ سورة الأنعام، الآية: ١١٢. موطن الشاهد: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ﴾ . وجه الاستشهاد: ثبوت النون في "شياطين" على الرغم من إضافتها؛ فكونها لا تشبه التنوين فيما ذكر؛ لأن النون -هنا- تليها علامة الإعراب، وهي حركة الضمة. ٥ ووافقه الجمهور وهو الصحيح؛ بدليل اتصال الضمير به، والضمير لا يتصل إلا بعامله. ٦ حيث ذهب إلى أن الجار هو ما تتضمنه الإضافة من معنى اللام. هذا وقد ذهب السهيلي، وأبو حيان إلى أن الجار، هو الإضافة، وذهب ابن الباذش إلى أن الجار للمضاف حرف جر مقدر، ويرده أنا لا نجد لهذا الحرف الذي سنقدره متعلقا يتعلق به. انظر التصريح: ٢/ ٣٥، وحاشية الصبان: ٢/ ٢٣٨، والإنصاف: ٢/ ٤٢٧.
[ ٣ / ٧١ ]
[معاني الإضافة]:
فصل: وتكون الإضافة على معنى "اللام" بأكثرية؛ وعلى معنى "من" بكثرة، وعلى معنى "في" بقلة١.
وضابط التي بمعنى "في": أن يكون الثاني ظرفا للأول؛ نحو: ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ ٢، و﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ ٣.
والتي بمعنى "من": أن يكون المضاف بعض المضاف إليه وصالحا للإخبار به عنه٤؛ كـ"خاتم فضة"؛ ألا ترى أن الخاتم، بعض جنس الفضة، وأنه يقال: هذا الخاتم فضة.
_________________
(١) ١ للنحاة في معنى الإضافة عدة مذاهب منها: أ- ذهب أبو حيان إلى أن الإضافة، ليست على معنى حرف أصلا، ولا هي على نية حرف. ب- وذهب أبو إسحاق الزجاج وأبو الحسن بن الصائغ إلى أن الإضافة، تكون على معنى اللام فقط. ج- وذهب الجمهور إلى أن الإضافة، تكون على معنى اللام أو على معنى من، ولا تكون على معنى في. د- ورأى ابن مالك -تبعا لطائفة من النحاة- وتبعه شارحو كلامه؛ ومنهم ابن هشام الأنصاري أن الإضافة، تجيء على معنى أحد حروف ثلاثة؛ وهي اللام، ومن، وفي. انظر شرح التصريح: ٢/ ٢٥-٢٦. ٢ ٣٤ سورة سبأ، الآية: ٣٣. موطن الشاهد: ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الإضافة بمعنى في؛ حيث وقع المكر مضافا والليل مضافا إليه؛ والليل ظرف للمكر؛ والتقدير: مكر في الليل. ٣ ١٢ سورة يوسف، الآية: ٣٩، ٤١. موطن الشاهد: ﴿صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الإضافة بمعنى في؛ حيث وقع "صاحبي" مضافا، والسجن مضافا إليه؛ ومعلوم أن السجن ظرف مكان لـ"صاحبي"؛ والتقدير: يا صاحبان في السجن. ٤ أي: يصح الإخبار بالمضاف إليه عن المضاف.
[ ٣ / ٧٢ ]
فإن انتفى الشرطان معا، نحو "ثوب زيد" و"غلامه"، و"حصير المسجد"، و"قنديله"١؛ أو الأول فقط، نحو: "يوم الخميس"٢، أو الثاني فقط؛ نحو: "يد زيد"٣؛ فالإضافة بمعنى لام الملك والاختصاص٤.
[أنواع الإضافة]:
فصل: والإضافة على ثلاثة أنواع:
١- نوع يفيد تعرف المضاف والمضاف إليه إن كان معرفة، كـ"غلام زيد"، وتخصصه به إن كان نكرة٥؛ كـ"غلام امرأة"؛ وهذا النوع، هو الغالب٦.
_________________
(١) ١ فالثوب والغلام، ليسا بعض زيد، وكذلك الحصير والقنديل، ليسا بعض المسجد، ولا يصح الإخبار بزيد، ولا بالمسجد عما قبلهما؛ والإضافة في الأولين للملك، وفي الآخرين للاختصاص؛ وفي الحالات الأربع، لا يصح الإخبار فيها بالمضاف إليه عن المضاف، ولا المضاف إليه فيها ظرف للمضاف. شرح التصريح: ٢/ ٢٥. ٢ فإن اليوم، ليس بعض الخميس، وإن كان يصح الإخبار عنه بالخميس؛ فالإضافة -هنا- من إضافة المسمى إلى الاسم. ٣ فاليد -وإن كانت بعض يد- غير أنه لا يصح الإخبار عنها به، والإضافة فيه من إضافة الجزء إلى كله. ٤ المقصود بلام الملك، كما في ثوب زيد وغلامه؛ ولام الاختصاص، كما في بقية الأمثلة، وعلى هذا، تكون الإضافة التي على معنى اللام، هي التي يتحقق معناها من دون معنى "من" أو "في". فائدتان: فائدة "أ": لا يشترط في الإضافة التي بمعنى اللام صحة التصريح بها؛ بل يكفي إفادة معناها؛ نحو: يوم الاثنين، وعلم البلاغة، وشجرة التفاح؛ فإنها بمعنى لام الاختصاص، ولا يصح إظهار اللام فيها. فائدة "ب": من الإضافة التي على معنى "من": إضافة الأعداد إلى المعدودات؛ نحو: خمسة طلاب. وإضافة العدد إلى مثله؛ نحو: خمسمائة، ولا يضر -هنا- عدم صحة الإخبار في الظاهر؛ لأن المضاف إليه يشمل المضاف. وإضافة المقادير إلى الأشياء المقدرة؛ نحو: اشتريت صاع بر. ضياء السالك: ٢/ ٢٨٨. ٥ المراد بالتخصص: تقليل الشيوع والاشتراك في النكرة، بحيث تصبح في درجة بين المعرفة والنكرة؛ من ناحية التعيين والتحديد. ٦ وذلك؛ لأن كلا من المتضايفين، يؤثر في الآخر؛ فالمضاف يؤثر الجر في المضاف إليه؛ =
[ ٣ / ٧٣ ]
٢- ونوع يفيد تخصص المضاف دون تعرفه١؛ وضابطه: أن يكون المضاف متوغلا في الإبهام٢؛ كـ"غير" و"مثل"؛ إذا أريد بهما مطلق المماثلة والمغايرة٣، لا كمالهما٤؛ ولذلك صح وصف النكرة بهما في نحو: "مررت برجل مثلك"، أو "غيرك"٥.
وتسمى الإضافة -في هذين النوعين- معنوية؛ لأنها، أفادت أمرا معنويا٦،
_________________
(١) = وهذا يؤثر في الأول التعريف أو التخصيص؛ وضابطه: انتفاء ضابطي القسمين الآتيين. شرح التصريح: ٢/ ٢٦. ١ ينقسم هذا النوع إلى قسمين؛ الأول: ملازم للتنكير، ولا يقبل التعريف أصلا، ولو أضيف إلى معرفة؛ لشدة توغله في الإبهام، وقد ذكر المؤلف ضابطه. والقسم الثاني: يقبل التعريف، ولكن يجب تأويله بنكرة؛ لأنه حل محل ما لا يكون إلا نكرة؛ ومن ذلك: المعطوف على مجرور رب، وعلى التمييز المجرور بعد "كم"؛ نحو: رب رجل وصديقه، كم ناقة وفصيلها؛ لأن مجرور "رب" و"كم" لا يكون إلا نكرة، فالمعطوف عليهما نكرة كذلك؛ وكذا كلمة "وحد" و"جهد" و"طاقة" ونحوها؛ نحو: فعل ذلك وحده؛ أو جهده؛ أو طاقته؛ لأن هذه الكلمات أحوال غالبا -والحال لا يكون إلا نكرة- ولهذا، يجب تأويلها بـ"منفردا وجاهدا ومطيقا"؛ والإضافة في هذه الأمثلة ونحوها، تفيد التخصيص دون التعريف. شرح التصريح: ٢/ ٢٦. ٢ أي: متعمقا ومتغلغلا وشديد الدخول فيه. ٣ نحو: مررت برجل غيرك؛ أو مثلك؛ لأن المغايرة أو المماثل العامة بين شيئين، لا تخص وجها بعينه. ٤ لأن صفات المخاطب معلومة، فثبوتها كلها لشخص، أو ثبوت أضدادها جميعها لشخص؛ يستلزم تعيينه؛ وإذا أريد بـ"غير" و"مثل" مغايرة خاصة ومماثلة خاصة؛ حكم بتعريفهما، وأكثر ما يكون ذلك في "غير" إذا وقعت بين ضدين معرفتين؛ نحو: رأيت العلم غير الجهل، ومررت بالكريم غير الشحيح؛ ويكون في "مثل": إذا أضيفت إلى معرفة، وقارنها ما يشعر بمماثلة خاصة؛ نحو: محمد مثل عنترة؛ أي: في الشجاعة. فائدة: من الألفاظ المتوغلة في الإبهام: تربك، نحوك، ندك، شبهك؛ ومعناها: نظيرك، وشرعك، قطك، وقدك؛ وهي بمعنى: حسبك، وكافيك، وخدنك -بمعنى صاحبك- ولا يقاس على هذه، بل يقتصر على السماع. انظر شرح التصريح: ٢/ ٢٧. ٥ وفي هذا دلالة على أنها تتعرف بالإضافة؛ لأن النكرة، لا توصف بمعرفة. ٦ وهو استفادة المضاف من المضاف إليه التعريف أو التخصيص؛ ولأنها تتضمن معنى حرف من حروف الجر الثلاثة: من، في، اللام.
[ ٣ / ٧٤ ]
ومحضة؛ أي: خالصة من تقدير الانفصال١.
٣- ونوع لا يفيد شيئا من ذلك؛ وضابطه: أن يكون المضاف صفة تشبه المضارع في كونها مرادا بها الحال أو الاستقبال٢؛ وهذه الصفة ثلاثة أنواع: اسم فاعل٣؛ كـ"ضارب زيد"، و"راجينا"، واسم مفعول كـ"مضروب العبد"، و"مروع القلب"٤، والصفة المشبهة كـ"حسن الوجه"، و"عظيم الأمل"، و"قليل الحيل".
والدليل على أن هذه الإضافة لا تفيد المضاف تعريفا: وصف النكرة به في
_________________
(١) ١ فنحو: "والد محمد مثلك" ليس في تقدير: والد لمحمد مثلك؛ بل بين المضاف والمضاف إليه قوة ارتباط واتصال. وأكثر ما يكون المضاف في الإضافة المحضة اسما جامدا غير مؤول بالمشتق؛ كالمصادر وأسمائها، والمشتقات الشبيهة بالجوامد التي لا تعمل مطلقا، كأسماء المكان، والزمان، والآلة، وأفعل التفضيل على المشهور. ضياء السالك: ٢/ ٢٩٠. ٢ وإذا كانت الصفة بمعنى الماضي، أو مطلق الزمن، فالإضافة فيها محضة، نحو: قارئ الدرس أمس كان نشيطا، وقارئ الدرس نشيط. واختلف في الصفة التي بمعنى الاستمرار؛ فقيل: هي الحال، وقيل: الاستمرار يحتوي الأزمنة الثلاثة؛ فإذا اعتبر جانب الماضي؛ كانت الإضافة حقيقية، فلا يعمل، ويتعرف بالإضافة، كما في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بدليل وصف المعرفة به؛ وإن اعتبر جانب الحال أو الاستقبال؛ كانت الإضافة غير حقيقية، فيعمل، ولا يتعرف كما في قوله تعالى: "وجاعل الليل سكنا". وإذا كان المضاف إليه جملة في هذا النوع من الإضافة؛ فإن الجملة تعتبر في حكم المفرد المضاف إليه؛ لأنها تؤول بمصدر مضاف إلى فاعله -إن كانت فعلية- وبمصدر مضاف إلى مبتدئه -إن كانت اسمية- نحو: أزورك حين تكون في المنزل -أي حين وجودك- وأزورك حين والدك موجود -أي حين وجود والدك- وهذا المصدر يكون معرفة إن أضيف إلى معرفة، ونكرة متخصصة إن أضيف إلى نكرة. ٣ سواء أكان مضافا إلى معمولة الظاهر أم المضمر، وقد مثل لهما المؤلف؛ ومثل اسم الفاعل صيغ المبالغة. ٤ سواء كان من الثلاثي أم من غيره كمثالي المتن؛ ومروع: من روعه الشيء بمعنى أفزعه.
[ ٣ / ٧٥ ]
نحو: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ ١، ووقوعه حالا في نحو: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ ٢، وقوله٣: [الكامل]
٣١٧- فأتت به حوش الفؤاد مبطنا٤
_________________
(١) ١ ٥ سورة المائدة الآية: ٩٥. موطن الشاهد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "هديا" نكرة منصوبة على الحال، و"بالغ الكعبة" صفتها ومضاف إليه؛ ومعلوم أن الإضافة -هنا- لم تفد المضاف تعريفا؛ لأنه لا توصف النكرة بالمعرفة. ٢ ٢٢ سورة الحج، الآية: ٩. موطن الشاهد: "ثاني عطفه". وجه الاستشهاد: مجيء "ثاني" حالا من فاعل "يجادل" في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ ومعلوم أن الحال واجب التنكير، والأصل عدم التأويل. ٣ القائل: هو أبو كبير الهذلي، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: سهدا إذا ما نام ليل الهوجل والبيت من كلام أبي كبير في وصف ابن زوجته؛ تأبط شرا، أحد فتاك العرب وذؤبانهم. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٨، والأشموني: ٥٩٣/ ٢/ ٣٠٥، والعيني: ٣/ ٣٦١، والمغني: ٨٩٥/ ٦٦٤، والسيوطي: ٢٩٨، وديوان الهذليين: ٢/ ٩٢. المفردات الغريبة: أتت به: فاعل أتت يعود إلى أم تأبط شرا، وكان أبو كبير قد تزوجها. حوش الفوائد: حديد القلبي، جريء الجنان. مبطنا: ضامر البطن. سهدا: قليل النوم. الهوجل: الثقيل الكسلان، أو الأحمق. المعنى: أن هذه المرأة جاءت بمولود ذكي جريء ضامر البطن يقظ، قليل النوم في الليل حين ينام غيره من الكسالى الحمقى. الإعراب: فأتت: الفاء عاطفة، أتت: فعل ماض، مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين، منع من ظهوره التعذر؛ والتاء للتأنيث، لا محل لها من الإعراب، والفاعل: هي. "به": متعلق بـ"أتى". حوش: حال من الضمير المجرور محلا بالباء، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف. الفؤاد: مضاف إليه مجرور. مبطنا: حال ثانية من الضمير المجرور محلا بالباء. شهدا: حال ثالثة، إذا: ظرف زمان متعلق بـ"سهدا" مبني على السكون في محل نصب. ما: زائدة. نام: فعل ماض مبني على الفتح. ليل: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو =
[ ٣ / ٧٦ ]
ودخول "رب" عليه في قوله١: [البسيط]
٣١٨- يا رب غابطنا لو كان يطلبكم٢
_________________
(١) = مضاف. الهوجل: مضاف إليه مجرور؛ وجملة "نام ليل الهوجل": في محل جر بالإضافة. موطن الشاهد: "حوش الفؤاد". وجه الاستشهاد: إضافة الصفة المشبهة "حوش" إلى فاعلها المحلى بأل، ولم يفدها ذلك تعريفا؛ ودليل ذلك وقوعها حالا، ومعلوم أن الحال، لا تكون إلا نكرة. فائدة: إسناد النوم إلى الليل في -الشاهد المذكور- مجاز عقلي، من إسناد الفعل إلى زمنه؛ أي: نام الهوجل في الليل. ١ القائل: هو جرير بن عطية؛ وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت لجرير في هجاء الأخطل النصراني، وعجزه قوله: لاقى مباعدة منكم وحرمانا وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٨، والأشموني: ٥٩٢/ ٢/ ٣٠٥، والعيني: ٣/ ٣٦٤، وسيبويه: ١/ ٢١٢، والمقتضب: ٣/ ٢٢٧، ٤/ ١٥٠، ٢٨٩، والجمل: ١٠٣، وشرح المفصل: ٣/ ٥١، والهمع: ٢/ ٤٧، والدرر: ٢/ ٥٦، والمغني: ٨٩٦/ ٦٦٤، والسيوطي: ٢٩٨، وديوان جرير: ٥٩٥. المفردات الغريبة: غابطنا: اسم فاعل من الغبطة، وهي أن يتمنى الإنسان مثل حال من يغبطه، من غير أن يتمنى زوال ما عنده. مباعدة، بعدا وانصرافا. حرمانا: منعا وعدم استجابة. المعنى: كثير من الناس يغبطوننا على اتصالنا بكم، ويتمنون أن يكونوا مثلنا؛ لأنهم يظنون أننا ننعم بهذا الاتصال، ولو قصدوكم، وطلبوا شيئا مما عندكم لأبعدتموهم وحرمتموهم العطاء، ولعرفوا حقيقة ما يناله المتصل بكم. الإعراب: يا: حرف تنبيه؛ أو حرف نداء، والمنادى محذوف؛ والتقدير: يا هؤلاء رب رب: حرف جر شبيه بالزائد. غابطنا: "غابط" اسم مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ، وهو مضاف، و"نا" في محل جر بالإضافة. لو: حرف امتناع لامتناع؛ أو أداة شرط غير جازمة. كان: فعل ماض ناقص، مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب؛ واسمه ضمير مستتر جوازا تقديره: هو: يطلبكم: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو؛ يعود إلى اسم كان، و"كم": في محل نصب مفعولا به. وجملة "يطلبكم": في محل نصب خبر كان؛ وجملة "كان واسمها وخبرها": شرط "لو". لاقى: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف؛ للتعذر؛ والفاعل: هو؛ يعود إلى =
[ ٣ / ٧٧ ]
والدليل على أنها لا تفيد تخصيصا: أن أصل قولك: "ضارب زيد": ضارب زيدا؛ فالاختصاص موجود١ قبل الإضافة؛ وإنما تفيد هذه الإضافة التخفيف٢، أو رفع القبح.
أما التخفيف، فبحذف التنوين الظاهر؛ كما في "ضارب زيد"، و"ضاربات عمرو" و"حسن وجهه"، أو المقدر؛ كما في: "ضوارب زيد"، و"حواج بيت الله"٣، أو نون التثنية؛ كما في "ضاربا زيد"، أو الجمع؛ كما في: "ضاربو زيد".
وأما رفع القبح؛ ففي نحو: "مررت بالرجل الحسن الوجه"؛ فإن في رفع "الوجه"٤ قبح خلو الصفة من ضمير، يعود على الموصوف٥؛ وفي نصبه٦ قبح إجراء وصف القاصر، مجرى وصف المتعدي٧؛ وفي الجر تخلص منهما. ومن
_________________
(١) = "غابطنا". مباعدة: مفعول به لـ"لاقى". "منكم": متعلق بمحذوف صفة لمباعدة. وحرمانا: الواو عاطفة، حرمانا: اسم معطوف على "مباعدة" منصوب مثله؛ وجملة "لاقى منكم ": جواب لو، لا محل لها؛ وجملة "لو وشرطها وجوابها": في محل رفع خبر المبتدأ المجرور لفظا بـ"رب". موطن الشاهد: "رب غابطنا". وجه الاستشهاد: دخول "رب" على "غابطنا"؛ وهو اسم فاعل مضاف إلى ضمير المتكلم؛ ومعلوم أن "رب" لا تدخل إلا على النكرات؛ وفي ذلك دلالة على أن المضاف "اسم الفاعل" لم يستفد من إضافته إلى الضمير تعريفا. ١ أي بمعمول اسم الفاعل. ٢ لأن الأصل في الصفة، أن تعمل النصب، والمختص أخف؛ لأنه لا تنوين معه ولا نون كما بين المصنف. ٣ في "ضوارب" و"حواج" تنوين مقدر، حذف للإضافة، بدليل نصبهما المفعول. ٤ أي: على الفاعلية بالصفة المشبهة. ٥ لأن الصفة، لا ترفع ظاهرا وضميرا معا، والغالب في الصفة المشبهة أن تشتمل على ضمير، يكون بمنزلة رابط بينهما، وبين ما تجري عليه، ويدل على معناها. ٦ أي على التشبيه بالمفعول به -إن كان معرفة، وعليه أو على التمييز- إن كان نكرة. ٧ أي في نصب الشبيه بالمفعول به؛ لأن الصفة المشبهة، لا تصاغ إلا من اللازم، فهي كفعلها، لا تنصب المفعول به.
[ ٣ / ٧٨ ]
ثم١ امتنع "الحسن وجهه"؛ لانتفاء قبح الرفع٢؛ ونحو: "الحسن وجه" لانتفاء؛ قبح النصب؛ لأن النكرة تنصب على التمييز٣.
وتسمى الإضافة في هذا النوع لفظية؛ لأنها أفادت أمرا لفظيا٤، وغير محضة؛ لأنها في تقدير الانفصال٥.
[اختصاص الإضافة اللفظية بجواز دخول "أل" على المضاف]:
فصل: تختص الإضافة اللفظية بجواز دخول "أل" على المضاف في خمس مسائل٦.
إحداها: أن يكون المضاف إليه بأل٧؛ كـ"الجعد الشعر"، وقوله٨: [الطويل]
_________________
(١) ١ أي: ومن أجل أن الإضافة، فيما ذكر إنما هي لرفع قبح الرفع والنصب على النحو الذي بسط. ٢ لأن في المرفوع ضميرا مضافا إليه، يعود على الموصوف. ٣ أي: والتمييز ينصبه المتعدي والقاصر. ٤ وهو التخفيف بحذف التنوين ونوني المثنى والجمع من آخر المضاف، والتحسين المترتب على إزالة القبح. ٥ فإن المضاف فيها، لا بد من أن يكون وصفا عاملا، وكثيرا ما يرفع ضميرا مستترا، وهذا الضمير يكون فاضلا تقديرا بين الوصف المضاف ومعموله على الرغم من استتاره، ويجعل الإضافة غير خالصة الاتصال. ٦ أما المحضة: فلا تدخل "أل" فيها على المضاف؛ لئلا يلزم اجتماع معرفين على شيء واحد أو إضافة المعرفة إلى النكرة. وأجاز الكوفيون دخول "أل" على المضاف إذا كان اسم عدد مضاف إلى معدود فيه "أل" نحو: قرأت الثلاثة الكتب في الأربعة الأيام. وحجتهم في ذلك السماع. وكان القياس في اللفظية كذلك، لكن لما كانت الإضافة فيها على نية الانفصال؛ اغتفر ذلك فيها. ٧ لأن رفع القبح عن نصب ما بعد الصفة المشبهة بالإضافة، لا يكون إلا بذلك الشرط كما بينا قريبا. وحمل عليها اسم الفاعل. والجعد: صفة مشبهة، من جعد شعره جعودة -ضد بسط. ٨ القائل: الفرزدق الشاعر الأموي، وقد مرت ترجمته.
[ ٣ / ٧٩ ]
٣١٩- شفاء وهن الشافيات الحوائم١
الثانية: أن يكون مضافا لما فيه "أل"٢؛ كـ"الضارب رأس الجاني"، وقوله٣: [الطويل]
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: أبأنا بهم قتلى وما في دمائهم البيت من كلمة، يقولها الشاعر حين خرج قتيبة بن مسلم الباهلي على سليمان بن عبد الملك، وخلع طاعته، فقتله وكيع بن حسان بن قيس، وبعث برأسه إلى سليمان. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٩، والأشموني: ٥٩٩/ ٢/ ٣٠٨ والعيني: ٣/ ٣٨٩، والهمع: ٢/ ٣١، والدرر: ٢/ ٢٩، وفيه اختلاف في الرواية ولم ينسبه. المفردات الغريبة: أبأنا: قتلنا وعوضنا، يقال أبأت فلانا بفلان؛ قتلته به وجعلته بواء، أي عوضا به. والضمير في "بهم" و"هن" للسيوف، وفي "دمائهم" للقتلى. الشافيات: جمع شافية اسم فاعل من الشفاء. الحوائم: العطاش، جمع حائمة، وهي التي تحوم حول الماء من العطش، والمراد: المتشوقة للقتل. المعنى: قتلنا بهذه السيوف قتلى منهم، وعوضنا بها قتلانا، ولكن ما سفك من دماء القتلى لم يشف ما في صدورنا من غيظ ورغبة في الانتقام؛ لأن من قتلنا غير أكفاء لنا، ولا وفاء في دمائهم لقتلانا، وإنما يشفي غيظ الصدور، وتهدأ حرارة الألم إذا قتلنا مثل من فقدنا؛ والسيوف هي الشافيات التي بها تنال الثارات. الإعراب: أبأنا: فعل ماض، و"نا": فاعله. "بهم": متعلق بـ"أبأنا". قتلى: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف، منع من ظهورها التعذر. وما: الواو حالية، "ما": نافية. "في دمائهم": متعلق بمحذوف خبر مقدم، ودماء: مضاف، وضمير الغائبين مضاف إليه. شفاء: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "ما في دمائهم شفاء" في محل نصب على الحال. وهن: الواو حالية أيضا، و"هن" ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. الشافيات: خبر مرفوع. الحوائم: مضاف إليه؛ وجملة "هن الشافيات الحوائم": في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "الشافيات الحوائم". وجه الاستشهاد: إضافة الوصف المقترن بأل "الشافيات" إلى الحوائم؛ لأن المضاف إليه "الحوائم" مقترن بها أيضا؛ ومعلوم أن الإضافة -هنا- لفظية. ٢ فإن وجودها فيه كوجودها في الثاني؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، ولهذا لا يسوغ أن يكون بين الوصف وما فيه "أل" أكثر من مضاف واحد، فلا يصح: الضارب رأس صديق الجاني. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
[ ٣ / ٨٠ ]
٣٢٠- لقد ظفر الزوار أقفية العدى١
الثالثة: أن يكون مضافا إلى ضمير ما فيه "أل"؛ كقوله٢: [الكامل]
٣٢١- الود أنت المستحقة صفوه٣
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: بما جاوز الآمال ملأسر والقتل وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٩، والأشموني: ٦٠٠/ ٢/ ٣٠٨، والتصريح: ٢/ ٢٤٥. المفردات الغريبة: ظفر: نال. الزوار: جمع زائر. أقفية: جمع قفا وهو مؤخرالعنق. ملأسر: أصله من الأسر؛ فحذفت النون على لغة وهو كثير في كلام العرب، وكذلك همزة الوصل وذلك كثير أيضا في كلامهم. المعنى: أن الإعداء فروا أما هؤلاء الأبطال حين رأوهم، ولم يثبتوا، وأعطوهم ظهورهم وأقفيتهم؛ فظفروا منهم بأكثر مما كانوا يأملون من أسرهم وقتلهم. الإعراب: لقد: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد: حرف تحقيق، لا محل له من الإعراب. ظفر: فعل ماض مبني على الفتح، الزوار: فاعل ظفر مرفوع، وهو مضاف. أقفية: مضاف إليه مجرور، وهو مضاف. العدى: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف للتعذر. "بما": متعلق بـ"ظفر"؛ وما اسم موصول بمعنى الذي في محل جر بحرف الجر. جاوز: فعل ماض، والفاعل: هو، يعود إلى "ما" الموصولة. الآمال: مفعول به منصوب؛ وجملة "جاوز الآمال": صلة للموصول، لا محل لها. "ملأسر": متعلق بـ"جاوز". والقتل: الواو عاطفة، القتل: اسم معطوف على الأسر مجرور مثله. موطن الشاهد: "الزوار أقفية العدى". وجه الاستشهاد: إضافة "الزوار" وهو صفة مقترنة بأل، إلى اسم خال منها؛ وهو "أقفية" وإنما سوغ ذلك كون المضاف إليه -أقفية- مضافا إلى اسم مقترن بأل؛ وهو "العدى". ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: مني وإن لم أرج منك نوالا وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٩، والأشموني: ٦٠١/ ٢/ ٣٠٨، والعيني: ٣/ ٣٩٢، والهمع: ٢/ ٤٨، والدرر: ٢/ ٥٧، وحاشية يس على التصريح: ٢/ ٢٨. =
[ ٣ / ٨١ ]
ومنع ذلك المبرد١.
الرابعة: أن يكون المضاف مثنى؛ كقوله٢: [البسيط]
٣٢٢- إن يغنيا عني المستوطنا عدن٣
_________________
(١) = المفردات الغريبة: الود: الحب والمودة. صفوة: خالصة. أرج: آمل وأطمع. نوالا: عطاء. المعنى: يخاطب الشاعر محبوبته قائلا: أنت -من دون سائر الناس- التي تستحق وتستوجب مني خالص الحب والمودة، ولست أرجو من وراء ذلك منك عطاء، ولا أطلب جزاء؛ أي: أمنحك هذه المحبة الخالصة وأنا على يقين من أنك لا تمنين علي بما يكافئ ذلك كله؛ فلا مطمع لي في شيء مما يطمع فيه المحبون. الإعراب: الود: مبتدأ أول مرفوع. أنت: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ ثان. المستحقة: خبر المبتدأ الثاني مرفوع، وهو مضاف. صفوة: "صفو" مضاف إليه مجرور، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة؛ وجملة "أنت المستحقة صفوه": في محل رفع خبر المبتدأ الأول. "مني": متعلق بـ"المستحقة". وإن: الواو عاطفة، والمعطوف عليه محذوف. إن: حرف شرط جازم. لم: نافية جازمة. أرج: فعل مضارع مجزوم بـ"إن" -وهو فعل الشرط- وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره؛ والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقدير: أنا. "منك": متعلق بـ"أرجو". نوالا: مفعول به منصوب؛ وجواب الشرط محذوف، دل عليه سابق الكلام؛ وجملة "إن لم أرج منك نوالا": معطوفة على جملة أخرى محذوفة، هي أولى بالحكم الذي هو استحقاقها للود من هذه الجملة المذكورة، وتقدير الكلام: إن رجوت منك نوالا، وإن لم أرج منك نوالا. موطن الشاهد: "المستحقة صفوه". وجه الاستشهاد: إضافة الوصف المقترن بأل -المستحقة- إلى مضاف فيه ضمير يعود إلى ما فيه "أل"؛ وهو "صفوه"؛ حيث إن "الهاء" فيه ضمير عائد إلى الود؛ وحكم هذه الإضافة جائزة عند الجمهور؛ خلاف للمبرد. ١ سقطت العبارة في أوضح المسالك "ط. دار الفكر"؛ وأوجب المبرد النصب -هنا- ولم يعتبر الضمير العائد إلى ما فيه "أل" بمنزلة الاسم المقرون بها، وهو محجوج بالسماع؛ والأفصح في المسائل الثلاث: النصب بالوصف. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: فإنني لست يوما عنهما بغني وهو من شواهد: التصريحك ٢/ ٢٩، والأشموني: ٦٠٢/ ٢/ ٣٠٩، والعيني: ٣/ ٣٩٣، والهمع: ٢/ ٤٨، الدرر: ٢/ ٥٧
[ ٣ / ٨٢ ]
الخامسة: أن يكون جمعا اتبع سبيل المثنى؛ وهو جمع المذكر السالم؛ فإنه يعرب بحرفين، ويسلم فيه بناء الواحد، ويختم بنون زائدة، تحذف للإضافة، كما أن المثنى كذلك؛ كقوله١: [البسيط]
٣٢٣- ليس الأخلاء بالمصغي مسامعهم٢
_________________
(١) = المفردات الغريبة: يغنيا: يستغنيا، مضارع غني بمعنى استغنى. المستوطنا عدن: اللذان اتخذا "عدن" وطنا وموضع إقامة. المعنى: أن يستغن هذان الشخصان المقيمان بعدن، ويريا أنهما في غير حاجة إلي، فإني لا أستغني عنهما يوما، وأراني محتاجا إليهما دائما. الإعراب: إن: حرف شرط جازم. يغنيا: فعل مضارع مجزوم -وهو فعل الشرط- وعلامة جزمه حذف النون، والألف: ضمير متصل في محل رفع فاعل. "عني": متعلق بـ"يغنيا". المستوطنا: بدل من ألف الاثنين -على اللغة الفصحى- مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، وهو مضاف. عدن: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة. فإنني: الفاء رابطة لجواب الشرط. إن: حرف مشبه بالفعل، والنون: للوقاية، والياء: ضمير متصل في محل نصب اسم "إن". لست: فعل ماض ناقص، مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع اسم "ليس". "يوما": متعلقا بقوله "غني" الآتي. "عنهما": متعلق بـ"غني" أيضا. بغني: الباء حرف جر زائد، مجرور لفظا، منصوب محلا على أنه خبر "ليس"؛ وجملة "ليس مع اسمها وخبرها": في محل رفع خبر "إن"؛ وجملة "إن واسمها وخبرها": في محل جزم جواب الشرط. موطن الشاهد: "المستوطنا عدن". وجه الاستشهاد: إضافة الاسم المقترن بـ"أل" إلى اسم ليس مقترنا بها؛ وهو "عدن" وسوغ ذلك كون المضاف وصفا دالا على مثنى؛ وعلل النحويون هذا بأن الوصف، لما طال بالتثنية والجمع؛ ناسبه التخفيف، فلم يحتج لاتصالها بالمضاف إليه. فائدة: في قوله: "يغنيا المستوطنا" شاهد على إلحاق علامة التثنية بالفعل مع كونه رافعا لاسم ظاهر مثنى؛ وذلك على لغة "أكلوني البراغيث"؛ ولهذا أعربنا "المستوطنا" بدلا؛ لكيلا يأتي فاعلان لفعل واحد، كما هو معلوم. ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: إلى الوشاة ولو كانوا ذوي رحم وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٣٠، والعيني: ٣/ ٣٩٤، والهمع: ٢/ ٤٨، والدرر: ٢/ ٥٧. =
[ ٣ / ٨٣ ]
وجوز الفراء إضافة الوصف المحلى بأل إلى المعارف كلها١، كـ"الضارب زيد"، و"الضارب هذا"، بخلاف "الضارب رجل"٢. وقال المبرد والرماني٣ في "الضاربك" و"ضاربك": موضع الضمير خفض٤، وقال الأخفش:
_________________
(١) = المفردات الغريبة: الأخلاء: جمع خليل؛ وهو الصديق المخلص. بالمصغي: جمع مصغ؛ وهو اسم فاعل من أصغى إليه إذا أنصت له وأمال أذنه إليه. مسامعهم: جمع مسمع وهو مكان السمع أي الأذن. الوشاة: جمع واش، وهو النمام الذي يسعى بين المتصافين لإفساد قلوبهم. رحم: قرابة. المعنى: أن الأصدقاء المخلصين في صداقتهم، لا يستمعون، ولا يلتفتون إلى كلام النمامين الذين يسعون للإفساد بين الأصدقاء، ولو كان هؤلاء الساعون من الأقرباء. الإعراب: ليس: فعل ماض ناقص. الأخلاء: اسم ليس مرفوع. بالمصغي: الباء حرف جر زائد. المصغي: اسم مجرور لفظا، منصوب محلا على أنه خبر "ليس"؛ وهو مضاف، مسامعهم: "مسامع" مضاف إليه مجرور؛ وهو مضاف، و"هم" مضاف إليه. "إلى الوشاة": متعلق بقوله: "المصغي". ولو: الواو عاطفة، والمعطوف عليه محذوف؛ وسنبين ذلك لاحقا. لو: حرف امتناع لامتناع؛ أو حرف شرط غير جازم. كانوا: فعل ماض ناقص، مبني على الضم؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو: ضمير متصل في محل رفع اسم "كان". ذوي: خبر "كان" منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم؛ وهو مضاف. رحم: مضاف إليه مجرور؛ وجملة "كان واسمها وخبرها": معطوفة بالواو على محذوف هو أولى بالحكم -الذي هو انتفاء الخلة عمن يصغي مسامعه إلى الوشاة من الأخلاء- من المذكور؛ والتقدير: إن لم يكن الوشاة ذوي رحم، وإن كانوا موطن الشاهد: "المصغي مسامعهم". وجه الاستشهاد: إضافة الاسم المقترن بـ"أل" إلى اسم، ليس مقترنا بها؛ وهو مسامعهم؛ لكون المضاف وصفا مجموعا جمع مذكر سالما. ١ أي سواء كان تعريفها بالعلمية، أم بالإشارة، أم بالضمير، أم بغيرها، حملا على المعرف بأل وإذا أضيف المحلى بأل إلى الضمير، نحو: الضاربك، والضاربه جاز كون الضمير في محل جر بالإضافة، أو في محل نصب على المفعولية خلافا للمبرد. ٢ فلا يجوز؛ لامتناع إضافة المعرفة إلى النكرة. ٣ مرت ترجمته. ٤ حجتهما: أن الضمير نائب عن الظاهر، وعند حذف التنوين من الوصف بكون الظاهر مخفوضا؛ فكذلك نائبه. التصريح: ٢/ ٣٠.
[ ٣ / ٨٤ ]
نصب١، وقال سيبويه: الضمير كالظاهر؛ فهو منصوب في "الضاربك"٢ مخفوض في "ضارك"٣، ويجوز في "الضارباك" و"الضاربوك" الوجهان٤.
[اكتساب المضاف المذكر التأنيث من المضاف إليه]:
مسألة٥: قد يكتسب المضاف المذكر من المضاف إليه المؤنث تأنيثه،
_________________
(١) ١ وذهب معه إلى هذا هشام، وحجتهما: أن موجب النصب المفعولية وهي محققة، وموجب الخفض الإضافة وهي غير محققة؛ لأن دليلها حذف التنوين، وهو قد يحذف بسبب آخر غير الإضافة، كصون الضمير المتصل من وقوعه منفصلا، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ . ٢ لانتفاء شروط إضافة الوصف المحلى بأل المتقدمة. ٣ أي على المحل؛ لأن عدم تنوين الوصف دليل على الإضافة، ولا مانع منها لأنه مجرد من أل. ٤ أما الخفض فعلى أن النون حذفت للإضافة، والضمير في محل خفض. وأما النصب فعلى أن النون حذفت للتخفيف وتقصير الصلة، ويكون الضمير في محل نصب. وقال الجرمي والمازني والمبرد وجماعة: إن الضمير في موضع جر فقط؛ لأن الأصل حذف التنوين للإضافة؛ فلا يعدل عنه إلا إذا تعين غيره. التصريح: ٢/ ٣٠-٣١. ٥ ذكر المصنف من الأمور التي يكتسبها المضاف من المضاف إليه: التعريف؛ إن كان المضاف إليه معرفة، والتخصيص إن كان نكرة، والتخفيف إذا كان المضاف اسم فاعل مضافا إلى معموله، ورفع القبح إن كان صفة مشبهة. وذكر -هنا- التذكير والتأنيث، وأتى بأمثلة موضحة لذلك. وهناك أشياء أخرى يستفيدها المضاف من المضاف إليه لم يأت المصنف على ذكرها، منها:
(٢) الظرفية؛ بشرط أن يكون المضاف دالا على الكلية أو الجزئية، كلفظ "كل" و"بعض"، والمضاف إليه ظرفا، مثل قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ .
(٣) المصدرية أحيانا؛ إذا كان المضاف إليه مصدرا والمضاف ليس بمصدر كقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ فكلمة "أي" مفعول مطلق منصوب بقوله "ينقلبون". وكقول مجنون بني عامر: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
(٤) وجوب التصدير؛ إذا كان المضاف إليه لفظا من الألفاظ التي يجب تصديرها في =
[ ٣ / ٨٥ ]
وبالعكس؛ وشرط ذلك في الصورتين: صلاحة المضاف للاستغناء عنه بالمضاف إليه١.
_________________
(١) = جملتها، كألفاظ الاستفهام؛ فإن وجوب التصدير ينتقل إلى المضاف الذي ليس من ألفاظ الصدارة، ولهذا وجب تقديم المبتدأ في نحو: كتاب من معك؟ والخبر في مثل: صبيحة أي يوم سفرك؟ والمفعول في مثل: غلام أيهم أكرمت؟ والجار والمجرور في مثل: من صديق أيهم أنت أشعر.
(٢) الإعراب؛ نحو: هذه خمسة عشر زيد فيمن أعربه.
(٣) البناء وذلك في مواضع. أحدها: أن يكون المضاف مبهما كـ"غير، مثل، ودون"، وكان المضاف إليه مبنيا؛ وذلك؛ نحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ في قراءة من فتح بين، وهي فاعل تقطع؛ بدليل قراءة الرفع؛ وكقول الفرزدق في بعض التخريجات التي مر ذكرها: إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر بفتح مثل على أنه خبر مقدم، وبشر مبتدأ مؤخر؛ لأن "ما" الحجازية، لا يتقدم خبرها على اسمها، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ﴾ فيمن فتح مثل. الثاني: أن يكون المضاف زمانا مبهما، والمضاف إليه لفظ "إذ" نحو قوله تعالى: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾، ﴿مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ بفتح يوم فيهما. الثالث: أن يكون المضاف زمانا مبهما، والمضاف إليه فعل مبني، سواء أكان بناؤه أصليا كالماضي، في نحو قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا فقلت ألما تصح والشيب وازع أم كان بناؤه عارضا كالمضارع المقترن بنون النسوة في نحو قوله: لأجتذبن منهن قلبي تحلما على حين يستصبين كل حليم مغني اللبيب: ٦٦٣-٦٧٤. ١ أي مع صحة المعنى ولو مجازا، وعدم تغييره في الجملة. ويشترط أن يكون المضاف جزءا من المضاف إليه، أو مثل جزئه؛ وذلك بأن تجمعه بكله صلة قوية غير صلة الجزيئة، تدل على اتصاله به؛ كاللون، أو الثوب، أو الخلق، أو الحب إلخ. أو أن يكون المضاف كلا للمضاف إليه؛ نحو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ . أو يكون المضاف وصفا في المعنى للمضاف إليه؛ كإضافة المصدر في البيت الآتي؛ فإن تحقق الشرطان؛ كان اكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه -على قلته- قياسيا، وإلا فلا اكتساب، وإن صح الحذف، فلا يجوز أعجبتني يوم العروبة؛ لأن المضاف -وهو "يوم"- ليس جزءا، ولا كالجزء، ولا كلا، ولا وصفا. مغني اللبيب: ٦٦٥-٦٦٦، التصريح، وحاشية يس: ٢/ ٣١-٣٢.
[ ٣ / ٨٦ ]
[اكتساب المذكر التأنيث]:
فمن الأول قولهم: "قطعت بعض أصابعه"١، وقراءة بعضهم٢: "تلتقطه بعض السيارة"٣؛ وقوله٤: [مشطور الرجز]
٣٢٤- طول الليالي أسرعت في نقضي٥
_________________
(١) ١ "بعض" نائب فاعل قطعت، وأنث الفعل؛ لأن "بعض" اكتسب التأنيث من المضاف إليه، وهو الأصابع، ويصح الاستغناء عنه بالأصابع، فيقال: قطعت أصابعه، والمضاف بعض المضاف إليه. ٢ هو الحسن البصري، ﵁. ٣ ١٢ سورة يوسف، الآية: ١٠. أوجه القراءات: قرأ "تلتقطه" الحسن البصري. وقرأ الجمهور "يلتقطه" التصريح: ٢/ ٣١. موطن الشاهد: "تلتقطه بعض السيارة". وجه الاستشهاد: تأنيث فعل "تلتقطه"؛ لكونه مسندا إلى اسم اكتسب التأنيث من المضاف إليه "السيارة"؛ لصلاحية الاستغناء عن المضاف "بعض" إذ يجوز في غير القرآن الكريم القول: تلتقطه السيارة. ٤ القائل: هو الأغلب العجلي، أحد بني ربيعة، شاعر راجز معمر، أدرك الجاهلية والإسلام، توجه مع سعد بن أبي وقاص، واستشهد في نهاوند، فضله الكثير على غيره من الرجاز؛ لرصانة كلامه، ودقة معانيه. مات سنة ٢١هـ. الخزانة: ١/ ٣٣٣، المؤتلف: ٢٢، والسمط: ٨٠١، والأعلام: ١/ ٣٣٥. ٥ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز، يقوله الأغلب من كلمة يتحسر فيها على ذهاب شبابه وضعف قوته، بسبب الكبر والشيخوخة، وبعده قوله: نقضن كلي ونقضن بعضي ويروى: أخذن بعضي وتركن بعضي. ويروى قبل الشاهد قوله: أصبحت لا يحمل بعضي بعضي منفها أروح مثل النقض والشاهد من شواهد: سيبويه: ١/ ٢٦، وقد نسبه إلى العجاج، والتصريح ٢/ ٣١، والأشموني: ٦٠٧/ ٢/ ٣١٠، والبيان للجاحظ: ٤/ ٦٠ ورواه: أرى الليالي أسرعت ، ولا شاهد فيه، والمقتضب: ٤/ ٩٩، والأغاني: ١٨/ ١٦٤، والخزانة: ٢/ ١٦٨، ومغني اللبيب: ٨٩٨/ ٦٦٦، والسيوطي: ٢٩٨، والعيني: ٣/ ٣٩٥، والخصائص: ٢/ ٤١٨، وملحقات ديوان العجاج: ٨٠. =
[ ٣ / ٨٧ ]
[اكتساب المؤنث التذكير]:
ومن الثاني قوله١: [البسيط]
٣٢٥- إنارة العقل مكسوف بطوع هوى٢
_________________
(١) = المفردات الغريبة: نقضين النقض: الهدم والكسر، وهو -هنا- كناية عن ضعف قواه، المعنى: أن طول الليالي، أسرعت في ضعفي، وذهبت بقوتي شيئا فشيئا، ولم تبق لي شيئا من تلك القوة التي أحتاجها في شيخوختي. الإعراب: طول: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. الليالي: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الياء، منع من ظهورها الثقل. أسرعت: فعل ماض مبني على الفتح؛ لاتصاله بتاء التأنيث الساكنة، والفاعل: هي، يعود إلى طول الليالي؛ وجملة "أسرعت": في محل رفع خبر المبتدأ. "في نقضي": متعلق بـ"أسرعت"؛ ونقض مضاف، والياء: في محل جر بالإضافة. نقضن: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة؛ والنون: ضمير متصل مبني على الفتح، في محل رفع فاعل. كلي: "كل" مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة للياء، والياء: ضمير متصل، مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ونقضن: الواو عاطفة جملة على جملة، نقضن: فعل ماض، وفاعل. بعضي: مفعول به، ومضاف إليه؛ وجملة "نقضن بعضي": معطوف على جملة "نقضن كلي". موطن الشاهد: "طول الليالي أسرعت". وجه الاستشهاد: تأنيث الضمير في "أسرعت" مع إعادته إلى "طول" المذكر؛ وإنما سوغ ذلك إضافة "طول" إلى مؤنث؛ وهو الليالي؛ فاكتسب منه التأنيث؛ ومعلوم أن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، فكأن المضاف مؤنث؛ ولا يجوز أن يقال: إن الضمير عائد إلى المضاف إليه وحده؛ لأن ذلك خلاف الأصل. ومثل هذا الشاهد قول ابن أحمر: ولهت عليه كل معصفة هيفاء ليس للبها زبر اللسان مادة "زبر". ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٣٢، والأشموني: ٦١١/ ٢/ ٣١٠، والخزانة: ٢/ ١٦٩ =
[ ٣ / ٨٨ ]
ويحتمله ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١، ولا يجوز "قامت غلام
_________________
(١) = عرضا. والعيني: ٣/ ٣٩٦؛ وقال: إن قائله من المولدين، والمغني: ٨٩٧/ ٦٦٥، والسيوطي: ٢٩٨. المفردات الغريبة: إنارة العقل: إضاءته، والمراد: الغريزة التي بها يدرك العقل الأشياء. مكسوف: مظلم، من قولهم: كسفت الشمس؛ إذا ذهب نورها وزال ضوءها. بطوع هوى: بالطاعة والانقياد لشهوة النفس. المعنى: أن مطاوعة الإنسان هواه، وانطلاقه وراء شهوات نفسه، يغطي نور العقل، ووضاءة البصيرة؛ وعصيانه لهواه، يزيد العقل نورا، والبصيرة تبصرة، وحسن نظر إلى الأشياء، وتقدير لها. الإعراب: إنارة: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. العقل: مضاف إليه مجرور. مكسوف: خبر مرفوع. "بطوع": متعلق بـ"مكسوف"، وطوع: مضاف. هوى: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر. وعقل: الواو عاطفة، عقل: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. عاصي: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الياء، منع من ظهورها الثقل، وعاصي: مضاف. الهوى: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف، منع من ظهورها التعذر. يزداد: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: ضمير مستتر جوازا تقديره: هو؛ وجملة "يزداد": في محل رفع خبر المبتدأ "عقل عاصي". تنويرا: تمييز منصوب، ووعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. موطن الشاهد: "إنارة العقل مكسوف". وجه الاستشهاد: إعادة الضمير في "مكسوف" مذكرا على "إنارة"؛ وهو مؤنث؛ والذي سوغ ذلك كون المرجع "إنارة" مضافا إلى مذكر؛ وهو العقل؛ فاكتسب التذكير منه؛ لما أسلفنا. ومثل هذا الشاهد، قول الآخر: رؤية الفكر ما يؤول به الأمر معين على اجتناب التواني حيث أعاد الضمير في معين -مذكرا- على "رؤية" الواقع مبتدأ؛ وهو مؤنث؛ لإضافة المؤنث إلى "الفكر"؛ وهو مذكر؛ فاكتسب التذكير منه. ١ ٧ سورة الأعراف، الآية: ٥٦. موطن الشاهد: "قريب". وجه الاستشهاد: عودة الضمير في قريب -مذكرا- على "رحمة"؛ لأنها اكتسبت التذكير من إضافتها إلى لفظ الجلالة؛ وحكم هذا سائغ شائع في اللغة، وكذا في الأمثلة السابقة. قال الصبان: عبر المصنف بالاحتمال، لما في إطلاق المذكر على الله تعالى من سوء =
[ ٣ / ٨٩ ]
هند"، ولا "قام امرأة زيد"؛ لعدم صلاحية المضاف فيهما للاستغناء عنه بالمضاف إليه.
[بامتناع إضافة اسم إلى مرادفه]:
مسألة: لا يضاف اسم لمرادفه١؛ كـ"ليث أسد"، ولا موصوف إلى
_________________
(١) = الأدب، ولكن التذكير وصف للفظ الجلالة؛ لأنه المضاف إليه، لا لذاته ﷾، وقيل: "قريب" فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ وهذا تخريج الفراء، وقيل: إن تذكير "قريب" بسبب المعنى، وذلك أن المقصود من رحمة الله غفرانه؛ وهو مذكر؛ وهذا تخريج الزجاج والأخفش. وقيل: إن تذكير "قريب" حاصل بسبب أن الرحمة مؤنث مجازي؛ وهذا تخريج الجوهري؛ وهو فاسد؛ لأن التأنيث المجازي يبيح تذكير الفعل المسند إلى المؤنث المجازي؛ فأما الذي يسند إلى ضميره؛ فلا يجوز تأنيثه، والوصف -هنا- مسند إلى ضمير الرحمة. هذا ولم يجعل المصنف منه قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ . واعلم أن للمصنف رسالة في هذه الآية الشريفة نفيسة ضمنها أقوال الأئمة، أوصلها إلى ستة عشر قولا؛ وهي مذكورة في الأشباه والنظائر للسيوطي. مغني اللبيب: ٦٦٦، والتصريح: ٢/ ٣٢، وحاشية الصبان: ٢/ ٢٤٩. ١ ذلك؛ لأن المضاف يتعرف، أو يتخصص بالمضاف إليه، فلا بد من أن يكون غيره في المعنى: لأن الشيء لا يتعرف أو يتخصص بنفسه. وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن يضاف الشيء إلى نفسه، متى اختلف اللفظان، وجعلوا اختلاف اللفظين بمنزلة اختلاف المعنيين، احتجوا على ما منعه البصريون من إضافة الاسم إلى اللقب وإضافة الصفة إلى الموصوف، وإضافة الموصوف إلى الصفة، ومتى ورد عن العرب في الكلام المنثور لم يكن بد من قبوله، وسلكوا -مع هذا السماع- طريقا عن القياس، وذلك بعطف الشيء على مرادفه؛ كقول الشاعر: وقددت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذبا ومينا والأصل في العطف أن يكون المعطوف عليه. هذا وقد اختار ابن مالك في كتاب "التسهيل" مذهب الكوفيين، وجوز ما منعه هنا، فجعل الإضافة ثلاثة أقسام: محضة، وغير محضة، وشبيهة بالمحضة؛ وهي سبعة أنواع، منها إضافة الموصوف إلى الصفة وبالعكس، والمسمى إلى الاسم. حاشية يس على التصريح: ٢/ ٣٤.
[ ٣ / ٩٠ ]
صفته١؛ كـ"رجل فاضل"، ولا صفة إلى موصوفها٢؛ كـ"فاضل رجل" فإن سمع ما يوهم شيئا من ذلك، يؤول.
فمن الأول قولهم: "جاءني سعيد كرز"٣؛ وتأويله: أن يراد بالأول المسمى وبالثاني الاسم؛ جاءني مسمى هذا الاسم٤.
ومن الثاني٥ قولهم: "حبة الحمقاء"٦، و"الصلاة الأولى"، و"مسجد
_________________
(١) ١ لأن الصفة تابعة لموصوفها في الإعراب؛ فلو أضيف إليها الموصوف لكانت مجرورة دائما. ٢ لأن الصفة، يجب أن تكون تابعة ومتأخرة عن الموصوف، ولا يمكن ذلك في الإضافة. ٣ فإن "سعيد" و"كرز" اسمان مترادفان مسماهما واحد، وأضيف أحدهما إلى الآخر. والكرز في الأصل: الخرج الذي يضع فيه الراعي زاده ومتاعه. وجمعه: كرزة؛ والكراز: الكبش الذي يحمله ويسير به أمام القوم. ومثل قولهم "سعيد كرز"؛ جئت ذا صباح: تريد وقتا صاحب اسم هو صباح. وسرت ذات يوم؛ تريد مدة صاحبة اسم هو يوم. ٤ هذا إذا كان الحكم مناسبا للمسمى، فإن ناسب الاسم، عكس التأويل؛ نحو: كتبت سعيد كرز؛ أي كتبت اسم هذا المسمى، والإضافة بهذا التأويل على معنى لام الاختصاص. التصريح: ٢/ ٣٣. ٥ الثاني: هو إضافة الموصوف إلى الصفة؛ فالأصل: حبة حمقاء، وصلاة أولى، ومسجد جامع، واللفظ الثاني، من هذه الأمثلة، صفة للفظ الأول؛ فلما أضافوا الأول إلى الثاني -وهما دالان على ذات واحدة- كانوا قد أضافوا اللفظ الدال على معنى إلى لفظ آخر، يدل على نفس معنى اللفظ الأول؛ وهذه هي إضاف المترادفين. وتأويل كل مثال غير تأويل غيره. لكن الضابط العام، أن يقدر قبل اللفظ الثاني -وهو المضاف إليه- اسم عام يصلح لأن يكون موصوفا بالمضاف إليه، فيكون تقدير المثال الأول: حبة البقلة الحمقاء، بتقدير اسم من أسماء الأعيان عام يشمل الاسم الأول وغيره؛ ويكون تقدير الثاني: صلاة الساعة الأولى، بتقدير اسم زمان يصلح أن يكون وقتا للاسم الأول وغيره؛ ويكون تقدير الثالث: مسجد المكان الجامع، بتقدير اسم مكان يصلح أن يكون محلا للاسم الأول وغيره. انظر شرح التصريح: ٢/ ٣٣. ٦ الحمقاء: هي المسماة بـ"الرجلة" ووصفت بالحمق مجازا؛ لأنها تنبت في مجاري السيول، فيمر السيل بها فيقطعها فتطؤها الأقدام. =
[ ٣ / ٩١ ]
الجامع"؛ وتأويله: أن يقدر موصوف؛ أي: حبة البقلة الحمقاء، وصلاة الساعة الأولى، ومسجد المكان الجامع.
ومن الثالث١ قولهم: "جرد قطيفة"، و"سحق عمامة"٢؛ وتأويله: أن يقدر موصوف أيضا، وإضافة الصفة إلى جنسها٣؛ أي: شيء جرد من جنس القطيفة، وشيء سحق من جنس العمامة٤.
[الغالب في الأسماء أن تكون صالحة للإضافة والإفراد]:
فصل: الغالب على الأسماء أن تكون صالحة للإضافة والإفراد، كـ"غلام" و"ثوب".
ومنها ما يمتنع إضافته كالمضمرات، والإشارات، وكغير أي من الموصولات وأسماء الشرط، والاستفهام٥.
_________________
(١) = وقال الصبان: وهذا يظهر لو كانت الحبة تطلق على "الرجلة" ونحوها من البقول. أما إذا كانت واحدة الحب؛ كالبر وبذر الرجلة، وسائر الحبوب؛ فلا. التصريح: ٢/ ٣٣، وحاشية الصبان: ٢/ ٢٥٠. ١ وهو إضافة الصفة إلى موصوفها. ٢ جرد: بمعنى مجردة. وسحق بمعنى بالية، أي: قطيفة مجرودة، وعمامة بالية، قيل ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾، إذا قدر أنه من إضافة الصفة إلى الموصوف، ومعناه: الأعين الخائنة. ونظيره قول شاعر الحماسة: إنا محيوك يا سلمى فحيينا وإن سقيت كرام الناس فاسقينا وإن دعوت إلى جلي ومكرمة يوما سراة كرام القوم فادعينا فأصل: كرام الناس؛ الناس الكرام، وأصل: سراة كرام القوم؛ سراة القوم الكرام. ٣ أي جنس موصوفها، وتكون الإضافة معنوية؛ من إضافة الشيء إلى جنسه، ويجر الجنس بمن؛ لأن الإضافة على معناها؛ لأن المضاف إليه جنس للمضاف لا موصوف به إذ الموصوف محذوف، كما أوضح في المتن. شرح التصريح: ٢/ ٣٤. ٤ ذهب الكوفيون: إلى جواز الإضافة في جميع ذلك، إذا اختلف اللفظان من غير تأويل محتجين بنحو قوله تعالى: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾، ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾، ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ وغيره. التصريح: ٢/ ٣٤. ٥ إنما امتنعت إضافة هذه الأنواع من الأسماء؛ لأنها أشبهت الحرف، والحرف لا يضاف؛ فلهذا بنيت، وأخذ ما أشبه الحرف حكم الحرف. =
[ ٣ / ٩٢ ]
ومنها: ما هو واجب الإضافة إلى المفرد؛ وهو نوعان: ما يجوز قطعه عن الإضافة في اللفظ١؛ نحو: "كل"، و"بعض"، و"أي"؛ قال الله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٢، و﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٣، و﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ ٤، وما
_________________
(١) = وإنما جازت إضافة "أي" الموصولة والاستفهامية والشرطية؛ لضعف شبه الحرب بسبب شدة افتقارها إلى مفرد يبين المراد منها، وتضاف هي إليه. شرح التصريح: ٢/ ٣٤. ١ حيث يحذف المضاف إليه لفظا، وينوي معناه، ويستغنى عنه بالتنوين الذي يدل عليه -والذي يسمى تنوين العوض- ويبقى للمضاف حكمه في التعريف أو التنكير. ٢ ٣٦ سورة يس، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء التنوين في "كل" عوضا عن المضاف إليه المحذوف -أي: كلهم- والضمير المحذوف عائد إلى الشموس والأقمار؛ وأفرد "فلك" مراعاة للفظ "كل" وجمع "يسبحون" مراعاة للمضاف إليه المحذوف. ٣ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٥٣. موطن الشاهد: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء التنوين في "بعض" الثانية عوضا عن المضاف إليه المحذوف -أي: على بعضهم. فائدة: اختلف عند قطع "كل" و"بعض" عن الإضافة لفظا؛ هل هما معرفتنا بنية الإضافة؟ فذهب سيبويه والجمهور إلى عدهما معرفتين؛ وعليه، فتأتي الحال منهما متأخرة، فتقول: مررت بكل ساجدًا وببعضٍ جالسًا؛ وهو الصحيح؛ وذهب الفارسي، إلى أنهما نكرتان، وهذا الخلاف، حين يكون المضاف إليه معرفة؛ فإن كان نكرة، فلا خلاف في تنكيرهما، وحجة الفارسي في كونهما نكرتين؛ نظرا لحالتهما الراهنة؛ لأن نية الإضافة، لا تكون سببا في التعريف؛ ورأيه محجوج كما أسلفنا. انظر شرح التصريح: ٢/ ٣٥. يشترط في "كل" و"بعض" و"أي" عندما تقطع عن الإضافة لفظا ما يلي: أ- أن لا تكون "كل" للتوكيد، ولا للنعت؛ فإن كانت كذلك، وجب إضافتها لفظا كما ذكرنا. ب- ويشترط في "أي" ألا تقع صفة أو حالا، وإلا تعينت إضافتها لفظا. ٤ ١٧ سورة الإسراء، الآية: ١١٠. موطن الشاهد: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ =
[ ٣ / ٩٣ ]
يلزم الإضافة لفظا؛ وهو ثلاثة أنواع: ما يضاف للظاهر والمضمر؛ نحو: "كلا" و"كلتا" و"عند" و"لدى" و"قصارى"١ و"سوى"، وما يختص بالظاهر كـ"أولى" و"أولات" و"ذي" و"ذات"٢؛ قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ ٣، ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ﴾ ٤ ﴿وَذَا النُّونِ﴾ ٥، و﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ ٦، وما يختص بالمضمر؛ وهو نوعان: ما يضاف لكل مضمر؛ وهو "وحد"؛ نحو: ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ ٧،
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: مجيء "أيا" اسم شرط جازم، وقع في محل نصب مفعولا به مقدما لـ"تدعوا"، و"ما" زائدة. ١ قصارى الشيء وقصاراه: غايته ونهايته. يقال: قصاراك أن تفعل كذا؛ أي جهدك، وغايتك وآخر أمرك؛ ومثله: حمادى، تقول: حماداك وحمادي؛ أي: غايتك وغايتي إلخ. ٢ وفروعها؛ كذوا، وذواتا، وذووا، وذوات؛ والكل بمعنى صاحب. ٣ ٢٧ سورة النمل، الآية: ٣٣. موطن الشاهد: ﴿أُولُو قُوَّةٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أولو" بمعنى أصحاب؛ وهو مضاف إلى اسم ظاهر، ولا يجوز إضافته إلى المضمر إطلاقا. ٤ ٦٥ سورة الطلاق، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿أُولاتُ الْأَحْمَالِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أولات" بمعنى صاحبات؛ وهو مضاف إلى اسم ظاهر، ولا يجوز إضافته -كسابقه- إلى المضمر. ٥ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ٨٧. موطن الشاهد: ﴿ذَا النُّونِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ذا" بمعنى صاحب؛ وهو مضاف إلى اسم ظاهر، ولا يجوز إضافته -كسابقيه- إلى المضمر. ٦ ٢٧ سورة النمل، الآية: ٦٠. موطن الشاهد: ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ذات" بمعنى صاحبة؛ وهو مضاف إلى اسم ظاهر، ولا يجوز إضافته إطلاقا إلى المضمر كما سبق. ٧ ٤٠ سورة غافر، الآية: ١٢. موطن الشاهد: ﴿وَحْدَهُ﴾ . =
[ ٣ / ٩٤ ]
وقوله١: [الرجز]
٣٢٦- وكنت إذ كنت إلهي وحدكا٢
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: مجيء "وحد" مضافا إلى الضمير الهاء؛ وحكم إضافته إلى الضمير من دون الظاهر الوجوب؛ وهو يضاف إلى ضمير الغائب، والمخاطب، والمتكلم -كما مثل المؤلف- من دون تمييز بين مفرد وغيره، ولا مؤنث ومذكر؛ وهو -وحد- مصدر يدل على التوحيد والانفراد ملازم للإفراد والتنكير، وربما ثني شذوذا؛ وهو منصوب على الحال غالبا؛ لتأويله بموحد، أي: منفردا؛ وقيل: على أنه مفعول مطلق؛ فعل من لفظه؛ يقال: وحد الرجل يحد؛ إذا انفرد؛ أو مصدر لا فعل من لفظه؛ وقد يجر بعلى أو بالإضافة. ١ القائل: هو: عبد الله بن عبد الأعلى القرشي. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت، من الرجز، وبعده قوله: لم يك شيء يا إلهي قبلكا وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٣٢، وسيبويه: ١/ ٣١٦، والمقتضب: ٤/ ٢٤٧، والمنصف: ٢/ ٢٣٢، وشرح المفصل: ٢/ ١١، والعيني: ٣/ ٣٩٧، والهمع: ٢/ ٥٠، والدرر: ٢/ ٦٠، والمغني: ٥٠٩/ ٣٦٨، والسيوطي: ٢٣٣. المفردات الغريبة: قبلك، قيل: إن معنى القبلية: المعية، بدليل مقابلتها بقوله وحدك؛ لأن القبلية محالة في حقه تعالى. وقيل: إن الظرف ليس قيدا في الفعل المنفي بلم. المعنى: وجدت -يا إلهي- مذ وجدت وحدك، لم يك معك شيء قبل خلق هذا العالم، ثم أوجدته؛ ولم يكن شيء قبلك؛ لأن الله واجب الوجود؛ وهو قديم بالذات والعالم موجود بإراد الله وفعله. الإعراب: كنت: فعل ماض تام، مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك؛ والتاء: في محل رفع فاعل؛ وكان تامة -هنا- لأنها بمعنى الوجود. إذ: ظرف للزمن الماضي، مبني على السكون في محل نصب؛ وهو متعلق بـ"كان". كنت: فعل ماض تام، مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك؛ والتاء: في محل رفع فاعل؛ ويمكن عده ناقصا، ويكون خبره محذوفا والتقدير: كنت موجودا؛ والأول: أفضل؛ وجملة "كان وفاعلها" أو "كان واسمها": في محل جر بالإضافة بعد إذ. إلهي: منادى مضاف، بحرف نداء محذوف، والتقدير: يا إلهي؛ وهو منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة للياء؛ والياء: ضمير متصل مبني على السكون، في محل جر بالإضافة. وحدكا: "وحد" حال من ضمير المخاطب في كان الأولى -وهذا هو الأرجح- لأن الغالب في "وحد" أن تأتي =
[ ٣ / ٩٥ ]
وقوله١: [المنسرح]
٣٢٧- والذئب أخشاه إن مررت به وحدي٢
_________________
(١) = منصوبة على الحال و"وحد" مضاف، والكاف: في محل جر بالإضافة؛ والألف للإطلاق. لم: جازمة نافية. يك: فعل مضارع تام مجزوم، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة تخفيفا. شيء: فاعل "يك" مرفوع. يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. إلهي: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة للياء؛ والياء: ضمير متصل مبني على السكون، في محل جر بالإضافة؛ وجملة النداء: اعتراضية، لا محل لها. قبلكا: "قبل": متعلق بـ"يك" التامة؛ فإن عددناها ناقصة؛ يكون "شيء" اسمها، و"قبل": متعلقا بخبره المحذوف؛ والأول أفضل، و"قبل" مضاف، وضمير المخاطب: في محل جر بالإضافة، والألف: للإطلاق. موطن الشاهد: "وحدكا". وجه الاستشهاد: إضافة لفظ "وحد" إلى كاف الخطاب؛ وسبق أن "وحد" تضاف إلى المضمر وجوبا؛ لأنها لا تضاف إلى الاسم الظاهر. ١ القائل: هو الربيع بن ضبيع الفزاري الذبياني، شاعر جاهلي معمر من الفرسان، كان أحكم العرب في زمانه، ومن أشعرهم وأخطبهم، شهد يوم الهباءة، وهو ابن مائة عام وقاتل في حرب داحس، وأدرك الإسلام، وقد كبر وخرف؛ فقيل: أسلم وقيل: منعه قومه. الأعلام: ٣/ ١٥، الأغاني: ١٤/ ١١٨، الخزانة: ٣/ ٣٨، السمط: ٨٠٢. ٢ تخريج الشاهد: هذه قطعة من بيت؛ قاله الربيع -حين تقدمت سنه وأصابه ضعف الكبر- والبيت بتمامه: والذئب أخشاه إن مررت به وحدي، وأخشى الرياح والمطرا ويروى قبله: أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٣٦، والهمع: ٢/ ٥٠، والدرر: ٢/ ٦٠، ونوادر أبي زيد: ١٥٩، والجمل: ٥٢، العيني: ٣/ ٣٩٧. المعنى: صرت -لكبر سني وضعفي وعدم قدرتي على مقاومة أي شيء يعتريني- أخاف من الذئب إن مررت به وليس معي أحد، ولا أحتمل هبوب الريح، وسقوط المطر؛ فإن ذلك يؤذيني؛ لشدة ضعفي وقلة حيلتي. الإعراب: الذئب -على رواية النصب- مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده؛ والتقدير: وأخشى الذئب أخشاه. أخشاه: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف؛ منع من ظهورها التعذر، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: =
[ ٣ / ٩٦ ]
وما يختص بضمير المخاطب؛ وهو مصادر مثناة لفظا؛ ومعناها التكرار١؛ وهي: "لبيك" بمعنى إقامة على إجابتك بعد إقامة٢، و"سعديك" بمعنى: إسعادا لك بعد إسعاد؛ ولا تستعمل إلا بعد لبيك٣، و"حنانيك" بمعنى: تحننا عليك بعد تحنن، و"دواليك" بمعنى: تداولا بعد تداول٤، و"هذاذيك" -بذالين معجمتين- بمعنى: إسراعا لك بعد إسراع، قال٥: [مشطور الرجز]
_________________
(١) = أنا، والهاء: ضمير متصل مبني على الضم، في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "أخشاه": تفسيرية، لا محل لها. إن: حرف شرط جازم، لا محل له من الإعراب. مررت: فعل ماض، مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك؛ والتاء: في محل رفع فاعل. وهو فعل الشرط في محل جزم. "به": متعلق بـ"مر". وحدي: حال من ضمير المتكلم في "مررت" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة للياء؛ والياء: في محل جر بالإضافة. وأخشى: الواو عاطفة، أخشى: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. الرياح: مفعول به لـ"أخشى" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. المطرا: الواو عاطفة، المطر: اسم معطوف على الرياح منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والألف: للإطلاق. موطن الشاهد: "وحدي". وجه الاستشهاد: إضافة لفظ "وحد" إلى ضمير المتكلم؛ وتبين لنا من هذا الشاهد وما قبله أن لفظ "وحد" يضاف إلى الضمائر كلها على السواء؛ لأنه أضيف في الآية إلى ضمير الغائب؛ وفي البيت السابق، أضيف إلى ضمير المخاطب؛ وفي هذا البيت، أضيف إلى ضمير المتكلم؛ وسبق أن قلنا: إنه لا فرق في هذه الأنواع الثلاثة بين المذكر والمؤنث، ولا بين ضمير المفرد، وضمير المثنى، وضمير الجمع. ١ المراد بالتكرار التكثير الذي يزيد على اثنين، وهي ملحقة بالمثنى في إعرابه؛ مراعاة لمظهرها، وليست مثنى حقيقيا من حيث معناها، وتعرب مفعولا مطلقا لفعل من لفظها -إلا هذاذيك، فيقدر فعلها من معناها، وهو: أسرع على الصحيح. ٢ أصل لبيك: ألب لك إلبابين؛ أي: أقيم على طاعتك وإجابتك إقامة كثيرة؛ فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، ثم حذفت الزوائد، وحذف الجار من الضمير المفعول، وأضيف المصدر إليه؛ وقيل: إنه من لب بمعنى ألب؛ أي: أقام، وكذا الباقي؛ ومثلها: حجازيك: أي: محاجزة بعد محاجزة، وحذاريك: أي: حذرا بعد حذر. ٣ لأن "لبيك" هي الأصل في الإجابة، و"سعديك" بمنزلة التوكيد لها. ٤ أي: تواليا وتناوبا في طاعتك بعد توال وتناوب. ٥ القائل: هو العجاج الراجز المشهور، وقد مرت ترجمته.
[ ٣ / ٩٧ ]
٣٢٨- ضربا هذاذيك وطعنا وخضا١
وعامله وعامل لبيك: من معناهما، والبواقي من لفظها٢.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز المشطور، وبعده قوله: يمضي إلى عاصي العروق النحضا وهو من أرجوزة للعجاج يمدح فيها الحجاج بن يوسف الثقفي. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٣٧، والأشموني: ٦١٥/ ٢/ ٣١٣، وسيبويه: ١/ ١٧٥ ومجالس ثعلب: ١٧٥، والجمل للزجاجي: ٢٩٦، وأمالي الزجاجي: ١٣٢، والمحتسب: ٢/ ٢٧٩، والمخصص: ٦/ ٨٨، ١٠٣، ١٣/ ٢٧٣، وشرح المفصل: ١/ ١١٩، والخزانة: ١/ ٢٧٤، والعيني: ٣/ ٣٩٩، والهمع: ١/ ١٨٩، والدرر: ١/ ١٦٢، وديوان العجاج: ٥٤. المفردات الغريبة: ضربا هذاذيك: أي ضربا يهذ هذا بعد هذ، والهذ: الإسراع في القطع وغيره. وخضا، الوخض: الطعن الذي يصل إلى الجوف، وقيل: العكس، والمراد: الطعن الذي يسرع إلى الموت. عاصي العروق: هو العرق الذي يسيل ولا يرقأ دمه، وجمعه عواص. النحضا؛ النحض: اللحم المكتنز كلحم الفخذ. المعنى: أضرب ضربا كثيرا مسرعا في القطع، وأطعن طعنا جائفا في اللحم حتى يمزق الأجسام، فتصل أجزاؤها إلى العروق العاصية التي يسيل دمها بلا انقطاع. الإعراب: ضربا: مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أو مفعول به لفعل محذوف؛ والتقدير: نجزيهم ضربا. هذاذيك: مفعول مطلق لفعل محذوف، يقدر من معناه؛ أي: أسرع إسراعا؛ أو أقطع قطعا، وهو مضاف إلى الكاف؛ وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى. وطعنا: الواو عاطفة، طعنا: معطوف على "ضربا" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وخضا: صفة لـ"طعنا" منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. موطن الشاهد: "هذاذيك". وجه الاستشهاد: إضافة "هذاذي" إلى ضمير المخاطب؛ وهو مفعول مطلق؛ لفعل من معناه -كما بينا في الإعراب- ولا يصح مجيئه حالا، خلافا لسيبويه. ٢ فيقدر: أسرع، وأجيب، وأسعد، وأتحنن، وأتداول، وقد علمت أن للبيك فعلا من لفظها. قال الصبان: والمتجه عندي: أن لبيك منصوب بفعل من لفظه. وذكر بعضهم فعلا لهداذيك، وهو: هذ يهذ هذا، أي أسرع. حاشية الصبان: ٢/ ٢٥٢-٢٥٣.
[ ٣ / ٩٨ ]
وتجويز سيبويه في "هذاذيك" في البيت، وفي "دواليك" من قوله١: [الطويل]
٣٢٩- دواليك حتى لكنا غير لابس٢
_________________
(١) ١ القائل: هو سحيم الأسود؛ عبد بني الحسحاس، شاعر رقيق الشعر، أعجمي الأصل، اشتراه بنو الحسحاس -وهم بطن من بني أسد- فنشأ فيهم، رآه النبي ﷺ وأعجب بشعره، وعاش إلى أيام عثمان بن عفان ﵁، شبب بنساء بني الحسحاس، فقتلوه، وأحرقوه، وذلك نحو ٤٠هـ. الجمحي: ١/ ٣٦، فوات الوفيات: ١/ ١٦٦، والسمط: ٧٢١، الأعلام: ٣/ ٧٩. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: إذا شق برد شق بالبرد مثله وينشد قبله: كأن الصبيريات وسط بيوتنا ظباء تبدت من خلال المكانس فكم قد شققنا من رداء منير على طفلة ممكورة غير عانس وهن بنات القوم إن يظفروا بنا يكن في ثبات القوم إحدى الدهارس وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٣٧، والأشموني: ٦١٦/ ٢/ ٣١٣، وسيبويه: ١/ ١٧٥؛ وروى عجزه: دواليك حتى ليس للبرد لابس، وأمالي الزجاجي: ١٣١، والجمل: ٢٩٧، والخصائص: ٣/ ٤٥، والأغاني: ٢٠/ ٤، والمخصص: ١٣/ ٢٣٢، والهمع: ١/ ١٨٩، والدرر: ١/ ١٦٢؛ وقال إن الرواية الصحيحة: "إذا شق برد شق بالجيب برقع"، وصبح الأعشى: ١/ ٤٠٧، ونهاية الأرب: ٣/ ١٢٦، وديوان سحيم: ١٦. المفردات الغريبة: برد: هو الكساء الموشى؛ أي المخطط المزخرف. دواليك: من المداولة، وهي المناوبة بينك وبين غيرك. المعنى: إذا شق واحد منا برد صاحبه ومزقه؛ شق الآخر برده كذلك بالتناوب؛ حتى نرى ولكنا ليس عليه برد. قيل في سبب ذلك؛ إن الرجل كان إذا أراد تأكيد المودة بينه وبين من يحب، واستدامة صحبته شق كل واحد منهما برد الآخر؛ لاعتقادهم أن ذلك، أبقى للمودة بينهما. الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه مبني على السكون، في محل نصب على الظرفية الزمانية. شق: فعل ماض مبني للمجهول. برد: نائب فاعل مرفوع. شق: فعل ماض مبني للمجهول أيضا. "بالبرد": متعلق بـ"شق" الثاني. مثله: نائب فاعل مرفوع، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة. دواليك: مفعول مطلق -لفعل محذوف- منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، وهو مضاف، =
[ ٣ / ٩٩ ]
الحالية بتقدير نفعله متداولين؛ وهاذين، أي مسرعين، ضعيف١ للتعريف٢؛ ولأن المصدر الموضوع للتكثير، لم يثبت فيه غير كونه مفعولا مطلقا.
وتجويز الأعلم٣ في "هذاذيك" في البيت الوصفية مردود لذلك.
_________________
(١) = وكاف المخاطب: في محل جر بالإضافة. حتى: حرف ابتداء، لا محل له من الإعراب. كلنا: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، و"نا": ضمير متصل في محل جر بالإضافة. غير: خبر مرفوع، وهو مضاف. لابس: مضاف إليه مجرور. موطن الشاهد: "دواليك". وجه الاستشهاد: إضافة "دوالي" إلى ضمير المخاطب؛ وهو مفعول مطلق؛ لفعل من معناه، ولا يصح مجيئه حالا، خلافا لسيبويه. ١ خلاصة ما ذكره المؤلف في هذه المسألة، أن جمهور النحاة ذهبوا إلى أن "دواليك" مفعول مطلق دال على التكرار، ولم يجيزوا في هذا اللفظ غير هذا الوجه من الإعراب؛ ومثله: "هذاذيك" فمعنى "دواليك": تداولا بعد تداول؛ ومعنى "هذاذيك": هذا لك بعد هذ. وذهب سيبويه إلى تجويز وجهين من الإعراب في كل من هاتين الكلمتين؛ الوجه الأول: أن تكون مفعولا مطلقا -كما قال الجمهور- والوجه الثاني: أن تكون حالا على التأويل بالمشتق؛ وتقدير دواليك -على الوجه الثاني: متداولين، وتأويل هذاذيك -عليه- هاذين؛ وقد رد المؤلف على سيبويه، بأنه يلزم على القول بأن كل واحدة من هاتين الكلمتين حال أمران؛ كل واحد منهما خلاف الأصل؛ الأول: أن يقع الحال معرفة؛ لأنا علمنا أن هذا اللفظ مصدر مضاف إلى ضمير المخاطب؛ ومعلوم أن إضافة المصدر، تفيد التعريف. الثاني: أنه يلزم وقوع المصدر الدال على تكرار الحدث حالا، ولم يرد في كلام العرب وقوع هذا المصدر حالا، ولكنا حفظنا من كلامهم وقوعه مفعولا مطلقا؛ بدليل مجيئه في القرآن الكريم؛ نحو قوله تعالى: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ وما دام وقع المصدر الدال على التكرار مفعولا مطلقا بدليل ظاهر في ذلك، ولم يرد وقوعه حالا، بدليل ظاهر في الحالية؛ لزمنا أن نذهب إلى ما ثبت بدليل ظاهر. انظر حاشية يس على التصريح: ٢/ ٣٧. ٢ لأنه معرفة بإضافته للضمير، والحال واجب التنكير، وقوله: "ولأن المصدر إلخ" دفع به ما قد يقال: إن هذه الحال مما جاء معرفا لفظا، وإن كان منكرا معنى. ٣ أي: صفة لـ"ضربا"؛ والمعنى: اضرب ضربا مسرعا أو مكررا؛ غير أن هذا الإعراب مردود بأن "ضربا" نكرة، و"هذاذيك" معرفة -عند الجمهور- ومعلوم أنه لا توصف =
[ ٣ / ١٠٠ ]
وقوله فيه وفي أخواته: إن الكاف لمجرد الخطاب؛ مثلها في "ذلك" مردود أيضا؛ لقولهم: "حنانيه"، و"لبي زيد" ولحذفهم النون؛ لأجلها، ولم يحذفوها في "ذانك" وبأنها، لا تلحق الأسماء التي لا تشبه الحرف.
وشذت إضافة "لبي" إلى ضمير الغائب؛ في نحو قولك١: [مشطور الرجز]
_________________
(١) = النكرة بمعرفة؛ وليبرر ما ذهب إليه، ادعى أن هذه الكاف في "هذاذيك" وأخواتها حرف خطاب، مثل الكاف في أسماء الإشارة؛ نحو: ذلك، وتلك، وهذا فاسد لما يأتي: أ- لأنهم أضافوا بعض هذه الألفاظ إلى ضمير الغيبة -وإن كان ذلك شذوذا-؛ نحو: لبيه، وإلى الاسم الظاهر؛ نحو: "لبي يدي ميسور"، ومعلوم أن اسم الإشارة، لا يتصل به إلا كاف الخطاب؛ ولما اختلف حال هذه الألفاظ وحال اسم الإشارة، لم يكن لنا حمل هذه الألفاظ عليه. ب- معلوم أن هذه الألفاظ مثناة لفظا، ولما تتصل بها كاف الخطاب، تحذف نونها للإضافة؛ نحو: حنانيك، ودواليك، كما تحذف من كل مثنى عند الإضافة؛ نحو قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ ومعلوم أنهم لم يحذفوا النون من اسم الإشارة المراد به المثنى، في نحو: "ذانك" و"تانك" فعلم أن اسم الإشارة غير مضاف إلى هذه الكاف الملحقة به؛ ونستنتج أن: الكاف حرف مع اسم الإشارة؛ ولحذفها مع دواليك وأخواته، أنه مضاف إلى الكاف؛ وعلى هذا، فهي اسم مع هذه الألفاظ. ج- علم باستقراء كلام العرب أنهم يلحقون الكاف الحرفية بالأسماء التي تشبه الحروف مثل أسماء الإشارة، في نحو: ذلك، وتلك، وذانك، وتانك، ومثل الضمائر، في نحو: "إياك" ولم نجدهم ألحقوا هذه الكاف باسم غير مشبه للحرف، ولا شك في أن "دواليك" وأخواته أسماء، لا تشبه الحرف، فلم يكن لنا أن نقر شيئا خارج عن مجرى كلامهم. انظر شرح التصريح: ٢/ ٣٨. فائدة: للكاف في دواليك محلان من الإعراب؛ فهي محل جر بإضافة المصدر المثنى إليها؛ ولها محل آخر، هو الرفع أو النصب؛ لأن المصدر، يضاف إلى فاعله، ويضاف إلى مفعوله؛ فإذا عدت الكاف فاعل المصدر؛ كانت في محل رفع، وإذا عدت مفعول المصدر؛ كانت في محل نصب. والنحاة يرون أنها مفعول المصدر -من دون اطراد في الكافات كلها- لأن المعنى المقصود بالكلام، هو الذي يحدد ذلك؛ فهي في لبيك وسعديك -مثلا- تكون للمفعول؛ لأن التقدير: أجيبك إجابة متكررة، وأسعدك إسعادا متكررا؛ وهي في حنانيك -مثلا- تكون فاعلا للحنان؛ لأن التقدير: تحنن علي وارفق بي. ١ لم ينسب إلى قائل معين.
[ ٣ / ١٠١ ]
٣٣٠- لقلت لبيه لمن يدعوني١
وإلى الظاهر في نحو قوله٢: [المتقارب]
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: ينشد قبل الشاهد قوله: إنك لو دعوتني ودوني زوراء ذات مترع بيون والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٣٨، والأشموني: ٦١٤/ ٢/ ٣١٣، وابن عقيل: ٢٢٤/ ٣/ ٥٢، والعيني: ٣/ ٣٨٣، والهمع: ١/ ١٩٠، والدرر: ١/ ١٦٣ ومغني اللبيب: ٩٨١/ ٧٥٣، واللسان: "لبب" "بين" وفيه "منزع بدل مترع". المفردات الغريبة: زوراء: هي الأرض البعيدة الأطراف. مترع: مملوء أو ممتد، من قولهم: حوض مترع؛ أي ممتلئ. والذي في اللسان: منزع: وهو الفراغ الذي في البئر حتى الماء. بيون: هي البئر الواسعة الرأس الضيقة الأسفل، أو البعيدة القاع. المعنى: أنك لو طلبتني، وناديتني لأمر من الأمور -وبيننا أرض نائية صعبة المسالك ذات مياه بعيدة الغور- لأجبتك سريعا، ولما تأخرت عن تلبية طلبك. الإعراب: إنك: حرف مشبه بالفعل، والكاف: في محل نصب اسمه. لو: حرف امتناع لامتناع؛ أو حرف شرط غير جازم، لا محل له من الإعراب. دعوتني: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: في محل رفع فاعل، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب مفعولا به. ودوني: الواو حالية، دون: ظرف مكان -متعلق بمحذوف خبر مقدم- منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل الياء؛ والياء: في محل جر بالإضافة. زوراء: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "دوني زوراء": في محل نصب على الحال. ذات: صفة لـ"زوراء" مرفوعة، وذات مضاف. مترع: مضاف إليه مجرور. بيون: صفة لـ"مترع" مجرورة، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة. لقلت: اللام واقعة في جواب "لو"، قلت: فعل ماض وفاعل. لبيه: "لبي" مفعول مطلق بفعل محذوف؛ والتقدير: أجيبك إجابة بعد إجابة، والهاء: في محل جر بالإضافة "لمن: متعلق بـ"قلت". يدعوني: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو؛ للثقل، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى الاسم الموصول المجرور محلا باللام، والنون: للوقاية، وياء المتكلم: في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "يدعوني": صلة للموصول الاسمي، لا محل لها؛ وجملة "لو وشرطه وجوابه": في محل رفع خبر "إن". موطن الشاهد: "لبيه". وجه الاستشهاد: إضافة "لبي" إلى ضمير الغائب "الهاء"؛ وحكم إضافته إلى ضمير الغائب أنه شاذ؛ لأنه مختص بضمير المتكلم. ٢ القائل: هو أعرابي، من بني أسد.
[ ٣ / ١٠٢ ]
٣٣١- فلبى قلبي يدي مسور١
وفيه رد على يونس في زعمه أنه مفرد٢؛ وأصله لبا؛ فقلبت ألفه ياء؛ لأجل الضمير، كما في لديك وعليك، وقول ابن الناظم: إن خلاف يونس في "لبيك"
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: دعوت لما نابني مسورا وكان هذا الرجل، قد استعان برجل اسمه مسور في دفع غرامة مالية؛ فأعانه. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٣٨، والأشموني: ٦١٣/ ٢/ ٣١٢، وابن عقيل: ٢٢٥/ ٣/ ٥٣، وسيبويه: ١/ ١٧٦، والمحتسب: ١/ ٧٨، ٢/ ٢٣، وشرح المفصل: ١/ ١١٩، والخزانة: ١/ ٢٦٨، ٥٧٨، والعيني: ٣/ ٣٨١. والهمع: ١/ ١٩٠، والدرر: ١/ ١٦٥، واللسان "لبب". المفردات الغريبة: دعوت: استعنت. نابني: أصابني ونزل بي. مسور: اسم رجل. فلبى: أجاب دعائي بقوله لبيك. المعنى: دعوت مسورا، واستغثت به؛ لدفع ما نابني، وحل بي؛ فأجابني إلى ما دعوته إليه؛ فتلبية تلو تلبية ليدي مسور، أبادر إليه، إذا ناداني وسألتني في أمر ينوبه؛ كما بادر إلي؛ ومعلوم أنه خص يديه بالذكر؛ لأنهما اللتان قدمتا المال له. الإعراب: دعوت: فعل ماض وفاعل. "لما": متعلق بـ"دعوت". نابني: فعل ماض والفاعل: هو، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "نابني": صلة للموصول المجرور محلا باللام، لا محل لها. مسورا: مفعول به منصوب لـ"دعوت". فلبى: الفاء عاطفة، لبى: فعل ماض، والفاعل: هو؛ يعود إلى مسور. فلبي: الفاء عاطفة، لبي: مفعول مطلق منصوب، بفعل محذوف، وهو مضاف. يدي: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى، وهو مضاف. مسور: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. موطن الشاهد: "فلبي يدي". وجه الاستشهاد: إضافة "لبي" إلى الاسم الظاهر "يدي"؛ وحكم هذه الإضافة شاذة؛ لأن لبي مختصة بالإضافة إلى ضمير المتكلم، كما أسلفنا. ٢ وجده الرد -كما قال سيبويه: أنه لو كان مفردا مقصورا -كما يرى يونس- لما قلبت ألفه ياء مع الظاهر في قوله: "فلبي يدي مسور" كما لا تقلب ألف "لدى" و"على" عند ذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ وذلك ببقاء الألف؛ فكان ينبغي أن يقال: لبى زيد، ولبى يدي. فدل ذلك على أنه مثنى وليس بمقصور. شرح التصريح: ٢/ ٣٨.
[ ٣ / ١٠٣ ]
وأخواته وهم١.
[ما هو واجب الإضافة]:
ومنها ما هو واجب الإضافة إلى الجمل؛ اسمية كانت، أو فعلية؛ وهو: "إذ"، و"حيث". فأما "إذ"؛ فنحو: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ ٢ ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ ٣، وقد يحذف ما أضيفت إليه للعلم به٤؛ فيجاء بالتنوين عوضا منه؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٥، وأما "حيث"؛ فنحو: "جلست حيث جلس زيد" و"حيث زيد جالس"٦ وربما أضيفت إلى المفرد٧؛ كقوله٨. [الطويل]
_________________
(١) ١ يعني أن ابن الناظم وهم في نسبة الخلاف في هذه الألفاظ كلها إلى يونس؛ لأن خلافه فيلبيك وحده. ٢ ٨ سورة الأنفال، الآية: ٢٦. موطن الشاهد: "إذا أنتم". وجه الاستشهاد: إضافة إذ إلى الجملة الاسمية، وحكم هذه الإضافة الوجوب. ٣ ٧ سورة الأعراف، الآية: ٨٦. موطن الشاهد: ﴿إِذْ كُنْتُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: إضافة إذ إلى الجملة الفعلية؛ وهي كسابقتها تماما من حيث التقدير. ٤ وأكثر ما يكون ذلك؛ إذا كان المضاف اسم زمان، كيومئذ، وحينئذ، وساعتئذ؛ فيحذف المضاف ويؤتى بالتنوين عوضا عن الجملة المحذوفة، وتحرك الذال عند التنوين بالكسر للتخلص من الساكنين. ٥ ٣٠ سورة الروم، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف الجملة بعد إذ -كما أسلفنا- للعلم بها؛ وجيء بالتنوين عوضا منها، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، وإذ باقية على بنائها على الأرجح، والتقدير: يوم إذ غلبت الروم ٦ الغالب في الجملة الاسمية بعد "حيث" إلا يكون خبرها فعلا. وإضافتها إلى الجملة الفعلية أكثر؛ سواء كانت مثبتة أم منفية. ٧ يجيز بعض النحاة إضافتها إلى المفرد مع بقائها مبنية؛ نحو: أنا مسافر حيث الهدوء. ويؤيده جواز فتح همزة "إن" بعدها، فتكون مضافة إلى المصدر المنسبك من أن ومعموليها، وهو مفرد؛ وبعضهم يعربها، ويندر أن تقع ظرف زمان أو غيره ولا يقاس على ما يسمع من ذلك. حاشية يس على التصريح: ٢/ ٣٩، وهمع الهوامع: ١/ ٢١٢. ٨ قيل: هو الفرزدق، وقيل: هو عملس بن عقيل، والأرجح أنه غير معين.
[ ٣ / ١٠٤ ]
٣٣٢- ببيض المواضي حيث لي العمائم١
ولا يقاس عليه، خلافا للكسائي.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٣٩، والأشموني: ٦١٨/ ٢/ ٣١٤، والهمع: ١/ ٢١٢، والدرر: ١/ ١٨٠، والأغاني: ١١/ ٨٣، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٣٦، وشرح المفصل: ٤/ ٩٠، والخزانة: ٣/ ١٥٢، والعيني: ٣/ ٣٨٧، والمغني: ٢١٥/ ١٧٧، والسيوطي: ١٣٣، وليس في ديوان الفرزدق. المفردات الغريبة: نطعنهم -بضم العين وفتحها: نضربهم، يقال: طعنه بالرمح، كمنعه ونصره؛ ضربه ووخزه. الحبا: جمع حبوة؛ وهي الثوب الذي يحتبى به، والاحتباء: أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشده عليهما، وقد يكون الاحتباء باليدين. والمراد هنا: أواسطهم. بيض: جمع أبيض، والمراد: السيف. المواضي: جمع ماضٍ؛ وهو النافذ القاطع، أي السيوف القواطع. لي العمائم: لفها وشدها طاقة بعد طاقة على الرءوس. المعنى: نضربهم برماحنا في أواسطهم، حيث لا يبرءون من الطعن بعد ضربهم بالسيوف القواطع على رءوسهم. الإعراب: ونطعنهم: الواو عاطفة، نطعن: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: مستتر وجوبا؛ تقديره: نحن؛ وضمير الغائبين "هم": في محل نصب مفعولا به. حيث: ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب؛ وهو متعلق بـ"نطعن"، وهو مضاف. الكلى: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف؛ منع من ظهورها التعذر؛ وهذا الوجه الذي أراده المؤلف. "بعد": متعلق بـ"نطعن" وهو مضاف. ضربهم: مضاف إليه مجرور، وهو مضاف، و"هم": في محل جر بالإضافة. "ببيض": متعلق بـ"ضربهم"، و"بيض" مضاف. المواضي: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الياء؛ منع من ظهورها الثقل. "حيث": متعلق بـ"ضرب" وهو مبني على الضم في محل نصب، و"حيث" مضاف. لي: مضاف إليه مجرور، وهو مضاف. العمائم: مضاف إليه مجرور. موطن الشاهد: "حيث لي العمائم". وجه الاستشهاد: مجيء "حيث" مضافة إلى اسم مفرد "لي" -على رواية جر "لي"- غير أن بعض العلماء عدوا "حيث" مضافة إلى الجملة -على رواية رفع "لي"- فتكون "لي" مبتدأ محذوف الخبر، ولا شاهد في البيت حينئذ على إضافة "حيث" إلى الاسم المفرد؛ =
[ ٣ / ١٠٥ ]
[ما يختص بالجمل الفعلية]:
ومنها: ما يختص بالجمل الفعلية، وهو "لما"، عند من قال باسميتها١؛ نحو: "لما جاءني أكرمته"، و"إذا"٢، عند غير الأخفش والكوفيين٣؛ نحو: ﴿إِذَا
_________________
(١) = وما قلناه -هنا- أحرى به أن يكون في صدر البيت "حيث الكلى " فإن "الكلى" يصح كونها مبتدأ، وخبره محذوف؛ والتقدير: حيث الكلى موجودة؛ وعلى هذا، فلا شاهد في البيت في الموضوعين. والذي يرجح ما ذهبنا إليه من عدم وجود ما يؤكد إضافة "حيث" إلى المفرد أمران؛ أحدهما: الرواية الثانية للبيت برفع "لي" وإنشاء بعضهم صدر البيت: "ونطعنهم تحت الحبا بعد ضربهم" فلا شيء فيه على هذه الرواية أيضا. وثانيهما: ما قاله ابن هشام نفسه -في المعنى- نقلا عن كتاب التمام لابن جني: "من أضاف حيث إلى المفرد أعربها؛ واستشهد بما رآه بخط الضابطين: أما ترى حيث سهيل، طالعا بفتح الثاء من "حيث"؛ وخفض سهيل؛ وحيث بالضم وسهيل بالرفع، أي موجود؛ فحذف الخبر. وفي الشاهد الذي نحن في صدده لم تعرب حيث؛ بل بقيت مبنية؛ وهذا ما يرجح إضافتها إلى الجملة لا إلى الاسم. انظر مغني اللبيب: ١٧٨. ١ القائل باسميتها: الفارسي وابن جني وابن السراج والجرجاني وآخرون، وقالوا: هي ظرف بمعنى "حين"؛ ولذا تسمى "لما الحينية"؛ وقيل: بمعنى "إذا" ورجحه ابن مالك في المغني؛ لأنها مختصة بالماضي، وفيها معنى الشرط. ويجب أن يكون شرطها وجوبها ماضيين عند الأكثرين، وتضاف إلى شرطها، وتنصب بجوابها. وعند سيبويه؛ هي حرف وجود لوجود لا محل لها. مغني اللبيب: ٣٦٩، والتصريح: ٢/ ٣٩-٤٠. ٢ "إذا" ظرف غير جازم مبني دائما متضمن معنى الشرط غالبا، وتكون للزمان المستقبل كثيرا وللماضي قليلا، ووقوع الماضي، في جملة شرطها، أو جزائها؛ لا يخرجها عن الدلالة على المستقبل. ويقع شرطها وجوابها ماضيين، أو مضارعين أو مختلفين وناصبها: إما شرطها، فلا تضاف إلى ما بعدها؛ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، وهذا رأي المحققين. وإما جوابها؛ فتكون مضافة إلى جملة الشرط، وهو المشهور. ويجوز أن يحذف المضاف إليه ويجيء التنوين عوضا عنه. تقول: من ينكر المعروف فليس إذًا يستحقه؛ أي: فليس إذا يجحده يستحقه. وتأتي "إذا" للمفاجأة فتختص بالجملة الاسمية؛ وهي حينئذ حرف على الأصح، نحو: خرجت فإذا محمد ينتظرني؛ وقيل: هي ظرف. ٣ أما عندهما؛ فيجوز إضافتها إلى الجمل الاسمية تمسكا بظاهر قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ =
[ ٣ / ١٠٦ ]
طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ١؛ وأما نحو: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ٢، فمثل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ٣؛ وأما قوله٤: [الطويل]
٣٣٣- إذا باهلي تحته حنظلية٥
_________________
(١) = انْشَقَّتِ﴾، قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وهاتان الآيتان مؤولتان بتقدير فعل مماثل للفعل المتأخر مفسر به، كما ذكر المصنف. مغني اللبيب: ١٢٧، والتصريح: ٢/ ٤٠، همع الهوامع: ١/ ٢٠٦-٢٠٧. ١ ٦٥ سورة الطلاق، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: دخول إذا على الجملة الفعلية، ومجيء فعل الشرط ماضيا، وجواب الشرط أمرا؛ وهذا الاختلاف في الصيغة بين فعل الشرط وجوابه جائز باتفاق، وشائع في اللغة. ٢ ٨٤ سورة الانشقاق، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ . وجه الاستشهاد: استدل الأخفش والكوفيون بهذه الآية على جواز دخول إذا على الجملة الاسمية؛ والجمهور يعدونها داخلة على الجملة الفعلية -هنا- لأن "السماء" فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وما ذهب إليه الجمهور، هو الصواب؛ والذي سوغ للكوفيين والأخفش ما ذهبوا إليه كونهم لا يعدون إذا، وإن مختصتين بالجمل الفعلية. ٣ ٩ سورة التوبة، الآية: ٦. موطن الشاهد: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أحد" فاعلا لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده؛ والتقدير: وإن استجارك أحد استجارك وفي ذلك دلالة على دخول إن على الجملة الفعلية؛ وحكم دخولها على الجملة الفعلية الوجوب عند الجمهور، والجواز عند الكوفيين والأخفش. ٤ القائل: هو الفرزدق، وقد مرت ترجمته. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: له ولد منها فذاك المذرع وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٤٠، والأشموني: ٦٢/ ٢/ ٣١٦، والعيني: ٣/ ٤١٣، وهمع الهوامع: ١/ ٢٠٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٧٤، ومغني اللبيب: ١١٨/ ١٢٧، والسيوطي: ٩٤، وديوان الفرزدق: ٥١٤. =
[ ٣ / ١٠٧ ]
فعلى إضمار "كان" كما أضمرت هي، وضمير الشأن في قوله١: [الطويل]
_________________
(١) = المفردات الغريبة: باهلي: منسوب إلى باهلة؛ وهي قبيلة، من قيس عيلان، ويكثر الشعراء من ذمها، ومن ذلك: إذا قيل للكلب يا باهلي عوى الكلب من لؤم هذا النسب ومن ذلك قول الآخر: وما سأل الله عبد له فخاب ولو كان من باهله حنظلية: نسبة إلى حنظلة؛ وهي أكرم قبائل تميم، حتى ليقال: "حنظلة الأكرمون" المذرع: الذي أمه أشرف من أبيه. المعنى: إذا تزوج رجل من باهلة امرأة من حنظلة، وأتى منها بولد؛ فهو المذرع؛ أي الذي أمه أشرف من أبيه. الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، مبني على السكون، في محل نصب على الظرفية الزمانية. باهلي: اسم "كان" محذوفة وحدها. "تحته": متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء: في محل جر بالإضافة. حنظلية: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "تحته حنظلية": في محل نصب خبر "كان" المحذوفة وحدها. ويجوز أن تكون كان محذوفة مع اسمها -ضمير الشأن- وعليه فباهلي: مبتدأ أول، وحنظلية: مبتدأ ثاني؛ وجملة "تحته حنظلية": في محل رفع خبر المبتدأ الأول؛ وجملة "باهلي تحته حنظلية": في محل نصب خبر كان المحذوفة مع اسمها؛ والأول أفضل. "له": متعلق بمحذوف خبر مقدم. "ولد": مبتدأ مؤخر؛ وجملة "له ولد": في محل رفع صفة لـ"باهلي". "منها": متعلق بمحذوف صفة لـ"ولد". "فذاك": الفاء واقعة في جواب الشرط، ذا: اسم إشارة مبني على السكون، في محل رفع مبتدأ، والكاف: للخطاب، لا محل لها من الإعراب. المذرع: خبر مرفوع؛ وجملة "ذاك المذرع": لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم. موطن الشاهد: "إذا باهلي". وجه الاستشهاد: مجيء "باهلي" اسما لكان المحذوفة بعد "إذا"؛ لأن إذا لا يليها إلا الفعل لفظا أو تقديرا؛ ولم يعرب "باهلي" فاعلا لفعل محذوف؛ لأنه لم يأت بعده ما يفسره. واحتج الأخفش بهذا البيت على دخول إذا على الجملة الاسمية؛ والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لما بينا. ١ القائل: هو قيس بن الملوح؛ والمعروف بمجنون ليلى، وقد مرت ترجمته. وقيل: هو عبد الله بن الدمينة؛ وقيل: هو عبد الله بن الصمة القشيري؛ وقيل: هو إبراهيم بن العباس الصولي.
[ ٣ / ١٠٨ ]
٣٣٤- فهلا نفس ليل شفيعها١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا جزء من بيت، وهو بتمامه: ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة إلي فهلا نفس ليلى شفيعها وينشد بعده قوله: أأكرم من ليلى علي فتبتغي به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٤، والأشموني: ٦٢٤/ ٢/ ٣١٦، والخزانة: ١/ ٤٦٣، ٣/ ٥٩٧، ٤/ ٤٩٨، ٥٢٤، والعيني: ٣/ ٤١٦، ٤/ ٤٥٧-٤٧٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١٢٢٠، والهمع: ٢/ ٦٧، والدرر: ٢/ ٨٣، والمغني: ١١٧/ ١٠٣، ٤٧٧/ ٣٥٤، ٥٧٢/ ٤٠٤، ٩٩٠/ ٧٥٩، والسيوطي: ٧٩، وديوان قيس: ١٩٥. المفردات الغريبة: نبئت: أخبرت. بشفاعة؛ الشفاعة: التوسل ابتغاء الخير. الشفيع: الذي يكون منه التوسل. المعنى: أخبرت أن ليلى أرسلت إلي شفيعا، يطلب مني العودة إلى الوصل والمودة؛ فهلا تقدمت بنفسها؛ لطلب ذلك، فإن هذا كان أجدى وأحق بالقبول. الإعراب: نبئت: فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل؛ وهو المفعول الأول في الأصل. ليلى: مفعول به ثان منصوب؛ وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر. أرسلت: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء. للتأنيث؛ والفاعل: هي؛ وجملة "أرسلت": في محل نصب مفعولا به ثالثا لـ"نبئت"؛ لأنه يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل. بشفاعة: الباء حرف جر زائد، شفاعة: اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به منصوب؛ وهو الأفضل. "إلي": متعلق بـ"أرسلت". فهلا: الفاء سببية، لا محل لها، هلا: حرف تحضيض، لا محل له من الإعراب. نفس: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. ليلى: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف، منع من ظهورها التعذر. شفيعها: خبر مرفوع، وهو مضاف، و"ها": في محل جر بالإضافة؛ ويجوز أن يكون "نفس ليلى" خبرا مقدما، و"شفيعها" مبتدأ مؤخرا؛ والأول أفضل؛ وعلى كل فجملة "نفس ليلى شفيعها": في محل نصب خبر كان المحذوفة مع اسمها ضمير الشأن؛ والتقدير: فهلا كان هو -أي الحال والشأن- نفس ليلى شفيعها. ويجوز أن نعرب -هنا- "نفس ليلى" فاعلا لفعل محذوف؛ والتقدير: فهلا شفعت نفس ليلى؛ وعلى هذا الوجه، من الإعراب، يكون قوله: "شفيعها" خبرا لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو شفيعها؛ والوجه الأول أفضل وأسهل. موطن الشاهد: "فهلا نفس ليلى". وجه الاستشهاد: حذف كان واسمها ضمير الشأن بعد "هلا"، ولم نعرب "نفس ليلى" =
[ ٣ / ١٠٩ ]
[ما كان بمنزلة إذ وإذا فهو بمنزلتهما فيما يضافان إليه]:
فصل: وما كان بمنزلة "إذ" أو "إذا"، في كونه اسم زمان مبهم لما مضى أو لما يأتي١، فإنه بمنزلتهما فيما يضافان إليه٢؛ فلذلك تقول: "جئتك زمن الحجاج أمير"، أو "زمن كان الحجاج أميرا"؛ لأنه بمنزلة "إذ"٣، و"آتيك زمن يقدم الحاج"؛ ويمتنع "زمن الحاج قادم" لأنه بمنزلة إذا٤؛ هذا قول سيبويه، ووافقه الناظم في مشبه إذ دون مشبه إذا؛ محتجا بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ ٥، وقوله:
_________________
(١) = اسما لـ"كان المحذوفة" -كما في الشاهد السابق- لأن "شفيعها" اسم مفرد مرفوع، لا يصلح أن يكون خبرا لها إلا على وجه شاذ -رفع الجزأين بكان- وإذا لم يصلح قوله: "نفس ليلى" أن يكون اسم كان؛ لزم تقدير اسمها ضمير الشأن؛ والجملة بعد ذلك في محل نصب خبرها؛ وهلا من الأدوات التي لا يليها إلا الفعل؛ ولا يجوزو حذف كان -وحدها- كما في البيت السابق؛ لما ذكرنا. ١ قول المصنف: "لما مضى" راجع لوجه الشبه بإذ. وقوله: "أو لما يأتي" راجع لوجه الشبه بإذا. والمراد بالمبهم من الزمان: ما ليس محدودا؛ بألا يكون له أي اختصاص، كحين، ومدة، ووقت، وزمن، ولحظة، وبرهة، أو يكون له اختصاص من بعض النواحي؛ كغداة وعشية، وليل ونهار، وصباح ومساء. أما المحدود فهو: ما دل على عدد معين؛ كيومين، وأسبوع، وشهر، وسنة، أو وقت محدود؛ كأمس، وغد، وهذا لا يضاف إلى جملة. ٢ فما يكون بمعنى "إذ" يجوز إضافته إلى الجملة بنوعيها بالشرط الذي ذكرناه وهو أن يكون معنى الجملة ماضيا أو مستقبلا محتم الوقوع، كما يجوز أن يضاف إلى المفرد، أو لا يضاف. وما يكون بمنزلة "إذا" يضاف إلى الجملة الفعلية؛ غير أن الإضافة في "إذ" و"إذا" واجبة، وفيما يكون بمنزلتهما جائزة. التصريح: ٢/ ٤١. ٣ فـ"زمن" في المثال الأول مضاف إلى جملة اسمية. وفي الثاني مضاف إلى فعلية. ٤ أي: و"إذا" لا تضاف إلى الجمل الاسمية، فكذلك ما كان بمعناها. ٥ ٥١ سورة الذاريات الآية: ١٣. موطن الشاهد: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: إضافة "يوم" إلى الجملة الاسمية؛ ويوم مشبه إذا في الاستقبال، وإذا لا تضاف إلى الجملة الاسمية.
[ ٣ / ١١٠ ]
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة١
وهذا ونحوه، مما نزل في المستقبل، لتحقق وقوعه، منزلة ما قد وقع ومضى٢.
[يجوز في الزمان المحمول على "إذا" أو "إذ" الإعراب على الأصل]:
فصل: ويجوز في الزمان المحمول على "إذا" أو "إذ" الإعراب على الأصل، والبناء حملا عليهما٣؛ فإن كان ما وليه فعلا مبنيا؛ فالبناء أرجح للتناسب؛
_________________
(١) ١ هذا صدر بيت لسواد بن قارب الدوسي الصحابي، وعجزه قوله: بمغن فتيلا عن سواد بن قارب مر تخريج هذا البيت والتعليق عليه في باب "كان وأخواتها". موطن الشاهد: "يوم لا ذو شفاعة بمغن". وجه الاستشهاد: إضافة "يوم" إلى الجملة الاسمية -على رأي ابن مالك- مع أنه بمنزلة "إذا" في دلالته على المستقبل؛ ومعلوم أن إذا لا تضاف إلى الجملة الاسمية؛ وظاهر البيت رد على سيبويه الذي لا يجيز ذلك؛ والمذكور من الآية، وهذا البيت ونحوه -عند سيبويه- مما نزل في المستقبل؛ لتحقق وقوعه منزلة ما قد وقع ومضى؛ فيوم -فيه- مشبه إذ لا مشبه إذا؛ فلذلك أضيف إلى الجملة الاسمية؛ ولو كان الزمان محدودا كأسبوع، ويومين، وشهر؛ لم يضف إلى الجمل خلافا لبعض المغاربة. انظر شرح التصريح: ٢/ ٤٢. ٢ أي فيكون "يوم" مشبها لإذ لا لإذا؛ لأن المراد من الماضي ما كان متحقق الوقوع، سواء عبر عنه بالماضي، أو بالمضارع. وهذا توجيه سيبويه، وهو رد على رأي الناظم. ٣ "إذ" و"إذا" مبنيان دائما؛ لكونهما أشبها الحرف في الافتقار المتأصل إلى جملة؛ فإذا أضيف الظرف المبهم إلى جملة، وكان غير مستحق للبناء في ذاته؛ جاز فيه وجهان: الأول: الإعراب بحسب العوامل؛ نظرا إلى ما هو الأصل في الأسماء. الثاني: البناء على الفتح حملا على إذ وإذا؛ وقد اختلف النحاة في تعليل البناء؛ فمنهم من قال: علة بناء الظرف المبهم المضاف إلى جملة، هي الحمل على إذ أو إذا؛ ومنهم من قال: سبب بناء الظرف المبهم المضاف إلى جملة الاعتداد بالافتقار العارض لهذا الظرف، وتنزيل الافتقار العارض منزلة الافتقار المتأصل الذي أوجب البناء لـ"إذ" و"إذا" وللموصولات؛ ولما كان الافتقار عارضا وليس أصليا؛ فإنه لم يوجب البناء، ولكن جوزه؛ فجواز الإعراب منظور فيه إلى ما هو الأصل في الأسماء؛ ومنها هذا الظرف؛ =
[ ٣ / ١١١ ]
كقوله١: [الطويل]
٣٣٥- على حين عاتبت المشيب على الصبا٢
_________________
(١) = وجواز البناء منظور فيه إلى الشبه بين إذ أو إذا وهذا الظرف؛ وأن الجملة المضاف إليها، إن كان صدرها مبنيا قوي الشبه فلهذا كان البناء في هذه الحالة أرجح. حاشية يس على التصريح: ٢/ ٤٢. ١ القائل: هو النابغة الذبياني، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وقلت ألما أصح والشيب وازع وهو من قصيدة يعتذر فيها للنعمان بن المنذر، وقبل الشاهد قوله: فكفكفت مني عبرة فرددتها على النحر منها مستهل ودامع والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٤٢، وسيبويه: ١/ ٣٦٩، والمنصف: ١/ ٥٨، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٤٦، ٢/ ١٣٢، ١٦٤، وشرح المفصل: ٣/ ١٦، ٨١، ٤/ ٩١، ٨/ ١٤٦. والإنصاف: ٢٩٢، والمقرب: ٦٣، والخزانة: ٣/ ١٥١، والعيني: ٢/ ٤٠٦، ٤/ ٣٥٧، والهمع: ١/ ٢١٨، والدرر: ١/ ١٨٧، والمغني: ٩١٠/ ٦٧٢، والسيوطي: ٢٩٨، وابن عقيل: ٢٢٧/ ٣/ ٥٩، وديوان النابغة: ٥١. المفردات الغريبة: "على" الأولى بمعنى "في" والثانية للتعليل. عاتبت، العتاب: اللوم مع السخط وعدم الرضا. الصبا: الصبوة والميل إلى الهوى. أصح: أتنبه. وازع: زاجر، من وزع، أي زجر ونهى. المعنى: سال مني الدمع وانهمل وقت معاتبتي للشيب وقد حل بي بعد ذهاب زمان الصبوة والفتوة والانغماس في الشهوات، وقلت لنفسي موبخا إياها: كيف لا أصحو وأفيق من غفلتي واسترسالي في الشهوات، والشيب أكبر زاجر وواعظ!! الإعراب: "على حين": متعلق بـ"كفكفت" أو "بأسبل" أو بـ"رددتها" في بيت سابق؛ وحين: ظرف زمان مبني على الفتح في محل جر. عاتبت: فعل ماض، والتاء: في محل رفع فاعل؛ وجملة "عاتبت": في محل جر بالإضافة. المشيب: مفعول به منصوب. على الصبا": متعلق بـ"عاتبت". وقلت: الواو عاطفة، قلت: فعل ماض وفاعل. ألما: الهمزة حرف للاستفاهم الإنكاري، لما: نافية جازمة، لا محل لها من الإعراب. أصح: فعل مضارع مجزوم بـ"لما" وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، والفاعل: أنا. والشيب: الواو حالية، الشيب: مبتدأ مرفوع. وازع: خبر مرفوع؛ وجملة "الشيب وازع": في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "حين عاتبت". =
[ ٣ / ١١٢ ]
وقوله١: [الطويل]
٣٣٦- على حين يستصبين كل حليم٢
وإن كان فعلا معربا أو جملة اسمية؛ فالإعراب أرجح عند الكوفيين٣،
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: ورود "حين" مبنيا على الفتح؛ لإضافته إلى مبني؛ هو الفعل الماضي المبني أصالة؛ فاكتسب البناء مما أضيف إليه. وورد بالخفض -على رواية- فيكون مجرورا بعلى معربا. ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: لأجتذبن منهن قلبي تحلما وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٤٢، والأشموني: ٦٢٠/ ٢/ ٣١٥، والعيني: ٣/ ٤١، والهمع: ١/ ٢١٨، والدرر: ١/ ١٨٧، والمغني: ٩١١/ ٦٧٢، والسيوطي: ٢٩٨. المفردات الغريبة: تحلما: التحلم: تكلف الحلم وتصنعه. يستصبين: يستملن ويجتذبن. حليم: عاقل رزين. المعنى: والله لأجتذبن قلبي وأشده إلى نفسي، من هؤلاء الفاتنات، متكلفا الحلم والكف عن الميل إلى الهوى؛ لأنهن يستملن إلى اللهو والصبوة كل عاقل. الإعراب: لأجتذبن: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، تفيد التوكيد، أجتذبن: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، في محل رفع، والفاعل: أنا، والنون: لا محل لها من الإعراب. "منهن": متعلق بـ"أجتذب". قلبي: مفعول به لـ"أجتذب" والياء: في محل جر بالإضافة. تحلما: مفعول لأجله منصوب. "على حين": على: حرف جر، وحين: مفعول فيه ظرف زمان مبني على الفتح، في محل جر بعلى و"على حين": متعلق بأجتذب. يستصبين: فعل مضارع مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة؛ والنون في محل رفع فاعل، كل: مفعول به منصوب، وهو مضاف. حليم: مضاف إليه مجرور؛ وجملة "يستصبين كل حليم": في محل جر بالإضافة. موطن الشاهد: "على حين يستصبين". وجه الاستشهاد: مجيء "حين" مبنية على الفتح -على هذه الرواية- بسبب إضافتها إلى الفعل المضارع المبني؛ لاتصاله بنون النسوة؛ ومعلوم أن "حين" اكتسبت البناء من المضاف إليه المبني لا بالأصالة، وإنما بسبب اتصاله بنون النسوة، كما أسلفنا. ٣ ووافق الأخفش الكوفيين في هذا؛ ومال إلى الأخذ برأيهم أبو علي الفارسي، وابن مالك، وهو يقول في هذا الصدد في الألفية: وقبل فعل معرب أو مبتدا أعرب ومن بنى فلن يفندا =
[ ٣ / ١١٣ ]
وواجب عند البصريين، واعترض عليهم بقراءة نافع١: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ ٢ بالفتح؛ وقوله٣: [الوافر]
٣٣٧- على حين التواصل غير دان٤
_________________
(١) = لن يفندا: لن يغلط بنائه الظرف الواقع قبل فعل مضارع أو جملة اسمية مؤلفة من مبتدأ وخبر. التصريح: ٢/ ٤٢. ٢ ٥ سورة المائدة، الآية: ١١٩. أوجه القراءات: قرأ نافع وابن محيصن: "يومَ" بالنصب، وقرأ الباقون: "يوم" بالرفع. توجيه القراءات: من رفع "يوم" جعله خبرا لـ"هذا"؛ وهذا إشارة إلى يوم القيامة؛ والجملة في محل نصب بالقول؛ فأما على قراءة النصب فـ"يومَ" ظرف للقول، وهذا: إشارة إلى القصص والخبر الذي تقدم. انظر المشكل: ١/ ٢٥٤، والنشر: ٢/ ٢٤٧، والإتحاف: ٢٠٤. موطن الشاهد: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "يومَ" مبنيا على الفتح -على قراءة نافع- فالفتح -هنا- فتح بناء؛ لا فتحة إعراب؛ لأن الإشارة إلى اليوم -كما في قراءة نافع- فلا يكون ظرفا؛ والتوفيق بين القراءتين أليق؛ وأجاب جمهور البصريين بأن الفتحة فيه فتحة إعراب؛ مثلها مثل: صمت يوم الخميس؛ والتزموا لأجل ذلك أن تكون الإشارة، ليست لليوم، وإلا لزم كون الشيء ظرفا لنفسه؛ وإنما هي للمذكور من قبل؛ من كلامه مع عيسى وكلام عيسى معه -أي هذا المذكور كائن في هذا اليوم. انظر شرح التصريح: ٢/ ٤٤٢ وضياء السالك: ٢/ ٣١٩. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: تذكر ما تذكر من سليمى وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٤٢، والشذور: ٢٦/ ١١٩، والأشموني: ٦٢٢/ ٢/ ٣١٥، والعيني: ٣/ ٤١١، والهمع: ١/ ٢١٨، والدرر: ١/ ١٨٧. المفردات الغريبة: التواصل: المواصلة وترك القطيعة والهجر. دان قريب. المعنى: تذكر، وأعاد إلى مخيلته، وذاكرته، ما كان بينه، وبين سليمى؛ وأبهم المذكور تعظيما له وتفخيما في وقت لا ينتظر فيه قرب الوصال، والتقرب بينهما. الإعراب: تذكر: فعل ماض، والفاعل: هو. ما: اسم موصول بمعنى "الذي" في محل =
[ ٣ / ١١٤ ]
[شروط إضافة "كلا" و"كلتا"]:
فصل: مما يلزم الإضافة "كلا" و"كلتا"١، ولا يضافان إلا لما استكمل ثلاثة شروط:
أحدها: التعريف٢؛ فلا يجوز "كلا رجلين"، ولا "كلتا امرأتين" خلافا للكوفيين.
_________________
(١) = نصب مفعولا به. تذكر: فعل ماض، والفاعل: هو؛ وجملة "تذكر": صلة للموصول، لا محل لها؛ وعائد الاسم الموصول محذوف؛ والتقدير: تذكره. "من سليمى": متعلق بمحذوف حال من "ما" الموصولة؛ والتقدير: تذكر الذي تذكره حال كونه من شئون سليمى. "على حين": متعلق بـ"تذكر" الأول؛ وحين: اسم مجرور بعلى؛ وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ ويروى بالفتح؛ فيكون مبنيا على الفتح، في محل جر بعلى. التواصل: مبتدأ مرفوع. غير: خبر مرفوع، وهو مضاف. دان: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الياء المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين، منع من ظهورها الثقل؛ وجملة "التواصل غير دان": في محل جر بالإضافة. موطن الشاهد: "على حين التواصل ". وجه الاستشهاد: مجيء "حين" مبنيا على الفتح -على هذه الرواية- في محل جر بـ"على" مع إضافته إلى الجملة الاسمية "التواصل غير دان"؛ وفي هذا رد على البصريين الذين يمنعون البناء في هذه الحالة؛ وإن كان الإعراب -هنا- أكثر. ومثل هذا الشاهد قول مبشر بن الهذيل الفزاري: ألم تعلمي يا عمرك الله أنني كريم على حين الكرام قليل الفتح في "حين". انظر شرح التصريح: ٢/ ٤٢، والأشموني: ٦٢١/ ٢/ ٣١٥. ١ أي: الإضافة لفظا ومعنى؛ وكلا، وكلتا؛ لفظان مثنيان معنى، يدلان على اثنين واثنتين، ويجوز في خبرهما، وفي كل ما يحتاج إلى المطابقة بينه وبينهما مراعاة اللفظ؛ وهو الأفصح، ومراعاة المعنى. ٢ لأنهما عند التحقيق، يدلان على توكيد ما يضافان إليه، والبصريون من النحاة، لا يجيزون توكيد النكرة سواء أفاد توكيدها، أم لم يفد، فأما الكوفيون فإنهم يجيزون ذلك؛ ولهذا لم يشترطوا هذا الشرط، وأجازوا إضافتهما إلى نكرة مختصة؛ وذلك، لجواز توكيدها، تقول: حضر كلا رجلين عالمين، وكلتا امرأتين شاعرتين، والأحسن الأخذ بهذا الرأي. مغني اللبيب: ٢٦٩، والتصريح: ٢/ ٤٢.
[ ٣ / ١١٥ ]
والثاني: الدلالة على اثنين١؛ إما بالنص؛ نحو: "كلاهما" و"كلتا الجنتين"٢، أو بالاشتراك؛ نحو قوله٣: [الطويل]
٣٣٨- كلانا غني عن أخيه حياته٤
_________________
(١) ١ أي: شيئين مذكرين، أو مؤنثين. واشترط ذلك؛ لأن الفرض منهما تقوية التثنية في المضاف إليه، وتأكيدها، ولا بد من أن يطابق التأكيد المؤكد. ٢ ١٨ سورة الكهف، الآية: ٣٣. موطن الشاهد: "كلتا الجنتين". وجه الاستشهاد: دلالة "كلتا" على اثنتين بالنص المظهر "الجنتين"؛ ومعلوم أن "الجنتين" مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى. ٣ هو: عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب؛ أحد شجعان الطالبيين وأجوادهم وشعرائهم، طلب الخلافة في أواخر دولة بني أمية، وبايعه الكثير من أهل المدائن، قاتله أبو مسلم الخراساني، وقبض عليه، وقيل: قتله، وقيل: مات في سجنه، وذلك سنة ١٣١هـ، الأعلام: ٤/ ١٣٩، الطبري "ط. المكتبة التجارية": ٥/ ٥٩٩، سرح العيون: ١٩٣. تخريج الشاهد: هذا صدر بيت يخاطب فيه الشاعر الحسين بن عبد الله أحد أصدقائه، بعد أن تهاجرا، وعجزه قوله: ونحن إذا متنا أشد تغانيا وقد نسبه ابن الأعرابي إلى الأبيرد الرياحي، ونسبه القالي إلى سيار بن هبيرة بن ربيعة. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٤٣، والأشموني: ٢٢٦/ ٢/ ٣١٦ والمغني: ٣٧٠/ ٢٧٠، والسيوطي: ١٨٩، واللسان "غنا" ونسبه لمغيرة بن حبناء. المعنى: كل منا مستغنٍ بنفسه عن الآخر في هذه الحياة؛ وإذا ما متنا يكون كل واحد منا أكثر استغناء عن صديقه. الإعراب: كلانا: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه ملحق بالمثنى، ونا: في محل جر بالإضافة. غني: خبر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. "عن أخيه": متعلق بـ"غني" والهاء: في محل جر بالإضافة. "حياته": متعلق بـ"غني" والهاء: في محل جر بالإضافة. ونحن: الواو عاطفة، نحن: في محل رفع مبتدأ. إذا: ظرف متضمن معنى الشرط، مبني على السكون، في محل نصب على الظرفية الزمانية. متنا: فعل ماض، ونا: في محل رفع فاعل؛ وجملة "متنا": في محل جر بالإضافة؛ وجواب الشرط محذوف؛ و"جملة الشرط": اعتراضية، لا محل لها. أشد: خبر مرفوع. تفانيا: تمييز منصوب. =
[ ٣ / ١١٦ ]
فإن كلمة "نا" مشتركة بين الاثنين والجماعة. وإنما صح قوله١: [الرمل
٣٣٩- إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل٢
_________________
(١) = موطن الشاهد: "كلانا". وجه الاستشهاد: إضافة "كلا" إلى الضمير المتصل "نا"؛ وهو لفظ مشترك، يدل على الاثنين والجماعة؛ فصحت إضافة "كلا" إليه؛ ومعلوم أن دلالة "نا" على الاثنين، من دلالة المشترك على أحد معانيه. ١ القائل: هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس السهمي القرشي، أبو سعد، شاعر قريش في الجاهلية. كان شديدا على المسلمين، إلى أن فتحت مكة؛ فهرب إلى نجران، فقال فيه "حسان" أبياتا، فلما بلغته، عاد إلى مكة، فأسلم، واعتذر، ومدح النبي ﷺ، فأمر له بحلة. الجمحي: ١/ ٢٣٥، والأغاني: ١/ ٤/ ١٤، سمط اللآلي: ٣٨٧. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من كلمة، قالها بعد غزوة أحد يتشفى بالمسلمين، وكان وقتئذ، لا يزال على جاهليته. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٤٣، والأشموني: ٦٢٧/ ٢/ ٣١٧، وابن عقيل: ٢٢٨/ ٣/ ٦٢، والهمع: ٢/ ٥٠، والدرر: ٢/ ٦١، والسيرة: ٦١٦، وشرح المفصل: ٣/ ٢، والمقرب: ٤٥، والمغني: ٣٦٦/ ٢٦٨، والسيوطي: ١٨٧. المفردات الغريبة: مدى، المدى: غاية الشيء ونهايته. وجه: جهة، ومستقبل كل شيء وجهه. قبل، القبل: المحجة الواضحة. وضبطه بعضهم "قبَل" بكسر القاف وفتح الباء: جمع قبله. المعنى: إن للخير، وللشر غاية ونهاية ينتهيان إليها، ويقفان عندها؛ وكلاهما أمر معروف، يستقبله الإنسان، ويعرفه كما يستقبل الوجه؛ أو إن كليهما بمثابة القبلة التي يتوجه إليها المصلي. الإعراب: إن: حرف مشبه بالفعل. "للخير": متعلق بمحذوف خبر مقدم لـ"إن". وللشر: الواو عاطفة، "للشر": معطوف على "للخير" السابق. مدى: اسم "إن" مؤخر، منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين، منع من ظهورها التعذر. وكلا: الواو عاطفة، كلا: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف؛ منع من ظهورها التعذر، وهو مضاف. ذلك: ذا اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف للخطاب، لا محل لها من الإعراب. وجه: خبر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. وقبل: الواو عاطفة، قبل: اسم معطوف على "وجه" مرفوع مثله، وسكن لضرورة القافية. موطن الشاهد: "كلا ذلك". وجه الاستشهاد: إضافة "كلا" إلى مفرد لفظا، مثنى معنى؛ وهو ذلك؛ لكونه عائدا على اثنين هما: الخير والشر.
[ ٣ / ١١٧ ]
لأن "ذا" مثناة في المعنى؛ مثلها في قوله تعالى: ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ١؛ أي: وكلا ما ذكر، وبين ما ذكر.
والثالث: أن يكون كلمة واحدة٢؛ فلا يجوز "كلا زيد وعمرو" فأما قوله٣: [البسيط]
٣٤٠- كلا أخي وخليلي واجدي عضدا٤
فمن نوادر الضرورات
_________________
(١) ١ ٢ سورة البقرة، الآية: ٦٨. موطن الشاهد: "بين ذلك". وجه الاستشهاد: دلالة "ذلك" على ما ذكر؛ أي: بين الفارض والبكر؛ والفارض: المسنة، والبكر: الفتية، والعوان: ما كانت وسطا، فليست بالبكر ولا بالفارض. ٢ فلا يضافان إلى كلمتين متفرقتين؛ لأنهما موضوعان لتأكيد المثنى. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: في النائبات وإلمام الملمات وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٤٣، والأشموني: ٦٢٨/ ٢/ ٣١٧، وابن عقيل: ٢٢٩/ ٣/ ٦٣، والعيني: ٣/ ٣١٩، والهمع: ٢/ ٥٠، والدرر: ٢/ ٦١، والمغني: ٣٦٧/ ٢٦٩، والسيوطي: ١٨٨. المفردات الغريبة: الخليل: الصديق. عضدا: سندا يعتمد عليه ويركن إليه عند الشدائد. النائبات: المصائب التي تنوب الإنسان؛ جمع نائبة. إلمام: نزول مصدر ألم؛ أي نزل. الملمات: نوازل الدهر وحوادثه، جمع ملمة. المعنى: كل من أخي وصديقي، يجدني عند حلول المصائب والشدائد، ونزول حوادث الدهر ونوائبه، معينا وركنا قويا، يستند إليه؛ ويجدني ناصرا ومساعدا له في الملمات. الإعراب: كلا: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف؛ منع من ظهورها التعذر، وهو مضاف. أخي: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على ما قبل الياء، وهو مضاف، والياء: في محل جر بالإضافة. وخليلي: الواو عاطفة، خليل: معطوف على "أخي" وهو مضاف، والياء: مضاف إليه. واجدي: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل الياء؛ منع من ظهورها اشتغال المحل، بحركة المناسبة، وهو مضاف، والياء: مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله؛ وهي في =
[ ٣ / ١١٨ ]
["أي" وإضافتها إلى النكرة مطلقا]:
ومنها "أي": وتضاف للنكرة مطلقا؛ نحو: "أي رجل"، و"أي رجلين"، و"أي رجال"؛ وللمعرفة، إذا كانت مثناة، نحو: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ﴾ ١، أو مجموعة؛ نحو ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٢ ولا تضاف إليها مفردة إلا إن كان بينهما٣ جمع مقدر٤؛ نحو "أي زيد أحسن"؛ إذ المعنى أي أجزاء زيد أحسن؛ أو عطف عليها مثلها بالواو٥.
_________________
(١) = محل نصب مفعوله الأول. عضدا: مفعول به ثان لاسم الفاعل "واجد"؛ وهو الأفضل؛ ويجوز إعرابه حالا على تأويله بمساعد أو معين. "في النائبات": متعلق بواجدي. وإلمام: الواو عاطفة، إلمام: اسم معطوف على النائبات مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف. "الملمات" مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. موطن الشاهد: "كلا أخي وخليلي". وجه الاستشهاد: إضافة "كلا" إلى متعدد مع التفريق بالعطف "أخي وخليلي" وحكم هذه الإضافة الشذوذ مع الندرة. فائدة: "أ" لا تضاف "كلا وكلتا" إلى شيء من الضمائر سوى "نا" و"الكاف" المتصلة بالميم والألف، والهاء كذلك؛ نحو: كلانا، وكلاكما، وكلاهما؛ وكذلك كلتا. فائدة: "ب" أجاز ابن الأنباري إضافة "كلا" إلى المفرد بشرط تكررها؛ نحو: كلاي، وكلاك فحسنان، شرح التصريح: ٢/ ٤٣. ١ ٦ سورة الأنعام، الآية: ٨١. موطن الشاهد: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ . وجه الاستشهاد: إضافة "أي" إلى المعرفة؛ لأنها مثناة؛ وحكم هذه الإضافة الجواز. ٢ ٦٧ سورة الملك، الآية: ٢. موطن الشاهد: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ﴾ . وجه الاستشهاد: إضافة "أي" إلى "كم" ضمير الجمع؛ وهو معرفة؛ وحكم هذه الإضافة الجواز. ٣ أي: بين "أي" وبين المعرفة المفردة. ٤ أي: لفظ يدل على جمع؛ وهو أجزاء في المثال المذكور في المتن، أو قصد الجنس بالمضاف إليه؛ نحو: أي الدينار دينارك؛ وأي الكسب كسبك. ٥ أي: تكررت بعطف معرفة مفردة على الأولى بالواو خاصة، ولا يشترط إضافة الأولى منهما إلى ضمير المتكلم خلافا لبعضهم؛ فيصح أن يقال: أيك وأي محمد أفقه؟ وأي علي وأي محمد أفضل؟ انظر حاشية يس على التصريح: ٢/ ٤٤، وضياء السالك: ٢/ ٣٢٤.
[ ٣ / ١١٩ ]
كقوله١: [الكامل]
٣٤١- أيي وأيك فارس الأحزاب٢
إذ المعنى: أينا.
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فلئن لقيتك خاليين لتعلمن وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٤٤، والأشموني: ٦٣٠/ ٢/ ٣١٧، واللسان "سوا" وقال هو تحريف وصوابه: الأجراف. المفردات الغريبة: خاليين: منفردين ليس معنا أحد. الأحزاب: جمع حزب وهو الجماعة من الناس أمرهم واحد. المعنى: يتوعد الشاعر محدثه قائلا: إذا تقابلنا منفردين ليس معنا أحد، ونزل كل منها إلى صاحبه، فستعلم أينا الفارس المغوار الذي لا ينازعه أحد. الإعراب: لئن: اللام موطئة القسم، إن: حرف شرط جازم. لقيتك: فعل ماض مبني على لاسكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: فاعل، والكاف: في محل نصب مفعولا به؛ ولقي في محل جزم فعل الشرط. خاليين: حال منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، والنون: عوض عن التنوين في الاسم المفرد. لتعلمن: اللام واقعة في جواب القسم، تعلم: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، والفاعل: أنت؛ وجملة "تعلمن": جواب القسم، لا محل لها؛ وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة جواب القسم عليه. أيي: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وهو مضاف، والياء: في محل جر بالإضافة. وأيك: الواو عاطفة، أي: اسم معطوف على "أي" مروفع مثله، وهو مضاف، والكاف: في محل جر بالإضافة. فارس: خبر مرفوع، وهو مضاف. الأحزاب: مضاف إليه مجرور؛ وجملة "أيي وأيك فارس الأحزاب": سدت مسد مفعولي "تعلم". موطن الشاهد: "أيي وأيك". وجه الاستشهاد: إضافة "أي" إلى مفرد معرفة "ياء المتكلم" والذي سوغ هذه الإضافة تكرارها بعطف مثلها عليها بالواو؛ ولولا هذا التكرار، لم تجز إضافة "أي" إلى المعرفة المفردة. =
[ ٣ / ١٢٠ ]
[لا تضاف "أي" الموصولة إلا إلى معرفة]:
ولا تضاف "أي"١ الموصولة إلا إلى معرفة؛ نحو: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ ٢؛ خلافا لابن عصفور٣، ولا "أي" المنعوت بها والواقعة حالا إلا لنكرة٤؛ كـ"مررت بفارس أي فارس"، و"بزيد أي فارس".
["أي" الاستفهامية والشرطية تضافان إلى المعرفة والنكرة]:
وأما الاستفهامية والشرطية، فيضافان إليهما؛ نحو: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ٥ ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ ٦، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ ٧؛ وقولك "أي رجل جاءك
_________________
(١) = فائدة: ثني الحال "خاليين"؛ لأن أصل الكلام: لقيتك خاليا وخاليا؛ فلما تعدد الحال، وكان لفظ الحالين واحدا، ومعناهما واحدا، والعامل المسلط عليهما واحدا؛ ثني الحال. ١ لأنه يراد بها معين، والصلة لا تستقل بذلك مع أي؛ لتوغلها في الإبهام؛ فلا بد من إضافتها إلى معرفة، ولا بد من أن تدل المعرفة على متعدد أو يعطف مثلها بالواو. ٢ ١٩ سورة مريم، الآية: ٦٩. موطن الشاهد: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ . وجه الاستشهاد: إضافة "أي" التي بمعنى الذي إلى "هم"؛ وهو معرفة؛ لأن الضمير من أعرف المعارف؛ ولا تجوز إضافة "أي" إلى غير المعرفة عند الجمهور. ٣ مرت ترجمته؛ وابن عصفور؛ أجاز إضافة "أي" الموصولة إلى نكرة. ٤ أي: في الغالب؛ لأن صفة النكرة، والحال ينبغي أن يكونا نكرتين؛ وينبغي أن تكون هذه النكرة مماثلة للموصوف لفظا ومعنى، أو معنى فقط؛ كما مثل المؤلف. شرح التصريح: ٢/ ٤٤. ٥ ٢٧ سورة النمل، الآية: ٣٨. موطن الشاهد: ﴿أَيُّكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أي" اسم استفهام مضافا إلى معرفة؛ "ضمير المخاطب الجمع" وحكم إضافة "أي" الاستفهامية إلى المعرفة الجواز. ٦ ٢٨ سورة القصص، الآية: ٢٨. موطن الشاهد: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أي" الشرطية مضافة إلى معرفة؛ وحكم إضافتها إلى المعرفة الجواز. ٧ ٧ سورة الأعراف، الآية: ١٨٥. موطن الشاهد: ﴿بِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ . =
[ ٣ / ١٢١ ]
فأكرمه١.
[خصوصيات "لدن"]:
ومنها "لدن"٢ بمعنى عند؛ إلا أنها تختص بستة أمور:
أحدها: أنها ملازمة لمبدأ الغايات٣، فمن ثم يتعاقبان٤ في نحو: "جئت من
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: مجيء "أي" الاستفهامية مضافة إلى حديث؛ وهو نكرة؛ وحكم إضافة "أي" الاستفهامية إلى النكرة الجواز. ١ لأي ثلاثة أحوال، هي: أ- الإضافة إلى النكرة والمعرفة -إن كانت أي شرطية أو استفهامية- وتضاف إلى النكرة مطلقا؛ سواء أكانت لمتعدد أم لغير متعدد، وهي في هاتين الحالتين بمعنى المضاف إليه كاملا؛ ولذا تكون بمعنى "كل"؛ ويشترط في المعرفة أن تكون لمتعدد، وتكون معها بمعنى "بعض"، ويجوز قطعها عن الإضافة؛ فمثال الشرطية، قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، ومثال الاستفهامية قولك: أكرمت رجلا، فيقال لك: أيا يا فتى؟. ب- الإضافة إلى النكرة في "أي" الوصفية والحالية، ومعنى الوصفية؛ الدلالة على بلوغ الموصوف الغاية مدحا أو ذما. ويشترط أن تكون النكرة مماثلة للموصوف لفظا ومعنى، أو معنى فقط. والوصفية لا تكرر، ولا تنوى بها الأجزاء. وتدل الحالية على ما تدل عليه الحال؛ من بيان هيئة صاحبها المعرفة. ج- الإضافة إلى المعرفة في "أي" الموصولة؛ التي بمعنى الذي؛ ويشترط في المعرفة أن تدل على متعدد بالإضافة، أو بالعطف بالواو على مثل المتقدم، كما سبق بيانه، ويراعى لفظها في المطابقة، وقد تقطع عن الإضافة لفظا؛ نحو: أكرم أيا هو أفضل. ضياء السالك: ٢/ ٣٢٥-٣٢٦، وشرح التصريح: ٢/ ٤٥، ومغني اللبيب: ١٠٧. ٢ هي ظرف مبهم، يدل على بدء الغاية الزمانية، أو المكانية. والمراد بالغاية: ما يدل عليه الكلام بعدها من المقدار الزمني، أو المسافة المكانية، من حيث يكون البدء بها، وتجر ما بعدها بالإضافة لفظا إن كان معربا، ومحلا إن كان مبنيا أو جملة. ٣ أي: أول المسافات المكانية، أو المقادير الزمانية، فمسماها نقطة البداية ودخول "من" التي للابتداء عليها؛ لتدل على هذا المعنى المراد منها؛ لأنه غير مألوف في الأسماء. أما "عند" فتكون لمبدأ الغايات كثيرا، وللدلالة على الحضور المجرد؛ نحو: جلست عندك. ويندر أن يقال: جلست لدنك. وإنما تكون "عند" لابتداء الغاية كثيرا إذا دخلت عليها "من" الابتدائية؛ فإن لم تدخل عليها "من" كانت للدلالة على مجرد الحضور. المغني: ٢٠٨، والتصريح: ٢/ ٤٥، والهمع: ١/ ٢١٤-٢١٥. ٤ أي: يتداولان على شيء واحد.
[ ٣ / ١٢٢ ]
عنده" و"من لدنه" وفي التنزيل: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ ١، بخلاف نحو: "جلست عنده"؛ فلا يجوز فيه "جلست لدنه" لعدم معنى الابتداء هنا٢.
الثاني: أن الغالب استعمالها مجرورة بمن٣.
الثالث: أنها مبنية٤ إلا في لغة قيس٥؛ وبلغتهم قرئ: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ ٦.
الرابع: جواز إضافتها إلى الجمل٧؛ كقوله٨: [الطويل]
_________________
(١) ١ ١٨ سورة الكهف، الآية: ٦٥. موطن الشاهد: "من عندنا، من لدنا". وجه الاستشهاد: مجيء "لدنا" دالة على مبدأ الغاية في الآية الكريمة. مجيء "عندنا" دالة على مبدأ الغاية في الآية الكريمة. ٢ لأن المقصود: جلست في مكان قريب منه. ٣ فتكون مبنية على السكون في محل جر، ولم ترد في القرآن الكريم إلا كذلك. ومن القليل تجردها للظرفية، وحينئذ تكون مبنية على السكون في محل نصب أما "عند" فتنصب كثيرا على الظرفية، أو تجر بمن. وجرها بمن -على كثرته- قليل بالنسبة لجر "لدن" بها. ٤ بخلاف "عند" فإنها معربة، عند أكثر العرب. ٥ فإنها معربة عندهم تشبيها بعند، وإعرابها عندهم مخصوص بالمشهور فيها وهو "لدن" وقد سكنت الدال للتخفيف مع الإشمام بالضمة، والأصل ضمها. ٦ ١٨ سورة الكهف، الآية: ٦٥. أوجه القراءات: قرأ أبو بكر عن عاصم: لينذر بأسا شديدا من "لدنه" بإسكان الدال وإشمامها الضم، وكسر النون والهاء، ووصلها بياء في الوصل. موطن الشاهد: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ . وجه الاستشهاد: جر "لدن" بمن تشبيها لها بـ"عند" على قراءة أبي بكر عن عاصم؛ غير أنه ورد في أمالي ابن الشجري: "وزعم الفارسي: أن "لدن" في الآية على هذه القراءة مبنية، والكسرة للتخلص من الساكنين؛ سكون الدال، والنون؛ لأجل بناء "لدن"؛ فظهر بذلك أن "لدن" مبنية دائما بخلاف عند. انظر شرح التصريح: ٢/ ٤٦. ٧ وإذا أضيفت إلى الجملة، تمحضت للدلالة على بداية الغاية الزمانية دون المكانية؛ لأن الأرجح أنه لا يضاف إلى الجملة من ظروف المكان غير "حيث" كما تقدم. ٨ القائل: هو القطامي؛ عمير بن شييم بن عمرو التغلبي، يكنى أبا سعيد. وهو ابن أخت =
[ ٣ / ١٢٣ ]
٣٤٢- لدن شب حتى شاب سود الذوائب١
_________________
(١) = الأخطل النصراني، شاعر فحل من شعراء الغزل، كان حسن التشبيب رقيقه حتى سمي صريع الغواني، أسره زفر بن الحارث ثم من عليه وفداه من قيس، حين أراد قتله؛ فأكثر لذلك، من مدحه، ثم أسلم القطامي، وترك النصرانية، ومات سنة ١٣٠هـ. الشعر والشعراء: ٢/ ٧٢٣، والجمحي: ٢/ ٥٣٥، والأغاني: ٢٠/ ١١٨، والخزانة ١/ ٣٩١. ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: صريع غوان شاقهن وشقنه ويروى قبل الشاهد قوله: لمستهلك قد كاد من شدة الهوى يموت ومن طول العدات الكواذب والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٤٦، والأشموني: ٦٣٤/ ٢/ ٣١٨، والعيني: ٣/ ٤٢٧، والهمع: ١/ ٢١٥، والدرر: ١/ ١٨٤، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٣٣، ومغني اللبيب: ٢٨٣/ ٢٠٨، والسيوطي: ١٥٦، والخزانة: ٣/ ١٨٨، ١٨٩، وديوان القطامي: ٥٠. المفردات الغريبة: صريع: مصروع، وهو المطروح على الأرض. غوان: جمع غانية؛ وهي المرأة الحسناء التي استغنت بجمالها عن التزين. راقهن: أعجبهن، ويروى: شاقهن؛ أي: بعث الشوق في أنفسهن. الذوائب: جمع ذؤابة؛ وهي الضفيرة من الشعر. المعنى: أن هذا المخاطب مصروع ومغلوب على أمره، بسبب هؤلاء الغانيات الفاتنات اللاتي تعلقن به، وقد أعجب وتعلق بهن منذ نشأ، حتى شابت ذوائبه. الإعراب: صريع: فيه روايتان؛ الجر على أنه بدل من "مستهلك" في البيت السابق، ويجوز فيه الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وهو مضاف. الغواني: مضاف إليه مجرور. شاقهن: فعل ماض، مبني على الفتح، والفاعل: هو، و"هن": في محل نصب مفعولا به. وشقنه: الواو عاطفة، شاق: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة، والنون: في محل رفع فاعل، والهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعولا به. "لدن": ظرف زمان مبني على السكون، في محل نصب، وهو متعلق بشاقهن؛ أو شقنه؛ لتنازعهما العمل فيه. شب: فعل ماض، والفاعل: هو، يعود على صريح الغواني؛ وجملة "شب": في محل جر بالإضافة؛ لإضافة "لدن" إليها. حتى: حرف غاية وجر، لا محل له من الإعراب. شاب: فعل ماض مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. سود: فاعل "شاب" مرفوع، وهو مضاف. الذوائب: مضاف إليه؛ من =
[ ٣ / ١٢٤ ]
الخامس: جواز إفرادها قبل "غدوة"١ فتنصبها: إما على التمييز٢؛ أو على التشبيه بالمفعول به٣؛ أو على إضمار "كان" واسمها٤، وحكى الكوفيون رفعها على إضمار "كان" تامة٥؛ والجر القياس والغالب في الاستعمال٦.
_________________
(١) = إضافة الصفة إلى موصوفها؛ "والمصدر المؤول من أن المصدرية -المقدرة بعد حتى- وما دخلت عليه": في محل جر بـ"حتى"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ"شاقهن"؛ أو شقنه، وتقدير الكلام: شاقهن وشقنه من وقت شبابه إلى وقت شيب ذوائبه. موطن الشاهد: "لدن شب". وجه الاستشهاد: إضافة "لدن" إلى جملة "شب"؛ وقد دلت -هنا- على بداية الغاية الزمانية؛ وحكم إضافتها إلى الجمل الجواز. ١ أي: قطعها عن الإضافة لفظا ومعنى، من غير أن يفصل بينهما فاصل؛ ومن ذلك قول أبي سفيان بن الحارث يوم أحد: وما زال مهري مزجر الكلب منهم لدن غدوة حتى دنت لغروب الهمع: ١/ ٢١٥، والدرر اللوامع: ١/ ١٨٤-١٨٥، وشرح التصريح: ٢/ ٤٦. ٢ أي: لـ"لدن"؛ لأن نونها تشبه التنوين، ويكون من تمييز المفرد سماعا؛ لأنها اسم لأول زمن مبهم، ففسر بـ"غدوة". وانظر شرح التصريح: ٢/ ٤٧. ٣ لأن "لدن" تشبه اسم الفاعل؛ لكون نونها، تثبت تارة، وتحذف أخرى مثله. ٤ فتكون "غدوة" خبرا؛ وأصل الكلام -على هذا: لدن كان الوقت غدوة؛ وهذا الوجه حسن؛ لبعده عن التكلف، ولأن فيه إبقاء "لدن" على ما ثبت لها من الإضافة إلى الجملة. شرح التصريح: ٢/ ٤٧. ٥ فتكون "غدوة" فاعلا لـ"كان" التامة المضمرة؛ والتقدير -على هذا: لدن كانت غدوة؛ أي: وجدت وظهرت؛ وعليه، تكون "لدن" ظرفا مضافا إلى الجملة تقديرا؛ وقال بعضهم: "غدوة" مرفوع بـ"لدن" لشبهها بالفاعل، كما عملت "يا" في المنادى؛ لنيابتها عن "أدعو"؛ ونسب هذا القول إلى ابن جني، وقال المرادي: فظاهره أنها مرفوعة بـ"لدن"، وقال الزرقاني: "ولا مانع من ذلك؛ لأنها كما تنصب على التشبيه بالمفعول، ترفع عليه". انظر حاشية يس على التصريح: ٢/ ٤٧. ٦ أي: بإضافة "لدن" إليها، كما تجر سائر الظروف. أما "عند" فلا ينقطع عن الإضافة، إلا إذا كان اسما محضا، وبَعد عن الظرفية؛ هذا فلا ينصب بعد "لدن" من الأسماء إلا غدوة، ولا تكون إلا منونة؛ أما "عند" فلا ينصب بعدها شيء من المفردات. شرح التصريح: ٢/ ٤٧.
[ ٣ / ١٢٥ ]
السادس: أنها لا تقع إلى فضلة١؛ تقول "السفر من عند البصرة"٢ ولا تقول "من لدن البصرة".
[مع وحالاتها]:
ومنها "مع": وهو اسم لمكان الاجتماع٣، معرف، إلا في لغة ربيعة وغنم٤ فتبنى على السكون؛ كقوله٥: [الوافر]
٣٤٣- فريشي منكم وهواي معكم٦
_________________
(١) ١ لأنها ظرف غير متصرف؛ فهي مقصورة على النصب على الظرفية، أو الجر بمن. أما "عند" فلا. ٢ فالجار والمجرور خبر عن السفر. هذا، وتأتي "عند" ظرفا للأعيان والمعاني؛ تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به؛ ويندر ذلك في "لدى". قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ . وتقول: عندي مال؛ وإن كان غائبا عنك. ولا تقول: لدي مال إلا إذا كان حاضرا. ٣ هي ظرف مكان أو ظرف زمان، يدل على اجتماع والتقاء بين اثنين في مكان واحد، أو زمان واحد، وإرادة المكان أو الزمان توضحه القرائن. مثال دلالته على المكان: التواضع مع الغنى كرم نفس؛ ومثال الزمان، يذهب الفلاح إلى الحقل مع الصباح الباكر؛ وهي حينئذ ظرف غير متصرف، ملازم في الغالب، للإضافة لفظا ومعنى، معرب منصوب على الظرفية. ولأنها اسم؛ يخبر بها عن الذوات، تقول: محمد معك. وتأتي بمعنى "عند فتفيد الحضور المجرد، ولا تدل على اجتماع ومصاحبة، وتكون حينئذ معربة مضافة. واجبة الجر بمن الابتدائية؛ نحو: من أراد البذل، فلينفق من معه، لا من مع غيره. ٤ ربيعة: إحدى قبيلتين عظيمتين تفرعت إليهما العرب العدنانية، والثانية مضر؛ وربيعة أو القبيلة. وغنم: قبيلة؛ أبوها ورئيسها غنم بن تغلب بن وائل. ٥ القائل: هو جرير بن عطية الشاعر الأموي، وقد مرت ترجمته. انظر شرح التصريح: ٢/ ٤٧-٤٨. ٦ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت من قصيدة يمدح فيها هشام بن عبد الملك بن مروان، وعجزه قوله: وإن كانت مودتكم لماما وقد نسب الأعلم، هذا البيت إلى الراعي النميري؛ وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٤٨، ١٩٠، والأشموني: ٦٣٦/ ٢/ ٣٢٠، وابن عقيل: ٢٣٤/ ٣/ ٧٠، وسيبويه: ٢/ ٤٥، =
[ ٣ / ١٢٦ ]
_________________
(١) = وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٤٥، ٢/ ٢٣٤، وشرح المفصل: ١/ ١٢٨، ٥/ ١٣٨، والعيني: ٣/ ٤٣٢، وديوان جرير: ٥٠٦. المفردات الغريبة: الريش: اللباس الفاخر؛ ومثله الرياش، أو المال والخصب ونحوهما، هواي، الهوى: الميل القلبي. لماما: أي في بعض الأحايين وقتا بعد وقت. المعنى: كل ما عندي من لباس فاخر، أو مال وفير، أو عيش خصب؛ هو من تفضلكم علي، وأنا محب لكم، وقلبي متعلق بكم، وإن كانت زياراتكم لي قليلة، لا تدل على موالاتكم لي؛ أو: وإن كانت زياراتي لكم متفرقة وقليلة؛ لأنني لا ألتفت إلى المظاهرة. الإعراب: ريشي: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة للياء؛ وياء المتكلم: ضمير متصل مبني على السكون، في محل جر بالإضافة. "منكم": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ والتقدير: ريشي كائن منكم؛ أو حاصل وهواي: الواو عاطفة، هواي: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف، منع من ظهورها التعذر، وهو مضاف، والياء: مضاف إليه. "معكم": "مع": ظرف متعلق بخبر محذوف للمبتدأ "هواي"، و"مع" مضاف، و"كم": في محل جر بالإضافة. وإن: الواو عاطفة، والمعطوف عليه محذوف، إن؛ حرف شرط جازم. كانت: فعل ماض ناقص -في محل جزم فعل الشرط- مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث. زيارتكم: اسم "كان" مرفوع، وهو مضاف، و"كم": مضاف إليه. لماما: خبر "كان" منصوب؛ وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة الكلام السابق عليه، والتقدير: إن كانت زيارتي لماما فريشي منكم وهواي معكم؛ وأما المعطوف عليه -بالواو- المحذوف؛ فتقديره: إن لم تكن زيارتكم لماما وإن كانت زيارتكم لماما؛ لأنه يريد أن يوضح لهم أنه متعلق بهم في مختلف الأحوال. موطن الشاهد: "معكم". وجه الاستشهاد: بناء "مع" على السكون -على لغة ربيعة- والمشهور فتحها على أنها معربة؛ والفتحة للإعراب. فوائد: فائدة أولى: اختلف النحاة في "مع" أهي ثنائية الوضع، أم ثلاثية حذفت لامها؛ وأصلها معي؟ فذهب فريق الخليل بن أحمد، ومن وافقه إلى أنها ثنائية الوضع. وذهب يونس والأخفش، ومن وافقهما إلى أنها ثلاثية الوضع. والراجح: أن الظرفية ثنائية الوضع، معربة، يحذف تنوينها عند الإضافة. وتقع حالا، أو خبرا على حسب السياق، وهي متعلقة بمحذوف. =
[ ٣ / ١٢٧ ]
وإذا لقي الساكنة ساكن؛ جاز كسرها وفتحها١؛ نحو: "مع القوم"، وقد تفرد بمعنى جميعا٢،
_________________
(١) = أما المنونة التي تجردت عن الظرفية؛ فإن أعربت حالا، كانت منصوبة وعلامة نصبها الفتحة الظاهرة إن عدت ثنائية، أو الفتحة المقدرة على الألف المحذوفة -لالتقائها ساكنة مع التنوين- إن عدت ثلاثية. وإن أعربت خبرا، فلا بد من عدها ثلاثية مرفوعة، وعلامة رفعها الضمة المقدرة على الألف المحذوفة لفظا لا خطا. وأما من يعربها خبرا -وهي ثنائية- فيحتم بناءها على الظرفية، وتعليقها بمحذوف هو الخبر. انظر شرح التصريح؛ ٢/ ٤٨، والمغني: ٤٣٩. فائدة ثانية: اختلف النحاة في "معا" هل ألفها منونة بدل التنوين أم هي من أصول الكلمة؟ للنحاة في هذه المسألة قولان؛ أحدهما: أن الألف بدل من التنوين، كما في "بدا، أخا، غدا" فتعرب بالحركات الظاهرة على الدال والخاء، وهذا رأي الخليل، بناء على قوله إنها ثنائية الوضع. وثانيهما: أن الألف لام الكلمة، كما في "رحى وعصا"؛ وهذا قول يونس والأخفش، بناء على قولهما إنها ثلاثية الوضع. شرح التصريح: ٢/ ٤٨. فائدة ثالثة: ذهب سيبويه إلى أن "مع" معربة في أحوالها كلها، وفي مختلف لغاتها؛ فإن جاءت منصوبة؛ فهي منصوبة على الظرفية، وإن جاءت ساكنة، كما في الشاهد السابق، فذاك ضرورة. وذهب الكسائي إلى أنها معربة إذا انتصبت، مبنية إذا سكنت -على لغة ربيعة وغنم- واختار المتأخرون هذا الرأي. انظر شرح ابن عقيل: ٢/ ٣٢، وحاشية الصبان: ٢/ ٢٦٥. مرفوعة، وعلامة رفعها الضمة المقدرة على الألف المحذوفة لفظا لا خطا. ١ فتبنى على الكسر؛ للتخلص من الساكنين، أو على الفتح للخفة. ٢ ويكون معناها في هذه الحال الدلالة على مجرد اصطحاب اثنين، أو أكثر، واجتماعهما، ولا تدل على اتحاد في الزمان أو المكان إلا بقرينة، وتكون حينئذ معربة منصوبة منونة، ولا حظ لها في الإضافة.
[ ٣ / ١٢٨ ]
فتنصب على الحال١؛ نحو: "جاءوا معا"٢.
[غير وحالاتها]:
ومنها "غير": وهو اسم دال على مخالفة ما قبله لحقيقة ما بعده٣، وإذا وقع بعد "ليس"، وعلم المضاف إليه؛ جاز ذكره كـ"قبضت عشرة ليس غيرها"٤، وجاز حذفه لفظا٥؛ فيضم بغير تنوين٦ ثم اختلف؛ فقال المبرد: ضمة بناء؛ لأنها كقبل في الإبهام، فهي اسم أو خبر٧، وقال الأخفش٨: إعراب؛ لأنها اسم ككل وبعض، لا ظرف كقبل وبعد؛ فهي اسم لا خبر، وجوزهما ابن خروف٩، ويجوز
_________________
(١) ١ وقد تعرب ظرفا مخبرا به عن المبتدأ؛ نحو: الطالبان معا؛ وهي تستعمل للجمع مطلقا، كما تستعمل للاثنين، كقولك: الطلاب معا؛ أي: هم مجتمعون، وموجودون معا. حاشية الصبان: ٢/ ٢٦٥. ٢ ومن ذلك قول متمم بن نويرة: فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا ومنه قول الخنساء: وأفنى رجالي فبادوا معا فأصبح قلبي بهم مستفزا ٣ إما في ذاته وحقيقته؛ كمررت برجل غيرك؛ أو في وصف من الأوصاف العرضية التي تطرأ على الذات؛ نحو: خرج الطالب من الامتحان بوجه غير الذي دخل به، وهو اسم محض لا ظرفية فيه. شرح التصريح: ٢/ ٤٩. ٤ برفع "غير" على أنها اسم "ليس" وخبرها محذوف، والتقدير: ليس غيرها مقبوضا، وبنصبها على أنها خبر "ليس" واسمها محذوف؛ والتقدير: ليس المقبوض غيرها. مغني اللبيب: ٢٠٩. ٥ أي: إذا نوي معناه بأي لفظ آخر، يؤدي المعنى المقصود من دون لفظه. ٦ حيث يحذف التنوين لنية معنى المضاف إليه. ٧ أي: اسم لـ"ليس" في محل رفع، أو خبر لها في محل نصب، والاسم محذوف. ٨ مرت ترجمته. ٩ مرت ترجمته؛ وبالنسبة إلى "غير" فهي على البناء اسم "ليس" أو خبرها؛ وعلى الإعراب؛ هي اسم وليست خبرا.
[ ٣ / ١٢٩ ]
الفتح قليلا مع التنوين ودونه١، فهي خبر، والحركة إعراب باتفاق، كالضم مع التنوين٢.
[قبل وبعد وحالاتهما]:
ومنها "قبل" و"بعد"٣ ويجب إعرابهما في ثلاث صور:
إحداها: أن يصرح بالمضاف إليه؛ كـ"جئتك بعد الظهر" و"قبل العصر" و"من قبله" و"من بعده"٤.
_________________
(١) ١ فمع التنوين؛ لقطعها عن الإضافة لفظا ومعنى، وأما مع عدمه؛ فلنية لفظ المضاف إليه. ٢ وتكون "غير" اسم ليس. وصفوة القول: أن غير تعرب بالحركات كلها من دون تنوين على حسب الجملة قبلها؛ إذا أضيفت لفظا ومعنى. وكذلك الحال إذا حذف المضاف، ونوي لفظه، وسبقتها "ليس" أو "لا" النافيتان. وأما إذا قطعت عن الإضافة نهائيا، ولم ينو لفظ المضاف، ولا معناه؛ أعربت كذلك بالحركات كلها، ولكنها تكون منونة. وأما إذا حذف المضاف إليه، ونوي معناه، من دون لفظ فتبنى على الضم من غير تنوين، وتبنى على الفتح، إذا كان المضاف إليه المحذوف المنوي لفظه مبنيا. وإذا لم تسبق "غير" بـ"ليس" ولا بـ"لا" النافيتين؛ استعملت صفة، أو نصبت على الاستثناء على حسب الحالة. وذهب بعض النحاة إلى جواز إعراب "غير" وبنائها عند حذف المضاف إليه مطلقا؛ سواء نوي لفظه أو نوي معناه، وحسنه الكثيرون. ٣ هما اسمان ظرفان؛ يدل أولهما على سبق شيء على آخر، وتقدمه عليه في الزمان، أو المكان الحسي، أو المعنوي. ويدل الثاني على تأخر شيء على آخر كذلك، وهما ملازمان للإضافة غالبا. ٤ في المثال الأول نصبا على الظرفية الزمانية، وفي الثاني جرا بمن.
[ ٣ / ١٣٠ ]
الثانية: أن يحذف المضاف إليه وينوى ثبوت لفظه، فيبقى الإعراب وترك التنوين، كما لو ذكر المضاف إليه؛ كقوله١: [الطويل]
٣٤٤- ومن قبل نادى كل مولى قرابة٢
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فما عطفت مولى عليه العواطف وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٠، والأشموني: ٦٤٣/ ٢/ ٣٢٢، وابن عقيل: ٢٣٥/ ٣/ ٧٢، والعيني: ٣/ ٤٤٣، والهمع: ١/ ٢١٠، والدرر: ١/ ١٧٧. المفردات الغريبة: من قبل: أي من قبل ما حدث. مولى: للمولى معانٍ كثيرة منها: ابن العم، والسيد، والناصر، والقريب؛ والأول أو الأخير، هو المراد هنا. عطفت: أمالت ورققت. العواطف: الصلات والروابط التي تستلزم العطف، وميل بعض الناس لبعض؛ كالصداقة، والمروءة، والنجدة، ونحوها: وهي جمع عاطفة. المعنى: يبين الشاعر في معرض وصفه لشدة نزلت به: كيف نادى كل ابن عم أو عصبة قرابته؛ ومن بينهم وبينه صلات مودة وعطف؛ ليساعدوه، ويأخذوا بناصره؛ ولهول الموقف، لم يجب أحد مستجيرا، ولم يعطف قريب على قريب، أو يساعد صديق صديقا. الإعراب: ومن: الواو بحسب ما قبلها، من: حرف جر. قبل: اسم مجرور بمن، وعلامة جره الكسرة؛ و"من قبل": متعلق بقوله: "نادى" الآتي. نادى: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف؛ منع من ظهروه التعذر. كل: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف. مولى: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين، منع من ظهورها التعذر على رواية التنوين في "مولى"؛ وعليها تكون قرابة: مفعول به منصوب؛ والتقدير: نادى كل ابن عم قرابته؛ وعلى الرواية التي في المتن فـ"مولى" -من غير تنوين- مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف؛ للتعذر، وهو مضاف؛ وعليها تكون. قرابة: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ وعلى هذه الرواية فالمفعول به لـ"نادى" محذوف، والتقدير: نادى كل مولى قرابة قرابته. فما: الفاء =
[ ٣ / ١٣١ ]
أي: ومن قبل ذلك، وقرئ ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ١، بالجر من غير تنوين؛ أي: من قبل الغلب ومن بعده.
الثالثة: أن يحذف ولا ينوَى شيء؛ فيبقى الإعراب٢، ولكن يرجع التنوين لزوال ما يعارضه في اللفظ والتقدير؛ كقراءة بعضهم: "من قبلٍ ومن بعدٍ"١ بالجر
_________________
(١) = عاطفة، ما: نافية، لا محل لها من الإعراب. عطفت: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث، لا محل لها. مولى: إما أن يكون مفعولا به لـ"عطف" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين، منع من ظهورها التعذر؛ أو بدلا من الضمير المجرور بـ"على" بعده بدل كل من كل، قدم عليه لضرورة الشعر؛ أو حالا من الضمير المجرور محلا بـ"على"؛ والتقدير: فما عطفت العواطف عليه حال كونه مولى؛ أي: قريبا "عليه": متعلق بـ"عطف". العواطف: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. موطن الشاهد: "ومن قبل". وجه الاستشهاد: مجيء "قبل" مجرورة؛ لمجيئها مضافة إلى مضاف إليه، محذوف لفظه، منوي ثبوته؛ وترك التنوين للإضافة المذكورة؛ لأن المنوي ثبوت لفظه كالثابت؛ والتقدير: من قبل ذلك؛ وحكم إعراب "قبل" في هذه الحال الوجوب، كما جاء في المتن. ١ ٣٠ سورة الروم، الآية: ٤. أوجه القراءات: قرأ الجحدري والعقيلي: "من قبل ومن بعد" بالخفض من غير تنوين؛ وقرأ الجمهور: "من قبل ومن بعد"؛ وقرأ بعضهم: "من قبلٍ ومن بعدٍ" بالخفض والتنوين. التصريح: ٢/ ٥٠. توجيه القراءات: قراءة الخفض من غير تنوين على نية لفظ المضاف إليه؛ أي من قبل القلب، ومن بعده؛ وقراءة الخفض مع التنوين؛ على نية حذف المضاف إليه وعدم نية لفظه أو معناه. موطن الشاهد: "من قبل ومن بعد". وجه الاستشهاد: مجيء كل من "قبل" و"بعد" مجرورا بمن مع التنوين؛ الذي كان حذف للإضافة؛ فلما حذف المضاف إليه، ولم ينوَ لفظه، ولا معناه، عاد التنوين إلى ما كان عليه قبل الإضافة. ٢ أي بالنصب على الظرفية أو بالجر بمن إن وجدت. ويكون معنى "قبل" و"بعد" في هذه الحالة، القبلية المطلقة والبعدية المطلقة، من غير تقييد بشيء ما، أي أن معناهما هو المعنى الاشتقاقي العام.
[ ٣ / ١٣٢ ]
والتنوين؛ وقوله١: [الوافر]
٣٤٥- فساغ لي الشراب وكنت قبلا٢
_________________
(١) ١ القائل: هو يزيد بن الصعق؛ ونسبه العيني إلى عبد الله بن يعرب، حيث كان له ثأر فأدركه. انظر شرح الشواهد للعيني، حاشية الصبان: ٢/ ٢٦٩. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، يقول الشاعر وقد أدرك ثأره من الربيع بن زياد العبسي وكان قد أغار عليه وعلى قومه. ولعجز البيت روايتان؛ الأولى: أكاد أغص بالماء الفرات وبهذه الرواية استشهد: العيني: ٣/ ٣٥٤، والهمع: ١/ ٢١٠، والدرر: ١/ ٧٦، والثعالبي، ونسبوا البيت إلى عبد الله بن يعرب. والرواية الثانية: أكاد أغص بالماء الحميم وهو من وشاهد: التصريح: ٢/ ٥٠، والأشموني: ٦٤٤/ ٢/ ٣٢٢، وابن عقيل: ٢٣٦/ ٣/ ٧٣، والشذور: ٤٧/ ١٤٧، والقطر: ٥/ ٣٤. هذا ويروى ليزيد بن الصعق قطعة رويها على حرف الميم؛ منها: ألا أبلغ لديك أبا حريث وعاقبة الملامة للمليم فكيف ترى معاقبتي وسعيي بأذواد القصيمة والقصيم المفردات الغريبة: ساغ: سهل وحلا. أغص: أشرق -بفتح الهمزة والغين- مضارع غص من باب فرح، وروي أغص بضم الهمزة وفتح الغين مبنيا للمجهول. الحميم: هو الماء الحار، والمراد هنا: الماء البارد الذي تشتهيه النفس كما جاء في اللسان عن ابن الاعرابي؛ فهو من أسماء الأضداد. والرواية الثانية: الفرات: العذب. المعنى: هدأت نفسي، حين أدركت ثأري، وساغ لي الشراب، وكنت قبل أن أدركه، أكاد أشرق بالماء البارد الشهي إلى النفوس. الإعراب: فساغ: الفاء بحسب ما قبلها، ساغ: فعل ماضٍ مبني على الفتح. "لي". متعلق بـ"ساغ". الشراب: فاعل مرفوع. وكنت: الواو حالية، كنت: فعل ماض ناقص مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: في محل رفع اسم "كان". قبلا: ظرف زمان منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، و"قبلا": متعلق بـ"كان". أكاد: فعل مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، واسمه: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنا. أغص: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل: أنا؛ وجملة "أغص": في محل نصب خبر "أكاد"؛ وجملة "أكاد =
[ ٣ / ١٣٣ ]
وقوله١: [الطويل]
٣٤٦- فما شربوا بعدا على لذة خمرا٢
_________________
(١) = أغص": في محل نصب خبر "كان". "بالماء": متعلق بـ"أغص". الحميم: صفة للماء، وصفة المجرور مجرورة مثله، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة. موطن الشاهد: "قبلا". وجه الاستشهاد: مجيء "قبلا" مقطوعا عن الإضافة لفظا ومعنى؛ ولهذا، جاء معربا منونا -وهو منصوب على الظرفية كما أسلفنا- وهذا التنوين، يسمى تنوين التمكين الذي يلحق الأسماء المعربة، وقبلا -عند جمهور النحاة- نكرة؛ لأنه لما قال: "كنت قبلا" يريد مطلق التقدم؛ فهو لا ينوي تقدما على شيء بعينه؛ بخلاف الحال في أثناء الإضافة أو نيتها؛ حيث يكون التقدم على شيء معين. ١ القائل: هو رجل من بني عقيل لم يعين. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: ونحن قتلنا الأسد أسد شنوءة وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٠ وفيه " أسد خفية"، والأشموني: ٦٤٥/ ٢/ ٣٢٢، والشذور: ٤٨/ ١٤٨، والخزانة: ٣/ ١٣١، والعيني: ٤٣٦ "وفيه أسد خفية"، والهمع: ١/ ٢١٠، والدرر: ١/ ١٧٦، وفيه " أسد خفية". المفردات الغريبة: أسد شنوءة، ويقال "أزد" حي من اليمن أبوهم الأزد بن الغوث؛ ويقال له: الأسد بن الغوث؛ وهم فرق؛ منهم: أزد شنوءة، وأزد السراة، وأزد عمان. المعنى: أنا قتلنا أولئك القوم، ومزقناهم شر ممزق، وشتتنا شملهم، فما عرفوا بعد ذلك الهوان لذة للشراب. والمراد: أنهم بهزيمتهم حرموا ملاذ الحياة ونعيمها. الإعراب: ونحن: الواو بحسب ما قبلها، نحن: ضمير رفع منفصل، في محل رفع مبتدأ. قتلنا: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، و"نا": فاعل؛ وجملة "قتلنا": في محل رفع خبر "نحن". الأسد: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، أسد: بدل من "الأسد منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف. شنوءة: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. فما: الفاء عاطفة، ما: نافية، لا محل لها من الإعراب. شربوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو: فاعل، والألف: للتفريق. "بعدا": متعلق بـ"شربوا" منصوب. "على لذة": متعلق بـ"شربوا". خمرا: مفعول به منصوب. =
[ ٣ / ١٣٤ ]
وهما نكرتان في هذا الوجه؛ لعدم الإضافة لفظا وتقديرا؛ ولذلك نونا١، ومعرفتان في الوجهين قبله.
فإن نوي معنى المضاف إليه دون لفظه٢؛ بنيا على الضم٣؛ نحو: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٤، في قراءة الجماعة.
[أول ودون وأسماء الجهات]:
ومنها "أول"٥
_________________
(١) = موطن الشاهد: "بعدا". وجه الاستشهاد: مجيء "بعدا" منونة منصوبة على الظرفية؛ لقطعها عن الإضافة لفظا وتقديرا؛ وهي -على هذا الحال- نكرة عند جمهور النحاة. وقال بعضهم: إن التنوين في هذا البيت والذي قبله؛ لضرورة الشعر، وجوز الرضي تنوين الظروف المقطوعة عن الإضافة في حالة البناء لذلك. انظر شرح التصريح: ٢/ ٥٠-٥١. ١ هذا على أن تنوينهما تنوين تمكين للتنكير، وقيل: إن التنوين فيهما للعوض، وهما معرفتان بنية المضاف إليه، واستحسن ذلك ابن مالك في الكافية. ٢ نية المعنى: أي أن يلاحظ المعنى من غير نظر إلى عبارة مخصوصة، أو لفظ معين يدل عليه، بل يقصد المسمى معبرا عنه بأي لفظ كان. أما نية اللفظ، فيلاحظ لفظ المضاف إليه المعروف من المقام. ٣ في محل نصب على الظرفية، أو في محل جر إن سبقا بمن. وإنما لم تقتض الإضافة بنية المعنى الإعراب؛ لضعفها بخلافها مع نية اللفظ؛ ففيها قوة. وهنالك حالة أخرى يبنيان فيها على الفتح جوازا؛ وهي: إذا أضيفا إلى مبني، وكذلك الشأن في جميع الأسماء المبهمة، وأسماء الزمان المبهمة. همع الهوامع: ١/ ٢٠٩-٢١٠. ٤ ٣٠ سورة الروم، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "قبل" و"بعد" مبنيين على الضم؛ لانقطاعهما عن الإضافة مع نية معنى المضاف إليه من دون لفظه؛ وهما مبنيان على الضم في محل جر بحرف الجر. ٥ الصحيح أن أصله "أوأل" بدليل جمعه على أوائل، قلبت الهمة الثانية واوا وأدغمتا. ويستعمل اسما بمعنى مبدأ الشيء، ووصفا بمعنى سابق فيصرف، نحو: لقيته عاما أولا. ووصفا بمعنى أسبق فيمنع من الصرف للوصفية ووزن الفعل. وينصب على =
[ ٣ / ١٣٥ ]
و"دون"١ وأسماء الجهات كـ"يمين"، و"شمال" و"وراء"، و"أمام"، و"فوق"، و"تحت"٢؛ وهي على التفصيل المذكور في قبل وبعد؛ تقول: "جاء القوم وأخوك خلف" أو "أمام" ٣ تريد خلفهم أو أمامهم؛ قال٤: [الكامل]
٣٤٧- لعنا يشن عليه من قدام٥
_________________
(١) = الحال أو غيره، ومعناه "متقدم" كجئتك أول الناس، أو أولا، أي متقدمهم ومتقدما، وتليه "من"، تقول: هذا أول من هذين، وهل هو حينئذ أفعل تفضيل لا فعل له من لفظه، أو جاز ومجرور؟ خلاف. وظرفا نحو رأيت الهلال أول الناس، أي: قبلهم، وهذا هو الذي يبنى على الضم إذا قطع عن الإضافة. حاشية يس على التصريح: ٢/ ٥١. ١ أصله: اسم المكان الأدنى، أي: الأقرب من مكان المضاف إليه، كجلست دون محمد؛ أي قريبا من مكانه، ثم توسع فيه فاستعمل في المكان المفضول، ثم في الرتبة المفضولة كعلي دون محمد فضلا، ثم في مطلق تجاوز شيء لشيء، كأكرمت محمدا دون علي. ٢ يمين وشمال، كثيرا التصرف، وفوق وتحت يتصرفان أحيانا إذا تجردا عن الظرفية، وباقي الظروف متوسطة التصرف: والظرف بنوعيه: المتصرف وغير المتصرف؛ حين يكون ظرفا معربا ينصب على الظرفية أو يجر بمن، وحين يكون مبنيا على الضم يكون في محل نصب أو في محل جر بمن، إن وجدت قبله. وإذا جرد من الظرفية لا ينصب على الظرفية، بل يعرب على حسب الجملة. ٣ أي: بالبناء على الضم؛ لحذف المضاف إليه ونية معناه. ٤ هو رجل من بني تميم لم يعين اسمه. ٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره: لعن الإله تعلة بن مسافر وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥١، والأشموني: ٦٤١/ ٢/ ٣٢٢، والكامل للمبرد: ٣٧، والعيني: ٣/ ٤٣٧، والهمع: ٢١٠، والدرر: ١/ ١٧٧. المفردات الغريبة: لعن؛ اللعن: الطرد والإبعاد. تعلة: اسم رجل. يشن: يصب، من شن الماء يشنه إذا صبه متفرقا. من قدام: من أمامه. المعنى: يلعن الشاعر رجلا؛ اسمه تعلة بن مسافر سائلا الله تعالى أن يطرده من رحمته ويصب عليه البلاء صبا من أمامه؛ ليكون الطرد أبلغ والبلاء أفظع. الإعراب: لعن: فعل ماض مبني على الفتح. الإله: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه =
[ ٣ / ١٣٦ ]
وقوله١: [الطويل]
٣٤٨- على أينا تعدو المنية أول٢
_________________
(١) = الضمة الظاهرة على آخره. تعلة: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره. ابن: صفة لتعلة منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وهو مضاف. مسافر: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. لعنا: مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره. يشن: فعل مضارع مبني للمجهول، مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو؛ وجملة "يشن": في محل نصب صفة لـ"لعنا". "عليه": متعلق بـ"يشن". من: حرف جر. قدام: ظرف مكان، مبني على الضم في محل جر بـ"من"، و"من قدام": متعلق بـ"يشن". موطن الشاهد: "من قدام". وجه الاستشهاد: مجيء قدام مبنيا على الضم؛ لحذف المضاف إليه، ونية معناه وشبيه بهذا البيت قول الشاعر: إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراء ١ هو: معن بن أبوس بن نصر المزني، شاعر، مجيد، متين الكلام، حسن الديباجة، فخم المعاني، من مخضرمي الجاهلية والإسلام؛ له مدائح كثيرة في الصحابة الكرام. مات سنة ٦٤هـ. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: لعمرك ما أدري وإني لأوجل وهو مطلع قصيدة مشهورة يستعطف بها الشاعر صديقا له، وقد أنشد أبو تمام في حماسته أكثرها، وأنشدها أبو علي القالي في أماليه، وبعد الشاهد قوله: وإني أخوك الدائم العهد لم أحل إن ابزاك خصم أو نبا بك منزل والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٥١، والمقتضب: ٣/ ٣٤٦، والمصنف: ٣/ ٣٥، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٢٨، ٢/ ٢٦٣، وشرح المفصل: ٤/ ٨٧، ٦/ ٩٨، والخزانة: ٣/ ٥٠٥، والأشموني: ٦٤٠/ ٢/ ٣٢٢، والعيني: ٣/ ٤٣٩، والشذور: ٤٥/ ١٤٥، وديوان معن: ٥٧. المفردات الغريبة: أوجل: من الوجل، وهو الخوف، وهذا يحتمل أن يكون وصفا، أو فعلا مضارعا مبدوءا بهمزة المتكلم. تعدو: تسطو، من عدا عليه، اجترأ وسطا. وروي: تغدو، أي تصبح. المنية: الموت. المعنى: أقسم بحياتك لست أدري، ولا أعلم -وإني لخائف- على أينا ينقض الموت قبل صاحبه؛ فلا تقطع حبل المودة والصلة، فالموت آتٍ لا بد منه. الإعراب: لعمرك: اللام للابتداء. عمر: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة =
[ ٣ / ١٣٧ ]
وحكى أبو علي١: "ابدأ بذا من أول" بالضم على نية معنى المضاف إليه٢؛ وبالخفض على نية لفظه؛ وبالفتح على نية تركها؛ ومنعه من الصرف للوزن والوصف٣.
[حسب واستعمالاتها]:
ومنها "حسب"؛ ولها استعمالان:
أحدهما: أن تكون بمعنى كافٍ٤؛ فتستعمل استعمال الصفات٥، فتكون
_________________
(١) = على آخره، وهو مضاف، وضمير المخاطب مبني على الفتح في محل جر بالإضافة وخبر المبتدأ محذوف وجوبا؛ والتقدير: لعمرك قسمي. ما أدري: ما: نافية لا عمل لها. أدري: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنا. وإني: الواو: حالية، إني: إن: حرف مشبه بالفعل، مبني على الفتح المقدر على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهوره اشتغال المحل بالحركة المناسبة للياء، والياء: ضمير متصل في محل نصب اسم إن. لأوجل: اللام لام المزحلقة، أوجل: خبر إن مرفوع؛ وجملة "إني لأوجل": في محل نصب على الحال. "على أينا": متعلق بـ"تعدو" و"نا" في محل جر بالإضافة. تعدو: فعل مضارع. المنية: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. أول: ظرف زمان متعلق بـ"تعدو" مبني على الضم في محل نصب. موطن الشاهد: "أول". وجه الاستشهاد: مجيء "أول" مبنيا على الضم؛ لحذف المضاف إليه ونية معناه؛ لأن المراد: أول الوقتين، لأن لكل وقتا يموت فيه؛ ويقدر أحدهما أسبق من الآخر. ١ هو أبو علي الفارسي، وقد مرت ترجمته. ٢ أي من أول الأمر. ٣ لأنه اسم تفضيل بمعنى الأسبق، أي المتقدم. ويستفاد من حكاية أبي علي الفارسي: أن "أول" له استعمالان؛ أحدهما: أن يكون اسما كقبل، والثاني: أن يكون صفة، كالأسبق، وقد تقدم ما فيه. تنبيه: إذا قلت: سافر محمد منذ عام أول، جاز أن تعرب "عام" خبرا مرفوعا عن "منذ"، و"أول" بالرفع صفة لها، ويكون المعنى: سافر منذ عام سابق على عامنا الحالي. وجاز في "أول" النصب على أنه ظرف زمان بمعنى قبل، ويكون المعنى: منذ عام قبل العام الحالي. ٤ أي اسم فاعل، وهي حينئذ معربة مضافة لفظا، لا تتعرف بالإضافة نظرا للفظها. ٥ أي المشتقة، وذلك من افتقارها إلى موصوف تجري عليه، وهذا الاستعمال بالنظر لمعناها.
[ ٣ / ١٣٨ ]
نعتا لنكرة؛ كـ"مررت برجل حسبك من رجل"؛ أي: كافٍ لك عن غيره؛ وحالا لمعرفة، كـ"هذا عبد الله حسبك من رجل"، واستعمال الأسماء؛ نحو: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ١ ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ٢ "بحسبك درهم"٣ وبهذا٤، يرد على من زعم أنها اسم فعل، فإن العوامل اللفظية، لا تدخل على أسماء الأفعال باتفاق.
والثاني: أن تكون بمنزلة "لا غير" في المعنى: فتستعمل مفردة٥؛ وهذه هي
_________________
(١) ١ ٥٨ سورة المجادلة، الآية: ٨. موطن الشاهد: ﴿حَسْبُهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "حسب" موقع الاسم الجامد؛ وحسب: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، "وهم" مضاف إليه. و"جهنم": خبر مرفوع، ويجوز أن يكون "جهنم": مبتدأ مؤخرا؛ و"حسبهم" خبرا مقدما. ٢ ٨ سورة الأنفال، الآية: ٦٢. موطن الشاهد: ﴿حَسْبَكَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "حسب"، موقع الاسم الجامد؛ وهي في محل نصب اسم "إن"، والكاف: في محل جر بالإضافة، ولفظ الجلالة: في محل رفع خبر "إن". ٣ الباء من "بحسبك" حرف جر زائدة. وحسب: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وضمير المخاطب مضاف إليه، ودرهم: خبر المبتدأ، ولا يجوز العكس؛ لأن "درهم" نكرة لا مسوغ للابتداء بها إذ الخبر مفرد لا جملة ولا شبه جملة. ٤ المراد: أن دخول "إن" على حسبك، ودخول الباء الزائدة عليها في: "بحسبك درهم"، وتأثر "حسب" بـ"إن"؛ حتى نصبت، وبـ"الباء" حتى جرت؛ يدل دلالة واضحة على أنها ليست اسم فعل؛ لأن اسم الفعل ناب عن الفعل؛ والفعل لا تدخل عليه هذه العوامل؛ فيجب أن يكون نائبه مثله في عدم دخول هذه العوامل عليه؛ فدخول العوامل على حسب دليل على أنه ليس اسم فعل. ٥ أي مقطوعة عن الإضافة لفظا، وإن نوي معنى المضاف إليه المحذوف. وفي هذا الاستعمال تبنى "حسب" على الضم، وتقع صفة للنكرة، أو حالا من المعرفة، أو مبتدأ بشرط اقترانها بالفاء الزائدة لتزيين اللفظ. تقول: إن لكل قربة جمعية تعاونية حسب، فحسب صفة لجمعية مبني على الضم في محل نصب وتقول: انصرف المنافقون حسب، أي لا غير، فحسب حال مبني على الضم في محل نصب. وتقول قرأت ثلاثة أجزاء من القرآن فحسب، فالفاء زائدة وحسب: مبتدأ مبني على الضم في محل رفع، والخبر محذوف، أي: فحسب الثلاثة مقروء، ويجوز العكس في هذا؛ =
[ ٣ / ١٣٩ ]
حسب المتقدمة؛ ولكنها عند قطعها عن الإضافة، تجدد لها إشرابها هذا المعنى، وملازمتها للوصفية، أو الحالية، أو الابتدائية، وبناؤها على الضم١؛ تقول: "رايت رجلا حسب" و"رأيت زيدا حسب"٢.
قال الجوهري٣: كأنك قلت: "حسبي" أو "حسبك"، فأضمرت ذلك٤، ولم تنون، ا. هـ. وتقول: "قبضت عشرة فحسب" أي فحسبي ذلك.
واقتضى كلام ابن مالك، أنها تعرف نصبًا -إذا نكرت- كقبل وبعد.
قال أبو حيان٥: ولا وجه لنصبها؛ لأنها غير ظرف إلا أن نقل عنهم نصبها حالا إذا كانت نكرة، ا. هـ.
فإن أراد بكونها نكرة قطعها عن الإضافة اقتضى أن استعمالها حينئذ منصوبة شائع. وأنها كانت مع الإضافة معرفة، وكلاهما ممنوع٦، وإن أراد تنكيرها مع الإضافة فلا وجه لاشتراطه التنكير حينئذ؛ لأنها لم ترد إلا كذلك٧، وأيضا فلا وجه لتوقفه في تجويز انتصابها على الحال حينئذ؛ فإنه مشهور، حتى إنه مذكور في كتاب الصحاح٨؛ قال: تقول: "هذا رجل حسبك من رجل" وتقول في المعرفة: "هذا
_________________
(١) = بشرط حذف الفاء، فيكون المبتدأ هو المحذوف، تقول: المقروء حسب، أي كافيني مثلا. ١ لقطعها عن الإضافة لفظا، وقد كانت في الاستعمال الأول معربة بحسب العوامل. ٢ حسب: حال من زيد مبني على الضم في محل نصب، وفيما قبله وصف لرجل كذلك، وقد حذف المضاف إليه، ونوي معناه. ٣ مرت ترجمته. ٤ أي حذفت المضاف إليه منهما، وأضمرته في نفسك، ولم تنون؛ لأنك نويت معناه فبنيت على الضم، كقبل وبعد. ٥ مرت ترجمته. ٦ أما الأول، فلأنها إذا قطعت عن الإضافة، وجب بناؤها على الضم. وأما الثاني؛ فلأنها نكرة دائما أضيفت، أو لم تضف. ٧ أي إلا نكرة؛ لأن إضافتها لا تفيد التعريف، وإنما هي في تقدير الانفصال، كما يقول ابن مالك في شرح العمدة. التصريح: ٢/ ٥٣. ٨ كتاب مشهور متداول للجوهري.
[ ٣ / ١٤٠ ]
عبد الله حسبك من رجل"، فتنصب حسبك على الحال١، ا. هـ. وأيضا، فلا وجه للاعتذار عن ابن مالك بذلك؛ لأن مراده التنكير الذي ذكره قبل وبعد، وهو: أن تقطع عن الإضافة لفظا وتقديرا٢.
["عل" موافقتها "فوق" ومخالفتها لها]:
وأما "عل" فإنها توافق "فوق" في معناها، وفي بنائها على الضم، إذا كانت معرفة، كقوله٣: [الكامل]
٣٤٩- وأتيت نحو بني كليب من عل٤
_________________
(١) ١ فحسبك من الأول: وقعت بعد نكرة مرفوعة، فرفعت على أنها نعت لها. وفي الثاني وقعت بعد معرفة، فنصبت على أنها حال منها، وهي في الموضعين نكرة؛ لأن إضافتها لا تفيد التعريف. ٢ أي: وتنصب على الظرفية، وليس المراد مطلق التنكير كما توهمه أبو حيان، وما ذكره الموضح دفاعا عن ابن مالك لا يمنع النقد، فالصواب أن يحمل قول الناظم: وما من بعده قد ذكرا على المجموع لا على كل فرد؛ حتى لا يرد عليه "حسب" و"عل". التصريح: ١/ ٥٤. ٣ القائل: هو الفرزدق؛ همام بن غالب وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت يهجو فيه جريرا وعجزه قوله: ولقد سددت عليك كل ثنية وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٤، وشذور الذهب "٤٩/ ١٥١"، وشرح المفصل: ٤/ ٨٩، والعيني: ٣/ ٤٤٧، وهمع الهوامع: ١/ ٢١٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٧٧، وديوان الفرزدق: ٧٢٣. المفردات الغريبة: ثنية: هي العقبة، أو الجبل، أو الطريق إليهما، والجمع ثنايا. بني كليب: رهط جرير. المعنى: لقد سددت عليك با جرير كل طريق ومنجى تسلكه؛ للمفاخرة وأتيتكم من أعلى، فألحقت بأصولكم عارا لا تستطيعون دفعه، والخلاص منه. الإعراب: لقد: اللام موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق. سددت: فعل ماض، مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الضم في =
[ ٣ / ١٤١ ]
أي: من فوقهم، وفي إعرابها إذا كانت نكرة؛ كقوله١: [الطويل]
٣٥٠- كجلمود صخر حطه السيل من عل٢
أي: من شيء عال.
_________________
(١) = محل رفع فاعل. "عليك": متعلق بـ"سد". كل: مفعول به "لسد" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف. ثنية: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. وأتيت: الواو حرف عطف، أتى: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل. نحو: ظرف، بني: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف. كليب: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. من: حرف جر. عل: ظرف مبني على الضم في محل جر بـ"من". موطن الشاهد: "من عل". وجه الاستشهاد: مجيء "عل" مبنيا على الضم؛ لكونه معرفة، حيث حذف المضاف إليه مع نية معناه؛ والتقدير: من علهم، أي: من فوقهم. ١ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: مكر مفر مقبل مدبر معا والبيت من معلقته المشهورة ومن أبيات يصف فيها فرسه، وقبله قوله: وقد أغتدي والطير في وكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٤، والأشموني: ٦٤٦/ ٢/ ٣٢٣، وسيبويه: ٢/ ٣٠٩، والمحتسب: ٢/ ٣٤٢، وشرح المفصل: ٤/ ٨٩، والمقرب: ٤٦، والعيني: ٣/ ٤٤٩، والهمع: ١/ ٢١٠، والدرر: ١/ ١٧٧، وحاشية الدمنهوري: ٨١، والمغني: ٢٧٨/ ٢٠٥، والسيوطي: ١٥٥. وديوان امرئ القيس: ١٥٤. المفردات الغريبة: مكر: عظيم الكر والهجوم، لا يسبقه غيره. مفر: سريع الفرار من الأعداء. كجلمود، الجلمود: الصخرة العظيمة الصلبة. حطه السيل: حدره وألقاه من أعلى إلى أسفل. من عل: من فوق. و"مكر" وما بعده صفة لمنجرد في البيت قبله. المعنى: يصف الشاعر فرسه بسرعة كره على الأعداء، وشدته وسرعته بالفرار عند النجاة؛ فهو لسرعته كأنه يقبل ويدبر في وقت واحد، وهو في ذلك كصخر حدره السيل من مكان عالٍ فلا يقف في طريقه شيء. الإعراب: مكر: صفة لـ"منجرد" في البيت السابق مجرورة، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة. مفر: صفة ثانية لـ"منجرد" مجرورة. مقبل: صفة ثالثة لـ"منجرد" =
[ ٣ / ١٤٢ ]
وتخالفها في أمرين: أنها لا تستعمل إلا مجرورة بمن، وأنها لا تستعمل مضافة١؛ كذا قال جماعة؛ منهم ابن أبي الربيع٢؛ وهو الحق، وظاهر ذكر ابن مالك لها في عداد هذه الألفاظ: أنها يجوز إضافتها، وقد صرح الجوهري٣ بذلك؛ فقال: يقال "أتيته من علِ الدارِ" بكسر اللام، أي: من عالٍ، ومقتضى قوله٤:
وأعربوا نصبا إذا ما نكرا
قبلا وما من بعده قد ذكرا
أنها يجوز انتصابها على الظرفية، أو غيرها، وما أظن شيئا من الأمرين٥ موجودا.
_________________
(١) = مجرورة. مدبر: صفة رابعة لـ"منجرد" مجرورة. "معا" متعلق بـ"مقبل مدبر". "كجلمود": متعلق بمحذوف صفة لـ"منجرد"؛ أو متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير هو كجلمود، وجلمود مضاف. صخر: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. حطه: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والهاء: ضمير متصل مبني على لاضم في محل نصب مفعولا به. السيل: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. "من عل": متعلق بـ"حط". موطن الشاهد: "من عل". وجه الاستشهاد: مجيء "عل" مجرورا بـ"من"؛ لأن الشاعر قطعه عن الإضافة، ولم ينوِ لفظ المضاف إليه، ولا معناه، ولهذا أعربه، حيث لم يرد الشاعر أن الصخر ينحط من أعلى شيء خاص، وكان حقه التنوين؛ لأنه نكرة، ولكنه حذف للشعر. ١ أي لفظا، بل تستعمل مبنية على الضم لنية معنى المضاف إليه، أو منونة لقطعها عن الإضافة رأسا. ٢ أبو الحسن؛ عبيد الله بن أحمد بن أبي الربيع القرشي الأموي الإشبيلي، إمام أهل النحو في زمانه، قرأ على الدباج والشلوبين، وأذن له في التصدر للقراءة، ولما استولى الفرنجة على إشبيلية جاء إلى سبتة، وقرأ بها النحو، وصنف فيه الإفصاح في شرح مسائل الإيضاح، كما شرح كتاب سيبويه، وشرح الجمل شرحا وافقا في عشر مجلدات، لم يشذ عنه مسألة في العربية، توفي سنة: ٦٨٨هـ. بغية الوعاة: ١/ ٣١٩. غاية النهاية: ١/ ٤٨٤، الأعلام: ٤/ ١٩١. ٣ مرت ترجمته. ٤ هذا من كلام ابن مالك في الألفية. ٥ أي: جواز إضافتها، وجواز نصبها على الظرفية أو غيرها كالحالية، وأما قول الجوهري: يقال: "أتيته من على الدار" بالإضافة، فهو سهو كما في الشذور. التصريح: ٢/ ٥٤.
[ ٣ / ١٤٣ ]
وإنما بسطت القول قليلا في شرح هاتين الكلمتين، لأني لم أر أحدا وفاهما حقهما من الشرح، وفيما ذكرته كفاية والحمد لله.
[جواز حذف ما علم من مضاف أو مضاف إليه]:
فصل: يجوز أن يحذف ما علم من مضاف ومضاف إليه.
[حكم ما إذا كان المضاف هو المحذوف]:
فإن كان المحذوف المضاف١؛ فالغالب أن يخلفه في إعرابه٢ المضاف إليه؛ نحو: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ٣؛ أي: أمر ربك، ونحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٤؛ أي: أهل القرية.
_________________
(١) ١ يشترط لجواز حذف المضاف شرطان، أحدهما أن يقوم دليل على المحذوف، لئلا يقع اللبس، فلو قلت: جلست زيدا. تريد جلست جلوس زيد، لم يصح ذلك؛ لأنه ليس في الكلام ما يدل على الجلوس المقدر، والكلام يحتمل ما زعمت أنك تريده، ويحتمل أن يكون التقدير: جلست إلى زيد، فحذف حرف الجر، فانتصب الاسم الذي كان مجرورا، والشرط الثاني: أن يكون المضاف إليه مفردا لا جملة؛ لأنه لو كان المضاف إليه جملة لم يستدل على المحذوف، ولم تصح إقامة المضاف إليه مقام المضاف المحذوف. حاشية يس على التصريح: ٢/ ٥٥، والهمع: ٢/ ٥١. ٢ فيكون فاعلا في مكانه، ومفعولا، ومبتدأ وخبرا، وظرفا، وحالا إلخ، وكذلك في باقي أحكامه، كالتذكير والتأنيث والإفراد والتنكير إلخ. ٣ ٨٩ سورة الفجر، الآية: ٢٢. موطن الشاهد: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء المضاف محذوفا؛ للعلم به، ونيابة المضاف إليه منابه في إعرابه؛ لأن التقدير: وجاء أمر ربك؛ فلما حذف المضاف؛ وهو فاعل، حل محله المضاف إليه، وأعرب إعرابه على الفاعلية؛ وحكم هذا الحذف جائز باتفاق. ٤ ١٢ سورة يوسف، الآية: ٨٢. موطن الشاهد: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء المضاف محذوفا؛ للعلم به، ونيابة المضاف إليه منابه في إعرابه؛ لأن التقدير: واسأل أهل القرية؛ فلما حذف المضاف؛ وهو مفعول به؛ حل محله المضاف إليه، وأعرب إعرابه على المفعولية؛ وحكم هذا الحذف جائز باتفاق.
[ ٣ / ١٤٤ ]
وقد يبقى على جره؛ وشرط ذلك في الغالب: أن يكون المحذوف معطوفا، على مضاف بمعناه١؛ كقولهم: "ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك"٢ أي: ولا مثل أخيه؛ بدليل قولهم: "يقولان" بالتثنية٣؛ وقوله٤: [المتقارب]
٣٥١- أكل امرئ تحسبين امرأ
ونار توقد بالليل نارا٥
_________________
(١) ١ أي: يماثله لفظا ومعنى فقط، أو يقابله بأن يكون ضده أو نقيضه، ليكون المعطوف عليه دليلا على المحذوف. ويشترط كذلك أن يكون حرف العطف متصلا بالمضاف إليه، أو منفصلا منه "بلا" النافية. ٢ فـ"أخيه" مجرور بإضافة "مثل" المحذوفة إليه، وهي معطوفة على "مثل" المذكورة. ٣ أي: نظرا إلى المذكور والمحذوف، ولو كان "أخيه" معطوفا على "عبد الله" لكان العامل فيهما واحدا وهو "مثل"، وكان يجب أن يقال: يقول بالإفراد؛ لأنه خبر لاسم "ما" وهو مفرد. ٤ القائل: هو أبو دؤاد الإيادي؛ حارثة بن الحجاج. وقد مرت ترجمته. ٥ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٦، والأشموني: ٦٥١/ ٢/ ٣٢٥، وابن عقيل: ٢٣٨/ ٣/ ٧٧، وسيبويه: ٢/ ٣٣، والكامل: ١٦٣، ٤٩٨، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٩٦، والإنصاف: ٧٤٣، وشرح المفصل: ٣/ ٢٦، ٧٩، ٥/ ١٤٢، ٨/ ٥٢، ٩/ ١٠٥، والمقرب: ٥١، والخزانة: ٢/ ٢٥٣ عرضا، والهمع: ٢/ ٥٢، والدرر: ٢/ ٦٥، والمغني: ٥٣٧/ ٣٨٢، والسيوطي: ٢٣٩. وديوان أبي دؤاد: ٣٥٣. المفردات الغريبة: تحسبين: تظنين. توقد: تتوقد وتشتعل. المعنى: أتظنين كل شخص جديرا بأن يسمى رجلا؟ وكل نار تشتعل تسمى نارا، إنما الخليق باسم الرجل هو من اكتملت فيه صفات الرجولة الكريمة، والنار الجديرة بهذا الاسم، هي النار التي توقد للخير والقرى. الإعراب: أكل: الهمزة حرف استفهام، لا محل له من الإعراب، كل: مفعول به أول لفعل "تحسبين" الآتي تقدم عليه، وهو مضاف. امرئ: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. تحسبين: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل. امرأ: مفعول به ثان لـ"تحسبين" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ونار: الواو عاطفة، نار مجرور بإضافة اسم يقع معطوفا بالواو على المفعول الأول؛ وتقدير الكلام: وتحسبين كل نار. يوقد: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هي؛ وجملة "توقد": في محل جر صفة لـ"نار". "بالليل": متعلق =
[ ٣ / ١٤٥ ]
أي: وكل نار؛ لئلا يلزم العطف على معمولي عاملين١.
ومن غير الغالب قراءة ابن جماز٢: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ٣؛ أي: عمل الآخرة، فإن المضاف ليس معطوفا؛ بل المعطوف جملة فيها المضاف٤.
_________________
(١) = بـ"توقد". نارا: اسم معطوف على "امرأ" المنصوب الواقع مفعولا ثانيا لـ"تحسبين"، والمعطوف على المنصوب منصوب مثله. موطن الشاهد: "ونار". وجه الاستشهاد: مجيء الواو عاطفة، و"نار" مجرورة على أنها مضاف إليه لـ"كل" محذوفة، معطوفة بالواو على كل المذكورة، وهذا هو الوجه الأقرب. ويمكن أن تكون مجرورة بإضافة مفعول أول محذوف لفعل محذوف؛ والتقدير: وتحسبين كل نار. ١ أي: إنما جعل المعطوف محذوفا، ولم يعطف "نار" الأولى على امرئ المعمول لكل، و"نار" الثانية على امرأ المعمول لتحسبين؛ لئلا يلزم عطف معمولين وهما "نار" المجرورة والمنصوبة على معمولين، وهما: امرئ وامرأ، لعاملين مختلفين وهما: "كل" و"تحسبين" بعاطف واحد وهو الواو، وذلك لا يجوز عند سيبويه والمبرد وابن السراد وهشام؛ لأن العاطف نائب عن العامل، والعامل الواحد لا يعمل جرا ونصبا، ولا يقوى أن ينوب عن عاملين. أما على حذف "كل" فيكون العطف على معمولي عامل واحد، وهو تحسبين، وذلك جائز. هذا وقد خالفهم في ذلك: الأخفش والكسائي والفراء والزجاج، وذهبوا إلى جوازه. مغني اللبيب: ٦٣٢-٦٣٣، والتصريح: ٢٥٦. ٢ هو أبو الربيع، سليمان بن مسلم بن جماز الزهري المدني، كان مقرئا جليلا وضابطا محسنا من أفاضل رواة أبي جعفر أحد القراء العشرة المشهورين توفي سنة: ٧٠هـ. ٣ ٨ سورة الأنفال، الآية: ٦٧. أوجه القراءات: قرأ ابن جماز الزهري: والله يريد "الآخرة" بجر الآخرة على تقدير حذف مضاف؛ أي: يريد عمل الآخرة؛ وعلى هذا؛ فعمل المحذوف، ليس معطوفا وحده؛ بل المعطوف جملة من مبتدأ وخبر فيها المضاف "وعمل" على جملة فعلية؛ فيها مضاف غير مماثل للمحذوف؛ والأصل -على هذه القراءة- تريدون عرض الدنيا والله يريد عمل الآخرة. التصريح: ٢/ ٥٦. موطن الشاهد: ﴿يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ . وجه الاستشهاد: بقاء المضاف إليه مجروروا على أصله بعد حذف المضاف "عمل"؛ وهذا قليل. ٤ هذا: وقد يحذف أكثر من مضاف، فيقوم الأخير مقام الأول، فمثال حذف مضافين =
[ ٣ / ١٤٦ ]
[حكم ما إذا كان المحذوف المضاف إليه]:
وإن كان المحذوف المضاف إليه؛ فهو على ثلاثة أقسام؛ لأنه تارة يزول من المضاف ما يستحقه من إعراب وتنوين ويبنى على الضم؛ نحو: "ليس غير"، ونحو: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ١، كما مر؛ وتارة يبقى إعرابه، ويرد إليه تنوينه؛ وهو الغالب؛ نحو: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ ٢، ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ ٣؛ وتارة يبقى إعرابه، ويترك
_________________
(١) = قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، فإن الأصل: وتجعلون، بدل "شكر رزقكم" تكذيبكم، فحذف: "بدل، وشكر"، وكلاهما مضاف، وقام "رزق" مقام الأول. ومثال حذف ثلاثة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ . أصله: فكان الرسول ﷺ من جبريل قدر مسافة قرب قاب قوسين. فحل المضاف إليه الأخير: وهو "قاب" محل الأول وهو "قدر". وإذا حذف المضاف -بعد استيفاء شروط حذفه- جاز عدم الالتفات إليه عند عود الضمائر ونحوها، مما يقتضي المطابقة، كالتعريف والتنكير والإفراد وغير ذلك. وجاز مراعاته كأنه موجود. وقد اجتمع الأمران في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾، الأصل: وكم من أهل قرية، فرجع الضمير "ها" مؤنثا إلى القرية، ورجع الضمير "هم" مذكرا إلى "أهل" المحذوف. الأشموني: ٢/ ٣٢٤. ١ ٣٠ سورة الروم، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ . وجه الاستشهاد: بناء كل من "قبل" و"بعد" على الضم؛ لانقطاعه عن الإضافة، بعد حذف المضاف إليه؛ وكلاهما في محل جر بمن، كما أسلفنا. ٢ ٢٥ سورة الفرقان، الآية: ٣٩. موطن الشاهد: "كلا". وجه الاستشهاد: انتصاب "كلا" وتنوينه؛ لأنه حذف المضاف إليه، ولم يُنْوَ لفظه، ولا معناه، ورد إليه التنوين؛ الذي حذف للإضافة؛ لأنه رجع إلى حالته الإعرابية قبلها. ٣ ١٧ سورة الإسراء الآية: ١١٠. موطن الشاهد: ﴿أيًّا﴾ . وجه الاستشهاد: انتصاب "أيا" -وهو من أسماء الشرط-؛ لانقطاعه عن الإضافة؛ ولم ينو لفظ المضاف إليه، ولا معناه، ورد إليه التنوين: الذي حذف للإضافة، كما في الآية السابقة.
[ ٣ / ١٤٧ ]
تنوينه١، كما كان في الإضافة، وشرط ذلك في الغالب أن يعطف عليه اسم عامل في مثل المحذوف؛ وهذا العامل إما مضاف؛ كقولهم: "خذ ربع ونصف ما حصل"٢، أو غيره؛ كقوله٣: [الرجز]
٣٥٢- بمثل أو أنفع من وبل الديم٤
_________________
(١) ١ وذلك إذا حذف المضاف إليه، ونوي ثبوت لفظه، فلا يتغير إعراب المضاف، ولا يرد إليه ما حذف للإضافة، كالتنوين والنون إن كان مثنى أو مجموعا. ٢ ذهب النحاة في تخريج هذا المثال مذهبين: الأول: أن هذا المثال من باب حذف المضاف إليه، وإبقاء المضاف على حاله الذي كان يستحقه حين الإضافة؛ وأصل الكلام على هذا المذهب: خذ ربع ما حصل ونصف ما حصل؛ بإضافة ربع إلى اسم موصول، وإضافة نصف إلى اسم موصول مشبه للاسم الموصول الأول، فحذفوا الاسم الموصول الأول الذي أضيف إليه ربع وصلته؛ لدلالة الاسم الموصول الثاني وصلته عليه، وأبقوا المضاف على إعرابه وترك تنوينه؛ لأن المضاف إليه المحذوف منوي الثبوت، وهذا مذهب المبرد واختاره ابن مالك وابن هشام تبعا له. الثاني: أن هذا المثال ونحوه من باب الفصل بين المضاف والمضاف إليه؛ وأصل الكلام على هذا خذ ربع ما حصل ونصفه، ثم أقحم ونصفه بين المضاف "ربع"؛ والمضاف إليه "ما حصل" فصار الكلام خذ ربع ونصفه ما حصل، ثم حذف الضمير فصار: خذ ربع ونصف ما حصل. وإنما حذفوا الضمير إصلاحا للفظ، وهذا مذهب سيبويه والجمهور، والمذهب الأول أقرب مأخذا من هذا، ومثل هذا المثال قولهم: قطع الله يد ورجل من قالها، وقول الفرزدق: يا من رأى عارضا أسر به بين ذراعي وجبهة الأسد انظر التصريح: ٢/ ٥٦-٥٧، الأشموني: ٢/ ٣٢٦، سيبويه: ١/ ٩٢. ٣ لم ينسب إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت من الرجز وصدره قوله: علقت آمالي فعمت النعم وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٧، والعيني: ٣/ ٤٥١. المفردات الغريبة: علقت: وصلت. آمالي: جمع أمل، وهو ما يطمع فيه المرء =
[ ٣ / ١٤٨ ]
ومن غير الغالب؛ قولهم: "ابدأ بذا من أول"، بالخفض من غير تنوين١، وقراءة بعضهم: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ٢؛ أي: فلا خوف شيء عليهم٣.
_________________
(١) = ويرجوه. وبل، الوبل: المطر الغزير كالوابل. الديم: جمع ديمة، وهي المطر الدائم لا رعد فيه ولا برق. المعنى: وصلت آمالي وما أرجوه في الحياة، ووضعتها بين يدي رجل أسبغ علي نعمه وعمني بفضله، فكان مثل الغيث العميم، أو أكثر منه نفعا. الإعراب: علقت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل في محل رفع فاعل. آمالي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم؛ والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. فعمت: الفاء عاطفة، عم: فعل ماض، والتاء: للتأنيث. النعم: فاعل مرفوع، وسكن لضرورة الشعر. "بمثل": متعلق بـ"علق"، و"مثل" مضاف إلى محذوف يدل عليه المذكور بعده، والتقدير: بمثل وابل الديم. أو: حرف عطف. أنفع: اسم معطوف على مثل، مجرور وعلامة جره الفتحة بدل الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف. "من وابل": متعلق بـ"أنفع"، ووابل مضاف. الديم: مضاف إليه مجرور، وسكن لضرورة الشعر. موطن الشاهد: "بمثل". وجه الاستشهاد: حذف المضاف إليه بعد مثل؛ لدلالة "وابل الديم" عليه؛ والتقدير: بمثل وابل الديم، أو أنفع من وابل الديم. ١ أي: على نية لفظ المضاف إليه، والتقدير: من أول الأمر. حكى ذلك أبو علي الفارسي. ٢ ٥ سورة المائدة، الآية: ٦٩. أوجه القراءات: قرأ ابن محيصن: "فلا خوف" بالرفع من غير تنوين، وقرأ ابن يعقوب: "فلا خوف" بالفتح من غير تنوين على الإعمال؛ وقرأ الجمهور: "فلا خوف عليهم" بالرفع والتنوين. أوجه القراءات: قراءة الرفع -من غير تنوين- على أن "لا" مهملة، أو عاملة عمل ليس؛ وقراءة الفتح: على أن "لا" عاملة عمل "إن". موطن الشاهد: ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف المضاف إليه -على هذه القراءة- مع نية لفظ المضاف إليه؛ والتقدير: فلا خوف شيء عليهم؛ وذلك على تقدير الفتحة إعرابا، وأما إن قدرت بناء فلا شاهد في الآية على هذه القراءة. ٣ "خوف" بالضم بلا تنوين على أن "لا" مهملة، أو عاملة عمل ليس، وبالفتح على أن =
[ ٣ / ١٤٩ ]
_________________
(١) = "لا" عاملة عمل "إن"، فإن قدرت الفتحة إعرابا ففيه الشاهد، وإن قدرت بناء فلا. وقد يحذف المضاف إليه ويبقى المضاف على حاله؛ إذا كان معطوفا على مضاف إلى مثل المحذوف، عكس الصورة المذكورة. ومنه الحديث: عن أبي برزة الأسلمي ﵁: غزونا مع رسول الله ﷺسبع غزوات، أو ثمانيَ- بفتح الياء بلا تنوين، أي ثماني غزوات. ويقتصر في هذا على السماع. الأشموني: ٢/ ٣٢٦. فائدة: اعلم أن حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه قد يكون قياسيا، وقد يكون سماعيا، فأما السماعي فضابطه أن يكون المضاف إليه الباقي صالحا لأن ينسب إليه ما كان منسوبا للمضاف المحذوف قبل الحذف كما في قول عمر بن أبي ربيعة: لا تلمني عتيق حسبي الذي بي إن بي يا عتيق ما قد كفاني فأراد عمر أن يقول: لا تلمني يابن أبي عتيق غير أن وزن الشعر لم يمكنه من أن يقول ذلك، وعتيق الذي كان مضافا إليه قبل الحذف صالح لأن ينادى، وينهى عن ترك اللوم. وأما القياسي، فضابطه العام أن يكون المضاف إليه الباقي غير صالح في نفسه لأن يُنسب إليه العامل الذي كان منسوبا قبل الحذف إلى المضاف، وهذا الجنس يقع في كثير من مواقع الإعراب منها: أ- أن يكون المضاف قبل الحذف فاعلا كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، والتقدير: وجاء أمر ربك؛ لأن نسبة المجيء إلى الله تعالى لما تقتضيه من المكانية والانتقال مستحيلا. ب- أن يكون المضاف قبل حذفه مبتدأ في الحال، أو في الأصل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾، والتقدير: ولكن أهل البر من آمن. وكقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، والتقدير: زمن الحج أشهر. ح- أن يكون المضاف قبل حذفه خبر مبتدأ، كقول الشاعر: وشر المنايا ميت وسط أهله والتقدير: وشر المنايا منية ميت وسط أهله، وقد تحتمل الآيتان في الموضع الثاني هذا الوجه فيكون تقدير الأولى: ولكن البر بر من آمن. ويكون تقدير الثانية: الحج حج أشهر معلومات. د- أن يكون المضاف مفعولا به قبل الحذف، كقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾، والتقدير: وأشربوا في قلوبهم حب العجل. هـ- أن يكون المضاف قبل حذفه مفعولا مطلقا، كقول الأعشى: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبت كما بات السليم مسهدا =
[ ٣ / ١٥٠ ]
[الفصل بين المتضايفين]:
فصل: زعم كثير من النحويين: أنه لا يفصل بين المتضايفين إلا في الشعر١؛ والحق أن مسائل الفصل سبع؛ منها ثلاث جائزة في السعة٢:
_________________
(١) = والتقدير: ألم تغتمض عيناك اغتماض ليلة أرمدا. وأن يكون المضاف قبل حذفه مفعولا فيه، كقولهم: "جاءنا طلوع الشمس" والتقدير: جاءنا وقت طلوع الشمس. وكقولهم: "حدث هذا إمارة الحجاج" والتقدير: حدث هذا زمن إمارة الحجاج. ز- أن يكون المضاف قبل حذفه مفعولا معه، كقولك: "جاء زيد والشمس" والتقدير: جاء زيد وطلوع الشمس. ح- أن يكون المضاف قبل حذفه حالا، كما في المثل: "تفرقوا أيدي سبأ" والتقدير: تفرقوا مثل أيدي سبأ. ط- أن يكون المصاف قبل حذفه مجرورا بحرف جر، كقوله تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، والتقدير: تدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه. ي- أن يكون المضاف قبل الحذف مجرورا بإضافة شيء إليه، كقول النابغة: ولا يحول عطاء اليوم دون غد. ك- أن يكون المضاف قبل حذفه مفعولا لأجله، كقولك: "زرنا الشيخ فضله" والمراد: زرنا الشيخ ابتغاء فضله وهذا الموضع ذكره ابن الخباز. انظر المغني: ٨١١، أوضح المسالك: ٣/ ١٧٤-١٧٦. ١ ذلك لأن المضاف إليه بمنزلة الجزء من المضاف، فكما لا يفصل بين أجزاء الاسم، لا يفصل بينه وبين ما نزل منزلة الجزء منه؛ وهذا رأي البصريين، وهو رأي حسن؛ لأن الفصل بين المتضايفين يُبعد المعنى عن الذهن، ويحتاج إلى تفكير لفهمه، ولا بد من قرينة تدل على ذلك، ومما جاء من الفصل بين المتضايفين في الشعر قول عمرو بن قميئة: لما رأت ساتيذما استعبرت لله در اليوم من لامها فـ"در" -في البيت- مضاف إلى "من لامها"، وقد فصل بينهما بالظرف اليوم و"ساتيذما" اسم جبل، استعبرت: بكت. انظر التصريح: ٢/ ٥٧، سيبويه: ١/ ٩٠. ٢ وضابطها أن يكون المضاف؛ إما اسما يشبه الفعل والفاصل بينهما معمول للمضاف منصوب، أو اسما لا يشبه الفعل والفاصل القسم.
[ ٣ / ١٥١ ]
[المسائل التي يجوز الفصل فيها في سعة الكلام]:
إحداها: أن يكون المضاف مصدرا والمضاف إليه فاعله، والفاصل إما مفعوله؛ كقراءة ابن عامر١: "قتلُ أولادَهم شركائِهم"٢، وقول الشاعر٣: [الطويل]
٣٥٣- فسقناهم سوق البغاث الأجادل٤
_________________
(١) ١ مرت ترجمته. ٢ ٦ سورة الأنعام، الآية: ١٣٧. أوجه القراءات: قرأ ابن عامر: "زُين لكثيٍر قتلُ أولادَهم شركائهم"، وقرأ الجمهور: ﴿زَيَّنَ﴾ بفتح الزاي والياء؛ وروي -أيضا- عن ابن عامر أنه قرأ: "زُين" بضم الزاي، ورفع "قتل"، وخفض "الأولاد"؛ فيصير الشركاء اسما للأولاد؛ لمشاركتهم الآباء في النسب والميراث والدين. انظر البحر المحيط: ٤/ ٢٢٩، وإعراب القرآن، للنحاس، وتفسير القرطبي: ٧/ ٩١-٩٢. أوجه القراءات: من قرأ "زُين" بالبناء للمجهول، ورفع "قتل" على أنه نائب فاعل، ورفع "شركاء" حملا على المعنى، كأنه قيل: من زينه لهم؟ قيل: شركاؤهم؛ وأضيفت "الشركاء" إليهم؛ لأنهم هم استخرقوها وجعلوها شركاء الله؛ تعالى الله عن ذلك؛ فباستخراقهم لها أضيفت إليهم. ومن قرأ هذه القراءة، ونصب "الأولاد" وخفض الشركاء بإضافة القتل إليهم؛ فهي قراءة بعيدة لما سيأتي. موطن الشاهد: "قتلُ أولادَهم شركائِهم". وجه الاستشهاد: رفع "قتلُ" على أنه نائب فاعل، لـ"زُين" وجر "شركائهم" على إضافة "قتل" إليه، من إضافة المصدر إلى فاعله، باعتبار أمرهم به، ونصب "أولادهم" على أنه مفعول به؛ وقد فصل بين المتضايفين؛ وقال بعضهم: والفصل في هذا حسن. التصريح: ٢/ ٥٧. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: عتوا إذ أجبناهم إلى السلم رأفة. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٧، والأشموني: ٦٥٥/ ٢/ ٣٢٧، والعيني: ٣/ ٤٦٥. المفردات الغريبة: عتوا: من العتو، وهو مجاوزة الحد. السلم "بكسر السين =
[ ٣ / ١٥٢ ]
وإما ظرفه؛ كقول بعضهم: "ترك يوما نفسك وهواها"١.
_________________
(١) = وفتحها": الصلح: البغاث "بفتح الباء بزنة السحاب وبكسرها بزنة الكتاب وبضمها بزنة الغراب": طائر ضعيف يصاد ولا يصيد ولا نفع له. الأجادل: جمع أجدل، وهو الصقر. المعنى: أن أعداءنا تكبروا، وطغوا، وأفسدوا، لما رحمناهم وسالمناهم وصالحناهم رأفة بهم، ولما بدر منهم ذلك لم نر بدا من أن نطاردهم ونأخذهم بالقسوة والشدة، فسقناهم أمامنا كما تسوق كواسر الطير -الأجادل- الطيور الضعيفة كالبغاث منها. الإعراب: عتوا: عتا: فعل ماض، مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. "إذ": متعلق بـ"عتوا"، ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب. أجبناهم: فعل ماضٍ مبني على السكون، و"نا" ضمير متصل في محل رفع فاعل، و"هم": ضمير متصل في محل نصب مفعول به؛ وجملة "أجبناهم": في محل جر بالإضافة: "إلى السلم": متعلق بـ"أجاب". رأفة: مفعول لأجله منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره. فسقناهم: الفاء عاطفة، ساقه: فعل ماض، و"نا" فاعله، و"هم" مفعوله. سوق: مفعول مطلق، مبين للنوع منصوب بـ"ساق"، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف. الأجادل: مضاف إليه مجرور من إضافة المصدر إلى فاعله. البغاث: مفعول به للمصدر سوق؛ وقد فصل بهذا المفعول بين المصدر "سوق"، وفاعله "الأجادل". موطن الشاهد: "سوق البغاث الأجادل". وجه الاستشهاد: الفصل بين المضاف "سوق"، والمضاف إليه "الأجادل" فاعل المصدر بالمفعول "البغاث" لأن التقدير: سوق الأجادل البغاث، ومثل هذا البيت قول الشاعر: "ترك يوما نفسك وهواها سعي لها في رداها" فقوله: "زد" مصدر أضيف على فاعله "أبي مزاده"، وقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بمفعول المصدر "القلوص". ١ نصيحة نثرية، وهي بتمامها: "ترك يوما نفسك وهواها سعي لها في رداها" ترك: مصدر مبتدأ. يوما: ظرف منصوب به، وقد فصله من المضاف إليه، وهو نفسك الواقع فاعلا للمصدر، ومفعوله محذوف. وهواها: مفعول معه، أي: ترك نفسك شأنها يوما مع هواها. سعي: خبر المبتدأ. ويجوز أن يكون المصدر مضافا إلى مفعوله والفاعل محذوف، أي: تركك نفسك.
[ ٣ / ١٥٣ ]
الثانية: أن يكون المضاف وصفا١، والمضاف إليه إما مفعوله٢ الأول، والفاصل مفعوله الثاني؛ كقراءة بعضهم: "فلا تحسبن الله مخلف وعدَه رسلِه"٣، وقول الشاعر٤: [الكامل]
٣٥٤- وسواك مانع فضله المحتاج٥
_________________
(١) ١ اسم فاعل بمعنى الحال، أو الاستقبال. ٢ لم يأت المصنف لـ"إما" هذه بمقابل، والصواب تأخيرها بعد كلمة "الفاصل"؛ لأن التنويع فيه، وأن يقول: والفاصل إما مفعوله الثاني؛ لأنه قد عادل ذلك؛ بقوله: أو ظرفه. ٣ ١٤ سورة إبراهيم، الآية: ٤٧. موطن الشاهد: "مخلف وعدَه رسلِه". وجه الاستشهاد: وقوع "مخلف" اسم فاعل متعدٍّ لاثنين، وهو مضاف، و"رسله" مضاف إليه، من إضافة الوصف إلى مفعوله الأول، و"وعده" مفعوله الثاني؛ وفصل به بين المضاف والمضاف إليه؛ والأصل: فلا تحسبن الله مخلف رسله وعده. انظر التصريح: ٢/ ٥٨. ٤ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: ما زال يوقن من يؤمك بالغنى وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٨، والأشموني: ٦٥٨/ ٢/ ٣٢٧، والعيني: ٣/ ٤٦٩. المفردات الغريبة: يوقن: يعلم علما لا شك فيه. يؤمك: يقصدك. المحتاج: الذي به حاجة إلى غيره. المعنى: أن من يقصدك طالبا معروفك ونداك يعلم علما لا يخالطه شك أنك ستغنيه وتجيب سؤله، وأما غيرك فيمنع المحتاجين فضله ووفرة ماله. الإعراب: ما زال: ما: نافية، زال: فعل ماضٍ ناقص. يوقن: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو يعود إلى اسم زال المتأخر، وجملة "يوقن": في محل نصب خبر "زال" تقدم على اسمه. من: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع اسم "زال" تأخر عن الخبر. يؤمك: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو، والكاف: ضمير متصل مبني على الفتح في محل نصب مفعولا به، وجملة "يؤمك": صلة للموصول لا محل لها من الإعراب. بالغنى: متعلق بـ"يوقن". وسواك: الواو عاطفة، سوى: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة =
[ ٣ / ١٥٤ ]
أو ظرفه؛ كقوله ﵊: "هل أنتم تاركو لي صاحبي" ١، وقول الشاعر٢: [الطويل]
٣٥٥- كناحت يوما صخرة بعسيل٣
_________________
(١) = المقدرة على الألف للتعذر، وهو مضاف، والكاف في محل جر مضاف إليه. مانع: خبر مرفوع، وهو مضاف. المحتاج: مضاف إليه. فضله: مفعول به لمانع، وهو مضاف، والهاء: في محل جر مضاف إليه. موطن الشاهد: "مانع فضله المحتاج". وجه الاستشهاد: مجيء مانع اسم فاعل من فعل "منع" الذي يتعدى إلى مفعولين، وقد اضاف الشاعر هذا العامل إلى مفعوله الأول "المحتاج"؛ وفصل بينهما بالمفعول الثاني "فضله"؛ لأن الأصل: وسواك مانع المحتاج فضله. ١ هذا جزء من حديث شريف رواه أبو الدرداء، قاله الرسول ﷺ حين وقع خلاف بين أبي بكر وبعض الصحابة؛ فغضب النبي ﷺ وقال: "فهل أنتم تاركو لي صاحبي". والحديث أخرجه البخاري: ٧/ ١٨، وجامع الأصول: ٨/ ٥٩٢ برواية "تاركون". موطن الشاهد: "تاركو لي صاحبي". وجه الاستشهاد: وقوع "تاركو" -جمع تارك- اسم فاعل من "ترك"، وهو مضاف إلى مفعوله "صاحبي"؛ بدليل حذف النون من "تاركو"، و"لي": جار ومجرور متعلق بـ"تاركو"، وقد فصل به بين المضاف والمضاف إليه؛ لأن الأصل: هل أنتم تاركون صاحبي لي. انظر التصريح: ٢/ ٥٨. ٢ لو يُنسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: فرشني بخير لا أكونن ومدحتي وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٨، والأشموني: ٦٥٩/ ٢/ ٣٢٨، والعيني: ٣/ ٤٨١، والهمع: ٢/ ٥٢، والدرر: ٢/ ٦٦، واللسان "عسل". المفردات الغريبة: رشني: فعل أمر: من راش السهم، ألزق عليه الريش لتقويته، والمراد: قوني وأصلح شأني. بعسيل، العسيل: مكنسة العطار التي يجمع بها العطر. المعنى: يخاطب الشاعر من يستجديه، ويطلب عونه قائلا: قوني وأصلح لي شأني، ولا تبخل علي وتخيب آمالي فيك، حتى لا أكون في مدحي لك، وثنائي عليك كمن ينحت الصخر بمكنسة العطار؛ والمراد أن جودة شعره في مدحه لم تؤثر فيه. الإعراب: فرشني: الفاء استئنافية، رش: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير =
[ ٣ / ١٥٥ ]
الثالثة: أن يكون الفاصل قسما؛ كقولك: "هذا غلام والله زيد"١.
[المسائل التي تختص بالشعر]:
والأربع الباقية تختص بالشعر:
إحداها: الفصل بالأجنبي، ونعني به معمول غيره المضاف؛ فاعلا كان؛ كقوله٢: [المنسرح]
_________________
(١) = مستتر وجوبا تقديره: أنت، والنون للوقاية، والياء: مفعول به. "بخير": متعلق بـ"رش". لا أكونن: لا: نافية، أكونن: فعل مضارع ناقص، مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، والنون: لا محل لها من الإعراب، واسم أكون ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره "أنا". ومدحتي: الواو واو المعية، مدحة: مفعول معه منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، و"مدحة" مضاف و"ياء المتكلم" مضاف إليه. "كناحت": متعلق بمحذوف خبر أكون، و"ناحت" مضاف، و"صخرة" مضاف إليه مجرور من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله. "يوما" متعلق بـ"ناحت"، وقد فصل بالظرف بين المضاف "ناحت" والمضاف إليه "صخرة". "بعسيل": متعلق بـ"ناحت". موطن الشاهد: "كناحت يوما صخرة". وجه الاستشهاد: مجيء "ناحت" اسم فاعل مضاف إلى مفعوله "صخرة"، وقد فصل بينما بالظرف "يوما" كما بينا في الإعراب. ١ بجر "زيد" بإضافة "غلام" إليه. وقد ذكر الكسائي عن العرب أنهم يقولون ذلك. وحكى أبو عبيده عن العرب قولهم: إن الشاة لتجتر فتسمع صوت والله ربها. ومن مواضع الفصل اختيارا، وزاده ابن مالك في الكفاية؛ الفصل بـ"إما" كقول تأبط شرا: هما خطتا إما إسار ومنة وإما دم والقتل بالحر أجدر أي: هما خطتا إسار. وقد حذفت نون المثنى المضاف وفصل بينهما بإما. والخطة: الحالة والطريقة. وإسار: أي: أسر ووقوع في يد العدو. ومنة: أي: امتنان وعفو بإطلاق السراح. أي: أن الخطتين المعلومتين من السياق، هما: خطتا أسر وامتنان إن رأيتم العفو، أو قتل وهو أولى بالحر، وهذا تهكم واستهزاء. وقد حكى ابن الأنباري: هذا غلام إن شاء الله أخيك، ففصل بإن شاء الله. هذا: ويشترط في الفصل مطلقا: ألا يكون المضاف إليه ضميرا؛ لأنه لا يفصل من عامله. الأشموني: ٢/ ٣٢٨-٣٢٩، والتصريح: ٢/ ٥٨، والإنصاف. ٢ القائل: هو الأعشى ميمون بن قيس، وقد مرت ترجمته.
[ ٣ / ١٥٦ ]
٣٥٦- أنجب أيام والده به إذ نجلاه فنعم ما نجلا١
أو مفعولا؛ كقوله١: [البسيط]
٣٥٧- تسقي امتياحا ندى المسواك ريقتها٢
أي: تسقي ندى ريقتها المسواك.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة في مدح سلامة ذا فائش الحميري، هو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٨، والأشموني: ٦٦١/ ٢/ ٣٢٨، والمحتسب: ١/ ١٥٢، وأسرار البلاغة: ٣٨٠، ومعاهد التنصيص: ١/ ٢٥٣، وديوان الأعشى: ١٥٧. المفردات الغريبة: أنجب: من أنجب الرجل -ولد ولدا نجيبا. نجلاه: ولداه. المعنى: أن والدي هذا المولود أتيا بولد نجيب حين ولداه، فنعم المولود الذي أنجباه. الإعراب: أنجب: فعل ماضٍ مبني على الفتح. "أيام": متعلق بـ"أنجب" منصوب. والداه: فاعل مرفوع، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه. "به": متعلق بـ"أنجب". إذ: ظرف زمان مضاف إليه لأيام؛ من إضافة العام إلى الخاص وقد فصل بينهما بأجنبي من المضاف، وهو "والداه" الواقع فاعلا لأنجب. نجلاه: فعل ماضٍ مبني على الفتح، وألف الاثنين في محل رفع فاعل والهاء في محل نصب مفعولا به، وجملة "نجلاه" في محل جر بالإضافة بعد "إذ". فنعم: نعم: فعل ماضٍ لإنشاء المدح، ما: اسم موصول في محل رفع فاعل نعم. نجلا: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والألف في محل رفع فاعل، وجملة "نجلا": صلة للموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد إلى الاسم الموصول ضمير منصور بـ"نجلا" محذوف، وتقدير الكلام: فنعم الذي نجلا؛ وهذا هو الوجه الأرجح. موطن الشاهد: "أنجب أيام والداه به إذ نجلا". وجه الاستشهاد: الفصل بين المضاف "أيام"، والمضاف إليه "إذ نجلا"؛ حيث إن "إذ" ظرف زمان أضيف إلى أيام، والفاصل بينهما أجنبي ليس معمولا للمضاف، وهذا الفاصل "والداه" فاعل أنجب، ولا علاقة له بالمضاف؛ لأن أصل البيت أنجب والده به أيام إذ نجلاه فنعم ما نجلا؛ وفي البيت أيضا فصل بالجار والمجرور "به"؛ وهذا يدل على جواز الفصل بأكثر من معمول أجنبي للضرورة. ١ القائل هو: جرير بن عطية، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: كما تضمن ماء المزنة الرصف =
[ ٣ / ١٥٧ ]
أو ظرفا؛ كقوله١: [الوافر]
_________________
(١) = والبيت من قصيدة يمدح فيها يزيد بن عبد الملك بن مروان ويذم آل المهلب، وقبله قوله: ما ستوصف الناس عن شيء يروقهم إلا أرى أم عمرو فوق ما وصفوا كأنهم مزنة غراء واضحة أو درة لا يواري ضوءها الصدف والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٨، والأشموني: ٦٦٢/ ٢/ ٣٢٨، والعيني: ٣/ ٣٧٤، والهمع: ٢/ ٥٢، والدرر: ٢/ ٦٦، وديوان جرير: ٣٨٦. المفردات الغريبة: امتياحا: مصدر امتاح، أي غرف الماء، والمراد هنا الاستياك. الندى: البلل. المسواك: العود الذي يستاك به. ريقتها؛ الريقة: الرضاب، وهو ماء الفم. المزنة: السحابة البيضاء. الرصف: الحجارة المرصوفة، والمفرد رصفة. المعنى: أن أم عمرو تسقي من رضاب فمها المسواك الذي تستاك به فيشتمل على ريقها العذب الصافي كما تشتمل الحجارة المرصوفة على ماء المطر الصافي، ذلك أن الماء المتراكم فوق هذه الحجارة أصفى وأنقى ما يعرف العرب من الماء. الإعراب: تسقي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء؛ للثقل، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هي يعود إلى أم عمرو. امتياحا: مصدر نائب عن ظرف الزمان؛ أي: وقت امتياحها، أو حال مؤولة بمشتق؛ أي: ممتاحة، والتقدير: حال كونها ممتاحة: أي: مستاكة. ندى: مفعول به ثان لـ"تستقي" تقدم على المفعول الأول منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، وهو مضاف. ريقتها: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف، و"ها" في محل جر بالإضافة. المسواك: مفعول به أول لـ"تسقي"، وقد فصل به بين المضاف "ندى"، والمضاف إليه "ريقتها"؛ لأن أصل الكلام تسقي أم عمرو المسواك ندى ريقها. كما: الكاف حرف جر، ما: مصدرية. تضمن: فعل ماضٍ مبني على الفتح. ماء: مفعول به منصوب وهو مضاف. المزنة: مضاف إليه مجرور. الرصف: فاعل مرفوع؛ والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه": في محل جر بحرف الجر؛ والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا لـ"تسقي"، وتقدير الكلام تسقي أم عمرو المسواك ندى ريقتها سقيا مشابها لتضمن الرصف ماء المزنة. موطن الشاهد: "ندى المسواك ريقتها". وجه الاستشهاد: فصل الشاعر بين المضاف "ندى"، والمضاف إليه "ريقتها" بـ"المسواك"، وهو مفعول "تسقي"، ومعلوم أنه أجنبي غير معمول للمضاف. ١ القائل: هو أبو حية النميري، واسمه: الهيثم بن الربيع بن زرارة: شاعر مجيد وراجز =
[ ٣ / ١٥٨ ]
٣٥٨- كما خط الكتاب بكف يوما يهودي يقارب أو يزيل١
الثانية: الفصل بفاعل المضاف؛ كقوله٢: [الرجز]
٣٥٩- ولا عدمنا فهر وجد صب٣
_________________
(١) = فصيح من أهل البصرة، ومن مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، كان أهوج جبانا كذابا، توفي سنة: ١٨٣هـ. تجريد الأغاني: ٤/ ١٧٥٨، الشعر والشعراء: ٢/ ٧٧٤، والأغاني: ١٥/ ٦١، والخزانة: ٤/ ٢٨٣. ١ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٩، والأشموني: ٦٦٣/ ٢/ ٣٢٨، وابن عقيل: ٢٤/ ٣/ ٨٣، وسيبويه: ١/ ٩١، والمقتضب: ١/ ٢٣٧، ٤/ ٣٧٧، والإنصاف: ١/ ٤٣٢، وشرح المفصل: ١/ ١٠٣، ٢/ ٢٥٠. والعيني: ٣/ ٤٧٠، والهمع: ٢/ ٥٢، والدرر: ٢/ ٦٦. المفردات الغريبة: يقارب: يجعل بعض الكتابة قريبا من بعض. يزيل: يفرق ويباعد بينها. المعنى: أن رسم هذه الدار محكم منسق على حسب المواقع، كخط الكتاب الذي يكتبه يهودي ماهر، فيدني بعض الكتابة من بعضها أحيانا، ويباعد بينها أحيانا أخرى تبعا لما يتطلبه الرونق والجمال؛ وخص اليهودي؛ لأنه من أهل الكتاب فيما يعرف العرب. الإعراب: كما: الكاف حرف تشبيه وجر، وما: مصدرية لا محل لها من الإعراب. خط: فعل ماضٍ مبني للمجهول. الكتاب: نائب فاعل مرفوع. "بكف": متعلق بـ"خط". "يوما": متعلق بـ"خط"؛ وكف مضاف. يهودي: مضاف إليه مجرور. يقارب: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. وجملة "يقارب": في محل جر صفة لـ"يهودي"، أو: حرف عطف مبني على السكون، لا محل له من الإعراب. يزيل: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو؛ وجملة "يزيل": معطوفة على جملة "يقارب": في محل جر. موطن الشاهد: "بكف يوما يهودي". وجه الاستشهاد: الفصل بالظرف يوما بين المضاف "بكف"، والمضاف إليه "يهودي"؛ ومعلوم أن هذا الظرف أجنبي من المضاف؛ لأنه لم يتعلق به، وهو ظرف لقوله "خط"؛ وأصل الكلام: كما خط الكتاب يوما بكف يهودي. ٢ لم ينسب هذا الرجز إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: ما إن رأينا للهوى من طب =
[ ٣ / ١٥٩ ]
ويحتمل أن يكون منه أو من الفصل بالمفعول قوله١: [الوافر]
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٩، والأشموني: ٦٦٨/ ٢/ ٣٢٩، والعيني: ٣/ ٤٨٢، والهمع: ٢/ ٥٣، والدرر: ٢/ ٦٧. المفردات الغريبة: الهوى: العشق، أو محبة الإنسان الزائدة للشيء. طب: علاج الجسم والنفس. عدمنا: فقدنا. قهر: غلبة. وجد: شدة الشوق والحب. صب: من الصبابة؛ وهي رقة الشوق وجراءته. المعنى: لم يجد من برح به العشق علاجا ينفع ويشفي؛ إذ كثيرا ما يغلب الحب والشوق على لعاشق، فيملك عليه نفسه وقلبه، ويقوده إلى حتفه. الإعراب: ما إن: ما نافية مهملة، إن: حرف زائد، لا محل له من الإعراب. راينا: فعل ماضٍ مبني على السكون، و"نا": ضمير متصل في محل رفع فاعل. "للهوى": متعلق بمحذوف واقع مفعولا ثانيا لـ"رأى"، تقدم على مفعوله الأول، والتقدير: ما رأينا علاجا نافعا للهوى. من: حرف جر زائد. طب: اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به أول لـ"رأى". ولا: الواو: عاطفة، لا: حرف زائد لتأكيد النفي. عدمنا: فعل ماضي مبني على السكون، و"نا": ضمير متصل في محل رفع فاعل. قهر: مفعول به منصوب، وهو مضاف. صب: مضاف إليه مجرور؛ من إضافة المصدر لمفعوله؛ وقوله: "وجد": فاعل لـ"قهر"؛ وقد فصل به بين المضاف، والمضاف إليه كما سنرى في وجه الاستشهاد. موطن الشاهد: "قهر وجد صب". وجه الاستشهاد: الفصل بين المضاف "قهر"، والمضاف إليه "صب" بفاعل المضاف "وجد"؛ لأنه فاعل المصدر "قهر". فائدة: يلاحظ في المسألة الأولى من مسائل الجواز في السعة جواز الفصل بين المصدر المضاف، وفاعله بالمفعول، كما في قوله تعالى: "قتل أولادهم شركائهم"، ونلحظ -هنا- امتناع إضافة المصدر إلى مفعوله، والفصل بالفاعل في السعة فما الفرق مع أنه معلوم جواز إضافة المصدر إلى فاعله، ومفعوله على حد سواء؟ ولعل السبب في ذلك هو أن إضافة المصدر إلى المفعول مع ذكر الفاعل فيه خلاف بين النحاة، حتى منعه بعضهم، على أن المعول عليه هو السماع. ١ هو: الأحوص؛ محمد بن عبد بن عاصم بن ثابت الأوسي، وعاصم من الأنصار وهو حمي الدبر، والأحوص شاعر هجاء، وصاحب نسب من طبقة جميل بن معمر، سمي الأحوص؛ لضيق في مؤخر عينه، توفي سنة ١٠٥هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٥١٨، والجمحي: ١/ ١٣٧، والأغاني: ٤/ ٤٠، والخزانة: ١/ ٢٣١.
[ ٣ / ١٦٠ ]
٣٦٠- فإن نكاحها مطر حرام١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: فإن يكن النكاح أحل شيء والبيت: من قصيدة للشاعر. وكان قد هوي امرأة وشبب بها، ثم زوجها أهلها رجلا اسمه مطرن وبعد الشاهد قوله: فلا غفر الإله لمنكحيها ذنوبهم وإن صلوا وصاموا والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٩، والأشموني: ٦٦٩/ ٢/ ٣٢٩، والعيني: ٣/ ٤٦٦، والمغني: ١١٣٢/ ٨٨١، والسيوطي: ٣٢٢. المفردات الغريبة: النكاح: الزواج. مطر: اسم رجل من أقبح الرجال، وزوجته من أجمل النساء، وكانت تريد فراقه وهو يأبى ذلك. وقيل: إن الأحوص كان يهواها ولكن أهلها زوجوها مطرا هذا. المعنى: والله لئن كان الزواج أحل شيء؛ فإن زواج مطر من تلك المرأة، يعد حراما؛ لأنه غير كفء لها؛ لقباحته مع جمالها. الإعراب: إن: حرف شرط جازم. يكن: فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون، وحرك بالكسر؛ لالتقاء الساكنين، وهو فعل مضارع ناقص. النكاح: اسم "يكن" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. أحل: خبر "يكن" منصوب، وهو مضاف. شيء: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة. فإن: الفاء واقعة في جواب الشرط، إن حرف مشبه بالفعل. نكاحها: اسم "إن" منصوب، وهو مضاف، و"ها": مضاف إليه؛ من إضافة المصدر إلى معموله؛ فإن رويت مطر بالرفع كان من إضافته المصدر إلى مفعوله؛ وإن رويت مطر بالنصب كانت من إضافة المصدر إلى فاعله؛ وأما إن رويت مطر بالجر، فإن "نكاح" لا يكون مضافا إلى الضمير، بل يكون مضافا إلى مطر، وتحتمل إضافته إلى مطر حينئذ الوجهين؛ فيحتمل أن يكون الضمير فاعل المصدر، إن اعتبرت "مطر" المجرور مفعول المصدر، ويحتمل أن تكون إضافته من إضافة المصدر إلى مفعوله، إذا عددت "مطر" المجرور فاعلا للمصدر: حرام: خبر إن مرفوع؛ وجملة "إن واسمها وخبرها": في محل جزم جواب الشرط. موطن الشاهد: "نكاحها مطر". وجه الاستشهاد: رُوي البيت برفع "مطر"، ونصبه وجره؛ فرواية الرفع على أن نكاحها مصدر أضيف إلى مفعوله ومطر فاعله؛ والتقدير: فإن نكاح مطر إياها. ورواية النصب على أن نكاحها مصدر مضاف إلى فاعله ومطر مفعوله؛ وأما رواية الجر -المرادة هنا- فعلى أن نكاح مصدر مضاف إلى مطر.
[ ٣ / ١٦١ ]
بدليل أنه يروى بنصب مطر وبرفعه؛ فالتقدير فإن نكاح مطر إياها أو هي.
والثالثة: الفصل بنعت المضاف؛ كقوله١: [الطويل]
٣٦١- من ابن أبي شيخ الأباطح طالب٢
_________________
(١) ١ القائل: هو معاية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية، وأحد دهاة العرب المشهورين فصيح اللسان عظيم الجسم حتى سماه عمر بن الخطاب كسرى العرب، أسلم يوم الفتح، وكان أحد كتاب النبي ﷺ كانت بينه وبين علي بن أبي طالب معارك وخلاف. مات سنة ٦٠هـ وقد بلغ الثمانين. الأعلام: ٧/ ٢٦١، ابن الأثير: ٤/ ٢، الطبري: ٢/ ١٨٠. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: نجوت وقد بل المرادي سيفه البيت قاله معاوية بعد أن نجا من ضربة الخارجي الذي أراد قتله، وكان قد قتل عبد الرحمن بن ملجم -لعنه الله- عليا بن أبي طالب، وقتل نائب عمرو بن العاص الذي شاء الله أن لا يخرج للصلاة تلك الليلة، والقصة مشهورة. والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٥٩، والأشموني: ٦٦٤/ ٢/ ٣٢٨، وابن عقيل: ٢٤١/ ٣/ ٨٤، والعيني: ٣/ ٤٧٨، والهمع: ٢/ ٥٢، والدرر: ٦٧. المفردات الغريبة: المرادي: نسبة إلى قبيلة مراد باليمن، والمراد ابن ملجم. الأباطح: جمع أبطح، وهو المكان الواسع ومسيل الماء فيه دقاق الحصى، والمراد مكة. وأراد بشيخها: أبا طالب؛ لأنه كان عظيما فيها. المعنى: تخلصت من القتل، وقد لطخ ابن ملجم -لعنه الله- سيفه بدم علي بن أبي طالب شيخ مكة وعظيمها. الإعراب: نجوت: فعل ماض، والتاء فاعله. وقد: الواو: حالية، قد: حرف تحقيق. بل: فعل ماضٍ مبني على الفتح. المرادي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. سيفه: مفعول به منصوب، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه. من: حرف جر مبني على السكون وحرك بالفتح؛ لالتقاء الساكنين. ابن: اسم مجرور، و"من ابن": متعلق بـ"بل"، وابن مضاف، وأبي: مصاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الستة، وأبي: مضاف. طالب: مضاف إليه مجرور. شيخ الأباطح: شيخ: صفة لأبي طالب، وهو مضاف. والأباطح: مضاف إليه؛ ويمكن أن نعد "شيخ الأباطح" مركبا إضافيا، واقعا صفة لأبي طالب وتقدير الكلام؛ من ابن أبي طالب شيخ الأباطح. =
[ ٣ / ١٦٢ ]
الرابعة: الفصل بالنداء١؛ كقوله٢: [الرجز]
٣٦٢- كأن برذون أبا عصام زيد حمار دق باللجام٣
أي: كأن برذون زيد يا أبا عصام.
_________________
(١) = موطن الشاهد: "أبي شيخ الأباطح طالب". وجه الاستشهاد: الفصل بين المضاف "أبي"، والمضاف إليه "طالب" بصفة المضاف "شيخ الأباطح"؛ لأن أصل الكلام: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح كما أسلفنا. ١ من هذا القبيل قول بجير بن زهير بن أبي سلمى المزني لأخيه كعب: وفاق كعب بجير منقذ لك من تعجيل تهلكة والخلد في سفر فإن قوله: "وفاق" مضاف إلى "بجير"، وقد فصل بينهما بالمنادى، وأصل نظم الكلام: وفاق بجير يا كعب منقذ لك من تعجيل تهلكة. هذا: والنداء مما يكثر دوره في الكلام كالقسم، وقد فصلوا به بين الموصول وصلته كما في قول الفرزدق: تعش فإن عاهدتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان فقد فصل بين الموصول "من"، وصلته "يصطحبان" بالنداء "يا ذئب". وقد أجاز جماعة من النحاة الفصل بين إذن الناصبة، والفعل المضارع بالنداء، فكان من حق الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالنداء أن يكون جائزا في سعة الكلام كالفصل بالقسم؛ لأنهما بمنزلة واحدة، ولكن النحاة جعلوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالقسم جائزا في السعة، والفصل بالنداء مقصورا على ضرورة الشعر، وذلك لأنهم وجدوا في كلام العرب المنثور الفصل بالقسم كعبارة الكسائي، وعبارة أبي عبيدة، ولم يجدوا مثل هذا في الفصل بالنداء، فوقفوا عند السماع؛ لأنه هو الأساس في كل ما أصلوه من قواعد. حاشية الصبان على شرح الأشموني: ٣/ ٢٧٩. ٢ لم يُنسب إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز أو بيتان من مشطوره، وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٠، والأشموني: ٦٦٥/ ٢/ ٣٢٩، وابن عقيل: ٢٤٤/ ٣/ ٨٦، والخصائص: ٢/ ٤٠٤، والعيني: ٣/ ٥٨٠، والهمع: ٢/ ٥٣، والدرر: ٢/ ٦٧. المفردات الغريبة: برذون: البرذون من الخيل: ما ليس بعربي. أبا عصام: كنية رجل. دق: من الدقة، ضد غلظ. المعنى: أن برذون زيد -يا أبا عصام- غير أصيل، وهو هزيل مثل حمار ضعف وهزل بسبب اللجام. الإعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل. برذون: اسم كأن منصوب. أبا: منادى مضاف =
[ ٣ / ١٦٣ ]
[أحكام المضاف إلى ياء المتكلم]:
فصل: في أحكام المضاف للياء.
يجب كسر آخره١ كغلامي، ويجوز فتح الياء وإسكانها٢.
[ما يستثنى من كسر الآخر]:
ويستثنى من هذين الحكمين أربع مسائل؛ وهي: المقصور كفتى وقذى، والمنقوص كرامٍ وقاضٍ، والمثنى كابنين وغلامين، وجمع المذكر السالم كزيدِينَ ومسلمِينَ٣.
فهذه الأربعة: آخرها واجب السكون؛ والياء معها واجبة الفتح٤، وندر
_________________
(١) = بحرف نداء محذوف منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة، وأبا مضاف. عصام: مضاف إليه مجرور. برذون: مضاف، وزيد: مضاف إليه. حمار: خبر كأن مرفوع. دق: فعل ماضٍ مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. "باللجام": متعلق بـ"دق"؛ وجملة "دق": في محل رفع صفة لـ"حمار". موطن الشاهد: "برذون أبا عصام زيد". وجه الاستشهاد: الفصل بين المضاف "برذون"، والمضاف إليه "زيد" بالنداء "أبا عصام"؛ ويجوز أن يكون "أبا عصام" هو زيد، وعلى هذا يكون برذون مضافا إلى "أبا عصام" على لغة القصر، ويكون زيد بالجر بدلا منه، ولا شاهد في البيت حينئذ. ١ أي آخر المضاف، وذلك لمناسبة الياء؛ سواء كان صحيحا كما مثل المصنف أو شبيها به وهو: ما آخره واو أو ياء قبلها ساكن، كدلوي وظبي. ٢ والإسكان هو الأصل، وتكون مبنية على السكون أو الفتح في محل جر، وقد تحذف الياء اكتفاء بالكسرة قبلها، وقد تقلب الياء مع فتح ما قبلها كغلاما، وقد تحذف الألف اكتفاء بالفتحة، وتختص هذه الأوجه بالإضافة المحضة لا بالنداء كما في التسهيل، أما في غريها فلا حذف ولا قلب. كمكرمي؛ لأنها في نية الانفصال فليست الياء كجزء من الكلمة. التصريح: ٢/ ٦٠. ٣ لأن آخر المقصور والمثنى المرفوع ألف، وآخر المنقوص والمثنى المجرور والمنصوب، وجمع المذكر مطلقا ياء مدغمة في ياء المتكلم، والألف والحرف المدغم لا يقبلان التحريك. ٤ وذلك للتخلص من التقاء الساكنين.
[ ٣ / ١٦٤ ]
إسكانها بعد الألف في قراءة نافع١: "ومحيايْ"٢، وكسرها بعدها في قراءة الأعمش٣ والحسن٤: "هي عصايِ"٥؛ وهو مطرد في لغة بني يربوع٦ في الياء المضاف إليها جمع المذكر السالم؛ وعليه قراءة حمزة٧ "بمصرخيِّ إني"٨.
_________________
(١) ١ مرت ترجمته. ٢ ٦ سورة الأنعام، الآية: ١٦٢. أوجه القراءات قرأ نافع وورش وقالون وأبو جعفر: "محيايْ" بإسكان الياء؛ وقرأ عيسى بن عمر والجحدري: محييَّ"؛ وقرأ الجمهور: "محيايَ" بالفتح بعد الألف. البحر المحيط: ٤/ ٢٦٢، والحجة: ٢٧٩. موطن الشاهد: "محيايْ". وجه الاستشهاد: وقوع "الياء" ساكنة -على هذه القراءة- وذلك نادر؛ لأنه يلزم -عليها- التقاء ساكنين على غير حده الجائز. ٣ هو: أبو محمد؛ سليمان بن مهران بن الأعمش، الأسدي الكوفي، أحد أصحاب القراءات الشاذة بعد العشرة، أخذ القراءة عن عاصم ومجاهد وغيرهما، وكان حافظا ثبتا واسع العلم بالقراءة، ورعا ناسكا يتجنب الاتصال بأصحاب السلطان، وكان يسمى "المصحف" لشدة إتقانه وضبطه. قال عنه هشام: ما رأيت بالكوفة أحدا أقرأ منه لكتاب الله، وكان مع هذا صاحب نوادر وملح، توفي سنة ١٤٨هـ. طبقات القراء: ١/ ٣١٥، تذكرة الحفاظ: ١/ ١٥٤، وفيات الأعيان: ٢/ ٤٠٠. ٤ هو الحسن البصري، وقد مرت ترجمته. ٥ ٢٠ سورة طه، الآية: ١٨. أوجه القراءات: قرأ الأعمش والحسن البصري: "هي عصايِ" بكسر الياء بعد الألف على أصل التقاء الساكنين، وقرأ الجمهور: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ بفتح الياء. موطن الشاهد: "عصايِ". وجه الاستشهاد: كسر الياء بعد الألف؛ وحكم هذا الكسر نادر. ٦ حي من تميم، رأسه يربوع بن حنظلة بن مالك، وشاعرهم الأغلب العجلي، ومنهم متمم بن نويرة الصحابي. ٧ مرت ترجمته في الجزء الأول. ٨ ١٤ سورة إبراهيم، الآية: ٢٢. أوجه القراءات: قرأ حمزة والأعمش ويحيى بن وثاب: "ما أنتم بمصرخيِّ إني" بكسر الياء في الوصل؛ ولذا، أعقبه بـ"إني"؛ وقرأ الجمهور: ﴿مَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ بفتح الياء في الوصل. =
[ ٣ / ١٦٥ ]
وتدغم ياء المنقوص، والمثنى، والمجموع في ياء الإضافة؛ كقاضيَّ١، ورأيت ابنيَّ، وزيديَّ٢، وتقلب واو الجمع ياء، ثم تدغم٣، كقوله٤: [الكامل]
٣٦٣- أودى بني وأعقبوني حسرة٥
_________________
(١) = موطن الشاهد: "بمصرخيِّ". وجه الاستشهاد: كسر الياء المضافة إلى جمع المذكر السالم في الوصل؛ وهذه اللغة حكاها الفراء وقطرب، وأجازها أبو عمرو بن العلاء؛ وبذلك يسقط كلام المعري في رسالته: "أجمع أصحاب العربية على كراهة قراءة حمزة "وما أنتم بمصرخيِّ" بالكسر. انظر شرح التصريح: ٢/ ٦٠. ١ رفعا ونصبا وجرا، ويعرب بحركات مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها سكون الإدغام. ٢ أصلهما: ابنين لي وزيدين لي، حذفت النون واللام للإضافة، ثم أدغمت الياء الساكنة في الياء الثانية التي هي المضاف إليه، وفتحت ياء المتكلم. ٣ أي تطبيقا للقاعدة الصرفية وهي: أنه إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وكسر ما قبلها إن لم يكن هنالك مانع، تقول: أنتم معاوني ضد العدو. وأصله معاونون لي. حذفت النون واللام للإضافة كما سبق. فصار معاونوي قلبت الواو ياء على القاعدة، وأدغمتا وكسر ما قبلهما للمناسبة، فهو مرفوع بالواو المنقلبة ياء. التصريح: ٢/ ٦٠-٦١. ٤ القائل هو: أبو ذؤيب الهذلي؛ خويلد بن خالد بن محرث، وقد مرت ترجمته. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: عند الرقاد وعبرة لا تقلع والبيت من قصيدة يرثي فيها أبناء له خمسة هلكوا جميعا في عام واحد، وتعد هذه المرثية في الذروة من شعر الرثاء ومطلع هذه القصيدة: أمن المنون وريبه نتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٦١، والأشموني: ٦٧٣/ ٢/ ٣٣١، والعيني: ٣/ ٤٩٨، والمفضليات للضبي: ٤٢١، وديوان الهذليين: ١/ ٢. المفردات الغريبة: أودي: هلك. أعقبوني: أورثوني وخلفوا لي. حسرة: حزنا مع ألم. عبرة: دمعا. الرقاد: النوم. لا تقلع: لا تذهب ولا تنقضي. =
[ ٣ / ١٦٦ ]
وإن كان قبلها ضمة؛ قلبت كسرة، كما في بنيَّ ومسلميَّ، أو فتحة؛ أبقيت كمصطفى، وتسلم ألف التثنية؛ كمسلماي، وأجازت هذيل١ في ألف المقصور قلبها ياء٢؛ كقوله٣: [الكامل]
٣٦٤- سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم٤
_________________
(١) = المعنى: هلك بني وتركوا لي حزنا مضنيا، وألما ممضا، ودموعا لا تنقطع؛ وخص الرقاد؛ لأنه مثار الهموم والأشجان. الإعراب: أودى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف. بني: فاعل مرفوع، وعلامة رفع الواو المنقلبة ياء المدغمة في يا المتكلم نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. وأعقبوني: الواو حرف عطف، أعقب فعل ماضٍ مبني على الضم؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو في محل رفع فاعل، والنون للوقاية، والياء في محل نصب مفعول به أول. حسرة: مفعول به ثانٍ. "عند": متعلق بـ"أعقب"، وهو مضاف. الرقاد: مضاف إليه مجرور. وعبرة: الواو: حرف عطف، عبرة: اسم معطوف على حسرة منصوب مثله. لا تقلع: لا: نافية، تقلع: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هي؛ يعود إلى عبرة، وجملة "لا تقلع": في محل نصب صفة لـ"عبرة". موطن الشاهد: "بنيَّ". وجه الاستشهاد: قلب واو الجمع ياء عند إضافته إلى ياء المتكلم وإدغامهما. وحكم هذا الإدغام جائز. ١ هذيل: بالتصغير؛ حي من مضر، وهو هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر أخو خزيمة بن مدركة؛ أمهما هند بنت وبرة أخت كلب بن وبرة. ٢ أي: لتكون عوضا عن الكسرة قبل الياء ثم يدغمونها في ياء المتكلم فيقولون: في هدى: هدي. وتكون في هذه الحالة معربة بالياء التي أصلها الألف بدلا من الحركات المقدرة على الألف، فهو مما ناب فيه حرف عن حركة. التصريح: ٢/ ٦١. ٣ القائل: هو أبو ذؤيب الهذلي أيضا وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: فتخرموا ولكل جنب مصرع وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٦١، والأشموني: ٦٧٤/ ٢/ ٣٣١، والعيني: ٣/ ٤٩٣، والمحتسب: ١/ ٧٦، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٨١، وشرح المفصل: =
[ ٣ / ١٦٧ ]
واتفق الجميع على ذلك١ في علي ولدي٢، ولا يختص بياء المتكلم، بل
_________________
(١) = ٣/ ٣٣، والمقرب: ٤٦، والهمع: ٢/ ٥٣، والدرر: ٢/ ٦٨، والمفضليات للضبي: ٤٢١، وديوان الهذليين: ١/ ٢. المفردات الغريبة: هوي: ما أهواه وأشتهيه. أعنقوا: أسرعوا؛ من العنق وهو السير السريع، والمراد: تبع بعضهم بعضا. فتخرموا: اخترمهم الموت واستأصلهم. مصرع: مكان يصرع ويطرح فيه. المعنى: مات أبنائي وسبقوني إلى ما كنت أحب وأشتهي، واستأصلهم الموت واحدا بعد واحد، ولكل إنسان أجله، ومكانه الي يوارى فيه جثمانه. الإعراب: سبقوا: فعل ماض، والواو في محل رفع فاعل. هوي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف المنقلبة ياء؛ لإدغامها في ياء المتكلم -على لغة هذيل- منع من ظهورها التعذر، وياء المتكلم: في محل جر بالإضافة. وأعنقوا: الواو: حرف عطف، أعنق: فعل ماض، والواو فاعله، "لهواهم": متعلق بـ"أعنق"، و"هم": في محل جر بالإضافة فتخرموا: الفاء: عاطفة، تخرموا: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والواو: في محل رفع نائب فاعل. ولكل: الواو: حالية "لكل": متعلق بخبر مقدم محذوف، و"كل" مضاف. جنب: مضاف إليه مجرور. مصرع: مبتدأ مؤخر مرفوع، وجملة "لكل جنب مصرع": في محل نصب إلى الحال. موطن الشاهد: "هوي". وجه الاستشهاد: قلب ألف المقصور في "هوى" ياء، على لغة هذيل، وإدغامها في ياء المتكلم؛ والأصل: هواي، ومعلوم أن العرب كافة يبقون ألف المقصور على حالها عند إضافته إلى الياء كما في قول الشاعر: هواي مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق غير أن هذيلا -كما أسلفنا- يقلبون الألف ياء، ويدغمونها في ياء المتكلم فيقولون في "فتاي"، و"عصاي": فتيَّ وعصيَّ، كما في رواية البيت، وحكى قوم هذه اللغة عن طيئ، وحكاها آخرون عن قريش، وبها قرأ الجحدري قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾، وهذا القلب جائز عند من ذكر. انظر شرح التصريح؛ ٢/ ٦١. ١ أي: على قلب الألف ياء مع ياء المتكلم. ٢ المراد "علا" الظرف، وهو لغة في "عل" بمعنى فوق، وكذلك "لدى" الظرف بمعنى عند. أما الحرفية لا تضاف. تنبيه: إذا أضيف "ابنم" لياء المتكلم جاز إبقاء ميمه الزائدة، وحذفها مع إسكان الياء وكسر ما قبلها في الحالتين تقول: ابنمي أو ابني. هذا: ويجوز زيادة هاء السكت الساكنة غالبا عند الوقوف على ياء المتكلم مع بناء الياء على الفتح كقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾، وقول السيدة عائشة: "أَبِيَهْ وما أَبِيَهْ".
[ ٣ / ١٦٨ ]
هو عام في كل ضمير؛ نحو: عليه ولديه، وعلينا ولدينا، وكذا الحكم في إليَّ.
[ ٣ / ١٦٩ ]
[باب إعمال المصدر واسم المصدر]
هذا باب إعمال المصدر، واسمه:
[تعريف المصدر واسم المصدر]:
الاسم الدال على مجرد الحدث إن كان علما، كـ"فجار" و"حماد" للفجرة والمحمدة، أو مبدوءا بميم زائدة لغير المفاعلة؛ كـ"مضرب" و"مقتل"، أو متجاوزا فعله الثلاثة؛ وهو بزنة اسم حدث الثلاثي؛ كـ"غسل" و"وضوء" في قولك: "اغتسل غسلا"، "توضأ وضوءا" فإنهما بزنة القرب والدخول في "قرب قربا" و"دخل دخولا"؛ فهو اسم مصدر، وإلا فالمصدر١.
[عمل المصدر عمل فعله وشروطه]:
ويعمل المصدر عمل فعله٢؛ إن كان يحل محله فعل؛ إما مع "أن"،
_________________
(١) ١ المصدر: هو الاسم الذي يدل -غالبا- على الحدث المجرد من غير ارتباط بزمان، أو مكان، أو بذات، أو بعلمية. ومدلوله الحقيقي: أمر معنوي محض، يدل عليه اللفظ المعروف، وتسميته مصدرا مجاز. ولا بد من ناحيته اللفظية أن يشتمل على جميع الحروف الأصلية والزائدة في فعله لفظا؛ أو تقديرا، وقد يزيد عنها كأكرمه إكراما، ولا يمكن أن ينقص. أما اسم المصدر فهو كالمصدر في معناه؛ من حيث دلالته على الحدث المجرد، ويكون علم جنس كما ذكر الموضح ويخالفه في لفظه بنقص حروفه عن حروف فعله. وما ذكره المصنف من اعتباره المبدوء بميم زائدة لغير المفاعلة -اسم مصدر- مجانب لما عليه جمهور النحاة: من أن هذا يسمى مصدرا ميميا لا اسم مصدر. التصريح: ٢/ ٦٢. ٢ سواء كان متعديا أو لازما. ويخالف المصدر فعله في أمور؛ أهمها: أن المصدر لا يعمل إلا بشروط سنمر عليها، وأن فاعله يكثر حذفه جوازا، وعند حذفه لا يتحمل المصدر ضميره إلا إذا كان مصدرا نائبا عن فعله؛ وفي رفعه نائب الفاعل خلاف، =
[ ٣ / ١٧٠ ]
كـ"عجبت من ضربك زيدا أمس" و"يعجبني ضربك زيدا غدا"؛ أي: أن ضربته وأن تضربه، وإما مع "ما" كـ"يعجبني ضربك زيدا الآن"؛ أي: ما تضربه، ولا يجوز في نحو: "ضربت ضربا زيدا" كون "زيدا" منصوبا بالمصدر؛ لانتفاء هذا الشرط١.
_________________
(١) = والمختار جوازه عند أمن اللبس بخلاف الفعل فإنه يعمل وجوبا بلا شرط، ويحتمل ضمير مرفوعه المحذوف فاعلا كان أو نائب فاعل. فائدة: أولى: إذا أردت بالمصدر الدلالة على ثبوت ما يدل عليه من الحدث؛ فإنه حينئذ لا يصلح لأن حيل محله فعل، لا مع "ما" ولا مع "أن"؛ لأن طبيعة الفعل دالة على الحدوث وأنت لا ترده، وإن أردت بالمصدر الدلالة على حدوث ما يدل عليه من الحدث في الزمن الحاضر، كان عليك أن تقدره بـ"ما" المصدرية، وتقدر معها الفعل المضارع، أما تقديره: بـ"ما" المصدرية -حينئذ- فلأن "أن" المصدرية لا تصلح لهذا الموضع؛ لأنها مع الفعل الماضي تبقيه على حاله وهو الدلالة على حدوث الحدث في الزمن الماضي، ومع الفعل المضارع تخلصه للدلالة على الاستقبال، فلما لم يمكنك أن تقدر المصدر بـ"أن" في هذه الحالة لزمك أن تقدره بـ"ما"؛ لأنها صالحة للاستعمال في الأحوال كلها. وإن أردت بالمصدر الدلالة على حدوث الحدث في الزمن الماضي، أو في الزمن المستقبل فإنه يلزمك أن تقدره: بـ"أن" المصدرية، وتقدر مع "أن" حين تريد الزمن الماضي الفعل الماضي؛ لأنه هو الذي يدل على هذا الزمن، وعندما تريد الزمن المستقبل تقدر معها الفعل المضارع. فائدة ثانية: أن اشتراط صلاحية المصدر بأن يحل محله الفعل مع "أن"، أو مع "ما" المصدرية هو شرط في عمله في غير الظرف، أو الجار والمجرور، أما عمله فيهما فلا يشترط فيه شيء؛ لأنهما يكتفيان برائحة الفعل. فائدة ثالثة: اعلم أن المصدر المؤكد لفعله كما في قولك: "ضربت ضربا" لا يعمل؛ لأنه لا يحل محله فعل لا مع "ما" ولا مع "أن"؛ وقد اختلفوا في المصدر النائب عن فعله، فذهب ابن مالك في "التسهيل" إلى أنه يعمل، وذكر ابن هشام في "قطر الندى" أنه لا يعمل، فقولك: "ضربا زيدا"، "زيدا" منصوب بالمصدر عند ابن مالك، ومنصوب بالفعل المقدر عند ابن هشام. انظر التصريح: ٢/ ٦٢. ١ لأنه لا يصلح أن يحل محله فعل مع "أن" أو "ما"؛ وإنما نصب زيد بـ"ضربت"؛ لأن المصدر المؤكد لعامله المذكور لا يعمل كما سلف، وما ذكره المؤلف لعمل المصدر شرط الإيجاب لا بد من وجوده، وهناك شروط سلبية منها: =
[ ٣ / ١٧١ ]
[عمل المصدر المضاف]:
وعمل المصدر مصافا أكثر؛ نحو: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ ١، ومنونا أقيس؛ نحو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ ٢، وبأل
_________________
(١) = أ- ألا يكون المصدر مصغرا؛ لأن التصغير من خصائص الأسماء، وتصغير المصدر يبعده عن مشابهة الفعل، فلا يجوز أن تقول: "أميرك مطاع"، تريد أمرك. ب- ألا يكون المصدر مضمرا خلافا للكوفيين، حيث زعموا أن ضمير المصدر كالمصدر فلا يجوز أن تقول: "حبي والدي عظيم وهو أمي أعظم"، فلا يجوز أن تنصب "أمي" بـ"هو" وإن كان هذا الضمير عائدا على "حبي". ح- أن لا يكون المصدر مختوما بالتاء الدالة على الوحدة أي: المرة، فلا يجوز "سررت بضربتك الفائزة"، وأما إذا كانت التاء من بنية الكلمة فلا تمنع، فتقول: "رحمتك الفقراء دليل على حسن خلقلك". د- أن يكون مفردا لا مثنى ولا مجموعا، وشذ إعمال غير المفرد في قول الشاعر: قد جربوه فما زادت تجاربهم أبا قدامة إلا المجد والفنعا حيث نصب بـ"تجاربهم" -جمع تجربة؛ وهي مصدر جرب الرباعي- أبا غير أن بعض العلماء أجاز عمل المصدر المجموع؛ وهو رأي لا بأس في الأخذ به. هـ- ألا يكون المصدر مفصولا عن معموله بأجنبي، لا بتابع، فلا يجوز القول: "إني أسرع إلى إجابة صارخا المستجير". وألا يكون المصدر موصوفا قبل العمل، فلا يصح القول: "ساءني عتابك الأليم خالدا". ز- ألا يكون المصدر مؤخرا عن معموله، فلا يجوز القول: "أعجبني زيدا ضربك". ج- ألا يكون المصدر محذوفا، ومعنى هذا أنك إذا احتجت إلى تقدير عامل لا يجوز لك أن تقدره مصدرا؛ ولهذا أنكر المحققون على من زعم أن الباء في البسملة متعلقة بمحذوف تقديره: ابتدائي. انظر شرح قطر الندى "عمل اسم المصدر"، والتصريح: ٢/ ٦٢-٦٣. والمغني: ٧٠٠. ١ ٢ سورة البقرة، الآية: ١٥٢. موطن الشاهد: ﴿دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع المصدر "دفع" مضافا إلى لفظ الجلالة، وقد عمل عمل فعله؛ فنصب مفعولا به؛ هو "الناس"؛ وحكم إعماله في هذه الحالة كثير شائع. ٢ ٩٠ سورة البلد، الآية: ١٤. موطن الشاهد: ﴿إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ . =
[ ٣ / ١٧٢ ]
فليل١ ضعيف؛ كقوله: [المتقارب]
٣٦٥- ضعيفُ النكايةِ أعداءَه٢
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: وقوع "إطعام" مصدرا فاعله محذوف، وقد نصب مفعولا به، هو: "يتيما"؛ والتقدير: إطعامه يتيما. وذي مسغبة: أي: ذي مجاعة؛ وحكم إعمال المصدر المنون أوفق بالقياس على الفعل من المضاف؛ لأنه يشبه الفعل بالتنكير، وهو يلي المصدر المضاف في الكثرة والفصاحة. ١ أي: قليل في السماع، ضعيف في القياس؛ لبعده عن مشابهة الفعل بدخول "أل" عليه. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: يخال الفرار يراخي الأجل وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٣، والأشموني: ٦٧٩/ ٢/ ٣٣٧، والشذور: ١/؟؟؟ / ٥٠٦"، وابن عقيل: ٢٤٧/ ٣/ ٩٥، وسيبويه: ١/ ٩٩، وهو من الخمسين التي لا يعرف لها قائل. والمصنف: ٣/ ٧١، والمقرب: ٢٥، والخزانة: ٣/ ٤٣٩، والهمع: ٢/ ٩٣، والدرر: ٢/ ١٢٤. المفردات الغريبة: النكاية: الإضرار والأذى -من نكيت العدو- أثرت فيه ونلت منه. يخال: يظن. يراخي: يباعد ويؤخر. المعنى: أن هذا الرجل ضعيف لا يستطيع أن يؤثر في أعدائه، أو يقهرهم، أو ينازلهم القتال. يظن أن الهرب والفرار من الحرب يبعد عنه الموت، ويفسح له في العمر. الإعراب: ضعيف: خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو ضعيف، وضعيف: مضاف. النكاية مضاف إليه. أعدائه: مفعول به للنكاية، والهاء مضاف إليه. يخال: فعل مضارع مرفوع، والفاعل هو. الفرار: مفعول به أول "يخال" منصوب. يراخي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. الأجل: مفعول به لـ"يراخي" منصوب، وسكن لضرورة الشعر؛ وجملة "يراخي الأجل": في محل نصب مفعولا ثانيا لـ"يخال". موطن الشاهد: "النكاية أعداءه". وجه الاستشهاد: إعمال المصدر المقترن بأل "النكاية"، ونصبه المفعول "أعداءه". فائدة: ذهب سيبويه والخليل إلى أن ناصب المفعول هو المصدر المقترن بأل كما بينا؛ وذهب أبو العباس المبرد إلى أن ناصب المفعول في هذه الحالة مصدر آخر محذوف يدل عليه المصدر المذكور، وهذا المصدر المحذوف منكر؛ فالتقدير عنده: ضعيف النكاية نكاية أعداءه، وذهب أبو سعيد السيرافي إلى أن أعداءه في هذه الحالة =
[ ٣ / ١٧٣ ]
[عمل اسم المصدر]:
واسم المصدر إن كان علما لم يعمل١ اتفاقا؛ وإن كان ميميا فكالمصدر٢ اتفاقا؛ كقوله٣: [الكامل]
٣٦٦- أظلوم إن مصابكم رجلا٤
_________________
(١) = منصوب على نزع الخافض؛ فالأصل عنده: ضعيف النكاية في أعدائه، ثم حذف حرف الجر فانتصب الاسم. انظر الدرر اللوامع: ٢/ ١٢٥. ١ لأن الأعلام لا تعمل؛ إذ لا دلالة لها على الحدث الذي يقتضي معمولا، وذلك نحو: "يسار" علم لليسر، و"فجار" علم جنس للفجور، وفعله: أفجر لا فجر، و"برة" علم جنس على البر، وفعله: أبر لا بر. واسم المصدر العلم لا يضاف، ولا يقبل "أل" ولا يقع موقع الفعل، ولا يوصف، كما ذكر ذلك السيوطي في الهمع. وإن كان غير علم عمل بالشرط الذي يعمل به المصدر غير النائب عن فعله، وإعمال اسم المصدر مع قياسيته قليل. ومنه قول الشاعر: بعشرتك الكرام تعد منهم ولم يحتفظ له شاهد إلا في حالة الإضافي؛ لأن النصب من خواص الأسماء، فهو يبعد شبه المصدر من الفعل، ويقدر الفعل الماضي عند إرادة الزمن الماضي والمضارع عند إرادة الزمن المستقبل. همع الهوامع: ٢/ ٩٤. ٢ ذكرنا أن الحق أنه مصدر ميمي لا اسم مصدر. ٣ القائل: هو الحارث بن خالد المخزومي: أحد شعراء قريس المعدودين الغزليين؛ يذهب مذهب عمر بن أبي ربيعة، ولاه عبد الملك بن مروان مكة، قيل: إن العرب تفضل قريشا في كل شيء إلا في الشعر، فلما جاء عمر بن أبي ربيعة وخالد بن الحارث وغيرهما أقرت لها العرب بالشعر، توفي سنة: ٨٠هـ. تجريد الأغاني: ١/ ٤٢٩-٤٣٥. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: أهدى السلام تحية ظلم وبعد الشاهد قوله: أقصيته وأراد سلمكم فليهنه إذ جاءك السلم =
[ ٣ / ١٧٤ ]
وإن كان غيرهما١، لم يعمل عند البصريين، ويعمل عند الكوفيين والبغدايين؛ وعليه قوله٢: [الوافر]
_________________
(١) = والشاهد من شواهد: التصريح: ٢ ٦٤، والأشموني: ٦٨٤/ ٢/ ٣٣٦، والشذور: ٢١٨/ ٥٣٤، ومجالس ثعلب: ٢٧٠، والاشتقاق: ٩٩، ١٥١، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٠٧، والمغني: ٩٣٧/ ٦٩٧، والسيوطي: ٣٠١، والعيني: ٣/ ٥٠٢، والهمع: ٢/ ٩٤، والدرر: ٢/ ١٢٦، وقد نسبه الحريري في درة الغواص إلى العرجي، وديوان العرجي: ١٩٣. المفردات الغريبة: ظلوم: وصف من الظلم، لقب به الشاعر حبيبته. مصابكم: مصدر ميمي بمعنى الإصابة. المعنى: يقول الشاعر لمحبوبته -وقد لقبها بظلوم لمعاملتها له: إن إصابتكم رجلا يتقدم بالتحية تقربا إليكم- ظلم منكم له؛ لأنه يبغي الوصل وتجيبونه بالصد والإعراض. الإعراب: أظلوم: الهمزة: حرف لنداء القريب، لا محل له من الإعراب، ظلوم: منادى مبني على الضم في محل نصب على النداء. إن: حرف مشبه بالفعل. مصابكم: مصاب: اسم إن منصوب، وهو مضاف، و"كم": في محل جر مضاف إليه؛ من إضافة المصدر الميمي إلى فاعله. رجلا: مفعول به منصوب للمصدر الميمي. أهدى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. السلام: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وجملة "أهدى السلام": في محل نصب صفة لرجل. تحية: مفعول لأجله؛ والعامل فيه "أهدى". ظلم: خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. موطن الشاهد: "مصابكم رجلا". وجه الاستشهاد: إعمال المصدر الميمي "مصاب" عمل الفعل؛ حيث أضيف إلى فاعله "كاف الخطاب"، ونصب المفعول به "رجلا". فائدة: زعم اليزيدي أن "مصابكم" اسم مفعول من الإصابة، وهو اسم إن، وخبرها "رجل"، وزعم أن قوله: "ظلم" خبر مبتدأ محذوف، والتقدير عنده: إن الذي أصبتموه رجل موصوف بأنه أهدى التحية، وذلك ظلم منكم؛ وما قاله اليزيدي تكلف ظاهر غير مرضي المبنى ولا المعنى. وللبيت الشاهد قصة عند أهل الأدب. انظر الدرر اللوامع: ٢/ ١٢٦-١٢٧. ١ أي غير العلم، وذي الميم المزيدة لغير المفاعلة. ٢ القائل: هو عمير بن شييم المعروف بالقطامي، وقد مرت ترجمته.
[ ٣ / ١٧٥ ]
٣٦٧- وبعد عطائك المائة الرتاعا١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: أكفرا بعد رد الموت عني؟ البيت من قصيدة قالها الشاعر في مدح زفر بن الحارث الكلابي الذي أطلقه بعد أن كان أسيرا ووهبه مائة من الإبل، ورد عليه ماله. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٤، وابن عقيل: ٢٥٠/ ٣/ ٩٩، والأشموني: ٦٨٥/ ٢/ ٣٣٦، والعيني: ٣/ ٥٠٥، والشذور: ٢١٩/ ٥٣٦، والخصائص: ٢/ ٢٢٠، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ١٤٢، وشرح المفصل: ١/ ٢٠، والهمع: ١/ ١٨٨، ٢/ ٩٥، والدرر: ١/ ١٦١، ٢/ ١٢٧، وديوان القطامي: ٤١. المفردات الغريبة: أكفرا: الكفر هنا: جحد النعمة. الرتاعا: جمع راتعة وهي الإبل التي ترتع وترعى كيف شاءت لا يمنعها أحد. المعنى: كيف أجحد نعمتك وأنكر فضلك علي وإحسانك إلي، بعد أن أطلقت سراحي من أسري، وخلصتني من يد أعدائي، فحلت بيني وبين الموت المحقق، ولم تكتف بذلك بل أعطيتني مائة من الإبل الراتعة السمينة؛ تفضلا منك وكرما؟. الإعراب: أكفرا: الهمزة: حرف للاستفهام الإنكاري، كفرا؛ مفعول مطلق لفعل محذوف؛ والتقدير: أأكفر كفرا. "بعد": متعلق بالفعل المحذوف العامل في المصدر، و"بعد" مضاف. رد: مضاف إليه، وهو مضاف. الموت: مضاف إليه؛ من إضافة المصدر إلى مفعوله. "عني": متعلق بـ"رد". وبعد: الواو: عاطفة، بعد: معطوف على ظرف الزمان السابق، وهو مضاف. عطائك: عطاء: مضاف إليه، والكاف: في محل جر مضاف إليه؛ من إضافة اسم المصدر إلى فاعله. المائة: مفعول به لـ"عطاء" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. الرتاع: صفة لـ"المائة" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة والألف للإطلاق. موطن الشاهد: "عطائك المائة". وجه الاستشهاد: إعمال اسم المصدر عطاء عمل الفعل؛ فأضيف اسم المصدر إلى فاعله كاف الخطاب، ونصب المفعول به المائة؛ وحكم إعمال اسم المصدر في هذه الحال قليل، ونظيره قول الشاعر: قالوا: كلامك هندا وهي مصغية يشفيك قلت: صحيح ذاك لو كانا فقوله: "كلام" اسم مصدر من فعل "كلم"، والمصدر هو التكليم. وقد أعمل الشاعر اسم المصدر عمل المصدر؛ فأضافه إلى فاعله "كاف الخطاب"، ونصب به المفعول به "هندا".
[ ٣ / ١٧٦ ]
[إضافة المصدر إلى فاعله ومفعوله]:
ويكثر أن يضاف المصدر إلى فاعله، ثم يأتي مفعوله١؛ نحو: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ ٢، ويقل عكسه، كقوله٣: [البسيط]
٣٦٨- قرع القواقيز أفواه الأباريق٤
_________________
(١) ١ أي إن وجد له مفعول، ويكون الفاعل مجرورا في اللفظ مرفوعا في المحل. ٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٥١. ٢٢ وسورة الحج، الآية: ٤٠. موطن الشاهد: ﴿دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء المصدر مضافا إلى فاعله "لفظ الجلالة" ثم تبعه مفعوله "الناس"، وحكم إضافة المصدر إلى فاعله، ومن ثم يعقبه مفعوله كثير شائع. ٣ القائل: هو المغيرة بن عبد الله، والمعروف بالأقيشر الأسدي، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: أفنى تلادي وما جمعت من نشب وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٤، والأشموني: ٦٨٩/ ٢/ ٣٣٧، والشذور: ٢٠٠/ ٥٠٤، والمقتضب: ١/ ٢١، والجمل: ١٣٤، والمؤتلف: ٥٦، والإنصاف: ٢٣٣، والمقرب: ٢٥، والعيني: ٣/ ٥٠٨، والمغني: ٩٣٦/ ٦٩٤، والسيوطي: ٣٠١، واللسان "قفز". المفردات الغريبة: التلاد: المال القديم، كالتالد والتليد، وضده الطريف. النشب: المال الثابت الذي لا يستطاع نقله؛ كالدور والضياع. القواقيز: جمع قاقوزه: وهي القدح الذي يشرب فيه الخمر. والقرع: ضرب شيء صلب بمثله. المعنى: يبين الشاعر حاله التي آل إليها قائلا: إن معاقرتي للخمر، ومعاشرة إخوان السوء ذهب بجميع أموالي التي ورثتها من آبائي، وما جمعته بجهدي وعملي؛ سواء في ذلك المنقول منها والثابت. الإعراب: أفنى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف، للتعذر. تلادي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. وما: الواو: عاطفة، ما: اسم موصول معطوف على "تلادي" مبني على السكون في محل نصب. جمعت: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء فاعله، وجملة "جمعت": صلة للموصول، لا محل لها من الإعراب، والعائد إلى الاسم الموصول محذوف والتقدير: جمعته. "من نشب": متعلق بحال محذوفة من ما الموصولة. قرع: فاعل =
[ ٣ / ١٧٧ ]
وقيل: يختص بالشعر، ورد بالحديث: "وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" ١؛ أي: وأن يحج البيت المستطيع، وأما إضافته إلى الفاعل ثم لا يذكر المفعول وبالعكس فكثير؛ نحو: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ ٢ ونحو: ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ ٣ ولو ذكر لقيل: دعائي إياك، ومن دعائه الخير.
_________________
(١) = "أفنى" مرفوع، وهو مضاف. القواقيز: مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله. أفواه: فاعل للمصدر مرفوع، وهو مضاف. الأباريق: مضاف إليه مجرور. موطن الشاهد: "قرع القواقيز أفواه". وجه الاستشهاد: إضافة المصدر "قرع" إلى مفعوله "القواقيز"، ثم الإتيان بالفاعل "أفواه" وهذا قليل في اللغة؛ ومثل هذا البيت قول الفرزدق يصف ناقة بالقوة والسرعة: تنفي يداها الحصى في كل هاجرة نفي الدراهيم تنقاد الصياريف ١ الحديث: هذا جزء من حديث طويل ومشهور في بيان أركان الإسلام، وهو في صحيح مسلم: ١/ ٤٢، والنسائي: ٤/ ١٢٥. و"حج" مصدر مضاف إلى مفعوله وهو "البيت"، "من": اسم موصول فاعله. وقد عدل المصنف عن الاستدلال بالآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾؛ لاحتمال كون "من" بدلا من الناس، بدل بعض من كل، وقد حذف الرابط للعلم به، أي: من استطاع منهم؛ كما يحتمل أن تكون مبتدأ خبره محذوف، أي فعليه أن يحج. وجعلها فاعلا للمصدر يفسد معه المعنى؛ لأن المعنى يكون حينئذ، ولله على الناس، مستطيعهم وغير متسطيعهم أن يحج البيت المستطيع، فيلزم تأثيم جميع الناس بتخلف المستطيع. مغني اللبيب: ٦٩٤-٦٩٥، حاشية الصبان: ٢/ ٢٨٩. ٢ ١٤ سورة إبراهيم، الآية: ٤٠. موطن الشاهد: ﴿تَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "دعاء" مصدرا مضافا إلى الفاعل؛ وهو ياء المتكلم المحذوفة تخفيفا؛ ومجيء مفعوله محذوفا؛ والتقدير: تقبل دعائي إياك؛ وهذا كثير شائع. ٣ ٤١ سورة فصلت، الآية: ٤٩. موطن الشاهد: ﴿دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "دعاء" مصدرا مضافا إلى مفعوله "الخير" مع حذف فاعله؛ والتقدير: من دعائه الخير؛ وهذا كثير شائع.
[ ٣ / ١٧٨ ]
[حكم تابع المصدر]:
وتابع المجرور يجر على اللفظ، أو يحمل على المحل١؛ فيرفع كقوله٢:
[الكامل]
٣٩٦- طلب المعقب حقه المظلوم٣
_________________
(١) ١ أي: إذا كان المجرور فاعلا، أو نائب فاعل، وهذا مذهب الكوفيين. وذهب سيبويه، وجمهور البصريين: إلى عدم جواز الاتباع على المحل، وما ورد مما ظاهره الاتباع على المحل يؤول بتقدير رافع للمرفوع وناصب للمنصوب. ورأي الكوفيين أوضح وأولى بالسير عليه. التصريح: ٢/ ٦٥، الأشموني مع الصبان: ٢/ ٢٩١. ٢ القائل: هو لبيد بن ربيعة العامري، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: حتى تهجر في الرواح وهاجها وفي البيت يصف حمارا وحشيا وأتنه، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٨، ٢/ ٦٥، وابن عقيل: ٢٥٤/ ٣/ ١٠٤، والأشموني: ٦٩١/ ٢/ ٣٣٧، والعيني: ٣/ ٣١٥، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٢٨، ٢/ ٣٢، والإنصاف: ٢٣٢، ٣٣١، وشرح المفصل: ٢/ ٢٤، ٤٦، ٦/ ٦٦، والخزانة: ١/ ٣٣٤، ٤٤١، والهمع: ٢/ ١٤٥ والدرر: ٢/ ٢٠٢، وديوان لبيد: ١٢٨. المفردات الغريبة: تهجر: سار في الهاجرة، وهي نصف النهار وقد اشتداد الحر. الرواح: الوقت من زوال الشمس إلى الليل. هاجها: أزعجها وأثارها. المعقب: الغريم الذي يطلب حقه بإلحاح. المعنى: حتى سار ذلك الحمار الوحشي عند شدة الحر بعد الزوال، وأزعج أتانه، وطلبها طلبا متواصلا، كما يطلب الغريم المظلوم حقه ودينه من غريمه بشدة وإلحاح. الإعراب: حتى: حرف غاية وجر. تهجر: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. "في الرواح": متعلق بـ"تهجر". وهاجها: الواو: عاطفة، هاج: فعل ماضٍ، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو، و"ها": في محل نصب مفعول به. طلب: مفعول مطلق منصوب، وهو مضاف. المعقب: مضاف إليه؛ من إضافة المصدر إلى فاعله. حقه: مفعول به للمصدر "طلب"، وهو مضاف، والهاء: في محل جر مضاف إليه. المظلوم: صفة لـ"المعقب" باعتبار محله؛ لأن محله الرفع على أنه فاعل للمصدر. =
[ ٣ / ١٧٩ ]
أو ينصب؛ كقوله١: [الرجز]
٣٧٠- مخافة الإفلاس والليانا٢
_________________
(١) = موطن الشاهد: "المظلوم". وجه الاستشهاد: رفع المظلوم الواقع صفة لـ"المعقب" المجرور لفظا بإضافة المصدر "طلب"، ولكنه مرفوع محلا؛ لأنه فاعل للمصدر؛ فتبعته الصفة بالرفع نظرا إلى المحل. ١ القائل: هو زيادة العنبري. لم أعثر له على ترجمة وافية. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز وقبله قوله: قد كنت داينت بها حسانا وبعده قوله: يحسن بيع الأصل والقيانا والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٥، والأشموني: ٦٩٣/ ٢/ ٣٣٨، وابن عقيل: ٢٥٥/ ٣/ ١٠٥، والكتاب لسيبويه: ١/ ٩٨، ونسب إلى رؤبة بن العجاج، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٢٨، ٢/ ٣١، وشرح المفصل: ٦/ ٦٥، والعيني: ٣/ ٥٢٠، والهمع: ٢/ ١٤٥، والدرر: ٢/ ٢٠٣، والمغني: ٨٥٦/ ٦١٩، والسيوطي: ٢٨٢، ومحلقات ديوان رؤبة بن العجاج: ١٨٧. المفردات الغريبة: داينت بها: أخذتها بدلا من دين لي عليه، والهاء عائدة على جارية معروفة الليان: المماطلة. المعنى: كنت قد أخذت هذه الجارية من حسان بدلا من دين لي عليه؛ لخوفي من إفلاسه ومماطلته في دفع الدين. الإعراب: قد حرف تحقيق، لا محل له من الإعراب. كنت: فعل ماضٍ ناقص، مبني على السكون، والتاء: في محل رفع اسمه. داينت: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء فاعله؛ وجملة "داينت": في محل نصب خبر كنت. "بها": متعلق بـ"داين". حسانا: مفعول به منصوب. مخافة: مفعول لأجله منصوب، وهو مضاف. الإفلاس: مضاف إليه؛ من إضافة المصدر إلى مفعوله. والليانا: الواو: عاطفة، الليانا: معطوف على الإفلاس باعتبار محله الذي هو نصب؛ لكونه مفعولا للمصدر "مخافة"، والمعطوف على المنصوب منصوب مثله. موطن الشاهد: "والليانا". وجه الاستشهاد: عطف "الليانا" بالنصب على الإفلاس المجرور لفظا بإضافة المصدر "مخافة"؛ لكونه أي -المعطوف عليه- منصوب محلا؛ لأنه مفعول للمصدر؛ ويجوز أن نعرب "الليانا": مفعولا معه، ويكون معطوفا على "مخافة" على حذف مضاف.
[ ٣ / ١٨٠ ]
[باب إعمال اسم الفاعل]
هذا باب إعمال اسم الفاعل:
[تعريف اسم الفاعل]:
وهو: ما دل على الحدث والحدوث وفاعله.
فخرج بالحدوث؛ نحو: "أفضل" و"حسن" فإنهما إنما يدلان على الثبوت، وخرج يذكر فاعله؛ نحو "مضروب" و"قام"١.
[شروط عمل اسم الفاعل]:
فإن كان صلة لأل عمل مطلقا٢، وإن لم يكن عمل بشرطين٣؛
أحدهما: كونه للحال أو الاستقبال٤، لا الماضي، خلافا للكسائي٥، ولا
_________________
(١) ١ مضروب: اسم مفعول، وهو يدل على المفعول لا على الفاعل، ودلالته على الفاعل بطريق الالتزام. والفعل الذي أشار إليه بنحو قام يدل دلالة وضعية على الحدث والزمان، ولا يدل بالوضع على الفاعل، وإنما يدل على الفاعل باللزوم العقلي، ضرورة علم كل أحد بأنه ما من فعل إلا له فاعل، فالمراد بنفي دلالته على الفاعل نفي الدلالة الوضعية. التصريح: ٢/ ٦٥. ٢ أي: أنه يعمل، سواء أكان بمعنى الماضي أم بمعنى غيره، وسواء أكان معتمدا على شيء مما سيذكره في النوع الثاني، أم لم يكن معتمدا على شيء منها. ٣ بقي شرطان آخران؛ وهما: ألا يكون موصوفا، وألا يكون مصغرا خلافا للكسائي فيهما. ٤ وكذلك إذا كان بمعنى الاستمرار المتجدد، أي: الذي يحدث ثم ينقطع ثم يعود إلخ وقيل: في اشتراط هذا: أنه إنما يعمل حملا على مضارعه، وهو بمعنى الحال، أو الاستقبال؛ فإن كان بمعنى الماضي فقد زال شبهه بالمضارع فلا وجه لعمله. التصريح: ٢/ ٦٥. ٥ مرت ترجمته.
[ ٣ / ١٨١ ]
حجة له في: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ ١؛ لأنه على حكاية الحال؛ والمعنى: يبسط ذراعيه؛ بدليل: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾، ولم يقل وقلبناهم.
والثاني: اعتماده٢ على استفهام أو نفي أو مخبر عنه أو موصوف؛ نحو: "أضارب زيد عمرا"، و"ما ضارب زيد عمرا"، و"زيد ضارب أبوه عمرا"، و"مررت برجل ضارب أبوه عمرا".
والاعتماد على المقدر، كالاعتماد على الملفوظ به؛ نحو: "مهين زيد عمرا أم مكرمة؟ " أي: أمهين٣؛ ونحو: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ ٤؛ أي: صنف مختلف ألوانه؛
_________________
(١) ١ ١٨ سورة الكهف، الآية: ١٨. موطن الشاهد: "باسط ذراعيه". وجه الاستشهاد: احتج الكسائي بإعمال "اسم الفاعل" في هذه الآية مع كونه للماضي، ونصبه المفعول به "ذراعيه"، ورد عليه بما هو ظاهر وواضح في المتن. وقد احتج الكسائي ومن وافقه كهشام وأبي جعفر: أن باسطا اسم فاعل بمعنى الماضي، وقد عمل النصب في ذراعيه، ولكن الجمهور ردوا ذلك وقالوا: إن هذه القصة حكاية حال، ومعنى ذلك أن يفرض المتكلم حين كلامه أن القصة واقعة الآن فهو يصفها، وعلى هذا لا يكون "باسط" ماضيا، ولكنه حاضر. "ونقلبهم" أتى بالمضارع الدال على الحال، وكذلك الواو في "كلبهم" فإنها للحال. والذي يحسن وقوعه بعدها المضارع لا الماضي، فإنه يقال: سافر محمد وأبوه يبكي، ولا يحسن أن يقال: وأبوه بكى. ٢ لأن ذلك يقربه من الفعل، وهذا شرط لعمله النصب في المفعول، وفي الفاعل الظاهر، أما عدم المضي فشرط لعمله في المفعول فقط. ٣ بدليل وجود "أم" المعادلة، فمهين: اسم فاعل، وقد رفع "زيد" ونصف "عمرا" اعتمادا على الاستفهام المقدر. ٤ ١٦ سورة النحل، الآية: ٦٩. موطن الشاهد: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ . وجه الاستشهاد: عمل اسم الفاعل "مختلف" عمل فعله، ورفع الفاعل "ألوانه"؛ لأنه اعتمد على موصوف محذوف؛ لأن التقدير -كما في المتن- وصنف مختلف ألوانه والتمثيل بهذه الآية، إما سهو، أو مبني على أن الاعتماد شرط للعمل حتى في المرفوع، وهو رأي ضعيف. والصحيح عند النحاة: أن رفعه الفاعل لا يشترط فيه شيء. أما الأعتماد فشرط لنصبه المفعول به وليس في الآية مفعول به.
[ ٣ / ١٨٢ ]
وقوله١: [البسط]
٣٧١- كناطح صخرة يوما ليوهنها٢
_________________
(١) ١ القائل: هو الأعشى ميمون بن قيس، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل.. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٦، والأشموني: ٦٩٨/ ٢/ ٣٤١، وابن عقيل: ٢٥٧/ ٣/ ١٠٩، والشذور: ٢٠٥/ ٥١١، والعيني: ٣/ ٥٢٩، وديوان الأعشى: ٤٦. المفردات الغريبة: ليوهنها: ليضعفها. يضرها: يؤثر فيها. أوهى: أضعف. الوعل: التيس الجبلي، وجمعه أوعال ووعول. المعنى: أن الذي يطلب ويرجو من الأشياء ما لا يستطيع الوصول إليه يتعب نفسه، ويخيب أمله، ولا يظفر بشيء؛ كالتيس الذي ينطح بقرنه صخرة صلبة ليضعفها ويفتتها، فلا يؤثر ذلك فيها شيئا، ويرجع وقد أتعب نفسه وآذى قرنه. الإعراب: كناطح: متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: أنت كناطح؛ وفي ناطح ضمير مستتر في محل رفع فاعل لاسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل يعمل عمل فعله فيرفع الفاعل دائما، وينصب المفعول إن استكمل الشروط، وكان فعله متعديا. صخرة: مفعول به لـ"ناطح". "يوما": متعلق بـ"ناطح". ليوهنها: اللام: لام كي لا محل لها من الإعراب، يوهن: فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو، و"ها": ضمير متصل في محل نصب مفعولا به؛ والمصدر المؤول من أن المصدرية، وما دخلت عليه مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بـ"ناطح". فلم: الفاء: عاطفة، لم: نافية جازمة. يضرها: فعل مضارع مجزوم بـ"لم". وعلامة جزمه السكون الظاهر، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو، و"ها" في محل نصب مفعول به؛ وجملة "لم يضرها": معطوفة على جملة "يوهنها": لا محل لها. وأوهى: الواو: عاطفة، أوهى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر. قرنه: مفعول به لـ"أوهى"، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة. الوعل: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة؛ وجملة "أوهى قرنه ": معطوفة على "لم يضرها": لا محل لها. موطن الشاهد: "ناطح صخرة". وجه الاستشهاد: إعمال اسم الفاعل "ناطح" عمل فعله، فينصب المفعول به "صخرة" مع أنه غير معتمد في الظاهر على شيء، إلا أنه من حيث المعنى معتمد على =
[ ٣ / ١٨٣ ]
أي: كوعل ناطح، ومنه "يا طالعا جبلا" أي: يا رجلا طالعا، وقول ابن مالك: "إنه اعتمد على حرف النداء" سهو؛ لأنه مختص بالاسم؛ فكيف يكون مقربا من الفعل١.
[تحول صيغة فاعل إلى صيغة المبالغة]:
[شروط عمل صيغ المبالغة]:
فصل: تحول صيغة فاعل للمبالغة والتكثير٢ إلى: فعال، أو فعول، أو مفعال؛ بكثرة، وإلى فعيل أو فعل؛ بقلة، فيعمل عمله بشروطه؛ قال٣: [الطويل]
٣٧٢- أخا الحرب لباسا إليها جلالها٤
_________________
(١) = موصوف محذوف؛ لأن الأصل "كوعل ناطح"، فراعى الشاعر ذلك المعنى، واعتبره معتمدا عليه، فأعمله عمل فعله. ١ أجيب عن الناظم بأن المصنف لم يدع أن حرف النداء مسوغ، بل إن الوصف إذا ولي حرف النداء عمل، وهذا لا ينافي كون المسوغ الاعتماد على الموصوف المحذوف، وإنما صرح بذلك مع دخوله في قوله بعد: وقد يكون نعت محذوف عرف لدفع توهم أن اسم الفاعل لا يعمل إذا ولي حرف الندا؛ لأن النداء يبعده عن الفعل. انظر حاشية الصبان على شرح الأشموني: ٢/ ٢٩٣. ٢ أي المبالغة والكثرة في معنى الفعل الثلاثي الأصلي، ولذلك تسمى: صيغة المبالغة. ولا تصاغ في الغالب إلا من مصدر فعل ثلاثي متصرف، متعد، ما عدا صيغة "فعال" فتصاغ من مصدر الثلاثي اللازم والمتعدي، وقد اجتمعا في قول الشاعر: وإني لصبار على ما ينوبني وحسبك أن الله أثنى على الصبر ولست بنظار إلى جانب الغنى إذا كانت العلياء في جانب الفقر ويندر أن تصاغ من غير الثلاثي "كأفعل" لأن اسم فاعل غير الثلاثي لا يكون على فاعل، نحو: دراك وسار؛ من أدراك، وأسأر "أي أبقى في الكأس بقية"، ومعطاء ومعوان، من أعطى وأعان، وسميع ونذير من أسمع وأنذر، وزهوق من أزهق. انظر حاشية يس على التصريح: ٢/ ٦٧، والأشموني: ٢/ ٣٤٣. ٣ القائل: هو: القلاخ بن حزن بن جناب المنقري. ولم أعثر له على ترجمة وافية. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: وليس بولاج الخوالف أعقلا =
[ ٣ / ١٨٤ ]
_________________
(١) = وينشد قبله: فإن تك فاتتك السماء فإنني بأرفع ما حولي من الأرض أطولا والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٨، وابن عقيل: ٢٥٨/ ٣/ ١١٢، والأشموني: ٦٩٩/ ٢/ ٣٤٢، والشذور: ٢٠٧/ ٥١٤، والقطر: ١٢٩/ ٣٦٧، وسيبويه: ١/ ٥٧، والمقتضب: ٢/ ١١٣، وشرح المفصل: ٦/ ٧، والعيني: ٣/ ٥٣٥، والهمع: ٢/ ٩٦، والدرر: ٢/ ١٢٩. المفردات الغريبة: أخا الحرب: أي مؤاخيها وملازمها. إليها: إلى بمعنى اللام، أي: لها. جلالها: جمع جل، والمراد: ما يلبس في الحرب من الدروع ونحوها. ولاج: كثير الولوج؛ أي: الدخول. الخوالف: جمع خالفة وهي عمود البيت أو الخيمة، والمراد هنا: الخيمة نفسها أو البيت. أعقلا؛ الأعقل: الذي تصطك ركبتاه من الفزع. المعنى: يمتدح الشاعر نفسه بالشجاعة والإقدام ويقول: إنه رجل حرب، يلبس لها لباسها ويقتحمها إذا شبت نيرانها، ولا يختبئ في البيوت أو الخيام خوفا وفزعا؛ أي: أنه مقدام جريء غير جبان. الإعرابك أخا: حال منصوب من الضمير المتكلم في البيت السابق على الشاهد وهو قوله: فإن تك فاتتك السماء فإنني بأرفع ما حولي من الأرض أطولا وهو منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف. الحرب: مضاف إليه مجرور. لباسا: حال ثانية من ضمير المتكلم المذكور؛ وفيه ضمير مستتر هو فاعله. "إليها": متعلق بـ"لباس". جلالها: مفعول به لـ"لباس" منصوب، وهو مضاف، و"ها" مضاف إليه. وليس: الواو: عاطفة، ليس: فعل ماضٍ ناقص واسمه ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو. بولاج: الباء: حرف جر زائد، ولاج: اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس، وهو مضاف. الخوالف: مضاف إليه مجرور. أعقلا: إما أن يكون حالا من اسم ليس، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا لـ"ليس"؛ وفي كلا الحالتين فهو منصوب، وعلامه نصبه الفتحة؛ ويمكن أن يكون صفة لـ"ولاج"، أو معطوفا عليه بحرف عطف مقدر، وهو في هذه الحالة مجرور، وعلامة جره الفتحة بدل الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف؛ أو منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ لأن تابع خبر ليس المجرور بالباء الزائدة يجوز فيه الجر تبعا للفظ الخبر، ويجوز فيه النصب تبعا لموضعه كما في قول الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا موطن الشاهد: "لباسا جلالها". =
[ ٣ / ١٨٥ ]
وقال١: [الطويل]
٣٧٣- ضروب بنصل السيف سوق سمانها٢
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: إعمال صيغة المبالغة "لباس" عمل الفعل واسم الفاعل فنصبت المفعول "جلالها"، وقد اعتمدت على موصوف مذكور "أخا الحرب". ١ القائل: هو: أبو طالب بن عبد المطلب؛ واسمه عبد مناف وقيل شيبة، سيد قريش، وأحد أبطالهم وخطبائهم العقلاء وشعرائهم، مربي النبي ﷺ وكافله، ووالد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب له ديوان صغير يسمى ديوان شيخ الأباطح، مات وله بضع وثمانون سنة وذلك سنة ٣ق. هـ. الجمحي: ٢٤٣، الأعلام: ٤/ ١٦٦، طبقات ابن سعد: ١/ ٧٥ وغيرها. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: إذا عدموا زادا فإنك عاقر والبيت من كلمة يرثي فيها أبا أمية بن المغيرة المخزومي، وهو زوج أخته عاتكة بنت عبد المطلب وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٨، والأشموني: ٧٠٠/ ٢/ ٣٤٢، والشذور: ٢٠٨/ ٥١٥، والقطر: ١٣٠/ ٣٦٧، وسيبويه: ١/ ٥٧، والمقتضب: ٢/ ١٤، والجمل: ١٠٤، وأمالي بن الشجري: ٢/ ١٠٦، وشرح المفصل: ٦/ ٦٩، والخزانة: ٢/ ١٧٥، ٣/ ٤٤٦، والعيني: ٣/ ٥٣٩، والهمع: ٢/ ٩٧، والدرر: ٢/ ١٣٠، وديوان أبي طالب: ١١. المفردات الغريبة: ضروب: صيغة مبالغة لضارب. نصل السيف: حده وشفرته. سوق: جمع ساق. سمانها: جمع سمينة ضد الهزيلة، وهي الممتلئة الجسم. عاقر: اسم فاعل من العقر، وهو الذبح. المعنى: يصف ابو طالب أبا أمية بالكرم وقت العسرة، ويقول: إنه كان جوادا واسع الكرم؛ يعقر الإبل السمان للضيفان، إذا أعسر الناس، ولم يجدوا زادا، وقد كانوا يضربون قوائم الإبل بالسيوف قبل الذبح؛ لإضعافها، فيتمكنوا من ذبحها. الإعراب: ضروب: خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو ضروب. "بنصل": متعلق بـ"ضروب"، و"نصل" مضاف. السيف: مضاف إليه مجرور. سوق: مفعول به لـ"ضروب"، وهو مضاف. سمانها: مضاف إليه مجرور، وهو مضاف، و"ها" مضاف إليه. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية. عدموا: فعل ماضٍ مبني على الضم: لاتصاله بواو الجماعة، والواو في محل رفع فاعل. زادا: مفعول به منصوب؛ وجملة "عدموا زادا": في محل جر بالإضافة. فإنك: الفاء: واقعة في جواب الشرط =
[ ٣ / ١٨٦ ]
وحكى سيبويه: "إنه لمنحار بوائكها"١، وقال٢: [الطويل]
٣٧٤- فتاتان أما منهما فشبيهة هلالا٣
_________________
(١) = غير الجازم، إن: حرف مشبه بالفعل، والكاف: في محل نصب اسم إن. عاقر: خبر إن مرفوع؛ وجملة "إن واسمها وخبرها": لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب شرط غير جازم. موطن الشاهد: "ضروب سوق سمانها". وجه الاستشهاد: إعمال صيغة المبالغة ضروب عمل الفعل، فنصب بها المفعول سوق، وقد اعتمدت على مخبر عنه محذوف -كما بينا في الإعراب- والتقدير: هو ضروب. ١ بوائكها: جمع بائكة، وهي السمينة الحسناء من النوق، وهي منصوبة بمنحار صيغة مبالغة من ناحر، وقد اعتمدت على مخبر عنه وهو اسم "إن". الكتاب لسيبويه: ١/ ١١٢. شرح الأشموني مع الصبان: ٢/ ٢٩٧. ٢ القائل: هو عبد الله بن قيس الرقيات، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: البيت بتمامه: فتاتان أما منهما فشبيهة هلالا وأخرى منهما تشبه البدرا وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٨، والأشموني: ٧٠٢/ ٢/ ٣٤٢، والعيني: ٣/ ٥٤٢. المفردات الغريبة: فتاتان: تثنية فتاة، وهي الجارية الحديثة السن: هلالا؛ الهلال: القمر لليلتين أو ثلاث من أول الشهر. البدر: القمر عند تمامه وكماله. المعنى: أن هاتين الفتاتين جميلتان؛ غير أن إحداهما تشبه الهلال في نحافتها، والأخرى تشبه البدر في سمنها وإشراقتها. الإعراب: فتاتان: خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هما فتاتان مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. أما: حرف شرط وتفصيل، لا محل له من الإعراب. "منهما": متعلق بمحذوف واقع صفة لموصوف محذوف يقع مبتدأ، والتقدير: أما واحدة كائنة منهما. فشبيهة: الفاء: زائدة وجوبا في خبر المبتدأ، شبيهة: خبر المبتدأ مرفوع فيه ضمير مستتر تقديره: هي في محل رفع فاعل. هلالا: مفعول به لـ"شبيهة" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وأخرى: الواو: عاطفة، أخرى: صفة لموصوف محذوف يقع مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الصمة المقدرة على الألف للتعذر. "منهما": متعلق بمحذوف صفة لـ"أخرى"؛ والتقدير: وواحدة أخرى منهما تشبه البدر. موطن الشاهد: "فشبيهة هلالا".
[ ٣ / ١٨٧ ]
وقال١: [الوافر]
٣٧٥- أتاني أنهم مزقون عرضي٢
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: إعمال صفة المبالغة "شبيهة" عمل الفعل واسم الفاعل، حيث نصب بها المفعول به "هلالا"؛ واسم المبالغة هنا؛ معتمد على مخبر عنه محذوف؛ لأن التقدير: أما فتاة منهما فهي شبيهة هلالا. انظر في هذه المسألة حاشية يس على التصريح ٢/ ٦٨. ١ القائل: هو الصحابي؛ زيد الخير الذي كان يسمى بزيد الخيل الطائي، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: جحاش الكرملين لها فديد. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٨، وابن عقيل: ٢٦١/ ٣/ ١١٥، والأشموني: ٧٠٣/ ٢/ ٣٤٢، والشذور: ٢٠٩/ ٥١٦، والقطر: ١٣١/ ٣٦٨، والمقرب: ٢٤. المفردات الغريبة: مزقون: جمع مزق مبالغة في مازق، من المزق وهو شق الثياب ونحوها، ويستعمل في شق العرض مجازا، عرض الإنسان: ما يحميه ويصونه ويدافع عنه من حسبه ونسبه. جحاش: جمع جحش؛ وهو الصغير من الحمير. الكرملين: ماء في جبل طيئ، كانت ترده الجحوش. فديد: صياح وتصويت. المعنى: بلغني أن هؤلاء القوم يتطاولون علي، وينالون عرضي بالقدح والذم، ولست أعبأ بهؤلاء، ولا أصفي لترهاتهم، فهم عندي كالجحوش التي ترد هذا الماء وتتزاحم عليه، وهي تنهق وتصيح وتحدث جلبة كاذبة. الإعراب أتاني: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب مفعولا به. أنهم: حرف مشبه بالفعل، و"هم": ضمير متصل في محل نصب اسم "أن". مزقون: خبر "أن" مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم. عرضي: مفعول به لـ"مزقون" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل الياء، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحرك المناسبة، وهو مضاف، والياء: في محل جر بالإضافة؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل رفع فاعل لـ"أتى". جحاش: خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هم جحاش، وهو مضاف. الكرملين: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى. "لها": متعلق بمحذوف خبر مقدم. فديد: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "المبتدأ أو خبره": في محل نصب على الحال من جحاش الكرملني. =
[ ٣ / ١٨٨ ]
[تثنية اسم الفاعل وصبغ المبالغة وجمعهما]:
فصل: تثنية اسم الفاعل وجمعه وتثنية أمثلة المبالغة وجمعها كمفردهن في العمل والشروط؛ قال الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ ٢، وقال: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ ٣، وقال الشاعر٤: [الكامل]
_________________
(١) = موطن الشاهد: "مزقون عرضي". وجه الاستشهاد: إعمال صيغة المبالغة "مزقون" -جمع مزق- عمل الفعل واسم الفاعل، وهي معتمدة على مخبر عنه، وهو اسم "إن"؛ فنصب بها المفعول به "عرضي". هذا ويذكر هنا أن إعمال أمثلة المبالغة رأي سيبويه وأصحابه، وحجتهم السماع والحمل على أصلها، وهو اسم الفاعل؛ لأنها محولة عنه لقصد المبالغة. ويمنع الكوفيون إعمال شيء منها، وحملوا المنصوب بعدها على تقدير فعل، كما منعوا تقديمه عليها، ويرده قول العرب: "أما العسل فأنا شراب"، ولم يجز بعض البصريين إعمال "فعيل" و"فعل". وأجاز الجرمي إعمال فعل دون فعيل؛ لأنه على وزن الفعل كعلم وفهم وفطن. التصريح: ٢/ ٦٨، الدرر اللوامع: ٢/ ١٣٠. ١ ٣٣ سورة الأحزاب، الآية: ٣٥. موطن الشاهد: ﴿الذَّاكِرِينَ اللَّهَ﴾ . وجه الاستشهاد: إعمال جمع اسم الفاعل "الذاكرين" عمل اسم الفاعل المفرد، والفعل، فنصب به لفظ الجلالة؛ وحكم هذا الإعمال الجواز باتفاق؛ إذا توفرت الشروط المطلوبة. ٢ ٣٩ سورة الزمر، الآية: ٣٨. موطن الشاهد: "كاشفات ضره". وجه الاستشهاد: إعمال جمع اسم الفاعل "كاشفة" عمل اسم الفاعل المفرد، والفعل، فنصب به المفعول "ضره"؛ وحكم هذا الإعمال الجواز باتفاق؛ إذا توفرت الشروط المطلوبة. ٣ ٥٤ سورة القمر، الآية: ٧. موطن الشاهد: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: إعمال جمع اسم الفاعل "خاشع" عمل اسم الفاعل المفرد، والفعل، فرفع به الفاعل "أبصارهم"؛ لاعتماده على صاحب الحال؛ وحكم هذا الإعمال الجواز باتفاق، كما سبق. ٤ هو: عنترة بن شداد العبسي، وقد مرت ترجمته.
[ ٣ / ١٨٩ ]
٣٧٦- والناذرين إذا لم القهما دمي١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: الشاتمي عرضي ولم أشتمهما وهو من معلقته المشهورة بقوله في حضين ومرة ابني ضمضم المذكورين في قوله قبل: ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر للحرب داسرة على ابني ضمضم والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٩، والأشموني: ٦٠٣/ ٢/ ٣٠٩، والعيني: ٣/ ٥٥١. المفردات الغريبة: الشاتمي: مثنى شاتم من الشتم وهو الرمي بالمكروه من القول. الناذرين: تثنية ناذر، وهو الذي يوجب على نفسه ما ليس بواجب عليه. المعنى: أخشى أن أموت ولم أنتقم من ابني ضمضم، اللذين يشتماني، ويقدحان في عرضي، ولم أسئ إليهما، وينذران أنفسهما -حين أكون غائبا عنهما- سفك دمي وقتلي، فإذا حضرت أو لقياني أمسكا عن كل ذلك، هيبة مني، وجبنا منهما وفزعا. الإعراب: الشاتمي: صفة لابني ضمضم المذكورين في بيت سابق، مجرور وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى، والشاتمي مضاف. عرضي: مضاف إليه، وهو مضاف، والياء: مضاف إليه. ولم: الواو: حالية، لم؛ نافية جازمة. أشتمهما: فعل مضارع مجزوم بـ"لم"؛ وعلامة جزمه السكون، والفاعل: أنا، و"هما": في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "لم أشتمهما": في محل نصب على الحال. والناذرين: الواو عاطفة، الناذرين: اسم معطوف على الشاتمين مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط خافض لشرطه منصوب بجوابه، مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية. لم: حرف جزم ونفي وقلب. ألقهما: فعل مضارع مجزوم بـ"لم"، وعلامة جزمه حذف الألف، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنا؛ و"هما": في محل نصب مفعولا به؛ وجواب "إذا" محذوف؛ والأفضل اعتبار "إذا" -هنا- ظرفية وحسب. دمي: مفعول به لـ"الناذرين" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء: مضاف إليه. موطن الشاهد: "الناذرين دمي". وجه الاستشهاد: إعمال مثنى اسم الفاعل المقترن بـ"أل"، وهو "الناذرين" عمل المفرد؛ حيث نصب به المفعول "دمي" من دون أن يعتمد على شيء.
[ ٣ / ١٩٠ ]
وقال١: [الرمل]
٣٧٧- غفر ذنبهم غير فخر٢
_________________
(١) ١ القائل: هو طرفة بن العبد البكري، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: ثم زادوا أنهم في قومهم والبيت من قصيدته المشهورة والتي مطلعها قوله: أصحوت اليوم أم شاقتك هر ومن الحب جنون مستقر والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٦٩، والأشموني: ٧٠٦/ ٢/ ٣٤٣، وابن عقيل: ٢٦٣/ ٢/ ١١٧، وسيبويه: ١/ ٥٨، برواية "فجر"، ونوادر أبي زيد الأنصاري: ١٠، والجمل: ١٠٦، وشرح المفصل: ٦/ ٧٤، الخزانة: ٣/ ٣٦٤، والعيني: ٣/ ٤٥٨، والهمع: ٢/ ٩٧، والدرر: ٢/ ١٣١، وديوان طرفة بن العبد: ٦٨. المفردات الغريبة: هر: مرخم هرة: اسم محبوبته. غفر: جمع غفور؛ مبالغة في غافر. فخر: جمع فخور، مبالغة في فاخر. المعنى: أن هؤلاء القوم زادوا على غيرهم -فوق ما هم عليه من الإقدام والشجاعة- بأنهم كثيرو العفو عن الزلات، والصفح عن الإساءات، وأنهم -مع ما لهم من الخصال الكريمة- لا يفخرون ولا يتباهون بشيء. الإعراب: ثم: حرف عطف مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. زادوا: فعل ماضٍ مبني على الضم، والواو: في محل رفع فاعل. أنهم: حرف مشبه بالفعل، و"هم": في محل نصب اسمه. "في قومهم": متعلق بمحذوف حال من اسم "إن" و"هم" في محل جر بالإضافة؛ وذهب ابن هشام إلى أن الجار والمجرور متعلق بـ"زادوا" معتبرا أن" في" بمعنى "عند" في الشاهد. غفر: خبر "أن" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. ذنبهم: مفعول به منصوب لـ"غفر"، وهو مضاف، و"هم" مضاف إليه. غير: خبر ثان لـ"أن" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة، وهو مضاف. فخر: مضاف إليه مجرور، وسكن لضرورة الشعر. موطن الشاهد: "غُفُرٌ ذنبَهم". وجه الاستشهاد: إعمال جمع صيغة المبالغة "غفر" عمل المفرد، وقد اعتمد على مخبر عنه مذكور؛ وهو اسم "أن"؛ وعمل جمع صيغة المبالغة جائز باتفاق. فائدة أولى: لا فرق في الجمع -أي جمع اسم الفاعل- أن يكون جمعَ مذكرٍ سالمًا، أو جمعَ مؤنثٍ سالمًا، أو جمع تكسير؛ فمثاله في المجموع جمع مذكر سالما، قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، ومثاله في المجموع جمع مؤنث سالما، قوله تعالى: =
[ ٣ / ١٩٢ ]
وأن يخفض بإضافته؛ وقد قرئ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ ١، و﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ ٢؛ بالوجهين، وأما ما عدا التالي٣ فيجب نصبه؛ نحو: ﴿خَلِيفَةً﴾ من قوله
_________________
(١) ١ ٦٥ سورة الطلاق، الآية: ٣. أوجه القراءات: قرأ عاصم وحفص والمفضل وأبان وجبلة وجماعة عن أبي عمرو: ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾، وقرأ العامة: بتنوين "بالغ" ونصب "أمره". توجيه القراءات: قراءة العامة على انتصاب أمره ببالغ؛ لأنه بمعنى الاستقبال، فعمل عمل الفعل، وأما قراءة عاصم وحفص ومن معهما، فعلى إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله. انظر البحر المحيط: ٨/ ٢٨٣، القرطبي: ١٨/ ١٦١. المشكل: ٢/ ٣٨٤. موطن الشاهد: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ وجه الاستشهاد: إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله "أمره"؛ وحكم إضافته إلى ما بعده الجواز -كما في هذه القراءة- ويجوز إعماله -كما في القراءة الأخرى- إن الله بالغ أمره؛ بتنوين اسم الفاعل، ونصب "أمره". ٢ ٣٩ سورة الزمر، الآية: ٣٨. أوجه القراءات: قرأ أبو عمرو: "كاشفات ضره" بالنصب، وقرأ الباقون: "كاشفات ضره" بالخفض. توجيه القراءات: قراءة أبي عمرو على إعمال اسم الفاعل؛ لأنه بمعنى الاستقبال، وجاء منونا، والقراءة الأخرى جاءت بالرفع من دون تنوين فأضيف اسم الفاعل إلى مفعوله؛ و"كاشفات" جمع كاشفة. موطن الشاهد: ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ . وجه الاستشهاد: إضافة اسم الفاعل "كاشفات" إلى ما بعده؛ وحكم إضافته إلى ما بعده الجواز؛ لأنه يجوز أن ينصب ما بعده على أنه مفعوله؛ إذا كان منونا كما أسلفنا. ٣ يشمل ذلك:
(٢) المعمول المفصول من اسم الفاعل بالظرف أو الجار والمجرور؛ فالظرف نحو "زيد ضارب اليوم بكرا" والجار والمجرور نحو قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ .
(٣) المفعول الثاني والمفعول الثالث إذا كان فعل اسم الفاعل ينصب مفعولين أو ثلاثة وأضفته إلى الأول منهما نحو: "هو ظان زيد قائما"، و"هذا معطي زد درهما". وقد ذهب الجمهور إلى أن ناصب هذا المنصوب فعل مضمر يفسره اسم الفاعل، وذهب السيرافي إلى أن ناصبه اسم الفاعل نفسه، وهو ما يدل عليه قول ابن مالك في الألفية: "وهو لنصب ما نواه مقتضي"، هذا وقد ذهب سيبويه إلى أن النصب أعلى =
[ ٣ / ١٩٣ ]
تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ١.
وإذا أتبع المجرور٢؛ فالوجه جر التابع على اللفظ؛ فتقول: "هذا ضارب زيد وعمرو" ويجوز نصبه بإضمار وصف منون، أو فعل اتفاقها، وبالعطف على المحل عند بعضهم٣؛ ويتعين إضمار الفعل إن كان الوصف غير عامل؛ فنصب: "الشمس" في: "وجاعل الليل سكنا والشمس"٤، بإضمار جعل لا غير؛ إلا إن قدر: "جاعل" على حكاية الحال.
_________________
(١) = بالنسبة للمعمول التالي للعامل، وذهب الكسائي إلى أن النصب والجر سواء، وقيل: الجر أولى لأنه أخف. حاشية يس على التصريح: ٢/ ٦٩، الأشموني وحاشية الصبان: ٢/ ٣٠٠-٣٠١. ١ ٢ سورة البقرة، الآية: ٣٠. موطن الشاهد: ﴿جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وجه الاستشهاد: عمل اسم الفاعل "جاعل" عمل فعله، فنصب المفعول "خليفة"، وحكم هذا الإعمال النصب؛ لتعذر الإضافة بالفصل بالجار والمجرور. ٢ أي بالوصف بأحد التوابع: أما المنصوب فلا يجوز جر تابعه؛ لأن شرط الاتباع على المحل كونه أصليا، والأصل في الوصف المستوفي للشروط العمل، لا الإضافة لالتحاقه بالفعل. ٣ من مجيء التابع منصوبا قول أحد بني قيس، واستشهد به سيبويه: فبينا نحن نرقبه أتانا معلق وفضة وزناد راعي فقد نصب "زناد راع" وهو معطوف على "وفضة" المجرور بإضافة "معلق" إليه. ٤ ٦ سورة الأنعام، الآية: ٩٦. أوجه القراءات: قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف: "وجعل"، وقرأ الباقون: "جاعل" بالألف وكسر العين. توجيه القراءات: من قرأ: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ فهو عطف على اللفظ والمعنى، ومن قرأ: "وجاعل الليل" فقد نصب "الشمس والقمر" بالعطف على موضع "الليل"؛ لأنه في موضع نصب، وقيل: بل على تقدير: "وجعل". انظر: النشر ٢/ ٢٥١، الإتحاف: ٢١٤، المشكل: ١/ ٢٨٠. موطن الشاهد: "جاعل الليل سكنا والشمس". وجه الاستشهاد: انتصاب "الشمس" بإضمار فعل "جعل"، ولا يجوز النصب بإضمار وصف منون، ولا بالعطف على المحل؛ لأن الوصف المذكور غير عامل؛ لكونه =
[ ٣ / ١٩٤ ]
_________________
(١) = بمعنى الماضي، وأما إن قدر "جاعل" على حكاية الحال فحينئذ يجوز النصب على الوجهين السابقين؛ أي بإضمار وصف منون، أو بالعطف على محل الليل؛ لأن الوصف على هذا يكون عاملا؛ لكونه بمعنى يجعل. فائدتان: أ- إذا كان اسم الفاعل بمعنى الاستمرار جاز اعتبار إضافته محضة بالنظر إلى معنى المضي فيه، وبذلك يقع صفة للمعرفة، ولا يعمل، واعتبارها غير محضة بالنظر إلى الحال والاستقبال، وبذلك يقع صفة للنكرة، ويعمل فيما أضيف إليه. ب- يجوز تقديم معموله عليه نحو: عليا أنا مصاحب، إلا إذا كان مقترنا بأل نحو: المخترع الطيارات، أو مجرورا بإضاف نحو: هذا كتاب معلم الأدب، أو بحرف غير زائد نحو: ذهب محمد بمؤدب أحمد، فإن كان الحرف زائدا جاز، نحو ليس محمد خليلا بمكرم. حاشية الصبان: ٢/ ٣٠٠.
[ ٣ / ١٩٥ ]
[باب إعمال اسم المفعول]
هذا باب إعمال اسم المفعول:
[تعريف اسم المفعول وشروط عمله]:
وهو: ما دل على حدث ومفعوله١، كـ"مضروب" و"مكرم".
ويعمل عمل فعل المفعول٢، وهو كاسم الفاعل؛ في أنه إن كان بأل عمل مطلقا٣، وإن كان مجردا عمل بشرط الاعتماد٤، وكونه للحال أو الاستقبال.
تقول: "زيد مُعْطًى أبوه درهما، الآن أو غدا"، كما تقول: "زيد يُعْطَى أبوه درهما"، وتقول: "المعطى كفافا يكتفي"٥، كما تقول: "الذي يُعْطَى أو أُعْطِيَ"؛ فالمعطى: مبتدأ، ومفعوله الأول مستتر عائد إلى "أل"، وكفافا: مفعول ثان، ويكتفي: خبر.
ما ينفرد به اسم المفعول عن اسم الفاعل:
وينفرد اسم المفعول٦ عن اسم الفاعل بجواز إضافته إلى ما هو مرفوع به في
_________________
(١) ١ أي على معنى مجرد، وعلى الذات التي وقع عليها هذا الحدث، ولا فرق بين أن يكون مأخوذا من الثلاثي على زنة مفعول، وأن يكون مأخوذا من غير الثلاثي المجرد على زنة مضارعه بإبدال أوله ميما مضمومة، وفتح ما قبل آخره، كما مثل المصنف. ٢ أي الفعل المبني للمفعول -أي المجهول. فإن كان متعديا لواحد رفعه بالنيابة، وإن كان متعديا لاثنين أو ثلاثة رفع واحدا بالنيابة ونصب غيره. ٣ بينا في مطلع باب إعمال اسم الفاعل المراد بالإطلاق. ٤ على استفهام، أو نفي، أو مخبر عنه، أو موصوف، أو ذي حال. ٥ مثال للمقرون بأل وهو يعمل بلا شرط، وهو من أمثلة الناظم في الألفية. ٦ اعلم أن اسم الفاعل يمكن أن يكون مأخوذا من مصدر فعل لازم، كقائم وقاعد =
[ ٣ / ١٩٦ ]
المعنى، وذلك بعد تحويل الإسناد عنه إلى ضمير راجع للموصوف، ونصب الاسم على التشبيه.
تقول: "الورع محمودةٌ مقاصدُه"، ثم تقول: "الورع محمودٌ المقاصدَ" بالنصب، ثم تقول: "الورع محمودُ المقاصدِ" بالجر١.
_________________
(١) = وجالس وناقد، وفي هذه الحالة يجوز أن يضاف إلى مرفوعه بغير خلاف، تقول: "محمد قائم الأب، ونافذ القول". ويمكن أن يكون مأخوذا من مصدر فعل متعد لأكثر من مفعول واحد، وفي هذه الحالة تمتنع إضافته إلى مرفوعه، وقد قيل: إن هذا المنع أجمع عليه النحاة، وقال الشاطبي: فيه خلاف. ويمكن أن يكون اسم الفاعل مأخوذا من مصدر فعل يتعدى لمفعول واحد، كضارب وظالم، وفي هذه الحالة منع الجمهور إضافته إلى مرفوعه. سواء أحذف مفعوله أم ذكر، وسواء أمن اللبس أم لم يؤمن. واختار ابن مالك ما ذهب إليه الفارسي من أنه تجوز إضافته لمرفوعه بشرط أمن اللبس، سواء أذكر منصوبه بعد الإضافة أم حذف. وجوز ابن عصفور وابن أبي الربيع إضافته إلى مرفوعه بشرط ان يحذف منصوبه، ولا يذكر في الكلام، ويدل لصحته إضافته إلى مرفوعه، وهو مأخوذ من مصدر فعل يتعدى لواحد قول الشاعر: ما الراحم القلب ظلاما وإن ظلما ولا الكريم بمناع وإن حرما وهذا البيت يصلح دليلا لمذهب ابن مالك ولمذهب ابن عصفور. التصريح: ٢/ ٧٠-٧١، الأشموني مع الصبان: ٢/ ٣٠٣. ١ قد وردت صيغ سماعية بمعنى اسم المفعول المصوغ من مصدر الثلاثي، في الدلالة على الذات والمعنى، ولكنها ليست على زنته. ومن ذلك: "فعيل" نحو: "كحيل بمعنى مكحول، و"فُعْل" كذبح بمعنى مذبوح، و"فعَل" كقنص بمعنى مقنوص، و"فعلة" كمضغة بمعنى ممضوغة، ويقتصر في ذلك على المسموع. ومن الخير والتسامح أن تعمل عمل اسم المفعول بشروطه، فترفع نائب فاعل حتما. وقد تنصب مفعولا به أو أكثر إن كان فعلها المبني للمجهول كذلك. هذا وقد ذكر الأشموني: أن جواز إلحاق اسم المفعول بالصفة المشبهة، وقياسه عليها في جواز إضافته إلى المرفوع إنما يكون إذا كان على وزنه الأصلي، وهو وزن "مفعول" من الثلاثي، ووزن المضارع المبني للمجهول من غيره، فإن حول عن ذلك إلى "فعيل" ونحوه لم يجز؛ لكراهة كثرة التغييرات، فلا يقال: مررت برجل كحيل عينه، ولا قتيل أبيه، ويجوز، مكحول عينه ومقتول أبيه. الأشموني: ٢/ ٣٤٦، والأشموني مع الصبان: ٢/ ٣٠٥-٣٠٦.
[ ٣ / ١٩٧ ]
[باب أبنية مصادر الثلاثي]
[أوزان الثلاثي المجرد]:
اعلم أن اللفعل الثلاثي١ ثلاثة أوزان: فَعَلَ، بالفتح، ويكون متعديا،
_________________
(١) ١ أي: المجرد، وذلك باعتبار ماضيه فقط. أما باعتبار الماضي مع المضارع، فيأتي على ستة أوجه يسميها الصرفيون أبوابا؛ لأن "فَعَلَ" بالفتح يأتي مضارعه مثلث العين، و"فَعِلَ" بالكسر يأتي مضارعه مفتوح العين، أو مكسورها، و"فَعُلَ" بالضم لا يكون مضارعه إلا مضموم العين، وإليك مجمل الأبواب المذكورة الباب الأول: "فَعَلَ" "يَفْعِلُ"؛ نحو: ضرب، يضرب، جلس، يجلس، وهو مقيس مطرد في المثال الواوي؛ نحو: وعد، يعد بشرط أن لا تكون لامه حرف حلق؛ ومعلوم أن حروف الحلق هي: الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء. وهو مقيس مطرد في الأجوف اليائي أيضا؛ نحو: جاء، يجيء، فاء، يفيء وفي الناقص اليائي، نحو؛ أتى يأتي؛ بشرط أن لا تكون عينه حرف حلق كسعى وهو مقيس كذلك في المصنف اللازم؛ نحو: فر، يفر وما عدا ذلك فمقصور على السماع. الباب الثاني: "فَعَلَ" "يَفْعُلُ"؛ نحو" نصر ينصر، أخذ يأخذ، وهو مقيس في الأجوف الواوي؛ نحو: جال يجول، قال يقول. والناقص الواوي؛ نحو: صفا يصفو، وسما يسمو والمضعف المتعدي؛ نحو: مد يمد، صب يصب، وفي كل فعل تقصد فيه المفاخرة والغلبة؛ نحو: ناصرته فأنا أنصره وسابقته فأنا أسبقه ويشترط أن لا يكون من الأنواع التي يجب فيها كسر العين في الباب السابق. الباب الثالث: "فَعَلَ" "يَفْعَلُ"؛ نحو: بدأ يبدأ، ويكثر فيما كانت عين ماضيه، أو لامه حرف حلق؛ نحو: ذهب يذهب، فتح يفتح، ويشترط أن لا يكون مضعفا، وإلا فهو على ما سبق من كسر اللازم وضم المتعدي، وما جاء من هذا الباب غير حلقي فشاذ؛ نحو: أبى يأبى، وقد اشتهر الكسر في مضارع رجع ونزع ونضج، واشتهر الضم فيه في مضارع دخل وصرخ ونفخ وقعد وأخذ، وطلع وبزغ وبلغ ونخل، فينبغي الاقتصار على ما اشتهر. الباب الرابع: "فَعِلَ" "يَفْعَلُ"؛ نحو: علم يعلم، فهم يفهم، ولا ضابط لهذا الباب. =
[ ٣ / ١٩٨ ]
كـ"ضربه" وقاصرا كـ"قعد"، وفعل، بالكسر، ويكون قاصرا، كـ"سلم" ومتعديا، كـ"علمه"، وفعل، بالضم، ولا يكون إلا قاصرا، كـ"ظرف".
فأما فَعَلَ وفَعِلَ المتعديان فقياس مصدرهما١ الفعل؛ فالأول: كالأكل والضرب والرد، والثاني: كالفهم واللثم والأمن.
وأما فعل القاصر؛ فقياس مصدره "الفعل"؛ كالفرح، والأشر، والجوى، والشلل٢؛ إلا إن دل على حرفة، أو ولاية؛ فقياسه: الفعالة؛ كولي عليهم ولاية٣.
_________________
(١) = وإنما يكثر فيه الأفعال الدالة على الفرح وتوابعه، والامتلاء والخلو والألوان والعيوب؛ نحو فرح طرب غضب حزن شبع وعطش وحمر وعور وعمش وهيف. الباب الخامس: "فَعِلَ" "يَفْعِلُ"؛ نحو: حسب يحسب، وولي يلي وهو نادر في الصحيح كثير في المعتل هي: ورث، وولي، ورم، ورع، ومق "أي أحب"، وفق، وجد أي: حزن، ورك أي: اضطجع، وكم أي: اغتم، وقه، وهم وعم الدار أي: قال لها: انعمي. وورد أحد عشر فعلا تكسر عينها في الماضي ويجوز الفتح والكسر في المضارع منها: حسب، يئس، يبس، ولغ، وغر، وبق أي: هلك. الباب السادس: "فَعُلَ" "يَفْعُلُ"؛ نحو: عظم يعظم، كرم يكرم، ولا يكون إلا لازما، وأفعال هذا الباب تدل على الأوصاف الخلقية أي: التي لها مكث، ولم يرد فعل يائي العين إلا هيؤ الرجل، أي: حسنت هيئته، هذا: ولك أن تنقل وتحول إلى هذا البناء كل فعل ثلاثي تريد به الدلالة على أن معناه صار كالغريزة. أو أردت التعجب منه، أو القدح فيه كما سيأتي في باب التعجب انظر ضياء السالك ٣/ ٢٨-٢٩. ١ إلا إن دل على صناعة فمصدره في الغالب "فِعالة"؛ نحو: حاك حياكة، صاغ صياغة، خاط خياطة؛ والمراد بالقياس أنه إذا ورد فعل لم يُعلم مصدره يُقاس على ذلك، ولا يقاس مع السماع. انظر التصريح: ٢/ ٧٣. ٢ يقال؛ جَوِيَ المحب جَوًي: اشتدت به حرقة الحب، شَلِلَ المريض شللًا: أصابه مرض الشلل. ٣ ومثله ساس البلاد سياسة، وراض الخيل رياضة، وهذا المصدر يأتي في "فَعَل" المتعدي الدال على صناعة كما سلف، واللازم كما سيأتي، ويستثنى منه ما دل على =
[ ٣ / ١٩٩ ]
وأما فَعَل القاصر؛ فقياس مصدره الفُعُول١، كالقعود، والجلوس، والخروج، إلا إن دل على امتناع؛ فقياس مصدره: الفِعَال كالإباء٢، والنفار، والجماح، الإباق، أو على تقلب٣؛ فقياس مصدره: الفَعَلان؛ كالجولان، والغليان، أو على داء؛ فقياسه: الفُعَال؛ كمشى بطنه مشاء، أو على سير؛ فقياسه: الفَعِيل كالرحيل، والذميل٤، أو على صوت؛ فقياسه: الفُعَال أو الفَعِيل٥؛ كالصراخ والعواء، والصهيل، والنهيق والزئير٦، أو على حرفة أو ولاية؛ فقياسه: الفِعَالة كتجر تجارة، وخاط خياطة، وسفر بينهم سفارة إذا أصلح.
وأما فَعُلَ، بالضم؛ فقياس مصدره: الفُعُولة؛ كالصعوبة، والسهولة، والعذوبة، والملوحة؛ والفَعَالَة: كالبلاغة، والفصاحة، والصراحة٧.
_________________
(١) = لون، فإن الغالب في مصدره "فُعْلَة"؛ نحو: حمرة وسمرة. وما دل على معنى ثابت فقياسه "فَعُولة"؛ نحو: يبوسة. وما دل على معالجة -أي محاولة حسية- فمصدره "فُعُول"؛ نحو: صعد صعودا، قدم قدوما. انظر ضياء السالك ٣/ ٣٠. ١ هذا إذا كان صحيح العين؛ فإن كان معتلها فالغالب في مصدره أن يكون على وزن "فَعْل"؛ نحو: نام نوما، صام صوما. أو على "فِعَال"؛ نحو: صام صياما وقام قياما. ٢ الإباء: مصدر أبى بمعنى امتنع، أما أبى بمعنى كره، فهو متعدٍّ، تقول: أبيت الشيء إذا كرهته. ٣ أي: تنقل وحركة متقلبة فيها اهتزاز واضطراب لا مطلق تحرك؛ فلا يراد قام قياما، ومشى مشيا. ٤ الذميل: ضرب من سير الإبل، فيه رفق ولين، وهو دون الرسيم. ٥ يجتمع الفعال والفعيل في نحو: صرخ الطفل، ونعب الغراب، ونعق الراعي؛ ويكون "فُعَال" مصدرا، لما يدل على مرض كما تقدم، أو صوت؛ نحو: بغم الظبي بغاما؛ ويكون "فَعِيل" لما يدل على سير -كما سلف- أو على صوت؛ نحو: صهل الفرس صهيلا. ٦ الزئير: صوت الأسد؛ وهو مصدر زأر، والنهيق: صوت الحمار؛ وهو مصدر نهق. ٧ يكون المصدر على وزن "فُعولة" -غالبا- إذا جاءت الصفة المشبهة منه على وزن "فَعْل"؛ نحو: سهل فهو سهل، وعذب فهو عذب؛ فالمصدر: سهولة وعذوبة؛ وعلى وزن "فِعالة" إذا كانت الصفة منه على وزن "فعيل"؛ نحو: ملح فهو مليح، وظرف فهو ظريف؛ فالمصدر: ملاحة، وظرافة. وقد يتخلف ذلك نحو: ضَخُم فهو ضَخْم، =
[ ٣ / ٢٠٠ ]
وما جاء مخالفا لما ذكرناه؛ فبابه: النقل١.
كقولهم في "فَعَل"، المتعدي: جحده جحودا، وشكره شكورا وشكرانا٢؛ وقالوا "جحدا" على القياس.
وفي "فَعَل" القاصر: مات موتا، وفاز فوزا، وحكم حكما، وشاخ شيخوخة، ونم نميمة، وذهب ذهابا٣.
وفي "فَعِل" القاصر: رغب رغوبة٤، ورضي رضا، وبخل بُخْلًا، وسخط سُخْطًا، بضم أولهما وسكون ثانيهما، وأما البَخَل والسَّخَط، بفتحتين، فعلى القياس؛ كالرغب٥.
وفي "فَعُلَ" نحو: حسن حسنا، وقبح قبحا٦.
وذكر الزجاجي وابن عصفور: أن الفعل٧ قياس في مصدر "فعل"؛ وهو خلاف ما قاله سيبويه.
_________________
(١) = وملح الطعام؛ أي صار ملحا؛ فمصدرها الشائع: الضخامة، والملوحة، مع أن الصفة المشبهة، ليست على فعل ولا فعيل. ١ أي: السماع عن العرب، ولا يقاس عليه. ٢ والقياس: جحدا وشكرا. ٣ والقياس في الجميع: "فُعول". ٤ والقياس: رغبا. ٥ وعلى ذلك، يكون لـ"رغب" و"بخل" و"سخط" مصادر قياسية، وأخرى سماعية، ويلاحظ أن المؤلف عد كلا من "رضي" و"سخط" لازما، مع ورود قولهم: رضيه، وسخطه. ٦ والقياس: "الفعُولة" أو "الفَعَالة". ٧ وقع في نسخة المتن وفي نسخ التصريح المطبوعة كلها أن "الفُعْلَة" بدل "الفُعْل" وهو تحريف كما ذكر الشيخ عبد الحميد في تعليقه، وقد نقل الأشموني هذه العبارة في تنبيهاته فقال: "ذكر الزجاج وابن عصفور أن "الفُعْل" كالحسن، قياس في مصدر "فَعُل" -بضم العين- كـ"حسن" و"قبح" وهو خلاف ما قاله سيبويه. انظر حاشية الصبان: ٢/ ٣٠٦.
[ ٣ / ٢٠١ ]
[باب مصدر غير الثلاثي]
هذا باب مصادر غير الثلاثي:
لا بد لكل فعل غير ثلاثي١ من مصدر مقيس.
_________________
(١) ١ ويشمل غير الثلاثي ما يأتي: أ- الرباعي المجرد وله بناء واحد هو "فعلل" ويكون لازما كـ"حشرج" أي: غرغر عند الموت، ومتعديا كـ"دحرج". ومنه ما اشتق من أسماع الأعيان كـ"فلفلت الطعام"، و"زعفرت الثوب"، والمنحوت كـ"بسمل" و"حوقل". ويلحق به ثمانية أوزان أصلها من الثلاثي فزيد حرف الإلحاق وهذه الأوزان هي: "فَعْلَل" كـ: جلبب، يقال: جلببه أي: ألبسه الجلباب، و"فَوْعَل" كـ"جورب" أي: ألبسه الجورب، و"فَعْوَل" كـ: هرول، و"فَيْعَل" كـ: هيمن، و"فَعْيَل" كـ: شريف، يقال: شريف الزرع أي: قطع شريانه؛ وهو ورقه الطويل، و"فَنْعَل" كـ: سنبل، و"فَعْنَل" كـ: قلنس، يقال: قلنسه أي: ألبسه القلنسوة، و"فَعْلَى" كـ: سلقى أي؛ استلقى على ظهره. ب- مزيد الثلاثي بحرف واحد؛ له ثلاثة أبنية: "أَفْعَل" نحو؛ أحسن وأكرم؛ والغالب فيه أن يكون للتعدية؛ نحو: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ . و"فَعَّل"؛ نحو: قدم وقطع؛ ويغلب أن يكون للتكثير؛ نحو: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ . و"فَاعَل"، نحو: قاتل وخاصم؛ ويدل على المشاركة كثيرا. ج- مزيد الثلاثي بحرفين؛ وله أبنية خمسة؛ هي: "انفعل"؛ نحو: انكسر، وانصرف. و"افتعل"؛ نحو: اجتمع، واتصل. و"تَفَعَّل"؛ نحو: تقدم، وتصدع. و"تفاعل"؛ نحو: تقاتل، وتخاصم. ومنه: ادَّارك، واثَّاقل. و"افعل"؛ نحو: احمر؛ ومنه: ارعوى. د- مزيد الثلاثي بثلاثة أحرف، وأبنيته أربعة هي: "استفعل"؛ نحو: استغفر، استقام. و"افعوعل"؛ نحو: احدودب، واعشوشب. و"افعول"؛ نحو: اجلوذ؛ أي: أسرع في السير، واعلوط البعير؛ ركبه بغير خطام. و"افعالّ"؛ نحو: احمارّ، واعوارّ.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
[قياس "فعّل"]:
فقياس "فَعَّل"، بالتشديد، إذا كان صحيح اللام: "التفعيل"؛ كالتسليم والتكليم، والتطهير١؛ ومعتلها كذلك، ولكن تحذف ياء التفعيل، وتعوض منها
_________________
(١) = هـ- مزيد الرباعي بحرف واحد؛ وله بناء واحد هو: "تفعلل"؛ نحو؛ تدحرج، وتبعثر. ويلحق به سبعة أوزان؛ أصلها من الثلاثي، فزيد حرف للإلحاق، ثم زيدت عليه التاء؛ وهي: "تفعلل"؛ نحو؛ تجلبب، و"تمفعل"؛ نحو: تمندل؛ أي: تمسح بالمنديل. و"تفوعل"؛ نحو: تجورب. و"تَفَعْوَل"؛ ونحو: تسرول. و"تَفَيْعَل"؛ نحو: تسيطر. و"تَفَعْيَل"؛ نحو: ترهيأ؛ يقال: ترهيأ في الأمر؛ اضطرب؛ أو هم ثم أمسك عنه. و"تَفَعْلَى"؛ نحو؛ تقلسى؛ أي: لبس القلنسوة. ومزيد الرباعي بحرفين؛ وله بناءان هما: "افعنْلَل"؛ نحو: احرنجم، وافرنقع؛ يقال: احرنجم الرجل؛ أي: أراد الأمر، ثم رجع عنه؛ وافرنقع القومك تنحوا وانصرفوا. ويلحق به ثلاثة أبينة؛ أصلها من الثلاثي، فزيد حرف للإلحاق، ثم حرفان، وهي: "افعنلل"؛ نحو: اقعنس؛ أي: تأخر ورجع. و"افعنلى"؛ نحو: اسلنقى: نام على ظهره. و"افتعلى"؛ نحو؛ استلقى. ويلاحظ أن زيادة الإلحاق، تكون بتكرير اللام، وهو الكثير؛ أو بزيادة الواو، أو الياء ثانية وثالثة؛ أو النون وسطا؛ أو الألف آخرا. فائدة: الإلحاق: زيادة في أصول الكلمة؛ لتكون على وزن أخرى أزيد منها في الحروف؛ لتعامل معاملتها في التصريف كالجمع، والتكسير، والنسب وغير ذلك، وهو يكون في الأفعال؛ وضابطه فيها اتحاد المصادر، ويكاد يكون محصورا في الأوزان السالفة. أما في الأسماء، فيمكن أن يقال في تحديده: كل كلمة فيها زيادة -غير حرف المد- لا تطرد في إفادة معنى، وتكون موافقة لوزن من أوزان الاسم الرباعي، أو الخماسي المجردين من الحركات والسكنات تكون ملحقة به. فائدة: الزيادة التي للإلحاق لا تطرد في إفادة معنى -كم أسلفنا- ليخرج مثل الميم في "مفعل" فإنها للزمان أو المكان أو المصادر؛ وكذلك الهمزة في "أفعل" فإنها -فيه- للتفضيل؛ وكذلك؛ نحو: أكرم وقاتل وقدم، فذلك ونحوه، ليس من اللإلحاق في شيء. فائدة: كانت عدة دواع، تدعو العرب للإلحاق؛ منها: ضرورة الشعر، والتمليح، والتهكم ، وليس من حقنا اليوم، وليس من حق أحد أن يزيد شيئا؛ للإلحاق، فأصبح مقصورا على ما سمع من ذلك. ١ هي مصادر: سلم وكلم وطهر.
[ ٣ / ٢٠٣ ]
التاء١؛ فيصير وزنه: تفعلة؛ كالتوصية والتسمية والتزكية٢.
[قياس "أفعل"]:
وقياس "أفعل" إذا كان صحيح العين: الإفعال؛ كالإكرام والإحسان؛ ومعتلها كذلك، ولكن تنقل حركتها٣ إلى الفاء، فتقلب ألفا٤، ثم تحذف الألف الثانية٥ وتعوض عنها التاء؛ كأقام إقامة، وأعان إعانة، وقد تحذف التاء؛ نحو: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ﴾ ٦.
[قياس ما أوله همزة وصل]:
وقياس ما أوله همزة وصل٧: أن تكسر ثالثه، وتزيد قبل آخره ألفا، فينقلب مصدرا؛ نحو: اقتدر اقتدارا، واصطفى اصطفاء، انطلق انطلاقا، واستخرج استخراجا؛ فإن كان استفعل معتل العين، عمل فيه ما عمل في مصدر أفعل المعتل العين٨؛ فتقول: استقام استقامة، واستعاذ استعاذة.
_________________
(١) ١ أي: الدلالة على التأنيث؛ لأنها أقوى على قبول الحركات من حروف العلة. ٢ وقد يأتي صحيح اللام كذلك على قلة نحو: جرب تجربة، ذكر تذكرة، ويغلب في مهموز اللام؛ نحو جزأ تجزئة، هنأ تهنئة، ولم يجز سيبويه من هذا إلا ما سمع. ٣ أي: حركة العين. ٤ أي: تقلب العين ألفا؛ لتحركها بحسب الأصل، وانفتاح ما قبلها الآن. ٥ وهي ألف المصدر؛ لالتقائها ساكنة مع الألف المنقلبة عن العين، وهذا هو الصحيح وهو مذهب سيبويه، وعليه فوزن إقامة "إفعل". ويرى الأخفش والفراء: أن المحذوف هو الألف الأولى وهي عين الكلمة؛ فوزنها -عندهما- "إفالة". ٦ أي: للإضافة كمثال المؤلف؛ لأن الأصل إقامة الصلاة. وقد تحذف مطلقا فقد حكى الأخفش: إجابة إجابا. انظر التصريح: ٢/ ٧٥. ٧ هو ماضي الخماسي على وزن "افتعل"؛ نحو: انشرح، اجتمع. وماضي السداسي على وزن "استفعل" غير معتل العين؛ نحو: استغفر واحلولى، ويشترط أن تكون الهمز أصلية؛ فيخرج ما أصله "تفاعل" أو "تفعل"؛ نحو؛ تطاير وتطير؛ فلا يكسر ثالث مصدره، ولا تزاد قبل آخره ألف بل يضم ما قبل الآخر نظرا للأصل. ٨ أي: من نقل حركة العين إلى الفاء، وقلب العين ألفا، ثم حذفها للساكن، وتعويض تاء التأنيث عنها، وجاء بالتصحيح؛ نحو: استحوذ استحواذا، واغيمت السماء إغياما.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
[قياس "تفعلل"]:
وقياس "تفعلل" وما كان على وزنه١: أن يضم رابعه؛ فيصير مصدرا؛ كتدحرج تدحرجا، وتجمل تجملا، وتشيطن تشيطنا، وتمسكن تمسكنا، ويجب إبدال الضمة كسرة -إن كانت اللام ياء-؛ نحو: التواني والتداني٢.
[قياس "فعلل"]:
وقياس "فعلل" وما ألحق به: فعللة؛ كدحرج دحرجة، وزلزل زلزلة، وبيطر بيطرة، وحوقل حوقلة٣؛ وفعلال: بالكسر، إن كان مضافعا٤ كزلزال ووسواس٥؛ وهو في غير المضاعف: سماعي، كسرهف سرهافا٦؛ ويجوز فتح أول المضاعف، والأكثر أن يعني بالمفتوح اسم الفاعل٧؛ نحو: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ ٨؛ أي: الموسوس.
[قياس "فاعل"]:
وقياس "فاعل"٩، كضارب وخاصم وقاتل: الفعال والمفاعلة؛ ويمتنع
_________________
(١) ١ أي: في الحركات والسكنات وعدد الأحرف وبدئ بتاء زائدة، وإن لم يكن من بابه، كما مثل المصنف. ٢ أصلها: بضم ما قبل الياء؛ فقلبت الضمة كسرة؛ لتسلم الياء من قبلها واوا؛ لأن ذلك يؤدي إلى وجود ما لا نظير له في كلام العرب، وهو وجود واو مضموم ما قبلها في آخر الاسم المعرب. انظر التصريح: ٢/ ٧٦. ٣ ذكر من الملحق ما كان على وزن "فعلل" و"فيعل" و"فوعل"، والباقي سبق بيانه؛ ومعنى بيطر: عالج الدواب وحوقل: ضعف عن الجماع للكبر. ٤ المضاعف من الرباعي هو ما كانت فاؤه ولامه الأولى من جنس، وعينه ولامه الثانية من جنس آخر. ٥ أي: وزن "فعلال". ٦ يقال: سرهفت الصبي: إذا أحسنت غذاءه. ضياء السالك: ٣/ ٣٨. ٧ أي: معنى اسم الفاعل، لا المصدر. ٨ ١١٤ سورة الناس، الآية: ٤. ٩ أي: غير معتل الفاء بالياء؛ سواء دل على المشاركة -كما مثل المؤلف- أو لا؛ نحو: نادى نداء ومناداة.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
الفعال فيما فاؤه ياء١؛ نحو ياسر ويامن، وشذ ياومه يواما٢.
وما خرج عما ذكرناه فشاذ٣؛ كقولهم: كذب كذابا؛ وقوله٤: [مشطور الرجز]
٣٧٨- فهي تنزي دلوها تنزيا٥
_________________
(١) ١ وذلك لثقل الابتداء بالياء المكسورة. ٢ المياومة: المعاملة بالأيام؛ كالمشاهرة. ٣ فيكون مقصورا على السماع، ولا يقاس عليه، وإلى ذلك يشير ابن مالك بقوله: "الفاعل الفعال والمفاعله وغير ما مر السماع عادله" أي أن مصدر "فاعل"؛ هو الفعال والمفاعلة. وما جاء مخالفا للمقيس من المصادر السالفة كلها فمقصور على السماع، لا يقاس عليه؛ ومعنى عادله: أي ساواه. ٤ لم ينسب إلى قائل معين. ٥ تخريج الشاهد: هذا بيت من مشطور الرجز، وبعده قوله: كما تنزي شهلة صبيا وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٧٦، وابن عقيل: ٢٦٦/ ٣/ ١٢٨، والأشموني: ٧١١/ ٢/ ٣٤٩، والخصائص: ٢/ ٣٢، والمصنف: ٢/ ١٩٥، المخصص: ٣/ ١٠٤، ١٤/ ١٨٩. وشرح المفصل: ٦/ ٥٨، والمقرب: ١٠١، والعيني: ٣/ ٥٧١، اللسان: مادة "نزا"، و"شهل". معنى الشاهد: أن هذه المرأة باتت تحرك دلوها بيدها حين تخرجه من البئر برفق ولين، كما تحرك العجوز الصبي حين ترقصه برفق ولين كذلك. الإعراب: هي: ضمير رفع منفصل مبني على الفتح، في محل رفع مبتدأ. تنزي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل: هي. دلوها: مفعول به منصوب، وهو مضاف، و"ها": مضاف إليه؛ وجملة "تنزي دلوها": في محل رفع خبر المبتدأ. تنزيا: مفعول مطلق منصوب. كما: الكاف حرف تشبيه وجر، و"ما" مصدرية. تنزي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل. شهلة: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. صبيا: مفعول به منصوب؛ والمصدر المؤول من "ما المصدرية وما دخلت عليه": مجرور بالكاف؛ و"الجار والمجرور": متعلق بصفة محذوفة لـ"تنزيا" المصدر؛ والتقدير: تنزي دلوها تنزيا مشابها لتنزية شهلة صبيا. موطن الشاهد: "تنزيا". وجه الاستشهاد: مجيء "تنزيا" مصدرا للفعل "نزى" المعتل اللام والقياس: "تنزية" =
[ ٣ / ٢٠٦ ]
وقولهم: تحمل تحمالا، وترامى القوم رميا، وحوقل حيقالا، واقشعر قشعريرة، والقياس: تكذيبا، وتنزية، وتحملا، وتراميا، وحوقلة، واقشعرارا.
[مصدر المرة والهيئة من الثلاثي]:
[مصدر المرة]:
فصل: ويدل على المرة١ من مصدر الفعل الثلاثي "بفَعْلَة"٢، بالفتح،
_________________
(١) = نحو: توصية، وتزكية، وتعمية؛ لأن "التفعيل" مصدر "فعل" الصحيح اللام؛ فحكم مجيئه على هذا الومن شاذ، لا يقاس عليه. فائدة: لخص بعض العلماء الحديثين مصادر الرباعي فيما يأتي: أ- ما كان على وزن "أفعل" فمصدره "إفعال". ب- ما كان على وزن "فَعَّل" فمصدره "تفعيل". ج- ما كان على وزن "فَاعَل" فمصدره "فِعَال" أو "مُفَاعَلَة"؛ نحو؛ قاتل قتالا ومقاتلة. د- ما كان على ومن "فعلل" فمصدره "فعللة"؛ نحو: دحرج دحرجة، وعلى "فعلال"؛ إن كان مضاعفا. وأما الخماسي والسداسي؛ فالمصدر منهما يكون على وزن الماضي مع كسر ثالثه، وزيادة ألف قبل الآخر؛ إن كان مبدوءا بهمزة وصل؛ نحو: انطلق انطلاقا، واستخرج استخراجا. ومع ضم ما قبل آخره فقط؛ إن كان مبدوءا بتاء زائدة؛ نحو: تقدم تقدما، وتدحرج تدحرجا. وإذا كانت عين الفعل ألفا؛ تحذف منه ألف الإفعال والاستفعال، ويعوض عنها التاء في الآخر؛ نحو: أقام إقامة، واستقام استقامة. وإذا كانت لامه ألفا؛ ففي "فَعَّل" تحذف ياء التفعيل، ويعوض عنها التاء؛ نحو: زكى تزكية. وفي "تفعل" "وتفاعل"؛ تقلب الألف ياء ويكسر ما قبلها؛ نحو: تأنى تأنيا. وفي غير ذلك، تقلب همزة إن سبقتها ألف؛ نحو: ألقى إلقاء، ووالى ولاء، واقتدى اقتداء، وارعوى ارعواء، واستولى استيلاء. ضياء السالك: ٣/ ٤٠. ١ أي: على حصول الشيء مرة واحدة. ٢ أي: إذا أريد الدلالة على المرة الواحدة، من مصدر الفعل الثلاثي -علاوة على معناه- أُتي بمصدره -مهما كانت صيغته -وجُعل على وزن "فَعْل" وزيدت عليه تاء التأنيث، فيصير "فعلة"، وشذ ما حكاه سيبويه من قولهم: أتيته إتيانا، ولقيته لقاءة؛ ويشترط أن يكون الفعل الثلاثي الذي تصاغ من مصدره المرة تاما متصرفا؛ فلا يصاغ من نحو: كاد وعسى. وأن يكون المصدر لأفعال صادرة عن الجوارح المدركة =
[ ٣ / ٢٠٧ ]
كجلس جلسة، ولبس لبسة، إلا إن كان بناء المصدر العام عليها١؛ فيدل على المرة منه بالوصف٢، كرحم رحمة واحدة.
[مصدر الهيئة من الثلاثي]:
ويدل على الهيئة٣ "بفِعْلَة"، بالكسر، كالجلسة والركبة والقتلة٤، إلا إن كان بناء المصدر العام عليها؛ فيدل على الهيئة بالصفة، ونحوها٥؛ كنشد الضالة نشدة عظيمة.
[مصدر المرة من غير الثلاثي]:
والمرة من غير الثلاثي بزيادة التاء على مصدره القياسي٦، كانطلاقة واستخراجة، فإن كان بناء المصدر العام على التاء؛ دل على المرة منه بالوصف٧؛ كإقامة واحدة واستقامة واحدة.
_________________
(١) = بالحس؛ نحو: الضرب، والمشي، والجلوس، والقيام ؛ نحو: ضربة، وقعدة، وقومة. لا عن الأفعال الباطنة، نحو: العلم، والفهم، الجهل، والجبن، والبخل، فلا يقال: علمته علمة، ولا فهمته فهمة. وإلا يدل على صفة ثابتة ملازمة؛ فلا يصاغ من مثل: حسن، وجبن، وظرف، وقبح. انظر ضياء السالك: ٣/ ٤١، والتصريح: ٢/ ٧٧. ١ أي: على "فعلة" بالفتح. أما نحو: كدرة بالضم، ونشدة بالكسر؛ فيفتحان للمرة، ويكسران للهيئة، ولا يؤتى بالوصف معهما. ٢ أي: بلفظ واحدة؛ أو ما يشابهها، أو بقرينة، تدل على الواحدة؛ نحو: أهلك الله ثمود بصيحة. ويتبين من هذا: أن للفعل الثلاثي الصالح للمرة مصدرين؛ أحدهما: مشهور على النحو السابق، والثاني: للدلالة على المرة؛ وهذا لا يعمل. ٣ أي: هيئة الحدث وكيفيته عند وقوعه. ٤ يعمل -هنا- ما سبق إيضاحه في "فعلة". ٥ أي: بالصفة التي تدل على ما يراد من الهيئة؛ من حسن أو قبح أو زيادة أو نقص، أو غير ذلك من الأوصاف. ومثل الصفة: الإضافة؛ نحو؛ نشدة الملهوف. التصريح: ٢/ ٧٧، وضياء السالك: ٣/ ٤١-٤٢. ٦ أي: بدون زيادة أو نقص، أو أي تغيير. ٧ أو بقيام قرينة تدل عليها.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
[لا يبنى من غير الثلاثي مصدر للهيئة]:
ولا يبنى من غير الثلاثي مصدر للهيئة١، إلا ما شذ من قولهم: اختمرت خمرة٢، وانتقبت نقبة٣، وتعمم عمة، وتقمص قمصة٤.
_________________
(١) ١ لأن بناء مصدر الهيئة منه، يهدم بنية الكلمة؛ ذلك؛ لأنه يستتبع حذف ما قصد إثباته فيها؛ لغرض من الأغراض؛ فاجتنب ذلك، واكتفي بالمصدر الأصلي مع وصفه، عندما تدعو الحال إلى ذلك. التصريح: ٢/ ٧٧. ٢ أي: غطت رأسها بالخمار. ٣ أي: سترت وجهها بالنقاب؛ أي: البرقع. ٤ أي: غطى جسمه بالقميص. وفيما تقدم يقول ابن مالك: "في غير ذي الثلاث بالتا المره وشذ فيه هيئة كالخمره" والمعنى: تكون الدلالة على المرة من مصدر غير الثلاثي بزيادة التاء في آخره. أما الهيئة: فلا تجيء منه مباشرة، وشذ مجئيها منه؛ كالخمرة من اختمر. التصريح: ٢/ ٧٧، وضياء السالك؛ ٣/ ٤٢. ملحقات: الملحق الأول: المصدر الميمي: هو مصدر مبدوء زائدة لغير المفاعلة مصوغ من المصدر الأصلي للفعل، يعمل عمله، ويفيد معناه، مع قوة الدلالة وتأكيدها. وهو يصاغ من مصدر الفعل الثلاثي مطلقا غير المضعف -ما كانت عينه ولامه من جنس واحد- نحو: مد، وفر، وعد. مهما كانت صيغته على وزن "مفعل" بفتح العين؛ نحو؛ ملعب، ومسقط، ومصعد؛ إلا في حالة واحدة، فإنه يكون -فيها- على وزن "مَفْعِل" بكسر العين، وهي: أن يكون الثلاثي معتل الفاء بالواو، صحيح الآخر، فتحذف فاؤه في المضارع عند كسر عينه؛ نحو؛ موصل، وموعد، وموضع؛ فإن كان صحيح الفاء، أو معتلها بالياء، أو معتل الفاء واللام، أو غير مكسور العين في المضارع؛ نحو: وجل، فصيغته: "مَفْعَل" بالفتح، وشذ "المرجِع والمصير، والمعرفة، والمغفرة، وقد ورد فيها الفتح على القياس. ويصاغ المصدر الميمي من غير الثلاثي على وزن اسم المفعول؛ أي: علم وزن المضارع مع إبدال أوله ميما مضمومة، وفتح ما قبل الآخر، إن لم يكن مفتوحا؛ نحو؛ معرف، ومتعاون، ومكرم؛ من عرف، وتعاون، وأكرم. والمصدر الميمي: يلازم الإفراد، ولا تلحقه تاء التأنيث إلا سماعا؛ نحو: المحبة، =
[ ٣ / ٢٠٩ ]
_________________
(١) = والمودة، والمسرة، والموعظة. وقد ترد صيغة "مفعلة" لبيان سبب الفعل؛ ومن ذلك قوله ﵇: "الولد مبخلة مجبنة محزنة" وذلك مقصور على السماع كما ترد هذه الصيغة؛ للدلالة على مكان كثرة مسماها؛ نحو؛ مأسدة، ومسبعة، مفعاة؛ أي مكان تكثر فيه الأسود، والسباع، والأفاعي. وقد أجاز المجمع اللغوي أن تصاغ "مفعلة" قياسا من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول للمكان الذي تكثر فيه هذه الأعيان؛ سواء أكانت من الحيوان، أم من النبات، أم من الجماد. الملحق الثاني: أسماء الزمان والمكان: هما اسمان مصوغان من المصدر الأصلي للفعل؛ للدلالة على زمان الفعل أو مكانه؛ زيادة على المعنى المجرد الذي يدل عليه ذلك المصدر؛ وهما يصاغان من الثلاثي على وزن "مَفْعَل" -بفتح العين- إن كان معتل اللام مطلقا، أو صحيحها، ولم تكسر عين مضارعه؛ نحو: مرمى، ومسعى، ومدعى، ومنظر، ومذهب. ويصاغان على وزن "مَفْعِل" -بكسر العين- إن كان مثالا واويا صحيح اللام مطلقا، أو كانت عين مضارعه مكسورة؛ نحو؛ موعد، وميسر، ومجلس، ومبيع، وشذ مما تقدم: المنسك، والمطلع، والمشرق، والمغرب، والمفرق، والمنبت، والمسقط، والمسكن، والمسجد، والمجزر، وسمع الفتح في بعضها على القياس؛ وقيل: لا شذوذ في ذلك؛ لأنها أسماء لأمكنة وأزمنة مخصوصة معينة؛ ولم يذهب بها النحاة مذهب الفعل. ويُصاغان من غير الثلاثي على زنة اسم المفعول؛ نحو؛ مكرم، ومستخرج، ومستعان به، من أكرم، واستخرج، واستعان. واسما الزمان والمكان مشتقان؛ ولكنهما لا يعملان عمل الفعل؛ وتعيين المراد من الزمان أو المكان خاضع للقرائن. ويتبين مما تقدم: أن صيغة الزمان والمكان، والمصدر الميمي واحدة في غير الثلاثي، وكذلك في الثلاثي، إلا فيما يأتي:
(٢) في المثال الصحيح اللام الذي لا تحذف فاؤه في المضارع.
(٣) وفي السالم المكسور العين في المضارع؛ فإن المصدر الميمي فيهما على ومن "مَفْعَل" بفتح العين؛ نحو؛ موجل، ومنزل. واسم الزمان والمكان على وزن "مفعل" -فيهما- وعند الاتفاق في الصيغة؛ يكون التمييز بينها بالقرائن. الملحق الثالث: المصدر الصناعي: هو كل لفظ جامد أو مشتق، اسم أو غيره، زيد في آخره ياء مشددة، بعدها تاء تأنيث مربوطة، ليدل على معنى مجرد، هو مجموع الصفات الخاصة بذلك اللفظ، نحو: =
[ ٣ / ٢١٠ ]
_________________
(١) = الحرية، والإنسانية، والوطنية، والوحشية ؛ وهو قياسي في هذا، وليس له صيغ أخرى؛ والحاجة إليه ماسة وبخاصة في علم الكيمياء، وغيره من العلوم الطبيعية؛ وهو من المولد المقيس على كلام العرب. وقد قرره المجمع اللغوي بالقاهرة، فقال: "إذا أريد صنع مصدر من كلمة يزاد عليها ياء النسب والتاء". المحلق الرابع: اسم الآلة. اسم يدل على الأداة التي تعين الفاعل في عمل ما يفعل؛ وهو يصاغ قياسا من الفعل الثلاثي المتعدي -غالبا- وينقسم إلى قسمين؛ مشتق وجامد. فالمشتق أوزانه ثلاثة هي: "مفعال"؛ نحو: مفتاح، ومنشار، ومصباح، ومقراض. و"مِفْعَل"؛ نحو: مبرد، ومقص، ومخلب، ومخيط، ومنجل. و"مِفْعَلة"؛ نحو؛ مكنسة، ومصفاة، ومسرجة. والجامد: ليس له وزن مخصوص، وإنما يأتي على أوزان شتى، لا يحدها ضابط؛ نحو: الفأس، والقدوم، والسكين ؛ وأما نحو: المدهن، والمنخل، والمسقط، والمكحلة؛ فالصحيح: أنها أسماء أوعية مخصوصة، وليست جارية على فعلها. انظر هذه الملحقات في ضياء السالك: ٣/ ٤٢-٤٤. فائدة: أوصى المجمع اللغوي بالقاهرة، باتباع صيغ المسموع من أسماء الآلات، فإذا لم يسمع وزن منها لفعل؛ جاز أن يصاغ من أي وزن من الأوزان الثلاثة المتقدمة.
[ ٣ / ٢١١ ]
هذا باب أبنية أسماء الفاعلين والصفات المشبهات بها:
[الوصف القياسي من "فعل" مثلث العين]:
يأتي وصف الفاعل من الفعل الثلاثي المجرد١ على فاعل٢ بكثرة في فَعَل، بالفتح، متعديا كان كضربه وقتله، أو لازما كذهب وغذا، بالغين والذال المعجمتين، بمعنى سال٣، وفي فعل بالكسر متعديا كأمنه وشربه وركبه، ويقل في القاصر؛ كسلم، وفي فَعُل بالضم؛ كفَرُهَ٤.
[أوزان الصفة المشبهة من باب فرح]:
وإنما قياس الوصف من فَعِلَ اللازم٥: "فَعِل" في الأعراض٥؛ كفرح
_________________
(١) ١ بشرط أن يكون متصرفا، سواء أكان متعديا، أو لازما. ٢ وإن كانت عين الماضي ألفا؛ نحو؛ قال، وباع؛ قلبت همزة، تقول: قائل، وبائع؛ وإن كان ماضيه ناقصا؛ نحو: دعا، ورمى، وسعى؛ تحذف لامه في حالتي الرفع والجر؛ تقول: داعٍ، ورامٍ، وساعٍ. التصريح: ٢/ ٧٧. ٣ غذا الماء: إذا سال، وغذا العرق: إذا سال دمه؛ وهو يستعمل متعديا بمعنى: "ربى"، تقول: غذوت الصبي باللبن؛ إذا ربيته به؛ واسم الفاعل في الحالتين: "غاذ". ٤ الفاره من الناس: الحاذق بالشيء، والمليح الحسن؛ ومن الدواب: الجيد السير؛ يقال: رجل فاره؛ أي: حاذق. وجارية فرهاء؛ أي: حسناء؛ وفره الفرس يفره -بالضم: نشط وخف في السير. التصريح: ٢/ ٧٧. ٥ يسمى هذا الباب "باب فرح"، وتأتي الصفةالمشبهة -منه- على ثلاثة أوزان قياسية، ذكرها المؤلف، ومثل لها؛ وتعرف الصفة المشبهة باسم الفاعل، بأنها: اسم مشتق مصوغ من مصدر الفعل الثلاثي اللازم؛ للدلالة على ثبوت صفة لصاحبها ثبوتها عاما مستمرا. ٦ المراد بالأعراض: الأمور والمعاني التي تطرأ على الذات، وتزول سريعا، وتتجدد =
[ ٣ / ٢١٢ ]
وأشر١، و"أفعل" في الألوان والخلق٢؛ كأخضر، وأسود، وأكحل٣، وألمى٤، وأعور وأعمى؛ و"فعلان" فيما دل على الامتلاء، وحرارة الباطن٥؛ كشبعان، وريان، وعطشان٦.
[أوزان الصفة المشبهة من باب "فَعُل"]:
وقياس الوصف من "فَعُل" -بالضم- فعيل كظريف وشريف، ودونه "فَعْل"؛ كشهم وضخم، ودونهما "أفْعَل"؛ كأخطب٧ إذا كان أحمر إلى الكدرة، و"فَعَل" كبطل٨ وحسن، و"فَعَال"، بالفتح، كجبان٩، و"فُعَال" بالضم؛ كشجاع،
_________________
(١) = وتتردد على صاحبها؛ نحو؛ الفرح، والحزن، والألم؛ فخرجت الألوان والأشياء الخلقية، تقول: فرح فهو فرح، وأشر فهو أشر، وتعب فهو تعب، وحذر فهو حذر؛ ومؤنث "فَعِل" -هذا- "فَعِلة". وشذ من هذا الباب: مريض، وكهل؛ لأنهما عرضان. انظر التصريح: ٢/ ٧٧-٧٨. ١ الأشر: الذي لا يحمد النعمة والعافية. ٢ الخلق: جمع خلقة؛ وهي الحالة الظاهرة الدائمة في البدن؛ من عيب، أو لون، أو حلية. ومؤنث -أفعل- هذا "فعلاء"؛ تقول: عور فهو أعور، ومؤنثه: عوراء. ٣ الأكحل: أسود العينين من غير اكتحال؛ والأنثى: كحلاء. ٤ الألمى: أسود حمرة الشفتين؛ والأنثى: لمياء. ٥ الواو بمعنى "أو"؛ لأن المقصود: أنه ينقاس فيما يدل على امتلاء، أو خلو، أو نحو ذلك، مما يطرأ، ويتكرر، ولكنه يزول ببطء، ومؤنثه: "فعلى"؛ نحو: ظمآن وظمأى. انظر التصريح: ٢/ ٨٨. ٦ شبعان وريان: يدلان على الامتلاء، وعطشان: يدل على حرارة الباطن؛ ومثله ظمآن، وصديان؛ بمعنى عطشان. التصريح: ٢/ ٨٨. ٧ ذكر في التصريح: أنه بالخاء والظاء المعجمتين؛ وليس لهذه المادة أثر في كتب اللغة؛ والذي فيها: خطب، غير أن فعله من باب "فرح"، وخطُب بالضم؛ صار خطيبا. فلعل التمثيل بهذا اللفظ سهو من المؤلف. انظر التصريح: ٢/ ٧٨، وضياء السالك: ٣/ ٤٩. ٨ يقال: بطل الرجل؛ إذا صار بطلا. ٩ يكثر هذا الوزن في المؤنث. يقال: حصنت المرأة فهي حصان، ورزنت فهي رزان؛ والرزان: المتوقرة غير الطائشة.
[ ٣ / ٢١٣ ]
و"فُعُل"؛ كجنب، و"فِعْل"؛ كعفر؛ أي شجاع ماكر١.
وقد يستغنون عن صيغة "فاعل" من فعل، بالفتح، بغيرها٢، كشيخ وأشيب وطيب وعفيف٣.
[لا يكون "فاعل" صفة مشبهة إلا إذا أضيف إلى مرفوعه]:
تنبيه: جميع هذه الصفات صفات مشبهة٤؛ إلا "فاعلا"؛ كضارب وقائم، فإنه اسم فاعل، إلا إذا أضيف إلى مرفوعه٥؛ وذلك فيما دل على الثبوت كـ"طاهر القلب"، و"شاحط الدار"؛ أي: بعيدها؛ فصفة مشبهة أيضا٦.
_________________
(١) ١ العفر: -بالكسر- الخبيث الماكر؛ ومنه العفريت؛ وبالضم: الشجاع الجلد. انظر التصريح: ٢/ ٧٨. ٢ محل الاستغناء: ما لم يكن له وزن قياسي من المسموع. أما ما استعمل له قياس وسمع غيره؛ فليس موضع الاستغناء؛ نحو: مال فهو مائل وأميل؛ قاله الشاطبي. الترصيح: ٢/ ٧٨. ٣ ذكر المؤلف لباب "فعل" عشرة أوزان قياسية؛ بعضها كثير الاستعمال، وبعضها قليل، والبعض أقل؛ وهي موزعة بين البابين، كما سيأتي؛ منها ما هو خاص بباب كرم، وهو "فعَل وفعُل وفعال وفعال". أما، أفعل وفعلان: فيختصان بباب "فرح". ويشترك بين البابين: "فَعْل وفعل وفعيل وفَعِل". ضياء السالك: ٣/ ٥٠. ٤ أي: إذا قصد بها الدلالة على الثبوت والاستمرار كانت صفات مشبهة باسم الفاعل؛ وأما إذا قصد بها الحدوث فهي أسماء فاعلين؛ ولكن هل يجب -حينئذ- أن تحول إلى صيغة "فاعل"؛ فتقول: ضائق، وسائد، وفارح؛ في ضيق وسيد وفرح؟، أم يجوز بقاء زنتها، مع هذا القصد؟. والجواب: لعل الأقرب إلى الصواب: أنه لا يجب التحويل إلا إذا قصد التنصيص على إرادة الحدوث؛ ولا يختص وزن "فاعل" بجواز قصد الثبوت والاستمرار، بل يجري ذلك في أسماء الفاعلين من غير الثلاثي. وقد مثل المؤلف للصفة المشبهة، بمستقيم الرأي، ومعتدل القامة؛ وهذا يدل على أن زنة اسم الفاعل من غير الثلاثي، تكون أحيانا صفة مشبهة. انظر التصريح: ٢/ ٧٨-٧٩. ٥ أي: في المعنى، وكذلك إذا نصبه. ٦ يلاحظ في هذا: أن موازن "فاعل"، لا يكون صفة مشبهة إلا إذا قصد به الدوام =
[ ٣ / ٢١٤ ]
[مجيء اسم الفاعل من غير الثلاثي المجرد]:
فصل: ويأتي وصف الفاعل من غير الثلاثي المجرد بلفظ مضارعه١، بشرط الإتيان بميم مضمومة مكان حرف المضارعة، وكسر ما قبل الآخر٢ مطلقا؛ سواء كان مكسورا في المضارع؛ كـ"منطلق" و"مستخرج" أو مفتوحا كـ"متعلم" و"متدحرج".
_________________
(١) = والاستمرار، وأضيف إلى مرفوعه، أو نصبه. وكذلك اسم الفاعل من غير الثلاثي -كما بينا- وكما سيمثل به المؤلف في باب الصفة المشبهة من قوله: "مستقيم الرأي"، ومعتدل القامة؛ مما يدل صراحة على أن الوصف من غير الثلاثي، يكون صفة مشبهة. ١ وشذ من ذلك ألفاظ؛ منها: أيفع الغلام -إذا شب- فهو يافع؛ وأورس النبت -إذا اصفرّ لونه- فهو وارس؛ وأحصرت الناقة -إذا ضاق مجرى لبنها- فهي حصور؛ وأعقت الفرس -إذا حملت- فهي عقوق. وقيل: إنه سمع: يفع، وورس، فيكون يافع ووارس -حينئذ- مما استغنى فيه باسم الفاعل الثلاثي عن اسم فاعل غيره، وجاء "مورس" قليلا. ٢ أي: ولو تقديرا؛ نحو: مختار ومعتل؛ اسمي فاعل من اختار، واعتل؛ فإن الكسر فيهما مقدر. وشذ فتح ما قبل الآخر في "مسهب" من "أسهب"؛ إذا تكلم كثيرا؛ و"محصن" من "أحصن"، إذا تزوج؛ و"ملقح" من "ألقح الفحل الناقة". التصريح: ٢/ ٧٩.
[ ٣ / ٢١٥ ]
[باب أبنية أسماء المفعولين]
هذا باب أبنية أسماء المفعولين١:
[مجيء اسم المفعول من الثلاثي]:
يأتي وصف المفعول من الثلاثي المجرد٢ على زنة "مفعول"؛ كـ"مضروب" و"مقصود"، و"ممرور به"٣ ومنه: مبيع، ومقول، ومرمي، إلا أنها غيرت٤.
[مجيء اسم المفعول من غير الثلاثي]:
ومن غيره بلفظ مضارعه، بشرط الإتيان بميم مضمومة مكان حرف
_________________
(١) ١ اسم المفعول هو: اسم مشتق يصاغ من مصدر الفعل المبني للمجهول؛ للدلالة على معنى مجرد حادث، وعلى من وقع عليه هذا المعنى. ٢ بشرط أن يكون تاما متصرفا؛ لأن الجامد، لا يبنى منه اسم مفعول، ولا اسم فاعل، ولا صفة مشبهة؛ ما لا يأتي منه مصدر ولا غيره من المشتقات. ٣ هذا مثال لبناء اسم المفعول من اللازم بالصلة؛ لأن اسم المفعول، لا يصاغ من اللازم إلا مع الظرف، أو الجار والمجرور، أو المصدر. التصريح: ٢/ ٨٠. ٤ أي: غيرت لفظا عن زنة "مفعول"، والأصل: مبيوع، ومقوول، ومرموي، فنقلت حركة الياء والواو في الأولين إلى الساكن قبلهما؛ ثم قلبت الضمة كسرة في الأول؛ لتسلم الياء. وحذفت الواو من الثاني؛ لالتقاء الساكنين. أما الثالث: فقد قلبت الواو ياء، وأدغمتا؛ لاجتماعهما؛ وسبقت إحداهما بالسكون، ثم قلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء. وإذا كان اسم المفعول مؤنثا، وجب زيادة تاء التأنيث في آخره، فتقول: فاطمة منزهة عن فحش القول. التصريح: ٢/ ٨٠.
[ ٣ / ٢١٦ ]
المضارعة، وإن شئت فقل: بلفظ اسم فاعله؛ بشرط فتح ما قبل الآخر١؛ نحو: المال مستخرج، وزيد منطلق به.
[إنابة فعيل عن مفعول]:
وقد ينوب "فعيل" عن "مفعول"٢؛ كـ"دهين"، و"كحيل"، و"جريج"، و"طريح"، ومرجعه إلى السماع٣؛ وقيل: ينقاس فيما ليس له "فعيل" بمعنى "فاعل"٤؛ نحو: قدر ورحم؛ لقولهم: قدير ورحيم٥.
_________________
(١) ١ أي: في اسم الفاعل. ٢ أي: أن اسم المفعول من الثلاثي، قد يأتي على وزن "فعيل"، بدلا من "مفعول"؛ فيدل على معناه، ولكن لا يعمل عمله عند كثير من النحاة؛ فلا يقال: مررت برجل كحيل عينه؛ أو قتيل أبوه؛ أو ذبيح كبشه، وأجاز ذلك ابن عصفور في "المقرب"، واستحسنه بعضهم. وكذلك ينوب عن "مفعول" -على قلة- "فِعْل"؛ نحو: ذبح، وطحن بمعنى: مذبوح ومطحون. وينوب عن "مفعول" أيضا: "فَعَل"؛ نحو: "عدد" بمعنى: معدود. و"فُعْلَة"؛ نحو: مضغة بمعنى: ممضوغ؛ وغرفة بمعنى مغروف، وأكلة بمعنى مأكول. ضياء السالك: ٣/ ٥٣. ٣ أي: يقتصر في ذلك على المسموع والمنقول عن العرب؛ وفي هذا يقول ابن مالك: "وناب نقلا عنه ذو "فعيل" نحو فتاة أو فتى كحيل" والمعنى: ينوب "فعيل" عن اسم المفعول من الثلاثي؛ وهذا منقول عن العرب ومسموع منهم. تقول: فتاة كحيل؛ بمعنى مكحول العين، وفتى كحيل كذلك؛ مع ملاحظة أن صيغة "فعيل" -بمعنى مفعول- يستوي فيها المذكر والمؤنث غالبا. ٤ أي: كقتيل وجريح؛ وذلك لعدم اللبس فيه، بخلاف ما له ذلك، فإنه ليتبس بالفاعل. ٥ أي: بمعنى "قادر" و"راحم"، وهذا تمثيل للمنفي، والتعليل لمحذوف؛ أي؛ إنما كان الفعلان لهما "فعيل" بمعنى "فاعل". وأما ما ليس له "فعيل" بمعنى "فاعل"، فنحو: جريح وقتيل. التصريح: ٢/ ٨٠.
[ ٣ / ٢١٧ ]
هذا باب إعمال الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي إلى واحد١
[تعريف الصفة المشبهة العاملة]:
وهي: الصفة التي استحسن فيها أن تضاف؛ لما هو فاعل في المعنى٢، كـ"حسن الوجه"، و"نقي الثغر"، و"طاهر العرض".
فخرج نحو: "زيد ضارب أبوه" فإن إضافة الوصف فيه، إلى الفاعل ممتنعة٣؛ لئلا توهم الإضافة إلى المفعول؛ ونحو: "زيد كاتب أبوه"؛ فإن إضافة الوصف فيه، وإن كانت لا تمتنع٤ لعدم اللبس؛ لكنها لا تحسن؛ لأن الصفة لا تضاف لمرفوعها؛ حتى يقدر تحويل إسنادها عنه، إلى ضمير موصوفها؛ بدليلين؛
_________________
(١) ١ حق الصفة المشبهة أن تكتفي بمرفوعها، ولا تعمل النصب، لمباينتها الفعل بدلالتها على الثبوت؛ ولأنها مشتقة من مصدر الفعل الثلاثي اللازم وهو لا ينصب، ولكنها لما أشبهت اسم الفاعل المتعدي لواحد نصب مفعولها مثله، على التشبيه بالمفعول به، ووجده الشبه بينها وبين اسم الفاعل: أنها تدل على الحدث وصاحبه مثله، وأنها تقبل التثنية والجمع والتذكير والتأنيث غالبا، ويشترط في عملها النصب على التشبيه بالمفعول به: الاعتماد، كاسم الفاعل. ومن هذا كله: سميت بذلك الاسم. ٢ قيد الفاعل بالمعنى؛ لأن الصف لا تضاف للفاعل إلا بعد تحويل الإسناد عنه إلى ضمير الموصوف، فلم يبق فاعلا إلا من جهة وقوعه بعدها واتصافه بمعناها والمراد: استحسان الجر بنوعها لا بشخصها؛ لئلا يرد صور امتناع الجر، وضعفه كما سيأتي. الأشموني مع الصبان: ٣/ ٢/ ٣. ٣ أي: وإن قصد به الثبوت والدوام كما بينه المصنف. وأجازهما بعض النحاة إذا قصد الثبوت، وأمن اللبس عند الإضافة للمفعول. وآخرون أجازوا إذا قصد الثبوت، ويحذف المفعول اقتصارا، ويكون من باب الصفة المشبهة. التصريح: ٢/ ٨١. ٤ وذلك إذا قصد به الدوام، والثبوت؛ لأنه حينئذ يكون صفة مشبهة. أما إذا قصد به الحدوث والتجدد فإن إضافته ممتنعة.
[ ٣ / ٢١٨ ]
أحدهما: أنه لو لم يقدر كذلك لزم إضافة الشيء إلى نفسه١.
والثاني: أنهم يؤنثون الصفة في نحو: "هند حسنة الوجه"٢؛ فلهذا حسن أن يقال: "زيد حسن الوجه"؛ لأنه من حسن وجهه حسن أن يسند "الحسن" إلى جملته مجازا٣، وقبح أن يقال: "زيد كاتب الأب"؛ لأن من كتب أبوه لا يحسن أن تسند الكتابة إليه٤، إلا بمجاز بعيد٥.
وقد تبين أن العلم بحسن الإضافة، موقوف على النظر في معناها؛ لا على معرفة كونها صفة مشبهة؛ وحينئذ فلا دور في التعريف المذكور؛ كما توهمه ابن الناظم٦.
[ما تختص به الصفة المشبهة عن اسم الفاعل]:
فصل: وتختص هذه الصفة عن اسم الفاعل بخمسة أمور:
أحدها: أنها تصاغ من اللازم دون المتعدي٧؛ كـ"حسن" و"جميل"؛ وهو يصاغ منهما، كقائم وضارب.
_________________
(١) ١ لأن الصفة نفس مرفوعها في المعنى، واللازم باطل فالملزوم مثله. ٢ فلو لم تكن الصفة مسندة إلى ضمير الموصوف؛ وهو هند، لذكرت كما تذكر مع المرفوع. ٣ أي: في الإسناد إلى الجزء، وإرادة الكل، والباعث عليه قصد التخفيف. ٤ لأن الأب ليس جزءا من الابن، فلا يسوغ أن يطلق أحدهما ويراد الآخر. ٥ وهو الإسناد إلى المضاف إليه وإرادة المضاف. ٦ حيث قال: إن هذه الخاصة -وهي الإضافة إلى الفاعل- لا تصلح للتعريف بالصفة المشبهة وتمييزها؛ لأن العلم بالصفة المشبهة متوقف على استحسان إضافتها للفاعل، واستحسان الإضافة متوقف على العلم بكونها صفة مشبهة، فجاء الدور. وقد دفع المصنف ذلك بما حاصله: أن العلم باستحسان الإضافة موقوف على النظر في المعنى الثابت للفاعل، لا على العلم بكونها صفة مشبهة. التصريح: ٢/ ٨١. ٧ ما لم ينزل منزلة اللازم، أو يحول إلى "فعل" بالضم، كما في رحمن ورحيم فإنهما صفتان من رحم، وهو متعدٍّ.
[ ٣ / ٢١٩ ]
الثاني: أنها للزمن الحاضر الدائم١، دون الماضي المنقطع والمستقبل؛ وهو يكون لأحد الأزمنة الثلاثة٢.
الثالث: أنها تكون مجارية للمضارع في حركه وسكونه؛ كـ"طاهر القلب" و"ضامر البطن"، و"مستقيم الرأي" و"معتدل القامة" وغير مجارية له؛ وهو الغالب في المبنية من الثلاثي٣ كـ"حسن"، و"جميل"، و"ضخم"، و"ملآن"؛ ولا يكون اسم الفاعل إلا مجاريا له.
الرابع: أن منصوبها لا يتقدم عليها٤؛ بخلاف منصوبه٥، ومن ثم صح النصب في نحو "زيدا أنا ضاربه"٦، وامتنع في نحو: "زيد أبوه حسن وجهه"٧.
الخامس: أنه يلزم كون معمولها سببيا٨؛ أي: متصلا بضمير موصوفها؛ إما
_________________
(١) ١ أي: الثابت في الأزمن الثلاثة لا خصوص الحال. ودلالة الصفة المشبهة على الدوام عقلية لا وضعية. لأنه لما انتفى عنها الحدوث والتجدد ثبت الدوام عقلا؛ لأن الأصل في كل ثابت دوامه. ٢ فلا يقال حسن الوجه أمس، أو غدا. ٣ أما المبنية من مصدر غير الثلاثي، فلا بد من مجاراتها لمضارعها، والمجارة: تساوي عدد الحروف المتحركة والساكنة في كل منهما، وأن يكون ترتيب المتحرك والساكن فيهما متماثلا. ٤ لأنه كان فاعلا في الأصل، أو لأنه فرع اسم الفاعل. ٥ فإنه يجوز تقديمه، إذا كان غير مقرون بأل نحو: العواصف شجرا مقتلعة. أما المقترن بأل؛ أو المجرور بإضافة، أو حرف جر أصلي فيمتنع تقديم منصوبه. ففي مثل، هذا غلام قاتل زيدا، ومررت بضارب زيدا، يمتنع تقدم "زيدا". أما نحو: لست بضارب زيدا، فلا يمتنع لزيادة الجار. أما المرفوع والمجرور فلا يتقدمان فيهما؛ لأن المرفوع فاعل، والمجرور مضاف إليه وكلاهما لا يتقدم. ٦ أي: بنصب زيد على الاشتغال، لصحة عمل ضارب المذكور فيه لو ترفع من الضمير، وما يعمل في المتقدم يفسر عاملا فيه. ٧ فلا يصح نصب الأب بصفة محذوفة معتمدة على زيد، تفسرها الصفة المذكورة المشتغلة بنصب سببيه وهو "وجهه"؛ لأن الصفة المشبهة لا تعمل في متقدم وما لا يعمل لا يفسر عاملا، فوجب رفعه على أنه مبتدأ ثان، و"حسن" خبره والجملة خبر "زيد". ٨ أي: إذا كان مجرورا أو منصوبا على التشبيه بالمفعول به، وكذلك إذا كان معمولها =
[ ٣ / ٢٢٠ ]
لفظا؛ نحو: "زيد حسن وجهه"، وإما معنى؛ نحو: "زيد حسن الوجه"، أي: منه١؛ وقيل: إن "أل" خلف عن المضاف إليه٢؛ وقول ابن الناظم: إن جواز نحو: "زيد بك فرح"٣ مبطل لعموم قوله إن المعمول لا يكون إلا سببيا مؤخرا. مردود؛ لأن المراد بالمعمول ما عملها فيه لحق الشبه، وإنما عملها في الظرف بما فيها من معنى الفعل؛ وكذا عملها في الحال، وفي التمييز٤، ونحو ذلك؛ بخلاف اسم الفاعل٥.
_________________
(١) = مرفوعا، والصفة جارية على الموصوف. والمراد بالسببي: ما ليس أجنبيا من الموصوف، فيشمل الضمير البارز المتصل. نحو: حسن الوجه طلقه أنت، فيجوز في الهاء أن تكون في محل نصب أو جر "لطلق"، و"حسن الوجه طلقه" خبران مقدمان، و"أنت" مبتدأ مؤخر. ١ "فالوجه" معمول لحسن، وهو سببي؛ لأنه متصل بضمير الموصوف معنى، وهو "زيد"، وقد حذف الضمير مع حرف الجر، ولكنه ملحوظ كأنه موجود، وهذا رأي البصريين. ٢ وهو الضمير، وعلى ذلك فلا حذف، وهذا رأي الكوفيين. واعترض عليه بأنه قد يصرح بالضمير مع أل، كما في قول طرفة بن العببد في معلقته: رحيب قطاب الجيب منها رقيقة بجس الندامى بضة المتجرد والشاهد في "الجيب منها". رحيب: متسع. قطاب الجيب: مخرج الرأس منه. والجس: اللمس. البضة: البيضاء الرخصة. المتجرد: جسدها المتجرد من ثيابها. وعلى الرغم من هذا الاعتراض يستحسن بعض العلماء رأي الكوفيين؛ لخلوه من الحذف والتقدير. وعليه يكون السببي هو: المتصل بضمير صاحب الصفة، أو بما يغني عن الضمير. التصريح: ٢/ ٨٣. ٣ أي: مما تقدم فيه المعمول -وهو هنا "بك"- على الصفة، وهي "فرح" مع أنه غير سببي؛ لأنه ليس اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير يعود إلى الموصوف وهو "زيد". ٤ مثال الحال: محمد حسن وجهه طلقه، ومثال التمييز: علي فصيح قولا. ٥ فإنه لقوة شبهه بالفعل يعمل في متأخر ومتقدم، وفي سببي، وأجنبي. هذا؛ ومما تختص به الصفة المشبهة أيضا: أ- أنها لا تعمل محذوفة، فلا يجوز: هذا حسن القول والفعل، بنصب "الفعل" على تقدير: وحسن الفعل. أما اسم الفاعل فيجوز: أنت ضارب اللص والخائن. =
[ ٣ / ٢٢١ ]
[أحوال معمول الصفة المشبه في الإعراب]:
فصل: لمعمول هذه الصفة ثلاث حالات: الرفع على الفاعلية، وقال الفارسي: أو على الإبدال من ضمير مستتر في الصفة١؛ والخفض بالإضافة والنصب على التشبيه بالمفعول به؛ إن كان معرفة، وعلى التمييز إن كان نكرة٢، والصفة مع كل من الثلاثة؛ إما نكرة، أو معرفة، وكل من هذه الستة٣ للمعمول معه ست حالات؛ لأنه إما بأل؛ كـ"ـالوجه"، أو مضاف لما فيه أل كـ"ـوجه الأب"، أو مضاف للضمير كـ"وجهه"، أو مضاف لمضاف للضمير كـ"وجه أبيه"، أو مجرد كـ"ـوجه"، أو مضاف إلى المجرد كـ"ـوجه"، أو مضاف إلى المجرد كـ"وجه أب"؛ فالصور ست وثلاثون، والممتنع منها أربعة٤؛ وهي: أن تكون الصفة بأل والمعمول مجردا منها ومن الإضافة إلى
_________________
(١) = ب- ولا يجوز أن يفصل بينها وبين معمولها المرفوع، أو المنصوب بظرف، أو جاو ومجرور عند الجمهور. ج- وأنه لا يراعي لمعمولها المجرور مجل بالعطف أو غيره، بخلاف اسم الفاعل في ذلك كله. د- ولا تتعرف بالإضافة مطلقا بخلاف اسم الفاعل؛ فإنه يتعرف بها إذا كان بمعنى الماضي فقط، وأريد به الاستمرار؛ فيلحظ في هذا الاستمرار جانب المضي وحده. هـ- وأن "أل" الداخلة عليها حرف تعريف، أما الداخلة عليه فاسم موصول ومعرفة معا، على الأصح فيهما. انظر ضياء السالك؛ ٣/ ٦٠. ١ أي: بدل بعض من كل إذا أمكن ذلك لا مطلقا. قال الصبان: ويتعين الرفع على الفاعلية في نحو: مررت بامرأة حسن الوجه؛ لأن الصفة لو تحملت الضمير لوجب تأنيث الوصف بالتاء. ويتعين عدم في نحو: مررت بامرأة حسنة الوجه؛ لأن الوجه لوكان فاعلا لوجب تذكير الوصف. ويجوز الأمران في نحو: مررت برجل حسن الوجه. حاشية الصبان على شرح الأشموني: ٣/ ٨. ٢ ويجوز أيضا في النكرة أن تنصب على التشبيه بالمفعول به. ٣ أي: الحاصلة من ضرب وجوه الإعراب الثلاثة في حالتي تنكير الصفة وتعريفها. ٤ لا يصح فيها إضافة الصفة المشبهة إلى معمولها وجره.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
تاليها؛ وهو مخفوض١، كـ"ـالحسن وجهه"٢ أو "وجه أبيه" أو "وجه" أو "وجه أب".
_________________
(١) ١ لأنه يلزم عليه إضافة ما فيه أل إلى المجرد منها، ومن الإضافة لتاليها، أو لضمير تاليها، وذلك ممنوع كما تقدم إيضاحه في باب الإضافة. وهذا في الصفة المفردة. أما المثناة والمجموعة جمع مذكر سالم فتجوز إضافتها مطلقا. ٢ محل الامتناع في هذا، وفي الأمثلة الثلاثة بعده، إذا كان الموصوف غير محلى بأل كزيد مثلا، وإلا جاز الجر، تقول: مررت بالرجل الحسن وجهه إلخ؛ لأن معمول الصفة حينئذ مضاف لضمير ما فيه أل. هذا: وتنقسم الصور الجائزة إلى ثلاثة أقسام: قبيح، وضعيف، وحسن. فالقبيح: رفع الصفة مجردة، أو مع أل نكرة، ويشمل ذلك أربع صور. ووجه القبح خلو الصفة لفظا من ضمير الموصوف. والضعيف: نصب الصفة المنكرة -المعارف مطلقا- وجرها المضاف إلى ضمير الموصوف، أو إلى المضاف إلى ضميره، وذلك ست صور. ووجه الضعف إجراء وصف القاصر مجرى وصف المتعدي في حالة النصب، وشبه إضافة الشيء إلى نفسه في حالة الجر. والحسن ما عدا ذلك وهو اثنتنان وعشرون صورة. التصريح؛ ٢/ ٨٤-٨٦. الأشموني: ٢/ ٣٦٠، والأشموني مع الصبان: ٣/ ٩.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
[باب التعجب]:
هذا باب التعجب١:
[صيغ التعجب]:
وله عبارات كثيرة، نحو: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ ٢،
_________________
(١) ١ هو انفعال وتأثر داخلي يحدث في النفس عند استعظام أمر له مزية ظاهرة بسبب زيادة فيه. جعلته نادرا ولا نظير له، وقد خفي سببها. قيل: ولعل هذا معناه اللغوي. أما عند النحاة فهو: استعظام زيادة في وصف الفاعل خفي سببها، وخرج بها المتعجب به عن أمثاله، أو قل نظيره فيها. وهذا يفسر اشتراط أن يكون الفعل الذي تؤخذ من مصدره صيغة التعجب مبنيا للمعلوم؛ فلا يتعجب مما لا زيادة فيه، ولا مما ظهر سببه، ولهذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب. وأيضا، لا يوصف المولى سبحانه بأنه متعجب؛ لأنه لا يخفى عليه سبحانه شيء. وما ورد في كلامه، أو في الحديث الشريف، أو غيرهما مما يدل على التعجب، فالمراد منه: إما توجيه المخاطبين إلى إظهار العجب نحو: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أي: أن حالهم تستدعي أن يتعجب منها. أو المراد لازمه وهو الرضا والتعظيم، ونحو ذلك من الأغراض البلاغية، كحديث: "عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل": أي: وهم أسارى المشركين يسلمون فيدخلون الجنة. وكان القياس عدم التعجب من صفاته تعالى؛؟؟؟ لا تقبل الزيادة، نحو: ما أعظم الله، وما أقدره، وما أجله، وما أعلمه، ولكنهم أجازوا ذلك بقصد الثناء عليه على أن المعنى: أنه تعالى في غاية العظمة، وأن عظمته مما تحار فيها العقول. التصريح، وحاشية يس: ٢/ ٨٦- حاشية الصبان: ١/ ١٦-١٧. ٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٨. موطن الشاهد: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ . وجه الاستشهاد: استعمال "كيف" للتعجب مجازا عما وصفت له عن الاستفهام عن الأحوال، والمعنى: أتعجب من كفركم بالله.
[ ٣ / ٢٢٤ ]
"سبحان الله إن المؤمن لا ينجس" ١ لله دره فارسا٢!.
والمبوب له منها في النحو اثنتان:
[ما أفعله وإعرابها]:
إحداهما: ما أفعله، نحو "ما أحسن زيدا".
فأما "ما" فأجمعوا على اسميتها٣؛ لأن في "أحسن" ضميرا يعود٤ عليها، وأجمعوا على أنها مبتدأ؛ لأنها مجردة للإسناد إليها٥، ثم قال سيبويه: هي نكرة تامة٦ بمعنى شيء، وابتدئ بها؛ لتضمنها معنى التعجب، وما بعدها خبر؛
_________________
(١) ١ حديث شريف قاله ﵊ لأبي هريرة حين رآه في بعض طرق المدينة وكان جنبا، فأبى أن يقابله حتى اغتسل. والحديث أخرجه: البخاري: ١/ ٣٩٠، ومسلم: الحيض ب ٢٩: ١١٥، والنسائي: ١/ ١٤٦، مسند الإمام أحمد: ٢/ ٢٣٥-٣٨٢، وفتح الباري لابن حجر: ١٠/ ٥٩٩، شرح السنة للبغوي: ٢/ ٢٩. موطن الشاهد: "سبحان الله". وجه الاستشهاد: وقوع "سبحان" اللفظ الموضوع للتنزيه مفيدا للتعجب؛ لأن الإنسان يسبح الله عند رؤية مخلوقاته العجيبة. ٢ قول لبعض العرب. ومن الصيغ التعجبية غير ما ذكر: "يا لك"، و"يا له، وقولهم: عجبت من كذا " غير ذلك. ٣ وهي علامة التعجب، ولذا تسمى "ما التعجبية". ويجب تقديمها على الفعل. ٤ وهذا الضمير بينه وبين غيره من الضمائر المستترة المرفوعة فرقا من ثلاثة أوجه، الأول: أن الضمير المرفوع المستتر في الفعل مثلا يجوز العطف عليه بعد الفصل بالضمير المرفوع البارز أو فاصل ما، وهنا لا يجوز في الضمير المستتر في أحسن ذلك. والثاني: أنه لا يجوز أن يبدل من الضمير المستتر في أحسن، والثالث: أنه لا يجوز في باب التدريب أن يخبر عن هذا الضمير المستتر في أحسن. هذا: وقد قال البصريون بصراحة عن هذا الضمير، ولم يقله الكوفيون كما يعلم من كلامهم الآتي في أحسن. حاشية يس على التصريح: ٢/ ٨٧. ٥ روي عن الكسائي: أنه يقول: إن "ما" لا موضع لها من الإعراب، فهو على هذا لا يكون مع النحاة في أنها مبتدأ، وهذا قول شاذ لا يقدح فيه الإجماع. ٦ يراد بالنكرة: أنها بمعنى شيء أي شيء، وبالتمام: أنها غير موصوفة بشيء بعدها، وقد أفادها التنكير الإبهام، وهو يناسب التعجب؛ لانه يكون فيما خفي سببه. =
[ ٣ / ٢٢٥ ]
فموضعه رفع؛ وقال الأخفش: هي معرفة ناقصة بمعنى الذي، وما بعدها: صلة فلا موضع له، أو نكرة ناقصة، وما بعدها صفة فمحله رفع؛ وعليهما: فالخبر محذوف وجوبا، أي: شيء عظيم١.
وأما "أفعل" كأحسن فقال البصريون والكسائي: فعل؛ للزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية؛ نحو: "ما أفقرني إلى رحمة الله تعالى"، ففتحته بناء كالفتحة في ضرب من "زيد ضرب عمرا"، وما بعده مفعول به٢، وقال بقية الكوفيين: اسم؛ لقولهم: "ما أحيسنه"٣؛ ففتحته إعراب؛ كالفتحة في "زيد عندك"؛ وذلك لأن مخالفة الخبر
_________________
(١) = يؤخذ على قول الأخفش: أن فيه حذف الخبر من غير أن يسد مسده شيء، وفيه أيضا: تقديم الإبهام بالصلة أو الصفة، وتأخير الإبهام بالتزام حذف الخبر، والمألوف في الكلام الذي يتضمن إفهاما وإبهاما تقديم الإبهام، فالراجح ما ذهب إليه سيبويه من أنها نكرة تامة، وينبغي الأخذ به؛ لأنه خال من التعسف والحذف والتأويل من غير داعٍ. هذا ويروى للأخفش قول وافق فيه سيبويه والجمهور: وهو أن "ما" نكرة تامة لا تحتاج إلى وصف. ويذكر النحاة قولا آخر للفراء وابن درستويه، ونسب هذا القول إلى الكوفيين. أيضا، وحاصله أن "ما" اسم استفهام مشرب بمعنى التعجب مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، فأما الكوفيون فعندهم أن "أحسن" اسم مرفوع خبر المبتدأ، وأما الفراء وابن درستويه فإن قالا إن "أحسن" اسم، ووافقا الكوفيين استفهام لهما القول على ما فيه، وإن قالا إن "أحسن" فعل ماضٍ تقع جملته خبرا كما يقول البصريون في "أحسن". ورد عليهما أنهما جعلا خبر اسم الاستفهام المشرب بالتعجب جملة فعلية وهو خلاف الأصل. فإن الأصل أن يكون خبره اسما مفردا نحو قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾، ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾، ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ . التصريح: ٢/ ٨٧، الهمع: ٢/ ٩٠، الأشموني: ٢/ ٣٦٣. والأشموني مع الصبان: ٣/ ١٨. ٢ وهو في المعنى فاعل. ولهذا المفعول أحكام خاصة، منها: أنه لا يحذف إلا إذا دل عليه دليل، ولا يكون إلا معرفة أو نكرة مختصة، ولا يتقدم على عامله، ولا يحال بينهما إلا بالظرف على الصحيح. ٣ واستدلوا لذلك بقول الشاعر: يا ما أميلح غزلانا شدن لنا من هؤليائكن الضال والسمر وزعموا أن التصغير من خصائص الأسماء فيكون تصغير أملح دالا على أنه اسم، =
[ ٣ / ٢٢٦ ]
للمبتدأ، تقتضي -عندهم- نصبه١، و"أحسن" إنما هو في المعنى وصف لزيد؛ لا لضمير "ما"٢، و"زيد" -عندهم- مشبه بالمفعول به٣.
["أفعل به" وإعرابها]:
الصيغة الثانية: أفعل به؛ نحو: "أحسن بزيد".
وأجمعوا على فعلية أفعل٤، ثم قال البصريون: لفظه لفظ الأمر٥، ومعناه: الخبر٦؛ وهو في الأصل: فعل ماضٍ على صيغة أفعل بمعنى صار ذا كذا كـ"أغد
_________________
(١) = ويجيب البصريون، ومعهم الكسائي من الكوفيين: بأن هذا شاذ فلا ينهض دليلا على الاسمية. وقيل: بأن التصغير راجع إلى المصدر المدلول عليه بالفعل، وقيل: إنما صغر فعل التعجب حملا له على أفعل التفضيل لاتفاقهما لفظا، وقيل: إنما صغر؛ لأنه لزم طريقة واحدة فاشبه بذلك الأسماء فدخله بعض أحكامها، وحمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه لا يخرجه عن أصله. الدرر اللوامع: ١/ ٤٩، ٢/ ١١٩، حاشية الصبان: ٣/ ١٨. ١ اي نصب الخبر، فعامل النصب عندهم في الخبر هو المخالفة للمبتدأ، أي: كونه ليس وصفا له. أما إذا كان الخبر هو المبتدأ في المعنى، كالله ربنا، أو مشبها به، نحو: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾؛ فإنه يرتفع ارتفاعه. ٢ هذا بيان للمخالفة هنا، وهي أن الخبر ليس وصفا للمبتدأ في المعنى. وفيه إشارة إلى أن معنى "أحسن" عندهم: فائق في الحسن، لا صير زيدا حسنا، كما هو مذهب البصريين؛ إذ التصيير صفة لضمير "ما" لا لزيد. التصريح: ٢/ ٨٨. ٣ وذلك لوقوعه بد ما يشبه الفعل في الصورة. ٤ قال باسمية "أفعل" ابن الأنباري ورده المرادي، وإجماع النحاة على فعلية أفعل أنه جاء على صيغة لا يكون عليها إلا الفعل، وأما أصبع، فنادر ولا يجعل أصلا. التصريح: ٢/ ٨٨، وانظر: الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري: ١/ ١٢٦-١٤٨. ٥ أي: أنه جاء على صورة الأمر، فيبنى على السكون إن كان صحيح الآخر، وعلى حذف حرف العلة إن كان معتلا كالأمر؛ نظرا لصورته، أو يبنى على فتح مقدر منع من ظهوره مجيئه على صورة الأمر؛ نظرا لمعناه. ٦ وذلك في الأصل، أما الآن فالجملة كلها لإنشاء التعجب، ولا تدل على زمن مطلقا أو أن المصنف أراد بالخبر: ما قابل الطلب، فيشمل الإنشاء غير الطلب كما هنا.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
البعير"؛ أي: صار ذا غدة١، ثم غيرت الصيغة٢، فقبح إسناد صيغة الأمر، إلى الاسم الظاهر٣، فزيدت الباء في الفاعل؛ ليصير على صورة المفعول به٤، كـ"امْرُرْ بزيد" ولذلك التزمت٥، بخلافها في ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ٦، فيجوز تركها؛ كقوله٧: [الطويل]
٣٧٩- كف الشيب والإسلام للمرء ناهيا٨
_________________
(١) ١ الغدة: طاعون الإبل، ولا تكون الفدة إلا في البطن. ٢ أي: إلى الأمر، وذلك عن قصد التعجب؛ ليوافق اللفظ في التغيير؛ تغيير المعنى عن الإخبار إلى الإنشاء. ٣ لأن الأمر لا يرفع الاسم الظاهر. ٤ وزيادتها في هذا الموضع لازمة إذا كان المجرور بها اسما صريحا لا مصدرا مؤولا. ٥ أي: زيادتها صونا للفظ عن القبح، إلا إذا كان المجرور بها مصدرا مؤولا من "أن"، أو "أن" وصلتهما؛ لاطراد حذف الجار في ذلك، كقول العباس بن مرداس. وأجبب إلينا أن تكون المقدما. أي: بأن تكون. ٦ ٤٨ سورة الفتح، الآية: ٢٨. موطن الشاهد: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الياء" زائدة في فاعل "كفى" وحكم زيادتها -هنا- الجواز؛ لأنه يجوز في اللغة القول: "كفى الله شهيدا". ٧ القائل: هو سحيم بن وثيل؛ عبد بني الحسحاس، وقد مرت ترجمته. ٨ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: عميرة ودع إن تجهزت غاديا وهو مطلع قصيدة مشهورة له، وبعده قوله: جنونا بها فيما اعترتنا علاقة علاقة حب مسترا وباديا والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٨٨، والأشموني: ٧٣٠/ ٢/ ٣٦٤، والعيني: ٣/ ٦٦٥، والكتاب لسيبويه: ١/ ٢٣٠، ٢/ ٣٠٨، والخصائص: ٢/ ٤٨٨، والإنصاف: ١/ ١٦٨، وشرح المفصل: ٢/ ١١٥، ٧/ ٨٤، ١٤٨، ٨/ ٢٤، ٩٣، ١٣٨، والمغني: ١٦٠/ ١٤٥، والسيوطي: ١١٢، وديوان سحيم: ١٦. المفردات الغريبة: عميرة: اسم محبوبته، وهو تصغير عمرة. تجهزت: تهيأت وأعددت ما يلزمك في سفرك. غاديا: اسم فاعل من غدا، أي: ذهب وقت الغداة، وهي ما بين الفجر وطلوع الشمس. =
[ ٣ / ٢٢٨ ]
وقال الفراء، والزجاج، والزمخشري، وابن كيسان، وابن خروف١: لفظه ومعناه الأمر؛ وفيه ضمير٢، والباء للتعدية٣، ثم قال ابن كيسان: الضمير للحسن٤، وقال غيره: للمخاطب، وإنما التزم إفراده٥؛ لأنه كلام جرى مجرى المثل.
_________________
(١) = المعنى: يجرد الشاعر من نفسه شخصا يخاطبه ويقول له: اترك عمير وودعها وداع شخص أعد عدته لترك نوازع الصبا، متعظا بما حل به من الشيب، واعتصم به من حرمة الإسلام، وكفى بذلك واعظا. روي: أن عمر بن الخطاب ﵁ حين سمعه ينشد هذا البيت قال: لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك. الإعراب: عميرة مفعول به مقدم لفعل "ودع". ودع: فعل أمر مبني على السكون، لا محل لها من الإعراب، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره أنت. إن: شرطية جازمة، لا محل لها من الإعراب. تجهزت: فعل ماض، وهو فعل الشرط، مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء: ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل. غاديا: حال منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. كفى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف؛ للتعذر. الشيب: فاعل "كفى" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. والإسلام: الواو عاطفة، الإسلام؛ اسم معطوف على الشيب مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. "للمرء": متعلق بقوله "ناهيا" الآتي. ناهيا: حال من الشيب، ويمكن أن يعرب تمييزا مبينا لنسبة الكفاية إليه؛ والأول أفضل. موطن الشاهد: "كفى الشيب". وجه الاستشهاد: إسقاط الباء من فاعل "كفى"؛ وفي هذا دلالة على أن هذه الباء، ليست واجبة الدخول على فاعل هذا الفعل؛ بخلاف دخولها على فاعل فعل التعجب الذي على صورة الأمر؛ فاقترانه بالباء واجب، ولا يجوز تجرده منها. ١ مرت ترجمة وافية لكل واحد منهم. ٢ أي: مستتر تقديره: أنت، وهو الفاعل. ٣ فهي حرف أصلي، وهي ومجرورها في محل نصب على المفعولية. وقيل: الهمزة على قول الفراء ومن وافقه للنقل والباء زائدة. ٤ أي: المصدر المفهوم من أحسن، والتقدير: أحسن يا حسن بزيد أي: دم به والزمه؛ ولذلك أفرد الضمير؛ لأن ضمير المصدر كالمصدر لا يثنى ولا يجمع. ٥ أي: الذي يراد منه أن يتعجب. وعليه يكون معنى أحسن بزيد: اجعل يا مخاطب زيدا حسنا، أي: صفه بالحسن كيف شئت. وعلى كل فالضمير المذكور مفرد مذكر دائما، فلا يقال في التأنيث: أحسني، ولا في التثنية والجمع أحسنا وأحسنوا وأحسن. انظر التصريح؛ ٢/ ٨٨-٨٩.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
[جواز حذف المتعجب منه]:
مسألة: ويجوز حذف المتعجب منه١؛ في مثل "ما أحسنه"، إن دل عليه دليل٢؛ كقوله٣: [الطويل]
٣٨٠- ربيعة خيرا ما أعف وأكرما٤
_________________
(١) ١ المراد بالمتعجب منه: المعمول الذي له صلة بالأمر الذي يدعو للتعجب من صفة أو فعل؛ فإذا قلت: ما أحسن الإخلاص في العمل!، فإن التعجب من حسن الإخلاص، لا من الإخلاص ذاته؛ لأن التعجب من الأحوال لا من الذوات. ٢ ويشترط أن يكون ضميرا، سواء أكان منصوبا بـ"أفعل" أم مجرورا بالباء بعد "أفعل". انظر في هذه المسألة ابن عقيل: ٣/ ١٥١، والدرر اللوامع: ٢/ ١٢٠، والتصريح: ٢/ ٨٩-٩٠. ٣ القائل: هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أبو الحسن رابع الخلفاء الراشدين وابن عم النبي ﷺ وصهره، وأحد المبشرين بالجنة، وأحد الأبطال الشجعان والخطباء العلماء، وأول الناس إسلاما، كان بينه وبين معاوية خلاف ومعارك. ينسب إليه ديوان شعر، وجمعت خطبه وأقواله ورسائله في كتاب، قتله ابن ملجم لعنه الله، وذلك سنة ٤٠هـ، وله ٦٣ سنة. صفة الصفوة: ١/ ١١٨، الإصابة: ت: ٥٦٩٠، الأعلام: ٤/ ٢٩٥، الطبري: ٦/ ٨٣. وغيره كثير. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: جزى الله عني والجزاء بفضله وهو من كلمة يمدح فيها ربيعة على ما أبلت معه يوم صفين وقبله قوله: لمن راية سوداء يخفق ظلها إذا قيل قدمها صفين تقدما يقدمها في الموت حتى يزيرها حياض المنايا تقطر الموت والدما والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٨٩، والأشموني: ٧٣٢/ ٢/ ٣٦٤، والعيني: ٣/ ٦٤٩، والهمع: ٢/ ٩١، والدرر: ٢/ ١٢١. المفردات الغريبة: جزى: كافأ؛ من المجازاة وهي المكافأة. بفضله: بإحسانه. المعنى: يدعو الإمام علي كرم الله وجهه الله ﷻ أن يجزي بفضله العميم ربيعة على ما بذلته، وما بدر منها من الكرم بالنفس والمال، ثم يعجب ﵁ من شأن ربيعة فيقول: ما أعفها وما أكرمها!. الإعراب: جزى: فعل ماض، مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر. الله: "لفظ =
[ ٣ / ٢٣٠ ]
وفي "أفعل به" إن كان أفعل معطوفا على آخر مذكور معه مثل ذلك المحذوف؛ نحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ١، وأما قوله٢: [الطويل]
٣٨١- حميدا، وإن يستغن يوما بأجدر٣
_________________
(١) = الجلالة" فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. "عني" متعلق بـ"جزى". والجزاء: الواو: حالية، الجزاء: مبتدأ مرفوع. "بفضله": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء: "مضاف إليه؛ وجملة "الجزاء بفضله": في محل نصب حال. ربيعة: مفعول به أول لـ"جزى". ما: تعجبية في محل رفع متبدأ. أعف: فعل ماضٍ، مبني على الفتح لإنشاء التعجب، وفاعله ضمير مستتر يعود إلى ما، وجملة "أعف": في محل رفع خبر المبتدأ. وأكرم: الواو حرف عطف، أكرم معطوف على أعف السابق والألف للإطلاق. موطن الشاهد: "ما أعف وأكرم". وجه الاستشهاد: حذف المتعجب منه وهو مفعول فعل التعجب؛ لأنه ضمير يدل عليه سياق الكلام؛ لأن التقدير: ما أغفها وأكرمها. ١ ١٩ سورة مريم، الآية: ٣٨. موطن الشاهد: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف الفاعل المجرور بعد "أفعل"؛ للدليل مع كونه فاعلا؛ لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة، فجاز فيه ما يجوز فيها. وقيل: لم تحذف، وإنما استتر بالفعل بعد حذف الباء. ٢ القائل: هو عروة بن الورد العبسي؛ المعروف بعروة الصعاليك، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: فذلك إن يلق المنية يلقها وقبله قوله: فإن بعدوا لا يأمنون اقترابه تشوف أهل الغائب المتنظر وهما من قصيدة عدتها سبعة وعشرون بيتا موجودة في ديوانه "مط. جول كربوتل": ٦٣-٨٧ واختار أبو تمام بعض أبياتها في حماسته، يصف فيها صعلوكا ومنها قوله: ولله صعلوك صحيفة خده كضوء شهاب المائس المتنور والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٩٠، والأشموني: ٧٣٣/ ٢/ ٣٦٥، وابن عقيل: ٢٧٠/ ٣/ ١٥٢، والعيني: ٣/ ٦٥٠، والخزانة: ١/ ١٩٦. المفردات الغريبة: المنية: الموت. حميدا: محمودا، فهو فعيل بمعنى مفعول. فأجدر: أي: ما أجدره وما أحقه. =
[ ٣ / ٢٣١ ]
أي: به؛ فشاذ١.
[عدم تصرف فعلي التعجب]:
مسألة: وكل من هذين الفعلين ممنوع التصرف٢؛ فالأول: نظير تبارك،
_________________
(١) = المعنى: هذا الصعلوك الموصوف بالصفات المذكورة إن مات في سبيل مطلبه يموت وهو محمود الفعال عند الناس؛ لما كان عليه من عفة وعزة نفس، وما له من صفات كريمة، وإن عاش واستغنى فما أحقه، وما أخلقه بالغنى؛ لأنه وصل إليه بسعيه وجده. الإعراب: فذلك: ذا: اسم إشارة في محل رفع مبتدأ، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب، لا محل لها من الإعراب. إن: حرف شرط جازم. يلق: فعل مضارع مجزوم، وهو فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف الألف، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. المنية: مفعول به منصوب. يلقها: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف الألف، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو، و"ها": ضمير متصل في محل نصب مفعولا به. حميدا: حال من فاعل "يلق"، الذي هو جواب الشرط؛ وجملة "الشرط وجوابه": في محل رفع خبر المبتدأ. وإن: الواو عاطفة، إن: حرف شرط جازم. يستغن: فعل مضارع -فعل الشرط- مجزوم، وعلامة جزمه حذف الياء، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هو. "يوما": متعلق بـ"يستغن". فأجدر: الفاء واقعة في جواب الشرط، أجدر: فعل ماضٍ لإنشاء التعجب جاء على صورة الأمر وحرك للروي، وفاعله محذوف هو والباء الجارة له؛ لأن الأصل فأجدر به؛ وجملة "أجدر به": في محل جزم جواب الشرط؛ وجملة "الشرط وجوابه": في محل رفع عطف بالواو على جملتي الشرط والجواب السابقتين. موطن الشاهد: "فأجدر". وجه الاستشهاد: حذف المتعجب منه مع حرف الجر من غير أن تكون صيغة التعجب المحذوف معمولها، معطوفة على أخرى معها معمولها المشابه للمحذوف على حد ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ . ١ أي: لعدم العطف المذكور. وقال الصبان: والأوجه عندي أنه ليس بشاذ، وأنه لا يشترط هذا الشرط، بل المدار على وجود دليل يدل على المحذوف. حاشية الصبان على شرح الأشموني: ٣/ ٢٠. ٢ فكل من الصيغتين يلزم حالة واحدة، مع أن فعلهما الأصلي ثلاثي متصرف، ولكنهما يفقدان التصرف بسبب استعمالهما في التعجب، ولا يدلان على حدث، ولا زمن؛ لأن الجملة التعجبية متجردة لمحض الإنشاء المقصود منه التعجب. اللهم إلا إذا =
[ ٣ / ٢٣٢ ]
وعسى، وليس١؛ والثاني: نظير هب بمعنى اعتقد، وتعلم بمعنى اعلم٢؛ وعلة جمودهما: تضمنهما معنى حرف التعجب الذي كان يستحق الوضع٣.
[امتناع تقدم معمولي فعلي التعجب عليهما]:
مسألة: ولعدم تصرف هذين الفعلين؛ امتنع أن يتقدم عليهما معمولهما، وأن يفصل بينهما، بغير ظرف ومجرور؛ لا تقول: "ما زيدا أحسن"، ولا "بزيد أحسن"، وإن قيل إن "بزيد" مفعول٤، وكذلك لا تقول: "ما أحسن يا عبد الله زيدا"٥ ولا "أحسن لولا بخله بزيد"٦.
واختلفوا في الفصل بظرف أو مجرور متعلقين بالفعل، والصحيح الجواز، كقولهم: "ما أحسن بالرجل أن يصدق، وما أقبح به أن يكذب"، وقوله٧: [الطويل]
_________________
(١) = اشتملت على لفظة "كان" أو "يكون" أو غيرهما من الألفاظ التي تدل على زمن معين. ١ أي: في الجمود وملازمة المضي. ٢ أي: في الجمود وملازمة صيغة الأمر. ٤ وأيضا فإن لزومهما حالة واحدة أدل على التعجب؛ لأن التصرف والانتقال من حالة إلى أخرى ربما يشعر بزوال المعنى الأول. وأجاز هشام الإتيان بمضارع "ما أفعله" فتقول: ما يحسن محمدا؛ وهو قياس ولم يسمع. التصريح: ٢/ ٩٠. ٤ كما هو رأي الفراء، ومن وافقه، وقد تقدم. ٥ أي: بالفصل بالمنادى بين أحسن ومعموله. وقد ورد في الفصيح ما يدل على جوازه، كقول: علي كرم الله وجهه في عمار بن ياسر وقد مر به، وهو مقتول، فمسح التراب عن وجهه: "أعزز علي أبا اليقظان أن أراك صريعا مجدلا" أي: مرميا على الجدالة، وهي الأرض. وأبو اليقظان: كنية عمار بن ياسر ﵁. ٦ أي: بالفصل بلولا الامتناعية ومصحوبها. وأجاز ذلك ابن كيسان. انظر الأشموني مع الصبان: ٣/ ٢٥، ٧ القائل: هو أوس بن حجر، وقد مرت ترجمته.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
٣٨٢- وأحر إذا حالت بأن أتحولا١
ولو تعلق الظرف والجار والمجرور بمعمول فعل التعجب، لم يجز الفصل به
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: أقيم بدار الحزم ما دام حزمها وهو من شواهد التصريح: ٢/ ٩٠، والأشموني: ٧٣٥/ ٢/ ٣٦٩، والعيني: ٣/ ٦٥٩، وديوان أوس بن حجر: ٨٣. المفردات الغريبة: دار الحزم: المكان الذي تعتبر الإقامة فيه حزما. أحر: أخلق. حالت: تغيرت. أتحول: أنتقل عنها إلى غيرها. المعنى: أقيم بالمكان الذي تعتبر الإقامة فيه من الحزم وحسن التصرف، وذلك حيث يكون الإنسان فيه عزيزا مكرما، فإذا تغيرت الحال، ولاقى الإنسان مهانة فأخلق به أن يتحول عنه إلى مكان آخر، يلقى فيه العزة والكرامة. الإعراب: أقيم: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. "بدار": متعلق بأقيم، ودار مضاف. الحزم: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة. ما دام: ما: مصدرية ظرفية، لا محل لها من الإعراب، دام: فعل ماضٍ تام، مبني على الفتح. حزمها: فاعل دام التامة مرفوع، وهو مضاف، و"ها" ضمير متصل في محل جر بالإضافة؛ والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه" مجرور بإضافة اسم زمان مقدر ينتصب بأقيم والتقدير: أقيم بدار الحزم مدة دوام حزمها، ويمكن أن تكون دام ناقصة، ويكون "حزمها" اسمها، ومضافا إليه، ويكون خبرها محذوفا والتقدير: ما دام حزمها موجودا. وأحر: الواو: عاطفة، أحر: فعل ماضٍ لإنشاء التعجب جاء على صورة الأمر. "إذا": متعلق بـ"أحر". حالت: فعل ماضٍ، مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هي؛ وجملة "حالت": في محل جر بإضافة إذا إليها. بأن: الباء حرف جر زائد، أن حرف مصدري ونصب. أتحولا: فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة والألف للإطلاق، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره أنا؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه" مجرور لفظا بالباء مرفوع محلا على أنه فاعل لفعل التعجب "أحر". موطن الشاهد: "أحر إذا حالت بأن أتحولا". وجه الاستشهاد: الفصل بالظرف "إذا حالت" بين فعل التعجب "أحر" وبين معموله "بأن أتحولا".
[ ٣ / ٢٣٤ ]
اتفاقا؛ نحو: "ما أحسن معتكفا في المسجد"، و"أحسن بجالس عندك"١.
[شروط ما يُبنى منه فعلا التعجب]:
فصل: وإنما يبنى هذان الفعلان مما اجتمعت فيه ثمانية شروط:
أحدها: أي يكون فعلا٢؛ فلا يبنيان من الجلف والحمار، فلا يقال "ما أجلفه"، ولا "ما أحمره"٣؛ وشذ "ما أذرع المرأة"؛ أي: ما أخف يدها في الغزل، بنوه من قولهم: امرأة ذراع٤؛ ومثله "ما أقمنه"، و"ما أجدره بكذا"٥.
الثاني: أن يكون ثلاثيا؛ فلا يبنيان من دحرج وضارب واستخرج٦ إلا "أفعل"؛ فقيل: يجوز مطلقا، وقيل: يمتنع مطلقا، وقيل: يجوز إن كانت الهمزة لغير النقل؛ نحو: "ما أظلم الليل" و"ما أقفر هذا المكان"؛ وشذ على هذين القولين: "ما أعطاه
_________________
(١) ١ فلا يقال فيهما: ما أحسن في المسجد معتكفا، ولا أحسن عندك بجالس، لئلا يلزم الفصل بين الفعل ومعموله بمعمول معموله. التصريح: ٢/ ٩٠ الأشموني مع الصبان: ٣/ ٢٤. ٢ أي: ماضيا، وإن كان يفقد الدلالة على الزمن بدخوله في صيغة التعجب. ٣ لبنائه من الاسم لا من الفعل، وقد أثبت له القاموس فعلا؛ فقد جاء فيه، الجلف: الرجل الغليظ الجافي، وجلف كفرح، جلفا وجلافة، وعلى ذلك يصح ما أجلفه. وكذلك ما أحمره، فإنه من الحمار، وهو الحيوان المعروف. ويضرب به المثل في البلادة. التصريح: ٢/ ٩٠-٩١. الأشموني مع الصبان: ٣/ ٢٤. ٤ في القاموس: الذراع كسحاب: الخفيفة اليدين بالغزل. قيل: وقد ذكر ابن القطاع في كتاب الأفعال: ذرعت المرأة إذا خفت يدها في العمل فهي ذراع. وعلى هذا يكون الشذوذ من حيث البناء من فعل المجهول. ٥ فقد بنوا الأول من قولهم: هو قمن بكذا، والثاني من قولهم: هو جدير بكذا، وهنا هما: ما أحقه وما أخلقه، ولا فعل لهما. ٦ قال الصبان نقلا عن المصرح: لأنه يلزم على ذلك حذف بعض الأصول في الرباعي المجرد. وحذف الزيادة الدالة على معنى مقصود في غيره؛ كالمشاركة والمطاوعة والطلب في نحو: ضارب؛ وانطلق، واستخرج مما تدل عليه حروف الزيادة. حاشية الصبان: ٣/ ٢١، التصريح: ٢/ ٩١. =
[ ٣ / ٢٣٥ ]
للدراهم" و"ما أولاه للمعروف"، وعلى كل قول "ما أتقاه"، و"ما أملا القربة"؛ لأنهما من اتقى وامتلأت، و"ما أخصره"؛ لأنه من اختصر، وفيه شذوذ آخر، وسيأتي١.
الثالث: أن يكون متصرفا؛ فلا يبنيان من نحو: نعم وبئس٢.
الرابع: أن يكون معناه قابلا للتفاضل؛ فلا يبنيان من نحو: فني ومات٣.
الخامس: أن لا يكون مبنيا للمفعول٤؛ فلا يبنيان من نحو: "ضرب"، وشذ
_________________
(١) = اختار ابن مالك في "التسهيل"، وشرحه ما ذهب إليه سيبويه والمحققون من أصحابه وذلك بجواز بناء فعل التعجب من أفعل سواء كانت الهمزة فيه للنقل أم لا. وذهب المازني، والأخفش والمبرد وابن السراج والفارسي إلى عدم الجواز مطلقا. أما ابن عصفور فقد فصل في ذلك، وقال بعدم الجواز إن كانت الهمزة للنقل نحو: أذهب فلا يقال "ما أذهب نور الليل"، ويجوز إن كانت الهمزة لغير النقل نحو أظلم الليل، وأقفر المكان، فنقول: ما أظلم الليل، وما أقفر هذا المكان، وقد أنكر الشاطبي هذا القول وأطال في الرد عليه. هذا: وقد اختلف في بناء فعل التعجب من الثلاثي المزيد إذا جرى مجرى الثلاثي نحو: اتقى وامتلأ وافتقر واستغنى، وذهب ابن السراج وطائفة إلى الجواز؛ لأنهم أجروه مجرى الثلاثي المجرد من الزوائد لا مجرى المزيد؛ بدليل قولهم في الوصف منه: تقي وملي وفقير وغني، وذهب ابن خروف وجماعة إلى المنع؛ لأن العلة التي من أجلها امتنع بناؤهما من المزيد غير الجاري مجرى المجرد موجودة -هنا- وهي عدم البنية، وحذف زوائدها لغير موجب مع وجود الغنى عن ذلك بأشد وأشدد ونحوهما. التصريح: ٢/ ٩١. ٢ لأن التصرف فيما لا يتصرف نقص لوضعه، وعدم التصرف على وجهين؛ الأول: أن يكون الفعل قد خرج عن طريقة الأفعال، وذلك كنعم وبئس وعسى وليس، والثاني: أن تترك بعض صيغ الفعل استغناء عنها بأخرى من معناه؛ نحو: يدع ويذر، فإنهم لم يجيئوا لهذين الفعلين بصيغة الماضي استغناء "بترك"، وهما باقيان على دلالتهما على الحدث والزمان. التصريح: ٢/ ٩٢. ٣ لأنه لا تفاوت في الفناء والموت، ولا مزية لبعض فاعليه على بعض حتى يتعجب منه. ٤ وذلك، لئلا يلتبس المبني من فعل المفعول، بالمبني من فعل الفاعل.
[ ٣ / ٢٣٦ ]
"ما أخصره! " من وجهين١؛ وبعضهم يستثنى ما كان ملازما لصيغة "فعل" نحو: "عنيت بحاجتك" و"زهي علينا" فيجيز: "ما أعناه بحاجتك" و"ما أزهاه علينا"٢.
السادس: أن يكون تاما؛ فلا يبنيان من نحو: كان، وظل، وبات، وصار، وكاد٣.
السابع: أن يكون مثبتا؛ فلا يبنيان من منفي٤؛ سواء كان ملازما للنفي؛ نحو: "ما عاج بالدواء"؛ أي: ما انتفع به٥، أم غير ملازم كـ"ما قام زيد"٦.
الثامن: أن لا يكون اسم فاعله على أفعل٧ فعلاء؛ فلا يبنيان من نحو:
_________________
(١) ١ هما: كونه من غير الثلاثي، وكونه من المبني للمجهول. ٢ إنما استثني ذلك؛ لأمن اللبس، ولوروده في الأمثال، فقد قيل: هو أزهى من ديك، وأزهي من طاوس. والتفضيل أخو التعجب. قال ابن مالك في التسهيل: "وقد يبنيان من فعل المفعول إن أمن اللبس". ٣ فلا يقال: ما أكون محمدا مسافرا مثلا؛ لأنه يستلزم نصب "أفعل" لشيئين، وهذا غير سائغ. ولا يجوز حذف "مسافرا" لامتناع حذف خبر كان. ولا جره باللام؛ لامتناع ذلك. وحكي عن الكوفيين: ما أكون زيدا قائما؛ بناء على أصلهم من أن المنصوب بعد "كان" حال. التصريح: ٢/ ٩٢. الأشموني مع الصبان: ٣/ ٢٢. ٤ لأنه يؤدي إلى اللبس بين التعجب من المثبت، ومن المنفي، لأن صيغة التعجب إثبات وليس فيها أداة نفي. ٥ مضارعه يعيج أي: ينتفع، وهو ملازم للنفي أيضا. وندر مجيئه للإثبات. أما عاج يعوج بمعنى: مال يميل، فيستعمل في النفي والإثبات، ومن وروده منفيا قول جرير: تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكم علي إذًا حرام التصريح، وحاشية يس: ٢/ ٩٢. ٦ فلا يقال: ما أقومه. ومثله: ما عاج، أي مال، فلا يقال: ما أعوجه وذلك لئلا يلتبس المنفي بالمثبت. ٧ قيل في سبب المنع: إن من حق صيغة التعجب أن تبنى من الثلاثي المحض؛ وأكثر أفعال الألوان والخلق إنما تجيء على أفعل -بتسكين الفاء- وزيادة مثل اللام نحو أخضر فلم يبن فعلا التعجب في الغالب مما كان منها ثلاثيا إجراء للأقل مجرى الأكثر، وقيل: لأن الألوان والعيوب الظاهرة جرت مجرى الخلق الثابتة التي لا تزيد ولا تنقص كاليد والرجل. وغيرها في عدم التعجب منها. وقيل: لأن بناء الوصف من =
[ ٣ / ٢٣٧ ]
"عرج، وشهل، وخضر الزرع"١.
[كيف يتعجب من فاقد الشروط؟]:
فصل: ويتوصل إلى التعجب من الزائد على ثلاثة، ومما وصفه على أفعل فعلاء بـ"ما أشد" ونحوه، وينصب مصدرهما بعده، أو بـ"أشدد" ونحوه، ويجر مصدرهما بعده بالباء؛ فتقول "ما أشد، أو أعظم، دحرجته، أو انطلاقه أو حمرته" و"أشدد، أو أعظم، بها".
وكذا المنفي والمبني للمفعول؛ إلا أن مصدرهما يكون مؤولا، لا صريحا، نحو "ما أكثر أن لا يقوم" و"ما أعظم ما ضرب" و"أشدد بهما".
وأما الفعل الناقص؛ فإن قلنا: له مصدر؛ فمن النوع الأول، وإلا فمن الثاني، تقول: "ما أشد كونه جميلا"، أو "ما أكثر ما كان محسنا! "، و"أشدد، أو أكثر، بذلك! ".
وأما الجامد والذي لا يتفاوت معناه؛ فلا يتعجب منهما البتة٢.
_________________
(١) = هذا النوع على أفعل، ولم يبن منه أفعل تفضيل لئلا يلتبس أحدهما بالآخر، ولما امتنع صوغ أفعل التفضيل منه امتنع صوغ فعلي التعجب منه لجريانها مجرى واحدا في أمور كثيرة وتساويها في الوزن والمعنى. التصريح: ٢/ ٩٢-٩٣. ١ بقي شرط تاسع لم يذكراه؛ وهو أن لا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره، نحو: قال من القائلة، فإنهم لا يقولون ما أقيله استغناء بقولهم: ما أكثر قائلته، ذكره سيبويه. ونحو سكر وجلس ضد أقام؛ فإنهم لا يقولون ما أسكره وأقعده وأجلسه استغناء بقولهم: ما أشد سكره، وأكثر قعوده وجلوسه، ذكره ابن برهان. وزاد ابن عصفور: قام وغضب ونام، وفي عد "نام" منها نظر، فقد حكى سيبويه: ما أنومه، وقالت العرب: هو أنوم من فهد. الأشموني: ٢/ ٣٦٧، والتصريح: ٢/ ٩٣، والأشموني مع الصبان: ٣/ ٢٢. ٢ ذلك؛ لأن الجامد لا مصدر له حتى يمكن نصبه، أو جره بالباء، والذي لا يتفاوت متناه غير قابل للتفضيل.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
هذا باب نعم وبئس١
[معناهما وشروط مرفوعهما]:
وهما فعلان عند البصريين والكسائي؛ بدليل "فبها ونعمت"٢، واسمان عند باقي الكوفيين٣؛ بدليل "ما هي بنعم الولد"٤؛
_________________
(١) ١ اعلم أنهما يستعملان تارة للإخبار بالنعمة والبؤس فيتصرفان كسائر الأفعال، تقول: نعم محمد بكذا ينعم به فهو ناعم، وبئس كذلك. وتارة لإنشاء المدح والذم فلا يتصرفان لما سيأتي، وهذا الاستعمال هو المراد هنا. ٢ هذا جزء من حديث؛ وتمامه: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". والحديث أخرجه: أبو داود في سننه: ٣٥٤، والنسائي: ٣/ ٩٤، والترمذي: ٤٩٧. والسنن الكبرى للبيهقي: ١٠٩١، ومسند أحمد بن حنبل: ٥/ ١٥-١٦، ٢٢، وفي شرح السنة للبغوي: ٢/ ٦٧، ومشكاة المصابيح للتبريزي: ٥٤٠، وتفسير القرطبي: ١٨/ ١٠٦. موطن الشاهد: "نعمت". وجه الاستشهاد: مجيء "نعم" فعلا؛ بدليل اتصاله بتاء التأنيث الساكنة؛ وهي لا تدخل إلا على الفعل؛ وحكى الكسائي: نعما رجلين، ونعموا رجالا؛ وضمائر الرفع البارزة المتصلة؛ من خصائص الأفعال أيضا؛ فهذا دليل "ثان" على الفعلية. ضياء السالك: ٣/ ٨١؛ والتصريح: ٢/ ٩٤. ٣ وقد بنيا على الفتح لتضمنهما معنى الإنشاء، ويعربان مبتدأين، ومعناهما: الممدوح والمذموم، وما هو فاعل على المشهور يعرب بدلا أو عطف بيان. والخبر هو المخصوص بالمدح أو الذم، ويجوز العكس. وفي مثل: نعم رجلا محمد؛ يعرب "رجلا" تمييزا أو حالا. ٤ قول لبعض العرب حين بشر بأنثى، وتمامه: "نصرها بكاء، وبرها سرقة". ووجه الدلالة فيه دخول حرف الجر على "نعم"، والولد ونحوه فيما استدلوا به مجرور؛ لأنه تابع للمجرور، أي: ما هي بالممدوح الولد، فإن كان مرويا بالرفع فلعله مقطوع عما =
[ ٣ / ٢٣٩ ]
جامدان١، رافعان لفاعلين معرفين بأل الجنسية٢؛ نحو: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ ٣، و﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ ٤؛ أو بالإضافة إلى ما قارنها؛ نحو: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ ٥ ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ٦؛ أو
_________________
(١) = قبله. ومثال بئس: قول بعضهم: وقد سار إلى محبوبته على حمار بطيء السير: نعم السير على بئس العير. والصحيح مذهب البصريين، وإليه ذهب المصنف وابن مالك، وما استدل به الكوفيون مؤول. التصريح: ٢/ ٩٤. الأشموني وحاشية الصبان: ٣/ ٢٦. ١ لخروجهما عن الأصل في الأفعال: من إفادة الحدث والزمان، ولزومها إنشاء المدح والذم على سبيل المبالغة، والإنشاء من معاني الحروف. ٢ المراد "أل" المعرفة؛ جنسية كانت أو عهدية، فلا يقال: نعم زيد ولا بئس رجل على الراجح. والمراد الجنس حقيقة؛ إن قصد بمدخول "أل" جميع الأفراد ثم نص على الممدوح، أو المذموم بعد، أو مجازا إن أريد بمدخولها الفرد المعين كأنه جميع الجنس مبالغة في المدح أو الذم. أما العهد فقد يكون لشيء معهود في الذهن وتكون للعهد الذهني، وقد تكون للعهد الذكري، والمعهود هو المخصوص. و"أل" الجنيسة أقوى في تأدية المقصود، وإن كانت العهدية أظهر. ٣ ٣٨ سورة ص، الآية: ٣٠. موطن الشاهد: "نعم العبد". وجه الاستشهاد: مجيء "نعم" رافعا لفاعله "العبد" المعرف بـ"أل". الجنسية؛ وحكم مجيئه على هذه الصورة الجواز باتفاق. ٤ ١٨ سورة الكهف، الآية: ٢٩. موطن الشاهد: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "بئس" رافعا لفاعله "الشراب" المعرف بـ"أل" الجنسية، كما في الآية السابقة. ٥ ١٦ سورة النحل، الآية: ٣٠. موطن الشاهد: ﴿لَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "دار" فاعلا لـ"نعم"، وقد أضيف إلى معرف بأل الجنسية، وحكم مجيئه على هذه الصورة الجواز باتفاق. ٦ ١٦ سورة النحل، الآية: ٢٩: موطن الشاهد: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "مثوى" فاعلا لـ"بئس"، وقد أضيف إلى معرف بأل الجنسية؛ وحكم مجيئه على هذه الصورة الجواز باتفاق.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
إلى مضاف لما قارنها؛ كقوله١: [الطويل]
٣٨٣- فنعم ابن أخت القوم غير مكذب٢
_________________
(١) ١ القائل: هو أبو طالب عم النبي ﷺ؛ وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: البيت من كلمة يمدح فيها أبو طالب النبي ﷺ، ويعاتب قريشا على ما كان منها، وهذا البيت يذكر فيه زهير بن أبي أمية -وهو ابن أخته عاتكة- يذكره بالخير؛ لأنه كان أحد الذين نقضوا الصحيفة التي كتبتها قريش لتقاطع آل النبي في حديث معروف. وما ذكره المصنف صدر بيت وعجزه قوله: زهير حساما مفردا من حمائل والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٩٥، والأشموني: ٧٣٩/ ٢/ ٣٧١، والسيرة: ١٧٦، وتاريخ ابن كثير: ٣/ ٥٦، والعيني: ٤/ ١٥، والهمع: ٢/ ٨٥، والدرر: ٢/ ١٠٩، وديوان أبي طالب: الورقة: ٣. المفردات الغريبة: حسام، الحسام: السيف القاطع سمي بذلك؛ لأنه يحسم الخلاف بين الناس، حمائل: جمع حمالة، وهي علاقة السيف. المعنى: يمدح أبو طالب زهيرًا ابن أخته بأنه صادق المودة، مخلص لرحمه، لا ينسب إلى الكذب، وهو ماضي العزيمة نسيج وحده، كالسيف الذي يفرد عن حمائله؛ وزهير هذا هو ابن أمية بن عاتكة بنت عبد المطلب؛ أخت أبي طالب، وعمة رسول الله ﷺ وكان زهير أحد الرجال الذين اتفقوا على نقض الصحيفة التي تعاهدت فيها قريش على مقاطعة بني هاشم، وعلقوها في الكعبة؛ ليلجئوهم إلى حمل النبي على ترك دعوته. الإعراب: نعم: فعل ماضٍ جامد، دال على إنشاء المدح مبني على الفتح. ابن: فاعل نعم مرفوع، وهو مضاف. أخت: مضاف إليه، وهو مضاف. القوم: مضاف إليه. غير: حال من فاعل نعم، وهو مضاف. مكذب: مضاف إليه؛ وجملة "نعم وفاعله": في محل رفع خبر مقدم. زهير: مخصوص بالمدح مبتدأ مؤخر، ويجوز أن نعرب "زهير": خبرًا لمبتدأ محذوف وجوبا والتقدير: هو زهير. حساما -بالنصب- حال من زهير منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ خلافا لرواية العيني بالرفع حيث أعربها صفة لزهير، وإن صحت هذه الرواية -بالرفع- لم يصح الإعراب؛ لأن زهيرا علم، فهو معرفة وحساما نكرة، ومعلوم أن المعرفة لا توصف بالنكرة، ولهذا تخرج رواية الرفع على أن "حسام": خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هو حسام. مفردا: صفة لـ"حسام" منصوب. من: حرف جر. حمائل: اسم مجرور، وجره =
[ ٣ / ٢٤١ ]
أو مضمرين مستترين١ مفسرين بتمييز٢؛ نحو: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ﴾
_________________
(١) = بالكسرة ضرورة، وكان ينبغي جره بالفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف. و"من حمائل": متعلق بـ"مفرد". موطن الشاهد: "فنعم ابن أخت القوم". وجه الاستشهاد: الإتيان بفاعل نعم اسما مضافا إلى مقترن بأل، وهو القوم، وقد جاءت إضافة الفاعل إلى ضمير ما فيه أل في قول الشاعر: فنعم أخو الهيجا ونعم شبابها وهو نادر لا يقاس عليه. وأجاز الفراء، ومن تبعه من الكوفيين إضافة الفاعل إلى النكرة كما في قول الشاعر: فنعم صاحب قوم لا سلاح له وصاحب الركب عثمان بن عفان وخص الجمهور ذلك بالضرورة. وورد مجيء الفاعل علما، أو مضافا إلى علم كقول بعض العبادلة: بئس عبد الله أنا إن كان كذا. وقول النبي ﷺ: "نعم عبد الله هذا" وأول على أن الفاعل ضمير مستتر حذف تمييزه، والعلم مخصوص بالمدح، وما بعده بدل أو عطف بيان. انظر ضياء السالك: ٣/ ٨٢-٨٣. ١ أي: رافعان لمضمرين مستترين وجوبا غالبا. ويلتزم هذا الضمير الإفراد والتذكير، كقول الشاعر: نعم امرأين حاتم وكعب كلاهما غيث وسيف عضب ومن غير الغالب: نعما رجلين، نعموا رجالا كما سبق، وشذ إبراز الضمير مع الباء الزائدة، حيث سمع قولهم: "نعم بهم قوما". انظر التصريح: ٢/ ٩٥. ٢ أي: بعدهما. وهذا من المواضع التي يجوز عود الضمير فيها على متأخر لفظا ورتبة، ولا بد من مطابقة هذا التمييز لمعناهما؛ أي: للمخصوص بالمدح أو الذم، إفرادا وغير إفراد، وتذكيرا وتأنيثا. خلاصة: "نعم" و"بئس" فعلا جامدان: وهما يرفعان فاعلين مقترنين بـ"أل"، أو مضافين إلى المقترن بها، ومثل هذا، بقوله: "نعم عقبى الكرما"، أو يرفعان ضميرا، يفسره تمييز؛ نحو: "نعم قوما معشره". ويشترط في هذا التمييز علاوة على مطابلقة المخصوص التي ذكرناها: أن يكون نكرة عامة متكثرة الأفراد؛ فلا يجوز: "نعم شمسا هذا الشمس"؛ لأنه لا ثاني لها. أما قولهم: نعم شمسا شمس هذا اليوم، =
[ ٣ / ٢٤٢ ]
بَدَلًا﴾ ١، وقوله٢: [البسيط]
٣٨٤- نعم امرأ هرم لم تعر نائبة٣
_________________
(١) = فسائغ؛ لتعددها بتعدد الأيام؛ وأن يكون مؤخرا عن العامل؛ فلا يصح تقديمه على نعم وبئس. وأن يتقدم على المخصوص بالمدح أو الذم، وشذ قولهم: نعم محمد رجلا. ولا يجوز حذفه؛ لئلا يبقى الفاعل المستتر مبهما، ليس له ما يفسره، إلا إذا وجدت قرينة تدل عيه، كالتاء في قولك: "إن زرت محمدا، فبها ونعمت، أي: ونعمت زيارة زيارتك، ومنه الحديث المتقدم: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت" ويجب أن يكون صالحا لقبول "أل" المعرفة، فلا يكون من الكلمات المتوغلة في الإبهام، ككلمة "غير"، و"مثل"، و"شبه"، و"أي". انظرالتصريح: ٢/ ٩٥، وضياء السالك: ٣/ ٨٣-٨٤. ١ ١٨ سورة الكهف: الآية: ٥٠. موطن الشاهد: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فاعل "بئس" مضمرا فيها، و"بدلا": تمييز منصوب مفسر له؛ والتقدير: بئس هو -أي البدل-؛ وحكم إضماره في هذه الحالة الوجوب؛ خلافا للمبرد، وابن السراج والفارسي. التصريح: ٢/ ٩٥. ٢ القائل هو: زهير بن أبي سلمى المزني، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت في مدح هرم بن سنان، وعجزه قوله: إلا وكان لمرتاع لها وزرا والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٣٩٢، ٢/ ٩٥، والأشموني: ٧٤٦/ ٢/ ٣٧٤، وليس في ديوان زهير بن أبي سلمى. المفردات الغريبة: لم تعر: لم تنزل ولم تعرض. نائبة: كارثة وحادثة من حوادث الدهر. لمرتاع: أي فزع وخائف، وهو اسم فاعل من ارتاع. وزرا: ملجأ ومعينا. المعنى: يمدح هرما بأنه رجل كريم ذو مروءة، وشجاع لا تنزل بأحد نازلة، أو تحل به كارثة من كوارث الزمان تتطلب النجدة والعون، إلا أخذ بيده، وكان له معينا وناصرا ومساعدا. الإعراب: نعم: فعل ماض، دال على إنشاء المدح، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: هو. امرأ: تمييز منصوب، من فاعل "نعم"، وجملة "نعم وفاعله": في محل رفع خبر مقدم. هرم: مبتدأ مؤخر مرفوع. لم: حرف نفي وجزم وقلب. تعر: فعل مضارع مجزوم بـ"لم"، وعلامة جزمه حذف الواو. نائبة: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. إلا: أداة استثناء. وكان: الواو: حالية، كان: فعل ماضٍ ناقص، =
[ ٣ / ٢٤٣ ]
[حكم الجمع بين الفاعل الظاهر والتمييز]:
وأجاز المبرد وابن السراج والفارسي١: أن يجمع بين التمييز والفاعل الظاهر، كقوله٢: [البسيط] .
٣٨٥- نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت٣
_________________
(١) = واسمه ضمير مستتر تقديره: هو. "لمرتاع": متعلق بـ"وزر" الآتي: "بها": متعلق بـ"مرتاع". وزر: خبر كان الناقصة، وجملة "كان واسمها وخبرها": في محل نصب على الحال؛ وهذه الحال مستثناة من عموم الأحوال، والتقدير: لم تعر نائبة في حال من الأحوال إلا من الحال التي يكون فيها هرم وزرا لمن يرتاع به. موطن الشاهد: "نعم امرأ هرم". وجه الاستشهاد: مجيء فاعل "نعم" ضميرا مستترا، وقد فسر لإبهامه بالتمييز بعده "امرأ"، وفي البيت شاهد آخر في قوله: "إلا وكان" حيث جيء بواو الحال قبل الفعل الماضي الواقع بعد إلا، وحكم هذا الإتيان نادر، والفصيح تجرده من الواو كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . ونظير الشاهد المذكور قول الشاعر: نعم امرأين حاكم وكعب كلاهما غيث وسيف عضب انظر الأشموني: ٢/ ٣٧٦. انظر ضياء السالك ٣/ ٨٤. ١ مرت ترجمة وافية لكل منهم. ٢ لم يُنسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: رد التحية نطقا أو بإيماء والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٩٥، والعيني: ٤/ ٣٢، والهمع: ٢/ ٨٦، والدرر: ٢/ ١١٢، والمغني: ٨٤١/ ٦٠٤، والسيوطي: ٢٩٢. المفردات الغريبة: الفتاة: المرأة الشابة الحديثة السن، وهي مؤنث الفتى. بذلت: أعطت. بإيماء؛ الإيماء: الإشارة، مصدر أومأ إلى الشيء، إذا أشار إليه. المعنى: أن هندا تستحق الثناء، والتقدير، لو تفضلت برد التحية بالنطق، أو بالإشارة وبعد ذلك منها بذلا ومنحة. الإعراب: نعم: فعل ماض، دال على إنشاء المدح، مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. الفتاة: فاعل نعم مرفوع. فتاة: تمييز مؤكد للفاعل منصوب، وعلامة نصبه =
[ ٣ / ٢٤٤ ]
ومنعه سيبويه والسيرافي١ مطلقا٢، وقيل: إن أفاد معنى زائدا جاز، وإلا فلا؛ كقوله:
فنعم المرء من رجل تهامي٣
_________________
(١) = الفتحة الظاهرة على رأي المبرد والفارسي وابن السراج وجماعة من المتأخرين، وحال مؤكدة لصاحبها على رأي أنصار سيبويه؛ وجملة "نعم وفاعلها": في محل رفع خبر مقدم. هند: مخصوص بالمدح، مبتدأ مؤخر مرفوع. لو: شرطية أو حرف تمن، لا محل له من الإعراب. بذلت: فعل ماضٍ، مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: هي. رد: مفعول به منصوب، وهو مضاف. التحية: مضاف إليه؛ إن عددنا "لو" حرف تمن، فلا جواب لها، وإن عددناها حرف شرط غير جازم فجملة "بذلت": فعل الشرط لا محل لها، ويكون جوابها محذوفا، والتقدير: لو بذلت رد التحية لنعمنا بردها. نطقا: منصوب على نزع الخافض؛ لأن الأصل: بنطق. أو بإيماء: معطوف على نطقا بأو. موطن الشاهد: "نعم الفتاة فتاة". وجه الاستشهاد: الجمع بين فاعل نعم الظاهر "الفتاة"، وبين تمييزها "فتاة"، وليس في التمييز معنى زائد على ما يدل عليه الفاعل غير أن الغرض منه مجرد التوكيد لا رفع إبهام شيء، ومثله قول الشاعر: تزود مثل زاد أبيك فينا فنعم الزاد زاد أبيك زادا وهذا الرأي مؤيد بما ورد كثيرا نظما ونثرا في الفصيح من كلام العرب، وهو الصحيح، وقد ورد في النثر قول الحارث بن عباد حين بلغه أن ابنه بجيرا قتل في حرب البسوس: "نعم القتيل قتيلا أصلح بين بكر وتغلب". وهو من النثر الذي لا ضرورة فيه. ١ مرت ترجمة لكل منهما. ٢ أي سواء أفاد التمييز معنى زائدا عما يفيده الفاعل أم لا؛ لأن التمييز لرفع الإبهام، ولا إبهام مع ظهور الفاعل. وقد أولا ما ورد من ذلك بجعل المنصوب حالا مؤكدا. التصريح: ٢/ ٩٦. ٣ البيت لأبي بكر الأسود بن شعوب الليثي، وقيل: لبجير بن عبد الله بن سلمة بن قشير. وما ذكره المؤلف عجز بيت وصدره قوله: تخيره فلم يعدل سواه وقد مر تخريج هذا الشاهد والتعليق عليه برقم: ٢٨٥. موطن الشاهد: "فنعم المرء من رجل". =
[ ٣ / ٢٤٥ ]
[ما المتصلة بنعم وبئس وإعرابها]:
واختلف في كلمة "ما" بعد نعم وبئس؛ فقيل: فاعل١؛ فهي معرفة ناقصة،
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: الجمع بين فاعل "نعم" الظاهر وهو "المرء"، وبين التمييز "من رجل"؛ وقد أفاد التمييز معنى زائدا عما أفاده الفاعل بسبب نعته بكونه تهاميا؛ أي: منسوبا إلى تهامة؛ وتهامة: اسم لما انخفض عن نجد من بلاد الحجاز. ١ وعلى ذلك فهي مستثناة من شرط الفاعل المتقدم. ومثل "ما"، "من"، وتكون موصولة، أو نكرة تامة أو موصوفة، ولا تكون معرفة. و"ما" الواقعة بعد "نعم" أو "بئس" على ثلاثة أضرب؛ وذلك لأنها إما أن لا يقع بعدها شيء أصلا، وإما أن يقع بعدها اسم مفرد: أي: ليس جملة ولا شبه جملة، وإما أن يقع بعدها جملة فعلية. أ- فإن كانت لم يقع بعدها شيء؛ نحو: صادقت زيدا فنعما، أو تقول: اختبرت زاهرا فبئسما، فللنحاة فيها قولان: أحدهما: أن "ما" معرفة تامة فهي فاعل، والتقدير: صادقت زيدا فنعم الصديق، واختبرت زاهرا فبئس المختبر. وثانيهما: أن "ما" نكرة تامة فهي تمييز، والتقدير: صادقت زيدا فنعم صديقا، واختبرت زاهرا فبئس مختبرا. ب- وإن وقع بعدها اسم مفرد؛ نحو: قولك: "صادقت عليا فنعما هو"؛ ونحو قولك: بئسما عمل بغير نية، فللنحاة ثلاثة أقوال في هذه الحالة: الأول: أنها معرف تامة فهي فاعل. الثاني: أنها نكرة تامة فهي تمييز، والاسم الذي بعدها -على هذين القولين- هو المخصوص بالمدح أوبالذم. الثالث: أن "ما" قد ركبت مع نعم أو بئس، فصار الجميع كله واحدة، وهي فعل ماضٍ لإنشاء المدح أو الذم، والاسم الذي يليها فاعل، وهذا القول ينسب للفراء. ج- وإن وقع بعد "ما" جملة فعلية؛ نحو قوله تعالى: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، وقوله جل شأنه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾، فللنحاة فيها أربعة أقوال: الأول: أنها موصولة معرفة في محل رفع فاعل، والجملة بعدها صلة لا محل لها. الثاني: أنها نكرة في موضع نصب على التمييز، والجملة بعدها في محل نصب صفة لها، وهذا رأي الأخفش والزجاج والفارسي؛ أو الجملة بعدها صفة لمخصوص بالمدح أو بالذم محذوف. الثالث: أن "ما" هي المخصوص بالمدح أو بالذم، وهي اسم موصول، والفاعل ضمير مستتر فيه، وهذا قول الكسائي، ونقل عن الفراء أيضا. =
[ ٣ / ٢٤٦ ]
أي: موصولة، في نحو: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ١؛ أي: نعم الذي يعظكم به، ومعرفة تامة في نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ٢؛ أي: فنعم الشيء هي، وقيل: تمييز؛ فهي نكرة موصوفة في الأول وتامة في الثاني٣.
[حكم المخصوص بالمدح والذم بعدهما]:
فصل: ويذكر المخصوص بالمدح، أو الذم بعد فاعل نعم وبئس٤؛ فيقال:
_________________
(١) = الرابع: أن "ما" كافة لنعم أو بئس عن العمل. انظر التصريح: ٢/ ٩٦-٩٧، همع الهوامع: ٢/ ٨٦. ١ ٤ سورة النساء، الآية: ٥٨. موطن الشاهد: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ما" في محل رفع فاعل؛ وجملة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾: صلة للموصول، والمخصوص بالمدح محذوف؛ والتقدير: نعم الذي يعظكم به؛ وهذا منقول عن الفارسي؛ وقيل: هي نكرة. موصوفة بالجملة الفعلية، في محل نصب تمييز. التصريح: ٢/ ٩٦. ٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٧١. موطن الشاهد: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "ما" معرفة تامة؛ لأنه تلاه المفرد "هي"؛ وهو المخصوص؛ وهو منقول على سيبويه؛ والأصل: فنعم الشيء إبداؤها؛ لأن الكلام في الإبداء لها في الصدقات؛ وقيل: هي نكرة تامة -لعدم وجود الجملة- واقعة في محل نصب تمييز. التصريح؛ ٢/ ٩٦. ٣ يذكر هنا أنه إذا كان فاعل "نعم وبئس" ضميرا مستترا، فلا يجوز أن يكون له تابع؛ من نعت أو عطف أو توكيد أو بدل، وإذا كان فاعلهما مفردا ظاهرا امتنع توكيده توكيدا معنويا؛ فإن كان مثنى أو جمعا جاز، نقول: نعم الصديقان كلاهما محمد وعلي، ونعم الأصدقاء كلهم محمد وعلي وعمر. والمؤنث كالمذكر. أما التوكيد اللفظي فجائز، وكذلك العطف والبدل، أما النعت فيجوز إذا أريد به الإيضاح لا التخصيص؛ لأن التخصيص منافٍ للتعميم المفهوم من أل الجنسية. ٤ يشترط في المخصوص: أن يكون معرفة، أو نكرة مختصة بوصف أو إضافة أو غيرهما من وسائل التخصيص. وأن يكون أخص من الفاعل لا مساويا له ولا أعم؛ وذلك ليحصل التفصيل بعد الإجمال، فيكون أوقع في النفس. وأن يكون مطابقا له =
[ ٣ / ٢٤٧ ]
"نعم الرجل أبو بكر"، و"بئس الرجل أبو لهب"، وهو: مبتدأ، والجملة قبله: خبره١؛ ويجوز أن يكون خبرا لمبتدأ واجب الحذف؛ أي: الممدوح أبو بكر، والمذموم أبو لهب٢.
وقد يتقدم المخصوص؛ فيتعين كونه مبتدأ، نحو: "زيد نعم الرجل".
وقد يتقدم ما يشعر به فيحذف؛ نحو: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ ٣ أي: هون وليس منه "العلم نعم المقتنى"٤؛ وإنما ذلك من التقدم٥.
[بناء "فعل" الثلاثي وإجراؤه مجرى "نعم" و"بئس"]:
فصل: وكل فعل ثلاثي صالح للتعجب منه؛ فإنه يجوز استعماله على فَعُل بضم
_________________
(١) = في المعنى: تذكيرا وتأنيثا، وإفرادا وتثنية وجمعا. وأن يكون متأخرا عنه ليكون أدعى للتشويق. وكذلك يجب تأخيره عن التمييز إذا كان الفاعل ضميرا مستترا له تمييز، نحو: نعم رجلا المجاهد؛ فإن كان الفاعل اسما ظاهرا جاز تقديم المخصوص على التمييز وتأخيره، تقول: نعم المجد تلميذا محمد، ونعم المجد محمد تلميذا. وإذا كان المخصوص مؤنثا، جاز تذكير الفعل وتأنيثه، وإن كان الفاعل مذكرا. ١ والرابط عموم الفاعل، أو إعادة المبتدأ بمعناه، وهذا مذهب سيبويه ومن تبعه، وهو الراجح. التصريح: ٢/ ٩٧. الأشموني مع الصبان: ٣/ ٣٧. ٢ وهذا مذهب الجمهور. ٣ ٣٨ سورة ص، الآية: ٤٤. موطن الشاهد: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف المخصوص بالمدح، وهو ضمير "أيوب"؛ لدلالة ما قبله عليه، وهو يصلح أن يكون مخصوصا؛ والتقدير: نعم العبد هو. ٤ هذا من أمثلة ابن مالك في الألفية. ٥ هذا إذا أعرب "العلم" مبتدأ، أما إذا أعرب "العلم" خبرا لمبتدأ محذوف، أي: الممدوح العلم، أو عكسه، أو أعرب مفعولا لمحذوف أي: الزم العلم، وجملة "نعم المقتنى": مستأنفة فيكون من تقديم المشعر لا المخصوص؛ لعدم صلاحيته للتأخير؛ لأنه من جملة أخرى، وعلى هذا يحمل كلام الناظم. التصريح: ٢/ ٩٧. الأشموني مع الصبان: ٣/ ٣٧.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
العين؛ إما بالأصالة: كـ"ظرف وشرف" أو بالتحويل١: كـ"ضرب" و"فهم"، ثم يجري، حينئذ، مجرى نعم وبئس: في إفادة المدح والذم، وفي حكم الفاعل، وحكم المخصوص؛ تقول في المدح: "فهم الرجل زيد"، وفي الذم: "خبث الرجل عمرو".
[حكم ساء]:
ومن أمثلته "ساء"٢ فإنه في الأصل سوأ بالفتح؛ فحول إلى فعل، بالضم، فصار قاصرا، ثم ضمن معنى "بئس" فصار جامدا، قاصرا، محكوما له ولفاعله بما ذكرنا؛ تقول: "ساء الرجل أبو جهل"، و"ساء حطب النار أبو لهب" وفي التنزيل: ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ ٣، و﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ أي: إذا كان في الأصل مفتوح العين أو مكسروها كمثالي المصنف. ثم إن كان الفعل معتل العين بقي قلبها ألفا مع تقدير تحويله إلى "فعل"؛ نحو: طال الرجل محمد، وباع رجلا علي، أي: ما أطوله وأبيعه، وإن كان معتل اللام ظهرت الواو وقلبت الياء واوا: تقول: غزو، ورمو، وقيل: يقر على حاله، والحكمة في التحويل لحاقه بأفعال الغرائز ليصير قاصرا. التصريح: ٢/ ٩٨. الهمع: ٢/ ٨٧-٨٨. ٢ خصها المصنف والناظم بالذكر؛ لأنها للذم العام فهي أشبه ببئس، ولكثرة استعمالها وللخلاف فيها، أهي مثل بئس في المعنى والحكم؟ أم هي مثلها في المعنى، أما في الأحكام فكالأفعال المحولة؟. ٣ ١٨ سورة الكهف، الآية: ٢٩. موطن الشاهد: ﴿سَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع فاعل "ساء" ضميرا مستترا، يعود على النار. ومرتفقا: تمييز على حذف مضاف؛ أي: نار مرتفق؛ لأن التمييز، ينبغي أن يكون عير المميز في المعنى. والمرتفق: المتكأ. انظر التصريح: ٢/ ٩٨. ٤ ٢٩ سورة العنكبوت، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: جواز كون "ما" فاعلا لـ"ساء"، أو تمييزا؛ فعلى الأول: هي اسم موصول "والجملة": صلة لها؛ والتقدير: ساء الذي يحكمونه؛ وعلى الثاني: هي =
[ ٣ / ٢٤٩ ]
ولك في فاعل فعل المذكور أن تأتي به اسما ظاهرا مجردا من "أل"، وأن تجره بالباء، وأن تأتي به ضميرا مطابقا؛ نحو: "فهم زيد"١، وسمع "مررت بأبيات جاد بهن أبياتا" و"جدن أبياتا"٢؛ وقال٣: [المديد]
٣٨٦- حب بالزور الذي لا يرى٤
_________________
(١) = نكرة موصوفة؛ والتقدير: ساء شيئا يحكمونه؛ وعلى الوجهين، فالمخصوص بالذم محذوف. انظر شرح التصريح: ٢/ ٩٨. ١ بهذا خالف الفعل المحول إلى فعُل -بضم العين- نعم وبئس، فقد علمت أن فاعل نعم وبئس لا يكون إلا مقترنا بأل، أو مضافا لما قارنها أو إلى مضاف إلى ما قارنها، ومن المحول إلى فعل بالضم "حب" إذا لم يكن معها "ذا" وهذا الذي ذكره المؤلف من حكم هذه الأفعال هو في أصله رأي الأخفش والمبرد، وهو المشهور عن العلماء، ولكن الدماميني قد بحث أنه يلتزم في فاعل ساء ما التزم في فاعل بئس، وجزم الشاطبي بأن فاعل "حب" إذا لم يكن معه "ذا" يلتزم فيه ما لزم في فاعل نعم. حاشية يس على التصريح: ٢/ ٩٨، الأشموني: ٢/ ٣٨٠. والأشموني مع الصبان: ٣/ ٤٠. ٢ حكى ذلك الكسائي، بزيادة الباء في الفاعل أولا، وتجرده منها ثانيا، وهو سبب تمثيل المصنف به. وجاد بهن؛ من جاء الشيء إذا صار جيدا، وأصله: جود، فحول إلى "فعُل"؛ لقصد المبالغة والتعجب، وزيدت الباء في الفاعل، وعوض من ضمير الرفع ضمير الجر، فقيل: بهن، و"أبياتا" تمييز، و"جدن" فعل وفاعل، و"أبياتا" تمييز أيضا. وقد جمع فيهما بين الفاعل والتمييز. ٣ القائل: هو الطرماح بن حكيم، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: منه إلا صفحة أو لمام وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٩٩، والأشموني: ٥٥/ ٢/ ٣٨٠، والعيني: ٤/ ١٥، والمقرب: ١١، والهمع: ٢/ ٨٩، والدرر: ٢/ ١١٩، وديون الطرماح: ٧٩. المفردات الغريبة: الزور: الزائر، وهو مصدر يراد به اسم الفاعل، ويطلق على الواحد والجمع مذكرا ومؤنثا. صفحة: المراد صفحة الوجه، وهي جانبه. لمام: جمع لمة، وهي الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغ المنكب سمي: جمة. المعنى: ما أحب الضيف الذي لا يثقل على مضيفه بالمكث عنده ومضايقته، حتى لا =
[ ٣ / ٢٥٠ ]
أصله "حبب الزور"، فزاد الباء، وضم الحاء؛ لأن فعل المذكور، يجوز فيه أن تسكن عينه، وأن تنقل حركتها إلى فائه؛ فتقول: "ضرب الرجل" و"ضرب".
["حبذا" و"لا حبذا" وإعرابهما]:
فصل: ويقال في المدح: "حبذا" وفي الذم: "لا حبذا" قال١: [المتقارب]
٣٨٧- ألا حبذا عاذري في الهوى ولا حبذا الجاهل العاذل٢
_________________
(١) = يكاد يتحقق من ملامحه لسرعة انصرافه وتركه المضيف. الإعراب: حب: فعل ماضٍ، دال على إنشاء المدح. بالزور: الباء: حرف جر زائد، الزور: اسم مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل "حب". الذي: اسم موصول في محل رفع صفة لـ"الزور". لا: نافية لا عمل لها. يرى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر. "منه": متعلق بـ"يرى". إلا: أداة حصر، لا عمل لها. صفحة: نائب فاعل مرفوع. أو: حرف عطف. لمام: اسم معطوف على صفحة مرفوع، وسكن لضرورة الروي؛ وجملة "لا يرى": صلة للموصول، لا محل لها من الإعراب. موطن الشاهد: "حب بالزور". وجه الاستشهاد: مجيء فاعل حب التي تفيد معنى نعم مقترنا بالباء الزائدة؛ لأن المعنى قريب من معنى صيغة التعجب، وقد علمنا سابقا أن الباء تزاد باطراد في فاعل فعل التعجب فحمل ما في البيت على تلك الزيادة، غير أن الباء ليست واجبة الزيادة مع الفاعل في "حب"، فيجوز أن نقول: حب زيد، وحب بزيد: حيث استعمله مجنون ليلى من دون أن يقرن فاعله بالباء، وأتى بالتمييز بعده حيث قال: نسائلكم هل سال نعمان بعدنا وحب إلينا بطن نعمان واديا ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٠٠، والعيني: ٤/ ١٦، والهمع: ٢/ ٨٩، والدرر: ٢/ ١١٧. المفردات الغريبة: العاذر: الذي يقبل العذر، ولا يلوم، من عذره يعذره؛ والاسم: المعذرة. العاذل: اللائم، من عذله يعذله، والاسم: العذل. المعنى: نعم من يعذرني في الهوى، ويكف عن لومي وعذلي، وبئس الجاهل الغبي الذي يلومني، ولا يلتمس لي عذرا. الإعراب: ألا: حرف استفتاح وتنبيه، لا محل له من الإعراب. حبذا: حب: فعل =
[ ٣ / ٢٥١ ]
ومذهب سيبويه أن "حب" فعل، و"ذا" فاعل، وأنهما باقيان على أصلهما١، وقيل: ركبا وغلبت الفعلية؛ لتقدم الفعل، فصار الجميع فعلا وما بعده فاعل٢، وقيل: ركبا وغلبت الاسمية لشرف الاسم، فصار الجميع اسما مبتدأ وما بعده خبرا٣.
_________________
(١) = ماضٍ لإنشاء المدح مبني على الفتح، و"ذا" اسم إشارة في محل رفع فاعل، وجملة "حبذا": في محل رفع خبر مقدم. عاذري: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وياء المتكلم: في محل جر بالإضافة. "في الهوى": متعلق بـ"عاذر". ولا: الواو: عاطفة، لا: نافية، لا محل لها من الإعراب. حبذا: حب: فعل ماضٍ مبني على الفتح، و"ذا": اسم الإشارة فاعله، والجملة في محل رفع خبر مقدم. الجاهل: مبتدأ مؤخر مرفوع. العاذل: صفة للجاهل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. موطن الشاهد: "حبذا عاذري"، و"لا حبذا صحبة الجاهل". وجه الاستشهاد: استعمال حبذا للمدح في الشطر الأول من البيت، و"لا حبذا" للذم في الشطر الثاني. ومثل هذا البيت قول الشاعر: ألا حبذا أهل الملا غير أنه إذا ذكرت مي فلا حبذا هيا انظر شرح التصريح: ٢/ ٩٩. ١ أي: أنهما جملة فعلية ماضوية؛ لإنشاء المدح، و"ذا" كفاعل "نعم" لا يجوز إتباعه. وإذا وقع بعده اسم؛ نحو: حبذا الرجل، فهو المخصوص لا تابع لاسم الإشارة. ٢ هذا رأي ضعيف؛ لأنه لم يعهد تركيب فعل من فعل واسم على أنه قد يحذف المخصوص، والفاعل لا يحذف. ٣ وأجاز بعضهم كون "حبذا" خبرا مقدما، والاسم بعده مبتدأ مؤخر، وينسب هذا إلى المبرد وابن السراج، وضعف بأن "حبذا" لو كان اسما لوجب تكرار "لا" عند إهمالها في نحو: لا حبذا زيد ولا عمرو، وأيضا: عمل "لا" في معرفة، إن أعملت عمل "إن" أو ليس، وبقي وجه آخر، وهو: أن يكون "حب" فعلا، و"ذا" ملغاة، والاسم بعده فاعل. مغني اللبيب: ٧٢٥، والتصريح: ٢/ ٩٩. حاشية الصبان: ٣/ ٤٠، ابن عقيل "طبعة دار الفكر": ٣/ ١٣٨. فائدة: أجاز بعض النحاة أن يكون "حبذا" خبرا مقدما، والاسم بعده مبتدأ مؤخرا، وهناك وجه آخر، وهو أن يكون "حب" فعلا و"ذا" ملغاة، والاسم بعده فاعلا؛ وهذا الوجه في العمل كالوجه الأول من وجوه التركيب المذكورة في المتن، ولكنه غيره في =
[ ٣ / ٢٥٢ ]
ولا يتغير "ذا" عن الإفراد والتذكير؛ بل يقال: "حبذا الزيدان والهندان"، أو "الزيدون والهندات"؛ لأن ذلك كلام جرى مجرى المثل؛ كما في قولهم: "الصيف ضيعت اللبن"، يقال لكل أحد بكسر التاء وإفرادها١، وقال ابن كيسان: لأن المشار إليه مضاف محذوف، أي: حبذا حسن هند٢.
[لا يتقدم المخصوص على حبذا]:
ولا يتقدم المخصوص على "حبذا" لما ذكرنا من أنه كلام جرى مجرى المثل، وقال ابن بابشاذ٣: لئلا يتوهم أن في "حب" ضميرا٤، وأن "ذا" مفعول٥.
_________________
(١) = التقدير: وخلاصة القول في "حبذا زيد": أن لها خمسة أوجه من الإعراب: الأول: أن يكون "حب" فعلا ماضيا، و"ذا" فاعله، والجملة خبر مقدم وزيد مبتدأ مؤخر. الثاني: أن يكون "حبذا" برمته فعلا، و"زيد" فاعل. الثالث: أن يكون "حبذا" برمته مبتدأ، وزيد خبره. الرابع: أن يكون "حبذا" فعلا وفاعلا، وزيد مبتدأ خبره محذوف. الخامس: أن يكون "حبذا" فعلا وفاعلا، وزيد خبر لمبتدأ محذوف. انظر التصريح: ٢/ ٩٩، مغني اللبيب: ٧٢٥. ١ ذلك؛ لأنه في الأصل خطاب لامرأة طلقت زوجا غنيا؛ لكبره، وأخذت شابا فقيرا، وكان ذلك في زمن الصيف، فلما جاء الشتاء أرسلت للأول تطلب منه لبنا، فقال لها ذلك، وصار مثلا يضرب لمن يطلب الشيء بعد تفريطه فيه، و"الصيف" منصوب على الظرفية لضيعت. وهو من أمثال الميداني "تحق عبد الحميد": ٢/ ٦٨ رقم: ٢٧٢٥. ٢ رد ابن العلج على ابن كيسان؛ بأنه لو كان كما ذكره لظهر هذا المبتدأ المقدر في بعض التراكيب العربية، ولم يثبت إطلاقا، فهو قول لا دليل عليه. التصريح: ٢/ ١٠٠، حاشية الصبان: ٣/ ٤١. ٣ مرت ترجمته. ٤ أي مرفوعا على الفاعلية عائدا على المخصوص. وهذا التوهم بعيد؛ لأن معنى هذا التركيب قد اشتهر في غير ذلك المعنى المتوهم؛ على أن هذا التوهم الذي يفر منه، لا يمتنع وروده على الذهب بسبب التأخير؛ لأنه يفهم أن "ذا" مفعول مقدم "وزيد" فاعل مؤخر. التصريح: ٢/ ١٠٠. ٥ بقي أن نقول: إن مخصوص "حبذا" يخالف مخصوص "نعم" في أمور: =
[ ٣ / ٢٥٣ ]
تنبيه: إذا قلت "حب الرجل زيد" فحب هذه من باب فعل المتقدم ذكره، ويجوز في حائه الفتح والضم، كما تقدم؛ فإن قلت "حبذا" ففتح الجاء واجب إن جعلتهما كالكلمة الواحدة.
_________________
(١) = الأول: مخصوص "نعم" يجوز تقدمه عليها؛ نحو: زيد نعم الرجل، بخلاف مخصوص "حبذا"، وقد ذكر ذلك المصنف. الثاني: يجوز إعمال النواسخ في مخصوص "نعم"؛ نحو؛ نعم رجلا كان زيد، بخلاف مخصوص "حبذا"، فإن النواسخ لا تعمل فيه. الثالث: أن تقديم التمييز على المخصوص بعد "حبذا" وتأخير التمييز عن المخصوص سواء في القياس كثير في الاستعمال، وإن كان تقديم التمييز أولى وأكثر، بخلاف المخصوص، بنعم؛ فإن تأخير التمييز عنه -عند البصريين- شاذ في غاية الندرة. الرابع: أنه مع اشتراكهما في جواز إعرابهما مبتدأ خبره الجملة قبله، أو خبرا مبتدؤه محذوف وجوبا، إلا أن الوجه الثاني في "حبذا" أسهل منه في "نعم"، من جهة أن النواسخ تدخل عليه مع نعم، وهي لا تدخل إلا على المبتدأ، فيترجح فيه الوجه. الأشموني: ٢/ ٣٨٣-٣٨٣، والأشموني مع حاشية الصبان: ٣/ ٤٢-٤٣.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
[باب أفعل التفضيل] ١
[ما يصاغ منه أفعل التفضيل]:
إنما يصاغ أفعل التفضيل مما يصاغ منه فعلا التعجب؛ فيقال: "هو أضرب" و"أعلم" و"أفضل"، كما يقال: "ما أضربه" و"أعلمه" و"أفضله" وشذ بناؤه من وصف لا فعل له؛ كـ"هو أقمن به" أي: أحق، و"ألص من شظاظ"٢، ومما زاد على ثلاثة كـ"هذا الكلام أخصر من غيره"٣، وفي أفعل المذاهب الثلاثة٤، وسمع "هو أعطاهم للدراهم، وأولاهم للمعروف"٥، و"هذا المكان أقفر من
_________________
(١) ١ هو اسم مشتق مصوغ؛ للدلالة على شيئين اشتركا في صفة، وزاد أحدهما على الآخر فيها. وقياسه "أفعل" للمذكر ممنوع من الصرف للوصفية ووزن الفعل، و"فعلى" للمؤنث. أما خير وشر وحب، فقد حذفت همزتها؛ لكثرة الاستعمال، وجاء على الأصل قول رؤبة: بلال خير الناس وابن الأخير، وقراءة بعضهم: ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾، وفي الحديث: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل". الأشموني: ٢/ ٣٨٣، حاشية الصبان: ٣/ ٤٣. ٢ بنوه من لص. وقد حكى ابن القطاع لصص -بالفتح- إذا استتر، وحكي أيضا: لصصه إذا أخذه خفية. وعلى ذلك لا شذوذ فيه. وشظاظ -بكسر الشين- اسم لص من بني ضبة معروف بالذكاء في اللصوصية، ويضرب به المثل، يقال: "أسرق من شظاظ"، و"ألص من شظاظ"، ويقال أيضا: "ألص من سرحان" وهو الذئب، و"ألص من فأرة". انظر مجمع الأمثال للميداني "تحقيق: محيي الدين عبد الحميد": ٢/ ٢٥٧، برقم: ٣٧٤٥. ٣ بنوه من: "اختصر". وفيه شذوذ آخر، وهو بناؤه من المبني للمجهول. ٤ أي: في بناء "أفعل" التفضيل من الرباعي الذي على وزن "أفعل" الخلاف السابق في التعجب؛ فقيل: يجوز مطلقا، وقيل: يمتنع مطلقا، وقيل: يجوز إن كانت الهمزة لغير النقل وإلا فلا. ٥ هذان شاذان عند من يمنع ذلك مطلقا، وعند من يمنع إذا كانت الهمزة للنقل؛ لأن همزتها كذلك.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
غيره"١، ومن فعل المفعول كـ"هو أزهى من ديك"٢ و"أشغل من ذات النحيين"٣ و"أعنى بحاجتك".
[ما يتوصل به إلى ما عدم الشروط]:
وما توصل به إلى التعجب مما لا يتعجب منه بلفظه يتوصل به إلى التفضيل، ويجاء بعده بمصدر ذلك الفعل تمييزا؛ فيقال: "هو أشد استخراجا" و"حمرة".
[حالات اسم التفصيل]:
فصل: ولاسم التفضيل ثلاثة حالات٤.
إحداها: أن يكون مجردا من أل والإضافة، فيجب له حكمان:
_________________
(١) ١ هذا شاذ على القول بالمنع مطلقا؛ لأن همزته ليست للنقل. ٢ بنوه من قولهم: زهي، بمعنى تكبر، وحكى ابن دريد: زها يزهو، أي: تكبر، وعليه فلا شذوذ؛ لأنه من المبني للفاعل، وهو من أمثال الميداني. أمثال الميداني: ١/ ٣٢٧، برقم: ١٧٦١. ٣ بنوه من "شغل"؛ لأن المراد أنها أكثر مشغولة. والنحيين: تثنية نحي وهو زق السمن؛ أمثال الميداني: ١/ ٣٧٦، برقمك ٢٠٢٩. الأشموني وحاشية الصبان: ٣/ ٤٣-٤٤. ٤ هذا باعتبار لفظه، وله باعتبار معناه ثلاثة استعمالات. أ- ما تقدم في تعريفه. ب- أن يراد به؛ أن شيئا زاد في صفة نفسه على آخر في صفته، كقولهم: الصيف أحر من الشتاء؛ أي: الصيف أبلغ في حره من الشتاء في برده، ومثل: العسل أحلى من الخل ونحو ذلك: وليس في هذه الحالة وصف مشترك وإنما الاشتراك في الزيادة. ج- أن يتجرد عن معنى التفضيل، ويراد به ثبوت الوصف لمحله فيؤول باسم فاعل، أو صفة مشبهة. فإن أضيف لمعرفة تعينت المطابقة كما سيأتي: نحو الناقص والأشج أعدلا بني مروان، أي: عادلاهم، ونصيب أشعر الحبشة، أي: شاعرهم. وإن لم يضف، ولم يقترن بأل ولا بمن، فالأكثر فيه عدم المطابقة؛ نحو: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، أي: هين، ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾، أي: عالم، وقد يطابق وعليه يخرج قول أبي نواس الآتي: كأن صغرى البيت. حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٠٢.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
أحدهما: أن يكون مفردا مذكرا دائما؛ نحو: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ﴾ ١؛ ونحو: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآية٢، ومن ثم قيل في "أُخَر" إنه معدول عن آخر٣، وفي قول ابن هانئ٤: [البسيط]
٣٨٨- كأن صغرى وكبرى من فقاقعها٥
_________________
(١) ١ ١٢ سورة يوسف، الآية: ٨. موطن الشاهد: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أحب" اسم تفضيل مجردا من "أل" والإضافة؛ فجاء مفردا مذكرا؛ وحكم مجيئه على هذه الحالة -بالتذكير- الوجوب؛ وقد أفرد -هنا- مع المثنى. ٢ ٩ سورة التوبة، الآية: ٢٤. موطن الشاهد: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: إفراد اسم التفضيل مع الجماعة. ٣ أي: وليس من باب التفضيل؛ لأنه ليست فيه مشاركة وزيادة؛ لأن معناه الأصلي: أشد تأخرا، و"أخر": جمع أخرى، أنثى آخر على وزن "أفعل". ٤ هو: أبو نواس؛ الحسن بن هانئ، شاعر العراق في عصره، وأحد الشعراء المكثرين، كان له علم باللغة حتى شهد له بذلك الشافعي ﵁ اشتهر بمجونه وخمرياته، بالإضافة لنظمه في كل أنواع الشعر، له ديوان مطبوع ومشهور. اختلف في ولادته وموته، والمشهور أنه ولد سنة ١٤٦هـ، وتوفي سنة: ١٩٨هـ. خزانة الأدب: ١/ ١٦٨، وفيات الأعيان: ١/ ١٣٥، الأعلام: ٢/ ٢٢٥، الشعر والشعراء: ٢/ ٧٩٦ ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت في وصف الخمر، وعجزه قوله: حصباء در على أرض من الذهب وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٠٢، والأشموني: ٧٦٧/ ٢/ ٣٨٦، والعيني: ٤/ ٥٠، والمغني: ٧٠٦/ ٤٩٨، وشرح المفصل: ٦/ ١٠٠، ١٠٢، وديوان أبي نواس: ٢٤٣. المفردات الغريبة: فقاقعها: جمع فقاعة، وهي النفاخات التي على وجه الماء أو الخمر، شبه حبات صغيرة من الحصباء وهي: دقاق الحصى. در: لآلئ، جمع درة، وهي اللؤلؤة. المعنى: كأن النفاخات الصغيرة البيضاء التي تعلو الخمر، وهي في الكأس في لونها الذهبي حبات من اللؤلؤ على أرض من ذهب. =
[ ٣ / ٢٥٧ ]
إنه لحن.
والثاني: أن يؤتى بعده بمن١ جارة للمفضول٢؛ وقد تحذفان٣ نحو:
_________________
(١) = الإعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل. صغرى: اسم كأن منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف؛ للتعذر. وكبرى: الواو: عاطفة، كبرى: اسم معطوف على صغرى، منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف؛ للتعذر. من: حرف جر. فقاقعها: اسم مجرور، و"ها": مضاف إليه، و"من فقاقع": متعلق بمحذوف صفة لـ"صغرى" و"كبرى". حصباء: خبر كأن مرفوع، وهو مضاف. در: مضاف غليه مجرور. "على أرض": متعلق بمحذوف صفة لـ"حصباء در". "من الذهب": متعلق بمحذوف صفة لـ"أرض". موطن التمثيل به: "صغرى وكبرى". وجه الاستشهاد: مجيء أفعل التفضيل "صغرى" و"كبرى" مؤنثا مع أنه مجرد من أل والإضافة، وكان حقه أن يأتي مفردا مذكرا فيقال: أصغر وأكبر؛ ولهذا قال بعضهم: إنه لحن. غير أن آخرين قالوا: إنه لم يقصد التفضيل وإنما أراد معنى الوصف المجرد عن الزيادة، فـ"صغرى" و"كبرى" -هنا- صفة مشبهة لا أفعال تفضيل. ١ ولا يجر المفضول غيرها من الحروف، وهي واجبة في هذه الحالة، واختلف في معناها، فقال المبرد: هي للابتداء، وتكون لابتداء الارتفاع إذا كان السياق للمدح؛ نحو: النشيط أفضل من الخامل، ولابتداء الانحطاط إذا كان السياق للذم؛ نحو: المنافق أضر من العدو. وقال ابن مالك: هي للمجاوزة؛ أي: أن المفضل جاوز المفضول في الوصف الممدوح أو المذموم، وزاد عليه. التصريح: ٢/ ١٠٢. والأشموني: ٢/ ٣٨٤. والأشموني مع الصبان: ٣/ ٤٥. ٢ يجوز الفصل بين أفعل التفضيل و"من" الداخلة على المفضول بأحد شيئين: الأول: معمول أفعل التفضيل؛ نحو: على أحفظ للآداب من عمرو، والثاني: "لو" ومدخولها؛ نحو قول الشاعر: ولفوك أطيب لو بذلت لنا من ماء موهبة على خمر الأشموني: ٢/ ٣٨٥. ٣ اختلف النحاة عند حذف "من" ومجرورها -وهو المفضل عليه في صيغة أفعل- أيلزم كونها دالة على التفضيل، أم يجوز خلوها من هذه الدلالة؟ ذهب الكسائي والفراء وهشام، وتبعهم المحقق الرضي إلى أن هذه الصيغة لا تخلو قط من الدلالة على التفضيل، وبيان ذلك في مختلف الأحوال أنك إن ذكرت الصيغة، وبعدها "من" جارة للمفضول؛ فدلالتها على التفضيل ظاهرة، وإن أضيفت الصيغة، =
[ ٣ / ٢٥٨ ]
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١، وقد جاء الإثبات والحذف في ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ ٢، أي: منك.
وأكثر ما تحذف "من" إذا كان أفعل خبرا٣، ويقل إذا كان حالا، كقوله٤: [الطويل]
_________________
(١) = فإن المضاف إليه هو المفضل عليه، وإن اقترنت بأل، فإن أل عوض من المضاف إليه، وإن لم تضف ولم تقترن بأل، ولم يذكر معها "من" جارة للمفضول؛ كان الكلام على أحد تقديرين؛ الأول: تقدير "من" ومجرورها. الثاني: تقدير الصيغة مضافة، وقد حذف المضاف إليه وهو منوي الثبوت؛ كقول معن بن أوس: ولا بلغ المهدون نحوك مدحة ولا صدقوا إلا الذي فيك أفضل فالمراد: إلا الذي فيك أفضل مما قالوه فيك ووصفوك به. وكقول الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول فالمراد: دعائمه أعز الدعائم وأطولها، أو أعز من كل عزيز، وأطول من كل طويل، والأمثلة على ذلك كثيرة. انظر الأشموني: ٢/ ٣٨٨، أوضح المسالك: ٣/ ٢٨٩-٢٩٠. ١ ٨٧ سورة الأعلى، الآية: ١٨. موطن الشاهد: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ . وجه الاستشهاد: حذف الجار "من" والمجرور "المفضول" بعد اسم التفضيل؛ وحكم هذا الحذف الجواز؛ لوجود الدليل؛ والتقدير: والآخرة خير وأبقى من الحياة الدنيا. ٢ ١٨ سورة الكهف، الآية: ٣٤. موطن الشاهد: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء من والمجرور بها -المفضول- بعد اسم التفضيل "أكثر"، وحذفها مع مجرورها -المفضول- بعد اسم التفضيل "أعز"؛ والتقدير: أعز منك؛ وجاز الحذف -هنا- لوجود الدليل. ٣ سواء كان خبرا لمبتدأ، أو خبر ناسخ، أو أصله الخبر، كثاني مفعولي "ظن" وأخواتها. وثالث مفاعيل "أعلم وأرى" إلخ؛ نحو: محمد أكرم، كان محمد أفضل، ظننت محمدا أعلم، أعلمت عليا محمدا أقدر على تحمل المسئولية. ٤ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
٣٨٩- دنوت وقد خلناك كالبدر أجملا١
اي: دنوت أجمل من البدر، أو صفة كقوله٢: [مشطور الرجز]
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: فظل فؤادي في هواك مضللا وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٠٣، والأشموني: ٧٦٢/ ٢/ ٣٨٥، وابن عقيل: ٢٧٩/ ٣/ ٧٧، والعيني: ٤/ ٥٠، والخزانة: ١/ ٣٨٧. المفردات الغريبة: دنوت: قربت. خلناك: ظنناك وحسبناك. ظل: استمر. مضللا: حيران غير مهتد إلى الصواب؛ وهو من الضلال وهو عدم الرشد. المعنى: قربت منا أيتها المحبوبة، وأنت أكثر جمالا وبهاء من البدر، وقد كنا نظنك مثله في الجمال وحسن المنظر، فصار قلبي حائرا في هواك وحبك، لا يعرف سبيل الرشد ووجه الصواب. الإعراب: دنوت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الكسر في محل رفع فاعل. وقد: الواو: حالية، قد: حرف تحقيق. خلناك: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، و"نا": ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، والكاف: ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. "كالبدر": متعلق بمحذوف مفعول ثانٍ لـ"خال"؛ وجملة "خال ومفعوليه": في محل نصب حال. أجملا: حال من تاء المخاطبة الواقعة فاعلا لـ"دنا"، والألف: للإطلاق، والتقدير: قربت منا حال كونك أجمل من البدر، وقد ظنناك كالبدر. فظل: الفاء: حرف عطف، ظل: فعل ماضٍ ناقص. فؤادي: اسم ظل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل الياء، والياء: في محل جر مضاف إليه. "في هواك": متعلق بـ"مضلل" الآتي، و"هوا": مضاف والكاف: في محل جر مضاف إليه. مضللا: خبر ظل منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. موطن الشاهد: "دنوت كالبدر أجملا". وجه الاستشهاد: حذف "من" التي تجر المفضول عليه مع مجرورها؛ لأن الأصل دنوت -وقد خلناك كالبدر- أجمل منه، وأفعل التفضيل -هنا- حال من الفاعل في دنوت، وجملة "وقد خلناك كالبدر": اعتراضية، وهذا على قلته قياسي. ٢ القائل: هو أحيحة بن الجلاح الأوسي الصحابي، شاعر جاهلي من دهاة العرب وشجعانهم، قيل: إنه كان سيد يثرب وسيد الأوس، وكان كثير المال، له شعر بقي منه القليل مات نحو ١٣٠ق. هـ. =
[ ٣ / ٢٦٠ ]
٣٩٠- تروحي أجدر أن تقيلي١
أي: تروحي وائتي مكانا أجدر من غيره بأن تقيلي فيه.
_________________
(١) = تجريد الأغاني: ١٦١٢، الأغاني: ١٣/ ١١٥، خزانة الأدب: ٢/ ٢٣، الأعلام: ١/ ٢٧٧. ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت من الرجز، أو بيت من مشطوره، وبعده قوله: غدا بجنبي بارد ظليل ومشرب يشربها رسيل وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٠٣، والأشموني: ٧٦٣/ ٢/ ٣٨٥، والمحتسب: ١/ ٢١٢، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٤٣، والعيني: ٤/ ٣٦. المفردات الغريبة: تروحي: ارتفعي وطولي، من قولهم: تروح النبت إذا طال. أجدر: أحق وأحرى. تقيلي: من القيلولة؛ وهي الوقت الذي يشتد فيه الحر في منتصف النهار. هذا: وقد ظن بعضهم أن الشاعر يخاطب بهذا ناقته، وأنه يطلب منها الصبر على مشاق السير، وأن تقبل في وقت الظهيرة، لكن هذا لا يتناسب مع ما قبل البيت وبعده، فقبله قوله: تأبري يا خيرة الفسيل تأبري من حنذ فشولي إذا ضن أهل النخل بالفحول تروحي البيت المعنى: ارتفعي أيتها النخلة الصغيرة وطولي، وخذي مكانا أحرى من غيره بأن يزداد فيه نموك وازدهارك، بجنبي ماء بارد ومكان ظليل. الإعراب: تروحي: فعل أمر مبني على حذف النون؛ لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة، والياء: ضمير متصل في محل رفع فاعل. أجدر: أفعل تفضيل صفة لمحذوف هو، وعامله المعطوف على تروحي؛ والتقدير: وخذي مكانا أجدر من غيره. أن: حرف مصدري ونصب. تقيلي: فعل مضارع منصوب بأن المصدرية، وعلامة نصبه حذف النون، والياء: في محل رفع فاعل، والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": مجرور بحرف جر محذوف، والتقدير: أجدر بقيلولتك، و"بقيلولتك": متعلق بـ"أجدر". غدا: متعلق بـ"تقيلي". "بجنبي": متعلق بـ"تقيلي" أيضا، وجنبي: مضاف. بارد: مضاف إليه، والأصل في بارد: أنها صفة لمحذوف؛ لأن التقدير: بمكان بارد فحذف الموصوف، وأقيمت مقامه. ظليل: صفة لـ"بارد" مجرورة. موطن الشاهد: "أجدر أن تقيلي". وجه الاستشهاد: حذف من الجارة للمفضول عليه مع مجرورها، فأصل الكلام: تروحي وأتي مكانا أجدر من غيره بأن تقيلي فيه كما ذكر المؤلف؛ واسم التفضيل -هنا- صفة لموصوف محذوف، وحكم هذا أنه قليل.
[ ٣ / ٢٦١ ]
ويجب تقديم "من" ومجرورها عليه إن كان المجرور استفهاما١؛ نحو: "أنت ممن أفضل"٢ أو مضافا إلى الاستفهام "أنت من غلام من أفضل"، وقد تتقدم في غير الاستفهام؛ كقوله٣: [الطويل]
٣٩١- فأسماء من تلك الظعينة أملح٤
وهو ضرورة.
_________________
(١) ١ أي: تقديم "من" ومجرورها على "أفعل" وحده، دون الجملة كلها؛ وذلك لأن الاستفهام له الصدراة في الكلام. ٢ الأصل: أنت أفضل ممن؟. ٣ القائل هو: جرير بن عطية الشاعر الأموي؛ وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: إذا سايرت أسماء يوما ظعينة وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٠٣، والأشموني: ٧٧٣/ ٢/ ٣٨٩، وابن عقيل: ٢٨٤/ ٣/ ١٨٦، والعيني: ٤/ ٥٢، وديوان جرير: ١٠٧. المفردات الغريبة: سايرت: سارت وصاحبت. ظعينة، الظعينة: الهودج كانت فيه امرأة أو لا، والجمع: ظعن وظعائن، وهي أيضا: المرأة ما دامت في الهودج، والمراد هنا: المرأة مطلقا. أملح: أحسن؛ من ملح كظرف. المعنى: أن أسماء كلما سارت مع نسوة ظهر حسنها، وتفوقت على من يسايرنها في الحسن والملاحة. الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية. سايرت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث. أسماء: فاعل مرفوع. "يوما": متعلق بـ"ساير". ظعينة: مفعول به لـ"سايرت"؛ وجملة "سايرت": في محل جر بالإضافة بعد "إذ". فأسماء: الفاء: واقعة في جواب الشرط، أسماء: مبتدأ مرفوع. من: حرف جر. تلك: تي: اسم إشارة في محل جر بـ"من"، واللام: للبعد والكاف: للخطاب، و"من تلك": متعلق بـ"أملح" الآتي. الظعينة: بدل من اسم الإشارة مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. أملح: خبر المبتدأ "أسماء" مرفوع، وجملة "المبتدأ وخبره": جواب شرط غير جازم، لا محل لها من الإعراب. موطن الشاهد: "من تلك الظعينة أملح". وجه الاستشهاد: تقدم من ومجرورها "من تلك الظعينة" على أفعل التفضيل "أملح" =
[ ٣ / ٢٦٢ ]
الحالة الثانية: أن يكون بأل؛ فيجب له حكمان؛
أحدهما: أن يكون مطابقا لموصوفه١؛ نحو: "زيد الأفضل"، و"هند الفضلى"، و"الزيدان الأفضلان"، و"الزيدون الأفضلون"، و"الهندات الفضليات"، أو "الفضل"٢.
والثاني: ألا يؤتى معه بمن٣؛ فأما قول الأعشى٤: [السريع]
٣٩٢- ولست بالأكثر منهم حصى٥
_________________
(١) = في غير الاستفهام: وحكم هذا التقديم أنه شاذ أتى لضرورة الشعر. ومثل البيت الشاهد قول ذي الرمة: ولا عيب فيها غير أن سريعها قطوف وأن لا شيء منهن أكسل وكذا قول أعرابي من طيئ: وأشنب براق الثنايا غروبه من البرد الوسمي أصفى وأبرد انظر زهر الآداب "تحقيق محيي الدين عبد الحميد": ٧١٨. ١ أي: في التذكير والتأنيث، والإفراد وفروعه؛ وذلك لأن اقترانه بأل أضعف شبهه بأفعل في التعجب. ٢ الفضل: جمع تكسير لفضلى. ويرجع في تأنيث اسم التفضيل وتكسيره إلى السماع. فقد لا يسمع ذلك كأظرف وأشرف، وعلى هذا فالمطابقة مقيدة بالسماع عن العرب. ٣ لأن المفضل عليه غير مذكور؛ إذ تغني عنه "أل". و"من" و"أل" يتعاقبان ولا يجتمعان، فلا يقال: على الأفضل من محمد. ٤ ميمون بن قيس، وقد مرت ترجمته. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: وإنما العزة للكاثر وهو من قصيدة يهجو فيها علقمة بن علاثة الصحابي، ويفضل عليه ابن عمه عامر بن الطفيل في المنافرة التي وقعت بينهما، وهي مشهورة. والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ١٠٤، والأشموني: ٧٦٦/ ٢/ ٣٨٦، وابن عقيل: ٢٨٠/ ٣/ ١٨٠، ونوادر أبي زيد: ٢٥، والخصائص: ١/ ١٨٥، ٣/ ٢٣٤، وشرح المفصل: ٣/ ٦، ٦/ ١٠٠، ١٠٣، والخزانة: ٣/ ٤٨٩، والمغني: ٩٧٤/ ٧٤٤، والسيوطي: ٣٠٥، وديوان الأعشى: ١٠٦. المفردات الغريبة: حصى؛ المراد: العدد من الأعوان والأنصار. العزة: القوة والغلبة. الكاثر: اسم فاعل، من كثرته أكثره من باب نصر، غلبته في الكثرة. =
[ ٣ / ٢٦٣ ]
فخرج على زيادة "أل" أو على أنها متعلقة بـ"أكثر" نكرة محذوفا مبدلا من "أكثر" المذكور.
الثالثة: أن يكون مضافا١، فإن كانت إضافته إلى نكرة؛ لزمه أمران؛ التذكير،
_________________
(١) = المعنى: لست يا علقمة أكثر من عامر عددا وأعوانا وأنصارا، وإنما تكون الغلبة ويتم النصر لمن عنده جنود وأعوان ونصراء أكثر. الإعراب: لست: فعل ماضٍ ناقص مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: في محل رفع اسم "ليس". بالأكثر: الباء: حرف جر زائد، لا محل له من الإعراب، الأكثر: اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس. "منهم": متعلق بـ"الأكثر"؛ وعليه يكون قد جمع بين "أل" و"من" الداخلة على المفعول، خلافا لجماعة من النحاة. حصى: تمييز منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين. وإنما: الواو: عاطفة، إنما: أداة حصر. العزة: مبتدأ مرفوع. "للكاثر": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. موطن الشاهد: "بالأكثر منهم". وجه الاستشهاد: يدل ظاهره على أن "من" لحقت أفعل التفضيل المحلى بأل، حيث دخلت على المفضول عليه علما أن اسم التفضيل معرف بأل، وهذا ممنوع، وقد خرجه المصنف، وذكر بعضهم أنه ضرورة، ومعلوم أن "من" تأتي مع أفعل التفضيل المنكر، وخرج الشاهد على واحد من ثلاثة أوجه: الأول: أن "من" هذه ليست متعلقة بأفعل التفضيل المذكور، وإنما هي متعلقة بأفعل آخر منكر محذوف؛ والتقدير: ولست بالأكثر أكثر منه. الثاني: أن "أل" هذه زائدة زيادتها في التمييز والحال ونحوهما، وعليه يكون أفعل التفضيل نكرة. الثالث: أن "من" في البيت ليست متعلقة بالأكثر الذي هو أفعل التفضيل، وذهب أصحاب هذا المذهب إلى أحد قولين؛ أحدهما: أنها مع مجرورها متعلقان بـ"ليس" لما فيه من معنى الفعل "انتفى". ثانيهما: أنهما متعلقان بمحذوف يقع حالا من اسم ليس. انظر المغني: ٧٤٤. ١ الراجح أن تكون إضافته غير محضة، وقيل: محضة. ويشترط في هذه الحالة مطلقا، سواء أضيف لنكرة أو لمعرفة: ألا يقع بعد أفعل "من" الجارة للمفضول؛ فلا يصح: على أفضل المتسابقين من محمد. أما الجارة لغيره فتقع، تقول: محمد أقرب الناس مني. كما يشترط أن يكون المضاف بعضا من المضاف إليه عند إرادة التفضيل، فلا يصح محمد أفضل امرأة. فإن لم يقصد التفضيل جاز، نحو: يوسف أحسن إخوته، =
[ ٣ / ٢٦٤ ]
والتوحيد، كما يلزمان المجرد؛ لاستوائهما في التنكير١، ويلزم في المضاف إليه أن يطابق؛ نحو: "الزيدان أفضل رجلين" و"الزيدون أفضل رجال"، و"هند أفضل امرأة"، فأما ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ ٢ فالتقدير: أول فريق كافر.
وإن كانت الإضافة إلى معرفة؛ فإن أول أفعل بما لا تفضيل فيه وجبت المطابقة؛ كقولهم: "الناقص والأشج أعدلا بني مروان"٣؛ أي: عادلاهم، وإن كان على أصله من إفادة المفاضلة؛ جازت المطابقة؛ كقوله تعالى: ﴿أَكَابِرَ
_________________
(١) = والمراد بكونه بعضا من المضاف إليه: أن يكون "أفعل" جزءا والمضاف إليه كلا، نحو: الرأس أنفع الجسم. أو يكون "أفعل" فردا من أفراد كثيرة يشملها المضاف إليه، وينبغي حينئذ أن يكون المضاف إليه جنسا يندرج تحته أفراد كثيرة، نحو: الفرات أكبر الأنهار في سوريا. ١ ولكونهما على معنى "من". وإذا عطفت على المضاف النكرة مضافا إلى ضميرها؛ فقيل: يذكر الضمير أيضا، ويفرد على التوهم، تقول: محمد أفضل رجل وأعقله، وهند أكرم امرأة وأعقله، والمحمدان أكرم رجلين وأعقله وهكذا. وقيل: تجوز المطابقة، إن لم تكن واجبة، أو أولى. أما. إذا أضفت "أفعل" إلى معرفة فإنك تؤنث وتثني وتجمع وهو القياس. وأجاز سيبويه الإفراد تمسكا بقول الشاعر: ومية أحسن الثقلين جيدا وسالفة وأحسنه قذالا أي أحسن من ذكر. حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٠٤. الأشموني مع الصبان: ٣/ ٤٧. ٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٤١. موطن الشاهد: ﴿لا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ . وجه الاستشهاد: إفراد "كافر" ومقتضى القاعدة: كافرين بالجمع؛ ليطابق الوانو في "تكونوا"؛ وتخريج ذلك: على حذف موصوف مطابق في المعنى، وهو فريق؛ لأنه جمع في المعنى، وقد أفرد "كافر" باعتبار لفظ فريق. ٣ الناقص: هو يزيد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان؛ لقب بذلك لأنه نقص أرزاق الجند. والأشج: عمر بن عبد العزيز ﵁، ولقب بذلك لشجة كانت برأسه من ضرب دابة. وهذا مثال لما لا تفضيل فيه؛ لأنه لم يشاركهما أحد في بني مروان في العدل. ومثال ما يقصد به التفضيل المطلق على المضاف إليه وعلى غيره: محمد أفضل قريش.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
مُجْرِمِيهَا﴾ ١، ﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ ٢، وتركها كقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ ٣، وهذا هو الغالب، وابن السراج٤ يوجبه٥، فإن قدر "أكابر": مفعولا ثانيا و"مجرميها": مفعولا أول؛ فيلزمه المطابقة في المجرد.
[ما يرفعه أفعل التفضيل]:
مسألة: يرفع أفعل التفضيل الضمير المستتر في كل لغة؛ نحو: "زيد أفضل"، والضمير المنفصل، والاسم الظاهر، في لغة قليلة؛ كـ"مررت برجل أفضل منه أبوه"، أو "أنت"٦، ويطرد ذلك إذا حل محل الفعل، وذلك إذا سبقه نفي، وكان
_________________
(١) ١ ٦ سورة الأنعام، الآية: ١٢٣. موطن الشاهد: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ . وجه الاستشهاد: إضافة "أكابر" إلى مجرميها مع مطابقته لموصوفه المقدر؛ أي: قوما أكابر؛ ولو لم يطابق؛ لقيل: أكبر مجرميها. التصريح: ٢/ ١٠٥. ٢ ١١ سورة هود، الآية: ٢٧. موطن الشاهد: ﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ . وجه الاستشهاد: إضافة "أراذل" إلى "نا" مع مطابقته لموصوفه المقدر؛ كما في الآية السابقة؛ ولو لم يطابق؛ لقيل: أرذلنا. التصريح: ٢/ ١٠٥. في إعراب الآية الأولى أعاريب؛ أولاها: ما قاله الصبان: تفسير "جعلنا" بمكنا، "في كل قرية" ظرف لغو متعلق به "أكابر" مفعوله. حاشية الصبان: ٣/ ٤٩. ٣ ٢ سورة البقرة، الآية: ٩٦. موطن الشاهد: ﴿لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ . وجه الاستشهاد: ترك المطابقة بين المفعول الأول "هم"، واسم التفضيل "أحرص" المفعول الثاني؛ ولو طابق؛ لقيل: لتجدنهم أحرصي؛ وترك المطابقة، هو الغالب في الاستعمال، وابن السراج يوجبه، ويرده قوله تعالى: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ . ٤ مرت ترجمته. ٥ أي: يوجب ترك المطابقة، ويجعل "أفعل" فيه كالمجرد، ويلتزم فيه الإفراد والتذكير. ويرده: ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ المتقدم. ٦ لم يرفع اسم التفضيل الاسم الظاهر والضمير البارز باضطراد كاسم الفاعل؛ لأن شبه اسم التفضيل باسم الفاعل ضعيف، فهو في حال تجرده من "أل" والإضافة، أو في =
[ ٣ / ٢٦٦ ]
مرفوعه أجنبيا، مفضلا على نفسه باعتبارين؛ نحو: "ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد"، فإنه يجوز أن يقال: "ما رأيت رجلا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد"؛ والأصل: أن يقع هذا الظاهر بين ضميرين؛ أولهما للموصوف، وثانيهما للظاهر، كما مثلنا، وقد يحذف الضمير الثاني، وتدخل "من" إما على الاسم الظاهر، أو على محله، أو على ذي المحل؛ فتقول: "من كحل عين زيد"، أو "من عين زيد"، أو "من زيد"؛ فتحذف مضافا، أو مضافين، وقد لا يؤتى بعد المرفوع بشيء؛ فتقول: "ما رأيت كعين زيد أحسن فيها الكحل"، وقالوا: "ما أحد أحسن به الجميل من زيد"، والأصل: "ما أحد أحسن به الجميل من حسن الجميل بزيد"، ثم إنهم أضافوا الجميل إلى زيد لملابسته إياه، ثم حذفوا المضاف؛ ومثله في المعنى:
لن ترى في الناس من رفيق أولى به الفضل من الصديق١
_________________
(١) = حال إضافته إلى النكرة يلزم الإفراد والتذكير، ولا يجوز تأنيثه، ولا تثنيته، ولا جمعه؛ فلما ضعفت منزلته عن منزلة اسم الفاعل بسبب ذلك، ولم يوجد ما يجبر هذا النقص -كأن يسوغ حلول فعل بمعناه في محله- فقد وجب ألا يعمل في كل ما يعمل فيه اسم الفاعل؛ ولو وجد جابر كما في مسألة الكحل عمل فيها. انظر أوضح المسالك: ٣/ ٢٩٨. ١ هذا بيت من ألفية ابن مالك. فوائد: ١- ينصب "أفعل" التفضيل: المفعول لأجله، والظرف، والحال وبقية المنصوبات ما عدا: المفعول المطلق، والمفعول معه. وفي المفعول به خلاف والرأي جوازه؛ لوروده، كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ . أما التمييز، فإن كان فاعلا في المعنى نصب بأفعل؛ نحو: الطبيب أكثر نفعا من المهندس. وإن لم يكن فاعلا، وكان "أفعل" مضافا صح نصبه؛ نحو: الحطيئة أكثر الشعراء هجاء.
(٢) إذا كان "أفعل" التفضيل مصوغا من مصدر فعل متعدٍّ بحرف جر معين، عدي "أفعل" بذلك الحرف؛ نحو: كان عمر أشفق الناس على الرعية، وأزهدهم في الدنيا، وأسرع إلى إغاثة الملهوف. وإن كان من متعدٍّ بنفسه، فإن دل على علم تعدى بالباء؛ نحو: أنا أعلم بصديقي، وأدرى الناس بحالته. وإن دل على حب أبو بغض، أو ما في معناهما عدي باللام؛ إن كان مجرورها مفعولا به في المعنى، وما قبل "أفعل" هو الفاعل؛ نحو: المسلم أحب للخير من غيره، وأبغض لمخالفة دينه. وعدي بإلى؛ إن كان المجرور هو الفاعل في المعنى؛ نحو: المال أحب إلى البخيل من كل شيء. وإن دل على غير ذلك عدي باللام؛ نحو: محمد أنفع للجار، وإن كان فعله متعديا لاثنين عدي لأحدهما باللام، ونصب الآخر مفعولا به؛ نحو: محمد أعطى للمحتاجين الكثير من المال. الأشموني مع حاشية الصبان: ٣/ ٥٦.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
والأصل: "من ولاية الفضل بالصديق"، ثم "من فضل الصديق" ثم "من الصديق".
[ ٣ / ٢٦٨ ]
هذا باب النعت١:
[أنواع التوابع]:
الأشياء التي تتبع ما قبلها في الإعراب٢ خمسة٣: النعت، والتوكيد، وعطف البيان، والنسق، والبدل٤.
_________________
(١) ١ ويسمى النعت أيضا: الصفة، والوصف. ٢ سواء كان الإعراب لفظيا، أو تقديريا أو محليا. ومثل الإعراب: ما يشبهه من حركة عارصة لغير الإعراب؛ نحو: يا زيد الفاضل -بضم الفاضل على أنه تابع للمنادى على اللفظ. ٣ دليل الحصر في الخمسة؛ أن التابع: إما أن يكون بواسطة حرف، وإما لا؛ فالذي يكون بواسطة حرف هو عطف النسق، والذي لا يكون بواسطة حرف؛ إما أن يكون له ألفاظ محصورة معروفة، وإما لا؛ فالذي لا يكون بواسطة حرف؛ وله ألفاظ محصورة معروفة، هو التوكيد؛ والذي لا يكون بواسطة حرف، وليس له ألفاظ محصورة؛ إما أن يكون بالمشق، أو ما في قوته؛ وهو النعت؛ وإما أن يكون بالجامد؛ وهو عطف البيان. التصريح: ٢/ ١٠٨. ٤ اختلف في عامل التابع؛ فأما النعت، والتوكيد، وعطف البيان؛ فمذهب الجمهور: أن العامل في كل واحد منهما؛ هو نفس العامل في متبوعه، وينسب هذا القول إلى سيبويه؛ وهذا هو الرأي الراجح؛ وذهب الخليل، والأخفش: إلى أن العامل، في كل منها هو تبعيته لما قبله؛ وهي أمر معنوي. وأما البدل؛ فمذهب الجمهور أن العامل فيه محذوف مماثل للعامل في المبدل منه. وذهب المبرد: إلى أن عامل البدل؛ هو العامل في المبدل منه، وينسب هذا القول إلى سيبويه؛ واختاره ابن مالك، وابن خروف؛ وذهب ابن عصفور: إلى أن العامل في البدل؛ هو العامل في المبدل منه؛ لكن على أنه نائب عن آخر محذوف، لا على استقلاله بذلك؛ فهو عامل في المبدل منه استقلالا، وفي البدل على سبيل النيابة؛ وأما عطف النسق؛ فمذهب الجمهور: أن العمل فيه؛ هو العامل في المعطوف عليه =
[ ٣ / ٢٦٩ ]
[تعريف النعت]:
فالنعت، عند الناظم، هو "التابع١ الذي يكمل متبوعه، بدلالته على معنى فيه٢، أو فيما يتعلق به"٣.
فخرج بقيد التكميل: النسق والبدل٤، وبقيد الدلالة المذكورة: البيان
_________________
(١) = لكنه عمل في المعطوف، بواسطة الحرف العاطف؛ وقال قوم: العامل في عطف النسق؛ هو حرف العطف؛ وقال قوم: العامل فيه محذوف. التصريح: ٢/ ١٠٨. ١ التابع: هو الاسم المشارك لما قبله، في إعرابه الحاصل والمتجدد، وليس خبرا. ومعنى قولنا: "الحاصل والمتجدد": أنه كلما تغير إعراب الاسم السابق، بسبب تغير التراكيب يتغير الاسم اللاحق بنفس التغير؛ فخرج بذلك: خبر المبتدأ؛ لأنه لو تغير المبتدأ بأن دخلت عليه إن أو إحدى أخواتها، لم يتغير الخبر بنفس تغيره، وخرج منه المفعول الثاني؛ لأنه لو تغير إعراب المفعول الأول، بأن صار نائب فاعل؛ لبناء الفعل للمجهول، لم يتغير المفعول الثاني كذلك؛ وخرج منه الحال المنصوب؛ لأنه لو تغير إعراب ذلك الاسم المنصوب؛ الذي هو صاحب الحال، إلى الرفع أو الجر لم يتغير معه إعراب الحال. وقولنا: "وليس خبرا": مخرج للخبر الثاني، فيما إذا تعددت الأخبار؛ نحو: "الرمان حلو حامض" هذا، ولا يفصل بين التابع والمتبوع بأجنبي محض عنه ويجوز بمعمول الوصف؛ نحو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾؛ وبمعمول الموصوف؛ نحو: يعجبني ضربك زيدًا الشديدُ؛ وبعامل المتبوع؛ نحو: المريض -أكرمت- الجريح؛ وبمعمول العامل؛ كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾؛ وبمفسر العامل؛ نحو؛ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ وبالاستثناء؛ وبالقسم؛ وبجوابه؛ كقوله تعالى: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾؛ وبالاعتراض؛ كقوله ﷾: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ إلخ. ولا يحوز تقديم التابع على المتبوع. الأشموني وحاشية الصبان: ٢/ ٥٧. ٢ هذا، إذا كان نعتا حقيقيا؛ وهو: ما يدل على معنى في نفس منعوته؛ أو ما هو في حكمه. ٣ وذلك؛ إذا كان نعتا سببيا؛ وهو ما يدل على معنى في شيء بعده؛ له صلة وارتباط بالمتبوع. ٤ لأنهما لم يقصد بهما أصلا تكميل متبوعهما، لا بإيضاح، ولا تخصيص.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
والتوكيد١.
والمراد بالمكمل الموضح للمعرفة؛ كـ"جاء زيد التاجر" أو "التاجر أبوه"، والمخصص للنكرة؛ كـ"جاءني رجل تاجر" أو "تاجر أبوه"٢.
_________________
(١) ١ لأنهما لا يدلان على صفة ومعنى في متبوعهما، ولا فيما يتعلق به؛ فإنهما عين متبوعهما فهما يكملان بالإيضاح ورفع الاحتمال. ٢ الأصل في النعت: أن يكون للإيضاح، أو التخصيص؛ فالإيضاح: "هو رفع الاشتراك اللفظي الواقع في المعارف على سبيل الاتفاق"؛ ومعنى هذا: أنه قد يكون لك عدة أصدقاء؛ كل منهم يسمى خالدا؛ فإذا قيل لك: حضر خالد لم تدر أي الخالدين حضر؛ ولذا يلزمه أن يضيف إلى اسمه صفة توضحه لك، كأن يقول: حضر خالد الشاعر، وفسر بعضهم الإيضاح؛ بأنه: رفع الاحتمال في المعارف. والتخصيص: "هو رفع الاشتراك المعنوي الواقع في النكرات بحسب الوضع"؛ ومعنى هذا: أن النكرة موضوعة للدلالة على فرد مبهم، من أفراد، يصدق لفظ النكرة، على كل واحد منهم؛ فرجل: يدل على واحد من أفراد الذكور البالغين، من بني آدم؛ فإذا قلت: زارنا رجل، لم يدر السامع أي أفراد هذا الجنس، قد زارك؛ لأن اللفظ بحسب وضعه، صالح للإطلاق على كل واحد منهم؛ وإذا قلت: جائني رجل عالم لم يتضح المراد اتضاحا كاملا؛ لكنه تخصص بالعالم. وقد لا يكون للإيضاح والتخصيص؛ بل لأغراض أخرى؛ منها: مجرد المدح؛ نحو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . مجرد الذم؛ نحو: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". التعميم؛ نحو: "إن الله يرزق عباده الطائعين والعاصين". الترحم؛ نحو: "اللهم إني عبدك المسكين". الإبهام؛ نحو: "تصدق بصدقة قليلة أو كثيرة". التوكيد؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ . انظر التصريح: ٢/ ١٠٨-١٠٩، وهمع الهوامع: ٢/ ١١٦-١١٧. فائدة: يفسر النحاة قولهم في تعريف النعت: "المتمم لمتبوعه"؛ بأحد تفسيرين؛ الأول: أن معناه: المفيد لما يطلبه المتبوع بحسب المقام، واختار هذا التفسير الأشموني، هو شامل لكل المعاني التي يرد لها النعت من التخصيص، والتوضيح، والمدح، والذم، والترحم، والتعميم، والإبهام، والتوكيد، والتفصيل؛ فلا يرد عليه الاعتراض بأنه غير جامع. وأما التفسير الثاني؛ فحاصله: أن معنى المتمم لمتبوعه: الموضح له في المعارف =
[ ٣ / ٢٧١ ]
وهذا الحد غير شامل لأنواع النعت؛ فإن النعت قد يكون لمجرد المدح، كـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، أو لمجرد الذم؛ نحو: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"٢، أو للترحم؛ نحو: "اللهم أنا عبدك المسكين"؛ أو للتوكيد، نحو: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ .
[وجوب اتباع النعت الحقيقي متبوعه في الإعراب وغيره]:
فصل: وتجب موافقة النعت لما قبله فيما هو موجود فيه من أوجه الإعراب الثلاثة، ومن التعريف والتنكير٣.
_________________
(١) = والمخصص له في النكرات؛ وهذا تفسير قاصر؛ لأنه لا يشمل ما يكون النعت فيه لغير التوضيح والتخصيص؛ من المدح، والذم، والترحم إلخ؛ وهذا يعني أن تعريف النعت بهذه الصورة غير جامع؛ وكل تعريف غير جامع، يكون فاسدا؛ لخروج بعض أفراد المعرف عنه؛ وبهذا، اعترض المؤلف بعد ذكر هذا التفسير. انظر الأشموني: ٢/ ٢٩٣، التصريح: ٢/ ١٠٨-١٠٩. ١ ١ سورة الفاتحة، الآية: ٢. موطن الشاهد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "رب" صفة لـ"الله"؛ وقد أفادت الصفة مجرد المدح. ٢ موطن الشاهد: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". وجه الاستشهاد: وقوع "الرجيم" صفة لـ"الشيطان" وقد أفادت الصفة مجرد الذم. ٣ لأن المخالفة في ذلك تجعل الشيء معينا، وغير معين في وقت واحد، ويشترك في الموافقة فيما تقدم النعت مطلقا؛ حقيقيا، أو سببيا. وقد أجاز الأخفش نعت النكرة بالمعرفة؛ بشرط أن تكون النكرة مخصصة بوصف؛ ومثل بقوله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾؛ فجعل "الأوليان" المعرف بـ"أل" صفة لـ"آخران" مع أنه نكرة، وسوغ ذلك -عنده- كونه موصوفا بالجار والمجرور. وأجاز ابن الطراوة نعت المعرفة بالنكرة، بشرط أن تكون النكرة، مما لا ينعت بها غير هذه المعرفة؛ كقول النابغة الذبياني: فبت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع فجعل "ناقع" صفة لـ"السم" مع أن السم معرفة، وناقع نكرة؛ وسوغ ذلك كون السم، لا يوصف إلا بناقع؛ فيقال: سم ناقع. غير أن ما ذهب إليه الأخفش، وابن الطراوة غير مسلم لهما، وما مثلا به لا يلزم =
[ ٣ / ٢٧٢ ]
تقول: "جاءني زيد الفاضل" و"رأيت زيدا الفاضل" و"مررت بزيد الفاضل" و"جاءني رجل فاضل"، كذلك.
وأما الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث؛ فإن رفع الوصف ضمير الموصوف المستتر وافقه فيها١، كـ"جاءتني امرأة كريمة، ورجلان كريمان، ورجال كرام"، وكذلك "جاءتني امرأةٌ كريمةُ الأبِ" أو "كريمةٌ أبًا"٢، و"جاءني رجلان كريما الأب"، أو "كريمان أبا"، و"جاءني رجالٌ كرامُ الأبِ" أو "كرامٌ أبًا"؛ لأن الوصف في ذلك كله رافع ضمير الموصوف المستتر٣.
وإن رفع الظاهر أو الضمير البارز أُعطي حكم الفعل٤؛ ولم يعتبر حال الموصوف.
_________________
(١) = إعرابه كما زعما؛ لأنه يجوز إعراب "الأوليان" بدلا من "آخران"، أو خبرا لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هما الأوليان؛ كما يجوز أن يعرب "ناقع" بدلا من "السم"؛ أو خبرا ثانيا له؛ والجار والمجرور خبرًا أول مقدما عليه؛ وقد استثنى كثير من النحاة الاسم المحلى بـ"أل" الجنسية؛ فإنه لقربه من النكرة، يجوز نعته بالنكرة؛ كما قالوا: إن جملة الفعل المضارع في محل جر صفة للمحلى بـ"أل" في قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمة قلت لا يعنيني ومعلوم: أن الجملة نكرة؛ ومن لا يقر ذلك، يجعل جملة "يسبني": حالا من اللئيم المحلى بـ"أل" الجنسية، غير أن المعنى يأباه إلا بتكلف ظاهر. انظر حاشية الصبان: ٣/ ٦٠-٦١. ١ وحينئذ، تكمل له الموافقة في أربعة من عشرة؛ وهذا هو النعت الحقيقي. ٢ الوصف في هذا المثال، وما بعده، جار على غير من هو له؛ وقد حول الإسناد عن الظاهر إلى ضمير الموصوف، ويجر الظاهر؛ بالإضافة، إن كان معرفة، وينصب على التمييز، إن كان نكرة. ٣ أي: أصالة، أو تحويلا، ولم يرفع السببي؛ وإذا كان النعت مما يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ كالمصدر غير الميمي، وصيغني "فعيل" و"فعول"، أو كان أفعل تفضيل -مجردا-، أو مضافا لنكرة، لم يطابق المنعوت في التأنيث، والتثنية، والجمع: بل يلزم الإفراد، والتذكير. وإذا كان صفة لجمع ما لا يعقل؛ عومل معاملة المؤنثة المفردة، أو الجمع؛ نحو: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، و﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ . ٤ فيجرد من علامة التثنية، والجمع، على اللغة الفصحى، ويعتبر حالا مرفوعة في =
[ ٣ / ٢٧٣ ]
تقول: "مررت برجلٍ قائمةٍ أمهُ"، و"بامرأةٍ قائمٍ أبوها"، كما تقول: "قامت أمه"، و"قام أبوها"، و"مررت برجلين قائمٍ أبواهما"، كما تقول: "قام أبواهما"، ومن قال: "قاما أبواهما"١؛ قال: "قائمين أبواهما"٢، وتقول: مررت برجالٍ قائمٍ آباؤهم"، كما تقول: "قامَ آباؤهم"، ومن قال: "قاموا آباؤهم"؛ قال "قائمين آباؤهم" وجمع التكسير أفصح من الإفراد٣، كـ"قيامٍ آباؤهم".
[الأشياء التي ينعت بها أربعة]:
فصل: والأشياء التي ينعت بها أربعة:
أحدها: المشتق٤، والمراد به ما دل على حدث وصاحبه؛ كـ"ضارب" و"مضروب"، و"حسن"، و"أفضل".
_________________
(١) = التأنيث والتذكير؛ سواء أكان المنعوت كذلك، أم لا؛ وهذا هو النعت السببي، ولا يطابق منعوته إلا في اثنتين من خمسة؛ هما: حركات الإعراب، والتعريف والتنكير. ١ أي: بلحاق علامة التثنية بالفعل المسند إلى المثنى؛ وهي لغة طيئ، وأزد شنوءة. ٢ أي: بتثنية الوصف الرافع للسببي. ٣ أي: إذا كان الوصف مسندا إلى سببي مجموع؛ جاز فيه الإفراد والتكسير على اللغة الفصحى؛ والتكسير أفصح، عند سيبويه. وقيل: إن كان النعت تابعا لجمع؛ فالتكسير أفصح للمشاكلة، وإن كان تابعا لمفرد، أو مثنى؛ فالإفراد أفصح. التصريح: ٢/ ١١٠. فائدة: قال الصبان -نقلا عن المغني : يجوز مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين؛ وإن لزم استتار الضمير، في قاعدين، مع جريان الصفة، على غير من هي له؛ لأنه يفتقر في الثواني، ما لا يفتقر في الأوائل، ويمتنع: قائمين لا قاعد أبواه، على إعمال الثاني، للزوم ما ذكر في الأوائل. حاشية الصبان: ٣/ ٦١-٦٢. ٤ المراد بالمشتق: ما دل على حدث وصاحبه ممن اتصف به الفعل، أو قام به، أو وقع منه أو عليه، أو ما هو بمعنى أحدهما؛ فالذي اتصف بالفعل، أو قام به؛ هو اسم الفاعل، من اللازم؛ والذي وقع منه الفعل؛ هو اسم الفاعل من المتعدي؛ والذي وقع عليه الفعل: هو اسم المفعول. وما كان بمعنى اسم الفاعل: أمثلة المبالغة، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل. وما كان بمعنى اسم المفعول: هو صيغة "فعيل" بمعنى: =
[ ٣ / ٢٧٤ ]
الثاني: الجامد المشبه للمشتق في المعنى١، كاسم الإشارة٢، و"ذي"٣ بمعنى صاحب، وأسماء النسب، تقول: "مررت بزيد هذا" و"برجل ذي مال" و"برجل دمشقي" لأن معناها الحاضر، وصاحب مال، ومنسوب إلى دمشق٤.
الثالث: الجملة؛ وللنعت بها ثلاثة شروط؛ شرط في المنعوت؛ وهو أن يكون
_________________
(١) = "مفعول" وأفعل التفضيل، إذا كان فعله مبنيا للمجهول؛ وقلنا بجواز اشتقاقه منه؛ وعلى هذا، لا يشمل المشتق -هنا- ما أخذ من المصدر؛ للدلالة على زمان الفعل، أو مكانه، أو آلته -اسم الزمان واسم المكان واسم الآلة-؛ فهذه الثلاثة، لا ينعت بها. حاشية الصبان: ٣/ ٦٢. ١ بأن يفيد ما يفيده المشتق من المعنى؛ وهو المسمى بالمشتق تأويلا. ٢ أي: الزمانية؛ مثل "هذا" وفروعه؛ وهي معارف، فلا تقع صفة إلا للمعرفة. أما اسم الإشارة المكانية؛ نحو: "هنا"، و"ثم" فلا تقع صفة بنفسها؛ ولكنها تتعلق بمحذوف، يكون هو الصفة؛ فيجوز القول: مررت برجل هنا؛ أي: كائن أو موجود هنا؛ ويقال من باب الاختصار: الظرف صفة. انظر حاشية الصبان: ٣/ ٦٢. ٣ ومثلها: فروعها؛ وهي: "ذوا، ذوي" للمثنى المذكر، و"ذوو، وذوي"؛ لجمع المذكر، و"ذات"؛ للمفردة المؤنثة، و"ذاتا، وذاتي"؛ للمثنى المؤنث، و"ذوات"؛ الجمع المؤنث، ولا تكون نعتا إلا لنكرة. ويوصف كذلك؛ للمثنى المؤنث، و"ذوات"؛ الجمع المؤنث، ولا تكون نعتا إلا لنكرة. ويوصف كذلك بـ"ذو" الموصولة وفروعها وسائر الموصولات الاسمية المبدوءة بـ"أل" كالذي والتي، و"أل" نفسها. أما "من" و"ما" ففي النعت بهما خلاف؛ والصواب جوازه. ولما كانت الموصولات معرفة؛ وجب أن يكون منعوتها معرفة. ومن الجامد المشبه للمشتق: أسماء الأعداد؛ نحو: اشتريت الكتب الخمسة، ولفظ "أي": إذا أضيفت إلى نكرة تماثل المنعوت في المعنى؛ نحو: اتخذت صديقا أي صديق. ولفظ "كل أو جد أو حق"؛ إذا أضيف كل إلى اسم جنس يكمل معنى الموصوف؛ تقول: أنت الرجل كل الرجل، وهذا صديق جد وفيّ، وأنت الزميل حق الزميل. انظر التصريح: ٢/ ١١١، وحاشية الصبان: ٣/ ٦٢ أي: فقد أفادت ما يفيده المشتق من المعنى، ولا يقتصر في النسب على المنسوب بالياء، بل يشمل على صيغة "فعال" أو "فاعل" أو غيرهما، كما سنرى في باب النسب. وينبغي أن يكون النسب مقصودا، وإلا بقي الاسم على جموده، فلا يقع نعتا؛ كمن اسمه: بدوي؛ أو مكي. ويصلح المنسوب نعتا للنكرة، والمعرفة بشرط المطابقة في ذلك؛ ومثل المنسوب المصغر. التصريح: ٢/ ١١١، وحاشية الصبان: ٣/ ٦٢-٦٣.
[ ٣ / ٢٧٥ ]
نكرة إما لفظا ومعنى١ نحو: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ٢، أو معنى لا لفظا؛ وهو المعرف بأل الجنسية؛ كقوله٣: [الكامل]
٣٩٣- ولقد أمر على اللئيم يسبني٤
_________________
(١) ١ لأن الجملة -كما يقول الرضي: مؤولة بالنكرة، وإن كان يجري على الألسنة أنها نكرة؛ لأن التعريف والتنكير من خواص الأسماء. ويقول صاحب المفصل: "إنها نكرة بدليل وقوعها نعتا للنكرة"؛ والخلاف شكلي لا أثر له على الجوهر. انظر التصريح: ٢/ ١١١، والمفصل للزمخشري: ١١٥. ٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٨١. موطن الشاهد: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "يوما" مفعولا به لـ"اتقوا" وهو نكرة لفظا؛ فوصف بجملة ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾؛ والتقدير: واتقوا يوما مرجوعا فيه إلى الله. ٣ القائل: رجل من بني سلول. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فمضيت ثمت قلت لا يعنيني وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١١١، وابن عقيل: ٢٨٦/ ٣/ ١٩٦، وسيبويه: ١/ ٤١٦، والخصائص: ٣/ ٣٣٠، ٣٣٢، ودلائل الإعجاز: ١٣٦، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٠٣، والخزانة: ١/ ١٧٣، ٥٢٨، ٢/ ١٦١، والعيني: ٤/ ٥٨، والمغني: ١٥١/ ١٣٨، ٧٩٢/ ٥٦١، ١١٠٣/ ٨٤٥، والسيوطي: ١٠٧، والهمع: ١/ ٩، ٢/ ١٤٠، والدرر: ١/ ٤، ٢/ ١٩٢. المفردات الغريبة: اللئيم: الدنيء النفس، الخبيث الطباع. لا يعنيني: لا يقصدني، وهذا الرجل يصف نفسه بالحلم والوقار، وقبله قوله: غضبان ممتلئا علي أهابه إني وحقك سخطه يرضيني المعنى: لقد أمر على اللئيم الذي ديدنه وطبعه الشتم والسب من غير مبرر، فأمضي ولا أهتم به ولا أجيبه بالمثل، أو أردعه احتقارا له؛ ولكن أقول في نفسي: إنه لا يقصدني بسبه وشتمه. الإعراب: لقد: اللام موطئة للقسم، لا محل لها من الإعراب، قد: حرف تحقيق. أمر: فعل مضارع مرفوع، والفاعل أنا. "على اللئيم": متعلق بـ"أمر". يسبني: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، والنون: للوقاية، والياء: ضمير متصل، في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "يسبني": في محل جر صفة لـ"لئيم". فمضيت: الفاء حرف عطف، مضى فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله =
[ ٣ / ٢٧٦ ]
وشرطان في الجملة١:
أحدهما: أن تكون مشتملة على ضمير يربطها بالموصوف، إما ملفوظ به كما تقدم؛ أو مقدر؛ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ ٢؛ أي:
_________________
(١) = بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل، في محل رفع فاعل. ثمت: ثم حرف عطف، والتاء: لتأنيث اللفظ. قلت: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل. لا يعنيني: لا نافية، لا محل لها من الإعراب، يعني: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء؛ للثقل، والنون: للوقاية، وياء المتكلم: في محل نصب مفعولا به؛ وجملة: "لا يعنيني": مقول القول في محل نصب مفعولا به. موطن الشاهد: "اللئيم يسبني". وجه الاستشهاد: وقوع جملة "يسبني": صفة للمعرفة "اللئيم"، وساغ ذلك؛ لكون "أل" جنسية؛ فمدخولها معرفة لفظا، نكرة معنى. وزعم ابن عقيل: أنه يجوز في هذا البيت؛ أن تكون الجملة حالا، كما تأتي بعد المعرفة، غير أن معنى البيت، لا يوافق ذلك؛ وهذه المسألة خلافية، واختار ابن مالك في شرح التسهيل جواز كون الجملة صفة للاسم المقترن بأل الجنسية نظرا إلى معناه؛ لأن لفظه معرفة بسبب دخول "أل" عليه؛ ومعناه كمعنى النكرة؛ لأنه لا يقصد به فرد معين. وذهب أبو حيان في "الارتشاف": إلى أنه لا يجوز أن تكون الجملة صفة للاسم المقترن بأل وعنده أن "أل" الجنسية كأل العهدية في كون مدخول كل منهما معرفة؛ وخلاصة القول: إن ابن مالك، نظر فيما اختاره إلى المعنى المراد بمصحوب "أل" الجنسية؛ وأن أبا حيان، نظر فيما اختاره إلى اللفظ. انظر شرح التصريح: ٢/ ١١١، وابن عقيل "ط. دار الفكر": مج ٢/ ١٦٨-١٦٩. ١ بقي شرط للنكرة التي توصف بالجملة -لم يذكره المؤلف- وهو كون النكرة الموصوفة مذكورة في الكلام، ولا يجوز حذفها؛ إلا في الحالة التي سيذكرها المؤلف في حذف الموصوف؛ وهي أن تكون النكرة بعض اسم متقدم مجرور بمن أو بفي، وزعم قوم: أنه لا يشترط ذلك، بل يجوز أن تكون النكرة محذوفة. انظر التصريح: ٢/ ١١٢. ٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ١٢٣. موطن الشاهد: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع جملة ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ﴾: في محل نصب صفة لـ"يوما"، وقد اشتملت هذه الجملة على ضمير مقدر يربطها بالموصوف؛ والتقدير: "لا تجزي =
[ ٣ / ٢٧٧ ]
لا تجزي فيه١.
والثاني: أن تكون خبرية؛ أي: محتملة للصدق والكذب؛ فلا يجوز "مررت برجل اضربْهُ"؛ ولا "بعبد بعتكه" قاصدا لإنشاء البيع٢، فإن جاء ما ظاهره ذلك؛ يؤول على إضمار القول؛ كقوله٣: [الرجز]
_________________
(١) = فيه عن نفس شيئا"؛ كما أوضح المؤلف في "المتن". وانظر ابن عقيل "ط. دار الفكر": مج٢: ١٧٠. ١ من الجمل التي تحتاج إلى رابط، يربطها بما تتصل به: جملة الصلة، وجملة الخبر، وجملة النعت؛ فأما جملة الخبر، فقد ذكر المؤلف في موضعه ما يربطها بالمبتدأ، كما ذكر أنه يجوز كون الضمير الرابط للمبتدأ بجملة الخبر محذوفا مقدرا، وذكر في باب الموصول ما يربط الصلة بالموصول؛ كما فصل القول في حذف هذا العائد مرفوعا، أو منصوبا، أو مجرورا؛ ولم يفصل هذا التفصيل في رابط جملة الصفة بالموصوف؛ ولذا لا بد من معرفة الآتي: أ- أن حذف الرابط من جملة الصلة أكثر من حذف الرابط من جملة الصفة، ومن جملة الخبر. ب- وأن حذف الرابط من جملة الصفة كثير في ذاته، وحذفه من جملة الخبر قليل. ج- وأن رابط جملة الصفة بالموصوف، قد يكون أصله -قبل الحذف- مرفوعا، أو منصوبا، أو مجرورا بواحد من حرفين؛ وهما: "في" و"من". فأما الذي أصله مجرور بـ"في"؛ فإنما يكون إذا كان الموصوف اسم زمان؛ ومن أمثلته؛ الآية الكريمة التي تلاها المؤلف: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾، أي: لا تجزي فيه؛ فإن كان الموصوف غير ظرف الزمان؛ لم يجز حذف الرابط المجرور بـ"في"؛ نحو: رأيت رجلا رغبت فيه. وأما الرابط المجرور بـ"من"؛ فقد يحذف والموصوف اسم زمان؛ نحو: هذا شهر صمت يوما مبارك؛ والتقدير: صمت يوما منه. وقد يحذف، والموصوف غير اسم الزمان؛ نحو: "عندي بر إردب بدينارين"؛ أي: إردب منه بدينارين. وانظر التصريح: ٢/ ١١٢. ٢ أي: لا الإخبار به، وذلك؛ لأن النعت يقصد به توضيح المنعوت، أو تخصيصه؛ فلا بد من أن يكون معلوما عند السامع قبل، والإنشاء بنوعيه؛ الطلبي، وغير الطلبي ليس كذلك؛ لأنه لا خارج لمدلولهما إلا عند التلفظ بهما. ٣ يُنسب البيت إلى العجاج، وينسب إلى غيره.
[ ٣ / ٢٧٨ ]
٣٩٤- جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت من الرجز -أو بيت من مشطوره- وصدره قوله: حتى إذا جن الظلام واختلط وكان هذا الراجز قد نزل بقوم فانتظروا عليه طويلا حتى جاء الليل بظلامه ثم جاءوه بلبن قليل، قد خلطوا به ماء كثيرا؛ حتى أصبح لونه يحاكي لون الذئب. والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ١١٢، والأشموني: ٧٧٨/ ٢/ ٣٩٦، وابن عقيل: ٢٨٨/ ٣/ ١٩٩، والكامل: ٥١٨، والمحتسب: ٢/ ١٦٥، وأسرار البلاغة: ٣٨١، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ١٤٩، والمعاني الكبير: ٢٠٤-٣٩٩، وشرح المفصل: ٣/ ٥٣، والخزانة: ١/ ٢٧٥، والمغني: ٤٤٧/ ٣٢٥، ٩٩٤/ ٧٦١، والسيوطي: ٢١٤، والهمع: ٢/ ١١٧، والدرر: ٢/ ١٤٨، وملحقات ديوان العجاج: ٨١. المفردات الغريبة: جن: دخل وستر. اختلط: امتزج ظلامه بالضياء. بمذق: هو مصدر بمعنى الممذوق؛ أي: المخلوط، من مذقت اللبن، إذا خلطته بالماء. قط: اسم للزمان الماضي. المعنى: يذكر العجاج أن قوما أضافوه، وأطالوا عليه، حتى دخل الليل، ثم جاءوا بلبن مخلوط بالماء؛ حتى صار لونه في العشية، يشبه لون الذئب. الإعراب: جاءوا: فعل ماضٍ مبني على الضم؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف: للتفريق. "بمذق": متعلق بـ"جاء". هل: حرف استفهام، لا محل له من الإعراب. رأيت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل في محل رفع فاعل. الذئب: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. قط: ظرف لما مضى من الزمان، مبني على الضم، في محل نصب بـ"رأى" وسكن لضرورة الوقف. موطن الشاهد: "بمذق هل رأيت الذئب". وجه الاستشهاد: ظاهر الكلام، يفيد وقوع الجملة الاستفهامية "هل رأيت " صفة للنكرة: "مذق"، غير أن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن جملة الاستفهام معمولة لقول محذوف؛ وهذا العامل المحذوف؛ هو الواقع صفة؛ لأن التقدير: جاءوا بمذق مقول عند رؤيته: هل رأيت الذئب قط؟ وقدر ابن عمرون الصفة المحذوفة، بقوله: "جاءوا بمذق مثل الذئب؛ هل رأيت الذئب قط؟؛ وزعم أن هذا أحسن من تقدير القول؛ لأن هذا المقدر، ورد مصرحا به نحو قولهم: "مررت برجل مثل الأسد؛ هل رأيت الأسد قط؟؛ وفي الحديث: "كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم، يا رسول الله؛ قال: "فإنها مثل شوك السعدان". وانظر في هذه المسألة حاشية الصبان: ٣/ ٦٤. =
[ ٣ / ٢٧٩ ]
أي: جاءوا بلبن مخلوط بالماء مقول عنه رؤيته هذا الكلام.
الرابع: المصدر١، قالوا "هذا رجل عدل، ورضا، وزور، وفطر" وذلك، عند الكوفيين، على التأويل بالمشتق٢؛ أي: عادل، ومرضي، وزائر، ومفطر، وعند البصريين على تقدير مضاف؛ أي: ذو كذا؛ ولهذا التزم إفراده وتذكيره٣؛ كما يلتزمان لو صرح بذو٣.
_________________
(١) = وابن عقيل "ط. دار الفكر": مج٢: ١٧١-١٧٢. والتصريح: ٢/ ١١٢-١١٣. ١ شريطة أن يكون منكرا، وصريحا مؤولا، وأن يكون مصدر فعل ثلاثي، أو بزنته، وألا يبدأ بميم زائدة، وأن يلتزم صيغة واحدة؛ وهي الإفراد والتذكير غالبا؛ فلا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث -إلا ما سمع من ذلك- وهو في هذا كله مقصور على السماع؛ وإلى هذا أشار ابن مالك: ونعتوا بمصدر كثيرا فالتزموا الإفراد والتذكيرا والمعنى: وصف العرب بالمصدر كثيرا، في أساليبهم، ولم يخرجوه عن صيغته الملازمة للإفراد والتذكير، ولو كان الموصوف غير مفرد وغير مذكر. انظر التصريح: ٢/ ١١٣. ٢ ذلك؛ لأنه لا يصح أن يكون اسم المعنى وصفا للذات. ويؤيد قولهم: ورود أساليب وقع فيها المصدر نعتا مع إضافته إلى معرفة؛ كقولهم: مررت برجل -حسبك من رجل، أو شرعك من رجل- أي: كافيك، وهمك من رجل؛ أي: مهمك، ونحوك من رجل؛ أي: مشابهك ومماثلك؛ وهذه المصادر، لم تكتسب التعريف من المضاف إليه؛ لأنها مؤولة بالمشق. ومن أمثلة المشتق -الذي لا يكتسب التعريف- قوله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾؛ فقد وصف "عارض" النكرة، بـ"ممطرنا" المضاف إلى الضمير؛ وخلاصة القول: أن الأصل في الوصف؛ هو الوصف بالمشتق؛ وأما الوصف بالمصدر؛ فهو خلاف الأصل؛ وهو مؤول بما يلي: أ- أن المصدر الدال على الحدث أطلق، وأريد منه المشتق الدال على الذات؛ وهذا من باب إطلاق المعنى وإرادة محله؛ أو من باب إطلاق اللازم وإرادة الملزوم. ب- أنه على تقدير مضاف؛ وهو -على هذا- مجاز بالحذف. ج- أنه على المبالغة. انظر تفصيل ذلك في التصريح: ٢/ ١١٣، وابن عقيل: مج٢: ١٧٣، حا: "١".، وحاشية الصبان: ٣/ ٦٤-٦٥. ٣ لأن المصدر من حيث هو مصدر، لا يثنى، ولا يجمع، فأجروه على الأصل؛ للتنبيه على أن حقه ألا ينعت به؛ لجموده، وأنهم توسعوا فيه بالتأويل والحذف. التصريح: ٢/ ١١٣، ضياء السالك: ٣/ ١٢٤.
[ ٣ / ٢٨٠ ]
[حكم تعدد النعوت والمنعوت]:
فصل: وإذا تعددت النعوت١: فإن اتحد معنى النعت؛ استُغني بالتثنية، والجمع عن تفريقه؛ نحو: "جاءني رجلان فاضلان" و"رجال فضلاء" وإن اختلف؛ وجب التفريق فيها بالعطف بالواو٢؛ كقوله٣: [الوافر]
٣٩٥- على ربعين مسلوب وبال٤
_________________
(١) ١ وكان المنعوت دالا على متعدد، بأن كان مثنى أو مجموعا من غير تفريق. ٢ أي: لا غير؛ لأن العطف بغيرها لا يفيد الترتيب في الفعل بل في حصول الوصفين أو الأوصاف للمنعوت، والترتيب في هذا غير وارد. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: بكيت وما بكا رجل حزين وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١١٤، وسيبويه: ١/ ٢١٤، والمقتضب: ٢/ ٢٩١، والمقرب: ٤٨، والمغني: ٦٥٨/ ٤٦٥، والسيوطي: ٢٦٢. المفردات الغريبة: ربعين: مثنى ربع؛ وهو المنزل. مسلوب: ذاهب لم يبق له أي أثر. بال: ذهبت عينه، وبقيت آثاره ورسومه. المعنى: بكيت من ألم الفراق والحزن على منزلين للأحبة؛ أحدهما ذهب ولم يبق له أثر ما، والثاني بلي، ولم يبق منه إلا الأطلال والرسوم؛ ولكن ماذا يفيد البكاء والحزن، على الآثار والأطلال؟!. الإعراب: بكيت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل. وما: الواو اعتراضية، لا محل لها من الإعراب. ما: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. بكا: خبر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة، على الألف للتعذر، وهو مضاف. رجل: مضاف إليه مجرور. حزين: صفة لـ"رجل" مجرور، وعلامة جره الكسرة؛ وجملة "ما بكا رجل حزين": اعتراضية، لا محل لها. "على ربعين": متعلق بـ"بكيت". مسلوب: صفة لـ"ربعين" مجرور وعلامة جره الكسرة. وبال: الواو عاطفة، بال: اسم معطوف على مسلوب، مجرور مثله، وعلامة جره الكسرة المقدرة، على الياء المحذوفة -للتخلص من التقاء الساكنين- منع من ظهورها الثقل. موطن الشاهد: "ربعين مسلوب "وبال". =
[ ٣ / ٢٨١ ]
وقولك: "مررت برجال شاعر، وكاتب، وفقيه".
وإذا تعددت النعوت١، واتحد لفظ النعت؛ فإن اتحد معنى العامل وعمله؛ جاز الإتباع مطلقا٢؛ كـ"جاء زيد وأتى عمرو الظريفان"، و"هذا زيد وذاك عمرو العاقلان"، و"رأيت زيدا وأبصرت خالدا الشاعرين"٣، وخص بعضهم جواز الإتباع بكون المتبوعين فاعلي فعلين، أو خبري مبتدأين٤.
وإن اختلفا في المعنى والعمل؛ كـ"جاء زيد ورأيت عمرا الفاضلين"؛ أو اختلف المعنى فقط؛ كـ"جاء زيد ومضى عمرو الكاتبان"، أو العمل فقط كـ"هذا مؤلم زيد وموجع عمرا الشاعران" وجب القطع٥.
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: عطف "بال" على "مسلوب"؛ وهما صفتان، ولم يثنهما؛ لاختلافهما في المعنى. ١ أي: وكان المنعوت متعددا متفرقا. ٢ سواء كان المتبوعان مرفوعين بفعلين؛ أو خبري مبتدأين؛ أو منصوبين؛ أو مجرورين. وبعضهم، يشترط -في هذه الحالة: اتفاق المنعوتين تعريفا وتنكيرا؛ لئلا تتبع المعرفة بالنكرة، أو العكس: كما يشترط: ألا يكون أول المنعوتين اسم إشارة؛ فلا يجوز: جاء هذا، وجاء محمد الشاعران: لأن نعت الإشارة، لا يفصل منه. التصريح: ٢/ ١٤. ٣ ومثال المجرور: مررت بعلي، وجزت على خالد الكريمين. ٤ ليس هنالك من سبب إلا أن سيبويه نص على هذين في كتابه؛ فتوهم الاختصاص بهما، والصحيح تعميم الحكم. ٥ إما بالرفع على إضمار مبتدأ، أو بالنصب على إضمار فعل. ويمتنع الإتباع؛ لأنه يؤدي إلى تسليط عاملين مختلفي المعنى والعمل، على معمول واحد؛ لأن العامل في التابع؛ هو العامل في المتبوع؛ كما تقدم. وإن كان العامل واحدا؛ فإن اتحد عمله ونسبته؛ إلى المعمولين في المعنى "بأن تكون على جهة الفاعلية أو المفعولية مثلا" جاز الإتباع، والقطع بشرطه؛ نحو: حضر محمد وعلي الخطيبان. وإن اختلفا؛ نحو: ضرب محمد عليا الكريمان، أو اختلفت النسبة من دون العمل؛ نحو: أعطيت محمدا أباه الفاضلان، وجب القطع. التصريح: ٢/ ١١٤.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
[حكم تعدد النعوت لمنعوت واحد]:
فصل: وإذا تكررت النعوت لواحد؛ فإن تعين مسماه بدونها؛ جاز إتباعها، وقطعها، والجمع بينهما بشرط تقديم المتبع، وذلك؛ كقول خرنق١: [الكامل]
٣٩٦- لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر٢
النازلون بكل معترك والطيبون معاقد الأزر
_________________
(١) ١ هي: الخرنق بنت بدر بن مالك، من بني قيس بن ثعلبة؛ وهي أخت طرفة بن العبد لأمه، وزوج بشر بن عمرو بن مرثد سيد بني أسد؛ شاعرة جاهلية؛ لها في رثاء زوجها، ورثاء من قتل معه يوم قلاب شعر حسن؛ ولها في رثاء أخيها طرفة رثاء أيضا. ماتت نحو: ٥٠ق. هـ. الخزانة: ٢/ ٣٠٦، سمط اللآلي: ٧٨٠، أعلام النساء: ١/ ٢٩٤، الأعلام: ٢/ ٣٠٣. ٢ تخريج الشاهد: البيتان من قول الخزنق في رثاء زوجها، ومن قتل معه في يوم قلاب؛ أحد أيام العرب، وهو نسبة لجبل بديار بني أسد. والبيتان من شواهد: التصريح: ٢/ ١١٤، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٤٠، ٢٤٦، ٢٤٩، ٢٨٨. والجمل للزجاجي: ٨٢، والمحتسب: ٢/ ١٩٨، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٤٤، والإنصاف: ١/ ٤٦٨، ٢/ ٧٤٣، والخزانة: ١/ ٣٠١، والعيني: ٣/ ٦٠٢، ٤/ ٧٢، والهمع: ٢/ ١١٩، والدرر: ٢/ ١٥٠. المفردات الغريبة: لا يبعدن: دعاء خرج مخرج النهي؛ أي: لا يهلكن؛ من البعد بمعنى: الذهاب بالموت، أو الهلاك. ومن عادة العرب؛ إذا أرادوا الدعاء لشخص؛ يقولون له: لا تبعد، أو لا يبعد. وإذا أرادوا الدعاء عليه؛ قالوا: بعدت، أو بعدا لك؛ وفي التنزيل: ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ العداة: جمع عاد -بمعنى العدو- أي: أنهم بمنزلة السم للأعداء، يقتلونهم بلا رحمة. آفة الجزر: الآفة "اسم لكل ما يؤذي، أو يهلك. والجزر: جمع جزور؛ وهي الإبل، يريد أنهم كرماء. معترك: موضع الاعتراك والقتال. معاقد: جمع معقد؛ وهو موضع عقد الإزار؛ والإزار: ما يشده الإنسان على وسطه، وكني بذلك، عن طهارتهم، وعفتهم عن الفحشاء. المعنى: تدعو الشاعرة لقومها بالسلامة والنجاة، وتصفهم بالشجاعة وأنهم للأعداء بمنزلة السم، لا يبقون عليهم؛ وبالكرم فهم يفنون الإبل ذبحا للضيفان، وبالإقدام؛ فهم لا يجبنون عن القتل في كل معركة؛ وهم مع هذا شرفاء بعيدون عن الخنا والفحشاء. الإعراب: لا يبعدن: لا حرف دعاء، لا محل له من الإعراب. يبعدن: فعل مضارع =
[ ٣ / ٢٨٣ ]
ويجوز فيه رفع "النازلين" و"الطيبين" على الإتباع لـ"قومي"، أو على القطع بإضمار "هم"، ونصبهما بإضمار "أمدح" أو "أذكر"، ورفع الأول ونصب الثاني على ما ذكرنا، وعكسه على القطع فيهما.
وإن لم يعرف إلا بمجموعها؛ وجب إتباعها كلها، لتنزيلها منه منزلة الشيء الواحد؛ وذلك، كقولك: "مررت بزيد التاجر الفقيه الكاتب"، إذا كان هذا الموصوف يشاركه في اسمه ثلاثة: أحدهم تاجر كاتب، والآخر تاجر فقيه، والآخر فقيه كاتب١.
_________________
(١) = مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، في محل جزم بـ"لا" الدعائية، ونون التوكيد حرف مبني على السكون، لا محل له من الإعراب. قومي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء: في محل جر بالإضافة الذين: اسم موصول في محل رفع صفة لـ"قومي". هم: ضمير رفع منفصل في محل رفع مبتدأ. سم: خبر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف. العداة: مصاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ وجملة "هم سم العداة": صلة للموصول، لا محل لها. وآفة: الواو عاطفة، آفة: اسم معطوف على سم، وهو مضاف. الجزر: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. النازلون: صفة لـ"قومي" أو خبر لمبتدأ محذوف وجوبا؛ تقديره: هم النازلون؛ وعلى رواية "النازلين"، فهو: مفعول به لفعل محذوف وجوبا؛ تقديره: أمدح، أو: أعني النازلين. "بكل": متعلق بـ"النازلون"، وكل مضاف. معترك: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والطيبون: الواو عاطفة، الطيبون: صفة لـ"قومي"؛ أو: خبر لمبتدأ محذوف وجوبا؛ كما في "النازلون"، وعلى رواية: "النازلين"؛ فهو: إما مفعول به لفعل محذوف وحوبا، أو معطوفا على "النازلين"؛ على رواية النصب. معاقد: منصوب على التشبيه بالمفعول به؛ لأن "الطيبون" صفة مشبهة، وهو مضاف. الأزر: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. موطن الشاهد: "النازلون، الطيبون". وجه الاستشهاد: مجيء كل من "النازلون" و"الطيبون": صفة لا يتوقف عليها تعيين الموصوف؛ ولهذا، يجوز فيهما الإتباع والقطع؛ كما بينا في الإعراب، وأوضحه المؤلف في المتن. ١ "فزيد" المقصود لا يتعين إلا بالنعوت الثلاثة؛ فيجب -حينئذ- إتباعها كلها.
[ ٣ / ٢٨٤ ]
وإن تعين ببعضها؛ جاز فيما عدا ذلك البعض الأوجه الثلاثة١.
وإن كان المنعوت نكرة تعين في الأول من نعوته الإتباع؛ وجاز في الباقي القطع؛ كقوله٢: [المتقارب]
٣٩٧- ويأوي إلى نسوة عطل وشعثا مراضيع مثل السعالي٣
_________________
(١) ١ أي: الإتباع، والقطع، والجمع بينهما؛ بشرط تقديم المتبع، ووجب إتباع المفتقر إليه في التعيين. ٢ القائل: هو أمية بن أبي عائذ الهذلي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: البيت في وصف صياد، يسعى لتحصيل قوت عياله؛ وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١١٧، والأشموني: ٧٨٢/ ٢/ ٤٠٠، والعيني: ٤/ ٦٣، ومعاني الفراء: ١/ ١٠٨، وشرح المفصل: ٢/ ١٨، والمقرب: ٤٨، والخزانة: / ١/ ٤١٧، ٢/ ٣٠١، وحاشية الدمنهوري على متن الكافي: ٦٦، وشرح السكري: ٥٠٧، وديوان الهذليين: ٢/ ١٤٨. المفردات الغريبة: يأوي، المراد: يرجع ويئوب، وأصله من أوى فلان إلى فلان؛ أي نزل عنده وسكن إليه، وفلان مأوى المساكين؛ أي: أنهم ينزلون عليه ويجدون -عنده- راحتهم. عطل: جمع عاطل؛ وهي المرأة التي خلا جيدها من الحلي. شعثا: جمع شعثاء، وهي المرأة السيئة الحال، الملبدة الشعر. مراضيع: جمع مرضع، وزيدت الياء للإشباع، أو جمع مرضاع، والياء منقلبة عن الألف، في المفرد: السعالي: جمع سعلاة؛ وهي أخبث الغيلان. المعنى: أن هذا الصائد، يغيب عن منزله ونسائه، مدة للصيد، وسعيا وراء رزقه، ثم يعود إليه، فيجد نسوة بائسات، قد خلت أعناقهن، من الحلي، وتلبدت واغبرت شعورهن؛ وهن يرضعن أبناءهن، وتراهن في هذا المنظر القبيح، كأخبث الغيلان. الإعراب: ويأوي: الواو عاطفة، يأوي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره هو. "إلى نسوة": متعلق بـ"يأوي". عطل: صفة لـ"نسوة" مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة. وشعثا: الواو عاطفة، شعثا: مفعول به لفعل محذوف؛ والتقدير: أعني شعثا، أو أصف، أو أذكر، أو نحو ذلك. مراضيع: صفة لـ"شعثا" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. مثل: صفة ثانية لـ"شعثا"، وهو مضاف. السعالي: مضاف إليه مجرور. موطن الشاهد: "نسوة عطل وشعثا". وجه الاستشهاد: جر "عطل" على الإتباع وجوبا؛ لأنه صفة للنكرة؛ وجواز الإتباع =
[ ٣ / ٢٨٥ ]
[ما يقصد بالقطع]:
وحقيقة القطع: أن يجعل النعت خبرا لمبتدأ؛ أو مفعولا لفعل.
فإن كان النعت المقطوع لمجرد مدح، أو ذم، أو ترحم، وجب حذف المبتدأ والفعل١؛ كقولهم: "الحمد لله الحميد" بالرفع بإضمار "هو"، وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ٢ بالنصب بإضمار "أذم".
وإن كان لغير ذلك٣ جاز ذكره، تقول: "مررت بزيد التاجر" بالأوجه الثلاثة، ولك أن تقول: "هو التاجر" و"أعني التاجر".
[جواز حذف المنعوت إن علم]:
فصل: ويجوز بكثرة حذف المنعوت إن علم، وكان النعت إما صالحا لمباشرة العامل؛ نحو: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ ٤؛ دروعا سابغات، أو بعض اسم مقدم
_________________
(١) = والقطع في "شعثا"؛ لأنه روي مجرورا ومنصوبا؛ وفي هذا دلالة على أن نعوت النكرة يجب في أولها الإتباع، ويجوز في ما عداه الإتباع والقطع. ١ ليكون وجوب الحذف دليلا على قصد إنشاء المدح أو الذم أو الترحم. ٢ ١١١ سورة المسد، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "حمالة" مفعولا به لفعل محذوف وجوبا؛ تقديره: أذم حمالة الحطب؛ وجملة "أذم حمالة الحطب": اعتراضية، لا محل لها. ٣ بأن كان للتوضيح، أو التخصيص، أو التعميم، أو التفصيل. واعلم أن النعت -إذا قطع-؛ خرج عن كونه نعتا، وتكون جملته مستنأنفة، لا محل لها؛ وجوز بعضهم كونها في محل نصب على الحال؛ والقاعدة فيما تقدم: أنك إذا أتبعت الأول؛ جاز لك في التالي الإتباع، والقطع بالرفع، أو بالنصب. وإن قطعت الأول بالرفع، أو بالنصب؛ وجب في التالي القطع كذلك، فإن قطعت الجميع؛ لم يلزم جعل التالي: كالأول؛ بل يجوز التوافق والتخالف. التصريح: ٢/ ١١٧. ٤ ٣٤ سورة سبأ، الآية: ١١. موطن الشاهد: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف الموصوف "دروعا"؛ لأن الأصل: اعمل دروعا سابغات؛
[ ٣ / ٢٨٦ ]
مخفوض بمن أو في١.
فالأول؛ كقولهم: "منا ظعن ومنا أقام"؛ أي: منا فريق ظعن، ومنا فريق أقام٢.
_________________
(١) = فحذف الموصوف للعلم به، مع أن الصفة لا تختص بالموصوف؛ ولكن تقدم ذكر الحديد فأشعر به؛ وحكم حذف الموصوف -هنا- الجواز باتفاق. ١ أي: يحذف الموصوف جوازا أيا؛ إذا كانت الصفة جملة أو شبهها، وكان الموصوف مرفوعا -كما قال الفارسي- أو كان الموصوف بعضا -من اسم متقدم عليه- مجرورا بمن أو في. التصريح: ٢/ ١١٨. تنبيه: روى النحاة أبياتا من الشعر، وخرجوها على حذف الموصوف، وبقاء الصفة، وليس فيها أحد الشرطين اللذين ذكرهما المؤلف -تعبا لهم- غير أنهم حكموا بشذوذها؛ فمن ذلك قول الراجز: مالك عندي غير سهم وحجر وغير كبداء شديدة الوتر ترمي بكفي كان من أرمى البشر فالتقدير: ترمي بكفي رجل كان من أرمى البشر، إذا عدت "كان" زائدة؛ غير أن هذا الحذف للضرورة، كما ذكر الأشموني. انظر حاشية الصبان: ٣/ ٧٠. ومن الضرورة -أيضا- ما جاء في قول النابغة الذبياني: كأنك من جمال بني أقيش يقعقع بين رجليه بشن كأنك جمل من جمال بني أقيش؛ فحذف الموصوف "جمل"، وأبقى الصفة "الجار والمجرور"؛ ويمكن تخريج هذا البيت على المطرد الشائع؛ ويكون تقدير الكلام: كأنك من جمال بني أقيش جمل يقعقع بين رجليه بشن؛ ليكون الموصوف بعض اسم مجرور بمن متقدم؛ ويكون "الجار والمجرور": حالا من الضمير، في "يقعقع"؛ وجملة "يقعقع": صفة لـ"جمل". انظر حاشية الصبان: ٣/ ٧١. ٢ "فظعن وأقام" -جملتان في موضع رفع: نعتان لمنعوتين محذوفين: والمنعوتان: مرفوعان على الابتداء؛ وهما بعض اسم مقدم؛ وهو الضمير المجرور بمن. وهذا تقدير البصريين؛ ويقدر الكوفيون المحذوف اسما موصولا؛ أي: منا الذي ظعن، والذي أقام؛ وتقدير البصريين: أحسن وأقيس؛ لأن اتصال الموصول بالصلة أشد من اتصال الموصوف بصفته. التصريح: ٢/ ١١٨.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
والثاني؛ كقوله١: [الرجز]
٣٩٨- لو قلت ما في قومها لم تيثم يفضلها في حسب وميسم٢
أصله: "لو قلت ما في قومها أحد يفضلها لم تأثم"، فحذف الموصوف وهو "أحد"، وكسر حرف المضارعة من تأثم، وأبدل الهمزة ياء، وقدم جواب لو فاصلا بين الخبر المقدم؛ وهو الجار والمجرور، والمبتدأ المؤخر؛ وهو "أحد" المحذوف.
_________________
(١) ١ ينسب هذا البيت إلى الأسود الحماني، ويُنسب إلى حكيم الربعي -راجز إسلامي كان معاصرا للحجاج- والأسود الحماني نسبة إلى حمان بن عبد العزى من تميم، شاعر مقل. الخزانة: ٥/ ٦٤، والجمهرة: ٢٢٠. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت يصف فيه الراجز امرأة. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١١٨، والأشموني: ٧٨٣/ ٢/ ٤٠٠، وسيبويه: ١/ ٣٧٥، والخصائص: ٢/ ٣٧٠، وشرح المفصل: ٣/ ٥٩، ٦١، والخزانة: ٣/ ٣١١، والعيني: ٤/ ٧١، والهمع: ٢/ ١٢٠، والدرر: ٢/ ١٥١. المفردات الغريبة: لم تيثم: لم تأثم؛ أي: لم تقع في الإثم، وكسرت التاء على لغة، وقلبت الهمزة ياء؛ لسكونها إثر كسرة. يفضلها: يزيد عليها. حسب: كل ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه. ميسم: وسامة وحسن. المعنى: لو قلت: إنه ليس في قوم هذه المرأة، أحد يفضلها، ويزيد عليها، في عراقة النسب والجمال؛ لم تكن كاذبا، في قولك. الإعراب: لو: حرف شرط غير جازم، لا محل له من الإعراب. قلت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: في محل رفع فاعل. ما: نافية، لا محل لها من الإعراب. "في قومها": متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: ما في قومها أحد، وقوم مضاف، و"ها": مضاف إليه. يفضلها: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو، و"ها" في محل نصب مفعولا به. "في حسب": متعلق بقوله: "يفضل". وميسم: الواو عاطفة، ميسم: اسم معطوف على "حسب" مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ وجملة "يفضلها في حسب وميسم": في محل رفع صفة لـ"المبتدأ" المحذوف. موطن الشاهد: "ما في قومها يفضلها". وجه الاستشهاد: حذف الموصوف "أحد" وبقيت الصفة؛ وهي جملة يفضلها؛ والأصل: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها؛ وقد أوضح المصنف ذلك.
[ ٣ / ٢٨٨ ]
[جواز حذف النعت إن علم]:
ويجوز حذف النعت إن علم، كقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ١ أي: كل سفينة صالحة، وقول الشاعر٢: [المتقارب]
٣٩٩- فلم أعط شيئا ولم أمنع٣
_________________
(١) ١ ١٨ سورة الكهف، الآية: ٧٩. موطن الشاهد: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ . وجه الاستشهاد: حذف الصفة للعلم بها؛ بقرينة قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، وبقرينة أخرى؛ وهي أن الملك الغاصب، لا يأخذ ما لا نفع فيه؛ وتقدير الآية: يأخذ كل سفينة صالحة غصبا؛ وحكم حذف الصفة -هنا- الجواز. ٢ الشاعر: هو العباس بن مرداس السلمي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: وقد كنت في الحرب ذا تدرأ والبيت من كلام العباس، يخاطب به النبي ﷺ حين وزع غنائم حنين؛ فأعطى قوما من أشراف العرب من المؤلفة قلوبهم؛ منهم أبو سفيان، ومعاوية ابنه، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن الفزاري. وأعطى العباس دون ما أعطى الواحد منهم؛ ففي ذلك يقول العباس: أتجعل نهبي ونهب العبـ ـيد بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا قابس يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرئ منهم ومن تضع اليوم لا يرفع العبيد: اسم فرسه. والنهب: الغنيمة. والشاهد من شواهد التصريح: ٢/ ١١٩، والأشموني: ٧٨٧/ ٢/ ٤٠١، والعيني: ٤/ ٦٩، والهمع: ١٢٠، والدرر: ٢/ ١٥٣، والمغني: ١٠٦٢/ ٨١٨، والسيوطي: ٣١٣. المفردات الغريبة: ذا تدرأ: صاحب عدة وقوة في القتال ومحاربة الأعداء، والدرء: الدفع، والمدارأة: المدافعة. المعنى: كنت في الحرب مجاهدا شجاعا، صاحب عدة وقوة لقهر الأعداء، وهزيمتهم؛ فلما وزعت الغنائم، لم أعط شيئا مناسبا لعملي؛ كما أعطي غيري، ولم أمنع نهائيا. الإعراب: وقد: الواو عاطفة، قد حرف تحقيق. كنت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء في =
[ ٣ / ٢٨٩ ]
أي: شيئا طائلا، وقوله١: [الوافر]
٤٠٠- مهفهفة لها فرع وجيد٢
_________________
(١) = محل رفع اسمه. "في الحرب": متعلق بـ"كان". ذا: خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف. تدرأ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. فلم: الفاء عاطفة، لم: حرف نفي وجزم وقلب. أعط: فعل مضارع مجزوم مبني للمجهول، وعلامة جزمه الألف؛ ونائب الفاعل ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنا؛ وهو المفعول الأول، لـ"أعط". شيئا: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ وله صفة محذوفة يدل عليها الكلام، كما سنرى في موطن الشاهد ووجه الاستشهاد. ولم: الواو عاطفة، لم: حرف نفي وجزم وقلب. أمنع: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بـ"لم" وعلامة جزمه السكون، وحرك بالكسر؛ لضرورة الروي، ونائب الفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره أنا. موطن الشاهد: "فلم أعط شيئا". وجه الاستشهاد: ذكر الموصوف "شيئا" وحذفت الصفة للعلم بها؛ لأن أصل الكلام: فلم أعط شيئا عظيما، أو نحو ذلك؛ لأن الكلام لا يستقيم من دون تقدير المحذوف؛ لأنه يكون مخالفا للواقع؛ فهو قد أُعطي بالفعل عطاء؛ غير أنه كان أقل مما كان يتوقع؛ وما يؤكد ذلك قوله: "ولم أمنع"؛ فلو كان لم يُعط شيئا مطلقا؛ لكان مُنع، وهو ينفي المنع، ويجوز أن يكون في قوله: "ولم أمنع" حذف للصفة والموصوف معا؛ لأن تقدير الكلام: فلم أعط شيئا عظيما ولم أمنع الشيء الحقير. انظر هذه المسألة في حاشية الصبان: ٣/ ٧١-٧٢. والتصريح: ٢/ ١١٩. ١ القائل: هو المرقش الأكبر؛ واسمه: عمرو بن سعد بن مالك أحد بني بكر بن وائل، وقيل: "عوف" شاعر جاهلي، من المتيمين؛ له شعر جيد في أسماء بنت عمه، وكان يحسن الكتابة؛ اتصل بالحارث أبي شمر الغساني؛ فجعله كاتبه. مات نحو: ٧٥ق. هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٢١٠، وتجريد الأغاني: ٧٥٢، الأغاني: ٥/ ١٧٩، الخزانة: ٣/ ٥١٥، الأعلام: ٥/ ٩٥. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: ورب أسيلة الخدين بكر وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١١٩، والأشموني: ٧٨٨/ ٢/ ٤٠١، والعيني: ٤/ ٧٢، والمفضليات للضبي: ٢٢٤. =
[ ٣ / ٢٩٠ ]
أي: فرع فاحم وجيد طويل.
_________________
(١) = المفردات الغريبة: أسيلة الخدين: ناعمتهما مع طول واسترسال. مهفهفة: ضامرة البطن خفيفة اللحم. فرع: شعر نام. جيد: عنق. المعنى: يصف الشاعر هذه الفتاة بأن لها خدا ناعما طويلا، وجسما فيه ضمور بطن ودقة خصر، وشعر مسترسل فاحم، وعنق طويل. الإعراب: رب: حرف جر شبيه بالزائد، يفيد التقليل. أسيلة: اسم مجرور لفظا مرفوع محلا، على أنه مبتدأ، وهو مضاف. الخدين: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى. بكر: بدل أو عطف بيان من أسيلة الخدين. مهفهفة: صيغة لـ"أسيلة". "لها": متعلق بمحذوف خبر مقدم. فرع: مبتدأ مؤخر مرفوع. وجيد: الواو عاطفة، جيد: اسم معطوف على فرع مرفوع مثله. وجملة "المبتدأ وخبره": في محل رفع، أو جر صفة أخرى لـ"أسيلة". موطن الشاهد: "لها فرع وجيد". وجه الاستشهاد: حذف الوصفين للموصوفين: "فرع" و"جيد"؛ للدلالة مقام المجح على ذلك؛ لأن من غير المعقول أن يمدح الشاعر تلك الفتاة بأن لها شعرا وعنقا مطلقين؛ فكل إنسان له ذلك، وإنما أراد وصف الشعر بالطول والسواد والعنق بالطول على عادة العرب؛ فالتقدير -على الأغلب- لها فرع فاحم وجيد طويل؛ وما يؤكد هذا قول امرئ القيس واصفا الفرع بشدة السواد: وفرع يزيد المتن أسود فاحم أثيث كقنو النخلة المتعثكل وقوله واصفا الجيد بالطول: وجيد كجيد الرئم ليس بفاحم إذا هي نصته ولا بمعطل تعقيبات وتوجيهات:
(٢) قد يحذف النعت والمنعوت معا؛ إذا دلت القرينة عليهما، وهذا قليل؛ ومنه قوله تعالى في الأشقى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ أي لا يحيى حياة نافعة؛ لأنه ليست هنالك واسطة بين الحياة والموت.
(٣) هناك نعت يسمى: النعت الموطئ أو "الممهد"؛ وهو: أن يكون النعت جامدا، وغير مقصود لذاته، والمقصود ما بعده، وقد ذكر؛ ليكون توطئة وتمهيدا، للمشتق التالي له المقصود حقيقة؛ نحو: قابلت أخًا أخًا مخلصا حقا؛ فأخًا الثانية نعت موطئ غير مقصود، والمقصود ما بعده وهو مخلص.
(٤) يجوز أن ينعت النعت؛ فتقول: هذا ورق أبيض ناصع البياض. وقد يقع قبل النعت المفرد: "لا" النافية أو "ما"، فيجب تكرار هذين الحرفين مع اقترانهما بالواو العاطفة؛ لما بعدهما على ما قبلهما؛ تقول: صاحب صديقا، لا بخيلا ولا مسرفا، واختر زميلا، إما شاعرا، وإما خطيبا.
[ ٣ / ٢٩١ ]
_________________
(١) إذا تعددت النعوت واتحدت أنواعها -بأن كانت مفردة- فيجوز تقديم بعضها على بعض، وكذلك إذا كانت جملا. أما إذا اختلفت؛ فالغالب تقديم المفرد على شبه الجملة؛ وهذا على الجملة؛ تقول: هذا طائر أليف على غصن يغرد بصوت حسن؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ ومن غير الغالب؛ قوله سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾، وهو فصيح، يجوز القياس عليه.
(٢) إذا تكررت النعوت لمنعوت واحد؛ وكانت مفردة متحدة المعنى، لم يجز عطف أحدها على الآخر؛ نحو: هذا محمد الشجاع الفاتك؛ لأن العطف يقتضي المغايرة. وإن كانت مختلفة المعنى؛ جاز العطف في المفردات. بجميع حروف العطف ما عدا: "أم"، و"حتى". وفي الجمل خلاف؛ نحو: هذا طالب يعرف العربية ويتقن الإنجليزية، ويتعثر في الفرنسية.
(٣) من الأسماء ما ينعت، وينعت به لاستيفائه شروط ذلك؛ كاسم الإشارة؛ تقول: مررت بمحمد هذا، وبهذا الشاعر، ولا يكون نعتا إلا لمعرفة؛ لأنه معرفة. وإذا وقع منعوتا؛ وجب أن يكون النعت مقرونا بأل. وإذا كان جامدا فالأحسن: اعتباره عطف بيان؛ ويجب أن يطابق منعوته، في الإفراد، والتذكير وفروعهما، والموصول، والإشارة. ومنها ما لا ينعت، ولا ينعت به، وذلك؛ كالمضمر، والمصدر الدال على الطلب، وكثير من الأسماء المتوغلة في الإبهام؛ كأسماء الشرط والاستفهام، و"كم" و"ما" التعجبية، وبعض الظروف المبهمة؛ كقبل وبعد؛ ويستثنى من ذلك "غير"، و"سوى"، و"من"، و"ما" النكرتان التامتان. ومنها ما ينعت، ولا ينعت به؛ كالأعلام: ومنها ما يقع نعتا، ولا يقع منعوتا، ومن ذلك "أي"؛ بشرط أن يكون المنعوت بها نكرة، و"كل" نحو: أنت الأمين كل الأمين؛ أي المتناهي في الأمالنة، و"جد" تقول؛ سمعت خطابا بليغا جد بليغ. وإذا صلح النعت لمباشرة العامل؛ جاز تقديمه، ويكون المنعوت بدلا منه؛ نحو قوله تعالى: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ . حاشية الصبان: ٢/ ٧٢-٧٣، النحو الوافي: ٣/ ٤٨٢-٥٠٠.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
هذا باب التوكيد١
[التوكيد المعنوي وألفاظه]:
وهو ضربان: لفظي وسيأتي، ومعنوي٢؛ وله سبعة ألفاظ٣.
[حكم التوكيد بالنفس والعين]:
الأول والثاني: النفس والعين٤، ويؤكد بهما؛ لرفع المجاز عن الذات، تقول: "جاء الخليفة" فيحتمل أن الجائي خبره أو ثقله٥، فإذا أكدت بالنفس أو بالعين أو بهما٦؛ ارتفع ذلك الاحتمال.
ويجب اتصالهما بضمير مطابق للمؤكد، وأن يكون لفظهما طبقه في الإفراد
_________________
(١) ١ هو في الأصل: مصدر وكد، ثم استعمل في التابع المذكور؛ ويقال فيه: التأكيد، بقلب الواو همزة؛ والأول أشهر في استعمال النحاة. ٢ هو التابع الذي يزيل عن متبوعه الشك، واحتمال إرادة غير معناه الحقيقي الظاهر، وعدم إرادة العموم والشمول. ٣ لفظ سبعة غير دقيق؛ لأن المؤلف، ذكر ألفاظ التوكيد المعنوي المشهور استعمالها؛ ومعلوم أنه يوجد ألفاظ غيرها، تستعمل في التوكيد المعنوي، غير أنها ليست مشهورة. انظر حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٢٠. ٤ المراد بهما -النفس والعين: ذات الشيء، وحقيقته التي يتكون منها -ولو لم يكن في تركيبه نفس ولا عين-؛ ويختصان عن بقية ألفاظ التوكيد المعنوي، بجواز جرهما بالباء الزائدة؛ تقول: رأيت الرجل نفسه، أو بنفسه؛ وقابلت الموظف عينه، أو بعينه؛ والمجرور يكون في محل رفع، أو نصب، أو جر على حسب المتبوع. وإذا أكد معهما بكلمة "كل"، يحسن تأخير "كل" عنهما، كما سيتضح لاحقا. انظر حاشية الصبان: ٣/ ٧٣-٧٤. والتصريح: ٢/ ١٢٠. ٥ الثقل: واحد الأثقال، وبفتح الثاء والقاف: متاع المسافر وحشمه. ٦ أي: معا من دون عطف. ويشترط تقديم النفس على العين.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
والجمع١؛ وأما في التثنية: فالأصح جمعهما على أفعل٢، ويترجح إفرادهما على تثنيتهما، عند الناظم، وغيره بعكس ذلك.
والألفاظ الباقية: كلا وكلتا للمثنى٣، وكل وجميع وعامة لغيره٤.
ويجب اتصالهن بضمير المؤكد؛ فليس منه: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٥؛ خلافا لمن وهم٦، ولا قراءة بعضهم: "إنا كلا فيها"٧؛ خلافا
_________________
(١) ١ ينبغي أن يجمع النفس والعين جمع تكسير للقلة على "أفعل" لا غير؛ حين يكون المؤكد جمعا؛ مع إضافتهما لضمير الجمع. ولا يجوز أن يؤكد بهما مجموعين على نفوس وعيون على المختار. ٢ فيقال: جاء المحمدان أنفسهما أو أعينهما؛ ويجوز إفرادهما وتثنيتهما؛ فيقال: نفسهما وعينهما، أو: نفساهما، وعيناهما، ولا بد من إضافتهما إلى ضمير المثنى؛ ليطابق المؤكد. ٣ أي: ولو على سبيل التفريق؛ نحو: فاز محمد وعلي كلاهما؛ بشرط اتحاد العامل. ويقصد بهما: إزالة الاحتمال والمجاز عن التثنية، وإثبات أنها هي المقصودة. ٤ أي: لغير المثنى؛ وهو الجمع مطلقا، والمفرد بشرط أن يتجزأ بنفسه، أبو بعامله؛ نحو: نجح الطلبة كلهم أو جميعهم أو عامتهم، واشتريت الدابة كلها، أو جميعها، أو عامتها. ٥ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٩. موطن الشاهد: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ . وجه الاستشهاد: عدم وقوع "جميعا" توكيدا في هذه الآية؛ لعدم اتصاله بالضمير؛ لأنه لو كان توكيدا؛ لجاء "جميعه" على أن التوكيد بجميع غريب -كما سيأتي- فلا يحمل التنزيل عليه. التصريح: ٢/ ١٢٢. ٦ هو ابن عقيل؛ أحد شراح الألفية؛ فإنه أعرب "جميعا": توكيدا لـ"ما" الموصولة الواقعة مفعولا "لخلق"، ولو كان كذلك لقيل جميعه، ثم التوكيد بجميع قليل فلا يحمل عليه التنزيل. مغني اللبيب: ٦٦٢، التصريح: ٢/ ١٢٢. ٧ أوجه القراءات: قرأ الجمهور: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾، برفع "كل"، وقرأ بعض القراء: "إنا كلا" بنصب "كلا" على أنها بدل من اسم "إن" على الصحيح. انظر التصريح: ٢/ ١٢٣. موطن الشاهد: "إنا كلا فيها". وجه الاستشهاد: عدم مجيء "كلا" توكيدا لـ"نا" الواقع اسما لـ"إن"؛ لأنه لم يتصل بها الضمير، وإنما هي بدل من اسم "إن" على الصحيح؛ و"جميعا" في الآية السابقة: في محل نصب على الحال من "ما" الموصولة.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
للفراء والزمخشري١؛ بل "جميعا" حال٢، و"كلا" بدل٣، ويجوز كونه حالا من ضمير الظرف٤
ويؤكد بهن؛ لرفع احتمال تقدير بعض مضاف إلى متبوعهن؛ فمن ثم جاز "جاءني الزيدان كلاهما" و"المرأتان كلتاهما"؛ لجواز أن يكون الأصل: جاء أحد الزيدين أو إحدى المرأتين؛ كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ٥، بتقدير يخرج من أحدهما٦، وامتنع على الأصح: "اختصم الزيدان كلاهما"، و"الهندان كلتاهما"؛ لامتناع التقدير المذكور٧، وجاز "جاء القوم كلهم"،
_________________
(١) ١ مرت ترجمة لكل منهما. ٢ أي: من "ما" الموصولة، ومعناها: مجتمعا، وخلق: بمعنى قدر خلق ذلك في علمه، فلا يرد أن الحالية، تقتضي وقوع الخلق، على ما في الأرض، في حالة الاجتماع، وليس كذلك. حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٢٣. ٣ أي: بدل "كل" من اسم "إن"؛ وهو لا يحتاج إلى ضمير. ٤ أي: من ضمير الاستقرار المرفوع في "فيها"؛ وفيه ضعفان؛ تقدم الحال على عامله الظرفي، وتنكير "كل"، بقطعها عن الإضافة لفظا ومعنى؛ والحال واجبة التنكير. قيل: وقد يُستغنى عن الإضافة إلى الضمير بالإضافة إلى مثل ظاهر المؤكد بكل؛ ومنه قول كثير: كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركمو يا أشبه الناس كل الناس بالقمر مغني اللبيب: ٢٥٦. ٥ ٥٥ سورة الرحمن، الآية: ٢٢. موطن الشاهد: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع المثنى "منهما"؛ وإرادة الواحد به؛ وهو البحر الملح. ٦ أي: وهو البحر الملح؛ لأن العذب، ليس فيه ذلك. واللؤلؤ: كبار الدر. والمرجان: صغاره. التصريح: ٢/ ١٢٣. ٧ لأن التخاصم، لا يتحقق معناه إلا بوقوعه من اثنين حتما؛ فلا فائدة من التوكيد هنا؛ ومثله: كل ما يدل على المفاعلة، والمشاركة؛ نحو: تقاتل، وتحارب؛ وهذا رأي الأخفش، ومن تبعه. وأجاز الجمهور مثل ذلك -على ما فيه من ضعف بلاغي-؛ لأن التوكيد، قد يكون للتقوية؛ لا لرفع الاحتمال. التصريح: ٢/ ١٢٣، وحاشية الصبان: ٣/ ٧٥.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
و"اشتريت العبد كله"، وامتنع "جاء زيد كله"١.
[التوكيد بـ"جميع"]:
والتوكيد بجميع غريب، ومنه قول امرأة: [مجزوء الرجز]
٤٠١- فداك حي خولان جميعهم وهمدان٢
_________________
(١) ١ لعدم الفائدة من التوكيد؛ لأنه يستحيل نسبة المجيء إلى جزئه. ٢ تخريج الشاهد: البيت: قالته امرأة أعرابية ترقص به ولدها وبعده: وكل آل قحطان والأكرمون عدنان وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٢٣، والعيني: ٤/ ٩١، والهمع: ٢/ ١٢٣، والدرر: ٢/ ١٥٥. المفردات الغريبة: فداك؛ الفداء بالمد والقصر: ما يُعطى من مال ونحوه عوضا عن المفدى؛ والمراد هنا: الدعاء والثناء. خولان وهمدان: قبيلتان من قبائل اليمن. قحطان: أبو العرب اليمانية. عدنان: أبو عرب الحجاز. المعنى: تخاطب تلك المرأة طفلها -وهي تداعبه- قائلة: تفديك قبيلتا خولان وهمدان جميعهما؛ وهذا كقول القائل: فداك أبي وأمي؛ ونحو ذلك. الإعراب: فداك: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر، وهو مضاف، والكاف: في محل جر بالإضافة. حي: خبر المبتدأ مرفوع، وهو مضاف. خولان: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف، وسكن لضرورة الوقف. جميعهم: توكيد لـ"حي خولان"، و"هم" في محل جر مضاف إليه. وهمدان: الواو حرف عطف، همدان: اسم معطوف على حي خولان. موطن الشاهد: "جميعهم". وجه الاستشهاد: مجيء هذا اللفظ توكيدا للخبر، أو للفاعل إن حركنا الفاء بالفتح؛ وهو بمنزلة كل في المعنى والاستعمال، ويقصد به رفع احتمال التجوز بإرادة البعض، وإطلاق اسم الكل عليه. فائدة: قد يأتي لفظ "جميع" بمعنى: مجتمع؛ أي: ضد متفرق، فلا يفيد توكيدا، كقول الشاعر: نهيتك عن هذا وأنت جميع انظر ضياء السالك ٣/ ١٤١.
[ ٣ / ٢٩٦ ]
[التوكيد بـ"عامة"]:
وكذلك التوكيد بعامة، والتاء فيها بمنزلتها في النافلة؛ فتصلح مع المؤنث والمذكر١؛ فتقول "اشتريت العبد عامته"، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ ٢.
[جواز تقوية التوكيد بـ"أجمع وجمعاء"]:
فصل: ويجوز، إذا أريد تقوية التوكيد، أن تتبع كله بأجمع، وكلها بجمعاء، وكلهم بأجمعين، وكلهن بجمع؛ قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ قال ابن مالك في الألفية: واستعملوا أيضا ككل فاعله من "عم" في التوكيد مثل النافله فقد ذكر ابن هشام -هنا- أن المراد بهذا التشبيه، أن التاء في "عامة" مثل التاء في لفظ "نافلة" يؤتى بها مع المذكر، ومع المؤنث، وليس ذكره استدراكا على النحاة. فقد ذكر ابن الناظم في شرحه على الألفية؛ أن قوله: "مثل النافلة؛ معناه: أن ذكر هذا اللفظ -في هذا الباب- زائدة على ما ذكره النحاة؛ فإن أكثرهم أغفل ذكره؛ فكما أن النافلة زيادة على ما فرضه الله تعالى على عباده، يكون ذكر لفظ "عامة" في ألفاظ التوكيد، زيادة، على ما ذكره النحاة، من ألفاظه. هذا، واعتبار لفظ "عامة"؛ بمعنى: جميع، ومجيئه توكيدا؛ هو مذهب سيبويه؛ وذهب المبرد إلى أن معنى "عامتهم" في مثل: جاء القوم عامتهم؛ أكثرهم لا جميعهم؛ وعلى هذا يكون بدل بعض من كل لا للتعميم؛ كما يرى سيبويه. التصريح: ٢/ ١٢٤. كتاب سيبويه: ١/ ٣٧٦-٣٧٧. ٢ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ٧٢. موطن الشاهد: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ . وجه الاستشهاد: استشهد بالآية الكريمة على أن "عامة" لفظ يشبه "نافلة" في الوزن، ولزوم التاء في الأحوال كلها؛ تذكيرا، وتأنيثا، وإفرادا ٣ ١٥ سورة الحجر، الآية: ٣٠. موطن الشاهد: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "كلهم" توكيدا، و"أجمعون" توكيدا ثانيا؛ جيء به؛ لتقوية التوكيد الأول.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
وقد يؤكد بهن وإن لم يتقدم كل١؛ نحو: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢، ﴿لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣، ولا يجوز تثنية أجمع ولا جمعاء استغناء بكلام وكلتا٤، كما استغنوا بتثنية سي عن تثنية سواء٥؛ وأجاز الكوفيون والأخفش ذلك؛ فتقول "جاءني الزيدان أجمعان" و"الهندان جمعاوان".
وإذا لم يفد توكيد النكرة لم يجز باتفاق٦، وإن أفاد جاز، عند الكوفيين، وهو الصحيح، وتحصل الفائدة بأن يكون المؤكد محدودا والتوكيد من ألفاظ
_________________
(١) ١ وفي هذه الحالة؛ يجوز إعراب "أجمعين" وأخواتها: حالا؛ ولكن المعنى يختلف عن إعرابها توكيدا؛ فإن معناها -على الحال- يكون: مجتمعين؛ أي: في حال اجتماعهم، وعدم تفرقهم. وعلى التوكيد؛ يكون معناها: الشمول، والإحاطة، وينبغي ملاحظة ذلك عند الإعراب. ٢ ٣٨ سورة ص، الآية: ٨٢. موطن الشاهد: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أجمعين" توكيدا لـ"هم" الواقع مفعولا به؛ وحكم وقوع "أجمعين" توكيدا من دون أن يسبق بـ"كل" الجواز باتفاق. ٣ ١٥ سورة الحجر، الآية: ٤٣. موطن الشاهد: ﴿لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أجمعون" توكيدا لـ"هم" الواقع في محل جر بالإضافة؛ وحكم وقوع "أجمعين" توكيدا من دون أن يسبق بـ"كل" الجواز، كما في الآية السابقة. ٤ قيل: إنما يصح الاستغناء بذلك؛ إذا قصد شمول الأفراد؛ أما إذا قصد شمول أجزاء الأفراد -كما في اشتريت المنزلين أو الحديقتين- فإن "كلا" و"كلتا" لا تفيده. ٥ فقالوا: سيان، ولم يقولوا: سواءان؛ وهذا رأي جمهور البصريين. هذا، وإذا تكررت ألفاظ التوكيد؛ فهي للمتبوع، وليس الثاني توكيدا للتوكيد. ولا يجوز فيها القطع، ولا عطف بعضها على بعض؛ وهي كلها معارف إما بالإضافة، إلى الضمير؛ نحو: كلهم، وإما بالعلمية؛ نحو: أجمعون، ومن ثم امتنع نصب شيء منها على الحال. ٦ لأن الغرض من التوكيد إزالة اللبس؛ وألفاظه معارف، والنكرة تدل، على الإبهام والشيوع؛ فهما متعارضان تعريفا وتنكيرا.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
الإحاطة؛ كـ"اعتكفت أسبوعا كله"، وقوله١: [البسيط]
٤٠٢- يا ليت عدة حول كله رجب٢
_________________
(١) ١ القائل: هو عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي، أحد بني خزيمة بن صاهلة وأحد شعراء العصر الأموي. له ترجمة في شرح أشعار الهذليين للسكري: ٩٠٩. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: لكنه شاقه أن قيل ذا رجب وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٢٥، وشذور الذهب: ٢٢٨/ ٥٥٦، والقطر: ١٣٨/ ٣٩٧، والأشموني: ٧٩٣/ ٢/ ٤٠٧، والعيني: ٤/ ٩٦، والإنصاف: ١/ ٤٥١، وشرح المفصل: ٣/ ٣٥، وأشعار الهذليين: ٩١. المفردات الغريبة: شاقه: أعجبه وهاجه، أو بعث الشوق في نفسه. والشوق: تموع النفس إلى الشيء. الحول: العام. المعنى: يقول الشاعر: إنه أعجبه وبعث الشوق في نفسه حين قيل: هذا الشهر رجب، وتمنى أن تكون شهور العام كلها "رجب" لما يجد فيه من الخير والأنس. الإعراب: لكنه: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل مبني على الضم، في محل نصب اسمه. شاقه: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والهاء ضمير متصل، مبني على الضم، في محل نصب مفعولا به. أن: حرف مصدري. قيل: فعل ماضٍ مبني للمجهول. ذا: اسم إشارة مبني على السكون، في محل رفع مبتدأ. رجب: خبر مرفوع. وجملة "شاقه رجب": في محل رفع خبر "لكن". وجملة "ذا رجب": في محل رفع نائب فاعل لـ"قيل"؛ والمصدر المؤول من "أن المصدرية وما دخلت عليه": في محل رفع فاعل "شاق". يا: حرف تنبيه. ليت: حرف مشبه بالفعل. عدة: اسم "ليت" منصوب، وهو مضاف. حول: مضاف إليه. كله: توكيد لـ"حول" مجرور، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه. رجب: خبر ليت مرفوع -على رواية الرفع في رجب. ورأى بعضهم أن "رجبا" -بالنصب وليس بالرفع- وعليها فإما أن يكون الشاهد، قد جرى على اللغة الضعيفة التي تنصب بـ"ليت" وأخواتها الجزأين؛ وإما أن يكون "رجبا" مفعولا به لفعل محذوف تقع جملته خبرا لـ"ليت"؛ والتقدير: يا ليت عدة حول كله تشبه رجبا؛ والأول أفضل؛ غير أن البيت من قصيدة منصوبة الروي؛ ومطلعها: يا للرجال ليوم الأربعاء أما ينفك يحدث لي بعد النهى طربا موطن الشاهد: "حول كله". وجه الاستشهاد: توكيد النكرة "حول" على رأي الكوفيين؛ لكونها محدودة؛ لأن العامة معلوم الأول والآخر؛ ولفظ التوكيد "كله" من الألفاظ الدالة على الإحاطة؛ وهذا مذهب الكوفيين، وهو ما ارتضاه ابن مالك.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
ومن أنشد "شهر" مكان حول فقد حرفه١، ولا يجوز "صمت زمنا كله"٢، ولا "شهرا نفسه"٣.
[توكيد الضمير بالنفس أو بالعين]:
فصل: وإذا أكد ضمير مرفوع متصل٤، بالنفس أو بالعين؛ وجب توكيده أولا بالضمير المنفصل٥؛ نحو "قوموا أنتم أنفسكم"، بخلاف "قام الزيدون أنفسهم" فيمتنع الضمير٦، وبخلاف "ضربتهم أنفسهم"، و"مررت بهم أنفسهم"، و"قاموا كلهم"، فالضمير جائز لا واجب٧.
_________________
(١) ١ لأنه يفسد المعنى؛ إذ لا يتصور أن يتمنى أن يكون الشهر كله رجبا؛ فإن الشهر، لا يكون بعضه رجبا، وبعضه غير رجب؛ حتى يتمنى أن يكون كله رجبا. ٢ لأن النكرة غير محدودة الوقت، ولا معلومة المقدار. ٣ لأن لفظ التوكيد، ليس من ألفاظ الإحاطة والشمول. ٤ سواء أكان بارزا؛ كما مثل المصنف، أم مستترا؛ نحو: محمد حضر هو نفسه. ٥ لوقوع اللبس -أحيانا- في مثل: هند خرجت نفسها، أو ذهبت عينها؛ إذ يحتمل أن المراد: هو خروج نفسها؛ التي بها حياتها، وذهاب عينها؛ التي تبصر بها؛ فإذا جاء الفاصل، منع هذا الاحتمال؛ ويعرب الضمير المنفصل توكيدا لفظيا للضمير السالف؛ وقيل: إن الشرط مطلق فاصل، ولو غير ضمير؛ نحو؛ قوموا في الدار أنفسكم، ولكن الفصل بالضمير المنفصل أحسن وأفصح. التصريح: ٢/ ١٢٦، وكتاب سيبويه: ٢/ ٣٧٩. ٦ لأن المؤكد؛ وهو: "الزيدون" ليس ضميرا متصلا، وإنما هو اسم ظاهر، والضمير لا يؤكد الظاهر؛ فإن الظاهر أقوى منه؛ لأنه لا يحتاج إلى مرجع يفسره. ٧ لأن الضمير المؤكد في الأولين، ليس مرفوعا، فهو منصوب المحل على المفعولية في الأول، ومجرور المحل بالباء، في الثاني؛ فلا يلزم توكيده بالضمير المنفصل، قبل توكيده بالنفس أو بالعين؛ ومع هذا يجوز توكيده بالضمير. تقول: ضربتهم هم أنفسهم، ومررت بهم هم أنفسهم، ويجوز بغير توكيد بالضمير. والتوكيد في الثالث بغير النفس والعين. أما توكيد الضمير المرفوع المنفصل بالنفس أو بالعين؛ فحكمه حكم توكيد الاسم الظاهر بهما؛ لا يحتاج إلى فاصل. تقول: أنت نفسك حضرت، وأنتما أنفسكما سافرتما، وأنتم أنفسكم امتنعتم عن الإجابة إلخ. التصريح: ٢/ ١٢٥-١٢٦، وضياء السالك: ٣/ ١٤٦.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
[التوكيد اللفظي وأحكامه]:
[معنى التوكيد اللفظي]:
وأما التوكيد اللفظي فهو: اللفظ المكرر به ما قبله١.
فإن كان جملة فالأكثر اقترانها بالعاطف٢، نحو: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ٣، ونحو: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ٤، وتأتي بدونه، نحو
_________________
(١) ١ إما بعينه ولا يضر فيه بعض تغيير؛ نحو: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾، أو بمرادفه؛ كقوله الشاعر: "أنت بالخير حقيق قمن" أي: جدير، ويكون المرادف فعلا واسما. ولا يزيد التكرير عن ثلاث؛ لأنه لم يقع أكثر منها في كلام العرب، وأما ما في سورة الرحمن والمرسلات؛ فليس بتأكيد؛ لأنها لم تتعدد على معنى واحد؛ بل كل آية قيل فيها ذلك؛ فالمراد التكذيب بما ذكر فيها. ٢ وهو "ثم" خاصة. وجعل الرضي "الفاء" كثم، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، والعطف -هنا- صوري؛ لأن بين الجملتين تمام الاتصال؛ فلا تعطف الثانية، على الأولى، عطفا حقيقيا، وإلا كانت التبعية بالعطف، لا بالتوكيد. حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٢٧. ٣ ٧٨ سورة النبأ، الآية: ٤، والآية: ٥. موطن الشاهد: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع جملة ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ الثانية توكيدا لفظيا للجملة الأولى، وقد اقترنت بحرف العطف "ثم"؛ وحكم هذا الاقتران جائز بكثرة. ٤ ٧٥ سورة القيامة، الآية: ٣٤، والآية: ٣٥. موطن الشاهد: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع جملة ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ الثانية توكيدا لفظيا، للجملة الأولى، مع اقترانها بحرف العطف، كما في الآية السابقة. ومن أمثلته -أيضا- قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾؛ لأنه لو عطف بثم، أو بالفاء؛ لتوهم تكرار الضرب.
[ ٣ / ٣٠١ ]
قوله ﵊: "والله لأغزون قريشا" ثلاث مرات، ويجب الترك عند إيهام التعدد، نحو "ضربت زيدا ضربت زيدا"١.
[أحكام التوكيد اللفظي]:
وإن كان اسما ظاهرا أو ضميرا منفصلا منصوبا فواضح٢؛ نحو: "فنكاحها باطل باطل باطل"٣ وقوله٤: [الطويل]
٤٠٣- فإياك إياك المراء فإنه٥
_________________
(١) ١ أي: وتأتي الجملة توكيدا لفظيا، لجملة سبقتها، من دون أن تقترن بحرف العطف، ولو كررت عدة مرات؛ لأن النبي ﷺ: كرر الجملة عينها ثلاث مرات. ٢ أي أن توكيده، يكون بمجرد التكرار، من غير شرط، ويتبع الثاني الأول في الضبط، ولا محل له من الإعراب. ويجب في الأسماء الموصولة، عند توكيدها توكيدا لفظيا، إعادة لفظها وصلتها معه، ولا يجوز تكرار الموصول -وحده- دون صلته. ٣ هذا جزء من حديث شريف؛ وهو: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير وليها فنكاحها باطل باطل باطل". والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده: ٦/ ٦٦-١٦٦، وشرح معاني الآثار: ٣/ ٧، وإرواء الغليل: ٦/ ٢٤٣. موطن الشاهد: "نكاحها باطل باطل باطل". وجه الاستشهاد: وقوع "باطل" توكيدا لفظيا مكررا؛ كما هو واضح. ٤ القائل: هو الفضل بن عبد الرحمن القرشي، شاعر بني هاشم وعالمهم في وقته، أول من لبس السواد على زيد بن علي بن الحسين، ورثاه بقصيدة طويلة حسنة، تخفى عند بني تميم، من هارون الرشيد الذي طلبه، فدلوا عليه؛ فهجاهم بأببات مشهورة. توفي سنة: ١٧٣هـ. الأعلام: ٥/ ١٥٠، المرزباني: ٣١٠، نسب قريش: ٨٩. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: إلى الشر دعاء وللشر جالب وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٢٨، والأشموني: ٧٩٦/ ٢/ ٤٠٩، وسيبويه: ١/ ١٤١، والمقتضب: ٣/ ٢١٣، والخصائص: ٣/ ١٠٢، وشرح المفصل: ٢/ ٢٥، والعيني: ٤/ ١١٣، ٣٠٨، والخزانة: ١/ ٤٦٥، ومعجم الشعراء للمرزباني: ٣١٠. المفردات الغريبة: المراء: الجدال والمعارضة بالباطل. دعاء: صيغة مبالغة من دعا فلان فلانا؛ إذا طلب حضوره. جالب: مسبب له؛ من جلبه إذا ساقه وجاء به. =
[ ٣ / ٣٠٢ ]
وإن كان ضميرا منفصلا مرفوعا؛ جاز أن يؤكد به كل ضمير متصل١، نحو "قمت أنت"، و"أكرمتك أنت"، و"مررت بك أنت".
_________________
(١) = المعنى: أحذرك الجدال والمعارضة، مع الناس، من غير وجه حق، فإن ذلك كثيرا ما يجر إلى الشرور والخصومات، ويسبب للإنسان متاعب ومصاعب. الإعراب: إياك: مفعول به منصوب على التحذير، بفعل محذوف وجوبا. إياك: توكيد للأول مبني على السكون في محل نصب، والكاف للخطاب. المراء: مفعول ثان؛ لفعل التحذير المحذوف؛ والتقدير: أحذرك المراء؛ وأعربه الجمهور: منصوبا على نزع الخافض؛ والتقدير: باعد نفسك من المراء. فإنه: الفاء تعليلية، إن حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب اسم "إن". "إلى الشر": متعلق بـ"دعاء" الواقع خبرا لـ"إن". دعاء: خبر "إن" مرفوع. وللشر: الواو عاطفة، "للشر": متعلق بـ"جالب" الآتي. جالب: معطوف على "دعاء" مرفوع مثله. موطن الشاهد: "إياك إياك". وجه الاستشهاد: توكيد الضمير المنفصل "إياك" بإعادة اللفظ نفسه؛ وهو من التوكيد اللفظي؛ وخالف بعضهم محتجا، بأن الضمير المنصوب، يحتاج إلى عامل ينصبه؛ وهذا لا بد له من فاعل؛ فهو يريد جعله من توكيد الجملة بالجملة؛ وهو غير لازم؛ لأننا نستطيع أن نؤكد الجملة بأكملها: فنقول: جاء زيد، جاء زيد، وقد نؤكد الفعل وحده؛ فنقول: جاء جاء زيد وقد نؤكد الفاعل وحده؛ فنقول: جاء زيد زيد. وإن كان في الجملة مفعول فقد نؤكده وحده؛ فنقول: ضرب علي خالدا خالدا. انظر أوضح المسالك ٣/ ٣٣٧. ١ أي: مرفوع، أو منصوب، أو مجرور، ويكون على وجه الاستعارة في توكيده ضمير النصب والجر، وليس له محل إعرابي. ويؤكد به كذلك المنفصل المرفوع، لا المنصوب، فلا يقال: إياك أنت أكرمت. وليس هناك ضمير منفصل مختص بالجر؛ وإلى ما تقدم يشير ابن مالك بقوله: ومضمر الرفع الذي قد انفصل أكد به كل ضمير اتصل والمعنى: أن الضمير المنفصل المرفوع، يجوز أن يؤكد به كل ضمير متصل؛ ولكن على وجه الاستعارة، في توكيده ضمير النصب والجر، كما سبق. حاشية الصبان: ٢/ ٨٤. والتصريح: ٢/ ١٢٨. فائدة: إذا أتبعت المتصل المنصوب بمنفصل منصوب؛ نحو: رايتك إياك، فمذهب البصريين: أنه بدل، ومذهب الكوفيين: أنه توكيد. قال المصنف: وقولهم -عندي- أصح؛ لأن نسبة المنصوب المنفصل من المنصوب المتصل؛ كنسبة المرفوع المنفصل =
[ ٣ / ٣٠٣ ]
وإن كان ضميرا متصلا؛ وصل بما وصل به المؤكد؛ نحو: "عجبت منك منك".
وإن كان فعلا أو حرفا جوابيا فواضح؛ كقولك: "قام قام زيد" وقوله١: [الكامل]
٤٠٤- لا لا أبوح بحب بثنة إنها٢
_________________
(١) = من المرفوع المتصل؛ في نحو: فعلت أنت، والمرفوع تأكيد بإجماع. حاشية الصبان: ٣/ ٨٤. توجيه: لا يجوز حذف المؤكَّد وقيام المؤكِّد مقامه على الأصل؛ وأجاز الخليل ذلك؛ في نحو: مررت بزيد، وأتاني أخوه أنفسهما؛ على تقدير: هما صاحباي أنفسهما. حاشية الصبان: ٣/ ٨٤. ١ القائل هو: جميل بن معمر العذري، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: أخذت علي مواثقا وعهودا وهو من شواهد التصريح: ٢/ ١٢٩، والأشموني: ٨٠٨/ ٢/ ٤١١، والخزانة: ٢/ ٣٥٣، والعيني: ٤/ ١١٤، والهمع: ٢/ ١٢٥، والدرر: ٢/ ١٥٩، وحاشية يس: ٢/ ١٣٠ وديوان جميل: ٧٩. المفردات الغريبة: لا أبوح: لا أفشي ولا أظهر، من باح بسره، إذا أفشاه، وتكلم به، وأخبر عنه. بثنة: محبوبته، واسمها بثينة، وقد تصرف في اسمها تمليحا. مواثقا: جمع موثق؛ وهو العهد والميثاق. المعنى: لا أفشي، ولا أخبر أحدا بالحب الذي بيني وبين بثينة؛ لأنها أخذت علي عهدا مؤكدا ألا أبوح بحبها، ولا أظهره، ويجب أن أفي بعهدي لها. الإعراب: لا: حرف نفي، لا محل له من الإعراب. لا: توكيد للأول. أبوح: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنا. "بحب": متعلق بـ"أبوح"، وهو مضاف. بثنة: مضاف إليه مجرور وعلمة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف. إنها: حرف مشبه بالفعل، و"ها" في محل نصب اسمها. أخذت: فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هي. علي: متعلق بـ"أخذ". مواثقا: مفعول به لـ"أخذ" منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وقد صرفه الشاعر ونونه -وهو ممنوع من الصرف- لضرورة الشعر. وعهودا: الواو عاطفة، عهودا: اسم معطوف على قوله: "مواثق" منصوب مثله. =
[ ٣ / ٣٠٤ ]
وإن كان غير جوابي؛ وجب أمران: أن يفصل بينهما، وأن يعاد مع التوكيد ما اتصل بالمؤكد إن كان مضمرا، نحو: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ ١، وأن يعاد هو أو ضميره إن كان ظاهرا٢؛ نحو: "إن زيدا إن زيدا فاضل" أو "إن زيدا إنه فاضل"؛ وهو الأولى٣، وشذ اتصال الحرفين؛ كقوله٤: [الخفيف]
_________________
(١) = موطن الشاهد: "لا لا". وجه الاستشهاد: توكيد "لا" توكيدا لفظيا؛ وهي حرف جواب، لا تحتاج إلى الفصل بين المؤكَّد والمؤكِّد، ولا إلى شيء آخر؛ كالحروف غير الجوابية؛ فنستطيع أن نقول: لا لا، نعم نعم، نعم جير. فنعيد حرف الجواب بنفسه، أو بمرادفه، كما قال المضرس بن ربعي. وقلن على الفردوس أول مشرب أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره أوضح المسالك ٣/ ٣٣٩. ١ ٢٣ سورة المؤمنون، الآية: ٣٥. وجه الاستشهاد: وقوع "أنكم" الثانية مؤكدة لـ"أنكم" الأولى الواقعة مفعولا ثانيا لـ"يعد"؛ وفصل بينهما بالظرف وما بعده -إذا متم وكنتم ترابا وعظاما- وأعيد مع الثانية ما اتصل بالأولى؛ وهو الكاف والميم؛ لأنه مضمر؛ وحكم الفصل، وإعادة ما اتصل بالمؤكد الوجوب. التصريح: ٢/ ١٢٩. ٢ أي: يعاد لفظ المتصل بالحرف، أو ضميره؛ إن كان ما اتصل به الحرف اسما ظاهرا. ٣ أي: إعادة الضمير أولى وأفصح، من إعادة اللفظ؛ لأنه الأصل، ويلزم من إعادة اللفظ التكرار، وإيهام أن الثاني غير الأول، وبه جاء التنزيل، قال تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . أما إعادة الظاهر، فمن وضعه موضع المضمر. وفي توكيد الحرف، يقول ابن مالك: كذا الحروف غير ما تحصلا به جواب كنعم وكـ"بلى" فالمعنى: أن توكيد الضمير المتصل، لا يكون إلا بإعادته، وإعادة ما اتصل به -كما سبق- وكذلك الحروف غير الجوابية، لا يعاد لفظها إلا مع الاسم الظاهر المتصل بها، أو ضميره. أما حروف الجواب كـ"نعم" و"بلى"؛ فتعاد وحدها. حاشية الصبان: ٣/ ٨٢، والتصريح: ٢/ ١٢٨، ١٢٩. ٤ لم يُنسب البيت إلى قائل معين.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
٤٠٥- إن إن الكريم يحلم ما لم١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: يرين من أجاره قد ضيما وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٣٠، والأشموني: ٨٠٢/ ٢/ ٤١٠، والعيني: ٤/ ١٠٧ والهمع: ٢/ ١٢٥، والدرر: ٢/ ١٦١ وفيه برواية: أضيما. المفردات الغريبة: يحلم: من الحلم، وهو الأناة والتعقل. أجاره: جعله في جواره وحمايته. ضيم: مبني للمجهول، أي ظلم وبخس حقه. المعنى: أن الرجل الكريم الخلق الأبي الطيب النفس؛ يتحلى بالحلم، والصبر، والتعقل في أحواله، وتصرفاته؛ ما لم ير أن من أجاره، وجعله في حماه، قد ظُلم واعتُدي عليه؛ فعند ذلك، يذهب عنه حلمه ويبطش بهذا الظالم، المعتدي على ما التجأ إليه. الإعراب: إن: حرف مشبه بالفعل. إن: توكيد لـ"إن" الأولى. الكريم: اسم "إن" منصوب. يحلم: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، وجملة "يحلم": في محل رفع خبر "إن". ما لم: ما مصدرية ظرفية، لا محل لها من الإعراب، لم: حرف نفي وجزم وقلب. يرين: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، في محل جزم بـ"لم"، والنون: لا محل لها من الإعراب؛ والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه": في محل جر بالإضافة، بإضافة اسم زمان مقدر منصوب بـ"يحلم"؛ والتقدير: يحلم مدة عدم رؤيته. من: اسم موصول، مبني على السكون، في محل نصب مفعولا به، لـ"يرى". أجاره: فعل ماضٍ والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، والهاء: ضمير متصل مبني على الضم، في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "أجاره": صلة للموصول، لا محل لها. قد: حرف تحقيق. ضيما: فعل ماضٍ، مبني للمجهول، ونائب الفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو؛ والألف للإطلاق؛ وجملة "ضيما": في محل نصب حال، وأما إن عدت "يرى" قلبية علمية؛ كان الاسم الموصول مفعولا أول لها، وجملة "قد ضيما": في محل نصب مفعولا ثانيا. موطن الشاهد: "إن إن". وجه الاستشهاد: توكيد الحرف "إن" بإعادته من غير فاصل بينهما مع أنه ليس من حروف الجواب، وهذا التوكيد شاذ، ولا يقاس عليه.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
وأسهل منه قوله١: [الرجز]
٤٠٦- حتى تراها وكأن وكأن٢
لأن المؤكد حرفان؛ فلم يتصل لفظ بمثله، وأشد منه قوله٣: [الوافر]
٤٠٧- ولا للما بهم أبدا دواء٤
_________________
(١) ١ القائل: قيل هو الأغلب العجلي، وقيل هو: خطام المجاشعي. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز المشطور، في وصف إبل، وبعده قوله: أعناقها مشددات بقرن وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٣٠، والأشموني: ٨٠٣/ ٢/ ٤١٠، والعيني: ٤/ ١٠٠، والهمع: ٢/ ١٢٥، والدرر: ٢/ ١٦٠. المفردات الغريب: أعناقها: جمع عنق -وهو الرقبة. قرن: حبل تربط به الإبل، ويقرن بعضها إلى بعض. المعنى: يصف إبلا في سرعة سيرها وانتظامه فيقول: إن أصحاب هذه الإبل، يستحثونها على السير، بنظام واعتدال، حتى إن من يراها يظن أن أعناقها مربوط بعضها إلى بعض بحبال؛ لانتظامها على السير. الإعراب: حتى: حرف غاية وجر. تراها: فعل مضارع -يقصد به هنا حكاية الحال- مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنت و"ها" في حل نصب مفعولا به. وكأن: الواو واو الحال، كأن: حرف مشبه بالفعل. كأن: توكيد للأولى، وخففت لضرورة الشعر. أعناقها: اسم "كأن"، و"ها" في محل جر مضاف إليه. مشددات: خبر كأن مرفوع. "بقرن": متعلق بقوله: "مشددات"، وسكن "قرن"؛ لضرورة الشعر. موطن الشاهد: "وكأن وكأن". وجه الاستشهاد: تأكيد "كأن" بمثلها، مع عدم الفاصل، بمعمول الأولى، مع أنها ليست من أحرف الجواب؛ غير أن هذا الشذوذ أخف من سابقه؛ لأنه فصل بين اللفظين بواو العطف. ٣ القائل: هو مسلم بن معبد الوالبي الأسدي، شاعر اشتهر في العصر الأموي؛ أورد له صاحب الخزانة قصيدة همزية في خبر إبل له. خزانة الأدب: ١/ ٣٦٤، الأعلام: ٧/ ٢٢٣. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فلا والله لا يلفى لما بي =
[ ٣ / ٣٠٧ ]
لكون الحرف على حرف واحد.
وأسهل منه قوله١: [الطويل]
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٣٠، والأشموني: ٨٠٦/ ٢/ ٤١٠، ومعاني الفراء: ١/ ٦٨، والمحتسب: ٢/ ٢٥٦، والخصائص: ٢/ ٢٨٢، والإنصاف: ١/ ٥٧١، وشرح المفصل: ٧/ ١٨، ٨/ ٤٣، ٩/ ١٥، والمقرب: ٥١، والخزانة: ١/ ٣٦٤، ٢/ ٣٥، ٤/ ٢٧٣، والعيني: ٤/ ١٠٢، والهمع: ٢/ ٧٨، ١٢٥، ١٥٨، والدرر: ٢/ ٩٥، ١٦١، ٢٢١، والمغني: ٣٢٨/ ٢٤٠، ٣٣٤/ ٢٤٢، ٦٥٥/ ٤٦٢، والسيوطي: ١٧٢، ٢٦٢. المفردات الغريبة: لا يلفى: لا يوجد، من ألفى، إذا وجد. لما بي؛ أي: للذي بي. المعنى: يقسم أنه لا يوجد للذي به من الموجدة والألم، ولا للذي عند خصومه من الحقد والضغينة علاج، وليس هنالك أمل، في المودة، والمصالحة، وإزالة الأحقاد، والضغائن، بعد أن تفاقم الخطب وعظم الخلاف. الإعراب: فلا: الفاء عاطفة، لا: نافية. والله: الواو حرف قسم وجر، و"اسم الجلالة": مقسم به مجرور؛ و"والله": متعلق بفعل قسم محذوف. لا: نافية. يلفى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر. "لما بي": متعلق بـ"يلفى". "بي": متعلق بمحذوف صلة الموصول. ولا: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي. للما: اللام الأولى حرف جر، واللام الثانية توكيد للأولى؛ و"ما" اسم موصول بمعنى الذي مبني على السكون في محل جر باللام الأولى؛ و"للما": معطوف بالواو على "لما بي". "بهم": متعلق بمحذوف صلة. "أبدا": متعلق بـ"يلفى". دواء: نائب فاعل مرفوع. موطن الشاهد: "للما". وجه الاستشهاد: مجيء اللام الثانية توكيدا للأولى الجارة من دون أن يفصل بينهما فاصل؛ ومعلوم أن اللام، ليست من أحرف الجواب؛ وحكم هذا التأكيد: أنه بالغ الشذوذ؛ لأن الحرف المؤكد موضوع على حرف هجائي واحد، لا يكاد يقوم بنفسه؛ والصواب أن يقول: لما لما بهم. ١ القائل: هو: الأسود بن يعفر التميمي: أبو نهشل، شاعر جاهلي، من سادات تميم ومن أهل العراق، كان فصيحا جوادا، نادم النعمان بن المنذر، ولما أسن كف بصره. ويقال له: "أعشى بني نهشل". مات سنة ٢٢ق. هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٢٥٥، تجريد الأغاني: ١٤٤٦، الجمحي: ١٤٧، الأعلام: ١/ ٣٣٠. السمط: ٢٤٨.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
٤٠٨- فأصبح لا يسألنه عن بما به١
لأن المؤكد على حرفين؛ ولاختلاف اللفظين.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: أصعد في علو الهوى أم تصوبا وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٣٠، والأشموني: ٧٠٨/ ٢/ ٤١١، والمغني: ٦٥٦/ ٤٦٢. المفردات الغريبة: أصعد: أرتفع وأرتقى. تصوبا: نزل وتسفل. المعنى: أن هؤلاء الغواني أصبحن -بعد أن وخط المحب الشيب، وهذا الكبر ونالت منه الشيخوخة- لا يكترثن به ولا يملن إليه، ولا يسألن عما به من ضعف أو غيره؛ وهل لا يزال يحلق في الهوى والحب؟ أم نزل وهبط ونسي كل شيء؟. الإعراب: فأصبح: الفاء عاطفة، أصبح: فعل ماضٍ ناقص، واسمه ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو. لا: نافية. يسألنه: فعل مضارع مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة، والنون في محل رفع فاعل، والهاء: في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "لا يسألنه": في محل نصب خبر "أصبح". عن: حرف جر. بما: الباء حرف جر بمعنى "عن" توكيد لفظي لـ"عن"، و"ما" اسم موصول مبني على السكون في محل جر بـ"عن"، و"بما": متعلق بـ"يسأل". "به": متعلق بمحذوف صلة الموصول. موطن الشاهد: "عن بما". وجه الاستشهاد: تأكيد "عن" الجارة بلفظ مرادف؛ هو الباء التي بمعنى "عن"؛ وهذا شاذ لعدم الفاصل، غير أنه أهون من سابقه؛ لأن الحرف المؤكد "عن" موضوع على حرفين؛ ولأن اللفظين مختلفان، وإن اتفقا في المعنى. فوائد وتوجيهات: أ- يمتنع حذف المؤكد لفظيا؛ لأن حذفه منافٍ لتكراره. ب- من الأساليب الصحيحة: جاء القوم بأجمعهم، وتعرب "أجمع" توكيدا مجرور اللفظ، بالباء الزائدة، في محل رفع، أو نصب، أو جر؛ على حسب حالة المؤكد "المتبوع"؛ وبعضهم يعربها: بدلا -وإن كانت تؤدي معنى التوكيد-؛ ولا بد من إضافتها إلى ضمير مطابق للمتبوع. ج- لا يفصل بين المؤكَّد والمؤكِّد، "بإما" على الأصح؛ وأجاز الفراء: مررت بالقوم، إما أجمعين، وإما بعضهم. د- لا يلي العامل شيء من ألفاظ التوكيد -وهو على حاله في التوكيد- إلا "جميعا"، و"عامة" مطلقا؛ فتقول: القوم، قام جميعهم، وعامتهم؛ ورأيت جميعهم، وعامتهم؛ ومررت بجميعهم، وعامتهم. حاشية الصبان: ٣/ ٨٤.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
هذا باب العطف
[باب عطف البيان١]
[عطف البيان وتعريفه]:
وهو ضربان: عطف نسق، وسيأتي، وعطف بيان٢؛ وهو "التابع٣ المشبه للصفة في توضيح متبوعه٤؛ إن كان معرفة؛ وتخصيصه إن كان نكرة".
والأول٥: متفق عليه، كقوله: [مشطور الرجز]
٤٠٩- أقسم بالله أبو حفص عمر٦
والثاني٧: أثبته الكوفيون وجماعة وجوزوا أن يكون منه: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ
_________________
(١) ١ العطف -في الأصل- مصدر قولك: "عطفت" الشيء؛ إذا ثنيته، فجعلت أحد طرفيه على طرفه الآخر، وعطف الفارس على قرنه إذا التفت إليه. وأطلق على التابع المذكور؛ لأن المتكلم رجع إلى الأول فأوضحه بالثاني، أو أشركه معه في الحكم. ٢ إنما سمي بذلك؛ لأن اللفظ الثاني تكرار للفظ الأول، ويشبه أن يكون مرادفا؛ للأول؛ لأن الذات المدلول عليها باللفظين واحدة، وإنما يؤتى بالثاني لزيادة البيان. ٣ يشترط فيه أن يكون جامدا، بخلاف النعت؛ فإنه لا يكون إلا مشتقا، أو مؤولا به. ٤ النعت يوضح متبوعه ببيان صفة من صفاته، ومعنى فيه، أو في سببيه. أما عطف البيان؛ فيوضح متبوعه ويزيل عنه شائبة الإبهام بنفسه. ضياء السالك: ٣/ ١٣٧. ٥ وهو توضيح ذات متبوعه المعرفة، وإزالة ما قد يصيبها من الشيوع بسبب تعدد مدلولها. ٦ هذا الرجز لأعرابي؛ اسمه عبد الله بن كيسبة، وبعد الشاهد قوله: ما مسها من نقب ولا دبر فاغفر له اللهم إن كان فجر وقد مر تخريج هذا البيت والتعليق عليه في باب العلم. موطن الشاهد: "أبو حفص عمر". وجه الاستشهاد: وقوع "عمر" عطف بيان -وهو معرفة- على "أبو حفص"، وهو علم معرفة؛ وقصد به الإيضاح؛ وفي البيت شاهد آخر على تقدم الكنية على الاسم. ٧ وهو تخصيص النكرة، فقد نفاه البصريون، وأثبته الكوفيون، وبعض البصريين =
[ ٣ / ٣١٠ ]
مَسَاكِينَ﴾ ١، فيمن نون كفارة، ونحو: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ ٢، والباقون: يوجبون في ذلك البدلية٣، ويخصون عطف البيان بالمعارف٤.
[ما يوافق فيه متبوعه]:
ويوافق متبوعه في أربعة من عشرة أوجه الإعراب الثلاثة، والإفراد، والتذكير، والتنكير٥، وفروعهن، وقول الزمخشري٦: إن ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٧
_________________
(١) = المتقدمين كالفارسي، وابن جني، وبعض المتأخرين كالزمخشري وابن عصفور، والناظم وابنه. التصريح: ٢/ ١٣١، والأشموني: ٢/ ٤١٣. ١ ٥ سورة المائدة، الآية: ٩٥. موطن الشاهد: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف "طعام" عطف بيان على "كفارة"؛ وكلاهما نكرة؛ على رأي الكوفيين ومن معهم من البصريين؛ كأبي علي الفارسي وابن جني، ومن المتأخرين كالزمخشري، وابن مالك وابنه؛ خلاف لبقية البصريين؛ الذي يعدون ذلك بدل كل من كل. ٢ ١٤ سورة إبراهيم، الآية: ١٦. موطن الشاهد: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "صديد" عطف بيان على "ماء" كما في الآية السابقة، والبصريون يعدون ذلك بدل كل من كل، كما أسلفنا. ٣ أي: بدل كل من كل، وقال ابن عصفور: إن هذا مذهب أكثر النحويين، ونسبه الشلوبين إلى البصريين. ٤ حجتهم: أن عطف البيان -كاسمه- يقصد به البيان والإيضاح، والنكرة مجهولة؛ والمجهول لا يعين المجهول. ويقول المجيزون: إن بعض النكرات، قد يكون أخص من بعض. فلا مانع من أن يبين الأخص غيره، والتخصيص نوع من البيان والإيضاح. التصريح: ٢/ ١٣١. ٥ هذا هو الغالب، ويصح تخالفهما تعريفا وتنكيرا؛ بشرط أن يكون التابع هو المعرفة؛ ليتحقق الغرض من عطف البيان. وقد يقع عطف البيان بعد "أي" المفسرة؛ نحو: هذا الخاتم لجين؛ أي فضة، ويجوز أن يعرب في هذه الصورة بدلا. ٦ مرت ترجمته. ٧ ٣ سورة آل عمران، الآية: ٩٧. =
[ ٣ / ٣١١ ]
عطف على ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ مخالف لإجماعهم١؛ وقوله وقول الجرجاني٢: يشترط كونه أوضح من متبوعه مخالف لقول سيبويه في "يا هذا ذا الجمة": إن "ذا الجمة" عطف بيان مع أن الإشارة أوضح من المضاف إلى ذي الأداة٣.
[جواز إعراب عطف البيان بدل كل وشروطه]:
ويصح في عطف البيان أن يعرب بدل كل٤، إلا إن امتنع الاستغناء عنه٥؛
_________________
(١) = موطن الشاهد: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ . وجه الاستشهاد: ذهب الزمخشري إلى أن "مقام إبراهيم": عطف بيان على "آيات بينات" مع أنه مخالف لآيات في التنكير والتأنيث والجمع؛ والمراد بالآيات: أثر القدم في الصخرة. وقد رد الجمهور على الزمخشري بالآتي: الحاشية رقم "١". ١ إن المانع من أن يكون قوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ . بيانا لقوله: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ وهو ما خالف به الزمخشري إجماع النحاة، يظهر في المخالفة بين البيان والمبين من ثلاثة أوجه؛ فقوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ . معرفة بالإضافة إلى العلم، ومذكر، ومفرد. وقوله: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: نكرة؛ ومؤنث، وجمع. ومن جهة أخرى، لا يجوز أن يكون ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ بدل كل من كل؛ لأن شرط هذا البدل: أنه إذا كان المبدل منه دالا على متعدد أن يكون البدل وافيا بالعدة. وقوله: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: جمع؛ وأقل ما يدل عليه الجمع ثلاثة، ولم يذكر في الآية إلا واحد فلم يتحقق شرط البدل. وقيل: يجوز أن يكون بدل بعض من كل؛ كما صرح به البيضاوي، ولا يلزم في بدل البعض من كل شيء مما ذكر؛ وقيل: بدل كل من كل؛ وبه يتأول: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ بأنه مفرد في اللفظ؛ ولكن له جهات متعددة، تجعله في حكم الجمع؛ فإن الآيات المتعددة فيه: أثر القدم في الصخرة الصماء. وغوصه فيها إلى الكعبين؛ وكونها قد خصت بذلك من بين الصخور، وبقاؤه دون آثار الأنبياء، وحفظه. أي: أن قوله تعالى: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، يجوز أن يكون بدلا على تأويل البيضاوي، فيتعين أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف؛ والتقدير: بعضها. مقام إبراهيم؛ أو منها مقام إبراهيم. التصريح، وحاشية يس على التصريح: ٢/ ١٣١-١٣٢. ٢ مرت ترجمته. ٣ لم يعرب سيبويه "ذا الجمة": نعتا؛ لأن نعت اسم الإشارة، لا يكون إلا محلى بأل. ٤ وذلك، إذا قصد به ما يقصد بالبدل، وحينئذ، يتعين كونه بدلا. ٥ أي: فيمتنع أن يكون بدلا؛ ومن ذلك -غير ما سيذكره الناظم- أن تفتقر جملة الخبر.
[ ٣ / ٣١٢ ]
نحو: "هند قام زيد أخوها"، أو إحلاله محل الأول؛ نحو: "يا زيد الحارث" وقوله١: [الطويل]
٤١٠- أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا٢
_________________
(١) = إلى رابط؛ وهو في التابع، كمثال المؤلف؛ فـ"أخوها": يتعين كونه عطف بيان؛ لأنه لو أعرب بدلا؛ لخلت جملة الخبر من الرابط؛ لأن البدل على نية تكرار العامل على الصحيح؛ فهو من جملة أخرى، وكذلك جملة الصلة، والصفة؛ نحو: حضر الذي -أو رجل- ضرب محمد أخوه؛ وجملة الحال؛ نحو: هذا محمد قام رجل أخوه. وانظر التصريح: ٢/ ١٣٢. وحاشية الصبان: ٣/ ٨٥-٨٦. ١ القائل: هو: طالب بن أبي طالب بن عبد المطلب، أخو أمير المؤمنين علي، وابن عم النبي ﵊. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت من كلمة يمدح فيها الرسول ﷺ ويبكي أصحاب القليب من قريش، وعجزه: أعيذكما بالله أن تحدثا حربا وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٣٢، والأشموني: ٨١١/ ٢/ ٤١٤، والعيني: ٤/ ١١٩، والهمع: ٢/ ١٢١، والدرر: ٢/ ١٥٣، والسيرة النبوية "بولاق": ٢/ ٦٢. المفردات الغريبة: عبد شمس: فصيلة من قريش؛ منهم بنو أمية. نوفل: فصيلة أخرى من قريش أيضا أعيذكما بالله. يريد: ألجأ إلى الله من أجلكما، أو أحصنكما بالله وأجعلكما في رعايته، مخافة أن تشعلا نار الحرب بينكما. المعنى: واضح. الإعراب: أيا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. أخوينا: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى، و"نا" في محل جر بالإضافة. عبد: عطف بيان على "أخوينا" منصوب مثله، وهو مضاف. شمس: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. ونوفلا: الواو عاطفة، نوفلا: اسم معطوف على عبد شمس، والمعطوف على المنصوب منصوب مثله، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. أعيذكما: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنا، و"كما": ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعولا به. "بالله": متعلق بـ"أعيذ". أن: حرف مصدري ونصب، لا محل له من الإعراب. تحدثا: فعل مضارع منصوب بـ"أن" وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف: ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل؛ والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": في =
[ ٣ / ٣١٣ ]
وقوله١: [الوافر]
٤١١- أنا ابن التارك البكري بشر٢
_________________
(١) = محل جر بحرف جر محذوف؛ والتقدير: أعيذكما بالله من إحداثكما حربا؛ و"من إحداثكما": متعلق بـ"أعيذ"؛ وجملة "تحدثا حربا"؛ صلة للموصول الحرفي، لا محل لها. موطن الشاهد: "عبد شمس ونوفلا". وجه الاستشهاد: تعين كون "عبد شمس" عطف بيان على "أخوينا" و"نوفلا" معطوفا عطف نسف بالواو عليه؛ ولا يجوز أن يكون "عبد شمس" بدلا؛ لعدم صحة حلوله محل "أخوينا"؛ لأن ذلك يستلزم ضم "نوفل" المعطوف عليه؛ لأنه مفرد علم، يستحق البناء على الضم؛ كما لو أنه منادى مستقل؛ لأن أخوينا منادى و"عبد شمس" تابع للمنادى، ونوفل تابع لتابع المنادى؛ وحكم تابع المنادى، إذا كان عطف بيان أن يتبع بالنصب، إما على محل المنادى؛ أو لفظه، وإذا كان بدلا أن يعامل معاملة المنادى المستقل؛ بسبب كون البدل على نية تكرار العامل؛ فكأنه مسبوق بحرف نداء؛ ولهذا، كان يجب أن يضم "نوفل" والرواية بالنصب. ولهذا، لما لم يجز أن يجعل "نوفلا" بدلا؛ التزم في "عبد شمس" إلا يكون بدلا أيضا. الدرر اللوامع: ٢/ ١٥٣. ١ القائل: هو المرار بن سعيد بن نضلة بن الأشتر الفقعسي، ويكنى أبا حسان، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية؛ له شعر كثير منه ما كان يهاجي به مساور بن هند؛ وهو صاحب أكرم بيت قالته العرب، وكان قصير القامة مفرطا في القصر ضئيلا. الشعر والشعراء: ٢/ ٦٩٩، والأغاني: ٩/ ١٥١، والخزانة: ٢/ ١٩٣، والأعلام: ٧/ ١٩٩. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: عليه الطير ترقبه وقوعا البيت من كلمة يفتخر فيها الشاعر بأن جده خالد بن نضلة، قتل بشر بن عمرو بن مرثد زوج الخرنق، أخت طرفة بن العبد البكري الشاعر المشهور؛ وذلك في يوم القلاب. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٣٣، وابن عقيل: ٢٩٣/ ٣/ ٢٢، والأشموني: ٨١١/ ٢/ ٤١٤، والشذور: ٢٣٠/ ٥٦٦، والقطر: ١٣٩/ ٤٠٠، وسيبويه: ١/ ٩٣، وشرح المفصل: ٣/ ٧٢، والمقرب: ٥٣، والخزانة: ٢/ ١٩٣، و٣٦٤، ٣٨٣، والعيني: ٤/ ١٢١، والهمع: ١٢٢، والدرر: ٢/ ١٥٣. المفردات الغريبة: تارك: اسم فاعل من ترك. البكري: المنسوب إلى بكر بن وائل؛ =
[ ٣ / ٣١٤ ]
وتجوز البدلية في هذا عند الفراء؛ لإجازته "الضارب زيد"، وليس بمرضي١.
_________________
(١) = وهي قبيلة مشهورة، منها جساس بن مرة قاتل كليب بن وائل. ترقبه: تنتظره، ويروى بدله: "تركبه". المعنى: يصف الشاعر نفسه بالشجاعة، وأنه ابن الذي ترك البكري بشرا مجندلا في العراء مثخنا بالجراح، في حالة يرثى لها، تنتظر الطير خروج روحه لتهبط عليه وتنهش من جسده؛ فهو شجاع من نسل شجعان. الإعراب: أنا: ضمير رفع منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ابن: خبر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف. التارك: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف. البكري: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ وهو من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله. بشر: عطف بيان على البكري مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. "عليه": متعلق بمحذوف خبر مقدم. الطير: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "عليه الطير": في محل نصب مفعولا ثانيا لـ"التارك". ترقبه: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هي، والهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "ترقبه": في محل نصب على الحال. وقوعا: حال منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره؛ ويجوز أن يكون مفعولا لأجله؛ حذف متعلقه؛ والتقدير: ترقبه لأجل وقوعها عليه. موطن الشاهد: "البكري بشر". وجه الاستشهاد: تعين كون "بشر" عطف بيان؛ لأنه لو أعرب بدلا؛ والبدل على نية تكرار العامل؛ لكان التقدير: أنا ابن التارك البكري، التارك بشر؛ وعلى هذا، فيضاف الوصف المقترن بـ"أل" إلى اسم مجرد منها، ومن الإضافة إلى المقترن بها، أو إلى ضميره؛ وذلك غير جائز، كما رأينا في باب الإضافة. فائدة: جوز الفراء إضافة الوصف المقترن بـ"أل" إلى الاسم العلم -وعلى مذهبه- يجوز أن يكون "بشر" في البيت الشاهد بدلا؛ ولكنه رأي ضعيف خلاف الأولى. ١ على الرغم من المشابهة الكبيرة بين عطف البيان، وبدل الكل من الكل في المعنى والإعراب، فإن عطف البيان؛ يقصد به إيضاح الذات نفسها، أو تخصيصها لا أمرا عرضيا طارئا عليها؛ فهو بمنزلة التفسير للمتبوع؛ أما البدل؛ فيدل على ذات المتبوع بلفظ آخر يساويه في المعنى؛ بحيث يقع اللفظان على ذات واحدة وفرد معين واحد في حقيقته، ولا شأن له بالإيضاح والتخصيص. ويذكر النحاة فروقا آخر بينهما من جهة الصناعة؛ منها: أن عطف البيان، لا يكون ضميرا، ولا تابعا لضمير؛ ولهذا، =
[ ٣ / ٣١٥ ]
_________________
(١) = امتنع إعراب "مخصوص حبذا" عطف بيان، ولا مخالفا لمتبوعه في التعريف والتنكير على الصحيح. ولا يقع جملة، ولا تابعا لجملة، ولا فعلا، ولا تابعا لفعل. وأنه لا يلحظ فيه إحلاله محل الأول؛ بخلاف البدل في ذلك كله، وفي بعض تلك الأمور خلاف بين العلماء؛ ولهذا يرى الإمام الرضي وفريق من النحاة: أنه لا فرق بين عطف البيان والبدل؛ فإن المشابهة بينهما تامة. وما ذكر من الفروق مبني على دعوى أن البدل على نية تكرار العامل؛ وهي دعوى، لا تثبت عند التمحيص، على أنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، أي يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع. الأشموني: ٢/ ٤١٤، والتصريح، وحاشية يس: ٢/ ١٣٣-١٣٤.
[ ٣ / ٣١٦ ]
[باب عطف النسق]
هذا باب عطف النسق١:
[تعريف عطف النسق]:
وهو "تابع يتوسط بينه وبين متبوعه أحد الأحرف الآتي ذكرها"٢.
[نوعا أحرف العطف]:
وهي نوعان: ما يقتضي التشريك في اللفظ والمعنى٣؛ إما مطلقا؛ وهو الواو
_________________
(١) ١ النسق، بالفتح: اسم مصدر، يقال: كلام نسق إذا جاء على نظام واحد. أما النسق: بفتح النون وسكون السين؛ فهو مصدر قولك: "نسقت الكلام" إذا عطفت بعضه على بعض، ولم يقل أحد من النحاة إلا بفتح النون والسين وكأنهم أخذوه من قولهم: "كلام نسق"؛ أي: على نظام واحد، والنظام الواحد؛ هو علامات الإعراب التي يشترك فيها المعطوف والمعطوف عليه؛ ولهذا، المعنى سماه سيبويه: "باب الشركة". التصريح، وحاشية يس: ٢/ ١٣٤. ٢ أخرج المصنف بقوله: "يتوسط" التوابع كلها ما عدا عطف النسق؛ بالقيد بالحروف المخصوصة ما بعد "أي" التفسيرية؛ فإنه عطف بيان، وهذا مذهب البصريين، وليس في العربية -عندهم- عطف بيان يتوسط بينه وبين متبوعه حرف إلا نحو "لقيت الغضنفر أي الأسد"؛ وقد ذهب الكوفيون: إلى أن "أي" حرف عطف كسائر الحروف؛ فمدخولها -عندهم- عطف نسق. التصريح: ٢/ ١٣٤. ٣ أما في اللفظ فبوجوه الإعراب. وأما في المعنى؛ فباحتمال كل من المتعاطفين للمعنى المراد.
[ ٣ / ٣١٧ ]
والفاء و"ثم" و"حتى"١؛ وإما مقيدا؛ وهو "أو" و"أم"٢؛ فشرطهما: أن لا يقتضيا إضرابا٣، وما يقتضي التشريك في اللفظ دون المعنى؛ إما لكونه يثبت لما بعده ما انتفى عما قبله؛ وهو "بل" عند الجميع، و"لكن" عند سيبويه وموافقيه٤؛ وإما لكونه بالعكس؛ وهو "لا" عند الجميع، و"ليس" عند البغداديين؛ كقوله٥: [الرمل]
٤١٢- إنما يجزي الفتى ليس الجمل٦
_________________
(١) ١ خالف في "حتى" الكوفيون؛ فعندهم لا تكون حرف عطف؛ بل هي حرف ابتداء دائما، ويقدرون عاملا لما بعدها، تتم به الجملة؛ ففي مثل: قدم الحجاج حتى المشاة، يقدرون: حتى قدم المشاة. التصريح: ٢/ ١٣٤، ورصف المباني: ١٨٠، والجنى الداني: ٥٤٢. ٢ ذهب أبو عبيدة إلى أن "أم" حرف استفهام؛ كالهمزة، فإذا قلت: أقادم أبوك أم أخوك"؛ فأخوك -عنده- ليس معطوفا على السابق؛ بل هو مبتدأ، وخبره محذوف. وتقدير الكلام -عنده- أقادم أبوك أم أخوك قادم، وتقدر في النصب والجر عاملا مناسبا. مغني اللبيب: ٦٦، والجنى الداني: ٢٠٤، ورصف المباني: ٩٣. ٣ فإن اقتضيا إضرابا؛ كانا مشركين في اللفظ فقط؛ مثل: "بل". ٤ ذهب يونس بن حبيب؛ إلى أن "لكن": حرف استدراك، ولا تكون حرف عطف؛ وتأتي الواو قبلها عند إرادة العطف؛ فتكون هذه الواو عاطفة لمفرد على مفرد. وإلى هذا، ذهب ابن مالك؛ في التسهيل. واختلف القائلون بأنها حرف عطف؛ فذهب الفارسي وأكثر النحويين: إلى جواز ذلك بشرط؛ ألا تقدمها الواو. وما ذهب إليه ابن عصفور من أنها عاطفة لا تستعمل إلى بالواو الزائدة قبلها لزوما؛ وزعم أن كلام سيبويه والأخفش محمول عليه؛ وذهب ابن كيسان إلى أنها عاطفة تقدمتها الواو أم لم تتقدمها. مغني اللبيب: ٣٨٦، والتصريح: ٢/ ١٣٥، الجنى الداني: ٥٨٦، رصف المباني: ٤٧٤. ٥ القائل: هو لبيد بن ربيعة العامري، وقد مرت ترجمته. ٦ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: وإذا أقرضت قرضا فاجزه وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٩١، ٢/ ١٣٥، وسيبويه: ١/ ٣٧٠، والمقتضب: =
[ ٣ / ٣١٨ ]
[أحكام الواو]:
فصل: أما الواو فلمطلق الجمع١؛ فتعطف متأخرا في الحكم؛ نحو: ﴿وَلَقَدْ
_________________
(١) = ٤/ ٤١٠، ودلائل الإعجاز: ٢٩٩، والخزانة: ٤/ ٦٨، ٤٧٧، والعيني: ٤/ ١٧٦، ومجالس ثعلب: ٥١٥، وديوان لبيد: ١٧٩. المفردات الغريبة: أقرضت قرضا: أعطيت شيئا من المال على سبيل القرض لتؤديه بعد، والمراد: إذا قدمت إليك معونة ما، أو صنع معك معروف؛ فاجزه: كافئ صاحبه. الفتى: الإنسان. الجمل: الحيوان المعروف، وقد يراد بالفتى الشاب الذي في طراوة الشباب، وبالجمل: الرجل الذي تقدمت به السن. المعنى إذا أسدى إليك أحد يدا، أو صنع معك معروفا، فكافئه بمثله، أو بخير منه، فإن هذا شأن الشاب القادر الخير؛ أما من كان كالجمل في اللؤم والخداع، أو من ضعف وقعدت به السن، فلا يجازي على المعروف إلا مضطرا. الإعراب: إذا ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية. أقرضت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الفتح، في محل رفع نائب فاعل. قرضا: مفعولا مطلق منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ وجملة "أقرضت قرضا": في محل جر بالإضافة بعد إذا. فاجزه: الفاء واقعة في جواب الشرط غير الجازم، اجز: فعل أمر مبني على حذف الياء، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنت؛ والهاء: ضمير متصل مبني على الكسر، في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "اجزه": جواب شرط غير جازم، لا محل لها. إنما: أداة حصر، لا محل لها. يجزي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل. الفتى: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر. ليس: حرف عطف بمعنى "لا" على مذهب البغداديين. الجمل: اسم معطوف على الفتى مرفوع مثله، وعلامة رفعه الضمة، وسكن لضرورة الروي. موطن الشاهد: "ليس الجمل". وجه الاستشهاد: استعمال "ليس" حرف عطف بمعنى "لا"؛ لتنفي صنع الخبر الذي ثبت لما قبلها؛ وهذا على رأي البغداديين، تبعا لابن عصفور؛ ونقله أبو جعفر النحاس، وابن بابشاذ عن الكوفيين، وجرى عليه الناظم في التسهيل. ويخرج المانعون الشاهد كما يلي: ليس: فعل ماضٍ ناقص، والجمل: اسمها، وخبرها: محذوف؛ والتقدير: ليس الجمل جازيا. انظر شرح التصريح: ٢/ ١٣٥. ١ أي: الاجتماع والاشتراك بين المتعاطفين في المعنى والحكم، من غير دلالة على مصاحبة، أو ترتيب زمني، أو مهلة، أو نحو ذلك. وقد خالف في ذلك بعض الكوفيين وقطرب وثعلب والربعي والفراء والكسائي وابن =
[ ٣ / ٣١٩ ]
أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ ١، ومتقدما؛ نحو: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ٢، ومصاحبا؛ نحو: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ ٣.
[ما تنفرد به الواو]
وتنفرد الواو٤ بأنها تعطف اسما على اسم لا يكتفي الكلام به كـ"اختصم
_________________
(١) = درستويه؛ فذهبوا جميا إلى أنها تفيد الترتيب؛ والتعبير بمطلق الجمع مساوٍ للتعبير بالجمع المطلق من حيث المعنى. التصريح: ٢/ ١٣٥. ١ ٥٧ سورة الحديد، الآية: ٢٦. موطن الشاهد: ﴿نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الواو حرف عطف لمطلق الجمع، عطف المتأخر في الحكم "إبراهيم" على "نوحا" المتقدم. ٢ ٤٢ سورة الشورى، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الواو حرف عطف لمطلق الجمع، عطف متقدم في الحكم على متأخر؛ لأن "الذين" معطوف على "الكاف" في إليك مع إعادة الجار. ٣ ٢٩ سورة العنكبوت، الآية: ١٥. موطن الشاهد: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الواو حرف عطف لمطلق الجمع، عطف أصحاب السفينة على الهاء عطف مصاحب، والسفينة: مضاف إليه. ٤ أي: من بين سائر حروف العطف؛ ومن المواضع التي انفردت بها الواو: أ- عطف سببي على أجنبي -في باب الاشتغال-؛ نحو قولك: زيد ضربت عمرا وأخاه. ب- عطف المرادف على مرادفه؛ نحو قوله تعالى: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ . ج- عطف عامل قد حذف وبقي معموله، نحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ . د- جواز الفصل بين المتعاطفين بها بالظرف أو "الجار والمجرور"؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ . هـ- جواز العطف بها على الجواز في الجر خاصة؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ في قراءة جر "الأرجل". =
[ ٣ / ٣٢٠ ]
_________________
(١) = وجواز حذفه عند أمن اللبس؛ نحو قول الشاعر: كيف أصبحت كيف أمسيت مما يغرس الود في فؤاد الكريم ز- وقوع "لا" بينها وبين المعطوف بها؛ وذلك إذا عطفت مفردا على مفرد، بعد النهي والنفي، أو ما هو في تأويل النفي؛ فالأول؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾، والثاني: كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، والثالث: كقوله ﷻ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ . ح- وقوع "إما" بينها وبين معطوفها، إذا عطفت مفردا على مفرد، ويغلب أن تكون مسبوقة بـ"إما" أخرى -نحو قوله- تباركت أسماؤه: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾؛ ونحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ . ط- عطف "لفظ العقد" على "النيف"؛ نحو قولك: أعطيته ثلاثة وعشرين قلما. ي- عطف النعوت المتفرقة، نحو قول الشاعر: بكيت وما بكا رجل حزين على ربعين مسلوب وبال ك- عطف ما كان حقه أن يثنى أو يجمع؛ فالأول، كقول الفرزدق: إن الرزية لا رزية بعدها فقدان مثل محمد ومحمد فمن حقه أن يقول: فقدان مثل المحمدين -بالتثنية- ولكنه عطف أحدهما على الآخر. ومثال الثاني؛ كقول أبي نواس: أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ويوما له يوم الترحل خامس فالأصل أن يقول: أقمنا بها ثمانية أيام. ل- عطف العام على الخاص؛ كقوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فـ"المؤمنين" و"المؤمنات" أعم ممن دخل بيته مؤمنا. وأما عطف الخاص على العام؛ أن يكون بالواو، كما في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾، ويجوز أن يكون بـ"حتى"؛ نحو قولك: مات الناس حتى الأنبياء. م- امتناع الحكاية مع وجودها: فإن قيل: رأيت زيدا؛ جاز في الإجابة القول: من زيدا؟ بالحكاية من غير الواو؛ فإذا جئت بالواو؛ لم تجز الحكاية، ووجب أن ترفع زيدا، فتقول: ومن زيد؟ وفي هذا الموضع نقد؛ حاصله: أن الفاء، تشارك الواو فيه. ن- العطف في بابي "التحذير والإغراء"؛ نحو قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ . =
[ ٣ / ٣٢١ ]
زيد وعمرو" و"تضارب زيد وعمرو" و"اصطف زيد وعمرو" و"جلست بين زيد وعمرو"، إذ الاختصام والتضارب والاصطفاف والبينية من المعاني النسبية التي لا تقوم إلا باثنين فصاعدا، ومن هنا قال الأصمعي١: الصواب أن يقال٢: [الطويل]
٤١٣- بين الدخول وحومل٣
_________________
(١) = س- عطف "أي" على مثلها؛ نحو قول الشاعر: فلئن لقيتك خاليين لتعلمن أيي وأيك فارس الأحزاب انظر التصريح: ٢/ ١٣٥-١٣٨. ١ مرت ترجمته. ٢ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا جزء من مطلع معلقة امرئ القيس، وهو بتمامه: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٣٦، والأشموني: ٨١٣/ ٢/ ٤١٧، ومجالس ثعلب: ١٢٧، ومجالسي العلماء للزجاجي: ٢٧٣، والمنصف: ١/ ٢٢٤، والمحتسب: ٢/ ٤٩، ودلائل الإعجاز: ٢٦٥، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣٩، والإنصاف: ٦٥٦، وشرح المفصل: ٤/ ١٥، ٩/ ٣٣، ٧٨، ١٠/ ٢١، والخزانة: ٤/ ٣٧٩، وشرح شواهد الشافية: ٢٤٢، والهمع: ٢/ ١٢٩، والدرر: ٢/ ١٦٦، وسيبويه: ٢/ ٢٩٨، والمغني: ٢٩١/ ٢١٤، ٦٦١/ ٤٦٦، والسيوطي: ١٥٨. المفردات الغريبة: قفا: فعل أمر من الوقوف، والألف فيه للاثنين؛ وقيل: منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة، والمخاطب واحد، وعوملت الكلمة في الوصل؛ كما تعامل في الوقف. ذكرى: مصدر بمعنى التذكر. سقط اللوى: السقط -بتثليث السين وسكون القاف: منقطع الرمل حيث يستدق طرفه. واللوى: رمل يتلوى وينحني. الدخول: اسم موضع، وكذلك: حومل. المعنى: قفا يا صاحبي وشاركاني في البكاء وإرسال الدموع، من أجل تذكر حبيب، كان يقيم هنا، ومنزل كان عامرا به بين هذين الموضعين. الإعراب: قفا: فعل أمر مبني على حذف النون؛ لاتصاله بألف الاثنين، والألف ضمير متصل في محل رفع فاعل. نبك: فعل مضارع مجزوم؛ لوقوعه في جواب الطلب، وعلامة جزمه حذف الياء، والفاعل ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: نحن. "من ذكرى": متعلق بـ"نبك"، وذكرى مضاف. حبيب: مضاف إليه مجرور. ومنزل: الواو حرف عطف، منزل: اسم معطوف على حبيب. "بسقط": متعلق بمحذوف صفة لـ"منزل"، وسقط مضاف. اللوى: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة المقدرة =
[ ٣ / ٣٢٢ ]
بالواو١؛ وجحة الجماعة أن التقدير: بين أماكن الدخول فأماكن حومل٢؛ فهو بمنزلة "اختصم الزيدون فالعمرون"٣.
[الفاء ومعناها]:
وأما الفاء فللترتيب٤ والتعقيب٥، نحو: ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ ٦، وكثيرا ما
_________________
(١) = على الألف؛ للتعذر. "بين": متعلق بمحذوف صفة ثانية لـ"منزل". الدخول: مضاف إليه مجرور. فحومل: الفاء حرف عطف، حومل: اسم معطوف على الدخول مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. موطن الشاهد: "بين الدخول فحومل". وجه الاستشهاد: معلوم أن بين لا تضاف إلا إلى متعدد سواء أكان التعدد بسبب التثنية، أم الجمع أم العطف؛ ومعلوم أن الفاء العاطفة تدل على الترتيب من غير مهلة؛ فالبينية غير متحققة -هنا- وإنما تتحقق بالعطف بالواو التي تدل على اشتراك العاطف والمعطوف معا دفعة واحدة في مدلول العامل؛ ولهذا، خطأ الأصمعي امرأ القيس، وعُني العلماء بتصحيح عبارته كما بين المصنف. ١ لأن البينية، لا يتحقق معناها بواحد، ولا يعطف فيها بالفاء؛ لأن الفاء تدل على الترتيب. ٢ أي: أن كلمتي "الدخول" و"حومل" -هنا- لا يراد بهما جزئي مشخص، وإنما يراد بهما أجزاء هذين المكانين؛ وهنالك مضاف محذوف، يفيد هذا التعدد مثل: أماكن، أو مواضع، أو أجزاء الدخول وحومل. وقد قدر يعقوب: بين أهل الدخول فحومل إلخ. انظرالتصريح: ٢/ ١٣٦. ٣ يقال هذا؛ إذا كان كل فرد، من كل فريق خصما لمن هو من فريقه؛ فيكون اختصام العمرين بعضهم مع بعض، عقب اختصام الزيدين؛ بعضهم مع بعض. ضياء السالك: ٣/ ١٦٧-١٦٨. ٤ بنوعيه: المعنوي، والذكري؛ والمعنوي: أن يكون زمن تحقق المعنى في المعطوف متأخرا عنه في المعطوف عليه؛ نحو: من الخير الإنصات؛ فالسماع؛ فمحاولة الفهم. وأما الترتيب الذكري؛ فهو: وقوع المعطوف بعد المعطوف عليه بحسب التحدث عنهما لا بحسب زمان وقوع المعنى على أحدهما؛ نحو: حدثنا المعلم عن أبي بكر، فعثمان، فعمر. مغني اللبيب: ٢١٣، والتصريح: ٢/ ١٣٨. ٥ هو اتصال المعطوف بالمعطوف عليه بلا مهلة وقصر المدة التي بين وقوع المعنى عليهما، والتعقيب في كل شيء بحسبه. ٦ ٨٠ سورة عبس، الآية: ٢١. =
[ ٣ / ٣٢٣ ]
تقتضي أيضا التسبب١ إن كان المعطوف جملة؛ نحو: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ٢، واعترض على الأول بقوله تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ ٣؛ ونحو: "توضأ فغسل وجهه ويديه" الحديث٤؛ والجواب: أن المعنى أردنا إهلاكها، وأراد الوضوء، وعلى الثاني بقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾ ٥، والجواب: أن التقدير:
_________________
(١) = موطن الشاهد: ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الفاء حرف عطف مفيدا الترتيب والتعقيب؛ لأن دفن الإنسان في القبر، يعقب موته عادة. ١ أي الدلالة على السببية؛ بأن يكون المعطوف متسببا عن المعطوف عليه؛ ولكنها لا تسمى فاء السببية إلا إذا دخلت على مضارع منصوب بأن المصدرية المضمرة. ٢ ٢٨ سورة القصص، الآية: ١٥. موطن الشاهد: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع الفاء حرف عطف يفيد التعقيب والترتيب ومقتضيا التسبب؛ لأن جملة ﴿قَضَى عَلَيْهِ﴾ متسببة عن الجملة الأولى: ﴿وَكَزَهُ مُوسَى﴾؛ فالمعطوف عليه سبب في حصول المعطوف. ٣ ٧ سورة الأعراف، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ . وجه الاستشهاد: اعترض الفراء على كون الفاء للترتيب المعنوي بهذه الآية؛ لأن الهلاك متأخر عن مجيء الباس في المعنى، وهو متقدم في التلاوة، وذلك ينافي الترتيب الذي في الفاء، ورد عليه بما جاء في المتن؛ أو بأن الفاء للترتيب الذكري لا المعنوي. ٤ حديث شريف. موطن الشاهد: "توضأ فغسل وجهه ويديه". وجه الاستشهاد: اعترض بهذا الحديث على كون الفاء للترتيب المعنوي كما في الآية الكريمة السابقة، ورد على هذا الاعتراض، بأحد وجهين؛ الأول: أن المعنى: على إضمار الإرادة؛ والتقدير: أراد الوضوء؛ فغسل وجهه وغسل الأعضاء الأربعة مترتب على إرادة الوضوء. والثاني: أن الفاء للترتيب الذكري لا المعنوي. انظر شرح التصريح: ٢/ ١٣٩. ٥ ٨٧ سورة الأعلى، الآية: ٥. موطن الشاهد: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ . وجه الاستشهاد: اعترض بهذه الآية على كون الفاء للتعقيب، في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾؛ لأن إخراج المرعى، لا يعقبه جعله غثاء =
[ ٣ / ٣٢٤ ]
فمضت مدة فجعله غثاء١، أو بأن الفاء نابت عن ثم كما جاء عكسه وسيأتي.
[ما تختص به الفاء]:
وتختص الفاء بأنها تعطف على الصلة ما لا يصح كونه صلة لخلوه من العائد٢؛ نحو: "اللذان يقومان فيغضب زيد أخواك"٣؛ وعكسه؛ نحو: "الذي يقوم أخواك فيغضب هو زيد"، ومثل ذلك جارٍ في الخبر والصفة والحال٤؛ نحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ٥؛ وقوله٦: [الطويل]
_________________
(١) = أحوى؛ أي: يابسا أسود؛ ورد على هذا الاعتراض بأن جملة "جعله " معطوفة على جملة محذوفة؛ والتقدير: فمضت مدة فجعله غثاء، أو: بأن الفاء نابت عن "ثم"؛ والمعنى: "ثم جعله غثاء". انظر التصريح: ٢/ ١٣٩. ١ فيكون المعطوف عليه محذوفا. وقد قيل: إن هذا لا يدفع الاعتراض؛ لأن مضي المدة، لا يعقب الإخراج. وأجيب بأنه يكفي أن يكون أول أجزاء المضي متعقبا للإخراج، وإن لم يحصل بتمامه إلا في زمن طويل؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾؛ فإن اخضرار الأرض يبتدئ بعد نزول المطر، لكن يتم في مدة ومهلة. ٢ وذلك؛ لأن ما فيها من معنى السببية؛ التي تجعل ما قبلها وما بعدها في حكم جملة واحدة يغني عن الرابط. ٣ "اللذان": مبتدأ. "يقومان": الجملة صلة "فيغضب زيد" الجملة معطوف بالفاء على جملة يقومان الواقعة صلة؛ وكان القياس عدم صحة العطف؛ لخلوها من ضمير يعود إلى الموصول؛ لأنها رفعت الظاهر، وهو "زيد" ولكن عطفها بالفاء سوغ ذلك؛ لما في الفاء من معنى السبب "أخوك" خبر المبتدأ. ٤ أي: تعطف جملة تصلح لتلك الأشياء، على جملة لا تصلح. ٥ ٢٢ سورة الحج، الآية: ٦٣. موطن الشاهد: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ . وجه الاستشهاد: عطف جملة "فتصبح" على جملة "أنزل" الواقعة خبرا لـ"أن"، وكان القياس أن لا يصح العطف؛ لخلوها من ضمير يعود على اسم "أن"؛ لأن الجملة المعطوفة على الخبر خبر؛ ولكنها لما قرنت بالفاء ساغ ذلك. التصريح: ٢/ ١٣٩. ٦ القائل: هو غيلان بن عقبة، المعروف بذي الرمة. وقد مرت ترجمته.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
٤١٤- وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدو١
[ثم ومعناها]:
وأما "ثم" فللترتيب والتراخي٢، نحو: ﴿فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ٣، وقد
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت بتمامه: وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدو وتارات يجم فيغرق وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٣٩، والأشموني: ٥٣٧/ ٢/ ٢٨٨، والعيني: ١/ ٥٧٨، ٤/ ١٧٨، ومجالس ثعلب: ٦١٢، والمحتسب: ١/ ١٥٠، والمقرب: ١٣، والهمع: ١/ ٨٩، والدرر: ١/ ٧٤، وديوان ذي الرمة: ٣٩٥. المفردات الغريبة: إنسان عيني: هو النقطة السوداء اللامعة وسط سواد العين. يحسر: ينكشف وينزاح. فيبدو: فيظهر. يجم: يكثر. المعنى: أن إنسان العين ينكشف عنه الماء ويزول أحيانا، فيظهر الإنسان للرائي وأحيانا يكثر الماء في العين فيغرق إنسانها ويستتر، ولا يرى. الإعراب: إنسان: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. عيني: مضاف إليه، وهو مضاف، والياء في محل جر بالإضافة. يحسر: فعل مضارع مرفوع. الماء: فاعل مرفوع. تارة: مفعول مطلق منصوب. فيبدو: الفاء عاطفة، يبدو: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره هو. وتارات: الواو عاطفة، تارات: اسم معطوف على تارة منصوب وعلام نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم. يجم: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو يعود إلى الماء. فيغرق: الفاء عاطفة، يغرق: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو يعود إلى إنسان عيني. موطن الشاهد: "فيبدو". وجه الاستشهاد: عطف جملة "يبدو" التي تصلح لأن تكون خبرا عن المبتدأ "إنسان"؛ لاشتمالها على ضمير يعود إليه على جملة لا تصلح لذلك لخلوها من ذلك الضمير؛ وهي جملة: "يحسر الماء". ٢ التراضي هو "انقضاء مدة زمنية بين وقوع المعنى على المعطوف عليه، ووقوعه على المعطوف وتحديد هذه المدة متروك للعرف. و"ثم" تعطف المفردات والجمل، وقد تدخل عليها تاء التأنيث لتأنيث اللفظ. فتخص بعطف الجمل؛ نحو: من ظفر بمطلوبه ثمت أهمل في الحفاظ عليه فلا يلومن إلا نفسه. وتكتب بتاء غير مربوطة. مغني اللبيب: ١٦٠، والتصريح: ٢/ ١٤٠، والجنى الداني: ٤٢٦. ٣ ٨٠ سورة عبس، الآية: ٢١، ٢٢. =
[ ٣ / ٣٢٦ ]
توضع موضع الفاء؛ كقوله١: [المتقارب]
٤١٥- جرى في الأنابيب ثم اضطرب٢
_________________
(١) = موطن الشاهد: ﴿فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ثم" حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي؛ لأن نشر الموتى يوم القيامة؛ وبين دفن الإنسان وبين نشره مدة طويلة لا يعلمها إلا الله. القائل هو: أبو دؤاد الإيادي، واسمه حارثة بن الحجاج؛ وقد مرت ترجمته. ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: كهز الرديني تحت العجاج والبيت من قصيدة يصف فيها فرسه، وينشد قبله قوله: إذا قيد قحم من قاده وولت علابيبه واجلعب والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٠، والأشموني: ٨١٤/ ٢/ ٤١٧، والمغني: ١٨٦/ ١٦٠، والسيوطي: ١٢٤، ومعاني ابن قتيبة: ١/ ٥٨، والعيني: ٤/ ١٣١، والهمع: ٢/ ١٣١، والدرر: ٢/ ١٧٤، وديوان أبي دؤاد الإيادي: ٢٩٢. المفردات الغريبة: الرديني: الرمح المنسوب إلى ردينة؛ وهي امرأة اشتهرت بصنع الرماح بهجر. العجاج: الغبار، والمراد: ما تثيره أقدام المتحاربين أو خيولهم. الأنابيب: جمع أنبوب؛ وهو ما بين كل عقدتين من القصب. المعنى: أن اهتزاز هذا الفرس وسرعة عدوه ذهابا وجيئة في أثناء القتال، يشبه اهتزاز الرمح واضطرابه، في سرعة وخفة، في كل ناحية تحت غبار المعركة. الإعراب: "كهز": متعلق بخبر لمبتدأ محذوف؛ وبعضهم علقه بمحذوف واقع صفة لمفعول مطلق محذوف عامله "اجعلب" في بيت "سابق، وهو مضاف. الرديني: مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله. "تحت": منصوب متعلق بـ"هز"، وهو مضاف. العجاج: مضاف إليه مجرور. جرى: فعل ماضٍ مبني على الفتحة المقدرة على الألف للتعذر؛ والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو. "في الأنابيب": متعلق بـ"جرى". ثم: حرف عطف. اضطرب: فعل ماضٍ مبني على الفتح، وسكن لضرورة الروي. موطن الشاهد: "ثم اضطرب". وجه الاستشهاد: مجيء ثم -هنا- بمعنى الفاء؛ لأن اضطراب الرمح يحدث عقب اهتزاز أنابيبه مباشرة، في لحظات من غير مهلة. وفي معنى الفاء وثم، يقول ابن مالك: والفاء للترتيب باتصال وثم للترتيب بانفصال =
[ ٣ / ٣٢٧ ]
[حتى وشروطها]:
وأما "حتى" فالعطف بها قليل؛ والكوفيون ينكرونه١، وشروطه أربعة أمور: أحدها: كون المعطوف اسما٢.
_________________
(١) = ومعنى باتصال؛ أي: من غير مهلة زمنية؛ وهو ما عبر عنه بالتعقيب. ومعنى بانفصال؛ أي: بمهلة زمنية، وهي ما عبر عنها بالتراخي. فائدة: قد ترد "ثم" للترتيب الذكري الإخباري؛ الذي يقصد به مجرد الإخبار وسرد المعطوفات من غير ملاحظة ترتيب كلامي سابق، ولا ترتيب زمني حقيقي؛ كقول الشاعر: إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده انظر ضياء السالك: ٣/ ١٧٢-١٧٣. توجيهان: أ- قد ترد "ثم" للترتيب الذكري الإخباري؛ أي الذي يقصد به مجرد الإخبار وسرد المعطوفات من غير ملاحظة ترتيب كلامي سابق، ولا ترتيب زمني حقيقي؛ كقول الشاعر: إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده الأشموني: ٢/ ٤١٨. ب- وقد تدخل همزة الاستفهام على "ثم"، و"الواو"، و"الفاء"، مثل: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ . فقيل: إن الهمزة تقدمت على العاطف لأصالتها في التصدير؛ وقيل: إن هذا حروف استئناف داخلة على جمل مستأنف. ١ ويجعلونها ابتدائية في مثل: جاء القوم حتى محمد، وما بعدها على إضمار عامل. وحتى تفيد ترتيب أجزاء ما قبلها ذهنا. مغني اللبيب: ١٧٣. ٢ هذا مذهب جمهور النحاة، وحجتهم أنها منقولة من "حتى" الجارة، وحرف الجر لا يدخل إلا على الاسم؛ فبقي لحتى بعد نقلها ما كان لها قبل النقل. وخالف بذلك ابن السيد، وكأنه نظر إلى ما طرأ عليها من النقل للعطف، وقاسها على غيرها من حروف العطف، فإذا قلت: "أكرمت زيدا بكل ما أقدم عليه حتى جعلت نفسي له حارسا" أو قلت: "بخل علي زيد بكل شيء حتى منعني دانقا"؛ جاز في هذين المثالين اعتبار حتى عاطفة عند ابن السيد، والجمهور يمنعون ذلك؛ فالمثالان عندهم إما خطأ، وإما على تأويل الفعل التالي لحتى بمصدر مجرور بها. هذا ولا يصح أن يكون المعطوف =
[ ٣ / ٣٢٨ ]
والثاني: كونه ظاهرا١؛ فلا يجوز "قام الناس حتى أنا" ذكره الخضراوي٢.
والثالث: كونه بعضا من المعطوف عليه، إما بالتحقيق٣؛ نحو: "أكلت السمكةَ حتى رأسَها"، أو بالتأويل؛ كقوله٤: "الكامل"
٤١٦- ألقى الصحيفة كي يخفف رحله والزاد حتى نعله ألقاها٥
_________________
(١) = بحتى حرفا؛ لأن الحرف لا يدخل على نظيره غالبا إلا في التوكيد اللفظي أو الضرورة الشعرية، ولا يصح أن يكون جملة. مغني اللبيب: ١٧٢، والتصريح: ٢/ ١٤١، ورصف المباني: ١٨٠، والجنى الداني: ٥٤٢. ١ ذكر ابن هشام أنه لم يقف عليه لغيره، ووجه قول الخضراوي: أن أصل "حتى": أن تكون جارة، فاستصحبوا بعد نقلها إلى العطف حالها بعد النقل؛ ولهذا، لا يجوز أن تقول: "حضر الناس حتى أنا"؛ لأن حتى الجارة لا تجر إلا الأسماء الظاهرة؛ هذا، وقد حقق الصبان عدم اشتراط ذلك. مغني اللبيب: ١٧١، وحاشية الصبان: ٣/ ٦٧. ٢ مرت ترجمته. ٣ يعتبر بعضا من المعطوف عليه بالتحقيق ثلاثة أمور هي: الأول: أن يكون جزءا من كل؛ نحو: أكلت السمكة حتى رأسها. الثاني: أن يكون فردا من جمع؛ نحو قولهم: قدم الحجاج حتى المشاة. الثالث: أن يكون نوعا من جنس؛ نحو: أعجبني التمر حتى البرين. التصريح: ٢/ ١٤١. ٤ القائل: هو أبو مروان النحوي، ولم أعثر له على ترجمة. تخريج الشاهد: البيت من كلمة يحكي فيها قصة المتلمس، وفراره من عمرو بن هند، وبعده قوله: ومضى يظن بريد عمرو خلفه خوفا، وفارق أرضه وقلاها. والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤١، ٢١٤، والأشموني: ٥٣٨/ ٢/ ٢٨٩، والمغني: ١٩٩/ ١٦٧، ٢٠٣/ ١٧١، ٢٦٢/ ١٧٥، وسيبويه: ١/ ٥٠، والجمل: ٨١، والعيني: ٤/ ١٣٤، والهمع: ٢/ ٢٤، ١٣٦، والدرر: ٢/ ١٦، ١٨٨، وحاشية يس على التصريح: ١/ ٣٠٢. المفردات الغريبة: ألقى: رمى إلى الأرض. الصحيفة: ما يكتب فيه من ورق وغيره. =
[ ٣ / ٣٢٩ ]
_________________
(١) = رحله، الرحل: ما يستصحبه المرء من المتاع وهو أيضا: ما يوضع على ظهر الناقلة بمنزلة السرج للفرس. الزاد: كل ما يستصحبه المسافر ليبلغه مقصده. المعنى: أن المتلمس رمى بالصحيفة؛ ليخفف ما معه من متاع، وألقى كذلك ما معه من زاد يتبلغ به، حتى نعله التي يلبسها رمى بها. وكان من أمر هذه الصحيفة: أنه وطرفة هجيا عمرو بن هند -الملك-؛ ثم مدحاه بعد ذلك، فكتب لكل منهما صحيفة إلى عامله بالحيرة وختمهما، وأمره فيهما بقتلهما، وأوهمهما، بأنه كتب لهما بصلة، فلما بلغا الحيرة، فتح المتلمس صحيفته، وعلم بما فيها؛ فألقاها في النهر، وفر إلى الشام، وأبى طرفة أن يفتح صحيفته ودفعها إلى العامل فقتله. الإعراب: ألقى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل: هو. الصحيفة: مفعول به منصوب. كي: حرف تعليل. يخفف: فعل مضارع منصوب بـ"أن" المضمرة بعد "كي"؛ والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": مجرور بـ"كي"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ"ألقى"؛ والتقدير: ألقى الصحيفة؛ لتخفيف رحله؛ وجملة "يخفف رحله": صلة للموصول الحرفي، لا محل لها. رحله: مفعول به منصوب، وهو مضاف، و"الهاء": في محل جر بالإضافة. والزاد: الواو عاطفة، الزاد: اسم معطوف على رحله، منصوب. حتى: حرف عطف، لا محل له من الإعراب. نعله: مفعول به منصوب لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده؛ والهاء: مضاف إليه. وتقدير الكلام: حتى ألقى نعله؛ وعلى هذا التقدير: "فحتى" عطفت جملة "ألقى فعله" على جملة "ألقى الصحيفة". ألقاها: فعل ماضٍ، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، و"ها": في محل نصب مفعولا به؛ وجملة "ألقاها": تفسيرية، لا محل لها؛ ويجوز أن تكون "حتى": حرف عطف بمعنى الواو، ويكون "نعله" معطوفا على الزاد؛ عطف مفرد على مفرد، وجملة "ألقاها": توكيد لجملة "ألقى الصحيفة"؛ ويكون ضمير "ها" البارز في ألقاها عائدا إلى الصحيفة؛ وهذا الوجه والذي سبقه على رواية النصب في "نعله"؛ وقد وردت بالجر والرفع؛ وتخريجهما؛ كالآتي: تخرج رواية الجر على أن "حتى" حرف جر، و"نعله" مجرور بها، ومضاف إليه؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ"ألقى" السابق؛ وجملة "ألقاها": توكيدية. وتخرج رواية الرفع في "نعله" على أنها مبتدأ مرفوع، ومضاف إليه؛ وخبره: جملة "ألقاها"؛ وعليها فـ"حتى" ليست عاطفة، وإنما هي حرف ابتداء؛ وجملة "نعله ألقاها": ابتدائية لا محل لها. موطن الشاهد: "حتى نعله". وجه الاستشهاد: عطف "نعله" بـ"حتى" على ما قبله؛ لأنه بعض من المعطوف عليه -بالتأويل- كما بين المصنف؛ ويجوز أن يكون "نعله" منصوبا بفعل محذوف، يفسره =
[ ٣ / ٣٣٠ ]
فيمن نصب "نعله"، فإن ما قبلها في تأويل ألقى ما يثقله، أو شبيها بالبعض؛ كقولك: "أعجبتني الجاريةُ حتى كلامُها"، ويمتنع "حتى ولدُها"١ وضابط ذلك أنه إن حسن الاستثناء حسن دخول حتى٢.
والرابع: كونه غاية في زيادة حسية؛ نحو: "فلان يهب الأعدادَ الكثيرةَ حتى الألوفَ" أو معنوية؛ نحو: "مات الناسُ حتى الأنبياءُ، أو الملوكُ"، أو في نقص كذلك؛ نحو" المؤمن يجزى بالحسناتِ حتى مثقالِ الذرةِ"، ونحو: "غلبك الناس حتى الصبيان، أو النساء"٣.
[أم المتصلة ومعناها]:
وأما "أم" فضربان: منقطعة وستأتي، ومتصلة: وهي المسبوقة إما بهمزة
_________________
(١) = المذكور -كما بينا في الإعراب- وهذا على رواية النصب؛ وعلى روايتي الرفع والجر، أوضحنا تخريجهما بما لا يستلزم الإعادة؛ والذي يهمنا -هنا- ما الذي سوغ العطف بـ"حتى" على رواية النصب؟ والجواب هو: لما كان النعل بعض ما يثقله، ويضعف حركته في الهرب؛ كان من ضمن ما يثقله؛ لأنه يشترط بالعطف بـ"حتى" أن يكون المعطوف بعض المعطوف عليه. ١ لأن الولد ليس جزءا منها ولا شبيها بالجزء؛ بخلاف كلامها، فإنه لشدة اتصاله بها؛ صار كجزئها. ٢ المراد: الاستثناء المتصل؛ لأن شرط الاستثناء المتصل؛ أن يتناول ما قبل أداته ما بعدها نصا. ٣ إذا لم يكن ما بعد "حتى" من جنس ما قبلها -إما تحقيقا وإما تأويلا وإما تشبيها- أو كان ما بعدها من جنس ما قبلها على أحد الوجوه الثلاثة؛ ولكنه لم يكن غاية لما قبلها، أو كان ما بعدها غاية وطرفا لما قبلها؛ لكنه ليس دالا على زيادة، أو نقص حسيين، أو معنويين؛ فإنه لا يجوز أن تجعلها عاطفة، ويتفرع على هذا، أنك لو قلت: صادقت العرب حتى "العجم"؛ لم يصح؛ لأن العجم ليس من جنس العرب؛ ولو قلت: "خرج الفرسان إلى القتال حتى بنو فلان"، وكان بنو فلان هؤلاء في وسط الفرسان؛ لم يصح؛ لأن ما بعد حتى -حينئذ- ليس غاية لما قبلها؛ إذ الغاية، ليست إلا في الأطراف -عاليها وسافلها- ولو قلت: "زارني القوم حتى زيد"، ولم يكن زيد متميزا بفضل، أو منفردا بخسيسة؛ لم يصح؛ لأن ما بعد حتى -حينئذ- ليس ذا زيادة ولا نقص. انظر التصريح: ٢/ ١٤٢.
[ ٣ / ٣٣١ ]
التسوية١؛ وهي الداخلة على جملة في محل المصدر٢، وتكون هي والمعطوفة عليها فعليتين؛ نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، أو اسميتين؛ كقوله٤: [الطويل]
٤١٧- أموتي ناءٍ أم هو الآن واقعُ٥
_________________
(١) ١ سميت بذلك؛ لوقوعها غالبا بعد لفظ "سواء" أو: لا أبالي، أو: لا أدري، أو ما يشبهها؛ في الدلالة على أن الجملتين بعدها متساويتان في الحكم عند المتكلم؛ كقول الشاعر: ما أبالي أنب بالحزن تيس أم لحاني بظهر غيب لئيم ٢ من علاماتها: أن تتوسط بين جملتين خبريتين؛ قبلهما همزة، وكلتا الجملتين يصلح أن يحل محلها هي والهمزة، مصدر مؤول منهما معا. ٣ ٢ سورة البقرة، الآية: ٦، ٣٦ سورة يس، الآية: ١٠. موطن الشاهد: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أم" حرف عطف؛ عطف جملة فعلية على جملة فعلية مثلها؛ والتقدير: إنذارك وعدم إنذارك سواء؛ بعد تأويل الجملة بمصدر؛ وهذا من مواضع سبك الجملة بلا سابك على تقدير "أن". انظرالتصريح: ٢/ ١٤٢. ٤ لم ينسب البيت إلى قائل معين، ويظهر أنه لمتمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك. ٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: ولست أبالي بعد فقدي مالكا وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٢، والأشموني: ٨٢١/ ٢/ ٤٢١، والعيني: ٤/ ١٣٦ والهمع: ٢/ ١٣٢، والدرر: ٢/ ١٧٥، والمغني: ٥٥/ ٦١، والسيوطي: ٤٩. المفردات الغريبة: أبالي: أكترث وأعبأ. ناء: بعيد. وهو اسم فاعل من نأى ينأى: أي: بعد. المعنى: لست مهتما ولا مكترثا بشيء في الحياة، بعد أن فقدت أخي مالكا، ولا يعنيني -وقد فقدته- أن يكون موتي بعيدا أو ينزل بي الآن. الإعراب: لست: فعل ماضٍ ناقص مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع اسم "ليس". أبالي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنا؛ وجملة "أبالي": في محل نصب خبر "ليس". "بعد": متعلق بـ"أبالي"، وهو مضاف. فقدي: مضاف إليه مجرور، وهو مضاف، والياء: في محل جر بالإضافة؛ من إضافة المصدر إلى فاعله. مالكا: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه =
[ ٣ / ٣٣٢ ]
أو مختلفتين؛ نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ ١، وإما بهمزة يطلب بها وبأم التعيين٢، وتقع بين مفردي متوسط بينهما ما لا يسأل عنه؛ نحو: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ ٣، أو متأخرا عنهما؛ نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ
_________________
(١) = الفتحة الظاهرة. أموتي: الهمزة حرف استفهام، موتي: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل الياء، والياء: في محل جر بالإضافة. ناءٍ: خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين؛ وجملة "موتي ناءٍ": في محل نصب مفعولا به لـ"أبالي"؛ المعلق عن العمل في اللفظ بالاستفهام. أم: حرف عطف. هو؛ ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. الآن: مفعول فيه ظرف زمان منصوب بقوله: "واقع" الآتي. واقع: خبر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وجملة "هو الآن واقع": معطوفة على الجملة السابقة "موتي ناءٍ": في محل نصب. موطن الشاهد: "أموتي ناءٍ أم هو واقع". وجه الاستشهاد: وقوع "أم" بين جملتين اسميتين؛ وقد عطفت إحداهما على الأخرى؛ والمعنى: لست أبالي؛ بعد موتي أو حصل الآن. ١ ٧ سورة الأعراف، الآية: ١٩٣. موطن الشاهد: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: عطفت "أم" جملة اسمية على جملة فعلية؛ والتقدير -بعد التأويل: سواء عليكم دعاؤكم إياهم -أي الأصنام- وصمتكم؛ ومن هذه الآية وما قبلها، يتضح لنا، أن "أم" المتصلة المسبوقة بهمزة التسوية، لا تعطف إلا جملة على جملة، وعطفها للمفرد نادر لا يقاس عليه. ٢ همزة التعيين: هي الواقعة بعد ما أدري، ولا أعلم، وليت شعري ونحوها، وتسد، "أي" مسدها مع "أم" في طلب التعيين، وتخالف همزة التسوية؛ فتتطلب جواب بتعيين أحد الشيئين؛ لأنها لم تنسلخ عن الاستفهام. ٣ ٧٩ سورة النازعات، الآية: ٢٧. موطن الشاهد: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أم" حرف عطف مسبوقا بهمزة يراد بها معها التعيين؛ لأن الاستفهام -هنا- توبيخي، والسؤال عن المبتدأ: "أنتم"، والمعادل: "السماء" المعطوفة على "أنتم"؛ وهما مفردان، وقد توسط بينهما غير المسئول عنه؛ وهو "أشد خلقا" الواقع خبرا تقديرا عن المتعاطفين.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ ١، وبين فعليتين؛ كقوله٢: [البسيط]
٤١٨- فقلت أهي سرت أم عادني حلم٣
_________________
(١) ١ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ١٠٩. موطن الشاهد: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: السؤال في هذه الآية عن الخبر؛ وهو قريب وبعيد؛ والمسئول عنه متأخر؛ وهو ما توعدون؛ وذلك؛ لأن شرط الهمزة المعادلة لـ"أم" أن يليها أحد الأمرين المطلوب تعيين أحدهما، ويلي "أم" المعادل الآخر؛ ليفهم السامع من أول الأمر ما يطلب تعيينه؛ ويرى سيبويه: أن إيلاء المسئول عنه الهمزة أولى، لا واجب. انظر التصريح: ٢/ ١٤٣. ٢ قيل هو: زيادة بن حمل، وقيل: زياد بن منقذ العدوي؛ المعروف بالمرار الحنظلي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فقمت للطيف مرتاعا فأرقني وهو من كلمة يحن فيها الشاعر إلى وطنه؛ وقبله قوله: زارت رقية شعثا بعد ما هجعوا لدى نواحل في أرساغها الخدم والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٣، والأشموني: ٨٢٣/ ٢/ ٤٢١، والخصائص: ١/ ٣٠٥، ٢/ ٣٣٠، والخزانة: ٢/ ٣٩١، وشرح المفصل: ٧/ ١٧٩، والهمع: ١/ ٦١، ٢/ ١٣٢، والدرر: ١/ ٣٧، ٢/ ١٧٥، ومجالس العلماء للزجاجي: ١٣٩٦ وشرح شواهد الشافعية للبغدادي: ١٩٠، والمغني: ٥٦/ ٦٢، ٧٠٥/ ٤٩٥، والسيوطي: ٤٩ وشرح التبريزي على ديوان الحماسة: ٣/ ٣٢٤. المفردات الغريبة: الطيف: المراد به خيال المحبوبة الذي يراه في النوم. مرتاعا: خائفا، يقال: راعه فارتاع؛ أي: أفزعه ففزع، ولا ترع: أي لا تخف. أرقني: أسهرني. أهي "بسكون الهاء": إجراء لهمزة الاستفهام مجرى واو العطف وفائه. سرت: من السرى؛ وهو السير ليلا. عادني: زارني وأتاني بعد إعراض. المعنى: استيقظت من النوم فزعا خائفا؛ لما رأيت في نومي خيال المحبوبة وقلت في نفسي -وقد أطار ذلك النوم من عيني: أهي المحبوبة جاءت إلي ليلا؟ أم ذلك حلم ومنام؟! الإعراب: فقلت: الفاء عاطفة، قلت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل. أهي: الهمزة حرف استفهام. هي: فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده "سرت". سرت: =
[ ٣ / ٣٣٤ ]
لأن الأرجح كون "هي" فاعلا بفعل محذوف، واسميتين١؛ كقوله٢: [الطويل]
٤١٩- شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر٣
_________________
(١) = فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث، لا محل لها من الإعراب، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هي؛ وجملة "سرت": تفسيرية، لا محل لها؛ وجملة "الفعل المحذوف وفاعله": في محل نصب مفعولا به بعد القول. أم: حرف عطف، لا محل له من الإعراب. عادني: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب مفعولا به. حلم: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وجملة "عادني حلم": معطوفة على جملة "الفعل المحذوف وفاعله" في محل نصب. موطن الشاهد: "أهي سرت أم عادني حلم". وجه الاستشهاد: وقوع "أم" المعادلة لهمزة الاستفهام بين جملتين فعليتين؛ لأن "هي" فاعل لفعل محذوف على الأرجح -كما بينا في الإعراب- لأن الأصل في الاستفهام أن يكون عن أحوال الذوات المتجددة؛ لأنها تتجدد وتحصل بعد أن لم تكن؛ والدال على هذه الأحوال، هو الفعل؛ وأما الاستفهام عن نفس الذوات التي تدل عليها الأسماء فقليل؛ والقليل لا يحمل عليه الكثير، ما دام الكثير صحيح المعنى. ١ وقد تكون الجملتان مختلفتين؛ أولاهما: اسمية، والثانية: فعلية؛ نحو: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾؛ ومن مجيء الأولى فعلية، والثانية اسمية قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾؛ لأن "أنتم": فاعل بفعل محذوف يفسره المذكور لما علمت من أن همزة الاستفهام أولى بالفعل من حيث إن الأصل في الاستفهام؛ أن يكون عما من شأنه أن يكون محل شك أو تردد وذلك هو أحوال الذوات التي تعبر عنها الأفعال، فأما الذوات أنفسها فيقل أن تكون محل تردد أوشك. مغني اللبيب: ٦١، حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٤٣. ٢ ينسب البيت إلى الأسود بن يعفر التميمي، وينسب إلى اللعين المنقري، وقد مرت ترجمة كل منهما. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، في هجاء قبيلة شعيث بأنها لا تعزى إلى أب معين؛ وصدره قوله: لعمرك ما أدري وإن كنت داريا =
[ ٣ / ٣٣٥ ]
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٣، والأشموني: ٨٢٤/ ٢/ ٤٢١، والمغني: ٥٧/ ٦٢، والسيوطي: ٥١، وسيبويه: ١/ ٤٨٥، وفيه منسوب إلى الأسود بن يعفر، والكامل للمبرد: ١/ ٣٥٧، ٣٨٠، وفيه منسوب إلى: اللعين المنقري، والمحتسب: ١/ ٥٠، والخزانة: ٤/ ٤٥٠، والعيني: ٤/ ١٣٨، والهمع: ٢/ ١٣٢، والدرر: ٢/ ١٧٥. المفردات الغريبة: ما أدري: ما أعلم. داريا: أي: من أهل الدراية والعلم بالأنساب. شعيث: اسم حي من بني تميم. سهم: اسم حي من قيس عيلان. منقر: حي ينتهي إلى زيد مناة بن تميم. المعنى: يقسم الشاعر بأنه لا يعلم -وإن كان من أهل العلم والمعرفة بالأنساب- أي نسبي شعيث هو الصحيح والحق؛ أنسبتها إلى سهم؟ أم نسبتها إلى منقر؟. الإعراب: لعمرك: اللام لام الابتداء، عمر: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، والكاف: في محل جر بالإضافة؛ والخبر محذوف وجوبا؛ والتقدير: لعمرك قسمي. ما أدري: ما نفية، لا محل لها من الأعراب. أدري: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره أنا. وإن: الواو اعتراضية، إن: شرطية جازمة؛ ويجوز أن تكون الواو حالية، فتكون "إن" زائدة. كنت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: في محل رفع اسمه. داريا: خبر كان منصوب؛ وجملة "كنت داريا": في محل نصب على الحال؛ إن عدت الواو حالية؛ وإن عدت الواو اعتراضية؛ فالجملة معترضة، لا محل لها. شعيث: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. ابن: خبر مرفوع، وهو مضاف. سهم: مضاف إليه مجرور. أم: حرف عطف. شعيث: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. ابن: خبر المبتدأ وهو مضاف. منقر: مضاف إليه مجرور؛ وجملة "شعيث بن سهم": في محل نصب مفعولا به لـ"أدري" وقد علق فعل أدري عن العمل في اللفظ بالهمزة المحذوفة؛ وجملة "شعيث بن منقر": معطوفة على الجملة السابقة في محل نصب. موطن الشاهد: "شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر". وجه الاستشهاد: وقوع "أم" المعادلة للهمزة بين جملتين اسميتين؛ ولهذا، ثبتت همزة "ابن"؛ لأنها تحذف إذا كان "ابن" صفة لعلم، ومضافا إلى علم؛ والثاني أبو الأول؛ وهو -هنا- خبر. فائدة: ذكر سيبويه: أنه إذا جاءت همزة التسوية بعد كلمة "سواء" فلا بد من ذكر "أم" العاطفة؛ فإن لم تأت الهمزة بعد "سواء" عطف الثاني على الأول بـ"أو"؛ نحو: سواء =
[ ٣ / ٣٣٦ ]
الأصل: "أشعيث" فحذفت الهمزة والتنوين منهما١.
[أم المنقطعة ومعناها]:
والمنقطعة هي الخالية من ذلك٢، ولا يفارقها معنى الإضراب٣، وقد
_________________
(١) = علينا رضي العدو أو سخط. وجاء في المغني: أنه لا يصح العطف بـ"أو" بعد "سواء"؛ سواء ذكرت همزة التسوية أم حذفت. انظر ضياء السالك: ٣/ ١٧٩. ١ أما حذف التنوين فللضرورة؛ بناء على أن "شعيثا" مصروف نظرا إلى الحي، ويحتمل أنه ممنوع من الصرف نظرا إلى القبيلة، ولا ينافي ذلك الوصف بابن؛ لجواز رعاية التذكير والتأنيث باعتبارين. وأما حذف الهمزة؛ فجائز اختيارا. ونقل الدماميني اطراد حذفها اخيتارا قبل أم المتصلة؛ لكثرته نظما ونثرا، وذلك إن علم أمرها، ولم يوقع حذفها في لبس. التصريح، وحاشية التصريح: ٢/ ١٤٣. هذا، وقد تحذف "أم" مع معطوفها على قلة؛ كقول الشاعر: دعاني إليها القلب إني لأمره سميع فما أدري أرشد طلابها يريد: أرشد أم غي؟ وقيل: إن الهمزة للتصديق؛ فلا تحتاج لمعادل. ٢ يريد أنها هي التي لا تتقدم عليها همزة التسوية، ولا الهمزة التي يطلب بها وبأم التعيين: وإنما سميت منقطعة -والحالة هذه-؛ لوقوعها بين جملتين مستقلتين في معناهما؛ لكل منهما معنى خاص يخالف معنى الأخرى، ولا يتوقف أداء أحدهما وتمامه على الآخر، التصريح: ٢/ ١٤٤. ٣ الإضراب -هنا: إبطال الحكم السابق ونفي مضمونه والانصراف عنه إلى ما بعدها، ويسمى هذا: الإضراب الإبطالي. وقد يراد الانتقال من غرض إلى آخر يخالفه، وحينئذ؛ يسمى: الإضراب الانتقالي. هذا، ويذهب البصريون إلى أن "أم" المنقطعة تدل على الإضراب والاستفهام معا، في كل مثال؛ فلا تكون في مثال ما للإضراب وحده، ولا تكون في مثال ما للاستفهام وحده. ويذهب الكوفيون: إلى أنها تدل على الإضراب في كل مثال، وقد تدل -مع دلالتها على الإضراب- على الاستفهام الحقيقي، أو الإنكاري، وقد لا تدل على الاستفهام أصلا، ولا تأتي للدلالة على الاستفهام وحده في مثال ما، وعلى هذا جرى المؤلف هنا. ويذهب أبو عبيدة إلى أن "أم" المنقطعة على ثلاثة أوجه: =
[ ٣ / ٣٣٧ ]
تقتضي مع ذلك استفهاما؛ حقيقيا نحو: "إنها لإبلٌ أم شاءٌ"١؛ أي: بل أهي شاء، وإنما قدرنا بعدها مبتدأ؛ لأنها لا تدخل على المفرد٢، أو إنكاريا؛ كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ﴾ ٣؛ أي: أله البنات، وقد لا تقضيه البتة؛ نحو: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ٤؛ أي: بل هل تستوي؛ إذ لا يدخل استفهام على استفهام٥؛
_________________
(١) = ١- دالة على الإضراب وحده. ٢- دالة على الاستفهام وحده. ٣- دالة على الإضراب والاستفهام معا. ويذكر بعض العلماء: أنه لا خلاف بين الكوفيين والبصريين في مجيء "أم"؛ للدلالة على الإضراب وحده، وإنما الخلاف في تسميتها؛ هل تسمى منقطعة أو لا؟. مغني اللبيب: ٦٦، التصريح: ٢/ ١٤٤، ورصف المباني: ٩٣، والمقتضب: ٣/ ٢٨٦. ١ أخبر أولا بأنها إبل، ثم تحقق غير ذلك، فاضرب عنه مستفهما عن كونها شاء. ٢ لأنها غير عاطفة؛ بل هي بمعنى بل الابتدائية، وحرف الابتداء، لا يدخل إلا على جملة، فـ"شاء" خبر لمبتدأ محذوف، وقيل: لعطف المفرد بقلة. التصريح: ٢/ ١٤٤، ومغني اللبيب: ٦٨. ٣ ٥٢ سورة الطور، الآية: ٣٩. موطن الشاهد: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أم" مفيدة الاستفهام الإنكاري؛ ولا يصح أن تقدر هنا للإضراب المحض؛ لأن ذلك يجعل الكلام إخباريا بنسبة البنات إليه تعالى والله سبحانه منزه عن ذلك. انظر شرح التصريح: ٢/ ١٤٤. ٤ ١٣ سورة الرعد، الآية: ١٦. موطن الشاهد: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ غير مقتضية الاستفهام؛ لا الحقيقي، ولا الإنكاري؛ لأن التقدير: "بل هل تستوي الظلمات والنور؟ " ولا يقدر: بل أهل؛ لأنه لا يدخل استفهام على استفهام. التصريح: ٢/ ١٤٤. ٥ عرفنا سابقا أن مذهب البصريين في "أم" المنقطعة أنها تدل على الإضراب والاستفهام معا، وأن مذهب الكوفيين أنها تدل على الإضراب دائما، وقد تدل على الاستفهام مع دلالتها على الإضراب، وقد لا تدل على الاستفهام. وعلمنا أن ابن هشام، اختار مذهب الكوفيين؛ لأن الآية التي تلاها: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ترجح مذهب الكوفيين وذلك؛ لأن "أم" خالية من الدلالة على الاستفهام؛ لوقوع حرف =
[ ٣ / ٣٣٨ ]
هذا باب نعم وبئس١
[معناهما وشروط مرفوعهما]:
وهما فعلان عند البصريين والكسائي؛ بدليل "فبها ونعمت"٢، واسمان عند باقي الكوفيين٣؛ بدليل "ما هي بنعم الولد"٤؛
_________________
(١) ١ اعلم أنهما يستعملان تارة للإخبار بالنعمة والبؤس فيتصرفان كسائر الأفعال، تقول: نعم محمد بكذا ينعم به فهو ناعم، وبئس كذلك. وتارة لإنشاء المدح والذم فلا يتصرفان لما سيأتي، وهذا الاستعمال هو المراد هنا. ٢ هذا جزء من حديث؛ وتمامه: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". والحديث أخرجه: أبو داود في سننه: ٣٥٤، والنسائي: ٣/ ٩٤، والترمذي: ٤٩٧. والسنن الكبرى للبيهقي: ١٠٩١، ومسند أحمد بن حنبل: ٥/ ١٥-١٦، ٢٢، وفي شرح السنة للبغوي: ٢/ ٦٧، ومشكاة المصابيح للتبريزي: ٥٤٠، وتفسير القرطبي: ١٨/ ١٠٦. موطن الشاهد: "نعمت". وجه الاستشهاد: مجيء "نعم" فعلا؛ بدليل اتصاله بتاء التأنيث الساكنة؛ وهي لا تدخل إلا على الفعل؛ وحكى الكسائي: نعما رجلين، ونعموا رجالا؛ وضمائر الرفع البارزة المتصلة؛ من خصائص الأفعال أيضا؛ فهذا دليل "ثان" على الفعلية. ضياء السالك: ٣/ ٨١؛ والتصريح: ٢/ ٩٤. ٣ وقد بنيا على الفتح لتضمنهما معنى الإنشاء، ويعربان مبتدأين، ومعناهما: الممدوح والمذموم، وما هو فاعل على المشهور يعرب بدلا أو عطف بيان. والخبر هو المخصوص بالمدح أو الذم، ويجوز العكس. وفي مثل: نعم رجلا محمد؛ يعرب "رجلا" تمييزا أو حالا. ٤ قول لبعض العرب حين بشر بأنثى، وتمامه: "نصرها بكاء، وبرها سرقة". ووجه الدلالة فيه دخول حرف الجر على "نعم"، والولد ونحوه فيما استدلوا به مجرور؛ لأنه تابع للمجرور، أي: ما هي بالممدوح الولد، فإن كان مرويا بالرفع فلعله مقطوع عما =
[ ٣ / ٣٣٩ ]
[العطف بـ"أو". معنى "أو" وأنواعها]:
وأما "أو" فإنها بعد الطلب١ للتخيير؛ نحو: "تزوج زينب أو أختها" أو للإباحة٢؛ نحو: "جالس العلماء أو الزهاد"، والفرق بينهما: امتناع الجمع بين المتعاطفين في التخيير، وجوازه في الإباحة.
وبعد الخبر للشك٣؛ نحو: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ
_________________
(١) = بـ"ضجيعتي"، واللام: للبعد، الكاف: للخطاب. أم: حرف دال على الإضراب بمعنى: "بل" لا محل له من الإعراب. "في جنة": متعلق بمحذوف واقع خبرا لـ"ليت" المحذوفة مع اسمها؛ والتقدير: بل ليت سليمى ضجيعتي في جنة. أم: حرف دال على الإضراب بمعنى: "بل" لا محل له من الإعراب. "في جنة": متعلق بمحذوف واقع خبرا لـ"ليت" المحذوفة مع اسمها؛ والتقدير: بل ليت سليمى ضجيعتي في جنة. أم: حرف عطف دال على الإضراب. "في جهنم": متعلق بمحذوف واقع خبرا لـ"ليت" المحذوفة مع اسمها كما سبق؛ والتقدير: بل ليت سليمى ضجيعتي في جهنم. موطن الشاهد: "أم". وجه الاستشهاد: مجيء "أم" في الشاهد منقطعة متمحضة للإضراب؛ بمعنى "بل"، فهي لا تدل على الاستفهام، ولا تقتضيه أصلا؛ لأن الشاعر، لا يريد الاستفهام، وإنما ساقه مساق التمني؛ ولهذا، قدر بعدها "جملة"؛ لأن "أم" التي بمعنى "بل" لا يقع بعدها إلا الجمل. ١ المراد بالطلب: الصيغة التي تدل على معنى الأمر؛ سواء كانت فعل الأمر، أو لام الأمر الداخلة على المضارع؛ لأن الإباحة والتخيير لا يتأتيان في الاستفهام، ولا في باقي الأنواع الطلبية على الصحيح، ولا فرق بين الأمر الملفوظ والملحوظ؛ كقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾؛ أي: فليفعل أي الثلاثة. ٢ المراد: الإباحة بحسب العقل، أو العرف في أي وقت، وعند أي قوم لا الإباحة الشرعية. ٣ المراد بالخبر: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته. والشك: أن يكون المتكلم نفسه واقعا في الشك والتردد، وأما التشكيك؛ فهو أن يوقع المتكلم المخاطب في الشك والتردد. وأما الإبهام: فهو أن يكون المتكلم عالما بحقيقة الأمر غير شاك ولا متردد فيه؛ ولكنه يخرج كلامه في صورة الاحتمال؛ ليكون المخاطب أقبل لما يلقى إليه من الكلام؛ ولكنه يخرج كلامه في صورة الاحتمال؛ ليكون المخاطب أقبل لما يلقى إليه من الكلام، فإذا سمع الكلام وتفهمه؛ ظهر له الأمر؛ ومثال المؤلف يبين ذلك، فقد أورد الكلام في صورة الاحتمال؛ ليسترعي انتباه المخاطب، ويحمله على السماع والتفهم، ولم يورده في صورة الخبر القاطع مع أن المتكلم، يعلم علم اليقين أن من عبد الله، وأفرده بالألوهية والتوجه إليه؛ هو الذي يكون على هدى وأن من أشرك معه غيره؛ هو الذي يكون في ضلال مبين. حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٤٥، وحاشية الصبان: ٣/ ١٠٦.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
يَوْمٍ﴾ ١، أو للإبهام؛ نحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢، وللتفصيل، نحو: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ٣، أو للتقسيم؛ نحو: "الكلمة اسم أو فعل أو حرف"٤،
_________________
(١) ١ ١٨ سورة الكهف، الآية: ١٩. موطن الشاهد: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أو" مفيدة معنى الشك؛ لوقوعها بعد كلام خبري؛ وهو قوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا﴾ و"أو" للشك من القائلين ذلك؛ في الآية الكريمة. التصريح: ٢/ ١٤٤. ٢ ٣٤ سورة سبأ، الآية: ٢٤. موطن الشاهد: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أو" مفيدة معنى الإبهام على المخاطب؛ ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . للإبهام؛ فيكون الشاهد في الثانية، وقال في "المغني": الشاهد في الأولى؛ وقال الدماميني: الشاهد في الأولى والثانية. انظر شرح التصريح: ٢/ ١٤٥. ٣ ٢ سورة البقرة، الآية: ١٣٥. موطن الشاهد: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أو" مفيدة التفصيل؛ لأن "قالوا" كلام خبري، وهو مشتمل على الواو العائدة على اليهود والنصارى؛ فذكر الفريقين على الإجمال، بالضمير العائد إليهما، ثم فصل ما قاله كل فريق؛ أي: قالت اليهود: كونوا هودا، وقالت النصارى: كونوا نصارى "فأو" لتفصيل الإجمال في فاعل "قالوا" وهو الواو. التصريح: ٢/ ١٤٥. ٤ قيل: الفرق بين التفصيل والتقسيم، أن الأول: تبيين للأمور المجتمعة بلفظ واحد؛ وأما التقسيم؛ فهو: تبيين لما دخل تحت حقيقة واحدة، وقد مثل المؤلف لكل منهما، ويرى المحققون: ألا فرق بينهما، ولا ضرر من توحيد معناهما وجعلهما مترادفين، والمسألة اصطلاحية محضة.
[ ٣ / ٣٤١ ]
وللإضراب، عند الكوفيين وأبي علي١؛ حكى الفراء٢ "اذهب إلى زيد أو دع ذلك فلا تبرح اليوم"، وبمعنى الواو، عند الكوفيين٣؛ وذلك عند أمن اللبس؛ كقوله٤: [الكامل]
٤٢١- ما بين ملجم مهره أو سافع٥
_________________
(١) ١ ممن ذهب إلى أن "أو" تفيد الإضراب: ابن برهان، وابن جني ومن معهما؛ وهؤلاء ذهبوا إلى أنها تفيد الإضراب مطلقا؛ أي سواء كان المتقدم خبرا مثبتا، أو منفيا، أم كان المتقدم عليها أمرا، أو نهيا؛ وسواء أعيد معها العامل في الكلام المتقدم عليها أم لم يعد. تقول: "أنا مسافر اليوم" ثم يبدو لك، فتقول: "أو مقيم" تريد الإضراب عن الكلام الأول، وإثبات ما بعد أو؛ ومنه قول الشاعر: كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية لولا رجاؤك قد قتلت أولادي ونسب ابن عصفور القول بإفادة "أو" الإضراب إلى سيبويه؛ لكنه قرر أن سيبويه يشترط في إفادتها للإضراب؛ أن يتقدمها نفي أو نهي، وأن يعاد معها العامل ومثال ذلك: قولك: لا يقم بكر أو لا يقم خالد. التصريح: ٢/ ١٤٥-١٤٦، مغني اللبيب: ٩١، رصف المباني: ١٣١، الجنى الداني: ٢٢٧. ٢ مرت ترجمته. ٣ أي: تكون للدلالة على الاشتراك ومطابق الجمع بين المتعاطفين، ويصح أن يحل محلها الواو؛ ووافق الكوفيين على ذلك: الجرمي، والأخفش، بالشرط الذي ذكره المؤلف. مغني اللبيب: ٨٨-٨٩، والتصريح: ٢/ ١٤٦. ٤ القائل: هو: حميد بن ثور الهلالي، وقد مرت ترجمته. ٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٦، والأشموني: ٨٢٨/ ٢/ ٤٢٤، والعيني: ٤/ ١٤٦، والسيرة: ٢٠٠، والمغني: ٩٩/ ٩٠، والسيوطي: ٧٢، وديوان حميد بن ثور: ١١١. المفردات الغريبة: الصريخ: صوت المستصرخ المستغيث، ويطلق على المستغيث نفسه؛ وكلا المعنيين يصلح هنا، وقد يطلق الصريخ على المغيث، قال تعالى: ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾؛ أي: لا مغيث. ملجم: جاعل اللجام في موضعه من الفرس. مهره: أصله الحصان الصغير، والمراد هنا: الحصان. سافع: قابض على ناصية فرسه. =
[ ٣ / ٣٤٢ ]
وزعم أكثر النحويين١: أن "إما" الثانية في الطلب والخبر، نحو: "تزوج إما
_________________
(١) = المعنى: يصف القوم بالشجاعة والنجدة، فيقول: إنه إذا سمعوا استغاثة من أحد؛ أسرعوا لإجابته ونجدته؛ فترى من يلجم فرسه، ومن يأخذ بناصية فرسه حتى يحضر له غلامه اللجام للإسراع في نجدة المستغيث إلخ. الإعراب: قوم: خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هم قوم. إذا: ظرف متضمن معنى الشرط. سمعوا: فعل ماضٍ مبني على الضم؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو: فاعل، والألف: للتعريف. الصريخ: مفعول به منصوب؛ وجملة "سمعوا الصريخ": في محل جر بالإضافة. رأيتهم: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل، و"هم": مفعول به؛ وجملة "رأيتهم": جواب شرط غير جازم، لا محل لها. ما: زائدة، لا عمل لها. "بين": متعلق بـ"رأى"، وهو مضاف. ملجم: مضاف إليه مجرور، وهو مضاف. مهره: مضاف إليه مجرور، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة، أو: حرف عطف، لا محل له من الإعراب. سافع: اسم معطوف على ملجم مهره مجرور مثله. موطن الشاهد: "بين ملجم مهره أو سافع". وجه الاستشهاد: استعمال "أو" بمعنى الواو العاطفة؛ وذلك؛ لأن "بين" لا تضاف إلا لمتعدد لفظا ومعنى؛ ولو أبقيت "أو" على معناها -وهو أحد الشيئين أو الأشياء- لأضيفت "بين" إلى واحد، وهو غير سائغ في اللغة. ونظير البيت الشاهد قول امرئ القيس: فظل طهاة اللحم ما بين منضج صفيف شواء أو قدير معجل فـ"أو" هنا بمعنى الواو أيضا. فائدة: تكون "أو" للتخيير والإباحة بعد الأمر، وتكون للشك والإبهام بعد الجمل الخبرية. وتكون بمعنى التفصيل والإضراب، والواو بعد الطلب وبعد الخبر؛ والأفضل في الإضراب: أن يسبقه نفي أو نهي، وأن يتكرر العامل معه؛ ومعلوم أن هذه المعاني المسموعة خاضعة للسياق، والقرائن لتبين نوع كل منها. ضياء السالك: ٣/ ١٨٥. ١ فوائد وتوجيهات: فائدة أولى: لغة أكثر العرب كسر همزة "إما"، ولغة تميم وقيس وأسد فتح همزتها. فائدة ثانية: يغلب في "إما" تكرارها، وقد تحذف الثانية ويؤتى في الكلام ما يقوم مقامها؛ كما يقال: "إما أن تتكلم بخير وإلا فاسكت"، وقد تحذف الأولى ويُكتفى بالثانية؛ كقول الشاعر: تلم بدار قد تقادم عهدها وإما بأموات ألم خيالها فالمعنى تلم إما بدار قد تقادم عهدها وإما بأموات. =
[ ٣ / ٣٤٣ ]
هندا وإما أختها" و"جاءني إما زيد وإما عمرو"، بمنزلة "أو" في العطف والمعنى، وقال أبو علي وابنا كيسان١ وبرهان٢: هي مثلها في المعنى فقط، ويؤيده قولهم: إنها مجامعة للواو لزوما، والعاطف لا يدخل على العاطف؛ وأما قوله٣: [البسيط]
٤٢٢- أيما إلى جنة أيما نار٤
_________________
(١) = فائدة ثالثة: اتفق النحاة على أن "إما، لا تأتي بمعنى الواو، ولا بمعنى "بل"، وإنما تأتي لما تأتي له "أو" من المعاني المشهورة المتفق عليها؛ وهي التخيير والإباحة بعد الطلب، والشك والإبهام بعد الخبر. فائدة رابعة: اختلف النحاة في "إما" أمركبة هي أم بسيطة؟ فذهب سيبويه: إلى أنها مركبة من "إن" و"ما"، وذهب غيره من النحاة إلى أنها بسيطة، وضعت هكذا من أول الأمر؛ وهذا الرأي؛ هو الراجح؛ لأن البساطة -أي: عدم التركيب- هي الأصل. فائدة خامسة: لا خلاف بين النحاة في أن "إما" الأولى غير عاطفة؛ لأنها تقع بين العامل ومعموله؛ نحو: تزوج إما هندا، وإما أختها، واختلفوا في "إما" الثانية؛ فذهب أكثر النحاة: إلى أنها عاطفة والواو قبلها زائدة؛ لكيلا يلزم دخول العاطفة على العاطف. وذهب أبو علي الفارسي وابن كيسان وابن برهان: إلى أن العاطف هو الواو و"إما": دالة على الإباحة، أو التخيير، أو الشك، أو الإبهام. فـ"إما" -عند هؤلاء- مثل "أو" في الدلالة على المعنى فقط؛ وليست مثلها في عطف ما قبلها على ما بعدها، وزعم ابن عصفور: أن النحاة مجمعون على أن "إما" غير عاطفة وزعمه مخالف لما ذهب إليه العلماء. انظر التصريح: ٢/ ١٤٦، والمغني: ٨٤-٨٧، وحاشية الصبان: ٣/ ١٠٩-١١٠. ١ ابن كيسان مرت ترجمته. ٢ ابن برهان هو أبو القاسم، عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي العكبري، عالم في اللغة والتاريخ، وأيام العرب، تصدر للتدريس ببغداد، ويعرف بشراسة خلقه، على من يقرأ عليه ولا يلبس السراويل، ولا يغطي رأسه؛ له من المصنفات: الاختيار في الفقه، وأصول اللغة، واللمع في النحو، مات سنة: ٤٥٦هـ. البلغة: ١٣٣، إنباه الرواة: ٢/ ٢١٣، وبغية الوعاة: ٢/ ١٢٠، ومعجم المؤلفين: ٦/ ٢١٠، والأعلام: ٤/ ٣٢٦. ٣ القائل: هو سعد بن قرظ. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، يهجو فيه الشاعر أمه وكان عاقا شريرا؛ وصدره قوله: يا ليتما أمنا شالت نعامتها =
[ ٣ / ٣٤٤ ]
فشاذ، وكذلك فتح همزتها وإبدال ميمها الأولى.
[معنى لكن وشروط عطفها]:
وأما "لكن" فعاطفة خلافا ليونس١، وإنما تعطف بشروط: إفراد معطوفها، وأن تسبق بنفي أو نهي، وأن لا تقترن بالواو؛ نحو: "ما مررت برجل صالح، لكن
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٦، والأشموني: ٨٣٠/ ٢/ ٤٢٦، والعيني: ٤/ ١٥٣، والمحتسب: ١/ ٤١، ٢٨٤، وشرح المفصل: ٦/ ٧٥، والخزانة: ٤/ ٤٣١، الهمع: ٥/ ١٣٥، والدرر: ٢/ ١٨٢، والمغني: ٨٨/ ٨٥، والسيوطي: ٦٧. المفردات الغريبة: شالت نعامتها: كناية من كنايات العرب، ومعناها: ماتت؛ وأصل شالت: ارتفعت، والنعامة: باطن القدم، ومن مات ترتفع رجلاه وينخفض رأسه فتظهر نعامته. وقيل النعامة هنا: النعش. أيما: لغة في "إما". المعنى يتمنى هذا الشاعر العاق لأمه، أن تكون قد ماتت، وسيان -عنده- بعد ذلك، أن يكون مصيرها الذهاب إلى الجنة، أو إلى النار. الإعراب: يا: حرف تنبيه؛ أو يا: حرف نداء والمنادى محذوف. ليتما: كافة ومكفوفة، لا عمل لها. أمنا: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، و"نا": مضاف إليه. شالت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث. نعامتها: فاعل مرفوع، وهو مضاف، و"ها": في محل جر بالإضافة؛ وجملة "شالت نعامتها": في محل رفع خبر المبتدأ. ويجوز إعراب ليت: حرف مشبه بالفعل عاملة، و"ما" زائدة غير كافة وأمنا: اسم ليت ومضاف إليه؛ وجملة "شالت نعامتها": في محل رفع خبر "ليت". أيما: حرف دال على التقسيم، لا محل له من الإعراب؛ أو دال على التفصيل. "إلى الجنة": متعلق بـ"شالت". أيما: حرف عطف، لا محل له من الإعراب. "إلى نار": بـ"أيما" على "إلى الجنة". موطن الشاهد: "أيما". وجه الاستشهاد: مجيء "أيما" عاطفة غير مسبوقة بالواو؛ وهذا شاذ، وكذلك فتح همزتها مع قلب ميمها ياء -كما ذكر المصنف- وأما فتح همزتها وحده؛ فلا شذوذ فيه، وإنما هو لغة جماعة من العرب كـ"تميم وقيس وأسد"؛ كما ذكر المؤلف في المتن. ١ فإنها -عنده- مخففة من الثقيلة؛ ومعناها: الاستدراك، وما بعدها معمول بمحذوف يدل عليه المذكور قبلها، وإذا ذكرت معها الواو فالعطف بالواو لا بها. انظر مغني اللبيب: ٣٨٥-٣٨٦، التصريح: ٢/ ١٤٦-١٤٧.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
طالح" ونحو: "لا يقم زيد، لكن عمرو" وهي حرف ابتداء إن تلتها جملة؛ كقوله١: [البسيط]
٤٢٣- إن ابن ورقاء لا تخشى بوادره لكن وقائعه في الحرب تنتظر٢
أو تلت واوا؛ نحو: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ٣؛ أي: ولكن كان رسول الله،
_________________
(١) ١ القائل: هو زهير بن أبي سلمى المزني، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة، يمدح فيها الشاعر الحارث بن ورقاء الصيداوي. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٤٧، والأشموني: ٨٣٦/ ٢/ ٤٢٧، والعيني: ٤/ ١٧٨، والهمع: ٢/ ١٣٧، والدرر: ٢/ ١٨٩، والمغني: ٥٤٤/ ٣٨٥، والسيوطي: ٢٣٩، وديوان زهير: ٣٠٦. المفردات الغريبة: ورقاء: اسم رجل. بوادره: جمع بادرة؛ وهي ما يبدر من الإنسان عند الغضب. وقائعه: جمع وقيعة؛ وهي إنزال الشر بالأعداء. تنتظر: تخشى ويرتقب وقوعها. المعنى: أن هذا الرجل، لا يخاف منه -عند غضبه وحدته-؛ لأنه يملك نفسه عند الغضب، فلا يغدر ولا يخون؛ ولكن فتكه بأعدائه في الحرب، يرتقب ويخشى منه. الإعراب: أن: حرف مشبه بالفعل. ابن: اسم "إن" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف. ورقاء: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف. لا: نافية، لا محل له من الإعراب. تخشى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر. بوادره: نائب فاعل مرفوع، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه؛ وجملة "تخشى بوادره": في محل رفع خبر "إن". لكن: حرف ابتداء يفيد الاستدراك، لا محل له من الإعراب. وقائعه: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة. "في الحرب": متعلق بقوله "تنتظر" الآتي؛ أو بمحذوف حال من "وقائعه" أو من الضمير المستتر في "تنتظر"؛ العائد إلى "وقائعه". تنتظر: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى وقائعه؛ وجملة "تنتظر": في محل رفع خبر المبتدأ. موطن الشاهد: "لكن". وجه الاستشهاد: وقوع "لكن" حرف ابتداء، لا حرف عطف؛ لأن الواقع بعدها جملة لا مفرد. ٣ ٣٣ سورة الأحزاب، الآية: ٤٠. موطن الشاهد: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ . =
[ ٣ / ٣٤٦ ]
وليس المنصوب معطوفا بالواو١؛ لأن متعاطفي الواو المفردين لا يختلفان بالسلب والإيجاب٢، أو سبقت بإيجاب؛ نحو: "قام زيد لكن عمرو لم يقم"، ولا يجوز "لكن عمرو" على أنه معطوف؛ خلافا للكوفيين.
["بل" معناها وشروط عطفها]:
وأما "بل" فيعطف بها بشرطين؛ إفراد معطوفها٣، وأن تسبق بإيجاب أو أمر أو نفي أو نهي؛ ومعناها بعد الأولين: سلب الحكم عما قبلها وجعله لما بعدها؛ كـ"قام زيد بل عمرو"، و"ليقم زيد بل عمرو"؛ وبعد الأخيرين: تقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها٤؛ كما أن لكن كذلك؛ كقولك: "ما كنت في منزل
_________________
(١) = وجه الاستشهاد: وقوع "لكن" حرف ابتداء، ورسول الله: خبر لكان المحذوفة، ومضاف إليه؛ والتقدير: ولكن كان رسول الله؛ وليس "رسول" معطوفا على "أبا" بالواو الداخلة على "لكن" عطف مفرد على مفرد، خلافا لـ"يونس"؛ الذي يعد "الواو" عاطفة، و"لكن" حرف استدراك. التصريح: ٢/ ١٤٧. ١ أي: على أنه من عطف مفرد؛ وهو: "رسول الله"؛ علم مفرد؛ وهو: "أبا أحد". ٢ فإن المعطوف عليه؛ وهو: "أبا أحد" منفي، والمعطوف؛ وهو: "رسول الله" مثبت. أما عطف الجملتين بالواو: فيجوز تخالفهما، نفيا وإيجابا؛ تقول: حضر محمد، ولم يحضر علي. ٣ فإن وقع بعد "بل" جملة؛ لم تكن عاطفة، وكانت -حينئذ- حرف ابتداء دال على الإضراب؛ ويكون هذا الإضراب إبطاليا؛ أي: الدلالة على أن ما قيل قبلها كلام باطل، وذلك؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾؛ ونحو قوله سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾؛ وقد يكون نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ . وقد تزاد "لا" قبل "بل"، بعد الإيجاب؛ للدلالة على توكيد الإضراب؛ نحو قوله: وجهك البدر لا بل الشمس لو لم يقض للشمس كشفة أو أفول وقد تزاد "لا" قبل "بل" بعد النفي؛ لتقرير ما قبلها؛ نحو قول الشاعر: وما هجرتك لا بل زادني شغفا هجر وبعد تراخى لا إلى أجل وهذا البيت رد على ابن درستويه الذي ادعى أن "لا" لا تزاد قبل بل بعد النفي. مغني اللبيب: ١٥١-١٥٣، ورصف المباني: ١٥٣، والجنى الداني: ٢٣٥. ٤ هذا مذهب جمهور النحاة؛ وأجاز المبرد هذا المعنى، كما أجاز أن تكون "بل" بعد =
[ ٣ / ٣٤٧ ]
ربيع بل في أرض لا يهتدى بها"، و"لا يقم زيد بل عمرو"، وأجاز المبرد١ كونها ناقلة معنى النفي والنهي لما بعدها؛ فيجوز على قوله: "ما زيد قائما بل قاعدا"٢؛ على معنى بل ما هو قاعدا، ومذهب الجمهور: أنها لا تفيد نقل حكم ما قبلها لما بعدها إلا بعد الإيجاب والأمر؛ نحو: "قام زيد بل عمرو"، و"اضرب زيدا بل عمرا".
[لا، معناها وشروط عطفها]:
وأما "لا" فيعطف بها بشروط: إفراد معطوفها٣، وأن تسبق بإيجاب أو أمر اتفاقا؛ كـ"هذا زيد لا عمرو"، و"اضرب زيدا لا عمرا"، أو نداء؛ خلافا لابن سعدان٤؛ نحو: "يابن أخي لا ابن عمي" وأن لا يصدق أحد متعاطفيها على
_________________
(١) = النفي والنهي ناقلة حكم ما قبلها لما بعدها؛ فقولك: "ما زيد قائم بل عمرو" معناه -عند الجمهور: انتفاء القيام عن زيد، والحكم بثبوت القيام لعمرو. ولا معنى للكلام سوى هذا عندهم؛ ويحتمل هذا الكلام عند المبرد معنيين؛ أحدهما: ما حكيناه عن الجمهور، والثاني: أن يكون زيد المذكور قبل "بل" غير محكوم عليه بشيء؛ لا بانتفاء القاسم، ولا بثبوته؛ وعمرو المذكور بعد "بل" محكوم عليه بانتفاء القيام عنه؛ الذي كان حكم ما قبل "بل"، وقد بين ذلك المؤلف. مغني اللبيب: ١٥٢، والتصريح: ١٤٨، المقتضب: ١/ ١٢ و٤/ ٢٩٨. ١ مرت ترجمته. ٢ قال بعضهم: إن مثل هذا الاستعمال، لم يسمع عن العرب؛ لأنه يلزم -عليه- أن "ما" لا تعمل في -قائما- شيئا؛ لأن شرط عملها بقاء النفي، في المعمول، وقد انتقل عنه؛ وقد رد نحاة آخرون: بأن الانتقاض، جاء بعد مضي العمل، فلا يضر. انظر التصريح: ٢/ ١٤٨، وحاشية الصبان: ٣/ ١١٢-١١٣. ٣ أي: ولو تأويلا؛ فيجوز أن يقال: قلت: محمد قائم لا قاعد. ولا يعطف بها جملة لا محل لها من الإعراب. ويشترط في المفرد؛ ألا يكون صالحا؛ لأن يكون صفة لموصوف مذكور، أو يكون خبرا، أو حالا؛ فإن صلح لشيء من ذلك؛ كانت "لا" للنفي المحض، وليست عاطفة، ووجب تكرارها؛ نحو قوله تعالى: ﴿لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ محمد لا كاتب، ولا شاعر؛ كما يشترط ألا تقترن بعاطف، وإلا كان العطف به؛ وهي لإفادة نفي ما قبلها؛ نحو: جاء محمد لا بل علي. مغني اللبيب: ٣١٨، الجنى الداني: ٢٩٤، ورصف المباني: ٢٧٥. ٤ هو أبو جعفر؛ محمد بن سعدان الضرير، كان من النحاة الكوفيين الموثوق بهم؛ عالما بالعربي والقراءة، وقد أخذها عن أهل مكة والمدينة وغيرهما، وكان يقرأ بقراءة حمزة، وصنف كتابا في النحو والقراءات؛ له ولد اسمه إبراهيم، كان من أهل العلم والفضل. مات ابن سعدان يوم الأضحى سنة: ٢٣١هـ. بغية الوعاة: ١/ ١١١.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
الآخر، نص عليه السهيلي١؛ وهو حق؛ فلا يجوز "جاءني رجل لا زيد"، ويجوز "جاءني رجل لا امرأة".
وقال الزجاجي٢: وأن لا يكون المعطوف عليه معمول فعل ماضٍ؛ فلا يجوز "جاءني زيد لا عمرو"٣ ويرده قوله٤: [الطويل]
٤٢٤- عقاب تنوفى لا عقاب القواعل٥
_________________
(١) ١ هو: عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي، وقد مرت ترجمته. ٢ هو: عبد الرحمن بن إسحاق، وقد مرت ترجمته. ٣ وحجته: أن العامل يقدر بعد العاطف، ولا يصح أن يقال: لا جاء عمرو إلا على سبيل الدعاء. حروف المعاني: ٧١. ٤ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٥ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: كان دثارا حلقت بلبونه وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٥٠، والأشموني: ٨٣٧/ ٢/ ٤٢٧، والعيني: ٤/ ١٥٤، والخزانة: ٤/ ٤٧١، والخصائص: ٣/ ١٩١، والمغني: ٤٣٩/ ٣١٨. المفردات الغريبة: دثار: اسم رجل كان راعيا لامرئ القيس. حلقت: ذهبت وارتفعت. بلبونه: اللبون: الإبل ذوات اللبن. عقاب: طائر معروف من الطيور الكواسر. تنوفى: اسم موضع مرتفع في جبال طيئ، أغير على إبل امرئ القيس من ناحيته. القواعل: موضع دون تنوفى. المعنى: كأن هذا الراعي -حين أغار عليه الأعداء وشردت إبله بعيدا- طارت بها عقبان ذلك الجبل العظيم، وارتفعت بها فوقه؛ فهو لا يستطيع ردها، ولا الوصول إليها، لا عقبان هذا الجبل الصغير. الإعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل. دثارا: اسم "كأن" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. حلقت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث. "بلبونه": متعلق بقوله: "حلقت"، و"لبون" مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة. عقاب: فاعل "حلقت" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف. =
[ ٣ / ٣٤٩ ]
[جواز العطف على الظاهر والضمير]:
فصل: يعطف على الظاهر والضمير المنفصل والضمير المتصل المنصوب بلا شرط؛ كـ"مقام زيد وعمرو" و"إياك والأسد"؛ ونحو: ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ ١.
[لا يعطف على الضمير المرفوع إلا بعد توكيده]:
ولا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل؛ بارزا كان أو مستترا إلا بعد توكيده بضمير منفصل٢؛ نحو: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ ٣، أو وجود فاصل؛ أي
_________________
(١) = تنوفى: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف للتعذر؛ وجملة "حلقت": في محل رفع خبر "كأن". لها: حرف عطف، لا محل له من الإعراب. عقاب: معطوف على عقاب الأول، وهو مضاف. القواعل: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. موطن الشاهد: "لا". وجه الاستشهاد: عطف "لا" لـ"عقاب القواعل" على "عقاب تنوفى" والمعطوف عليه معمول لفعل ماضٍ "حلقت"؛ وفي هذا رد على الزجاجي الذي يمنع ذلك؛ حيث يشترط أن يكون المعطوف عليه بـ"لا" غير معمول للفعل الماضي. ١ ٧٧ سورة المرسلات، الآية: ٣٨. موطن الشاهد: ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف "الأولين" بالواو على الضمير المتصل الواقع في محل نصب مفعولا به لـ"جمعنا"؛ وهو "كم"؛ وحكم هذا العطف الجواز اتفاقا. ٢ قيل في سبب ذلك: إن المتصل المرفوع؛ كالجزء من عامله المتصل به لفظا ومعنى؛ فالعطف عليه يكون كالعطف على جزء الكلمة؛ فإذا أكد دل على انفصاله فحصل له نوع استقلال. هذا، ومثل توكيد الضمير المرفوع -توكيدا لفظيا بالضمير المنفصل- توكيده توكيدا معنويا؛ بلفظ من ألفاظ التوكيد المعنوي؛ التي مرت في باب التوكيد؛ ومن ذلك قول الشاعر: ذعرتم أجمعون ومن يليكم برؤيتنا وكنا الظافرينا فقوله "ومن يليكم": معطوف على تاء المخاطبين في قوله: "ذعرتم"؛ وهذه "التاء" نائب فاعل؛ لأنها، قد أكدت بقوله: "أجمعون". ٣ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ٥٤. =
[ ٣ / ٣٥٠ ]
فاصل كان بين المتبوع والتابع؛ نحو: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ ١، أو فصل بـ"لا" بين العاطف والمعطوف؛ نحو ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ ٢، وقد اجتمع الفصلان في نحو: ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ ٣، ويضعف بدون ذلك، كـ"مررت بردل سواء والعدم"٤؛ أي: مستوٍ هو والعدم، وهو فاشٍ في الشعر، كقوله٥: [الكامل]
٤٢٥- ما لم يكن وأب له لينالا٦
_________________
(١) = موطن الشاهد: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف "آباؤكم" على الضمير المتصل الواقع في محل رفع اسم "كان" بعد أن أكد الضمير المتصل "التاء" بالضمير المنفصل "أنتم". ١ ١٣ سورة الرعد، الآية: ٢٣. موطن الشاهد: ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف "من صلح" بالواو على الضمير المتصل الواو؛ الواقع في محل رفع فاعل لفعل "يدخلونها" بعد أن فصل بين المتعاطفين بضمير النصب "ها". ٢ ٦ سورة الأنعام، الآية: ١٤٨. موطن الشاهد: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ . وجه الاستشهاد: عطف "آباؤنا" على "نا" المتصلة بفعل أشرك، بالواو، وفصل بين العاطف والمعطوف بـ"لا" كما هو واضح: "ولا آباؤنا". ٣ ٦ سورة الأنعام، الآية: ٩١. وجه الاستشهاد: ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ . موطن الشاهد: عطف "آباؤكم" بالواو على الضمير المتصل بفعل تعلم؛ وهو "الواو" بعد أن فصل بين المتعاطفين بالتوكيد "أنتم"؛ وفصل بين العاطف "الواو"، والمعطوف "آباؤكم" بـ"لا". ٤ هذه عبارة مأثورة عن العرب، فقد رفع "العدم" بالعطف على الضمير المستتر في "سواء"؛ لأنه مؤول بالمشتق فيتحمل الضمير؛ وليس بينهما فاصل. ٥ القائل: هو جرير بن عطية الخطفي، وقد مرت ترجمته. ٦ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت يهجو فيه الشاعر الأخطل التغلبي وقومه؛ وصدر. قوله: ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٥١، والأشموني: ٨٤٠/ ٢/ ٤٢٩، والعيني: =
[ ٣ / ٣٥١ ]
[العطف على الضمير المخفوض]:
ولا يكثر العطف على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض، حرفا كان أو
_________________
(١) = ٤/ ١٦٠، والإنصاف: ٢/ ٤٧٦، والمقرب: ٥٠، والهمع: ٢/ ١٣٨، والدرر: ٢/ ١٨١ والكامل للمبرد "الخيرية": ١/ ١١٩، ٢/ ٣٩، وديوان جرير: ٤٥١. المفردات الغريبة: رجا: أمل؛ من الرجاء، وهو الأمل في الحصول على الشيء. سفاهة رأيه: ضعف رأيه وفساده. المعنى: أن الأخطل يرجو ويتمنى -لخفته وضعف رأيه وعدم حصافته- ما لا يمكن أن يناله هو وأبوه من الآمال والأحلام. الإعراب: رجا: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر. الأخيطل: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. "من سفاهة": متعلق بـ"رجا"، وسفاهة مضاف. رأيه: مضاف إليه، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة. ما: نكرة بمعنى شيء؛ أو اسم موصول بمعنى الذي في محل نصب مفعولا به لـ"رجا" لم: حرف نفي وجزم وقلب. يكن: فعل مضارع ناقص مجزوم، وعلامة جزمه السكون؛ واسمه: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى الأخيطل. وأب: الواو عاطفة، أب: اسم معطوف على الضمير المستتر في "يكن" والعائد إلى الأخطل. "له": متعلق بمحذوف صفة لـ"أب". لينالا: اللام لام الجحود، لا محل له من الإعراب. ينالا: فعل مضارع منصوب بأن المضمرة وجوبا بعد لام الجحود؛ وعلامة نصبه حذف النون؛ والألف: ضمير متصل في محل رفع فاعل؛ وجملة "ينالا": صلة للموصول الحرفي، لا محل لها؛ والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": مجرور باللام؛ و"الجار والمجرور"؛ متعلق بخبر يكن؛ وجملة "يكن واسمها وخبرها": في محل نصب صفة لـ"ما" إذا عددناها نكرة تامة بمعنى شيء؛ وصلة للموصول إذا عددناها اسما موصولا بمعنى الذي؛ وعلى هذا التقدير: فالعائد إلى الاسم الموصول محذوف؛ وتقديره: رجا الأخيطل شيئا لم يكن هو وأبوه لينالاه. موطن الشاهد: "يكن وأب له". وجه الاستشهاد: عطف "أب" بالواو على الضمير المرفوع المستتر في "يكن" -على رأي الكوفيين- والبصريون لا يجيزون ذلك، ويشترطون تأكيده؛ فلو جاء بالكلام على ما التزمه البصريون؛ لقال: ما لم يكن هو وأب له؛ أو لفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بشيء؛ ومثل هذا الشاهد السابق قول الراعي النميري: فلما لحقنا والجياد عشية دعوا يا لكلب واعتزينا لعامر انظر الدرر اللوامع: ٢/ ١٩١.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
اسما؛ نحو: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ﴾ ١، ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ ٢ وليس بلازم، وفاقا ليونس والأخفش والكوفيين، بدليل قراءة ابن عباس والحسن٣ وغيرهما: "تساءلون به والأرحامِ"٤، وحكاية قطرب٥ "ما فيها غيره
_________________
(١) ١ ٤١ سورة فصلت، الآية: ١١. موطن الشاهد ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف "للأرض" على "الهاء" في "لها" المجرورة باللام، وأعيدت الأم مع المعطوف؛ وحكم إعادة الخافض؛ الجواز مع الكثرة. ٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ١٣٣. موطن الشاهد: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "آبائك" معطوفا على الكاف المخفوضة بإضافة "إله" إليها، وأعيد المضاف؛ وهو "إله" مع المعطوف؛ وأعيد الخافض في هذه الآية والتي قبلها؛ لأن الضمير المخفوض؛ كالتنوين في شدة اللزوم -كما قال الحوفي- وكما لا يعطف على التنوين؛ لشدة لزومه؛ لا يعطف على ما أشبهه. التصريح: ٢/ ١٥١. ٣ عبد الله بن عباس، والحسن البصري؛ وقد مرت ترجمتهما. ٤ ٤ سورة النساء، الآية: ١. أوجه القراءات: قرأ ابن عباس، والحسن البصري، وحمزة: "والأرحام"، بالجر عطفا على الضمير المتصل الواقع في محل جر بالباء في قوله تعالى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ . وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: " تَسَاءَلُونَ بِهِ "، وقرأ ابن مسعود: "تسألون". البحر المحيط: ٣/ ١٥٧، والتيسير: ٩٣، والحجة: ١٨٨. موطن الشاهد: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ . وجه الاستشهاد: جر "الأرحام" وعطفه على الضمير المجرور بالياء -على هذه القراءة- من دون إعادة الجار؛ لأن التقدير: تساءلون به وبالأرحام؛ فدل ذلك على أنه يجوز إعادة الجار، وعدم إعادته. ٥ هو أبو علي، محد بن المستنير البصري النحوي، لازم سيبويه، وأخد عنه كثيرا، وكان يدلج إليه، فإذا خرج سيبويه سحرا رآه على بابه، فقال له: ما أنت إلا قطرب ليل؛ فلقب به؛ والقطرب: دويبة تسعى طول الليل لا تفتر. وقد أخذ كذلك، عن عيسى بن عمر، وجماعة من علماء البصرة؛ له مصنفات كثيرة؛ منها: الاشتقاق، والأضداد، ومعاني القرآن، والعلل في النحو، وغير ذلك. مات سنة ٢٠٦هـ. البلغة: ٢٤٧، إنباه الرواة: ٣/ ٢١٩، بغية الوعاة: ١/ ٢٤٢، الفهرست: ٥٢، الأعلام: ٧/ ٣١٥.
[ ٣ / ٣٥٣ ]
وفرسه"١، قيل: ومنه ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٢ إذ ليس العطف على السبيل؛ لأنه صلة المصدر٣، وقد عطف عليه ﴿كُفْرٌ﴾ ولا يعطف على المصدر حتى تكمل معمولاته٤.
[عطف الفعل على الفعل]:
ويعطف الفعل على الفعل بشرط اتحاد زمانيهما؛ سواء اتحد نوعاهما؛ نحو:
_________________
(١) ١ هذه قولة لبعض العرب؛ وقد جرت "فرسه" بالعطف على الهاء المجرورة بإضافة "غير" إليها، من غير إعادة الجار، وهو المضاف. ٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢١٧. موطن الشاهد: ﴿كُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف "المسجد" على "الهاء" المجرور محلا بالباء، من غير إعادة الخافض؛ لأنه لو أعيد؛ لقيل: وبالمسجد؛ وذكر صاحب التصريح: "وقال في المغني: والصواب أن خفض المسجد بباء محذوفة؛ لدلالة ما قبلها عليها، لا بالعطف؛ ومجموع "الجار والمجرور" عطف على "به". انظر التصريح: ٢/ ١٥٢. ٣ أي: وهو "صد"؛ لأنه متعلق به. ٤ وذلك، لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي؛ فلو عطف "المسجد" على "سبيل"؛ لكان من جملة معمولات "صد"؛ لأن المعطوف على معمول المصدر، من جملة معمولاته؛ وفي العطف على الضمير المخفوض، يقول الناظم: وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازما قد جعلا وليس عندي لازما إذ قد أتى في النثر والنظم الصحيح مثبتا والمعنى: أن عود الخافض -عند العطف، على الضمير- أمر لازم عند النحاة؛ ولكنه ليس بلازم، عند ابن مالك؛ لأن عدم إعادته، قد ورد مثبتا في النظم، وفي النثر معا. هذا، وقد استدل من أجاز العطف على الضمير المجرور من دون إعادة الجار، بقول الشاعر: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب حيث عطف "الأيام" على الضمير المخاطب المتصل في قوله: "بك"، من غير إعادة "الجار" مع المعطوف؛ لأنه لو أعاد؛ لقال: فما بك وبالأيام؛ والأمثلة على هذا كثيرة. انظر التصريح: ٢/ ١٥٢، والمغني: ٧٠٠، وحاشية الصبان: ٣/ ١١٤-١١٥.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ﴾ ١؛ ونحو: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ ٢، أم اختلفا؛ نحو: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ ٣؛ ونحو: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ٤ الآية.
[عطف الفعل على الاسم المشبه له في المعنى]:
ويعطف الفعل على الاسم المشبه له في المعنى٥؛ نحو: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا
_________________
(١) ١ ٢٥ سورة الفرقان، الآية: ٤٩. موطن الشاهد: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف فعل "نسقيه" على فعل "نحيي"؛ وكلاهما فعل مضارع منصوب؛ وحكم هذا العطف الجواز باتفاق. ٢ ٤٧ سورة محمد، الآية: ٣٦. موطن الشاهد: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف "تتقوا" على "تؤمنوا"، و"يسألكم" على "يؤتكم"؛ من عطف الشرط على الشرط، والجواب على الجواب؛ وكلاهما فعل مضارع مجزوم؛ وحكم هذا العطف الجواز باتفاق. ٣ ١١ سورة هود، الآية: ٩٨. موطن الشاهد: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف فعل "أورد" على فعل "يقدم"؛ وأورد ماض، ولكنه مستقبل المعنى؛ لأنه بمعنى يورد؛ والثاني: مضارع؛ وحكم هذا العطف جائز باتفاق. ٤ ٢٥ سورة الفرقان، الآية: ١٠. موطن الشاهد: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ . وجه الاستشهاد: عطف "يجعل" وهو مضارع مجزوم على "جعل" الماضي؛ لأنه في محل جزم؛ وهو مستقبل بسبب دخول أداة الشرط عليه؛ التي تستلزم أن يكون زمن فعل الشرط وجوابه مستقبلا، وحكم العطف -هنا- جائز باتفاق. هذا، ويلاحظ -هنا: أن المصنف مثل للماضي والمضارع ولم يمثل للأمر؛ وذلك لأن فعل الأمر بدون فاعله، لا يكون معطوفا، ولا معطوفا عليه -على الصحيح-؛ لأنه لا يفارق فاعله لا لفظا، ولا تقديرا. ويعرف عطف الفعل وحده على آخر كذلك؛ إذا نصب الفعلان، أو جزما بغير تكرار الناصب، أو الجازم. أما في حالة الرفع في المضارعين؛ فيجوز أن يكون من عطف المفرد، أو الجملة؛ والقرينة هي التي توضح المراد. ضياء السالك: ٣/ ١٩٦. ٥ هو الاسم المشتق العامل؛ كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة والمصدر الصريح أيضا، واسم الفعل في بعض أحواله.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
فَأَثَرْنَ﴾ ١؛ ونحو: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ ٢؛ ويجوز العكس كقوله٣: [الرجز]
٤٢٦- أم صبي قد حبا أو دارج٤
_________________
(١) ١ ١٠٠ سورة العاديات، الآية: ٣، والآية ٤. موطن الشاهد: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف "أثرن" وهو فعل ماض على "المغيرات"؛ وهو اسم فاعل مشبه للفعل؛ لأنه في تأويل الفعل؛ والتقدير: واللائي أغرن؛ وقيل: إن "أثرن" لا محل لها؛ لأنها معطوفة على صلة أل؛ وهو الرأي الأرجح. ٢ ٦٧ سورة الملك، الآية: ١٩. موطن الشاهد: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف فعل "يقبضن" على "صافات"؛ وهو اسم فاعل؛ لأنه في معنى "يصففن"؛ ومعنى صافات: ناشرات أجنحتهن في الجو؛ ومعنى يقبضن: يضممن الأجنحة إلى الأجسام. ٣ القائل هو: جندب بن عمرو؛ ولم أعثر له على ترجمة وافية. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، يذكر فيه امرأة الشماخ بن ضرار الغطفاني الشاعر المعروف؛ وصدره قوله: يا رب بيضاء من العواهج وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٥٢، والأشموني: ٨٤٤/ ٢/ ٤٣٠. المفردات الغريبة: العواهج: جمع عوهج؛ وهي في الأصل: الطويلة العنق من الظباء والنوق والنعام؛ والمراد هنا: المرأة التامة الخلق. حبا: زحف ومشى على عجزه. دارج: اسم فاعل، من درج الصبي إذا مشى هينا متقارب الخطو. المعنى: يريد الشاعر امرأة تامة الخلق، تشبه الظباء في طول عنقها، ولا يكون معها غير صبي يحبو، أو قريب عهد بالمشي لا يكاد يدرك، حتى لا ينم عن اتصاله بها. الإعراب: يا: للتنبيه. رب: حرف جر شبيه بالزائد. بيضاء: اسم مجرور لفظا بـ"رب" وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف، في محل رفع مبتدأ. "من العواهج": متعلق بمحذوف صفة لـ"بيضاء". أم: بالجر بدل أو عطف بيان على "بيضاء" باعتبار اللفظ؛ وبالرفع باعتبار المحل؛ أو خبر لمبتدأ محذوف، أم: مضاف. صبي: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. قد: حرف تحقيق، لا محل له من الإعراب. حبا: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى "صبي"؛ وجملة "حبا": في محل جر صفة لـ"صبي". أو: حرف عطف. دارج: معطوف على =
[ ٣ / ٣٥٦ ]
وجعل منه الناظم: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ ١ وقدر الزمخشري عطف "مخرج" على "فالق"٢.
_________________
(١) = "حبا"؛ لتأويله بـ"درج"؛ مجرور بالكسرة الظاهرة؛ لأن محل المعطوف عليه "حبا" جر؛ لكونه -كما علمنا- صفة لـ"صبي"؛ وفي هذا شيء من التساهل؛ لأن الذي هو في محل جر، إنما هو الفعل وفاعله معا، وليس للفعل وحده محل. موطن الشاهد: "دارج". وجه الاستشهاد: عطف الاسم المشبه للفعل "دارج" على الفعل "حبا"؛ وفي هذا تساهل -كما أسلفنا-؛ لأن المعطوف عليه: محل جملة "حبا"؛ لأنها صفة للنكرة؛ فهو من العطف على الجملة؛ لا على الفعل. وقيل: إن قبل هذا الرجز: يا ليتني علقت غير حارج قبل الصباح ذات خلق بارج فيكون قوله: "أم صبي" بدلا أو عطف بيان من "ذات خلق بارج" ومعنى غير حارج: غير آثم، ولا واقع في الحرج. وبارج: حسن وجميل. انظر ضياء السالك: ٣/ ١٩٧. ١ ٦ سورة الأنعام، الآية: ٩٥. موطن الشاهد: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ . وجه الاستشهاد: استشهد المؤلف بهذه الآية على عطف اسم الفاعل "مخرج" على الفعل "يخرج" -تبعا لابن مالك-؛ ويرى الزمخشري: أن "مخرج" معطوف على "فالق"؛ فيكون من عطف الاسم على الاسم؛ ولكل منهما مرجحان، فمرجح الأول: سلامته من الفصل بين المتعاطفين بجملة، وذكر الشيء ومقابله؛ ومرجح الثاني: عدم التأويل، والتوافق بين نوعي المتعاطفين. التصريح: ٢/ ١٥٣. ٢ فيكون من عطف الاسم على الاسم. هذا، ويجوز عطف الجملة الاسمية على نظيرتها؛ كما يجوز عطف الجملة الفعلية على مثلها؛ بشرط اتفاقهما خبرا أو إنشاء. ويمتنع إن اختلفا في ذلك على الصحيح. أما عطف الاسمية على الفعلية، والعكس؛ فجائز على الراجح. ومن الحكم المأثورة: "للباطل جولة ثم يضمحل"؛ فالجملة المضارعة معطوفة على الجملة الاسمية قبلها. وقد تعطف الجملة على المفرد، أو العكس؛ إذا كانت الجملة في الحالتين مؤولة بالمفرد؛ كأن تكون نعتا، أو خبرا، أو حالا؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾؛ أي: أو قائلين. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾؛ فقاعدا معطوف على قوله "لجنبه".
[ ٣ / ٣٥٧ ]
[ما تختص به الفاء والواو]:
فصل: تختص الفاء والواو بجواز حذفهما مع معطوفهما لدليل١؛ مثاله في الفاء: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ ٢؛ أي: فضرب فانبجست، وهذا الفعل المحذوف معطوف على "أوحينا"؛ ومثاله في الواو قوله٣: [الطويل]
٤٢٧- فما كان بين الخير لو جاء سالما أبو حجر إلا ليال قلائل٤
_________________
(١) ١ وتشاركهما في ذلك "أم" المتصلة؛ كقول الشاعر: دعاني إليها القلب إني لأمره سميع فما أدري أرشد طلابها والتقدير: أرشد طلابها أم غي؟ فحذف أم ومعطوفها؛ لانفهام ذلك من همزة الاستفهام. وقيل: إن الهمزة للتصديق؛ فلا تحتاج لمعادل. ونظير ذلك قول أبي ذؤيب أيضا: وقال صحابي قد غبنت وخلتني غبنت فما أدري أشكلكم شكلي وتقدير الكلام: فما أدري أشكلكم شكلي أم غيره؟ وإنما اقتصر المؤلف -هنا- على ذكر الواو والفاء -كما اقتصر ابن مالك في الألفية عليهما-؛ لأن حذفهما مع معطوفهما أكثر من ذلك الحذف مع غيرهما. التصريح: ٢/ ١٥٤. ٢ ٧ سورة الأعراف، الآية: ١٦٠. موطن الشاهد: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ وجه الاستشهاد: عطف "فانبجست" على "ضرب" المحذوف؛ والتقدير: فضرب فانبجست؛ والفعل المحذوف "ضرب": معطوف على "أوحينا" من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾؛ وتسمى الفاء العاطفة على مقدر فاء الفصيحة. التصريح: ٢/ ١٥٣. ٣ هو: النابغة الذبياني، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا بيت من قصيدة للنابغة، يرثي فيها أبا حجدر النعمان بن الحارث بن أبي شمر الغساني. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٥٣، والأشموني: ٨٤٤/ ٢/ ٤٣٠، والعيني: ٤/ ١٦٧، وديوان النابغة الذبياني: ٦٢. المعنى: لم يكن بيني وبين ما كنت أرجو وأطمع فيه، من خير ونعمة، إلا مدة قليلة؛ لو سلم النعمان، وجاء إلينا؛ ولكن القدر كان له بالمرصاد؛ فذهبت آمالي. الإعراب: ما: نافية، لا محل لها من الإعراب. كان: فعل ماض ناقص. "بين": متعلق بمحذوف خبر "كان" تقدم على اسمه، وهو مضاف. الخير: مضاف إليه مجرور. لو: حرف شرط غير جازم. جاء: فعل ماض مبني على الفتح. سالما: حال =
[ ٣ / ٣٥٨ ]
أي: بين الخير وبيني؛ وقولهم: "راكب الناقة طليحان"؛ أي: والناقة.
وتختص الواو بجواز عطفها عاملا قد حذف وبقي معموله١؛ مرفوعا كان؛ نحو؛ ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ٢؛ أي: وليسكن زوجك، أو منصوبا؛ نحو: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ ٣؛ أي: وألفوا الإيمان، أو مجرورا، نحو: "ما كل سوداءَ تمرة ولا بيضاءَ شحمة"؛ أي، ولا كل بيضاء.
وإنما لم يجعل العطف فيهن على الموجود في الكلام لئلا يلزم في الأول: رفع
_________________
(١) = منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ تقدم على صاحبه "أبو حجر". أبو: فاعل جاء مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف. حجر: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة؛ وجواب "لو" محذوف؛ لدلالة سياق الكلام عليه؛ وجملة "لو وفعلها وجوابها": اعتراضية، لا محل لها؛ لاعتراضها بين خبر كان واسمها. إلا: أداة حصر، لا محل لها من الإعراب. ليال: اسم كان مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين. قلائل. صفة لـ"ليال" مرفوعة، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. موطن الشاهد: "وبيني". وجه الاستشهاد: حذف "الواو" ومعطوفها وهو "وبيني"؛ لأن التقدير: بين الخير وبيني؛ كما ذكر المصنف، والدليل على ذلك: أن "بين" يجب أن تضاف إلى متعدد، كما أسلفنا. ١ انظر هذا الموضوع في مباحث المفعول معه. ٢ ٢ سورة البقرة، الآية: ٣٥. موطن الشاهد: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "زوجك" فاعلا لفعل محذوف، معطوف على "سكن"؛ والتقدير: اسكن أنت ولتسكن زوجك؛ فهو من عطف الأمر على الأمر؛ وحكم هذا العطف الجواز باتفاق. ٣ ٥٩ سورة الحشر، الآية: ٩. موطن الشاهد: ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "الإيمان" مفعولا به؛ لفعل محذوف، معطوف على تبوءوا؛ والتقدير: تبوءوا الدار وألفوا الإيمان؛ فهو من عطف جملة على جملة؛ وحكم هذا العطف الجواز.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
فعل الأمر للاسم الظاهر١؛ وفي الثاني: كون الإيمان متبوأ، وإنما يتبوأ المنزل٢؛ وفي الثالث: العطف على معمولي عاملين٣؛ ولا يجوز في الثاني أن يكون الإيمان مفعولا معه؛ لعدم الفائدة في تقييد الأنصار بمصاحبة الإيمان؛ إذ هو أمر معلوم.
[جواز حذف المعطوف عليه بالفاء والواو]:
ويجوز حذف المعطوف عليه بالفاء والواو٤؛ فالأول كقول بعضهم: "وبك وأهلا وسهلا"، جوابا لمن قال له: مرحبا، والتقدير: ومرحبا بك وأهلا٥، والثاني؛ نحو: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ ٦؛ أي: أنهملكم فنضرب، ونحو:
_________________
(١) ١ أي: لو جعل "وزوجك" معطوفا على فاعل اسكن المستتر؛ لكان شريكه في عامله؛ والأمر لا يرفع الظاهر. ٢ أي: لو جعل "الإيمان" معطوفا على "الدار"؛ لكان معمولا لتبوءوا؛ والتبوء؛ معناه: التهيؤ. وقيل: إنه يقال: تبوأ فلان الدار، إذا لزمها، وعلى هذا يصح العطف، ولا يحتج إلى تقدير عامل. ٣ ذلك؛ لأن "سوداء": معمول لـ"كل"، و"تمرة" معمول "ما" فلو عطف بيضاء على سوداء، وشحمة على تمرة؛ لزم ذلك المحذور، وهو غير جائز على الأصح عند الجمهور. التصريح: ٢/ ١٥٤. ٤ ومثلهما "أم" المتصلة، وذلك عند أمن اللبس في الجميع. ٥ الجار والمجرور وهو "بك" متعلقان بكلمة "مرحبا" المحذوفة "وأهلا" الواو عاطفة، و"أهلا" معطوف على مرحبا المحذوفة؛ عطف مفرد على مفرد؛ فالمعطوف عليه محذوف؛ وهو محل الشاهد، و"سهلا" معطوف على مرحبا المحذوفة؛ فالمعطوف عليه محذوف. وسيبويه يجعل "مرحبا" و"أهلا" منصوبين على المصدر. ونظير هذه العبارة قول القائل: "وعليكم السلام"؛ جوابا لمن قال: "السلام عليكم"، فالواو في الجواب؛ لعطف كلام المتكلم المجيب، على كلام المخاطب؛ مثلها في العبارة السابقة. التصريح: ٢/ ١٥٥، كتاب سيبويه: ١/ ٢٩٥. ٦ ٤٣ سورة الزخرف، الآية: ٥. موطن الشاهد: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ . وجه الاستشهاد: عطف جملة "نضرب" على جملة محذوفة؛ والتقدير: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر صفحا؟.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ١؛ أي: أعموا فلم يروا.
_________________
(١) ١ ٣٤ سورة سبأ، الآية: ٩. موطن الشاهد: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ . وجه الاستشهاد: عطف كل من جملتي "نضرب"، و"لم يروا" بالفاء على جملة محذوفة بينها وبين الهمزة؛ لأن المعطوف عليه بالفاء خاص بالجمل؛ والهمزة في الموضعين في موضعها الأصلي؛ وهذا رأي الزمخشري ومن تبعه، واختاره المصنف. غير أن سيبويه والجمهور، يرون: أن الهمزة قدمت من تأخير؛ تنبيها على أصالتها في التصدير؛ ومحلها الأصلي بعد الفاء؛ والأصل: فأنضرب، فألم يروا. والأول أرجح. ومثال الحذف مع بقاء "أم" المتصلة، قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾؛ فالتقدير: أعلمتم أن الجنة حفت بالمكاره؟ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة وقد أشار ابن مالك إلى ما تقدم بقوله: "وحذف متبوع بدا هنا استبح". والمعنى: أي استبح حذف معطوف عليه ظهر، وذكر في هذا الموضع، وهو العطف بالواو والفاء وأم. انظر التصريح: ٢/ ١٥٤-١٥٥. حاشية الصبان: ٣/ ١١٧. فوائد وملحقات: أ- لا يجوز تقديم المعطوف على المعطوف عليه، وما ورد من ذلك؛ فهو شاذ يقتصر فيه على المسموع؛ ومنه قول الأحوص: ألا يا نخلة من ذات عرق عليك ورحمة الله السلام ب- يجوز الفصل بين الواو ومعطوفها بظرف، أو جار ومجرور؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾، ولا يجوز بين الفاء ومعطوفها إلا في الضرورة الشعرية. ج- الأصل في عطف النسق: المغايرة بين المتعاطفين، فلا يصح عطف الشيء على نفسه. وأجاز بعضهم ذلك إذا اختلف اللفظان لغرض بلاغي، أو لقصد التفسير والتوضيح، ومنه قول الشاعر: وألفى قولها كذبا ومينا انظر ضياء السالك: ٣/ ٢٠١.
[ ٣ / ٣٦١ ]
باب عطف النسق
إلى مضاف لما قارنها؛ كقوله١: [الطويل]
٣٨٣- فنعم ابن أخت القوم غير مكذب٢
_________________
(١) ١ القائل: هو أبو طالب عم النبي ﷺ؛ وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: البيت من كلمة يمدح فيها أبو طالب النبي ﷺ، ويعاتب قريشا على ما كان منها، وهذا البيت يذكر فيه زهير بن أبي أمية -وهو ابن أخته عاتكة- يذكره بالخير؛ لأنه كان أحد الذين نقضوا الصحيفة التي كتبتها قريش لتقاطع آل النبي في حديث معروف. وما ذكره المصنف صدر بيت وعجزه قوله: زهير حساما مفردا من حمائل والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ٩٥، والأشموني: ٧٣٩/ ٢/ ٣٧١، والسيرة: ١٧٦، وتاريخ ابن كثير: ٣/ ٥٦، والعيني: ٤/ ١٥، والهمع: ٢/ ٨٥، والدرر: ٢/ ١٠٩، وديوان أبي طالب: الورقة: ٣. المفردات الغريبة: حسام، الحسام: السيف القاطع سمي بذلك؛ لأنه يحسم الخلاف بين الناس، حمائل: جمع حمالة، وهي علاقة السيف. المعنى: يمدح أبو طالب زهيرًا ابن أخته بأنه صادق المودة، مخلص لرحمه، لا ينسب إلى الكذب، وهو ماضي العزيمة نسيج وحده، كالسيف الذي يفرد عن حمائله؛ وزهير هذا هو ابن أمية بن عاتكة بنت عبد المطلب؛ أخت أبي طالب، وعمة رسول الله ﷺ وكان زهير أحد الرجال الذين اتفقوا على نقض الصحيفة التي تعاهدت فيها قريش على مقاطعة بني هاشم، وعلقوها في الكعبة؛ ليلجئوهم إلى حمل النبي على ترك دعوته. الإعراب: نعم: فعل ماضٍ جامد، دال على إنشاء المدح مبني على الفتح. ابن: فاعل نعم مرفوع، وهو مضاف. أخت: مضاف إليه، وهو مضاف. القوم: مضاف إليه. غير: حال من فاعل نعم، وهو مضاف. مكذب: مضاف إليه؛ وجملة "نعم وفاعله": في محل رفع خبر مقدم. زهير: مخصوص بالمدح مبتدأ مؤخر، ويجوز أن نعرب "زهير": خبرًا لمبتدأ محذوف وجوبا والتقدير: هو زهير. حساما -بالنصب- حال من زهير منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ خلافا لرواية العيني بالرفع حيث أعربها صفة لزهير، وإن صحت هذه الرواية -بالرفع- لم يصح الإعراب؛ لأن زهيرا علم، فهو معرفة وحساما نكرة، ومعلوم أن المعرفة لا توصف بالنكرة، ولهذا تخرج رواية الرفع على أن "حسام": خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هو حسام. مفردا: صفة لـ"حسام" منصوب. من: حرف جر. حمائل: اسم مجرور، وجره =
[ ٣ / ٢٤١ ]
هذا باب البدل١
[تعريف البدل]:
وهو٢: "التابع، المقصود بالحكم، بلا واسطة".
[محترزات التعريف]:
فخرج بالفصل الأول النعت والبيان والتأكيد؛ فإنها مكملات للمقصود بالحكم.
وأما النسق فثلاثة أنواع:
أحدها: ما ليس مقصودا بالحكم، كـ"جاء زيد لا عمرو" و"ما جاء زيد بل عمرو"، أو "لكن عمرو" أما الأول": فواضح٣؛ لأن الحكم السابق منفي عنه؛ وأما
_________________
(١) ١ هذه هي تسمية البصريين؛ لهذا النوع من التوابع، وأما الكوفيون، فيسمونه الترجمة والتبيين؛ حكى ذلك الأخفش، وحكى ابن كيسان أنهم يسمونه؛ التكرير. التصريح: ١/ ١٥٥. ٢ البدل في اللغة العوض، وفي الاصطلاح ما ذكره المؤلف. والغرض الذي يقصده المتكلم من الإتيان في كلامه بالبدل، بعد ذكره المبدل منه؛ هو إفادة توكيد الحكم، وتقريره، بواسطة ذكر الاسم مقصودا بالحكم، بعد أن يوطئ، ومهد لذلك، بالتصريح بتلك النسبة إلى ما قبله؛ ألا ترى أنك حين تقول: "سمعت أبا الأنوار محمدا"، أو تقول: "أعجبني الأستاذ علمه"، وقد ذكرت الاسم الثاني مقصودا لك، بنسبة الحكم إليه، بعد أن ذكرت هذا الحكم مصرحا بنسبته، إلى الاسم الأول؛ فكنت كمن ذكر الحكم والمحكوم عليه مرتين؛ وهذا هو السر في قولهم: "البدل في حكم تكرير العامل". وانظر حاشية الصبان: ٣/ ١٢٣-١٢٤، والتصريح: ٢/ ١٥٥، وأوضح المسالك: ٣/ ٣٩٩-٤٠٠. ٣ بيان ذلك: أن الحكم في المثال الأول؛ هو إثبات المجيء لزيد؛ وهذا الحكم منفي عن عمرو بواسطة لا.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
الآخران: فلأن الحكم السابق؛ هو نفي المجيء، والمقصود به: إنما هو الأول١.
النوع الثاني: ما هو مقصود بالحكم هو وما قبله؛ فيصدق عليه أنه مقصود بالحكم لا أنه المقصود٢، وذلك كالمعطوف بالواو؛ نحو: "جاء زيد وعمرو"، و"ما جاء زيد ولا عمرو".
وهذان النوعان خارجان بما خرج به النعت والتوكيد والبيان.
النوع الثالث: ما هو مقصود بالحكم دون ما قبله، وهذا هو المعطوف ببَل بعد الإثبات؛ نحو: "جاءني زيد بل عمرو".
وهذا أنوع خارج بقولنا: "بلا واسطة"، وسلم الحد بذلك للبدل.
وإذا تأملت ما ذكرته في تفسير هذا الحد، وما ذكره الناظم وابنه ومن قلدهما علمت أنهم عن إصابة الغرض بمعزل.
[أقسام البدل]:
وأقسام البدل أربعة٣:
_________________
(١) ١ وذلك؛ لأن المعطوف ببل والمعطوف بلكن بعد النفي يثبت لهما نقيض الحكم السابق؛ وأما الحكم المذكور؛ فالمقصود به: هو الأول؛ فقولك "ما جاء زيد بل عمرو"؛ معناه: أن عدم المجيء ثابت لزيد وأن عمرا ثبت له المجيء -عند غير المبرد- كما علمت مما تقدم؛ وكذلك شأن مثال لكن. التصريح: ٢/ ١٥٥. ٢ أي: وحده؛ لأن قوله: "هذا مقصود بالحكم" لا يمنع أن يكون غير المشار إليه مقصودا بالحكم أيضا؛ وأما عبارة "المقصود بالحكم"؛ فتدل على أنه مقصود بالحكم وحده، ولا يشاركه غيره. انظر التصريح: ٢/ ١٥٥. ٣ زاد بعض النحاة نوعا خامسا؛ سماه: بدل الكل من البعض، واستدل بأمثلة متعددة من القرآن، والحديث، والشعر؛ ففي القرآن قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾؛ فجنات بدل "كل" من الجنة، وهي جمع، والجنة مفرد. ويؤيد ذلك: ما رواه البخاري، عن أنس، أن حارثة أصيب يوم بدر؛ فقالت =
[ ٣ / ٣٦٣ ]
الأول: بدل كل من كل؛ وهو بدل الشي مما هو طبق معناه؛ نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ ١؛ سماه الناظم البدل المطابق؛ لوقوعه في اسم الله تعالى نحو: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ ٢، فيمن قرأ بالجر؛ وإنما يطلق "كل" على ذي أجزاء؛ وذلك ممتنع هنا.
_________________
(١) = أمه: إن يكن في الجنة صبت، فقال ﵊: "جنة واحدة؛ إنها جنات كثيرة" ومن الشعر قول أحدهم: كأني غداة البين يوم تحملوا لدى سمرات الحي ناقف حنظل "فاليوم" بدل من "غداة" مع أنه يشملها؛ وهي جزء منه. وسمرات: جمع سمرة؛ وهي: شجرة الطلح. ناقف. وجامع الحنظل تدمع عيناه؛ فلهذا شبه به وعيناه تدمعان. ومثله قول الآخر: رحم الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات. فإن "طلحة" بدل من قوله: "أعظما"؛ وطلحة كل؛ والأعظم: جمع عظم؛ وهو بعض طلحة. الهمع: ٢/ ١٢٧، حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٥٥-١٥٦. ١ ١ سورة الفاتحة، الآية: ٦ والآية ٧. موطن الشاهد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ . وجد الاستشهاد: وقوع "صراط" الثانية بدل كل من كل من "صراط" الأولى. ٢ ١٤ سورة إبراهيم، الآية: ١. أوجه القراءات: قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر والحسن: "الله" بالرفع، وقرأ الجمهور: "الله" بالجر. إتحاف الفضلاء: ٢٧١، والتيسير: ١٣٤، وإملاء ما من به الرحمن: ٢/ ٣٦. موطن الشاهد: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء لفظ الجلالة "الله" بدلا مطابقا من "العزيز"؛ ولا يقال فيه بدل كل من كل؛ لأن مسماه -تعالى- لا يقبل التجزئة. التصريح: ٢/ ١٥٦. فائدة: لا يحتاج البدل المطابق إلى رابط يربطه بالمتبوع؛ لأنه نفس المبدل منه في المعنى، كما أن الجملة؛ التي هي نفس المبتدأ، في المعنى، لا تحتاج إلى رابط.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
والثاني: بدل بعض من كل؛ وهو بدل الجزء من كله١؛ قليلا كان ذلك الجزء أو مساويا، أو أكثر، كـ"أكلت الرغيف ثلثه، أو نصفه، أو ثلثيه".
ولا بد من اتصاله بضمير يرجع على المبدل منه٢: مذكور كالأمثلة المذكورة، وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ ٣، أو مقدر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٤؛ أي: منهم.
الثالث: بدل الاشتمال، وهو بدل شيء من شيء يشتمل عامله على معناه اشتمالا بطريق الإجمال٥؛ كـ"أعجبني زيد علمه؛ أو حسنه" و"سرق زيد ثوبه، أو فرسه".
_________________
(١) ١ ضابطه: أن يكون البدل جزءا حقيقيا من المبدل منه، وأن يصح الاستغناء عنه بالمبدل منه، ولا يفسد المعنى بحذفه. ٢ أي: ليربط البعض بكله. ويجب في هذا الضمير؛ أن يطابق المتبوع في الإفراد والتذكير وفروعهما؛ ولا فرق بين أن يتصل هذا الضمير بالبدل مباشرة، أو بلفظ آخر له صلة بالبدل؛ نحو: قابلت العائدين من القتال أربعة منهم. وقد يغني عن الضمير في إفادة الربط: "أل" عند أمن اللبس؛ نحو: إذا رأيت والدك فقبله اليدا؛ أي: يده، و"إلا" في الاستثناء إذا كان المبدل منه هو المستثنى منه في كلام تام؛ حيث يجوز في المستثنى النصب على الاستثناء، أو الإتباع على البدلية؛ نحو: ما نجح الطلاب إلا واحدا. ٣ ٥ سورة المائدة، الآية: ٧١. موطن الشاهد: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "كثير" بدلا من الواو الأولى في "عموا"؛ والواو الثانية في "صموا" عائدة على "كثير"؛ لأنه مقدم رتبة؛ والتقدير -والله أعلم: ثم عموا كثير منهم وصموا؛ وإنما قدر هذا التقدير؛ لأنه لو جعل "كثير" بدلا من الواوين معا؛ لزم توارد عاملين على معمول واحد. انظر تفصيل ذلك في التصريح: ٢/ ١٥٦. ٤ ٣ سورة آل عمران: الآية: ٩٧. موطن الشاهد: ﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "من استطاع" بدلا من "الناس"، بدل بعض من كل؛ والضمير العائد إلى المبدل منه مقدر كما بين المؤلف في المتن. التصريح: ٢/ ١٥٧. ٥ لتوضيح هذا التعريف، نقول: إن بدل الاشتمال، تابع يقصد به، تعيين وتوضيح أمر، =
[ ٣ / ٣٦٥ ]
وأمره في الضمير كأمر بدل البعض؛ فمثال المذكور ما تقدم من الأمثلة، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ١؛ ومثال المقدر قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ﴾ ٢؛ أي: النار فيه، وقيل: الأصل "ناره" ثم نابت أل عن الضمير.
[البدل المباين وأقسامه]:
والرابع: البدل المباين٣؛ وهو ثلاثة أقسام٤؛ لأنه لا بد أن يكون مقصودا كما تقدم في الحد:
_________________
(١) = في متبوعه؛ وهذا الأمر من الأمور العارضة الطارئة التي ليست جزءا أصيلا من المتبوع؛ ويشتمل على هذا الأمر، ويدل عليه "العامل" في المبدل منه، ولكن بطريق إجمالية؛ لأنه لا يليق نسبته إلى ذات المبدل منه. ويرى ابن مالك: أن المشتمل؛ هو المبدل منه. وذهب الفارسي: إلى أنه البدل، وما رآه المؤلف: من أن المشتمل؛ هو "العامل" جدير بالاتباع. وهذا الاشتمال، قد يكون في أمر مكتسب؛ كالعلم والكرم والزهد، أو غير مكتسب؛ ولكنه ملازم لصاحبه؛ كالحسن، أو غير ملازم؛ كالكلام، وقد يكون الاشتمال بطريق التبعية؛ كالثوب والفرس انظر التصريح: ٢/ ١٥٧-١٥٨، وحاشية الصبان: ٣/ ١٢٤-١٢٥، وضياء السالك: ٣/ ٢٠٦-٢٠٧. ١ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢١٧. موطن الشاهد: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "قتال" بدل اشتمال من "الشهر"؛ والرابط بينهما الهاء المجرورة محلا بـ"في"؛ وهي متصلة بما يتعلق بالبدل. التصريح: ٢/ ١٥٨. ٢ ٨٥ سورة البروج، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "النار" بدل اشتمال من "الأخدود"؛ واختلف في الرابط، فقيل: محذوف متصل بغير البدل؛ أي: النار فيه؛ وهو قول البصريين؛ وقيل: لا تقدير؛ والأصل: ناره، ثم نابت أل عن الضمير، وهو قول الكوفيين. التصريح: ٢/ ١٥٨. ٣ أي المغاير للمبدل منه. ٤ لا بد من كل من الأقسام الثلاثة أن يكون البدل هو المقصود بالحكم؛ وهذا النوع بأقسامه الثلاثة، لا يحتاج إلى ضمير يربطه بالمتبوع.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
تم الأول إن لم يكن مقصودا البتة، ولكن سبق إليه اللسان؛ فهو بدل الغلط، أي: بدل عن اللفظ الذي هو غلط؛ لا أن البدل نفسه هو الغلط، كما قد يتوهم.
وإن كان مقصودا؛ فإن تبين بعد ذكره فساد قصده؛ فبدل نسيان؛ أي: بدل شيء ذكر نسيانا.
وقد ظهر أن الغلط متعلق باللسان، والنسيان متعلق بالجنان١؛ والناظم وكثير من النحويين لم يفرقوا بينهما فسموا النوعين بدل غلط.
وإن كان قصد كل واحد منهما صحيحا؛ فبدل الإضراب، ويسمى أيضا بدل البداء٢.
وقول الناظم: "خذ نبلا مدى" يحتمل الثلاثة؛ وذلك باختلاف التقادير؛ وذلك لأن النبل: اسم جمع للسهم، والمدى: جمع مدية؛ وهي السكين.
فإذا كان المتكلم إنما أراد الأمر بأخذ المدى، فسبقه لسانه إلى النبل؛ فبدل غلط.
وإن كان أراد الأمر بأخذ النبل، ثم تبين له فساد تلك الإرادة؛ وأن الصواب الأمر بأخذ المدى؛ فبدل نسيان.
وإن كان أراد الأول، ثم أضرب عنه إلى الأمر بأخذ المدى وجعل الأول في حكم المتروك؛ فبدل إضراب وبداء.
والأحسن فيهن أن يؤتى ببل٣.
_________________
(١) ١ الجنان -بفتح الجيم: هو القلب. ٢ البداء -بفتح الباء وبالدال المهملة: هو ظهور الأمر بعد أن لم يكن ظاهرا؛ والمراد أن يظهر لك الصواب، بعد خفاء حاله عليك. ٣ لئلا يتوهم: أن "مدى" صفة لنبل. والمعنى: نبلا حادا على ما بينه المصنف. توجيهات: أ- لا يلزم موافقة البدل لمتبوعه في التعريف والتنكير، فقد يكونان معرفتين؛ كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾؛ بجر كلمة "الله" على أنها بدل من =
[ ٣ / ٣٦٧ ]
[إبدال الظاهر من الظاهر]:
فصل: يبدل الظاهر من الظاهر كما تقدم.
ولا يبدل المضمر من المضمر، ونحو: "قمت أنت" و"مررت بك أنت" توكيد اتفاقا؛ وكذلك نحو: "رأيتك إياك" عند الكوفيين والناظم١.
[لا يبدل مضمر من ظاهر]:
ولا يبدل مضمر من ظاهر؛ ونحو: "رأيت زيدا إياه" من وضع النحويين، وليس بمسموع.
_________________
(١) = "العزيز" وقد يكونان نكرتين؛ كقوله ﷾: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ وقد تبدل المعرفة من النكرة؛ نحو: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ والعكس؛ كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ . ب- أما الإفراد، والتذكير، وفروعهما؛ فإن كان بدل "كل" طابق مبتوعه فيها، ما لم يمنع مانع عن التثنية أو الجمع؛ كأن يكون أحدهما مصدرا، لا يثنى، ولا يجمع؛ كالمصدر الميمي في الآية السابقة؛ ﴿مَفَازًا، حَدَائِقَ﴾، أو قصد التفصيل؛ كقول الشاعر: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت أما غيره من أنواع البدل؛ فلا يلزم موافقته فيها. ج- إذا اجتمعت التوابع كلها أو عدد منها؛ قدم النعت، ويليه عطف البيان، فالتوكيد، فالبدل، فعطف النسق. الأشموني: ٢/ ٤٣٨. ١ لأنه لا فرق -عندهم- في تأكيد الضمير المتصل بالمنفصل؛ بين المرفوع وغيره. وذهب البصريون إلى أنه بدل؛ لما ثبت عن العرب -كما نقل عن سيبويه، وتلقاه من بعده بالقبول- أنك إذا أردت التوكيد، أتيت بالضمير المرفوع المنفصل؛ فتقول: جئت أنت، ورأيتك أنت، ومررت بك أنت. فإذا أردت البدلية؛ وافقت بين التابع والمتبوع؛ فقلت: جئت أنت، ورأيتك إياك، ومررت به به؛ فيتحد لفظ التوكيد والبدل في المرفوع، ويختلف في غيره. وذهب الكوفيون: إلى أن الضمير الثاني -في حالتي النصب والجر- توكيد للأول؛ كما هو في حالة الرفع، ولو كان موافقا له؛ نحو: رأيتك إياك، ومررت بك بك؛ وبهذا، أخذ ابن مالك. انظر التصريح: ٢/ ١٩٥-١٦٠. وضياء السالك: ٣/ ٢١١.
[ ٣ / ٣٦٨ ]
[يجوز إبدال الظاهر من مضمر]:
ويجوز عكسه: مطلقا١ إن كان الضمير لغائب؛ نحو: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ٢ في أحد الأوجه٣؛ أو كان لحاضر بشرط أن يكون بدل بعض؛ كـ"أعجبتني وجهك" وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ٤، أو بدل اشتمال، كـ"أعجبتني كلامك" وقول الشاعر٥: [الطويل]
_________________
(١) ١ المراد بالإطلاق في هذا الموضع: أن جميع أنواع البدل سواء. ٢ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ . وجه الاستشهاد: إبدال "الذين" من الواو في "أسروا" بدل كل من كل؛ وقيل: الذين فاعل أسروا، والواو: حرف دال على الجمع، لا ضمير -لغة أكلوني البراغيث- وقيل: الذين: مبتدأ مؤخر و﴿أَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: خبر مقدم. التصريح: ٢/ ١٦٠. ٣ هو إبدال "الذين" من الواو في "أسروا" بدل كل من كل. وقيل "الذين": فاعل أسروا؛ والواو حرف دال على الجمع، لا ضمير؛ وهو لغة أكلوني البراغيث؛ وقيل: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: مبتدأ مؤخر، و﴿أَسَرُّوا النَّجْوَى﴾؛ خبر مقدم؛ ومثال: بدل البعض: محمد أوثقته يديه؛ والاشتمال: علي استجدته عقله؛ والغلط: إبراهيم ضرته فرسه. التصريح: ٢/ ١٦٠. ٤ ٣٣ سورة الأحزاب، الآية: ٢١. موطن الشاهد: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "من" الموصولة المجرورة باللام في "لمن" بدلا من ضمير "لكم"، وأعيدت اللام مع البدل للفصل والتوكيد؛ وهذه الإعادة جائزة لا واجبة؛ والجر بها لا باللام الأولى ولا بأخرى مقدرة على الأصح. وزعم الأخفش: أنه بدل كل من كلح ونظير هذه الآية في إبدال الظاهر من الضمير بدل بعض من كل قول الراجز: أوعدني بالسجن والأداهم رجلي فرجلي شثنة المناسم فإن قوله: "رجلي" بدل بعض من كل؛ والمبدل منه: هو ياء المتكلم الواقعة مفعولا به، في قوله: "أوعدني". التصريح: ٢/ ١٦٠، والأشموني: ٢/ ٤٣٩. ٥ الشاعر: هو النابغة الجعدي، قيس بن عبد الله، وقيل: حسان بن قيس، وقيل: غير =
[ ٣ / ٣٦٩ ]
٤٢٨- بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا
أو بدل كل مفيد للإحاطة؛ نحو: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ ١ ويمتنع إن
_________________
(١) = ذلك، يكنى أبا ليلى؛ شاعر مفلق صحابي من المعمرين، كان ممن هجر الأوثان والخمر قبل الإسلام. أسلم وشهد صفين مع علي بن أبي طالب؛ له أخبار كثيرة، وديوان مطبوع؛ مات سنة ٥٠هـ. تجريد الأغاني: ٦١٣، والشعر والشعراء: ٢٨٩، والجمحي: ١٢٣، الأعلام: ٥/ ٢٠٧، السمط: ٢٤٧. ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا وهو من كلمة أنشدها الشاعر بين يدي حضرة النبي ﷺ. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٦١، والأشموني: ٨٥٩/ ٢/ ٤٣٩، والعيني: ٤/ ١٩٣، ودلائل الإعجاز للجرجاني: ١٦، وجمهرة القرشي: ١٤٨، وديوان النابغة الجعدي: ٦٨، ٧٣. المفردات الغريبة: بلغنا السماء: وصلنا إليها، وهو كناية عن علو المنزلة. مجدنا؛ المجد كرم الآباء. سناؤنا: السناء: الشرف والرفعة. المعنى: واضح. وقيل: إنه لما أنشد هذا بين يدي الرسول ﷺ قال له: "إلى أين المظهر يا أبا ليلى؟ "، فقال: الجنة. فقال الرسول ﷺ: "أجل، إن شاء الله". الإعراب: بلغنا: فعل ماض مبني على السكون، و"نا": في محل رفع فاعل. السماء: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. مجدنا: مجد بدل اشتمال من فاعل "بلغ" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، و"نا": في محل جر بالإضافة. وسناؤنا: الواو عاطفة، سناؤنا: معطوف على "مجد" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف، و"نا" مضاف إليه. وإنا: الواو عاطفة، إنا: حرف مشبه بالفعل. و"نا" اسمها. لنرجو: اللام لام المزحلقة، نرجو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: نحن؛ وجملة "نرجو": في محل رفع خبر "إن". "فوق": متعلق بمحذوف حال من "مظهر" تقدم عليه، وهو مضاف. ذلك: ذا اسم إشارة في محل جر بالإضافة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب. مظهرا: مفعولا به منصوب لـ"نرجو". موطن الشاهد: "مجدنا وسناؤنا". وجه الاستشهاد: مجيء "مجدنا وسناؤنا" بدل اشتمال من الضمير البارز الواقع فاعلا في "بلغنا". ١ ٥ سورة المائدة، الآية: ١١٤. =
[ ٣ / ٣٧٠ ]
لم يفد؛ خلافا للأخفش؛ فإنه أجاز "رأيتك زيدا"، و"رأيتني عمرا"١.
جواز إبدال كل من الاسم والفعل والجملة من مثله:
فصل: يبدل كل من الاسم، والفعل، والجملة من مثله٢، فالاسم -كما تقدم- والفعل: كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ﴾ ٣، والجملة
_________________
(١) = موطن الشاهد: ﴿لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "أولنا وآخرنا" بدل كل من الضمير "نا" المجرور محلا باللام؛ ولهذا، أعيدت اللام جوازا مع البدل مجاراة للمبدل منه؛ وهو مفيد للإحاطة والشمول؛ لأن المراد: بأولنا وآخرنا -جميعا- على عادة العرب؛ من ذكر طرفي الشيء، وإرادة جميعه. التصريح: ٢/ ١٦٢، وضياء السالك: ٣/ ٢١٢. ١ خرج الأخفش المثال الأول على أن "زيدا": بدل من الياء المنصوبة المحل في "رأيتك"، وخرج المثال الثاني على أن "عمرا": بدل من الياء المنصوبة المحل في "رأيتني"، ويؤيد الذي ذهب إليه الأخفش؛ ما حكاه الكسائي -عن بعض العرب- أنه قال: "إلى أبي عبد الله"؛ بإبدال "أبي عبد الله" من ياء المتكلم المجرورة محلا بإلى في قوله: "إلي" كما يؤيده قول الشاعر: بكم قريش كفينا كل معضلة وأم نهج الهدى من كان ضليلا محل الاستدلال قوله: "بكم قريش"؛ فإن قوله: "قريش" بالجر بدل من كاف المخاطب في قوله: "بكم"؛ والأخفش تابع للكوفيين، فيما ذهب إليه. التصريح: ٢/ ١٦١. ٢ ويرى بعض النحاة: جواز إبدال الفعل من اسم يشبهه والعكس؛ كما جاز في العطف؛ تقول: محمد متق يخاف ربه، ومحمد يخاف ربه متق؛ وقيل: إن هذا خبر بعد خبر. حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٦١. ٣ ٢٥ سورة الفرقان، الآية: ٦٨. موطن الشاهد: ﴿يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع فعل "يضاعف" بدل اشتمال من فعل "يلق"؛ لأن ملاقاة الآثام تستلزم مضاعفة العذاب؛ وقيل: بدل كل من كل؛ لأن مضاعفة العذاب هي ملاقاة الآثام. التصريح: ٢/ ١٦١، وضياء السالك: ٣/ ٢١٣. وهذه الآية الكريمة مثال لإبدال الفعل من الفعل، بدل كل من كل؛ ومثال بدل البعض فيه قولك: "إن تصل تسجد لله يرحمك" فتسجد بدل من تصل؛ وهو بدل بعض من كل؛ لأن السجود بعض الصلاة؛ ومثال بدل الاشتمال، قول الراجز: إن علي الله أن تبايعا تؤخذ كرها أو تجيء طائعا فإن الأخذ كرها والمجيء طائعا من صفات المبايعة؛ ومثال بدل الغلط فيه قولك: "إن تطعم الفقير تكسه تؤجر". التصريح: ٢/ ١٦١.
[ ٣ / ٣٧١ ]
كقوله تعالى: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ ١، وقد تبدل الجملة من المفرد؛ كقوله٢: [الطويل]
٤٢٩- إلى الله أشكو بالمدينة حاجة وبالشام أخرى كيف يلتقيان٣
_________________
(١) ١ ٢٦ سورة الشعراء، الآية: ١٣٢ والآية: ١٣٣. موطن الشاهد: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع جملة "أمدكم" الثانية بدل بعض من كل من "أمدكم" الأولى؛ لأنها أخص منها؛ لأن "ما تعلمون" يشمل الأنعام وغيرها. فائدة: تبدل الجملة من الجملة بدل اشتمال؛ كما في قول الشاعر: أقول له ارحل لا تقيمن عندنا وإلا فكن في السر والجهر مسلما فإن قوله: "لا تقيمن عندنا": بدل من قوله "ارحل"؛ وليس توكيدا له؛ لأنه ليس بلفظه ولا بمعناه؛ وهو بدل اشتمال؛ لما بينهما من التلازم. أما إبدال الجملة، من الجملة، بدل كل؛ فمنعه البعض، أجازه آخرون، بشرط أن تكون الجملة الثانية، أدل من الأولى على بيان المراد؛ نحو: اقطع عنقود العنب اقطعه. ولا يحتاج هذا النوع من البدل إلى ضمير يعود على المبدل منه؛ لتعذر عودته على الفعل؛ أو على الجملة. التصريح: ٢/ ١٦٢، والأشموني: ٢/ ٤٤٠. ٢ القائل: هو الفرزدق، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا بيت يشكو فيه الشاعر من تفرق حاجاته وتباعد ما بينها، وأنه موزع القلب مشتت البال، ويذكر بعده بيتا آخر، وهو: سأعمل نص العيس حتى يكفني غنى المال يوما أو غنى الحدثان والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٦٢، والأشموني: ٨٦٣/ ٢/ ٤٤٠، والعيني: ٤/ ٢٠١، والخزانة: ١/ ٣٢٨، والهمع: ٢/ ١٢٨، والدرر: ٢/ ١٦٦ والمغني: ٣٧٢/ ٢٧٣، ٧٨٨/ ٥٥٦، والسيوطي: ١٨٩، ٢٨٤، وهو في ديوان عمر بن أبي ربيعة: ٤٩٥. المعنى: يشكو الشاعر من تفرق أغراضه، وتباعد ما بين حاجاته؛ فهو لذلك، موزع =
[ ٣ / ٣٧٢ ]
أبدل "كيف يلتقيان" من "حاجة وأخرى" أي: إلى الله أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما.
[الإبدال من اسم مضمن معنى الاستفهام والشرط]:
فصل: وإذا أبدل اسم من اسم مضمن معنى حرف استفهام، أو حرف شرط،
_________________
(١) = القلب، مشتت البال؛ لكونه لا يستطيع الجمع بين تلك الأغراض، وهاتيك الحاجات. الإعراب: "إلى الله": متعلق بقوله "أشكو". أشكو: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا، تقديره: أنا. "بالمدينة": متعلق بمحذوف حال من "حاجة" تقدم عليه؛ والأصل فيه صفة، فلما تقدم على النكرة أعرب حالا. حاجة: مفعول به منصوب لـ"أشكو". وبالشام: الواو عاطفة، "بالشام": معطوف على "بالمدينة". أخرى: معطوف بالواو على "حاجة"؛ وكلاهما معمول لـ"أشكو"؛ لأن العامل في الحال؛ هو العامل في صاحبها، كما هو معلوم؛ وكأنه قال: وأشكو أخرى بالشام. كيف: اسم استفهام مبني على الفتح، في محل نصب على الحال، تقدم على صاحبه وعامله؛ لأن أسماء الاستفهام لها الصدارة في الكلام. يلتقيان: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ والألف: ضمير متصل في محل رفع فاعل. موطن الشاهد: "كيف يلتقيان". وجه الاستشهاد: إبدال جملة "كيف يلتقيان" من المفرد "حاجة، وأخرى" بدل كل؛ وسوغ ذلك، أن الجملة في التقدير: بمنزلة المفرد -كما بين المصنف- وما ذهب إليه المصنف؛ هو رأي ابن جني، ومن جاء بعده. وقال الدماميني: يحتمل أن يكون قوله: "كيف يلتقيان؟ " جملة مستأنفة؛ أريد بها التنبيه على سبب الشكوى؛ وهو استبعاد اجتماع هاتين الحاجتين. فائدة: قد يبدل المفرد من الجملة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا﴾؛ فكلمة "قيما": بدل من جملة "لم يجعل له عوجا"؛ لأنها في معنى المفرد؛ أي: جعله مستقيما. انظر تفصيل هذه المسألة والتي قبلها في: شرح التصريح: ٢/ ١٦٣. وهمع الهوامع: ٢/ ٦٢٨. ومغني اللبيب: ٥٥٧.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
ذكر ذلك الحرف مع البدل١؛ فالأول كقولك: "كم مالك أعشرون أم ثلاثون"، و"من رأيت أزيدا أم عمرا"، و"ما صنعت أخيرا أم شرا"٢؛ والثاني نحو: "من يقم إن زيد، وإن عمرو وأقم معه" و"ما تصنع إن خيرا، وإن شرا تجز به" و"متى تسافر إن غدا، وإن بعد غد، أسافر معك"٣.
_________________
(١) ١ وذلك؛ ليوافق البدل المبدل منه في تأدية المعنى؛ وهذا، بشرط ألا يظهر حرف الاستفهام مع المبدل منه؛ فإن ظهر، فلا يلي البدل ذلك. ومعنى تضمنه معنى همزة الاستفهام: أنه استفهام يؤدي معنى الهمزة؛ وهذا الاستفهام عام مجمل، وما بعد الهمزة من البدل فرد يدخل ضمنا في اسم الاستفهام المبدل منه، وكذلك يقال في الشرط. ٢ فعشرون وما عطف عليه: بدل تفصيل من "كم"، زيدا: بدل من "مَن"، وخيرا: بدل من "ما"؛ وقرن الجميع بالهمزة لتضمن المبدل منه معنى الاستفهام، وتكرير الأمثلة؛ لأن الاستفهام إما لمعرفة الكميات، أو لتعيين الذوات، أو المعاني. ٣ فزيد وعمرو: بدلان من "مَن"، وخيرا وشرا: بدلان من "ما" الشرطية، وغدا: بدل من "متى"، وقرنت كلها بإن لتضمن المبدل منه معنى الشرط. وكرر الأمثلة؛ للعاقل، وللزمان، والمكان. انظر التصريح: ٢/ ١٦٣.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
الفهارس
فهرس أوضح المسالك
الجزء الثالث
الموضوع الصفحة
باب حروف الجر ٣
باب الإضافة ٧٠
باب إعمال المصدر واسم المصدر ١٧٠
باب إعمال اسم الفاعل ١٨١
باب إعمال اسم المفعول ١٩٦
باب أبنية مصادر الثلاثي ١٩٨
باب مصدر غير الثلاثي ٢٠٢
باب أبنية أسماء الفاعلين والصفات المشبهات بها ٢١٢
باب أبنية أسماء المفعولين ٢١٦
باب إعمال الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي إلى واحد ٢١٨
باب التعجب ٢٢٤
باب نعم وبئس ٢٣٩
باب أفعل التفضيل ٢٥٥
باب النعت ٢٦٩
باب التوكيد ٢٩٣
باب عطف البيان ٣١٠
باب عطف النسق ٣١٧
باب البدل ٣٦٢
[ ٣ / ٣٧٥ ]