باب لا العاملة عمل إن
بسم الله الرحمن الرحيم
[باب لا العاملة عمل إن]:
هذا باب "لا" العاملة عمل إن١:
[شروط إعمالها]:
وشرطها: أن تكون نافية، وأن يكون المنفي الجنس، وأن يكون نفيه نصا٢، وأن لا يدخل عليها جار، وأن يكون اسمها نكرة٣، متصلا بها، وأن يكون خبرها أيضا نكرة، نحو: "لا غلام سفر حاضر".
_________________
(١) ١ وتسمى: "لا" النافية للجنس؛ أي لكل فرد من أفراد الجنس، وتسمى كذلك "لا" التبرئة؛ لأنها تدل على تبرئة جنس اسمها كله من معنى غيرها. شرح التصريح: ١/ ٢٣٥. ٢ أي: يقصد بها التنصيص على استغراق النفي للجنس كله، لا لنفي الوحدة؛ وإلا أعملت عمل "ليس". حاشية الصبان: ٢/ ٢. ٣ لأنه على تقدير "من" الاستغراقية؛ وهي مختصة بالدخول على النكرات. فائدة: أعملت "لا" النافية للجنس عمل "إن" لأنها تشبهها في أربعة أمور، هي: أ- كلتاهما تختص بالدخول على الجمل الاسمية. ب- كلتاهما تفيد التأكيد؛ فـ "إن" لتأكيد الإثبات، و"لا" لتأكيد النفي. ج- كلتاهما تقع في صدر الكلام، ولا تقع حشوا. د- "لا" نقيضة "إن" والشيء يحمل على نقيضه، كما يحمل على مماثله. شرح التصريح: ١/ ٢٣٥، فائدة: اسم "لا" يتعين أن يكون مذكورا خلاف اسم "إن"؛ واسم "إن" يكون معرفة ويكون نكرة، واسم "لا" لا يكون إلا نكرة؛ وخبر "لا" لا يجوز أن يتقدم على الاسم بخلاف خبر "إن"؛ واسم "لا" لا ينون بخلاف اسم "إن"؛ و"لا" لا تعمل إلا بشرط، و"إن" تعمل بلا شروط. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٣٥-٢٣٦.
[ ٢ / ٣ ]
فإن كانت غير نافية لم تعمل، وشذ إعمال الزائدة في قوله١: [البسيط]
١٥٤- لو لم تكن غَطَفَان لا ذنوب لها إذًا للام ذوو أحسابها عُمَرَا٢
ولو كانت لنفي الوحدة عملت عمل ليس٣، نحو: "لا رجل قائما، بل رجلان" وكذا إن أريد بها نفي الجنس لا على سبيل التنصيص٤، وإن دخل عليها
_________________
(١) ١ القائل: هو الفرزدق: همام بن غالب، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة للفرزدق يهجو فيها عمر بن هبيرة الفزاري. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٣٧، والأشموني: "٢٩٠/ ١/ ١٤٩"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٢٧، والخصائص: ٢/ ٨٧، وخزانة الأدب: ٢/ ٧٨، وديوان الفرزدق: ٢٨٣. المفردات الغريبة: غطفان. اسم قبيلة. لام "اللوم": العذل والتعنيف. أحسابها: جمع حسب، وهو ما يعده الإنسان من مفاخر أصوله. المعنى: لو لم يكن لغطفان ذنوب وأعمال مخزية؛ للاموا عمر الفزاري على تعرضه لنا، ولكنهم يعلمون أنهم مذنبون، ولذلك امتنع لومهم. الإعراب: لو: حرف شرط غير جازم. لم: نافية جازمة. تكن: فعل الشرط غير الجازم مجزوم بـ "لم". غطفان: اسم "تكن" الناقص. لا: زائدة. ذنوب: اسم "لا. "لها": متعلق بمحذوف خبر "لا". وجملة "لا ذنوب لها": في محل نصب خبر "تكن". إذا: حرف جواب واقع في جواب "لو". للام: اللام واقعة في جواب الشرط غير الجازم، تفيد التوكيد. لام: فعل ماضٍ. ذوو: فاعل لام مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف. أحسابها: مضاف إليه، و"ها": مضاف إليه ثانٍ. عمرا: مفعول به، والألف: للإطلاق. موطن الشاهد: "لا ذنوب لها". وجه الاستشهاد: وقوع "لا" زائدة في البيت، وإعمالها عمل "إن"؛ ومعلوم أن "لا" الزائدة، تأتي في الكلام لمجرد تأكيد نفيه وتقويته؛ فحُكْمُ عملها عمل "إن" في البيت شاذ، ولا يقاس عليه؛ وأما وجوه زيادتها في الشاهد؛ فإن المقصود ثبوت الذنوب لـ "غطفان"؛ وهذا مستفاد من نفي النفي المعلوم من "لو"؛ التي تدل على امتناع شرطها، ومن "لم" التي أعقبتها؛ ونفي النفي إثبات؛ ولهذا فـ "لا" لم تفد شيئا؛ ولذا، حكم بزيادتها. وانظر شرح التصريح: "١/ ٢٣٧، وحاشية الصبان: ٤/ ٢. ٣ أو أهملت وتكررت؛ واختيار الإهمال أو الإعمال -عمل ليس- خاضع لما يقتضيه المعنى المراد. ٤ بل في الظاهر فقط؛ لعموم النكرة في سياق النفي؛ ومثال ذلك، أن "لا" إذا كان اسمها مفردا؛ نحو: لا رجل في الدار؛ فإن أريد نفي الخبر عن فرد واحد، وعن الجنس في الظاهر؛ كانت "لا" عاملة عمل "ليس"؛ ويصح -على هذا- أن يقال بعدها: بل رجلان؛ وإن أريد نفي الجنس حقيقة، وتأكيد النص عليه؛ كانت عاملة عمل "إن" -وعلى هذا- فلا يصح أن يقال بعد شيء؛ وإذا كان الاسم بعدها مثنى أو مجموعا؛ فلا يختلف المراد من النفي؛ فيحتمل نفي الخبر عن المثنى والجمع فقط، أو نفيه عن كل فرد من أفراد الجنس؛ والفرق بينهما يكون على حسب المراد؛ وأما الفرق الصحيح الواضح بين المراد من النفي في قسمي "لا" فيظهر إذا كان الاسم مفردا. شرح التصريح: ١/ ٢٣٧.
[ ٢ / ٤ ]
الخافض خفض النكرة١، نحو: "جئت بلا زادٍ"، و: "غضبت من لا شيءٍ" وشذ: "جئت بلا شيءَ"٢ بالفتح، وإن كان الاسم معرفة أو منفصلا منها أهملت٣، ووجب -عند غير المبرد وابن كيسان- تكرارها٤، نحو: "لا زيد في الدار ولا
_________________
(١) ١ لأن "لا" لا تتوسط بين عامل ومعموله، وتكون حينئذ ملغاة بين الجار والمجرور؛ علما أن حرف الجر يتخطَّاها، ويعمل فيما بعدها؛ مع دلالتها على النفي، ولا تعد زائدة؛ فيفسد المعنى. وذهب بعضهم -في هذه الحال- إلى أن "لا" اسم بمعنى "غير" مجرورة بحرف الجر، وعلامة جرها الكسرة المقدرة على الألف، وما بعدها مجرور بإضافتها إليه. شرح التصريح: ١/ ٢٣٧. ٢ أي: على إعمال "لا" مع التركيب؛ فالباء جارة و"لا شيء": في محل جر بالباء؛ وقد أجريا مجرى الاسم الواحد؛ لأن الجار دخل بعد التركيب، مثل "خمسة عشر" وشيء: اسم لا؛ ولا خبر لها؛ لأنها أصبحت فضلة؛ حكم إعمالها -في هذه الحال- شاذ كما أوضح المؤلف؛ وأما الذي ذهب لإعمالها فهو ابن جني نقلا عن أبي علي الفارسي. شرح التصريح: ١/ ٢٣٧، وحاشية الصبان: ٢/ ٤. ٣ أي: يجب الترتيب بين معموليها؛ فلا يجوز أن يتقدم خبرها ولا معموله على الاسم؛ ولو كان ظرفا، أو جارا ومجرورا؛ لأن ذلك سيؤدي إلى الفصل بينها وبين اسمها. ٤ أي: عند الجمهور، يجب تكرارها في المعرفة جبرا لما فاتها من نفي الجنس؛ وأما في الانفصال فتنبيهًا على كونها لنفي الجنس في النكرات؛ وأجاز المبرد وابن كيسان عدم التكرار في الموضعين. حاشية الصبان: ٤/ ٢. فائدة: ورد اسم "لا" معرفة، وهي مع ذلك عاملة، ولم تكرر في قولهم: "قضية ولا أبا حسن لها". وفي قول الشاعر: أرى الحاجات عند أبي خبيب نكدن ولا أمية في البلاد وللعلماء في تأويل ذلك مذهبان: الأول: تقدير اسم "لا" نكرة لها تتعرف بالإضافة؛ نحو: "مثل" وأن هذه النكرة كانت مضافة إلى العلم، ثم حذفت وأقيم المضاف إليه مقامها؛ والتقدير: ولا مثل أبي الحسن لها؛ ولا مثل أمية في البلاد. الثاني: أن يقدر العلم قائما مقام وصف اشتهر به؛ فيقدر في "لا أبا حسن": لا فيصل لها، وفي "لا أمية" لا كريم في البلاد. انظر حاشية الصبان: ٢/ ٤-٥.
[ ٢ / ٥ ]
عمرو" ونحو: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ ١، وإنما لم تكرر في قولهم: "لا نَوْلُكَ أن تفعل"٢، وقوله٣: [البسيط]
١٥٥- أشاء ما شئت، حتى لا أزال لما لا أنت شائية من شأننا شاني٤
_________________
(١) ١ "٣٧" سورة الصافات، الآية: ٤٧. موطن الشاهد: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "لا" مهملة في الآية الكريمة؛ لانفصال اسمها عنها بالجار والمجرور، وتكررت بقوله تعالى: ﴿وَلَاْ هُمْ عَنْهَاْ يَنْزِفُوْنَ﴾؛ وحكم إهمالها وتكرارها واجب عند الجمهور؛ ومعنى "الغول": كل ما يغتال العقول ويفسدها. ٢ النول: مصدر بمعنى التناول؛ وقد وقع في المثل بمعنى المفعول؛ وفسره العلماء بـ "لا ينبغي لك أن تفعل كذا؛ لأنه إذا لم تتناوله قدرته لم ينبغ له؛ والأفضل في إعراب "لا نولك أن تفعل" لا: نافية مهملة. نولك: مبتدأ ومصاف إليه. والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": في محل رفع خبر المبتدأ؛ وبعضهم يعربه فاعلا لـ "نولك" سد مسد الخبر؛ لأن "نولك" بمعنى اسم المفعول. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: البيت أنشده الفراء وابن كيسان، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٣٧، والأشموني: "٢٩٣/ ١/ ١٤٩"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٨، والدرر اللوامع: ١/ ١٢٩. المفردات الغريبة: شاني: اسم فاعل من شنأ الشيء، إذا أبغضه وكرهه، وأصله شانئ بالهمزة، فخفف بقلبها ياء. المعنى: يخاطب محبوبته قائلا: أحب كل ما تحبينه من الأشياء، حتى لا أزال مبغضا لكل شيء لا تحبينه، ولا تريدينه من أمورنا. الإعراب أشاء: فعل مضارع، والفاعل: أنا. ما: اسم موصول، مفعول به. شئت: فعل ماضٍ وفاعل؛ وجملة "شئت": لا محل لها؛ لأنها صلة للموصول؛ والعائد محذوف؛ والتقدير: أشاء الذي شئته. حتى: ابتدائية؛ وهو الأفضل. لا: نافية. أزال: فعل مضارع ناقص، واسمه: أنا؛ وأزال مرفوع؛ لأن حتى ابتدائية. "لما": جار =
[ ٢ / ٦ ]
للضرورة في هذا، ولتأول: "لا نولك" بلا ينبغي لك١.
[إذا جاء اسمها مفردا بني على الفتح أو نائبه]:
فصل: وإذا كان اسمها مفردا، أي: غير مضاف، ولا شبيه به، بني على الفتح٢ إن كان مفردا أو جمع تكسير، نحو: "لا رجل، ولا رجال" وعليه أو على
_________________
(١) = ومجرور متعلق بـ "شاني" في آخر البيت. لا: نافية. أنت: مبتدأ. شائية: خبر؛ وجملة "المبتدأ والخبر": صلة لـ "ما" لا محل لها؛ والعائد محذوف والتقدير: للذي أنت شائيته. شاني: خبر "أزال" منصوب، ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة. انظر حاشية الصبان: ٢/ ٥. موطن الشاهد: "لا أنت شائية". وجه الاستشهاد: دخول "لا" النافية على معرفة "الضمير المنفصل" ولم تكرر مع إهمالها؛ وتمسك المبرد وابن كيسان بهذا الشاهد؛ فلم يوجبا تكرارها إذا اقترنت بالمعرفة؛ أو فصل بينها وبين اسمها -كما أسلفنا- والجمهور يعدون مثل هذا البيت ضرورة من ضرورات الشعر. ١ لأن "لا" دخلت على الفعل تأويلا؛ وهي إذا دخلت على الفعل غير الماضي؛ الذي ليس دعائيا؛ لا يجب تكرارها؛ لأنه في معنى النكرة. شرح التصريح: ١/ ٢٣٨. ٢ ويكون في محل نصب دائما؛ وقيل في سبب بنائه على الفتح تركيبه معها؛ حتى صارا كالكلمة الواحدة؛ فأشبها الأعداد المركبة؛ نحو: خمسة عشر وغيرها؛ هذا وقد وقع اسم "لا" المفرد منصوبا في أسلوب عربي فصيح، وهو قولهم: "لا أبا لك"؛ ومنهم قول زهير بن أبي سلمى في معلقته: سئمت تكاليف الحياة ومن يَعِشْ ثمانين حولا -لا أبا لك- يسأم وهو تركيب يراد به المدح أحيانا، والذم أحيانا أخرى، وقد أوله النحاة على وجهين: الأول: أن "أبا" اسم "لا" مبني على فتح مقدر على الألف، على لغة من يلزم الأسماء الستة الألف، و"لك": متعلق بالخبر المحذوف. الثاني: أن "أبا" اسم "لا" منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف، والكاف مضاف إليه؛ واللام: زائدة بين المضاف والمضاف إليه. والخبر محذوف؛ والتقدير: لا أباك موجود؛ والإضافة -هنا- غير محضة؛ فلا تفيد تعريفا؛ نحو: "غير، ومثل"؛ والوجه الأول أفضل وأقرب إلى الصواب.
[ ٢ / ٧ ]
الكسر إن كان جمعا بألف وتاء١، كقوله٢: [البسيط]
١٥٦- إن الشباب الذي مجد عواقبه فيه نلذُّ ولا لذات للشيب٣
_________________
(١) ١ بلا تنوين، نيابة عن الفتحة؛ أو بالتنوين على رأي بعضهم. ٢ القائل هو: سلامة بن جندل بن عبد عمرو، من بني كعب بن سعد التميمي، يكنى أبا مالك، شاعر جاهلي من الفرسان، ومن أهل الحجاز، في شعره جودة، يعد من طبقة المتلمس؛ وهو من وُصَّاف الخيل؛ له: ديوان شعر صغير رواه الأصمعي، وأكثر المؤرخين على أنه جاهلي قديم، مع أنهم يذكرونه معاصرا لعمر بن كلثوم، ويقولون: إنه مات سنة ٢٣ ق. هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٢٧٢. الخزانة: ٢/ ٨٥، سمط اللآلي: ٤٩ و٤٥٤، شعراء الجاهلية: ٤٨٦، الأعلام: ٣/ ١٠٦. ٣ تخريج الشاهد: البيت من كلمة مستجادة؛ أولها قوله: أودى الشباب حميدا ذو التعاجيب أودى؛ وذلك شأو غير مطلوب ولى حثيثا، وذاك الشيب يتبعه لو كان يدركه ركض اليعاقيب ويروى صدر البيت الشاهد هكذا: أودى الشباب الذي مجد والشاهد من شواهد التصريح: ١/ ٢٣٨، والأشموني: "٢٩٦/ ١/ ١٥١"، وابن عقيل: "١٠٩/ ٢/ ٩" وهمع الهوامع: ١/ ٢٣٨، وفيه برواية: أودى الشباب ، وكذلك الدرر اللوامع ١/ ١٢٦؛ والشذور: "١١/ ١٢٥" والخزانة: ٢/ ٨٥، وشرح شواهد الألفية للعيني: ٢/ ٣٢٦، والمفضليات، للمفضل الضبي: ١٢٠. المفردات الغريبة: مجد عواقبه: نهايته شرف وعزه. الشيب: جمع أشيب وهو الذي أبيض شعره. الإعراب: إن: حرف مشبه بالفعل. الشباب اسمه. الذي: صفة لـ "الشباب". مجد: خبر مقدم مرفوع. عواقبه: مبتدأ مؤخر، والهاء: مضاف إليه؛ وهو الأفضل؛ لأنه يجوز الإخبار بالمفرد عن الجميع؛ إذا كان مصدرا؛ لأن المصدر لا يثنى ولا يجمع؛ وجملة "مجد عواقبه": صلة للموصول، لا محل لها. "فيه": متعلق بـ "نلذ" الآتي. نلذ: فعل مضارع، والفاعل: نحن. ولا: نافية للجنس، لذات: اسم لا، مبني على الكسر، أو الفتح في محل نصب. "للشيب": متعلق بمحذوف خبر "لا". موطن الشاهد: "لا لذات". وجه الاستشهاد: مجيء اسم "لا" النافية للجنس، وهو "لذات" جمع مؤنث سالما، وورد البيت ببناء "لذات" على الكسرة نيابة عن الفتحة، كما ينصب بها؛ لو كان معربا. وورد في رواية أخرى ببنائه على الفتح؛ وفي هذا دليل على جواز الوجهين في مثل هذا الشاهد.
[ ٢ / ٨ ]
روي بهما، وفي الخصائص١ أنه لا يجيز فتحه بصري إلا أبا عثمان٢، وعلى الياء إن كان مثنى أو مجموعا على حده٣، كقوله٤: [الطويل]
١٥٧- تَعَزَّ فلا إلفين بالعيش مُتِّعَا٥
_________________
(١) ١ الخصائص: كتاب لأبي الفتح عثمان ابن جني، وهو كتاب مشهور، ومطبوع. ٢ هو أبو عثمان المازني، وقد مرت ترجمته. ٣ أي: على حد المثنى وطريقته في الإعراب بالحروف؛ وهو جمع المذكر السالم؛ ولم تعارض التثنية والجمع سبب البناء -هنا- لأن هذا السبب وارد على التثنية والجمع وللوارد قوة؛ فهما يبنيان على ما ينصبان به. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٣٩. وحاشية الصبان: ٢/ ٧. ٤ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: ولكن لوُرَّاد المنون تتابُعُ والبيت من شواهد التصريح: ١/ ٢٣٩، والأشموني: "٢٩٥/ ١/ ١٥٠"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٦ والدرر واللوامع: ١/ ١٢٦، والعيني: ٢/ ٣٣٣، وشذور الذهب: "٢٨/ ١٢٣". المفردات الغريبة: تعز: تصبر وتكلَّف السلوان والتأسي بمن سبقك. إلفين: تثنية إلف؛ وهو الصديق الذي يألفك وتألفه؛ ومثله الأليف. ورَّاد: جمع وارد. المنون: الموت. تتابع: توارد، يرد بعضهم في إثر بعض. المعنى: تسل أيها الإنسان، واعتبر بمن سبقوك، وتأسَّ بمن رحلوا عن هذه الحياة قبلك؛ فليس هناك صديقان تمتعا بدوام العيش وصفائه؛ فالكل سائر إلى الموت، يتبع بعضهم بعضا. الإعراب: تعز: فعل أمر، والفاعل: أنت. فلا: الفاء تعليلية، لا: نافية للجنس. إلفين: اسم "لا" مبني على الياء؛ لأنه مثنى في محل نصب "بالعيش": متعلق بـ "متعا" الواقع خبرا لـ "لا"؛ ومتعا: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والألف نائب فاعل ولكن: الواو عاطفة، لكن: حرف استدراك. "الوراد": متعلق بخبر مقدم محذوف، ووراد: مضاف. المنون: مضاف إليه. تتابع: مبتدأ مؤخر مرفوع. موطن الشاهد: "لا إلفين". وجه الاستشهاد: مجيء اسم "لا" النافية للجنس مثنى؛ فبني على الياء التي ينصب بها حين يكون اسما معربا.
[ ٢ / ٩ ]
وقوله١: [الخفيف]
١٥٨- يحشر الناس لا بنين ولا آ باء إلا وقد عنتهم شئون٢
[علة بناء اسمها المفرد على الفتح]:
قيل: وعلة البناء تضمن٣ معنى "من" بدليل ظهورها في قوله٤: [الطويل]
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٣٩، والأشموني: "٢٩٥/ ١/ ١٥٠"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٦، والدرر اللوامع: ١/ ١٢٦، والعيني: ٢/ ٣٣٤، وشذور الذهب: "٢٩/ ١٢٤". المفردات الغريبة: عنتهم: أهمتهم، يقال: عناه الأمر يعنيه؛ إذا استحق عنايته واهتمامه. شئون: خطوب وشواغل؛ جمع شأن. المعنى: عندما يحشر الناس يوم القيامة، لا يهتم أحد بأحد من الناس؛ لأن كل واحد منهم منشغل بنفسه لهول الموقف، ومصداق هذا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ . الإعراب: يحشر: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع. الناس: نائب فاعل مرفوع. لا: نافية للجنس بنين: اسم "لا" على الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم. ولا: الواو عاطفة، لا: نافية للجنس. آباء: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب؛ وخبر "لا" في الموضعين محذوف؛ والتقدير: لا بنين موجودون. إلا: أداة حصر. وقد: الواو حالية. قد: حرف تحقيق. عنتهم: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، و"هم" مفعول به. شئون: فاعل مرفوع. وجملة "قد عنتهم شئون": في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "لا بنين". وجه الاستشهاد: مجيء اسم لا النافية للجنس "بنين" جمع مذكر سالما؛ فبني على الياء؛ التي هي علامة نصبه في حال إعرابه. ٣ ذكرنا سابقا العلة التي من أجلها بني اسم "لا" ونضيف زيادة في الفائدة؛ أن سيبويه، وجمهور النحاة يرون علة بنائه بتركبه مع لا تركب خمسة عشر -كما أسلفنا- ويؤيد رأيهم هذا زوال بناء هذا الاسم متى فصل بينه وبين "لا" فاصل، ولو كان تقدم الخبر على هذا الاسم، كما في قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾؛ وذهب ابن عصفور إلى أن علة البناء تضمن معنى "من" الاستغراقية، واعترض عليه ابن الضائع بأن الذي تضمن معنى "من" هو "لا" نفسها، لا الاسم بعدها. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٤٠. ٤ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
[ ٢ / ١٠ ]
١٥٩- وقال: ألا لا من سبيل إلى هند١
وقيل: تركيب الاسم مع الحرف كخمسة عشر٢.
وأما المضاف وشبهه فمعربان، والمراد بشبهه: ما اتصل به شيء من تمام معناه٣. نحو: "لا قبيحا فعله محمود، ولا طالعا جبلا
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فقام يذود الناس عنها بسيفه وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٣٩، والأشموني: "٢٨٩/ ١/ ١٤٨"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٦ والدرر اللوامع: ١/ ١٢٥، والعيني: ٢/ ٣٣٢. المفردات الغريبة: يذود: يمنع ويدفع. سبيل: طريق. هند: اسم محبوبته. المعنى: أخذ يدفع الناس، ويمنعهم عنها بسيفه، ويقول: ألا إنه لا طريق للوصول إلى هند، فإني سأذود عنها وأدافع بحد الحسام. الإعراب: ألا: أداة استفتاح وتنبيه. لا: نافية للجنس. من: زائدة للاستغراق. سبيل: اسم "لا" مبني على فتح مقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. "إلى هند": متعلق بالخبر المحذوف. موطن الشاهد: "ألا لا من سبيل". وجه الاستشهاد: ظهور "من" الاستغراقية بعد "لا" النافية للجنس؛ وفي هذا دليل على أنها، إذا لم تذكر مع الاسم؛ فهو متضمن معناها؛ ولهذا اختار ابن عصفور أن سبب بناء اسمها على الفتح كونه متضمنا معنى "من" الاستغراقية؛ وعلل ذلك بأن تركيب الاسم مع الحرف قليل؛ وأما البناء لتضمن معنى الحرف فكثير؛ وأما اعتراض ابن الضائع عليه، بأن المتضمن لمعنى "من" إنما هو "لا" نفسها لا الاسم بعدها؛ رده الدنوشري بقوله: "هذا الاعتراض ساقط؛ لأن الاستغراق الذي هو معنى "من" معناه الشمول، ولا شك في أن ذلك مدلول للنكرة؛ لأنها في سياق النفي للعموم. شرح التصريح: ١/ ٢٣٩-٢٤٠. ٢ هذا قول سيبويه وجماعة، وحجتهم أنه إذا فصل بين "لا" واسمها أعرب؛ نحو: لا فيها رجل ولا امرأة شرح التصريح: ١/ ٢٤٠. ٣ أول أمثلة المؤلف يدل على أن ما اتصل باسم "لا" قد يكون مرفوعا به، والمثال الثاني يدل على أنه قد يكون منصوبا به، والمثال الثالث يدل على أنه قد يكون مجرورا بحرف جر يتعلق به، وقد بقي رابع؛ وهو أن يكون معطوفا عليه نحو: لا ثلاثة وثلاثين. شرح التصريح: ١/ ٢٤٠.
[ ٢ / ١١ ]
حاضر١، ولا خيرًا من زيد عندنا".
[لك في "لا حول ولا قوة إلا بالله" خمسة أوجه]:
فصل: ولك في نحو: "لا حول ولا قوة إلا بالله" خمسة أوجه:
أحدها: فتحتهما، وهو الأصل، نحو: "لا بَيْعَ فِيهِ وَلا خُلَّةَ"٢ في قراءة ابن كثير٣، وأبي عمرو٤.
_________________
(١) ١ جبلا: مفعول طالعا؛ لأنه اسم فاعل، ونصب الشبيه بالمضاف وتنوينه؛ هو مذهب البصريين؛ وأجاز البغداديون؛ لا طالع جبلا بلا تنوين، أجروه في ذلك مجرى المضاف، كما أجري مجراه في الإعراب، وعليه يتخرج الحديث: "لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت". مغني اللبيب: ٥١٥. ٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٥٤. أوجه القراءات: قرأ ابن كثير وأبو عمرو "لا بيعَ فيه ولا خلةَ" بالفتح من دون تنوين؛ وقرأ الباقون بالرفع. توجيه القراءات: في قراءة ابن كثير وأبي عمرو فـ "بيع" ولا "خلة" اسمان لـ "لا" العاملة عمل "إن" مبنيان في محل نصب؛ وأما على قراءة الرفع؛ فإما أن "لا" عاملة عمل ليس، وإما مهملة وهما مرفوعان بالابتداء. موطن الشاهد: "لا بيع فيها ولا خلة". وجه الاستشهاد: مجيء "لا" في الموضعين عاملة عمل "إن" و"بيع" اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب؛ وخلة: اسم "لا" الثانية مبني على الفتح في محل نصب كذلك. ومثل هذه الآية في فتح الاسمين قول الشاعر "وهو الشاهد السابق": يحشر الناس لا بنين ولا آ باء إلا وقد عنتهم شئون ٣ هو: أبو معبد، عبد الله بن كثير بن عمرو المكي الداري، ولد سنة ٤٥هـ، وهو أحد أصحاب القراءات السبع، كان إمام القراء بمكة غير منازع، وكان عالما بالعربية فصيحا بليغا مفوها؛ لقي من الصحابة عبد الله بن الزبير، وأبا أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك -﵃- ولم يزل الإمام المجمع عليه في القراءة بمكة، حتى توفي سنة ١٢٠هـ. غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري: ١/ ٤٤٣. وفيات الأعيان: ٣/ ٤١. ٤ هو أبو عمرو، زبان بن العلاء بن عمار المازني البصري، أحد أصحاب القراءات السبع، كان أعلم الناس بالقراءة والعربية، مع الصدق والأمانة والدين؛ أخذ عن نافع مولى ابن عمر، وأخذ عنه اليزيدي النحوي وغيره. مات سنة ١٥٤؛ وله ٨٦ سنة. بغية الوعاة: ٢/ ٢٣١، طبقات القراء: ١/ ٢٨٨، وفيات الأعيان: ١/ ٣٨٦ الفهرست: ٢٨، الأعلام: ٣/ ٧٢.
[ ٢ / ١٢ ]
الثاني: رفعهما، إما بالابتداء، أو على إعمال "لا" عمل ليس١ كالآية في قراءة الباقين، وقوله٢: [البسيط]
١٦٠- لا ناقةٌ ليَ في هذا ولا جَمَلُ٣
_________________
(١) ١ ويقدر لهما خبر واحد، إن جعلت "لا" الثانية زائدة لتوكيد النفي، وما بعدها معطوف على "لا" الأولى مع اسمها، باعتبار الأصل، على الخلاف في ذلك. وإن أهملت الأولى، وأعملت الثانية أو بالعكس؛ وجب تقدير خبرين لكل خبر؛ أما إذا جعلتا عاملتين عمل ليس؛ فيجوز تقدير خبرين، أو خبر واحد. ٢ القائل هو: عبيد بن حصين النميري، المعروف بالراعي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: وما هجرتك حتى قلت معلنة وهو من شواهد التصريح: ١/ ٢٤١ والأشموني: "٣٠٠/ ١٥٢"، والكتاب لسيبويه: ١/ ٣٥٤، وشرح المفصل: ٢/ ١١١، ١١٣ والعيني: ٢/ ٣٣٦، ومجمع الأمثال للميداني "بولاق": ٢/ ١٤٤. وعجز البيت: لا ناقة لي في هذا ولا جمل مثل من أمثال العرب يقوله من يتبرأ من الأمر، ويباعد نفسه منه، وأول من قاله الحارث بن عباد فارس النعامة حين قتل جساس بن مرة كليب بن ربيعة، وهاجت الحرب بين بكر وتغلب، وكان الحارث بن عباد قد اعتزلها. وقيل: إن أول من قال ذلك الصدوف بنت حليس العذرية. وانظر أمثال الميداني "تحقيق محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٢٢٠. المفردات الغريبة: وما هجرتك: يروى مكانه وما صرمتك: وهما يدلان على الهجر، وقطع حبال المودة. المعنى: ما تركتك، وقطعت حبال المودة والصلة بيننا؛ حتى تبرأت مني، وقلت صراحة: لا شيء لي في هذا الأمر. الإعراب: ما: نافية. هجرتك: فعل ماضٍ، وفاعل، ومفعول به، حتى: حرف غاية بمعنى "إلى". قلت: فعل وفاعل. معلنة: حال منصوب. لا: نافية مهملة؛ أو عاملة عمل ليس. ناقة: مبتدأ على الوجه الأول، واسم "لا" على الوجه الثاني؛ والأول =
[ ٢ / ١٣ ]
الثالث: فتح الأول ورفع الثاني١، كقوله٢: [الكامل]
١٦١- لا أم لي إن كان ذاك ولا أب٣
_________________
(١) = أفضل. "لي في هذا": متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ؛ أو "لا"، وإعراب "ولا جمل" مثله؛ وخبره محذوف؛ أي: ولا جمل لي، ويجوز أن تكون "لا" الثانية زائدة، و"جمل" معطوفة على ناقة. موطن الشاهد: "لا ناقة ولا جمل". وجه الاستشهاد: تكرار "لا" وورود الاسمين مرفوعين؛ فارتفاع الأول على أحد وجهين، كما أوضحنا في الإعراب؛ الأول: أن تكون "لا" مهملة والاسم بعدها مبتدأ؛ أو تكون عاملة عمل "ليس" والاسم بعدها اسمها مرفوع. وارتفاع "جمل" على أحد ثلاثة أوجه: أولها: أن تكون "لا" الثانية زائدة، والاسم بعدها معطوف على الاسم الذي بعد "لا" الأولى. ثانيها: أن تكون "لا" الثانية نافية مهملة و"جمل" مبتدأ محذوف الخبر؛ وهذه الجملة من المبتدأ والخبر معطوفة على جملة المبتدأ والخبر الأولى. ثالثها: أن تكون "لا" الثانية نفاية عاملة عمل "ليس" و"جمل" اسمها، وخبرها محذوف؛ والجملة معطوفة على الجملة السابقة. ١ إما بالابتداء، و"لا" ملغاة، أو على أن "لا" عاملة عمل ليس، ويكون في الحالتين من عطف الجمل أو بالعطف على محل اسم "لا" باعتبار الأصل، و"لا" زائدة لتوكيد النفي. ٢ ينسب هذا البيت إلى رجل من مذحج ولم يسمه أحد من النحاة. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: هذا لعمركم الصغار بعينه وقوله قبل هذا البيت: وإذا تكون كريهة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب وهذا القول في أهله الذين يفضلون أخاه عليه. وقد نسبه أبو رياش لهمام بن مرة؛ أخي جساس بن مرة، قاتل كليب، وقال ابن الأعرابي: هو لرجل من بني عبد مناة، وقال الحاتمي: هو لابن أحمر، وقال الأصفهاني: هو لضميرة بن ضمرة، وقال بعضهم: إنه من الشعر القديم جدا. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤١، وابن عقيل: "١١١/ ٢/ ١٣"، والأشموني: "٢٩٨/ ١/ ١٥١" وفيه برواية: هذا وجدكم الصغار والكتاب لسيبويه: ١/ ٣٥٢، =
[ ٢ / ١٤ ]
وقوله١: [الطويل]
١٦٢- وأنتم ذنابي لا يدين ولا صدر٢
_________________
(١) = والمقتضب: ٤/ ٣٧١، والجمل للزجاجي: ٣٤٣، وشرح المفصل: ٢/ ١١٠، وهمع الهوامع: ٢/ ١٤٤ والدرر اللوامع: ٢/ ١٩٨، ومغني اللبيب: "١٠١٤"/ ٧٧٣" وشرح السيوطي: ٣١١ وشذور الذهب: "٣١/ ١٢٧". المفردات الغريبة: لعمركم: وحياتكم، والعمر الحياة، وجدكم: الجد الحظ والبخت، وهو أيضا: أبو الأب. الصَّغار: الذال والمهانة. الحيس: تمر يخلط بسمن وأقط. المعنى: أقسم بحياتكم أن إيثار أخي جندب علي في المكارم، ودفعي إلى المكاره؛ هو عين الذل والمهانة؛ فإن كان ذلك هو تقديركم لي؛ فلا أم لي ولا أب؛ يريد أنه وضيع ساقط النسب. الإعراب: هذا: الهاء للتنبيه، وذا: اسم إشارة، مبتدأ. لعمركم: اللام للابتداء، عمر: مبتدأ، و"كم" مضاف إليه؛ والخبر محذوف وجوبا؛ والتقدير: لعمركم قسمي. الصغار: خبر المبتدأ "ذا"؛ وجملة القسم معترضة بين المبتدأ وخبره، لا محل لها. بعينه: الباء زائدة، عينه: مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه توكيد لـ "الصغار"؛ وهو الأفضل. لا: نافية للجنس. أم: اسمها مبني على الفتح في محل نصب. "لي": متعلق بالخبر. إن: شرطية. كان: فعل ماضٍ تام، وهو فعل الشرط؛ وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله. ذاك: فاعل "كان" والكاف: للخطاب؛ وجملة "إن كان ذاك": اعتراضية، لا محل لها. ولا أب: الواو عاطفة، لا زائدة لتأكيد النفي. أب: معطوف على محل لا واسمها؛ فإنها في موضع رفع بالابتداء. موطن الشاهد: "ولا أب". وجه الاستشهاد: تكررت "لا" وعطف بالواو على ما قبلها، وارتفع الاسم بعدها؛ وارتفاعه على واحد من ثلاثة أوجه؛ هي: أ- أن تكون "لا" زائدة لتأكيد النفي -كما أعربنا- وارتفع "أب" بالعطف على محل "لا مع اسمها"؛ على مذهب سيبويه. ب- أن تكون "لا" الثانية عاملة عمل "ليس" و"أب": اسمها؛ وخبرها محذوف. ج- أن تكون "لا" زائدة غير عاملة؛ و"أب": مبتدأ محذوف الخبر. انظر حاشية الصبان: ٢/ ١٠. ١ القائل: هو جرير بن عطية، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: بأي بلاء يا نمير بن عامر =
[ ٢ / ١٥ ]
الرابع: عكس الثالث١، كقوله٢: [الوافر]
١٦٣- فلا لغو ولا تأثيم فيها٣
_________________
(١) = وهو من قصيدة لجرير يهجو فيها قبيلة من قيس؛ أبوها نمير بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن، وهو من شواهد التصريح: ١/ ٢٤١. المفردات الغريبة: بلاء: "البلاء": الاختبار والتجربة، والمقصود هنا العمل الذي يكون سببا للفخر. ذنابى "بضم الذال المعجمة": أتباع وذيول. لا يدين ولا صدر: أي لستم قادة ولا رؤساء متبوعين. المعنى: بأي عمل أو فعل بدر منكم تفخرون؟ فأنتم لا تملكون أدنى أثر في المحامد، وأنتم أتباع وذيول لغيركم، ولستم قادة، ولا رؤساء متبوعين. الإعراب: "بأي": متعلق بفعل محذوف؛ والتقدير. بأي بلاء تفخرون؟. بلاء: مضاف إليه. يا نمير: حرف نداء، ومنادى مبني على الضم في محل نصب. ابن: صفة لـ "نمير" وهو مضاف. عامر: مضاف إليه. وأنتم: الواو حالية، أنتم: مبتدأ. ذنابى: خبر. لا: نافية للجنس. يدين: اسم "لا" مبني على الياء؛ لأنه مثنى؛ والخبر محذوف؛ والتقدير: ولا يدين لكم. ولا صدر: "بالرفع" معطوف على الأوجه الثلاثة المذكورة في الشاهد السابق. موطن الشاهد: "لا يدين ولا صدر". وجه الاستشهاد: ورود "لا" مكررة، وورود الاسم بعد الأولى مبنيا على الياء، وبعد لثانية مرفوعا؛ فلا الأولى عملت عمل "إن" كما بينا في الإعراب. وارتفاع الاسم بعد "لا" الثانية؛ على أحد ثلاثة أوجه، هي: أ- أن تكون "لا" الثانية زائدة، و"صدر" معطوف على محل "لا مع اسمها"؛ لأن محلهما الرفع بالابتداء على رأي سيبويه. ب- أن تكون "لا" نافية مهملة، فيكون "صدر": مبتدأ بعدها. ١ وهو رفع الأول وفتح الثاني، أما رفع الأول، فعلى الابتداء، و"لا" ملغاة، أو على إعمال "لا" عمل ليس، وفتح الثاني على إعمال "لا" الثانية عمل "إن" ويقدر لكل خبر. ٢ القائل هو: أمية بن أبي الصلت، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت لأمية بن أبي الصلت في وصف الجنة، وأكثر النحاة يروون عجزه: وما فاهوا به أبدا مقيم =
[ ٢ / ١٦ ]
الخامس: فتح الأول ونصب الثاني١، كقوله٢: [السريع]
١٦٤- لا نسب اليوم ولا خلة٣
_________________
(١) = وفيه تلفيق من بيتين يفصل بينهما خمسة أبيات، وثانيهما يروى قبل أولهما، وهما: ولا لغو ولا تأثيم فيها ولا حَيْنٌ ولا فيها مليمُ وفيها لحم ساهرة وبحر وما فاهوا به أبدًا مقيمُ ويروى عجز الشاهد: ولا غول ولا فيها مليمُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤١، وابن عقيل: "١١٢/ ٢/ ١٥"، والأشموني: "٣٠١/ ١/ ١٥٢" وهمع الهوامع: ٢/ ١٥٤، والدرر اللوامع: ٢/ ١٩٩ والخزانة: ٢/ ٢٨٣ عرضا، والعيني: ٢/ ٣٤٦، واللسان: "سهر"، والشذور: "٣٣/ ١٢٨"، وديوان أمية بن أبي الصلت: ٥٤. المفردات الغريبة: اللغو: القول الباطل، وما لا يعتد به من الكلام. تأثيم: مصدر أثمته؛ نسبته إلى الإثم، وهو الذنب. فاهوا: تلفظوا وتكلموا. المعنى: ليس في الجنة قول باطل، وكلام لغو لا فائدة منه؛ ولا يفعل أهلها ذنوبا يحاسبون عليها؛ وما تلفظوا به من طلب أي شيء -فهو حاصل ودائم أبدا. الإعراب: لا: مهملة أو عاملة عمل ليس. لغو: مبتدأ؛ أو اسم "لا" على الوجه الثاني؛ وعلى كلا الوجهين فالخبر محذوف؛ لدلالة خبر "لا" الثانية عليه. ولا: الواو عاطفة، لا: نافية للجنس، تعمل عمل "إن". تأثيم: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب. "فيها": متعلق بخبرها المحذوف. وما: اسم موصول، مبتدأ. فاهوا: فعل ماضٍ، وفاعل؛ وجملة "فاهوا": صلة للموصول، لا محل لها. "أبدا"؛ ظرف زمان. متعلق بـ "مقيم". مقيم: خبر المبتدأ "ما". موطن الشاهد: "لا لغو ولا تأثيم". وجه الاستشهاد: إلغاء "لا" الأولى؛ أو إعمالها عمل "ليس" وارتفاع الاسم بعدها، كما بينا في الإعراب؛ وإعمال "لا" الثانية عمل "إن". ١ فيكون معربا منونا بالعطف على محل اسم "لا" الأولى، وتكون "لا" الثانية زائدة. ٢ القائل هو أنس بن العباس بن مرداس. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه كما يرويه بعض النحاة: اتسع الخرق على الرافع والذين يروون عجز البيت على ما ذكرناه، يروون بعده: كالثوب إذ أنهج فيه البلى أعيا على ذي الحيلة الصانع =
[ ٢ / ١٧ ]
_________________
(١) = وروى أبو علي القالي صدر هذا البيت، مع عجز آخر؛ وهو: اتسع الخرق على الراتِقِ ورَوَى قبله: لا صلح بيني -فاعلموه- ولا بينكم، ما حملت عاتقي سيفي، وما كنا بنجد، وما قرقر قُمْرُ الواد بالشاهقِ وقد قيل: إن هذا الشاهد هو لأبي عامر جد العباس؛ وقيل إن كل رواية هي لشاعر. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤١، وابن عقيل: "١١٠/ ٢/ ١٢"، والأشموني: "٢٩٩/ ١/ ١٥١" والكتاب لسيبويه: ١/ ٣٤٩، وشرح المفصل: ٢/ ١٠١/ ١١٣، ٩/ ١٣٨، والعيني: ٢/ ٣٥١، ٤/ ٥٦٧ وهمع الهوامع: ٢/ ١٤٤، ٢١١، والدرر اللوامع: ٢/ ١٩٨، ٢٣٨، ومغني اللبيب: "٤١١/ ٢٩٨" "١٠٢٠/ ٧٨٣"، والسيوطي: ٣١٢، وسمط اللآلي: ٣/ ٣٧، واللسان "قمر". المفردات الغريبة: خلة: صداقة. الخرق: الفتق. الراقع والراتق: الذي يصلح موضع الفساد من الثوب. المعنى: لا قرابة، ولا صلة نسب، ولا مودة، ولا صداقة تنفع اليوم؛ فقد بلغ الخلاف مبلغًا لا يرجى معه إصلاح. الإعراب: لا. نافية للجنس. نسب: اسمها مبني على الفتح في محل نصب. "اليوم": متعلق بخبر "لا" المحذوف. ولا: الواو عاطفة، "لا" زائدة لتأكيد النفي. خلة: "بالنصب والتنوين" معطوف على محل اسم "لا" الأولى "عطف مفرد على مفرد" اتسع: فعل ماضٍ. الخرق. فاعل. "على الراقع": متعلق بـ "اتسع". موطن الشاهد: "ولا خلة". وجه الاستشهاد: انتصاب "خلة" على تقدير "لا" زائدة لتأكيد النفي، والواو عاطفة عطفت "خلة" على محل اسم "لا" الأولى "نسب" على رأي الجمهور؛ ويكون العطف على هذا الوجه من باب عطف المفرد على المفرد. وذهب يونس بن حبيب إلى أن "لا" الثانية في البيت عاملة عمل "إن" وأن "خلة": اسمها مبني على الفتح، ونون للضرورة؛ وخبر "لا" الثانية محذوف يفهم من خبر "لا" الأولى؛ والتقدير: "ولا خلة اليوم"؛ وتكون الواو -على رأيه- قد عطفت جملة على جملة؛ والأول أرجح؛ لأنه لا يستتبع الضرورة. وزعم الزمخشري أن "خلة": مفعول به منصوب بفعل محذوف؛ والتقدير: لا نسب اليوم ولا تذكر خلة؛ وفي هذا من التكلف الذي لا يخفى على أحد.
[ ٢ / ١٨ ]
وهو أضعفها١ حتى خصه يونس وجماعة بالضرورة كتنوين المنادى، وهو عند غيرهم على تقدير "لا" زائدة مؤكدة، وأن الاسم منتصب بالعطف.
[العطف على اسم لا من غير أن تكرَّر]:
فإن عطفت ولم تكرر "لا" وجب فتح الأول، وجاز في الثاني النصب والرفع٢، كقوله٣: [الطويل]
١٦٥- فلا أبَ وابنًا مثل مروان وابنه٤
_________________
(١) ١ لأن نصب الاسم مع وجود "لا" ضعيف، والقياس فتحة بلا تنوين. شرح التصريح: ١/ ٢٤٢. ١ أي مطلقا، سواء أكان مفردا أم غير مفرد، وكذلك الاسم المعطوف عليه، ويكون النصب بالعطف على محل اسم "لا" الأولى، والرفع على محلها باعتبار أصلها قبل دخول "لا"، وقد علمت أن أصلها مبتدأ مرفوع، أو على "لا" مع اسمها، وهما بمنزلة المبتدأ. ٣ القائل: هو رجل من بني عبدة مناة. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: إذا هو بالمجد ارتدى وتأزَّرا وفيه يمدح الشاعر مروان بن الحكم وابنه عبد الملك بن مروان. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٣، والأشموني: "٣٠٢/ ١/ ١٥٣"، والكتاب لسيبويه: ١/ ٣٤٩، والمقتضب: ٤/ ٣٧٢، وشرح المفصل: ٢/ ١٠١، ١١٠، والخزانة: ٢/ ١٠٢ والعيني: ٢/ ٣٥٥، وهمع الهوامع: ٢/ ١٤٣، والدرر اللوامع: ٢/ ١٩٧، وقطر الندى: "٦٦/ ٢٢٤". المفردات الغريبة: المجد: العز والشرف. ارتدى: لبس الرداء؛ وهو اسم لما يستر النصف الأعلى من الإنسان. تأزرا: لبس الإزار؛ وهو اسم لما يستر النصف الأسفل منه، وقد كنى بذلك عن ثبوت هذه الصفة "العز والشرف" لهما؛ لأنه جعلهما كاللابسين لها، المرتدين بها، وهو نظير قولهم: المجد بين برديه، والوقار في ثوبه، والحلم تحت عمامته، والكمال في قبة ضربت عليه إلخ. المعنى: يمدح الشاعر مروان وابنه عبد الملك. الإعراب: لا: نافية للجنس. أب: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب. وابنا: الواو عاطفة. ابنا: اسم معطوف على محل اسم "لا". مثل: "بالنصب" صفة لاسم لا =
[ ٢ / ١٩ ]
ويجوز "وابن" بالرفع، وأما حكاية الأخفش "لا رجلَ وامرأةَ" بالفتح، فشاذة١.
[وصف اسم لا]:
فصل: وإذا وصفت النكرة المبنية بمفرد متصل جاز فتحه٢ على أنه ركب معها قبل مجيء "لا" مثل "خمسة عشر"، ونصبه مراعاة لمحل النكرة٣، ورفعه مراعاة لمحلها مع لا، نحو: "لا رجل ظريف فيها"٤ ومنه: "ألا ماءَ ماءً باردا عندنا"
_________________
(١) = وما عطف عليه؛ وعلى هذا الوجه، يكون خبر "لا" محذوفا؛ والتقدير: لا أب وابنا مماثلين لمروان موجودان؛ وبـ "الرفع": فهو خبر "لا"؛ أو صفة على محل لا واسمها؛ والأول أفضل. مروان: مضاف إليه. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط. هو: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ والتقدير: إذا ارتدى وجملة الفعل المحذوف وفاعله في محل جر بالإضافة. "بالمجد": متعلق بالفعل المحذوف. ارتدى: فعل ماضٍ، والفاعل هو؛ وجملة "ارتدى": تفسيرية، لا محل لها. وتأزرا: الواو عاطفة، تأزرا: فعل ماضٍ، والفاعل: هو: والألف: للإطلاق. وجملة "تأزرا": معطوفة على جملة "ارتدى"، لا محل لها. موطن الشاهد: "لا أب وابنا". وجه الاستشهاد: عطف ابنا على اسم "لا" النافية للجنس، من دون أن يكرر "لا"؛ وجاء بالمعطوف منصوبا؛ وذلك لأنه عطفه على محل اسم "لا" النافية للجنس؛ ويجوز وجه آخر في هذا الشاهد؛ وهو رفع "ابنا" عطفا على محل "لا مع اسمها" على مذهب سيبويه؛ لأن "لا" و"اسمها" معا في محل رفع على الابتداء. ١ لأنه لا يصح البناء بالتركيب؛ لوجود الفصل بحرف العطف. وخرجه بعضهم على أن الأصل: ولا امرأة، فحذفت "لا" وأبقي البناء على نيتها؛ فالشذوذ من هذه الناحية. هذا، وإذا كان المعطوف معرفة، لم يجز فيها إلا الرفع على أنه مبتدأ. شرح التصريح: ١/ ٢٤٣. ٢ أي بناؤه على الفتح، إن كان مفردا، أو على ما ينوب عنها، كالياء في المثنى والمجموع. ٣ وقيل إتباعا للحركة البنائية؛ لأنها هنا شبيهة بحركة الإعراب، بل أصلها الإعراب. ٤ هذا من أمثلة الخليل، بفتح ظريف، ونصبه منونا، ورفعه. ويقال في المثنى: لا رجلين ظريفين بالبناء والنصب، وظريفان. وفي الجمع: لا رجال ظريفين بالبناء والنصب أيضا، وظريفون.
[ ٢ / ٢٠ ]
لأنه يوصف بالاسم إذا وصف، والقول بأنه توكيد خطأ١.
فإن فقد الإفراد نحو: "لا رجل قبيحا فعله عندنا" أو "لا غلام سفر ظريفًا عندنا" أو الاتصال نحو: "لا رجل في الدار ظريف" أو "لا ماءَ عندنا ماءً باردًا" امتنع الفتح، وجاز الرفع والنصب، كما في المعطوف بدون تكرار "لا"، وكما في البدل الصالح لعمل "لا" فالعطف نحو: "لا رجل وامرأة فيها"، والبدل نحو: "لا أحد رجل وامرأة فيها"، فإن لم يصلح له فالرفع نحو: "لا أحد زيد وعمر فيها" وكذا في المعطوف الذي لا يصلح لعمل "لا" نحو: "لا امرأة فيها ولا زيد".
[دخول همزة الاستفهام على "لا" لا يغير حكمها]:
وإذا دخلت همزة الاستفهام على "لا" لم يتغير الحكم.
ثم تارة يكون الحرفان باقيين على معنييهما، كقوله٢: [البسيط]
١٦٦- ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد٣
_________________
(١) ١ لأنه مقيد بالوصف، فليس مرادفا في اللفظ "لما" الأولى المطلقة؛ وأجازه بعضهم على اعتبار أن الوصف طرأ بعد التوكيد. كما جوزوا إعرابه بدلا؛ ومنعه بعضهم؛ لأنه يلزم عليه تقديم البدل على النعت، وهو ممنوع. شرح التصريح: ١/ ٢٤٣، ٢٤٤. ٢ القائل هو: مجنون بني عامر؛ قيس بن الملوح، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: إذًا ألاقي الذي لاقاه أمثالي ويروى صدر البيت: ألا اصطبار لليلى وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٤، وابن عقيل: "١١٤/ ٢/ ٢٢"، والأشموني: "٣٠٥/ ١/ ١٥٣" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٧"، والدرر اللوامع: ٢/ ١٨٢، ومغني اللبيب: "٩/ ٢١" "١١٠/ ٩٧"، والسيوطي: ١٥، ٧٧، وديوان قيس: ٢٢٨. المفردات الغريبة: اصطبار: تصبر وتجلد واحتمال. جلد: صلابة وثبات. لاقاه أمثالي: كناية عن الموت. المعنى: أيذهب الصبر، وينتقي عن سلمى وتجزع؟ أم تتجلد، وتثبت إذا لاقيت ما لاقاه أمثالي من الموت؟. =
[ ٢ / ٢١ ]
وهو قليل، حتى توهم الشلوبين١ أنه غير واقع.
وتارة يراد بهما التوبيخ، كقوله٢: [البسيط]
١٦٧- ألا ارعواء لمن ولَّت شبيته٣
وهو الغالب.
_________________
(١) = الإعراب: ألا: الهمزة حرف استفهام. لا: نافية للجنس. اصطبار: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب. "لسلمى": متعلق بمحذوف خبر "لا". أم: حرف عطف. "لها": متعلق بمحذوف خبر مقدم. جلد: مبتدأ مؤخر؛ وجملة "لها جلد": معطوفة على الجملة الأولى، لا محل لها. إذا: ظرفية متضمنة معنى الشرط. ألاقي: فعل مضارع والفاعل: أنا. وجملة "ألاقي": في محل جر بالإضافة. الذي: مفعول به. لاقاه: فعل ماضٍ، والهاء: مفعول به. أمثالي: فاعل مرفوع، والياء: مضاف إليه؛ وجملة "لاقاه": صلة للموصول، لا محل لها. موطن الشاهد: "ألا اصطبار". وجه الاستشهاد: دخول همزة الاستفهام على "لا" النافية للجنس، لم يمنعها من العمل؛ وظل الاستفهام على معناه، و"لا" على معناها؛ والمراد بهما: الاستفهام عن النفي؛ وفي هذا البيت رد على الشلوبين في دعواه أن الاستفهام عن النفي شيء غير واقع. انظر حاشية الصبان: ١/ ١٥. ١ مرت ترجمته. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وآذنت بمشيب بعده هرمُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٥، وابن عقيل: "١١٣/ ٢/ ٢١"، والأشموني: "٣٠٥/ ١/ ١٥٣" والهمع: ١/ ١٤٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٢٨، ومغني اللبيب: "١٠٨/ ٩٦"، والسيوطي: ٨٦ وشرح شواهد الألفية للعيني: ٢/ ٣٦٠. المفردات الغريبة: ارعواء: انتهاء وانكفاف عن القبيح. ولت: أدبرت وذهبت. شبيبته: شبابه. آذنت: أعلمت. مشيب: شيخوخة. هرم: كبر وضعف. المعنى: ألا ينزجر وينأى عن الأمور القبيحة من ذهب شبابه، وولى صباه، وأنذره المشيب بالكبر، والضعف، وذهاب القوة؟! الإعراب: ألا: الهمزة حرف استفهام. لا: نافية للجنس؛ ومعنى الحرفين هنا =
[ ٢ / ٢٢ ]
وتارة يراد التمني، كقوله١: [الطويل]
١٦٨- ألا عُمْرَ ولَّى مستطاعٌ رجوعُهُ٢
_________________
(١) = التوبيخ والإنكار. ارعواء: اسم "لا" مبني على الفتح، في محل نصب. "لمن": متعلق بمحذوف خبر "لا"؛ أولا بـ "ارعواء"، والخبر محذوف. ولت شبيبته: فعل ماضٍ، وفاعل، ومضاف إليه، والتاء: للتأنيث؛ وجملة "ولت شبيته": صلة للموصول "من" لا محل لها. وآذنت: الواو عاطفة وجملة "آذنت": معطوفة على جملة "ولت": لا محل لها؛ وهو الأفضل. "بمشيب": متعلق بـ "آذنت". "بعده": متعلق بمحذوف خبر مقدم ومضاف إليه. هرم: مبتدأ مؤخر؛ والجملة في محل جر صفة لـ "مشيب". موطن الشاهد: "ألا ارعواء". وجه الاستشهاد: دخول همزة الاستفهام على "لا" النافية للجنس مع بقاء عملها، قبل دخول الهمزة عليها، مع أن الشاعر قصد بالحرفين جميعا التوبيخ والإنكار؛ غير أن العلامة الدماميني لم يرتضِ أن يكون الحرفان "الهمزة ولا" دالين معا على الإنكار التوبيخي، وذكر أن المفيد للإنكار التوبيخي هو الهمزة وحدها؛ و"لا" بعد الهمزة دالة على النفي؛ فيكون كل حرف منهما دالا على ما اختص به، أي أن معنى: "ألا ارعواء": التوبيخ على عدم الارعواء والإنكار على من لم يرعوِ وينكف عن الميل إلى دواعي الصبا. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٤٥. ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فيرأبَ ما أَثْأَتْ يد الغفلات وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٥، وابن عقيل: "١١٥/ ٢/ ٢٣"، والأشموني: "٣٠٦/ ١/ ١٥٣" والعيني: ٢/ ٣١٦، ومغني اللبيب: "١٠٩/ ٩٧" "٧٠٩/ ٤٩٩"، والسيوطي: ٧٦/ ٢٨٠". المفردات الغريبة: ولى: ذهب وأدبر. فيرأب: فيصلح ويجبرز أثأت: أفسدت. المعنى: يتمنى الشاعر أن يعود عمره الذي مضى وذهب؛ ليصلح ما أفسده، وما عمله من سوء في عهد الغفلة والجهل والصبوة. الإعراب: ألا: "مركبة" تفيد التمني. عمر: اسمها مبني على الفتح في محل نصب؛ وهو بمنزلة المفعول، لأن "ألا" بمعنى أتمنى؛ ولا خبر لها؛ وقيل: الهمزة للاستفهام، و"لا" نافية للجنس، وأريد بهما التمني. وجملة "ولى": في محل نصب صفة لـ "عمر". مستطاع: خبر مقدم. رجوعه: مبتدأ مؤخر، ومضاف إليه؛ ويجوز أن =
[ ٢ / ٢٣ ]
وهو كثير، وعند سيبويه والخليل أن "ألا" هذه بمنزلة أتمنى فلا خبر لها، وبمزلة: "ليت" فلا يجوز مراعاة محلها مع اسمها، ولا إلغاؤها إذا تكررت، وخالفهما المازني والمبرد١، ولا دليل لهما في البيتن إذ لا يتعين كون: "مستطاع" خبرا، أو صفة، و: "رجوعه" فاعلا، بل يجوز كون "مستطاع" خبرا مقدما، و: "رجوعه" مبتدأ مؤخرا، والجملة صفة ثانية.
_________________
(١) = نعرب "مستطاع": خبر "ألا" مرفوع. رجوعه: نائب فاعل ومضاف إليه؛ لأن "مستطاع" اسم مفعول؛ وعلى الوجه الأول، فجملة "مستطاع رجوعه": في محل نصب صفة ثانية لـ "عمر". فيرأب: الفاء سببية، يرأب: فعل مضارع منصوب بـ "أن" مضمرة وجوبا بعد فاء السببية، وفاعله: هو، يعود إلى "عمر". ما: اسم موصول، مفعول به لـ "يرأب". أثأت: فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث. يد: فاعل مرفوع، وهو مضاف. الغفلات: مضاف إليه؛ وجملة "أثأث يد الغفلات": صلة للموصول، لا محل لها؛ والعائد محذوف؛ والتقدير: أثأته. موطن الشاهد: "ألا عمر". وجه الاستشهاد: مجيء "ألا" مركبة لمجرد التمني؛ والذي يؤكد كونها للتمني، انتصاب الفعل المضارع بـ "أن" مضمرة بعد فاء السببية في جواب التمني، واستعمال: "ألا" بهذا المعنى كثير شائع في لغة العرب. فائدة: استدل المازني والمبرد بهذا البيت على أن "ألا" الدالة على التمني، يجوز ذكر خبرها ويجوز مراعاة محلها مع اسمها؛ فيطعف بالرفع بعدها، كما يصح ذلك مع "لا" التي لم تقترن بها الهمزة الدالة على التمني، وخالفا في ذلك سيبويه والخليل بن أحمد؛ ووجه استدلالهما بهذا البيت، أنهما أجازا إعراب "مستطاع" خبرا: لـ "ألا" كما بينا: أو أن يكون صفة لـ "عمر" باعتبار محله مع لا؛ لأن سيبويه يجعل محل "ألا مع اسمها" مرفوعا بالابتداء؛ فإن جعل "مستطاع" خبرا لـ "ألا" كان ذلك دليلا على جواز ذكر خبر "ألا"؛ وهذا خلاف ما ذهب إليه سيبويه والخليل؛ وإن أعرب "مستطاع" صفة لـ "عمر" كان الشاعر قد راعى محل "ألا مع اسمها" وهذا خلاف مذهب سيبويه في هذا البيت؛ غير أن المذكور، لا يكون ردا على سيبويه إلا إذا لم يكن له وجه آخر من وجوه الإعراب؛ ولكن رأينا له وجها آخر عرضناه في إعراب مفردات البيت، وعليه فلا يصلح البيت شاهدا لما ذهبا إليه، لأن الدليل، متى تطرق إليه الاحتمال لم يصلح للاستدلال. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٤٥. ١ فجعلاهما كالمجردة من همزة الاستفهام، واستدلا بالبيت السابق، فجعلا "مستطاع": إما خبرا للا أو صفة لاسمها، مراعاة لمحلها قبل دخول "لا" والخبر محذوف، أي راجع، و"رجوعه" نائب فاعل مستطاع.
[ ٢ / ٢٤ ]
[ترد "ألا" للتنبيه وتدخل على الجملتين]:
وترد "ألا" للتنبيه١ فتدخل على الجملتين نحو: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ٢ ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ ٣ وعرضية وتحضيضية فتختصان بالفعلية نحو: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ٤ ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُم﴾ ٥.
[إذا جهل الخبر وجب ذكره]:
مسألة: وإذا جهل الخبر وجب ذكره، نحو: "لا أحدَ أغيرُ من الله عز
_________________
(١) ١ هي "ألا" الاستفتاحية، وهي كلمة واحدة لا عمل لها، وتدل على توجيه الذهن وتنبيهه إلى شيء هام يجيء بعدها، مؤكد الوقوع عند المتكلم، وكثيرا ما تقع بعدها "إن" المكسورة. ٢ "١٠" سورة يونس، الآية: ٦٢. موطن الشاهد: ﴿أَلَا إِنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ألا" مفيدة التنبيه، وقد دخلت على الجملة الاسمية، وحكم دخولها على الجملة الاسمية الجواز. ٣ "١١" سورة هود، الآية: ٨. موطن الشاهد: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ألا" مفيدة التنبيه، وقد دخلت على الجملة الفعلية؛ وحكم دخولها عليها الجواز. ٤ "٢٤" سورة النور، الآية: ٢٢. موطن الشاهد: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ألا" مفيدة العرض؛ لأن العرض: طلب الشيء برفق ولين؛ ومدلول الآية يؤكد ذلك. ٥ "٩" سورة التوبة، الآية: ١٣. موطن الشاهد: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ألا" مفيدة التحضيض؛ لأن التحضيض طلب الشيء بشدة وإزعاج؛ ومعنى الآية يوحي بذلك.
[ ٢ / ٢٥ ]
وجل" ١ وإذا علم فحذفه كثير، نحو: ﴿فَلا فَوْتَ﴾ ٢ ﴿قَالُوا لا ضَيْرَ﴾ ٣ ويلتزمه التميميون والطائيون٤.
_________________
(١) ١ هذا جزء من حديث نبوي ونصه: "أنا أغار، والله يغار، ولا أحد أغير من الله، ولذا حرم الفواحش"، والغيرة: الحمية والأنفة وانفعال النفس من فعل القبيح، يقال رجل غيور، وامرأة غيور، وهذا مستحيل على الله، فالمراد لازم الغيرة، وهو البعد عن الموبقات، وزجر مرتكبها. تخريج الحديث: جاء الحديث بلفظ: "لا أحد أغير من الله، فلذلك حرم الفواحش". في مسند الإمام أحمد "المطبعة الميمنية": ١/ ٣٨١، والدررالمنثور للسيوطي "ط. دار الفكر": ٢/ ٢٤٨ و٣٨١ وفتح الباري لابن حجر "ط. دار الفكر": ٨/ ٣٠٢. وجاء بلفظ: "لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش" في صحيح البخاري "ط. دار الفكر": ٦/ ٧٢، ٦/ ٧٤، وصحيح مسلم باب التوبة "مط. عيسى الحلبي" برقم ٣٣، ٣٤ وفتح الباري: ٨/ ٢٩٦. موطن الشاهد: "لا أحد أغير". وجه الاستشهاد: ذكر خبر "لا" النافية؛ أو خبر المبتدأ؛ وهو "أغير" وسبب ذكره جهلنا به؛ وحكم ذكر الخبر في هذه الحال الوجوب. ٢ "٣٤" سورة سبأ، الآية: ٥١. موطن الشاهد: ﴿لَا فَوْتَ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف خبر "لا" لمعرفته من السياق؛ لأن التقدير: "لا فوت لهم"؛ وحكم حذفه الجواز عند الحجازيين، والوجوب عند التميميين والطائيين، كما نقل ابن مالك، ونقل ابن خروف عن تميم أنهم لا يظهرون الخبر المرفوع، ويظهرون المجرور والظرف. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٤٦. ٣ "٢٦" سورة الشعراء، الآية: ٥٠. موطن الشاهد: ﴿لَا ضَيْرَ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف خبر "لا" للعلم به من سياق الآية؛ لأن التقدير: لا ضير علينا؛ وحكمه واضح في الآية السابقة. ٤ الضمير في "يلتزمه" يحتمل أن يعود على حذف خبر "لا" سواء علم أو لم يعلم؛ ويحتمل عوده على الخبر بقيد كونه معلوما بقرينة ما؛ ويكون المراد أن الحجازيين يجيزون ذكر الخبر المعلوم وحذفه. أما التميميون والطائيون فلا يجيزون ذكره. ولعل هذا هو الصواب؛ لأن الجميع متفقون على أن الخبر غير المعلوم يجب ذكره. هذا، وقد قال أبو حيان: إن أكثر ما يحذف الحجازيون خبر لا إذا كان مع "إلا" نحو "لا إله إلا الله" اهـ. وقد اختلف النحاة في إعراب هذه الجملة، ونحن نعربها لك =
[ ٢ / ٢٦ ]
_________________
(١) = إعرابا قريبا. فلا: نافية للجنس تعمل عمل إن. إله: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب، وخبر لا محذوف؛ والتقدير: لا إله لنا، أو لا إله موجود، وإلا: أداة استثناء، ولفظ الجلالة بدل من الضمير المستكن في خبر "لا" وللزمخشري في إعراب هذه الجملة كلام طويل دارت حوله مناقشات كثيرة. شرح التصريح: ١/ ٣٤٦، والمفصل للزمخشري "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ٨٩. وابن عقيل: ٢/ ٢٥-٢٦.
[ ٢ / ٢٧ ]
[باب ظن وأخواتها]:
هذا باب الأفعال الداخلة بعد استيفاء فاعلها على المبتدأ والخير، فتنصبهما مفعولين١:
[أفعال القلوب]:
أفعال هذا الباب نوعان: أحدهما أفعال القلوب، وإنما قيل لها ذلك لأن معانيها قائمة بالقلب، وليس كل قلبي ينصب المفعولين، بل القلبي ثلاثة أقسام:
[الأفعال القلبية ثلاثة أقسام]:
ما لا يتعدى بنفسه، نحو فكر وتفكر، وما يتعدى لواحد نحو عرف وفهم، وما يتعدى لاثنين وهو المراد، وينقسم أربعة أقسام:
_________________
(١) ١ ذهب الجمهور إلى أن أصل مفعولي ظن وأخواتها مبتدأ وخبر، وذهب السهيلي وحده إلى أن المفعولين هما كمفعولي أعطى ليس أصلهما مبتدأ وخبرا، واستدل بظننت زيادا عمرا، وهذا قول لا ينكر. وقولك "زيد عمرو" على أنهما مبتدأ وخبر، لا يصح إلا على معنى التشبيه، وأنت لم ترد ذلك مع ظننت، وأجيب بالمنع، وأن المراد ظننت زيدا عمرا فتبين خلافه. وذهب الفراء إلى أن المنصوب الأول: مفعول، والمنصوب الثاني منصوب على التشبيه بالحال، واستدل لذلك بأن الثاني يجيء جملة، نحو: ظننت زيدا يؤدي واجبه، ويجيء ظرفا؛ نحو: ظننت زيدا عندك، ويجيء جارا ومجرورا، نحو: ظننت زيدا على خلق حسن؛ وقد عهدنا الحال يجيء على هذه الوجوه، والذي يقطع بالرد عليه أن المنصوب الثاني يجيء معرفة نحو: ظننت زيدا أخاك، ويجيء ضميرا: نحو: زيد ظننتكه، ويجيء جامدا؛ نحو: ظننت زيدا أسدا، ولا يقتصر في شيء من ذلك على السماع، ثم هو في جميع أحواله مما لا يستغني الكلام عنه؛ لأنه لا يتم معنى الكلام بدونه، والحال لا يكون كذلك. شرح التصريح: ١/ ٢٤٦-٢٤٧.
[ ٢ / ٢٨ ]
[ما يتعدى لاثنين أربعة أقسام]:
أحدها: ما يفيد في الخبر يقينا، وهو أربعة: وجد، وألفى، وتعلَّمْ، بمعنى اعلَمْ، ودرى، قال الله تعالى: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ ١ ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ ٢، وقال الشاعر٣: [الطويل]
١٦٩- تعلَّمْ شفاء النفس قهر عدوها٤
_________________
(١) ١ "٧٣" سورة المزمل، الآية: ٢٠. موطن الشاهد: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "تجد" فعلا قلبيا ناصبا لمفعولين هما: "الهاء، وخيرا"؛ ويفيد العلم واليقين؛ لأن من وجد الشيء على حقيقته، فقد علمه. ٢ "٣٧" سورة الصافات، الآية: ٦٩. موطن الشاهد: ﴿أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "ألفى" قلبيا مفيدا اليقين وناصبا لمفعولين اثنين؛ هما: "آباءهم، وضالين". ٣ هو زياد بن سيار بن عمرو بن جابر: ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فبالغ بلطف في التحيل والمكر وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٧، وابن عقيل: "١٢٠/ ٢/ ٣٢"، والأشموني: "٣٢٥/ ١/ ١٥٨"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٢٣، ومغني اللبيب: "١٠١٧/ ٧٧٥"، وشرح السيوطي: ٣١٢، وشرح العيني: ٢/ ٣٧٤، وشذور الذهب: "١٨٣/ ٤٧٧". المفردات الغريبة: تعلم: فعل أمر مبني على السكون؛ وهو ملازم لهذه الصيغة؛ ومعناه: اعلمْ وتَيَقَّنْ. شفاء النفس: قضاء مطالبها ومآربها. بلطف: برفق ولين. التحيل: أخذ الأشياء بالحيلة والدهاء. معنى الشاهد: اعلم أن ما يشفي نفوس الرجال قهرهم لأعدائهم، وتغلبهم عليهم؛ فعليك أن تبالغ في الاحتيال، وتحين الفرص؛ لكي تنال من عدوك ما تريد. الإعراب: تعلم: "قلبي بمعنى اعلم" فعل أمر، والفاعل: أنت. شفاء: مفعول به أول، وهو مضاف. النفس: مضاف إليه ثان. فبالغ: الفاء عاطفة. بالغ: فعل أمر، الفاعل: أنت. "بلطف": متعلق بـ "بالغ". "في التحيل": متعلق بـ "لطف". والمكر: معطوف على التحيل مجرور مثله. =
[ ٢ / ٢٩ ]
والأكثر وقوع هذا على "أن" وصلتها١، كقوله٢: [الطويل]
١٧٠- فقلت تعلم أن للصيد غرة٣.
_________________
(١) = موطن الشاهد: "تعلم شفاء النفس قهر عدوها". وجه الاستشهاد: مجيء "تعلم" فعلا قلبيا بمعنى "اعلم" مفيدا اليقين؛ وقد نُصِبَ به مفعولان اثنان؛ أصلهما مبتدأ أو خبر؛ ومثل هذا الشاهد قول الحارث بن ظالم المري: تعلم -أبيت اللعن- أني فاتك من اليوم أو من بعده بابن جعفر فقد سدت أن ومعمولاها مسد مفعولي "تعلم"؛ ومعلوم أن هذا الفعل، يندر أن ينصب مفعولين ظاهرين، وإنما تسد "أن" المؤكدة ومعمولاها مسد المفعولين لهذا الفعل، كما في الشاهد التالي. ١ وحينئذ تسد "أن" ومعمولها مسد المفعولين، ومعروف أن الصلة تشتمل على مسند ومسند إليه. ٢ هو: زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني، شاعر حكريم من أهل نجد وأحد أصحاب المعلقات السبع، والمعروف بحولياته، وهو راوية أوس بن حجر، قيل إنه أشعر الشعراء في الجاهلية لأنه لا يعاظل بين القول ولا يتبع حوشي الكلام، شهد له بذلك عمر بن الخطاب ﵁ وجرير. ولم يتصل الشعر في ولد أحد من فحول الشعر ما اتصل في ولده، ولم يدرك الإسلام ومات سنة ١٣ ق. هـ. الشعر والشعراء: ١/ ١٣٧، الأغاني: ٩/ ١٣٩، الاشتقاق: ١١١، الخزانة: ١/ ٣٧٥، الجمحي: ١/ ٦٣. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: وإلا تضيعها فإنك قاتله وهو من قصيدة لزهير ومطلعها قوله: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وعري أفراس الصبا ورواحله وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢١٤٧، والأشموني: "٣٢٦/ ١/ ١٥٨"، والعيني: ٢/ ٣٧٤ وديوان زهير بن أبي سلمى: ١٣٤. المفردات الغريبة: تعلم: اعلم. غرة: غفلة. تضيعها: الضمير عائد على الفرصة التي تتيحها الغفلة. المعنى: اعلم، وتيقن أن للصيد أوقاتا، يهأ فيها ويستريح، وتعتريه غفلة وسكون؛ فإذا انتهزت هذه الفرصة، وصوبت إليه سهامك، فإنك قاتله لا محالة. الإعراب: تعلم: "بمعنى: اعلم" فعل أمر مبني على السكون، والفاعل: أنت: أن: حرف مشبه بالفعل "للصيد"؛ متعلق بخبر مقدم لـ "أن". غرة: اسم "أن" مؤخر منصوب؛ و"أن ومعمولاها": سدت مسدَّ مفعولي "تعلم". إلا: إن شرطية، لا: نافية، تضيعها: فعل الشرط مجزوم، والفاعل: أنت، و"ها" مفعول به. فإنك: الفاء واقعة في جواب الشرط، إنك: حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمه، قاتله: خبر "إن" والهاء: مضاف إليه. موطن الشاهد: "تعلم أن للصيد غرة". وجه الاستشهاد: استعمال "تعلم" بمعنى اعلم، وقد تعدى هذا الفعل إلى مفعوليه بوساطة "أن" المفتوحة المؤكدة وصلتها؛ وهذا الغالب في استعمال هذا الفعل.
[ ٢ / ٣٠ ]
وقوله١: [الطويل]
١٧١- دريت الوفي العهد يا عُرْوَ فاغتبط٢
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: فإن اغتباطا بالوفاء حميد وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٧، وابن عقيل: "١١٩/ ٢/ ٣١"، والأشموني: "٣٢٣/ ١/ ١٥٧" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٢، وقطر الندى: "٦٨/ ٢٢٨" والعيني: ٢/ ٣٧٣ وشذور الذهب: "١٨١/ ٤٧٥". المفردات الغريبة: دريت: ماضٍ مبني للمجهول، من درى بمعنى علم. فاغتبط. أمر من الغبطة، وهي تمني مثل ما للغير، من غير تمني زواله عنه، والمراد: ازدد فيما أنت عليه من الصفات الحميدة ليغبط الناس؛ أو الدعاء له بأن يدوم على ما هو عليه؛ ليغبطه الناس. المعنى: تيقن الناس وعلموا علما لا شك فيه، أنك -يا عروة- تفي بالعهد، ولا تنقضه؛ فلتغتبط على هذه الخصلة الحميدة؛ لأن الاغتباط بها أمر محمود، ومشكور عند الله وعند الناس. الإعراب: دريت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل؛ وهي المفعول الأول قبل بناء الفعل للمجهول. الوفي: مفعول به ثان منصوب، والوفي: صفة مشبهة. العهد: فاعل للصفة المشبهة؛ أو مضاف إليه، من إضافة الصفة إلى فاعلها؛ أو منصوب على التشبيه بالمفعول به؛ والوجه الثاني: أفضل. يا عرو: "يا" حرف نداء. عرو: منادى مرخم بحذف التاء، مبني على ضم الحرف المذكور، أو المحذوف؛ على لغة من ينتظر، ومن لا ينتظر. فاغتبط: الفاء واقعة في جواب شرط مقدر، والتقدير: إذا كنت كذلك فاغتبط. فإن الفاء تعليلية، إن: حرف مشبه بالفعل. اغتباطا: اسم "إن" "بالوفاء": متعلق بـ "اغتباطا". حميد: خبر "إن" مرفوع. موطن الشاهد: "دريت الوفي العهد". وجه الاستشهاد: جاء فعل "درى" قلبيا يفيد اليقين، ونصب مفعولين اثنين؛ الأول: التاء المتحولة نائب قاعل؛ لبناء الفعل المجهول، والثاني: الوفي؛ ونصب فعل درى لمفعولين قليل، والأكثر فيه أن يتعدى إلى واحد بالباء، نحو: دريت بكذا.
[ ٢ / ٣١ ]
والأكثر في هذا أن يتعدى بالباء، فإذا دخلت عليه الهمزة تعدى لآخر بنفسه١ نحو: ﴿وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ٢.
والثاني: ما يفيد في الخبر رجحانا٣، وهو خمسة: جعل، وحجا، وعدَّ، وهب، وزعم، نحو: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ٤، وقوله٥: [البسيط]
١٧٢- قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقة٦
_________________
(١) ١ أي: إن دخلت عليه همزة التعدية؛ تعدى بها إلى واحد، وتعدى إلى الثاني بالباء، كما في الآية الكريمة التالية. ٢ "١٠" سورة يونس، الآية: ١٦. موطن الشاهد: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ . وجه الاستشهاد: دخول همزة التعدية على فعل "درى" فتعدى بوساطة هذه التعدية إلى المفعول الأول؛ وهو "كم" بنفسه، وإلى المفعول الثاني بحرف الجر، كما أسلفنا. ٣ الرجحان: ما ينشأ من تغلب أحد الدليلين المتعارضين في أمر من الأمور على الآخر؛ بحيث يصير أقرب إلى اليقين من الشك. ٤ "٤٣" سورة الزخرف، الآية: ١٩. موط الشاهد: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "فعل" مفيدا، رجحان الخبر؛ فنصب مفعولين اثنين؛ الأول: الملائكة؛ والثاني: إناثا. ٥ القائل: هو تميم بن أبي مقبل، وقيل اسمه تميم بن أُبَي بن مقبل، أحد بني العجلان، شاعر مجيد في الوصف والرثاء، منقح للكلام وصاف للقدح حتى قيل: قدح ابن مقبل، أدرك الإسلام وأسلم، وكان جافيا في الدين، يبكي أهل جاهليته. وبلغ مائة وعشرين سنة. الشعر والشعراء: ١/ ٤٥٥، الجمحي: ١/ ١٥٠، الإصابة: ١/ ١٩٥، الأغاني: ٣/ ١٧٩، اللآلي: ٣٦٢. ٦ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: حتى ألمت بنا يوما ملمات =
[ ٢ / ٣٢ ]
_________________
(١) = وقد نصب صاحب المحكم البيت إلى أبي شنبل الأعرابي، ونسبه ثعلب في أماليه إلى أعرابي يقال له: القنان، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٨، وابن عقيل: "١٢٥/ ٢/ ٣٨" والأشموني: "٣٢٢/ ١/ ١٥٧" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٨، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٠، والعيني: ٢/ ٣٧٦ وشذور الذهب: "١٧٨/ ٤٧٢" وليس في ديوان تميم بن أبي مقبل. المفردات الغريبة: أحجو: أظن. ألمت: نزلت. ملمات: جمع ملمة وهي النازلة من نوازل الدهر. المعنى: قد كنت أظن وأعتقد أن أبا عمرو أخا مخلصا، يوثق به، ويعتمد عليه في الملمات والشدائد؛ حتى نزلت بنا يوما حوادث مؤملة؛ فتبين لي غير ما كنت أظن فيه. الإعراب: أحجو: فعل مضارع، والفاعل: أنا. أبا: مفعول به أول، وهو مضاف. عمرو: مضاف إليه. أخا: مفعول به ثانٍ، وهو مضاف. ثقة: مضاف إليه؛ ويجوز أن تكون "أخا" بالتنوين مفعولا ثانيا وثقه بالتنوين والنصب صفة لها. حتى: حرف غاية وجر: ألمت: فعل ماضٍ، والتاء، للتأنيث. ملمات: فاعل مرفوع. موط الشاهد: "أحجو أبا عمرو أخا". وجه الاستشهاد: استعمل فعل "أحجو" بمعنى أظن؛ فنصب به مفعولين؛ أحدهما: أبا عمرو، وثانيهما: أخا ثقة؛ وفعل حجا لا يتعدى إلى مفعولين إلا إذا كان قلبيا مفيدا الرجحان والظن. فائدة ١: ذكر العيني أنه لم ينقل أحد من النحاة أن "حجا يحجو" ينصب مفعولين غير ابن مالك رحمه الله تعالى. فائدة ٢: يأتي فعل حجا بمعانٍ عدة؛ منها: الغلبة في المحاجاة؛ وذلك إذا ألقيت على مخاطبك كلمة يخالف لفظها معناها، وتسمى هذه الكلمة أحجية؛ ويأتي فعل "حجا" بمعنى "قصد"؛ نحو قول الأخطل: حجونا بني النعمان إذ عصَّ ملكهم وقبل بني النعمان حاربنا عمرو فحجونا بمعنى قصدنا. وعص ملكهم: قوي واشتد. ويأتي بمعنى أقام؛ نحو: "حجا محمد بمكة"؛ أي: أقام بها. ويأتي بمعنى "رد" نحو: حجوت السائل؛ أي رددته. ويأتي بمعنى "ساق" نحو: حجوت الإبل، أي سقتها. ويأتي بمعنى "حفظ وكتم" نحو: حجوت الحديث؛ أي حفظته أو كتمته. ويتضح من الأمثلة السابقة أن "حجا" لما يكون بمعنى غلب في المحاجاة، أو قصد، أو رد، أو ساق، أو كتم، أو حفظ؛ تتعدى إلى مفعول واحد. وإذا كان بمعنى أقام في المكان، أو وقف؛ فإنه لا يتعدى بنفسه، وإنما يتعدى بحرف الجر.
[ ٢ / ٣٣ ]
وقوله١: [الطويل]
١٧٣- فلا تعدد المولى شريكك في الغنى٢
_________________
(١) ١ القائل هو: النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله؛ صاحب رسول الله -ﷺ- وابن صاحبه، وابن أخت عبد الله بن رواحة، ولد سنة اثنتين للهجرة ومسنده: ١١٤ حديثا؛ حدث عنه الزهري والشعبي وغيرهما، ولاه معاوية الكوفة ثم دمشق، ثم حمص وبها قتل. سير أعلام النبلاء: ٣/ ٤١١، البداية والنهاية: ٨/ ٢٤٤، الإصابة: ٣/ ٥٥٩، شذرات الذهب: ١/ ٧٢. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: ولكنما المولى شريكك في العدم وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٨، وابن عقيل: "١٢٤/ ٢/ ٣٧"، والأشموني: "٣٢١/ ١/ ١٥٧" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٨، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٠، والخزانة: ١/ ٤٦١ عرضا، والعيني: ٢/ ٣٧٧. المفردات الغريبة: لا تعدد: لا تظن. المولى: يطلق على معانٍ كثيرة، والمراد هنا الصاحب والناصر. العدم: الفقر. المعنى: لا تظن الصديق المخلص، والصاحب الوفي، هو الذي يقاسمك ويشاطرك المودة والإخاء في حال يسارك وغناك؛ بل هو الذي يرافقك ويصاحبك في حال فقرك، وضيق عيشك، وغدر الزمان بك. الإعراب: لا: ناهية. تعدد: فعل مضارع مجزوم، والفاعل: أنت. المولى: مفعول به أول لفعل "تعدد". شريكك: مفعول به ثان، والكاف: مضاف إليه. "لكنما": كافة ومكفوفة تفيد الاستدراك. المولى: مبتدأ. شريكك: خبر ومضاف إليه. موطن الشاهد: "لا تعدد المولى شريكك". وجه الاستشهاد: استعمل مضارع "عد" "بمعنى ظن" ونصب به مفعولين؛ أحدهما: المولى. والثاني: شريكك، كما بينا في الإعراب؛ ومثل الشاهد السابق بعد قول جارية بن الحجاج: لا أعد الإقتار عُدْمًا ولكنْ فَقْدُ من قد فقدته الإعدام فـ "أعد" بمعنى أظن، وقد نصب مفعولين؛ الإقتار وعدما؛ والشواهد على استعمال عد بمعنى ظن كثيرة.
[ ٢ / ٣٤ ]
وقوله١: [المتقارب]
١٧٤- وإلا فهبني امرأ هالكا٢
_________________
(١) ١ القائل: هو عبد الله بن همام السلولي، أحد بني مرة صعصعة من قيس عيلان، وبنو مرة يعرفون ببني سلول؛ شاعر أموي، جيد الشعر عذبه، حتى سمي بالعطاء لحسن شعره، وهو إلى هذا صاحب جاه عند السلطان؛ لزوم معاوية وابنه يزيد، وكان عندهما حظيا مكينا. الشعر والشعراء: ٢/ ٦٥١، والجمحي: ٢/ ٦٢٥، واللآلي: ٦٨٣، والخزانة: ٢/ ٦٣٨. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: فقلت: أجرني أبا مالك وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٨، وابن عقيل: "١٢٦/ ٢/ ٣٦"، والأشموني: "٣٢٤/ ١/ ١٥٧"، وهمع الهوامع: ١/ ١٤٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٣١، والخصائص: ٢/ ١٨٦، والعيني: ٢/ ٣٧٨ ومغني اللبيب: "١٠١٨/ ٧٧٥"، وشرح السيوطي: ٣١٢، وشذور الذهب: "١٨٢/ ٤٧٦". المفردات الغريبة: أجرني: أغثني واحمني، وأصله: اتخذني لك جارا تدفع عنه وتحميه. هبني: احسبني وظنني. المعنى: فقلت: أغثني واحمني ودافع عني يا أبا مالك، وأمني من أعدائي، فإن لم تفعل ذلك، فظن أني هالك لا محالة. الإعراب: أجرني: فعل أمر؛ خرج إلى معنى الاستعطاف، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. أبا خالد: منادى بحرف نداء محذوف منصوب، وخالد: مضاف إليه. إلا: إن شرطية جازمة، لا: نافية؛ وفعل الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه. فهبني: الفاء رابطة لجواب الشرط، هب: فعل أمر مبني على السكون؛ وهو ملازم لصيغة الأمر، والفاعل: أنت. والنون: للوقاية، والياء: مفعول به أول. أمرأ: مفعول ثانٍ منصوب. هالكا: صفة منصوبة. موطن الشاهد: "هبني امرأ". وجه الاستشهاد: مجيء "هب" بمعنى الظن؛ فنصب مفعولين؛ أحدهما: ياء المتكلم؛ والثاني: امرأ؛ ومعلوم أن "هب: بهذا المعنى فعل جامد، لا يتصرف؛ فلا يأتي منه مضارع ولا ماضٍ؛ بل هو مزم لصيغة الأمر؛ والغالب على هذا الفعل أن يتعدى إلى مفعولين صريحين، كما في الشاهد، وقد يدخل على "أن" المؤكدة ومعموليها خلافا لابن سيده، والجوهري، والجرمي؛ حيث عدوا دخوله عليها لحنا، غير أن العلماء والمحققين أثبتوا أنه ليس لحنا، واستشهدوا بحديث عمر: "هب أن أبانا كان حمارا". غير أن هذا الاستعمال قليل، والأفضل ألا يصار إلى استعماله. فائدة: يجب أن نميز هنا بين "هب" الفعل الجامد الذي تحدثنا عنه، وبين "هب" الأمر من "وهب" يهب المتصرف؛ فذاك يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه، كما قال ﷻ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق﴾، وقوله في آية أخرى: ﴿هَبْ لِي حُكْمًا﴾، وقوله تقدست أسماؤه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ . ففعل "وهب" في الآيات الكريمة بمعنى الهبة، وهي التفضل بما ينفع الموهوب.
[ ٢ / ٣٥ ]
وقوله١: [الخفيف]
١٧٥- زعمتني شيخا ولست بشيخ٢
_________________
(١) ١ القائل: هو أبو أمية الحنفي: ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: إنما الشيخ من يدبُّ دبيبا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٨، والأشموني: "٣١٩/ ١/ ١٥٦"، والعيني: ٢/ ٣٧٩ ومغني اللبيب: "١٠١٦/ ٧٧٥" وشذور الذهب: "١٧٩/ ٤٧٣"، وقطر الندى: "٧٠/ ٢٣١". المفردات الغريبة: شيخا، الشيخ: هو الذي ظهر عليه الضعف والشيب، ويغلب أن يكون من سن الخمسين ويجمع على أشياخ وشيوخ. يدب دبيبا: يمشي مشيا وئيدا. المعنى: ظنت هذه المرأة حين رأت الشيب برأسي، أني أصبحت شيخا ضعيفا منهوك القوى، وهي في ذلك مخطئة؛ لأن الشيخ من ضعفت قوته، وكَلَّ عزمه، وتقاربت خطاه وأضحى لا يستطيع السير لشدة ضعفه فأخذ يدب على عصاه؛ أما أن فأقوى وأشد مما تظن. الإعراب: زعمتني: فعل ماضٍ، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به أول لـ "زعم". شيخًا: مفعول ثان منصوب، ولست: الواو حالية. لست: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. بشيخ: الباء زائدة، شيخ: اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس. إنما: كافة ومكفوفة، تفيد الحصر. الشيخ: مبتدأ. من: اسم موصول، خبر. يدب: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو. دبيبا: مفعول مطلق؛ وجملة "يدب دبيبا": صلة للموصول لا محل لها. موطن الشاهد: "زعمتني شيخا". وجه الاستشهاد: استعمل فعل "زعم" بمعنى ظن، فنصب به مفعولين؛ أحدهما: ياء المتكلم، والثاني: قوله: "شيخا"؛ وهذا مستعمل شائع في لغة العرب؛ وإن كان الأكثر فيه أن يقع على أن المثقلة أو المخففة وصلتهما كما سنرى.
[ ٢ / ٣٦ ]
والأكثر في هذا وقوعه على أن وأن وصلتهما، نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ ١، وقال٢: [الطويل]
١٧٦- وقد زعمت أني تغيرت بعدها٣
_________________
(١) ١ ٦٤ سورة التغابن، الآية: ٧. موطن الشاهد: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ . وجه الاستشهاد: دخول فعل زعم القلبي على "أن" المخففة وصلتها، فسدَّتْ مع معموليها مسدَّ مفعولي زعم؛ ووقوع "زعم" على "أن" وصلتها كثير شائع في اللغة، كما جاء في المتن. ٢ القائل: هو كثير بن عبد الرحمن، المعروف بكثير عزة، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: ومن ذا الذي يا عَزُّ لا يتغير وبعده قوله: تغير جسمي والخليفة كالذي عهدت، ولم يُخبَرْ بسرك مُخبَرُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٨، والأشموني: "٣٢/ ١/ ١٥٧"، والعيني: ٢/ ٣٨٠ وشذور الذهب: "١٨٠/ ٤٧٤"، وديوان كثير عزة: ١/ ٦٢. المفردات الغريبة: زعمت: ظنت. تغيرت: تغير جسمي فأصبح هزيلا شاحب اللون. المعنى: ظنت عزة، وهي تتحدث عني؛ لما رأته من تحول في بدني وشحوب في لوني وهزال في جسمي- أنني تغيرت بعد فراقها والبعد عنها؛ ثم استدرك وقال: ومن الذي لا يتغير بعدما عانى من الوجد وألم الشوق والبعد؟ الإعراب: زعمت: فعل ماضٍ من أفعال القلوب؛ والتاء: للتأنيث. أني: حرف مشبه واسمه. تغيرت: فعل ماضٍ وفاعل؛ وجملة "تغيرت بعدها": في محل رفع خبر "أن"؛ وأن وما دخلت عليه سدت مسد مفعولي زعم. "بعدها": متعلق بـ "تغير"، و"ها": مضاف إليه. من ذا: مبتدأ وخبر: الذي: بدل من اسم الإشارة؛ أو عطف بيان عليه. يا: حرف نداء. عز: منادى مفرد علم مرخم؛ وجملة النداء؛ معترضة بين الموصول وصلته، لا محل لها. لا: نافية. يتغير: فعل مضارع والفاعل: هو؛ وجملة "لا يتغير": صلة للموصول لا محل لها. موطن الشاهد: "زعمت أني تغيرت". وجه الاستشهاد: استعمل فعل "زعم" بمعنى ظن، وعداه إلى مفعولين؛ سد مسدهما أن وما دخلت عليه؛ وهذا كثير شائع في استعمال هذا الفعل كما أشرنا من قبل؛ ومن أمثلته قول امرئ القيس: ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي وقول جميل بن معمر العذري: وقد زعمت أني سأرضي بها العدى سرقت إذن يا بثن زاد رفيقي ومن تعدية هذا الفعل بوساطة "أن" المخففة وما دخلت عليه قوله جل شأنه: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ .
[ ٢ / ٣٧ ]
والثالث: ما يَرِدُ بالوجهين١، والغالب كونه لليقين، وهو اثنان: رأى، وعلم، كقوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات﴾ ٤.
والرابع: ما يَرِدُ بهما، والغالب كونه للرجحان، وهو ثلاثة: ظن، وحسب، وخال كقوله٥: [الطويل]
١٧٧- ظننتك إن شبَّتْ لظى الحرب صاليا٦
_________________
(١) ١ أي يكون بمعنى اليقين أحيانا، وبمعنى الرجحان أحيانا أخرى، والقرينة تعين المراد. ٢ "٧٠" سورة المعارج، الآية: ٦ و٧. موطن الشاهد: ﴿يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "يرى" في الآية الكريمة دالا على المعنيين، فالأول يدل على الرجحان؛ لأن الضمير عائد إلى الكفار الذين يظنون البعث ممتنعا؛ والثاني: يدل على اليقين؛ لأن المتكلم الله ﷻ؛ ومعناه: ونعلمه واقعا لا محالة. ٣ "٤٧" سورة محمد، الآية: ١٩. موطن الشاهد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "اعلم" بمعنى تيقن واعتقد؛ وأن وصِلَتُها سدت مسد مفعولي "اعلم". ٤ "٦٠" سورة الممتحنة، الآية: ١٠. موطن الشاهد: ﴿عَلِمْتُمُوهَُّن مُؤْمِنَاتٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "علم" في الآية الكريمة بمعنى "ظن"؛ والضمير "هن"؛ مفعوله الأول، ومؤمنات: مفعوله الثاني. ٥ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٦ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: فعردت فيمن كان عنها معردا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٨، والأشموني: "٣١٧/ ١/ ١٥٦" والعيني: ٢/ ٣٨١. =
[ ٢ / ٣٨ ]
وكقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ ١، وكقوله الشاعر٢: [الطويل]
١٧٨- وكنا حسبنا كل بيضاء شحمةً٣
_________________
(١) = المفردات الغريبة: شبَّت: اشتعلت واتَّقَدت وتأججت. لظى الحرب: نارها وأوارها. صاليا: داخلا فيها، وخائضا غمارها. عردت: أحجمت وفرَّت، والتعريد: الفرار، أو سرعة الذهاب في الهزيمة. المعنى: لقد ترجح أنك -إذا اضطرمت نيران الحرب وحمي وطيسها- تقتحهما وتخوض غمارها غير هياب ولا وجل؛ وإذا بك تفر وتنهزم مع المنهزمين. الإعراب: ظننتك: فعل ماضٍ يفيد الرجحان، والتاء: فاعله، والكاف: مفعوله الأول. إن: شرطية جازمة. شبت: فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث. لظى: فاعل مرفوع، الحرب: مضاف إليه؛ وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه. صاليا: مفعول به ثانٍ؛ لفعل "ظن" فعردت: الفاء عاطفة. عردت: فعل ماضٍ وفاعل. "فيمن": متعلق بـ "عرد". كان فعل ماضٍ ناقص، واسمه: هو. معردا: خبر كان؛ وجملة "كان مع معموليها": صلة "من" لا محل لها. موطن الشاهد: "ظننتك صاليا". وجه الاستشهاد: استعمل فعل "ظن" من الظن بمعنى الرجحان؛ ونصب به مفعولين؛ الأول: "الكاف" ضمير الخطاب، والثاني: صاليا. ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٤٦. موطن الشاهد: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "يظنون" من الظن بمعنى اليقين؛ لأن المؤمنين يتيقنون من ملاقاة ربهم، و"أن" وصلتها سدت مسد مفعولي "يظنون". ٢ الشاعر: هو زفر بن الحارث الكلبي: أبو الهذيل، كبير قيس في زمانه، ومن الطبقة الأولى من التابعين من أهل الجزيرة، سمع عائشة ومعاوية ﵄، وشهد صفين مع معاوية، وشهد مرج راهط مع الضحاك بن قيس؛ لجأ إلى قرقيسيا -بلد على الفرات- وبقي فيها إلى أن مات في خلافة عبد الملك بن مروان، وله بضع وسبعون سنة. الخزانة: ٢/ ٣٧٢، المؤتلف: ١٢٩. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: عشية لاقينا جُذامَ وحميرا وهو من كلمة يقولها في وصف مرج راهط، وهو موضع كانت لهم فيه موقعة، وبعده قوله: =
[ ٢ / ٣٩ ]
وقوله١: [الطويل]
١٧٩- حسبتُ التقى والجودَ خيرَ تجارةٍ٢
_________________
(١) = فلما لقينا عصبة تغلبية يقودون جردا في الأعنة ضمرا سقيناهم كأسا سوقنا بمثلها ولكنهم كانوا على الموت أصبرا فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ببعض أبت عيدانه أن تكسرا والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٩، ومغني اللبيب: "١٠٧٨/ ٨٣٣" والسيوطي: ٣١٤، والعيني: ٢/ ٣٨٢، وشرح التبريزي لديوان الحماسة "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد"، ١/ ١٥٠. المفردات الغريبة: وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة: كنا ظننا شيئا فوجدنا الأمر على خلاف ما كنا نظن، وهذه العبارة مأخوذة من المثل: "ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة". جذام وحمير: قبيلتان من قبائل اليمن. المعنى: كنا ظننا في قومنا -لما نعلمه من شجاعتهم ومقدرتهم الفائقة في الحرب- أنهم سيقهرون أعداءهم بمجرد اللقاء بهم، وأن أولئك الأعداء، سيهزمون حين يرون أنفسهم أمام شجعان لا قبل لهم بمنازلتهم؛ ولكننا وجدنا في الأعداء قدرة وصلابة وصمودا في المواجهة، وصبرا على النزال، لم يكن متوقعا؛ ولعل هذا البيت من خير ما قيل في إنصاف الخصوم. الإعراب: كنا: فعل ماضٍ ناقص، واسمه، حسبنا: فعل ماضٍ يفيد الرجحان، و"نا" فاعل. كل: مفعول به أول لـ "حسب" بيضاء: مضاف إليه. شحمة: مفعول به ثانٍ. لاقينا: فعل ماضٍ، وفاعل. جذام: مفعول به. وحميرا: معطوف على "جذام" وجملة "لاقينا " في محل جر بالإضافة. موطن الشاهد: "حسبنا كل بيضاء شحمة". وجه الاستشهاد: مجيء فعل "حسب" القلبي بمعنى الرجحان ونصبه مفعولين اثنين؛ الأول: كل؛ والثاني: شحمة. ١ هو: لبيد بن ربيعة العامري، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: رباحا، إذا ما المرء أصبح ثاقلا وهو من كلمة طويلة للبيد عدتها اثنان وتسعون بيتا، وأولها قوله: كبيشة حلت بعد عهدك عاقلا وكانت له خبلا على النأي خابلا =
[ ٢ / ٤٠ ]
وكقوله١: [الطويل]
١٨٠- إخالك، إن لم تغضض الطرف، ذا هوى٢
_________________
(١) = تربعت الأشراف ثم تصيفت حساء البطاح وانتجعن المسايلا والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٩، وابن عقيل: "١٢٢/ ٢/ ٣٤"، والأشموني: "٣٣٩/ ١/ ١٦٣" وهمع الهوامع: ١/ ١٤٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٢، والعيني: ٢/ ٣٨٤، وديوان لبيد: ١٤٦. المفردات الغريبة: رباحا: أي ربحا. ثاقلا: أي ميتا؛ لأن الجسم يثقل إذا فارقته الروح. المعنى: لقد علمت وتيقنت أن تقوى الله تعالى، والجود بالمال وبالنفس -إذا اقتضى الأمر- أحسن تجارة، تعود على الإنسان بخير ربح، إذا مات وفارق هذه الدنيا؛ وذلك لأنه سيجد ما أعده الله له خيرا وأعظم أجرا. الإعراب: حسب: فعل ماضٍ بمعنى "علم"، والتاء: فاعل. التقى: مفعول به أول. والجود: معطوف على المفعول الأول. خير: مفعول به ثانٍ. تجارة: مضاف إليه. رباحا: تمييز منصوب. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان متعلق بجوابه. ما: زائدة. المرء: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ وهذا الفعل المحذوف ناقص محذوف الخبر؛ لأن مفسره "أصبح" فعل ناقص والجملة من "أصبح مع معموليها": في محل جر بالإضافة. أصبح: فعل ماضٍ ناقص، واسمه: هو. ثاقلا: خبر أصبح منصوب؛ وجملة "أصبح ثاقلا": مفسرة لا محل لها. موطن الشاهد: "حسبت التقى خير". وجه الاستشهاد: استعمال فعل "حسب" بمعنى علم القلبي، ونصبه مفعولين اثنين؛ الأول: التقى. والثاني: خير؛ واستعمال "حسب" بهذا المعنى كثير شائع. ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: يسومك ما لا يستطاع من الوجد وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٩، والأشموني: "٣١٣/ ١/ ١٥٥" وهمع الهوامع: ١/ ١٥٠ والدرر اللوامع: ١/ ١٣٣، والعيني: ٢/ ٣٨٥. المفردات الغريبة: إخالك: أظنك، وهو بكسر الهمزة، مع أن القياس في همزة المضارعة فتحها، ولكن جمهور العرب كسروها في هذا الفعل ما عدا بني أسد فإنهم يفتحونها على القياس. تغضض الطرف: تصرف العين وتغمضها. ذا هوى: صاحب عشق. يسومك: يكلفك ويجشمك. الوجد: الهيام والحزن. =
[ ٢ / ٤١ ]
وقوله٢: [المنسرح]
١٨١- ما خلتني زلت بعدكم ضَمِنًا٢
_________________
(١) = المعنى: إني لأظنك -إن لم تصرف النظر عن الحسان ومفاتنهن- صاحب عشق وهيام؛ وعشقك وهيامك يجشمانك المصاعب، ويقودانك إلى ما لا تستطيع تحمله من تباريح الشوق والهوى. الإعراب: إخالك: فعل مضارع "يفيد الرجحان"، والفاعل: أنا، والكاف: مفعوله الأول. إن: شرطية جازمة: لم: جازمة نافية، تغضض: فعل مضارع مجزوم؛ وهو فعل الشرط، والفاعل: أنت. الطرق: مفعول به. ذا: "بمعنى صاحب": مفعول به ثانٍ لـ "إخالك" وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة؛ وجملةُ جوابِ الشرط محذوفةٌ؛ لدلالة ما قبل الشرط عليها. هوى: مضاف إليه. يسومك: فعل مضارع، والفاعل: هو، يعود على هوى؛ والكاف: مفعول به أول. لـ "يسوم". ما: اسم موصول، مفعول به ثانٍ لـ "يسوم" لا: نافية. يستطاع: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل: هو، يعود إلى "ما"؛ وجملة "لا يستطاع من الوجد": صلة لـ "ما" لا محل لها، وجملة "يسومك ما لا يستطاع من الوجد": في محل جر صفة لـ "هوى". "من الوجد": متعلق بمحذوف حال من "ما"؛ وهو الأفضل. موطن الشاهد: "إخالك ذا هوى". وجه الاستشهاد: استعمال مضارع "خال" وهو فعل قلبي يفيد الرجحان، وقد نصب بهذا الفعل مفعولان اثنان؛ وهما: كاف الخطاب، وذا. واستعمال إخالك بهذا المعنى كثير شائع. فائدة: القياس في همزة "إخالك" أن تكون مفتوحة في المضارع، نحو: خاف أخاف، ولكن العرب كسروا همزة المضارعة في هذا الفعل وحده باستثناء بني أسد؛ فهم يفتحونها على ما يقتضيه القياس فيقولون: أخالك، والوجهان جائزان باتفاق. ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت -أنشده الجوهري عن خلف الأحمر- وعجزه قوله: أشكو إليكم حموة الألم وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٤٩، والعيني: ٢/ ٣٨٦، واللسان "ضمن". المفردات الغريبة: ضَمِنًا: زَمِنًا مُبتَلَىً. حموة الألم: شدته وسورته. المعنى: يخاطب من فارقهم من الأحبة قائلا: ما ظننت أنني سأبقى بعد فراقكم وبعدكم عني مريضا أشكو مرارة الفراق ولوعة الأسى شوقا إليكم. الإعراب: ما: نافية. خلتني: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل، والنون: للوقاية، والباء: مفعول به أول. زلت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. "بعدكم": متعلق بـ "ضمنا" المفعول الثاني لـ "خال". أشكو: فعل مضارع، والفاعل: أنا، وجملة "أشكو": في محل نصب خبر "زال". حموة: مفعول به لـ "أشكوا". الألم: مضاف إليه؛ ويجوز أن يكون "ضمنا" خبر "زال"، وجملة "أشكو": المفعول الثاني لـ "خال". موطن الشاهد: "خلتني ضمنا". وجه الاستشهاد: استعمال "خال" القلبي بمعنى الرجحان، وقد نصب هذا الفعل مفعولين اثنين؛ ياء المتكلم، وضمنا؛ كما أوضحنا في الإعراب؛ واستعمال خال بهذا المعنى كثير شائع كما أسلفنا.
[ ٢ / ٤٢ ]
تنبيهان: الأول: ترد علم بمعنى عرف، وظن بمعنى اتهم، ورأى بمعنى الرأي، أي: المذهب، وحجا بمعنى قصد، فيتعدين إلى واحد نحو: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ١ ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضنِينٍ﴾ ٢ وتقول: "رأى أبو حنيفة حِلَّ كذا، ورأى الشافعي حرمته" و: "حجوت بيت الله"٣.
وترد وجد بمعنى حزن أو حقد فلا يتعديان.
وتأتي هذه الأفعال وبقية أفعال الباب لمعانٍ أُخَر غير قلبية فلا تتعدى لمفعولين، وإنما لم يحترز عنها لأنها لم يشملها قولنا: "أفعال القلوب".
_________________
(١) = مفعول به أول. زلت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. "بعدكم": متعلق بـ "ضمنا" المفعول الثاني لـ "خال". أشكو: فعل مضارع، والفاعل: أنا، وجملة "أشكو": في محل نصب خبر "زال". حموة: مفعول به لـ "أشكوا". الألم: مضاف إليه؛ ويجوز أن يكون "ضمنا" خبر "زال"، وجملة "أشكو": المفعول الثاني لـ "خال". موطن الشاهد: "خلتني ضمنا". وجه الاستشهاد: استعمال "خال" القلبي بمعنى الرجحان، وقد نصب هذا الفعل مفعولين اثنين؛ ياء المتكلم، وضمنا؛ كما أوضحنا في الإعراب؛ واستعمال خال بهذا المعنى كثير شائع كما أسلفنا. ١ "١٦" سورة النحل، الآية: ٧٨. موطن الشاهد: ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "تعلمون" بمعنى تعرفون؛ أي ليس قلبيا؛ ولذا نصب مفعولا واحدا، واكتفى به؛ ومفعوله "شيئا" كما هو واضح. ٢ "٨١" سورة التكوير، الآية: ٢٤. موطن الشاهد: "بِظَنِيْن". وجه الاستشهاد: مجيء "ظنين" في الآية الكريمة -على قراءة الظاء- بمعنى متهم؛ والمعنى: وما هو على ما يأتيه من أخبار الغيب بمتهم، كما زعم المشركون. ٣ قال الرضي: إن "رأى" التي من الرأي بمعنى الاعتقاد تتعدى أحيانا لاثنين، مثل: رأى أبو حنيفة كذا حلالا، ورأى الشافعي كذا حراما. وتارة تتعدى إلى واحد هو مصدر ثاني هذين الفعلين مضافا إلى أولهما، كما ذكر المصنف. وقال الصبان: "وهذا صريح في جواز استعمال أفعال هذا الباب متعدية إلى واحد هو مصدر ثاني الجزأين مضافا إلى أولهما، من غير تقدير مفعول ثانٍ؛ لأن هذا المصدر هو المفعول به في الحقيقة؛ نحو: رأى أبو حنيفة حل كذا. شرح التصريح: ١/ ٢٥٠، حاشية الصبان: ٢/ ٢٠.
[ ٢ / ٤٣ ]
الثاني: ألحقوا رأى الحلُمية١ برأي العلمية في التعدي لاثنين، كقوله٢: [الوافر]
١٨٢- أراهم رفقتي حتى إذا ما٣
_________________
(١) ١ أي الدالة على الرؤيا المنامية. ٢ القائل هو: عمرو بن أحمر الباهلي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: تجافى الليل وانخزل انخزالا وبعد قوله: إذا أنا كالذي يجري لوردٍ إلى آل فلم يدرك بلالا وهذان البيتان من قصيدة للشاعر يندب فيها رفاقه الذين فارقوه إلى الشام فصار يراهم في منامه وأولها: أبت عيناك إلا أن تلحا وتحتالا بما بهما احتيالا كأنهما سُعَينَا مستغيث يرجَّى طالعا بهما ثقالا والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٠، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٤ وابن عقيل: "١٣١/ ٢/ ٥٣" والأشموني: "٣٣٩/ ١/ ١٦٣". المفردات الغريبة: رفقتي، الرفقة: الجماعة ينزلون جملة ويرتحلون جملة. تجافى الليل: زال، ذهب. انخزل: انطوى وانقطع. لورد، الورد: المنهل العذب الذي يشرب منه. آل: الآل: السراب وهو ما تراه وسط النهار، كأنه ماء، وليس بماء. بلالا: ما يبل به الحلق، والمراد هنا الماء. المعنى: إن هؤلاء الأصحاب "أبو حنش وطلق وعمار وأثال" أراهم مجتمعين معي مناما؛ فإذا ما انطوى الليل، واستيقظت من نومي، لا أرى أحدا منهم؛ فأنا كالظمآن الذي يرى السراب، فيظنه ماء؛ حتى إذا جاءه، لم يجد شيئا، فيظل عطشا، ولم ينل مطلبا. الإعراب: أراهم: فعل مضارع، والفاعل: أنا، و"هم": مفعول به أول. رفقتي: مفعول به ثان، والياء: مضاف إليه. حتى: ابتدائية. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، متضمن معنى الشرط. ما: زائدة. تجافى: فعل ماضٍ. الليل: فاعل مرفوع؛ وجملة "تجافى الليل": "فعل الشرط غير الجازم" في محل جر بالإضافة؛ وجواب إذا في أول البيت التالي: "إذا أنا كالذي ". موطن الشاهد: "أراهم رفقتي". وجه الاستشهاد: إعمال "أرى" مضارع "رأى" الحلمية؛ أي رأى في المنام عمل رأى؛ التي بمعنى "علم"؛ لما بينهما من تشابه؛ لأن الرؤيا إدراك بالحسن الباطن، كالعلم؛ ولهذا، نصب بالفعل مفعولين اثنين، كما بينا في الإعراب.
[ ٢ / ٤٤ ]
ومصدرها الرؤيا، نحو: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ ١، ولا تختص الرؤيا بمصدر الحلمية، بل تقع مصدرا للبصرية، خلافا للحريري٢ وابن مالك، بدليل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٣، قال ابن عباس: هي رؤيا عين.
النوع الثاني: أفعال التصيير، كجعل، ورد، وترك، واتخذ، وتخذ، وصير، ووهب، قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ٤ ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ
_________________
(١) رأى؛ التي بمعنى "علم"؛ لما بينهما من تشابه؛ لأن الرؤيا إدراك بالحسن الباطن، كالعلم؛ ولهذا، نصب بالفعل مفعولين اثنين، كما بينا في الإعراب. ١ "١٢" سورة يوسف، الآية: ١٠٠. موطن الشاهد: ﴿رُؤْيَايَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "رؤيا" مصدرا لـ "رأى" الحلمية. ٢ الحريري: هو أبو محمد: القاسم بن علي بن محمد الحريري، صاحب المقامات المشهورة، كان غاية في الذكاء والفطنة والبلاغة، وأحد أئمة عصره في اللغة، وذلك واضح من خلال مقاماته التي بزَّ بها الأوائل وأعجز الأواخر، له مصنفات أخرى مثل: درة الغواص في أوهام الخواص، وملحة الإعراب وشرحها في النحو، وله ديوان شعر، كان الحريري دميم الخلقة مبتلى بنتف لحيته، ولد سنة ٤٤٦ ومات بالبصرة وله سبعون سنة وذلك سنة ٥١٦هـ. سير أعلام النبلاء: ١٩/ ٤٦٠، معجم الأدباء: ١٦/ ٢٦١، بغية الوعاة: ٢/ ٢٥٧، خزانة الأدب: ٦/ ٤٦٢. ٣ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ٦٠. موطن الشاهد: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الرؤيا" مصدرا لـ "رأى" البصرية؛ لأن الرؤيا هنا رؤيا عين، كما فسرها ابن عباس؛ غير أن المشهور استعمالها في الحلمية. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٥١. ومن استعمالهم للرؤيا بمعنى رؤية قول الراعي النميري، يصف صيادا: وكبر للرؤيا وهش فؤاده وبَشَّرَ نفسا كان قبلُ يلومُها ٤ "٢٥" سورة الفرقان، الآية: ٢٣. موطن الشاهد: ﴿جَعَلْنَاهُ هَبَاءً﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "جعل" دالا على التحويل والانتقال من حالة إلى أخرى، فنصب مفعولين؛ الأول هاء الضمير العائد إلى عمل الكفار، والثاني: هباء؛ وهو ذرات التراب الصغيرة التي ترى في شعاع الشمس. ومنثورا: مبعثرا.
[ ٢ / ٤٥ ]
كُفَّارًا﴾ ١ ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ٢ ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ٣، وقال الشاعر٤: [الوافر]
١٨٣- تخذت غراز إثرهم دليلا٥.
_________________
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٠٩. موطن الشاهد: ﴿يَرَدُّونَكُمْ كُفَّارًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "يردونكم" مضارع رد الدال على التحويل والتصيير ناصبا لمفعولين؛ هما: الضمير المتصل "كم" و"كفارا"؛ والمعنى: ود الذين كفروا لو يصيرونكم كفارا. ٢ "١٨" سورة الكهف، الآية: ٩٩. موطن الشاهد: ﴿تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَمُوجُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "ترك" دالا على التصيير، فنصب مفعولين؛ الأول: بعضهم، والثاني: جملة "يموج"؛ ومن العلماء من ينصب بـ "ترك" مفعولا واحدا، وينصب الثاني على الحال. ٣ "٤" سورة النساء، الآية: ١٢٥. موطن الشاهد: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "اتخذ" ناصبا لمفعولين؛ أصلهما مبتدأ وخبر، كما في الآيات السابقة؛ فـ "إبراهيم" المفعول الأول، و"خليلا": المفعول الثاني. ٤ الشاعر: هو: أبو جندب بن مرة الهذلي؛ أخو أبي خراش الهذلي. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وفرُّوا في الحجاز ليعجزوني وهو ثالث ثلاثة أبيات يقولها في بني لحيان: لقد أمسى بنو لحيان مني بحمد الله في خزي مبين جزيتهم بما أخذوا تلادي بني لحيان كُلًّا فاخِرُوني والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٢، والأشموني: "٣٢٩/ ١/ ١٥٨" والعيني: ٢/ ٤٠٠ وديوان الهذليين: ٣/ ٩٠. المفردات الغربية: غراز: اسم واد، وقيل اسم جبل. إثرهم: عقب رحيلهم. ليعجزوني: ليغلبوني، وذلك بأن يفلتوا مني فلا أدركهم. المعنى: يذم الشاعر بني لحيان -وكانت بينه وبينهم خصومة- فيقول: تتبعت أثرهم بعد رحليهم؛ ولكنهم فروا إلى الحجاز؛ ليعجزوني؛ فلا أدركهم. الإعراب: تخذت: فعل ماضٍ وفاعل "وفعل تخذت دال على التصيير وهو بمعنى =
[ ٢ / ٤٦ ]
وقال١: [مشطور الرجز]
١٨٤- فصيروا مثل كعصف مأكولْ٢
_________________
(١) = جعل في هذا البيت. غراز: مفعول به أول؛ وهو ممنوع من الصرف على إرادة البقعة؛ وهي مؤنثة. إثرهم: ظرف متعلق بـ "تخذت" ومضاف إليه. دليلا: مفعول به ثانٍ لـ "تخذت". في الحجاز": متعلق بـ "فروا"؛ وفي هنا بمعنى "إلى". ليعجزوني: اللام للتعليل، يعجزوني: فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد لام كي، وعلامة نصبه حذف النون، والواو: فاعل، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به؛ والمصدر المؤول من "أن وما بعدها": في محل جر بلام التعليل؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ "فر"؛ وتقدير الكلام: وفروا إلى الحجاز لإعجازهم إياي من اللحاق بهم. موطن الشاهد: "تخذت غراز دليلا". وجه الاستشهاد: مجيء "تخذ" فعلا دالا على التصيير، ونصبه مفعولين اثنين؛ الأول؛ غراز، والثاني: دليلا، كما أوضحنا في الإعراب. ١ القائل: هو رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت من السريع الموقوف بسكون لام مأكول، أو من مشطور الرجز. وصدره قوله: ولعبت طير بهم أبابيلْ وقبل الشاهد قوله: ومسهم ما مس أصحاب الفيلْ ترميهمُ حجارة من سِجِّيلْ وهما في ذكر أصحاب الفيل وما حل بهم من الهلاك، وينسبهما بعض النحاة إلى حميد الأرقط. والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٢، ٢/ ١٧٢، والأشموني: "٣٢٨/ ١/ ١٥٨"، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٠ والدرر اللوامع: ١/ ١٣٢، ومغني اللبيب: "٣٢٤/ ٢٣٨"، والسيوطي: ١٧١ والكتاب لسيبويه: ١/ ٢٠٣، والمقتضب: ٤/ ١٤١، ٣٥٠، وخزانة الأدب: ٤/ ٢٧٠ والعيني: ٢/ ٤٠٢، وسيرة ابن هشام "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٥٦، وملحقات ديوان رؤبة: ١٨١. المفردات الغريبة: أبابيل: جماعات وفرق، واحدة إبول؛ أو أبيل، وقيل: لا واحد له. كعصب، العصب: الزرع الذي أكل حبه، وبقي تبنه وورقه، وقيل: التبن. المعنى: يصف الشاعر قوما أبيدوا واستؤصلوا، فلم يبق لهم أثر يذكر؛ ولعله يشير إلى قصة أصحاب الفيل؛ فشبههم بالزرع الذي عبثت به جماعات الطيور؛ فأكلت حبه؛ ولم تترك منه غير ورقه الجاف. =
[ ٢ / ٤٧ ]
وقالوا: "وَهَبَنِي الله فداك"١ وهذا ملازم للمضي.
[أحكام ظن وأخواتها من حيث الإعمال والإلغاء والتعليق]:
فصل: لهذه الأفعال ثلاثة أحكام:
أحدها: الإعمال، وهو الأصل، وهو واقع في الجميع٢.
الثاني: الإلغاء، وهو: إبطال العمل لفظا ومحلا، لضعف العامل بتوسطه أو تأخره، كـ: "زيد ظننت قائم" و: "زيد قائم ظننت"٣ قال٤: [البسيط]
_________________
(١) = الإعراب: صيروا: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والواو: نائب فاعل؛ وهي المفعول الأول. مثل: مفعول به ثانٍ لـ "صيروا". كعصف: الكاف اسم بمعنى مثل، توكيد لـ "مثل" المذكورة؛ وعصف: مضاف إليه؛ أو الكاف زائدة، وعصف: مضاف إلى مثل؛ وقد فصل بين المتضايفين بالكاف؛ وهذا جائز. موطن الشاهد: "صيروا مثل". وجه الاستشهاد: مجيء فعل "صير" بمعنى التحويل من حالة إلى حالة، فنصب مفعولين؛ "واو الجماعة" الذي ناب عن الفاعل بعد بناء الفعل للمجهول، و"مثل"، كما بينا في الإعراب. ١ قول لبعض العرب، حكاه ابن الأعرابي، ومعنى وهبني: صيرني. ٢ أي في أفعال القلوب، وفي أفعال التصيير؛ سواء منها المتصرف والجامد على النحو الذي ذكر، وقد مر أن الأفعال القلبية متصرفة إلا فعلين هما: "تعلم" بمعنى اعلم، و"هب" بمعنى ظن، والذي يعمل من المتصرف هو الماضي وحده في الغالب، أما أفعال التصيير فالجامد منها هو "وهب". ويلزمه المضي كما سبق. شرح التصريح: ١/ ٢٥٣. ٣ المثال الأول، يدل على توسط العامل الملغى بين المبتدأ والخبر؛ وهما مفعولاه قبل أن يلغى والمثال الثاني؛ يدل على تأخر العامل الملغى عنهما؛ والإلغاء في هاتين الحالتين جائز، وليس واجبا، كما سيتضح لنا لاحقا. ٤ القائل هو: منازل بن ربيعة المنقري، وقيل ابن زمعة؛ والمعروف باللعين المنقري؛ وذلك لأن عمر بن الخطاب ﵁ سمعه ينشد شعرا والناس يصلون، فقال: من هذا اللعين؟ فعلقت عليه، وكنية اللعين هذا، أبو أكيدر، وهو شاعر إسلامي هجاء، مبغض للضيوف، وذلك ظاهر في شعره. الشعر والشعراء: ١/ ٤٩٩، والاشتقاق: ١٥٣، والخزانة: ١/ ٥٣٠.
[ ٢ / ٤٨ ]
١٨٥- وفي الأراجيز -خِلُت- اللؤمُ والخورُ١
وقال٢: [الطويل]
١٨٦- هُمَا سَيِّدَانا يزعمان؛ وإنما٣
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: أبالأراجيز يا ابن اللوم توعدني؟ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٣، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٣ وفيه: وفي الأراجيز خلت اللؤم والفشل والدرر اللوامع: ١/ ١٣٥، والكتاب لسيبويه: ١/ ٦١، وشرح المفصل: ٧/ ٨٤، ٧/ ٨٥ وقطر الندى: "٧١/ ٢٣٢"، والخزانة: ١/ ١٢٥ عرضا، وذكر أن الصواب: " والفشل". المفردات الغريبة: الأراجيز: جمع أرجوزة، وهي ما كان من الشعر من بحر الرجز، وقد كان من الشعراء من لا يقول غير الرجز، كالعجاج، وابنه رؤبة، ومنهم من يقول الشعر لا غير. وآخرون يقولون النوعين. توعدني: تتهددني. اللؤم: دناءة الأصل وشحُّ النفس. الخور: الضعف. المعنى: أتتهددني بالأراجيز، يا دنيء الأصل، ويا وضيع النسب؟ وفي هذه الأراجيز الدناءة والضعف. "ربما لأن الرجز لا ينزل منزلة الشعر في نظره"؛ وجعله ابنا للوم مبالغة في هجائه. الإعراب: أبالأراجيز: الهمزة للاستفهام. "بالأراجيز": متعلق بـ "توعدني". يابن اللؤم: حرف نداء، ومنادى مضاف منصوب، ومضاف إليه، وجملة النداء معترضة بين الجار والمجرور ومتعلقه. توعدني: فعل مضارع، والنون للوقاية، والياء: مفعول به، والفاعل: أنت. وفي الأراجيز: الواو حالية. "في الأراجيز": متعلق بمحذوف خبر مقدم. خلت: فعل ماضٍ وفاعل؛ وجملة "خلت": اعتراضية، لا محل لها؛ لأنها اعترضت بين المبتدأ والخبر. اللؤم: مبتدأ مؤخر. والخور: معطوف على اللؤم مرفوع مثله؛ وجملة "في الأراجيز اللؤم والخور": في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "في الأراجيز خلت اللؤم". وجه الاستشهاد: توسط فعل "خال" بين المبتدأ "اللؤم" والخبر "الأراجيز"؛ ولما توسط الفعل بينهما، ألغي عمله فيهما؛ إذ لولا توسطه؛ لنصبهما؛ والتقدير: وخلت اللؤم والخور في الأراجيز؛ فاللؤم: مفعول أول، ومحل الجار المفعول الثاني. ٢ القائل هو: أبو أسيدة الدبيري؛ ولم أعثر له على ترجمة وافية. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: يسوداننا إن أيسرت غنماهما =
[ ٢ / ٤٩ ]
وإلغاء المتأخر أقوى من إعماله١، والمتوسط بالعكس٢، وقيل: هما في المتوسط بين المفعولين سواء.
الثالث: التعليق، وهو إبطال العمل لفظا لا محلا٣؛ لمجيء ما له صدر
_________________
(١) = ويُروى قبله: وإن لنا شيخين لا ينفعاننا غنيين لا يجدي علينا غناهما والبيت رواه ابن السكيت في كتاب الألفاظ ثاني أربعة أبيات: ١٣٥، والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٤، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٣، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٥ والعيني: ٢/ ٤٠٣، واللسان "يسر". المفردات الغريبة: يزعمان: يظنان، أيسرت غنماهما: كثرت ألبانها ونسلها. المعنى: لنا في قومنا شيخنا غنيان، قد طعنا في السن، لا يعود علينا من غناهما شيء، مع ذلك، فهما يظنان أنهما سيدانا وصاحبا الأمر والنهي فينا. الإعراب: هما: مبتدأ. سيدانا: خبر ومضاف إليه. يزعمان: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، لأنه من الأفعال الخمسة، والألف في محل رفع فاعل. وإنما: أداة حصر. يسوداننا: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو: فاعل: و"نا" مفعول به. إن: شرطية جازمة. أيسرت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. وأيسرت: في محل جزم فعل الشرط. غنماهما: فاعل "أيسر" مرفوع، وعلامة رفعه الألف، و"هما": مضاف إليه؛ وجواب الشرط محذوف لدلالة سياق الكلام عليه. موطن الشاهد: "هما سيدانا يزعمان". وجه الاستشهاد: إلغاء عمل فعل "يزعم" القلبي؛ لتأخره عن مفعوليه؛ فارتفعا على أصلهما؛ وأصلهما -كما هو معلوم- المبتدأ والخبر؛ وإلغاء عمل الفعل في حالة تأخره عن عامليه أكثر من أعماله، كما هو واضح في المتن. ١ وذلك لضعفه بالتأخر، ويشترط لجواز الأمرين: عدم انتفاء العامل، وإلا وجب الإعمال نحو: محمدًا مسافرا لم أدر، وكون العامل غير مصدر نحو: علي مجد ظني، وألا تدخل على الاسم لام الابتداء نحو: لرأيك ناضج خلت، وإلا وجب الإلغاء في الموضعين. ويرى بعضهم أن الثاني من باب التعليق؛ وتأخير الفعل مع وجود المعلق، لا يمنع التعليق. ٢ أي أن الإعمال أقوى من الإهمال، ومحل هذا إذا لم تتقدم على الاسم لام الابتداء، وإلا وجب الإلغاء. وإذا كان الفعل منفيا تعين الإعمال كما سبق. ٣ أي أن العامل يمنع من العمل الظاهر -وهو النصب في لفظ المفعولين أو أحدهما- ولكنه في التقدير عامل؛ وذلك بسبب مانع يحول بينه وبين العامل الظاهر. وسمي هذا النوع من العمل تعليقا؛ لأن العامل متعلق بالمحل ومقدر عمله فيه، وإن بطل عمله في اللفظ بسبب هذا المانع كما سترى. واعلم أن الجملة في حال التعليق لفظها مرفوع ولكنها في محل نصب، فإذا عطفت عليها: جاز مراعاة لفظها برفع المعطوف، وجاز نصبه مراعاة لمحلها. أما في حالة الإلغاء فالجملة، لا محل لها من الإعراب، ولا يعطف عليها إلا بالرفع تبعا للفظها. شرح التصريح: ١/ ٢٥٤.
[ ٢ / ٥٠ ]
الكلام بعده، وهو: لام الابتداء، نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ١، ولام القسم، كقوله٢: [الكامل]
١٨٧- ولقد علمت لتأتين منيتي٣
_________________
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٠٢. موطن الشاهد: ﴿عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع فعل "علم" القلبي معلقا عن العمل لدخول لام الابتداء على المبتدأ والخبر؛ ولام الابتداء، لا يعمل ما قبلها فيما بعدها وإلا فقدت صدارتها؛ فاللام: حرف ابتداء. من: اسم موصول، مبتدأ أول. وجملة "اشتراه": صلة، لا محل لها. وما: نافية. "له": متعلق بخبر مقدم محذوف. من: زائدة. خلاف: مبتدأ ثانٍ مؤخر؛ وجملة "ما له من خلاق": في محل رفع خبر المبتدأ الأول؛ وجملة المبتدأ الأول وخبره، سدت مسد مفعولي "علم" المعلق عن العمل في اللفظ فقط، بسبب لام الابتداء التي لا يتخطاها العامل كما أسلفنا. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٥٤. ٢ القائل هو: لبيد بن ربيعة العامري، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: إن المنايا لا تطيش سهامها وهو من معلقة لبيد، والتي مطلعها قوله: عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٤، ٢٥٥، ٢٥٩، والأشموني: "٣٣٦/ ١/ ١٦١"، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٤، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٧، والكتاب لسيبويه: ١/ ٤٥٦، وخزانة الأدب: ٤/ ١٣، ٣٣٢، ومغني اللبيب: "٧٤٧/ ٥٢٤" "٧٥٤/ ٥٣٢" والعيني: ٢/ ٤٠٥ وشذور الذهب: "١٨٥/ ٤٨١"، وقطر الندى: "٧٣/ ٢٣٥". المفردات الغريبة: منيتي، المنية: الموت. لا تطيش: لا تخيب ولا تخطئ، يقال: طاش السهم، إذا لم يصب الهدف. سهامها: جمع سهم. =
[ ٢ / ٥١ ]
وما النافية نحو: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ١.
ولا وإن النافيتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر٢، نحو: "علمت والله لا زيد في الدار ولا عمرو" و: "علمت إن زيد قائم".
_________________
(١) = المعنى: لقد أيقنت أن منيتي ستأتيني وسألاقي الموت حتما، لأن الموت نازل لا محالة بكل إنسان، لا يفلت منه أحد، ولا تطيش سهامه. الإعراب: ولقد: الواو حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف؛ والتقدير والله لقد علمت. لقد: اللام واقعة في جواب القسم، قد: حرف تحقيق. علمت: فعل ماضٍ وفاعل؛ وجملة "علمت": جواب القسم، لا محل لها. لتأتين: اللام واقعة في جواب قسم مقدر آخر، تأتين: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. منيتي: فاعل مرفوع، والياء مضاف إليه؛ وجملة "تأتين منيتي": سدت مسد مفعولي "علم" المعلق عن العمل بسبب لام القسم؛ هذا؛ ويجوز أن تكون اللام المقترنة بـ "قد" الموطئة للقسم تفيد التوكيد، واللام في لتأتين: واقعة في جواب القسم؛ وجملة "لتأتين"؛ جواب القسم، لا محل لها. أن: حرف مشبه بالفعل. المنايا: اسمه. لا: نافية. تطيش: فعل مضارع. سهامها: فاعل ومضاف إليه؟ وجملة "لا تطيش سهامها": في محل رفع خبر "إن". موطن الشاهد: "علمت لتأتين منيتي". وجه الاستشهاد: مجيء فعل "علم" القلبي معلقا عن العمل؛ لوقوعه قبل لام جواب القسم؛ ولذا علق عن العمل في لفظ الجملة فقط؛ ولولا وجود لام القسم لنصب المفعولين؛ والتقدير: ولقد علمت منيتي آتية؛ بنصب "منيته" نصبا تقديريا، على أنه المفعول الأول، ونصب آتية نصبا ظاهرا على أنه المفعول الثاني؛ وقد ذكر صاحب شرح التصريح تعليقا حول جملة جواب القسم، وهل لها محل أو لا في مثل هذا الشاهد يفضل العودة إليه؛ وإلى حاشية الصبان معا لمعرفة مراده. شرح التصريح: ١/ ٢٥٥، وحاشية الصبان: ٢/ ٣٠. ١ "٢١" سورة الأنبياء، الآية: ٦٥. موطن الشاهد: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: علق فعل "علم" عن العمل في الجملة بعده لفظا، لأنه وقع قبل "ما" النافية؛ فـ "ما" نافية. هؤلاء: مبتدأ. جملة "ينطقون": خبر؛ والجملة من "المبتدأ والخبر": في محل نصب، سدت مسد مفعولي "علم". ٢ لأن لهما الصدارة حينئذ، ويرى البعض عدم اشتراط القسم قبل كل أداة من الثلاثة؛ لعدم وروده في الأساليب الفصيحة، ولا فرق في الأحرف الثلاثة بين العاملة منها؛ والمهملة؛ فكلها مع الأهمال أو الإعمال صالحة؛ لأن تكون أداة تعليق.
[ ٢ / ٥٢ ]
والاستفهام، وله صورتان:
إحداهما: أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة، نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُون﴾ ١.
والثانية: أن يكون في الجملة اسم استفهام: عمدة كان، نحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ ٢، أو فضلة، نحو: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ "٢١" الأنبياء، الآية: ١٠٩. موطن الشاهد: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُون﴾ . وجه الاستشهاد: اعترضت همزة الاستفهام بين الفعل القلبي "أدري" وبين معموليه؛ فعلقت عن العمل لفظا لا معنى؛ فـ قريب: مبتدأ، بعيد: معطوف عليه: ما: خبر المبتدأ والجملة من "المبتدأ والخبر": في موضع نصب، سدت مسد مفعولي "أدري" المعلق. ٢ "١٨" سورة الكهف، الآية: ١٢. موطن الشاهد: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ . وجه الاستشهاد: علق فعل "نعلم" عن العمل لفظا؛ لوقوعه قبل اسم الاستفهام العمدة؛ فأي: مبتدأ، وأحصى: خبر "إن كانت اسم تفضيل" وفي محل رفع خبر إن كانت فعلا ماضيا؛ وجملة: "أيُّ الحزبين أحصى" في موضع نصب سدت مسد مفعولي "نعلم" المعلق. ٣ "٢٦" سورة الشعراء، الآية: ٢٢٧. موطن الشاهد: ﴿سَيَعْلَمُ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: علق فعل "يعلم" عن العمل لفظا؛ لأنه تلي بـ "أي" اسم الاستفهام، وهو لا يعمل فيه ما قبله؛ فـ "أي" مفعول مطلق مقدم من تأخير، والعامل فيه "ينقلبون"؛ والأصل؛ ينقلبون أي منقلب؛ وليست "أي" مفعولا به لـ "يعلم" كما يتوهم المبتدئون -لما ذكرنا- وجملة ينقلبون معلق عنها العامل؛ فهي في محل نصب سدت مسد مفعولي "يعلم".
[ ٢ / ٥٣ ]
لا يدخل الإلغاء والتعليق في أفعال التصيير]:
ولا يدخل الإلغاء ولا التعليق في شيء من أفعال التصيير١، ولا في قلبي جامد٢، وهو اثنان: هب، وتعلم٣، فإنهما يلزمان الأمر، وما عداهما من أفعال الباب متصرف إلا وهب، كما مر.
ولتصاريفهن ما لهن، تقول في الإعمال: "أظن زيدا قائما" و: "أنا ظانٌّ زيدا قائما"، وفي الإلغاء٤: "زيد أظن قائم، وزيد قائم أظن، وزيد أنا ظانٌّ قائم، وزيد قائم أنا ظانٌّ" وفي التعليق: "أظن ما زيد قائم، وأنا ظانٌّ ما زيد قائم".
[الفرق بين الإلغاء والتعليق]:
[وقد تبين مما قدمناه أن الفرق بين الإلغاء والتعليق من وجهين]:
أحدهما: أن العامل الملغى لا عمل له البتة، والعامل المعلق له عمل في المحل، فيجوز: "علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره" بالنصب عطفا على المحل٥.
_________________
(١) ١ لقوتها، لأن متناولها الذوات لا الأحداث، وأثرها ظاهر في الغالب؛ فهي قوية في العمل. ٢ لضعفه بعدم التصرف، فلا يضم إلى ذلك ضعف آخر بإلغائه أو تعليقه. ٣ ذهب الكثيرون من النحاة: إلى أن "تعلم" تتصرف وهو الراجح؛ فقد حكى ابن السكيت؛ تعلمت أن فلانا خارج، وعلى ذلك يدخلها الإلغاء والتعليق. ٤ المراد بالتصاريف: المضارع، والأمر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر؛ ويلاحظ أن المصدر يجب فيه الإلغاء إذا تقدم عليه معمولاه، أو أحدهما؛ بأن تأخر أو توسط؛ لأنه يعمل فيما قبله، كما تقدم في موضعه. ٥ للعلماء خلاف في الجملة المعلق عنها بأحد المعلقات التي ذكرها المؤلف -إلا الاستفهام- ولهم في ذلك ثلاثة مذاهب: أولها: أن لهذه الجملة محلا من الإعراب؛ وأن هذا المحل، هو النصب، وهذا مذهب سيبويه وسائر البصريين وابن كيسان، وهو الذي يجري عليه كلام المؤلف ههنا، والثاني: أنه لا محل لها من الإعراب، وأنها جواب قسم مقدر بينها وبين الفعل المعلق، فإذا قلت "علمت لزيد قائم" فتقدير الكلام: علمت والله لزيد قائم، وهذا مذهب الكوفيين. الثالث: أن الجملة المعلق عنها، لا محل لها من الإعراب، بسبب كونها جواب =
[ ٢ / ٥٤ ]
قال٣: [الطويل]
١٨٨- وما كانت أدري قبل عزة ما البكى ولا موجعات القلب حتى تولت١
_________________
(١) = قسم، لكن هذا القسم مدلول عليه بنفس الفعل المعلق، وليس مدلولا عليه بشيء محذوف، كما زعم الكوفيون، وهذا مذهب المغاربة من النحويين، وممن ذهب إليه ابن عصفور. واعلم أنه إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها جملة أو مفردا في معنى الجملة. شرح التصريح: ١/ ٢٥٧. فائدة: لا فرق في الاستفهام العمدة -من حيث التعليق- بين المبتدأ، أو الخبر، كما في قولك: علمت متى السفر؟، أو المضاف إليه المبتدأ، نحو: علمت أبو من زيد، أو خبرا كذلك؛ نحو: علمت صبيحة أي يوم سفرك. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٥٦. ١ القائل هو كثير بن عبد الرحمن، المعروف بكثير عزة. وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٧، والأشموني: "٣٣٨/ ١/ ١٦٢" وقطر الندى: "٧٤/ ٢٣٧" وشذور الذهب: "١٨٧/ ٤٨٦" ومغني اللبيب: "٧٧١/ ٥٤٦"، وديوان كثير: ١/ ٢٧. المفردات الغريبة: أدري: أعلم. عزة: اسم محبوبة الشاعر: موجعات: جمع موجعة: أي مؤلمة. المعنى: ما كنت أعلم قبل أن أعرف عزة وأهواها، أي شيء وهو البكى؛ لأنني كنت خالي القلب، وما كانت أعلم الأمور المؤلمة؛ لكوني مرتاح الخاطر، حتى ذهبت وفارقتني. الإعراب: ما: نافية. كنت: فعل ماضٍ ناقص، واسمه. أدري: فعل مضارع، "والفاعل" أنا؛ وجملة "أدري": في محل نصب خبر "كان". "قبل": متعلق بـ "أدري". عزة: مضاف إليه؛ مجرور بالفتحة عوضا عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف. ما: اسم استفهام، مبتدأ. البكي: خبر. ولا موجعات: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي. موجعات: اسم معطوف على محل "ما البكى" منصوب، وعلامة نصبه الكسرة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. حتى: حرف غاية وجر. تولت: فعل ماضٍ، والفاعل: هي، والتاء: للتأنيث؛ والمصدر المؤول من "أن المقدرة قبل تولت مع ما بعدها": في محل جر بـ "حتى"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بالنفي الذي دل عليه "ما" في قوله "ما كنت أدري". موطن الشاهد: "أدري ما البكى ولا موجعات". وجه الاستشهاد: علق الفعل القلبي "أدري" عن العمل؛ لأن المبتدأ بعده اسم استفهام؛ ومعلوم أن اسم الاستفهام لا يعمل ما قبله فيه؛ لأن رتبته التصدير؛ غير أن الفعل عمل النصب في محل الجملة؛ ودليل ذلك، عطف "موجعات" المنصوب على محلها. وأعرب بعضهم: "ولا موجعات" كالآتي: الواو حالية. لا: نافية للجنس. موجعات: اسمها والخبر محذوف. وأعرب بعضهم "ما البكى" كالتالي: ما: زائدة. البكى: مفعول به؛ والأصل: لا أدري البكى، ولا أدري موجعات القلب؛ فيكون من باب عطف الجمل ولا شاهد فيه على الوجهين؛ والأرجح ما ذهبنا إليه في إعراب البيت. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٥٧.
[ ٢ / ٥٥ ]
والثاني: أن سبب التعليق موجب، فلا يجوز: "ظننت ما زيدا قائما" وسبب الإلغاء مجوِّز١، فيجوز: "زيدًا ظننتُ قائما" و"زيدا قائما ظننت".
ولا يجوز إلغاء العامل المتقدم٢، خلافا للكوفيين والأخفش، واستدلوا بقوله٣: [البسيط]
١٨٩- أني رأيت ملاك الشيمة الأدب٤
_________________
(١) ١ هناك بعض الحالات التي يجب فيها الإعمال؛ منها: إذا كان الناسخ منفيا، سواء كان متأخرا عن المفعولين، أم متوسطا بينهما، نحو: "شتاء باردا لم أظن"، "شتاء لم أظن باردا"، ويجب الإهمال إذا كان العامل مصدرا متأخرا نحو: المطر قليل- ظني غالب؛ لأن المصدر المتأخر لا يعمل في شيء متقدم عليه؛ وكذلك إذا كان في المفعول المتقدم لام ابتداء أو غيرها من ألفاظ التعليق، نحو: لمحمد مكافح ظننت. أو إذا وقع الناسخ بين اسم إن وخبرها، نحو: إن التردد حسبت مضيعة. ٢ هذا مذهب البصريين. وعليه جرى ابن مالك. ومن الفروق بين الإلغاء والتعليق: أن الإلغاء يؤثر في المفعولين معا. أما التعليق فقد يكون أثره على المفعولين أو على أحدهما. والإلغاء لا يجوز في توابعه إلا مراعاة الناحية الظاهرة. أما التعليق فيجوز في توابعه مراعاة الناحية اللفظية، والناحية المحلية كما سبق. ٣ القائل: رجل من بني فزارة. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: كذاك أدبت حتى صار من خلقي وقبله قوله: أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوأة اللقب وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٨، وابن عقيل: "١٣٠/ ٢/ ٤٩"، والأشموني: "٣٣٥/ ١/ ١٦٠" وهمع الهوامع: ١/ ١٥٣، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٥، والمقرب: ٢٢، والخزانة: ٤/ ٥ والعيني: ٢/ ٤١١، وشرح التبريز على الحماسة "تحقيق: =
[ ٢ / ٥٦ ]
_________________
(١) = محمد محيي الدين عبد الحميد": ٣/ ١٤٧، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١١٤٦. وهي برواية "الأدبا". المفردات الغريبة: كذاك: اسم الإشارة، يراد به مصدر الفعل المذكور بعده أي تأديبا مثل ذلك التأديب المعبر عنه في قوله: "أكنيه حين ". ملاك الشيء: قوامه الذي يملك به. الشيمة. الخلق، والجمع: الشيم. المعنى: أدبت أدبا مثل ذلك الأدب العظيم؛ حتى من شيمتي وطبعي الإيمان بأن رأس الأخلاق، وملاك الفضائل الإنسانية هو الأدب. الإعراب: كذاك: "الكاف" اسم بمعنى مثل، صفة لمحذوف واقع مفعولا مطلقا من "أدبت" الذي بعده، واسم الإشارة: مضاف إليه؛ أو الكاف: حرف جر، واسم الإشارة: اسم مجرور؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا لـ "أدبت"؛ والتقدير: أدبت تأديبا مثل هذا التأديب. أدبت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل. حتى: ابتدائية. صار: فعل ماضٍ ناقص. "من خلقي": متعلق بمحذوف خبر "صار" المقدم، والياء: مضاف إليه، أني: حرف مشبه واسمه وجدت: فعل ماضٍ وفاعل؛ وجملة "وجدت" في محل رفع خبر "أن"؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل رفع اسم "صار". ملاك: مبتدأ. الشيمة: مضاف إليه. الأدب: خبر مرفوع؛ وجملة "ملاك الشيمة الأدب": في محل نصب، سدت مسد مفعولي "وجد" على تقدير لام ابتداء، علقت هذا الفعل عن العمل في لفظ جزأي الجملة؛ والأصل: وجدت لملاك الشيمة الأدب؛ أو الجملة في محل نصب مفعولا ثانيا لفعل "وجد"؛ ومفعوله الأول: ضمير الشأن المحذوف؛ والتقدير: وجدته -أي الحال والشأن- ملاك الشيمة الأدب. مواطن الشاهد: "وجدت ملاك الشيمة الأدب". وجه الاستشهاد: إلغاء الفعل "وجد" مع تقدمه على معموليه؛ إذ لو أعمله؛ لنصب به "ملاك" و"الأدب" على أنهما مفعولان؛ ولكن رواية البيت برفعهما؛ وفي هذا الشاهد خلاف بين النحويين؛ فمذهب الكوفيون إلى أن ما جاء في هذا الشاهد وأمثاله من باب الإلغاء؛ لأن الإلغاء -عندهم- جائز مع تقدم العامل، كجوازه في التوسط والتأخر؛ والعلة في ذلك، أن أفعال القلوب ضعيفة عن بقية الأفعال المتعدية، وهذا الإلغاء أثر من آثار ضعفها. وأما البصريون فخرجوا هذا الشاهد وأمثاله على ثلاثة احتمالات، ذكرها المؤلف في المتن بعد ذكر الشاهد التالي؛ ورأي الكوفيون أسلم من رأي البصريين في هذه المسألة؛ لأن الأصل؛ وإلا تصبح دلالة الشواهد غير موثوق بها ولا مطمأن إليها؛ لأن التأويل في كل كلام ممكن. وانظر تفصيل هذه المسألة في شرح التصريح: ١/ ٢٥٨، وشرح ابن عقيل: "ط. دار الفكر": ١/ ٣٤٢-٣٤٤.
[ ٢ / ٥٧ ]
وقوله١: [البسيط]
١٩٠- وما إخال لدينا منك تنويل٢
_________________
(١) ١ القائل: هو كعب بن زهير بن أبي سلمة، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: أرجو وآمل أن تدنو مودتها والبيت من القصيدة المشهورة في مدح سيدنا محمد -ﷺ- والتي مطلعها قوله: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٨، وابن عقيل ١٢٩/ ٢/ ٤٧، والأشموني: "٣٣٤/ ١/ ١٦٠" والخزانة: ٤/ ٧، والعيني: ٢/ ٤١٢، وهمع الهوامع: ١/ ٥٣، ١٥٣، والدرر اللوامع: ١/ ٣١، ١٣٦، وديوان كعب بن زهير: ٩، وفيه برواية "تعجيل". المفردات الغريبة: تدنو: تقرب. تنويل: إعطاء. المعنى: إني لأرجو أن تدنو مودتها، وتقرب محبتها، وما أظن أني سأصل منك إلى أي عطاء أو تنويل. الإعراب: أرجو وآمل: فعلان مضارعان، والفاعل فيهما: أنا. أن: حرف ناصب. تدنو: فعل مضارع منصوب بـ "أن" وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الواو؛ منع من ظهورها السكون العارض لضرورة الشعر. مودتها: فاعل ومضاف إليه؛ و"ها": عائد إلى سعاد. وما: الواو عاطفة. ما: نافية. إخال: فعل مضارع والفاعل أنا. "لدينا": متعلق بمحذوف خبر مقدم، و"نا": مضاف إليه. "منك": متعلق بمحذوف حال من ضمير الخبر. تنويل: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "المبتدأ والخبر": في محل نصب مفعولا به ثانيا لـ "إخال"؛ والمفعول الأول: ضمير شأن محذوف على مذهب البصريين. موطن الشاهد: "وما إخال لدينا منك تنويل". وجه الاستشهاد: ظاهر البيت يوحي بإلغاء العامل "إخال" مع تقدمه على معموليه؛ وبهذا الظاهر أخذ نحاة الكوفة؛ لأنهم يجوزون إلغاء أفعال القلوب، مع تقدمها؛ لضعفها، كما بينا في الشاهد السابق، ولكن نحاة البصرة أولوا البيت بما يخرجه عن استشهاد الكوفيين، ولهم فيه توجيهات عدة؛ ذكرها المؤلف في المتن وأعربنا الشاهد على الوجه الثالث منها؛ وهو اعتبار "إخال" عاملة في مفعولين؛ الأول محذوف؛ وهو ضمير الشأن، والثاني جملة.
[ ٢ / ٥٨ ]
وأجيب بأن ذلك محتمل لثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون من التعليق بلام الابتداء المقدرة، والأصل: "لملاك" و: "للدينا" ثم حذفت وبقي التعليق.
والثاني: أن يكون من الإلغاء؛ لأن التوسط المبيح للإلغاء ليس التوسط بين المعمولين فقط، بل توسط العامل في الكلام مقتضٍ أيضا، نعم الإلغاء للتوسط بين المعمولين أقوى، والعامل هنا قد سبق بأني وبما النافية، ونظيره "متى ظننت زيدا قائما" فيجوز فيه الإلغاء.
والثالث: أن يكون من الإعمال على أن المفعول الأول محذوف، وهو ضمير الشأ،، والأصل: "وجدته" و: "إخاله" كما حذف في قولهم: "إن بك زيد مأخوذ".
[جواز حذف المفعولين اختصارا]:
فصل: ويجوز بالإجماع حذف المفعولين اختصارا١، أي: لدليل، نحو: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُون﴾ ٢، وقوله٣: [الطويل]
١٩١- بأي كتاب أم بأية سنة ترى حبهم عارا علي وتحسب٤
_________________
(١) ١ المراد بالحذف اختصارا: حذف ما يمكن الاستغناء عنه، من الألفاظ؛ لداع يقتضيه؛ وهو جائز بشرط وجود دليل، يدل على المحذوف؛ وألا يترتب على الحذف فساد في المعنى أو في الصياغة اللفظية. ٢ "٢٨" سورة القصص، الآية: ٧٤. موطن الشاهد: ﴿تَزْعُمُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف مفعولي "تزعمون"؛ لدلالة ما قبلهما؛ والتقدير: أين شركائي الذين كنتم تزعمونهم شركائي؟ أو تزعمون أنهم شركائي. ٣ القائل: هو الكميت بن زيد الأسدي، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة هاشمية للكميت؛ يمدح فيها آل الرسول -ﷺ-، وأولها قوله: طربت، وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني، وذو الشيب يلعب ولم يلهني دار ولا رسم منزل ولم يتطربني بنان مخضب =
[ ٢ / ٥٩ ]
أي: تزعمونهم شركائي١، وتحسب حبهم عارا علي.
[جواز حذف المفعولين اقتصارا]:
وأما حذفهما اقتصارا، أي: لغير دليل، فعن سيبويه والأخفش المنع مطلقا٢، واختاره الناظم، وعن الأكثرين الإجازة مطلقا، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ
_________________
(١) = والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٩، وابن عقيل: "١٣٢/ ٢/ ٥٥"، والهمع: ١/ ١٥٢، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٤ والمحتسب: ١/ ١٧٣، والمقرب: ٢١، والخزانة: ٤/ ٥ والعيني: ٢/ ٤١٣، وحاشية يس على التصريح: ١/ ١٦١. المفردات الغريبة: ترى حبهم: رأى هنا من الرأي بمعنى الاعتقاد، ويجوز أن تكون علمية. عارا، العار: كل خصلة يلحقك بسببها عيب ومذمة؛ تقول: عيرته كذا، ولا يجوز عيرته بكذا. على الأرجح؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين بنفسه. تحسب: تظن. المعنى: يا من يعيرني حب آل بيت رسول الله -ﷺ- -ويعيب علي ذلك، فبأي كتاب، تسترشد، أم بأية سنة ترى محبتي لهم منقصة ومذمة، أو تظن ذلك؟؟. الإعراب: "بأي": متعلق بـ "ترى". كتاب: مضاف إليه. أم: حرف عطف. "بأية": معطوف على الأول. سنة: مضاف إليه. ترى: فعل مضارع، والفاعل: أنت. حبهم: مفعول به بأول لـ "ترى" ومضاف إليه. عارا: مفعول به ثانٍ. "علي": متعلق بـ "محذوف صفة من عار"؛ وهو الأفضل. وتحسب: الواو عاطفة جملة على جملة. تحسب: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنت. ومفعولا "تحسب" محذوفان؛ لدلالة الكلام السابق عليهما؛ أو لدلالة مفعولي "ترى" عليهما تحديدا؛ والتقدير: وتحسب حبهم عارا علي. موطن الشاهد: "تحسب". وجه الاستشهاد: حذف مفعولي هذا العامل؛ لدلالة سابق الكلام عليهما، كما بينا في الإعراب، وحذف المفعولين اختصارا؛ لدليل يدل عليهما جائز بإجماع النحاة، كما في المتن. ١ كان الأولى أن يقول: تزعمون أنهم شركائي؛ جريا على الأكثر من تعدي "يزعم" إلى "أن" و"صلتها"، ولكنه عدل عن ذلك؛ لأن الكلام في حذف المفعولين معا في حذف ما يسد مسدهما، وإن كانا بمنزلة واحدة، وقد بينا ذلك في وجه الاستشهاد في الآية الكريمة. شرح التصريح: ١/ ٢٥٩. ٢ أي في أفعال العلم وأفعال الظن، كما يؤخذ من تفصيل الأعلم: الآتي. وعلة المنع: ذهاب الفائدة بحذفهما، وأيضا فإن هذه الأفعال لإفادتها التحقيق تجاب بما يجاب به القسم، وجواب القسم، لا يحذف؛ فكذلك ما هو بمنزلته.
[ ٢ / ٦٠ ]
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾ ١، ﴿فَهُوَ يَرَى﴾ ٢، ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْء﴾ ٣، وقولهم: "من يسمع يَخَلْ"٤، وعن الأعلم٥ يجوز في أعال الظن دون أفعال العلم٦.
_________________
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢١٦ و٢٣١. موطن الشاهد: ﴿يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾ . وجه الاستشهاد: استدل بعض النحاة بهذه الآية على جواز حذف مفعولي: العامل القلبي "تعلمون" اقتصارا، من غير دليل يدل على المفعولين المحذوفين؛ لأنهم يجيزون الحذف مطلقا، كما جاء في المتن؛ وأما تقدير الآية -والله أعلم: يعلم الأشياء، كائنة، أو نحو ذلك. ٢ "٥٣" سورة النجم، الآية: ٣٥. موطن الشاهد: ﴿يَرَى﴾ . وجه الاستشهاد: جواز حذف المفعولين، كما في الآية السابقة، من غير دليل يدل عليهما؛ وقيل: إن الحذف في هذه الآية لدليل؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْب﴾ يشعر بالمفعولين؛ والتقدير في الآية -والله أعلم- يرى ما يعتقده حقا. ٣ "٤٨" سورة الفتح، الآية: ٦٢. موطن الشاهد: ﴿ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْء﴾ . وجه الاستشهاد: حذف ما يسد مسد المفعولين؛ لأن التقدير: ظننتم انقلاب الرسول والمؤمنين إلى أهليهم منتفيا أبدا؛ وظن السوء: مفعول مطلق مفيد للنوع؛ والأرجح أن الحذف في الآية الكريمة اختصارا؛ لوجود دليل في قوله تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ﴾ يشعر بمفعولين؛ أو بما يسد مسدهما. ٤ مثل قالته العرب، يضرب لمن أخبار الناس ومعايبهم؛ فيقع في نفسه، عليهم مكروه ويعني: من يسمع، يخل مسموعه صادقا، وهو من أمثال الميداني: ٢/ ٣٠٠. ٥ الأعلم: هو أبو الحجاج؛ يوسف بن سليمان بن عيسى النحوي الشنتمري، المعروف بالأعلم. كان عالما بالعربية واللغة ومعاني الأشعار، حافظ لها، مشهورا بضبطها وإتقانها، رحل إلى قرطبة، وأخذ عن علمائها؛ له مصنفات قيمة؛ منها: شرح حماسة أبي تمام، وشرح الجمل للزجاجي، وشرح أبيات الجمل، مات سنة: ٤٧٦هـ. البلغة: ٢٩٢، بغية الوعاة: ٢/ ٣٥٦، وفيات الأعيان: ٢/ ٤٦٥، معجم المؤلفين: ١٣/ ٣٠٢. ٦ حجته كثرة السماع في الأولى دون الثانية.
[ ٢ / ٦١ ]
[حكم حذف أحد المفعولين اختصارا واقتصارا]:
ويمنع بالإجماع حذف أحدهما اقتصارا، وأما اختصارا فمنعه١ ابن ملكون٢ وأجازه الجمهور، كقوله٣: [الكامل]
١٩٢- ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم٤
_________________
(١) ١ حجته هو ومن تابعه، أنه أحد جزأي الجملة. ٢ ابن ملكون: هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن منذر بن سعيد بن ملكون الحضرمي الإشبيلي من المغاربة، كان أستاذا نحويا جليلا، روى عن أبي الحسن شريح، وروى عنه ابن خروف والشلوبين؛ له شرح الحماسة، والنكت على تبصرة الصميري، وغير ذلك. توفي سنة: ٥٨٤هـ؛ وقيل ٥٨١هـ. البلغة: ١٠، بغية الوعاة: ١/ ٤٣١، الأعلام: ١/ ٥٩، معجم المؤلفين: ١/ ١٠٨، وطبقات ابن شهبة: ١٥٢. ٣ القائل: هو عنترة بن عمرو بن شداد العبسي، وشداد جده نسب إليه، وقيل: عمه؛ أحد فرسان العرب وأجوادهم، من أهل نجد، ومن الطبقة السادسة من الجاهليين، وأحد أصحاب المعلقات؛ كان أسود اللون عبدا؛ حتى قيل: هو أحد أغربة العرب؛ لم ينسبه أبوه إليه إلا بعد الكبر، كانت له أيام ومشاهد في حرب داحس والغبراء، اختلف في موته، فقيل مات مقتولا؛ وقيل أصابته ريح فقتلته بعد أن أسن وضعف، وذلك سنة ٢٢ ق. هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٢٥٠، والأغاني: ٧/ ١٤١، والخزانة: ١/ ٥٩، والجمحي: ١/ ١٥٢. ٤ تخريج الشاهد: البيت من معلقة عنترة المشهورة؛ والتي مطلعها قوله: هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٠، وابن عقيل: "١٢٣/ ٢/ ٥٦"، والأشموني: "٣٤١/ ١/ ١٦٤" وهمع الهوامع: ١/ ١٥٢، والدرر اللوامع: "١/ ١٣٤، والخصائص: ٢/ ٢١٦، والمحتسب: ١/ ٧٨، والمقرب: ٢١، والخزانة: ١/ ٥٣٩، ٤/ ٤، والعيني: ٢/ ٢١٤ وحاشية يس على التصريح: ١/ ١٢٦ وشذور الذهب: "٤٩٨/ ١٩٦". المفردات الغريبة: غادر: ترك. متردم: مستصلح: من ردمت الشيء، إذا أصلحته يريد: هل ترك الشعراء لأحد معنى لم يتناولوه؟ توهم: إنكار وظن، المحب: المحبوب. المعنى: والله، لقد نزلت -أيتها المحبوبة- من قلبي بمنزلة الشيء المحبوب المكرم، فلا تظني شيئا غير ذلك واقعا ذلك الموقع. =
[ ٢ / ٦٢ ]
[حكم الجملة بعد القول]:
تحكى الجملة الفعلية بعد القول١، وكذا الاسمية، وسليم٢ يعلمونه فيها عمل ظن مطلقا، وعليه يروى قوله٣: [الطويل]
١٩٣- تقول هزيز الريح مرت بأثأب٤
_________________
(١) = الإعراب: ولقد: الواو حرف قسم وجر؛ واللام مفيدة للتأكيد، وقد: حرف تحقيق. نزلت: فعل وفاعل؛ وجملة "نزلت": جواب القسم المحذوف؛ والتقدير: والله لقد نزلت. فلا: الفاء: تفريعية، لا: ناهية. غيره: مفعول أول لفعل: تظن المجزوم بـ "لا" الناهية؛ والهاء مضاف إليه؛ والمفعول الثاني محذوف؛ لدلالة سياق الكلام عليه، والتقدير: فلا تظني غيره حاصلا، أو نحو ذلك. "مني" و"بمنزلة": متعلقان بـ "نزلت"؛ وجملة لا تظني غيره": معترضة بين المجرور ومتعلقه. موطن الشاهد: "فلا تظني غيره". وجه الاستشهاد: حذف مفعول "ظن" الثاني اختصارا؛ لدلالة السياق عليه؛ وحكم هذا الحذف جائز عند الجمهور، خلافا لابن ملكون. ١ هذا بإجماع العرب، أما الاسمية فعند البعض، وتكون الجملة في موضع نصب على المفعولية للقول. هذا: والجملة المحكية قد تذكر بلفظها، كما سمعت، وكما جرت على لسان الناطق بها، وقد تذكر بمعناها لا بألفاظها مع مراعاة الدقة في المعنى، إلا إذا كان هناك ما يقتضي التمسك بنصها الحرفي لداعٍ ديني أو قضائي مثلا، وإذا كانت الجملة المحكية، فيها خطأ لغوي أو نحويٌّ وجب حكايتها بالمعنى للتخلص مما بها من خطأ؛ إلا إذا قصد إبراز هذا الخطأ لسبب ما. وإذا وقع بعد القول مفرد، سواء كان مدلوله لفظا، نحو: قلت كلمة أو لفظا. أو كان في معنى الجملة، نحو: قلت قصيدة، أو محاضرة -نصب على أنه مفعول به للقول، وإن أريد بالمفرد نفس اللفظ المحض- وجب حكايته ورعايته إعرابه نحو: قال فلان: محمد، إذا تكلم بمحمد مرفوعا. حاشية يس على التصريح: ١/ ٢٦١. ٢ سليم: اسم لقبيلة من قيس عيلان؛ رأسها سليم بن منصور بن عكرمة بن قيس بن عيلان وسليم أيضا قبيلة من جذام من اليمين يجرون القول مجرى الظن. ٣ هو: امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه =
[ ٢ / ٦٣ ]
بالنصب، وقوله١: [الطويل]
١٩٤- إذا قلت أني آئبٌ أهل بلدة٢
_________________
(١) = وهو في وصف فرس، وهو من القصيدة، التي مطلعها: خليليَّ مُرَّا بي على أم جندب لنقضيَ حاجات الفؤاد المعذب وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٢، والعيني: ٢/ ٤٣١، والمقرب: ٦٤، وديوان امرئ القيس: ٤٩. المفردات الغريبة: شأوين: تثنية شأو، وهو الشوط والطلق. عطفه: جانبه. هزيز الريح: دويها عند هبوبها. أثأب: اسم جنس جمعي؛ واحده أثأبة، وهي نوع من الشجر. المعنى: يصف فرسه قائلا: إذا ما جرى هذا الفرس شوطين، وحمي السبق، وعرق، تظنه؛ لخفته وسرعة جريه- ريحا هبت على تلك الأشجار، فلعبت بها. الإعراب: تقول: فعل مضارع بمعنى "تظن" مرفوع، والفاعل: أنت. هزيز: مفعول أول، لـ "تقول". الريح: مضاف إليه. مرت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، والفاعل: هي. "بأثأب": متعلق بـ "مر"؛ وجملة "مرت": في محل نصب مفعولا ثانيا لـ "تقول". موطن الشاهد: "تقول". وجه الاستشهاد: استعمل الشاعر فعل "تقول" بمعنى تظن من غير أن يتقدمه استفهام، ونصب به مفعولين؛ أحدهما: "هزيز" وثانيهما: جملة "مرت بأثأب"؛ والذين يجرونه هذا المجرى مطلقا من غير شروط بنو سليم فقط؛ وأما غيرهم، فيتقيدون بشروط ذكرها المؤلف في المتن. ١ القائل هو الحطيئة: جرول بن أوس من بني قطيعة بن عبس، لقب بالحطيئة لقصره وقربه من الأرض، يكنى أبا مليكة، كان راوية زهير، وصفه الرواة بأبشع الأوصاف، وقالوا: "ما تشاء أن تقول في شعر شاعر ما من عيب إلا وجدته فيه، مع قبح منظر ونسب مغمور ودين فاسد" وكان من فحول الشعراء ومتقدميهم، وفصحائهم في فنون الشعر؛ من المديح والهجاء، والفخر والنسيب مات سنة: ٥٠هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٣٢٢، الاشتقاق: ١٧٠، الأغاني: ٢/ ٤١، الخزانة: ١/ ٤٠٨، الجمحي: ١/ ١٠٤. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: وضَعْتُ بها عنه الولية بالهجْرِ والبيت من قصيدة يصف فيها بعيره بالسرعة. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٢، والأشموني: "٣٤٧/ ١/ ١٦٥" والعيني: ٢/ ٤٣٢، وديوانه: ١٠٤. =
[ ٢ / ٦٤ ]
[شروط إجراء القول مجرى الظن]:
بالفتح١، وغيرهم يشترط شروطا، وهي: كونه مضارعا، وسوى به السيرافي "قلت" بالخطاب، والكوفي "قل"، وإسناده للمخاطب، وكونه حالا، قاله الناظم، ورد بقوله٢: [الكامل]
١٩٥- فمتى تقول الدار تجمعنا٣
_________________
(١) = المفردات الغريبة: قلت: معناها هنا ظننت. آئب: راجع؛ اسم فاعل من آب يؤوب: إذا رجع، والعادة أن يرجع الإنسان من عمله آخر النهار، وفي أول الليل، وهذا، هو المراد هننا، الولية: "البرذعة" توضع تحت الرحل، أو ما يوضع تحتها. بالهجر: نصف النهار عند اشتداد الحر، وأصله بتحريك الجيم، وسكنت للضرورة. المعنى: إذا قدرت وظننت أني سأصل بلدة آخر النهار، لبعد مسافتها، أتيتها نصف النهار، عند اشتداد الحر، وذلك لسرعة بعيري ونجابته. الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان مبني على السكون في محل نصب على الظرفية. قلت: فعل وفاعل. و"قلت" بمعنى ظننت. أني: حرف مشبه بالفعل، و"الياء" اسمه. آئب: خير "أن" مرفوع؛ وفاعل اسم الفاعل: ضمير مستتر فيه. أهل: مفعول به لـ "آئب"؛ لإشرابه معنى واصل أو مدرك، وأهل: مضاف. بلدة: مضاف إليه؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل نصب، سدت مسد مفعولي "قال" الذي جاء بمعنى "ظن"؛ وجملة؛ "قال وفاعله وما سد مسد مفعوليه": في محل جر بالإضافة. وضعت: فعل وفاعل. "وبها" و"عنه": متعلقان بـ "وضع". الولية: مفعول به لـ "وضع". "بالهجر": متعلق بـ "وضع". موطن الشاهد: "قلت أني آئب". وجه الاستشهاد: أجرى الشاعر فعل "قال" مجرى ظن، ولم يحك به الجملة بعده، بدليل فتح همزة "أني"، ولو قصد الحكاية؛ لكسر همزتها؛ ومعلوم أن همزة "أن" تفتح بعد ظن، ولما أُجرِيَ فعلُ "قال" مجراه، وحُمِل عليه؛ فُتِحت همزة "أن" بعده؛ ولو جاء "قال" على معناه غير متضمن معنى الظن؛ لكسرت همزة إن بعده، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّه﴾ . ١ أي بفتح همزة "أني" على أنها مع معموليها سدت مسد مفعولي قلت: كما أوضحنا. ٢ هو: عمر بن أبي ربيعة المخزومي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: أما الرحيل فدون بعد غد وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٢، والكتاب لسيبويه: ١/ ٦٣، والمقتضب، =
[ ٢ / ٦٥ ]
والحق أن متى ظرف لتجمعنا لا لنقول، وكونه بعد استفهام بحرف أو باسم، سمع الكسائي: "أتقول للعميان عقلا"١ وقال٢: [الطويل]
١٩٦- علام تقول الرمح يثقل عاتقي٣
_________________
(١) = ٢/ ٢٤٩، وجمل الزجاجي: ٣١٤، وشرح المفصل: ٧/ ٧٨، والخزانة: ١/ ٤٢٣، والعيني: ٢/ ٤٣٤، وديوان عمر بن أبي ربيعة: ٣٩٤. المفردات الغريبة: الرحيل: الارتحال ومفارقة ديار الأحبة. دون بعد غد: أي قبل بعد الغد، وهذا يصدق باليوم وبالغد. المعنى: إن فراق الأحبة ورحيلهم عنا، سيكون اليوم أو غدا. فمتى تظن الدار تجمع شملنا، بعد هذا الفراق؟ الإعراب: متى: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بـ "تقول". تقول: فعل مضارع بمعنى "تظن" وفاعله: أنت. الدار: مفعول به أول لـ "تقول". تجمعنا: فعل مضارع، والفاعل: هي -يعود إلى الدار- و"نا" مفعول به؛ وجملة "تجمعنا": في محل نصب مفعولا ثانيا لـ "تقول". موطن الشاهد: "تقول الدار تجمعنا". وجه الاستشهاد: استعمل فعل "تقول" بمعنى تظن، ونصب به مفعولين؛ أحدهما: الدار، والثاني: جملة "تجمعنا"؛ وأوضح أن الشاعر، لم يقصد به الحكاية؛ لأنه لو قصد الحكاية؛ لرفع "الدار" على الابتداء؛ ولكانت جملة "تجمعنا": في محل رفع خبر؛ ومن ثم كانت جملة "الدار تجمعنا": في محل نصب مقول القول. فائدة: أعمل الشاعر "تقول" عمل تظن، مع أنها ليست للزمان الحاضر، بل هي للمستقبل؛ لأنه لم يستفهم عن ظنه في الحال أن الدار تجمعه مع أحبابه، بل الاستفهام عن وقوع ظنه؛ وهذا يقتضي إلا يكون واقعا في الحال؛ وإلا لم يستفهم عن وقته؛ ومع هذا، فالحق اشتراط كون "تقول" بمعنى تظن للزمان الحاضر، كما ذهب إليه ابن مالك. ١ قول لبعض العرب، للعميان: مفعول ثانٍ مقدم لتقول، عقلا: مفعول أول، وقد عملت "تقول" بعد حرف الاستفهام. ٢ القائل: هو عمرو بن معديكرب الزبيدي، أبو ثور، أحد بني مذحج، وأحد فرسان العرب المشهورين بالبأس والقوة في الجاهلية، أسلم وارتد ثم عاد إلى الإسلام وحسن إسلامه، وشهد القادسية، وفتح نهاوند فقتل هناك مع النعمان بن مقرن المزني؛ قائد الجيش؛ له شعر جيد في الفخر والمديح. الشعر والشعراء: ١/ ٣٧٢، الأغاني: ١٤/ ٢٤، الاشتقاق: ٦٣، الإصابة: ٥/ ٢٠. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: =
[ ٢ / ٦٦ ]
قال سيبويه والأخفش: وكونهما متصلين١، فلو قلت: "أأنت تقول" فالحكاية، وخولفا٢، فإن قدرت الضمير فاعلا بمحذوف والنصب بذلك المحذوف جاز اتفاقا، واغتفر الجميع الفصل بظرف أو مجرور أو معمول القول٣.
_________________
(١) = إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت وهو من قصيدة رواها أبو تمام في ديوان الحماسة؛ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٣، والأشموني: "٣٤٢/ ١/ ١٦٤" وهمع الهوامع: ١/ ١٥٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٣٩ ومغني اللبيب: "٢٤٨/ ١٩١"، والسيوطي: ١٤٣ والعيني: ٢/ ٤٣٦. المفردات الغريبة: علام: مؤلفة من حرف واسم وهما "على" و"ما" ومثلها قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾، و: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ . تقول: تظن. عاتقي: كاهلي، وهو ما بين المنكب والعنق. أطعن: أضرب، من طعن بالرمح يطعن -من باب منع أو نصر، أما طعن فلان على فلان في سببه -مثلا- فمن باب فتح. المعنى: على أي شيء، وبأي حجة، تظن الرمح يثقل كاهلي، ولم أحمل السلاح إذا أنا لم أطعن برمحي، ولم أضرب بسيفي، عند كر الخيل واحتدام القتال؟ الإعراب: علام حرف جر، وما: اسم استفهام؛ حذف ألفه؛ لاتصاله بحرف الجر؛ وهو في محل جر بحرف الجر؛ و"علام": متعلق بـ "تقول". تقول: فعل مضارع "بمعنى تظن" مرفوع، والفاعل: أنت. الرمح: مفعول به أول لـ "تقول". يثقل: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو؛ وجملة "يثقل": في محل نصب مفعولا ثانيا لـ "تقول". عاتقي: مفعول به لـ "يثقل" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء: مضاف إليه. موطن الشاهد: "تقول الرمح يثقل عاتقي". وجه الاستشهاد: استعمل فعل "تقول" بمعنى "تظن" بعد اسم الاستفهام، ونصب به مفعولين؛ الأول: "الرمح" والثاني: جملة "يثقل عاتقي"، ودليل استعماله بمعنى الظن نصب "الرمح"؛ فلو كان بمعنى الحكاية؛ لرفع الرمح على أنه مبتدأ، وتكون جملة "يثقل عاتقي": الخبر، والجملة في محل نصب مقول القول؛ لأن القول، لا ينصب اسما مفردا، متى كان المقصود الحكاية؛ وإنما ينصب الجملة، أو ما يؤدي معنى الجملة. ١ أي: لا يفصل بين الاستفهام والمضارع فاصل. ومن النحاة من يشترط عدم الفصل. ٢ أي خالفهما الكوفيون والبصريون، فأجازوا النصب، ولم يعتدوا بالضمير فاصلا. ٣ سواء كان المعمول مفعولا، أو حالا، أو غيرهما، ويجوز الفصل بأكثر من واحد مما ذكر.
[ ٢ / ٦٧ ]
كقوله١: [البسيط]
١٩٧- أبَعدَ بُعْدٍ تقول الدار جامعة٢
_________________
(١) ١ لم ينسب هذا البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: شملي بهم أم تقول البعد محتوما؟ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٣، والأشموني: "٣٤٤/ ١/ ١٦٤"، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٧ والدرر اللوامع: "١/ ١٤٠، ومغني اللبيب: "١١٧٦/ ٩٠٩" والسيوطي: ٣٢٧، والعيني: ٢/ ٤٣٨، والشذور: "١٩٨/ ٥٠١". المفردات الغريبة: جامعة: اسم فاعل جمع، والجمع ضد التفريق. شملي: مصدر شملهم الأمر إذا عمهم، ويطلق الشمل على العذق من النخلة، وعلى الاجتماع يقال: فرق شملهم: أي: ما اجتمع من أمرهم. وجمع الله شملهم: أي ما تفرق منه. محتوما: أي واجبا، وهو اسم مفعول من حتم الأمر، أوجبه. المعنى: أبعد تفرقنا وتنائينا، تظن الدار تجمع شملنا ثانية، ونلتقي بعد فراق، أم تظن البعد أصبح أمرا مقضيا به علينا إلى الأبد؟؟. الإعراب: أبعد: الهمزة حرف استفهام. "بعد": متعلق بـ "تقول". أو بـ "جامعة". بعد: مضاف إليه. تقول: فعل مضارع بمعنى "تظن"، والفاعل: أنت: الدار: مفعول به أول لـ "تقول". جامعة: مفعول به ثانٍ؛ وفي "جامعة" ضمير مستتر، فاعل لاسم الفاعل، يعود إلى الدار. شملي: مفعول به لاسم الفاعل "جامعة" والياء: مضاف إليه. "بهم: متعلق بـ "جامعة". أم: حرف عطف. تقول: فعل مضارع بمعنى "تظن" مرفوع، والفاعل: أنت. البعد: مفعول به أول لـ "تقول". محتوما: مفعول به ثان لـ "تقول". موطن الشاهد: "تقول الدار جامعة، تقول البعد محتوما". وجه الاستشهاد: استعمل الشاعر فعل "تقول" بمعنى "تظن" في الموضعين، ونصب به مفعولين اثنين ظاهرين في كلا الموضعين؛ وفي هذا أقوى دليل على إجراء القول مجرى الظن؛ لأن المفعولين في كلا الموضعين منصوبان لفظا؛ ومعلوم أن القول؛ إذا أريد به الحكاية لم ينصب إلا الجمل أو ما يؤدي مؤداها؛ فإذا لم يصح أن يقصد بالقول -هنا- الحكاية، وجب أن يقصد به الظن لما بينا.
[ ٢ / ٦٨ ]
وقوله١: [الوافر]
١٩٨- أجهَّالا تقول بني لؤي٢
_________________
(١) ١ القائل: هو الكميت بن زيد الأسدي، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا، صدر بيت، يمدح فيه الشاعر مضر ويفضلهم على أهل اليمن، وعجزه قوله: لعمر أبيك أم متجاهلينا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٣، والأشموني: "٣٤٥/ ١/ ١٦٤"، وابن عقيل: "١٣٥/ ٢/ ٦٠" وهمع الهوامع: ١/ ١٥٧، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٠، والكتاب لسيبويه: ١/ ٦٣، والمقتضب: ٢/ ٢٤٩ وشرح المفصل: ٧١/ ٧٨، والخزانة: ١/ ٤٢٣ عرضا، ٤/ ٢٣، والعيني: ٢/ ٤٢٩ وشذور الذهب: "١٩٩/ ٥٠٢"، وليس في ديوان الكميت. المفردات الغريبة: أجهالا: جمع جاهل. بنو لؤي: يراد بهم جمهور قريش وعامتهم؛ لأنهم ينسبون إلى لؤي بن غالب. لعمر أبيك: لحياته وبقاؤه. متجاهلينا: المتجاهل: الذي يتصنع الجهل ويتكلفه وليس بجاهل. المعنى: أخبرني وحياة أبيك: أتظن بني لؤي جهالا حين استعملوا أهل اليمن على أعمالهم، وقدموهم على بني مضر، مع فضلهم عليهم؛ أم هم عالمون بالحقيقة مقدرون النتائج، غير أنهم يتصنعون الجهل؛ لحاجة في أنفسهم؟. الإعراب: أجهالا: الهمزة حرف استفهام. جهالا: مفعول به ثان مقدم على المفعول الأول، وعلى عامله "تقول". تقول: فعل مضارع بمعنى "تظن" والفاعل: أنت. بني مفعول به أول، لـ "تقول" منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. لؤي: مضاف إليه مجرور؛ والخبر محذوف وجوبا؛ والتقدير: لعمر أبيك قسمي؛ والجملة معترضة، لا محل لها. أم: عاطفة، معادلة للهمزة. متجاهلينا، معطوف على "جهالا". موطن الشاهد: "أجهالا تقول بني لؤي". وجه الاستشهاد: إعمال "تقول" عمل تظن، ونصبه مفعولين، وقد فصل بين الاستفهام والفعل بمعمول الفعل "جهالا"؛ الواقع مفعولا ثانيا للفعل؛ وحكم الفصل بين الاستفهام والفعل بمعمول الفعل جائز في هذا الباب؛ كما ظهر ذلك واضحا في الإعراب.
[ ٢ / ٦٩ ]
قال السهيلي١: وأن لا يتعدى باللام٢، كـ: "ستقول لزيد عمرو منطلق".
وتجوز الحكاية مع استيفاء الشروط٣، نحو: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٤ الآية، في قراءة الخطاب، وروي: "علام تقول الرمح" بالرفع.
_________________
(١) ١ السهيلي: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي الأندلسي المالقي، كان عالما بالعربية واللغة والقراءات، جامعا بين الدراية والرواية، نحويا مقدما واسع المعرفة، تصدَّر للإقراء والتدريس، روى عن ابن العربي وأبي طاهر، وابن الطراوة، وروى عنه الرندي، وأبو الحسن الغافقي؛ له مصنفات قيمة منها: الروض الأنف، في شرح السيرة النبوية، وكتاب: التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام، وكتاب في شرح آية الوصية، وكتاب الفكر وغيرها وهو مع هذا شاعر مجيد؛ له شعر جيد، منه الأبيات المشهورة: يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعدُّ لكل ما يتوقع يا من يرجَّى للشدائد كلها يا من إليه المشتكى والمفزع يا من خزائن رزقه في قول: "كن" امنن، فإن الخير عندك أجمعُ وقد مات بمراكش سنة ٦٨٨؛ وقيل ٥٨١هـ. البلغة: ١٢٢، إنباه الرواة: ٢/ ١٦٤، بغية الوعاة: ٢/ ٨١، طبقات القراء: ١/ ٣٧١ معجم المؤلفين: ٥/ ١٤٧، والأعلام: ٤/ ٨٦. ٢ أي يشترط في المضارع: ألا يتعدى باللام؛ لأنها تبعده عن معنى الظن، ويصبح قولا مسموعا وقد علمت أن مذهب الجمهور: أن القول، إذا عمل عمل الظن، يجري مجراه في المعنى أيضا. شرح التصريح: ١/ ٢٦٣. ٣ وحينئذ يكون بمعنى النطق والتلفظ، لا معنى الظن، وتكون الجملة بعده في محل نصب سدت مسد المفعول به. ومن هنا يتبين: أن استيفاء الشروط ليس موجبا لتنزله منزلة الظن، وإنما يجيز ذلك فقط. أما جريانه مجرى الظن، فيوجب تحقق الشروط المذكورة كلها. ٤ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٤٠. أوجه القراءات: موطن الشاهد: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "تقولون" مرادا به الحكاية، على الرغم من كونه مضارعا مسبوقا باستفهام؛ وحكم مجيئه على هذه الحالة الجواز؛ و"إن وما دخلت عليه": سدت مسد مفعول به واحد؛ والدليل على كون "تقولون" مرادا به الحكاية كسر همزة "إن" بعده.
[ ٢ / ٧٠ ]
_________________
(١) تنبيهات:
(٢) ليس بلازم، أن يكون المفعولان، في هذا الباب؛ أصلهما المبتدأ والخبر حقيقة؛ بل يكفي أن يكون أصلهما كذلك، ولو تأويلا؛ مثل: جعلت الطين إبريقا، وصيرت الذهب خاتما؛ فإنه لا يصح أن يقال: الطين إبريق، والذهب خاتم؛ لأن الخبر يجب أن يكون نفس المبتدأ في المعنى، وهنا ليس كذلك اللهم إلا بشيء من التأويل؛ كأن يقدر: أن الطين سيتحول إلى إبريق، والذهب إلى خاتم.
(٣) كثيرا ما يستعمل "رأى" الماضي مسبوقا بأداة استفهام، بمعنى: أخبرني، تقول: أرأيتك هذا الملثم، أفدائي هو؟ وحينئذ، ينصب مفعولا واحدا أو مفعولين على حسب المراد.
(٤) التعليق بالاستفهام ليس مقصورا على الأفعال القلبية المتصرفة في هذا الباب، بل سمع في غيرها من الأفعال مثل: تفكر، سأل، استنبأ، أبصر. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّة﴾، ﴿يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّين﴾، ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾، ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ . ٤ كما يجوز حذف المفعولين؛ أو أحدهما اختصارا أو اقتصارا على النحو الذي بسطناه، ويجوز أيضا حذف الناسخ مع مرفوعه. تقول: ماذا تزعم؟ فيكون الجواب: مندوب الجماعة بالباب، أي أزعم ضياء السالك: ١/ ٣٦٦.
[ ٢ / ٧١ ]
[باب الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل]:
هذا باب ما ينصب مفاعيل ثلاثة:
وهي: أعلم وأرى اللذان أصلهما علم ورأى المتعديان لاثنين، وما ضمن معناهما١ من نبأ وأنبأ وخبر وأخبر وحدث، نحو: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِم﴾ ٢، ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ ٣.
[جواز حذف الأول والاقتصار عليه]:
ويجوز عند الأكثرين حذف الأول، كـ: "أعلمت كبشك سمينا" والاقتصار عليه، كـ: "أعلمت زيدا"٤.
_________________
(١) ١ يشير بهذا: إلى أن الخمسة المذكورة ملحقة في بعض استعمالاتها بأعلم وأرى المذكورتين، في التعدية إلى ثلاثة مفاعيل لتضمنها معناهما. وليست الهمزة فيها، أو التضعيف -للتعدية أو النقل؛ لأنه ليس لها ثلاثي مستعمل في العلم- إلا خبر بمعنى علم، ولم ترد تعديتها إلى ثلاثة مفاعيل صريحة في كلام العرب، إلا وهي مبنية للمفعول كما سترى من الشواهد، فيكون أول المفاعيل نائب فاعل مرفوعا، ويكون الثاني والثالث صريحين. أو تسد مسدهما جملة، أو يكون أحدهما صريحا، والثاني مكانه جملة. شرح التصريح: ١/ ٢٦٤. ٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٦٧. موطن الشاهد: ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "يريهم" مضارع "أرى" متعديا إلى ثلاثة مفاعيل؛ وهي: الضمير المتصل "هم"، وأعمالهم، وحسرات؛ وإذا كان الفعل من "رأى البصرية" فحسرات: حال، وليس مفعولا ثالثا. ٣ "٨" سورة الأنفال، الآية: ٤٣. موطن الشاهد: ﴿يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "يُرِي" كما في الآية السابقة في الموضعين؛ فالكاف؛ المفعول الأول، و"هم": المفعول الثاني؛ قليلا وكثيرا: المفعول الثالث. ٤ وذلك؛ لأن الفائدة لا تنعدم بحذفه في المثال الأول، أو بالاقتصار عليه في المثال الثاني؛ إذ قد يراد الإخبار بمجرد العلم به، وبمجرد إعلام الشخص المذكور، أما حذف الثلاثة؛ فأجازه ابن مالك لدليل ولغيره؛ وإن لم يجز في باب ظن لغير دليل. شرح التصريح: ١/ ٢٦٥.
[ ٢ / ٧٢ ]
[جواز حذف الثاني والثالث اختصارا]:
وللثاني واللثالث من جواز حذف أحدهما اختصارا ومنعه اقتصارا، ومن الإلغاء والتعليق ما كان لهما، خلافا لمن منع من الإلغاء والتعليق مطلقا، ولمن منعهما في المبني للفاعل، ولنا على الإلغاء قول بعضهم: "البركة أَعْلَمَنَا الله مع الأكابر" وقوله١: [الطويل]
١٩٩- وأنت أَرَانِي اللهُ أمنعُ عاصِمٍ٢
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: وأرأف مستكفيٍ وأسمحُ واهبِ ويروى قبله: وكيف أبالي بالعدى ووعيدهم وأخشى ملمات الزمان الصوائب والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٦، والأشموني: "٣٤٨/ ١/ ١٦٦"، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٨ والدرر اللوامع: ١/ ١٤٠، والعيني: ٢/ ٤٤٦. المفردات الغريبة: أمنع: أفعل تفضيل، من منع على وزن كرم، إذا صار منيعا قويا لا يعتدى عليه. عاصم: حافظ، وهو اسم فاعل من عصم فلان فلانا، على وزن ضرب، أي منع عنه الأذى والمكروه. أرأف: أفعل تفضيل من الرأفة، وهي الشفقة والرحمة. مستكفي: مطلوب منه الكفاية في الملمات. المعنى: أرأني الله إياك أقوى حافظ يقي الإنسان شر الأعداء، أرأف من يلجأ إليه في الملمات، وأجود وأكرم من يعطي من غير مَنٍّ في هذه الحياة. الإعراب: أنت: مبتدأ. أراني: فعل ماضٍ، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. الله: فاعل مرفوع. أمنع: خبر المبتدأ. عاصم: مضاف إليه. وأرأف: الواو عاطفة، أرأف: معطوف على أمنع. مستكفيٍ: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر. وأسمح: الواو عاطفة. أسمح: معطوف على "أمنع" واهب: مضاف إليه. موطن الشاهد: "أنت أراني الله أمنع عاصم". وجه الاستشهاد: إلغاء عمل "أرى" في المفعولين الثاني والثالث؛ وهما: "أنت أمنع عاصم"؛ لتوسطه بينهما؛ لأن الأصل: أرأني الله إياك أمنع عاصم؛ أو: أرأنيك الله أمنع عاصم؛ فلما قدم المفعول الثاني؛ أبدل بضمير الرفع "أنت" وارتفع على الابتداء.
[ ٢ / ٧٣ ]
وعلى التعليق: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ١، وقوله٢: [الطويل]
٢٠٠- حذار فقد نُبِّئْتُ إِنَّك للَّذِي ستجزى بما تسعى فتسعدُ أو تشقَى
_________________
(١) = عاصم"؛ لتوسطه بينهما؛ لأن الأصل: أرأني الله إياك أمنع عاصم؛ أو: أرأنيك الله أمنع عاصم؛ فلما قدم المفعول الثاني؛ أبدل بضمير الرفع "أنت" وارتفع على الابتداء. ١ "٣٤" سورة سبأ، الآية: ٧. موطن الشاهد: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . وجه الاستشهاد: علق فعل "ينبِّئ" عن العمل في مفعولين الثاني والثالث؛ لدخول لام الابتداء والمفعول الأول: "كم" وجملة الشرط وجوابه المحذوف اعترضت بين المفعول الأول وما سد مسد المفعولين: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ﴾ . ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٦٦، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٨، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٠ وشرح شواهد الألفية للعيني: ٢/ ٤٧٧. المفردات الغريبة: حذار: اسم فعل أمر، بمعنى احذر. نبئت: أعلمت وأخبرت. ستجزى: ستكأفأ. بما تسعى: بما تعمل في هذه الحياة. المعنى: احذر عاقبة ما تعمل في هذه الحياة؛ فإنك ستؤاخذ بما قدمت يداك، وتجزى على حسب عملك، فإن كان خيرا سعدت، وإن كان شرا شقيت وندمت. الإعراب: حذار: اسم فعل أمر بمعنى احذر: وفاعله: أنت. فقد: الفاء تعليلية، قد: حرف دالٌّ على التحقيق. نبئت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل؛ وهي المفعول الأول، قبل بناء الفعل للمجهول. إنَّك: حرف مشبه بالفعل، والكاف: اسمه. للذي: اللام لام المزحلقة، تفيد التوكيد. الذي: خبر "إن"؛ وجملة "إن وما دخلت عليه": في موضع نصب، سدت مسد المفعولين؛ الثاني والثالث؛ لتعلق الفعل عنهما. ستجزى: "السين" للاستقبال. تجزى: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل: أنت. وجملة "ستجزى": صلة لـ "الذي لا محل لها. "بما": متعلق بـ "تجزى". تسعى: فعل مضارع والفاعل: أنت، وجملة "تسعى": صلة للموصول، لا محل لها. فتسعد: الفاء عاطفة، تسعد: فعل مضارع والفاعل: أنت؛ وفعل تسعد معطوف على تجزى: أو: عاطفة. تشقى: معطوف على تسعد. موطن الشاهد: "نبئت إنك للذي". وجه الاستشهاد: "مجيء فعل "نُبِّئَ" القلبي المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل معلقا عن العمل في الثاني والثالث؛ لدخول اللام المزحلقة في خبر "إن"؛ وأما مفعوله الأول؛ فهو التاء المنقلبة نائب فاعل، لبناء الفعل للمجهول؛ ومعلوم أن تعليق الفعل عن العمل في المفعولين الثاني والثالث معناه إبطال عمله في لفظهما؛ ولكنه يظل عاملا في محلهما؛ ولهذا، مكنا في الإعراب: و"إن وما دخلت عليه": في محل نصب، سدت مسد المفعولين الثاني والثالث.
[ ٢ / ٧٤ ]
[حكم أرى وأعلم المنقولين من المتعدي لواحد]:
قال ابن مالك: وإذا كانت أرى وأعلم منقولتين من المتعدي لواحد١ تعدتا لاثنين٢، نحو: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ ٣، وحكمهما حكم مفعولي "كسا"٤، في الحذف لدليل وغيره، وفي منع الإلغاء والتعليق، قيل: وفيه نظر في موضعين؛ أحدهما: أن "علم" بمعنى عرف إنما حفظ نقلها بالتضعيف لا بالهمزة، والثاني: أن "أرى" البصرية سمع تعليقها بالاستفهام، نحو: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ٥، وقد يجاب بالتزام جواز نقل المتعدي لواحد بالهمزة قياسا، نحو: "ألبست زيدا جبة" وبادعاء أن الرؤية هنا علمية.
_________________
(١) ١ بأن كانت بصرية بمعنى أبصر، وعلم عرفانية بمعنى عرف. ٢ أي: بواسطة الهمزة. ٣ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٥٢. موطن الشاهد: ﴿أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أرى" فعلا ماضيا بصريا، والفاعل: هو: و"كم" مفعول أول، و"ما" "الاسم الموصول" مفعول ثانٍ؛ وجملة "تحبون": صلة؛ وتعدى الفعل لمفعولين بسبب دخول همزة التعدية عليه. ٤ باب كسا: هو كل فعل يتعدى إلى مفعولين ليس في الأصل مبتدأ وخبرا، مثل: "سأل، وأعطى، وألبس، ومنح، ومنع"؛ ولهذا لا يصح تطبيق الأحكام الخاصة بالأفعال القلبية عليهما إلا التعليق؛ فإنه جائز. ٥ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٦٠. موطن الشاهد: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أر" فعل أمر من "أرى" البصرية، خرج إلى معنى الدعاء، والفاعل: أنت. والنون للوقاية، والياء: مفعول به أول؛ وجملة "كيف تحيي الموتى": في محل نصب، سد مسد المفعول الثاني لـ "أر" المعلق عن المفعول الثاني بـ "كيف". =
[ ٢ / ٧٥ ]
_________________
(١) فائدتان: أ- لا يجوز أن يعامل أخوات "رأى وعلم" القلبية معاملتهما في النقل إلى الثلاثة بالهمزة فيقال: أظننت محمد عليا كريما وأحسبت وأزعمت، وأجاز ذلك الأخفش، ورأيه ضعيف. ب- صوغ الفعل للمفعول يجعله قاصرا عن مفعول كان متعديا إليه قبل الصوغ؛ فالمتعدي إلى ثلاثة؛ إذا صغته للمفعول؛ صار متعديا إلى اثنين، وذو الاثنين يصير متعديا إلى واحد، وذو الواحد يصير غير متعدٍّ، أما دخول همزة النقل على الفعل فبالعكس. شرح الأشموني: ١/ ١٦٧.
[ ٢ / ٧٦ ]
[باب الفاعل]:
هذا باب الفاعل:
[تعريف الفاعل]:
الفاعل١: اسم٢ أو ما في تأويله، أسند إليه فعل أو ما في تأويله، مقدم، أصلي المحل والصيغة.
فالاسم نحو: "تبارك الله" والمؤول به٣ نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ ٤، والفعل كما مثَّلْنَا، ومنه: "أتى زيد" و: "نعم الفتى"، ولا فرق بين المتصرف والجامد، والمؤول بالفعل نحو: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ ٥، ونحو: "وجهه" في قوله٦: "أتى زيد منيرا وجهه" و: "مقدم" رافع لتوهم دخول نحو: "زيد قام". و: "أصليُّ المحل" مخرج لنحو: "قائم زيد" فإن المسند، وهو قائم، أصله التأخير لأنه
_________________
(١) ١ معنى الفاعل لغة: من أوجه الفعل، واصطلاحا: ما ذكر المصنف. ٢ أي صريح ظاهر، أو ضمير بارز، أو مستتر. ٣ أي بالاسم؛ وذلك لوجود سابك ملفوظ به أو مقدر، والسابك في باب الفاعل يكون "بأن" المفتوحة، و"أن" الناصبة للفعل، و"ما" لا غير. أما "كي" و"لو" فلا. ٤ "٢٩" سورة العنكبوت، الآية: ٥١. موطن الشاهد: ﴿يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ . وجه الاستشهاد: المصدر المؤول من "أن ومعموليها" فاعل "يكفهم"؛ والتقدير: أو لم يكفهم إنزالنا؟. ٥ "١٦" سورة النحل، الآية: ٦٩. موطن الشاهد: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ . وجه الاستشهاد: "فمختلف في تأويل يختلف، وألوانه: فاعل؛ وصح إعمال "مختلف"؛ لاعتماده على موصوف محذوف؛ والتقدير: صنف مختلف ألوانه. ٦ أي قول ابن مالك في الألفية.
[ ٢ / ٧٧ ]
خبر، وذكر الصيغة مخرج لنحو: "ضرب زيد"، بضم أول الفعل وكسر ثانيه، فإنها مفرعة عن صيغة ضرب، بفتحهما.
[أحكام الفاعل]:
وله أحكام:
أحدها: الرفع١، وقد يجر لفظا٢ بإضافة المصدر، نحو: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ ٣، أو اسمه نحو: "من قُبلةِ الرجل ِامرأتَه الوضوءُ"٤، أو بمن أو بالباء الزائدتين نحو: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ ٥، ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ وقد ينصب شذوذًا إذا فهم المعنى، سمع من العرب قولهم: خرق الثوب المسمار، وكسر الزجاج الحجر، برفع أولهما، ونصب ثانيهما؛ وقال الأخطل: مثل القنافذ هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوءاتهم هجر شرح التصريح: ١/ ٢٦٩ و٢٧٠. ٢ ولكنه في محل رفع، ويجوز في تابعه حينئذ الجر حملا على الفظ، والرفع بالنسبة إلى المحل. ٣ ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٥١. موطن الشاهد: ﴿لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء لفظ الجلالة مضافًا إلى المصدر "دفع"؛ وهو فاعل في المعنى؛ ويقال في الإعراب: مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله. ٤ هذا قول للسيدة عائشة ﵂، من قبلة: جار مجرور خبر مقدم. الرجل: مضاف إليه من إضافة اسم المصدر وهو "قبلة" إلى فاعله. "امرأته" مفعوله ومضاف إليه. الوضوء: مبتدأ مؤخر. ٥ "٥" سورة المائدة، الآية: ٢٩. موطن الشاهد: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "بشير" اسما مجرورا لفظا بمن الزائدة مرفوع محلا على أنه فاعل جاء. ٦ "٤٨" سورة الفتح، الآية: ٢٨. موطن الشاهد: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء لفظ الجلالة مجرورا لفظا، بحرف الجر الزائد، مرفوعا محلا لأنه فاعل "كفى". =
[ ٢ / ٧٨ ]
الثاني: وقوعه بعد المسند، فإن وجد ما ظاهره أنه فاعل تقَدَّمَ وجب تقدير الفاعل ضميرا مستترا، وكون المقدم إما مبتدأ في نحو: "زيد قام"، وإما فاعلا محذوف الفعل في نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ١ لأن أداة الشرط مختصة بالجملة الفعلية، وجاز الأمران في نحو: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ ٢ و: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ ٣، والأرجح الفاعلية٤.
_________________
(١) = هذا وقد يجب جر الفاعل بالباء الزائدة، كما في فاعل أفعل في التعجب. نحو قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ وقد يجب بكثرة كفاعل "كفى" كما في الآية التي تلاها المؤلف، ومن أمثلة تجرد فاعل كفى قول سحيم: عميرة ودع إن تجهزت غازيا بما لاقت لبون بني زياد إذا ذهبت إلى أن "ما لاقت" فاعل "يأتي" كانت الباء زائدة، وإلا كانت متعلقة بتمني وقد خرج العلماء البيت على الوجهين. ١ "٩" سورة التوبة، الآية: ٦. موطن الشاهد: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ اسْتَجَارَكَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أحد" فاعلا لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ والتقدير: وإن استجارك أحد استجارك؛ ولا يجوز تقديره مبتدأ؛ لأن أدوات الشرط لا تدخل على الأسماء، كما بيَّنَ المؤلف - وإنما تدخل على الجمل الفعلية. ٢ "٦٤" سورة التغابن، الآية: ٦. موطن الشاهد: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ . وجه الاستشهاد: إما أن يكون "بشر" مبتدأ وجملة "يهدوننا": خبره؛ وإما أن يكون فاعلا لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده؛ والراجح أن يكون فاعلا؛ لأن الغالب في همزة الاستفهام أن تدخل على الفعل. ٣ "٥٦" سورة الواقعة، الآية: ٥٩. موطن الشاهد: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ . وجه الاستشهاد: "أنتم" إما أن تكون في محل رفع مبتدأ؛ وجملة "تخلقونه": خبر، وإما أن تكون فاعلا لفعل محذوف يفسره ما بعده؛ وهذا أرجح لما بينا في الآية السابقة. ٤ ذكر المؤلف فيما ظاهره فاعل ثلاث صور: الأولى: ما يكون المتقدم فيه مبتدأ ليس غير؛ نحو زياد قام، ونقدر الفاعل ضميرا =
[ ٢ / ٧٩ ]
وعن الكوفي جواز تقديم الفاعل، تمسكا بنحو قول الزباء١: [مشطور الرجز]
٢٠١- ما للجمال مشيها وئيدا٢
_________________
(١) = مستترا في الفعل يعود إلى ذلك المبتدأ؛ والجملة في محل رفع خبر المبتدأ؛ والجملة -هنا- واحدة اسمية على الأرجح، وإن كان المبرد يجوز أن يكون "زيد" فاعلا لفعل محذوف، فيكون لدينا جملتان فعليتان، وهذا رأي ضعيف؛ لأن المبرد نفسه يرجح كون "زيد" مبتدأ. الثانية: ما يكون الاسم المتقدم فيه فاعلا ليس غير، كما في الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِين ﴾ فـ "أحد" فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ فيكون لدينا جملتان فعليتان؛ الثانية مفسرة للأولى. ونظير هذا المثال: اسم مرفوع وقع بعد أداة تختص بالفعل؛ كأدوات الشرط والتحضيض. الثالثة: ما يجوز فيه الوجهان: وهو أن يقع الاسم المرفوع بعد أداة يجوز أن تدخل على الفعل، وعلى الاسم، كهمزة الاستفهام؛ ومثاله: ما ذكر في الآيتين: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ و﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَه﴾ . انظر شرح التصريح: ١/ ٢٧٠. ١ هي ملكة يقال إن اسمها نائلة ويقال فارعة، كانت توصف بشعرها الطويل الذي يجر وراءها فسميت الزباء لذلك -والأزب: الكثير الشعر- وقيل إنها بنت عمرو بن الظرب بن حسان من نسل العماليق، وقيل اسمه: مليح بن البراء، قتله جذيمة الأبرش ملك الحيرة وطردها إلى الشام، فاستعادت ملك أبيها وقتلت جذيمة، ثم قتلت نفسها بالسم. الخزانة: ٨/ ٢٧٣. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من مشطور الرجز، وبعده قوله: أجندلا يحملن أم حديدا أم صرفانا باردا شديد أم الرجال جثما قعودا وقصة الزباء مع جذيمة، رواها الميداني في المثل: خطب يسير في خطب كبير. مجمع الأمثال "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٢٣٣. رقم ١٢٥٠. والبيت الشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧١، والأشموني: "٣٥٥/ ١/ ١٦٩"، وهمع الهوامع: ١/ ١٥٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٤١، والمغني: "٩٨٦/ ٧٥٨"، وشرح السيوطي: ٣٠٨ والكامل للمبرد: ٢٧٩، وأمالي الزجاجي: ١٦٦، والعيني: ٢/ ٤٤٨. المفردات الغريبة: الجمال: جمع جمل. وئيدا: ثقيلا بطيئا، هو صفة مشبهة من التؤدة وهي التمهل والتأني. جندلا، الجندل: ما ينقله الرجل من الحجارة. صرفانا: =
[ ٢ / ٨٠ ]
_________________
(١) = النحاس والرصاص، جثما: جمع جاثم، أي لاصقين بالأرض. قعودا: جمع قاعد. المعنى: ومعنى البيت بات واضحا، قالته الزباء لما رأت الجمال التي أتاها بها قصير، وقد حمل عليها الرجال في الغرائر، فأوهمها أن ذلك بضاعة. الإعراب: ما: اسم استفهام مبتدأ. "للجمال" متعلق بمحذوف الخبر. مشيُها: "بالرفع" فاعل مقدم لـ "وئيدا" على مذهب الكوفيين، و"ها" مضاف إليه. وئيدا: حال من الجمال. موطن الشاهد: "مشيها وئيدا". وجه الاستشهاد: تروى "مشيها" بالرفع والنصب والجر؛ فعلى روايتي النصب والجر، لا شاهد على الخلاف بين البصريين والكوفيين في مسألة تقدم الفاعل على عامله، وإعراب الروايتين كالآتي: أ- رواية النصب: مشيها مشي: مفعول مطلق، لفعل محذوف؛ والتقدير: تشمي مشيها، و"ها" مضاف إليه. وئيدا: حال منصوب من المصدر؛ وجملة الفعل المحذوف في محل نصب حال من الجمال. ب- رواية الجر: "مشيها" بدل اشتمال من الجمال، و"ها" مضاف إليه. وئيدا: حال من المشي. وأما رواية الرفع ففيها الخلاف بين البصريين والكوفيين، حيث زعم الكوفيون -كما أعربنا- أن "مشيها" فاعل لـ "وئيدا" تقدم عليه؛ لأنهم يجيزون تقدم الفاعل على عامله؛ والتقدير عندهم: أي شيء ثابت للجمال حال كونها وئيدًا مشيها؛ وأما البصريون فلا يجيزون تقدم الفاعل على عامله لسببين: أولهما: أن الفاعل مع فعله ككلمة واحدة ذات جزأين؛ صدرها هو الفعل، وعجزها هو الفاعل، وكما لا يجوز تقديم عجز الكلمة على صدرها، فلا يجوز تقديم ما هو بمنزلة العجز، على ما هو بمنزلة الصدر. ثانيهما: أن تقديم الفاعل يوقع في اللبس بينه وبين المبتدأ. ففي قولنا: "زيد قام" إذا كان تقديم الفاعل جائزا، لا يدري السامع، أنريد الابتداء بـ "زيد" والإخبار عنه بالفعل، المتضمن ضميرا واقعا فاعلا له، يعود إلى زيد، أم نريد إسناد قام وحده إليه؟ والفرق بين الحالين أن جملة الفعل وفاعله تدل على حدوث الشيء بعد أن لم يكن؛ بينما جملة المبتدأ وخبره الفعلي تدل على ثبوت الشيء وتأكيد إسناده إلى من قام به أو وقع منه؛ ولهذا خرج البصريون رواية الرفع. أحدهما: "مشيها". مبتدأ. و"وئيدا": حال من فاعل فعل محذوف؛ والتقدير: مشيها يظهر وئيدا "وجملة الفعل المحذوف وفاعله": في محل رفع خبر المبتدأ. ثانيهما: "مشيها": بدل من الضمير المستكن في "الجار والمجرور" الواقع خبرا؛ وهو "للجمال"؛ لأن متعلق هذا الجار والمجرور، كان يتحمل ضميرا مرفوعا بالفاعلية؛ ولما حذف المتعلق، انتقل الضمير إلى الجار والمجرور. بقي أن نعلم أن بعض العلماء ذهبوا إلى أن هذا البيت شاذٌّ؛ لا يقاس عليه. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٧١، والدرر اللوامع: ١/ ١٤١، وحاشية الصبان: ٢/ ٤٦.
[ ٢ / ٨١ ]
وهو عندنا ضرورة، أو: "مشيها" مبتدأ حذف خبره، أي يظهر وئيدا، كقولهم: "حكمك مسمطا"١ أي: حكمك لك مثبتا، قيل: أو: "مشيها" بدل من ضمير الظرف.
الثالث: أنه لا بد منه٢، فإن ظهر في اللفظ نحو: "قام زيد، والزيدان قاما" فذاك، وإلا فهو ضمير مستتر راجع إما لمذكور، كـ: "زيد قام" كما مر، أو لما دل عليه الفعل كالحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" ٣ أي: ولا يشرب هو: أي: الشارب، أو لما دل عليه الكلام أو الحال المشاهدة، نحو: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ ٤، أي: إذا بلغت الروح، ونحو قولهم: "إذا كان غدا فأتني"٥ وقوله٦: [الطويل]
_________________
(١) ١ مثل قالته العرب، مر التعليق عليه في الجزء الأول. ٢ أي: لا يمكن حذفه، والاستغناء عنه؛ لأنه جزء أساسي في الجملة، لا تستغني عنه؛ لتكملة معناها مع عامله. ٣ هذا حديث شريف أخرجه البخاري في كتاب الأشربة من صحيحه "بولاق": ٧/ ١٠٤ وفيه: "ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان: ١/ ٥٤. وأخرجه أبو داود "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد" برقم: "٤٦٥٩" ففي يشرب ضمير مستتر هو الفاعل، وحسن الحذف لتقدم نظيره: لا يزني الزاني، ولا يسرق السارق. ٤ "٧٥" سورة القيامة: ٢٦. موطن الشاهد: ﴿بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف الفاعل، وعوض عنه بالضمير المستتر المرفوع على الفاعلية والراجع إلى الروح، المدلول عليها في سياق الكلام؛ لأن التقدير: إذا بلغت هي -أي الروح- التراقي؛ والتراقي: أعالي الصدر. ٥ قول لبعض العرب، و"كان" يحتمل أن تكون تامة، وغدا: ظرف متعلق بها، وأن تكون ناقصة فيكون "غدا": خبرها، والضمير المستتر المرفوع بكان تدل عليه الحال الواقعة المشاهدة وقت التكلم كما بين المصنف. ٦ القائل: هو سواد بن المضرب السعدي، أحد بني سعد بن تميم.
[ ٢ / ٨٢ ]
٢٠٢- فإن كان لا يرضيك حتى تردني١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: إلى قطري لا إخالك راضيا وكان الشاعر قد هرب من الحجاج مخافة على نفسه حين أراد أن يرسله لمقاتلة الخوارج. أقاتليَ الحجاج إن لم أزُرْ له دراب، وأتركْ عند هندٍ فؤاديا والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٧٢، والأشموني: "٣٥٤/ ١/ ١٦٩" والخصائص: ٢/ ٤٣٣، والمحتسب: ٢/ ١٩٢، والكامل للمبرد "الحلبي": ٤٤٥، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٨٥، وشرح المفصل: ١/ ٨٠، والعيني: ٢/ ٤٥١. المفردات الغريبة: قطري: هو قطري بن الفجاءة التميمي، رأس من رؤوس الخوارج في عهد الدولة الأموية. لا إخالك: لا أظنك. المعنى: إذا كان ما تشاهده مني ومن حالتي وفراري من ذلك الخارجي، لا يرضيك حتى تردني إليه، فإني لا أظنك ترضى أصلا؛ لأنني معتزم عدم الرجوع إليه، ورضاك معلق على عودتي. الإعراب: إن: شرطية. كان: فعل الشرط، وفاعله؛ أو اسمه -إذا كان ناقصا- ضمير يعود إلى معلوم من المقام؛ كما أوضح المؤلف. لا يرضيك: لا: نافية، وفعل مضارع، والفاعل: هو، والكاف: مفعول به؛ وجملة "لا يرضيك": في محل نصب على الحال من فاعل "كان" المستتر؛ أو اسمها؛ إن كانت ناقصة. لا إخالك: لا: نافية، إخال: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا، والكاف: مفعول به أول. راضيا: مفعول به ثانٍ؛ وجملة "لا إخالك" جواب الشرط. فائدة: ارتفع جواب الشرط في الشاهد "لا إخالك" لمجيء فعل الشرط ماضيا؛ وارتفاعه في هذه الحالة جائز، قال ابن مالك: وبعد مَاضٍ رفْعُكَ الجَزَا حَسنْ موطن الشاهد: "فإن كان لا يرضيك". وجه الاستشهاد: احتج الكسائي بهذا البيت على جواز حذف الفاعل، وما هو بمنزلة الفاعل اسم الأفعال الناسخة؛ وأما البصريون فأنكروا عليه ذلك؛ لأنهم لا يجيزون حذف الفاعل؛ إلا بأحد أمرين؛ الأول: أن يكون الفاعل مذكورا في الكلام، والثاني: أن يكون مضمرا، ولما لم يكن في هذا الكلام مذكور يصلح أن يكون اسما؛ أو فاعلا لـ "كان" قالوا: إن اسمها مضمر جوازا، تقديره: هو؛ ولما لم يكن في الكلام ما يصلح أن يكون مرجعا لذلك الضمير -الذي لا بد له من مرجع- قالوا: إنه عائد إلى الحال المشاهدة والواقعة للمتكلم والسامع. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٧٢.
[ ٢ / ٨٣ ]
أي: إذا كان هو، أي: ما نحن الآن عليه من سلامة، أو فإن كان هو، أي: ما تشاهده مني، وعن الكسائي إجازة حذفه تمسكا بنحو ما أولناه١.
الرابع: أنه يصح حذف فعله، إن أجيب به نفي، كقولك: "بلى زيد" لمن قال: ما قام أحد، أي: بلى قام زيد، ومنه قوله٢: [الطويل]
٢٠٣- تجلدت حتى قيل: لم يعر قلبه من الوجد شيء، قلت: بل أعظم الوجد٣
_________________
(١) ١ أي في الحديث والآية والبيت "٢٠١". ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: البيت من شواهد التصريح: ١/ ٢٧٣، والأشموني: "٣٦٢/ ١/ ١٧٢"، والعيني ٢١/ ٤٥٣. المفردات الغريبة: تجلدت: تكلفت الجلد والصبر على الهموم. لم يعر: لم يغش ولم ينزل. الوجد: الشوق والحب. المعنى: تكلفت الصبر والجلد على بعد المحبوبة وهجرها، ولم أظهر شيئا من الحب والشوق إليها؛ حتى اعتقد الناس أن حبها لم يتمكن من قلبي؛ والحقيقة أن ما حل في قلبي من الشوق، والمحبة أعظم مما يتصور. الإعراب: تجلدت: فعل ماضٍ وفاعل. حتى: حرف غاية وجر. لم: نافية جازمة. يعره: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف الواو. شيء: فاعل مرفوع. بل: حرف إضراب. أعظم: فاعل لفعل محذوف؛ أي: بل عراه أعظم. الوجد: مضاف إليه. فائدة: لم يعطف بـ "بل" عطف مفرد على مفرد؛ أي لم تعطف "بل" أعظم" على "شيء"؛ وإنما قدر فعل بعد "بل"؛ لتعطف جملة على جملة؛ لأن "بل" التي تعطف مفردا على مفرد بعد نفي أو شبهه، تُقَرِّرُ ذلك النفي السابق، وتثبت ضده لما بعدها؛ وعلى هذا، يكون المعنى: أنه لم يعر قلبه شيء، وعراه أعظم الوجد؛ وهذا كلام متناقض؛ أما عطفها جملة على جملة؛ فإنها تبطل الأولى، التي نفت عرو شيء من الوجد؛ فإذا بطلت الأولى؛ صح أن تثبت جملة أخرى تدل على أنه عراه أعظم الوجد. موطن الشاهد: "بل أعظم الوجد". وجه الاستشهاد: ارتفاع "أعظم" على أنه فاعل لفعل محذوف، يدل عليه سياق الكلام؛ وهذا الفعل المحذوف؛ مجاب به على كلام منفي سابق، وهو قولهم: "لم يعر قلبه من الوجد شيء"؛ والمراد النفي بالجملة الفعلية، فإن كان النفي بالجملة الاسمية؛ فلا يترجح كون المرفوع فاعلا. انظر حاشية الصبان: ٢/ ٥٠.
[ ٢ / ٨٤ ]
أو استفهام محقق١، نحو: "نعم زيد" جوابا لمن قال: هل جاءك أحد؟ ومنه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢، أو مقدر كقراءة الشامي٣ وأبي بكر٤: "يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ"٥، وقوله٦: [الطويل]
٢٠٤- لِيُبْكَ يزيد ضارعٌ لِخُصُومِهِ٧
_________________
(١) ١ أي: أجيب به استفهام محقق -أي ملفوظ به ظاهر الأداة، وإن كان في حيز شرط لا يوجد مدلوله في الخارج. ٢ "٤٣" سورة الزخرف، الآية: ٨٧. موطن الشاهد: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء لفظ الجلالة فاعلا بفعل محذوف دل عليه مدخول الاستفهام؛ والتقدير: خلقنا الله؛ لأن مثل هذا الكلام عند تحقق ما فرض من الشرط والجزاء، يكون جوابا عن سؤال محقق. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٧٣. ٣ هو: أبو عمران: عبد الله بن عامر إمام أهل الشام، وقد مرت ترجمته. ٤ هو: شعبة بن عياش، وقد مرت ترجمته. ٥ "٢٤" سورة النور، الآية: ٣٦ والآية: ٣٧. موطن الشاهد: "يُسَبَّحُ لَهُ رِجَالٌ". وجه الاستشهاد: مجيء "رجال" فاعلا بفعل محذوف، دل عليه مدخول الاستفهام المقدر؛ فكأنه لما قيل: يسبح له فيها بالغدو والآصال بالبناء للمجهول، قيل: من يسبحه؟ فأجيب: يسبحه رجال؛ ثم حذف الفعل؛ لإشعار "يسبح" المبني للمجهول به؛ إذ لا يجوز أن نسند "رجال" إلى الفعل المذكور المبني للمجهول؛ لفساد المعنى؛ لأن الرجال ليسوا مسبَّحين "بفتح الباء" بل مسبِّحين بكسرها؛ والآصال:؛ جمع "أصل" بضمتين، و"أصل": جمع أصيل؛ ويجمع "آصال" على أصائل؛ وأما على قراءة يسبح "بكسر الباء" والبناء للمعلوم، فلا إشكال في الآية و"رجال" فاعل يسبح، كما هو معلوم. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٧٣. ٦ قيل: هو لبيد بن ربيعة العامري، وقيل: غيره، وقد مرت ترجمة لبيد. ٧ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: ومختبط مما تطيح الطوائح وفي ديوان لبيد "طبع ليدن": ٥٠، الشاهد من قطعة، مطلعها: لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشل حشا جدت تسفي عليه الروائح =
[ ٢ / ٨٥ ]
أي: يسبحه رجال، ويبكيه ضارع، وهو قياسي وفاقا للجرمي١ وابن
_________________
(١) = لقد كان ممن يبسط الكف بالندى إذا ضن بالخير الأكف الشحائح والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٤، والكتابه لسيبويه: ١/ ٢٤٥: وفيه نسب البيت إلى: الحارث بن نهيك، والأشموني: "٣٦١/ ١/ ١٧١"، وهمع الهوامع: ١/ ١٦٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٢، وفيه نسب البيت إلى ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد، والشعر والشعراء: ٤٧، وتصحيف العسكري: ٢٠٨، والمقتضب: ٣/ ٢٨٢، والمحتسب: ١/ ٢٣٠ والخصائص ٢/ ٣٥٣ والشريشي: ١/ ٢١، والخزانة: ١/ ١٤٧، ومعاهد التنصيص: ١/ ٧٠، ومغني اللبيب: "١٠٤٤/ ٨٠٧" وقد نسبه الزمخشري إلى: مزرد بن ضرار، ونسبه السيرافي إلى الحارث بن ضرار النهشلي، ونسبه بعضهم إلى نهشل بن حري. المفردات الغريبة: ضارع: ذليل خاشع. مختبط: هو المحتاج الذي يطلب معروفك من غير أن تكون له وسيلة يمت بها إليك. تطيح: الطوائح: جمع طائح أو طائحة. المعنى: ليبك يزيد ويندبه شخصان: فقير ذليل مهضوم الحق، لا يجد له نصيرا؛ وطالب معروف يدفع به مصائب الدهر؛ وليس له وسيلة يتقرب بها. الإعراب: ليبك: اللام، لام الأمر، يبك: فعل مضارع مجزوم؛ وهو مبني للمجهول. يزيد: نائب فاعل. ضارع: فاعل لفعل محذوف، دل عليه مدخول الاستفهام المقدر؛ أي: يبكيه ضارع. "لخصومه". متعلق بالفعل المحذوف. ومختبط: معطوف على ضارع. مما: من حرف جر. "ما". مصدرية. تطيح: فعل مضارع. الطوائح: فاعل؛ والمصدر المؤول من "ما وما بعدها": في محل جر بـ "من"؛ و"الجار والمجرور": متعلق بـ "مختبط". موطن الشاهد: "ليبك يزيد ضارع". وجه الاستشهاد: رفع "ضارع" على أنه فاعل لفعل محذوف واقع في جواب استفهام مقدر؛ فكأنه حين قال: ليبك يزيد؛ قيل: فمن يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارع، ثم حذف الفعل؛ لدلالة سابق الكلام عليه؛ هذا؛ وقد روي البيت: ليبك يزيد ضارع، ببناء الفعل للمعلوم ونصب يزيد ورفع ضارع على أنه فاعل لـ "يبك"؛ وهذه الرواية أثبتها العسكري، ونفي غيرها، وعليها، فلا شاهد في البيت. ١ هو: أبو عمر؛ صالح بن إسحاق الجرمي البصري، مولى جرم بن زبان، وجرم من قبائل اليمن فقيه عالم بالنحو واللغة؛ دينا ورعا، أخذ عن الأخفش ويونس والأصمعي وأبي عدة وحدث عنه المبرد، وناظر الفراء فأفحمه، كان يلقب بالنباح؛ لكثرة مناظرته ورفع صوته فيه. له كتب قيمة: منها: الأبنية، ومختصر في النحو، وغريب سيبويه، مات سنة ٢٢٥هـ. البلغة: ٩٦، بغية الوعاة: ٢/ ٨، إنباه الرواة: ٢/ ٨٠، وفيات الأعيان: ١/ ٢٢٨، الأعلام: ٢/ ٨.
[ ٢ / ٨٦ ]
جني١، ولا يجوز في نحو: "يوعظ في المسجد رجل" لاحتماله للمفعولية، بخلاف: "يوعظ في المسجد رجال زيد"، أو استلزمه ما قبله كقوله٢: [الطويل]
٢٠٥- غداة أَحَلَّت لابن أصرم طعنة حضين عبيطات السدائف والخمر٣
_________________
(١) ١ هو أبو الفتح؛ عثمان بن جني الموصلي مولدًا ونشأة، وأبوه جني كان مملوكا روميا، لازم ابن جني أبا علي الفارسي وأخذ عنه ٤٠ سنة، حتى صار إماما من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والصرف، ولم يتكلم أحد في التصريف والإعراب أدق منه كلاما، عاصر المتنبي وناظره، وشهد له المتنبي؛ له كتاب: الخصائص، والمحتسب، واللمع، وشرح ديوان المتنبي، مات سنة ٣٩٢هـ، ودفن ببغداد. البلغة: ١٣٧، بغية الوعاة: ٢/ ١٣٢، وإنباه الرواة: ٢/ ٣٣٥، تاريخ ابن كثير: ١١/ ٣٣١، الأعلام: ٤/ ٣٦٤. ما ذهب إليه ابن جني والجرمي؛ هو ما ذهب إليه المؤلف في المغني، من أنَّ كلَّ واحد من هذه المرفوعات فاعل بفعل محذوف؛ ولا يجوز غير ذلك. ويرى الجمهور أن كل واحد من هذه المرفوعات خبر مبتدأ محذوف؛ تقدير الكلام في الآية الأولى عندهم: الله خالقهم، وفي الآية الثانية: المسبّح له رجال، وفي البيت: الباكي ضارع ويجوز أن يقدر المرفوع فاعلا بفعل محذوف، دل عليه سابق الكلام، وأن يقدر خبر مبتدأ محذوف، لكن الأولى؛ تقديره فاعلا بفعل محذوف؛ لأن كون هذا المرفوع فاعلا؛ ثابت في القراءة الأخرى في: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ وفي رواية البيت الأخرى: لِيَبْكِ يزيدَ ضارعٌ. شرح التصريح: ١/ ٢٧٤، ومغني اللبيب: ٨٠٧. ٢ القائل: هو الفرزدق، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٤، ومجالس العلماء للزجاجي: ٢١، والجمل: ٢١٢، والإنصاف: ١٨٧، وشرح المفصل: ١/ ٣٢، ٨/ ٧٠، والعيني: ٢/ ٤٥٦، ومعجم البلدان: ١٣/ ٣٦٥، وديوان الفرزدق: ٣١٧. المفردات الغريبة: طعنة: اسم مرة من الطعن، وهو الضرب بالرمح وغيره، عبيطات: جمع عبيطة، وهي القطعة من اللحم الطري غير النضيج، وعبط الذبيحة واعتبطها: نحرها وهي سمينة فتية من غير داء ولا كسر. السدائف: جمع سديف؛ وهو شحم السنام ونحوه مما غلب عليه السمن. المعنى: كان لحصين بن أصرم قريب، مات قتلا، فحرم حصين على نفسه أكل اللحم الطري وشرب الخمر حتى يأخذ بثأر قريبه؛ فلما أدرك ثأره أحل لنفسه ما كان حرمه عليها من أكل اللحم الطري وشرب الخمر. =
[ ٢ / ٨٧ ]
أي: "وحلت له الخمر"، لأن "أحلت" يستلزم "حلت"، أو فسره ما بعده، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ١، والحذف في هذه واجب٢.
_________________
(١) = الإعراب: "غداة": متعلق بما قبله. أحلت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. طعنة: فاعل مرفوع. "لابن": متعلق بـ "أحل". أصرم: مضاف إليه ممنوع من الصرف. حصين: بدل من "ابن أصرم"؛ أو عطف بيان عليه. عبيطات: مفعول به لـ "أحل" منصوب، وعلامة نصبه الكسرة، وهو مضاف. السدائف: مضاف إليه. والخمر: "بالرفع" فاعل لفعل محذوف، يدل عليه "أحل" المتقدم، والتقدير: وحلت له الخمر؛ وجملة "حلت له الخمر": معطوفه على جملة "أحلت طعنة". موطن الشاهد: "الخمر". وجه الاستشهاد: مجيء "الخمر" فاعلا لفعل محذوف، يدل عليه الفعل السابق، ويستلزمه، وهو "أحلت"، كما ذكر المصنف؛ وروي هذا البيت بنصب "طعنة" على أنه مفعول به، وإن كان فعلا في المعنى، ورفع "عبيطات" على الفاعلية، والخمر بالعطف عليها؛ على حذ "خرق الثوب المسمار" ولكن زاد -هنا- تقديم المنصوب. وقد حكى محمد بن سلام أن الكسائي سُئِلَ في حضرة يونس بن حبيب شيخ سيبويه عن توجيه رفع "الخمر" في هذا البيت، فقال الكسائي: يرتفع بإضمار فعل؛ أي: وحلت له الخمر، فقال يونس: ما أحسن -والله- توجيهك، غير أني سمعت الفرزدق يسنده بنصب "طعنة" ورفع "عبيطات" على جعل الفاعل مفعولا. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٧٤، والإنصاف في مسائل الخلاف: ١٨٧. ١ "٩" سورة التوبة، الآية: ٦. موطن الشاهد: ﴿إِنْ أَحَدٌ اسْتَجَارَكَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أحد" فاعلا لفعل محذوف، يفسره "استجارك" المذكور؛ والتقدير: وإن استجارك أحد استجارك؛ والحذف من هذه الحالة واجب؛ لأن استجارك المذكور كالعوض من استجارك المحذوف؛ ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه، والمفسر والمفسر. وهناك أساليب أخرى، يجب فيها الحذف -أي حذف الفعل؛ نحو: الاختصاص، والتحذير، والإغراء، والمصدر النائب عن فعله، وسيأتي ذلك لاحقا. وانظر حاشية الصبان: ٢/ ٥٠. ٢ لأن استجارك المذكور كالعوض من "استجارك" المحذوف، ولا يجمع بين العوض والمعوَّض؛ فلذلك لم يجيزوا ذكر العامل في الاسم المرفوع بعد أداة الشرط ونحوها؛ وهذا الكلام إنما يجري على مذهب البصريين الذين لا يجيزون أن يقع بعد أداة الشرط جملة اسمية، فيكون المرفوع مبتدأً، خبره ما بعده؛ ولا يجوز عندهم أيضا أن يتقدم الفاعل على فعله حتى يكون "أحد" فاعلا باستجارك الذي بعده. =
[ ٢ / ٨٨ ]
الخامس: أن فعله يوحد مع تثنيته وجمعه، كما يوجد مع إفراده، فكما تقول: "قام أخوك" كذلك تقول: "قام أخواك" و: "قام إخوتك" و: "قام نسوتك"، قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلان﴾ ١ ﴿وَقَالَ الظَّالِمُون﴾ ٢، ﴿وَقَالَ نِسْوَة﴾ ٣، وحكى البصريون على طيئ وبعضهم عن أزد شنوءة٤، نحو: "ضربوني قومك" و: "ضربتني نسوتك" و: "ضرباني أخواك"٥ قال٦: [السريع]
٢٠٦- ألفيتا عيناك عند القفا٧
_________________
(١) ١ "٥" سورة المائدة، الآية: ٢٣. موطن الشاهد: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ . وجه الاستشهاد: إفراد الفعل مع الفاعل المثنى، وحكم إفراد الفعل في هذه الحالة الوجوب. ٢ "٢٥" سورة الفرقان، الآية: ٨. موطن الشاهد: ﴿قَالَ الظَّالِمُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: إفراد العمل مع الفاعل الجمع؛ وحكم إفراد الفعل هنا الوجوب. ٣ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٣٠. موطن الشاهد: ﴿قَالَ نِسْوَةٌ﴾ . وجه الاستشهاد: إفراد الفعل مع الفاعل "نسوة"؛ وهو جمع؛ وحكم إفراده -كما في الآيتين السابقتين- الوجوب. ٤ بفتح الهمزة وسكون الزاي أو السين، قال في الصحاح: أزد: أبو حي من اليمن، وهو بالسين أفصح، يقال: أزد شنودة وأزد عمان وأزد السراة؛ واختلف في تسميته أزدا وأسدا، فقيل: لأنه كان كثير العطاء فقيل له ذلك؛ لكثرة من يقول: أسدى إلي كذا، أو أزدى إلي كذا؛ وقيل: لأنه كان كثير النكاح، والأزد والأسد النكاح، وشنوءة بفتح الشين المعجمة وضم النون وفتح الهمزة. شرح التصريح: ١/ ٢٥٧. ٥ أي: بإلحاق علامة الجمع والتأنيث والتثنية بالفعل، ويعبر بعض النحويين عن هذه اللغة بلغة: أكلوني البراغيث؛ لأن البراغيث فاعل أكلوني. ٦ القائل هو: عمرو بن ملقط؛ شاعر جاهلي؛ ولم أعثر له على ترجمة وافية. ٧ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: أولى فأولى لك ذا واقية وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٥٧، ونوادر أبي زيد الأنصاري: ٦٢، وأمالي ابن =
[ ٢ / ٨٩ ]
وقال١: [المتقارب]
٢٠٧- يلومونني في اشتراء النخيـ ـل أهلي فكُلُّهُمُ ألْوَمُ٢
_________________
(١) = الشجري: "١/ ١٣٢، والخزانة: ٣/ ٦٣٣، والعيني: ٢/ ٤٥٨، ومغني اللبيب: "٦٩١/ ٤٨٥". المفردات الغريبة: ألفيتا: وجدتا. أولى فأولى لك: كلمة تقال عند التهديد والوعيد؛ وهي. كما قال الأصمعي والمبرد -اسم فعل معناه: قاربك ما يهلكك. ذا: اسم بمعنى صاحب. واقية: مصدر بمعنى الوقاية، كالعافية. المعنى: يصف الشاعر رجلا بالجبن والفرار من القتال، فيخاطبه قائلا: وجدت عيناك عند قفاك؛ من كثرة نظرك، والتفاتك الشديد إلى الخلف -وأنت فارٌّ- لتنظر الأعداء خشية أن يتبعوك، ثم يدعو عليه بنزول الكوارث، فيقول: حلت بك المصائب، وقاربك ما يهلكك. الإعراب: ألفيتا: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والألف: علامة التثنية. عيناك: نائب فاعل، ومضاف إليه. "عند": متعلق بـ "ألفيتا". القفا: مضاف إليه. أولى: مبتدأ: فأولى: معطوف عليه. "لك" خبر المبتدأ؛ ويجوك أن يكون "أولى": خبرا لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: دعائي أولى. ذا: حال من الكاف في "عيناك". واقية: مضاف إليه. موطن الشاهد: "ألفتيا عيناك". وجه الاستشهاد: إلحاق ألف الاثنين بالفعل "ألفى" مع كونه مسندا إلى اسم ظاهر مثنى؛ وهو "عيناك"؛ وهذا الإلحاق على لغة جماعة من العرب بأعيانهم؛ واختلف العلماء في بيان أصحاب هذه اللغة، فبعضهم يذكر أنها لغة طيئ، وبعضهم يذكر أنها لغة أزد شنوءة، ومثل الشاهد السابق قول أحدهم: نسيا حاتم وأوس لدن فا ضت عطاياك يابن عبد العزيز فقد ألحق الشاعر ألف الاثنين بالفعل "نسي" المبني للمجهول. مع أن نائب الفاعل مذكور بعده، وفي هذا الشاهد والذي استشهد به المؤلف دلالة على أن شأن نائب الفاعل في هذه المسألة كشأن الفاعل. وانظر حاشية الصبان: ٢/ ٤٦-٤٧. ١ ينسب البيت إلى أمية بن أبي الصلت، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: صوب بعضهم إنشاد البيت هكذا: يلومونني في اشتراء النخيـ ـل قومي فكلهم يَعدِلُ وأنشدوا بعده: وأهل الذي باع يلحونه كما لُحِيَ البائعُ الأوَّلُ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٦، والأشموني: "٣٥٩/ ١/ ١٧٠"، وابن عقيل =
[ ٢ / ٩٠ ]
وقال١: [الطويل]
٢٠٨- نتج الربيع محاسنا ألقحنها غر السحائب٢
_________________
(١) = "١٤٣/ ٢/ ٨٢" وهمع الهوامع: ١/ ١٦٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٢، وشرح المفصل: ٣/ ٨٧، و٧/ ٧ والعيني: ٢/ ٤٦٠، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٣٣، والعيني: ٢/ ٤٦٠، ومغني اللبيب: "٦٧٩/ ٤٧٨"، وديوان أمية: ٤٨، وفيه برواية: فكلهم ألوم. المفردات الغريبة: يلومونني: اللوم: العذل والتعنيف. يعذل: "العذل" اللوم. يلحونه: لحا يلحو مثل: دعا يدعو؛ فيقال: لحاه يلحوه؛ ولحاه يلحاه مثل: نهاه ينهاه؛ إذا لامه وعذله؛ فالمعاني السابقة متشابهة. المعنى: يعتب علي أهلي، ويعنفونني لشراء النخيل، ولا حق لهم؛ فكلهم أكثر استحقاقا للوم. الإعراب: يلومونني: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ والواو: حرف دال على جماعة الذكور، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. "في اشتراء": متعلق بـ "يلوم". النخيل: مضاف إليه. أهلي: فاعل "يلوم". فكلهم: الفاء عاطفة. كلهم: مبتدأ، ومضاف إليه. يعذل: فعل مضارع، والفاعل: هو؛ وجملة "يعذل": في محل رفع خبر المبتدا. موطن الشاهد: "يلومونني". وجه الاستشهاد: اتصال واو الجماعة بالفعل، مع أن الفعل أسند إلى الاسم الظاهر المذكور؛ وهو "أهلي"؛ وهذا لغة طيئ، أو أزد شنوءة، كما أسلفنا؛ ومثل هذا الشاهد قول زيد بن معاوية: يدورون بي في ظل كل كنيسة فينسونني قومي وأهوى الكنائسا فوصل واو الجماعة بالفعل "ينسى" مع أن الفاعل اسم ظاهر مذكور بعده؛ وهو "قومي". وقول آخر: نصروك قومي فاعتززت بنصرهم ولو أنهم خذلوك كنت ذليلا فقد ألحق واو الجماعة بفعل "نصر" مع أن الفاعل مذكور بعده؛ وهو "قومي". حاشية الصبان: ٢/ ٤٧. ١ القائل: هو أبو فراس الحمداني. ٢ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة للشاعر؛ ومعها قوله: يا أيها الملك الذي أضحت له جمل المناقب نتج الربيع محاسنا ألقحنها غير السحائب راقت ورق نسيمها فحكت لنا صور الحبائب =
[ ٢ / ٩١ ]
والصحيح أن الألف والواو والنون في ذلك أحرف دلوا بها على التثنية والجمع، كما دل الجميع١ بالتاء في نحو: "قامت" على التأنيث٢؛ لا أنها ضمائر الفاعلين وما بعدها مبتدأ على التقديم والتأخير أو تابع على الإبدال من الضمير، وأن هذه اللغة٣ لا تمتنع من المفردَيْن أو المفردات المتعاطفة، خلافا لزاعمي ذلك،
_________________
(١) = والبيت للتمثيل وليس للاستشهاد، وقد مثل به: التصريح: ١/ ٢٧٦، والعيني: ٢/ ٤٦٠، وهمع الهوامع: ١/ ١٦٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٢، وحاشية يس: ١/ ٢٧٦، والشذور: "٨٢/ ٢٣٣". المفردات الغريبة: نتج: بالبناء للمعلوم، أو للمجهول، ويقال: نتجت الناقة، بالبناء للمجهول؛ إذا ولدت. الربيع: المراد هنا المطر الذي ينزل وقت الربيع. محاسنا: جمع لا واحد من لفظه مثل ملامح، وقيل جمع حسن على غير قياس. ألقحنها؛ الإلقاح: أصله الإيلاد، من أقلح الفحل الناقة إلقاحا: أحبلها، ثم استعير للشجر. غر: جمع غراء: أبي بيضاء. السحائب: جمع سحابة. المعنى: أنبت المطر الذي ينزل في فصل الربيع نباتا حسنا، وكسا الأرض حلة ناضرة بوساطة تلك السحب الغراء، وما أنتجته من نبات حسن. الإعراب: نتج: فعل ماضٍ. الربيع: فاعل؛ أو نائب فاعل، إذا عد "نتج" مبنيا للمجهول. محاسنا: مفعول به أول؛ أو ثان؛ لما أسلفنا. ألقحنها: فعل ماضٍ، والنون: علامة جمع النسوة، و"ها" مفعول به. غر: فاعل مرفوع. السحائب: مضاف إليه. موطن الشاهد: "ألقحنها". وجه الاستشهاد: وصل نون النسوة بالفعل "ألقح" مع أنه مسند إلى اسم ظاهر بعده، وهو "غر السحائب"؛ وإلى مثل هذا يشير الناظم بقوله: "وقد يقال: سعدا وسعدوا والفعل للظاهر -بعد- مسندُ" أي: جاء في بعض اللغات: "سعدا وسعدوا" بزيادة علامة التثنية والجمع على أنهما مجرد علامة، ليس أكثر، والفعل مسند إلى الفاعل الظهر بعده. ١ أي: جميع العرب. ٢ والجامع بينهما: الفرعية عن الغير، فالمثنى والجمع فرع الإفراد، والمؤنث فرع المذكر. والفرق بين الاثنين أن لحاق علامة التأنيث لغة جميع العرب، ويجب أحيانا. أما لحاق الثانية فلغة قوم، ولا يجب مطلقا. شرح التصريح: ١/ ٢٧٦. ٣ هذا معطوف على قوله "والصحيح أن الألف والواو ". أي والصحيح أيضا أن هذه اللغة -وهي لحاق علامة التثنية والجمع- لا تمتنع مع المفردين -إلخ. وقوله "خلافا لزاعمي ذلك" أي في المسألتين، ورد على زاعمي الأول بقوله: "لقول الأئمة إلخ". وردَّ على زاعمي الثاني بقوله: "ولمجيء قوله -إلخ".
[ ٢ / ٩٢ ]
لقول الأئمة: إن ذلك لغة لقوم معينين، وتقديم الخبر والإبدال لا يختصان بلغة قوم بأعيانهم، ولمجيء قوله١: [الطويل]
٢٠٩- وقد أسلماه مبعد وحميم٢
_________________
(١) ١ القائل: هو عبيد الله بن قيس بن شريح بن مالك، من بني عامر بن لؤي، ولَقَبُ الرقيات أطلق عليه؛ لأنه كان يشبب بثلاث نسوة؛ كل واحدة منهن تسمى رقية، وهو شاعر مبدع، أكثر شعره في الغزل؛ وله مدائح جيدة في مصعب بن الزبير وأخيه عبد الله؛ وكان قد خرج معهما على بني أمية، ولما قتلا أمنه عبد الملك بن مروان، ومات سنة ٨٥هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٥٣٩، الجمحي: ٢/ ٦٤٧، الأغاني: ٤/ ١٥٤، واللآلي: ٢٩٤، والخزانة: ٣/ ٢٦٥. تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: تولى قتال المارقين بنفسه وهو من قصيدة يرثي فيها مصعب بن الزبير، وأولها قوله: لقد أورث المصرين حزنا وذلة قتيل بدير الجاثليق مقيم والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٧، وابن عقيل: "١٤٢/ ٢/ ٨١" والأشموني: "٢٥٦/ ١/ ١٧٠" وهمع الهوامع: ١/ ١٦٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٤١، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٣٢، والعيني: ٢/ ٤٦١ والمغني: "٦٨١/ ٤٨١" "٦٩٢/ ٤٨٥" والشذور "٨١/ ٢٣٢" وديوان ابن الرقيات: ١٩٦. المفردات الغريبة: المارقين: الخارجين عن الدين، أسلماه: خذلاه وأسلماه إلى أعدائه. مبعد: أجنبي بعيد الصلة. حميم: صديق أو قريب. المعنى: لقد تولى مصعب بنفسه قتال الخارجين بالعراق على أخيه عبد الله بن الزبير، ولم يركن إلى غيره في ذلك، وقد تجشم المصاعب، وخذله البعيد والقريب؛ وأسلماه إلى عدوه. الإعراب: تولى: فعل ماضٍ، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره هو؛ يعود إلى مصعب. قتال: مفعول به منصوب. المارقين: مضاف إليه. "بنفسه": متعلق بـ "تولى"؛ أو توكيد للفاعل، على زيادة الباء. وقد: الواو حالية، قد: حرف تحقيق. أسلماه: فعل ماضٍ، والألف: علامة التثنية، والهاء: مفعول به. مبعد: فاعل مرفوع. وحميم: الواو عاطفة، حميم: اسم معطوف على مبعد. وجملة "أسلماه مبعد وحميم": في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "أسلماه مبعد وحميم". وجه الاستشهاد: وصل الفعل بألف التثنية مع أن الفعل ظاهر، ومعطوف عليه؛ والقياس أن يقول: وقد أسلمه مبعد وحميم.
[ ٢ / ٩٣ ]
وقوله١: [الوافر]
٢١٠- وإن كانا له نسب وخير٢
_________________
(١) ١ القائل: هو عروة بن الورد العبسي، المشهور بعروة الصعاليك؛ لعطفه عليهم، واحتضانهم، وقوله فيهم شعرا كثيرا، وأشهره: الأصمعية العاشرة من الأصمعيات، وعروة جاهلي جواد فارس. الشعر والشعراء: ٢/ ٢٧٥، الأغاني: ٢/ ١٨٤، الخزانة: ٤/ ١٩٤. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: وأحقرهم وأهونهم عليهم وقبل البيت الشاهد قوله: ذريني للغنى أسعى فإني رأيت الناس شرهم الفقير والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٧، والعيني: ٢/ ٤٦٣، والبيان والتبيين: ١/ ٢٣٤، وليس في ديوان عروة بن الورد. المفردات الغريبة: ذريني: دعيني واتركيني. خِير "بكسر الخاء" كرم أو شرف، أو هيئة، أو أصل. المعنى: يقول للائمته: ارتكيني أسعى وأجد في تحصيل الغنى والمال؛ فإنني رأيت الفقير شر الناس وأذلهم، وأحقرهم شأنا، وأهونهم عليهم؛ لأجل فقره، وإن كان شريف الأصل، حسن الأخلاق، كريم السجايا. الإعراب: وأحقرهم: الواو عاطفة. أحقر: معطوف على شر، في البيت السابق، وهو مضاف، و"هم" مضاف إليه. وأهونهم: معطوف على "شر" أيضا، و"هم" مضاف إليه. "عليهم": متعلق بـ "أهون". وإن: الواو عاطفة، والمعطوف عليه محذوف؛ والتقدير: إن لم يكن له نسب وخير وإن كانا له نسب وخير؛ والمعنى: أنه كذلك على كل حال. إن: شرطية جازمة. كانا: فعل ماضٍ ناقص؛ وهو فعل الشرط في محل جزم؛ والألف: حرف دال على التثنية. "له": متعلق بمحذوف خبر كان المتقدم على اسمه. نسب: اسم كان مؤخر مرفوع. وخير: معطوف على نسب؛ وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة سابق الكلام عليه. موطن الشاهد: "كانا له نسب وخير". وجه الاستشهاد: إلحاق علامة التثنية "الألف" بالفعل الناقص "كان" مع أنه مسند إلى اثنين عطف أحدهما على الآخر؛ وفي هذا دلالة على أن من يلحق بالفعل علامة التثنية وعلامة الجمع، لا يفرق بين أن يكون الفاعل مثنى كالزيدين والعمرين، أو أن يكون في معنى المثنى بأن يكون اسمين مفردين، عطف أحدهما على الآخر.
[ ٢ / ٩٤ ]
السادس: أنه إن كان مؤنثا أنث فعله بتاء ساكنة في آخر الماضي١، وبتاء المضارعة في أول المضارع.
[إذا كان الفاعل مؤنثا أنث فعله]:
ويجب ذلك في مسألتين:
إحداهما: أن يكون ضمير متصلا٢، كـ: "هند قامت" أو: تقوم"، و: "الشمس طلعت" أو: "تطلع" بخلاف المنفصل نحو: "ما قام، أو يقوم، إلا هي" ويجوز تركها في الشعر إن كان التأنيث مجازيا، كقوله٣: [المتقارب]
٢١١- ولا أرضَ أبقلَ إبقالَها٤
_________________
(١) ١ سواء أكان جامدا أم منصرفا تاما أم ناقصا، وسواء في ذلك التأنيث الحقيقي أو المجازي. ٢ أي مستترا، عائدا على مؤنث حقيقي التأنيث أو مجازيه. وقد مثل لهما المصنف. وإنما وجب التأنيث في هذا؛ لئلا يتوهم أن هنالك فاعلا مذكرا منتظرا، كأن يقال: هند قام أبوها والشمس طلع قرنها. ٣ القائل: هو عامر بن جوين بن عبد رضاء بن قمران الطائي، أحد بني جرم من طيئ، كان سيدا شاعرا فارسا شريفا، قيل: هو من معمري العرب وأنه عاش مائتي سنة. خزانة الأدب: ١/ ٥٣، والمعمرين: ٤١. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فلا مزنة ودقت ودقها وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٨، وابن عقيل: "١٤٦/ ٢/ ٩٢"؛ والأشموني: "٣٦٩/ ١/ ١٧٤" والكتاب: ١/ ٢٤٠، والخصائص: ٢/ ٤١١، والمحتسب: ٢/ ١١٢، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٥٨، ١/ ١٦١، وشرح المفصل: ٥/ ٩٤، والمقرب: ٦٦، والخزانة: ٢١، ٣/ ٣٣٠، والعيني: ٢/ ٢٦٤ والهمع: ٢/ ١٧١، والدرر: ٢/ ٢٢٤، وحاشية يس على التصريح: ٢/ ٣٢، ومغني اللبيب: "١١٥/ ٨٦٠" "١١٣٠/ ٨٧٩". =
[ ٢ / ٩٥ ]
وقوله١: [المتقارب]
٢١٢- فإن الحوادث أودى بها٢
_________________
(١) = المفردات الغريبة: مزنة: هي السحابة البيضاء المثقلة بالماء، ودقت: أمطرت. الودق: المطر. أبقل: أنبت البقل، والبقل: ما نبت في بذرة لا في أرومة ثابتة. المعنى: ليس هنالك سحابة أمطرت مطرا غزيرا نافعا كهذه السحابة، وليست هنالك أرض أنبتت بقلا عظيما كهذه الأرض. الإعراب: لا: نافية تعمل عمل ليس. مزنة: اسمها مرفوع. ودقت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. والفاعل: هي. ودقها: مفعول مطلق لـ "ودقت"؛ والجملة: خبر "لا"؛ ويجوز عد "لا" مهملة، ومزنة: مبتدأ، والجملة: خبره. ولا: الواو عاطفة، لا: نافية عاملة عمل "إن". أرض: اسمها: وجملة "أبقل إبقالها": في محل رفع خبر "إن". موطن الشاهد: "ولا أرض أبقل". وجه الاستشهاد: حذف تاء التأنيث من الفعل "أبقل" المسند إلى فاعله المضمر العائد إلى اسم مجازي وروي البيت على وجه آخر: ولا أرض أبقلت أبقالها؛ بكسر التاء للتخلص من الساكنين، ووصل همزة القطع من إبقالها، وهو تخلص من ضرورة، للوقوع في أخرى، كما بين المؤلف. ومن العلماء من خرج البيت تخريجا آخر، وهو أن الشاعر أتى بالضمير العائد إلى الأرض مذكرا؛ لأنه أراد بالضمير المكان؛ فهو من الحمل على المعنى؛ ولهذا نظائرُ كثيرةٌ في الشعر، نحو قول عروة بن حزام: وعفراء أرجى الناس عندي مؤدة وعفراء عني المعرض المتداني ففي قوله: "عفراء المعرض المتداني"؛ ذكر الخبر، مع أن المبتدأ مؤنث؛ لأنه أراد شخص عفراء. وذهب ابن كيسان إلى جواز التذكير والتأنيث في الفعل المسند إلى ضمير مؤنث مجازي التأنيث؛ فكما يجوز في الفعل المسند الاسم الظاهر المجازي التأنيث تذكير الفعل وتأنيثه، فإنه يجوز مع المضمر، لأنه لا فرق بين المضمر والمظهر. انظر حاشية الصبان: ٢/ ٥٣-٥٤. والدرر اللوامع: ٢/ ٢٢٤-٢٢٥. ١ القائل: هو الأعشى ميمون بن قيس؛ وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: فإما تريني ولي لمة وهو من قصيدة يمدح فيها رهط قيس بن معديكرب الكندي ويزيد بن عبد الدار الحارثي. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٨، والأشموني: "٣٦٨/ ١/ ١٧٤" والكتاب: ١/ ٢٣٩، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣٤٥، والإنصاف: ١/ ٤٦٤، وشرح =
[ ٢ / ٩٦ ]
والثانية: أن يكون متصلا حقيقي التأنيث نحو: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ ١ وشذ قول بعضهم٢: "قال فلانة" وهو رديء لا ينقاس.
_________________
(١) = المفصل: ٥/ ٩٥، ٩/ ٦، ٩/ ٤١، والخزانة: ٤/ ٥٧٨، والعيني: ٢/ ٤٦٦، ٤/ ٣٢٧، وديوان الأعشى برواية: ألوى بها. المفردات الغريبة: لمة: هي شعر الرأس الذي يجاوز شحمة الأذن؛ فإذا زاد عن ذلك، وبلغ المنكبين فهو جمة. الحوادث: النوازل والكوارث، جمع حادثة. أودى بها: ذهب بها، وأهلكها، وأبادها. المعنى: يخاطب محبوبته قائلا: إذا كانت ترين فيما مضى من شبابي لمة تنزل إلى أذني؛ فلا تعجبي اليوم من منظري؛ لأن حوادث الدهر وكوارثه؛ ذهبت بها وأزالتها؛ ولعله يريد: أنه أصبح أصلع الرأس؛ وذلك من دلالات التقدم في السن، والضعف بعد القوة. الإعراب: إما: إن الشرطية مدغمة في "ما" الزائدة. تريني: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والنون: للوقاية، والياء: فاعل، والياء الثانية: مفعول به، ورأى -هنا- بصرية تتعدى إلى واحد. ولي: الواو حالية، "لي": متعلق بخبر مقدم. لمة: مبتدأ مؤخر. فإن: الفاء واقعة في جواب الشرط، إن: حرف مشبه بالفعل. الحوادث: اسمه. أودى: فعل ماضٍ وفاعله: ضمير مستتر يعود إلى الحوادث، وجملة "أودى بها": في محل رفع خبر "إن"؛ وجملة "إن الحوادث أودى بها": في محل جزم جواب الشرط. موطن الشاهد: "الحوادث أودى بها". وجه الاستشهاد: تجريد فعل أودى" من علامة التأنيث؛ وحكم هذا التجريد الضرورة الشعرية؛ لأنه مسند إلى ضمير مستتر عائد إلى مؤنث مجازي، وهو "الحوادث"؛ والذي سوغ ذلك كون "الحوادث مجازي التأنيث. ولا يقال في هذا البيت: إنه لا ضرورة فيه؛ لأنه لو قال: أودت بها؛ لاستقام الوزن؛ لأن القافية مؤسسة، والألف في أودى ملتزمة في أبيات القصيدة، وتسمى عند العروضيين: "حرف الردف" وتركها في بعض الأبيات عيب غير مقبول. انظر شرح العيني في ذيل حاشية الصبان: ٢/ ٥٣. ١ "٣" سورة آل عمران، الآية: ٣٥. موطن الشاهد: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ﴾ . وجه الاستشهاد: اتصال علامة التأنيث بالفعل "قال"؛ لأن فاعله مؤنث حقيقي التأنيث ولم يفصل بينهما فاصل؛ وحكم تأنيث الفعل في هذه الحالة الوجوب. ٢ هو قول بعض العرب حكاه سيبويه، وفلانة: ليس دالا على مؤنث، كفاطمة وزينب إلخ ولكنه يدل على لفظ مؤنث.
[ ٢ / ٩٧ ]
وإنما جاز في الفصيح نحو: "نعم المرأة" و: "بئس المرأة" لأن المراد الجنس، وسيأتي أن الجنس يجوز فيه ذلك.
[جواز التأنيث والتذكير]:
ويجوز الوجهان في مسألتين: إحداهما: المنفصل١، كقوله٢: [الوافر]
٢١٣- لقد ولد الأخيطلَ أمُّ سُوءٍ٣
_________________
(١) ١ أي المؤنث الحقيقي الظاهر، المنفصل من فعله بفاصل. ٢ هو: جرير بن عطية الخطفي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: على باب استها صُلُبٌ وشَامُ وهو في هجاء الأخطل التغلبي النصراني. وهو من شواهد: التصريح: "١/ ٢٧٩، والأشموني: "٣٦٤/ ١/ ١٧٣"، والمقتضب: ٢/ ١٤٨، ٣/ ٣٤٩ والخصائص: ٢/ ٤١٤، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٥٥، والإنصاف: ١/ ١٧٥، وشرح المفصل: ٥/ ٩٢، والعيني: ٢/ ٤٦٨، وديوان جرير: ٥١٥. المفردات الغريبة: الأخيطل: تصغير الأخطل الشاعر واسمه: غياث بن غوث. استها: دبرها: صلب: جمع صليب وهو للنصارى. شام: جمع شامة، وهو الخال والعلامة. المعنى: إن من وَلَدَ الأخطلَ امرأةٌ سيئة، لم تتحصن بالعفة؛ فهو سليل الفجور. الإعراب: لقد: اللام موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق. ولد: فعل ماضٍ، الأخيطل: مفعول به تقدم على الفاعل. أم: فاعل مرفوع. سوء: مضاف إليه. "على باب": متعلق بخبر مقدم محذوف. استها: مضاف إليه، و"ها": مضاف إليه. صلب: مبتدأ مؤخر. وشام: معطوف عليه مرفوع. موطن الشاهد: "ولد الأخيطل أم". وجه الاستشهاد: تجرد فعل "ولد" من علامة التأنيث، على الرغم من أن فاعله مؤنث حقيقي التأنيث؛ لأنه فصل بينهما بالمفعول به المتقدم على الفاعل "أم"؛ وحكم هذا التجرد الجواز؛ لأنه لما فصل بين الفعل وفاعله، بَعُدَ الفعل بالفصل عن فاعله، وضعفت عنايته به؛ غير أن الاقتران في هذه الحالة أفضل من التجرد؛ ومثل هذا الشاهد؛ قول الشاعر: إنَّ امرأً غره منكنَّ واحدةٌ بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور غير أن الفصل -هنا- بالجار والمجرور؛ وإن كان الحكم واحدا.
[ ٢ / ٩٨ ]
وقولهم: "حضر القاضي اليوم امرأة" والتأنيث أكثر، إلا إن كان الفاصل "إلا" فالتأنيث خاص بالشعر١، نص عليه الأخفش، وأنشد على التأنيث٢: [الرجز]
٢١٤- ما برئت من ريبة وذم في حربنا إلا بنات العم٣
وجوزه ابن مالك في النثر، وقرئ: "إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ"٤، "فَأَصْبَحُوا لا
_________________
(١) ١ التخصيص بالشعر مذهب الجمهور. ومثل "إلا" في الفصل: غير أو سوى، وإن كان مذكرا لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه، ويلاحظ أن لفظ "غير" أو "سوى" هو الذي يعرب فاعلا. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٧٩، والأشموني: "٣١٦/ ١/ ١٧٤"، والعيني: ٢/ ٤٧١، والهمع: ٢/ ٢٧١، والدرر: ٢/ ٢٢٦، والشذور: "٨٠/ ٢٣١". المفردات الغريبة: برئت: تخلصت وسلمت. ريبة: هي التهمة والشك. ذم: عيب. المعنى: لم تسلم امرأة من التهمة والشك والعيب في حربنا إلا بنات الأعمام. الإعراب: ما: نافية. برئت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. "من ريبة": متعلق بـ "برئت". وذم: معطوف على ريبة. "في حربنا": متعلق بـ "برئت". إلا: أداة حصر؛ أو حرف استثناء ملغى. بنات: فاعل مرفوع، وهو مضاف. العم: مضاف إليه. موطن الشاهد: "ما برئت إلا بنات العم". وجه الاستشهاد: لحقت تاء التأنيث فعل "برئ"؛ لأن الفاعل حقيقي التأنيث، مع وجود الفصل بـ "إلا"؛ وحكم حذف التاء واجب في هذه الحالة؛ لأن الفاعل في الحقيقة، ليس الاسم المؤنث المذكور بعد "إلا"، وإنما هو مذكر محذوف؛ والتقدير: ما برئ أحد إلا بنات العم؛ وهذا رأي الأخفش ومن تبعه؛ وحكم لحوق التاء -على رأيهم- الجواز للضرورة الشعرية؛ وجوَّز ابن مالك تأنيث الفعل مع الفصل بـ "إلا" على قلة؛ حيث قال: "والصحيح جوازه في النثر أيضا" وأشار إلى هذا، بقوله: والحذف معْ فصلٍ بـ "إلا" أفضلا كما زكا إلا فتاةُ ابنِ العَلا فلفظه "أفضلا" تفيد جواز عدم الحذف، غير أن الحذف أرجح. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٧٩-٢٨٠، وحاشية الصبان: ٢/ ٥٣. ٤ "٣٦" سورة يس، الآية: ٢٩. أوجه القراءات: قرأ أبو جعفر وشيبة ومعاذ بن الحارث والأعرج "صيحة" بالرفع. وقرأ الباقون بالنصب. توجيه قراءة الرفع: في قراءة الرفع تقدير ضمير في "كانت"؛ والتقدير: إن كانت عقوبتهم أو بليتهم إلا صيحة، أو نحو ذلك، الإتحاف: ٢٦٤، البحر المحيط: ٧/ ٣٣٢، ومعاني القرآن: ٢/ ٣٧٥. موطن الشاهد: "إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ". وجه الاستشهاد: مجيء "صيحة" مرفوعة بـ "كان"؛ وفي هذه القراءة دليل على جواز تأنيث الفعل إذا فعل بينه وبين فاعله أو ما يقوم مقام الفاعل بـ "إلا".
[ ٢ / ٩٩ ]
تُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ"١.
الثانية: المجازي التأنيث، نحو: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ ٢، ومنه٣ اسم الجنس، واسم الجمع، والجمع٤؛ لأنهن في معنى الجماعة، والجماعة مؤنث مجازي، فلذلك جاز التأنيث، نحو: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ ٥، و: ﴿قَالَتِ
_________________
(١) ١ "٤٦" سورة الأحقاف، الآية: ٢٥. أوجه القراءات: أوجه القراءات: قرأ مالك بن دينار والحسن وأبو رجاء وعاصم والأعمش وجماعة من التابعين: "لا تُرَى إلا مساكنهم"؛ وقرأ أهل الحرمين، وأبو عمر، والكسائي، وابن كثير، ونافع، وأبو جعفر، ومجاهد، وعلي: "لا تَرَى إلا مساكنهم"؛ وقرأ الأعمش وحمزة، وابن مسعود: ﴿لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ . موطن الشاهد: "لا تُرَى إلا مساكنهم" وإعراب القرآن للنحاس: ٣/ ١٥٧، ومعاني القرآن: ٢/ ٥٥ وقرأ الأزرق وورش: "لا تَرَى إلا مسكنهم". اتحاف الفضلاء: ٣٩٢. وجه الاستشهاد: مجيء "ترى" مبنيا للمجهول؛ على هذه القراءة، ومساكنهم نائب فاعل؛ والحكم كما في الآية السابقة؛ وقراءة هذه الآية وقراءة الآية السابقة المستشهد بهما، ليستا سببيتين. ٢ "٧٥" سورة القيامة: ٩. موطن الشاهد: ﴿جُمِعَ الْشَمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ . وجه الاستشهاد: تذكير الفعل مع المؤنث المجازي، وذلك جائز؛ وفي غير القرآن، يجوز: "وجمعت الشمس". ٣ أي: من مجازي التأنيث. ٤ المراد جمع التكسير؛ لأن جمع المذكر السالم، يجب تذكير فعله، كما أن جمع المؤنث السالم المستوفي للشروط؛ يجب تأنيث فعله على الصحيح. ٥ "٢٦" سورة الشعراء، الآية: ١٠٥، موطن الشاهد: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٌ﴾ . وجه الاستشهاد: أنت الفعل "كذب" لأن فاعله أتى اسم جمع مذكر؛ فهو يلحق بمجازي التأنيث وحكم التأنيث هنا الجواز.
[ ٢ / ١٠٠ ]
الْأَعْرَابُ﴾ ١، و: "أورقت الشجر"، والتذكير نحو: "أورق الشجر" ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُك﴾ ٢، ﴿وَقَالَ نِسْوَة﴾ ٣، و: "قام الرجال"، و: "جاء الهنود" إلا أن سلامة نظم الواحد في جمعي التصحيح أوجبت التذكير في نحو: "قام الزيدون" والتأنيث في نحو: "قامت الهندات"، خلافا للكوفيين فيهما، وللفارسي في المؤنث، واحتجوا بنحو: ﴿إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ٤، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ ٥، وقوله٦: [الكامل]
_________________
(١) ١ "٤٩" سورة الحجرات، الآية: ١٤. موطن الشاهد: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ . وجه الاستشهاد: أنت الفعل مع "الأعراب" وهو جمع تكسير؛ وحكم التأنيث؛ -هنا- الجواز. ٢ "٦" سورة الأنعام، الآية: ٦٦. موطن الشاهد: ﴿كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ . وجه الاستشهاد: تذكير الفعل مع "قوم" وهو اسم جمع مذكر؛ وحكم تذكيره الجواز. ٣ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٣٠. موطن الشاهد: ﴿قَالَ نِسْوَةُ﴾ . وجه الاستشهاد: تذكير الفعل مع اسم الجمع المؤنث؛ وحكم هذا التذكير الجواز. ٤ "٨" سورة يونس، الآية: ٩٠. وجه الاستشهاد: موطن الشاهد: ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائيلَ﴾ . وجه الاستشهاد: "تأنيث الفعل مع جمع تصحيح المذكر؛ وأجاب المؤلف بأن هذا الجمع لم يسلم فيه لفظ الواحد، بل تغير شكله؛ لأن الأصل "بنو" فحذفت لامه؛ وزيد عليه واو ونون في التذكير وألف وتاء في التأنيث. ٥ "٦٠" سورة الممتحنة، الآية: ١٢. موطن الشاهد: ﴿جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ . وجه الاستشهاد: تذكير الفعل مع الفاعل المؤنث؛ وأجيب بأن التذكير هنا للفصل، أو لأن الأصل: النساء المؤمنات، أو لأن "إلا" مقدرة باللاتي وهي اسم جمع، كما في المتن. ٦ القائل: هو عبدة بن الطيبب، أحد بني عبد شمس بن كعب بن سعد من تميم، شاعر مخضرم أدرك الإسلام وأسلم، وشهد مع المثنى بن حارثة قتال هرمز؛ وله في ذلك مواقف مشهورة. له شعر حسن، منه وصيته لبنيه حين أَسَنَّ ورابه بصره، وهي من أغلى الوصايا وأعلاها ذكرها صاحب المفضليات برقم "٢٧". الشعر والشعراء: ٢/ ٧٢٧، واللآلي: ٦٩، والأغاني: ١٨/ ١٦٣، والإصابة: ٥١/ ١٠١.
[ ٢ / ١٠١ ]
٢١٥- فبكى بناتي شجوَهُنَّ وزوجتي١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: والظاعنون إليَّ ثم تصدَّعوا وهو من قصيدة رواها المفضل الضبي، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٠، وفيه برواية: والطامعون إليَّ. والأشموني: "٢٧٠/ ١/ ١٧٥"، والعيني:٤/ ٤٧٢، والمفضليات: ١٤٨، والخصائص: ٣/ ٢٩٥، ومجالس العلماء للزجاجي: ١٩٥. المفردات الغريبة: شجوهن، الشجو: الحزن والهم -من شجاه الأمر يشجوه- إذا أحزنه. زوجتي؛ الأفصح أن يقال: زوج للرجل والأنثى، وجمعه أزواج، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ . تصدعوا: تفرقوا وانشعب شملهم. المعنى: إن بناتي بكين علي من الحزن، وكذلك زوجي، والذين وفدوا علينا؛ ليشاركونا أحزاننا وهمومنا من المحبين، ثم انصرفوا بعد ذلك، وتفرقوا إلى شئونهم. الإعراب: بكى: فعل ماضٍ. بناتي: فاعل ومضاف إليه. شجوهن: مفعول لأجله، ومضاف إليه. وزوجتي: معطوف على بناتي، ومضاف إليه. والظاعنون: معطوف على بناتي. "إلي": متعلق بـ "الظاعنون". ثم: حرف عطف. تصدعوا: فعل ماضٍ، والواو: فاعل؛ وجملة "تصدعوا": معطوفة على جملة "بكى بناتي": لا محل لها. موطن الشاهد: "بكى بناتي". وجه الاستشهاد: مجيء فعل بكى مجردا من التاء الدالة على التأنيث مع أن المسند إليه -الفاعل- بناتي أتى جمع مؤنث سالما؛ وبهذا وأمثاله احتج الكوفيون وأبو علي الفارسي على جواز تذكير الفعل مع جمع المؤنث؛ وخالفهم البصريون، وردوا عليهم بأن "بنات" وإن كان جمع مؤنث سالما؛ فقد أشبه جمع التكسير في عدم سلامة لفظ مفرده -كما أسلفنا- فلما أشبه جمع التكسير؛ في هذا، أخذ حكمه، كما أن "بني" لما لم يسلم فيه لفظ مفرده، أشبه جمع التكسير؛ فلما أشبهه في هذا، أخذ حكمه، وساغ دخول تاء التأنيث في فعله في الآية الكريمة: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ . هذا وفي البيت شاهد آخر على مجيء "شجوهن" مفعولا لأجله؛ وهو معرفة؛ لأنه مصدر أضيف إلى الضمير خلافا للجرمي الذي زعم أن المفعول لأجله لا يكون إلا نكرة. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٠.
[ ٢ / ١٠٢ ]
وأجيب بأن البنين والبنات لم يسلم فيهما لفظ الواحد١، وبأن التذكير في ﴿جَاءَكَ﴾ للفصل، أو لأن الأصل النساء المؤمنات، أو لأن "أل" مقدرة باللاتي، وهي اسم جمع.
السابع: أن الأصل فيه أن يتصل بفعله ثم يجيء المفعول، وقد يعكس، وقد يتقدمهما المفعول، وكل من ذلك جائز وواجب.
[الأصل تقدم الفاعل على المفعول]:
فأما جواز الأصل فنحو: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ ٢.
[وجوب تقدم الفاعل على المفعول]:
وأما وجوبه ففي مسألتين:
إحداهما: أن يخشى اللبس٣، كـ: "ضرب موسى عيسى" قاله أبو
_________________
(١) ١ أي: بل تغير شكله؛ إذ الأصل "بنو" فحذفت لامه وزيد عليه واو ونون في التذكير، وألف وتاء في التأنيث. والكلام في الجمعين إذا لم يحدث فيهما تغيير. أما ما تغير منهما كبنين وبنات فيجوز فيهما الوجهان اتفاقا. هذا: ولم يذكر المصنف ولا الناظم حكم إسناد الفعل إلى المثنى، وحكمه حكم المفرد؛ فإن كان لمذكر وجب تذكير الفعل، نحو: قال المحمدان، وإن كان لمؤنث وجب التأنيث، تقول: قامت الهندان. شرح التصريح: ١/ ٢٨٠، ٢٨١. ٢ "٢٧" سورة النمل، الآية: ١٦. موطن الشاهد: ﴿وَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الفاعل متصلا بالفعل ثم وليه المفعول به؛ وحكم هذا التقدم الجواز على الأصل. ٣ فلا يمكن تمييز الفاعل من المفعول، وذلك كأن يكون كل منهما اسما مقصورا كما مثل المصنف، أو مضافا إلى ياء المتكلم، نحو: أكرَمَ صديقي أخي، وكذلك المبنيات وأسماء الإشارة، وليست هنالك قرينة تعين المراد، وتميز الفاعل من المفعول، فإن وجدت قرينة لفظية أو معنوية لم يكن الترتيب واجبا، فاللفظية مثل: أكرمت يحيى ليلى، والمعنوية مثل: أزعجت ليلى الحمى.
[ ٢ / ١٠٣ ]
بكر١ والمتأخرون كالجزولي٢ وابن عصفور وابن مالك٣، وخالفهم٤ ابن الحاج٥ محتجا بأن العرب تجيز تصغير عمر وعمرو، وبأن الإجمال من مقاصده العقلاء، وبأنه يجوز: "ضرب أحدهما الآخر" وبأن تأخير البيان لوقت الحاجة جائز عقلا باتفاق وشرعا على الأصح، وبأن الزجاج نقل أنه لا خلاف في أنه يجوز في نحو: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ ٦، كون "تلك" اسمها، و: "دعواهم" الخبر، والعكس٧.
_________________
(١) ١ هو: محمد بن السري، المعروف بابن السراج، وقد مرت ترجمته. ٢ هو: أبو موسى، عيسى بن عبد العزيز الجزولي -جزولة بطن من البربر- كان إماما في العربية مع جودة التفهم وحسن العبارة، لزم ابن بري بمصر لما حج وعاد، وتصدر للإقراء بالمرية "بلد بالأندلس" وغيرها، أخذ عنه العربية جماعة منهم الشلوبين وابن معطٍ، له حواشٍ على الجمل للزجاجي، وكتاب القانون في النحو، مات سنة ٦٠٧، وقيل ٦٦٧ هـ. البلغة: ١٧٩، بغية الوعاة: ٢/ ٢٣٦، إنباه الرواة: ٢/ ٣٧٨، وفيات الأعيان: ١/ ٣٩٤. ٣ مرت ترجمة لكل منهما. ٤ وذلك في نقده على المقرب لابن عصفور، فقال: لا يوجد في كتاب سيبويه شيء من هذه الأغراض الواهية. شرح التصريح: ١/ ٢٨١. ٥ هو أبو العباس: أحمد بن محمد بن أحمد الأزدي الإشبيلي، كان عالما بالعربية حافظا للغات قيل إنه برع في لسان العرب حتى لم يكن في زمنه من يفوقه أو يدانيه، قرأ على الشلوبين وغيره، له مصنفات كثيرة منها: مختصر خصائص ابن جني، ومختصر المستصفى، وله نقود على الصحاح، وإيرادات على المقرب لابن عصفور، وأمالي على كتابه سيبويه، مات سنة: ٦٤٧ هـ. البلغة: ٣١، بغية الوعاة: ١/ ٣٥٩، أعيان الشيعة: ٩/ ٢٧٥، معجم المؤلفين: ٢/ ٦٤. ٦ ٢١ سورة الأنبياء، الآية: ١٥. موطن الشاهد: ﴿مَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: جوز الزجاج كون "تلك" الاسم، و"دعواهم" الخبر؛ أو العكس، كما في المتن؛ وهنا، لم يبالوا بالتباس الاسم بالخبر. ٧ قال المرادي تعليقا على كلام ابن الحاج الذي استدل بقول الزجاج بجواز اعتبار تلك الاسم ودعواهم الخبر؛ أو العكس: بأنه يجوز قياسا على الآية الحكم على الفاعل والمفعول من حيث التقديم والتأخير: "ولا يلزم من إجازة الزجاج الوجهين في الآية جواز مثل ذلك في ضرب موسى عيسى؛ لأن التباس الفاعل بالمفعول، ليس كالتباس اسم "زال" بخبرها وذلك واضح. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٢. وحاشية الصبان: ٢/ ٥٦. وابن عقيل: ١/ ٣٨١.
[ ٢ / ١٠٤ ]
الثانية: أن يحصر المفعول بإنما، نحو: "إنما ضرب زيد عمرا"١ وكذا الحصر بإلا عند الجزولي وجماعة وأجاز البصريون والكسائي والفراء وابن الأنباري٢ تقديمه على الفاعل٣، كقوله٤: [الطويل]
٢١٦- ولما أبى إلا جماحا فؤاده٥
_________________
(١) ١ فيجب تقديم الفاعل على المفعول في هذه الصورة؛ لأنه لو أخر انقلب المعنى. ٢ هو الإمام: أبو بكر؛ محمد بن القاسم الأنباري، النحوي اللغوي، ولد سنة ٢٧١ هـ، كان أعلم الناس بالنحو والأدب، وأكثرهم حفظا، قيل إنه حفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهدا في القرآن وكان يملي من حفظه لا من كتاب، وكان مع هذا ثقة دينا ورعا، أخذ عن ثعلب، وروى عنه الدارقطني وجماعة، له تصانيف مفيدة منها: كتاب الزاهر في اللغة، وكتاب هاءات القرآن وكتاب الأمالي، وكتاب غريب الحديث، والإنصاف وغيرها كثير. مات ببغداد وله ٦٧ سنة وذلك سنة ٣٢٨ هـ البلغة: ٢٤٥، بغية الوعاة: ١/ ٢١٢، إنباه الرواة: ٣/ ٢٠١، وفيات الأعيان: ١/ ٥٠٢، الأعلام: ٧/ ٢٢٦. ٣ أي تقديم المفعول المحصور بإلا على الفاعل بشرط أن يتقدم معه "إلا". ٤ القائل هو دعبل الخزاعي: أبو علي ابن علي بن رزين، وقيل اسمه الحسن ولقبه دعبل؛ شاعر إسلامي جيد الشعر، عاصر خلفاء بني العباس؛ ومنهم المعتصم الذي هجاه؛ فطلبه لكن دعبلا هرب واستتر، وكان دعبل يجالس أبا نواس وأبا الشيص. الشعر والشعراء: ٢/ ٤٨٩، الأغاني: ١٨/ ٢٩، ابن خلكان: ١/ ١٧٨، تاريخ بغداد: ٨/ ٣٨٢. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: ولم يسلُ عن ليلى بمال ولا أهل وذكر العيني بعده قوله: تسلى بأخرى غيرها فإذا التي تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي =
[ ٢ / ١٠٥ ]
وقوله١: [الطويل]
٢١٧- فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها٢
_________________
(١) = والبيت للتمثيل؛ لأن دعبلا ممن لا يحتج بقولهم على قواعد النحو والتصريف؛ والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٢، والأشموني: "٣٧٤/ ١٧٧"، وهمع الهوامع: ١/ ١٦١، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٣، والعيني: ٢/ ٤٨٠، والمصون لأبي أحمد العسكري: ٢٤٩، وديوان دعبل: ١٨٣. المفردات الغريبة: أبى: امتنع. جماحا: مصدر جمح الفرس -إذا أسرف إسراعا لا يرده شيء. والجموح من الرجال: الذي يركب هواه ولا يمكن ردعه. لم يسلُ: مضارع سلا: بمعنى صبر وتعزى. المعنى: إن هذا المبحب حين تعلق بليلى، وهام بها، ولم يصرفه عن التمادي في هواه زينة الدنيا من المال، والأهل -أراد أن يتسلى بغيرها، فلم يغنه ذلك، بل زادته الأخرى إغراء بليلى وتعلقا بها. الإعراب: أبى: فعل ماضٍ. إلا: أداة حصر. جماحا: مفعول به لـ "أبى". فؤاده: فاعل مرفوع، ومضاف إليه. ولم يسلُ: الواو عاطفة، لم: جازمة نافية. يسل: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل هو: "عن ليلى": متعلق بـ "يسل". "بمال": متعلق بـ "يسل" أيضا. ولا أهل: معطوف على مال. موطن الشاهد: "أبى إلا جماحا فؤاده". وجه الاستشهاد: تقديم المفعول المحصور بـ "إلا" وهو "جماحا" على الفاعل "فؤاده"؛ وهذا التقديم جائز؛ وقد استدل بهذا الشاهد جمهور البصريين، والفراء، وابن الأنباري، والكسائي، فقالوا: يجوز أن يتقدم المفعول المحصور بـ "إلا" على الفاعل؛ لأن المفعول -وإن تقدم- فهو في منزلة التأخير؛ وأكثر هؤلاء، لا يجيزون تقديم الفاعل المحصور بـ "إلا"؛ لانتفاء العلة التي أجازوا من أجلها تقديم المفعول المحصور بها؛ وهؤلاء فرقوا بين الحصر بـ "إلا" والحصر بـ "إنما"؛ فأجازوا تقديم المفعول المحصور بـ "إلا" لانتفاء اللبس، ولم يجيزوا تقديم المحصور بـ "إنما"؛ لأنه لم يَقُمْ دليل على أن المحصور هو تاليها؛ هذا، وقد أوجب الجزولي وعدد من المتأخرين تأخير المفعول المحصور بـ "إلا" والصواب ما ذكرناه. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٢. وابن عقيل: ١/ ٣٨٢. ١ هو: مجنون بن عامر قيس بن الملوح، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: تزودت من ليلى بتكليم ساعة =
[ ٢ / ١٠٦ ]
وقوله١: [الطويل]
٢١٨- وتغرس إلا في منابتها النخل٢
_________________
(١) = وهو من شواهد التصريح: ١/ ٢٨٢، والأشموني: "٣٧٣/ ١/ ١٧٧"، وابن عقيل: "١٤٨/ ٢/ ١٠٣"، والهمع: "١/ ١٦١، ٢٣٠، والدرر: ١/ ١٤٣، ١٩٥، والعيني: ٢/ ٤٨١، ونحوه لذي الرمة في ديوانه: ٦٣٧. المفردات الغريبة: تزودت: اتخذت زادا، والزاد: طعام يُتَّخَذُ للسفر. المعنى: اتخذت من تكليم ليلى ساعة زادا أتبلغ به وأطفئ جذوة حبي لها؛ فلم يفدني ذلك، ولم يشف غلتي، بل زاد كلامها ما بي من وجد ولوعة. الإعراب: تزودت: فعل ماضٍ، وفاعل. "من ليلى": متعلق بـ "تزود". "بتكليم": متعلق بـ "تزود". ساعة: مضاف إليه. فما: الفاء عاطفة، ما: نافية. زاد: فعل ماضٍ. إلا: أداة حصر. ضعف: مفعول به مقدم. ما: اسم موصول، مضاف إليه، "بي": متعلق بمحذوف الصلة؛ والتقدير: ما ثبت بي، ونحو ذلك. كلامها: فاعل مؤخر و"ها": مضاف إليه. موطن الشاهد: "فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها". وجه الاستشهاد: تقدم المفعول به "ضعف" المحصور بـ "إلا" على الفاعل "كلامها"؛ وهذا جائز عند الكسائي؛ والأصل: فما زاد كلامها إلا ضعف ما بي. ١ القائل هو: زهير بن أبي سلمى المزني، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: وهل ينبت الخطي إلا وشيجه والبيت في مدح هرم بن سنان بن أبي حارثة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المريين بالكرم وشرف العنصر وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٢، والعيني: ٢/ ٤٨٢، وديوان زهير بن أبي سلمى: ١١٥. وقبل البيت الشاهد قوله: فما كان من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل المفردات الغريبة: الخطي: الرمح المنسوب إلى الخط، والخط: جزيرة ترفأ إليها سفن الرماح بالبحرين. وشيجه: جمع وشيجة، وهي العروق الملتفة من شجر الرماح. المعنى: إن الرماح المشهورة بالجودة والصلابة، لا تتخذ إلا من شجرها الأصيل، ولا ينبت النخل إلا في المواطن الصالحة لإنمائه؛ والمراد: أن الكريم لا يأتي إلا من عنصر كريم. =
[ ٢ / ١٠٧ ]
[توسط المفعول جوازا]:
وأما توسط المفعول جوازا فنحو: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ١، وقولك: "خاف ربه عمر" وقال٢: [البسيط]
٢١٩- كما أتى رَبَّهُ موسى على قدر٣
_________________
(١) = الإعراب: هل: حرف استفهام يفيد الإنكار، جاء بمعنى النفي. ينبت: فعل مضارع مرفوع. الخطي: مفعول به مقدم منصوب. إلا: أداة حصر. وشيجه: فاعل مرفوع، والهاء: مضاف إليه. وتغرس: الواو عاطفة، تغرس: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع. إلا: أداة حصر. "في منابتها": متعلق بـ "تغرس". النخل: نائب فاعل مرفوع. موطن الشاهد: "تغرس إلا في منابتها النخل". وجه الاستشهاد: تقدم الجار والمجرور "في منابتها" على نائب الفاعل "النخل"؛ على الرغم من أن "الجار والمجرور" أتى محصورا بـ "إلا"؛ ولما كان الجار والمجرور بمنزلة المفعول، وكان نائب الفاعل بمنزلة الفاعل، جاز الاستدلال بهذا الشاهد على جواز تقديم المفعول المحصور بـ "إلا" على الفاعل، كما أسلفنا من قبل. ١ "٥٤" سورة القمر، الآية: ٤١. موطن الشاهد: ﴿جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ . وجه الاستشهاد: توسط المفعول به "آل" بين الفعل والفاعل؛ وحكم هذا التوسط الجواز؛ لامتناع اللبس. ٢ هو: جرير بن عطية، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: جاء الخلافة أو كانت له قدرا والبيت من كلمة لجرير يمدح فيها الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. وهو من شواهد التصريح: ١/ ٢٨٣، والأشموني: "٣٧٥/ ١/ ١٧٨"، وابن عقيل: "٢٩٦/ ٣/ ٢٣٣"، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣١٧، والعيني: ٢/ ٤٨٥، ٤/ ١٤٥، والهمع: ٢/ ١٣٤، والدرر: ٢/ ١٨١، ومغني اللبيب: "٩٥/ ٨٩" وشرح السيوطي: ٧٠. المفردات الغريبة: قدرا: أي مقدرة في الأزل. على قدر أي على تقدير من الله. المعنى: تولي عمر منصب الخلافة كان بتقدير الله تعالى؛ فانتشل المسلمين من الظلم، وأقام بينهم صرح العدل؛ كما أن موسى ﵇أتى ربه وكلمه بقضائه =
[ ٢ / ١٠٨ ]
[وجوب توسط المفعول بين الفعل والفاعل]:
وأما وجوبه ففي مسألتين:
إحداهما: أن يتصل بالفاعل ضمير المفعول نحو: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ ١
_________________
(١) = وقدره؛ فأبان للخلق طريق الحق؛ ولعله يشير إلى الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوْسَى﴾ . الإعراب: جاء: فعل ماضٍ، والفاعل: هو؛ يعود إلى عمر بن عبد العزيز ﵁. الخلافة: مفعول به. أو: حرف عطف بمعنى الواو؛ ويروى مكانها "إذ". كانت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: للتأنيث، واسمه: هي، يعود إلى الخلافة. "له": متعلق بـ "قدرا". قدرا: خبر كانت منصوب. كما: الكاف حرف جر، "ما": مصدرية. أتى: فعل ماضٍ. ربه: مفعول به مقدم لـ "أتى" ومضاف إليه؛ والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه": في محل جر بالكاف؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف؛ واقع مفعولا مطلقا لـ "جاء"؛ والتقدير: جاء الخلافة إتيانا مثل إتيان موسى. موسى: فاعل مؤخر لـ "أتى". "على قدر": متعلق بـ "أتى". موطن الشاهد: "أتى ربَّهُ مُوسى". وجه الاستشهاد: تقدم المفعول به "ربه" على الفاعل "موسى" وقد أعاد الضمير المتصل بالمفعول المتقدم على الفاعل المتأخر لفظا؛ وهذا شائع في كلام العرب؛ لأن الضمير عاد على متأخر لفظا، ولكنه متقدم رتبة، ويسمى هذا بالمتقدم حُكْمًا وإلى هذا أشار الناظم: وشاع نحو "خاف ربَّه عُمَرْ وشذ نحو "زان نورُه الشَّجَرْ أي: شاع في الأساليب العربية عود الضمير من المفعول المتقدم على فاعله المتأخر، نحو: خاف ربَّه عمر؛ وشذ عود الضمير من الفاعل المتقدم على مفعوله المتأخر، نحو: زان نوره الشجر؛ لأنه يكون عائدا على متأخر لفظا ورتبة، وهذا ممتنع، لا يقاس عليه. خلافا للأخفش وابن جني وغيرهما، كما في المتن. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٣. ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٢٤. موطن الشاهد: ﴿ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ . وجه الاستشهاد: "تقدم المفعول به على الفاعل؛ لِاتصال ضمير يعود إلى المفعول بالفاعل؛ وحكم تقدم المفعول في هذه الحالة الوجوب؛ لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة.
[ ٢ / ١٠٩ ]
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ ١، ولا يجوز أكثر النحويين نحو: "زان نوره الشجر" لا في نثر ولا في شعر، وأجازه فيهما الأخفش وابن جني٢ والطوال٣ وابن مالك، احتجاجا بنحو قوله٤: [الطويل]
٢٢٠- جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتِمِ٥
والصحيح جوازه في الشعر فقط.
_________________
(١) ١ "٤٠" سورة غافر، الآية: ٥٢. موطن الشاهد: ﴿لَا يَنْفَع ُالظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: تقدم المفعول "الظالمين" على الفاعل معذرتهم؛ لِاتصال ضمير يعود إلى المفعول بالفاعل، كما في الآية السابقة؛ والحكم نفسه أيضا. ٢ مرت ترجمة كل منهما. ٣ هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الطوال النحوي، من أهل الكوفة، وأحد أصحاب الكسائي والفراء، حدث عن الأصمعي، وقدم بغداد وقرأ فيها، وكان حاذقا بارعا في إلقاء المسائل العربية، ولم يشتهر له تصانيف. مات سنة: ٣٤٣ هـ. الأعلام: ٧/ ٩٣، معجم المؤلفين ١٠/ ٢٣١، في البلغة: محمد بن عبد الله بن قادم؛ البلغة: ٢٢٧، بغية الوعاة: ١/ ١٤٠، إنباه الرواة: ٣/ ١٥٦ وله هنا كتاب: الملوك، وكتاب غريب الحديث، وترجم له باسم: محمد بن قادم ص٢٤٤. ٤ القائل هو: أبو الأسود الدؤلي: ظالم بن عمرو بن سفيان الديلي "يقال الدؤلي" قبيلة من كنانة بصري، وأحد سادات التابعين، صحب علي بن أبي طالب ﵁، وشهد معه صفين يشهد له بسداد عقله وحسن رأيه، وهو أول من وضع علم النحو، وكان ورعا ديِّنًا يغزو عاما، ويحج عاما، وهو يعد من الشعراء والتابعين والمحدثين والنحاة، مات سنة ٩٩ هـ وله ٨٥ عاما. الشعر والشعراء: ٢/ ٧٢٩، وفيات الأعيان: ٢/ ٥٣٥، تهذيب ابن عساكر: ٧/ ١٠٤، الخزانة: ١/ ١٣٤. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: جزاء الكلاب العاويات، وقد فَعَلْ وهو في هجاء عدي بن حاتم الطائي. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٣، والأشموني: "٣٨٠/ ١/ ١٧٨"، وابن عقيل: "١٥٢/ ٢/ ١٠٨"، والأغاني: ١١/ ١١١، والخصائص: ١/ ٢٩٤، والعيني: ٢/ ٤٨٣، والهمع: ١/ ٦٦، والدرر: ١/ ٤٤، والعمدة: ١/ ٩٤، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٠٢، وشرح المفصل: ١/ ٧٦، والخزانة: ١/ ١٣٤، وجمل الزجاجي: ١٣١، وشذور=
[ ٢ / ١١٠ ]
_________________
(١) = الذهب "٦٦/ ١٨٦"، وديوان النابغة "مفردا": ٧٩، وملحقات ديوان أبي الأسود: ١٢٤. المفردات الغريبة: العاويات: الصائحات، من عوى الكلب إذا صاح. وقد فعل: أي أنه ﷾ استجاب دعاءه، وجزاء الكلاب العاويات -ويروى العاديات- هو: الضرب والرمي بالحجارة، وقيل إنه دعاء عليه بالأبنة؛ لأن الكلاب تتعاوى عند طلب السفاد؛ هذا وإن عده العلماء من الكنايات الجميلة من الهجاء؛ إلا أن عدي بن حاتم صحابي جليل لا يقال فيه مثل ذلك الهجاء، وإن صح فلعله كان في زمن الجاهلية قبل أن يسلم. المعنى: الإعراب: جزى: فعل ماضٍ. ربه: فاعل مرفوع، ومضاف إليه. "عني": متعلق بـ "جزى". عدي: مفعول به لـ "جزى". ابن: صفة لـ "عدي"، وهو مضاف. حاتم: مضاف إليه. جزاء: مفعول مطلق من "جزى"، وهو مضاف. الكلاب: مضاف إليه. العاويات: صفة لـ "الكلاب". وقد الواو حالية. قد حرف تحقيق. فعل: فعل ماضٍ، وسكن للروي؛ والفاعل: هو؛ وجملة "فعل": في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "جزى ربُّه عديَّ". وجه الاستشهاد: اشتمال الفاعل المتقدم "ربه" على ضمير يعود إلى المفعول المتأخر لفظا ورتبة؛ وحكم تقدم الفاعل في هذه الحالة الشذوذ عند الجمهور، ولهذا أشار الناظم: وشذ نحو "وزان نوره الشجر" كما أسفلنا. غير أن بعض النحاة يجيزون ذلك في الشعر من دون النثر، وهذا ما أخذ به ابن هشام الأنصاري؛ وبعضهم أجاز ذلك في الشعر والنثر، وقد ذكر المؤلف في المتن عددا منهم؛ والصواب ما ذهب إليه ابن هشام، وهو جواز تقدم الفاعل على المفعول في هذه الحالة في الشعر فقط؛ لكثرة الشواهد الواردة عمن يُحتَجُّ بكلامهم، ومنها؛ قول حسان بن ثابت ﵁: ولو أن مجدًا أخلد الدهر واحدا من الناس أبقى مجدُهُ الدهر مطعما وقوله الآخر: وما نفعت أعماله المرء راجيا عليها ثوابا من سوى من له الأمر وقول سليط بن سعد: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر وحسن فِعْلٍ؛ كما يُجزَى سِنِمَّارُ وقول آخر: كساحلمه ذا الحلم أثواب سؤدد ورقى نداه ذا الندى في ذرى المجد والأمثلة على هذا كثيرة؛ ومعلوم أن ما جاء منه في الشعر، يكون ضرورة، فلها يقاس عليه. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٣. وحاشية الصبان: ٢/ ٥٩. وابن عقيل: ١/ ٢٨٦-٣٩٠.
[ ٢ / ١١١ ]
والثانية: أن يحصر الفاعل بإنما، نحو: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١ وكذا الحصر بإلا عند غير الكسائي٢، واحتج بقوله٣: [البسيط]
٢٢١- ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرم ولا جفا قط إلا جبا بطلا٤
_________________
(١) ١ "٣٥" سورة فاطر، الآية: ٢٨. موطن الشاهد: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ . وجه الاستشهاد: تقدم المفعول به الواقع لفظ جلالة في الآية الكريمة على الفاعل "العلماء" وحكم تقدمه الوجوب؛ لانحصار الفاعل بـ "إنما"؛ لأن المعنى: ما يخشى الله من عباده إلا العلماء. ٢ مرت ترجمته. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: البيت من شواهد التصريح: ١/ ٢٨٤، والأشموني: "٣٧٢/ ١/ ١٧٧"، والهمع: ١/ ١٦١، والدرر: ١/ ١٤٣، والعيني: ٢/ ٤٨٧. المفردات الغريبة: عاب: من العيب، وهو أن تذكر المتكلم فيه بالذم والثلب. لئيم: المراد به الشحيح البخيل؛ بدليل مقابلته بذي الكرم. جفا: من الجفاء. وهو البعد وعدم الصلة. جبأ: جبان. بطلا: شجاعا. المعنى: لا يعيب عمل الكرام إلا الأشحاء اللئام، ولا يبتعد عن الأبطال الشجعان إلا الجبناء؛ لأنه لا تآلف بين أصحاب الصفات المتنافرة. الإعراب: ما: نافية. عاب: فعل ماضٍ. إلا: أداة حصر. لئيم: فاعل مرفوع. فعل: مفعول به. ذي: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف. كرم: مضاف إليه. ولا: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي. جفا: فعل ماضٍ. "قط": متعلق بـ "جفا"؛ ظرف زمان مبني على الضم في محل نصب. إلا: أداة حصر. جبا: فاعل "جفا" مرفوع. بطلا: مفعول به لـ "جفا" منصوب. موطن الشاهد: "ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرم، ولا جفا إلا جبأ بطلا". وجه الاستشهاد: "تقدم الفاعل المحصور بـ "إلا" في الموضعين؛ وهذا التقدم ممنوع عند الجمهور؛ فهم لا يجوزون تقديم المحصور بـ "إلا" إلا إذا كان مفعول، كما بينا سابقا؛ ويعربون فعل "لئيم" و"بطلا" في هذا الشاهد: مفعولا به لمحذوف يدل عليه المذكور؛ غير أن الكسائي أجاز تقدم الفاعل المحصور واحتج بهذا الشاهد وأمثاله.
[ ٢ / ١١٢ ]
وقوله١: [البسيط]
٢٢٢- وهل يعذِّبُ إِلَّا اللهُ بالنارِ٢
_________________
(١) ١ القائل: هو يزيد بن الطثرية القشيري؛ والطثرية أُمُّهُ، واسم أبيه سلمة بن سمرة بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويزيد شاعر أموي مقدم عندهم، يعرف بأنه كامل الأدب، وافر المروءة لا يعاب ولا يطعن عليه؛ كان سخيا شجاعا؛ له محل في قومه، مع فصاحة وتعقل. الشعر والشعراء: ١/ ٤٢٧، والأغاني: ٧/ ١٠٤، وابن خلكان: ٢/ ٣٩٥، واللآلى: ١٠٣. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: نبئتهم عذبوا بالنار جارتهم وروى أبو الفرج الأصبهاني قبله: يا سخنة العين للجرمي إذ جمعت بيني وبين نوار وحشة الدار والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٤، والعيني: ٢/ ٤٩٢. المفردات الغريبة: نبئت: أخبرت. جارهم: الجار: من يجاورك في المسكن، أو من أجرته واستجار بك من ظلم. المعنى: أخبرت وأعلمت أن هؤلاء الناس يعذبون جيرانهم؛ أو من استجار بهم بالنار، وذلك بدل من أن يغيثوه ويكرموه؛ وهذا عمل شائن؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا الله تعالى. الإعراب: نبئتهم: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل؛ وهي المفعول الأول. و"هم": ضمير متصل في محل نصب مفعول به ثانيا. عذبوا: فعل ماضٍ وفاعل. "بالنار": متعلق بـ "عذبوا". جارهم: مفعول به، ومضاف إليه؛ وجملة "عذبوا": في محل نصب مفعول به ثالثا لـ "نبأ". وهل: الواو عاطفة، هل: حرف استفهام يفيد الإنكار بمعنى "ما". يعذب: فعل مضارع. إلا: أداة حصر. الله: فاعل مرفوع. "بالنار": متعلق بـ "يعذب. موطن الشاهد: "هل يعذب إلا الله بالنار". وجه الاستشهاد: "تقدم الفاعل المحصور بـ "إلا"؛ وهو لفظ الجلالة على الجار والمجرور "بالنار" ومعلوم أن الجار والمجرور بمنزلة المفعول؛ وهذا، كما في الشاهد السابق حجة للكسائي، وممنوع لدى الجمهور؛ فهم يقولون: إن قوله "بالنار" متعلق بفعل محذوف، يدل عليه المذكور -كما سبق- والتقدير: لا يعذب إلا الله يعذب بالنار؛ وظاهر أن هذا تكلف لا داعي له؛ والأفضل ما ذهب إليه الكسائي.
[ ٢ / ١١٣ ]
وقوله١: [الطويل]
٢٢٣- فلمْ يَدْرِ إلا الله ما هَيَّجَتْ لَنَا٢
_________________
(١) ١ القائل: هو: غيلان بن عقبة، المعروف بذي الرمة وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: عشيةَ آناءُ الديارِ وشامُهَا وهو من قصيدة طويلة لذي الرمة وأولها قوله: مررنا على دار لمية مرة وجاراتها قد كاد يعفو مقامها والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٤، والأشموني: "٣٧١/ ١/ ١٧٧"، وابن عقيل: "١٤٧/ ٢/ ١٠١"، وهمع الهوامع: ١/ ١٦١، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٣، والمقرب: ٥، والعيني: ٢/ ٤٩٣، وديوان ذي الرمة: ٦٣٦ وفيه برواية: أهلَّةَ آناء الديار وشامها المفردات الغريبة: هيجت: أثارت، آناء، ويروى أناء: جمع نؤي، وهو الحفيرة التي تحفر حول الخباء لتمنع عنه المطر. شامها؛ الشام: جمع شامة وهي العلامة. المعنى: لا يعلم إلا الله تعالى ما أثارته في نفوسنا آثار ديار المحبوبة ورسومها من الشوق واللوعة والحنين إليها. الإعراب: لم: جازمة نافية. يدر: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة. إلا: أداة حصر. الله "لفظ الجلالة": فاعل مرفوع. ما: اسم موصول، مفعول به صلة للموصول، لا محل لها؛ والعائد إلى الاسم الموصول محذوف؛ والتقدير: ما هجيته لنا. "عشية": متعلق بـ "هيج"؛ وعشية، منون حذف تنوينه للضرورة. آناء: فاعل مرفوع؛ وقد وصل فيه همزة القطع، وآناء: مضاف. والديار: مضاف إليه. وشامها: الواو عاطفة، شامها: معطوف على آناء، و"ها": مضاف إليه. موطن الشاهد: "لم يدر إلا الله ما هيجت". وجه الاستشهاد: تقدم الفاعل المحصور بـ "إلا" على المفعول؛ وهذا الشاهد كسابقيه حجة للكسائي، ومنعه الجمهور، وأعربوا "ما" اسما موصولا واقعا مفعولا به لمحذوف دل عليه المذكور، والتقدير: فلم يدر إلا الله درى ما هيجت لنا؛ وفي هذا التقدير تكلف لا داعي إليه، كما أسلفنا.
[ ٢ / ١١٤ ]
[جواز تقدم المفعولين على الفعل والفاعل معا]:
وأما تقدم المفعول جوازا فنحو: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ١.
[تقدم المفعول على الفعل والفاعل وجوبا]:
وأما وجوبا ففي مسألتين:
إحداهما: أن يكون مما له الصدر٢، نحو: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ ٣، ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ ٤.
الثانية: أن يقع عامله بعد الفاء٥، وليس له منصوب غيره مقدم عليها، نحو:
_________________
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٨٧. موطن الشاهد: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: تقدم المفعول به "فريقا" في الموضعين على الفعلين وفاعليهما معا؛ وحكم هذا التقدم الجواز. ٢ أي اسما له الصدر في جملته؛ كأن يكون اسم استفهام، أو اسم شرط، وكذلك إذا كان مضافا لاسم له الصدارة، نحو: صديق من قابلت؟ وصاحب أي صديق تكرم أكرم. ٣ "٤٠" سورة غافر، الآية: ٨١. موطن الشاهد: "أي آيات الله تنكرون". وجه الاستشهاد: "تقدم المفعول به الواقع اسم استفهام على الفعل والفاعل معا؛ وحكم هذا التقدم الوجوب؛ لأن أسماء الاستفهام لها الصدارة في الكلام. ٤ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ١١٠. موطن الشاهد: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ . وجه الاستشهاد: تقدم المفعول به الواقع اسم شرط جازم، وهو "أيا" على الفعل والفاعل معا؛ وحكم هذا التقدم الوجوب؛ لأن أسماء الشرط، لها الصدارة في الكلام. ٥ أي فاء الجزاء، وذلك في جواب "أما" الظاهرة أو المقدرة؛ ويشترط ألا يفصل بين أما والفاء بشيء آخر.
[ ٢ / ١١٥ ]
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ١، ونحو: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ٢ بخلاف: "أما اليوم فاضرب زيدا"٣.
تنبيه: إذا كان الفاعل والمفعول ضميرين ولا حصر في أحدهما وجب تقديم الفاعل كضربته، وإذا كان المضمر أحدهما: فإن كان مفعولا وجب وصله وتأخير الفاعل كضربني زيد، وإن كان فاعلا وجب وصله وتأخير المفعول أو تقديمه على الفعل كضربت زيدا، وزيدا ضربت، وكلام الناظم يوهم امتناع التقديم؛ لأنه سوى بين هذه المسألة ومسألة: "ضرب موسى عيسى" والصواب ما ذكرنا٤.
_________________
(١) ١ "٧٤" سورة المدثر، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ . وجه الاستشهاد: "تقدم المفعول به على عامله "كبر"؛ لوقوع العامل بعد الفاء، وحكم تقدم المفعول هنا الوجوب؛ ولا بد من تقدير "أما" في الآية؛ لأن المعنى: وأما ربك فكبر. ٢ "٩٣" سورة الضحى، الآية: ٩. موطن الشاهد: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تقهر﴾ . وجه الاستشهاد: تقدم المفعول "اليتيم" على فعل تقهر؛ وحكم هذا التقدم الوجوب؛ لِيكون فاصلا بين أما والفعل؛ لأن الفعل -وخاصة المقرون بفاء الجزاء- لا يلي "أما" ولا يقال: إن ما بعد فاء الجزاء، لا يعمل فيما قبلها، فكيف عملت هنا؟ فالجواب: ذلك ممنوع، إذا كانت الفاء في موضعها الأصلي، وهي هنا مؤخرة من تقديم. فكان من حقها أن تدخل على المفعول المتقدم. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٥. ٣ لا يجب تقديم المفعول هنا؛ لأن العامل؛ وهو فعل الأمر، له منصوبان، وهما الظرف والمفعول به؛ فتقدم الظرف، وحصل الفصل به بين الفعل و"أمَّا" فاستغنى عن تقديم المفعول. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٨٥. ٤ أي: من جواز نحو: زيدا ضربت؛ لعدم اللبس، وامتناع نحو: عيسى ضرب موسى؛ لئلا يتوهم أن "عيسى" مبتدأ و"ضرب" وضميره خبر، وموسى مفعول. هذا ويمتنع تقديم المفعول على عامله: إذا كان مفعولا "لأفعل" في التعجب نحو: ما أجمل الصدق. أو مفعولا لفعل مؤكد بالنون، نحو: خالفنَّ هواك. أو كان عامله مسبوقا بقد أو سوف، نحو: "قد يدرك المتأني بعض حاجته" سوف أعمل الخير ما استطعت =
[ ٢ / ١١٦ ]
_________________
(١) = أو بلفظ "لقما" أو "ربما" وغير ذلك من المواضع. والخلاصة فيما تقدم:
(٢) يجب تقديم الفاعل على المفعول في ثلاث مسائل: أ- أن يخشى اللبس بينهما. ب- أن يكون المفعول محصورا فيه. ج- أن يكون كل من الفاعل والمفعول ضميرين متصلين.
(٣) ويجب توسط المفعول في ثلاث مسائل أيضا: أ- أن يكون الفاعل ملتبسا بضمير المفعول. ب- وأن يكون الفاعل محصورا فيه. ج- أو أن يكون المفعول ضميرا متصلا والفاعل اسما ظاهرا.
(٤) ويجب تقديم المفعول على عامله في مسألتين: أ- أن يكون له صدر الكلام. ب- وأن يكون معمولا لما بعد الفاء بشرطه المتقدم.
(٥) ويجب تأخير الفاعل: إذا كان المفعول ضميرا متصلا، والفاعل اسما ظاهرا. ويلاحظ: أن المواضع التي يتقدم فيها الفاعل وجوبا هي عينها المواضع التي يتأخر فيها المفعول وجوبا. والمواضع التي يجب فيها تقديم المفعول على عامله هي المواضع التي يتأخر فيها الفاعل وجوبا ويمتنع تقديمه عليه. ولا يجوز تقديم الفاعل على عامله مطلقا. خاتمة: لا يجيز الجمهور عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة. وخالفهم الأخفش وابن مالك وغيرهما في ذلك. وهنالك مواضع يعود فيها الضمير على متأخر لفظا ورتبة؛ لحكمة بلاغية لا ينكرها الجميع، وهي:
(٦) الضمير المرفوع بنعم وبئس، نحو: نعم رجلا محمد. وبئس رجلا أبو جهل؛ بناء على أن المخصوص مبتدأ لخبر محذوف. أما على أنه مبتدأ وخبره الجملة قبله -فهو مما عاد فيه الضمير على متقدم رتبة.
(٧) الضمير المرفوع بأول المتنازعين المعتمل ثانيهما، نحو: جفوني ولم أجفُ الأخلاء. وسيأتي القول في ذلك، وخلاف البصريين والكوفيين فيه.
(٨) ضمير الشأن والقصة، كما تقدم في باب المبتدأ والخبر، نحو: قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
(٩) الضمير المجرور برب، نحو: ربه رجلا. ويجب أن يكون بعده نكرة تميزه وتفسره، وأن يكون هو مفردا مذكرا فيقال: ربه امرأة -لا ربها.
(١٠) الضمير الواقع مبتدأ، والمخبر عنه باسم ظاهر يفسره -غير ضمير الشأن- نحو: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾،=
[ ٢ / ١١٧ ]
_________________
(١) = والضمير فيه راجع إلى الموصوف، وهو الحياة بقطع النظر عن الصفة.
(٢) الضمير المبدل منه الظاهر المفسر له، نحو أكرمته محمدا. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٥٨-٢٨٦، وحاشية الصبان: ٢/ ٦٠-٦١، وضياء السالك: ٢/ ٣٦. فائدة: هنالك أفعال لا تحتاج إلى فاعل مطلقا، منها: "كان" الزائدة مثل: الفقر -كان- مذلة. والفعل المؤكد لفعل قبله توكيدا لفظيا، نحو: ظهر الحق. والأفعال التي تتصل بها "ما" الكافة مثل: طالما، قلما، كثرما. وقد أشرنا سابقا إلى أن "ما". كافة عن العمل. وبعض المحققين يعرب "ما" مصدرية، والمصدر منها ومن صلتها في محل رفع فاعل؛ وذلك التزاما للأصل الذي يقضي بأن يكون لكل فعل أصلي فاعل. ففي مثل: طالما أديت الواجب، يكون التقدير: طال أداؤك الواجب وهكذا إلخ. ضياء السالك: ٢/ ٣٦.
[ ٢ / ١١٨ ]
[باب النائب عن الفاعل]:
هذا باب النائب عن الفاعل:
[أسباب حذف الفاعل:]
قد يحذف الفاعل؛ لِلجهل به١ كـ: "سرق المتاع" أو لغرض لفظي كتصحيح النظم في قوله٢: [البسيط]
٢٢٤- علقتها عرضا، وعلقت رجلا غيري، وعلق أخرى ذلك الرجل٣
_________________
(١) ١ أو بنية الإيجاز في العبارة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أو للماثلة بين حركات الحروف الأخيرة في السجع، نحو: "من طابت سريرته حمدت سيرته". أو للمحافظة على وزن الشعر في الكلام المنظوم نحو بيت الأعشى المستشهد به. ٢ المراد الأعشى، ميمون بن قيس، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: البيت من لامية الأعشى والتي تعد من المعلقات عند من يزيدها على السبع، ومطلعها قوله: ودِّعْ هريرةَ؛ إن الركب مرتحلُ وهل تطيق وداعا أيها الرَّجُلُ؟ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٦، والعيني: ٢/ ٥٠٤، وديوان الأعشى: ٤٣. المفردات الغريبة: علقتها: أحببتها وتعلقت بها. عرضا: أي من غير قصد وتعمد، وقال ابن السكيت في قوله: علقتها عرضا: أي كانت عرضا من الأعراض اعترضني من غير أن أطلبه. المعنى: حبب الله إلي هريرة، وعلقت بها حين اعترضني من غير قصد ولا تعمد مني لرؤيتها، وحببها في رجل غيري، وحبب إلي ذلك الرجل امرأة أخرى؛ فكل تعلق قلبه بشخص لم يعبأ به، ولم يلتفت إليه. الإعراب: علقتها: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل وهو المفعول الأول، و"ها": مفعول به ثانٍ. عرضا: مفعول مطلق؛ لبيان نوع العامل. وعلقت: الواو عاطفة. علقت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء للتأنيث؛ ونائب الفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هي، يعود إلى هريرة؛ وهو المفعول الأول. رجلا: =
[ ٢ / ١١٩ ]
أو معنوي كأن لا يتعلق بذكره غرض، نحو: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ ١، ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ﴾ ٢، ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا﴾ ٣.
[ما ينوب عن الفاعل أحد أربعة أشياء]:
فينوب عنه في رفعه، وعمديته، ووجوب التأخير عن فعله، واستحقاق للاتصال به، وتأنيث الفعل لتأنيثه، واحد من أربعة٤:
_________________
(١) = مفعول به ثان. غيري: صفة لـ "رجلا" ومضاف إليه. وعلق: الواو عاطفة، علق: فعل ماضٍ مبني للمجهول، أخرى: مفعول به مقدم. ذلك: "ذا" اسم إشارة في محل رفع نائب فاعل؛ وهو المفعول الأول، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب. الرجل: بدل من اسم الإشارة. موطن الشاهد: "علقتها، علقت، علق". وجه الاستشهاد: بنى الشاعر الأفعال الثلاثة للمجهول، بعد أن حذف الفاعل للعلم به؛ وهو الله تعالى؛ وذلك لقصد تصحيح النظم؛ لأنه لو قال: علقني الله إياها، وعلقها رجلا غيري؛ وعلق الله أخرى ذلك الرجل، لطال الكلام، ولما استقام الوزن. ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٦٦. موطن الشاهد: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: بني الفعل "أحصر" للمجهول، وحذف الفاعل لغرض معنوي؛ لأنه لا يتعلق بذكره غرض أو قصد؛ وليس الغاية من هذا الفعل إسناده إلى فاعل مخصوص؛ بل إلى أي فاعل كان. ٢ "٤" سورة النساء، الآية: ٨٦. موطن الشاهد: ﴿حُيِّيتُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف الفاعل لغرض معنوي كما في الآية السابقة. ٣ "٥٨" سورة المجادلة، الآية: ١١. موطن الشاهد: ﴿قِيلَ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف الفاعل لغرض معنوي كما في الآيتين السابقتين. ٤ يفهم من هذه العبارة أنه لا يجوز أن ينوب عن الفاعل اثنان أو أكثر؛ وذلك لأنه كما لا يكون للفعل إلا فاعل واحد، لا يكون للفعل المبني إلا نائب فاعل واحد. ومعلوم أن إسناد الفعل المبني للمجهول إلى نائب الفاعل؛ له صورتان: إحداهما: إسناده إلى المفعول الذي تحول إلى نائب فاعل، وهذه حقيقة عقلية كإسناد الفعل المبني للمعلوم إلى الفاعل. الثانية: إسناده إلى غير المفعول به كالظرف الزماني أو المكاني، والمصدر، والجار والمجرور فمجاز؛ لأنهم يعرفون الحقيقة الفعلية بأنها: "إسناد الفعل أو ما هو بمعناه إلى ما بني له"؛ ومعلوم أن الفعل المبني للمجهول إنما بني للمفعول كما أن الفعل المبني للمعلوم بني للفاعل، ولم يبن واحد منهما للزمان، أو للمكان، أو المصدر؛ لهذا كان إسناد المبني للمعلوم وإسناد المبني للمجهول إلى الزمان أو المكان أو المصدر مجازا عقليا. انظر حاشية الشيخ يس: ١/ ٢٨٧.
[ ٢ / ١٢٠ ]
الأول: المفعول به، نحو: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ ١.
الثاني: المجرور، نحو: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ ٢، وقولك: "سِيرَ بِزيدٍ".
وقال ابن درستويه٣ والسهيلي٤ وتلميذه الرندي٥: النائب ضمير المصدر لا المجرور؛ لأنه لا يتبع على المحل بالرفع، ولأنه يقدم، نحو: ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ٦، ولأنه إذا تقدم لم يكن مبتدأ، وكل شيء ينوب عن الفاعل فإنه إذا تقدم
_________________
(١) ١ "١١" سورة هود، الآية: ٤٤. موطن الشاهد: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف الفاعل وأنيب عنه المفعول به في الموضعين؛ لِلعلم به، والأصل: أغاض الله الماء، وقضى الله الأمر؛ فصار المفعول به مرفوعا عمدة واجب التأخير عن الفعل. ٢ "٧" سورة الأعراف، الآية: ١٤٩. موطن الشاهد: ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ . وجه الاستشهاد: استشهد الجمهور بالآية الكريمة على مجيء الجار والمجرور نائب فاعل؛ لأن المجرور بالحرف مفعول به معنى؛ ولذا تصح نيابته عن الفاعل خلافا لمن ذكرهم المؤلف في المتن. ٣ مرت ترجمته. ٤ مرت ترجمته. ٥ هو: أبو علي عمر بن عبد المجيد الرندي -نسبة إلى رندة، حصن أو قرية في الأندلس- كان أستاذا في النحو، من تلاميذ السهيلي، قرأ عليه القراءات. له شرح على جمل الزجاجي، اسمه الفاخر ورَدَّ على ابن خروف منتصرا لشيخه السهيلي، وهو هو مقرئي كتاب سيبويه، مات سنة ٦١٠ هـ. البلغة: ١٧٢، بغية الوعاة: ٢/ ٢٢٠، طبقات القراء: ١/ ٥٩٤، معجم المؤلفين: ٧/ ٢٩٥. ٦ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ٣٦. موطن الشاهد: ﴿عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ . وجه الاستشهاد: استشهد المخالفون للجمهور بهذه الآية على عدم مجيء "الجار والمجرور" نائب فاعل؛ لأنه لو كان "عنه" نائب فاعل؛ لما تقدم على عامله "مسؤولا"؛ ومعلوم أن الفاعل لا يتقدم على عامله، فنائبه كذلك؛ لأنه لا يتقدم الفرع إلا حيث يتقدم الأصل.
[ ٢ / ١٢١ ]
كان مبتدأ، ولأن الفعل لا يؤنث له في نحو: "مُرَّ بِهِنْدٍ".
ولنا قولهم: "سير بزيد سيرا" وأنه إنما يراعى محل يظهر في الفصيح، نحو: "لست بقائمٍ ولا قاعدًا" بخلاف نحو: "مررت بزيد الفاضلَ" بالنصب، أو: "مُرَّ بزيد الفاضلُ" بالرفع، فلا يجوزان؛ لأنه لا يجوز: "مررت زيدًا" ولا: "مُرَّ زيدٌ" والنائب في الآية ضمير راجع إلى ما رجع إليه اسم كان، وهو المكلف، وامتناع الابتداء؛ لعدم التجرد، وقد أجازوا النيابة في: "لم يضرب من أحد" مع امتناع: "من أحد لم يضرب" وقالوا في: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ١: إن المجرور فاعل مع امتناع: "كَفَتْ بِهند"٢.
_________________
(١) ١ "٤" سورة النساء، الآية: ٧٩. موطن الشاهد: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الفاعل "لفظ الجلالة" مجرورا بالباء الزائدة؛ لأن الأصل: كفى اللهُ شهيدًا. ٢ هذا رد للشبهة الرابعة، وهي أن الفعل لا يؤنث للجار والمجرور كما في "مر بهند"، فقد امتنع أن يقال: "كفت بهند" بالتأنيث مع أن الفاعل في الآية مجرور بحرف جر زائد؛ فمن باب أولى إذا جر بحرف جر أصلي. ضياء السالك: ٢/ ٤٢، وشرح التصريح: ١/ ٢٨٧-٢٨٨. فائدة: احتج المانعون نيابة "الجار والمجرور" عن الفاعل بأربعة أدلة هي: أ- لو جاز للجار والمجرور أن يكون نائب فاعل؛ لجاز أن يجيء التابع للمجرور صفة، أو عطف بيان مرفوعا. ب- إن "الجار والمجرور" يتقدم على العامل الذي يتطلب نائب فاعل، كما في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾، ولو كان نائبا عن الفاعل، لما جاز له أن يتقدم على العامل فيه؛ كما أن الفاعل، لا يجوز أن يتقدم على الفعل والعامل فيه. ج- إن "الجار والمجرور" إذا تقدم على العامل، لا يصح جعله مبتدأ؛ فلما لم يصح جعله مبتدأ إذا تقدم، فلا يجوز أن يجعل نائبا عن الفاعل. د- إن الفعل لا يؤنث إذا كان المجرور مؤنثا نحو "مُرَّ بهند"، ولو كان الجار والمجرور ينوب عن الفاعل؛ لوجب تأنيث الفعل؛ لأن نائب الفاعل يأخذ حكم الفاعل في تذكير الفعل وتأنيثه.
[ ٢ / ١٢٢ ]
الثالث: مصدر مختص١، نحو: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٢، ويمتنع نحو: "سِيرَ سَيرٌ" لعدم الفائدة٣، فامتناع سير٤ على إضمار السير أحق٥، خلافا لمن أجازه، وأما قوله٦: [الطويل]
٢٢٥- وقالت متى يُبْخَلْ عليك ويُعتَلَلْ٧
_________________
(١) ١ أي مفيد معنى زائدا على معناه المبهم؛ وهو الحدث المجرد؛ ليكون في الإسناد إليه فائدة، ويكون ذلك بتقييده بوصف أو إضافة أو عدد؛ وكالمصدر اسمه. ويشترط كذلك: أن يكون كل منهما متصرفا؛ أي لا يلازم النصب على المصدرية، كمعاذ وسبحان؛ لأن وقوع أحدهما نائب فاعل يخرجه عن النصب الواجب له. التصريح: ١/ ٢٨٩. ٢ "٦٩" سورة الحاقة: ١٣. موطن الشاهد: ﴿نَفْخَةٌ﴾ . وجه الاستشهاد: "وقوع "نفخة" نائب فاعل، وهو مصدر متصرف مختص؛ فهو متصرف؛ لكونه مرفوعا، ومختصا؛ لكونه موصوفا بـ "واحدة"؛ وحكم مجيئه نائب فاعل في هذه الحال الجواز. ٣ لأن معناه المبهم مستفاد من الفعل، فكأنه جاء لتأكيد معنى فعله، وذلك غير مقصود من الإسناد. ٤ أي بالبناء للمجهول؛ على أن يكون نائب فاعله ضمير المصدر المستفاد من الفعل. والتقدير: سير هو -أي السير. ٥ أي: أولى بالمنع؛ لأن ضمير المصدر أكثر إبهاما من الظاهر. أما على إضمار يعود على سير مخصوص مفهوم من غير العامل فجائز. ٦ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٧ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: يسؤْكَ، وإن يكشف غرامَك تَدْرَبِ والبيت من القصيدة التي بارى فيها الشاعر علقمة الفحل، وتحاكما إلى أم جندب، فحكمت لعلقمة. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٨٩، والأشموني: "٣٨٥ ج١/ ١٨٢" ومغني اللبيب: "٩٠٥/ ٦٧٠" والعيني: ٤/ ٥٠٦، وديوان امرئ القيس: ٤٢. =
[ ٢ / ١٢٣ ]
فالمعنى: ويعتلل الاعتلال المعهود، أو اعتلال، ثم خصصه بعليك أخرى محذوفة للدليل، كما تحذف الصفات المخصصة١، وبذلك يوجه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢.
_________________
(١) = المفردات الغريبة: يبخل عليك، المراد: أنهم لا ينيلونه ما يريد. يعتلل: يعتذر، والاعتلال: الاعتذار. يسؤك: يحزنك ويغضبك. غرامك، الغرام: شدة الحب. تدرب: تعتد، من الدرية وهي الاعتياد. المعنى: يتحدث الشاعر عن تلك المحبوبة التي قالت: إذا ضننت عليك بالوصل، وهجرتك، واعتذرت عن مقابلتك؛ أحزنك ذلك وأغضبك، وأن وصلتك؛ اعتدت ذلك وأكثرت منه؛ ولم تستطع الصبر، وربما علم الناس بذلك، فيفتضح أمرنا؛ فهي لا تقطع وصله لئلا ييأس، ولا تصله كثيرا؛ لئلا يعتاد الوصال، ويطلبه في كل حين. الإعراب: قالت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث؛ والفاعل: هي. متى: اسم شرط جازم. يبخل: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم؛ لأنه فعل الشرط. "عليك": متعلق بـ "يبخل" في محل رفع نائب فاعل. ويعتلل: الواو عاطفة، يعتلل: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم: لأنه معطوف على فعل "يبخل" المجزوم؛ نائب الفاعل: ضمير مستتر جوازا تقديره: هو؛ أو أن يكون نائب الفاعل مصدرا مشتقا من الفعل محلّىً بـ "أل" العهدية؛ كأن يقال: ويعتلل الاعتلال المعهود، يسؤك: فعل مضارع مجزوم؛ لأنه جواب الشرط، والفاعل: هو، و"الكاف": مفعول به. وإن: الواو عاطفة. إن: حرف شرط جازم. يكشف: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم؛ لأنه فعل الشرط. غرامك: نائب فاعل، و"الكاف": مضاف إليه. تدرب: فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للشرط، والفاعل أنت. موطن الشاهد: "يعتلل". وجه الاستشهاد: مجيء نائب فاعل هذا الفاعل المبني للمجهول ضمير مصدر مختص بـ "أل" العهدية؛ أو بوصف محذوف مدلول عليه بالجار والمجرور -عليك- المذكور مع الفعل السابق -كما بين المؤلف في المتن- وليس الضمير عائدا على مصدر مبهم من الفعل؛ أي يعتلل اعتلال، كما يقول به جماعة من النحاة؛ لأن نيابة المصدر المبهم ممنوعة عند الجمهور. ١ أي للموصوفات إذا دل عليها دليل، نحو قوله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ -أي نافعا- بدليل: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ . التصريح: ١/ ٢٨٩. ٢ "٣٤" سورة سبأ، الآية: ٥٤. موطن الشاهد: ﴿حِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء نائب الفاعل ضميرا يعود إلى المصدر المقترن بـ "أل" العهدية؛ والتقدير: حيل هو؛ أي: الحول المعهود أو حول بينهم؛ وليس النائب الظرف؛ لأنه غير متصرف عند جمهور البصريين، وروي عن الأخفش أنه أجاز أن يكون الظرف في موضع رفع نائب فاعل، وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٩٠.
[ ٢ / ١٢٤ ]
وقوله١: [الطويل]
٢٢٦- فيا لك من ذي حاجة حيل دونها٢
_________________
(١) ١ هو: طرفة بن العبد البكري، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٩٠، والأشموني: "٣٨٦/ ١/ ١٨٣"، والعيني: ٢/ ٥١٠، وديوان طرفة: ٤١. المفردات الغريبة: حيل: حجز ومنع، من الحيلولة. يهوى: يريد ويحب. نائله: مدركه وواصل إليه -من نال إذا أصاب. الإعراب: فيالك: الفاء عاطفة، يا: حرف تنبيه؛ أو حرف نداء، والمنادى محذوف، واللام للاستغاثة، والضمير في محل جر باللام، أو في محل نصب على النداء؛ ويأتي هذا الأسلوب مفيدا معنى التعجب أحيانا. "من ذي": متعلق بمحذوف؛ والتقدير: أستغيث بك من أجل ذي حاجة. حاجة: مضاف إليه. حيل: فعل ماضٍ مبني للمجهول، ونائب الفاعل: ضمير يعود إلى المصدر المعهود، أو الموصوف؛ والتقدير: حيل هو -أي الحول المعهود- أو حول موصوف بقوله: دونها. "دونها": متعلق بـ "حيل"، أو بمحذوف صفة للمصدر، أو حال من ضمير "حيل"، و"ها": مضاف إليه. وما: نافية. كل: اسم "ما" مرفوع. "ما" "الثانية": اسم موصول في محل جر بالإضافة. يهوى: فعل مضارع. امرؤ: فاعل مرفوع وجملة "يهوى امرؤ": صلة للموصول، لا محل لها؛ والعائد محذوف؛ والتقدير: يهواه. هو مبتدأ. نائله: خبر مرفوع، ومضاف إليه؛ وجملة "هو نائله": في محل نصب خبر "ما الحجازية". موطن الشاهد: "حيل دونها". وجه الاستشهاد: مجيء نائب الفاعل ضميرا عائدا إلى المصدر المقترن بأل العهدية؛ أو بموصوف بـ "دونها" وليس "دونها" نائب فاعل؛ لأن "دون" ظرف غير متصرف، لا يفارق النصب على الظرفية؛ وكذلك لا يجوز أن يكون ضميرا عائدا إلى مصدر مبهم من الفعل -أي حيل حول- خلافا لابن درستويه ومن تبعه؛ لأنه غير مختص.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وقوله١: [الطويل]
٢٢٧- يغضي حياء ويغضى من مهابته٢
ولا يقال النائب المجرور؛ لِكونه مفعولا له.
_________________
(١) ١ هو: الفرزدق؛ همام بن غالب وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: فما يُكَلَّمُ إلا حين يَبْتسِمُ وهو من قصيدة يقولها الشاعر في زين العابدين؛ علي بن الحسين ابن سيدنا علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، ومطلع هذه القصيدة: هذا الذي تعرف البطحاءُ وطأته والبيت يعرفه والحلُّ والحرمُ هذا ابن خير عباد الله كلهمُ هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العَلَمُ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٩٠، ٢/ ١٠، والأشموني: "٣٨٧/ ١/ ١٨٣" والأغاني: ١٤/ ٧٥، والمؤتلف: ٨٩، والحيوان: ٣/ ١٣٣، وشرح المفصل: ٢/ ٣٥٣، والعيني: ٢/ ٥٤٣، ٣/ ٢٧٣، والمغني: "٦٠٠/ ٤٢١"، والسيوطي: ٢٤٩، وليس في ديوان الفرزدق ونسبه بعضهم إلى الحزين الكناني. المفردات الغريبة: يغضي: من الإغضاء، وهو تقارب بين جفني العين حتى يقربا من الانطباق. مهابته: هيبته وجلاله. يبتسم، الابتسامة: أول الضحك. المعنى: يصف الفرزدقُ زينَ العابدين بأنه رجل وقور شديد الحياء، يكاد يطبق جفنيه أمام محدِّثِهِ من الحياء، ويغمض الناس جفونهم أمامه من هيبته وجلاله، فلا يكلمه أحد إلا حين يبتسم. الإعراب: يغضي: فعل مضارع، والفاعل: هو؛ يعود إلى زيد العابدين. حياء: مفعول لأجله منصوب. ويغضى: الواو عاطفة. يغضى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل ضمير يعود إلى المصدر المعهود المفهوم من الفعل؛ أو الموصوف. فما الفاء تفريعية، وما: نافية. يُكَلَّم: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل: هو. إلا: حرف استثناء ملغى؛ أو أداة حصر. "حين": متعلق بـ "يكلم". يبتسم: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: هو؛ وجملة "يبتسم": في محل جر بالإضافة. موطن الشاهد: "يُغضَى من مهابته". وجه الاستشهاد: مجيء نائب الفاعل ضميرا مستترا، يعود إلى المصدر المعهود، أو الموصوف بوصف محذوف؛ والتقدير: يغضي الإغضاء المعهود؛ أو إغضاء حادث من مهابته؛ وليس قوله: "من مهابته" نائب الفاعل -كما يقول الأخفش- لأن "من" الجارة -هنا- تفيد التعليل؛ ويشترط في صحة نيابة الجار أن لا يكون للتعليل كما نعلم؛ وكذلك لا تجوز نيابة المفعول لأجله، ولا الحال، ولا التمييز؛ لأن كل واحد منها بمنزلة جواب عن سؤال مقدر؛ فكأنه من جملة أخرى غير الفاعل والفاعل؛ ومن هنا نعلم السبب الذي من أجله منعت نيابة الجار الذي يدل على التعليل؛ لأن مجروره مبني على سؤال مقدر وهذا تعليل النحاة؛ والعلة الحقيقية محاكاة العرب في كلامهم وأساليبهم.
[ ٢ / ١٢٦ ]
الرابع: ظرف متصرف مختص١، نحو: "صيم رمضان" و: "جلس أمام الأمير" ويمتنع نيابة نحو عندك ومعك وثم؛ لِامتناع رفعهن، ونحو مكانا وزمانا إذا لم يقيدا٢.
[حكم إنابة غير المفعول مع وجوده]:
ولا ينوب غير المفعول به مع وجوده٣، وأجازه الكوفيون مطلقا٤؛ لِقراءة
_________________
(١) ١ الظرف الكامل التصرف هو: ما يفارق النصب على الظرفية، وشبهها وهو الجر بمن، ويتنقَّل بين حالات الإعراب المختلفة؛ من رفع إلى نصب وجر على حسب حالة الجملة؛ كيوم، وزمان، وقدام، وخلف إلخ، أما غير المتصرف مطلقا وهو: ما يخرج عن النصب على الظرفية وحدها مثل: قط، وعوض، وناقص التصرف، وهو ما يخرج عن النصب على الظرفية إلى الجر بمن، كـ "عند، ومع، وثم"، فلا يصلح كل منهما للنيابة عن الفعل؛ لأنه لا يفيد الفائدة المطلوبة من الإسناد، ولا يصلح إخراجه عن وضعه العربي. والمختص من الظرف: ما خصص بما يزيل عن معناه الإيهام؛ كأن يكون مضافا أو موصوفا، أو معرفا بالعلمية، نحو: اليوم جميل، أو غير ذلك مما يزيد معناه ويخرجه من الإيهام. التصريح: ١/ ٢٩٠. ٢ وذلك لعدم الفائدة، فإن قيدا بوصف يخصصهما، نحو: جُلس مكان حسن، وصيم زمان طويل جازت نيابتهما. ٣ لأنه الأصل وغيره فرع عنه، فإذا وجد مع المفعول به مصدر، أو ظرف، أو جار ومجرور تعين المفعول به للنيابة؛ ما عدا المفعول المنصوب على نزع الخافض على الصحيح، فلا تجوز نيابته مع وجود المنصوب بنفس الفعل. ٤ أي أن ينوب غير المفعول به مع وجوده، سواء تقدم النائب عن المفعول به أم تأخر عنه.
[ ٢ / ١٢٧ ]
أبي جعفر١: ﴿لِيُجْزَى قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢، والأخفش بشرط تقدم النائب٣، كقوله٤: [مشطور الرجز]
٢٢٨- ما دام معنيا بذكرٍ قلبَهُ٥
_________________
(١) ١ هو: أبو جعفر؛ يزيد بن القعقاع المخزومي المدني، أحد أصحاب القراءات العشر كان تابعيا جليلا ثقة، وكان إمام أهل المدينة في القراءة، حتى سمي بالقارئ وإليه انتهت رياسة الإقراء بها، ولم يكن أحد أقرأ للسنة منه، توفي سنة: ١٣٠ هـ الأعلام "ط. الخامسة، دار الملايين": ٨/ ١٨٦، وفيات الأعيان: ٢/ ٢٧٨، غاية النهاية: ٢/ ٣٨٢. ٢ "٤٥" سورة الجاثية، الآية: ١٤. أوجه القراءات: قرأ أبو جعفر وعاصم وشيبة "ليجزى قوما"، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والأعمش "لنجزي قوما" وقرأ خلف ويحيى بن وثاب "ليجزي قوما". ورجح أبو عبيد قراءة "ليجزي"؛ لِيعود الضمير على الله ﷿؛ وقراءة "ليُجزَى" بمعنى ليُجزَى الجزاء قوما؛ فأضمر الجزاء؛ ولو أظهره لم يجُزْ؛ فكيف وقد أضمره؟. انظر: إتحاف فضلاء، البشر: ٣٩٠٠، وإعراب القرآن للنحاس: "٣/ ١٢٨، والنشر: ٢/ ٣٧٢". موطن الشاهد: "ليُجزَى قوما". وجه الاستشهاد: استدل الكوفيون بهذه الآية الكريمة على نيابة غيره؛ المفعول به عن الفاعل مع وجود المفعول به على قراءة أبي جعفر، وأما على القراءات الأخرى؛ فلا شاهد في الآية. ٣ نحو "ضُرِب في داره محمدا"، فإن تقدم المفعول به تعين للنيابة. ٤ لم ينسب هذا الرجز إلى قائل معين. ٥ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز المشطور وصدره قوله: وإنما يُرضي المنيبُ رَبَّهُ وقبل الشاهد قوله: ليس مُنِيبًا امرؤ مُنَبَّهُ للصالحات، مُتَنَاسٍ ذَنْبَهُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٩١، والأشموني: "٣٧٩/ ١/ ١٨٤" والعيني: ٢/ ٥١٩، وقطر الندى: "٧٧/ ٢٥٥". المفردات الغريبة: المنيب: اسم فاعل، من أناب، إذا رجع؛ "والإنابة": الرجوع إلى الله تعالى بفعل الطاعات وترك المعاصي. معنيا: مهتما ومولعا، وهو اسم مفعول من عني، بالبناء للمجهول لزوما. =
[ ٢ / ١٢٨ ]
وقوله١: [مشطور الرجز]
٢٢٩- لم يُعْنَ بالعلياء إلا سيدا٢
_________________
(١) = المعنى: تصح توبة الإنسان، وينال عليها صاحبها الأجر والثواب ما دام قلبه متعلقا بذكر ربه -﵎- خائفا منه، نادما على ما بدر منه، مقلعا عن الذنوب والآثام. الإعراب: إنما كافة ومكفوفة تفيد الحصر. يرضي: فعل مضارع مرفوع. المنيب: فاعل مرفوع. ربه: مفعول به، والهاء: مضاف إليه. ما: مصدرية ظرفية، دام: فعل ماضٍ ناقص، واسمه يعود إلى المنيب. معنيا: خبر دام منصوب. "بذكر": في محل رفع نائب فاعل لـ "معنيا"؛ لأنه اسم مفعول. قلبه: مفعول به منصوب لـ "معنيا"، والهاء: مضاف إليه؛ و"ما المصدرية الظرفية مع ما دخلت عليه": في تأويل مصدر مجرور بإضافة اسم زمان مقدر يتعلق بـ "يرضي"؛ والتقدير: يرضي المنيب ربه مدة دوامه معنيا. موطن الشاهد: "معنيا بذكر قلبه". وجه الاستشهاد: إنابة الجار والمجرور "بذكر" عن الفاعل مع وجود المفعول به متأخرا "قلبه"؛ ودليل ذلك أن الشاعر أتى بـ "قلبه" منصوبا؛ ولو أنابه؛ لأتى به مرفوعا، وما يؤكد نصبه تماما مجيئه رويا في البيت؛ وأبيات القصيدة كلها منصوبة حرف الروي. ١ القائل هو: رؤبة بن العجاج، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت من الرجز المشطور، وبعده قوله: ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى وقبله قوله: وقد كفى من بدئه ما قد بدا وإن ثنى في العود كان أحمدا والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٩١، والأشموني: "٣٨٨/ ١/ ١٨٤"، وابن عقيل: "٢٥٦/ ٢/ ١٢٢"، وهمع الهوامع: "١/ ١٦٢، والدرر اللوامع: ١٤٤، وفيهما برواية "ولا جفا ذا " والعيني: ٢/ ٥٢١، ملحقات ديوان رؤبة بن العجاج: ٧٣. المفردات الغريبة: يُعْنَ: يهتم ويولع، وماضيه عني، بالبناء للمجهول دائما. العلياء: المنزلة الرفيعة. شفى: أبرأ، والمراد: هدَى مجازا. الغي: الضلال والجري مع هوى النفس. المعنى: لا يهتم بالخصال الحميدة؛ التي تورث صاحبها عزا ورفعة إلا السيد الطموح العالي الهمة، ولا يهدي الضال ذا النفس المريضة، ويبعده عن طريق الضلالة وسيئ الأفعال إلا من هداه الله ووفقه لأعمال الخير والصلاح. =
[ ٢ / ١٢٩ ]
[غير النائب يجب نصبه لفظا أو محلا]:
مسألة: وغير النائب مما معناه متعلق بالرافع واجب نصبه لفظا إن كان غير جار ومجرور، كـ: "ضُرِب زيد يوم الخميس أمامك ضربا شديدا" ومن ثم نصب المفعول الذي لم ينب في نحو: "أُعطِيَ زيد دينارا"، و: "أعطي دينار زيدا"، أو محلا إن كان جارا ومجرورا، نحو: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ١، وعلة ذلك أن الفاعل لا يكون إلا واحدا، فكذلك نائبه.
[ما الذي تجوز نيابته عند تعدي الفعل لأكثر من مفعول]:
وإذا تعدى الفعل لأكثر من مفعول؛ فنيابة الأول جائزة اتفاقا، ونيابة الثالث ممتنعة اتقافا؛ نقله الخضراوي٢ وابن الناظم، والصواب أن بعضهم أجازه
_________________
(١) = الإعراب: يعن: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم، وعلامة جزمه حذف الألف؛ لأنه معتل الآخر. "بالعلياء": في محل رفع نائب فاعل؛ وهو متعلق بـ "يعن". إلا: أداة استثناء ملغاة، تفيد الحصر والقصر. سيدا: مفعول به منصوب. ولا: الواو عاطفة، لا: نافية. شفى: فعل ماضٍ. ذا: مفعول به مقدم، وهو مضاف. الغي: مضاف إليه. إلا: أداة استثناء ملغاة، تفيد الحصر والقصر. ذو: فاعل مرفوع لـ "شفى "وهو مضاف. هدى: مضاف إليه". موطن الشاهد: "لم يعن بالعلياء إلا سيدا". وجه الاستشهاد: إنابة الجار والمجرور "بالعلياء" عن الفاعل مع وجود المفعول متأخرا عنه في الكلام "سيدا". وهذا وما قبله احتج بهما الكوفيون والأخفش على نيابة غير المفعول مع وجوده والبصريون يعدون ذلك من الضرورات الشعرية. ويرى بعض النحاة أن كل ما يوضح الغرض، ويبرز المعنى المراد -سواء أكان مفعولا أم غير مفعول؛ أول أم غير أول، متقدما على غيره أم غير متقدم- يصلح لأن ينوب عن الفاعل. انظر همع الهوامع: ١/ ١٦٢. ١ "٦٩" سورة الحاقة، الآية: ١٣. موطن الشاهد: ﴿نَفْخَةٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "نفخة" نائبا عن الفاعل؛ وهو مصدر، ونصب محل الجار والمجرور "في الصور"؛ وعلة ذلك: النصب الواجب لفظا أو محلا لما عدا النائب، كما أشار الناظم. ٢ هو أبو عبد الله؛ محمد بن يحيى بن هشام الخضراوي الأنصاري الخزرجي الأندلسي، ويعرف أيضا بابن البراذعي، من أهل الجزيرة الخضراء، كان إماما في العربية، عاكفا على التعليم أخذ عن ابن خروف ومصعب والرندي، وعنه أخذ الشلوبين، وكان شاعرا ناثر متصرفا في الأدب، له مصنفات كثيرة منها: فصل المقال في أبنية الأفعال، والإفصاح بفوائد الإيضاح، والنقض على الممتع لابن عصفور، وكتاب الاقتراح في تلخيص الإيضاح. توفي بتونس سنة: ٦٤٦ هـ. البلغة: ٢٥٠، بغية الوعاة: ١/ ٢٦٧، طبقات ابن قاضي شهبة: ١٢٣، الأعلام: ٨/ ٧.
[ ٢ / ١٣٠ ]
إن لم يلبس، نحو: "أَعلمْتُ زيدًا كبشَكَ سمينا"١، وأما الثاني ففي باب "كسا"٢ إن ألبس، نحو: "أعطيت زيدا عمرا" امتنع اتفاقا٣، وإن لم يلبس نحو: "أعطيت زيدا درهما" جاز مطلقا٤ وقيل: يمتنع مطلقا٥، وقيل: إن لم يعتقد القلب٦، وقيل: إن كان نكرة والأول معرفة، وحيث قيل بالجواز، فقال البصريون: إقامة الأول أولى، وقيل: إن كان نكرة فإقامته قبيحة، وإن كانا معرفتين استويا في الحسن، وفي باب: "ظن"٧، قال قوم: يمتنع مطلقا٨ للإلباس في النكرتين
_________________
(١) ١ فتقول: اعلم زيدًا كبشك سمين، قاله أبو حيان في النكت الحسان. التصريح: ١/ ٢٩١. ٢ هو كل فعل نصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، ولم ينصب أحدهما بإسقاط الجار. ٣ للالتباس، سواء تقدم أو تأخر؛ لأن كلا منهما يصلح أن يكون آخذا ومأخوذا، ولا يتبين أحدهما إلا بالإعراب. ٤ الإطلاق يفسره ما بعده؛ أي سواء اعتقد القلب أم لا، وسواء أكان الثاني نكرة والأول معرفة أم لا؛ لأن "زيدا" هو الآخذ دائما، و"درهما" هو المأخوذ. التصريح: ١/ ٢٩٢. ٥ فتتعين نيابة الأول؛ لأنه فاعل في المعنى. ٦ أي تمتنع نيابة الثاني، إن لم يعتقد القلب في الإعراب، وهو كون المرفوع منصوبا، والمنصوب مرفوعا، فإن اعتقد القلب جاز، ويكون النائب في الحقيقة هو الأزل؛ لأن نيابة الثاني مع اعتقاده القلب مجاز صوري، كما أن من رفعه ونصب الأول مجاز، فهو من إعطاء المرفوع إعراب المنصوب وبالعكس، عند من أمن اللبس، نحو كسر الزجاج الحجر. ٧ وهو كل فعل يتعدى إلى مفعولين الثاني منهما خبر في الأصل عن الأول. ٨ الإطلاق يوضحه ما بعده؛ أي سواء ألبس أم لم يلبس، كان جملة أم لا، كان نكرة والأول معرفة أم لا. التصريح: ١/ ٢٩٢.
[ ٢ / ١٣١ ]
والمعرفتين، ولعود الضمير على المؤخر إن كان الثاني نكرة لأن الغالب كونه مشتقا، وهو حينئذ شبيه بالفاعل لأنه مسند إليه فرتبته التقديم، واختاره الجزولي١ والخضراوي، وقيل: يجوز إن لم يلبس ولم يكن جملة، واختاره ابن طلحة٢ وابن عصفور وابن مالك، وقيل: يشترط أن لا يكون نكرة والأول معرفة فيمتنع: "ظن قائم زيدا"٣، وفي باب: "أعلَمَ"٤ أجازه قوم إذا لم يلبس، ومنعه قوم منهم الخضراوي والأبَّدي٥ وابن عصفور؛ لأن الأول مفعول صحيح٦، والأخيران مبتدأ وخبر شبها بمفعول: "أعطى"، ولأن السماع إنما جاء بإقامة الأول، قال٧: [الطويل]
_________________
(١) ١ مرت ترجمته. ٢ هو أبو بكر محمد بن طلحة الأموي الأشبيلي من أهل يابُرة، بلد في غربي الأندلس كان إماما في العربية عارفا بعلم الكلام، تأدَّب على أبي إسحاق بن ملكون، وأخذ العروض عن السهيلي، كان ذكيا عدلا ذا مروءة، وكان يميل إلى مذهب ابن الطراوة. أخذ عنه الكثير، منهم: ابن عبد النور، والشلوبين، مات بإشبيلية سنة ٦١٨ هـ وله ٧٣ سنة. البلغة: ٢٢٥، بغية الوعاة: ١/ ١٢١، طبقات ابن شهبة: ٥٢. ٣ لأن هذا يؤدي إلى الإخبار بالمعرفة عن النكرة، وذلك ممنوع في الغالب. ٤ هو كل فعل ينصب ثلاثة مفاعيل، أصل الثاني والثالث منهما مبتدأ وخبر. ٥ هو: أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الرحمن الأُبَّدي -نسبة إلى أبدة بالأندلس- كان نحويا جليلا، درس كتاب سيبويه ووقف على غوامضه ووقائعه، قال فيه أبو حيان: كان الأبدي أحفظ من رأيناه بعلم العربية، وكان مع إمامته في العلم غاية في الفقر. له إملاء على كتاب سيبويه، وعلى الإيضاح والجمل، ومشكل الأشعار الستة الجاهلية، والجزولية. توفي سنة ٦٨٠ هـ. البلغة: ١٦٨، بغية الوعاة: ٢/ ٦٠٤، معجم المؤلفين: ٧/ ٢٢٤، الأعلام: ٥/ ١٥٤. ٦ أي مفعول حقيقة وليس أصله مبتدأ وخبر؛ لأن أصله الفاعلية فهو أحق مما كان ملتبسا به، أما الثاني والثالث فالمفعول في الحقيقة النسبة بينهما وإطلاق المفعولية عليهما مجاز. التصريح: ١/ ٢٩٣. ٧ القائل: هو: الفرزدق؛ همام بن غالب، وقد مرت ترجمته.
[ ٢ / ١٣٢ ]
٢٣٠- ونبئت عبد الله بالجو أصبحت١
[خلاصة جامعة]:
وقد تبين أن في النظم أمورا، وهي:
١- حكاية الإجماع على جواز إقامة الثاني من باب: "كسا" حيث لا لبس.
٢- وعدم اشتراط كون الثاني من باب: "ظن" ليس جملة.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: كراما مواليها لئيما صميمها وهو من شواهد التصريح: ١/ ٢٩٣، والأشموني: "٣٩٠/ ١٨٦"، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٧١، والعيني: ٢/ ٥٢٢، وليس في ديوان الفرزدق. المفردات الغريبة: نبئت: أخبرت، عبد الله: ليس المراد به شخص معين، ولكنه علم على القبيلة؛ وهي عبد الله بن دارم أخي مجاشع بن دارهم، وهم رهط الفرزدق. بالجو، الجو: أرض باليمامة ويطلق على أمكنة أخرى كثيرة ذكرها ياقوت في معجمه. كراما: أشرافا؛ جمع كريم، والمراد به كريم النسب. مواليها: جمع مولى، والمراد هنا: العبيد والأتباع. صميمها؛ الصميم الخالص من كل شيء، والمراد رؤساء القبائل وسادتها. المعنى: أخبرت أن قبيلة عبد الله بالجو انعكست فيها الأمور؛ فصار عبيدها وضعافها وأتباعها أشرافا وسادة، وصار عظماؤها وسادتها لئاما تابعين. الإعراب: نبئت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل. عبد الله: مفعول به ثانٍ، ومضاف إليه. "بالجو": متعلق بمحذوف صفة لـ "عبد الله". أصبحت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: للتأنيث؛ واسم أصبح ضمير مستتر يعود إلى "عبد الله". كراما: خبر "أصبح" منصوب وعلامة نصبه الفتحة؛ وجملة "أصبحت": في محل نصب مفعول به ثالث: لـ "نئبت". مواليها: فاعل للصفة المشبهة "كراما"، و"ها": مضاف إليه. لئيما: خبر ثان لـ "أصبحت" منصوب. صميمها: فاعل لـ "لئيما" و"ها": مضاف إليه. موطن الشاهد: "نبئت". وجه الاستشهاد: أناب الشاعر المفعول الأول "تاء المتكلم" عن الفاعل، ولم يُنِبْ الثاني أو الثالث؛ وهذا هو الشائع والمستعمل بكثرة في الاستعمال العربي.
[ ٢ / ١٣٣ ]
٣- وإيهام أن إقامة الثالث غير جائزة باتفاق؛ إذ لم يذكره مع المتفق عليه ولا مع المختلف فيه، ولعل هذا هو الذي غلط ولده حتى حكى الإجماع على الامتناع.
[تغير صورة الفعل عند إسناده إلى النائب عن الفاعل]:
فصل: يضم أول فعل المفعول مطلقا١، ويشركه ثاني الماضي المبدوء بتاء زائدة٢ كتضارب وتعلم، وثالث المبدوء بهمز الوصل كانطلق واستخرج واستحلى، ويُكسر ما قبل الآخر من الماضي، ويفتح من المضارع.
وإذا اعتلت عين الماضي وهو ثلاثي كـ "قال وباع"، أو عين افتعل أو انفعل كاختار وانقاد، فلك كسر ما قبلها بإخلاص، أو إشمام الضم، فتقلب ياء فيهما٣، وذلك إخلاص الضم، فتقلب واوا، قال٤: [الرجز]
٢٣١- ليت، وهل ينفع شيئا ليت؟ ليت شبابا بوع فاشتريت٥
_________________
(١) ١ أي سواء كان ماضٍيا أو مضارعا. ٢ سواء أكانت للمطاوعة أم لغيرها، كمثال المصنف، تقول فيهما: ضورب وتعلم. والمطاوعة في فعل هي: قبول فاعله التأثر بأثر واقع عليه من فاعل ذي علاج محسوس لفعل آخر يلاقيه في الاشتقاق مثل: علمته فتعلم وحطمت الحجر فتحطم. التصريح: ١/ ٢٩٣-٢٩٤. ٣ الإشمام: هو النطق بحركة صوتية تجمع بين الضمة والكسرة بالتوالي سريعا وينشأ عن ذلك ياء، وقد يسمى "روما". التصريح: ١/ ٢٩٤، وفيه بيان واضح لذلك. ٤ القائل: هو رؤبة بن العجاج وقد مرت ترجمته. ٥ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز وقبله قوله: يا قوم قد حَوقَلْتُ أو دَنَوْتُ وبعض حيقال الرجال المَوْتُ ما لي إذا أجذبها صَأَيْتُ أَكِبَرٌ قد عالني أم بَيْتُ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٩٥، والأشموني: "٣٨٣،١/ ١٨١"، وابن عقيل: "١٥٥/ ٢/ ١١٥" وشرح المفصل: ٧/ ٧٠، والعيني: ٢/ ٢٥٤، وهمع الهوامع: ١/ ٢٤٨، ٢/ ١٦٥، والدرر اللوامع: ١/ ٢٠٦، ٢/ ٢٢٢، والمغني: "٧٣١/ ٥١٣" وشرح السيوطي: ٢٧٧. وأمالي القالي "ط. دار الفكر": ١/ ٢٠؛ زيادات ديوان رؤبة. شرح المفردات: حوقلت: ضعفت وأصابني الكبر. دنوت: قربت. أجذبها: أراد أنزع الدلو من البئر صأيت: صحت، مأخوذ من قولهم: صأى الفرخ؛ إذا صاح صياحا =
[ ٢ / ١٣٤ ]
وقال١: [مشطور الرجز]
٢٣٢- حُوكَتْ على نيرين إذ تُحَاكُ٢
_________________
(١) = ضعيفا، وأراد بذلك أنينه من ثقل الدلو عليه. قد عالني: غلبني وقهرني وأعجزني. المعنى: يتمنى الشاعر أن يعود إليه شبابه من جديد أو يشتريه؛ ولكن هيهات أن يعود الشباب مرة أخرى؛ لأن ما مضى لن يعود أبدا. الإعراب: ليت: حرف مشبه بالفعل يفيد التمني. هل: حرف استفهام معناه النفي -هنا- لا محل له من الإعراب. ليت: ينفع: فعل مضارع مرفوع. شيئا: مفعول به مقدم منصوب ليت: فاعل "ينفع"؛ لأنه قصد لفظها؛ و"الجملة": معترضة، لا محل لها من الإعراب. ليت: "الثالثة" مؤكدة للأولى. شبابا: اسم "ليت" الأولى. بوع: فعل ماضٍ مبني للمجهول، ونائب الفاعل: ضمير مستتر جوازا تقديره؛ هو؛ وجملة "بوع": في محل رفع خبر "ليت". فاشتريت: الفاء عاطفة. اشتريت: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل؛ وجملة "اشتريت": معطوفة على جملة "بوع": في محل رفع. موطن الشاهد: "بوع". وجه الاستشهاد: مجيء فعل "باع" الثلاث معتل العين؛ فلما بني للمجهول أخلص ضم فائه؛ فقلبت ألفه واوا؛ وإخلاص الضم لغة جماعة من العرب؛ منهم من ذكر المؤلف في المتن؛ ومنهم بعض بني تميم، وضبة، وحكيت عن هذيل. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٩٥. ١ ينسب هذا الرجز -أيضا- إلى رؤبة بن العجاج. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من مشطور الرجز، وبعده قوله: تختبط الشوك ولا تشاك وهو من شواهد" التصريح: ١/ ٢٩٥، والأشموني: "٣٨٤/ ١/ ١٨١"، وابن عقيل: "١٥٤/ ٢/ ١١٤" والهمع: ٢/ ١٦٥، والدرر: ٢/ ٢٢٣، والمصنف لابن جني: ١/ ٢٥٠. المفردات الغريبة: حوكت: نسجت، من حاك الثوب يحوكه حوكا وحياكة. نيرين: مثنى نير؛ وهو مجموع القصب والخيوط. تختبط: تضرب بعنف وشدة. لا تشاك: لا يؤثر فيها الشوك. المعنى: إن هذا الرداء نسج على نيرين -وما ينسج بهذه الطريقة، يكون أصفق وأحكم في النسج؛ فاكتسب متانة وصلابة، حتى إذا ضرب بها الشوك لا يدخل فيها، ولا يحدث بها أثرا أو ضرارا. الإعراب: حوكت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر جوازا؛ قديره هي، يعود إلى الحُلَّة؛ أو الرداء؛ لأنه يذكر ويؤنث. "على نيرين": متعلق بـ "حوكت". "إذا: متعلق بـ "حوكت". تحاك: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، ونائب الفاعل: هي؛ وجملة "تحاك": في محل جر بالإضافة. موطن الشاهد: "حوكت". وجه الاستشهاد: أخلص فيه الضم -كسابقه- فقلبت ألفه واوا؛ ويروى: "حيكت" فيكون شاهدا على إخلاص الكسر، وقلب الألف ياء؛ وهذه الرواية أقوى؛ لأنها في سياق الفصحى وبها استشهد ابن عقيل على إخلاص الكسر انظر ابن عقيل: "ط. دار الفكر": ١/ ٣٩٥.
[ ٢ / ١٣٥ ]
وهي قليلة، وتُعزَى لفقعس ودبير١، وادعى ابن عذرة٢ امتناعها في افتعل وانفعل، والأول قول ابن عصفور والأُبَّدي وابن مالك، وادعى ابن مالك امتناع ما ألبس من كسر كخفت وبعت، أو ضم كعقت، وأصل المسألة "خافني زيد" و: "باعني لعمرو" و: "عاقني عن كذا" ثم بنيتهن للمفعول، فلو قلت: خفت وبعت بالكسر، وعقت: بالضم؛ لِتوهم أنهن فعل وفاعل، وانعكس المعنى، فتعين أن لا يجوز فيهن إلا الإشمام، أو الضم في الأولين والكسر في الثالث، وأن يمتنع الوجه الملبس، وجعلته المغاربة مرجوحا لا ممنوعا، ولم يلتفت سيبويه للإلباس؛ لِحصوله في نحو مختار وتضار.
[خلافهم في ضم فاء الثلاث المضعف]:
وأوجب الجمهور ضم فاء الثلاثي المضعف نحو شد ومد، والحق قول بعض الكوفيين: إن الكسر جائز، وهي لغة بني ضبة٣ وبعض تميم، وقرأ علقمة٤: "رِدَّتْ
_________________
(١) ١ هما حيان من فصحاء قبيلة اسد، وإخلاص الضم لغتهما، أما الكسر فلغة تميم. ٢ هو الإمام البارع أبو الحكم؛ الحسن بن عبد الرحمن بن عذرة الأنصاري الأوسي الخضراوي كان نحويا نبيلا حاذقا، ثابت الذهن، وقاد الفكر، أخذ عن أبي العلاء؛ إدريس القرطبي وابن عصفور وغيرهما. له تصانيف كثيرة منها: الإغراب في أسرار الحركات والإعراب، والمفيد في أوزان الرجز والقصيد. توفي سنة ٦٤٤ هـ. ٣ هم بطن من بطون عامر بن إلياس بن مضر. ٤ هو علقمة بن قيس بن عبد الله كان فقيها كبيرا، ومن القراء في الكوفة، أخذ القرآن عن ابن مسعود، وسمع من عمرو وعلي وأبي الدرداء وعائشة، وكان من أحسن الناس صوتا بالقراءة، توفي سنة: ٦٢ هـ. سير أعلام النبلاء: ٤/ ٥٣، طبقات القراء: ترجمة: ٢١٣٥، الإصابة: ترجمة: ٦٤٥٤، العبر، ١/ ٦٦.
[ ٢ / ١٣٦ ]
إِلَيْنا"١، "وَلَوْ رِدُّوا"٢ بالكسر، وجوز ابن مالك الإشمام أيضا، وقال المهاباذي٣: من أشم في: "قيل" و: "بيع" أشم هنا٤.
_________________
(١) ١ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٦٥. أوجه القراءات: قرأ الحسن وعلقمة ويحيى بن وثاب والأعمش "ردت" بكسر الراء؛ لأن أصلها: رددت؛ فلما أدغم؛ قلبت حركة الدال إلى الراء، وقرأ الباقون: "ردت" برفع الراء. انظر اتحاف الفضلاء: ٢٦٦، وإعراب القرآن، للنحاس: ٢/ ٢٧٤. موطن الشاهد: "ردت". وجه الاستشهاد: نقل كسرة عين الفعل إلى فائه حملا له على المعتل؛ على قراءة علقمة ويحيى بن وثاب وغيرهما؛ الموافقة لـ "لغة بعض تميم". انظر شرح التصريح: ١/ ٢٩٥. ٢ "٦" سورة الأنعام: الآية: ٢٨. أوجه القراءات: انظر أوجه قراءات الآية السابقة. موطن الشاهد: "رِدُّوا". وجه الاستشهاد: نقل كسرة عين الفعل إلى فائه؛ على قراءة علقمة ويحيى بن وثاب وغيرهما؛ الموافقة لِلُغة بعض تميم" كما في الآية السابقة. ٣ هو أحمد بن عبد الله بن المهاباذي الضرير نسبة إلى مهاباذ؛ قرية بين قم وأصبهان -أحد تلاميذ عبد القاهر الجرجاني، له شرح على اللمع لابن جني، وكان من أعلام نحاة عصره. الأعلام "ط. الخامسة": ١/ ١٥٨، كشف الظنون: ١٥٦٣، بغية الوعاة: ١/ ١٧٨. ٤ بقي أنه:
(٢) لا يبنى للمجهول فعل جامد ولا ناقص على الصحيح. وجوزه سيبويه والكوفيون.
(٣) لا يجوز إنابة الحال، والمستثنى، والمفعول معه، وله؛ لأن ذلك يخرجه عن مهمته الخاصة.
(٤) إذا قلت: زِيدَ في مُرَتَّب محمد عشرون جنيها -تعين رفع "عشرين" على النيابة مع وجود المفعول. فإن قدمت محمد فقلت: محمدا زيد في مرتبة عشرون- جاز رفع العشرين على النيابة، وجاز نصبه على المفعولية، ونائب الفاعل ضمير يعود على المبتدأ وهو الرابط. =
[ ٢ / ١٣٧ ]
_________________
(١) = ٤- ورد عن العرب أفعال ماضٍية ملازمة للبناء للمجهول، اعتبرها العلماء كذلك في الصورة اللفظية لا في الحقيقة، ولهذا: يعربون المرفوع بها فاعلا لا نائب فاعل، ومن أشهرها: هزل، زكم، دهش، شده "بمعنى دهش"، شغف بكذا: أولع به، أغري به، أُهرِع بمعنى أسرع، عني بكذا "اهتم به"، نتج، جن، سل، حم، امتقع لونه، زهي، فلج وحكم المضارع منها حكم الماضي. ولكن لا يعامل مضارعها معاملة الماضي إلا فيما ورد عن العرب، فهو مقصور على السماع. ومما سمع: يُهرع، يُعني، يُولع، يُستهتر به.
[ ٢ / ١٣٨ ]
[باب الاشتغال]:
هذا باب الاشتغال١:
[ضابطه والأصل فيه]:
إذا اشتغل فعل متأخر بنصبه لمحل ضمير اسم متقدم عن نصبه للفظ ذلك
_________________
(١) ١ الاشتغال: هو أن يتقدم اسم واحد ويتأخر عنه عامل مشتغل عن العمل في ذلك الاسم بالعمل في ضميره مباشرة، أو في سببه، بحيث لو فرغ من ذلك المعمول وسلط على الاسم المتقدم؛ لعمل فيه النصب لفظا أو محلا. والمراد بسبب الاسم المتقدم: كل شيء له صلة وعلاقة به؛ من قرابة أو صداقة أو عمل. وأركان الاشتغال ثلاثة هي: أ- مشغول عنه: وهو الاسم المتقدم. ب- مشغول: وهو الفعل المتأخر. ج- ومشغول به: وهو الضمير الذي تعدى إليه الفعل بنفسه أو بالوساطة؛ ولكل واحد من هذه الأركان الثلاثة شروط هي: أولا: شروط المشغول عنه -الاسم المتقدم- خمسة هي:
(٢) أن يكون غير متعدد لفظا ومعنى؛ نحو: زيدا ضربته؛ أو متعددا في اللفظ من دون المعنى؛ نحو: زيدا وعمرا ضربتهما؛ لأن العطف جعل الاسمين كالاسم الواحد حكما؛ فإن التعدد في اللفظ والمعنى؛ نحو: زيد درهما أعطيته؛ لم يصح.
(٣) أن يكون متقدما؛ فإن تأخر؛ لم يكن من باب الاشتغال، نحو: ضربته زيدا؛ بل إن نصب "زيدا" فعلى أنه بدل من الضمير؛ وإن رفع؛ فهو مبتدأ وخبره الجملة التي قبله، كما نقول: زيد ضربته.
(٤) قبوله الإضمار؛ فلا يصح الاشتغال عن الحال والتمييز، ولا عن المجرور بحرف يختص بالظاهر كـ "حتى".
(٥) كونه مفتقرا لما بعده؛ فلا يجوز في نحو: جاء زيد فأكرمه؛ لأن الاسم، اكتفى بالعامل المتقدم عليه.
(٦) كونه صالحا للابتداء به؛ بأن لا يكون نكرة محضة، فقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّة =
[ ٢ / ١٣٩ ]
الاسم١: كـ: "زيدًا ضربته" أو لمحله كـ: "هذا ضربته" فالأصل أن ذلك الاسم يجوز فيه وجهان: أحدهما راجح؛ لسلامته من التقدير، وهو الرفع بالابتداء، فما بعده في موضع رفع على الخبرية، وجملة الكلام حينئذ اسمية٢، والثاني مرجوح
_________________
(١) = ابْتَدَعُوهَا﴾ ليس من باب الاشتغال؛ بل "رهبانية" معطوف على ما قبله بالواو، وجملة "ابتدعوها": صفة. ثانيا: شرط المشغول: الفعل المتأخر:
(٢) أن يكون متصلا بالمشغول عنه.
(٣) كونه صالحا للعمل فيما قبله، بأن يكون فعلا متصرفا، أو اسم فاعل مستكمل لشروط عمله أو اسم مفعول مستكمل لشروط عمله؛ فإن كان حرفا أو اسم فعل أو صفة مشبهة أو فعلا جامدا لم يصح. ثالثا: شرط المشغول به ألا يكون غربيا أو أجنبيا عن المشغول عنه؛ فيصح أن يكون ضمير المشغول عنه؛ نحو: زيدا ضربته، أو مررت به؛ اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير المشغول عنه؛ نحو: زيدا ضربت أخاه؛ أو مررت بغلامه؛ هذا الأخير، يسمى السببي. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٩٦؛ المتن والحاشية. ١ اعترض على هذا الضابط الذي ذكره المؤلف بأنه غير حاصر؛ لأنه لم يشمل صور الاشتغال كلها؛ لأن المؤلف خص المشغول بكونه فعلا في قوله: "إذا اشتغل فعل متأخر" والمشغول قد يكون فعلا، وقد يكون وصفا؛ نحو: زيدا أنا ضاربه الآن. وكذلك خص المشغول به بكونه ضمير الاسم المتقدم مع أنه قد يكون اسما ظاهرا مضافا إلى ضمير الاسم المتقدم، نحو: زيدا ضربت غلامه. وأجيب عن ذلك الاعتراض بأن المؤلف أراد أن يبين ما هو الأصل في كل واحد منهما، وترك بيان الفروع؛ لأنها معروفة من القواعد العامة؛ لأن الفعل هو الأصل في العمل؛ والأوصاف تعمل بالحمل عليه؛ والأصل في المشغول به أن يكون ضمير الاسم المتقدم، والاسم الظاهر المضاف إلى ضمير -ما يسمى السببي- ملحق به؛ أو أن المؤلف أراد أن يبين أظهر المسائل التي يدركها كل واحد، وتجاوز الصور الخفية تيسيرا على المبتدئين، ثم خصها بالبيان فيما بعد؛ لِيقع علمها للقارئ بعد أن يكون تمرس بأحكام بابها بعض التمرس؛ أو أن المؤتلف جرى على مذهب من يجيز التعريف بالأخص، ولا اعتراض حينئذ؛ لأنه لا يرى مانعا من أن يكون الحد أو الضابط الذي ذكره أخص من المحدد أو المراد ضبطه. أوضح المسالك "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ٢/ ١٥٩-١٦٠. ٢ لأنها مصدرة بالاسم الذي جعل مبتدأ.
[ ٢ / ١٤٠ ]
لاحتياجه إلى التقدير، وهو النصب، فإنه بفعل موافق للفعل المذكور١ محذوف وجوبا، فما بعده لا محل له؛ لأنه مفسر، وجملة الكلام حينئذ فعلية٢.
ثم قد يعرض لهذا الاسم ما يوجب نصبه، وما يرجحه، وما يسوي بين الرفع والنصب، ولم نذكر من الأقسام ما يجب رفعه كما ذكر الناظم٣ لأن حد الاشتغال لا يصدق عليه٤، وسيتضح ذلك.
[وجوب النصب]:
فيجب النصب إذا وقع الاسم بعد ما يختص بالفعل كأدوات التحضيض٥، نحو: "هلا زيدا أكرمته" وأدوات الاستفهام غير الهمزة، نحو: "هل زيدا رأيته"٦
_________________
(١) ١ إما لفظا ومعنى؛ نحو مثل المصنف المذكور، والتقدير: ضربت زيدا ضربته؛ أو معنى فقط؛ نحو: محمد مررت به؛ فالتقدير: جاوزت محمدا مررت به؛ أو غير موافق لفظا ومعنى؛ ولكنه لازم المذكور؛ نحو: محمدا ضربت أخاه؛ لأن ضرب الأخ يستلزم عرفا إهانة محمد. فائدة: ما ذكره المؤلف من انتصاب الاسم المتقدم بفعل مماثل للفعل المتأخر هو مذهب الجمهور؛ وفي المسألة أقوال أخرى؛ منها: ما ذهب إليه الكسائي؛ من أن الاسم المتقدم منصوب بالفعل المتأخر، والضمير ملغى، لا عمل للفعل فيه؛ ومنها ما ذهب إليه الفراء؛ من أن الفعل المتأخر نصب الاسم المتقدم والضمير معا؛ وكلا الرأيين ضعيف. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٩٧. ٢ لكونها مصدرة بالفعل المحذوف المفسر بالمذكور بعده. ٣ أي ما قاله: "وإن تلا السابق ما بالابتدا يختص فالرفع التزمه أبدا" ٤ لكونه معتبرا فيه -كما ذكر المؤلف في التعريف- أي "أن يكون العامل بحيث لو فرغ للفعل في الاسم المتقدم لنصبه؛ وما يجب رفعه ليس كذلك؛ نحو: "فإذا زيد يضربه عمرو"؛ فلو حذفنا الضمير، لم ينتصب الاسم المتقدم بالفعل المتأخر، ولا بفعل آخر يفسره المذكور؛ ولهذا؛ فلا يصدق عليه حد الاشتغال. ٥ المقصود بالتحضيض: الحث وطلب الشيء بقوة وشدة -تظهر في نبرات الصوت- ومثله العرض، وهو طلب الشيء برفق وملاينة؛ نحو: ألا محمدا سامحته ونحو ذلك. ٦ تكون أدوات الاستفهام مختصة بالفعل إذا وجد بعدها فعل في جملتها، فإن لم يوجد، فلا تختص، نحو: أين المفر؟، ومتى القدوم؟ وأما الهمزة فتدخل على الاسم، وإن كان الفعل في حيزها؛ لأنها أم الباب؛ فتوسع فيها، ونصب الاسم الواقع بعد "هل" إذا وقع بعدها فعل -مذهب سيبويه؛ أما الكسائي، فيجيز أن يليها الاسم والفعل؛ وعلى ذلك، يجوز الرفع والنصب، غير أن النصب أرجح. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٩٧.
[ ٢ / ١٤١ ]
و: "متى عمرا لقيته" وأدوات الشرط، نحو: "حيثما زيدا لقيته فأكرمه" إلا أن هذين النوعين لا يقع الاشتغال بعدهما إلا في الشعر، وأما في الكلام فلا يليهما إلا صريح الفعل، إلا إن كانت أداة الشرط "إذا" مطلقا، أو: "إن والفعل ماضٍ فيقع في الكلام، نحو: "إذا زيدا لقيته، أو تلقاه، فأكرمه" و: "إن زيدا لقيته فأكرمه" ويمتنع في الكلام: "إن زيدا تلقه فأكرمه" ويجوز في الشعر، وتسوية الناظم بين "إن" و: "حيثما" مردودة.
[ترجيح النصب وحالاته]:
ويترجح النصب في ست مسائل:
إحداها: أن يكون الفعل طلبا١، وهو الأمر والدعاء ولو بصيغة الخبر، نحو: "زيدا اضربه" و: "اللهم عبدك ارحمه" و: "زيدا غفر الله له".
وإنما وجب الرفع في نحو: زيد أحسن به" لأن الضمير في محل رفع٢، وإنما
_________________
(١) ١ النصب في الأولين بفعل محذوف من لفظ المذكور، وفي الثالث "صيغة الخبر" من معناه -أي: ارحم زيدا غفر الله له، وقد قيل في علية ترجيح النصب، إذا كان الفعل طلبا: إن الأصل في الطلب أن يكون بالفعل، فرجح النصب؛ لِيكون الكلام على تقدير فعل، فيجيء على الأصل في الطلب؛ وكذلك فلو رفع الاسم؛ لأعرب مبتدأ، ويكون خبره الجملة الطلبية، ومجيء الخبر جملة طلبية قليل؛ لِكون جملة الخبر تحتمل الصدق والكذب غالبا، والطلبية ليست كذلك. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٩٨. ٢ أي: في محل رفع على الفاعلية؛ لِكون الباء زائدة، على أنه لو كان محل هذا الضمير النصب؛ لم يكن من باب الاشتغال أيضا؛ لأن فعل التعجب جامد ولا يعمل فيما قبله، فلا يفسر عاملا؛ وقد اشترط في المشغول أن يكون صالحا للعمل فيما قبله. المصدر السابق: ١/ ٢٩٨-٢٩٩.
[ ٢ / ١٤٢ ]
اتفق السبعة عليه في نحو: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ ١؛ لأن تقديره عند سيبويه: مما يتلى عليكم حكم الزاني والزانية، ثم استؤنف الحكم، وذلك لأن الفاء لا تدخل عنده في الخبر في نحو هذا، ولذا قال في قوله٢: [الطويل]
٢٣٣- وقائلةٍ خولانُ فانكِحْ فَتَاتَهُم٣
_________________
(١) ١ "٢٤" سورة النور، الآية: ٢. موطن الشاهد: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ . وجه الاستشهاد: منعت الفاء حمل الفعل على الاشتغال؛ لأن التقدير -عند سيبويه- مما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني؛ فحذف المضاف "حكم" وأقيم المضاف إليه مقامه؛ وهو الزانية والزاني، وحذف الخبر "الجار والمجرور" ثم بعد تمام الجملة استأنف الحكم بـ "فاجلدوا"؛ ولا يلزم الإخبار بالجملة الطلبية؛ ولذا جاءت مستأنفة. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٩٩. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وأكْرُومَةُ الحيَّين خِلْوٌ كَمَا هِيَا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٩٩، والأشموني: "٣٩٤/ ١/ ١٨٩"، والهمع: ١/ ١١٠، والدرر: ١/ ٧٩، والكتاب لسيبويه: ١/ ٧٠، وشرح المفصل: ١/ ١٠٠، ٨/ ٩٥، والخزانة: ١/ ٢١٨، ٣/ ٣٩٥، ٤/ ٤٢١، ٥٥٢، والعيني: ٢/ ٥٢٩، ومغني اللبيب: "٢٩٧/ ٢١٩" "٨٦٩/ ٦٢٨"، وشرح السيوطي: ١٥٩، ٢٩٥، وهو من الخمسين التي لا يعرف لها قائل. المفردات الغريبة: خولان: اسم قبيلة من مذحج باليمن. فتاتهم؛ الفتاة: الشابة من النساء. أكرومة: كريمة من الكرم، كأضحوكة من الضحك، وأعجوبة من العجب. الحيين: تثنية حي، وهي البطن من بطون العرب، والمراد هنا: حي أبيها، وحي أمها. خلو: خالية من الأزواج. المعنى: رب قائلة لي: هذه قبيلة خولان المعروفة بعراقة النسب والكرم والصفات الحميدة، فتزوج منها، ولا تخشَ رفضا؛ ففيها الفتاة الكريمة الأبوين؛ التي لم تتزوج بعد. الإعراب: وقائلة: الواو رب. قائلة: اسم مجرور لفظا مرفوع محلا، على أنه مبتدأ. خولان: خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هذه خولان. فانكح: الفاء استئنافية، انكح، فعل أمر، والفاعل: أنت. فتاتهم: مفعول به، ومضاف إليه. وأكرومة: الواو =
[ ٢ / ١٤٣ ]
إن التقدير: هذه خولان، وقال المبرد١: الفاء لمعنى الشرط٢، ولا يعمل الجواب في الشرط، فكذلك ما أشبههما، وما لا يعمل لا يفسر عاملا؛ فالرفع عندهما واجب، وقال ابن السيد٣ وابن بابشاذ٤: يختار الرفع في العموم كالآية، والنصب في الخصوص، كـ: "زيدا اضربه".
_________________
(١) = حالية، أكرومة: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. الحيين: مضاف إليه. خلو: خبر مرفوع؛ وجملة "أكرومة الحيين خلو": في محل نصب على الحال. "كما": متعلقان بمحذوف خبر ثانٍ؛ وجاءت الكاف -هنا- بمعنى "على". هي: مبتدأ محذوف الخبر؛ والتقدير: الذي هي عليه؛ و"الجملة": صلة لـ "ما" الموصولة، لا محل لها؛ ويجوز أن تكون "ما" زائدة؛ و"هي": ضمير مجرور المحل بالكاف؛ والجار والمجرور خبر ثانٍ لـ "أكرومة"؛ أي كـ "حالها المعروف"؛ والأول: أفضل. موطن الشاهد: "خولان". وجه الاستشهاد: جعل سيبويه "خولان" خبرا لمبتدأ محذوف؛ ولم يجعلها مبتدأ، وجملة "فانكح فتاتهم، خبرا؛ بل جعل الجملة الطلبية مستأنفة؛ لكون الفاء عنده لا تدخل على خبر المبتدأ الخاص كأسماء الأعلام؛ ولكون دخولها على خبر المبتدأ؛ لشبه المبتدأ بالشرط في العموم، والخبر بالجواب؛ فإذا زال الشبه، لم تتحقق علة الجواز. انظر شرح التصريح: ١/ ٢٩٩. ١ مرت ترجمته. ٢ لأن المبتدأ وهو "الزانية"، فيه أل الموصولة، والموصول فيه معنى الشرط وهو التعليق أو العموم؛ إذ التقدير: من زنت ومن زنى -فاجلدوا ؛ لهذا تدخل الفاء في خبره كما تدخل في جواب الشرط. التصريح: ١/ ٢٩٩. ٣ هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي، ولد سنة ٤٤٤ هـ، وكان عالما باللغات والآداب متبحرا فيها، وكانت له يد في العلوم القديمة. له تصانيف كثيرة منها: شرح أدب الكاتب، وشرح الموطأ، وسقط الزند، وديوان المتنبي، والحلل في شرح أبيات الجمل، والمسائل المنثورة في النحو، وكتب أخرى. مات سنة ٥٢١ هـ. البلغة: ١١٤، إنباه الرواة: ٢/ ١٤١، بغية الوعاة: ٢/ ٥٥، طبقات القراء: ١/ ٤٩٩. ٤ هو أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي، المصري، قدم بغداد، وأخذ عن علمائها تصدر للإقراء بجامع عمرو بن العاص في مصر، ثم تزهد وانقطع في المسجد، فجمع كتابا في المسائل النحوية سماها العلماء: "تعليقة الغرفة" وله مصنفات أخرى منها: مقدمة في النحو سماها: المحتسب، وثلاثة شروح على الجمل للزجاجي وغيرها، مات سنة: ٤٦٩ هـ. البلغة: ١٠٠، بغية الوعاة: ١/ ١٧، إنباه الرواة: ٢/ ٩٥، ابن خلكان، ١/ ٢٣٥، الأعلام: ٣/ ٣١٨.
[ ٢ / ١٤٤ ]
الثانية: أن يكون الفعل مقرونا باللام أو بلا الطلبيتين، نحو: "عمرا ليضربه بكر" و: "خالدا لا تهنه" ومنه: "زيدا لا يعذبه الله" لأنه نفي بمعنى الطلب١.
ويجمع المسألتين قول الناظم: "قبل فعل ذي طلب" فإن ذلك صادق على الفعل الذي هو طلب، وعلى الفعل المقرون بأداة الطلب.
الثالثة: أن يكون الاسم بعد شيء الغالب أن يليه فعل، ولذلك أمثلة: منها همزة الاستفهام، نحو: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ ٢، فإن فصلت الهمزة فالمختار الرفع، نحو: "أأنت زيد تضربه"٣ إلا في نحو: "أكل يوم زيدا تضربه" لأن الفصل بالظرف كلا فصل، وقال ابن الطراوة: إن كان الاستفهام عن الاسم فالرفع، نحو: "أزيد ضربته أم عمرو"٤، وحكم بشذوذ النصب في قوله٥: [الوافر]
_________________
(١) ١ فزيدا منصوب بفعل محذوف تقديره: يرحم الله زيدا؛ لأن عدم التعذيب رحمة، فهو خبر معناه الطلب. ٢ "٥٤" سورة القمر، الآية: ٢٤. موطن الشاهد: ﴿أَبَشَرًا نَتَّبِعُهُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الاسم المشغول عنه بعد أداة الاستفهام الهمزة؛ وحكم نصب الاسم في هذه الحالة: الجواز مع الترجيح؛ لغلبة دخول الهمزة على الأفعال. ٣ لأن الاستفهام حينئذ داخل على الاسم -لا على الفعل. وهذا إذا لم يجعل الضمير فاعلا لفعل محذوف، وقد برز وانفصل بعد حذفه- وإلا وجب النصب بالفعل المحذوف؛ لأن الاستفهام حينئذ يكون عن الفعل، وإلى هذا ذهب الأخفش. ٤ لأن الاستفهام عن تعيين المفعول، أما الفعل -وهو الضرب- فمحقق. فلا تعلق الهمزة به، ومقتضى تعبيره: أن الرفع واجب، بدليل قوله: وحكم بشذوذ إلخ. قال الصبان: والحق عدم الوجوب. التصريح: ١/ ٣٠٠، وحاشية الصبان على شرح الأشموني. ٥ القائل: هو جرير بن عطية الخطفي، وقد مرت ترجمته.
[ ٢ / ١٤٥ ]
٢٣٤- أثعلبة الفوارس أم رياحا عدلت بهم طهية والخشابا
وقال الأخفش: أخوات الهمزة كالهمزة: نحو: "أيهم زيدا ضربه"، "ومن أمة الله ضربها"، ومنها النفي بما أو لا أو إن، نحو: "ما زيدا رأيته" وقيل: ظاهر مذهب
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة طويلة لجرير، يمدح فيها قبيلتي ثعلبة ورياح، ويذم قبيلتي: طهية والخشاب، ومطلعها: أقلي اللوم عاذل والعتابا وقولي: إن أصبت لقد أصابا الشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٠٠، والأشموني: "٣٩٥/ ١/ ١٩٠"، والكتاب لسيبويه: ١/ ٥٢، ٤٨٩، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٣١، ٢/ ٣١٧، والعيني: ٢/ ٥٣٣، وديوان جرير: ٦٦. المفردات الغريبة: ثعلبة ورياح: قبيلتان من بني يربوع بن حنظلة. الفوارس: جمع فارس، وهو أحد ألفاظ جمع فيها "فاعل" وصفا لمذكر عاقل -على "فواعل" ومنها هوالك- جمع هالك، ونواكس جمع ناكس، وحواجّ جمع حاجّ. عدلت: سويت وجعلتهم يعدلونهم في سمو المنزلة. طهية: حي من بني تميم. الخشاب حي من بني مالك بن حنظلة. المعنى: أتسوي بين قبيلتي ثعلبة الفوارس أو رياح؛ هاتين القبيلتين المعروفتين بالفضل والنبل، وبين طهية والخشاب؛ القبيلتين الوضيعتين اللتين لا وزن لهما؟!!. الإعراب: أثعلبة: الهمزة حرف استفهام، ثعلبة. مفعول به لفعل محذوف من معنى الفعل المذكور؛ والتقدير: أحقرت ثعلبة؛ أو أهنت ثعلبة. الفوارس: صفة لـ "ثعلبة" باعتبار المعنى. أم: حرف عطف. رياحا: معطوف على ثعلبة منصوب مثله. عدلت: فعل ماضٍ وفاعل "بهم": متعلق بـ "عدل". طهية: مفعول به لـ "عدل". منصوب. والخشابا: الواو عاطفة، الخشابا: معطوف على طهية منصوب. موطن الشاهد: "أثعلبة الفوارس". وجه الاستشهاد: نصب "ثعلبة" الواقع بعد همزة الاستفهام، مع أن المستفهم عنه الاسم؛ وهذا النصب بفعل مقدر، يدل عليه المذكور؛ والتقدير: أأهنت أو ظلمت مثلا؛ وهو شاذٌّ -على رأي ابن الطراوة؛ الذي يوجب الرفع إن كان الاستفهام عن الاسم؛ وهو راجح- عند سيبويه وأنصاره -لأنه لا فرق عندهم في ترجيح النصب بين أن يكون الاستفهام عن الاسم أو عن الفعل. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٠١.
[ ٢ / ١٤٦ ]
سيبويه اختيار الرفع، وقال ابن الباذش١ وابن خروف٢: يستويان٣، ومنها: "حيث" نحو: "حيث زيدا تلقاه أكرمه" كذا قال الناظم٤، وفيه نظر٥.
الرابعة: أن يقع الاسم بعد عاطف غير مفصول بأما، مسبوق بفعل غير مبني
_________________
(١) ١ هو: أبو جعفر؛ أحمد بن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري الغرناطي، المعروف بابن الباذش النحوي. كان إماما في النحو مقرئا نقادا عرفا بالآداب والإعراب، أخذ النحو عن أبيه الإمام أبي الحسن بن الباذش، له: كتاب الإقناع في القراءات، قيل لم يؤلف مثله، توفي سنة ٥٤٠ هـ. البلغة: ٢٦، بغية الوعاة: ١/ ٣٣٣، تاريخ بغداد: ٤/ ٢٥٨، معجم المؤلفين: ١/ ٣٠٨ إنباه الرواة: ٢/ ٨٤ وفيه "أحمد بن عبيد بن ناصح بن بلنجر". ٢ هو: أبو الحسن: علي بن محمد بن علي بن محمد نظام الدين الحضرمي الإشبيلي، إمام في العربية، أخذ عن محمد بن طاهر الأنصاري المعروف بالخدب، وعن ابن ملكون له تصانيف كثيرة منها: كتاب شرح الجمل للزجاجي، وشرح كتاب سيبويه اسمه: تنقيح الألباب في شرح غوامض الكتاب، وكتاب الفرائض وغيرها. مات سنة: ٦٠٦ هـ سنة البلغة: ١٦٤، بغية الوعاة: ٢/ ٢٠٣، ابن خلكان: ١/ ٤٣٣، الأعلام: ٥/ ١٥١. ٣ أي يستوي الرفع والنصب مع هذه الأحرف؛ لِدخولها على الأسماء والأفعال، بخلاف غيرها من أحرف النفي. ٤ أي في شرح الكافية، ونص قوله: ومن مرجحات النصب تقدم "حيث" مجردة من "ما" نحو: حيث زيدا تلقاه فأكرمه؛ لأنها تشبه أدوات الشرط، فلا يليها في الغالب إلا فعل. فإن اقترنت بـ "ما" صارت أداة شرط واختصت بالفعل، وقد وافقه ابن هشام في المغني على ذلك. مغني اللبيب: ١٧٧. ٥ يقول في التصريح: إن هذا النظر الذي أبداه الموضح على رأي الناظم في ترجيح نصب الاسم إذا وقع بعد "حيث" عجيب؛ لأنه وافق الناظم على ذلك في المغني؛ حيث قال: وإضافة "حيث" إلى الفعلية أكثر، ومن ثم ترجح النصب في نحو: جلست حيث زيدا أراه. ولعل وجه النظر في قوله: "أكرمه" في المثال الذي ذكره، فإنما ربما يوهم أنه جواب "حيث" مع أن "حيث" المجردة من "ما" -لا جواب لها عند البصريين. ومن جعل لها جوابا من الكوفيين- يوجب النصب بعدها فلا يكون راجحا. التصريح: ١/ ٣٠١.
[ ٢ / ١٤٧ ]
على اسم، كـ: "قام زيد وعمرا أكرمته" ونحو: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ ١ بعد: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ بخلاف نحو: "ضربت زيدا، وأما عمرو فأهنته" فالمختار الرفع؛ لأن: "أما" تقطع ما بعدها عما قبلها، وقرئ: "وَأَمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ"٢ بالنصب على حد: "زيدا ضربته"، وحتى ولكن وبل كالعاطف، نحو: "ضربت القوم حتى زيدا ضربته".
الخامسة: أن يتوهم في الرفع أن الفعل صفة، نحو: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاه﴾ ٣، وإنما لم يتوهم ذلك مع النصب؛ لأن الصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملا.
_________________
(١) ١ "١٦" سورة النحل، الآية: ٥. موطن الشاهد: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "والأنعام" معطوفة على قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَة﴾؛ فترجح نصب المعطوف فيهما؛ لأن المتكلم به عاطف جملة فعلية على جملة فعلية؛ ولو رفع لعطف جملة اسمية على فعلية؛ وتشاكل الجملتين المتعاطفتين أحسن من تخالفهما. شرح التصريح: ١/ ٣٠١. ٢ "٤١" سورة فصلت، الآية: ١٧. موطن الشاهد: "أما ثمودَ فهديناهم". وجه الاستشهاد: نصب "ثمود" بفعل محذوف يفسره "هدينا"؛ والتقدير: وأما "ثمود" فهدينا هديناهم؛ ولا يقدر الفعل قبل ثمود؛ لِئلا يفصل بين "أما" والفاء بجملة تامة، وذلك ممنوع، ولا يقال هنا إن بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها، فلا يفسر عاملا؛ لأن الفاء ليست في محلها الأصلي فلا يمنع من العمل. ٣ "٥٤" سورة القمر، الآية: ٤٩. موطن الشاهد: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاه﴾ . وجه الاستشهاد: نصب "كل" على وجه الترجيح؛ لأنه لو رفع؛ لاحتمل أن تكون جملة "خلقناه" خبرا عنه؛ ويحتمل أن تكون صفة لـ "شيء"؛ والخبر: قوله "بقدر"؛ وهذا يوهم وجود شيء لا بقدر؛ لكونه غير مخلوق لله تعالى؛ كأفعال العباد الاختيارية وأفعال الشر؛ وهذا رأي المعتزلة؛ ولا يرتضيه أهل السنة، أما النصب فنص في عموم خلق الأشياء، خيرها وشرها بقدر، وهو المقصود عند أهل السنة؛ كما هو الحال عند إعراب "خلقناه" خبرا عن كل.
[ ٢ / ١٤٨ ]
ومن ثم وجب الرفع إن كان الفعل صفة، نحو: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ١، أو صلة، نحو: "زيد الذي ضربه" أو مضافا إليه، نحو: "زيد يوم تراه تفرح"، أو وقع الاسم بعد ما يختص بالابتداء، كإذا الفجائية على الأصح٢، نحو: "خرجت فإذا زيد يضربه عمرو"، أو قبل ما لا يرد ما قبله معمولا لما بعده، نحو: "زيد ما أحسنه! " أو: "إن رأيته فأكرمه" أو: "هل رأيته" أو: "هلا رأيته".
_________________
(١) = شرح التصريح: ١/ ٣٠٢. فائدة: ترجح النصب في المسألة الرابعة؛ لأن الجملة السابقة فعلية، بدليل أنهم ضبطوها بألا يكون الفعل مبنيا على اسم؛ وعلى هذا يكون النصب بتقدير فعل، فتكون الجملة الثانية فعلية أيضا؛ وتكون الواو قد عطفت جملة فعلية على جملة فعلية كما أوضحنا في وجه الاستشهاد على آية: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾؛ أما إذا رفعنا؛ فتكون الواو قد عطفت جملة اسمية على جملة فعلية؛ فلا يحصل التشاكل بين المعطوف والمعطوف عليه؛ ومعلوم أن التشاكل بين المتعاطفين أولى، ولهذا، كان حكم النصب في هذه الحالة أرجح؛ وأما لو فصل بين حرف العطف والاسم المشغول عنه بـ "أما" فيجب الرفع؛ لأن من شأن "أما" أن تقطع ما بعدها عما قبلها؛ فيكون ما بعدها كأنه أول الكلام. ١ "٥٤" سورة القمر، الآية: ٥٢. موطن الشاهد: ﴿كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ . وجه الاستشهاد: وجب رفع "كل"؛ لتأتي الوصفية التي يستقيم بها المعنى؛ لأن النصب يقتضي أنهم فعلوا في الزبر، صحائف الأعمال -كل شيء؛ مع أنهم لم يفعلوا فيها شيئا، بل الكرام الكاتبون أوقعوا فيها الكتابة، وليس هذا المقصود، بل المعنى: أن كل شيء مفعول لهم ثابت في صحائف أعمالهم؛ صغيرا كان أو كبيرا إنما وجب الرفع لتأتي الوصفية التي يستقيم بها المعنى؛ لأن النصب يقتضي أنهم فعلوا في الزبر -أي صحف الأعمال- كل شيء، مع أنهم لم يفعلوا فيها شيئا، بل الكرام الكاتبون أوقعوا فيها الكتابة. وليس هذا هو المقصود، بل المعنى: أن كل شيء مفعول لهم ثابت في صحائف أعمالهم؛ صغيرا كان أو كبيرا. التصريح: ١/ ٣٠٢. ٢ هذه إشارة إلى خلاف النحاة في هذه المسألة، وقد حكي الخلاف في مغني اللبيب، وحاصله: أن للنحاة ثلاثة أقوال: الأول: أنه لا يقع بعد إذا الفجائية إلا الأسماء مطلقا. الثاني: أنها تدخل على الأسماء وعلى الأفعال مطلقا. الثالث: تدخل على الأسماء وعلى الأفعال المقترنة بقد، فإن لم يقترن الفعل لم تدخل عليه. التصريح: ١/ ٣٠٢-٣٠٣، ومغني اللبيب: ١٢٠ وبعدها.
[ ٢ / ١٤٩ ]
"تنبيهان" الأول: ليس من أقسام مسائل الباب ما يجب فيه الرفع، كما في مسألة إذا الفجائية؛ لِعدم صدق ضابط الباب عليها، وكلام الناظم يوهم ذلك.
الثاني: لم يعتبر سيبويه إيهام الصفة مرجحا للنصب، بل جعل النصب في الآية مثله في: "زيدا ضربته" قال: وهو عربي كثير.
السادسة: أن يكون الاسم جوابا لاستفهام منصوب، كـ: "زيدا ضربته" جوابا لمن قال: "أيهم ضربت" أو: "من ضربت"١.
ويستويان في مثل الصورة الرابعة، إذا بني الفعل على اسم غير "ما" التعجبية، وتضمنت الجملة الثانية ضميره، أو كانت معطوفة بالفاء؛ لِحصول المشاكلة رفعت أو نصبت، وذلك نحو: "زيد قام وعمرو أكرمته لأجله"، أو: "فعمرا أكرمته"٢ بخلاف: "ما أحسن زيدا وعمرو أكرمته عنده" فلا أثر للعطف، فإن لم يكن في الثانية
_________________
(١) ١ فيترجح نصب "زيدا" لأنه جواب المستفهم به منصوب لفظا في المثال الأول، ومحلا في الثاني. وإنما ترجح النصب؛ ليطابق الجواب السؤال. ومثل المنصوب: المضاف إلى منصوب باعتبار ما كان، نحو: كتاب محمد استعرته جوابا لمن قال: كتاب من استعرت؟ هذا ولم يشر الناظم إلى المسألتين: الخامسة والسادسة من مواضع ترجيح النصب وقد ذكر الأشموني من مواضع ترجيح النصب: أن يقع اسم الاشتغال بعد شبيه بالعاطف على الجملة الفعلية؛ نحو: أكرمت القوم حتى محمدا أكرمته، وما سافر علي لكن محمدا عاتبته. فـ "حتى" و"لكن" حرفا ابتداء أشبها العاطفين، ولم يعتبرا عاطفين هنا؛ لدخولهما على الجمل، والعاطف منهما إنما يدخل على المفرد. التصريح: ١/ ٣٠٣، والأشموني: ١/ ١٩١. ٢ فيجوز في "عمرو" الرفع والنصب على السواء؛ وذلك لأن "زيد قام" جملة ذات وجهين، وهي جملة كبرى؛ لأنها تتضمن جملة صغرى هي: "قام" المبنية على المبتدأ؛ فإن نظر إلى صدرها فهي اسمية، فيرفع "عمر" ليعطف جملة اسمية على مثلها، وكلاهما لا محل له من الإعراب. وإن نظر إلى عجزها نصب؛ ليعطف جملة اسمية على مثلها، وكلاهما لا محل له من الإعراب. وإن نظر إلى عجزها نصب؛ ليعطف جملة فعلية على مثلها، ومحلها الرفع على الخبرية. والرابط بين الجملتين: إما الضمير في "لأجله" أو الفاء؛ لأنها للسببية فتقوم مقام المضير. التصريح: ١/ ٣٠٤.
[ ٢ / ١٥٠ ]
ضمير للأول، ولم يعطف بالفاء، فالأخفش والسيرافي يمنعان النصب١، وهو المختار، والفارسي وجماعة يجيزونه٢، وقال هشام: الواو كالفاء.
[أحكام تتعلق بالاشتغال]:
وهذه أمور متممات لما تقدم:
أحدها: أن المشتغل عن الاسم السابق كما يكون فعلا، كذلك يكون اسما، لكن بشروط ثلاثة: أحدها: أن يكون وصفا٣، الثاني: أن يكون عاملا، الثالث: أن يكون صالحا للعمل فيما قبله، وذلك نحو: "زيد أنا ضاربه الآن أو غدا" بخلاف نحو: "زيد عليكه" و: "زيد ضربا إياه" لأنهما غير صفة، نعم يجوز النصب عند من جوز تقديم معمول اسم الفعل، وهو الكسائي، ومعمول المصدر الذي لا ينحل بحرف مصدري، وهو المبرد والسيرافي، وبخلاف نحو: "زيد أنا ضاربه أمس" لأنه غير عامل على الأصح، و: "زيد أنا الضاربه" و: "وجه الأب زيد حسنه"؛ لأن الصلة والصفة المشبهة لا يعملان فيما قبلهما.
_________________
(١) ١ أي: بناء على أن العطف على الصغرى؛ لأن المعطوف على الخبر خبر، ولا بد فيه من رابط، وهو مفقود -هنا- فإن عطف على الكبرى ترجح الرفع؛ وإلى هذا، أشار الناظم: وإن تلا المعطوف فعلا مخبرا به عن اسم، فاعطفن مخيرا والمقصود: إذا وقع الاسم المشتغل عنه بعد عاطف تقدمته جملة فعلية، هي خبر عن المبتدأ؛ فأنت بالخيار؛ بين العطف على ما قبله، عطف جملة فعلية على مثلها، أو عطف جملة اسمية على اسمية؛ مراعاة للصدر أو العجز: ضياء السالك: ٢/ ٧٦، وشرح التصريح: ١/ ٣٠٣. ٢ أي: يجيزون النصب مع العطف على الجملة الصغرى، ويكون ذلك مستثنى مما يحتاج إلى رابط؛ واستدلوا بإجماع القراء على نصب: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ وهي معطوفة على: ﴿يَسْجُدَان﴾ من قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾، وليس فيها ضمير يعود إلى النجم والشجر؛ ويبرر الاستثناء أنهم يغتفرون في الثواني ما لا يغتفرون في الأوائل. ابن عقيل: ١/ ٤١١، وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٠٣-٣٠٤، وحاشية الصبان: ٢/ ٨٠-٨١. ٣ انظر الشروط في أول البحث.
[ ٢ / ١٥١ ]
الثاني: لا بد في صحة الاشتغال من عُلْقَة بين العامل والاسم السابق، وكما تحصل العلقة بضميره المتصل بالعامل، كـ: "زيدا ضربته"، كذلك تحصل بضميره المنفصل من العامل بحرف الجر، نحو: "زيدا مررت به" أو باسم مضاف، نحو: "زيدا ضربت أخاه" أو باسم أجنبي أتبع بتابع مشتمل على ضمير الاسم بشرط أن يكون التابع نعتا له، نحو: "زيدا ضربت رجلا يحبه" أو عطفا بالواو، نحو: "زيدا ضربت عمرا وأخاه" أو عطف بيان، كـ: "زيدا ضربت عمرا أخاه" فإن قدرت الأخ بدلا بطلت المسألة رفعت أو نصبت، إلا إذا قلنا عامل البدل والمبدل منه واحد صح الوجهان.
الثالث: يجب كون المقدر في نحو: "زيدا ضربته"١ من معنى العامل. المذكور ولفظه، وفي بقية الصور٢ من معناه دون لفظه، فيقدر: جاوزت زيدا مررت به٣، وأهنت زيدا ضربت أخاه٤.
الرابع: إذا رفع فعلٌ ضميرَ اسم سابق، نحو: "زيد قام" أو: "غضب عليه"٥
_________________
(١) ١ أي: مما يكون فيه العامل متعديا بنفسه، وناصبا لضمير الاسم السابق بنفسه. ٢ المقصود ببقية الصور ما يلي: أ- أن يكون العامل متعديا ناصبا لاسم ظاهر مضاف إلى ضمير عائد إلى الاسم السابق؛ نحو مثال المؤلف: زيدا ضربت أخاه؛ أو عمرا عرفت أباه أو نحو ذلك. ب- أن يكون العالم لازما ناصبا للمشغول به بحرف الجر؛ والمجرور: ضمير الاسم السابق؛ نحو: زيدا مررت به، والجائزة فرحت بها. ج- أن يكون العامل لازما ناصبا للمشغول به بحرف الجر؛ والمجرور: اسم ظاهر مضاف إلى ضميره؛ نحو: زيدا مررت ببستانه، والكريم وقفت ببابه؛ وهنا نقدر فعلا يتفق مع المعنى، نحو: لابست زيدا مررت ببستانه، ولا يقدر جاوزت؛ لأننا لم نجاوز زيدا، ولم نمرر به، وإنما حدث ذلك لبستانه. ابن عقيل: ١/ ٤١٣، وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٠٧، حاشية الصبان: ٢/ ٨٢-٨٣. ٣ لأن "مررت" لا تصل إلى الاسم بنفسها؛ لكون الفعل لازما، كما أسلفنا. ٤ لكون الضرب لم يقع على زيد، وإنما حصلت له إهانة من جراء ضرب الأخ. ٥ أتى المؤلف بمثالين؛ ليدل على أنه لا فرق بين أن يكون الضمير المرفوع على الفاعلية، كالمثال الأول "زيد قام"، أو على النيابة عن الفاعل كالمثال الثاني "غضب عليه"؛ فالهاء -هنا في محل رفع نائب فاعل لـ "غضب".
[ ٢ / ١٥٢ ]
أو ملابسا لضميره، نحو: "زيد قام أبوه" فقد يكون ذلك الاسم واجب الرفع بالابتداء، كـ: "خرجت فإذا زيد قام" و: "ليتما عمرو قعد" إذا قدرت "ما" كافة١.
أو بالفاعلية٢، نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ٣ و: "هلا زيد قام".
_________________
(١) ١ أي: يكون الاسم المرفوع واقعا بعد أداة تختص بالدخول على الأسماء، نحو: إذا الفجائية ومن الأدوات التي تختص بالأسماء "ليت" المكفوفة بـ "ما" الكافة؛ أما إذا كانت "ما" المتصلة زائدة غير كافة، فإن ليت تكون عاملة على أصلها؛ فيتعين نصب الاسم الذي يليها على أنه اسم "ليت"؛ وإن قدرت "ما" مصدرية، تؤول مع ما بعدها بمصدر؛ فإنه يجب رفع الاسم التالي لها على الفاعلية لفعل محذوف، ويكون المصدر المؤول من الفعل المقدر وفاعله منصوبا على أنه اسم "ليت"؛ وخلاصة القول: للاسم بعد "ليتما" ثلاث حالات هي: أ- وجوب الرفع على أنه مبتدأ، وذلك إذا قدرت "ما" كافة. ب- جواز النصب على أنه اسم "ليت"، وذلك إذا قدرت "ما" زائدة غير كافة؛ وجواز الرفع لجواز الإعمال والإلغاء على المشهور. ج- وجوب الرفع على الفاعلية بفعل محذوف، وذلك إذا قدرت "ما" مصدرية. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٠٧-٣٠٨، وحاشية الصبان. ٢ وذلك، إذا وقع الاسم المرفوع بعد أداة، لا يجوز أن يليها إلا الفعل كأدوات الشرط، كما في الآية الواردة في النص، وأدوات التحضيض؛ ومعلوم أن هذا جار على مذهب البصريين؛ أما الكوفيون، فإنهم يجيزون دخول أدوات الشرط، وأدوات التحضيض على الأسماء؛ وعلى مذهبهم يجوز أن يكون الاسم مرفوعًا بعدها على الابتداء، غير أن النصب أرجح. انظر ابن عقيل: ١/ ٤٠٩، وشرح التصريح: ١/ ٣٠٨. ٣ "٩" سورة التوبة، الآية: ٦. موطن الشاهد: ﴿إِنْ أَحَدٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أحد" فاعلا لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ لأن "إن" أداة شرط؛ وأدوات الشرط والتحضيض تختص بالأفعال -على رأي جمهور البصريين- فارتفاع "أحد" على الفاعلية -خلافا للكوفيين، كما أسلفنا.
[ ٢ / ١٥٣ ]
وقد يكون راجح الابتدائية على الفاعلية١، نحو: "زيد قام" عند المبرد ومتابعيه، وغيرهم يوجب ابتدائيته؛ لِعدم تقدم طالب الفعل.
وقد يكون راجح الفاعلية على الابتدائية٢، نحو: "زيد ليقم"٣، ونحو "قام زيد وعمرو قعد"، ونحو: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ ٤ و: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ ٥.
وقد يستويان نحو: "زيد قام وعمرو قعد عنده".
_________________
(١) ١ وذلك متى تقدم اسم مرفوع، ولم تسبقه أداة تختص بالأفعال، أو أداة تختص بالأسماء؛ ويتأخر عنه فعل قاصر؛ وللعلماء في هذه الحالة مذاهب: أ- ترجيح الرفع على الابتداء؛ لأن ذلك لا يحتاج إلى تقدير؛ وهو مذهب الفراء ومن تابعه. ب- ترجيح رفعه على أنه فاعل بفعل محذوف؛ وهو مذهب ابن العريف. ج- وجوب رفعه على الابتداء، وهو مذهب البصريين. د- جواز رفعه على أنه فاعل الفعل المتأخر عنه؛ وهو مذهب الكوفيين. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٠٨. ٢ أي: من نفي أو استفهام. ٣ وذلك أن يأتي الاسم مرفوعا، ويليه فعل طلبي؛ نحو: عمرو ليذهب؛ أو أن يكون الاسم المرفوع مسبوقا بأداة يغلب دخولها على الأفعال؛ نحو: أأعداؤنا يهددوننا؟ أو أن يسبق الاسم المرفوع بجملة فعلية، ويليه فعل؛ فيترجح الرفع على الفاعلية أيضا؛ ليكون تناسب بين المتعاطفين "جملة فعلية على جملة فعلية"؛ نحو: خسر خالد وزهير ربح. ٤ "٦٤" سورة التغابن، الآية: ٦. موطن الشاهد: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ . وجه الاستشهاد: إعراب "بشر" فاعلا لفعل محذوف؛ تفسيره المذكور بعده؛ لأنه سبق بهمزة الاستفهام التي يغلب دخولها على الأفعال؛ وحكم إعرابه فاعلا لفعل محذوف الجواز مع الترجيح لما ذكرنا. ٥ "٥٦" سورة الواقعة، الآية: ٥٩. موطن الشاهد: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ . وجه الاستشهاد: إعراب "أنتم" فاعلا لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ لأنه سبق بهمزة الاستفهام -كما في الآية السابقة- وحكم إعرابه فاعلا لفعل محذوف الجواز مع الترجيح. =
[ ٢ / ١٥٤ ]
_________________
(١) = فائدة: قال في الهمع: يشترط في الاسم المشغول عنه: أن يكون قابلا للإضمار؛ فلا يصح الاشتغال عن الحال، أو تمييز، أو مصدر مؤكد، أو مجرور بما لا يجر المضمر؛ كحتى والكاف، وأن يكون مفتقرا لما بعده. فليس من الاشتغال، نحو: في الدار محمد فأكرمه. وأن يكون واحدا لا متعددا وأن يكون مختصا، لا نكرة محضة؛ ليصح رفعه بالابتداء؛ فليس من الاشتغال قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ بل رهبانية معطوف على ما قبله بتقدير مضاف؛ أي: ابتدعوها صفة. حاشية يس على التصريح: ١/ ٣٠٨.
[ ٢ / ١٥٥ ]
[باب اللازم والمتعدي]:
هذا باب التعدي واللزوم:
[أنواع الفعل من حيث التعدي واللزم]:
الفعل ثلاثة أنواع١:
أحدها: ما لا يوصف بتعدٍّ ولا لزوم، وهو: "كان" وأخواتها، وقد تقدمت.
الثاني: المتعدي، وله علامتان؛ إحداهما: أن يصح أن يتصل به هاء ضمير غير
_________________
(١) ١ في اللغة أفعال تتعدى حينا بنفسها، وحينا بحرف الجر؛ نحو: "نصح وشكر" فيستعمل كلا هذين الفعلين -على سبيل المثال- متعديين في مثل: نصحته وشكرته على الهدية، كما يستعملان لازمين في نحو: نصحت له، وشكرت له حسن إصغائه؛ فمثل هذين الفعلين وما شابههما، يكون استعمالهما متعديين لغة قبيلة، واستعمالهما لازمين لغة قبيلة أخرى؛ فهي بالنظر إلى كل قبيلة على حدتها داخلة في أحد القسمين المتعدي واللازم؛ وللنحاة في هذه الأفعال ثلاثة آراء: الأول: أن هذا النوع من الأفعال قسم مستقل بذاته؛ فليس هو من قبيل المتعدي، ولا من قبيل اللازم؛ وأصحاب هذا الرأي نظروا إلى الاستعمالين معا، فلم يجرؤوا على التمييز بين استعمال وآخر؛ لأن كلا الاستعمالين منقول عمن يحتج بلغتهم من العرب. الثاني: أن ننظر إلى الاستعمال الذي يعدي هذه الأفعال بحرف الجر فنجعله -هو الأصل، ثم نجعل ما نتصوره متعديا بنفسه منقولا عن اللازم بحذف حرف الجر؛ وإيصال الفعل إلى ما كان مجرورا، وهو ما يسميه علماء اللغة: "الحذف والإيصال". واختار هذا الرأي ابن عصفور. الثالث: أن ننظر إلى الاستعمال الذي يعدي هذه الأفعال بنفسها، فنجعله -هو- الأصل، ثم نجعل الاستعمال الآخر الذي يعديها بحرف الجر من باب زيادة حرف الجر، وهذي رأي ذكره أبو حيان وفيه نظر. انظر حاشية يس على التصريح: ١/ ٣٠٨-٣٠٩.
[ ٢ / ١٥٦ ]
المصدر، الثانية: أن يبنى منه اسم مفعول تام، وذلك كـ: "ضرب" ألا ترى أنك تقول: "زيد ضربه عمرو" فتصل به هاء ضمير غير المصدر وهو: "زيد"، وتقول: "هو مضروب" فيكون تاما.
وحكمه أن ينصب المفعول به، كـ: "ضربت زيدا" و: "تدبرت الكتب" إلا إن ناب عن الفاعل، كـ: "ضُرِبَ زيد" و: "تدبرت الكتب".
الثالث: اللازم، وله اثنتا عشرة علامة، وهي:
أن لا يتصل به هاء ضمير غير المصدر، وأن لا يبنى منه اسم مفعول تام، وذلك كـ: "خرج"، ألا ترى أنه لا يقال: "زيد خرجه عمرو" ولا: "هو مخروج" وإنما يقال "الخروج خرجه عمرو" و: "هو مخروج به، أو إليه".
وأن يدل على سجية، وهي: ما ليس حركة جسم، من وصف ملازم، نحو: جبن وشجع.
أو على عرض، وهو: ما ليس حركة جسم من وصف غير ثابت، كمرض وكسل ونهم إذا شبع.
أو على نظافة كنظف وطهر ووضؤ.
أو على دنس، نحو نجس وقذر.
أو على مطاوعة فاعله لفاعل فعل متعدٍّ لواحد، نحو كسرته فانكسر، ومددته فامتد، فلو طاوع ما يتعدى فعله لاثنين تعدى لواحد كعلَّمته الحساب فتعلمه.
أو يكون موازنا لافعلَلَّ كـ "اقشعرَّ واشمأزَّ"، أو لما ألحق به، وهو افوعل، كـ "اكْوَهَدَّ" الفرخ إذا ارتعد.
أو لافعنلل كـ "احرنجم"، أو لما ألحق به، وهو افعنلل بزيادة إحدى اللاميين كـ "اقعنسس الجمل" إذا أبى أن ينقاد، وافعنلى كـ "احرنبى الديك" إذا انتفش للقتال.
[حكم اللازم أن يتعدى بالجار]:
وحكم اللازم: أن يتعدى بالجار، كـ: "عجبت منه"، "مررت به"، و"غضبت عليه".
[ ٢ / ١٥٧ ]
[حذف الجر شذوذا]:
وقد يُحذف ويبقى الجر شذوذا، كقوله١: [الطويل]
٢٣٥- أشارت كليبٍ بالأكف الأصابع٢
أي: إلى كليب.
_________________
(١) ١ القائل: هو الفرزدق همام بن غالب وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: إذا قيل: أي الناس شر قبيلة؟ والبيت من أبيات يهجو فيها جريرا، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣١٢، والأشموني: "٣٩٨/ ١/ ١٩٦"، وابن عقيل: "٢٢١/ ٣/ ٣٩"، والهمع: ٢/ ٢٦، ٢/ ٨١، والدرر: ٢/ ٣٧، ٢/ ١٠٦، والخزانة: ٣/ ٦٦٩، ٤/ ٢٠٨، والعيني: ٢/ ٥٤٢، ٣/ ٣٥٤، ومغني اللبيب: "١/ ١٥" "١٠٩٨/ ٨٤٣" وشرح السيوطي: ٣، وديوان الفرزدق: ٥٢٠. المفردات الغريبة: كليب: هو ابن يربوع أبو قبيلة جرير: بالأكف: الباء بمعنى "مع": أي: مع الأكف. المعنى: إذا ما سأل سائل عن شر القبائل وأحقرها؛ أشارت الأصابع مع الأكف إلى "كليب" وأبى المسؤولون النطق باسمها لحقارتها، والتعفف عن ذكر اسمها. الإعراب: إذا: ظرفية متضمنة معنى الشرط. قيل: فعل ماضٍ مبني للمجهول؛ وهو فعل الشرط. أي اسم استفهام، مبتدأ. الناس: مضاف إليه. شر: خبر. "أي" مرفوع، وهو مضاف. قبيلة: مضاف إليه؛ ويجوز أن ينون "شر" لأنه الخبر، وينصب "قبيلة" على التمييز؛ وكلاهما جائز؛ وجملة "المبتدأ والخبر": في محل رفع نائب فاعل -على رأي من يجيز وقوع الجملة في محل رفع فاعل أو نائب فاعل- وجملة "قيل مع نائب الفاعل": في محل جر بالإضافة لـ "إذا". أشارت: فعل ماضٍ والتاء: للتأنيث. كليب: مجرور محرف جر محذوف؛ والتقدير: أشارت إلى كليب؛ و"إلى كليب": متعلق بـ "أشارت" بالأكف": متعلق بمحذوف حال من الأصابع؛ ومعلوم أن الباء هنا تفيد المصاحبة. الأصابع: فاعل "أشارت" مرفوع؛ وتقدير الكلام: أشارت الأصابع حال كونها مصاحبة للأكف إلى كليب. موطن الشاهد: "كليب". وجه الاستشهاد: جر "كليب" بحرف جر محذوف؛ وحكم هذا الجر الشذوذ؛ لأن عامل الجر ضعيف وهو لا يعمل بعد حذفه. غير أن للبيت رواية أخرى برفع "كليب" على أنه لمبتدأ محذوف؛ أي: هي كليب -يكون جمع بين الإشارة والعبارة- ولا شاهد فيه على هذه الرواية.
[ ٢ / ١٥٨ ]
[حذف الجر وانتصاب المجرور]:
وقد يحذف وينصب المجرور، وهو ثلاثة أقسام:
١- سماعي جائز في الكلام المنثور، نحو: "نصحته" و: "شكرته"، والأكثر ذكر اللام، نحو: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ ١ ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ ٢.
٢- وسماعي خاص بالشعر، كقوله٣: [الكامل]
٢٣٦- كَمَا عَسَلَ الطريقَ الثعلَبُ٤
_________________
(١) ١ "٧" سورة الأعراف، الآية: ٧٩. موطن الشاهد: ﴿نَصَحْتُ لَكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "نصح" لازما متعديا بحرف الجر، وهو أحد استعمالي هذا الفعل؛ حيث يستعمل متعديا بنفسه أيضا؛ واستعماله متعديا بحرف الجر أرجح؛ لأنه لغة التنزيل. ٢ "٣١" سورة لقمان، الآية: ١٤. موطن الشاهد: ﴿اشْكُرْ لِي﴾ . وجه الاستشهاد: استعمال فعل "شكر" لازما متعديا بحرف الجر؛ وهذا أحد استعمالي هذا الفعل؛ لأنه يستعمل متعديا بنفسه أيضا؛ واستعماله متعديا بحرف الجر أرجح؛ لأنه لغة التنزيل. ٣ القائل: هو ساعدة بن جؤية الهذلي؛ أحد بني كعب بن كاهل من سعد هذيل، شاعر من مخضرمي الجاهلية والإسلام، أسلم وليست له صحبة، قال الأصمعي: شعره محشو بالغريب والمعاني الغامضة، وله ديوان شعر مطبوع. الخزانة: ٣/ ٨٦، الآمدي: ٨٣، وسمط اللآلي: ١١٥. ٤ تخريج الشاهد: هذا قطعة من بيت للشاعر يصف رمحا باللدونة وهو بتمامه: لدن بهز الكف يعسل متنه فيه، كما عسل الطريق الثعلب وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣١٢، والأشموني: "٤٠٠/ ١/ ١٩٧"، والهمع: ١/ ٢٠٠، ٢/ ٨١، والدرر: ١/ ١٦٩، ٢/ ١٠٥، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٦، ١٠٨، والعيني: ٢/ ٥٤٤، والخصائص: ٣/ ٣١٩، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٤٢، ٢/ ٢٤٨، والخزانة: ١/ ٤٧٤، وديوان الهذليين: ١/ ٩٠١، والمغني "٢/ ١٥، "٩٢٠/ ٦٨١" "٩٧٦/ ٥٧٠"، والسيوطي: ٥، ٢٩٩. =
[ ٢ / ١٥٩ ]
وقوله١: [البسيط]
٢٣٧- آليت حب العراق الدهر أطعمه٢
أي: في الطريق، وعلى حب العراق.
_________________
(١) = المفردات الغريبة: لدن: لين ناعم. يعسل: يضطرب ويتحرك. متنه: المراد: ظهر الرمح وصدره. المعنى: يصف الشاعر رمحا شديد الليونة؛ فهو لجودته شديد الليونة، يتحرك ويضطرب متنه بسبب هزه باليد، كما يضطرب الثعلب في الطريق خوفا من أن يدرك. الإعراب: لدن: خبر المبتدأ محذوف؛ والتقدير: هو لدن؛ أو صفة لموصوف في البيت السابق. "بهز": معلق بـ "لدن"، وهو مضاف. الكف: مضاف إليه. يعسل: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. متنه: فاعل مرفوع، والهاء: مضاف إليه "فيه": متعلق بـ "يعسل". كما: الكاف حرف جر، و"ما": حرف مصدري مبني على السكون. عسل: فعل ماضٍ. الطريق: منصوب على نزع حرف الجر؛ لأن الأصل: عسل في الطريق. الثعلب: فاعل مرفوع. والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه": في محل جر بالكاف؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف واقع صفة لمصدر محذوف واقعا مفعولا مطلقا لـ "يعسل" والتقدير: يعسل متن هذا الرمح اللدن في كف صاحبه إذا هزه عسلانا مشابها لعسلان الثقعلب في الطريق. موطن الشاهد: "عسل الطريق". وجه الاستشهاد: انتصاب "الطريق" بعد حذف حرف الجر "في"؛ ومثل هذا الحذف خاص بالشعر. ١ هو: المتلمس: جرير بن عبد المسيح؛ من بني ضبيعة بن ربيعة، وسمي المتلمس لقوله: فهذا أوان العرض حيا ذبابه زنابيره والأزرق المتلمسُ كان ينادم عمرو بن هند ملك الحيرة، مع طرفة بن العبد، فهجواه، فكتب إلى عامله بالبحرين كتابين وأرسله معهما ففتح المتلمس كتابه فنجا وقتل طرفة، والمتلمس أشعر المقلين الجاهليين، أتى بصري فهلك بها. الشعر والشعراء: ١/ ١٧٩، الأغاني: ٢١/ ١٢٠، الاشتقاق: ١٩٢، سمط اللآلي: ٣٠٢. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: والحب يأكله في القرية السوسُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣١٢، والأشموني: "٣٩٩/ ١/ ١٩٧" والكتاب: ١/ ١٧، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٦٥، والعيني: ٢/ ٥٤٨، والمغني: "١٤٨/ ١٣٤" "٤٤٥/ ٣٢٣" "١٠٠٨/ ٧٦٩". =
[ ٢ / ١٦٠ ]
٣- وقياسي، وذلك في أن وأن وكي١، نحو: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا
_________________
(١) = المفردات الغريبة: آليت: حلفت. حب العراق، الحب: اسم جنس جمعي يشمل الحنطة والشعير وغيرهما. أطعمه: أذوقه. السوس: دود يقع في الطعام وفي الصوف. المعنى: أقسمت ألا آكل شيئا من خيرات العراق على الرغم من كونه كثير الخير والحب، فخزائنه مملوءة بالحب الوفير، ولكثرته يأكله السوس. الإعراب: آليت: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل. حب: منصوب على نزع الخافض؛ لأن الأصل: أقسمت على حب؛ وحب: مضاف. العراق: مضاف إليه. "الدهر": متعلق بـ "أطعم" الآتي. أطعمه: فعل مضارع مرفوع؛ وهي منفي بـ "لا" محذوفة؛ والتقدير: لا أطعمه، والفاعل: أنا؛ والهاء: ضمير عائد إلى العراق في محل نصب مفعول به. والحب: الواو حالية، الحب: مبتدأ مرفوع. يأكله: فعل مضارع، والهاء: مفعول به. "في القرية": متعلق بـ "يأكل". السوس: فاعل مرفوع. وجملة "يأكله في القرية السوس": في محل رفع خبر المبتدأ "الحب؛ والجملة الاسمية "الحب يأكله في القرية السوس": في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "آليت حب العراق". وجه الاستشهاد: حذف حرف الجرن وانتصاب "حب" لحذف حرف الجر؛ وهو ما يسمى بالنصب على نزع الخافض؛ وحكم حذف حرف الجر -هنا- عدم الجواز إلا للضرورة الشعرية، كما في البيت السابق؛ وأمثلته كثيرة في الشعر العربي. ١ أي حين يكون المجرور مصدرا مؤولا من حرف مصدري من أحد هذه الأحرف المصدرية مع صلته؛ وإنما كان الحذف قياسا في هذه؛ لطولها بالصلة، ولأن دخول الحرف في الظاهر على موصول حرفي غير مستساغ؛ وقد اختلف في محلها بعد الحذف، والأقيس: أنها في محل نصب وإليه ذهب المصنف، وأجازه الخليل وسيبويه، ولكنهما جعلا أقوى منه أن يكون المحل جرا. ورجح النحاة عدم القياس على "أن" و"أن"، فلا تقول "بريت السكين القلم" على أن الأصل: بريت بالسكين القلم. وذهب الأخفش الأصغر -علي بن سليمان البغدادي- إلى جواز القياس عليهما بشرط أمن اللبس واستدل بورود مثل ذلك في قول الشاعر: وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني التصريح: ١/ ٣١٣. وابن عقيل: ٢/ ١٥١-١٥٢.
[ ٢ / ١٦١ ]
هُوَ﴾ ١، ونحو: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُم﴾ ٢، ونحو: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَة﴾ ٣، أي بأنه، ومن أن جاءكم، ولكيلا، وذلك إذا قدرت "كي" مصدرية، وأهمل النحويون هنا ذكر "كي"، واشترط ابن مالك في أَنَّ وأَنْ أمن اللبس؛ فمنع الحذف في نحو: "رغبت في أن تفعل" أو: "عن أن تفعل" لإشكال المراد بعد الحذف٤، ويشكل عليه: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ٥، فحذف الحرف مع أن المفسرين اختلفوا في المراد.
_________________
(١) ١ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٨. موطن الشاهد: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ ﴾ . وجه الاستشهاد: "حذف حرف الجر قبل "أنه"؛ لطوله بالصلة؛ والحذف هنا قياسي؛ والأصل: شهد الله بأنه لا إله إلا هو، ومحل أن وما دخلت عليه النصب على مذهب الخليل بن أحمد وسيبويه في أحد قوليهما؛ لأنهما جعلا أقوى منهما أن يكون المحل جرا وقيل غير ذلك. شرح التصريح: ١/ ٣١٣. ٢ "٧" سورة الأعراف، الآية: ٦٣. موطن الشاهد: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف حرف الجر قبل "أن جاءكم"؛ لطوله بالصلة؛ والحذف هنا قياسي كما في الآية السابقة. ٣ "٥٩" سورة الحشر، الآية: ٧. موطن الشاهد: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف حرف الجر قبل "كي لا يكون"؛ والحذف هنا قياسي كما في الآيتين السابقتين. ٤ فإنه لا يتضح المراد بعد الحذف، ولا يدرى أهو علم "عن" أو "في" والمعنيان مختلفان، وليس هنالك قرينة تزيل هذا اللبس. ٥ "٤" سورة النساء، الآية: ١٢٧. موطن الشاهد: ﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف الحرف قبل "أن" واختلف النحاة بسبب اللبس لعدم القرينة المرجحة؛ فبعضهم قدر "في أن" وبعضهم قدر "عن أن" واستدل كل على ما ذهب إليه، وأجيب عنه بجوابين، ذكرهما المرادي في شرح النظم؛ أحدهما: أن يكون حذف الحرف اعتمادا على القرينة الرافعة للبس؛ والآخر: أن يكون حذف لقصد الإبهام ليرتدع بذلك من يرغب فيهن لجمالهن ومالهن، ومن يرغب عنهن لدمامتهن وفقرهن، وقد أجاز بعض المفسرين التقديرين وفي الكشاف: يحتمل في أن تنكحوهن؛ لجمالهن وعن أن تنكحوهن لدمامتهن، وتبعه البيضاوي، وإنما اختلف العلماء في المقدر من الحرفين في الآية؛ لاختلافهم في سبب نزولها فالخلاف في الحقيقة في القرينة. التصريح: ١/ ٣١٣، ومغني اللبيب: ٦٨٢، ٧٨٨.
[ ٢ / ١٦٢ ]
[تقدم بعض المفاعيل على بعض أصالة]:
فصل: لبعض المفاعيل الأصالة في التقدم على بعض: إما بكونه مبتدأ في الأصل، أو فاعلا في المعنى، أو مسرَّحا لفظا أو تقديرا١، والآخر مقيد لفظا أو تقديرا، وذلك كـ: "زيدا" في: "ظننت زيدا قائما" و: "أعطيت زيدا درهما" و: "اخترت زيدا القوم"، أو: "من القوم"٢.
ثم قد يجب الأصل، كما إذا خيف اللبس، كـ: "أعطيت زيدا عمرا"٣، أو كان الثاني محصورا٤، كـ: "ما أعطيت زيدا إلا درهما" أو ظاهرا والأول ضمير٥، نحو: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ أي غير مقيد بحرف من حروف الجر. ٢ تقدم "زيدا" لأنه غير مقيد بجار لفظا وتقديرا، فالرابطة بينه وبين الفعل أقوى؛ لأنه يتعدى إليه بنفسه، و"القوم" مقيدا تقديرا في الأول، ولفظا في الثاني. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ . ٣ حيث يتعين أن يكون المقدم هو المفعول الأول؛ لأن كلا منهما يصلح أن يكون آخذا ومأخوذا؛ فلا بد من التقديم؛ ليكون المتقدم هو الآخذ. ٤ أي: أن يكون الحصر واقعا عليه؛ فلو تقدم؛ لفسد الحصر، وزال الغرض منه، ولا مانع من تقديمه مع إلا؛ لأن المحصور فيه هو الواقع بعد إلا مباشرة. ضياء السالك: ٢/ ٩٠. ٥ أي: أن يكون الثاني اسما ظاهرا، والأول ضميرا متصلا؛ لأنه لو تأخر لانفصل، ولا يعدل عن الاتصال إلا في مسائل، ليس هذا منها؛ ولا مانع من تقديم الثاني على الأول والفعل معا؛ نحو: الكتاب منحتك. انظر شرح التصريح: ١/ ٣١٤، وضياء السالك: ٤/ ٩٠. ٦ "١٠٨" سورة الكوثر، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ . وجه الاستشهاد: جاء المفعول الأول ضميرا متصلا بالفعل "أعطى" والمفعول الثاني جاء اسما ظاهرا؛ وفي هذه الحال، تقدم الأول على الثاني واجب، كما في المتن.
[ ٢ / ١٦٣ ]
وقد يمتنع كما إذا اتصل الأول بضمير الثاني١، كـ: "أعطيت المال مالكه" أو كان محصورا، كـ: "ما أعطيت الدرهم إلا زيدا" أو مضمرا والأول ظاهر، كـ: "الدرهمَ أعطيته زيدا". و"القوم اخترتهم عمرا".
[جواز حذف المفعول لغرض لفظي أو معنوي]:
فصل: يجوز حذف المفعول لغرض؛ إما لفظي كتناسب الفواصل٢ في نحو: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٣، ونحو: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ ٤، وكالإيجاز في نحو: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ٥.
وإما معنوي كاحتقاره في نحو: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ ٦، أي: الكافرين، أو
_________________
(١) ١ أما الامتناع في الأولى فلئلا يعود ضمير على متأخر لفظا ورتبة، وأما في الثاني فلأن المحصور فيه واجب التأخير، وأما في الثالث فلأنه إذا أمكن الاتصال لا يعدل عنه إلى الانفصال إلا فيما يستثنى وليس هذا منه. التصريح: ١/ ٣١٤. ٢ أي نهاية الجمل المتصلة اتصالا معنويا، ومنها: رءوس الآي التي ذكرها المصنف. ٣ "٩٣" سورة الضحى، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . وجه الاستشهاد: حذف مفعول "قلى"؛ ليناسب "سجى، والأولى"؛ والأصل: ما ودعك ربك وما قلاك. ٤ "٢٠" سورة طه، الآية: ٣. موطن الشاهد: ﴿تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ . وجه الاستشهاد: حذف مفعول يخشى؛ لأن التقدير: يخشاه على الأرجح؛ لتكون نهاية الجملة بكلمة مناسبة مشابهة في وزنها لكلمة "تشقى" التي انتهت بها الجملة السابقة. ٥ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٤. موطن الشاهد: ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ . وجه الاستشهاد: "حذف المفعول للإيجاز في الموضعين؛ لأن الأصل: فإن لم تفعلوه ولن تفعلوه -أي الإتيان بسورة من مثله- وحكم هذا الحذف الجواز عند وجود القرينة الدالة على المراد. ٦ "٥٨" سورة المجادلة، الآية: ٢١. موطن الشاهد: ﴿لَأَغْلِبَنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف المفعول به؛ لأن الأصل: لأغلبن الكافرين؛ ولم يصرح بذكره؛ لاحتقاره؛ وحكم الحذف الجواز عند وجود القرينة الدالة على المراد في الآية السابقة.
[ ٢ / ١٦٤ ]
لاستهجانه كقول عائشة١ ﵂: "ما رأى مني ولا رأيت منه"٢ أي: العورة.
[متى يمتنع حذفه؟]:
وقد يمتنع حذفه؛ كأن يكون محصورا، نحو: "إنما ضربت زيدا"، أو جوابا كـ: "ضربت زيدا" جوابا لمن قال: "من ضربت"؟ ٣.
[جواز حذف ناصب المفعول]:
فصل: وقد يحذف ناصبه إن علم، كقولك لمن سدد سهما "القرطاس" ولمن تأهب لسفر "مكة" ولمن قال: من أضرب "شر الناس" بإضمار: تصيب، وتريد، واضرب.
[وجوب حذف ناصب المفعول]:
وقد يجب ذلك كما لا في الاشتغال، كـ: "زيدا ضربته"٤ والنداء، كـ: "يا
_________________
(١) ١ هي: أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، تزوجها رسول الله -ﷺ- بعد موت خديجة بثلاث سنوات، وكانت أحب نسائه إليه، ولم يتزوج بكرا غيرها. توفيت سنة ٥٨ هـ. ٢ هذا الكلام للسيدة عائشة ﵂ وتعني بذلك النبي -ﷺ-. موطن الشاهد: "ما رأى مني ولا رأيت منه". وجه الاستشهاد: حذف المفعول به؛ لأن التقدير: في الموضعين "العورة"؛ فحذف المفعول لاستهجانه؛ وحكم الحذف الجواز عند وجود القرينة الدالة على المراد. ٣ بقي أنه قد يجب حذف المفعول ولا يجوز ذكره، وذلك كما في باب التنازع إذا أعملت ثاني العاملين في الاسم المتنازع فهي وكان الأول يحتاج إلى منصوب: نحو أن تقول "ضربت وضربني زيد" إذ لو أعملت العامل الأول في ضمير الاسم المتنازع فيه؛ لعاد الضمير على متأخر من غير ضرورة. ٤ لأنه لا يجمع بين المفسر والمفسر له.
[ ٢ / ١٦٥ ]
عبد الله"١، وفي الأمثال نحو: "الكلاب على البقر"٢ أي: أرسل، وفيما جرى مجرى الأمثال نحو: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُم﴾ ٣ أي: وأتوا، وفي التحذير بإياك وأخواتها نحو: "إياك والأسد"٤ أي: إياك باعد واحذر الأسد، وفي التحذير بغيرهما بشرط عطف أو تكرار، نحو: "رأسك والسيف" أي: باعد واحذر، ونحو: "الأسد الأسد" وفي الإغراء بشرط أحدهما٥ نحو: "المروءة والنجدة"، ونحو: "السلاح السلاح" بتقدير الزم.
_________________
(١) ١ لأن حرف النداء عوض عن العامل المحذوف وجوبا، ولا يجمع بين العوض والمعوض. ٢ مثل قالته العرب، يضرب عند تحريش بعض القوم على بعض من غير مبالاة، ويعني: لا ضرر عليك. اترك الناس وشأنهم، واسلك أنت طريق السلامة. والبقر: أي بقر الوحش، ونصب الكلاب: على معنى أرسل الكلاب. وهو من أمثال الميداني: ٢/ ١٤٢. ٣ "٤" سورة النساء، الآية: ١٧١. موطن الشاهد: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف العامل في "خيرا"؛ لأن التقدير: انتهوا وأتوا خيرا؛ ولا يجوز ذكر العامل؛ لما تقدم؛ ويعرب: مفعولا به لفعل محذوف وجوبا؛ وقدَّر بعضُهم "خيرا" خبرا لـ "كان المحذوفة مع اسمها والتقدير: يكون خيرا لكم، غير أن "ما" لا تحذف مع اسمها ويبقى خبرها كثيرا إلا بعد "إن" و"لو" الشرطيتين. التصريح: ١/ ٣١٥. فائدة: وجب حذف العامل في الأمثال بالحذف؛ لأن ذكر العامل يغير المثل عما تكلم به العرب، والأمثال لا تغير؛ لأن الغرض من ذكرها في كلام ما تشبيه فضربها بموردها. فلزم أن يلتزم فيها أصله؛ فما جاء منها محذوف الفعل؛ فلا يجوز ذكره؛ ليظل على أصله؛ وما جرى مجرى الأمثال؛ أخذ حكمها، وعومل معاملتها، كما في الآية السابقة. ٤ إياك والأسد. إياك: ضمير منفصل في محل نصب مفعول به لفعل محذوف وجوبا؛ ويقدر متأخرا؛ لئلا يتصل الضمير المنفصل. الأسد: مفعول به لفعل محذوف وجوبا؛ ويقدر متقدما؛ وإنما وجب الحذف -هنا- ليتنبه السامع بسرعة، ويبتعد عن الهلاك. ٥ أي: العطف أو التكرار؛ ووجب الحذف لقيام العطف أو التكرار مقام العامل.
[ ٢ / ١٦٦ ]
[باب التنازع في العمل]:
هذا باب التنازع١ في العمل، ويسمى أيضا باب الإعمال:
[معنى التنازع] وحقيقته:
أن يتقدم فعلان٢ متصرفان، أو اسمان يشبهانهما٣، أو فعل متصرف واسم يشبهه، ويتأخر عنهما معمول غير سببي مرفوع٤، وهو مطلوب لكل منهما من حيث المعنى٥.
مثال الفعلين: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ٦، ومثال الاسمين قوله٧: [الطويل]
_________________
(١) ١ التنازع لغة: التجاذب، واصطلاحا ما ذكره المصنف. ٢ أي: مذكوران، فلا تنازع بين عاملين محذوفين، أو محذوف أحدهما، وقد يكون التنازع بين أكثر من عاملين. ٣ أي: في العمل، لا في التصريف، بدليل التمثيل بقوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ فإن "ها" اسم فعل جامد. والمراد بالاسم المشبه هنا اسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر واسمه، واسم الفعل. ضياء السالك: ٢/ ٩٨. ٤ أو غير مرفوع؛ لأنه يلزم عليه إسناد أحدهما إلى السببي، والآخر إلى ضميره، فيكون رافع ضمير السببي خاليا من رباط يربطه بالمبتدأ؛ فنحو: زيد قام وقعد أخوه؛ يجعل على أن السببي؛ وهو "أخوه" مبتدأ ثانٍ، والعاملان قبله مع ضميريهما خبران عنه. وهذا الشرط لم يذكره أكثر النحاة. ضياء السالك: ٢/ ٩٨. ٥ سواء كان الطلب على جهة التوافق في الفاعلية أو المفعولية، أو مع التخالف فيهما. ٦ "١٨" سورة الكهف، الآية: ٩٦. موطن الشاهد: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ القطر: النحاس المذاب. وجه الاستشهاد: أتى عاملان: "آتوني وأفرغ" وتأخر عنهما المعمول؛ فكلاهما يطلبه مفعولا به؛ الأول: يطلبه مفعولا ثانيا؛ والثاني يطلبه مفعولا أول؛ وقد أعمل الثاني في المفعول الظاهر، وأعمل الفعل الأول في ضميره، ومن ثم حذف؛ لكونه فضلة، ولو أعمل الأول في "قطرا" لأعمل الثاني في ضميره، ولقال: أفرغه. ٧ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
[ ٢ / ١٦٧ ]
٢٣٨- عهدت مغيثا مغنيا من أجرته١
ومثال المختلفَيْن: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فلم أتخذ إلا فناءك موئلا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣١٦، والأشموني: "٤٠٨/ ١/ ٢٠٢"، والعيني: ٣/ ٢. المفردات الغريبة: عهدت: أي عهدك الناس وعرفوك. مغيثا: منجدا، وهو اسم فاعل من الإغاثة وهي النجدة. مغنيا: اسم فاعل من الإغناء، وهو ضد الإفقار. أجرته: أي حميته من عدوه، أو كنت له جارا. فناءك: الفناء: ساحة الدار، والمراد: الجوار والقرب. موئلا: ملجأ، وهو اسم مكان من وأل إليه: أي لجأ. المعنى: عرفت بإغاثة الملهوف ونجدته، وعرفت بإغنائك من يستجير بك، ويلجأ إليك؛ فلهذا، لم ألجأ إلى أحد سواك، ولم أتخذ غير جوارك موئلا أميل إليه. الإعراب: عهدت: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والتاء: نائب فاعل. مغيثا: حال من نائب الفاعل منصوب. مغنيا: حال ثان من نائب الفاعل؛ وفي كل من الاسمين الواقعين حالين ضمير مستتر فيه هو فاعله؛ لأنهما اسما فاعلين. من: اسم موصول، تنازعه كل من "مغيث" و"مغنٍ" وقد أعمل فيه الثاني منهما، فهو مفعول به لقوله: "مغنيا" و"من" مبني على السكون في محل نصب مفعول به. أجرته: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل، والهاء: مفعول به؛ وجملة "أجرته": صلة للموصول، لا محل لها ما الإعراب. فلم: الفاء عاطفة، لم: حرف جزم ونفي وقلب. أتخذ: فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون، والفاعل: أنا. إلا: أداة استثناء ملغاة تفيد الحصر. فناءك: مفعول به أول لـ "أتخذ" منصوب، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه. موئلا: مفعول به ثانٍ لـ "أتخذ" منصوب. موطن الشاهد: "مغيثا مغنيا من أجرته". وجه الاستشهاد: تقدم العاملان؛ الاسمان المشبهان للفعل، وهما: "مغيثا" و"مغنيا" وكلاهما اسم فاعل يعمل عمل فعله، وتأخر عنهما معمول واحد، هو "من" وكلاهما صالح للعمل فيه؛ فأعمل الشاعر الثاني لقربه، وأعمل الأول في ضميره؛ ثم حُذِف؛ لأنه فضلة؛ ولو ذكره، قال: عهدت مغيثه مغنيا من أجرته؛ غير أن حذف الضمير في هذه الحال واجب لكيلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة من دون ضرورة. ٢ "٦٩" سورة الحاقة، الآية: ١٩. موطن الشاهد: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ﴾ . وجه الاستشهاد: تقدم عاملان مختلفان؛ الأول "هاؤم" وهو اسم فعل بمعنى خذ، والميم علامة الجمع؛ والأصل: هاكم؛ أبدلت الكاف واو، ثم الواو همزة، و"اقرؤوا": فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعل وتأخر عنهما معمول واحد يصلح كلا العاملين للعمل فيه؛ فأعمل الثاني لقربه، وحذف من الأول؛ والأصل: هاؤموه.
[ ٢ / ١٦٨ ]
وقد تتنازع ثلاثة، وقد يكون المتنازع فيه متعددا، وفي الحديث: "تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين" ١ فتنازع ثلاثة في اثنين ظرف ومصدر.
_________________
(١) ١ حديث صحيح، متفق عليه. انظر صحيح مسلم "مطبعة عيسى الحلبي": ٨/ ٤١٧. ورواه بلفظ: "تسبحون وتحمدون وتكبرون، خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين" البخاري "دار الفكر": ١/ ٢١٣، والسنن الكبرى للبيهقي "تصوير بيروت": ٢/ ١٨٦ وصحيح مسلم، باب المساجد: ١٤٢، ١٤٣، وفتح الباري لابن حجر "دار الفكر": ٢/ ٣٢٥، ١١/ ١٣٥، والترغيب والترهيب للمنذري "مطبعة مصطفى الحلبي": ٢/ ٤٥٠ وتفسير ابن كثير "مطبعة الشعب": ٧/ ٣٨٧، ٨/ ٥١. موطن الشاهد: "تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين". وجه الاستشهاد: تقدم ثلاثة أفعال عاملة، وتأخر عنها معمولان اثنان؛ هما: الظرف "دبر" ونائب المصدر "ثلاثا" وهو مفعول مطلق مبين للعدد؛ وقد أعمل الفعل الأخير لقربه؛ فنصب "دبر" على الظرفية، و"ثلاثا" على المفعولية المطلقة؛ لنيابته عن المصدر؛ وأعمل الفعلين الأول والثاني في ضميريهما، وحذفهما؛ لأنهما فضلتان؛ لأن الأصل: تصبحون الله فيه إياه، ولو أعمل الأول؛ لأضمر عقب الثاني والثالث: "فيه إياه"؛ ولو أعمل الثاني؛ لأضمر ذلك بعد الثالث. فائدة ١: - يمكن أن يكون المتنازع فيه ظرفا، أو مفعولا مطلقا كما في الحديث أو مفعولا معه؛ نحو: قمت وسرت وزيدا؛ على إعمال العامل الثاني؛ فلو أعمل الأول؛ لقيل: قمت وسرت وإياه وزيدا. ومنع ابن الخباز أن يقع التنازع في "المفعول له، والحال، والتمييز". انظر شرح التصريح: ١/ ٣١٦. فائدة ٢: - إذا تنازع أكثر من عاملين؛ أعمل الأخير منها على الأرجح، وحكى بعضهم فيه الإجماع، قال ابن خروف في شرح كتاب سيبويه: "واستقرأت كلام العرب فوجدت إعمال الثالث، وإلغاء ما عداه" وقال ابن مالك: "وهو كما قال" واعترض بأنه سمع من كلامهم إعمال الأول، وقال المرادي: فدل على أن استقراءه غير تام، ولا يحفظ من كلامهم إعمال الثاني". شرح التصريح: ١/ ٣١٦-٣١٧.
[ ٢ / ١٦٩ ]
[امتناع وقوع التنازع بين حرفين]:
وقد علم مما ذكرته أن التنازع لا يقع بين حرفين١، ولا بين حرف وغيره، ولا بين جامدين٢، ولا بين جامد وغيره٣، وعن المبرد إجازته في فعلي التعجب، نحو: "ما أحسن وأجمل زيدا"، و: "أحسن به وأجمل بعمرو"٤، ولا في معمول متقدم٥، نحو: "أيهم ضربت وأكرمت"، أو: "شتمته" خلافا لبعضهم٦، ولا في معمول متوسط نحو: "ضربت زيدا وأكرمت" خلافا للفارسي، ولا في نحو٧: [الطويل]
٢٣٩- فهيهات هيهات العقيقُ ومَن به٨
_________________
(١) ١ أي لضعف الحرف، ولأنه لا يضمر فيه. وصحة الإضمار شرط من المتنازعين. ٢ لأن التنازع يقع فيه الفصل بين العامل والمعمول، والجامد لا يفصل بينه وبين معموله لضعفه. التصريح: ١/ ٣١٧. ٣ ينبغي أن يقيد ذلك بما إذا كان الجامد هو الفعل، وكان متقدما، فإن كان الجامد غير الفاعل، نحو: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ جاز، وكذلك إذا تأخر؛ نحو: أعجبني ولست مثل محمد. ٤ أعمل الثاني في المثالين، وجاء في المثال الثاني مع الأول المهمل بالضمير المجرور بالباء، ولم يحذفه؛ لأنه فاعل، فهو عمدة على الصحيح، ويجب حذفه عند القائلين بأنه فضلة. وتقول في المثالين على إعمال الأول: ما أحسن وأجمله زيدا -وأحسِنْ وأجْمِلْ به بعمرو. ٥ لأن الثاني لا يأتي إلا بعد أن يكون الأول قد أخذ معموله المتقدم. ٦ هم بعض المغاربة، حيث أجاز التنازع في المتقدم مستدلا بقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ولا دلالة له في ذلك؛ لأن الأول أخذ المعمول، ومعمول الثاني محذوف لدلالة الأول عليه. التصريح: ١/ ٣١٨. ٧ القائل: هو جرير بن عطية وقد مرت ترجمته. ٨ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وهيهات خِلٌّ بالعقيقِ نواصِلُهْ والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٣١٨، ٢/ ١٩٩، والهمع: ٢/ ١١١، والدرر: ٢/ ١٤٥ =
[ ٢ / ١٧٠ ]
خلافا له وللجرجاني١؛ لأن الطالب للمعمول إنما هو الأول، وأما الثاني فلم يؤتَ به للإسناد، بل لمجرد التقوية، فلا فاعل له، ولهذا قال٢: [الطويل]
٢٤٠- أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس٣
_________________
(١) = والعيني: ٣/ ٧، ٤/ ٣١١، والمقرب: ٢٦، وشرح المفصل: ٤/ ٣٥، والخصائص: ٣/ ٤٢، والنقائض لأبي عبيدة: ٦٣٢، وقطر الندى: "١١٤/ ٣٤٧"، وديوان جرير: ٤٧٩. المفردات الغريبة: هيهات: اسم فعل ماضٍ بمعنى بعد. العقيق: مكان بالحجاز. خل: خليل وصديق. نواصله: نصله من المواصلة والوصال. المعنى: بعد عنا كثيرا ذلك الموضع ومن يقطن به من الأحباب والأصدقاء، وبعد الصديق الذي كنا نأنس به، ويصلنا ونصله. الإعراب: هيهات: اسم فعل ماضٍ بمعنى بعد. هيهات: توكيد للأول. العقيق: فاعل "هيهات" الأول. و"هيهات" الثاني لا فاعل له؛ لأنه إنما أتى به لتقوية معنى البعد المسند إلى العقيق. ومن: الواو عاطفة، من: اسم موصول معطوف على العقيق في محل رفع. "به": متعلق بمحذوف صلة الاسم الموصول. وهيهات: الواو عاطفة. هيهات: اسم فعل ماضٍ. خل: فاعل هيهات الأخير مرفوع. "بالعقيق": متعلق بمحذوف صفة لـ "خل". نواصله: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: نحن، والهاء: مفعول به. موطن الشاهد: "هيهات هيهات العقيق". وجه الاستشهاد: استشهد بهذا البيت على عدم وجود التنازع؛ لأن "هيهات" الثاني توكيد لاسم الفعل الأول؛ والأول: هو العامل، وجيء بالثاني؛ لتقوية الأول وتوكيده، حيث أكد به البعد، ومن -هنا- ندرك أن المعمول ليس مطلوبا لهما معا، وإنما هو مطلوب في المعنى للأول ليس غير. ١ هو أبو بكر: عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، النحوي الفارسي، إمام العربية واللغة والبيان، أول من دون علم المعاني، تخرج على أبي الحسن محمد بن الحسن الفارسي "ابن أخت أبي علي الفارسي" ولم يقرأ على غيره، له مؤلفات مفيدة منها: شرح الإيضاح، دلائل الإعجاز، أسرار البلاغة وغيرها. مات سنة: ٤٧١ هـ. البلغة: ١٢٦، إنباه الرواة: ٢/ ١٨٨، بغية الوعاة: ٢/ ١٠٦، شذرات الذهب: ٣/ ٣٤٠، الأعلام: ٤/ ١٧٤. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: فأين إلى أين النحاة ببغلتي =
[ ٢ / ١٧١ ]
ولو كان من التنازع لقال: "أتاك أتوك" أو: "أتوك أتاك"، ولا في نحو١: [الطويل]
٢٤١- وعزة ممطول معنّىً غَرِيمُهَا٢
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣١٨، والأشموني: "٤٠٦/ ١/ ٢٠١"، والهمع: ٢/ ١١١، ١٢٥، والدرر: ٢/ ١٤٥، ١٥٨، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٤٣، والخزانة: ٢/ ٣٥٣، والعيني: ٣/ ٩. المفردات الغريبة: البغلة: أنثى البغال، والواحد بغل. المعنى: يخاطب الشاعر نفسه، وهو ملاحق من قبل خصومه: أين أذهب؟! وإلى أي مكان أنجو ببغلتي؟! وقد كان خصومي يلحقون بي، وما علي إلا أن أقف حيث أنا، وليكن ما يكون؛ وهذا المعنى الأرجح لهذا البيت. الإعراب: أتاك: فعل ماضٍ، والكاف: مفعول به. أتاك: توكيد لـ "أتاك" الأول غير عامل في "الكاف" المتصلة به؛ وإنما جيء بها؛ ليوافق لفظ الأول. "اللاحقون: فاعل مرفوع لـ "أتى" الأول. احبس: فعل أمر مبني على السكون، لا محل له من الإعراب، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين؛ والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنت. احبس: توكيد للفعل الأول، لا محل له من الإعراب، ولا يقدر له فاعل، ولا مفعول. موطن الشاهد: "أتاك أتاك اللاحقون". وجه الاستشهاد: استشهد بهذا البيت على عدم وجود التنازع في هذه الصورة -كما في البيت السابق- لأن العامل هو الأول، وجيء بالثاني؛ لمجرد تأكيد الأول وتقويته ليس غير. ١ هذا البيت من كلام كثير بن عبد الرحمن، المعروف بكثير عزة وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: قضى كل ذي دين فوفى غريمه وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣١٨، والأشموني: "١١/ ١/ ٢٠٣"، والهمع: ٢/ ١١١، والدرر: ٢/ ١٤٦، والعيني: ٣/ ٣، وشرح المفصل: ١/ ٨، والإنصاف: ١/ ٩٠، وحماسة ابن الشجري: ٥٤٣، وشذور الذهب: "٢٢٥/ ٥٤٧"، وديوان كثير: ١/ ١٧٧. المفردات الغريبة: الغريم: المدين الذي عليه الدين. وهو أيضا: الذي له الدين ويستحقه، وهو المراد هنا. ممطول: اسم مفعول، من المطل وهو التسويف في قضاء الدين. =
[ ٢ / ١٧٢ ]
بل: "غريمها" مبتدأ، و"ممطول" و"معنَّى" خبران، أو: "ممطول" خبر، و: "معنَّى" صفة له، أو حال من ضميره.
ولا يمتنع التنازع في نحو: "زيد ضرب وأكرم أخاه" لأن السببي منصوب١.
_________________
(١) = المعنى: إن كل مدين وفَّى بما عليه من دين لصاحب الدين، غير عزة؛ فإنها مماطل غريمها ولا توفيه حقه؛ ويريد أنه تبخل على محبها، ولا تصله أو تنوله مراده. الإعراب: قضى: فعل ماضٍ. كل: فاعل مرفوع. ذي: مضاف إليه وهو مضاف. دين مضاف إليه ثانٍ. فوفى: الفاء عاطفة. وفى: فعل ماضٍ، والفاعل: هو. غريمه: مفعول به، والهاء: مضاف إليه. وعزة: الواو حالية. عزة: مبتدأ مرفوع. ممطول: خبر أول مرفوع لـ "غريمها" المبتدأ الثاني المؤخر. معَنّى: خبر ثانٍ لـ "غريمها". غريمها: مبتدأ مؤخر مرفوع، و"ها": مضاف إليه. وجملة المبتدأ الثاني وخبره": في محل رفع خبر المبتدأ الأول: "عزة"؛ وجملة "عزة ممطول معنَّى غريمها": في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "وعزة ممطول معنى غريمها". وجه الاستشهاد: استشهد المؤلف بهذا البيت؛ ليبين أن لا تنازع فيه: "وعزة ممطول معنى غريمها" وإن كان من حيث الظاهر، يقتضي كل من "ممطول" و"معنى" يطلبان "غريمها" على أنه نائب فاعل؛ لأن شرط التنازع عند ابن مالك وابن هشام ألا يكون المتنازع فيه سببيا مرفوعا، ولو جعل من باب التنازع، كان "غريمها" سببيا؛ لأنه اسم ظاهر مضاف إلى ضمير عزة، وهو مرفوع؛ لأنه نائب فاعل حينئذ، ولذا خرجه المؤلف في المتن، كما أعربناه. ١ أي: بأحد العاملين، والرابط هو الضمير المستتر، أو المضاف إليه السببي وقيل: بامتناع التنازع السببي المنصوب كالمرفوع؛ لأنك لو أعملت الأول أو الثاني، فلا بد من ضمير يعود على السببي. وضمير السببي، لا يتقدم عليه. قال ابن خروف: لأنه لو تقدم لكان عوضا عن اسمين: مضاف ومضاف إليه -وهذا لا سبيل إليه- فالوجه امتناع التنازع في السببي مطلقا: مرفوعا أو منصوبا قال صاحب التصريح: ولا يقع التنازع في الاسم المرفوع بعد "إلا" على الصحيح، كقول الشاعر: ما صاب قلبي وأضناه وتيمه إلا كواعب من ذهل بن شيبانا لأنه لو كان من باب التنازع؛ لزم إخلاء العامل الملغى من الإيجاب، ولزم كذلك في مثل: ما قام وقعد إلا أنا -إعادة ضمير غائب على حاضر. التصريح: ١/ ٣١٩.
[ ٢ / ١٧٣ ]
[جواز إعمال أحد المتنازعين اتفاقا]:
فصل: إذا تنازع العاملان جاز إعمال أيهما شئت باتفاق١، واختار الكوفيون الأول لسبقه، والبصريون الأخير لقربه٢.
فإن أعملنا الأول في المتنازع فيه أعملنا الأخير في ضميره، نحو: "قام وقعدا، أو وضربتهما، أو مررت بهما، أخواك"، وبعضهم يجيز حذف غير المرفوع؛ لأنه فضلة، كقوله٣: [الكامل]
٢٤٢- بعكاظَ يُعشِي الناظريـ ـن إذا هم لمحوا شعاعُهْ٤
ولنا أن في حذفه تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، والبيت ضرورة.
_________________
(١) ١ أي من البصريين والكوفيين، فقد سمع عن العرب إعمال كل منهما، والخلاف بينهما إنما هو في المختار لا في أصل الجواز. ٢ ما جاء من التنازع في آي القرآن الكريم، وفي الحديث الشريف، جارٍ على إعمال العامل الأقرب إلى المعمول، فقوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ العامل في "كتابيه" هو اقرؤوا؛ إذ لو كان العامل هو "هاؤم" لكان يقال: هاؤم اقرؤوه كتابيه. ومثله قوله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ . وهذا يرجح رأي البصريين الذين يعملون الأخير لقربه. ٣ القائل: هو عاتكة بنت عبد المطلب، عمة النبي -ﷺ-. ٤ تخريج الشاهد: هذا بيت من قصيدة، تقولها عاتكة بنت عبد المطلب، رواها أبو تمام في ديوان الحماسة تصف فيها سلاح قومها، وقبله قوله: سائِلْ بنا في قومنا وليَكْفِ من شر سماعُه قيسًا، وما جمعوا لنا في مجمع باقٍ شناعُه فيه السنوَّر والقنا والكبش ملتمع قناعُه والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٢٠، والأشموني: "٤١٩/ ١/ ٢٠٦"، وابن عقيل: "١٦١/ ٢/ ١٦٥"، والمقرب: والعيني: ٣/ ١١، والهمع: ٢/ ١٠٩، والدرر: ٢/ ١٤٢ ومغني اللبيب: "١٠٣٣/ ٧٩٧" وشذور الذهب: "٢٢٧/ ٥٤٩"، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ٤٧٣. المفردات الغريبة: عكاظ: موضع بناحية مكة كانت تقام فيه سوق للعرب في الجاهلية كل سنة، تمكث شهر ذي القعدة، يتبايعون فيه، ويتناشدون الأشعار ويتفاخرون، فلما جاء الإسلام هدم ذلك كله. يعشي: مضارع "أعشاه" إذا أصابه بالعشا؛ وهو ضعف =
[ ٢ / ١٧٤ ]
وإن أعملنا الثاني، فإن احتاج الأول لمرفوع فالبصريون يضمرونه؛ لامتناع حذف العمدة، ولأن الإضمار قبل الذكر قد جاء في غير هذا الباب نحو: "رُبَّهُ رَجُلا" و: "نعم رجلا" وفي الباب نحو: "ضربوني وضربت قومك" حكاه سيبويه، وقال الشاعر١: [الطويل]
٢٤٣- جفوني ولم أجف الأخلاء، إنني٢
_________________
(١) = البصر ليلا. والمراد -هنا- ضعف البصر مطلقا. لمحوا: من اللمح؛ وهو سرعة إبصار الشيء. شعاعه: ضوءه وبريقه. المعنى: تصف الشاعرة سلاح قومها؛ فإنه حين عرض بعكاظ، كان؛ لشدة بريقه ولمعانه يضر بصر المبصرين إذا ما نظروا إليه بسرعة. الإعراب: "بعكاظ": متعلق بـ "مجمع" في البيت السابق؛ وعكاظ: ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. يعشي: فعل مضارع مرفوع. الناظرين: مفعول به منصوب. إذا: ظرفية متضمنة معنى الشرط، في محل نصب على الظرفية الزمانية. هم: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده؛ وهو الأفضل. وقد أعرب العيني "إذا" فجائية، و"هم" مبتدأ، وجملة "لمحوا": خبره. وأما على ما ذهبنا إليه في الإعراب؛ فجملة "لمحوا": تفسيرية، لا محل لها. شعاعه: شعاع: فاعل يعشي مرفوع، وهو مضاف، والهاء، مضاف إليه. موطن الشاهد: "يعشي لمحوا شعاعه". وجه الاستشهاد: تنازع كل من "يعشي" و"لمحوا" العمل في "شعاعه" وقد أعمل الأول ورفع "شعاعه" على أنه فاعله، وأعمل الثاني في ضميره؛ فنصبه على أنه مفعول به، ثم حذف؛ لأنه فضلة؛ ولو ذكره لقال: إذا هم لمحوه شعاعه؛ وهذا الحذف؛ يأتي لضرورة الشعر -عند البصريين- الذين يعملون المتأخر لقربه؛ بينما هو جائز عند الكوفيين الذين يعملون العامل الأول؛ لتقدمه. ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: لغير جميل من خليلي مهمل وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٢١، والأشموني: "٣٨١/ ١/ ١٧٩"، والهمع: ١/ ١٠٩، والدرر: ١/ ٤٥، والعيني: ٣/ ١٤، ومغني اللبيب: "٨٧٤/ ٦٣٥"، وشرح السيوطي: ٢٩٦. المفردات الغريبة: جفوني: من الجفاء وهو ترك المودة. الأخلاء: جمع خليل وهو اسم فاعل من أهمل الأمر إذا لم يعبأ به ولم يلقِ إليه بالا. =
[ ٢ / ١٧٥ ]
والكسائي وهشام والسهيلي١ يوجبون الحذف٢، تمسكا بظاهر قوله٣: [الطويل]
٢٤٤- تعفق بالأرطى لها وأرادها رجال ٤
_________________
(١) = المعنى: هجرني الأصدقاء وقطعوا مودتي وصلتي، وتتبعوا عوراتي، ولم يقوموا بواجب الصداقة؛ من البر والوفاء. أما أنا: فلم أقابلهم بالمثل؛ لأني أهمل وأترك ما ليس بحسن من أفعال أصدقائي. الإعراب: جفوني: فعل ماضٍ، والواو: فاعل، والنون: للوقاية، والياء: مفعول به. ولم أجف: حرف جازم، وفعل مضارع مجزوم، والفاعل: أنا. الأخلاء: مفعول به منصوب. إنني: حرف مشبه بالفعل، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب اسم "إن". "لغير": متعلق بـ "مهمل" الآتي. جميل: مضاف إليه. "من خليلي": متعلق بمحذوف صفة من "جميل"، والياء: مضاف إليه. مهمل: خبر "إن" مرفوع، والتقدير: إنني مهمل لغير جميل حاصل من خليلي. موطن الشاهد: "جفوني ولم أجف الأخلاء". وجه الاستشهاد: إعمال العامل الثاني "لم أجف" في المعمول المتأخر "الأخلاء"، فنصبه على أنه مفعول به؛ وأعمل العامل الأول، "جفوني" في ضميره "واو الجماعة"؛ ولزم -على هذا- عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وهو جائز في هذا الباب؛ لأن المرفوع لا بد من ذكره في مثل هذا الشاهد. ١ مرت ترجمته وافية لكل واحد منهم في محلها. ٢ أي حذف الضمير المرفوع، فرارًا من الإضمار قبل الذكر. ٣ القائل هو علقمة بن عبدة، المعروف بعلقمة الفحل، وسمي بالفحل لأنه فضل على امرئ القيس عندما احتكما إلى أم جندب زوجة امرئ القيس، وقيل لأنه يعرف بذلك عن علقمة آخر معروف بعلقمة الخصي، وهو شاعر جاهلي من بني تميم، له شعر جيد، منه ثلاث روائع جياد ذكرهن ابن سلام. الجمحي: ١/ ١٣٩، والشعر والشعراء: ١/ ٢١٨، والخزانة: ١/ ٥٦٥، المؤتلف: ١٥٢. ٤ تخريج الشاهد: هذا قطعة من بيت، يمدح فيه الشاعر الحارث بن جبلة الغساني، وهو بتمامه: تعفق بالأرطى لها وأرادها رجال فبذَّت نبلُهُم وكليبُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٢١، والأشموني: "٤١٤/ ١/ ٢٠٤"، والمقرب: ٥٤ والعيني: ٣/ ١٥، والمفضليات: ٣٩٣، وديوان علقمة: ١٣٢. المعنى: استتر واختفى وراء هذه الشجرة -لاصطياد تلك البقرة الوحشية، وأراد =
[ ٢ / ١٧٦ ]
إذ لم يقل: "تعفقوا" ولا: "أرادوا".
والفراء يقول: إن استوى العاملان في طلب المرفوع فالعمل لهما، نحو: "قام وقعد أخواك" وإن اختلفا أضمرته مؤخرا، كـ: "ضربني وضربت زيدا هو".
وإن احتاج الأول لمنصوب لفظا أو محلا، فإن أوقع حذفه في لبس أو كان العامل من باب: "كان" أو من باب: "ظن" وجب إضمار المعمول مؤخرا، نحو: "استعنت واستعان علي زيد به١ وكنت وكان زيد صديقا إياه، وظنَّني وظننت زيدا قائما إياه"، وقيل: في باب: "ظن" و: "كان" يضمر مقدما، وقيل: يظهر، وقيل: يحذف، وهو الصحيح؛ لأنه حذف لدليل.
_________________
(١) = اصطيادها رجال بالنبال، وكلاب صيد، فغلبتهم، وفرَّت، ولم يتمكنوا من اصطيادها؛ لسرعتها التي يشبه سرعة فرسه بها. الإعراب: تعفق: فعل ماضٍ. "بالأرطى": متعلق بـ "تعفق". "لها": متعلق بـ "تعفق" أيضا. وأرادها: الواو عاطفة. وأرادها: فعل ماضٍ؛ و"ها" مفعول به. رجال: فاعل مرفوع. فبذت: الفاء عاطفة، بذت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث؛ والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هي، يعود إلى البقرة. نبلهم: مفعول به منصوب، و"هم": في محل جر بالإضافة، و"هم" يعود إلى الصيادين. وكليب: الواو عاطفة، كليب: اسم معطوف على رجال الواقع فاعلا لـ "أراد" مرفوع. موطن الشاهد: "تعفق وأرادها رجال". وجه الاستشهاد: تقدم العاملان: "تعفق"، و"أدارها"، وتأخر المعمول "رجال" وقد أعمل العامل الثاني: "أرادها" ورفع "رجال" فاعلا له. وأعمل الأول "تعفق" في ضميره، وحذفه -مع أنه فاعل- على رأي الكسائي ومن معه، فرارا من الإضمار قبل الذكر؛ ويجوز القول: إن في "تعفق" ضميرا مستترا، يعود إلى "رجال"، وهو وإن كان جمعا، فهو في تأويل المفرد، فصح استتار ضميره مفردا. انظر في هذه المسألة حاشية الصبان: ٢/ ١٠٢، وشرح التصريح: ١/ ٣٢١، وضياء السالك: ٢/ ١٠٦. ١ "استعان" الأول يطلب زيدا مجرورا بالباء، والثاني يطلبه فاعلا، فأعلمنا الثاني وأضمرنا ضمير زيد مجرورا بالباء مؤخرا. ولم نحذفه؛ لأن حذفه يوقع في لبس؛ لأنه لا يعلم، إن كان زيد مستعانا به أو عليه. وإضماره مقدما يلزم عليه الإضمار قبل الذكر من غير ضرورة. التصريح: ١/ ٣٢١.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وإن كان العامل من غير بابي: "كان" و: "ظن" وجب حذف المنصوب١، كـ: "ضربت وضربني زيد"، وقيل: يجوز إضماره، كقوله٢: [الطويل]
٢٤٥- إذا كانت ترضيه ويرضيك صاحب٣
وهذا ضرورة عند الجمهور.
_________________
(١) ١ أي: لفظا ومحلا؛ لأنه فضلة مستغنى عنه، وقال صاحب التسهيل: الحذف أولى وليس بواجب. التصريح: ١/ ٣٢٢. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: جهارا فكن في الغيب أحفظ للودِّ ويروى بعده قوله: وألغِ أحاديث الوشاة فقلما يحاول واشٍ غير هجران ذي وُدِّ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٢٢، والأشموني: "٤١٧/ ١/ ٢٠٥"، والعيني: ٣/ ٢١، والهمع: ٢/ ١١٠، والدرر: ٢/ ١٤٤، والمغني: "٦٢١/ ٦٣٨"، والسيوطي: ٢٥٣، والشذور: "٢٢٦/ ٥٤٨". المفردات الغريبة: جهارا: عيانا ومشاهدة. الغيب: كل ما غاب واستتر عنك. ود: مودة ومحبة. المعنى: إذا ما كانت بينك وبين أحد صداقة. وكلاكما راضٍ عنها، يسعى إلى استمرارها؛ فعليك أن تكون في حال غيبة صديقك عنك، أو في حال بعده عنك -أكثر محافظة على تلك المودة والصداقة. الإعراب: إذا: ظرفية متضمنة معنى الشرط، في محل نصب على الظرفية الزمانية. كنت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. ترضيه: مضارع مرفوع، والهاء: مفعول به، والفاعل: أنت. ويرضيك: الواو عاطفة، يرضي: فعل مضارع مرفوع، والكاف: مفعول به. صاحب: فاعل مرفوع لـ "يرضيك". فكن: الفاء: واقعة في جواب "إذا" كن: فعل أمر ناقص، واسمه: أنت. "في الغيب": متعلق بمحذوف حال من اسم "كن". أحفظ: خبر "كن" منصوب. "للود": متعلق بـ "أحفظ"؛ وجملة "كن في الغيب أحفظ للسر": جوار "إذا" لا محل لها. موطن الشاهد: "ترضيه ويرضيك صاحب". وجه الاستشهاد: تقدم عاملان: "ترضيه ويرضيك" وتأخر معمول واحد "صاحب" وقد أعمل العامل الثاني "يرضيك في المعمول المتأخر فرفعه على الفاعلية، على الرغم من إعمال العامل الأول "ترضيه" في ضميره مذكورا، ولم يحذف للضرورة -عند الجمهور- مع أنه فضلة، وفيه عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، ولم يوجب في "التسهيل" حذفه؛ بل جعله أولى. انظر حاشية الصبان: ٢/ ١٠٤، وشرح التصريح: ١/ ٣٢٢.
[ ٢ / ١٧٨ ]
مسألة١: إذا احتاج العامل المهمل إلى ضمير، وكان ذلك الضمير خبرا عن اسم، وكان ذلك الاسم مخالفا في الإفراد والتذكير أو غيرهما للاسم المفسر له، وهو المتنازع فيه، وجب العدول إلى الإظهار، نحو: "أظن ويظنانني أخا الزيدين أخوين".
وذلك لأن الأصل: "أظن ويظنني الزيدين أخوين" فأظن: يطلب "الزيدين أخوين" مفعولين، و: "يظنني" يطلب "الزيدين" فاعلا، و: "أخوين" مفعولا؛ فأعلمنا الأول، فنصبنا الاسمين، وهما: "الزيدين أخوين" وأضمرنا في الثاني ضمير: "الزيدين" وهو الألف، وبقي علينا المفعول الثاني يحتاج إلى إضماره، وهو خبر عن ياء المتكلم، والياء مخالفة لأخوين الذي هو مفسر للضمير الذي يؤتى به، فإن الياء للمفرد، و: "الأخوين" تثنية، فدار الأمر بين إضماره مفردا ليوافق المخبر عنه، وبين إضماره مثنى ليوافق المفسر، وفي كل منهما محذور، فوجب العدول إلى الإظهار، فقلنا: "أخا" فوافق المخبر عنه، ولم يضره مخالفته لـ: "أخوين"؛ لأنه اسم ظاهر لا يحتاج لما يفسره٢، هذا تقرير ما قالوا.
_________________
(١) ١ خلاصة هذه المسألة: أنه لا يصح مجيء ضمير الاسم المتنازع فيه مع العامل المهمل، ولا حذفه. وإنما يجب أن يحل محله اسم ظاهر، وذلك إذا كان العامل المهمل محتاجا إلى مفعول به هو عمدة في الأصل، لا يجوز حذفه، ولو أضمرناه لكان غير مطابق لمرجعه الاسم الظاهر، وسيوضح المصنف ذلك بالمثال. شرح التصريح: ١/ ٣٢٢. ٢ إجمال القول: أننا إنما أظهرنا المفعول الثاني ليظناني، وقلنا: "أخا" ولم نضمره؛ لأننا لو أضمرناه مفردا؛ لطابق المفعول الأول وهو ياء المتكلم في الإفراد، وخالف ما يعود عليه وهو "أخوين"؛ فلا يطابق المفسِّر المفسَّر في التثنية. ولو أضمرناه مثنى؛ لطابق ما يعود إليه وخالف المفعول الأول مع أنه خبر عنه في الأصل، ولا بد من المطابقة بين المبتدأ والخبر؛ وكلاهما ممنوع عند البصريين. فلما تعذر الإضمار أظهرنا ولم نحتج إلى مفسر وكذلك الحكم لو أعملنا الثاني؛ نحو: يظناني وأظن الزيدين أخوين أخًا. المصدر نفسه: ٣٢٣.
[ ٢ / ١٧٩ ]
ولم يظهر لي فساد دعوى التنازع في الأخوين؛ لأن: "يظنني" لا يطلبه؛ لِكونه مثنى والمفعول الأول مفرد.
وعن الكوفيين أنهم أجازوا فيه وجهين: حذفه، وإضماره١ على وفق المخبر عنه.
_________________
(١) ١ أي: مقدما، فيقولون على الحذف: أظن ويظنان الزيدين أخوين، ويحذفون "أخا"؛ لدلالة أخوين عليه؛ ويقولون على الإضمار: أظن ويظناني إياه الزيدين أخوين؛ وإن أعملنا الثاني فالحكم كذلك، ولكن يضمر الثاني. ضياء السالك: ٢/ ١١١. فوائد وتوجيهات: أ- لا يتأتى التنازع في التمييز والحال -كما أسلفنا- لأن كلا منهما، لا يضمر؛ لوجوب تنكيره. ب- يجب إعمال الأول من العاملين -إذا وقعت بعده "لا" نحو: أكرمت لا أهنت السائل؛ لأن "لا" تجعل الحكم لما قبلها مثبتا؛ فما بعدها لا يطلب المعمول؛ كما يجب إعمال الثاني في نحو: أكرمت بل أهنت السائل؛ لأن "بل" تجعل الحكم لما بعدها، فما قبلها مسكوت عنه، فلا يطلب المعمول. ج- يكون المعمول اسما ظاهرا، ويكون ضميرا، بشرط أن يكون منفصلا، مرفوعا، أو منصوبا، أو متصلا مجرورا؛ نحو: محمد إنما سافر ورجع هو، وما زرت وصافحت إلا إياه، وسررت وفرحت به. د- لا تنازع في نحو: ما قام وقعد إلا محمد؛ لأن الإضمار في المهمل بدون "إلا" يعكس المعنى المراد من الإثبات على وجه الحصر إلى النفي، والإضمار معها يؤدي إلى خلاف المسموع وما ورد مما ظاهره جواز ذلك، كقول الشاعر: ما صاب قلبي وأضناه وتيمه إلا كواعب من ذهل بن شيبانا فيؤول على أنه من الحذف لدليل، لا من باب التنازع. ضياء السالك: ٢/ ١١١-١١٢، وحاشية الصبان: ٢/ ١٠٨-١٠٩.
[ ٢ / ١٨٠ ]
[باب المفعول المطلق]:
هذا باب المفعول المطلق:
أي: الذي يصدق عليه قولنا: "مفعول" صدقا غير مقيد بالجار١.
[تعريف المفعول المطلق]:
وهو: اسم يؤكد عامله، أو يبين نوعه، أو عدده٢، وليس خبرا ولا حالا،
_________________
(١) ١ أي: بخلاف بقية المفاعيل؛ لأن منها ما هو مقيد بحرف جر كالمفعول به، أو له أو فيه. أو بظرف كالمفعول معه. ٢ بين المؤلف أن المفعول المطلق، يؤتى به لتوكيد معنى عامله، أو لبيان نوعه، أو لبيان عدد مرات وقوع عامله. فأما المؤكد: فصورته أن يأتي مصدرا منكرا غير مضاف ولا موصوف، سواء أكان عامله فعلا؛ نحو: ضربت ضربا؛ أو وصفا؛ نحو: أنا مفضل زيدا تفضيلا؛ وسواء أكان عامله من مادته أم كان من مادة مرادفة؛ نحو: قعدت جلوسا، أو: أنا قاعد جلوسا. وأما المفعول المطلق المبين لنوع عامله؛ فله ثمان صور:
(٢) أن يأتي المصدر مضافا؛ نحو: فعلت فعل الحكماء.
(٣) أن يأتي المصدر مقرونا بـ "أل" الدالة على العهد أو أل الجنسية الدالة على الكمال؛ نحو: دافعت عن زيد الدفاع؛ أي المعهود بينك وبين المخاطب.
(٤) أن يكون المصدر موصوفا؛ نحو: أكل الجائع أكلا كثيرا.
(٥) أن يكون المفعول المطلق وصفا مضافا إلى المصدر، نحو: رضيت عن علي أجمل الرضا.
(٦) أن يكون المفعول المطلق اسم إشارة موصوفا بمصدر محلىً بأل؛ نحو: أكرمت المجتهد ذلك الإكرام.
(٧) أن يكون المصدر نفسه دالا على نوع من أنواع عامله؛ نحو: رجعت القهقري.
(٨) أن يكون المفعول المطلق لفظ "كل" أو "بعض" مضافا إلى المصدر؛ نحو: أحببته كل الحب. ٢ أن يكون المفعول المطلق اسم آلة للعامل فيه، نحو: ضربته سوطا، أو ضربته عصا. وأما المفعول المطلق المبين للعدد فله ثلاث صور: الأولى: أن يكون مصدرا مختوما بتاء الوحدة، نحو: أكل أكلة. الثانية: أن يكون مختوما بعلامة تثنية أو جمع؛ نحو ضربته ضربتين، أو ضربات. الثالثة: أن يكون اسم عدد مميزا بمصدر؛ نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ . شرح التصريح: ٣٢٣-٣٢٤.
[ ٢ / ١٨١ ]
نحو: "ضربتُ ضربًا" أو: "ضربَ الأميرِ" أو: "ضربتين" بخلاف نحو: "ضربُك ضربٌ أليمٌ"١ ونحو: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ ٢.
[أكثر ما يكون المفعول المطلق مصدرا]:
وأكثر ما يكون المفعول المطلق مصدرا.
[تعريف المصدر]:
والمصدر: اسم الحدث الجاري على الفعل٣.
وخرج بهذا القيد نحو: "اغتسل غسلا" و"توضأ وضوءا" و"أعطى عطاء" فإن هذه أسماء مصادر٤.
[عامل المفعول المطلق]:
وعامله إما مصدر مثله٥ نحو: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ ٦، أو ما
_________________
(١) ١ فإن "ضرب" الثاني ليس مفعولا مطلقا؛ وإن بين النوع بالوصف بعده، وإنما هو خبر عن ضربك. ٢ "٢٧" سورة النمل، الآية: ١٠. موطن الشاهد: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "مدبرا" حالا من الضمير المستتر الواقع فاعلا لـ "ولى" وليس مفعولا مطلقا، وإن كان مؤكدا لعامله. ٣ أي: المشتمل على حروف الفعل. ٤ لأنها لم تجر على أفعاله؛ لِنقصان حروفها عن أحرف الأفعال؛ لأن قياس مصادرها. الاغتسال، والتوضؤ، والإعطاء. فائدة: سمي المصدر مصدرا؛ لأن فعله صدر عنه؛ ولأنه مصدر المشتقات كلها على الصحيح؛ والفرق بين المصدر واسم المصدر؛ أن المصدر يدل على الحدث المجرد بنفسه، أما اسم المصدر، فيدل على الحدث بوساطة المصدر، فمدلوله لفظ المصدر. انظر حاشية الصبان: ٢/ ١١٢ وشرح التصريح: ١/ ٣٢٥. ٥ سواء كان من لفظه ومعناه كما مثل المصنف، أو من معناه فقط نحو: يعجبني إيمانك تصديقا. ٦ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ٦٣. موطن الشاهد: ﴿جَزَاؤُهُمْ جَزَاءً﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء عامل المفعول المطلق مصدرا مثله لفظا ومعنى كما هو واضح؛ خلافا للجرمي الذي ادعى أن المصدر يعمل في المصدر. شرح التصريح: ١/ ٣٢٥.
[ ٢ / ١٨٢ ]
اشتق منه: من فعل١ نحو: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٢، أو وصف٣ نحو: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ ٤.
وزعم بعض البصريين أن الفعل أصل للوصف، وزعم الكوفيون أن الفعل أصل لهما٥.
_________________
(١) ١ بشرط أن يكون متصرفا تاما، وغير ملغى عن العمل، فخرج الفعل الجامد كفعل التعجب والناقص مثل: كان، والملغى مثل: "ظن" عند إلغائها، فلا يقال: ما أحسن محمدا حسنا، ولا كان علي مسافرا كونا، ولا علي قائم ظننت ظنا. ٢ "٤" سورة النساء، الآية: ١٦٤. موطن الشاهد: ﴿كَلَّمَ تَكْلِيمًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء العامل في المفعول المطلق مشتقا منه؛ لأن المصدر "تكليما" أصل للفعل "كلم" كما أسلفنا. ٣ أي متصرف يعمل عمل الفعل، كاسم الفاعل، واسم المفعول، وأمثلة المبالغة دون أفعل التفضيل، والصفة المشبهة. شرح التصريح: ١/ ٣٢٥. ٤ "٣٧" سورة الصافات، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿الصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء العامل في المفعول المطلق وصفا مشتقا منه؛ لأن "الصافات" اسم فاعل يعمل عمل فعله؛ وهو مشتق من "الصف" المصدر. وأما مثال اسم المفعول؛ فنحو: اللص مضروب ضربا أليما. ومثال المبالغة: البطل ضرابٌ ضربا. وأجاز المصنف عمل الصفة المشبهة كاسم الفاعل، نحو: الحزين حزنا مفرطا يسيء إلى نفسه. ضياء السالك: ٢/ ١١٦. ٥ الذي اختار هذا الرأي الفارسي، وتبعه عبد القاهر الجرجاني، فيكون فرعا للفرع؛ والصحيح أن المصدر أصل للفعل والوصف؛ لأن من شأن الفرع أن يكون فيه ما في الأصل وزيادة. والفعل والوصف بالنسبة إلى المصدر كذلك؛ فالمصدر يدل على مجرد الحدث؛ وكل من الفعل والوصف يدل على الحدث وزيادة؛ فالفعل يدل على الحدث والزمان، والصفة تدل على الحدث والموصوف؛ وهذا مذهب البصريين، وأما الكوفيون فيرون أن الفعل أصل المشتقات كلها، ويرى ابن طلحة أن كلا من المصدر والفعل أصل قائم بذاته؛ ويرى جماعة من النحاة أن المصدر أصل للفعل وحده، وأن الفعل أصل لسائر المشتقات كما أسلفنا. انظر في تفصيل هذه المسألة شرح التصريح: ١/ ٣٢٥.
[ ٢ / ١٨٣ ]
[ما ينوب عن المصدر في الانتصاب على المفعول المطلق]:
فصل: ينوب عن المصدر في الانتصاب على المفعول المطلق ما يدل على المصدر من صفة، كـ: "سرت أحسن السير"١، و: "اشتمل الصماء"٢، و: "ضربته ضربَ الأميرِ اللصَّ"؛ إذ الأصل: "ضربا مثل ضرب الأمير اللص" فحذف الموصوف ثم المضاف، أو ضميره٣ نحو: "عبد الله أظنه جالسا" ونحو: ﴿لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا﴾ ٤، أو إشارة إليه، كـ: "ضربته ذلك الضرب"، أو مرادف له نحو: "شنئته بغضا" و: "أحببته مقة"٥ و: "فرحت جذلا" وهو بالذال المعجمة مصدر جذل بالكسر، أو مشارك له في مادته، وهو ثلاثة أقسام: اسم مصدر كما تقدم، واسم عين، ومصدر لفعل آخر، نحو: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ ٦ ﴿وَتَبَتَّلْ
_________________
(١) ١ الأصل: سرت السير أحسن السير، فحذف الموصوف ودلت عليه إضافة الصفة إلى مثله، ونابت منابه. ٢ الأصل: الشملة الصماء، فحذف الموصوف ونابت الصفة منابه. والشملة الصماء: أن يجلل المرء جسده بثوبه، ويضم طرفيه كما يفعل الأعراب بأكسيتهم. فيرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن، فيغطيهما جميعا. ٣ أي الضمير العائد على مثل المصدر المحذوف. وقوله: "أو ضميره" معطوف على قوله "من صفة". ٤ "٥" سورة المائدة، الآية: ١١٥. موطن الشاهد: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الضمير -هنا- نائبا عن مصدر نوعي؛ لأن التقدير: لا أعذب هذا التعذيب الخاص أحدا. ٥ "بغضا" مفعول مطلق نائب عن شنأ المرادف للبغض، و"مقة" مفعول مطلق نائب عن محبة، والمقة: المحبة، وهي مصدر ومقه -كورثه- أحبه فهو وامق. ٦ "٧١" سورة نوح، الآية: ١٧. موطن الشاهد: ﴿أَنْبَتَكُمْ نَبَاتًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "نبات" وهو اسم عين للشيء النابت من زرع وغيره نائبا عن المصدر "إنباتا" في الانتصاب على المفعولية المطلقة.
[ ٢ / ١٨٤ ]
إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ١. والأصل إنباتا وتبتلا، أو دال على نوع منه، كـ: "قعد القرفصاء" و: "رجع القهقري"، أو دال على عدده، كـ: "ضربته عشر ضربات" ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ٢، أو على آلته٣، كـ: "ضربته سوطا" أو: "عصا" أو: "كل" نحو: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ ٤، وقوله٥: [الطويل]
٢٤٦- يظنان كل الظن أن لا تلاقيا٦
_________________
(١) ١ "٧٣" سورة المزمل، الآية: ٨. موطن الشاهد: ﴿تَبَتَّلْ تَبْتِيلًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "تبتيلا" وهو مصدر للفعل "بتل" نائبا عن "التبتل" الذي هو مصدر الفعل "بتل"؛ ولم نعد "التبتل" اسم مصدر للفعل بتل؛ لأن حروفه تزيد على حروف صمدر هذا الفعل؛ واسم المصدر يجب أن تقل حروفه عن حروف المصدر. ٢ "٢٤" سورة النور، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ . وجه الاستشهاد: "مجيء "ثمانين" نائبا عن المصدر؛ لأن الأصل: فاجلدوهم جلدا ثمانين جلدة؛ فحذف المصدر، وناب عنه عدده. ٣ أي: الآلة التي تستخدم لإيجاد معنى المصدر وتحقيقه، فيحذف المصدر وتقام الآلة مقامه ويجب أن تكون الآلة معهودا استخدامها في إحداث معنى المصدر فلا يصح: ضربته شجرة. ٤ "٤" سورة النساء، الآية: ١٢٩. موطن الشاهد: ﴿تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ . وجه الاستشهاد: "مجيء "كل" نائبا عن مصدر محذوف؛ والتقدير: لا تميلوا ميلا كل الميل. ٥ ينسب البيت إلى قيس بن الملوح المعروف بمجنون ليلى. وقد مرت ترجمته. تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما وهو من قصيدته التي مطلعها قوله: تذكرت ليلى والسنين الخواليا وأيام لا نخشى على اللهو ناهيا =
[ ٢ / ١٨٥ ]
أو: "بعض": كـ: "ضربته بعض الضرب".
[لا يثنى المصدر المؤكد ولا يجمع باتفاق]:
مسألة: المصدر المؤكد لا يثنى ولا يجمع باتفاق، فلا يقال: ضربين ولا ضروبا؛ لأنه كماء وعسل١، والمختوم بتاء الوحدة كضربة بعكسه باتفاق، فيقال:
_________________
(١) = والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٢٨، والأشموني: "٤٢٠/ ١/ ٢٠١"، وديوان قيس: ٣٩٣. المفردات الغريبة: الشتيتين: المتفرقين -مثنى شتيت؛ يريد المحبين المتباعدين اللذين لا يقدران على الاجتماع. المعنى: يمني الشاعر نفسه بلقاء ليلى، وعدم اليأس من ذلك؛ لأن الله -﵎- قادر على جمع شمل المتباعدين اللذين؛ لتباعدهما يقطعان الأمل في اللقاء، ويحسبان حسبانا أكيدا أن لا يلتقيا. الإعراب: قد: حرف تحقيق. يجمع: فعل مضارع مرفوع. الله: فاعل مرفوع. الشتيتين: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه مثنى. بعدما: "بعد" متعلق بـ يجمع. و"ما": حرف مصدري مبني على السكون، لا محل له. يظنان: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والألف: فاعل. كلَّ: مفعول مطلق منصوب، وهو مضاف. الظن: مضاف إليه؛ والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه": في محل جر بالإضافة بعد "بعد"؛ والتقدير: بعد ظنهما كل الظن. أن: مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن المحذوف؛ وتقدير الكلام: أنه -أي الحال والشأن- لا: نافية للجنس تعمل عمل "إن". تلاقيا: اسم "لا" النافية للجنس مبني على الفتح في محل نصب، والألف للإطلاق، وخبر "لا" محذوف. والتقدير: لا تلاقي لهما؛ والجملة من "لا واسمها وخبرها": في محل رفع خبر "أن" المخففة و"أن المخففة وما دخلت عليه": سدت مسد مفعولي "يظنان". موطن الشاهد: "يظنان كل الظن". وجه الاستشهاد: انتصاب "كل" على أنه مفعول مطلق نائب عن المصدر، ومعلوم أنه ينصب كل من "كل وبعض" على المفعولية المطلقة؛ إذا أضيفا إلى المصدر، كما علمنا سابقا؛ والأصل في الشاهد: يظنان ظنا كل الظن؛ فحذف المصدر وأنيب عنه "كل"؛ لتوفر الشرط، وهو إضافة إلى مثل المصدر المحذوف. ١ أي مقصود به معنى الجنس، فهو يدل بنفسه على القليل والكثير، فيستغنى بهذه الدلالة عن الدلالة العددية في التثنية والجمع، وأيضا: فهو بمنزلة تكرار الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع، ومثله في ذلك ما ينوب عنه. التصريح: ١/ ٣٢٩.
[ ٢ / ١٨٦ ]
ضربتين وضربات؛ لأنه كتمرة وكلمة، واختلف في النوعين: فالمشهور الجواز١، وظاهر مذهب سيبويه المنع، واختاره الشلوبين.
[جواز حذف العامل في المصدر غير المؤكد]:
فصل: اتفقوا على أنه يجوز لدليل، مقالي٢ أو حالي، حذف عامل المصدر غير المؤكد، كأن يقال: "ما جلست" فتقول: "بلى جلوسا طويلا"، أو: "بلى جلستين" وكقولك لمن قدم من سفر: "قدوما مباركا".
وأما المؤكد فزعم ابن مالك أنه لا يحذف عامله؛ لأنه إنما جيء به لتقويته وتقرير معناه، والحذف مُنافٍ لهما٣، ورده ابنه بأنه قد حذف جوازا في نحو: "أنت سيرا"٤ ووجوبا في: "أنت سيرا سيرا" وفي نحو: "سَقيًا ورَعْيًا"٥.
_________________
(١) ١ أي جواز تثنيته وجمعه، وذلك إذا اختلفت أنواعه. وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ . ومثله المبين للعدد. ويجوز تقديمها على العامل ولا يعملان شيئا، فليس لهما فاعل ولا مفعول. ويرى ابن مالك: أن المصدر المؤكد يجب إفراده، أما غيره فثنه إن شئت، واجمعه، أو اجعله مفردا. ٢ الدليل المقالي: الذي يكون مرجعه إلى القول والكلام، أما الحالي فهو الذي يعتمد على المشاهدة أو نحوها، مما يحيط بالشخص ويجعله يفهم أمرا مستنبطا مما حوله، ولا شأن له بالقول أو الكلام. ٣ ومن أجل ذلك لا يصح تثنيته ولا جمعه، ولا أن يرفع فاعلا، أو ينصب مفعولا، أو يتقدم على عامله، أو يحذف عامله؛ لأن الحذف منافٍ لتلك الحكمة. مناف للغرض من الإتيان بالمصدر المؤكد. ٤ أي مما وقع فيه المصدر خبرا عن اسم عين، غير مكرر ولا محصور. ٥ أي إذا كان مكررا نحو: أنت سيرا سيرا، أو محصورا نحو: ما أنت إلا سيرا، وإنما أنت سيرا، أو غير ذلك نحو: سقيا ورعيا، وحمدا وشكرا. وإنما وجب الحذف في ذلك؛ لقيام التكرار والحصر مقام العامل. ويجاب عن الناظم. بأن هذه المصادر ليست من المؤكد الآن؛ بل المصدر فيها نائب مناب الفعل وعوض منه؛ بدليل أنه يمتنع الجمع بينهما، ولا شيء من المؤكدات يمتنع الجمع بينه وبين المؤكد. التصريح: ١/ ٣٢٩.
[ ٢ / ١٨٧ ]
[قد يقام المصدر مقام فعله فيمتنع ذكره معه]:
وقد يقام المصدر مقام فعله فيمتنع ذكره معه، وهو نوعان:
١- ما لا فعل له، نحو: "ويل زيد" و: "ويحه". [الكامل]
٢٤٧- و١ بله الأكف ٢
فيقدر له عامل من معناه على حد "قعدت جلوسا".
_________________
(١) ١ إشارة إلى قول كعب بن مالك الأنصاري الصحابي المعروف. ٢ تخريج الشاهد: "هذا قطعة من بيت، من قصيدة لكعب يقولها في غزوة الخندق، يصف شدة فتك السيوف بالأعداء، وهو بتمامه: تذر الجماجم ضاحيا هاماتها بله الأكف كأنها لم تخلق وينشد قبله: نصل السيوف إذا قصرن بخطونا قدما ونلحقها إذا لم تلحق والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣٠، والأشموني: "٤٢٧/ ١/ ٢١٥"، والهمع: ١/ ٢٣٦، والدر: ١/ ٢٠٠، والسيرة: ٥٠٧، وشرح المفصل: ٤/ ٤٧، ٤٨، والخزانة: ٣/ ١٠، ومغني اللبيب: "١٨٢/ ١٥٦"، وشرح السيوطي: ١٢٢، وديوان كعب: ٢٤٥. المفردات الغريبة: تذر: تترك. الجاجم: جمع جمجمة، وهي عظم الرأس المشتمل على الدماغ، ضاحيا: بارزا للشمس. هاماتها: جمع هامة، وهي الرأس. المعنى: إن هذه السيوف شديدة الفتك بالأعداء، تترك الرؤوس -بعد فصلها عن الأجسام- معرضة للشمس على أرض المعركة، أما الأكف - فليس لها أثر، كأنها لم تخلق. الإعراب: تذر: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هي. يعود إلى السيوف في بيت سابق. الجماجم: مفعول به منصوب، لفعل تذر. ضاحيا: حال من الجماجم منصوب. هاماتها: فاعل "لـ "ضاحيا"؛ لأنه اسم فاعل؛ و"ها" الضمير العائد إلى الغيبة في محل جر بالإضافة. بله: مفعول مطلق لفعل محذوف من معناه ناب عنه -وهذا الوجه الذي أراده المؤلف- ويمكن أن يكون "بله": اسم فعل أمر، والأكف: مفعول به، على رواية نصب "الأكف" وأما على الأول: فالتقدير: اترك بله الأكف؛ وعلى هذا الوجه؛ فـ "بله" مصدر لا فعل له من لفظه، وله فعل من معناه، وهو اترك؛ وكأنه قال: اترك تركا. وبله: مضاف والأكف: مضاف إليه. كأنها: حرف مشبه بالفعل، و"ها" اسمها: لم: نافية جازمة: تخلق: فعل مضارع مبني للمجهول، =
[ ٢ / ١٨٨ ]
٢- وما له فعل، وهو نوعان: واقع في الطلب١، وهو الوراد دعاء، كـ: "سقيا ورعيا، وجدعا"، أو أمرا أو نهيا، نحو: "قياما لا قعودا" ونحو: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ٢، وقوله٣: [الطويل]
٢٤٨- فندلا زريق المال ندل الثعالبِ٤
_________________
(١) = مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون وحُرِّك بالكسر؛ لضرورة الروي، ونائب الفاعل: هي؛ وجملة "الفعل ونائب فاعله": في محل رفع خبر "أن". موطن الشاهد: "بله الأكف". وجه الاستشهاد: مجيء "الأكف" في روايتين؛ إحداهما: منصوبة والثانية مكسورة. فعلى رواية النصب: تخرج على أن بله اسم فعل أمر، فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا؛ تقديره: أنت. والأكف: مفعول به، وانتصابه كانتصاب الكتاب في قولك: "دونك الكتاب"، وانتصاب الاسم بعد اسم الفعل. وعلى رواية الجر: فتخرج على أن "بله" مصدر ليس له فعل من لفظه، والأكف مجرور بإضافة هذا المصدر إليه -كما أسلفنا في الإعراب- نحو قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَاب﴾ غير أن "ضرب" له فعل من لفظه، و"بله" ليس له فعل من لفظه. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٠، وحاشية الصبان: ٢/ ١٢١-١٢٢. ١ أي: في أسلوب إنشائي مقصود به الطلب، سواء كان طلب فعل أو ترك، أو إقرار للشيء؛ أو عدم إقراره. ٢ "٤٧" سورة محمد، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿ضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ضرب" مفعولا مطلقا مضافا إلى الرقاب؛ فهو مبين للنوع؛ والتقدير: فاضربوا ضرب الرقاب. ٣ قيل هو أعشى همدان، وقيل جرير، وقيل الأحوص، ورجح العيني النسبة إلى أعشى همدان كما نسبه صاحب الحماسة البصرية. شرح العيني بذيل حاشية الصبان: ٢/ ١١٦، ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: على حين ألهى الناس جُلُّ أمورِهِمْ والبيت يقوله الشاعر في هجاء لصوص، وينشد قبله: يمرون بالدهنا خفافا عيابهم ويرجعن من دارين بُجْرَ الحقائب والشاهد من شواهد: التصريح: / ٣٣١، والأشموني: ١/ ٢١٢ عرضا، وابن عقيل =
[ ٢ / ١٨٩ ]
_________________
(١) = "١٦٢/ ٢/ ١٧٨" والكتاب: ١/ ٥٩، والخصائص: ١/ ١٢٠، والإنصاف: ١/ ٢٩٣، والعيني: ٣/ ٤٦، ٥٢٣، وملحقات ديوان الأحوص. المفردات الغريبة: الدهنا: موضع بنجد، وهو ممدود، وقصر للشعر. عيابهم، جمع عيبة، وهي الوعاء يوضع فيه الزاد والثياب كالحقيبة. دارين: موضع بالبحرين مشهور بالمسك، ويقال: مسك داري. بجر: جمع أبجر، وهو العظيم البطن، وإضافته للحقائب من إضافة الصفة إلى الموصوف. الحقائب: جمع حقيبة؛ وهي العيبة. ألهى الناس: شغلهم؛ من الإلهاء؛ وهو شغلك عن الشيء. جل: معظم وأكثر. ندلا؛ الندل: التناول والاختطاف بسرعة وخفة. زريق: اسم قبيلة، أو رجل. المعنى: يصف أولئك اللصوص بأنهم يخرجون للسرقة فيمرون بالدهناء، وحقائبهم فارغة، ثم يسرقون ويرجعون من دارين، وقد امتلأت حقائبهم بما سرقوا، وهم ينتهزون فرصة اشتغال الناس بأمورهم ومهامهم، ويوصي بعضهم بعضا بالسرعة في الخطف والحيلة؛ كما تفعل الثعالب التي يضرب بها المثل في ذلك، فيقال: أخطف من ثعلب. الإعراب: "على حين": متعلق بـ "يمرون" في البيت السابق: ألهى: فعل ماضٍ. الناس: مفعول به. جل: فاعل مرفوع لـ "ألهى" وهو مضاف. أمورهم: مضاف إليه، و"هم" مضاف إليه ثانٍ. وجملة "ألهى الناس جل أمورهم": في محل جر بالإضافة. ندلا: مفعول مطلق بفعل محذوف؛ والتقدير: فاندل ندلا. زريق: منادى بحرف نداء محذوف؛ والتقدير: يا زريق. المال: مفعول به لـ "ندلا". ندل: مفعول مطلق مبين للنوع واقع بدلا من قوله: "ندلا" السابق، وهو مضاف. الثعالب: مضاف إليه. وذهب الدنوشري إلى أن قوله: "ندل الثعالب": صفة لـ "ندلا" السابق؛ وقال: لا يضر كونه معرفة و"ندلا" السابق نكرة؛ لأنه على حذف مضاف؛ والتقدير: مثل ندل الثعالب؛ و"مثل": لا تتعرف بالإضافة إلى معرفة؛ وقال بعضهم؛ المعرف بـ "أل الجنسية" يقع صفة للنكرة؛ وهذا بعيد- وجعل الشاهد منه. انظر حاشية الشيخ يس على التصريح: ١/ ٣٣١. موطن الشاهد: "ندلا". وجه الاستشهاد: مجيء "ندلا" مصدرا نائبا عن فعله، وهو واقع في الطلب؛ لأن معناه: اندل -أي: اخطف- وهل ينوب هذا المصدر عن الفعل في الدلالة على معناه؟ وفي تحمل ضميره المستتر الذي كان فاعلا له، فيصير بعد الحذف فاعلا للمصدر؟ أو ينوب عن الفعل المحذوف. وفاعله معا؛ فلا يحتاج إلى فاعل؟ في المسألة قولان؛ والأول أحسن؛ لأنه مساير للقواعد، والثاني: أيسر وأخف. ضياء السالك: ٢/ ١٢٤.
[ ٢ / ١٩٠ ]
كذا أطلق ابن مالك، وخص ابن عصفور١ الوجوب بالتكرار، كقوله٢: [الوافر]
٢٤٩- فصبرا في مجال الموت صبرا٣
_________________
(١) ١ مرت ترجمته. ٢ القائل هو: قطري بن الفجاءة الخارجي التميمي، رأس الخوارج، وأحد الأبطال المذكورين، خرج في مدة ابن الزبير، له وقائع مشهورة في التغلُّب على بعض نواحي فارس، أرسل إليه الحجاج جيشا عظيما، فأصيب، وقتله الجند بعد ذلك وأرسل رأسه إلى الحجاج وذلك سنة: ٧٧ هـ. خزانة الأدب: ١٠/ ١٦٣. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: فما نيل الخلود بمستطاع وهو من قصيدته المشهورة التي مطلعها: أقول لها وقد طارت شعاعا من الأبطال: ويحك لن تراعي فإنك لو سألت بقاء يوم على الأجل المقدر لم تطاعي والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣١، والأشموني: "٤٢٣/ ١/ ٢١٢"، والمرتضى: ١/ ٢٣٦ والعيني: ٣/ ٥١، وحاشية يس: ١/ ٣٣٠، وشرح التبريزي على الحماسة: ١/ ٩٦. المفردات الغريبة: مجال الموت: مكان المعركة الذي يجول فيه الفرسان، الخلود: البقاء المستمر. المعنى: اصبري أيتها النفس، ولا تيأسي، واثبتي في موطن القتال حتى تحققي النصر أو تموتي موتا شريفا؛ فالفرار من القتال لا ينجي، والبقاء في هذه الدنيا غير ممكن، فلم الخوف والفزع؟! الإعراب: صبرا: مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبا؛ والتقدير: اصبري صبرا. "في مجال": متعلق بـ "صبرا". الموت: مضاف إليه. صبرا: توكيد للمصدر الأول. فما: الفاء تفريعية، و"ما" نافية. نيل: مبتدأ مرفوع؛ أو اسم "ما" العاملة عمل "ليس"، وهو مضاف. الخلود: مضاف إليه. بمستطاع: الباء حرف جر زائد. مستطاع: اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر "ما" الحجازية؛ أو خبر المبتدأ على إهمال "ما"، والأفضل الإعمال. موطن الشاهد: "صبرا في مجال الموت صبرا". وجه الاستشهاد: مجيء المصدر "صبرا" مكررا في البيت، وهو قائم مقام فعل الأمر، ولذا وجب حذف عامله هنا إجماعا؛ لأن ابن مالك وغيره من النحاة يرون وجوب الحذف متى كان المصدر واقعا موقع فعل الأمر من غير قيد؛ وابن عصفور ومن تبعه من النحاة يرون أن تكرار المصدر القائم مقام فعل الأمر، يوجب حذف المصدر، وفي هذا الشاهد تحقق الشرطان، فلا خلاف في وجوب حذف العامل.
[ ٢ / ١٩١ ]
أو مقرونا باستفهام توبيخي، نحو: أتوانيًا وقد جد قرناؤك؟ " وقوله١: [الوافر]
٢٥٠- ألؤمًا لا أبا لك واغترابا؟
_________________
(١) ١ القائل، هو: جرير بن عطية الخطفي، وقد مرت ترجمته. تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: أعبدا حَلَّ في شُعَبَى غريبا والبيت من كلمة لجرير في هجاء خالد بن يزيد الكندي، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣١، ٢/ ١٧١، ١٨٩، والأشموني: "٤٢٤/ ١/ ٢١٢"، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٧، ١٧٣، والجمل للزجاجي: ١٦٨، والخزانة: ١/ ٣٠٨، والعيني: ٣/ ٤٩، ٤/ ٢١٥، ٥٠٦، وديوان جرير: ٦٢. المفردات الغريبة: حل: نزل واستقر. شعبى "بألف مقصورة": موضع، أو المراد جبال متشعبة. غريبا: وصف من الغربة وهي البعد عن الأهل والوطن. ألؤما: اللؤم الخسة والدناءة. لا أبا لك: المقصود بهذا الأسلوب هنا الذم -أي أنه مجهول النسب. اغترابا: بعدا عن الوطن. المعنى: يهجو الشاعر رجلا، فيقول له: أيها الذليل الحقير الذي حل بهذا المكان -وهو عنه غريب- لا أهل له بهذا المكان ولا عشيرة؛ ثم تفخر؟ بعد أن جمعت ما بين الدناءة والاغتراب. الإعراب: أعبدا: الهمزة حرف نداء. عبدا: منادى منصوب. ويجوز أن تكون الهمزة حرف استفهام داخلة على فعل محذوف، والتقدير: أتفخر -مثلا- والفاعل: أنت. وعبدا: حال من الفاعل. حل: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، يعود إلى "عبدا"؛ وجملة "حل": في محل نصب صفة لـ "عبدا". غريبا: حال من الفاعل. ألؤما: الهمزة للاستفهام التوبيخي، و"لؤما": مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبا؛ والتقدير: أتلؤم لؤما؟. لا: نافية للجنس. أبا: اسم لا منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة. لك: اللام زائدة لتأكيد الإضافة، والكاف: في محل جر بالإضافة؛ والتقدير: لا أباك. واغترابا: الواو عاطفة، اغترابا: مفعول مطلق لعامل محذوف؛ والتقدير: وتغترب اغترابا؟؛ و"جملة الفعل المحذوف" معطوف على جملة "أتلؤم لؤما"؟. موطن الشاهد: "ألؤما واغترابا". وجه الاستشهاد: وقوع كل من "لؤما" و"اغترابا" مصدرا نائبا عن فعله بعد الاستفهام التوبيخي، فعامله محذوف وجوبا باتفاق.
[ ٢ / ١٩٢ ]
وواقع في الخبر١، وذلك في مسائل:
إحداها: مصادر مسموعة كثر استعمالها، ودلت القرائن على عاملها، كقولهم عند تذكر نعمة وشدة: "حمدا وشكرا لا كفرا" و: "صبرا لا جزعا" وعند ظهور أمر معجب "عجبا" وعند خطاب مرضي عنه أو مغضوب عليه "أفعله وكرامة ومسرة" و: "لا أفعله ولا كيدا ولا هما".
الثانية: أن يكون تفصيلا لعاقبة ما قبله٢، نحو: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ٣.
الثالثة: أن يكون مكررا، أو محصورا، أو مستفهما عنه، وعامله خبر عن اسم عين، نحو: "أنت سيرا سيرا" و: "ما أنت إلا سيرا" و: "إنما أنت سير البريد" و: "أأنت سيرا؟ ".
الرابعة: أن يكون مؤكدا لنفسه أو لغيره؛ فالأول الواقع بعد جملة هي نص في
_________________
(١) ١ هذا هو النوع الثاني المقابل لقوله سابقا "واقع في الطلب"، والمراد بالخبر هنا: ما ليس بطلب، فيشمل الإنشاء، غير الطلبي كصيغة التعجب، والمدح والذم، وجملة القسم، لا جملة الجواب. ومثل حمدا وشكرا. وقد جعل النحاة ذلك من قسم الخبر، نظرا لصورة العامل ولفظه. وقيل: إنها أساليب خبرية لفظا ومعنى. ٢ أي أن يكون المصدر في موضع يوضح ويفصل عاقبة جملة قبله؛ أي يبين الغاية والغرض من مضمون الجملة قبله، وذلك يكون بوقوعه بعد أداة تفيد التفصيل. ٣ "٤٧" سورة محمد، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "منا وفداء" تفصيلا وتوضيحا لعاقبة الأمر بشد الوثاق؛ والتقدير: فإما أن تمنوا مَنًّا بإطلاق الأسرى من دون فداء، وإما أن تفدوا فداء. "والفداء: العوض الحالي" وقد ناب كل منهما عن فعله في بيان معناه؛ وحذف العامل في هذه الحال الوجوب.
[ ٢ / ١٩٣ ]
معناه، نحو: "له علي ألف عرفا"١ أي: اعترافا، والثاني: الواقع بعد جملة تحتمل معناه وغيره، نحو: "زيد ابني حقا"٢ و: "هذا زيد الحقَّ لا الباطل" و: "لا أفعل كذا البتة"٣.
الخامسة: أن يكون فعلا علاجيا تشبيهيًّا، بعد جملة مشتملة عليه وعلى صاحبه، كـ: "مررت [بزيد] فإذا له صوتٌ صوتَ حمار، وبكاءٌ بكاءَ ذات داهية"٤.
[متى يجب الرفع]:
ويجب الرفع في نحو: "له ذكاءٌ ذكاءُ الحكماء" لأنه معنوي لا علاجي، وفي نحو: "صوتُه صوتُ حمار" لعدم تقدم جملة، وفي نحو: "فإذا في الدار صوتٌ صوتُ حمار" ونحو: "فإذا عليه نوحٌ نوحُ الحمام" لعدم تقدم صاحبه، وربما نصب نحو هذين، لكن على الحال.
تنبيه: مِثلُ: "له صوتٌ صوتَ حمار" قولُه٥: [البسيط]
_________________
(١) ١ جملة "له علي ألف" نص في الاعتراف لا تحتمل غيره، فمدلول الجملة هو مدلول المصدر، وسمي مؤكدا لنفسه؛ لأنه بمنزلة إعادة الجملة التي قبله. ٢ هذه الجملة تحتمل الحقيقة، وتحتمل المجاز على معنى: "أنت مثل ابني في الحنو والعطف"، وقد صارت نصا بالمصدر وهو "حقا" لأنه أزال الشك ورفع المجاز وأثبت الحقيقة، ولذلك سمي مؤكدا لغيره؛ لأنه جعل ما قبله نصا بعد أن كان محتملا، وأثر فيه فكأنه غيره؛ لأن المؤثِّر غير المؤثَّر. التصريح: ١/ ٣٣٣. ٣ جملة "لا أفعل كذا" تحتمل استمرار النفي وانقطاعه، وكلمة "ألبتة" رفعت احتمال الانقطاع، وحققت استمرار النفي. ٤ يجوز في هذين المثالين -مع استيفاء كل الشروط التي ذكرها المؤلف كغيره من النحاة- الرفع، على أن المصدر الثاني بدل من المصدر الأول، أو على أن الثاني نعت للأول؛ لأنه تخصص بإضافته إلى ما بعده. ٥ القائل هو: أبو كبير الهذلي؛ عامر بن الحليس، شاعر فحل من شعراء الحماسة، من هذيل، أدرك الإسلام، وأسلم، له خبر مع النبي -ﷺ-، وله ديوان شعر مطبوع. الأعلام "ط: ٣": ٤/ ١٦، وسمط اللآلي: ٣٨٧.
[ ٢ / ١٩٤ ]
٢٥١- ما إن يمس الأرض إلا منكب منه وحرف السابق، طي المحمل١
لأن ما قبله بمنزلة "له طيء"٢، قاله سيبويه.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا البيت في وصف أبي كبير الهذلي لتأبط شرا؛ ابن امرأته، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣٤، والأشموني: "٤٢٦/ ١/ ٢١٤"، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٨٠، والمقتضب: ٣/ ٢٠٣، ٢٣٢، والخصائص: ٢/ ٣٠٩، والإنصاف: ١/ ٢٣٠، والعيني: ٣/ ٥٤، وديوان الهذليين: ٢/ ٩٣. المفردات الغريبة: المنكب: مجمع عظم العضد والكتف. المحمل: علاقة السيف. المعنى: يصف تأبط شرا بأنه ضامر مدمج الخلق كطي المحمل، إذا اضطجع، لا يصل بطنه إلى الأرض، وإنما يمس الأرض من منكبه، وحرف ساقه، وإن له تجافيا كتجافي حمالة السيف. الإعراب: ما: نافية مهملة. "إن: زائدة لتأكيد النفي. يمس: فعل مضارع مرفوع. الأرض: مفعول به لـ "يمس" تقدم على الفاعل. إلا: أداة حصر. منكب: فاعل مرفوع. "منه": متعلق بمحذوف صفة لـ "منكب". وحرف: الواو عاطفة. حرف: معطوف على منكب، وحرف: مضاف، والساق: مضاف إليه. طي المحمل: مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف وجوبا، والمحمل: مضاف إليه. موطن الشاهد: "طي المحمل". وجه الاستشهاد: نصب المصدر بفعل محذوف وجوبا، كما في قولهم: له صوت صوت حمار؛ وهو وإن لم تسبقه جملة مستكملة للشروط التي ذكرت، غير أن الكلام السابق على المصدر، يدل على ما تدل عليه الجملة، كما ذكر المؤلف؛ فكلام الشاعر، معناه: "إن هذا الغلام إذا نام على الأرض، تجافى جسمه كل عنها إلا منكبه وحرف ساقه" فكأنه قال: "له طي"؛ فهي جملة مشتملة على المصدر وعلى صاحبه. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٤. ٢ أي: وهذه جملة مشتملة على المصدر وصاحبه. فائدتان: أ- إذا أضيف المصدر مثل: ويلك، ويحك، بعدك، يكثر نصبه على المصدرية، ويجوز فهي على قلة الرفع على الابتداء. وإذا أفرد، جاز الأمران على السواء. وإذا كان معرفا بأل فرفعه أحسن من نصبه نحو: الويل له، ويرفع مبتدأ أو خبر ما يفيد الطلب نحو: صبر جميل، أي صبر جميل أجمل، أو أمري صبر جميل وخبر المكرر والمحصور، والمؤكد، وما يفيد الخبر؛ نحو: عجب لتلك قضية أي: أمري عجب. وقيل: عجب مبتدأ، ولتلك خبر. ضياء السالك: ٢/ ١٣١. =
[ ٢ / ١٩٥ ]
_________________
(١) = ب- هنالك مصادر مسموعة بالنصب بصيغة التثنية مع الإضافة، مثل: لبيك وسعديك، وحنانيك ، ونصبها بفعل محذوف وجوبا، وهي نائبة عنه، والأصل: ألبى لبيك، وأسعد سعديك، وحن حنانيك. ومن المصادر ما هو مفرد منصوب ملازم للإضافة إلا في الضرورة. مثل: سبحان الله -أي براءة له من النقص، ومعاذ الله، أي عياذا واستعانة به. ضياء السالك: ٢/ ١٣١.
[ ٢ / ١٩٦ ]
[باب المفعول له]:
هذا باب المفعول له١:
ويسمى المفعول لأجله، ومن أجله، ومثاله: "جئت؛ رغبة فيك".
[شروط انتصاب المصدر على أنه مفعول لأجله]:
وجميع ما اشترطوا له خمسة أمور:
١- كونه مصدرا٢، فلا يجوز: "جئتك السمن والعسل" قاله الجمهور، وأجاز يونس: "أما العبيدَ فذو عبيد"٣ بمعنى مهما يذكر شخص لأجل العبيد فالمذكور ذو عبيد، وأنكره سيبويه.
٢- وكونه٤ قلبيا كالرغبة، فلا يجوز: "جئتك قراءة للعلم" ولا "قتلا للكافر" قاله ابن الخباز٥ وغيره، وأجاز الفارسي: "جئتك ضربَ
_________________
(١) ١ هو المصدر الذي يدل على سبب وعلة ما قبله، ويشارك عامله في وقته وفاعله. ٢ لأن المصدر يشعر بالعلية، أما الذوات فلا تكون في الغالب عللا للأفعال. ٣ أي ينصب "العبيد" على أنه مفعول لأجله مع أنه غير مصدر، وزعم أن هذا قول بعض العرب، "ويقولونه إذا وصف شخص آخر بعبيد وغيرهم، كالمنكرين عليه وصفه بغير العبيد. وقال البعض: إنه مفعول لأجله بتقدير مضاف، أي أما تملك العبيد فالمفعول هو المصدر المحذوف وهو تملك. التصريح: ١/ ٣٣٤. ٤ أي من أفعال النفس الباطنة. وقيل في سبب اشتراط ذلك: إن العلة هي السبب في إيجاز الفعل وسبب الشيء متقدم عليه، وأفعال الجوارح، كالقتل والضرب ، ليست كذلك، ولم يشترط بعضهم ذلك، وأجاز: جئتك إكراما لي، وجئتك اليوم إكراما لك. ٥ هو: شمس الدين أحمد بن الحسين بن أحمد بن أبي المعالي، النحوي الضرير؛ لم ير في زمانه أسرع منه حفظا، كان يحفظ المجمل لابن فارس، والإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي، والمفصل للزمخشري، وله مصنفات عديدة منها: النهاية في النحو: وشرح ألفية ابن معطي، مات بالموصل سنة ٦٣٧ هـ. البلغة: ١٩، إنباه الرواة: ١/ ٣٠٤، شذرات الذهب: ٥/ ٢٠٢، الأعلام: ١/ ١١٤.
[ ٢ / ١٩٧ ]
زيدا"١ أي: لتضرب زيدا.
٣- وكونه علة: عرضا كان كرغبة، أو غير عرض، كـ: "قعد عن الحرب جبنا".
٤- واتحاده بالمعلل به وقتا، فلا يجوز: "تأهبت السفر"٢، قاله الأعلم٣ والمتأخرون.
٥- واتحاده بالمعلل به فاعلا٤، فلا يجوز: "جئتك محبتك إياي"، قاله المتأخرون أيضا، وخالفهم ابن خروف٥.
[متى فقد المعلل شرطا وجب أن يجر بحرف التعليل]:
ومتى فقد المعلل شرطا منها وجب عند من اعتبر ذلك الشرط، أن يجر بحرف التعليل، ففاقد الأول، نحو: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَام﴾ ٦، والثاني نحو:
_________________
(١) ١ مع أن المصدر ليس قلبيا، وليس مشتركا مع العامل في الفاعل؛ لأن فاعل المجيء غير فاعل الضرب، فكأن الفارسي لا يشرتط هذين الشرطين. التصريح: ١/ ٣٣٥. ٢ بأن يتحد وقت الفعل المعلل والمصدر المعلل، وفي هذا المثال زمن التأهب غير زمن السفر. ٣ هو: يوسف الشنتمري، وقد مرت ترجمته. ٤ أي: بأن يكون فاعل الفعل وفاعل المصدر واحدا. ٥ فقال لا يشترط ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ إذ أن فاعل الإراءة هو الله، وفاعل الخوف والطمع العباد، وقد يقال: إن معنى يريكم: يجعلكم ترون، فيكون فاعل الرؤية والخوف واحدا. التصريح: ١/ ٣٣٥. ٦ "٥٥" سورة الرحمن: ١٠. موطن الشاهد: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَام﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الأنام" علة الوضع، ولكنها ليست مصدرا، فجُرَّ باللام.
[ ٢ / ١٩٨ ]
﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ ١ بخلاف: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ ٢، والرابع٣ نحو٤: [الطويل]
٢٥٢- فجئت وقد نضَّت لنوم ثيابها٥
_________________
(١) ١ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١٥١. موطن الشاهد: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "الإملاق" علة القتل؛ ولكنه ليس قلبيا فجر بـ "من" التعليلية؛ لافتقاده الشرط الثاني وهو القلبية. ٢ سورة الإسراء، الآية: ٣١. موطن الشاهد: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ . وجه الاستشهاد: "مجيء "خشية" مصدرا قلبيا علة للقتل فنصب على أنه مفعول لأجله. ٣ لم يذكر المؤلف الشرط الثالث؛ وهو كونه علة؛ لإخراجه بقوله: ومتى فقد المعلل، فلما ليس بعلة نحو: قتلته صبرا، لا يجوز جره باللام؛ لأن الجر بحرف التعليل يفيد العلة، والفرض عدمها. ٤ القائل: هو: امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: لدى الستر إلا لبسة المتفضل والبيت من معلقته المشهورة، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣٦، والأشموني: ٤٢٨/ ١/ ٢١٦"، والهمع: ١/ ١٩٤، ٢٤٧، والدرر: ١/ ٦٦، والمقرب: ٣٣. والعيني: ٣/ ٦٦، ٢٢٥، وشذور الذهب "١٠٩/ ٣٠١"، وقطر الندى "١٠١/ ٣٠٦. المفردات الغريبة: نضت: خلعت "بتشديد الضاد وتخفيفها"، لدى الستر: عند الستار: لبسة المتفضل: ما تلبسه وقت النوم من قميص ونحوه، والمتفضل: المتوشح بثوبه، أو لابس الثوب الواحد. المعنى: أتيت إلى محبوبتي.. وقد خلعت ثيابها استعدادا للنوم -ولم يبق عليها إلا الثوب الذي تلبسه قبيل النوم لتنام فيه؛ كناية عن أنها مترفة ووليدة نعمة. الإعراب: جئت: فعل ماضٍ وفاعل: وقد: الواو حالية. قد حرف تحقيق. نضت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، والفاعل: هي. "لنوم": متعلق بـ "نض". ثيابها: مفعول به منصوب، و"ها": مضاف إليه. وجملة "نضت لنوم ثيابها": في محل نصب على الحال. "لدى": متعلق بـ "نض" وهو ظرف مكان منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، وهو مضاف. الستر: مضاف إليه. إلا: حرف استثناء لا محل له من الإعراب. لبسة: منصوب على الاستثناء، وهو مضاف، المتفضل: مضاف إليه. موطن الشاهد: "لنوم". وجه الاستشهاد: مجيء "نوم" علة لخلع الثياب، غير أنه -أي زمن النوم- متأخر عن زمن خلع الثياب، فجرَّ بلام التعليل؛ لعدم اتحاد الوقت.
[ ٢ / ١٩٩ ]
والخامس نحو١: [الطويل]
٢٥٣- وإني لتعروني لذكراك هزة٢
_________________
(١) ١ القائل: هو: أبو صخر الهذلي؛ عبد الله بن سلم "سلمة" السهمي الهذلي، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، كان متعصبا لبني مروان، له في عبد الملك بن مروان وأخيه عبد العزيز مدائح كثيرة، وكان قد تحول عن عبد الله بن الزبير بعد أن حبسه، مات سنة ٣/ ٢٦١، وسمط اللآلي: ٣٩٩. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: كما انتفض العصفور بلله القطرُ والبيت من قصيدته المشهورة والتي مطلعها: عجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهرُ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣٦، ٢/ ١١، والأشموني: "٤٢٩/ ١/ ٢١٦" والإنصاف: ١/ ٢٥٣، وشرح المفصل: ٢/ ٦٧، وأمالي القالي: ١/ ١٤٩، والهمع: ١/ ١٩٤، والدرر: ١/ ١٦٦، والأغاني: ٢١/ ٩٧، والمقرب: ٣٣، والعيني: ٣/ ٦٧، ٢٧٨، والخزانة: ١/ ٥٥٢، وشرح السكري: ٩٥٧، وشذور الذهب: "١٠٢/ ١٦٩". المفردات الغريبة: تعروني: تنزل بي. لذاكراك: لتذكري إياك. هزة: رعدة وانتفاضة. انتفض العصفور: ارتعد وارتعش. القطر: المطر. المعنى: إني لاضطرب وتنتابني -عندك تذكرك- رعدة ورعشة، كما يضطرب العصفور، ويرتعش وينتفض، إذا ما نزل عليه المطر وبلله. الإعراب: إني: حرف مشبه بالفعل، والياء: اسمه. لتعروني: اللام لام المزحلقة، تعرو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو منع من ظهورها الثقل، والنون: للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. "لذكراك": متعلق بـ "تعرو"، والكاف: مضاف إليه. هزة: فاعل مرفوع؛ وجملة "تعروني لذكراك هزة": في محل رفع خبر "إن". كما: الكاف حرف جر، و"ما" حرف مصدري. انتفض: فعل ماضٍ مبني على الفتح. العصفور: فاعل مرفوع؛ و"ما، وما دخلت عليه": في تأويل مصدر مجرور بالكاف؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف صفة لـ "هزة"؛ والتقدير: تعروني هزة كائنة كانتفاض العصفور بلله: فعل ماضٍ، والهاء: مفعول به؛ والضمير عائد إلى العصفور. القطر: فاعل مرفوع؛ وجملة "ببله القطر": في محل نصب على الحال من العصفور؛ أو في محل رفع صفة للعصفور؛ لأنه محلى بأل الجنسية. موطن الشاهد: "لذكراك". وجه الاستشهاد: مجيء "ذكرى" علة لعروِّ الهزة، غير أن فاعل "العرو" الهزة، وفاعل "الذكرى" هو المتكلم؛ فلما اختلف الفاعل؛ جر الاسم الدال على العلة.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وقد انتفى الاتحادان في: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ١.
[جواز جر المستوفي للشروط بكثرة إن كان بأل]:
ويجوز جر المستوفي للشروط بكثرة إن كان بـ "أل"، وبقلة إن كان مجردا، وشاهد القليل فيهما قوله٢: [الرجز]
٢٥٤- لا أقعد الجبن عن الهيجاء٣
_________________
(١) ١ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ٧٨. موطن الشاهد: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ . وجه الاستشهاد: التقى مانعان للنصب على المفعول له في الآية الكريمة؛ الأول: فاعل الإقامة "المخاطب" وفاعل الدلوك "وهو الميل عن وسط السماء" الشمس؛ وزمنهما مختلف؛ لأن زمن الإقامة متأخر عن زمن الدلوك. والثاني: "الدلوك" ليس مصدرا قلبيا؛ فجرَّ المصدر باللام؛ لانتفاء الاتحادين. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: ولو توالت زمر الأعداء وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣٦، والأشموني: "٤٣١/ ١/ ٢١٧". المفردات الغريبة: الجبن: الخوف والفزع. الهيجاء: الحرب -تقصر وتمد، توالت: تتابعت وتكاثرت. زمر: جماعات؛ جمع "زمرة" وهي الجماعة. المعنى: لا أتكاسل ولا أتوانى عن اقتحام الحرب ومنازلة الأبطال خوفا وفزعا، ولو تكاثرت جماعات الأعداء علي، وأتى بعضها تلو بعض. الإعراب: لا: نافية. أقعد: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. الجبن: مفعول به لـ "أقعد" "عن الهيجاء": متعلق بـ "أقعد". ولو: الواو عاطفة، والمعطوف عليه محذوف؛ والتقدير: لو لم تتوالَ زمر الأعداء. ولو توالت: لو: شرطية غير جازمة: أو حرف امتناع لامتناع. توالت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث، وهو فعل الشرط. زمر: فاعل مرفوع، وهو مضاف. الأعداء: مضاف إليه؛ وجواب "لو" محذوف دل عليه ما قبله؛ لأن التقدير: ولو توالت علي زمر الأعداء فإني لا أقعد عن الهيجاء. موطن الشاهد: "الجبن". وجه الاستشهاد: مجيء "الجبن" مصدرا منصوبا على المفعول لأجله؛ وحكم نصبه في هذه الحالة قليل؛ لأنه مقرون بأل؛ والأكثر فيه أن يأتي مجرورا بحرفٍ دالٍّ على التعليل.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وقوله١: [مشطور الرجز]
٢٥٥- من أمكم لرغبة فيكم جبر٢
_________________
(١) ١ لم ينسب إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت من الرجز، وعجزه قوله: ومن تكونوا ناصريه يَنْتَصِرْ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣٦، والأشموني: "٤٣٠/ ١/ ٢١٧"، والعيني: ٣/ ١٧٠، وفيه "ظفر". المفردات الغريبة: أمكم: قصدكم. لرغبة: رغب فيه: أراده وأحبه، ورغب عنه كرهه ولم يرده. جبر: اغتنى وظفر بما يريد. ناصريه: جمع ناصر وهو المعين. المعنى: إن من يقصدكم يريد فضلكم ومعروفكم؛ يظفر بما يريد. والذي تتولون إعانته ونصره على أعدائه ينتصر لا محالة. الإعراب: من: اسم شرط جازم، في محل رفع مبتدأ. أمكم: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، و"كم": مفعول به؛ وجملة "أمكم" في محل جزم فعل الشرط. "لرغبة": متعلق بـ "أم". "فيكم": متعلق بـ "رغبة" أو بمحذوف صفة لـ "رغبة". جبر: فعل ماضٍ مبني للمجهول؛ وهو مبني على الفتح، وسكن لضرورة الوقف في محل جزم جواب الشرط. ومن: الواو عاطفة. من: اسم شرط جازم، في محل رفع مبتدأ. تكونوا: فعل مضارع ناقص، وهو فعل الشرط مجزوم بحذف النون، وواو الجماعة في محل رفع اسمه. ناصريه: خبر "تكونوا" منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم، و"الهاء": في محل جر بالإضافة. ينتصر: فعل مضارع مجزوم؛ لأنه جواب الشرط؛ وجملتا الشرط والجزاء في العبارتين في محل رفع خبر المبتدأ "اسم الشرط الجازم". موطن الشاهد: "لرغبة". وجه الاستشهاد: مجيء "رغبة" مصدرا قلبيا واقعا مفعولا لأجله، غير أنه جر بحرف التعليل "اللام" مع كونه مجردا من "أل" ومن الإضافة؛ وحكم جره وهو على هذه الحال قليل والكثير فيه النصب.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
[استواء النصب والجر في المضاف]:
ويستويان في المضاف، نحو: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ١، ونحو: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ٢، قيل: ومثله: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ٣، أي: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم الرحلتين، والحرف في هذه الآية واجب عند من اشترط اتحاد الزمان.
_________________
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٦٥. موطن الشاهد: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ابتغاء" مصدرا منصوبا على أنه مفعول لأجله وهو مضاف؛ وحكم نصبه في هذا الحال الجواز. ٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٧٤. موطن الشاهد: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "خشية" مصدرا مفعولا له، غير أنه جر بمن التعليلية؛ لأن التقدير: لم يهبط لأجل خشية الله؛ وهو مضاف إلى لفظ الجلالة؛ وحكم جره في هذه الحالة الجواز. ٣ "١٠٦" سورة قريش، الآية: ١. موطن الشاهد: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إيلاف" مصدرا مفعولا له، وهو مضاف مجرور باللام المتعلقة بـ "يعبدوا" وقيل: متعلقة بـ "أعجبوا" مقدرا؛ وقيل غير ذلك؛ وحكم جره الجواز؛ لما ذكرنا في الآيتين السابقتين. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٧. فائدة: يجوز حذف المفعول لأجله لدليل، تقول: اعبد الله شكرا وأطعه، أي شكرا. كما يجوز حذف عامله لقرينة تدل عليه، فتقول: طلبا للراحة. في جواب: لم سافرت بالأمس؟.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
[باب المفعول فيه]:
هذا باب المفعول فيه، وهو المسمى ظرفا١:
[تعريف الظرف وأنواع ما ينتصب على الظرفية]:
الظرف: ما ضُمِّنَ معنى "في" باطِّراد: من اسم وقت، أو اسم مكان، أو اسم عرضت دلالته على أحدهما، أو جار مجراه.
فالمكان والزمان، كـ: "امكث هنا أزمُنًا".
والذي عرضت دلالته على أحدهما أربعة: أسماء العدد المميزة بهما، كـ: "سرت عشرين يوما، ثلاثين فرسخا"، وما أفيد به كلية أحدهما أو جزئيته، كـ: "سرت جميع اليوم، جميع الفرسخ" أو: "كل اليوم كل الفرسخ"، أو: بعض اليوم، بعض الفرسخ"، أو: "نصف اليوم، نصف الفرسخ".
وما كان صفة لأحدهما، كـ: "جلست طويلا من الدهر شرقيَّ الدار".
وما كان محفوضا بإضافة أحدهما ثم أنيب عنه بعد حذفه.
والغالب في هذا النائب أن يكون مصدرا، وفي المنوب عنه أن يكون زمانا، ولا بد من كونه معينا لوقت أو لمقدار، نحو: "جئتك صلاة العصر" أو: "قدوم الحاج"، و: "أنتظرك حلب ناقة" أو: "نحر جزور".
وقد يكون النائب اسم عين، نحو: "لا أكلمه القارِظَيْن"٢، والأصل "مدة غيبة القارظين".
_________________
(١) ١ المفعول فيه. تسمية الكوفيين، أما الظرف فتسمية البصريين، ويعترض الكوفيون على تسمية البصريين، بأن الظرف في اللغة هو: الوعاء المتناهي الأقطار، وليس اسم الزمان والمكان كذلك. حاشية الصبان: ٢/ ١٢٥، وشرح التصريح: ١/ ٣٣٧. ٢ "القارظين" منصوب على الزمان؛ لنيابته عنه بعد حذفه وهو ليس بمصدر، "والقارظين" =
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وقد يكون المنوب عنه مكانا، نحو: "جلست قرب زيد" أي: مكان قربه.
[الجاري مجرى أحدهما]:
والجاري مجرى أحدهما: ألفاظ مسموعة توسعوا فيها، فنصبوها على تضمين معنى "في" كقولهم: "أحقا أنك ذاهب"١ والأصل أفي حق، وقد نطقوا بذلك، قال٢: [الطويل]
٢٥٦- أفي الحق أني مغرم بك هائم٣
_________________
(١) = مثنى قارظ، وهو جاني القرظ الذي يدبغ به، وهما رجلان من عنزة خرجا يجنيان القرظ، فطالت مدة غيابهما ولم يرجعا، فضرب برجوعهما المثل؛ للأمر الميئوس منه الذي لا يكون أبدا ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: فتلك التي لا يبرح القلب حبها ولا ذكرها ما أرزمت أم حائل وحتى يؤوب القارظان كلاهما وينشر في القتلى كليب لوائل وقد أورد الميداني هذا المثل، ونصبه: "حتى يؤوب القارظان" انظر أمثال الميداني "تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد": ١/ ٢١١، برقم: ١١٢٥، وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٨. ١ أحقا: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. أنك ذاهب: في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر. ٢ القائل هو: فائد بن المنذر القشيري. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وأنك لا خَلٌّ هواك ولا خمرُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٣٩، والخزانة: ١/ ١٩٣ عرضا، والعيني: ٣/ ٨١، ومغني اللبيب: "٨١/ ٧٩" وشرح السيوطي: ٦٣. المفردات الغريبة: مغرم: مولع، من أغرم بالشيء، أولع به. هائم: متحير. المعنى: ليس غرامي بك، وعشقي لك حقا؛ لأنك لا تستقرين على حال؛ وهواك غير ثابت، كماء العنب المتردد بين الخلية والخمرية؛ فلا هو خل صرف، ولا خمر خالص؛ ومن كان هواه بهذه المثابة، فكيف يكون غرام من أغرم بها حقا؟!. الإعراب: "أفي الحق": الهمزة حرف استفهام يفيد الإنكار. "في الحق": متعلق بمحذوف خبر مقدم. أني: حرف مشبه بالفعل، والياء: اسمه. مغرم: خبره مرفوع؛ والمصدر المؤول من "أنَّ وما بعدها": في محل رفع مبتدأ مؤخر؛ ويجوز أن يكون =
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وهي جارية مجرى ظرف الزمان دون ظرف المكان، ولهذا تقع خبرا عن المصادر دون الجثث.
ومثله: "غير شك" أو: "جهد رأيي" أو: "ظنا مني أنك قائم"١.
[ما خرج عن الحد]:
وخرج عن الحد ثلاثة أمور:
_________________
(١) = في محل رفع فاعل بالظرف أو "بالجار والمجرور؛ لاعتماده على الاستفهام -على رأي من يجيزون ذلك. "بك": متعلق بـ "مغرم". هائم: خبر ثان لـ "أن". لا خل: لا عاملة عمل ليس و"خل": اسمها. هواك: خبرها، والكاف مضاف إليه؛ وجملة "لا خَلٌّ هواك": في محل رفع خبر لـ "أن". ولا خمر: الواو عاطفة، لا: عاملة عمل ليس. خمر: معطوف على خل، وخبره محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه؛ والتقدير: ولا خمر هواك. موطن الشاهد: "أفي الحق". وجه الاستشهاد: "مجيء "الحق" مصرحا معه بالجار؛ وفي هذا دليل على أن "حقا" ظرف زمان؛ لتضمنه معنى "في" وليس منصوبا على المفعولية المطلقة باعتبار أصله، كما يقول بعضهم؛ حيث اتفق العلماء على أن أصل "حقا" مصدر، ثم اختلفوا: هل هو باقٍ على مصدريته أو لا؟. فذهب سيبويه والجمهور من النحاة في قولهم: "أحقا أنك ذاهب" إلى أن "حقا" منصوبة على الظرفية متعلقة بالاستقرار، على أنها خبر مقدم. و"أنك ذاهب": في تأويل مصدر مرفوع بالابتداء، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾؛ والتقدير: ومن آياته رؤيتك. والأصل: أفي حق ذهابك؛ فحذفت "في" وانتصب "حقا" على الظرفية. وذهب المبرد، وتبعه ابن مالك إلى أن "حقا" مصدر بدل من اللفظ بفعله و"أن وما بعدها": في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ والتقدير: أو لم يكفهم إنزالنا، ورده، أبو حيان. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٨-٣٣٩، ومغني اللبيب: ٧٩. ١ "غير شك"، و"جهد رأيي". و"ظنا مني"، كلمات منصوبة على الظرفية الزمانية توسعا بإسقاط حرف الجر "في"، والظرف فيها جميعا خبر مقدم، والمصدر المؤول بعدها من "أنك قائم" مبتدأ مؤخر. التصريح: ١/ ٣٣٩.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
أحدهما: نحو: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ١ إذا قدر بفي؛ فإن النكاح ليس بواحد مما ذكرنا.
والثاني: نحو: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ ٢، ونحو: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٣، فإنهما ليسا على معنى: "في" فانتصابهما على المفعول به، وناصب "حيث" يعلم محذوفا؛ لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به إجماعا٤.
_________________
(١) ١ "٤" سورة النساء، الآية: ١٢٧. موطن الشاهد: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ . وحه الاستشهاد: عدم مجيء المصدر المؤول من "أن وما بعدها" ظرفا؛ وإن كان المصدر على تقدير في ويصدق عليه التعريف، غير أنه ليس بظرف؛ لأن المعنى: ترغبون في نكاحهن. ٢ "٧٦" سورة الإنسان، الآية: ٧. موطن الشاهد: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ . وجه الاستشهاد: عدم مجيء "يوما" ظرفا -وإن كان من أسماء الزمان- لأنه ليس على معنى "في"؛ لأنه ليس المراد أن الخوف واقع في ذلك اليوم؛ وإنما المراد: أنهم يخافون نفس اليوم لا ما يقع فيه. ٣ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١٢٤. موطن الشاهد: ﴿أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ﴾ . وجه الاستشهاد: عدم مجيء "حيث" ظرفا -وإن كان من أسماء الزمان- لأنه ليس على تقدير "في"؛ لأنه ليس المراد أن العلم واقع في ذلك المكان؛ وإنما المراد: أن الله -تعالى- يعلم نفس المكان المستحق لوضع رسالته؛ وقال بعضهم: إن قولهم: "حيث": مفعول به لا ظرف فيه إخراج "حيث" عن طبيعتها؛ لأنها لا تتصرف، وجعلها مفعولا به نوع من التصرف، ولماذا لا يقال: إن المراد أن الله -﷾- يعلم الفضل والطهارة والصلاحية التي في مكان الرسالة؛ فتبقى "حيث" ظرفا على أصلها. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٩. ٤ ذكر صاحب التصريح عن صاحب كتاب "البديع" قوله: "غلط من قال: إن اسم التفضيل لا يعمل في المفعول به؛ لورود السماع بذلك، كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾؛ لأن "سبيلا" ليس تمييزا؛ لكونه غير فاعل في المعنى، كما هو الحال في قولهم: "زيد أحسن وجها" وفي الارتشاف لأبي حيان، وقال محمد بن مسعود الغزني: أفعل التفضيل ينصب المفعول به، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ انظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٩.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
والثالث: نحو: "دخلت الدار"، و: "سكنت البيت" فانتصابهما إنما هو على التوسع بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فإنه لا يطرد تعدي الأفعال إلى الدار والبيت على معنى "في" لا تقول: "صليت الدار" ولا "نمت البيت"١.
[حكم الظرف النصب وناصبه اللفظ الدال على المعنى الواقع فيه]:
فصل: وحكمه النصب، وناصبه اللفظ الدال على المعنى الواقع فيه٢، ولهذا اللفظ ثلاث حالات:
[حالات اللفظ]:
إحداها: أن يكون مذكورا، كـ: "امكث هنا أزمنا"، وهذا هو الأصل.
والثانية: أن يكون محذوفا جوازا، وذلك كقولك: "فرسخين" أو "يوم الجمعة" جوابا لمن قال: "كم سرت"؟ أو "متى صمت"؟
والثالثة: أن يكون محذوفا وجوبا، وذلك في ست مسائل، وهي: أن يقع صفة كـ: "مررت بطائر فوق غصن" أو صلة كـ: "رأيت الذي عندك" أو حالا كـ: "رأيت الهلال بين السحاب" أو خبرا كـ: "زيد عندك" أو مشتغلا عنه كـ: "يوم الخميس صمت فيه" أو مسموعا بالحذف لا غير٣ كقولهم: "حينئذ الآن"٤، أي: كان ذلك حينئذ، واسمع الآن.
_________________
(١) ١ لأنهما من أسماء المكان المختصة؛ بها صورة وحدود محصورة، لا يقبل النصب على الظرفية من المكان إلا المبهم الصالح لكل بقعة، كمكان وناحية وجهة إلخ، أو الذي اتحدت مادته ومادة عاملة. ٢ سواء كان هذا اللفظ فعلا مطلقا تامًا أو ناقصا، متعديا، أو لازما، أم مصدرا أم اسم فعل، أم وصفًا. ٣ أنكر المؤلف في المغني قولهم: "لا غير" وأوجب أن يقال: ليس غير. مغني اللبيب: ٢٠٩. ٤ هذا مثل يقال لمن ذكر أمرا قد تقادم عهده؛ أي كان ما تقوله واقعا حين إذا كان كذا وكذا واسمع الآن ما أقول لك، جملتان: اقتطعت "حينئذ" من جملة واقتطعت "الآن" من أخرى، والمقصود نهي المتكلم عن ذكر ما يقوله؛ وأمره بسماع ما يقال له فـ "حين" منصوبة لفظا بفعل محذوف وهي مضافة إلى "إذ"؛ و"الآن" مبني على الفتح في محل نصب، وناصبه محذوف.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
[أسماء الزمان كلها صالحة للانتصاب على الظرفية]:
فصل: أسماء الزمان كلها صالحة للانتصاب على الظرفية، سواء في ذلك مبهمها كحين ومدة، ومختصها كيوم الخميس، ومعدودها كيومين وأسبوعين١.
والصالح لذلك من أسماء المكان نوعان:
[ما يصلح من أسماء المكان نوعان]:
أحدهما المبهم٢، وهو: ما افتقر إلى غيره في بيان صورة مسماه: كأسماء الجهات نحو أمام ووراء ويمين وشمال وفوق وتحت، وشبهها في الشياع كناحية واجبن٣ ومكان، وكأسماء المقادير كميل وفرسخ وبريد٤.
_________________
(١) ١ الظرف المبهم: ما دل على زمن غير مقدر، ولا يقع جوابا لمتى وكم نحو حين، ومدة، ووقت. والمختص: ما دل على مقدر ويقع جوابا لمتى نحو: يوم الخميس، جوابا لمن قال: متى جئت؟ والمعدود: ما يقع جوابا لكم نحو: يومين وأسبوع. ومن الظروف المبهمة ما له اختصاص من بعض الوجوه؛ كغداة، وعشية، وليلة، وصباح، ومساء. وبـ "في" مما ينتصب من اسم الزمان على الظرفية ما اشتق من المصدر كمجلس زيد ومقعده، بمعنى زمان جلوسه وزمان قعوده. التصريح: ١/ ٣٤١. ٢ يحصل الإبهام في المكان من وجهين؛ أحدهما: ألا يلزم مسماه؛ لأن "خلفك قدام لغيرك، وأنك بتحولك عن تلك الجهة، يصير ما كان خلفك قدام أو يمينك أو يسارك على حسب تحولك؛ لأن الجهات تختلف باختلاف الكائن فيها؛ فهي جهات له -وهو في وقع خاص- وليس لكل واحدة منها حقيقة منفردة بنفسها؛ وثانيهما: أن هذه الجهات ليس لها أمد معلوم تنتهي إليه؛ فخلفك: اسم لما وراء ظهرك إلى آخر الدنيا، وأمامك: اسم لما قدام وجهك إلى آخر الدنيا وهكذا". شرح التصريح: ١/ ٣٤١. ٣ استثنى بعضهم من المبهم: جانب وما في معناه، كـ: "جهة، ووجه وكنف، وخارج، وداخل وجوف، وظاهر، وباطن"، فلا ينصب منها شيء على الظرفية، بل يجب التصريح معها بالحرف. التصريح: ١/ ٣٤١. ٤ الميل: ألف باع، والفرسخ: ثلاثة أميال، والبريد: أربعة فراسخ. وقيل إن هذه من المختص؛ لأنها معلومة المقدار، وقيل: هي شبيهة بالمبهم.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
والثاني: ما اتحدت مادته ومادة عامله، كـ: "ذهبت مذهب زيد"، و: "رميت مرمى عمرو"، وقوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ ١.
وأما قولهم: "هو مني مقعد القابلة" و: "مزجر الكلب" و: "مناط الثريا" فشاذ؛ إذ التقدير: هو مني مستقر في مقعد القابلة، فعامله الاستقرار، ولو أعمل في المقعد قعد، وفي المزجر زجر، وفي المناط ناط؛ لم يكن شاذا٢.
[الظرف نوعان]:
فصل: الظرف نوعان:
متصرف، وهو: ما يفارق الظرفية إلى حالة لا تشبهها، كأن يستعمل مبتدأ أو خبرا أو فاعلا أو مفعولا أو مضافا إليه، كـ "اليوم"، تقول: "اليوم يوم مبارك" و: "أعجبني اليوم" و: "أحببت يوم قدومك" و: "سرت نصف اليوم".
وغير متصرف، وهو نوعان: ما لا يفارق الظرفية أصلا، كـ: "سقط وعوض"٣، تقول: "ما فعلته قَطُّ" و: "لا أفعله عَوْضُ"٤ وما لا يخرج عنها إلا
_________________
(١) ١ "٧٢" سورة الجن، الآية: ٩. موطن الشاهد: ﴿نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ﴾ . وجه الاستشهاد: انتصاب "مقاعد" على الظرفية؛ لاتحاد مادتها ومادة الفعل "نقعد"؛ ولو اختلفت مادتهما؛ لم يجز في القياس نصب "مقاعد" على الظرفية. ٢ لأن المدار على اتحاد الظرف والعامل في المادة. وإنما استأثرت أسماء الزمان بصلاحية المبهم منها والمختص للظرفية دون أسماء المكان؛ لأن أصل العوامل الفعل، ودلالته على الزمان أقوى من دلالته على المكان. ولم ينصب المختص من الأمكنة على الظرفية؛ لأنه يلتبس بالمفعول به كثيرا. التصريح: ١/ ٣٤٢. ٣ ومثلهما: بين أو بينما، والظروف المركبة: كصباح مساء، وبين بين. ٤ قط وعوض، لا يستعملان إلا بعد نفي كما مثل، وقط لاستغراق الماضي من الزمان كما أن عوض لاستغراق المستقبل مثل أبدا، فالمعنى: ما فعلته فيما انقطع ومضى من عمري، ولا أفعله في المستقبل. و"قط" مشتقة من قططت الشيء إذا قطعته، و"عوض" مشتقة من العوض، سمي الزمان: "عوض" لأن كل جزء منه يخلف ما قبله، فكأنه عوض عنه، و"قط" مبنية على الضم، أما عوض فتبنى على الحركات الثلاث إذا لم تضف. التصريح: ١/ ٣٤٢، ومغني اللبيب: ٢٠٠، ٢٣٣.
[ ٢ / ٢١٠ ]
بدخول الجار عليه، نحو قبل وبعد ولدن وعند، فيحكم عليهن بعدم التصرف مع أن "من" تدخل عليهن؛ إذ لم يخرجن عن الظرفية إلا إلى حالة شبيهة بها؛ لأن الظرف والجار والمجرور أخوان.
[ ٢ / ٢١١ ]
[باب المفعول معه]:
هذا باب المفعول معه:
[تعريف المفعول معه وما يخرج بكل قيد]:
وهو: اسم، فضلة، تالٍ لواو بمعنى مع، تالية لجملة ذات فعل أو اسم فيه معناه وحروفه، كـ: "سرت والطريق" و: "أنا سائر والنيل".
فخرج باللفظ الأول نحو: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" ونحو: "سرت والشمس طالعة" فإن الواو داخلة في الأول على فعل، وفي الثاني على جملة، وبالثاني نحو: "اشترك زيد وعمرو"، وبالثالث نحو: "جئت مع زيد"، وبالرابع نحو: "جاء زيد وعمرو قبله، أو بعده"، وبالخامس نحو: كل رجل وضيعته"١ فلا يجوز فيه النصب، خلافا للصيمري٢، وبالسادس نحو: "هذا لك وأباك" فلا يتكلم به، خلافا لأبي علي٣.
_________________
(١) ١ هذا: إذا قدر الخبر مثنى، كأنه قيل: كل رجل وضيعته مقترنان، أما إذا قدر الخبر مفردا، فيجوز النصب على المعية عطفا على ضمير الخبر، كأنه قيل أكل رجل موجود وضيعته. ٢ هو: أبو محمد؛ عبد الله بن علي بن إسحاق الصيمري النحوي، نسبة إلى الصيمرة وهي بلد بالبصرة، كان عالما فاضلا، قدم مصر، ونقل عنه أبو حيان كثيرا. له كتاب جليل في النحو يسمى: "التبصرة" يشتغل به أهل المغرب، وقد أحسن فيه التعليل لمذهب البصريين. البلغة: ١١٢، بغية الوعاة: ٢/ ٤٩، إنباه الرواة: ٢/ ١٢٣، معجم المؤلفين: ٦/ ٨٧. ٣ هو أبو علي الفارسي، وقد مرت ترجمته. فقد أجاز مثل ذلك بناء على مذهبه من الاكتفاء بما فيه معنى الفعل، كالإشارة، والتنبيه، والظرف، ولهذا أجاز في قول الشاعر: لا تحبسنك أثوابي فقد جمعت هذا ردائي مطويا وسربالا أن ينصب "سربالا" على المعية. والجمهور على أنه منصوب بـ "مطويا" ليس غير.
[ ٢ / ٢١٢ ]
فإن قلت: فقد قالوا: "ما أنت وزيدا" و: "كيف أنت وزيدا"١.
قلت: أكثرهم يرفع بالعطف، والذين نصبوا قدروا الضمير فاعلا لمحذوف لا مبتدأ، والأصل: ما تكون؟ وكيف تصنع٢؟ فلما حذف الفعل وحده برز ضميره وانفصل.
_________________
(١) ١ أي ينصب "زيدا" فيها، بعد "ما" و"كيف" الاستفهاميتين؛ مع أنه لم يتقدم فعل، ولا اسم فيه معنى الفعل وحروفه. ٢ أي: لتعذر الاتصال. وقدر سيبويه الفعل المحذوف من لفظ الكون، وجعله ماضٍيا مع "ما" ومضارعا مع "كيف" فقال: إن الأصل: ما كنت وزيدا؟ وكيف تكون وزيدا؟. وقيل: إن هذا غير مقصود من سيبويه، و"كان" في المثالين: إما ناقصة وأداة الاستفهام قبلها خبر مقدم، واسمها ضمير المخاطب الذي كان مستترا؛ فلما حذفت برز وانفصل -وهذا هو الأصح- وإما تامة وفاعلها الضمير المستتر، وما الاستفهامية مفعول مطلق متقدم، وكيف: حال مقدم؛ والتقدير: أي وجود توجد مع زيد -وهذا رأي ضعيف- وقد أشار الناظم إلى ذلك بقوله: وبعد "ما" استفهام أو "كيف" نصب بفعل كون مضمر بعض العرب أي: نصب بعض العرب المفعول معه بعد "ما" و"كيف" الاستفهاميتين، وجعل النحاة النصب بفعل مقدر من لفظ الكون كما بين المؤلف. انظر في تفصيل هذه المسألة: شرح التصريح: ١/ ٣٤٣، والأشموني: ١/ ٢٢٥، والمفصل، للزمخشري: ٥٨. فائدة: ورد في كلام العرب الاسم الواقع بعد الواو المسبوقة بـ "ما أنت" و"كيف أنت" مرفوعا ومنصوبا؛ والأكثر وروده مرفوعا كما في قول الشاعر: وكنت هناك أنت كريم قيس فما القيسي بعدك والفخار وكقول الآخر: وكنت امرأ من أهل نجد وأهلنا تهام، فما النجدي والمتغورُ وفي حالة الرفع؛ تكون الواو للعطف، ويكون الاسم المرفوع معطوفا على الضمير "أنت" وأما مجيئه منصوبا؛ فنحو قول أسامة بن حبيب الهذلي: ما أنت والسير في متلفٍ يبرِّح بالذَّكَرِ الضَّابِطِ ونحو الآخر: أتوعدني بقومك يابن حجلِ أشابات يخالون العبادا بما جمَّعت من حضن وعمرو وما حضن وعمرو والجيادا والشاهد هنا قوله: "والجيادا"؛ لأن قوله: "وعمرو" فالواو فيها واو العطف. أوضح المسالك: ٢/ ٢٤٠، حا: ١.
[ ٢ / ٢١٣ ]
[الناصب للمفعول معه]:
والناصب للمفعول معه ما سبقه من فعل أو شبهه١، لا الواو، خلافا للجرجاني٢، ولا الخلاف، خلافا للكوفيين، ولا محذوف، والتقدير: سرت ولابست النيل، فيكون حينئذ مفعولا به، خلافا للزجاج٣.
[للاسم بعد الواو خمس حالات]:
فصل: للاسم بعد الواو خمس حالات:
١- وجوب العطف، كما في: "كل رجل وضيعته" ونحو: "اشترك زيد وعمرو" ونحو: "جاء زيد وعمرو قبله أو بعده" لما بينا٤.
_________________
(١) ١ أي: ما يشبهه في العمل من كل ما ينصب المفعول به من المشتقات؛ وذلك يشمل: اسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر، واسم الفعل، ولكن لا يشمل الصفة المشبهة، ولا أفعل التفضيل، ولا ما يعمل. وأما قوله "ما سبقه من فعل أو شبهه" فهو تابع فيه لابن مالك في قوله: بما من الفعل وشبهه سبق ذا النصب، لا بالواو في القول الأحق وفي هذا إشارة إلى أنه لا يجوز تقديم المفعول معه على العامل فيه؛ فلا يقال: والنيل سرت، ولا يقال: والنيل أنا سائر؛ وهذا مما لا خلاف فيه، وكذلك لا يجوز أن يتوسط المفعول معه بين العامل ومصاحبه، فلا يقال: سار والنيل زيد. وخالف ابن جني هنا، وأجاز التوسط بين العامل ومصاحبه؛ أي: أن يتقدم المفعول معه مصاحبه، واستدل بقول الحماسي: أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقيه والسوأة اللقبا فأصل الكلام: ولا ألقبه اللقب والسوأة على مذهب ابن جني. والصواب -فيما استدل به- أن تالي الواو في هذين البيتين ليس مفعولا معه، بل هو معطوف، تقدم على المعطوف عليه ضرورة، والضرورة تحفظ ولا يقاس عليها. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٣٤، وحاشية الصبان: ٢/ ١٣٧. ٢ مرت ترجمته. ٣ مرت ترجمته. ٤ أي من فقد شروط النصب، وهو عدم تقدم جملة في الأول، وعدم الفضلة في الثاني وعدم المصاحبة في الثالث.
[ ٢ / ٢١٤ ]
٢- ورجحانه١، كـ: "جاء زيد وعمرو" لأنه الأصل، وقد أمكن بلا ضعف.
٣- ووجوب المفعول معه، وذلك في نحو: "ما لك وزيدا"، و: "مات زيد وطلوع الشمس" لامتناع العطف في الأول من جهة الصناعة٢، وفي الثاني من جهة المعنى.
٤- ورجحانه، وذلك في نحو قوله٣: [الوافر]
٢٥٧- فكونوا أنتم وبني أبيكم٤
_________________
(١) ١ أي رجحان العطف، ويجوز النصب على ضعف. ٢ لأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بعد إعادة الجار، قال تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: مكان الكليتين من الطحال وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٤٥، والأشموني: "٤٤١/ ١/ ٢٢٥" والهمع: ١/ ٢٢٠، ٢٢١، والدرر: ١/ ١٩٠، والعيني: ٣/ ١٠٢، وشرح المفصل: ٢/ ٤٨، ٥٠، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٥٠، وقطر الندى "١٠٣/ ٣١٥"، ومجالس ثعلب: ١٢٥. المفردات الغريبة: الكليتان: معروفتان، والمفرد، كلية وكلوة، والجمع: كليات وكلى. الطحال: معروف أيضا وهو دم متجمد، وجمعه: طحل، ككتب. المعنى: يأمر الشاعر مخاطبيه ويوصيهم بأن يكونوا مع أخوانهم على وفاق واتصال تام، كاتصال الكليتين بالطحال. الإعراب: كونوا: فعل أمر ناقص مبني على حذف النون؛ لاتصاله بواو الجماعة، والواو في محل رفع اسم "كن" الناقصة. أنتم: ضمير منفصل مؤكد للضمير المتصل "واو الجماعة". وبني: الواو واو المعية، بني: مفعول معه منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف، أبيكم: "أبي" مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف و"كم": مضاف إليه. "مكان": متعلق بمحذوف خبر "كونوا" الناقصة، وهو مضاف. الكليتين: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى. "من الطحال": متعلق بـ "مكان"؛ لأن فيه رائحة الفعل. موطن الشاهد: "وبني أبيكم". وجه الاستشهاد: نصب "بني" على أنه مفعول معه، وحكم نصبه على أنه مفعول معه -هنا- الجواز مع الرجحان؛ لأنه يجوز أن يرفع عطفا على الضمير الواقع اسما في "كونوا"؛ لوجود التأكيد بالضمير المنفصل، غير أنه ضعيف من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي -حينئذ- أن يكون أبناء الأب مأمورين بذلك أيضا، وهو غير مراد؛ لأن المراد؛ توجيه الأمر للمخاطبين -وحدهم- بأن يكونوا مع بني أبيهم متحابين كالكليتين من الطحال؛ ولهذا، قلنا: حكم النصب هنا الجواز مع الترجيح. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٤٥.
[ ٢ / ٢١٥ ]
ونحو: "قمت وزيدا"؛ لضعف العطف في الأول من جهة المعنى، وفي الثاني من جهة الصناعية١.
٥- وامتناعهما، كقوله٢: [الكامل]
٢٥٨- علفتها تبنا وماء باردا٣
_________________
(١) ١ لأنه لا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل، إلا بعد توكيده بضمير منفصل أو بأي فاصل كان، ونحو: أكرمتك ومحمدا، يجوز كون "محمدا" معطوفا على الكاف، وأن يعرب مفعولا معه. التصريح ١/ ٣٤٥. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: حتى شتت همالة عيناها وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٤٦، والأشموني: "٤٤٢/ ١/ ٢٢٦"، وابن عقيل: "١٦٦/ ٢/ ٢٠٧"، والهمع: ٢/ ١٣٠، والدرر: ٢/ ١٦٩، والمقتضب: ٤/ ٢٢٣، والخصائص: ٢/ ٤٣١، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣٢١، والإنصاف: ٦١٣، وشرح المفصل: ٢/ ٨، والخزانة: ١/ ٤٩٩، والعيني: ٣/ ١٠١، ٤/ ١٨١، والمغني: "١٠٧٠/ ٨٢٨"، وشرح السيوطي: ٣١٤، واللسان "قلد"، والشذور: "١١٥/ ٣١٦". المفردات الغريبة: علفتها: قدمت لها العلف، وهو ما يقدم للدواب من الأكل وجمعه علاف. كجبل وجبال. شتت: بدت. همالة: صيغة مبالغة من هملت العين إذا فاض دمعها وكثر نزوله منها. المعنى: علفت هذه الدابة تبنا، وأشبعتها، وسقيتها ماء باردا حتى فاضت عيناها بالدموع من الشبع. الإعراب: علفتها: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل، و"ها": مفعول به أول. تبنا: مفعول به ثانٍ. وماء: الواو حرف عطف، ماء: مفعول به لفعل محذوف؛ والتقدير: وسقيتها =
[ ٢ / ٢١٦ ]
وقوله: [الوافر]
٢٥٩- وزججن الحواجب والعيونا١
_________________
(١) = ماء. باردا: صفة لـ "ماء" منصوبة؛ ونلحظ هنا -أن "الواو" عطفت جملة على جملة. موطن الشاهد: "وماء". وجه الاستشهاد: استشهد بهذا البيت على عدم صحة مجيء "ماء" مفعولا معه -كما زعم ابن عقيل- لانتفاء المصاحبة؛ حيث إن الماء لا يصاحب التبن في العلف، أو إن الدابة لا تشرب الماء في أثناء تناولها العلف، فلا يتحد الزمان، وبالتالي فلا ينتصب على المفعولية "المفعول معه"؛ لأن من شرط انتصاب الاسم على أنه مفعول معه أن يكون مشاركا لما قبله في زمان تسلط العامل عليه؛ لاشتراطهم أن تكون الواو السابقة عليه دالة على المصاحبة. وذهب بعضهم كالجرمي والمازني والمبرد وأبي عبيدة والأصمعي واليزيدي وغيرهم من العلماء إلى أن "ماء" معطوف على قوله "تبنا" بعد التأويل في العامل؛ أي: لا يبقى معنى علفتها: "أطعمتها" وقدمت لها ما تأكله -كما هو معناه الوضعي- بل يضمن معنى أعم منه؛ كأن يراد به: "قدمت لها" أو: "أنلتها" أو: أعطيتها ونحو ذلك؛ والأفضل من هذا، وذاك ما ذهبنا إليه في الإعراب، وهو تخريج أبي علي الفارسي، والمبرد، والزوني. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٤٦، وحاشية الصبان: ٢/ ١٤٠-١٤١، وابن عقيل: ٤٦٨١. ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: إذا ما الغانيات برزن يوما وينشد قبل الشاهد قوله: وأظعان طلبت بذات لوث يزيد رسيمها سرعا ولينا وينشد بعد الشاهد قوله: أَنَخْنَ جِمالهن بذات غسل سراة اليوم بمهدن الكدونا والشاهد من شواهد التصريح: ١/ ٣٤٦، والأشموني: "٤٤٣/ ١/ ٢٦٦"، والخصائص: ٢/ ٤٣٢، والإنصاف: ٦١٠، والعيني: ٣/ ٩١، ٤/ ١٩٣، والهمع: ١/ ١٢٢، ٢/ ١٣٠، والدرر: ١/ ١٩١، ٢/ ١٦٩، وحاشية يس: ١/ ٤٣٢، وتأويل مشكل القرآن: ١٦٥، ومغني اللبيب: "٦٦٢/ ٤٦٦" وشرح السيوطي: ٢٦٣، والخزانة: ٢/ ٧٣، وشذور الذهب: "١١٦/ ٣١٧. المفردات الغريبة: الغانيات: جمع غانية، وهي المرأة التي استغنت بجمالها عن الحلي والزينة. برزن: ظهرن. زججن الحواجب: دققنها ورققنها في طول. =
[ ٢ / ٢١٧ ]
أما امتناع العطف؛ فلانتفاء المشاركة، وأما امتناع المفعول معه؛ فلانتفاء المعية في الأول وانتفاء فائدة الإعلام بها في الثاني.
ويجب في ذلك إضمار فعل ناصب للاسم على أنه مفعول به، أي: وسقيتها ماء، وكحلن العيونا، هذا قول الفارسي والفراء١ ومن تبعهما.
وذهب الجرمي والمازني والمبرد وأبو عبيدة٣ والأصمعي٣
_________________
(١) = المعنى: إذا ما برزت تلك النساء الجميلات من خدورهن متزينات -وقد رققن حواجبهن، وكحلن عيونهن- أنخن جمالهن التي يركبنها -بهذا الموضع- وسط النهار؛ ليصلحن خدورهن، أو هوادجهن. الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية، ما: زائدة. الغانيات: فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده؛ وجملة "الفعل المحذوف وفاعله": في محل جر بالإضافة. برزن: فعل ماضٍ مبني على السكون، ونون النسوة: فاعل؛ وجملة "برزن": تفسيرية، لا محل لها. "يوما": متعلق بـ "برز". وزججن: الواو عاطفة، زجج: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بنون النسوة، والنون: فاعل. الحواجب: مفعول به منصوب. والعيونا: الواو عاطفة، العيونا: مفعول به لفعل محذوف، وتقدير الكلام: وزججن الحواجب وكحلن العيون؛ وجملة "كحلن العيون": معطوفة على جملة "زججن الحواجب"؛ وهذا الوجه هو الأفضل. موطن الشاهد: "زججن الحواجب والعيونا". وجه الاستشهاد: لا تصح المعية في قوله: "والعيونا"؛ لانتفاء فائدة الإعلام بها؛ أي: بمصاحبة العيون للحواجب؛ إذ من المعلوم أن العيون مصاحبة للحواجب. كما لا يجوز أن نعطف "العيون" على "الحواجب" عطف مفرد على مفرد؛ لأن فعل زجج، لا يصح أن يتعدى إلى ما قبل الواو وما بعدها مع بقائه على معناه الحقيقي؛ لأن العيون لا تزجج؛ ولذا فلا بد من أن يضمَّن فعل زجج معنى أعم وأشمل من معناه الأصلي؛ حتى يصح أن يتناول ما بعد الواو وما قبلها؛ نحو ما ذهب إليه المؤلف في المتن، من تأويل: "زججن" بـ "حسن"؛ ويجوز -في هذه الحال- أن تكون الواو عاطفة مفردا على مفرد؛ والأفضل ما ذهبنا إليه في الإعراب، وهو أن "الواو" عاطفة جملة على جملة. ١ مرت ترجمة كل منهما في محلها. ٢ مرت ترجمة كل منهم. ٣ الأصمعي: هو أبو سعيد؛ عبد الملك بن قريب؛ البصري، والأصمعي نسبة إلى جده أصمع، وهو أحد أئمة اللغة والنحو والغريب والملح والنوادر. روى عن أبي عمرو بن العلاء، وكان يتمتع بحافظة جيدة. حتى أنه كان يحفظ ١٦ ألف أرجوزة غير دواوين العرب، قال عنه الشافعي: ما عَبَّرَ أحد من العرب بمثل عبارة الأصمعي له كتب قيمة منها: كتاب الأصول، والنوادر، والقلب والإبدال، وغريب القرآن وخلق الإنسان، واللغات وغيرها ولد سنة ١٢٥ ومات سنة ٢١٠ هـ. البلغة ١٢٩، إنباه الرواة: ٢/ ١٩٧، بغية الوعاة: ٢/ ١١٢، طبقات القراء: ١/ ٤٧٠، والأعلام: ٤/ ٣٠٧.
[ ٢ / ٢١٨ ]
واليزيدي١ إلى أنه لا حذف، وأن ما بعد الواو معطوف، وذلك على تأويل العامل المذكور بعامل يصح انصبابه عليهما؛ فيؤول زججن بحسنَّ٢ وعلفتها بأنلتها٣.
_________________
(١) ١ اليزيدي: هو أبو محمد، يحيى بن المبارك -مولى بني عدي، أخذ العربية عن أبي عمرو بن العلاء، واللغة والعروض عن الخليل، وكان أحد أكابر القراء، وكان ثقة صدوقا، وجعله الرشيد مؤدبا للمأمون، له: مختصر في النحو، المقصور والممدود، النقط والشكل وغيرها وله الكثير من الشعر، مات بخراسان سنة ٢٠٢ هـ. البلغة: ٢٨٤، بغية الوعاة: ٢/ ٣٤٠، طبقات القراء: ٢/ ٣٧٥، وفيات الأعيان: ٢/ ٣٠٤، الأعلام: ٩/ ٢٠٥. توجيه: الفرق بين العطف والمعية: أن العطف يقتضي المشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه في معنى الفعل، سواء حصلت المشاركة في الزمن أو لا؛ فإذا قلت: قابلت محمدا وعليا في الحج، فيجب أن تتناولهما المقابلة، وليس بلازم أن تكون شملتهما مع المتكلم في وقت واحد. أما المعية فبالعكس؛ أي: إنه تتحتم المشاركة الزمنية. أما المشاركة المعنوية؛ فقد تكون أو لا تكون؛ فإذا قلت: سار محمد والنيل -تعينت المشاركة الزمنية. أما المعنوية؛ فلا يمكن؛ لأن النيل لا يشارك في السير. ضياء السالك: ٢/ ١٦٠. فائدة: قال الصبان: قال الفارضي: إذا اجتمعت المفاعيل؛ قدم المفعول المطلق. ثم المفعول به الذي تعدى إليه الفاعل بنفسه، ثم الذي تعدى إليه بواسطة الحرف، ثم المفعول فيه الزماني، ثم المكاني، ثم المفعول له، ثم المفعول معه؛ نحو: ضربت ضربا محمدا بسوط نهارا هنا تأديبا وطلوع الشمس؛ والظاهر أن هذا الترتيب أولى؛ لا واجب، ومن الخير أن يراعى تقديم -الأهم والمقصود- مهما كان. حاشية الصبان: على شرح الأشموني: ٢/ ١٤١. ٢ لأن "حَسَّنَّ" يصح تسلطه على كل من العيون والحواجب. ٣ لأن "أنلتها" يصح تسلطه على التبن والماء؛ والتوسع في معنى الأفعال من باب التضمين؛ وهو سائغ ووارد في لغة العرب.
[ ٢ / ٢١٩ ]
[باب المستثنى]:
هذا باب المستثنى:
[أدوات الاستثناء]:
للاستثناء١ أدوات ثمانٍ:
حرفان وهما: "إلا" عند الجميع، و: "حاشا"٢ عند سيبويه، ويقال فيها: حاش وحشا.
_________________
(١) ١ الاستثناء: اسم يذكر بعد إلا، أو إحدى أخواتها، يخالف ما قبلها في الحكم نفيا أو إثباتا، ويقول صاحب التسهيل في تعريفه: "هو المخرج تحقيقا أو تقديرا من مذكور، أو متروك بإلا أو ما في معناها" فالمخرج: جنس يشمل المخرج بالبدل، وبالصفة، وبالشرط، وبالاستثناء، وغير ذلك؛ وقوله: "تحقيقا أو تقديرا": إشارة إلى قسمي الاستثناء، المتصل والمنقطع. وقوله: "من مذكور أو متروك": إشارة إلى قسمي الاستثناء، التام والمفرَّغ؛ وقوله: "بإلا أو ما في معناها": يشمل أدوات الاستثناء جميعا. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٤٦-٣٤٧، وحاشية الصبان: ٢/ ١٤١-١٤٢. ٢ للنحاة في "حاشا" ثلاثة مذاهب: الأول: ما ذهب إليه سيبويه وجماعة من البصريين، وحاصله: أن "حاشا" حرف جر دائما، ولا تأتي فعلا؛ لأنهم لم يحفظوا إلا الجر بها، والجر: لا يكون إلا بالحرف؛ واختلف أصحاب هذا الرأي حول قضية التعليق؛ ألها تعلق كبقية حروف الجر أو إنها كالحروف الزائدة، فلا متعلق لها؟ فذهب بعضهم إلى أن لها متعلقا كسائر حروف الجر؛ ومتعلقها ما يكون قبلها من فعل أو شبهه؛ وعلى هذا، يكون محلها مع المجرور نصبا. وذهب آخرون -ومنهم ابن هشام- إلى أنها لا تتعلق بشيء كالحروف الزائدة؛ لِأنها ليست على نمط حروف الجر الأصلية، التي توصل معاني الأفعال التي قبلها إلى الاسم المجرور بها؛ وهي -أي حاشا- لا توصل المعنى إلى ما بعدها؛ بل تزيل معنى الفعل، ولما اختلف حال هذا الحرف "حاشا" عن حال بقية حروف الجر الأصلية، لم يجعل منها؛ وفي هذا الكلام نظر. =
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وفعلان وهما: "ليس"١، و: "لا يكون".
ومترددان بين الفعلية والحرفية٢، وهما: "خلا" عند الجميع، و: "عدا" عند غير سيبويه.
واسمان وهما: "غير" و: "سوى" بلغاتها، فإنه يقال: سِوىً كـ "رِضىً"، وسُوىً كـ "هُدىً"، وسَواء كـ "سماء"، وسِواء كـ "بناء"، وهي أغربها٣.
_________________
(١) = الثاني: ما ذهب إليه المازني والجرمي، والمبرد، والزجاج، والأخفش، وأبو زيد، والفراء، وأبو عمرو الشيباني، وكثير من المتأخرين، وهو عدها حرف جر -كثيرا- وما بعدها يكون مجرورا بها، واستعمالها -قليلا- فعلا متعديا جامدا فتنصب ما بعدها؛ فإذا استعملت حرفا، قيل: حاشاي من دون نون الوقاية، وإذا استعملت فعلا، قيل: حاشاني، ويعد هذا الفعل جامدا؛ لتضمنه معنى إلا؛ ولما جاء عمن يحتج بكلامهم نصب ما بعدها؛ وجره؛ ذهب أصحاب هذا المذهب إلى أنها حين تجر ما بعدها تكون حرف جر، وحين تنصب ما بعدها تكون فعلا. الثالث: ما ذهب إليه الكوفيون، وهو أنها فعل دائما، تنصب ما بعدها، ولا تكون حرفا جارا، وحجتهم على ما ذهبوا إليه وكونها تتصرف، فتأتي حاشى وأحيانا: حاش؛ ومعلوم أن الحروف لا تتصرف؛ وإذا جاء بعدها اسم مجرور؛ فهو مجرور بحرف جر حذف، وبقي عمله؛ وفي كلامهم نظر؛ والأرجح، والأصح: ما ذهب إليه أصحاب المذهب الثاني؛ لعدم التأويل والتقدير: وانظر في تفصيل هذه المسألة: شرح التصريح: ١/ ٣٤٦، والمغني: ١٦٤-١٦٦، والجني الداني، ٥٥٨-٥٦٨، وحاشية الصبان: ٢/ ١٦٥-١٦٧، وابن عقيل: ١/ ٤٩١-٤٩٣. ١ هذا مذهب الجمهور، وذهب أبو علي الفارسي، وتبعه في ذلك أبو بكر بن شقير، إلى أن ليس حرفا دائما، وظهر بطلان هذا الرأي باقترانها بتاء التأنيث الساكنة في نحو "ليست هذه بمفلحة"، وتاء الفاعل في نحو "لست، ولستما، ولستم، ولستن" وهذا من علامات الأفعال. و"ليس" في الاستثناء حرف ناصب للمثنى بمنزلة إلا، وهي في غير الاستثناء فعل. مغني اللبيب: ٣٨٦-٣٩٠، والتصريح: ١/ ٣٤٧، والجنى الداني: ٤٩٣-٥٠٠. ٢ أي ما لم تتقدم عليهما "ما" المصدرية، وإلا تعينتا للفعلية ويلزمان المضي. ٣ قلَّ من ذكرها، وممن نص عليها الفارسي في كتابه الحجة، وتبعه ابن الخباز في كتابه النهاية. وقال في المغني: إنها تمد مع الفتح وتقصر مع الضم ويجوز الوجهان مع الكسر. التصريح: ١/ ٣٤٧، ومغني اللبيب: ١٨٧.
[ ٢ / ٢٢١ ]
[أحوال الاسم الواقع بعد إلا وحكمه]:
فإذا استثنى بـ "إلا" وكان الكلام غير تام، وهو الذي لم يذكر فيه المستثنى منه، فلا عمل لـ "إلا"، بل يكون الحكم عند وجودها مثله عند فقدها، ويسمى استثناء مفرغا، وشرطه: كون الكلام غير إيجاب١، وهو: النفي نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ ٢، والنهي نحو: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ٣، ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٤، والاستفهام الإنكاري نحو: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ
_________________
(١) ١ لأن التفريغ في الإيجاب، يدعو إلى الاستبعاد والوهم؛ فنحو: قام إلا زاهر، يفهم منه قيام جميع الناس إلا زاهرا -وهذا بعيدا ومحال- وليس هناك قرينة تدل على أن المراد جماعة مخصوصة. وجوَّز ابن الحاجب التفريغ في الموجب، شرط أن يكون فضلة، وحصلت فائدة؛ نحو: قرأت إلا يوم الخميس؛ فإنه يجوز أن تقرأ في الأيام جميعها إلا يوم الخميس. وأجيب بأن هذا قليل فيمنع طردا للباب، كما اتفق على الجواز في المنفي، وإن لم يستقم المعنى أحيانا؛ نحو: ما مات إلا زاهر؛ لِهذا السبب. وخلاصة القول: أن الاستثناء المفرغ يقتضي أن يكون الكلام غير تام، وغير موجب معًا. انظر ضياء السالك: ٢/ ١٦٣، حا: ٤، وشرح التصريح: ١/ ٣٤٨. ٢ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٤٤. موطن الشاهد: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ . وجه الاستشهاد: تقدم على الاستثناء ما يخرجه عن الإيجاب وهو "ما" النافية، فيعرب "محمد" مبتدأ، و"رسول" خبرا؛ لكون الاستثناء مفرغا، حيث جاء الكلام غير إيجاب. ٣ "٤" سورة النساء، الآية: ١٧١. موطن الشاهد: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الاستثناء مفرَّغا؛ لِكون الكلام غير إيجاب؛ لِسبقه بلا الناهية؛ و"تقولوا" يطلب مفعولا صريحا، فنصب ما بعد إلا على المفعولية؛ وتقدير المستثنى منه: ولا تقولوا على الله شيئا إلا الحق. ٤ "٢٩" سورة العنكبوت، الآية: ٤٦. موطن الشاهد: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الاستثناء مفرغا؛ لكون الكلام غير إيجاب؛ لِسبقه بلا الناهية. وما قبل "إلا" وهو "تجادلوا" يطلب مجرورا بالباء؛ فجر بها ما بعد إلا وهو "التي"؛ وتقدير المستثنى منه: ولا تجادلوا أهل الكتاب بشيء إلا بالتي هي أحسن.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
الْفَاسِقُونَ﴾ ١، فأما قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ ٢، فحمل "يأبى" على "لا يريد" لأنهما بمعنى.
وإن كان الكلام تاما: فإن كان موجبا٣ وجب نصب المستثنى٤، نحو:
_________________
(١) ١ "٤٦" سورة الأحقاف، الآية: ٣٥. موطن الشاهد: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الاستثناء مفرغا؛ حيث جاء الكلام غير إيجاب؛ لأن الاستفهام الإنكاري يحمل معنى النفي؛ وما قبل إلا؛ وهو "يهلك" يتطلب نائب فاعل مرفوع ما بعد "إلا" وهو "القوم" وتقدير المستثنى منه: فهل يهلك أحد إلا القوم الفاسقون. ٢ "٩" سورة التوبة، الآية: ٣٢. موطن الشاهد: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ . وجه الاستشهاد: حمل "يأبى" في إفادة النفي على "لا يريد"؛ لأنهما بمعنى واحد؛ والمعنى: لا يريد الله إلا أن يتم نوره "إتمام نوره" فلا فرق في النفي بين أن يكون في اللفظ أو في المعنى؛ ولذا عد من باب الاستثناء المفرغ. ٣ الموجب هو: الجملة التي ليس فيها نفي أو شبهه؛ وهو النهي، والاستفهام المتضمن معنى النفي، كالإنكاري والتوبيخي. ٤ يجب نصب المستثنى سواء أكان متأخرا عن المستثنى منه، أم متقدما عليه؛ ومتصلا كان الاستثناء أم منقطعا. ويقال في الإعراب: "إلا": حرف استثناء، والمستثنى: منصوب على الاستثناء. فائدة: اختلف النحاة في العامل في الاسم المنصوب بعد إلا؛ ولهم في هذه المسألة ثمانية أقوال: أ- إن الناصب لهذا الاسم هو "إلا" نفسها -وحدها" وإلى هذا ذهب ابن مالك، ونسبه إلى سيبويه والمبرد. ب- إن الناصب هو تمام الكلام، ومثل هذا انتصاب التمييز، نحو قولك: أعطيته عشرين درهما. ج- إن الناصب هو الفعل المتقدم على "إلا" لكن بوساطة "إلا" وينسب هذا القول إلى السيرافي، والفارسي، وابن الباذش، وضعف العلماء هذا الرأي؛ لأنه قد لا يكون في الكلام فعل أصلا؛ كما في قولك: "القوم إخوتك إلا زيدا". د- إن الناصب هو الفعل السابق بغير وساطة "إلا" وإلى هذا، ذهب ابن خروف، وضعفوه بمثل ما ضعفوا رأي الفارسي ومن معه. =
[ ٢ / ٢٢٣ ]
﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ ١، وأما قوله٢: [البسيط]
٢٦٠- عافٍ تَغَيَّرَ إلا النؤْيُ والوَتَدُ٣
فحمل "تغير" على "لم يبق على حاله" لأنهما بمعنى.
_________________
(١) = هـ- إن الناصب فعل محذوف يقدر من معنى "إلا" مثل "أستثني"، وإلى هذا، ذهب الزجاج. وإن الناصب هو مخالفة ما بعد إلا لما قبلها، ويحكى هذا عن الكسائي. ز- إن الاسم المنصوب يقع اسما لـ "أن" -بتشديد النون- مؤكدة محذوفة وخبرها محذوف أيضا؛ وتقدير الكلام في "قام القوم إلا زيدا": قام القوم إلا أن زيدا لم يقم، وقد حكي هذا القول عن الكسائي؛ وهو تكلف ظاهر. ح- إن "إلا" مركبة من "إن" المؤكدة ولا العاطفة، ثم خففت "إن" بحذف أحد نونيها، ثم أدغمت في "لا" فإذا انتصب ما بعدها، فذلك من أجل تغليب حكم "إن"، وإذا لم ينتصب فمن أجل تغليب حكم "لا" العاطفة؛ ونسب هذا القول إلى الفراء؛ وهو أشد تكلفا من سابقه. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٤٩. ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٤٩. موطن الشاهد: ﴿شَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء ما قبل "إلا" وهو شربوا كلاما تاما موجبا؛ لأن المستثنى منه موجود؛ وهو "الواو" في شربوا؛ ولم يتقدم عليه نفي ولا شبهه؛ فجاء ما بعد إلا "قليلا" منصوبا على الاستثناء؛ وحكم نصبه على الاستثناء -في هذه الحال- الوجوب؛ لتوفر الشروط اللازمة. ٢ القائل: هو: الأخطل؛ غياث بن غوث التغلبي النصراني، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: وبالصريمة منهم منزل خَلَقٌ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٤٩، والأشموني: "٤٤٤/ ١/ ٢٢٨"، والعيني: ٣/ ١٠٣ ومغني اللبيب: "٤٩٦/ ٣٦٣"، وديوان الأخطل: ١٦٨. المفردات الغريبة: الصريمة: اسم موضع، وأصله: المنقطع من الرمل. خلق: بالٍ. عافٍ: دارس مندثر. النؤي: جدول صغير يحفر حول الخباء لمنع السيل عنه. المعنى: إن بهذا الموضع منزلا باليا خلفه القوم، تغيرت حاله، ودرست معالمه، ولم يبق منه إلا الحفرة التي كانت حوله، والوتد الذي يربط به الخباء أو الدواب. الإعراب: "بالصريمة": متعلق بمحذوف خبر مقدم. "منهم": متعلق بمحذوف حال =
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وإن كان الكلام غير موجب: فإن كان الاستثناء متصلا١ فالأرجح إتْباع المستثنى للمستثنى منه٢: بَدَلَ بعضٍ عند البصريين، وعَطْفَ نَسَقٍ عند الكوفيين٣
_________________
(١) = من "منزل" الآتي؛ لأن الصفة إذا تقدمت على الموصوف؛ تنصب على الحال؛ ويجوز تقدم الحال على صاحبه؛ أو "منهم": متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في "بالصريمة"؛ وهذا الضمير عائد على منزل -وهذا متعين على مذهب الجمهور الذين لا يجوزون مجيء الحال من المبتدأ. منزل: مبتدأ مؤخر. خلق صفة لـ "منزل" مرفوع. عافٍ: صفة ثانية مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين. تغير: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، يعود إلى المنزل؛ وجملة "تغير": في محل رفع صفة ثالثة لـ "منزل" إلا: حرف استثناء النؤي: بدل من الضمير المستتر في تغير؛ وبدل المرفوع مرفوع مثله. والوتد: الواو عاطفة، الوتد: اسم معطوف على النؤي مرفوع مثله. موطن الشاهد: "إلا النؤي والوتد". وجه الاستشهاد: ارتفاع "النؤي" على البدلية؛ لأن الكلام ليس تاما موجبا كما خرجه النحاة؛ بل هو منفي في المعنى؛ لكون "تغير"؛ وهو العامل في ضمير المستثنى منه؛ وهو المنزل في معنى عامل منفي؛ تقديره: "لم يبق حاله" كما بعدها مبتدأ محذوف الخبر؛ ومثله حديث النبي -ﷺ-: "كل أمتي معافىً إلا المجاهرون"؛ والتقدير: ولكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون؛ وذهب العلماء إلى أن جملة "المبتدأ والخبر" الواقعة بعد "إلا" في محل نصب على الاستثناء؛ وقال ابن هشام: قد فات العلماء عد هذه الجملة في الجمل التي لها محل من الإعراب. انظر في هذه المسألة: شرح التصريح: ١/ ٣٤٩، وضياء السالك: ٢/ ١٦٥. ١ هو ما يكون فيه المستثنى بعض المستثنى منه، ويحكم على أحدهما بضد ما يحكم به على الآخر، سواء كان المستثنى منه متعدد الأفراد، والمستثنى أحد تلك الأفراد؛ نحو: زرت الزملاء إلا محمدا؛ أو كان المستثنى منه فردا ذا أجزاء، والمستثنى جزءًا؛ نحو: زرت الزملاء إلا محمدا؛ أو كان المستثنى منه فردا ذا أجزاء، والمستثنى جزءا من تلك الأجزاء نحو: نظفت الحجرة إلا نافذة؛ وفي الحالتين يكون ما بعد إلا مخالفا في الحكم لما قبلها. ٢ أي: في إعرابه، فيكون مثله: مرفوعا، أو منصوبا، أو مجرورا. ٣ ذلك لأن "إلا" عندهم من حروف العطف في باب الاستثناء خاصة، وهي بمنزلة "لا" العاطفة؛ من حيث كون ما بعدها يخالف ما قبلها؛ واعترض أبو العباس، أحمد بن يحيى ثعلب وهو من شيوخ نحاة الكوفة -على مذهب البصريين، في هذه المسألة، وقال: كيف يكون ما بعد "إلا" بدلا؛ وهو موجب ومتبوعه منفي؛ فكأنه ينكر أن يخالف البدل المبدل منه في الإيجاب والنفي؛ ورد عليه أبو سعيد السيرافي: بأنا إنما جعلناه بدلا مما قبله في عمل العامل فيه، وتخالف البدل من المبدل منه في النفي والإيجاب، لا يمنع البدلية؛ لأن سبيل البدل، أن يجعل المبدل منه، كأنه لم يذكر، ويجعل البدل في موضعه؛ لأنه هو المقصود بالحكم، ثم إنا رأينا التوابع تختلف مع متبوعها في النفي، والإثبات، كما في: "رأيت رجلا كريما لا بخيلا" فما يمنع أن يكون البدل مثل الصفة والعطف؟!. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٤٩-٣٥٠.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
نحو: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُم﴾ ١، ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ ٢،
_________________
(١) ١ "٤" سورة النساء، الآية: ٦٦. أوجه القراءات: قرأ برفع "قليل" السبعة غير ابن عامر؛ وقرأ بنصب "قليلا" ابن عامر، وعيسى بن عمرو، وإسحاق، وأبي، وأنس. انظر الإتحاف: ١٩٢، وإعراب القرآن، للنحاس: ١/ ٤٣١، وحجة القراءات، لأبي زرعة: ٢٠٦. توجيه القراءات: على قراءة الرفع، يكون "قليل" بدلا من الضمير المتصل بالفعل "فعلوه" ومحل الواو الرفع؛ لأنه فاعل؛ وعلى قراءة النصب، يكون "قليلا" منصوبا على الاستثناء؛ لأن التقدير: أستثني قليلا منهم. موطن الشاهد: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء ما قبل "إلا" مسبوقا بـ "ما" النافية "ما فعلوه" فيعرب ما بعد "إلا" بدلا من الضمير المتصل بالفعل؛ بدل بعض من كل -عند البصريين- وذكر الشيخ خالد الأزهي أنه على نية تكرار العامل؛ إذ التقدير: ما فعلوه إلا فعله قليل منهم؛ وهو عطف نسق عند الكوفيين كما أسلفنا. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٥٠. ٢ "١١" سورة هود، الآية: ٨١. أوجه القراءات: قرأ بالرفع ابن كثير، وأبو عمرو، وابن محيصن، واليزيدي، والحسن؛ وقرأ الباقون بالنصب. الإتحاف: ٢٥٩، وإعراب القرآن: ٢/ ٥، والبحر المحيط: ٥/ ٢٤٨. توجيه القراءات: على قراءة الرفع في "امرأتك" على أنها بدل بعض من كل في قوله "أحد"؛ وعلى قراءة النصب على تقدير: أستثني امرأتك؛ فيكون "امرأتك" منصوبا على الاستثناء. موطن الشاهد: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء ما قبل إلا مسبوقا بالنهي؛ وهو شبيه النفي، ولذا يعرب ما بعد إلا بدلا من "أحد" الواقعة فاعلا والكوفيون يعربون "امرأتك" هنا عطف نسق كما أوضحنا.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ ١، والنصب عربي جيد، وقد قرئ به في السبع في: ﴿قَلِيلٌ﴾ و: ﴿امْرَأَتَكَ﴾ .
وإذا تعذر البدل على اللفظ أبدل على الموضع٢، نحو: "لا إله إلا الله"،
_________________
(١) ١ "١٥" سورة الحجر، الآية: ٥٦. موطن الشاهد: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ . وجه الاستشهاد: سبق ما قبل "إلا" بالاستفهام الإنكاري؛ وهو شبيه بالنفي، ولذا يعرب الاسم بعد "إلا" بدلا من الضمير المستتر في "يقنط" بدل بعض من كل؛ ولم يصرح معه بضمير؛ لأن قوة تعلق المستثنى بالمستثنى منه يغني عن الضمير غالبا، وكذا الحال في الآية السابقة. ٢ ذكر المؤلف مما يتعذر إبداله على لفظ المبدل منه لسبب صناعي ثلاثة أمثلة؛ هي: "لا إله إلا الله"، و: "ما فيها أحد إلا زيد" و"ليس زيد بشيء إلا شيئا لا يعبأ به" وفي المثالين؛ الأول والثاني، ارتفع ما بعد "إلا"، وفي الثالث: نصب ما بعد إلا، وتوجيه ذلك: أ- "لا إله إلا الله". جاءت "لا" في أول الجملة نافية للجنس و"إله" اسمها، وخبرها محذوف؛ والتقدير: لا إله موجود، أو كائن، أو لنا؛ ومعلوم أن اسم لا وخبرها المقدر نكرتان على ما هو ضروري في إعمال "لا" عمل "إن"؛ ومعلوم أن ما بعد إلا الاستثنائية، يكون حكمه -من جهة النفي والإثبات- ضد حكم ما قبلها، فإذا كان ما قبلها منفيا، كان ما بعدها مثبتا، والعكس صحيح؛ وعلى هذا فلو أبدلنا لفظ الجلالة "الله" من اسم "لا" وهو إله -على اللفظ- أي: نصبنا لفظ الجلالة، كنا قد أعملنا "لا" في معرفة؛ بل في أعرف المعارف، وفي هذه مخالفة لشرط إعماله؛ لأنه يجب أن يكون اسمها نكرة باتفاق، وكذلك، فإن ما بعد "إلا" هنا مثبت؛ ومعلوم أن "لا" لا تعمل في مثبت؛ فإتباعنا ما بعد إلا على لفظ المتبوع الذي هو أثر عمل "لا" يجرنا إلى مخالفة هذا الأصل فضلا عن المخالفة الأولى؛ ومن أجل هذا وذاك؛ منعنا من أن نبدل لفظ الجلالة على لفظ المبدل منه؛ وهو اسم لا، وجوزنا أن نبدل على الموضع؛ لأنه ليس أثرا من آثار "لا"؛ وذلك لأن اسم "لا" أصله مبتدأ والمبتدأ مرفوع بالابتداء؛ فلو أبدلنا لفظ الجلالة بالرفع، لم نكن جعلنا لـ "لا" فيه عملا؛ وسبق أن عرفنا أن سيبويه يعد "لا" واسمها جميعا في قوة المبتدأ؛ فالموضع ههنا رفع بالابتداء؛ على أحد الوجهين، وليس لـ "لا" أثر فيه؛ فأبدل بالرفع على الموضع وأنكر بعض النحاة الإبدال بالرفع -على اعتبار الابتداء على كلا الاحتمالين، وجعلوا المبدل منه؛ هو =
[ ٢ / ٢٢٧ ]
ونحو: "ما فيها من أحد إلا زيد" برفعهما، و: "ليس زيد بشيء إلا شيئا لا يعبأ به" بالنصب؛ لأن "لا" الجنسية لا تعمل في معرفة، ولا في موجب، ومن والباء الزائدتين كذلك، فإن قلت: "لا إله إلا الله واحد" فارفع أيضا؛ لِأنها لا تعمل في موجب.
ولا يترجح النصب على الإتباع لتأخر صفة المستثنى منه على المستثنى، نحو: "ما فيها رجل إلا أخوك صالح" خلافا للمازني١:
_________________
(١) = الضمير المستتر في خبر "لا"؛ والتقدير: لا إله لنا إلا الله؛ أو لا إله موجود إلا الله، ونحو ذلك؛ ويكون المعنى: "أن "لا" واسمها وخبرها" نفت جنس الآلهة، وأثبت "البدل" الله وحده؛ فظل الكلام دالا على التوحيد. ب- "ما فيها أحد إلا زيد". جاء المستثنى منه في هذا المثال "أحد" وهو نكرة منفية مجرورة بمن الزائدة لفظا؛ غير أنها مرفوعة المحل؛ لكونها مبتدأ خبره الجار والمجرور المتقدم عليها؛ فلو أننا أبدلنا "زيد" المعرفة بالعلمية، من أحد على لفظه -وهو الجر بمن- لكنا جعلنا زيدا "المعرفة" معمولا لـ "من" الزائدة العاملة في "أحد" "المبدل منه"؛ ومعلوم أن "من" الزائدة، لا تدخل إلا على النكرة، وكذلك جاء ما بعد إلا مثبتا؛ لأن ما قبلها منفي؛ ومعلوم أن "من" الزائدة لا تدخل إلا على المنفي؛ ولهذا، وذاك؛ امتنع الإتباع على اللفظ -لفظ المبدل منه- الذي هو أثر لـ "من" الزائدة، وجاز الإتباع على الموضع؛ وهو الرفع على الابتداء؛ لأن الابتداء، ليس أثرا لـ "من" الزائدة. ج- "ليس زيد بشيء إلا شيئا لا بعبأ به". جاء المستثنى منه "شيء" مجرورا بـ "من" الزائدة؛ لوقوعه خبرا لـ "ليس" فوقع نكرة منفية، و"شيئا" الذي نريد أن نبدله نكرة مثبتة؛ ولوقوعه بعد إلا المسبوقة بالنفي؛ فلو أبدلنا هنا على اللفظ؛ لجعلنا البدل معمولا للباء الزائدة؛ وهي لا تدخل إلا على النكرة المنفية؛ ولذا وجب البدل على الموضع -وهو النصب- الذي هو أثر ليس. شرح التصريح: ١/ ٣٥١. ١ حيث اختار المازني النصب في هذه الحالة؛ ففي قولهم: "ما فيها رجل إلا أخاك صالح"؛ فرجل: مبتدأ، و"الجار والمجرور": خبر تقدم عليه؛ وصالح: صفة لـ "رجل"، وأخاك: منصوب على الاستثناء مقدم على صفة المستثنى منه؛ وهذا الرأي، يجعل حكم تقديم المستثنى على وصف المستثنى منه، كتقديم المستثنى على نفس المستثنى منه؛ وهذا الرأي نسبه ابن الخباز إلى المازني، غير أن المحققين أنكروا تلك النسبة؛ وفي هذه المسألة رأيان آخران؛ أحدهما: أن يكون نصب المستثنى في =
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وإن كان الاستثناء منقطعا١: فإن لم يمكن تسليط العامل على المستثنى وجب النصب اتفاقا، نحو: "ما زاد هذا المال إلا ما نقص" إذ لا يقال زاد النقص، ومثله: "ما نفع زيد إلا ما ضر" إذ لا يقال نفع الضر.
وإن أمكن تسليطه فالحجازيون يوجبون النصب، وعليه قراءة السبعة: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ٢، وتميم ترجحه وتجيز الإتباع، كقوله٣: [الراجز]
_________________
(١) = هذه الحالة راجعا على إتباع المستثنى للمستثنى منه، فلم يعط المستثنى في هذه الحالة حكم المستثنى المتقدم على المستثنى منه نفسه، ولم يعطَ حكم المستثنى المتأخر على المستثنى منه، وهذا الرأي هو ما حكاه الأثبات -ومنهم ابن هشام- عن المازني، وهو ما اختاره المبرد أيضا فيما ذكره ابن مالك في شرح كافيته؛ وثانيهما: أن لا يترجح نصب المستثنى في هذه الحالة، ولا يترجح إتباعه للمستثنى منه؛ بل يستوي الأمران؛ وأصحاب هذا الرأي، نظروا إلى الأمرين معا؛ أن المستثنى منه متقدم على المستثنى، وأن صفة المستثنى منه متأخرة عن المستثنى، فأعطوا كل واحد من الأمرين لمحة من النظر؛ فلما وجدوا كل واحد من هذين الأمرين يقتضي حكما يخالف الحكم الذي يقتضيه الآخر، أعطوا هذه الصورة حكما متوسطا، قال ابن مالك: "وعندي أن النصب والبدل عند ذلك مستويان؛ لأن لكل واحد منهما مرجحا". شرح التصريح: ١/ ٣٥١-٣٥٢. ١ وهو ما فقد أحد ركني المتصل؛ نحو: قام القوم إلا حمارا لفاقد البعضية، وقوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ لفاقد المخالفة في الحكم لما قبله ويشترط في المنقطع أن يناسب المستثنى منه، فلا يجوز: "قام القوم إلا ثعبانا"، وألا يتقدم ما هو نص في خروجه؛ فلا يصح: "صهلت الخيل إلا الإبل"، بخلاف صوتت مثلا. ٢ "٤" سورة النساء، الآية: ١٥٧. موطن الشاهد: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ . وجه الاستشهاد: نصب "اتباع" على الاستثناء؛ وحكم نصبه على الاستثناء الوجوب على مذهب البصريين؛ لأنه لا يصح فيه الإبدال حقيقة من جهة إن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه؛ وأما التميميون؛ فيرجحون النصب على الاستثناء؛ ويجيزون الإتباع؛ فيقرأون: "إِلَّا اتِّبَاعُ" بالرفع على أنه بدل من العلم باعتبار الموضع، ولا يجوز أن يقرأ بالخفض على الإبدال منه باعتبار اللفظ؛ لما تقدم من أنه معرفة موجبة و"من" زائدة، لا تعمل فيها. شرح التصريح: ١/ ٣٥٣. ٣ القائل: عامر بن الحارث، المعروف بجران العود، وهو أحد بني كلفة -بضم الكاف وفتحها- أو كلدة النميري، شاعر جاهلي أدرك الإسلام، لقب بجران العود لبيت قاله وهو: خذا حذرا يا ضرتي فإنني رأيت جران العود قد كان يصلح وذلك أنه كان له زوجتان، فاتخذ سوطا يهددهما به. الشعر والشعراء: ٢/ ٧١٨، والخزانة ٤١/ ١٩٧، والمقاصد: ١/ ٤٩٢.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
٢٦١- وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٣٥٣، والأشموني: "٤٤٥/ ١/ ٢٢٩" والشذور: "٢٥/ ٢٦٥" والهمع: ١/ ٢٢٥، والدرر: ١/ ١٩٢، والكتاب: ١/ ١٣٣، ٣٦٥، ومعاني الفراء: ١/ ٤٧٩، والمقتضب: ٢/ ٣١٩، ٣٤٧، ٤/ ٤١٤، والإنصاف: ٢٧١، وشرح المفصل: ٢/ ٨٠، ١١٧، ٧/ ٢١، ٨/ ٥٢، والخزانة: ٤/ ١٩٧، والعيني: ٣١/ ١٠٧، وديوان جران العود: ٥٣. المفردات الغريبة: أنيس: مؤنس. اليعافير: جمع يعفور، وهو ولد البقرة الوحشية. العيس: هي الإبل التي يخالط بياضها شيء من الشقرة، واحدها: أعيس، والأنثى: عيساء. المعنى: كثير من البلدان والأماكن الموحشة؛ التي لا مؤنس فيها ولا رفيق، وليس فيها إلا أولاد البقر الوحشي والإبل؛ زرتها ولم أخشَ شيئا. الإعراب: وبلدة: الواو واو "رب". بلدة: اسم مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه مبتدأ. ليس: فعل ماضٍ ناقص. "بها" متعلق بمحذوف خبر ليس المتقدم على اسمه. أنيس: اسم "ليس" مؤخر مرفوع. إلا: حرف استثناء، لا محل له من الإعراب. اليعافير: بدل من "أنيس" مرفوع مثله. وإلا: الواو عاطفة. إلا حرف زائد يفيد التأكيد. العيس: اسم معطوف على "اليعافير" مرفوع مثله. موطن الشاهد: "إلا اليعافير". وجه الاستشهاد: رفع "اليعافير" على الإبدال -على لغة تميم- مع أنه استثناء منقطع تقدم فيه المستثنى منه، فكان ينبغي انتصابه على المشهور؛ وقد حملهم على ذلك أن المقصود هو المستثنى؛ فكأنه قال: ليس بها إلا اليعافير -وهذا رأي سيبويه- وأما المستثنى منه، فكأنه غير مذكور، فصار كالاستثناء المفرغ؛ أو أنه توسع في معنى المستثنى، حتى جعله نوعا من المستثنى منه، فقدر اليعافير والعيس نوعا من الأنيس، أو توسع في المستثنى، حتى جعله نوعا من المستثنى منه، فقدر اليعافير والعيس نوعا من الأنيس، أو توسع في المستثنى منه، فكأن الاستثناء في الحالتين متصل. وانظر: همع الهوامع: ١/ ٢٢٥، وكتاب سيبويه: ١/ ٢٦٢، وشرح التصريح: ١/ ٣٥٤.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وحمل عليه الزمخشري١: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢.
[وجوب نصب المستثنى إذا تقدم على المستثنى منه]:
فصل: وإذا تقدم المستثنى على المستثنى منه وجب نصبه مطلقا٣، كقوله٤:
٢٦٢- وما لِيَ إلا آل أحمد شيعةٌ وما لِيَ إلا مذهبَ الحق مذهبُ٥
_________________
(١) ١ هو: أبو القاسم؛ محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي، جار الله، والزمخشري نسبة إلى زمخشر من أعمال خوارزم، إمام في اللغة والنحو والبيان، أخذ عن النيسابوري والأصبهاني، له مصنفات قيمة منها: الكشاف في التفسير، والمفصل في النحو، وأطواق الذهب، والأحاجي النحوية، وغيرها كثير. مات يوم عرفة سنة: ٥٣٨ هـ. البلغة: ٢٥٦، إنباه الرواة: ٣/ ٢٦٥، بغية الوعاة: ٢/ ٢٧٩، معجم المؤلفين: ١٢/ ١٨٦. ٢ "٢٧" سورة النمل، الآية: ٦٥. موطن الشاهد: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ . وجه الاستشهاد: جعل الزمخشري "من" الاسم الموصول في محل رفع فاعل لـ "يعلم" والغيب: مفعولا به ليعلم أيضا، ولفظ الجلالة بدلا من "من" الموصولة؛ وعلى هذا؛ فهو استثناء منقطع؛ لأن المستثنى -لفظ الجلالة- ليس من جنس المستثنى منه؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان. و"من في السموات" يدل على أن المقصودين مستقرون في السموات والأرض؛ غير أن ابن مالك، جعل الاستثناء متصلا، وقدر متعلق الظرف: من يذكر في السموات والأرض؛ لا استقر ونحوه؛ ورأى ابن هشام في المغني: أنه يجوز أن تعرب "من" مفعولا به لـ "يعلم" لا فاعلا، و"الغيب" بدل اشتمال منه، و"لفظ" الجلالة فاعل، ويكون الاستثناء مفرغا، وكأنه: لا يعلم الغيب إلا الله: وهذا الرأي أفضل مما قبله. انظر مغني اللبيب: ٥٧٦، وشرح التصريح: ١/ ٣٥٤. ٣ أي: سواء أكان متصلا أم منقطعا؛ ولا يجوز أن يعرب بدلا؛ لأنه يكون تابعًا، والتابع لا يتقدم على المتبوع؛ كما هو معلوم. ٤ القائل: هو الكميت بن زيد الأسدي، وقد مرت ترجمته. ٥ هذا بيت للكميت من قصيدة له هاشمية، يمدح فيها بني هاشم آل رسول الله -ﷺ- ومطلعها: =
[ ٢ / ٢٣١ ]
بعضهم يجيز غير النصب في المسبوق بنفي]:
وبعضهم يجيز غير النصب١ في المسبوق بالنفي، فيقول: "ما قام إلا زيد أحد" سمع يونس: "مالي إلا أبوك ناصر"، وقال٢: [الطويل]
_________________
(١) = طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب ولم يلهني دار ولا رسم منزل ولم يتطربني بنان مخضب والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٥٥، وابن عقيل: "١٦٧/ ٢/ ٢١٦"، والأشموني: "٤٤٩/ ١/ ٢٣٠" وهمع الهوامع: ١/ ٢٢٥، والدرر اللوامع: ١/ ١٩٢، ومجالس ثعلب: ٦٠، والأغاني: ٥/ ١١٩، والعيني: ٣/ ١١١، والمقتضب: ٤/ ٣٩٨، والإنصاف: ٢٧٥، والجمل: ٢٣٨، وشرح المفصل: ٢/ ٧٩، والخزانة: ٢/ ٢٠٧ عرضا، وشذور الذهب: "١٢٤/ ٣٤٥، ٣٥٦" وقطر الندى: "١٠٩/ ٣٣٥". المفردات الغريبة: طربت: من الطرب، وهو خفة تعتري القلب من لهو أو حزن أو نحوهما. البيض: جمع بيضاء، وهي المرأة النقية اللون. بنان، البنان: الأصابع أو أطرافها، والمفرد بنانة. مخضب: مزين بالخضاب، وهو ما يختضب به كالحناء ونحوه. شيعة: أنصار وأعوان. مذهب الحق: طريقة وشرعة. المعنى: ليس لي أعوان وأنصار -أعتمدهم في الملمات إلا آل النبي -ﷺ-، وليس لي طريق ومذهب أسلكه وأهتدي به إلا طريق الحق. الإعراب: ما: نافية. "لي": متعلق بمحذوف خبر مقدم. إلا: حرف استثناء، لا محل له من الإعراب. آل: مستثنى تقدم على المستثنى منه، منصوب، وهو مضاف. أحمد: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. شيعة: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وهو المستثنى منه. وما لي: الواو عاطفة، ما: نافية، "لي": متعلق بخبر مقدم محذوف. إلا: حرف استثناء. مذهب: مستثنى منصوب، تقدم على المستثنى منه، وهو مضاف. الحق: مضاف إليه. مذهب: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وهو المستثنى منه. موطن الشاهد: "ما لي إلا آل أحمد، ما لي إلا مذهب الحق". وجه الاستشهاد: تقدم المستثنى في الموضعين "آل، ومذهب" على المستثنى منه -كما بينا في الإعراب- ونصب المستثنى وجوبا؛ لأنه لو لم ينصب على الاستثناء؛ لأعرب بدلا؛ والبدل تابع، والتابع لا يجوز أن يتقدم على المتبوع، كما هو معلوم. ١ أي على الاستثناء، فيجيز النصب والرفع والجر على البدل للإتباع. ٢ القائل: هو حسان بن ثابت الأنصاري، وقد مرت ترجمته.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
٢٦٣- إذا لم يكن إلا النبيون شافع١
ووجهه أن العامل فُرِّغَ لما بعد "إلا" وأن المؤخر عام أريد به خاص؛ فَصَحَّ إبداله من المستثنى، لكنه بدل كُلٍّ، ونظيره في أن المتبوع أخر وصار تابعا "ما مررت بمثلك أحدٍ"٢.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: لأنهم يرجون منه شفاعة والبيت من قصيدة للشاعر مطلعها: ألا يا لقومي هل لما حُمَّ دافعُ؟ وهل ما مضى من صالح العيش راجعُ؟ تذكرت عصرا قد مضى فتهافتتْ بنات الحشا وانهلَّ مني المدامعُ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٥٥، والأشموني: "٤٤٨/ ١/ ٢٢٩"، وابن عقيل: "١٦٨/ ٢/ ٢١٧" والهمع: ١/ ٢٢٥، والدرر: ١/ ١٩٢، والعيني: ٣/ ١١٤، وديوان حسان بن ثابت: ٢٥٤. المفردات الغريبة: يرجون: يأملون. المعنى: إن أهل بدر أطاعوا رسول الله -ﷺ- ووفوا بعهدهم له؛ لأنهم يرجون أن يشفع لهم يوم القيامة، حين لا تنفع شفاعة أحد إلا الأنبياء. الإعراب: لأنهم: اللام حرف جر، يفيد التعليل. أن: حرف مشبه بالفعل، و"هم": في محل نصب اسمه. يرجون: فعل مضارع مرفوع، والواو: فاعل؛ وجملة "يرجون": في محل رفع خبر "أن"؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل جر باللام؛ و"الجار والمجرور": متعلق بفعل "بدَّلوا" في بيت سابق. "منه": متعلق بـ "يرجون". شفاعة: مفعول به لـ "يرجون". إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، في محل نصب على الظرفية الزمانية. لم: جازمة نافية. يكن: فعل مضارع تام مجزوم. إلا: أداة استثناء ملغاة. النبيون: فاعل "يكن" مرفوع، وعلامة رفعه الواو. شافع: بدل كل من كل من فاعل يكن. موطن الشاهد: "إلا النبيون شافع". وجه الاستشهاد: ارتفع المستثنى المتقدم المسبوق بالنفي -وهو النبيون- على مذهب الكوفيين؛ وخرج العلماء هذا الشاهد وأمثاله على أنه استثناء مفرغ؛ حيث عدو المستثنى معمولا لما قبل "إلا" فهو فاعل لـ "يكن" التامة، وما بعدها بدل منه؛ بدل كل من كل -كما بينا في الإعراب- وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٥٥. ٢ قول ورد عن العرب، أصله: مررت بأحد مثلك، مثلك: تابع في الأصل لأحد على أنه نعت له، فلما قدم النعت على المنعوت أعرب النعت بحسب العوامل، وأعرب "أحد" وهو المنعوت في الأصل بدلا. التصريح: ١/ ٣٥٥.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
[تتكرر "إلا" لتوكيد ولغير توكيد]:
[حكم تكررها لتوكيد]:
فصل: وإذا تكررت "إلا" فإن كان التكرار للتوكيد، وذلك إذا تلت عاطفا١، أو تلاها اسم مماثل لما قبلها٢، ألغيت؛ فالأول نحو: "ما جاء إلا زيد وإلا عمرو" فما بعد "إلا" الثانية معطوف بالواو على ما قبلها، و"إلا" زائدة للتوكيد٣، والثاني كقوله:
لا تمرر بهم إلا الفتى إلا العَلَا٤
فـ: "الفتى" مستثنى من الضمير المجرور بالباء، والأرجح كونه تابعا له في جره٥، ويجوز كونه منصوبا على الاستثناء، و: "العلا" بدل من الفتى بدل كل من كل؛ لِأنهما لمُسَمّىً واحد، و: "إلا" الثانية مؤكدة.
وقد اجتمع العطف والبدل في قوله٦: [الرجز]
٢٦٤- ما لك من شيخك إلا عملُهْ إلا رسيمُهُ وإلا رَمَلُهْ٧
_________________
(١) ١ المقصود بالعاطف هنا الواو من دون غيرها من حروف العطف. ٢ المقصود: أنه متفق مع ما قبلها في معناه ومدلوله ومقصود بالحكم، بالرغم من اختلاف الألفاظ؛ كأن يكون بدل كل من كل، أو عطف بيان، وكذا الحال في بقية أنواع البدل، نحو: ما أعجبني إلا زيد إلا وجهه إلا علمه. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٥٦، وضياء السالك: ٢/ ١٧١. ٣ أي: التوكيد اللفظي، ولا أثر لها في الحكم الإعرابي مطلقا. ٤ هذا عجز بيت من كلام الناظم في الألفية، يبين فيه حكم "إلا" المكررة للتوكيد؛ وهو بتمامه: "وألغ "إلا" ذات توكيد؛ كلا تمرر بهم إلا الفتى إلا العلا" ٥ يترتب على هذا الأرجح حذف حرف الجر وبقاء الاسم الذي كان مجرورا به على جره في غير الموضع القياسي. ٦ لم ينسب إلى قائل معين. ٧ تخريج الشاهد: البيت من شواهد: التصريح: ١/ ٣٥٦، والأشموني =
[ ٢ / ٢٣٤ ]
فـ: "رسيمه" بدل، و: "رمله" معطوف، و: "إلا" المقترنة بكل منهما مؤكدة.
[حكم تكرارها لغير توكيد]:
وإن كان التكرار لغير توكيد، وذلك في غير بابي العطف والبدل، فإن كان العامل الذي قبل "إلا" مفرغا تركته يؤثر في واحد من المستثنيات، ونصبت ما عدا ذلك الواحد، نحو: "ما قام إلا زيدٌ إلا عمرًا إلا بكرًا" رفعت الأول بالفعل على أنه فاعل، ونصبت الباقي، ولا يتعين الأول لتأثير العامل، بل يترجح، وتقول: "ما
_________________
(١) = "٤٥١/ ١/ ٢٣٢"، وابن عقيل: "١٧٠/ ٢/ ٢٢١"، والهمع: ١/ ٢٢٧، والدرر: ١/ ١٩٣، والكتاب: ١/ ٣٧٤، والمقرب: ٣٥، والعيني: ٣/ ١١٧. المفردات الغريبة: "شيخك": المشهور في هذه الكلمة أنها بالياء، وقيل هي "شنجك": الجمل؛ وأصلها التحريك وسكنت للضرورة. الرسم: ضرب من سير الإبل البطيء. الرمل: السير السريع، وفسر الأعلم "الرسيم": بالسعي بين الصفا والمروة، وفسر الرمل: بالطواف بالبيت. المعنى: ليس لك من جملك مأرب إلا رسيمه ورمله؛ وكلاهما أنت في حاجة إليه؛ والرواية المشهورة "شيخك": والشيخ: الرجل المسن، وعلى هذه الرواية، يكون المراد: ليس لك مطمع في شيخك إلا الانتفاع منه بهذين العملين الجليلين؛ وهما السعي والهرولة بين الصفا والمروة. وفي الطواف. الإعراب: ما: نافية. "لك": متعلق بخبر مقدم محذوف. "من شنجك": متعلق بما تعلق به الأول، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه. إلا: أداة استثناء ملغاة. عمله: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و"الهاء": مضاف إليه. إلا: حرف زائد يفيد التوكيد. رسيمه: بدل من "عمله" بدل بعض من كل، وهو مضاف، و"الهاء": مضاف إليه. وإلا: الواو عاطفة، إلا: حرف زائد يفيد التوكيد. رمله: معطوف على "رسيم" مرفوع مثله، وهو مضاف، و"الهاء" مضاف إليه. موطن الشاهد: "إلا عمله إلا رسيمه وإلا رمله". وجه الاستشهاد: تكرار "إلا" مرتين في قوله: "إلا رسيمه" و"إلا رمله"؛ وفي الموضع الأول؛ كان ما بعدها بدلا مما قبلها، وفي الموضع الثاني؛ كان ما بعدها معطوفا على ما قبلها، وهما الموضعان اللذان تزاد فيهما "إلا"؛ وهي في هذين الموضعين ملغاة لا تفيد غير التوكيد.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
رأيت إلا زيدا إلا عمرا إلا بكرا" فتنصب واحد منها بالفعل على أنه مفعول به، وتنصب البواقي بإلا على الاستثناء.
وإن كان العامل غير مفرغ، فإن تقدمت المستثنيات على المستثنى منه نصبت كلها١، نحو: "ما قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا أحدٌ" وإن تأخرت، فإن كان الكلام إيجابا نصبت أيضا كلها، نحو: "قاموا إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا".
وإن كان غير إيجاب أعطي واحد منها ما يعطاه لو انفرد، ونصب ما عداه، نحو: "ما قاموا إلا زيد إلا عمرا إلا بكرا" لك في واحد منها الرفع راجحا والنصب مرجوحا ويتعين في الباقي النصب٢، ولا يتعين الأول لجواز الوجهين، بل يترجح.
هذا حكم المستثنيات المكررة بالنظر إلى اللفظ٣.
[حكم المستثنيات المتكررة بالنظر إلى المعنى]:
وأما بالنظر إلى المعنى فهو نوعان: ما لا يمكن استثناء بعضه من بعض، كـ: "زيد وعمرو وبكر"٤ وما يمكن، نحو: "له عندي عشرة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحدا".
ففي النوع الأول: إن كان المستثنى الأول داخلا، وذلك إذا كان مستثنى من غير موجب، فما بعده داخل٥، وإن كان خارجا، وذلك إن كان مستثنى من موجب، فما بعده خارج٦.
_________________
(١) ١ وجوبا سواء كان الكلام تاما موجبا، أم غير موجب، ولا يجوز الإبدال في شيء منها لأنه يكون تابعا، والتابع لا يتقدم على المتبوع. ٢ أجاز الأبدي في هذه الصورة رفع الجميع على الإبدال. ٣ أي: من حيث الإعراب اللفظي. ٤ فإن كل واحد منها، لا يدخل فيه غيره، فلا يستثنى منه شيء. ٥ أي: في الحكم الذي دخل فيه الأول؛ نحو: ما قام أحد إلا محمدا إلا عليا إلا محمودا. و"محمدا" هو المستثنى الأول، وهو داخل في إثبات القيام له؛ لأنه مستثنى من النفي، فيكون كل من "علي" و"محمود" داخلا أيضا. ٦ أي: أن حكم المستثنيات الأخيرة حكم الأول؛ دخولا وخروجا؛ وفي حكم المستثنيات المكررة المتأخرة، يقول ابن مالك: =
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وفي النوع الثاني١ اختلفوا، فقيل: الحكم كذلك، وإن الجميع مستثنى من أصل العدد٢، وقال البصريون والكسائي: كل من الأعداد مستثنى مما يليه٣، وهو الصحيح لأن الحمل على الأقرب متعين عند التردد، وقيل: المذهبان محتملان.
وعلى هذا فالمقر به في المثال ثلاثة على القول الأول، وسبعة على القول الثاني، ومحتمل لهما على الثالث، ولك في معرفة المتحصل على القول الثاني طريقتان، إحداهما: أن تسقط الأول وتجبر الباقي بالثاني وتسقط الثالث، وإن كان معك رابع فإنك تجبر به، وهكذا إلى الأخير٤. والثانية: أن تحط الآخر مما يليه، ثم باقيه مما يليه، وهكذا إلى الأول٥.
_________________
(١) = وانصب لتأخير، وجئْ بواحدِ منها كما لو كان دون زائدِ كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي وحكمها في القصد حكم الأولِ والمعنى: انصب المستثنيات كلها في حالة التأخير، إن كان الكلام موجبا؛ فإن كان تاما غير موجب؛ عوامل واحد منها بما كان يستحقه لو لم تتكرر "لا" فيبدل مما قبله؛ وهو المختار، أو ينصب -على قلة- نحو المثال الذي ذكره؛ فيجوز في "علي" الرفع على البدلية من امرؤ، والنصب على الاستثناء؛ وما يتكرر من المستثنيات، حكمه في المعنى حكم الأول، فيثبت له ما يثبت للأول من الدخول إن كان الكلام منفيا والخروج؛ إن كان موجبا كما أوضح المؤلف. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٥٧، وضياء السالك: ٢/ ١٧٥. ١ هو ما يمكن استثناء بعضه من بعض. ٢ أي: من العدد الأول. ٣ أي: من الذي قبله، والذي قبله مستثنى من الذي قبله وهكذا إلى الأول. ٤ فالمستثنى الأول في المثال الأول: "٤" تسقط من "١٠"؛ فيكون الباقي: "٦"، ويجبر بالثاني، وهو: "٢" فتصير: "٨"، ثم يسقط منها الثالث، وهو: "١"؛ فيكون الباقي: "٧". ٥ وهناك طريقة ثالثة ذكرها صاحب "ضياء السالك" وهي: جمع الأعداد الفردية -ومنها المستثنى منه الأول- ثم الأعداد الزوجية، وتطرح الثانية من الأولى، فباقي الطرح هو المطلوب؛ ففي المثال المذكور: "١٠ + ٢" - "٤ + ١" = ٧. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٥٩-٣٦٠، وضياء السالك: ١/ ١٧٦.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
["غير" أصلها - والاستثناء بها]:
فصل: وأصل١ "غير" أن يوصف بها إما نكرة، نحو: ﴿صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ ٢، أو معرفة كالنكرة٣، نحو: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ٤، فإن موصوفها ﴿الَّذِينَ﴾ وهم جنس لا قوم بأعيانهم.
وقد تخرج عن الصفة وتضمن معنى: "إلا" فيستثنى بها اسم مجرور بإضافتها إليه، وتعرب هي بما يستحقه المستثنى بإلا في ذلك الكلام، فيجب نصبها٥ في نحو: "قاموا غير زيد" و: "ما نفع هذا المال غير الضرر" عند الجميع، وفي نحو: "ما
_________________
(١) ١ يوصف بها -على الرغم من جمودها- لما فيها من معنى اسم الفاعل؛ لأن معناها إفادة المغايرة، والدلالة على أن مجرورها مغاير ومخالف للموصوف في الحكم الذي ثبت له إيجابا أو نفيا؛ إما في ذاته؛ نحو: قابلت رجلا غير علي؛ أو في وصف طارئ على الذات؛ نحو: قابلني بوجه غير الذي عهدته منه، فوصف الوجه مختلف في الحالتين. وانظر مغني اللبيب: ٢٠٩، وشرح التصريح: ٣٦٠. ٢ "٧" سورة الأعراف، الآية: ٥٣. موطن الشاهد: ﴿صَالِحًا غَيْرَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "غير" صفة لـ "صالحا" على الرغم من إضافتها إلى الذي؛ لكونها لا تتعرف بالإضافة؛ لتوغلها في الإبهام. ٣ أي: المعرفة المراد منها الجنس. ٤ "١" سورة الفاتحة، الآية: ٧. موطن الشاهد: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "غير" صفة لـ "الذين" وهم جنس مبهم لا قوم بأعيانهم، كما ذكر المؤلف في المتن؛ ومعلوم أن المعرف الذي يراد به الجنس قريب من النكرة؛ وهي في الحالتين مؤولة بالمشتق -كما أسلفنا- بمعنى مغاير؛ لأن النعت لا يكون إلا مشتقا أو مؤولا به. ٥ خلاصة القول: أنه يجب نصب "غير" بالإجماع في صورتين: إذا كان الكلام تاما موجبا نحو: قام القوم غير زيد، أو كان الاستثناء منقطعا ولا يمكن تسليط العامل على المستثنى؛ نحو: ما نفع هذا المال غير الضرر. ويجب النصب عند الحجازيين إذا كان الاستثناء منقطعا وأمكن تسليط العامل على المستثنى؛ نحو: ما في الدار أحد غير حمار، وبنو تميم يجيزون الإتباع في ذلك، وإذا تقدم المستثنى على المستثنى منه، نحو: ما في الدار غير زيد أحد، وجب النصب عند الأكثرين. شرح التصريح: ١/ ٣٦٠، ٣٦١.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
فيها أحد غير حمار" عند الحجازيين، وعند الأكثر في نحو: "ما فيها غير زيد أحد"، ويترجح عند قوم في نحو هذا المثال، وعند تميم في نحو: "ما فيها أحد غير حمار"، ويضعف في نحو: "ما قاموا غير زيد" ويمتنع في نحو: "ما قام غير زيد".
[الاستثناء بـ "سوى"]:
فصل: والمستثنى١ بـ: "سوى" كالمستثنى بـ: "غير" في وجوب الخفض.
_________________
(١) ١ للنحاة في "سوى" ثلاثة آراء: الأول: أن "سوى" ظرف مكان، وأنها لا تخرج عن الظرفية، فإن جاء من كلام العرب شيء، استعملت فيه اسما غير ظرف؛ فهو مؤول أو ضرورة من ضرورات الشعر؛ وهذا رأي الخليل، وسيبويه، وجمهرة البصريين. الثاني: أن "سوى" تستعمل ظرفا منصوبا على الظرفية، وتستعمل اسما غير ظرف؛ إلا أن استعمالها ظرفا أكثر من استعمالها غير ظرف؛ وارتضى المؤلف هذا الرأي، فهو يقول: "وإلى مذهبهما أميل" ويعني بهما: الرماني، والعكبري. الثالث: أن "سوى" تستعمل ظرفا، وتستعمل اسما غير ظرف، وأن الاستعمالين سواء، ليس أحدهما أكثر من الثاني، وليس أحدهما ضرورة ولا خاصا بالشعر؛ وهذا رأي الكوفيين، وتبعهما ابن مالك، واستدلوا بالآتي: أ- أجمع أهل اللغة على أن قول القائل: "قاموا سواك" وقوله: "قاموا غيرك" بمعنى واحد. ب- لم يقل واحد من أهل اللغة: إن "سوى" عبارة عن مكان أو زمان؛ حتى تكون ظرفا؛ وإنما تأولها البصريون بمعنى بَدَلَك، ثم جعلوا "بدلك" بمعنى "مكانك"، فحكموا بمقتضى ذلك التأويل بأنها ظرف. ج- وقوع العدد الكثير من الشواهد الشعرية والنثرية التي تخالف ملازمتها للنصب على الظرفية؛ حيث جاءت مجرورة بحرف الجر، كما في قوله -﵊: "ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود"، وكما في قول المرار العقيلي: ولا ينطق الفحشاء من كان منهم إذا جلسوا منا ولا من سوائنا وجاءت مجرورة بالإضافة، كما في قول الشاعر: فإنني والذي يحج له النـ ـاس بجدوى سواك لم أَثِقٍ وجاءت مرفوعة بالابتداء كما في قول الشاعر: وإذا تباع كريمة أو تشترى فسواك بائعها وأنت المشتري =
[ ٢ / ٢٣٩ ]
ثم قال الزجاجي١ وابن مالك. سوى كغير معنى وإعرابا، ويؤيدهما حكاية الفراء: "أتاني سواك". وقال سيبويه والجمهور: هي ظرف، بدليل وصل الموصول بها، كـ: "جاء الذي سواك" قالوا: ولا تخرج عن النصب على الظرفية إلا في الشعر، كقوله٢: [الهزج]
٢٦٥- ولم يبقَ سوى العدوا ن دِنَّاهُمْ كما دانوا٣
_________________
(١) = وجاءت مرفوعة على الفاعلية، كما في قول الآخر: ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا وجاءت اسما لـ "إن" في قول أحدهم: لديك كفيل بالمنى لمؤمِّلِ وإن سواك من يؤمِّلُهُ يشقَى وبعد هذا كله، يتضح لنا بطلان قولهم بعد تصرفها، ولزومها للظرفية وبناءً عليه يكون ما ذهب إليه الكوفيون، وارتضاه ابن مالك في هذه المسألة هو القول الأصوب لما بينا. وانظر في هذه المسألة: ابن عقيل: ٢/ ٢٢٦، وحاشية الصبان: ٢/ ١٥٨-١٥٩-١٦٠-١٦١، وحاشية، يس على التصريح: ١/ ٣٦٢، وهمع الهوامع: ١/ ٢٠١-٢٠٢. ١ الزجاجي: هو أبو القاسم؛ عبد الرحمن بن إسحاق، أصله من نهاوند، انتقل إلى بغداد ولزم أبا إسحاق: إبراهيم الزجاج، فنسب إليه، وأخذ أيضا عن الطبري، وابن كيسان وابن السراج والأخفش وابن الأنباري، له كتب قيمة منها: الجمل في النحو، والإيضاح في علل النحو، والكافي، وشرح خطبة أدب الكتاب، وشرح أسماء الله الحسنى وكتاب الأماني وغيرها مات بطبرية سنة ٣٤٠ هـ. البلغة: ١٢١، بغية الوعاة ٢/ ٧٧، وفيات الأعيان: ١/ ٢٨٨، إنباه الرواة: ٢/ ١٦١، الأعلام: ٤/ ٦٩. ٢ القائل: هو الفند الزِمَّاني -بكسر الزاي وتشديد الميم المفتوحة- واسمه شهل بن شيبان، أحد شعراء الحماسة وأحد فرسان ربيعة المشهورين المعدودين، شهد حرب بكر وتغلب وقد قارب المائة سنة، فأبلى فيها بلاء حسنا، ولقب بالفند؛ لأن بكرا بعثوا إلى بني حنيفة يستنصرونهم، فأمدوهم به وكتبوا إليهم: قد بعثنا إليكم بثلاثمائة فارس، فلما أتى بكرا وهو مسن قالوا: وما يغني هذا العشبة؟ قال: أوما ترضون أن أكون لكم فندا تأوون إليه. الخزانة: ٣/ ٤٣٤-٤٣٥. ٣ تخريج الشاهد: من قصيدة قالها الشاعر في حرب البسوس، رواها أبو تمام في حماسته ومطلعها قوله: =
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وقال الرماني١ والعكبري٢: تستعمل ظرفا غالبا، وكغير قليلا، وإلى هذا أذهب.
_________________
(١) = صفحنا عن بني ذهل وقلنا القوم إخوان عسى الأيام أن يرجعـ ـن قوما كالذي كانوا فلما صرح الشر وأمسى وهو عريان والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٦٢، وابن عقيل: "١٧٣/ ٢/ ٢٢٨" والهمع: ١/ ٢٠٢، والدرر: ١/ ١٧٠، وأمالي القالي: ١/ ٢٦٠، والخزانة: ٢/ ٥٧، والعيني: ٣/ ١٢٢، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ٣٥. المفردات الغريبة: العدوان: الظلم الصريح. دناهم: جازيناهم وفعلنا بهم مثل ما فعلوا بنا. المعنى: لما ظهر الشر، وانكشف كل شيء كان مستورا، ولم يبقَ من بني ذهل إلا العدوان الظاهر؛ جازيناهم، وفعلنا بهم مثلما فعلوا بنا، وكما تدين تدان. الإعراب: لم: حرف جزم ونفي وقلب. يبق: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة. سوى: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف، وهو مضاف. العدوان: مضاف إليه. دنَّاهم: فعل ماضٍ، مبني على السكون؛ لاتصاله بـ "نا" الدالة على الفاعلين، و"نا": فاعل، و"هم": مفعول به. كما: الكاف حرف جر، و"ما" حرف مصدري. دانوا: فعل ماضٍ، والواو: فاعل؛ والمصدر المؤول من "ما وما دخلت عليه": في محل جر بالكاف؛ و"الجار والمجرور": متعلق بمحذوف صفة لمصدر، يقع مفعولا مطلقا؛ عامله "دناهم"؛ والتقدير: دنَّاهم دينًا مماثلا لدينهم إيانا؛ وجملة "دانوا": صلة للمصولو الحرفي، لا محل لها؛ وجملة "دناهم": جواب "لما" في بيت سابق، لا محل لها. موطن الشاهد: "ولم يبق سوى العدوان". وجه الاستشهاد: وقوع "سوى" فاعلا لـ "يبق"؛ وحكم مجيئها فاعلا الجواز لضرورة الشعر عند البصريين؛ وأما عند الكوفيين فجائز في سعة الكلام، ولم يخصوه بالشعر فقط كالبصريين؛ ومذهبهم في هذه المسألة أرجح؛ لورود الشواهد الكثيرة من الشعر والنثر معا عمن يحتج بكلامهم. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٦٢. ١ مرت ترجمته. ٢ هو: أبو البقاء عبد الله بن الحسين، محب الدين العكبري البغدادي النحوي الضرير، قرأ على ابن الخشاب وغيره، له مصنفات كثيرة منها: إعراب القرآن، تفسير القرآن، إعراب الشواذ من القرآن، شرح الإيضاح، شرح اللمع، شرح المقامات، شرح الكتاب وغيرها ولد سنة ٥٣٨، ومات سنة ٦١٦ هـ. البلغة: ١٠٨، إنباه الرواة: ٢/ ١١٦، بغية الوعاة: ٢/ ٣٨، معجم المؤلفين: ٦/ ٤٦، الأعلام ٤/ ٢٠٨.
[ ٢ / ٢٤١ ]
[الاستثناء بـ "ليس" و"لا يكون"]:
فصل: والمستثنى بـ: "ليس"، و: لا يكون" واجب النصب؛ لِأنه خبرهما، وفي الحديث: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السنَّ والظفرَ" ١ وتقول: "أتوني لا يكون زيدا".
واسمهما٢ ضمير مستتر عائد على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق، أو
_________________
(١) ١ هذا حديث شريف في حكم الذبائح. وأخرجه بلفظ: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكلوا ليس السنَّ والظفرَ". المعجم الكبير للطبراني "ط. العراق": ٤/ ٣٢٠، وإتحاف السادة المتقين للزبيدي "تصوير بيروت": ٦/ ٧٦ وكنز العمال "مطبعة التراث الإسلامي": ١٧٦٧. وأخرجه بلفظ: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السنَّ والظفرَ" مسلم، الأضاحي "مطبعة عيسى الحلبي": برقم: ٤٠، وسنن النسائي "تصوير بيروت": ٧/ ٢٢٨، ومسند الإمام أحمد "مطبعة الميمنية": ٤/ ١٤٢، ومعجم الطبراني: ٤/ ٣٢١. وشرح السنة للبغوي "مطبعة المكتب الإسلامي": ١١/ ٢١٤، وفتح الباري "دار الفكر": ٩/ ٦٢٣، ٦٣١. ٢ للنحاة في مرجع الضمير المستتر وجوبا في "ليس" و"لا يكون" ثلاثة أقوال؛ هي: الأول: أن هذا الضمير عائد إلى اسم فاعل الفعل العامل في المستثنى منه؛ أو إلى اسم المفعول -وهذا الرأي لسيبويه- وبيانه: أننا إذا قلنا: "جاء القوم ليس زيدا" يكون تقدير الكلام: جاء القوم ليس هو -أي الجائي- زيدا؛ واعترض على هذا القول باعتراضات؛ أوضحها: أنه قد لا يكون في الكلام السابق على المستثنى فعل، كما لو قلت: "القوم إخوتك ليس زيدًا" فمن أين لنا أن نشتق اسم الفاعل الذي يعود الضمير إليه؟ وأجاب بعض من ينتصر لسيبويه: بأننا نتصيد من معنى الكلام السابق فعل، ونجعل اسم فاعل هذا الفعل المتصيد مرجع الضمير؛ ففي المثال المذكور نقدر أن الكلام: القوم يتصفون بأخوتك ليس زيدا، ونقدر مرع الضمير: ليس هو -أي المتصف بهذه الأخوة- زيدا. والثاني: أن هذا الضمير عائد على البعض المدلول عليه بكله السابق -وهذا رأي البصريين ففي قولنا: "جاء القوم ليس زيدا"؛ التقدير: ليس هو -أي بعض القوم- زيدا؛ ومعنى هذا، أن نكون نفينا أن يكون بعض القوم زيدا؛ أي بعض القوم من =
[ ٢ / ٢٤٢ ]
البعض المدلول عليه بكله السابق، فتقدير: "قاموا ليس زيدا": ليس القائم، أو ليس بعضهم، وعلى الثاني فهو نظير: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ ١ بعد تقدم ذكر الأولاد٢.
وجملتا الاستثناء٣ في موضع نصب على الحال٤، أو مستأنفتان فلا موضع لهما٥.
[المستثنى بـ "خلا" و"عدا" وحكمه]:
فصل: وفي المستثنى بـ "خلا" و"عدا" وجهان:
_________________
(١) = عدا زيدا، وبالتالي: نكون قد أطلقنا لفظ البعض على الجميع إلا واحدا، وليس من المعهود هذا الإطلاق. الثالث: أن الضمير يعود إلى مصدر الفعل السابق، بعد أن نقدر أن المستثنى، كان مضافا إلى مصدر مثله -وهذا رأي الكوفيين- ففي قولنا: "جاء القوم ليس زيدا"؛ التقدير: ليس المجيء مجيء زيد؛ واعترض على هذا الرأي باعتراضين؛ أولهما: أنه قد لا يكون في الكلام السابق فعل، ومر جوابه في الكلام على قول سيبويه، وثانيهما: أن فيه هذا التقدير مضافا محذوفا، لم يلفظ به في كلام قط. وانظر في هذا المسألة: شرح التصريح: ١/ ٣٦٢-٣٦٣، والجني الداني: ٤٩٥. ١ "٤" سورة النساء، الآية: ١١. موطن الشاهد: ﴿كُنَّ نِسَاءً﴾ . وجه الاستشهاد: عودة الضمير في "كن" على البعض المدلول عليه بالكل بعد تقدم ذكر الأولاد في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ فإن الأولاد تشمل الذكور والإناث؛ فعادت النون في "كن" على الإناث اللاتي هن البعض المفهوم من الأولاد؛ ومعلوم أن "النون": اسم "كن" و"نساء": خبرها. ٢ أي في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ فإن قيل: لا فائدة من قول القائل: فإن كن الإناث نساء. فالجواب: أن الفائدة تمت بما ذكره بعده من الظرف وهو قوله ﷻ ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ شرح التصريح: ١/ ٣٦٣. ٣ أي: جملة "ليس زيدا"، "ولا يكون زيدا". ٤ ولا تحتاج لوجود "قد" المشروطة في الجملة الماضوية الواقعة حالا؛ لأن هذا في غير الجمل التي أفعالها جامدة كما هنا. ٥ أي: لا علاقة لهما بما قبلهما من جهة الإعراب. أما من الناحية المعنوية فبينهما ارتباط كما أسلفنا، وهذا رأي جمهور البصريين. شرح التصريح: ١/ ٣٦٣.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
أحدهما: الجر على أنهما حرفا جر، وهو قليل، ولم يحفظه سيبويه في "عدا"، ومن شواهده قوله١: [الوافر]
٢٦٦- أَبَحْنَا حيَّهُم قتلًا وأسرًا عدا الشمطاء والطفل الصغير٢
وموضعهما نصب، فقيل: هو نصب عن تمام الكلام٣، وقيل: لأنهما متعلقان بالفعل المذكور٤.
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: ويروى قبل الشاهد -وهو دليل على أن القوافي مجرورة- قوله: تركنا في الحضيض بنات عوج عواكف قد خضعن إلى النسور والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٣٢، والدر: ١/ ١٩٧، والعيني: ٣/ ١٢٣. المفردات الغريبة: أبحنا، أحللنا، من أباح الشيء إذا أحله، والمراد: استأصلنا حيهم، الحي: القبيلة. الشمطاء: العجوز التي خالط البياض سواد شعرها، والرجل أشمط. المعنى: استبحنا القتل والأسر، واستأصلنا تلك القبيلة، ولم نترك إلا العجائز من النساء، والصغار من الأطفال. الإعراب: أبحنا: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لِاتصاله بـ "نا"؛ و"نا" في محل رفع فاعل. حيهم: مفعول به، وهو مضاف. و"هم": مضاف إليه. قتلا: تمييز منصوب؛ ويجوز أن يكون "حيهم" مفعولا به على نزع الخافض؛ أي في حيهم، وقتلا: مفعولا به. وأسرا: الواو عاطفة؛ أسرا: معطوف على "قتلا" منصوب مثله. عدا: حرف جر دالٍّ على الاستثناء، لا محل له من الإعراب. الشمطاء: مجرور بـ "عدا" وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والطفل: الواو عاطفة، الطفل: اسم معطوف على الشمطاء، والمعطوف على المجرور مجرور مثله. الصغير: صفة للطفل مجرورة. موطن الشاهد: "عدا الشمطاء". وجه الاستشهاد: مجيء "عدا" في الشاهد حرف جر و"الشمطاء" مجرورا به. ٣ أي: تمام الجملة قبلهما، فتكون هي الناصبة لمحلهما على الاستثناء؛ كما قيل في تمييز النسبة: إن العامل فيه النصب، هو الجملة قبله، ولا يحتاجان إلى متعلق على اعتبارهما من أحرف الجر الشبيهة بالزائد. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٦٣، وحاشية الصبان: ٢/ ١٦٣. ٤ أي: قبلهما، فيكونان -حينئذ- في موضع نصب على المفعول به، والأول: أرجح.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
والثاني: النصب على أنهما فعلان جامدان لوقوعهما موقع١ "إلا" وفاعلهما ضمير مستتر"، وفي مفسره وفي موضع الجملة البحث السابق.
وتدخل علهيما "ما" المصدرية٢ فيتعين النصب؛ لِتعين الفعلية حينئذ، كقوله٣: [الطويل]
٢٦٧- ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل٤
_________________
(١) ١ فعلان لتقدم ما المصدرية عليهما، التي لا توصل إلا بالأفعال، والفعل إذا وقع موقع الحرف يصير جامدا، كما أن الاسم إذا وقع موقعه يصير مبنيا، ونصب ما بعدهما على أنه مفعول واضح بالنسبة لعدا؛ متعدٍّ قبل الاستثناء، أما "خلا" فقد ضمنت عند الاستثناء معنى "جاوز"؛ فصارت متعدية. التصريح: ١/ ٣٦٤. ٢ أي: استثناء؛ لِأنها لا تدخل على فعل جامد. وقيل: لأنهما في الأصل متصرفان. والمنع إنما هو في الجامد أصالة. ٣ القائل: هو لبيد بن ربيعة العامري، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: وكل نعيم لا محالة زائلُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٦٤، والهمع: ١/ ٣، ٢٦٦، ٣٣٣، والدرر: ١/ ٢، ٩٣، ١٩٧، وشرح المفصل: ٢/ ٧٨، والعيني: ١/ ١٥، ٣/ ١٣٤، وحاشية يس: ١/ ٣٥٥، ومغني اللبيب: "٢١٩/ ١٧٩" "٣٥٢/ ٢٥٩" وشرح السيوطي: ١٣٤، ١٨٠، والشذور: "١٢٢/ ٣٤١" وديوان لبيد: ٢٥٦. المفردات الغريبة: ما خلا الله: ما عداه سبحانه؛ باطل، المراد: فانٍ وهالك. زائل: ذاهب. المعنى: كل شيء في هذه الحياة صائر إلى زوال، ولا يبقى إلا الواحد الديان، وكل نعيم في هذه الدنيا سيغدو أثرا بعد عين، فليعتبر بهذا الغافلون والمنحرفون. الإعراب: ألا: أداة استفتاح وتنبيه: كل: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. شيء: مضاف إليه مجرور. ما: مصدرية، لا محل لها. خلا: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا، تقديره هو: يعود إلى البعض المفهوم من الكل السابق. الله: "لفظ الجلالة" منصوب على التعظيم. باطل: خبر المبتدأ "كل" مرفوع. وكل: الواو عاطفة، كل: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. نعيم: مضاف إليه مجرور. لا محالة: لا نافية للجنس، لا محل لها من الإعراب. محالة: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب؛ وخبر "لا" محذوف؛ والتقدير: لا محالة موجودة؛ وجملة "لا محالة موجودة": اعتراضية، لا محل لها. زائل: خبر "كل" مرفوع. موطن الشاهد: "ما خلا الله". وجه الاستشهاد: استعمال "خلا" فعلا؛ لسبقها بـ "ما" المصدرية، ونصب لفظ الجلالة بعدها؛ والذي يدلنا على استعمالها فعلا سبقها بما المصدرية؛ لأن "ما" المصدرية، لا تدخل على الأفعال، ولا تدخل على الحروف.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وقوله١: [الطويل]
٢٦٨- تملُّ الندامى ما عداني فإنني٢
ولهذا دخلت نون الوقاية، وموضع الموصول وصلته نصب: إما على الظرفية على حذف مضاف، أو على الحالية على التأويل باسم الفاعل٣، فمعنى: "قاموا ما
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: بكل الذي يهوَى نديمي مولعُ وقد مر تخريج الشاهد والتعليق عليه. موطن الشاهد: "ما عداني". وجه الاستشهاد: استعمال "عدا" فعلا؛ لأنها سبقت بما المصدرية؛ ومعلوم أن "عدا" عندما تسبق بما المصدرية، تتمحَّض للفعلية -كما سبق- وما يؤكد استعمال الشاعر لـ "عدا" فعلية؛ إلحاقه بها نون الوقاية لما وصل بها ياء المتكلم، ونحن نعلم أن نون الوقاية تلزم الأفعال من دون الحروف. ٣ عندما تأتي "عدا وخلا" مقرونتين بـ "ما" فلمحلهما ثلاثة أوجه من الإعراب: الأول: أن "ما" المصدرية ومدخولها في تأويل مصدر منصوب على الظرفية الزمانية؛ وأصله: مضاف إليه للفظ "وقت" فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه؛ ففي قولهم: "قام القوم عدا زيدا"، يكون التقدير: قام القوم وقت مجاوزتهم زيدا. الثاني: أن "ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر، يراد به اسم الفاعل، وهو حال من المستثنى منه؛ ويكون تقدير المثال السابق: قام القوم مجاوزتهم زيدا، أي: مجاوزين زيدا؛ وهذا، كما قدر المصدر الصريح -حين وقع حالا- باسم الفاعل؛ نحو قولك: جاء زيد ركضا؛ أي: راكضا. الثالث: أن "ما عدا زيدا" منصوب على الاستثناء، مثل انتصاب "غير" في قولهم: قام القوم غير زيد؛ والتقدير الثاني للسيرافي، والثالث لابن خروف، والرأي الأرجح، هو الأول؛ لأن "ما عدا" في تأويل المصدر عند الجميع، والمصدر ينوب مناب ظرف الزمان بكثرة، كما في قولهم: أزورك طلوع الشمس، وأحبك مجيء الحاج؛ فأما مجيء الحال مصدرا، فيحتاج إلى التأويل -على أن بعض النحاة ذكر أن مجيء المصدر حالا؛ إنما يكون في المصدر الصريح لا المؤول؛ وأما النصب على الاستثناء، ففيه من التكلف ما لا يخفى. وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٦٥، والمغني: ١٧٨-١٧٩.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
عدا زيدا" قاموا وقت مجاوزتهم زيدا، أو مجاوزين زيدا، وقد يجران على تقدير "ما" زائدة١.
[المستثنى بـ "حاشا"]:
فصل: والمستثنى بـ: "حاشا" عند سيبويه مجرور لا غير، وسمع غيره النصب٢، كقوله: "اللهم اغفر لي ولمن يسمع، حاشا الشيطانَ وأبا الأصبغ"٣.
والكلام في موضعها جارة وناصبة وفي فاعلها كالكلام في أختيها.
ولا يجوز دخول "ما" عليها، خلافا لبعضهم٤، ولا دخول "إلا" خلافا
_________________
(١) ١ وإلى هذا ذهب الجرمي والربعي والكسائي والفارسي وابن جني، ولم يرتضه ابن هشام في المغني لأن "ما" تزاد بعد حرف الجر، نحو: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾، و: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، أما هنا فلا، وإن كان سمع ذلك فهو شذوذ لا يقاس عليه. التصريح: ١/ ٣٦٥، مغني اللبيب: ١٧٩، همع الهوامع: ١/ ٢٣٣. ٢ الذين رووا النصب بعد "حاشا" هم أبو زيد والفراء، والأخفش، والشيباني، وابن خروف، وأجازه الجرمي والمازني والمبرد والزجاج وابن مالك. مغني اللبيب: ١٦٥، والجنى الداني: ٥٥٨، والتصريح: ١/ ٣٦٥. ٣ هذا كلام منثور، وليس بنظم، وأبو الأصبغ: اسم رجل رمي بالخسة والدناءة وجعل قرينا للشيطان لالتحاقه في قبح الأفعال. "الشيطان" منصوب بحاشا على أنها فعل ماضٍ، و"أبا" معطوف عليه. "الأصبغ" مضاف إليه. وجيء بحاشا هنا للتهكم؛ لأنها إنما يستثنى بها في مقام تنزيه المستثنى عن نقص ما، والمغفرة أمر حسن لا يتنزه أحد عنه، ولكنه بالغ في تقبيح فعل الشيطان وأبي الأصبغ وخستهما ودمهما حتى كأن المغفرة تنقص بهما، فيجب أن تتنزه عنهما وألا تتعلق بأمثالهما. ٤ فقد أجاز دخول "ما" عليها مستدلا بقوله ﵊: "أسامة أَحَبُّ الناسِ إلي ما حاشا فاطمة". ورد بأن جملة "ما حاشا فاطمة" مدرجة من كلام الراوي وليست من الحديث، أي أنه ﵊، لم يستثنِ فاطمة، فتكون "ما" نافية لا مصدرية، و"حاشا" فعل متعدٍّ متصرف بمعنى أستثني. وكذلك استدل بقول الأخطل: رأيت الناس ما حاشا قريشًا فإنا نحن أفضلهم فعالا
[ ٢ / ٢٤٧ ]
للكسائي١.
_________________
(١) ١ فقد أجاز دخول "إلا" عليهما إذا جرت، ومنعه إذا نصبت، تقول: قام القوم إلا حاشا محمد -بالجر. التصريح: ١/ ٣٦٥. تنبيه: الصحيح أن ناصب المستثنى هو "إلا" لا ما قبلها، ولا كلمة أستثني مضمرا؛ لأنها مختصة بالأسماء غير منزلة منها منزلة الجزء، يجب أن تعمل ما لم تتوسط بين عامل مفرغ ومعموله فتلغى؛ لأن العامل أقوى منها. تكملة: تأتي "حاشا" على ثلاثة أحوال: أ- استثنائية: وهي فعل جامد، وقد تأتي حرفا وقد سبق الكلام عليها. ب- تنزيهية: تدل على التنزيه الخالص وتبرئة ما بعدها من سوء. والصحيح أنها اسم مرادف لكلمة "تنزيه" التي هي مصدر "نزه" بدليل إضافتها وتنوينها في قوله تعالى: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ فقد قرأ ابن مسعود: "حاش الله"، بالإضافة على زيادة اللام؛ كسبحان الله، ومعاذ الله. وقرأ أبو السمال: حاشا لله. بالتنوين والإضافة، والتنوين من خواص الأسماء، وهي منصوبة على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبا من معناها؛ لِأنها مصدر قائم قام الفعل. وقال بعض النحاة: إنها اسم فعل ماضٍ بمعنى: تنزه أو برئ، واللام بعدها زائدة، و"الله" مجرور باللام الزائدة في محل رفع فاعل باسم الفعل. وقال الكوفيون والمبرد: إنها فعل. ج- أن تكون فعلا متعديا متصرفا بمعنى أستثني. تقول: حاشيت مال اليتيم. أن تمتد إليه يدي، أي أستثنيه، وتكتب ألفها الأخيرة ياء في هذه الحالة ومنه الحديث السابق: "أسامة أحب الناس إلي ما حاشي فاطمة". وقول الشاعر: ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ولا أحاشي من الأقوام من أحد ويجوز في نحو: قام الناس حاشاك وحاشاه. كون الضمير منصوبا، وكونه مجرورا. فإذا قلت: حاشاي -تعين الجر، وإن قلت: حاشاني- تعين النصب، وكذا الشأن في: خلا، وعدا، ضياء السالك: ٢/ ١٨٦. فائدة: تأتي "لما" للاستثناء بمعنى إلا، نحو: ناشدتك الله لما فعلت كذا -عمرك الله لما تركت كذا. وهذا مقصور على السماع على الصحيح. التصريح: ١/ ٣٦٥، مغني اللبيب: ١٦٤-١٦٥٤، ومشكل إعراب القرآن: ١/ ٤٢٨، همع اللوامع: ١/ ٢٣٢-٢٣٣، الجنى الداني: ٥٦١.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
[باب الحال]:
هذا باب الحال١:
[الحال نوعان]:
الحال نوعان: موكد٢، وستأتي.
تعريف الحال المؤسسة:
ومؤسسة٣، وهي: وصف٤، فضلة٥، مذكور لبيان الهيئة، كـ: "جئت
_________________
(١) ١ يطلق الحال لغة: على الوقت الذي فيه الإنسان، وعلى ما هو عليه من خير أو شر. واصطلاحا: ما ذكره المصنف. ولفظ الحال -من غير تاء- صالح للتذكير والتأنيث، نقول: الحال حسن، أو حسنة. والكثير والأفصح في لفظه التذكير، وفي وصفه وفي ضميره التأنيث ومن شواهد تذكير لفظ الحال قول الشاعر: إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ فدعه وواكل أمره واللياليا ومن شواهد تأنيث لفظها قول الفرزدق: على حالة لو أن في القوم حاتما على جوده ضنت به نفس حاتم ٢ وهي التي لا تفيد معنى جديدا، ويفهم معناها بدون ذكرها، ويدل عليها عاملها كقولك: تعث في الأرض مفسدا. أو يدل عليها صاحبها كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ أو تدل على معناها جملة سابقة نحو قولك: "زيد أبوك عطوفا". ٣ وهي التي تفيد معنى لا يستفاد إلا بذكرها، وتسمى كذلك المبينة. لأنها تبين وتوضح هيئة صاحبها، وهذا القسم هو الغالب في الحال، حتى قال المبرد والفراء: إن الحال لا تكون مؤكدة. التصريح: ١/ ٣٦٥، همع الهوامع: ١/ ٢٣٧. ٤ صريح أو مؤول؛ لتدخل الحال الجامدة، والجملة وشبهها الظرف والجار والمجرور -لتأول كل بالوصف المشتق. والمراد بالوصف: الاسم المشتق الذي يدل على معنى وذات متصفة به وهو اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأمثلة المبالغة، وأفعال التفضيل. ٥ المراد بالفضلة هنا: ما ليس ركنا في الإسناد، وإن كان لازمة لصحة المعنى، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، فإنه لا يكون معنى إذا حذفت كلمة "كسالى"، أو يجب ذكرها لعارض كونها سادة مسد العمدة، كالحال التي تسد مسد الخبر في نحو: ضربي العبد مسيئا.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
راكبا" و: "ضربته مكتوفا" و: "لقيته راكبين"١.
وخرج بذكر الوصف نحو: "القهقرى" في: "رجعت القهقرى"٢.
وبذكر الفضلة الخبر في نحو: "زيد ضاحك" وبالباقي التمييز في نحو: "لله دره فارسا" والنعت في نحو: "جاءني رجل راكب" فإن ذكر التمييز لبيان جنس المتعجب منه، وذكر النعت لتخصيص المنعوت، وإنما وقع بيان الهيئة بهما ضمنا لا قصدا.
وقال الناظم:
الحال وصف فضلة منتصب مُفهَمُ في حال كذا
فالوصف: جنس يشمل الخبر والنعت والحال، وفضلة: مخرج للخبر، ومنتصب. مخرج لنعتي المرفوع والمخفوض، كـ: "جاءني رجل راكب" و: "مررت برجل راكب" ومفهم في حال كذا: مخرج لنعت المنصوب كـ: "رأيت رجلا راكبا" فإنه إنما سيق لتقييد المنعوت؛ فهو لا يفهم في حال كذا بطريق القصد، وإنما أفهمه بطريق اللزوم.
وفي هذا الحد نظر؛ لأن النصب حكم، والحكم فرع التصور، والتصور متوقف على الحد، فجاء الدور.
[أوصاف الحال]:
فصل: للحال٣ أربعة أوصاف:
_________________
(١) ١ راكبا: حال مبنية لهيئة الفاعل، ومكتوفا: حال مبنية لهيئة المفعول، وراكبين: حال مبنية لهما. قيل: ومجيء الحال من غير ذلك، كالمجرور بالحرف والمضاف إليه، والمبتدأ والخبر، واسم الناسخ ينبغي أن يؤول بالفاعل أو المفعول. وقيل: يجوز ذلك بدون تأويل، ولوروده في الفصيح من كلام العرب، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ ببناء "نتخذ" للمجهول، فإن أولياء حال، وهي مجرور بمن الزائدة، والتقدير: أن نتخذ من دونك. ٢ فإنه وإن كان مبنيا لهيئة الفاعل، إلا أنه اسم للرجوع إلى الخلف لا وصف وتثنى على القهقرين بحذف الألف، والقياس قلبها ياء. ٣ أي من حيث هي، بقطع النظر عن كونها مؤكدة أو مؤسسة.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
أحدهما: أن تكون منتقلة١ لا ثابتة، وذلك غالب، لا لازم، كـ: "جاء زيد ضاحكا".
وتقع وصفا ثابتا٢ في ثلاث مسائل:
إحداها: أن تكون مؤكدة٣، نحو: "زيد أبوك عطوفا" و: ﴿يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ٤.
الثانية: أن يدل عاملها على تجدد صاحبها٥، نحو: خلق الله الزرافة يديها
_________________
(١) ١ هذا الوصف باعتبار ثبات معناها ودوامه، أو عدم ذلك، والمراد بالمنتقلة: التي ليست ملازمة للمتصف بها، بل تبين هيئة صاحبها مدة مؤقتة. وبالثابتة: الملازمة لصاحبها لا تفارقه. ٢ المراد بالثبات اللزوم وعدم المفارقة، بدليل مقابلتها بالمنتقلة وتفسيرهم الانتقال بكونها تفارق صاحبها، ثم إن اللزوم يكون بسبب وجود علاقة بين الحال وبين صاحبها أو عاملها، عقلا. أو عادة. أو طبعا. وإن لم تكن في نفسها دائمة. ٣ أي لمضمون الجملة التي قبلها، بحيث يتفق معنى الحال ومضمون الجملة، فتلازم صاحبها تبعا لذلك. ويشترط في هذه الجملة: أن تكون اسمية، وأن يكون طرفاها -وهما المبتدأ والخبر- معرفتين جامدتين، ولا بد أن يتأخر الحال عنهما وعن العامل. كالمثال الأول فإن "عطوفا" حال من الأب والعطف ملازم للأبوة؛ لأن الأبوة من شأنها العطف وقد تكون مؤكدة لعاملها، إما في اللفظ والمعنى، نحو: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ أو في المعنى فقط كمثال المصنف، فإن "حيا" حال من ضمير أبعث، والبعث هو الحياة بعد الموت. وهذه مؤكدة لمعنى العامل، وهو "أبعث" لأن البعث من لازمه الحياة، وهو مستفاد بدون ذكر الحال. وبقي عليه نوع ثالث، وهي الحال المؤكدة لمعنى صاحبها؛ نحو قوله تعالى: ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ فجميعا حال مؤكدة معنى صاحبها، وهو "من"، ومعنى الجمعية هو معنى العموم المستفاد من "من" بدون ذكر الحال. التصريح: ١/ ٣٦٧. ٤ "١٩" سورة مريم، الآية: ٣٣. موطن الشاهد: ﴿أُبْعَثُ حَيًّا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "حيا" حالا مؤكدة لعاملها في المعنى فقط؛ لأن البعث هو الحياة بعد الموت، فأكدت معنى "أبعث"؛ لأن البعث من لازمه الحياة، وهو مستفاد من دون ذكر الحال. ٥ الدال على التجدد في هذا المثال هو قولهم "خلق" فإنه يدل على تجدد المخلوق =
[ ٢ / ٢٥١ ]
أطول من رجليها" فـ: "يديها": بدل بعض، و: "أطول": حال ملازمة.
الثالثة: نحو: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْط﴾ ١، ونحو: ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ ٢، ولا ضابط لذلك، بل هو موقوف على السماع، ووهم ابن الناظم فمثل بمفصلا في الآية للحال التي تجدد صاحبها.
الثاني: أن تكون مشتقة لا جامدة٣، وذلك أيضا غالب، لا لازم.
وتقع جامدة مؤولة بالمشتق في ثلاث مسائل:
إحداها: أن تدل على تشبيه، نحو: "كر زيد أسدا" و: "بدت الجارية قمرا، وتثنت غصنا" أي: شجاعا ومضيئة ومعتدلة٤، وقالوا: "وقع المصطرعان عِدْلَي
_________________
(١) = وحدوثه. وخلق هو العامل في الحال وفي صاحبها، وجعل ابن الناظم من هذا النوع، ما كان الدال على التجدد هو العامل أيضا، لكن المتجدد والمحدث وصف من أوصاف صاحبها، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ وذلك بأنه أراد بالكتاب اللفظ المقروء، لا الصفة النفسية، ولا مانع من القول بتجدده؛ بدليل وصفه بالإنزال، ولا يتجه الوهم إلا إذا أريد أن الإنزال يدل على تجدد المنزل وحدوثه وقت الإنزال والمصنف لم يعتبره هنا منه؛ وحجته: أن "الكتاب" الذي هو صاحب الحال قديم فلا يمكن أن يكون متجددا حادثا. التصريح: ١/ ٣٦٨، ومعنى اللبيب: ٦٠٥. ١ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٨. موطن الشاهد: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "قائما" وصفا ثابتا"؛ لأن صفات الله تعالى مطلقة؛ ومجيء الحال هنا مرجعه إلى السماع. ٢ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١١٤. موطن الشاهد: ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "مفصلا" منصوبا على الحال، ولا ضابط له، بل هو موقوف على السماع -كما بَيَّنَ المؤلف- فلا يقاس عليه؛ ومعنى مفصلا: مبينا فيه الحق والباطل بحيث ينفي التخليط والإلباس. ٣ لأنها صفة لصاحبها في المعنى والصفة لا تكون إلا مشتقة. ويؤخذ من ذلك أنه لا بد من مطابقتها لصاحب الحال تذكيرا وتأنيثا وإفرادا وتثنية وجمعا؛ لأن اشتقاقها يقتضي تحملها ضميره. ٤ على هذا يكون كل من الأسد والقمر والغصن مستعملا في غير حقيقته، والمعنى فيها على التشبيه. وقيل إنها مستعملة في حقيقتها والكلام على حذف مضاف، أي مثل أسد وقمر وغصن، وذلك أصرح في الدلالة على التشبيه. ومثل ذلك قول المتنبي: بدت قمرا، ومالت غصن بان وفاحت عنبرا، ورنت غزالا
[ ٢ / ٢٥٢ ]
عير"١ أي: مصطحبين اصطحاب عدلي حمار حين سقوطهما.
الثانية: أن تدل على مفاعلة٢، نحو: "بعته يدا بيد"٣ أي: متقابضين، و: "كلمته فاه إلى في" أي: متشافهين٤.
الثالثة: أن تدل على ترتيب، كـ: "ادخلوا رجلا رجلا" أي: مترتبين٥.
_________________
(١) ١ هذا مثل قالته العرب، للأمر يتساوى فيه الخصمان، ومعناه: وقعا معا ولم يصرع أحدهما الآخر، والمصطرعان تثنية مصطرع. عدلي، تثنية عدل، وهو نصف الحمل يكون على جنبي الدابة: العير الحمار، ويغلب على الوحشي. عدلي: حال جامدة من "المصطرعان" وهي مؤولة بالمشتق كما بين المصنف. وقيل إن "عدلي" مفعول مطلق، أي وقوعا مثل وقوع عدلي عير؛ لأن النيابة تكون بين متضايفين أو موصوف وصفته. لم أجده في أمثال الميداني. ٢ سواء كان ذلك بلفظها أو بمعناها، والمفاعلة: هي صيغة تقتضي المشاركة من جانبين. ٣ يجوز في قولك: "يدا بيد" رفع يد الأولى ونصبها، فأما إذا قلتها بالرفع فهي مبتدأ والجار والمجرور بعدها متعلق بمحذوف خبر، ولكل من يد المرفوع ويد المجرور بالباء وصف محذوف، أي: يد منه مصاحبة ليد مني، وهذه الصفة المقدرة، هي التي سوغت الابتداء بالنكرة، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب حال، وإذا قلت "يدا" بالنصب فهي حال، واختلفت عبارة النحاة في الجار والمجرور بعده فقد نقل صاحب التصريح عن ابن هشام أن سيبويه يجعله للبيان، يعني أنه متعلق بمحذوف مقصود به البيان، وفيه معنى المفاعلة، ويذكر الصبان أنه متعلق بمحذوف صفة للحال، أي يدا مع يد. التصريح: ١/ ٣٧٠، حاشية الصبان على شرح الأشموني. ٤ يقال في إعرابه ما قيل في سابقه. ولا يقاس على هذا المثال لخروجه عن القياس بالتعريف والجمود؛ خلافا لهشام فإنه أجاز: جاورته منزله إلى منزلي، وناضلته قوسه عن قوسي، قياسا عليه. التصريح: ١/ ٣٧٠، وهمع الهوامع: ١/ ٢٣٧. ٥ ومثله: رجلين رجلين، أو رجالا رجالا. وضابطه: أن يذكر المجموع ثم يفصل ببعضه مكررا، وكلاهما منصوب بالعامل. والمجموع حال وهو المختار. وقيل الثاني صفة للأول بتقدير مضاف: أي ذا رجل، أو مفارق رجل، بمعنى متميزا عنه، أو معطوف عليه بتقدير الفاء. التصريح: ١/ ٣٧٠، الهمع: ١/ ٢٣٨.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وتقع جامدة غير مؤولة بالمشتق في سبع مسائل، وهي:
أن تكون موصوفة١، نحو: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٢، ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ٣، وتسمى حالا موطئة٤.
أو دالة على سعر، نحو: "بعته مُدًّا بكذا"٥.
أو عدد، نحو: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ٦.
أو طور واقع فيه تفضيل، نحو: "هذا بسرا أطيب منه رطبا"٧.
_________________
(١) ١ أي بمشتق أو شبهه، فالأول كمثال المصنف والثاني نحو: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ . ٢ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٢. موطن الشاهد: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "قرآنا" منصوبا على الحال من "القرآن" في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾؛ والذي جوز وقوع "قرآنا" حالا اعتمادها على الصفة "عربيا". ٣ "١٩" سورة مريم، الآية: ١٧. موطن الشاهد: ﴿تَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "بشرا" حالا من فاعل تمثل "الملك"؛ والذي جوز مجيء "بشرا" حالا اعتمادها على الصفة "سويا". ٤ أي: ممهدة لما بعدها؛ لأنه هو المقصود. أما هي فغير مقصودة بذاتها، وإنما تمد الذهن وتهيئه لما يجيء بعدها من الصفة، فهي مجرد وسيلة إلى النعت. ٥ يقال فيها ما قيل في بعته يدا بيد، والضمير في بعته عائد على الشيء المبيع. ٦ "٧" سورة الأعراف، الآية: ١٤٢. موطن الشاهد: ﴿أَرْبَعِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: "مجيء "أربعين" حالا من "ميقات" وليلة تمييز؛ وهي -هنا- وقعت جامدة غير مؤولة بمشتق، وحكم مجيئها على هذا النحو -الجواز. ٧ أي أن تدل الحال على أن صاحبها في طور وحال من أحواله -مفضل وزائد على نفسه أو غيره- في حالة أخرى، فبسرا حال من فاعل أطيب المستتر فيه، ورطبا: حال من الهاء في منه، والمراد أن للبلح أطوارا مختلفة، وهو في طور البسر مفضل على نفسه في طور الرطب. انظر شرح التصريح.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
أو تكون نوعا لصاحبها، نحو: "هذا مالك ذهبا".
أو فرعا، نحو: "هذا حديدك خاتما" و: ﴿تَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ ١.
أو أصلا له، نحو: "هذا خاتمك حديدا"، و: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ ٢.
تنبيه: أكثر هذه الأنواع وقوعا مسألة التسعير، والمسائل الثلاث الأول، وإلى ذلك يشير قوله٣:
ويكثر الجمود في سعر، وفي مُبدِي تأوُّلٍ بلا تكلف
ويفهم منه أنها تقع جامدة في مواضع أخر بقلة، وأنها لا تؤول بالمشتق كما لا تؤول الواقعة في التسعر، وقد بينتها كلها.
وزعم ابنه أن الجميع مؤول بالمشتق٤، وهو تكلف، وإنما قلنا به في الثلاث الأول؛ لأن اللفظ فيها مراد به غير معناه الحقيقي؛ فالتأويل فيها واجب.
الثالث: أن تكون نكرة لا معرفة٥، وذلك لازم٦؛ فإن وردت بلفظ المعرفة
_________________
(١) ١ "٧" سورة الإعراف، الآية: ٧٤. موطن الشاهد: ﴿تَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "بيوتا" حالا من الجبال؛ وهي فرع منها؛ وحكم مجيئها -في هذه الحالة. ٢ "١٧" سورة الإسراء، الآية: ٦١. موطن الشاهد: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "طينا" حالا من منصوب "خلقت" المحذوف؛ والتقدير: أأسجد لمن خلقته طينا، أو على نزع الخافض -أي: من طين- والطين: أصل للمخلوق. ومعنى قوله: أو أصلا له: أي كون الحال النوع والأصل، وصاحبها هو الفرع كما سبق. ٣ أي قول ابن مالك في الألفية. ٤ تأويلها في السبع الباقية على معنى: متصفا بصفات البشر؛ من استواء الخلقة ونحوها، ومسعرا، ومعدودا، ومطورا بطور البسر أو الرطب، ومنوعا، ومصوغا، ومتأصلا أو مصنوعا. ٥ هذا الوصف من ناحية التنكير والتعريف. ٦ لأن الغالب فيها أن تكون مشتقة، وأن يكون صاحبها معرفة، فلو عرفت وهي مشتقة، بالتوهم أنها نعت عند انتصاب صاحبها، وحمل غيره عليه. التصريح: ١/ ٣٧٢-٣٧٣.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
ولت بنكرة، قالوا: "جاء وحده"١ أي: منفردا و: "رجع عوده على بدئه"٢، أي:
_________________
(١) ١ "وحده" حال من فاعل جاء المستتر، وهي معرفة بسبب إضافتها إلى الضمير الواقع مفعولا؛ لأنها مصدر "وحد" وجامدة بمشتق، كما ذكر المؤلف. وكلمة "وحد" اسم يدل على التوحد والانفراد، وأغلب استعمالاته منصوبا؛ إما لفظا؛ نحو: جاء وحده، واجتهد وحدك، وكما في قوله عز شأنه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة غافر، الآية: ٨٤] . وإما منصوبا تقديرا، وذلك إذا أضيف إلى ياء المتكلم، كما في قول الشاعر: والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا وجاءت هذه الكلمة مجرورة بالإضاة في خمس كلمات؛ وقعت في معرض المدح أو الذم؛ ففي معرض المدح، قالوا: "فلان نسيج وحده" و"فلان قريع وحده". وقالوا في الدلالة على الإعجاب بالنفس: "فلان رجيل وحده"؛ ومن الأول قول عائشة -﵂- واصفة عمر بن الخطاب: "كان والله أحوذيا نسيج وحده". وقالوا عند إرادة الذم "فلان عيير وحده" و"فلان جحيش وحده"؛ والعيير: تصغير "عير"؛ وهو الحمار؛ والجحيش: تصغير "جحش"؛ وهو لد الحمار. وأما بالنسبة إلى إعرابه: فقال سيبويه والخليل بن أحمد: هو اسم موضوع موضع المصدر الموضوع موضع المشتق؛ فهو منصوب على الحال؛ وكأنك، حين تقول: "جاء زيد وحده" قد قلت: جاء زيدا إيحادا؛ أي انفرادا؛ وأنت تريد: جاء زيد متوحدا؛ أي منفردا. وذهب يونس بن حبيب وهشام والكوفيون: إلى أنه منصوب على الظرفية، والتقدير في قولك: "جاء محمد وحده": جاء محمد لا مع غيره؛ وهؤلاء قاسوا "وحده" على مقابله؛ وهو قولهم: "قد جاء محمد وعلي معا". واختلفوا أيضا في صاحب الحال لـ "وحده" ففي قولهم: "رأيت زيدا وحده" يرى سيبويه أن صاحب الحال هو الفاعل؛ وقال ابن طلحة: هو حال من المفعول، وأجاز المبرد كلا الوجهين؛ والأرجح أن صاحب الحال في المثال المذكور المفعول؛ لأنه لو أراد نفسه؛ لقال: رأيت زيدا وحدي. انظر في هذه المسألة: شرح ابن عقيل: ٢/ ٢٤٩-٢٥٢، وهمع الهوامع: ١/ ٢٣٩-٢٤٠، وشرح الأشموني: ١/ ٢٤٤. ٢ عوده: حال من الفاعل المستتر في رجع، وهو معرفة بإضافته إلى الضمير، ومؤول بالمشتق ومعناه: رجع عائدا في الحال، أو رجع على الطريق نفسه. ويروى برفع "عوده" على أنه مبتدأ والجار والمجرور بعده خبر، والجملة حال من الضمير في جاء. ويقال هذا: "الإنسان" عهد منه عدم الاستقرار على ما ينقل إليه، بل يرجع إلى ما كان عليه واختلف في رواية النصب اختلافا كثيرا. التصريح: ١/ ٣٧٣، الكتاب لسيبويه: ١/ ٣٩١.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
عائدا، و: "ادخلوا الأول فالأول"١، أي: مترتبين، و: "جاؤوا الجماء الغفير"٢، أي: جميعا، و: "أرسلها العراك"٣، أي: معتركة.
_________________
(١) ١ "الأول" حال من الواو في "ادخلوا" و"الأول" الثاني معطوف بالفاء على سابقه، وهما معرفتان بـ "أل". الكتاب، لسيبويه: ١/ ٣٩٨. ٢ "الجماء" حال من الواو في جاءوا. والجماء: مؤنث الأجم بمعنى الكثير، وأنث باعتبار الموصوف المحذوف؛ أي: الجماعة الجماء؛ والغفير: من الغفر وهو الستر؛ أي الذي يستر ويغطي وجه الأرض؛ لكثرته؛ وهو صفة للجماء ولم يطابق -وإن كان بمعنى الفاعل حملا على فعيل بمعنى المفعول- أو باعتبار معنى الجمع. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٧٣. ٣ أرسلها العراك: أي مزدحمة؛ وقد جاءت هذه الجملة في بيت للبيد العامري، يصف حمارا وحشيا أورد أتنه الماء لتشرب، وتمام البيت: فأوردها العراك ولم يذدها ولم يشفق على نغص الدخال والضمير في أوردها عائد إلى حمار الوحش، و"ها" عائد إلى أتنه؛ وأصل العراك: مصدر بمعنى ازدحام الإبل أو غيرها حين ورود الماء. لم يذدها: لم يمنعها ولم يطردها والنغص: -بفتح النون والغين- مصدر نغص الرجل: إذا لم يتم مراده؛ ونغص البعير؛ إذا لم يتم شربه؛ وموطن الشاهد هنا "العراك" فإنه جاء معرفا، وقد خرجه النحاة كما يلي: أ- إن هذا المصدر حال -مع مخالفة لفظه للأصل في الحال، من وجهين؛ كونه مصدرا؛ وكونه معرفة -وهو في التأويل وصف منكر- لأن المعنى: أرسلها معاركة. وهذا مذهب سيبويه. ب- إن "العراك" مفعول ثانٍ لـ "أرسل" بعد أن ضمن أرسل معنى "أورد"؛ وفعل أورد يتعدى إلى مفعولين؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ فكأنه يريد: أوردها العراك: أي الازدحام، وأراد مكانه؛ وفي هذا التخريج تكلف ظاهر، وهو مذهب الكوفيين. ج- إن العراك "مصدر باق" على مصدريته، وهو مفعول مطلق مؤكد لعامله ومبين لنوعه معا؛ وذلك العامل يقدر وصفا منكرا، واقعا حالا من الضمير البارز المتصل العائد إلى الأتن، وكأنه قال: فأرسلها معتركة العراك، أي مزدحمة الازدحام المعهود. وانظر تفصيل هذه المسألة في حاشية الشيخ يس على التصريح: ١/ ٣٧٣-٣٧٤، وكتاب سيبويه: ١/ ٣٧٢.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
الرابع: أن تكون نفس صاحبها في المعنى١، فلذلك جاز: "جاء زيد ضاحكا" وامتنع: "جاء زيد ضحكا"٢.
وقد جاءت مصادر أحوالا، بقلة في المعارف، كـ: "جاء وحده"، و: "أرسلها العراك"٣.
وبكثرة في النكرات٤، كـ: "طلع بغتة"، و: "جاء ركضا"، و: "قتلته صبرا"، وذلك على التأويل بالوصف٥، أي: مباغتا، وراكضا، ومصبورا، أي: محبوسا.
_________________
(١) ١ هذا الوصف معناه: أن تكون الحال وصفا لصاحبها؛ وخبرا عنه؛ والوصف نفس الموصوف، والخبر نفس المخبر عنه؛ ولهذا، جاز القول: جاء زيدا ضاحكا؛ لأن الضاحك هو زيد في المعنى. ٢ لأن الضحك مصدر، وزيد ذات؛ والمصدر مباين للذات. ٣ لكونه تنطوي على شذوذين؛ المصدرية والتعريف. ٤ بغتة وركضا: حال من الفاعل؛ وصبرا: حال من المفعول؛ وهي مصادر؛ ونكرات في الوقت نفسه؛ ومعنى بغتة: فجأة، وركضا: عدوا، وقتل صبرا: أن يحبسه حيا، ثم يرمى حتى يقتل؛ وصبرا حال من مفعول قتلته. ٥ وهذا على مذهب سيبويه والجمهور من النحاة؛ وحجتهم في ذلك: أن الحال كالخبر والصفة، وقد وقع كل منهما مصدرا منكرا كثيرا؛ فكذلك الحال. وذهب الأخفش والمبرد إلى أن مثل هذه المصادر منصوبة على المصدرية، والعامل فيها محذوف؛ أي: يبغت بغتة؛ ويركض ركضا؛ ويصبر صبرا؛ فالجملة من الفعل المحذوف مع المصدر الظاهر؛ هي الحال؛ لا المصدر؛ وكذلك الحال عند الكوفيين؛ غير أن الناصب له -عندهم- الفعل المذكور مؤولا من لفظ المصدر؛ أي بغت بغتة، وركض ركضا، وصبرا صبرا. وذهب بعضهم إلى أنها مصادر على حذف مضاف غير مصدر -هو الحال في الأصل- فلما حذف المضاف؛ ناب عنه المضاف إليه في الحالية؛ أي ذا بغتة؛ وذا ركض؛ وذا صبر. وقال بعضهم: هي مصادر على حذف مصادر؛ والتقدير: طلوع بغتة؛ ومجيء ركض، وقتل صبر. =
[ ٢ / ٢٥٨ ]
ومع كثرة ذلك فقال الجمهور: لا ينقاس مطلقا، وقاسه المبرد فيما كان نوعا من العامل١، فأجاز: "جاء زيد سرعة" ومنع: "جاء زيد ضحكا"، وقاسه الناظم وابنه بعد "أما" نحو٢: "أما علما فعالم" أي: مهما يذكر شخص في حال علم فالمذكور عالم٣، وبعد خبر شبه به مبتدؤه، كـ: "زيد زهير شعرا" أو قرن هو بأل الدال على الكمال، نحو: "أنت الرجل علما".
[أصل صاحب الحال أن يكون معرفة ويأتي نكرة بمسوغ]:
فصل: وأصل صاحب الحال التعريف ويقع نكرة بمسوغ٤، كأن يتقدم
_________________
(١) = وما ذهب إليه سيبويه والجمهور أفضل من ذلك كله؛ وإلى هذا أشار الناظم: ومصدر منكَّر حالا يقعْ بكثرة كبغتةً زيدٌ طلعْ والمعنى يقع المصدر النكرة حالا بكثرة؛ وذلك على خلاف الأصل؛ لأن الحال وصف، يدل على معنى صاحبه؛ والمصدر لا دلالة له على صاحب المعنى؛ وذلك مثل: زيد طلع بغتة؛ فبغتة مصدر نكرة؛ وهو منصوب على الحال، على النحو الذي فصل؛ وأما الذي سهل هذه المخالفة، فحمله على الإخبارية في مثل محمد عدل، والصفة في مثل: هذا ماء غور، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا وانظر في هذه المسألة: همع الهوامع: ١/ ٢٣٨، والأشموني: ١/ ٢٤٥-٢٤٦، وشرح التصريح: ١/ ٣٧٤-٣٧٥. ١ أي: مما يدل عليه عامله؛ فالسرعة في المثال نوع من المجيء. ٢ أي: من كل تركيب وقع الحال فيه بعد "أما" الشرطية، في مقام قصد فيه الرد على من وصف شخصا بوصفين؛ وأنت تعتقد اتصافه بأحدهما دون الآخر. ٣ ناصب الحال في هذا: فعل الشرط المحذوف؛ وهو "يذكر" وصاحبها" نائب الفاعل المرفوع، ويجوز أن يكون ناصبها ما بعد الفاء، وصاحبها الضمير المستكن فيه، وهي على هذا مؤكدة؛ والتقدير: مهما يكن من شيء فالمذكور عالم في حال علم؛ ويتعين الوجه الأول؛ إن كان ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها. ضياء السالك: ٢/ ١٩٩-٢٠٠. ٤ من المسوغات: أن تكون الحال جملة مقرونة بالواو؛ وذلك لأن وجود الواو في صدر جملة الحال يمنع توهم كون الجملة صفة؛ لأن النعت لا يفصل بينه وبين منعوته بالواو، نحو قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ وقيل: إن مجيء الحال من النكرة غير الموصوفة موقوف على السماع، ولا يجاوزه لا فيما ذكر من المسوغات ولا في غيره.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
عليه الحال١، نحو: "في الدار جالسا رجل"، وقوله٢: [مجزوء الوافر]
٢٦٩- لِمَيَّة موحِشًا طَلَلُ٣
_________________
(١) ١ أي وتتأخر النكرة، وذلك قياسا على المبتدأ إذا تأخر. ٢ القائل: هو كثير بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزة، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: يلوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ وقد روي البيت برواية أخرى هي: لمية موحشا طلل قديم عفاه كل أسحم مستديم وهو بالرواية الأولى من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٥، ٢/ ١٢٠، والأشموني: "٤٧٣/ ١/ ٢٤٧" والكتاب لسيبويه: ١/ ٢٧٦، ومجالس العلماء للزجاجي: ١٧٤، والخصائص: ٢/ ٤٩٢، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٦، وشرح المفصل: ٢/ ٥٠، والخزانة: ١/ ٥٣٣ عرضا، والعيني: ٣/ ١٦٣، والمغني: "١٣٢/ ١١٨" "٨٠٢/ ٥٧١" "١١٩/ ٥٦٨" وشرح السيوطي ٨٥، ٨٨، والشذور: "٧/ ٤٣". المفردات الغريبة: مية: اسم محبوبة الشاعر. موحشا: اسم فاعل من أوحش المنزل إذا خلا من أهله، والمراد: القفر الذي لا أنيس فيه. طلل: هو ما بقي شاخصا من آثار الديار. يلوح: يظهر ويلمع. خلل: جمع خلة: وهي بطانة منقوشة بالمعادن تغشى بها أجفان السيوف. المعنى: لقد أقفرت دار مية من أهلها، ودرست معالمها، ولم يبق منها إلا آثار بسيطة، تظهر للرأي وكأنه نقوش في البطائن التي تغشى بها أجفان السيوف. الإعراب: "لمية": متعلق بمحذوف خبر مقدم؛ ومية: اسم ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. موحشا: حال متقدم من "طلل" الواقع مبتدأ مؤخرا. "على مذهب سيبويه؛ الذي يجيز مجيء الحال من المبتدأ" والجمهور يرون أن صاحب الحال، هو الضمير المستكن في "الجار والمجرور" الواقع خبرا. طلل: مبتدأ مؤخر مرفوع، والفاعل: هو؛ وجملة "يلوح": في محل رفع صفة لـ "طلل". كأنه: حرف مشبه بالفعل، و"الهاء": في محل نصب اسمه. خلل: خبر، كأن، مرفوع، وجملة "كأنه خلل": في محل نصب من الضمير المستتر في "يلوح"؛ أي من الفاعل. موطن الشاهد: "موحشا". وجه الاستشهاد: وقوع "موحشا" حالا من "طلل" وهو نكرة، وسوغ ذلك تقدم الحال عليها؛ وهذا على رأي سيبويه -كما أسلفنا- وأما الجمهور: فيرون أن "موحشا" حال من الضمير المستكن في الخبر؛ وهذا الضمير معرفة -وإن كان مرجعه- المبتدأ؛ وهو نكرة، وعلى هذا، فلا شاهد فيه. ويرى بعضهم: أن النكرة "طلل" موصوفة بجملة "يلوح" فيكون المسوغ هنا وصف النكرة، لا تقدم الحال عليها. انظر شرح التصريح، وحاشية الشيخ يس: ١/ ٣٧٥-٣٧٦، وحاشية الصبان: ٢/ ١٧٤-١٧٥.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
أو يكون مخصوصا إما بوصف، كقراءة بعضهم: "وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقًا"١، وقول الشاعر٢: [البسيط]
٢٧٠- نَجَّيت يا رب نوحا واستجبت له في فُلُكٍ ماخِرٍ في اليم مشحونا٣
_________________
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ١٠١. أوجه القراءات: القراءة المذكورة قراءة إبراهيم بن أبي عبلة. موطن الشاهد: "مصدقا". وجه الاستشهاد: مجيء "مصدقا" حالا من "كتاب"؛ لتخصصه بالوصف "الجار والمجرور" بعده؛ وفي هذا دلالة على جواز كون "مصدقا" حالا من الضمير المستكن في الجار والمجرور الذي انتقل إليه بعد حذف الاستقرار على ما صححه في باب المبتدأ. شرح التصريح: ١/ ٣٧٦. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: يروى بعد الشاهد قوله: وعاش يدعو بآيات مبينة في قومه ألف عام غير خمسينا والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٦، والأشموني: "٤٧٥/ ١/ ٢٤٧" وابن عقيل: "١٨٣/ ٢/ ٢٥٩"، والعيني: ٣/ ١٤٩. المفردات الغريبة: نجيت: أنقذت وخلصت من الغرق. نوحا: هو أبو البشر الثاني بعد آدم. فلك: السفينة، للمفرد والجمع. ماخر: شاق عباب الماء، وهو اسم فاعل من مخرت السفينة، إذا شقت الماء فسمع لها صوت. اليم: البحر. مشحونا: مملوءا. الإعراب: يا رب: "يا" حرف نداء، رب: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة تخفيفا، اكتفاء بالكسرة؛ والياء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة؛ وجملة "النداء": معترضة بين فعل نجيت وبين المفعول نوحا. "في فلك": متعلق بمحذوف حال من "نوح"؛ أو بـ "نجى". ماخر: صفة لـ "فلك". "في اليم": متعلق بـ "ماخر". مشحونا: حال من "فلك" منصوب. موطن الشاهد: "مشحونا". وجه الاستشهاد: مجيء "مشحونا" حالا من النكرة "فلك" والذي سوغ مجيئها من النكرة؛ أنها -أي النكرة- وصفت قبل مجيء الحال منها بـ "ماخر" كما أوضحنا في الإعراب؛ وحكم مجيء الحال -على هذا النحو- جائز باتفاق؛ لأن النكرة متى وصفت تخصصت ولم تعد مبهمة أو مجهولة كما كانت عليه قبل الوصف.
[ ٢ / ٢٦١ ]
وليس منه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ ١، خلافا للناظم وابنه، أو بإضافة، نحو: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ ٢، أو بمعمول، نحو: "عجبت من ضرب أخوك شديد"٣ أو مسبوقا بنفي، نحو: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ ٤، أو نهي نحو:
_________________
(١) ١ "٤٤" سورة الدخان، الآية: ٤. موطن الشاهد: "أمرا". وجه الاستشهاد: أعرب ابن مالك وابنه "أمرا" حالا من "أمر" الأول؛ لوصفه بـ "حكيم" مع أنه مضاف إليه؛ وهما يقولان بعدم جواز مجيء الحال من المضاف إليه، إلا بشروط لم تتوافر هنا؛ كأن يكون المضاف بعض المضاف إليه، أو كبعضه؛ أو عاملا في الحال. وفي إعراب "أمرا" أقوال أخرى؛ منها: أ- أنه منصوب على الاختصاص بـ "أخص" محذوفا. ب- أنه مفعول لأجله. ج- أنه حال من كل؛ أو من فاعل "أنزلنا"؛ أو مفعوله؛ أي: آمرين به -أو مأمورا به. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٧٦-٣٧٧. ٢ "٤١" سورة فصلت، الآية: ١٠. موطن الشاهد: "سواء". وجه الاستشهاد: مجيء "سواء" حالا من أربعة؛ وهي نكرة؛ غير أنها مختصة بإضافتها إلى "أيام". ٣ "شديدا" حال من "ضرب" النكرة؛ لاختصاصه بالعمل في الفاعل، وهو "أخوك". ٤ "١٥" سورة الحجر، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء جملة "لها كتاب معلوم" حالا من "قرية" النكرة؛ لأنها مسبوقة بالنفي؛ وفيها مسوغ آخر؛ وهو اقتران الجملة الحالية بالواو -وإن خص بعضهم ذلك بالإيجاب- ومسوغ ثالث؛ وهو: وقوع "إلا" الاستثنائية قبلها؛ لأن الاستثناء المفرغ، لا يقع في النعوت.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
لا يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا١
وقوله١: [الكامل]
٢٧١- لا يركنَنْ أحد إلى الإحجامِ يوم الوغى متخوفا لحمام٢
_________________
(١) ١ هذا من كلام ابن مالك في الألفية؛ و"مستسهلا" حال من "امرؤ" الأول؛ مسبوق بنهي. ٢ القائل: هو: أبو نعامة، قطري بن الفجاءة المازني الخارجي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا أول أبيات أربعة رواها أبو علي القالي، ورواها أبو تمام، حبيب بن أوس، وهي: فلقد أراني للرماح دريئة من عن يمين مرة وأمامي حتى خضبت بما تحدر من دمي أكتاف سرجي أو عنان لجامي ثم انصرفت وقد أصبت ولم أُصَبْ جَذَعَ البصيرة قارع الإقدام والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٧، والأشموني: "٤٧٧/ ١/ ٢٤٧"، وابن عقيل: "١٨٦/ ٢/ ٢٦٢"، وهمع الهوامع: ١/ ٢٤٠، والدرر اللوامع: ١/ ٢٠٠، والعيني: ٣/ ١٥٠، وأمالي القالي: ٢/ ١٩٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١٣٦. المفردات الغريبة: الركون: الميل. الإحجام: النكوص والتأخر، وهو مصدر أحجم عن الشيء، إذا نكص عنه ولم يقدم عليه. الوغى: الحرب، وأصله الجلبة والصياح، وأطلق على الحرب لما فيها من ذلك. الحمام: الموت. المعنى: لا يسوغ لأحد أن يفكر في التأخر والتخلف وعدم الإقدام وقت الحرب خوفا من الموت؛ فإن ذلك عار، لا يليق بالرجال، ومعلوم أنه لكل أجل كتاب. الإعراب: لا: ناهية جازمة. يركنن: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، في محل جزم بـ "لا" الناهية، ونون التوكيد الخفيفة: حرف مبني على السكون: لا محل له من الإعراب. أحد: فاعل مرفوع. "إلى الإحجام": متعلق بـ "يركن". "يوم": متعلق بـ "يركن" أيضا، وهو مضاف. الوغى: مضاف إليه. متخوفا: حال منصوب من قوله "أحد"؛ أي من الفاعل. "لحمام": متعلق بـ "متخوفا" الواقع حالا. موطن الشاهد: "متخوفا". وجه الاستشهاد: مجيء "متخوفا" حالا من قوله "أحد"؛ وهو نكرة؛ والذي سوغ مجيء الحال من النكرة، وقوع هذه النكرة بعد النهي، الذي هو شبيه بالنفي، وحكم وقوع الحال -هنا- الجواز باتفاق.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
أو استفهام، كقوله١: [البسيط]
٢٧٢- يا صاح هل حم عيش باقيا فترى٢
_________________
(١) ١ القائل: رجل من طيء لم يسمه ابن مالك. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: لنفسك العذر في إبعادها الأملا؟ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٧، والأشموني: "٤٧٨/ ١/ ٢٤٧"، وابن عقيل: "١٨٥/ ٢/ ٢٦١"، والهمع: ١/ ٢٤٠، والدرر: ١/ ٢٠١، والعيني: ٣/ ١٥٣. المفردات الغريبة: يا صاح: يا صاحبي، فرخم بحذف الباء، واكتفي بالكسرة للدلالة على ياء المتكلم. حم: قدر وقُضِي. عيش "المراد هنا": الحياة. باقيا: دائما لا يفنى ولا يزول. المعنى: يخاطب الشاعر صاحبا له مستنكرا: أخبرني هل قدر للإنسان حياة دائمة في هذه الدنيا، فيكون لك العذر في تلك الآمال البعيدة، والتكالب على جمع حطام الدنيا الغادرة الفانية؟! الإعراب: يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. صاح: منادى مرخم، وأصله: يا صاحب، فإن قدر منقطعا عن الإضافة؛ فهو مبني على ضم الحرف المحذوف؛ للترخيم، في محل نصب؛ وصاح: مرخم صاحب على غير قياس لأنه غير علم. هل: حرف استفهام، لا محل له من الإعراب؛ وهو -هنا- يفيد الإنكار. حم: فعل ماضٍ مبني للمجهول، مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. عيش: نائب فاعل مرفوع. باقيا: حال منصوب من "عيش" الواقع نائب فاعل، لفعل "حم" المسبوق بالاستفهام الإنكار. فترى: الفاء فاء السببية، لا محل لها من الإعراب، ترى: فعل مضارع منصوب بـ "أن" المضمرة وجوبا بعد فاء السببية، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف، والفاعل: أنت. "لنفسك": متعلق بـ "ترى"، والكاف: مضاف إليه، وهو في موضع المفعول الثاني. العذر: مفعول به أول منصوب لـ "ترى". "في إبعادها": متعلق بـ "العذر"، و"ها": في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر إلى فاعله؛ فلهذا الضمير محلان من الإعراب؛ الجر بالإضافة، والرفع على الفاعلية. الأملا: مفعول به منصوب للمصدر، والألف: للإطلاق. موطن الشاهد: "باقيا". وجه الاستشهاد: وقوع "باقيا" حالا من "عيش" وهو نكرة، وسوغ ذلك وقوع النكرة بعد الاستفهام، وهو شبيه بالنفي، ومن المسوغات لمجيء الحال؛ أن تكون الحال جملة مقرونة بالواو؛ لأن وجود الواو في صدر الجملة يمنع توهم كونها صفة؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾؛ ومن المسوغات أيضا؛ أن تشترك النكرة مع معرفة في الحال؛ نحو: هؤلاء صبية ومحمد مسافرين. ضياء السالك: ٢/ ٢٠٣، وحاشية الصبان: ٢/ ١٧٦.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
[قد يقع نكرة بغير مسوغ]:
وقد يقع١ نكرة بغير مسوغ، كقولهم: "عليه مائة بيضا"٢، وفي الحديث: "وصلى وراءه رجال قياما"٣.
[للحال مع صاحبها ثلاث حالات]:
فصل: وللحال مع صاحبها ثلاث حالات:
إحداها: وهي الأصل: أن يجوز فيها أن تتأخر عنه وأن تتقدم عليه، كـ: "جاء زيد ضاحكا"، و: "ضربت اللص مكتوفا" فلك في: "ضاحكا" و: "مكتوفا" أن تقدمها على المرفوع والمنصوب.
_________________
(١) ١ ذهب أبو حيان إلى أن مجيء الحال من النكرة كثير مقيس، ونقل ذلك عن سيبويه، والعلماء ينقلون القول بعدم جواز القياس على ذلك عن الخليل ويونس. همع الهوامع: ١/ ٢٤٠. ٢ "بيضا" جمع أبيض، حال من مائة، ولا يصح أن يكون تمييزا لأن تمييز المائة لا يكون جمعا، وهذا المثال رواه سيبويه عن العرب، والمراد أن المائة دراهم لا دنانير ولا غيرها؛ لأن الدراهم من الفضة وهي بيضاء. الكتاب لسيبويه: ٢/ ١١٢/ ١٥٩. ٣ تخريج الحديث: الحديث رواه الإمام مالك بن أنس في الموطأ على النحو التالي: "صلى رسول الله -ﷺ- -قاعدا، وصلى وراءه رجال قياما"؛ وربما كان اللفظ المروي من كلام راوي الحديث، كما لم يحتجوا بالحديث عامة؛ لأن الرواة قد أجازوا الرواية بالمعنى؛ وفي رأيهم مغالاة؛ لأن رواة الحديث أوثق من رواة الشعر؛ فالأولى الاحتجاج بالحديث. موطن الشاهد: "قياما". وجه الاستشهاد: مجيء الحال "قياما" من النكرة "رجال" بلا مسوغ، وقد اختلف النحاة، في مجيء الحال من النكرة، بلا مسوغ، أمقيس؟ أو مقصور على السماع؟، فذهب سيبويه إلى الأول، وذهب إلى الثاني الخليل ويونس.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
الثانية: أن تتأخر عنه١ وجوبا، وذلك كأن تكون محصورة، نحو: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢، أو يكون صاحبها مجرورا٣: إما بحرف جر غير زائد، كـ: "مررت بهند جالسة"، وخالف في هذه الفارسي وابن جني وابن
_________________
(١) ١ من المواضع التي يجب فيها تأخير الحال عن صاحبها أن تكون الحال جملة مقترنة بالواو، نحو "جاء زيد والشمس طالعة"؛ فلا يجوز أن نقول في هذا المثال: جاء والشمس طالعة زيد؛ وذلك لأن الأصل في الواو أن تكون للعطف، ولا يجوز عندما تكون عاطفة تقديمها على المعطوف عليه، فراعوا في واو الحال ما راعوه في واو العطف. حاشية يس على التصريح: ١/ ٣٧٨. ٢ "٦" سورة الأنعام، الآية: ٨. موطن الشاهد: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "مبشرين" و"منذرين" حالين من "المرسلين"، ولا يجوز تقديمها على "المرسلين"؛ لأنهما محصوران، ويجب تأخير المحصور؛ لأن تقديمه يؤدي إلى عكس المعنى البلاغي المراد من الحصر. ٣ للنحاة في جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي: أ- ذهب ابن مالك، وأبو علي الفارسي، وابن برهان، وابن كيسان، وابن جني، وابن ملكون وبعض المغاربة إلى أن تقدم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي جائز مطلقا. ب- وذهب جمهور البصريين إلى أن ذلك لا يجوز مطلقا. ج- وأجاز الكوفيون تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي في ثلاث مسائل: الأولى: أن يكون المجرور ضميرا؛ نحو: مررت بك ضاحكة، فإنه يجوز لك القول. مررت ضاحكة بك. الثانية: أن يكون المجرور أحد اسمين، عطف ثانيهما على المجرور؛ نحو قولك: "مررت بزيد وعمرو مسرعين"؛ فإنه يجوز القول: "مررت مسرعين بزيد وعمرو". الثالثة: أن يكون الحال جملة فعلية؛ نحو: "مررت بهند تضحك"، فإنه يجوز القول: "مررت تضحك بهند"، ومنعوه فيما سوى ذلك. وأما بالنسبة إلى المجرور بحرف جر زائد، فإن النحاة -جميعا- متفقون على جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور به؛ نحو: "ما جاءني من أحد مبشرا" فإنه يجوز لك في هذا المثال أن تقول: ما جاءني مبشرا من أحد؛ وجاز ذلك؛ لأن المجرور بحرف الجر الزائد -عند التحقيق- فاعل أو مفعول. وانظر في تفصيل هذه المسألة: همع الهوامع: ١/ ٢٤١، وشرح التصريح: ١/ ٣٧٨-٣٧٩، وحاشية الصبان: ٢/ ١٧٦-١٧٨.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
كيسان١؛ فأجازوا التقديم، قال الناظم: وهو الصحيح؛ لوروده كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٢، وقول الشاعر٣: [الطويل]
٢٧٣- تسليت طرا عنكم بعد بينكم٤
_________________
(١) ١ مرت ترجمة لكل منهم؛ وحجتهم: أن المجرور بالحرف مفعول به في المعنى، وتقديم حال المفعول به عليه غير ممنوع، وكذلك الحال هنا. ٢ "٣٤" سورة سبأ، الآية: ٣٨. موطن الشاهد: ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "كافة" بمعنى جميعا -حالا من المجرور "الناس"؛ وقد تقدم عليه؛ وحكم تقدمه -في هذه الحالة- الجواز، كما أسلفنا. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: بذكراكم حتى كأنكم عندي وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٩، والأشموني: "٤٧٩/ ١/ ٢٤٨"، والعيني: ٣/ ١٦٠. المفردات الغريبة: تسليت: تصبرت وتكلفت السلوان. طرا: أي جميعا. بينكم: فراقكم وبعدكم. المعنى: تسليت، وشغلت نفسي عنكم جيمعا -بعد بعدكم عني- بذكراكم الطيبة التي لا تنسى، وكنتم بذلك كأنكم ماثلون أمامي، ولم تفارقوني. الإعراب: تسليت: فعل ماضٍ، والتاء فاعل. طرا: حال منصوب من الضمير المجرور بـ "عن"، وقد تقدم عليه؛ ولا تأتي "طرا" إلا حالا. "عنكم": متعلق بـ "تسليت". "بعد": متعلق بـ "تسليت" أيضا، هو مضاف. بينكم: مضاف إليه، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه، والميم: حرف عماد؛ أو و"كم": مضاف إليه. "بذكراكم": متعلق بـ "تسلى"، وذكرى: مضاف، و"كم" مضاف إليه. حتى: حرف ابتداء، لا محل له من الإعراب. كأنكم: حرف مشبه بالفعل، و"كم" ضمير متصل في محل نصب اسم "كأن". "عندي": متعلق بمحذوف خبر "كأن"، وعند مضاف، و"الياء": مضاف إليه. موطن الشاهد: "طرًا". وجه الاستشهاد: مجيء "طرا" حالا من كاف المخاطب في "عنكم" المجرور محلا =
[ ٢ / ٢٦٧ ]
والحق أن البيت ضرورة، وأن ﴿كَافةً﴾ حال من الكاف١، والتاء للمبالغة، لا للتأنيث٢، ويلزمه تقديم الحال المحصورة، وتعدي "أرسل" باللام، والأول
_________________
(١) = بـ "عن"؛ وقد تقدم الحال على صاحبه المجرور؛ وحكم تقدمه الجواز كما أسلفنا -على رأي الفارسي ومن تبعه- وأما الجمهور، فلا يجيزون ذلك، ورد عليه ابن مالك في ألفيته: وسبق حال ما بحرف جر قد أبوا، ولا أمنعه؛ فقد ورد وقد بينا القول في ذلك من قبل، وأثبت ابن مالك في شرح التسهيل التقديم، بقوله: "وجواز التقديم هو الصحيح؛ لِوروده في الفصيح؛ لِقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ فـ "كافة" -على هذا- حال من "الناس"، المجرور باللام، وقد تقدم الحال على صاحبه "المجرور"؛ وأما الأمثلة الشعر العربي فكثيرة؛ منها قول عبد الرحمن بن حسان: إذا المرء أعيته المروءة ناشئا فمطلبها كهلًا عليه شديدُ فـ "كهلا" حال من "الهاء" المجرور محلا بـ "على" في قوله: "عليه" وقد تقدم الحال على صاحبه المجرور. بحرف جر أصلي. ومنها قول عروة بن حزام، أو كثير، ونسب إلى المجنون: لئن كان برد الماء هيمان صاديا إلي حبيبا إنها لحبيب فـ "هيمان، وصاديا" حالان من "الياء" المجرور محلا بـ "إلى" في قوله: "إلي"؛ وقد تقدم الحال على صاحبه المجرور بحرف جر أصلي، كما هو واضح. وحملوا على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ فأعربوا "على قميصه": جارا ومجرورا متعلقا بمحذوف حال من دم" المجرور بالباء؛ وفي هذا تقدم للحال؛ كما هو واضح؛ وأما الزمخشري فأعرب "على قميصه" في محل نصب على الظرفية، وكأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم كذب، وأعرب هذا الإعراب فرارا من تقديم الحال على صاحبها المجرور، وخالفه العلماء في ذلك. حاشية يس على التصريح: ١/ ٣٧٩ وحاشية الصبان: ٢/ ١٧٧-١٧٨. ١ ذكر هذا التخريج الزجاج، ولم يرتضه ابن مالك، وعلل رده بأن مجيء التاء للمبالغة سماعي في أمثلة المبالغة مثل علامة، وإن جاءت في بعض أمثلة اسم الفاعل مثل راوية فهو شاذ لا يقاس عليه، والمعروف أنه لا يجوز حمل الفصيح على الشاذ خصوصا إذا وجد له محمل آخر لا شذوذ فيه. التصريح: ١/ ٣٧٩. ٢ جعل الزمخشري "كافة" صفة لموصوف محذوف، وتقدير الكلام: وما أرسلناك إلا إرسالة كافة، ورد هذا التخريج بوجهين، الأول: أن كلمة "كافة" لا تستعمل في الكلام العربي إلا حالا، فجعلها صفة ينافي ما ثبت لها من ذلك. والوجه الثاني: أن حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه إنما عهد في صفة اعتيد استعمالها مع هذا الموصوف، و"كافة مع إرسالة ليس من هذا الباب. مغني اللبيب: ٧٣٣، والتصريح: ١/ ٣٧٩.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
ممتنع، والثاني خلاف الأكثر١.
وإما بإضافته٢، كـ: "أعجبني وجهها مسفرة".
وإنما تجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف بعضه كهذا المثال، وكقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ ٣، ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ ٤، أو كبعضه نحو: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ٥، أو عاملا في الحال، نحو: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ ٦، و: "أعجبني انطلاقك منفردا" و: "هذا
_________________
(١) ١ هذا الادعاء غير مسلَّم به، فقد صرح البصريون والكسائي والفراء وابن الأنباري بجواز تقديم المفعول المحصور، ولا فرق بينه وبين الحال، وأما تعدي "أرسل" باللام، فقد ورد في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ . التصريح: ١/ ٣٧٩-٣٨٠. ٢ إذا كانت الإضافة محضة لزم تأخير الحال باتفاق. وإن كانت غير محضة، نحو: "هذا شارب السويق ملتوتا الآن أو غدا"، جاز التقديم عند الناظم، وأنكره ابنه. التصريح: ١/ ٣٨٠. ٣ "١٥" سورة الحجر، الآية: ٤٧. موطن الشاهد: ﴿إِخْوَانًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "إخوانا" حالا من المضاف إليه "هم"؛ والصدور بعضه؛ وحكم مجيئه -على هذه الحالة- الجواز، كما أسلفنا. ٤ "٤٩" سورة الحجرات، الآية: ١٢. موطن الشاهد: ﴿مَيْتًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ميتا" حالا من "الأخ" المضاف إليه "اللحم" واللحم بعض الأخ؛ فحكم مجيئه هنا الجواز أيضا، كما في الآية السابقة. ٥ "١٦" سورة النحل، الآية: ١٢٣. موطن الشاهد: ﴿حَنِيفًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "حنيفا" حالا من "إبراهيم" المضاف إلى الملة؛ والملة كبعضه في صحة حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. ٦ "١٠" سورة يونس، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿جَمِيعًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "جميعا" حالا من "كم" المضاف إليه، ومرجع: مصدر ميمي بمعنى الرجوع؛ وهو عامل النصب في الحال؛ ومثله: أعجبني انطلاقك منفردا.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
شارب السويق ملتوتا"١.
الثالثة: أن تتقدم عليه وجوبا، كما إذا كان صاحبها محصورا٢، نحو: "ما جاء راكبا إلا زيد".
_________________
(١) ١ موطن الشاهد: "ملتوتا". وجه الاستشهاد: مجيء "ملتوتا" حالا من السويق المضاف إليه، وشارب: اسم فاعل، عامل النصب في الحال. والسويق: ما يتخذ من القمح والشعير، والملتوت: من لت السويق؛ سحقه وبله وبسه بالماء. فائدة: لم يجز تقدم الحال على صاحبها المجرور بالإضافة؛ لأنها لو تقدمت على صاحبها؛ لوقعت إما بين المضاف والمضاف إليه؛ ومعلوم أن المضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة؛ فلا يجوز الفصل بينهما؛ وإما أن تقع قبل المضاف، فيتقدم ما يتعلق بالمضاف إليه على المضاف؛ ومعلوم أن منزلة المضاف يتعرف بالمضاف إليه؛ فلما تشابهت منزلتاهما، أخذ المضاف والمضاف إليه حكم الصلة والموصول؛ وواضح أن حكم الصلة مع الموصول ألا يتقدم بعض معمولاتها على الموصول؛ فكذلك الحال هنا؛ فلا يتقدم ما يتعلق بالمضاف إليه على المضاف. شرح التصريح: ١/ ٣٨٠-٣٨١. فائدة: اختلف النحاة في مجيء الحال من المضاف إليه في غير المسائل الثلاث السابقة؛ فذهب أبو علي الفارسي إلى الجواز -نقله عنه ابن الشجري في أماليه- وادعى ابن مالك الإجماع على أنه لا يجوز مجيء الحال من المضاف إليه في غير المسائل الثلاث المذكورة. انظر شرح الأشموني: ١/ ٢٥٠-٢٥١. توجيه: ذكر بعض النحاة من المواضع التي يجب فيها تأخير الحال عن صاحبها: أن يكون الصاحب منصوبا بكأن أو ليت، أو لعل، أو بفعل تعجب، أو بصلة حرف مصدري نحو: سرني أن أكرمت الفقير محتاجا أو يكون ضميرا متصلا بصلة "أل" نحو: الود أنت المستحقه خالصا. أو يكون الحال جملة مقترنة بالواو نحو: جاء محمد والقوم مستعدون للرحيل. همع الهوامع: ١/ ٢٤٠-٢٤١. ٢ وبعض النحاة يجيز تقديم المحصور بإلا كما سبق في الفاعل. ومن مواضع وجوب التقديم أيضا: أن يكون صاحبها مضافا إلى ضمير يعود على شيء وله صلة وعلاقة بالحال نحو: جاء زائرا فاطمة أبوها. همع الهوامع: ١/ ٢٤١.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
[للحال مع عاملها ثلاث حالات]:
فصل: وللحال مع عاملها ثلاث حالات أيضا١:
إحداها: وهي الأصل: أن يجوز فيها أن تتأخر عنه وأن تتقدم عليه، وإنما يكون ذلك إذا كان العامل: فعلا متصرفا٢، كـ: "جاء زيدٌ راكبا"، أو صفة تشبه الفعل المتصرف٣، كـ: "زيد منطلق مسرعا"، فلك في: "راكبا" و: "مسرعا" أن تقدمها على: "جاء" وعلى: "منطلق"، كما قال الله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ ٤، وقالت العرب: "شتى تؤوب الحلبة"٥، أي: متفرقين يرجع الحالبون، وقال الشاعر:
_________________
(١) ١ عامل النصب في الحال: إما لفظي كالمصدر، والفعل المشتق، والوصف العامل كاسم الفاعل ونحوه، وإما معنوي؛ كأسماء الإشارة، وألفاظ الاستفهام، وبعض الحروف والأدوات التي سيأتي ذكرها. وما ذكره المؤلف من جواز تقديم الحال على عاملها في الحالات التي ذكرها، وبالأدلة التي استشهد بها؛ هو مذهب البصريين. وذهب الجرمي إلى أنه لا يجوز تقديم الحال على عاملها مطلقا، وذهب الأخفش إلى أنه لا يجوز تقدم الحال على عاملها إذا فصل بين العامل والحال بفاصل نحو: زيد جاء راكبا، ويجوز عندهما أن نقول في هذا المثال: راكبا زيد جاء، ومن هنا يظهر السر في استدلال المؤلف بالآية الكريمة التي ترد على الأخفش، وأما المثل والبيت فيردان على الجرمي. التصريح: ١/ ٣٨١، همع الهوامع: ٢٤١/ ٢٤٢. ٢ بأن يقع ماضيا ومستقبلا وحالا، شرط ألا يعرض له ما يمنع تقديم الحا لعليه: كاقترانه بلام الابتداء أو القسم؛ نحو: إن محمدا ليقوم طائعا ولأصبرن محتسبا. أو وقوعه صلة لحرف مصدري، أو لـ "أل" نحو: لك أن تنتقل متريضا، وأنت المصلي فذًّا. ٣ هي اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، ووجه الشبه تضمن معنى الفعل وحروفه، وقبول العلامات الدالة على الفرعية مطلقا؛ كالتثنية والجمع والتأنيث. ٤ "٥٤" سورة القمر، الآية: ٧. موطن الشاهد: ﴿خُشَّعًا﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "خشعا" حالا من الواو في "يخرجون"؛ وقد تقدم على عامله الفعل، كما هو واضح؛ ويجوز أن يكون "خشعا" صفة لمفعول محذوف لـ "يكون"؛ والتقدير: يدعو الداعي قوما خشعا أبصارهم. ٥ هذا مثل من أمثال العرب ذكره الميداني في مجمعه: ١/ ٣٥٨ "برقم: ١٩١٤"، =
[ ٢ / ٢٧١ ]
نجوت وهذا تحملين طليق١
فـ: "تحملين" في موضع نصب على الحال، وعاملها: "طليق" وهو صفة مشبهة.
الثانية: أن تتقدم عليه وجوبا، كما إذا كان لها صدر الكلام، نحو: "كيف جاء زيد"؟
الثالثة: أن تتأخر عنه وجوبا، وذلك في ست مسائل٢: وهي أن يكون العامل فعلا جامدا، نحو: "ما أحسنه مقبلا"٣، أو صفة تشبه الفعل الجامد، وهو اسم التفضيل، نحو: "هذا أفصح الناس خطيبا"٤، أو مصدرا مقدرا بالفعل وحرف مصدري، نحو: "أعجبني اعتكاف أخيك صائما"٥، أو اسم فعل، نحو: "نزال
_________________
(١) = يقولونه عندما يريدون أن يعبروا عن اختلاف الناس في الأخلاق مع أن أصلهم واحد. فشتى: جمع "شتيت"؛ أي: متفرق، تؤوب: ترجع، الحلبة: جمع حالب، وأصله: أن أصحاب الإبل والبقر وسائر النعم عندما يريدون أن يردوا الماء ليسقوا نعمهم، يردون مجتمعين وعندما يريدون أن يحلبوا ماشيتهم يحلبونها متفرقين، فيحلب كل واحد منهم ماشيته على حدة. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٨١. موطن الشاهد: "شتى تؤوب الحلبة". وجه الاستشهاد: وقوع "شتى" حالا من "الحلبة" وقد تقدمت على عاملها "تؤوب؛ وهو فعل متصرف؛ وحكم تقدم الحال -هنا- الجواز". ١ تقدم ذكر الشاهد والتعليق عليه. موطن الشاهد: "تحملين". وجه الاستشهاد: مجيء جملة "تحملين" في محل نصب على الحال من فاعل "طليق" المستتر فيه؛ وعامل الحال: "طليق" وهو صفة مشبهة؛ وقد قدمت عليه؛ والتقدير: أي هذا طليق حال كونه محمولا لك؛ وحكم تقديم الحال هنا الجواز، كما أشار ابن مالك بقوله: فجائزٌ تقديمُه كـ "مسرعا" ذا راحل، ومخلصا زيد دعا ٢ مر ذكر هذه المسائل الست، ووجه ذكرها هنا؛ أنها تجمع أمرين: التأخر عن صاحبها، والتأخر عن عاملها. ٣ "مقبلا": حال من الهاء في أحسنه. وهو واجب التأخير عن العامل لأنه غير متصرف في نفسه، فلا يتصرف في معموله بالتقدم عليه. ٤ "خطيبا" حال من فاعل "أفصح" المستتر فيه. ٥ "صائما" حال من أخيك، والفاعل فيه المصدر الذي يمكن تقديره بأن والفعل، ومعمول هذا المصدر لا يتقدم عليه كمعمول اسم الفعل. أما إذا كان العامل مصدرا نائبا عن فعله المحذوف وجوبا، فيجوز تقدم الحال، نحو: إكراما فاطمة مجدة.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
مسرعا"، أو لفظا مضمَّنا معنى الفعل دون حروفه، نحو: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ ١، وقوله٢: [الطويل]
٢٧٤- كأن قلوب الطير رطبا ويابسا٣
_________________
(١) ١ "٢٧" سورة النمل، الآية: ٥٢. موطن الشاهد: ﴿خَاوِيَةً﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "خاوية" حالا من "بيوتهم"، والعامل فيه اسم الإشارة "تلك" وفيه معنى الفعل؛ شرح التصريح: ١/ ٣٨٢. فائدة: ذهب السهيلي إلى أن الاسم الإشارة لا يعمل، وإنما العامل فعل محذوف تقديره: انظر إليها خاوية. ٢ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: لدى وكرها العناب والحشف البالي وهذا البيت من قصيدته المشهورة والتي مطلعها: ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٨٢، والمصون لأبي أحمد العسكري: ٦٦، والمنصف لابن جني: ٢/ ١١٧، ودلائل الإعجاز للجرجاني: ٦٦، ٣٣٩، وأسرار البلاغة: ٢٢٠، ٢٢٧، والعيني: ٣/ ٢١٦، ومعاهد التنصيص: ١/ ١٦١، والمغني: "٣٩٩/ ٢٨٨" "٧٣٠/ ٥١٣" "٨٠٧/ ٥٧٣" وشرح السيوطي: ٢٠٣، ٢٧٧، وديوان امرئ القيس: ٣٨. المفردات الغريبة: وكرها: الوكر عش الطائر حيث كان، في شجر أو جبل. العناب: نوع من الفاكهة تشبه به أنامل الحسان المخضوبة بالحناء. الحشف: أراد التمر. المعنى: يصف الشاعر تلك العقاب بأنها كثيرة الاصطياد للطير، ويرى عند عشها من قلوب الطير؛ بعضها لا يزال رطبا؛ فهو كالعناب، وبعضها قد جف؛ فأضحى كأردأ التمر. الإعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل. قلوب: اسم "كأن" منصوب، وهو مضاف. الطير: مضاف إليه مجرور. رطبا: حال من اسم "كأن" منصوب، ويابسا: الواو عاطفة. يابسا: اسم معطوف على اسم "كأن" منصوب مثله. "لدى": متعلق بمحذوف حال من "قلوب الطير"، وهو مضاف. وكرها: "وكر" مضاف إليه، و"ها" مضاف إليه ثانٍ. العناب: خبر "كأن" مرفوع. والحشف: الواو عاطفة، الحشف: اسم معطوف =
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وقولك: "ليت هندا مقيمة عندنا" أو عاملا آخر عرض له مانع، نحو: "لأصبر محتسبا" و: "لأعتكفن صائما" فإن ما في حيز لام الابتداء ولام القسم لا يتقدم عليهما١.
ويستثنى من أفعل التفضيل ما كان عاملا في حالين لاسمين متحدي المعنى أو مختلفين، وأحدهما مفضل على الآخر؛ فإنه يجب تقديم حال الفاضل، كـ: "هذا بسرا أطيب منه رطبا"، وقولك: "زيد مفردا أنفع من عمرو مُعَانًا"٢.
ويستثنى من المضمن معنى الفعل دون حروفه: أن يكون ظرفا أو مجرورا مخبرا بهما، فيجوز بقلة توسط الحال بين المخبر عنه والمخبر به، كقوله٣: [الطويل]
_________________
(١) = على "العناب": مرفوع مثله. البالي: صفة للحشف مرفوع بضمة مقدرة على الياء؛ منع من ظهورها الثقل. موطن الشاهد: "رطبا ويابسا". وجه الاستشهاد: وقوع "رطبا ويابسا" حالين من "قلوب الطير" والعامل في الحالين، وصاحبهما "كأن" ومعناه أشبه؛ فهو متضمن معنى الفعل من دون حروفه؛ ولا يجوز تقديم الحال على عاملها في مثل هذا. فائدة: يجوز في الضمير العائد إلى جمع التكسير التذكير والتأنيث؛ ولهذا جاز مجيء "ربطا ويابسا" بالتذكير. ١ لأن لهما الصدارة؛ فلا يعمل ما بعدهما في شيء قبلهما، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. واللام في "لأصبر" للابتداء، وفي "لأعتكفن" للقسم. ٢ "مفردا" حال من الضمير المستتر في "أنفع" الراجح إلى زيد، ومُعانًا حال من "عمرو" والعامل في الحالين "أنفع"، وكان القياس في هذا وما قبله وجوب تأخر الحالين عن "أفعل" لكنهم اغتفروا تقدم الحال الفاضلة، فرقا بين المفضل والمفضل عليه إذ لو أخرا لحصل لبس. وصاحبا الحالين في المثال الأول متحدان في المعنى، وفي الثاني مختلفان. وهذا التقدير الذي ذكره المصنف، هو تقدير سيبويه وارتضاه المازني وأبو علي الفارسي في التذكرة وابن كيسان وابن جني. ويرى المبرد والزجاج والفارسي في الحلبيات، والسيرافي؛ أن الناصب لهذين الحالين "كان" محذوفة، وصاحب الحال هو الضمير المستتر في "كان". التصريح: ١/ ٣٨٣-٣٨٢، وهمع الهوامع: ١/ ٢٤٢-٢٤٣. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
٢٧٥- بنا عاذ عوف وهو بادي ذلة لديكم١
وكقراءة بعضهم: "مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةً لِذُكُورِنَا"٢، وكقراءة
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا جزء من بيت، وهو بتمامه: بنا عاذ عوف وهو بادي ذلة لديكم، فلم يعدم ولاء ولا نصرا وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٨٥، والأشموني: "٤٨٨/ ١/ ٢٥٢" والعيني: ٣/ ١٧٢. المفردات الغريبة: عاذ: اعتصم والتجأ. عوف: اسم رجل. بادي ذلة: ظاهر المهانة. يعدم: يفقد. ولاء: موالاة ومناصرة. نصرا: إعانة. المعنى: التجأ إلينا عوف، واستعان بنا، وقد ظهر عليه الهوان والمذلة وهو مقيم عندكم، فأقلنا عثرته، ونصرناه، وقدمنا له العون والمساعدة. الإعراب: "بنا": متعلق بـ "عاذ". عاذ: فعل ماضٍ: فاعل مرفوع. وهو: الواو حالية، هو: ضمير منفصل، في محل رفع مبتدأ. بادي: حال من الضمير المستقر في خبر المبتدأ "لديكم" الآتي؛ وبادي: مضاف. ذلة: مضاف إليه مجرور. "لديكم" ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ "هو"، ولدى: منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف المنقلبة ياء، منع من ظهورها التعذر، ولدى: مضاف، و"كم": مضاف إليه. فلم: الفاء عاطفة، لم: نافية جازمة. يعدم: فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه السكون، والفاعل: هو، يعود إلى عوف. ولاء: مفعول به لِيعدم منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ولاء: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي. نصرا: معطوف على قوله "ولاء" منصوب مثله. موطن الشاهد: "بادي ذلة". وجه الاستشهاد: مجيء "بادي" حالا من ضمير الظرف "لديكم" المنتقل إليه من متعلقه كما هو معلوم؛ وقد تقدم الحال على عامله "الظرف" مع توسطه بين المخبر عنه والخبر، ولو جعل "بادي" حالا من "هو" على رأي سيبويه الذي يجيز مجيء الحال من المبتدأ لم يكن في البيت الشاهد المطلوب؛ وما ذكره المؤلف والناظم تبعا فيه قول الأخفش والفراء، بينما يرى الجمهور -مجيئه- على هذه الحال - ضرورة من ضرورات الشعر. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٨٤، وحاشية الصبان: ٢/ ١٨٢. ٢ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١٣٩. أوجه القراءات: قرأ "خالص" بالرفع عبد الله، وابن جبير، وأبو العالية، والضحاك، وابن أبي عبلة، والأعمش؛ وقرأ "خالصا" -بالنصب- ابن جبير. وقرأ "خالصة" -بالتأنيث والنصب- ابن عباس والأعرج، وقتادة. وقرأ "خالصة" -بالتأنيث والرفع =
[ ٢ / ٢٧٥ ]
الحسن١: "وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ"٢، وهو قول الأخفش، وتبعه الناظم.
والحق أن البيت ضرورة، وأن: "خالصة"٣ و: "مطويات" معمولان لصلة: "ما"، ولـ: "قبضته"، وأن "السموات" عطف على ضمير مستتر في: "قبضته" لأنها
_________________
(١) = أبو رزين، وعكرمة، وابن يعمر، وأبو حيوة وغيرهم. انظر: معاني القرآن: ١/ ٣٥٨، والقرطبي: ٧/ ٩٦، ومجمع البيان: ٢/ ٣٧٢، والبحر المحيط: ٤/ ٢٣١. موطن الشاهد: "خالصةً". وجه الاستشهاد: مجيء "خالصة" -على هذه القراءة- حالا من الضمير المنتقل إلى الجار والمجرور؛ وهو "لذكورنا" وقد تقدمت على عاملها، وتوسطت بين المخبر عنه؛ وهو "ما" الموصولة، والخبر؛ وهو "لذكورنا" و"ما" واقعة على الأجنة؛ وحكم مجيء الحال هنا الجواز بقلة. ١ هو الإمام الجليل؛ أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، أحد علماء التابعين وكبرائهم، كان إمامًا في القراءة، وكان أكثر كلامه حكما وبلاغة، وقد جمع مع العلم العمل والعبادة. وقد روي عن الشافعي ﵁ أنه قال: لو أشاء أن أقول إن القرآن نزل بلغة الحسن لقلت؛ لفصاحته، وهو أحد الأربعة الذين لهم قراءات شاذة مع القراءات العشر، توفي بالبصرة سنة: ١١٦ هـ. وفيات الأعيان: ٢/ ٦٩/ ٧٣، طبقات ابن سعد: ٧/ ١٥٦، تهذيب التهذيب: ٢/ ٢٦٣، حلية الأولياء: ٢/ ١٣١. ٢ "٣٩" سورة الزمر، الآية: ٦٧. أوجه القراءات: هذه القراءة منسوبة إلى عيسى والجحدري، وقرأ الباقون برفع "مطويات" على أنها خبر للمبتدأ "السموات". موطن الشاهد: "مطوياتٍ". وجه الاستشهاد: مجيء "مطويات" حالا متوسطة بين المبتدأ "السموات" وعاملها الظرفي الواقع خبرا؛ وهو "بيمينه" وصاحب الحال الضمير المنتقل إلى الخبر "الجار والمجرور"؛ وهذه الحالة -جواز تقديم الحال على عاملها الظرف، والجار والمجرور- هي التي أشار إليها ابن مالك بقوله: وندر نحو سعيد مستقرا في هجر ٣ فتكون "خالصة" معمولة للجار والمجرور على أنها حال من الضمير المستتر في "بطون" الواقعة صلة لـ "ما"؛ وهي العاملة في الحال؛ والتاء في "خالصة": للتأنيث باعتبار معنى "ما"؛ لأنها واقعة على الأجنة كما أوضحنا. وتكون "مطويات" معمولة لـ "قبضته" على أنها حال من السموات، و"بين ظرف لغو متعلق بـ "مطويات". وانظر شرح التصريح: ١/ ٣٨٥.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
بمعنى مقبوضتِهِ، لا مبتدأ، و: "بيمينه" معمول الحال، لا عاملها١.
[جواز تعدد الحال لمفرد وغيره]:
فصل: ولشبه الحال بالخبر٢ والنعت٣ جاز أن تتعدد، لمفرد، وغيره٤، فالأول كقوله٥: [الطويل]
٢٧٦- عليَّ إذا ما جئت ليلى بخفيةٍ زيارة بيت الله رَجلانَ حافِيا٦
_________________
(١) ١ وعلى هذا تكون الحال غير متقدمة على عاملها الظرف والجار والمجرور في الآيتين؛ وذهب الجمهور من نحاة البصرة في إعراب الآية الكريمة كالآتي: الأرض: مبتدأ. وقبضته: خبر المبتدأ؛ وفي قبضته: ضمير مستتر على أنه نائب فاعل؛ لأن "قبضته" بمعنى مقبوضته؛ فهو اسم مفعول؛ واسم المفعول يرفع نائب فاعل. وقوله: ﴿وَالسَّمَوَاتُ﴾ معطوف على هذا الضمير المستتر، وساغ العطف على الضمير المرفوع من دون توكيد؛ لأنه قد فصل بين متحمل الضمير، والاسم المعطوف بقوله: ﴿يَومَ الْقِيَامَةِ﴾، وقوله تعالى: "مطويات" حال من السموات، و"بيمينه": متعلق بـ "مطويات"، وليس خبرا -كما زعم الفراء والأخفش. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٨٥. ٢ أي في كونه محكوما به في المعنى على صاحبه كما يحكم بالخبر على المبتدأ، وهذا من باب أنه إذا أشبه الشيء الشيء أخذ حكمه. ٣ أي في أنه يدل على الاتصاف بالصفة، وإن كان ذلك مقصودا في النعت وتبعيا في الحال. ٤ المراد بالجواز عدم الامتناع، وهذا يصدق بالواجب؛ فإنه يجب تكرير الحال وتعددها بعد "إما"؛ لوجوب تكرير "إما" فقول: اضرب اللص إما قائما، وإما مطروحا على الأرض، وكذلك بعد "لا" النافية؛ لتكريرها في الغالب، تقول: جاء علي لا فرحًا ولا أسوان. ٥ أنشد هذا البيت ابن الأعرابي، ولم ينسبه، وبعضهم نسبه إلى مجنون ليلى. ٦ تخريج الشاهد: ينشد بعد الشاهد قوله: شَكُورًا لربي حين أبصرت وجهها ورؤيتها قد تسقني السم صافيا والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٨٥، والأشموني: "٤٨٩/ ١/ ٢٥٤" ومغني اللبيب: "٨٣٢/ ٦٠١"، وشرح السيوطي: ٢٩٠، واللسان "رجل"، وديوان المجنون: ٣٠١، ٣٠٦. المفردات الغريبة: بخفية: أي في خفاء وستر وبعد عن الأنظار. رجلان: ماشيا. حافيا: غير منتعل. =
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وليس منه نحو: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ ١.
والثاني: إن اتَّحَد لفظه ومعناه ثني أو جمع٢، نحو: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ ٣، الأصل دائبة ودائبا، ونحو: "وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ
_________________
(١) = المعنى: ينذر الشاعر ويوجب على نفسه، إذا ما وصل إلى محبوبته ليلى، ولم يشعر به أحد من الناس، أن يزور بيت الله ماشيا غير منتعل. الإعراب: "علي": متعلق بمحذوف خبر مقدم. إذا: ظرف متضمن معنى الشرط، مبني على السكون، في محل نصب على الظرفية الزمانية. ما: زائدة: زرت: فعل ماضٍ، وفاعل. ليلى: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره؛ للتعذر. "بخفية": متعلق بـ "زرت"؛ وجواب إذا محذوف يدل عليه سياق الكلام؛ وجملة "إذا وشرطها وجوابها": اعتراضية، لا محل لها؛ اعترضت بين الخبر المقدم ومبتدئه المؤخر. زيارة: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. بيت: مضاف إليه، وهو مضاف. الله: "لفظ الجلالة" مضاف إليه. رجلان: حال من "ياء المتكلم" في قوله: "علي"، منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. حافيا: حال ثانية من "ياء المتكلم" أيضا. موطن الشاهد: "رجلان حافيا". وجه الاستشهاد: تعدد الحال "رجلان" و"حافيا" وصاحبهما واحد؛ وهو "ياء المتكلم" المجرورة محلا بـ "على"؛ ويجوز أن يكون صاحبهما فاعل الزيارة المحذوف؛ والتقدير: زيارتي بيت الله. ١ "٣" سورة آل عمران، الآية: ٣٩. موطن الشاهد: ﴿مُصَدِّقًا وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ . وجه الاستشهاد: استشهد بالآية على عدم تعدد الحال فيها؛ لأن الحالين الثاني والثالث، قد عطفا بالواو على الأول، ومن شرط اعتبار التعدد ألا يكون بطريق العطف. ٢ من باب الاختصار، وذلك أولى لا واجب كما يقول الرضي: "وأما الحالان من الفاعل والمفعول معا؛ فإن كان متفقين فالأولى الجمع بينهما؛ لِأنه أخصر، نحو لقيت زيدا راكبا راكبا". ا. هـ. وهذا من غير نظر للعوامل: أهي متحدة في ألفاظها ومعانيها وعملها، أم غير متحدة في شيء من ذلك. حاشية يس على التصريح: ١/ ٣٨٦. ٣ "١٤" سورة إبراهيم، الآية: ٣٣. موطن الشاهد: ﴿دَائِبَيْنِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "دائبين" مثنى؛ وهي حال مؤسسة من الشمس والقمر، ولا يضر الاختلاف في التذكير والتأنيث ما دام الحالان متفقين لفظا ومعنى.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ"١، وإن اختلف فُرِّقَ بغير عطف٢، كـ: "لقيته مُصْعِدًا منحدرا"، ويقدر الأول للثاني وبالعكس، قال٣: [الوافر]
٢٧٧- عهدت سعاد ذات هوى معنى٤
_________________
(١) ١ "١٦" سورة النحل، الآية: ١٢. موطن الشاهد: "مُسَخَّرَاتٍ". وجه الاستشهاد: مجيء "مسخرات" حالا مؤكدة لعاملها لفظا ومعنى صرح بذلك ابن مالك في شرح العمدة وولده في شرح النظم؛ والأصل: مسخرا ومسخرا ومسخرة ومسخرا ومسخرة؛ فلما اتحدت لفظا ومعنى جمعت؛ ولا يضر الاختلاف في التذكير والتأنيث. ٢ قال الرضي: إن كان هناك قرينة يعرف بها صاحب كل منهما جاز وقوعهما كيفما كان؛ نحو: لقيت هندا مصعدا منحدرة"؛ والأولى: أن يجعل كل حال بجنب صاحبها، وقوله: "وقدمت حال المفعول إذ لا أقل من أن يكون " بيان لما تفعله إذا اخترت الصورة التي ليست أولى من غيرها، وهذا الترتيب واجب إذا لم يؤمن اللبس، وإذا أمن اللبس كان جائزا. انظر شرح التصريح مع حاشية الشيخ يس: ١/ ٣٨٦. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: فزِدْتُ وعاد سلوانا هواها وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٨٦، والعيني: ٣/ ١٨٠، ومغني اللبيب: "٩٦٧/ ٧٣٤" وشرح السيوطي: ٣٠٤. المفردات الغريبة: عهدت: عرفت وعلمت. سعاد: اسم محبوبته. ذات هوى: صاحبة عشق وحب. معنَّى: اسم مفعول من عناه الأمر، شق عليه حتى أورثه العناء والجهد. سلوانا: سلوا ونسيانا. المعنى: لقد كنت أنا وسعاد شديدي المحبة والهيام؛ فأما أنا فازددت حبا لها وشغفا بها؛ وأما هي فانقلب هواها وحبها هجرا وانصرافا عني. الإعراب: عهدت: فعل ماضٍ، والتاء: فاعله. سعاد: مفعول به منصوب. ذات: حال من "سعاد" منصوب، وهو مضاف. هوى: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره =
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وقد تأتي على الترتيب إن أمن اللبس١، كقوله٢: [الطويل]
٢٧٨- خرجت بها أمشي تجر وراءنا٣
_________________
(١) = الكسرة المقدرة على الألف المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين، منع من ظهورها التعذر. معنى: حال من "تاء المتكلم" في قوله: "عهدت" السابق. فزدت: الفاء عاطفة، زدت: فعل ماضٍ وفاعل. وعاد: الواو عاطفة. عاد: فعل ماضٍ بمعنى "صار" مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. سلوانا: خبر "عاد" الذي بمعنى صار تقدم على اسمه؛ وهو منصوب. هواها: اسم "عاد" الذي بمعنى "صار" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر؛ وهوى: مضاف، وضمير الغائبة العائد إلى سعاد مضاف إليه؛ ويجوز أن نعرب عاد: فعل ماضٍ تام، وسلونا: حال تقدمت على الفاعل، وهواها: فاعل مرفوع مضاف إليه؛ وهو الأفضل. موطن الشاهد: "ذات هوى معنَّى". وجه الاستشهاد: مجيء الحالين "ذات" و"معنى" على عكس ترتيب صاحبيهما؛ فقد جعل أول الحالين -وهو ذات- لثاني الاسمين، وهو سعاد؛ ليتصل بصاحبه؛ وأما قول "معنى" فصاحبه تاء المتكلم في قوله: "عهدت"؛ وحكم مجيء الحالين على عكس ترتيب صاحبيهما هو الأكثر؛ بخلاف ما لو أتى بهما على ترتيب صاحبيها؛ فإنه يلزم عليه الفصل بين كل حال وصاحبها بأجنبي. ١ اتفق النحاة على أنه إذا تعدد الحال، وتعدد صاحبها، ولم تأت بكل حال منهما بجنب صاحبها، بل أخرت الحالين، فإنك تجعل أول الحالين لثاني الصاحبين، وثاني الحالين لأول الصاحبين، ولا تجعل أول الحالين لأول الصاحبين، وثانيهما لثانيهما إلا حين تقوم قرينة، ترشد السامع إلى رد كل حال إلى صاحبه. ومعلوم أن النحاة يفضلون رد أول الحالين لثاني الصاحبين عند انعدام القرينة التي ترد كل حال إلى صاحبها؛ لأن هذا يقلل الفصل بين الحال وصاحبها بأجنبي؛ فإنه يترتب عليه أن يفصل بين حال واحد وصاحبه؛ فأما الوجه الآخر؛ فيترتب عليه الفصل بين حالين وصاحبيهما؛ ولا شك في أن فصلا واحدا أخف من فصلين. وعلمنا -سابقا- أنه إذا قامت قرينة تعين على رد كل حال إلى صاحبها، فأنت بالخيار بين أن تجعل الحالين على ترتيب الصاحبين أو على عكس ترتيبهما. حاشية الشيخ يس: ١/ ٣٨٦. ٢ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: على أثرينا ذيل مرط مرحل =
[ ٢ / ٢٨٠ ]
ومنع الفارسي وجماعة١ النوع الأول، فقدروا نحو قوله: "حافيا" صفة أو حالا من ضمير "رجلان" وسلموا الجواز إذا كان العامل اسم التفضيل٢، نحو: "هذا بسرا أطيب منه رطبا"٣.
_________________
(١) = وهو من معلقة امرئ القيس المشهورة والتي كثر الاستشهاد بأبياتها، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٧٨، والهمع: ١/ ٢٤٤، والدرر: ١/ ٢٠١، والمغني: "٩٦٦/ ٧٣٤" وشرح شواهد الشافية للبغدادي: ٢٨٦. المفردات الغريبة: مرط: كساء من صوف أو خز. مرحل: معلم فيه خطوط. المعنى: خرجت بمحبوبتي من خدرها ماشيا -وهي تجر على أثر أقدامنا- ذيل كسائها؛ لتخفي أثرينا عن الناس، فلا يعلم بنا أحد. الإعراب: خرجت: فعل ماضٍ، والتاء: فاعل. "بها": متعلق بـ "خرج". أمشي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره للثقل، والفاعل: أنا؛ وجملة "تمشي": في محل نصب على الحال من الفاعل؛ الذي هو تاء المتكلم. تجر: فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، والفاعل: هي؛ وجملة "تجر": في محل نصب على الحال من ضمير الغائبة في قوله "بها". "على أثرينا": متعلق بـ "تجر"؛ وأَثَرَيْ: مجرور وعلامة جره الياء؛ لأنه مثنى، و"نا": ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ذيل: مفعول به منصوب، وهو مضاف. مرط: مضاف إليه مجرور. مرحل: صفة لـ "مرط" مجرورة. موطن الشاهد: "أمشي تجر". وجه الاستشهاد: وقوع الجملتين "أمشي" و"تجر" في محل نصب على الحال، غير أن صاحب كل واحد غير الآخر؛ فجاء الحالان على ترتيب الصاحبين؛ الأول للأول، والثاني للثاني؛ لأمن اللبس؛ لأن "أمشي" مذكر، و"تجر" مؤنث؛ ومعلوم أن الحال يطابق صاحبه في التذكير والتأنيث. ١ وهو تعدد الحال المفرد، وحجتهم: أن صاحب الحال إذا كان واحدا، فلا يقتضي العامل إلا حالا واحدة، قياسا على الظرف، وهو قياس مع الفارق الواضح؛ لأن الشيء الواحد يمتنع وقوعه في زمانين أو مكانين، لكن لا يمتنع تقييده بقيدين ولا بأكثر، ذكر هذا ابن الناظم مبررا مخالفته لرأي الفارسي وابن عصفور وكثير من المحققين كما ذكر أبو حيان. همع الهوامع: ١/ ٢٤٤. ٢ لأن صاحب الحال، وإن كان واحد في المعنى، فهو متعدد في اللفظ. هذا: ويؤخذ من المثال الذي ذكره المصنف، أنه ينبغي أن يكون اسم التفضيل متوسطا بين الحالين؛ لِيخرج نحو: محمد أحسن من زملائه متكلما فصيحا. ٣ لم يتطرق المؤلف إلى مبحث تعدد الحال. وقد ذكره السيوطي فقال: "ويجب للحال =
[ ٢ / ٢٨١ ]
[الحال مؤسسة ومؤكدة]:
فصل: الحال ضربان:
مؤسِّسَة، وهي: التي لا يستفاد معناها بدونها، كـ "جاء زيد راكبا" وقد مضت.
ومؤكدة١: إما لعاملها لفظا ومعنى، نحو: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ ٢، وقوله٣: [البسيط]
٢٧٩- أصخ مصيخا لمن أبدى نصيحته٤
_________________
(١) = إذا وقعت بعد "إما" أن تردف بأخرى معادا معها "إما" أو "أو" كقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ وقول الشاعر: وقد شفني ألا يزال يروعني خيالك إما طارقا أو مغاديا وإفرادها بعد إما ممنوع في النثر والنظم وبعد "لا" نادر، تقول: لا راغبا ولا راهبا فتكرر، وقد تفرد كقوله: قهرت العدى لا مستعينا بعصبة ولكنْ بأنواع الخدائع والمكرِ همع الهوامع: ١/ ٢٤٥. ١ تقسيم الحال إلى مؤسسة ومؤكدة هو مذهب الجمهور، وذهب الفراء والمبرد والسهيلي إلى أن الحال لا تكون إلا مؤسسة، وأنكروا ما ظنه الجمهور مؤكدة لعاملها، وتأولوا الأمثلة حتى جعلوها من أمثلة المؤسسة، ولم يتعرضوا لإنكار المؤكدة لصاحبها؛ لأن المتقدمين من النحاة لم يعرفوها، فلهذا لم يتعرضوا لها. همع الهوامع: ١/ ٢٤٥، والتصريح: ١/ ٣٨٧، مغني اللبيب: ٦٠٦. ٢ "٤" سورة النساء، الآية: ٧٩. موطن الشاهد: ﴿أَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "رسولا" حالا من "الكاف" الواقعة في محل نصب مفعول به، وهي مؤكدة لـ "أرسلناك"، وموافقة لها لفظا ومعنى. ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: والزم توقِّيَ خلطِ الجدِّ باللعبِ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٨٧، والأشموني: "٤٩١/ ١/ ٢٥٥"، والعيني: ٣/ ١٨٥. =
[ ٢ / ٢٨٢ ]
أو معنى فقط نحو: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ ١، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ ٢.
_________________
(١) = المفردات الغريبة: أصخ: استمع، وهو أمر من الإصاخة، بمعنى الاستماع. أبدى: أظهر وأعلن نصيحته. النصيحة: الإرشاد إلى الخير. توقي: مصدر توقى الأمر، إذا تحفظ من الوقوع فيه وتحرز عن إتيانه. المعنى: استمع وأحسن الاستماع والإنصات لمن ينصحك بإخلاص، ولا تهمل النصيحة، والتزم وقاية نفسك وحفظها من خلط الجد والاجتهاد، باللهو والعبث. الإعراب: أصخ: فعل أمر، والفاعل: أنت. مصيخا: حال من الضمير المستتر في "أصخ". "لمن": متعلق بـ "أصخ"؛ و"من": اسم موصول في محل جر بحرف الجر. أبدى: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف، منع من ظهوره التعذر، وفاعله: هو. نصيحته: مفعول به لـ "أبدى" منصوب، وهو مضاف، و"الهاء": في محل جر بالإضافة؛ وجملة "أبدى نصيحته": صلة للموصول، لا محل لها. والزم: الواو عاطفة، الزم: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل: أنت. توقي: مفعول به لـ "الزم"، وهو مضاف. خلط: مضاف إليه مجرور؛ من إضافة المصدر إلى مفعوله، وخلط مضاف. الجد: مضاف إليه؛ من إضافة المصدر إلى مفعوله كسابقه. "باللعب": متعلق بـ "خلط". موطن الشاهد: "مصيخا". وجه الاستشهاد: مجيء "مصيخا" حالا مؤكدة من ضمير "أصخ"؛ وهي موافقة لهذا العامل لفظا ومعنى؛ مع كون مادة الحال وعامله واحدة؛ ومعلوم أن الفراء والمبرد والسهيلي ينكرون مجيء الحال مؤكدة لعاملها ويزعمون أنها لا تكون إلا مؤسِّسة؛ أي دالة على معنى لم يستفد من عاملها، ويؤولون كل ما ظنه الجمهور مؤكدة، ويردونه إلى المؤسسة، وقد أولوا -هنا- أصخ بمعنى استمع، ومصيخا بمعنى مستمعا في انتباه وحرص، وفي قولهم تكلف ظاهر، والصواب ما ذهب إليه الجمهور. ١ "٢٧" سورة النمل، الآية: ١٩. موطن الشاهد: ﴿ضَاحِكًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ضاحكا" حالا من فاعل "تبسم" مؤكدا للعامل في المعنى؛ لأن التبسم نوع من الضحك. ٢ "٢٧" سورة النمل، الآية: ١٠. موطن الشاهد: ﴿مُدْبِرًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "مدبرا" حالا من فاعل "ولى" مؤكدا للعامل في المعنى؛ لأن الإدبار نوع من التولي.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
وإما لصاحبها١، نحو: ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ ٢.
وإما لمضمون٣ جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدتين، كـ: "زيد أبوك عطوفا" وهذه الحال واجبة التأخير عن الجملة المذكورة، وهي معمولة لمحذوف وجوبا تقديره أحقه٤ ونحوه.
_________________
(١) ١ هذا القسم من زيادات المصنف ولم يذكره الناظم، ولم يشمله إنكار الفراء والمبرد والسهيلي. ٢ "١٠" سورة يونس، الآية: ٩٩. موطن الشاهد: ﴿جَمِيعًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "جميعا" حالا من فاعل "آمن" وهو "من" الموصولة؛ وهي مؤكدة لها؛ لأن كلا منهما تدل على الإحاطة والشمول؛ وهذا القسم لم يذكره ابن مالك، وإنما زاده ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى. ٣ فسر الصبان مضمون الجملة في هذا الموضع بأنه "مصدر الخبر مضافا إلى المبتدأ إذا كان الخبر مشتقا، والكون العام مضافا إلى المبتدأ ومخبرا عنه بالخبر إذا كان الخبر في الجملة جامدا. وقد سبقه الزمخشري في "مفصله" بقوله: "والحال المؤكدة هي التي تجيء على أثر جملة عقدها من اسمين، لا عمل لهما "يريد أنهما جامدان" لتوكيد خبرها وتقرير مؤاده، ونفي الشك عنه، وذلك قولك: زيد أبوك عطوفا، وهو زيد معروفا، وهو الحق بينا، ألا ترى كيف حققت بالعطوف الأبوة، وبالمعروف، والبين أن الرجل زيد، وأن الأمر حق، وفي التنزيل: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، وكذلك: أنا عبد الله آكلا كما يأكل العبيد؛ وفيه تقرير للعبودية، وتحقيق لها، وتقول: أنا فلان بطلا شجاعا وكريما جوادا؛ فتحقق ما أنت متسم به، وما هو ثابت في نفسك". ولمزيد من الإيضاح، انظر المفصل، للزمخشري: ٦٣-٦٤. وحاشية الصبان: ٢/ ١٨٥. وشرح التصريح: ١/ ٣٨٧-٣٨٨. ٤ من شواهد هذا النوع قول سالم بن دارة: أنا ابن دارة معروفا بها نسبي وهل بدارة يا للناس من عارِ وقد مثل بهذا البيت الزمخشري، وحمل عليه قوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ كما حمل غيره عليه قوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ . انظر حاشية الصبان: ٢/ ١٨٥.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
[وقوع الحال مفردا وشبه جملة]:
فصل: تقع الحال اسما مفردا كما مضى.
وظرفا كـ: "رأيت الهلال بين السحاب" وجارا ومجرورا نحو: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ١، ويتعلقان بمستقر أو استقر محذوفين وجوبا٢. وجملة بثلاثة شروط:
[وقوع الحال جملة بثلاثة شروط]:
أحدها: كونها خبرية، وغلط من قال في قوله٣: [السريع]
٢٨٠- اطلبْ ولا تَضْجَرَ مِنْ مَطْلَبِ٤
_________________
(١) ١ "٢٨" سورة القصص، الآية: ٧٩. موطن الشاهد: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "الجار والمجرور" في موضع الحال من فاعل خرج المستتر؛ العائد إلى "قارون"؛ وحكم مجيء الجار والمجرور في موضع الحال الجواز. ٢ لكونهما "كونا" مطلقا، ويشترط في كل من الظرف والجار والمجرور: أن يكون تاما، أي مفيدا، وإفادته تكون بالإضافة، أو بالنعت، أو بالعدد، أو بغير ذلك من أنواع الإفادة. ٣ نسبه صاحب التصريح إلى أحد المولدين ولم يعيِّنْهُ. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فآفة الطالب أن يضجرا ويروى بعده قوله: أما ترى الحبل، بتكراره في الصخرة الصماء قد أثرا والبيت لم يؤتَ به كشاهد، وإنما لبيان خطأ الذين أعربوه. انظر: التصريح: ١/ ٣٨٩، والأشموني: "٤٩٣/ ١/ ٢٥٦"، والعيني: ٣/ ٢١٧، والهمع: ١/ ٢٤٦، ٢٠٢، والمغني: "٧٤/ ٥٢٩" "٩٩٩/ ٧٦٣". المفردات الغريبة: لا تضجر: لا تسأم ولا تقلق. آفة: عاهة، وهي عرض يفسد ما يصيبه. المعنى: ثابر، وداوم على طلب معالي الأمور، ولا تسأم إذا لم تظفر بما تطلب؛ فإن السأم والملل علة كل طالب، ومن يصبر، ينل ما يريد. الإعراب: اطلب: فعل أمر، والفاعل: أنت. ولا: الواو واو المعية، لا: نافية. =
[ ٢ / ٢٨٥ ]
إن "لا" ناهية والواو للحال، والصواب أنها عاطفة مثل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ١.
_________________
(١) = تضجر: فعل مضارع منصوب بأن المصدرية المضمرة بعد واو المعية، وعلامة نصبه الفتحة الظهرة. "من مطلب": متعلق بـ "لا تضجر". فآفة: الفاء تفريعية، آفة: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. الطالب: مضاف إليه. أن: حرف مصدري ونصب. يضجرا: فعل مضارع منصوب بـ "أن" المصدرية، والفاعل: هو، والألف للإطلاق؛ والمصدر المؤول من "أن المصدرية وما دخلت عليه": في محل رفع خبر المبتدأ "آفة"؛ والتقدير: فآفة الطالب الضجر. موطن الشاهد: "ولا تضجرا". وجه الاستشهاد: بيان خطأ من أعرب الواو في قوله: "ولا تضجرا" حالية؛ لأنه يشترط في جملة الحال أن تكون خبرية، وهذه إنشائية؛ والذي ذهب إلى أنها حالية الأمين المحلي -كما ذكره ابن هشام في المغني؛ حيث عد "لا": ناهية، والواو التي قبلها للحال، وتضجرا: فعل مضارع مجزوم بـ "لا" الناهية؛ وأصله ولا تضجرن بنون التوكيد الخفيفة، فحذفت نون التوكيد الخفيفة، وبقيت الفتحة قبلها؛ لتدل عليها؛ وعلى هذا تكون الجملة في محل نصب على الحال؛ غير أن الصواب ما ذهبنا إليه في الإعراب. انظر في هذه المسألة، وفي أوجه إعراب الشاهد: مغني اللبيب: ٧٦٣، وشرح التصريح: ١/ ٣٨٩، وهمع الهوامع: ١/ ٢٤٥. فائدة: الجملة الشرطية في قولهم: "لأمدحن المخلص إن أصاب أو أخطأ" واقعة في محل نصب على الحال -مع أنها إنشائية، مشتملة على علامة استقبال؛ حرف الشرط "إن" فالمسوغ -عند النحاة- أنها شرطية لفظا لا معنى؛ لأن التقدير: لأمدحنه على أي حال. فائدة: على تقدير الواو عاطفة -على رأي ابن هشام- في الشاهد السابق؛ فلها تخريجان: الأول: أن تكون عاطفة مصدرا يسبك من أن والفعل على مصدر متوهم من الأمر السابق؛ أي: ليكن منك طلب وعدم ضجر. الثاني: أن تكون عاطفة جملة على جملة؛ وعلى الوجه الأول: فالفتحة في "تضجر" فتحة إعراب، ولا: نافية وعلى الثاني: فالفتحة فتحة بناء للتركيب؛ والأصل: ولا تضجرن بنون التوكيد الخفيفة؛ فحذفت للضرورة، ولا: ناهية. ١ "٤" سورة النساء، الآية: ٣٦. موطن الشاهد: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء الواو عاطفة في الآية الكريمة؛ والواو عطفت جملة على جملة، كما هو واضح.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
الثاني: أن تكون غير مصدرة بدليل استقبال، وغلط من أعرب ﴿سَيَهْدِينِ﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ١ حالا.
الثالث: أن تكون مرتبطة، إما بالواو والضمير، نحو: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ ٢، أو بالضمير فقط، نحو: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ٣، أي: متعادين، أو بالواو فقط، نحو: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ٤.
[وجوب الواو قبل "قد" داخلة على المضارع]:
وتجب الواو قبل "قد"٥ داخلة على المضارع، نحو: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد
_________________
(١) ١ "٣٧" سورة الصافات، الآية: ٩٩. موطن الشاهد: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ . وجه الاستشهاد: استشهد بها؛ ليدل على كونها غير حالية بسبب اقترانها بالسين ومتى اقترنت بالسين صارت مستقبلة بالنسبة إلى عاملها؛ وهناك تنافٍ بين الحال والاستقبال من حيث اللفظ. ٢ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٤٣. موطن الشاهد: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء جملة "وهم ألوف" حالا من الواو في خرجوا؛ وهي مرتبطة بالواو والضمير. ٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ٣٦. موطن الشاهد: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء جملة "بعضكم لبعض عدو" حالا من الواو في "اهبطوا" والرابط الضمير في "بعضكم"؛ والخطاب لسيدنا آدم وحواء عليهما السلا م. ٤ "١٢" سورة يوسف، الآية: ١٤. موطن الشاهد: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء جملة "نحن عصبة" حالا من "الذئب" أو من ضمير يوسف ﵇؛ والرابط الواو فقط، ولا علاقة للضمير نحن؛ لأنه لم يرجع إلى صاحب الحال. ٥ هذا أحد موضعين، يجب في كل منهما ربط الجملة الواقعة حالا بالواو؛ والمقصود بالمضارع هنا أن يكون مثبتا؛ فمتى كان مثبتا ومقرونا بقد، وجب أن يكون الرابط =
[ ٢ / ٢٨٧ ]
تَعْلَمُونَ﴾ ١.
[امتناع الواو في سبع صور]:
وتمتنع في سبع صور:
إحداها: الواقعة بعد عاطف٢، نحو: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) = لها بصاحب الحال، هو الواو، كما في الآية الكريمة ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ﴾ ولكن لا يشترط في الجملة المضارعية أن تقترن بقد وأن تسبقها الواو، فقد وردت الجملة المضارعية المثبتة حالا من غير "قد" و"الواو" معا في أفصح الكلام؛ حيث قال جل شأنه: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾؛ وهنا لا بد من ربطها بصاحب الحال بضمير يرجع منها إليه. وأما الموضع الثاني الذي يجب فيه "الواو" جملة الحال التي ليس فيها ضمير يعود منها على صاحب الحال؛ نحو: "أقبل الأمير والشمس طالعة"، وكقوله ﵎: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ . وأما بالنسبة إلى الفعل الماضي المثبت الواقعة جملته حالا، فقد اختلف النحاة في حكم اقترانه بـ "قد"؛ فذهب الكوفيون والأخفش من البصريين إلى الجواز؛ متى كان معه ضمير يعود على صاحب الحال -سواء أكان مع الضمير واو أم لم يكن- فإن لم يكن معه ضمير، يعود إلى صاحب الحال -بأن كان الرابط هو الواو وحدها- وجب اقترانه بقد وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز مجيء الماضي المثبت حالا إلا إذا اقترن بـ "قد" سواء أكان الرابط، هو الضمير وحده، أم كان الرابط هو الواو وحدها، أم كان الرابط هو الواو والضمير معا؛ فإن وجدت "قد" في اللفظ، فالأمر ظاهر، وإن لم توجد وجب تقديرها واختار ابن مالك وأبو حيان مذهب الكوفيين في هذه المسألة، وهو الأرجح. وانظر في هذه المسألة: همع الهوامع: ١/ ٢٤٦، والمغني: ٢٢٩-٨٣٣، ورصف المباني: ٤١٧-٤١٨، والتصريح: ١/ ٣٩١. ١ "٦١" سورة الصف، الآية: ٥. موطن الشاهد: ﴿وقد تعلمون﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "تعلمون" حالا من الواو في "تؤذونني" والرابط الواو؛ وحكم وجود الرابط -هنا- الوجب. ٢ أي يعطفها على حال قبلها. ٣ "٧" سورة الأعراف، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿هم قائلون﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء جملة "هم قائلون" حالا معطوفة على "بياتا" وهو مصدر في محل نصب على الحال؛ والرابط الضمير، ولا يقال: "أو" "وهم" كراهة اجتماع حرفي عطف صورة.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
الثانية: المؤكدة لمضمون الجملة، نحو: "هو الحق لا شك فيه" و: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ١.
الثالثة: الماضي التالي إلا، نحو: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٢.
الرابعة: الماضي المتلوُّ بأو٣، نحو: "لأضْرِبَنَّهُ ذَهَبَ أو مَكَثَ"٤.
الخامسة: المضارع المنفي بلا، نحو: ﴿وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢. موطن الشاهد: "لا شك فيه"، ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء كل من الجملتين حالا مؤكدة لمضمون الجملة قبلها؛ وتمتنع الواو -هنا- لأن المؤكد عين المؤكد؛ فلو قرن بالواو، كان في صورة عطف الشيء على نفسه؛ وأما المؤكدة لعاملها فقد تقترن؛ نحو: "ثم توليتم وأنتم تعلمون". ٢ "١٥" سورة الحجر، الآية: ١١. موطن الشاهد: ﴿كانوا به يستهزئون﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء جملة "كانوا به يستهزئون" حالا من "الهاء" في "يأيتهم" وامتنعت الواو هنا؛ لأن ما بعد "إلا" مفرد حكما، ويرى بعض النحاة جواز اقترانه بالواو في هذه الحالة، تمسكا بقول زهير: نعم امرأ هرمٌ لم تعرُ نائبَةً إلا وكان لمرتاعٍ بها وزرا وذلك قياسا على الجملة الاسمية الواقعة بعد "إلا" نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٢. ٣ أي الجملة الماضوية الحالية المعطوفة عليها جملة أخرى بأو. ٤ جملة "ذهب" في محل نصب حال من الهاء وبعدها "أو" وتمتنع الواو؛ لأنها في تقدير فعل الشرط؛ إذ المعنى: إن ذهب وإن مكث، وفعل الشرط لا يقترن بالواو، فكذلك المقدر به. والحق أن العلة عدم وجود الواو في مثل هذا الأسلوب من الكلام العربي. ٥ "٥" سورة المائدة، الآية: ٨. موطن الشاهد: ﴿وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء جملة "نؤمن بالله" حالا من الضمير المجرور باللازم، ولم تقترن بالواو؛ لأن المضارع المنفي بـ "لا" أو "بما" بمنزلة اسم الفاعل المجرور بإضافة "غير" المنصوبة على الحال، وهو لا تدخل عليه الواو؛ والتقدير: "وما لنا غير مؤمنين"؛ واختص المنفي بـ "لا" و"ما" من دون المنفي بـ "لم" و"لما"؛ لأن مضي المنفي بهما في المعنى، قربه من الماضي الجائز الاقتران بالواو، وأبعده من الشبه باسم الفاعل، وذهب محمد ابن صاحب الألفية إلى جواز اقتران المضارع المنفي بـ "لا" بالواو، وإن كان عدم الاقتران أكثر، واستشهد بقول أحدهم: "وكنت لا ينهنهني الوعيد". شرح التصريح: ١/ ٣٩٢.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
السادسة: المضارع المنفي بما، كقوله١: [الطويل]
٢٨١- عهدتك ما تصبو وفيك شبيبة٢
_________________
(١) = تقترن بالواو؛ لأن المضارع المنفي بـ "لا" أو "بما" بمنزلة اسم الفاعل المجرور بإضافة "غير" المنصوبة على الحال، وهو لا تدخل عليه الواو؛ والتقدير: "وما لنا غير مؤمنين"؛ واختص المنفي بـ "لا" و"ما" من دون المنفي بـ "لم" و"لما"؛ لأن مضي المنفي بهما في المعنى، قربه من الماضي الجائز الاقتران بالواو، وأبعده من الشبه باسم الفاعل، وذهب محمد ابن صاحب الألفية إلى جواز اقتران المضارع المنفي بـ "لا" بالواو، وإن كان عدم الاقتران أكثر، واستشهد بقول أحدهم: "وكنت لا ينهنهني الوعيد". شرح التصريح: ١/ ٣٩٢. ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه وقوله: فلما لك بعد الشيب صبا متيما وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٩٢، والأشموني: "٥٠٠/ ١/ ٢٥٧" والهمع: ١/ ٢٤٦، والدرر: ١/ ٢٠٣. المفردات الغريبة: عهدتك: عرفتك. تصبو: تميل إلى اللهو والعبث، من الصبوة، وهي الميل إلى الجهل والفتوة. شبيبة: شباب وفتوة ونشاط جسماني. صبا: عاشقا، من الصبابة، وهي العشق ورقة الهوى. متيما: مذللا مستعبدا بالحب. المعنى: عرفتك وأنت شابٌّ موفور القوة جم النشاط -مستقيما بعيدا عن اللهو والميل للنساء، فما لك بعد الشيخوخة والكبر والضعف، صرت عاشقا متيما؟. الإعراب: عهدتك: فعل ماضٍ، وفاعل، ومفعول به. ما: نافية، لا محل لها من الإعراب. تصبو: فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده من الناصب والجازم، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو، منع من ظهورها الثقل، والفاعل: أنت؛ وجملة "تصبو" في محل نصب على الحال، وصاحبه كاف الخطاب الواقعة مفعولا به في "عهدتك". وفيك: الواو حالية، و"فيك": متعلق بخبر مقدم محذوف. شبيبة: مبتدأ مؤخر مرفوع؛ وجملة "المبتدأ والخبر": في محل نصب على الحال؛ وصاحب الحال الضمير المستتر في "تصبو". فما: الفاء عاطفة، "ما": اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. "لك": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ والتقدير: أي شيء ثابت لك؛ أو حاصل لك. "بعد": متعلق بقوله: "صبا" الآتي، وهو مضاف. الشيب: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة. صبا: حال منصوب، وصاحبه ضمير المخاطب المجرور باللام في قوله: "لك" السابق. متيما: صفة لقوله "صبا" منصوبة مثله. موطن الشاهد: "ما تصبو". وجه الاستشهاد: مجيء جملة "تصبو" منفية بـ "ما" وقد وقعت في محل نصب على الحال؛ ولم تقترن بالواو اكتفاء بالربط بالضمير؛ وهو الفاعل المستتر؛ لما بيناه في المنفية بـ "لا" ومثل المنفي بـ "ما" المنفي بـ "إن" النافية. ضياء السالك: ٢/ ٢٢٢.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
السابعة: المضارع المثبت١، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ٢.
وأما نحو قوله٣: [الكامل]
٢٨٢- علقتها عرضا وأقتل قومها٤
_________________
(١) ١ أي المجرد من "قد"، فإن اقترن بقد لزمته الواو. ٢ "٧٤" سورة المدثر، الآية: ٦. موطن الشاهد: "تستكثر". وجه الاستشهاد: مجيء جملة "تستكثر" حالا من فاعل "تمنن" المستتر فيه؛ وقد امتنعت الواو هنا؛ لشبهه باسم الفاعل في الزنة والمعنى، والواو لا تدخل على اسم الفاعل، فكذلك ما أشبهه. ٣ القائل: عنترة بن شداد العبسي، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت وعجزه قوله: زعما لعمر أبيك ليس بمزعمِ والبيت من معلقته المشهورة؛ التي مطلعها قوله: هل غادر الشعراء من متردم؟ أم هل عرفت الدار بعد توهم؟ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٣٩٢، والأشموني: "٤٩٥/ ١/ ٢٥٦"، والعيني: ٣/ ١٨٨. المفردات الغريبة: علقتها: تعلقت بها وأحببتها. عرضا: من غير قصد: زعما: طمعا، وهو مصدر زعم، بمعنى طمع. المعنى: أحببتها، وشغفت بها بمجرد النظر إليها من غير قصد، وأنا أحارب قومها وأقتلهم، فكيف هذا التناقض؟!، ثم قال مخاطبا نفسه: إن هذا طمع لا موضع له، وفعل لا يليق بمثلى. الإعراب: علقتها: فعل ماضٍ مبني للمجهول، مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع نائب فاعل؛ و"ها" مفعول به ثانٍ. عرضا: مفعول مطلق منصوب؛ وهو الأفضل. وأقتل: الواو عاطفة، أقتل فعل مضارع -بمعنى الماضي- مرفوع، والفاعل: أنا. قومها: مفعول به =
[ ٢ / ٢٩١ ]
فقيل: ضرورة وقيل: الواو عاطفة والمضارع مؤول بالماضي١، وقيل: واو الحال والمضارع خبر لمبتدأ محذوف، أي: وأنا أقتل٢.
[حذف عامل الحال جوازا أو وجوبا]:
[حذف العامل جوازا]:
فصل: وقد يحذف عامل الحال: جوازا٣؛ لِدليل حالي، كقولك لقاصد
_________________
(١) = منصوب، وهو مضاف، و"ها": مضاف إليه؛ وجملة "أقتل قومها": لا محل لها؛ لكونها معطوفة على جملة "علقتها" الاستئنافية؛ والتقدير: علقتها تعلقا عارضا وقتلت قومها؛ ويجوز -وهو الأفضل- أن تكون الواو حالية، وجملة "أقتل قومها": في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: وأنا أقتل قومها؛ وجملة "المبتدأ والخبر": في محل نصب على الحال؛ وصاحبه تاء المتكلم في قوله: "علقتها" السابق. زعما: على رواية النصب؛ مفعول مطلق لفعل محذوف؛ والتقدير: زعم زعما، وعلى رواية الرفع؛ يكون إما خبرا لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هذا زعم؛ أو يكون مبتدأ؛ وخبره جملة ليس بمزعم"؛ والأول أفضل. لَعَمْر: اللام لام الابتداء، لا محل لها من الإعراب. عَمْرُ: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. أبيك: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه؛ وخبر المبتدأ محذوف وجوبا؛ والتقدير: لعمر أبيك قسمي، أو ما أقسم به؛ وجملة "المبتدأ والخبر": لا محل لها؛ لأنها اعتراضية، اعترضت بين الصفة والموصوف؛ أو بين المبتدأ والخبر على رواية رفع "زعم" كما بينا. ليس: فعل ماضٍ ناقص؛ واسمه "هو" يعود إلى الزعم. بمزعم: الباء حرف جر زائد، مزعم: خبر "ليس" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد؛ والجملة في محل نصب أو رفع صلة لـ "زعم". موطن الشاهد: "وأقتل قومها". وجه الاستشهاد: مجيء جملة: "أقتل قومها" حالية مضارعية مثبتة، وقد اقترنت بالواو مع امتناع الواو في ذلك، وقد خرجه المؤلف في المتن. ١ والتقدير: وقتلت قومها؛ وذلك ليتناسب المتعاطفان، فذلك أولى من عدم التناسب. ٢ خلاصة البحث: إن اقتران جملة الحال بالواو على ثلاثة أنواع: واجب، وذلك في موضعين. وممتنع، وذلك في سبعة مواضع، وجائز، وذلك فيما عدا ذلك. ٣ الأصل في عامل الحال وغيرها، أن يكون مذكورا؛ ليحقق الغرض منه، وهو إفادة معنى جديد، أو تقوية المعنى الموجود، وقد يحذف جوازا أو وجوبا لدواع تقتضي الحذف، ويستثنى من الحذف جوازا: ما إذا كان العامل معنويًّا، كالظرف والجار والمجرور، واسم الإشارة، وحرف التمني والتنبيه إلخ، فلا يجوز حذف العامل فيها؛ لضعفه سواء فهم أم لم يفهم.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
السفر: "راشدا" وللقادم من الحج: "مأجورا" أو مقالي١، ﴿بَلَى قَادِرِين﴾ ٢ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ ٣ بإضمار: تسافر، ورجعت، ونجمعها، وصلوا.
[حذف العامل وجوبا]:
ووجوبا قياسا في أربع صور: نحو: "ضربي زيدا قائما"٤، ونحو: "زيد أبوك عطوفا"٥ وقد مضتا، والتي يبين بها ازدياد أو نقص بتدريج، كـ: "تصدق بدينار فصاعدا"، و: "اشتره بدينار فسافلا"٦، وما ذكر لتوبيخ، نحو: "أقائما وقد قعد
_________________
(١) ١ الدليل المقالي: هو ما يعتمد على كلام مذكور صريح، وهو في مثال المصنف جواب نفي وشرط، وقد يكون جوابا لاستفهام نحو: راكبا، لمن قال: كيف جئت؟ أو منهيا عنه نحو: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، أو مقصودا لحصر فيه، نحو: ما جاءني محمد إلا راكبا ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ . أما الدليل الحالي فتدل عليه المناسبات المحيطة بالمتكلم، من غير استعانة بكلام أو قول. التصريح: ١/ ٣٩٣. ٢ "٧٥" سورة القيامة، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿بَلَى قَادِرِين﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "قادرين" حالا بعامل محذوف جوازا؛ والتقدير: نجمعها قادرين؛ فأضمر العامل "نجمعها" في جواب النفي؛ وحكم الإضمار -هنا- الجواز؛ غير أن القراءة سنة متبعة، لا تجوز مخالفتها. ٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢٣٩. موطن الشاهد: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "رجالا وركبانا" حالين؛ والعامل فيهما محذوف، وتقديره: صلوا؛ وحكم الحذف هنا الجواز، غير أن القراءة سنة مؤكدة، فلا تجوز مخالفتها. ٤ أي مما فيه الحال سادة مسد الخبر، وقد سبق إيضاحها، فلا يجوز ذكر الخبر لئلا يلزم الجمع بين العوض والمعوض. ٥ أي: من الحال المؤكدة لمضمون جملة قبلها، والعلة في وجوب حذف العامل: أن الجملة قبله بمنزلة البدل من اللفظ. ٦ "صاعدا" و"سافلا" حالان عاملهما محذوف وجوبا؛ والتقدير: فذهب المتصدق به صاعدا، وانحط المشتري به سافلا؛ ولا بد في هذه الحالة من اقتران الحال بالفاء العاطفة، أو "ثم" العاطفة؛ وهي تعطف جملة خبرية على جملة إنشائية، ويجب حذف العامل والصاحب معا في هذه الحال. شرح التصريح: ١/ ٣٩٣.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
الناس"، و: "أتميميا مرة وقيسيا أخرى"١ أي: أتوجد، وأتتحول٢.
وسماعا في غير ذلك، نحو: "هنيئا لك" أي: ثبت لك الخير هنيئا، أو أَهْنَأَكَ هنيئا.
_________________
(١) ١ "قائما" و"تميميا" و"قيسيا" أحوال منصوبة بفعل محذوف وجوبا؛ لأنها بدل من اللفظ بالفعل، ولا يجمع بين البدل والمبدل منه. ٢ "أتوجد" راجع إلى المثال الأول، و"أتتحول" راجع إلى الثاني، وليس المراد أن يتحول في حالة كونه تميميا بل إنه يتخلق تارة بأخلاق التميمي وأخرى بأخلاق القيسي؛ والأولى: تقدير عامل الحال "توجد" كسابقه، وقيل "تميميا وقيسيا": مفعول مطلق على حذف مضاف: أي أتتخلق تخلق تميمي مرة؟ وما ذكره المؤلف محظور ذكر العامل فيه رأي ممنوع ذكره -وهناك عوامل تحذف سماعا؛ نحو: هنيئا لك. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٣. فائدة أولى: عندما تتعدد الحال لواحد، تسمى "مترادفة" أي متوالية، تتلو الواحدة الأخرى؛ ويمكن أن تعرب الحال الثانية حالا من الضمير المستتر في الحال التي قبلها، وتسمى الثانية "متداخلة". فائدة ثانية: هنالك ألفاظ مسموعة، وقعت أحوالا مع أنها معرفة بالإضافة؛ نحو: تفرق القوم أيدي سبأ، وقد أولت على معنى: متبددين؛ أو مثل أيدي سبأ؛ فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ومنها قولهم: فعلت هذا الأمر جهدي أو طاقتي، وأول بمعنى: جاهدا أو مطيقا. فائدة ثالثة: تنقسم الحال باعتبار الزمان إلى مقارنة لعاملها، وهو الغالب فيها، ومقدرة وهي المستقبلة؛ نحو: مررت برجل معه سيف مقاتلا به غدا؛ أي: مقدرا ذلك. انظر حاشية الصبان: ٢/ ١٩٣، وضياء السالك: ٢/ ٢٢٦.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
[باب التمييز]:
هذا باب التمييز١:
[تعريف التمييز وبيان محترزات القيود]:
التمييز: اسم٢ نكرة، بمعنى من٣، مبين لإبهام اسم أو نسبة.
فخرج بالفصل الأول٤ نحوه٥: "زيد حسن وجهه".
وقد مضى أن قوله:
صددتَ وطبتَ النفس يا قيسُ عن عمرو٦
_________________
(١) ١ هو في الأصل: مصدر ميَّز الشيءَ؛ إذ خلصه من شيء آخر، فمعناه لغة: تخليص شيء من شيء، ثم أطلق على الاسم المميز مجازا، ويسمى أحيانا: التفسير أو التبيين، أو المفسر، أو المميز. ومعناه اصطلاحا: ما ذكره المؤلف. ٢ أي صريح؛ لأن التمييز، لا يكون جملة ولا ظرفا، ولا جارا ومجرورا. بخلاف الحال في هذه الثلاثة. ٣ أي أن يفيد معنى "من" البيانية، أي التي تبين جنس ما قبلها أو نوعه؛ وذلك لأن الاسم المميز جيء به لبيان الجنس، كما يجاء بمن مميزة له، وليس المراد أنه يمكن تقدير "من" قبله، فقد لا يصلح الكلام أحيانا لتقدير "من". انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٣-٣٩٥. ٤ أي: قوله نكرة. ٥ أي: من كل ما هو مشبه بالمفعول به. ٦ مر تخريجه. موطن الشاهد: "النفس". وجه الاستشهاد: تقدم هذا البيت في "باب المعرف" بالأداة. وقد ذكر هنالك أن اللام في النفس زائدة للضرورة، فهو نكرة، وقد احتج الكوفيون بهذا البيت على مجيء التمييز معرفا، كما أسلفنا.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
محمول على زيادة: "أل".
وبالثاني الحال فإنه بمعنى في حال كذا، لا بمعنى من.
وبالثالث نحو١: "لا رجل" ونحو٢: [البسيط]
٢٨٣- أستغفر الله ذنبا لست محصيه٣
_________________
(١) ١ وهو قوله: "مبين لإبهام اسم أو نسبة" يخرج اسم "لا" التي للتبرئة. ٢ لم ينسب هذا البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: رب العباد إليه الوجه والعمل وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣٩٤، والهمع: ٢/ ٨٢، والدرر: ٢/ ١٠٦، والكتاب لسيبويه: ١/ ١٧، والمقتضب: ٢/ ٣٢١، ٤٣١، والخصائص: ٣/ ٢٤٧، وشرح المفصل: ٧/ ٦٣، ٨/ ٥١، والخزانة: ١/ ٤٨٦، والعيني: ٣/ ٢٢٦، وشذور الذهب: "١٩٠/ ٤٨٩". المفردات الغريبة: أستغفر: أطلب المغفرة. محصيه: ضابطا عدده. الوجه: القصد والتوجيه. المعنى: أطلب المغفرة والعفو من الله على ذنوبي الكثيرة، التي لا أحصيها، فهو رب الخلق جميعا، وإليه الالتجاء في كل شيء، وله يكون العمل والسعي. الإعراب: أستغفر: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. الله: "لفظ الجلالة" اسم منصوب على التعظيم. ذنبا: مفعول ثانٍ لـ "أستغفر". لست: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. محصيه: خبر "ليس" منصوب، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه. رب: بدل من لفظ الجلالة، منصوب مثله، وهو مضاف. العباد: مضاف إليه. "إليه": متعلق بمحذوف خبر مقدم. الوجه: مبتدأ مؤخر مرفوع. والعمل: الواو عاطفة، العمل: اسم معطوف على "الوجه" مرفوع مثله. موطن الشاهد: "أستغفر الله ذنبا". وجه الاستشهاد: ذكر المؤلف وجماعة من النحاة، أن قوله "ذنبا" منصوب على نزع الخافض، الذي هو "من" ومع أن انتصابه على معنى "من" فإنه ليس تمييزا؛ لأنه غير مبين لإبهام اسم مجمل قبله، ولا هو مبين لنسبة في جملة مذكورة قبله أيضا؛ ولذا فهو ليس تمييزا. وإذا عددنا "ذنبا" منصوبا على نزع الخافض؛ فإنما هو على تضمين قوله "أستغفر" معنى "أستتيب"؛ على نحو: "اخترت الرجال محمدا"؛ أي: اخترت من الرجال هذا الرجل؛ ومثله، قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ . غير أن الذي رجحه كثير من العلماء، "أستغفر" يتعدى بنفسه إلى مفعولين، فيكون انتصاب قوله: "ذنبا" على أنه مفعول به حقيقة، لا على نزع الخافض. انظر مغني اللبيب: ٦٧٩.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
فإنهما وإن كانا على معنى "من" لكنها ليست للبيان، بل هي في الأول للاستغراق، وفي الثاني للابتداء١.
[حكم التمييز وبيان العامل فيه]:
وحكم التمييز النصب، والناصب لمبين الاسم هو ذلك الاسم المبهم٢،
_________________
(١) ١ كأنه أراد استغفارا يبتدئ من أول الذنوب إلى ما لا نهاية. وقيل: "من" هنا للتعليل، وهو أظهر. ٢ اتفق النحاة في أن ناصب التمييز المبين لإبهام اسم غير جملة، هو ذلك الاسم المبين الذي فسره التمييز؛ غير أنهم اختلفوا في توجيه كون هذا الاسم الجامد قد عمل النصب، فذهب جمهورهم إلى أن هذا الاسم الجامد في نحو قولك: "اشتريت رطلا زيتا" قد أشبه اسم الفاعل المفرد في نحو: "زيد ضارب عمرا" وفي نحو قولك: "اشتريت عشرين ثوبا" أشبه اسم الفاعل المجموع، في نحو: "هؤلاء الضاربون عمرا". شرح التصريح: ١/ ٣٩٥. فائدة أولى: أشبه الاسم الجامد اسم الفاعل المذكور في أمرين هما: أ- كون كل واحد منهما اسما مشتملا على ما به تمام الاسم، وهو التنوين إذا كان مفردا، أو النون التي تشبه التنوين، وهي نون التثنية والجمع. ب- كون كل واحد من الاسم الجامد واسم الفاعل طالبا لما بعده، ومعلوم أن الشيء إذا أشبه الشيء جاز أن يأخذ بعض أحكامه. المصدر نفسه. فائدة ثانية: رتب الشيخ خالد العوامل في التصريح -حسب قوتها- فجاءت كالآتي: أ- الفعل؛ لأنه يعمل أصالة؛ وهو لا يعمل إلا معتمدا وغير معتمد. ب- اسم الفاعل؛ لأنه يعمل بالحمل على الفعل؛ وهو لا يعمل إلا معتمدا على نفي أو شبهه؛ وهو يعمل في السببي نحو: زيد ضارب ابنه، وفي غير السببي؛ نحو: زيد ضارب عمرا. ج- الصفة المشبهة؛ لأنها لا تعمل إلا في السببي؛ نحو: زيد حسن وجهه وهي ترفع الظاهر، نحو: زيد حسن وجهه، وترفع الضمير؛ نحو: زيد حسن وجهه وهي ترفع الظاهر، التفضيل؛ لأنه يرفع الضمير باطراد، ولا يرفع الظاهر إلا في مسألة الكحل. هـ- الاسم الجامد؛ لِأنه لا يعمل إلا في التمييز؛ لكونه لا يتحمل ضميرا مستترا، في حين أن "أفعل التفضيل" يتحمله. شرح التصريح: ١/ ٣٩٥.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
كـ: "عشرين درهما" والناصب لمبين النسبة المسند من فعل أو شبهه١، كـ: "طاب نفسا"، و: "هو طيب أُبُوَّةً"، وعلم بذلك بطلان عموم قوله٢:
ينصب تمييزا بما قد فسره٣
[أنواع الاسم المبهم]:
فصل: والاسم المبهم أربعة أنواع:
أحدها: العدد٤، كـ: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ ذهب سيبويه والمزاني والمبرد إلى أن الناصب لتمييز النسبة، هو المسند في الجملة سواء أكان هذا المسند فعلا، كما في قولك: "طاب محمد نفسا" أم كان وصفا -أي مشتقا- نحو: زيد كريم خلقا. وذهب بعضهم إلى أن الناصب له هو الجملة التي تنصب التمييز، التي يوضح التمييز النسبة فيها؛ وليس الفعل وما أشبهه؛ لأنه قد لا يكون في الجملة فعل أو وصف، نحو: هذا أخوك إخلاصا، أو أبوك عطفا. فالقول بأن ناصبه الجملة مطرد، وهو ما اختاره ابن عصفور. المصدر السابق: ١/ ٣٩٥. ٢ أي ابن مالك. ٣ يرى ابن مالك في هذا البيت والذي تمامه: "اسم بمعنى "من" مبين نكره ينصب تمييزا بما قد فسره أن ناصب تمييز النسبة، هو الجملة "بما قد فسره" وعليه، فيكون يرى أن ناصب تمييز المفرد، هو الاسم الجامد المميز، وهو في هذا موافق لابن عصفور، غير أنه يفهم من كلامه في الألفية أن عباراته في النظم، تدل على أنه يرى في هذه المسألة رأي سيبويه وأصحابه، وأن الناصب لتمييز النسبة، هو الفعل أو الوصف "والفاعل المعني انصبن بأفعلا"؛ فواضح من كلامه أن الناصب للتمييز في نحو: "أنت أعلى منزلا" هو أفعل التفضيل الذي اشتملت عليه الجملة. ورأى الأشموني أن كلا من الجملة والفعل، يوصف بالإبهام من حيث نسبته، فيصح كون التمييز مفسرا لهما باعتبار نسبتهما؛ فيصدق أنه نصب بمفسره؛ وعلى هذا يكون قول الناظم على عمومه. وقيل: إن ذلك خاص بتمييز المفرد، وخصه بالذكر؛ لأنه جامد غالبا؛ فربما توهم أنه لا يعمل. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٥، وهمع الهوامع: ١/ ٢٥١، وشرح الأشموني: ٢/ ١٩٥، وضياء السالك: ٢/ ٢٣١. ٤ سواء كان صريحا كمثال المصنف ونحوه، أو كناية، ككم الاستفهامية نحو: كم رطلا اشتريت؟. ٥ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "كوكبا" تمييزا مبينا إبهام العدد "أحد عشرا"، وهو اسم صريح، كما هو معلوم.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
والثاني: المقدار، وهو إما مساحة، كـ: "شبر أرضا" أو كيل، كـ: "قفيز برا" أو وزن، كـ: "منوين عسلا" وهو تثنية مَنا، كعصا، ويقال فيه: من، بالتشديد، وتثنيته منان،
والثالث: ما يشبه المقدار، نحو: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ ١، و: "نحي سمنا" ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٢، وحمل على هذا: "إن لنا غيرها إبلا"٣.
والرابع: ما كان فرعًا للتمييز٤، نحو: "خاتم حديدا"، فإن الخاتم فرع الحديد، ومثله: "باب ساجا" و: "جبة خزا" وقيل: إنه حال٥.
_________________
(١) ١ "٩٩" سورة الزلزلة، الآية: ٧. موطن الشاهد: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "خيرا" تمييزا مبينا لـ "مثقال ذرة" الشبيه بما يوزن به، وهو ليس اسما لشيء يوزن به عرفا. ٢ "١٨" سورة الكهف، الآية: ١٠٩. موطن الشاهد: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "مددا" تمييزا مبينا لـ "مثله" الشبيه بالمساحة؛ وليس هو مساحة حقيقية، وإنما هو دال على المماثلة من غير ضبط بحد. ٣ "إبلا" منصوب على التمييز من غير؛ لِأنها اسم مبهم يدل على المغايرة، وهم يحملون المغايرة. على المماثلة. ٤ ضابطه: كل فرع أصبح له بسبب التفريع اسم خاص يليه أصله، بحيث يصح إطلاق الأصل عليه. ٥ ذهب المبرد وابن مالك والمؤلف إلى أن "حديدا" إذا نصبت، تكون تمييزا وذلك راجح على كونه حالا من قبل أن الاسم المنصوب جامد ملازم، والأصل في الحال أن يكون مشتقا، ومنتقلا على ما عرفت، ومن قبل أن الاسم المبين نكرة، فلو جعلته حالا؛ للزم مخالفة الأصل من ثلاثة أوجه؛ الأول: جعل الحال جامدا، والثاني: جعله لازما، والثالث: جعل صاحبه نكرة من غير مسوغ؛ ومذهب سيبويه: أن هذا الاسم المنصوب متعين للحالية لا يجوز جعله تمييزا؛ لأن الاسم الذي ينتصب تمييزا إنما يقع بعد مقدار أو ما يشبه المقدار، وليس هذا الاسم واحدا منها. حاشية يس على التصريح: ١/ ٣٩٦.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
والنسبة المبهمة نوعان١: نسبة الفعل للفاعل، نحو: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ٢ ونسبته للمفعول، نحو: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ ٣.
ولك في تمييز الاسم أن تجره بإضافة الاسم، كـ: "شبر أرض" و: "قفيز بر" و: "منوي عسل"، إلا إذا كان الاسم عددا٤، كـ: "عشرين درهما" أو مضافا٥، نحو: ﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٦، و: ﴿مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ ٧.
_________________
(١) ١ تمييز النسبة ويسمى تمييز الجملة؛ وهو الذي يزيل الإبهام والغموض عن المعنى المنسوب فيها لشيء من الأشياء. ٢ "١٩" سورة مريم، الآية: ٤. موطن الشاهد: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "شيبا" تمييز محولا عن الفاعل؛ والأصل: واشتعل شيب الرأس، فحوِّل الإسناد من المضاف، وهو شيب إلى المضاف إليه، وهو الرأس، فارتفع. ثم جيء بذلك المضاف الذي حول عنه الإسناد فضلة تمييزا. انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٧. ٣ "٥٤" سورة القمر، الآية: ١٢. موطن الشاهد: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "عيونا" تمييزا محوَّلا عن المفعول؛ لأن نسبة فجرنا إلى الأرض مبهمة. و"عيونا" مبين لذلك الإبهام. والأصل: فجرنا عيون الأرض؛ فحول المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. ٤ إذا كان العدد من ثلاثة إلى عشرة، وجب جر تمييزه بإضافة العدد إليه، والغالب في هذا التمييز المجرور: أن يكون جمعا. والعدد من أحد عشر إلى تسع وتسعين يجب نصب تمييزه، وأن يكون مفردا. والمائة والمائتان والمئات والألف والألوف يجب أن يكون التمييز فيها مفردا مجرورا. همع الهوامع: ١/ ٢٥٣. ٥ أي: إذا أضيف العدد إلى غير التمييز ولو تقديرا وجب نصب تمييزه أيضا؛ لامتناع إضافته مرة أخرى. ٦ "١٨" سورة الكهف، الآية: ١٠٩. موطن الشاهد: ﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "مددا" تمييزا لـ "مثل" ولا يجوز جره بالإضافة؛ لأن "مثل" مضاف مرة؛ فيمتنع إضافته مرة أخرى. ٧ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٩. موطن الشاهد: ﴿مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "ذهبا" تمييزا لملء، ولا يجوز جره بالإضافة؛ لأن "ملء" مضاف مرة، فامتنع إضافته مرة أخرى -كما في الآية السابقة- وإلى ذلك أشار ابن مالك في الألفية: والنصب بعدما أضيف وجبا إن كان مثل ملء الَارْض ذهبا انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٧.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
فصل: من مميز النسبة الواقع بعد ما يفيد التعجب١، نحو: "أكرم به أبا"، و: "ما أشجعه رجلا"، و: "لله دره فارسا"، والواقع بعد اسم التفضيل، وشرط نصب هذا كونه فاعلا معنى، نحو: "زيد أكثر مالا" بخلاف: "مال زيد أكثر مال"٢، وإنما جاز: "هو أكرم الناس رجلا" لتعذر إضافة أفعل مرتين٣.
[جواز جر التمييز بـ "من" إلا من ثلاث مسائل]:
فصل: ويجوز جر التمييز بمن٤، كـ: "رطل من زيت" إلا في ثلاث مسائل:
إحداها: تمييز العدد، كـ: "عشرين درهما".
الثانية: التمييز المحوَّل عن المفعول٥، كـ: "غرست الأرض شجرا"، ومنه: "ما أحسن زيدا أدبا" بخلاف: "ما أحسنه رجلا"٦.
الثالثة: ما كان فاعلا في المعنى إن كان محوَّلا عن الفاعل صناعة، كـ: "طاب زيد نفسا"، أو عن مضاف غيره، نحو: "زيد أكثر مالا" إذ أصله: "مال زيد أكثر" بخلاف: "لله دره فارسا".
_________________
(١) ١ سواء كان التعجب بصيغتيه المعروفتين، أو بغيرهما من الصيغ السماعية. ويجب نصب التمييز الواقع بعده. ٢ ضابط هذا النوع: أن تمييز أفعل التفضيل إن كان من جنس ما قبله جر؛ نحو: محمد أفضل رجل، وإلا نصب نحو: أنت أرقى من علي فكرا. ٣ فإنه مضاف إلى الناس، فلو أضيف أيضا إلى رجل لزم ذلك، ونصب التمييز هنا واجب. ٤ أي ظاهرة، واختلف في معناها حينئذ، فقيل زائدة، وقيل للتبعيض والأظهر أنها لبيان الجنس. ٥ لأن التمييز فيه مفسر للنسبة لا للفظ المذكور، فما بعد "من" من مطلق التمييز مبين لما قبلها، فلا يصح حمله عليه، وكذلك الشأن في المحول عن الفاعل. ٦ فإنه وإن كان مفعولا في المعنى إلا أنه ليس محولا عن المفعول لأنه عين ما قبله. فلا يصح أن يقال: ما أحسن رجل زيد.
[ ٢ / ٣٠١ ]
٢٨٤- و١ أبرحت جارا٢
_________________
(١) ١ قائل هذا البيت: هو الأعشى ميمون بن قيس، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: البيت من قصيدة يمدح فيها قيس بن معد يكرب الكندي وهو بتمامه: أقول لها حين جد الرحيـ ـل أبرحت ربا وأبرحت جار ويرى بعض النحاة أن رواية البيت هي: تقول ابنتي حين جد الرحيـ ـل أبرحت ربا وأبرحت جارا وهو بالرواية الأولى من الشواهد: التصريح: ١/ ٣٩٩، والكتاب لسيبويه: ١/ ٢٩٩ والأشموني: "٥١٠/ ٢٦٥" وفيه بالرواية الثانية، ونوادر أبي زيد الأنصاري: ٥٥، وديوان الأعشى: ٣٧. المفردات الغريبة: أبرحت: خطاب للمؤنث: أي أعجبت، أو عظمت، ربا: المراد به الممدوح الذي يقصده الشاعر بشعره، إذا فسر "أبرحت" بعظمت: أي عظمت ملكا. والمراد بالرب: صاحب الناقة؛ وعلى هذا يكون "أبرحت" فعلا متعديا، و"ربا" مفعولا ثانيا. يتخيل الشاعر أن ناقته شكت إليه طول سفرها، وما احتملته من مشاق ومتاعب، فيقول لها: لا تستعظمي ما تلاقينه من الجهد والتعب؛ فإنك تذهبين إلى ملك عظيم، يجزل العطاء الذي ينسى معه كل جهد وعناء. الإعراب: أقول: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. "لها": متعلق بـ "أقول". "حين": متعلق بـ "أقول". جد: فعل ماضٍ مبني على الفتح. الرحيل: فاعل مرفوع؛ وجملة "جد الرحيل": في محل جر بالإضافة. أبرحت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الكسر في محل رفع فاعل. ربا: تمييز منصوب على تفسير "أبرحت" بـ "عظمت" على رأي المؤلف؛ وأما إذا فسر "أبرحت" بـ "اخترت" فـ "ربا". مفعول به منصوب؛ وعلى كلا الإعرابين، فجملة "أبرحت ربا": مفعول القول في محل نصب. وأبرحت: الواو عاطفة، أبرحت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: فاعل. جارا: تمييز منصوب أو مفعول به منصوب كما في "ربا"؛ وجملة "أبرحت جارا" معطوفة على جملة "أبرحت ربا": في محل نصب. موطن الشاهد: "ربا، جارا". وجه الاستشهاد: مجيء "ربا" و"جارا" تمييزين، وإن كانا فاعلين في المعنى؛ إذ المعنى عظمت فارسا وعظمت جارا، غير أنهما غير محولين عن الفاعل صناعة؛ ولهذا، فيجوز دخول "من" عليهما؛ إذ يجوز القول: من فارس ومن جار؛ نحو قوله: يا سيدا ما أنت من سيد موطأ الأكناف رحب الذراع انظر شرح التصريح: ١/ ٣٩٩.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
فإنهما وإن كانا فاعلين معنى؛ إذ المعنى عظمت فارسا وعظمت جارا، إلا أنهما غير محولين، فيجوز دخول "من" عليهما، ومن ذلك "نعم رجلا زيد" يجوز "نعم من رجل" قال١: [الوافر]
٢٨٥- فنعم المرء من رجل تهام٢
_________________
(١) ١ القائل: هو: أبو بكر بن الأسود الليثي. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: تخيره فلم يعدل سواه ويروى على شكل آخر: تعمده ولم يعظم عليه وهو في رثاء هشام بن المغيرة أحد أشراف مكة، ويروى قبله قوله: فذرني أصطبح يا بكر إني رأيت الموت نقب عن هشامِ وهو من شواهد التصريح: ١/ ٣٩٩، والإنصاف: ٢٢٥، وشرح المفصل: ٧/ ١٣٣ والمقرب: ٩، وشرح شواهد الألفية للبغدادي: ٤٦٤، والعيني: ٣/ ٢٢٧، ٤/ ١٤. المفردات الغريبة: تَخَيَّره: اختاره واصطفاه. لم يعدل: لم يمل. تهامي: منسوب إلى تهامة، وتطلق على مكة، وعلى أرض معروفة ببلاد العرب. المعنى: يبين الشاعر أن الموت اختار هشاما، ولم يعدل به سواه، ولم يمل إلى غيره من الناس، فهو نعم الرجل من تهامة. الإعراب: تخيره: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، يعود إلى الموت؛ و"الهاء": ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعولٍ به. فلم: الفاء: عاطفة، لم: نافية جازمة. يعدل: فعل مضارع مجزوم بـ "لم" والفاعل: هو. سواه: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف، و"الهاء": ضمير متصل مبني على الضم، في محل جر مضاف إليه. فنعم: الفاء عاطفة، نعم: فعل ماضٍ دال على إنشاء المدح. المرء: فاعل مرفوع. من: حرف جر زائد. رجل: اسم مجرور لفظا، منصوب محلا على أنه تمييز لفاعل "نعم"؛ أو نقول: "رجل": تمييز لفاعل "نعم" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة، منع من ظهورها، اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. تهامي: صفة لـ "رجل" مجرورة، وعلامة جرها الكسرة المقدرة على الياء. موطن الشاهد: "من رجل". وجه الاستشهاد: جر التمييز "رجل" بـ "من"؛ لأنه -وإن كان فاعلا في المعنى- غير أنه غير محول عن الفاعل الصناعي؛ وحكم جره بـ "من" الجواز.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
[حكم تقدم التمييز على عامله]:
فصل: لا يتقدم التمييز على عامله إذا كان اسما١، كـ: "رطل زيتا" أو فعلا جامدا٢، نحو: "ما أحسنه رجلا" وندر تقدمه على المتصرف كقوله٣: [المتقارب]:
٢٨٦- أنفسا تطيب بنيل المنى٤
_________________
(١) ١ يجوز أن يتقدم التمييز ويتوسط بين العامل ومعموله؛ نحو: "طاب نفسا محمد" والأصل: طاب محمد نفسا؛ وجواز التقدم والتوسط هذا باتفاق. وأما بالنسبة إلى تقدم التمييز على العامل والمعمول معا؛ فذهب سيبويه والفراء، وأكثر البصريين والكوفيين إلى أنه لا يجوز تقدم التمييز على عامله، سواء أكان العامل اسما، كما في تمييز المفرد أم كان فعلا، كما في تمييز النسبة، وسواء أكان الفعل جامدا كفعل التعجب، في نحو: "ما أحسنه رجلا! " أم كان متصرفا، نحو: طاب محمد نفسا؛ وعلة امتناع تقدمه على العامل، إذا كان اسما أو فعلا جامدا فظاهرة؛ لأن معمول هذين، لا يتقدم عليهما في غير هذا الباب؛ فعدم جواز تقدمه هنا هو من طرد الحكم على وتيرة واحدة. وأما عدم تقدم التمييز على العامل إذا كان فعلا متصرفا؛ لأن أكثر ما ورد من تمييز النسبة محول عن فاعل؛ ومعلوم أن الفاعل لا يجوز تقدمه على فعله؛ وما كان أصله الفاعل خليق بأن يأخذ ما استقر له؛ غير أن المازني والكسائي والمبرد والجرمي، ذهبوا إلى جواز تقديم التمييز على عامله؛ إذا كان فعلا متصرفا، وارتضى هذا القول ابن مالك في بعض كتبه، واستدلوا على ذلك بالسماع وبالقياس.. أما السماع، فقوله: أنفسا تطيب الآتي؛ وأما القياس: فالتمييز -وهو منصوب- كالمفعول به وسائر الفضلات، وكلهن يجوز تقديمهن على العامل: إن كان متصرفا -ولم يعبؤوا بأصل، ولم يبالوا به. وانظر في هذه المسألة: همع الهوامع: ١/ ٢٥٢، وشرح التصريح: ١/ ٤٠٠، وحاشية الصبان: ٢/ ٢٠٠-٢٠١. ٢ وكذلك، إذا كان فعلا متصرفا، يؤدي معنى الجامد، نحو: "كفى بالله شهيدا" فـ "كفى" فعل متصرف، غير أنه بمعنى فعل التعجب، وهو غير متصرف؛ لأن معناه: ما أكفاه! ٣ القائل: هو رجل من طيء لم يسمه النحاة. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وداعي المنون ينادي جهارا =
[ ٢ / ٣٠٤ ]
وقاس على ذلك المازني والمبرد والكسائي١.
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٤٠٠، والأشموني: "٥١٤/ ١/ ٢٦٦"، والعيني: ٣/ ٢٤١، ومغني اللبيب: "٨٣٨/ ٦٠٣"، وشرح شواهد المغني: ٢٩١. المفردات الغريبة: تطيب: تطمئن. نيل المنى: إدراك المأمول، والمنى: جمع منية، وهي ما يتمناه الإنسان ويأمله. المنون: الموت. المعنى: يعجب الشاعر كيف أن نفس الإنسان، تستلذ وتطمئن، بما تظفر به من الأماني والآمال، ورسول الموت يطلبها طلبا شديدا. لا شك فيه. الإعراب: أنفسا: الهمزة للاستفهام التوبيخي، لا محل لها من الإعراب، نفسا: تمييز منصوب متقدم على عامله "تطيب". تطيب: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنت. "بنيل": متعلق بـ "تطيب"، ونيل: مضاف. المنى: مضاف إليه. وداعي: الواو حالية، داعي: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء؛ منع من ظهورها الثقل، وداعي مضاف. المنون: مضاف إليه مجرور. ينادي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره؛ لِلثقل؛ والفاعل؛ هو، يعود إلى "داعي المنون"؛ وجملة "ينادي جهارا": في محل رفع خبر المبتدأ "داعي" وجملة "داعي المنون ينادي": في محل نصب على الحال. جهارا: مفعول مطلق لعامله: "ينادي"؛ والأصل فيه أنه صفة لمصدر محذوف؛ والتقدير: ينادي نداء جهارا؛ فلما حذف المصدر حل محله؛ وأعرب إعرابه؛ وهذا شائع وكثير في اللغة. موطن الشاهد: "أنفسا تطيب". وجه الاستشهاد: مجيء "نفسا" تمييزا منصوبا متقدما على العامل فيه؛ وهو "تطيب"؛ مع أنه فعل متصرف؛ وحكم تقدم التمييز في هذه الحال الجواز بندرة عند سيبويه والجمهور، وهو جائز بالقياس عند الكسائي والمبرد ومن معهما كما بيَّنَّا سابقا. ومثل هذا الشاهد قول الآخر: أتهجر ليلى بالفراق حبيبها وما كان نفسا بالفراق تطيب؟! وقول الآخر: ضيعت حزمي في إبعادي الأملا وما اروعيت وشيبا رأسي اشتعلا انظر حاشية الصبان: ٢/ ٢٠١. ١ مرت ترجمته لكل منهم. فائدتان: فائدة أ: العدد غير الصريح مثل "كم" يجوز جر تمييزه بمن، تقول: كم من كتاب عندك؟. فائدة ب: يتفق الحال والتمييز في أن كلا منهما: اسم، نكرة، منصوب، فضلة رافع للإبهام. ويختلفان في الأمور الآتية: =
[ ٢ / ٣٠٥ ]
_________________
(١) = أ: التمييز لا يكون إلا اسما مفردا. أما الحال فيجيء جملة، وشبه جملة "ظرفا وجارا ومجرورا". ب: التمييز يكون مبينا للذوات أو للنسبة، أو الحال، فلا يكون إلا مبينا للهيئات. ج: التمييز لا يتعدد إلا بالعطف. أما الحال فتتعدد بعطف وبغير عطف. د: التمييز في الغالب يكون جامدا. أما الحال فتكون مشتقة وجامدة، وقد يأتي التمييز مشتقا. هـ: الراجح عدم تقديم التمييز على عامله إذا كان فعلا مشتقا أو وصفا يشبهه، أما الحال فيجوز فيه ذلك. ح: التمييز لا يكون مؤكدا لعامله على الصحيح. أما الحال فقد تكون مؤكدة. وأما قول الشاعر: تزود مثل زاد أبيك فينا فنعم الزاد زاد أبيك زادا فالصحيح أن "زاد" معمول لتزود، إما مفعولا مطلقا إن أريد به التزويد أو مفعولا به إن أريد الشيء الذي يتزود به من أفعال البر، وعليهما فـ "مثل" نعت له تقدم فصار حالا. وأما قول الآخر: نعم الفتاةُ فتاةً هندُ لو بذلت رد التحية نطقًا أو بإيماءِ ففتاة حال مؤكدة. انظر حاشية الصبان: ٢/ ٢٠٢-٢٠٣.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
فهرس أوضح المسالك الجزء الثاني:
الموضوع الصفحة
باب لا العاملة عمل إن ٣
باب ظن وأخواتها ٢٨
باب الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل ٧٢
باب الفاعل ٧٧
باب النائب عن الفاعل ١١٩
باب الاشتغال ١٣٩
باب اللازم والمتعدي ١٥٦
باب التنازع في العمل ١٦٧
باب المفعول المطلق ١٨١
باب المفعول له ١٩٧
باب المفعول فيه ٢٠٤
باب المفعول معه ٢١٢
باب المستثنى ٢٢٠
باب الحال
٢٤٩
باب التمييز ٢٩٥
[ ٢ / ٣٠٧ ]