باب النداء
بسم الله الرحمن الرحيم
[هذا باب النداء]:
وفيه فصول١:
_________________
(١) ١ النداء؛ معناه لغة: الطلب وتوجيه الدعوة بأي بلفظ كان. معناه اصطلاحا: طلب المتكلم إقبال المخاطب إليه بالحرف "يا" أو إحدى أخواتها؛ سواء كان الإقبال حقيقيا، أو مجازيا يقصد به طلب الاستجابة؛ كنداء الله ﷾. وقد اختلف النحاة في عامل المنادى؛ فذهب الجمهور إلى أن عامله فعل مضمر وجوبا فيكون المنادى مفعولا به لذلك العام؛ وأما إضمار ذلك العامل فللأسباب الأربعة التالية: أ- الاستغناء بظهور معناه. ب- قصدهم بعبارة النداء الإنشاء، وإظهار الفعل يوهم الإخبار فتحاشوا إظهاره. ج- كثرة استعمال النداء في كلامهم. د- تعويضهم من هذا الفعل حرف النداء؛ ومعلوم أنه لا يجمع في الكلام بين العوض والمعوض عنه. وذهب بعض النحاة إلى أن العامل في النداء هو القصد؛ وعليه يكون العامل معنويا لا لفظيا؛ وهذا القول مردود؛ لأنه لم يعهد في عوامل النصب عامل معنوي، وإنما عهد ذلك في عوامل الرفع؛ كالابتداء الرافع للمبتدأ، والتجرد الرافع للفعل المضارع. وذهب أبو علي الفارسي إلى أن العامل في المنادى؛ هو حرف النداء، على سبيل النيابة عن الفعل والعوض به منه، وجعل المنادى مشبها بالمفعول به، لا مفعولا به -كما هو عند الجمهور- ويرد على هذا الرأي؛ بأن حرف النداء يحذف من الكلام، وحينئذٍ يكون العوض والمعوض منه محذوفين؛ ومعلوم أن العرب لا تجمع بين حذف العوض والمعوض عنه، وذهب بعضهم إلى أن العامل في المنادى هو أداة النداء؛ لا لكونها عوضا من الفعل المحذوف -كما قال الفارسي- بل لأن هذه الأول اسم فعل مضارع بمعنى: أدعو؛ وهذا مذهب ضعيف؛ لأن أدوات النداء لو كانت أسماء أفعال؛ لكان فيها ضمير مستتر؛ كما في سائر أسماء الأفعال؛ ولو كانت هذه الأدوات متحملة للضمير؛ لكانت هي والضمير المستتر جملة تامة، يجوز الاكتفاء بها، ولا يحتاج المتكلم إلى ذكر المنادى معها؛ لأنه فضلة، ولم يقل بذلك أحد. وذهب آخرون: إلى أن العامل في المنادى؛ هو أداة النداء على أن تلك الأدوات أفعال، لا أسماء أفعال ولا حروف عوض بها عن أفعال؛ وهذا قول مردود أيضا، والرأي الراجح؛ ورأي الجمهور؛ الذي اختاره ابن مالك. انظر همع الهوامع: ١/ ١٧١، وحاشية الصبان: ٢/ ١٤١.
[ ٤ / ٣ ]
الفصل الأول: الأحرف التي ينادى بها وأحكامها:
في الأحرف التي ينبه بها المنادى، وأحكامها:
وهذه الأحرف ثمانية: الهمزة١.
وأي٢ مقصورتين، وممدوتين٣ ويا٤
_________________
(١) ١ ذهب جمهور النحاة أنها للقريب، وزعم شيخ ابن الخباز أنها للمتوسط، وفي هذا خرق لإجماعهم، وذكر ابن مالك -في شرح التسهيل- أن النداء بها قليل، وفي كلام العرب؛ وتبعه ابن الصائغ -في حواشي المغني- ويقول السيوطي: "وما قالاه مردود، فقد وقفت لذلك على أكثر من ثلاثمائة شاهد، وأفردتها بتأليف".ا. هـ. ومن شواهد النداء بالهمزة؛ قول امرئ القيس في معلقته: أفاطم مهلا بعض هذا التدلل وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي وقول قيس بن ذريح صاحب لبنى: ألبنى لقد حلت عليك مصيبتي غداة غدٍ إذ حَلَّ ما أتوقع همع الهوامع: ١/ ١٧٢، ومغني اللبيب: ١٧، ورصف المباني: ٥١. ٢ بفتح الهمزة وسكون الياء والقصر؛ في معناها أقوال؛ قيل للقريب؛ كالهمزة وعليه المبرد والجزولي؛ وقيل للبعيد، كـ "يا" وعليه ابن مالك؛ وقيل للمتوسط. ومن شواهد النداء بها؛ ما ورد في الحديث: "أي رب"؛ وقول الشعر: ألم تسمعي -أي عبد- في رونق الضحى بكاء حمامات لهن هدير همع الهوامع: ١/ ١٧٢، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٧. والمغني: ١٠٦. ٣ تقول في حالة القصر: أمحمد؛ أي محمد، وفي حالة المد: آمحمد؛ آي محمد، أما بقية الأحرف؛ فممدودة. ٤ هي أم الباب؛ ومن ثم قال أبو حيان: إنها أعم الحروف، وأنها تستعمل للقريب والبعيد مطلقا؛ وأنه الذي يظهر من استقراء كلام العرب؛ وقال ابن مالك؛ هي للبعيد حقيقة، أو حكما؛ كالنائم والساهي؛ وقد ينادى بها القريب توكيدا؛ وقيل: هي مشتركة بين البعيد والقريب؛ وقيل بينهما وبين المتوسط وذكر ابن الخباز عن شيخه أن "يا" للقريب؛ وهو خرق لإجماعهم. همع الهوامع: ١/ ١٧٢، ومغني اللبيب: ٤٨٨، ورصف المباني: ٤٥١.
[ ٤ / ٤ ]
وأيا١، وهيا٢، ووا٣.
فالهمزة المقصورة للقريب إلا إن نزل منزلة البعيد، فله بقية الأحراف كما أنها للبعيد الحقيقي.
وأعمها "يا" فإنها تدخل على كل نداء، وتتعين في نداء اسم الله تعالى، وفي
_________________
(١) ١ عند جمهور النحاة لنداء البعيد؛ وفي الصحاح: أنها لنداء القريب والبعيد؛ وقال في المغني: وليس كذلك، ومن شواهد النداء بها؛ قول ذي الرمة: أيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النقا أأنتِ أَمْ أُمُّ سالمِ الهمع: ١/ ١٧٢، ومغني اللبيب: ٢٩. ٢ "هيا" للبعيد؛ وهاؤه أصل؛ لأن الإبدال نوع من التصريف؛ والتصريف لا يدخل الحروف. وقيل: بدل من همزة "أيا"؛ لأن هذا إبدال لغوي؛ والإبدال التصريفي هو المختص بالأسماء المتمكنة والأفعال؛ ومن شواهد النداء بـ "هيا" قول الشاعر: هيا أم عمرو هل لي اليوم عندكمْ بغيبة أبصار الوشاة سبيلُ الهمع: ١/ ١٧٢، والدرر اللوامع: ١/ ١٤٨، رصف المباني: ٤٠، الجنى الداني: ٥٠٧. ٣ ذكرها ابن عصفور في حروف النداء، واستشهد بقول أحد بني أسد: وافقعسا وأين مني فقعسُ أإبلي يأخذها كروسُ والجمهور على أن "وا": حرف لا يستعمل في غير الندبة، وحكى بعضهم: أنها تستعمل في غير الندبة قليلا؛ كقول عمر بن الخطاب: "واعجبا لك يا ابن العاص"، وقال في المغني: "وا" على وجهين؛ أحدهما: أن تكون حرف نداء مختصا، بباب لندبة؛ نحو: وازيداه؛ وأجاز بعضهم: استعماله في النداء الحقيقي".ا. هـ. الهمع: ١/ ١٧٢، ومغني اللبيب: ٤٨٢، والجنى الداني: ٣٥١، ورصف المباني: ٤٣١. ٤ أي: في لفظ الجلالة "الله"؛ وكذلك نداء لفظ "أيها"، و"أيتها"؛ نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وقوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، ولم يرد عن العرب نداء هذه الأشياء بحرف آخر.
[ ٤ / ٥ ]
باب الاستغاثة، نحو: "بالله للمسلمين"، وتتعين هي أو "وا" في باب الندبة، و"وا" أكثر استعمالا، منها في ذلك الباب، وإنما تدخل "يا" إذا أمن اللبس؛ كقوله١:
[البسيط]
٤٣٠- وقمت فيه بأمر الله يا عمرا٢
_________________
(١) ١ القائل هو جرير بن عطية الخطفي، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت وصدره قوله: حملت أمرا عظيما فاصطبرت له وهو ثاني ثلاثة أبيات في رثاء أمير المؤمنين، عمر بن عبد العزيز؛ وقبله قوله: نعي النعاة أمير المؤمنين لنا يا خير من حج بيت الله واعتمرا وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٦٤، والأشموني: "٨٦٥/ ٢/ ٤٤٢" والعيني: ٤/ ٢٢٩، ٢٧٣، والهمع: ١/ ١٨٠، والدرر: ١/ ١٥٥، والمغني: "٦٩٨/ ٤٨٦"، والسيوطي: ٢٦٨، وديوان جرير: ٣٠٤. المفردات الغريبة: حملت: كلفت. أمرا عظيما: هو الخلافة وتبعاتها الشاقة. اصطبرت: بالغت في الصبر والاحتمال. المعنى: كلفت الخلافة وعهد إليك بشئون المسلمين في وقت عم فيه الظلم وفشا الجور؛ فصبرت على تلك المشاق، وقمت بما أمر الله؛ فقضيت على الفساد ونشرت العدل بين الناس، فأرضيت الخالق والخلق. الإعراب: حملت: فعل ماضٍ مبني للمجهول والتاء ضمير متصل في حل رفع نائب منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. فاصطبرت: الفاء عاطفة، اصطبر: فعل ماضٍ مبني على السكون: والتاء في محل رفع فاعل. "له": متعلق بـ "اصطبر". وقمت: الواو عاطفة، قمت: فعل ماضٍ، والتاء: في حل رفع فعل. "فيه": متعلق بـ "قام". "بأمر": متعلق بـ "قام" ايضا. و"أمر": مضاف. الله: "لفظ الجلالة": مضاف إليه مجرور. يا: حرف نداء وندبة. عمرا: منادى مندوب مبني على الضم المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالحركة المناسبة المأتي بها؛ لمناسبة ألف الندبة. موطن الشاهد: "يا عمرا". وجه الاستشهاد: استعمال "يا" للندبة؛ لوضوح الأمر وأمن اللبس فإن صدور ذلك بعد موت "عمر" دليل على أن المقصود الرثاء والتوجع لا النداء؛ فهو يعلم أن عمر لن يجيبه، ولن يسمعه، وكذلك اتصال ألف الندبة في آخره دليل على أنه أراد الندبة لا النداء.
[ ٤ / ٦ ]
[جواز حذف حرف النداء]:
ويجوز حذف الحرف١؛ نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ ٢، ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ ٣، ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ٤، إلا في ثماني مسائل: المندوب نحو: "يا عمرا"، والمستغاث؛ نحو: "يالله"، والمنادى البعيد؛ لأن المراد فيهن إطالة الصوت، والحذف ينافيه، واسم الجنس غير المعين٥؛ كقول الأعمى: "يا رجلا خذ بيدي"، والمضمر٦؛ ونداؤه شاذ، ويأتي على صيغتي المنصوب والمرفوع؛ كقول بعضهم: "يا إياك قد كفيتك"٧
_________________
(١) ١ أي لفظا فقط، مع مراعاة تقديره، ويتعين تقدير "يا" عند الحذف؛ لكونه أعم حروف النداء استعمالا. وقد مثل المؤلف للمنادى؛ المفرد والشبيه به، والمضاف؛ ليشير إلى أنه لا فرق في أن يكون المنادى أحدا منها. ٢ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٢٩. موطن الشاهد: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف حرف النداء "يا"؛ لأن التقدير؛ يا يوسف؛ وحكم هذا الحذف جائز باتفاق. ٣ "٥٥" سورة الرحمن، الآية: ٣١. موطن الشاهد: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف حرف النداء قبل أيها؛ لأن التقدير: يا أيها الثقلان. ٤ "٤٤" سورة الدخان، الآية: ١٨. موطن الشاهد: ﴿أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ . وجه الاستشهاد: حذف حرف النداء "يا" قبل المنادى المضاف عبد الله؛ قال الدنوشري: ويجوز أن يكون عباد الله مفعولا لـ "أدوا"، والأول أرجح. ٥ هو: النكرة غير المقصودة. ٦ المراد: ضمير المخاطب؛ لأن غيره لا ينادى مطلقا؛ فلا يقال: يا أنا، ولا يا هو. وإنما امتنع الحذف؛ لأن حذف الحرف معه، يفوت الدلالة على النداء. واختلفوا في ضمير المخاطب؛ فقد ذهب أبو حيان إلى أنه لا يجوز نداؤه مطلقا؛ وذهب ابن عصفور إلى أنه مقصور على ضرورة الشعر؛ وأجازه ابن مالك. التصريح: ٢/ ١٦٥، والأشموني: ٢/ ٤٤٣. ٧ قيل: إن الأحوص اليربوعي، وفد مع ابنه على معاوية؛ فقام الأب فخطب، فلما انتهى قام الابن ليخطب؛ فقال له الأب ذلك؛ أي: قد أغنيتك عن القول. وبعضهم أعرب "يا": للتنبيه، و"إياك" مفعول لفعل محذوف، يفسره: كفيتك" المذكو؛ ويكون من باب الاشغال، ولا شاهديه. حاشية يس على اتصريح: ٢/ ١٦٤.
[ ٤ / ٧ ]
وقول الآخر١: [الرجز] .
٤٣١- يا أبجر بن أبجر يا أنتا٢
_________________
(١) ١ ينسب هذا البيت إلى الأحوص؛ وينسب إلى سالم بن دارة؛ وهو الصواب. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: أنت الذي طلقت عام جعثا والبيت من عدة أبيات؛ يقولها الشاعر في مر بن واقع، وصوب بعضهم الشاهد هكذا: أنت الذي طلقت عام جعتا وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٦٤، والأشموني: "٨٦٦/ ٢/ ٤٤٣، والعيني: ونسبه إلى الأحوص، والهمع: ١/ ١٧٤، والدرر: ١/ ١٥١، ونوادر أبي زيد: ١٦٣ وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٧٩، والإنصاف: ٣٢٥، ٦٨٢، وشرح المفصل: ١/ ١٢٧، ١٣٠ والمقرب: ٣٧، والخزانة: ١/ ٢٨٩، والعيني: ٤/ ٢٣٢. المفردات لغريبة: الأبجر: المنتفخ البطن. طلقت: فارقت حلائلك. عام جعتا؛ أي: في الوقت الذي وقعت في المجاعة. المعنى: يذم المخاطب بقوله: يا عظيم البطن وابن عظيمها، أنت الذي فارقت زوجاتك حين لم تجد ما تسد به رمقك وتملأ به كرشك، وأبيت السعي؛ لجلب رزقهن. الإعراب: يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. أبجر: منادى مفرد علم مبني على الضم في حل نسب. ابن: صفة لـ "أبجر" وهو منصوب لوقوعه تابعًا لمحل المنادى؛ لأن محله النصب، وهو مضاف. أبجر: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة، وقد صرفه الشاعر ونونه؛ لضرورة الشعر. يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. أنتا: منادى مبني على ضم مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي، والألف للإطلاق. أنت: ضمير رفع منفصل، في محل رفع مبتدأز الذي: اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ. طلقت: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء في محل رفع فاعل؛ وجملة "طلقت": صلة للموصول، لا محل لها من الإعراب. "عام": متعلق بـ "طلق". جعتا: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: في محل رفع فاعل، والألف: للإطلاق. وجملة "جعت": في محل جر بالإضافة. موطن الشاهد: "يا أنتا". وجه الاستشهاد: نادى الضمير الذي يستعمل في مواطن الرفع وجيء بالضمير المنادى على صيغة الرفع؛ لأنه لما تعذر بناؤه على الضم عدلوا إلى ما هو قريب من البناء على الضم؛ وهو الإتيان به على الصيغة الموضوعة على الرفع. وقيل إن "يا" في البيت المذكور للتنبيه، و"أنت" الأولى مبتدأ والثانية توكيد، والموصول خبر، ولا شاهد فيه حينئذٍ.
[ ٤ / ٨ ]
واسم الله تعالى إذا لم يعوض في آخره الميم المشددة، وأجازه بعضهم وعليه قول أمية بن الصلت١: [الطويل] .
٤٣٢- رضيت بك اللهم ربًّا فلن أرى أدين إلها غيرك الله ثانيا٢
_________________
(١) ١ مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من قصيدة طويلة في سيرة ابن هشام، لأمية بن أبي الصلت الذي يقول فيه النبي ﷺ: "آمن لسنه ولم يؤمن قلبه" وذلك أنه كان قد قرأ في الكتب عن مبعث نبي فظن نفسه أنه سيكون هذا النبي، وعندما بعث النبي ﷺ حسده ولم يوفق إلى الإيمان به؛ وقيل: إنه هو الذي أنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ١٦٥، والعيني: ٣/ ٢٤٣، وليس في ديوانه. المفردات الغريبة: أدين: اتخذ دينا، من دان بالشيء، اتخذه دينا. المعنى: رضيت رضًا بك ربا يا الله، فلن أرى أن أتخذ إلها غيرك أعبده أو أدين له. الإعراب: رضيت: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء: في محل رفع فاعل. "بك": متعلق بـ "رضي". اللهم: الله: منادى بحرف نداء محذوف؛ والتقدير: يا الله مبني على الضم في محل نصب على النداء، والميم المشددة عوض عن حرف النداء المحذوف. ربا: حال من لفظ الجلال منصوب؛ أو مفعول به لـ "رضي"، أو تمييز. فلن: الفاء تفريعية، لن: حرف نفي، ونصب، واستقبلا. أرى: فعل مضارع مبني للمجهول منصب بـ "لن" وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف، ونائب الفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنا. أدين: فعل مضارع مرفوع؛ ارتفع بعد حذف الناصب؛ لأن التقدير: أن أدين؛ مثل "تسمع بالمعيدي"؛ والفعل أنا، وجملة "أدين": في محل نصب مفعول ثانيا "أرى" إن عدت علمية؛ أو في حل نصب على الحال؛ إن عدت بصرية. إلها: مفعول به منصوب لـ "أدين"؛ لأنه بمعنى أعبد غيرك: صفة لـ "إلها" منصوب، وهو مضاف، والكاف: في محل جر بالإضافة. الله: "لفظ الجلالة" منادى بحرف نداء محذوف، مبني على الضم في محل نصب على النداء. ثانيا: صفة لـ "إلها" منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره؛ وفي رواية التصريح "راضيا" بدل "ثانيا"؛ فهي حال من فاعل رضيت أو أدين؛ أو مفعول مطلق من "رضيت"؛ والأول أفضل. موطن الشاهد: "الله". وجه الاستشهاد: مجيء "الله" في عجز البيت منادى بحرف نداء محذوف ومن دون أن يعوض عنه بالميم المشددة؛ وذلك شاذ، ولا يقاس عليه، وعلمنا سابقا أنه يجب حذف حرف النداء متى لحقت الميم لفظ الجلالة؛ لأنه لا يجمع بين العوض والمعوض عنه؛ وما جاء مغايرا لذلك؛ فهو مخالف للقياس.
[ ٤ / ٩ ]
واسم الإشارة، واسم الجنس لمعين١" خلافا للكوفيين فيهما٢، واحتجوا بقوله٣: [الطويل] .
٤٣٣- بمثلك هذا لوعة وغرام٤
_________________
(١) ١ المراد به: النكرة المقصودة المبنية على الضم عند ندائها. ٢ يجوز نداء اسم الإشارة على قلة -شريطة أن لا تتصل به كاف الخطاب- إلا في الندبة فيصح؛ فإن اتصلت به الكاف ففي جواز خلاف والصحيح: المنع؛ لاستلزامه اجتماع النقيضين؛ لأن مدلول كاف الخطاب، يخالف مدلول المنادى. وكذلك، يجوز نداء اسم الجنس لمعين قليلا. واختلف الكوفيون والبصريون في اسم الإشارة، واسم الجنس لمعين، إذا نوديا هل يجب ذكر حرف النداء، أو يجوز ذكره وحذفه؟. فذهب البصريون إلى وجوب ذكر حرف النداء مع اسم الجنس لمعين، واسم الإشارة؛ ولا يجوز حذفه إلا في ضرورة الشعر. وذهب الكوفيون إلى جواز ذكر حرف النداء وجواز حذفه، واستدلوا على جواز الحذف بما ورد في السماع؛ وقد حملوا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ فقدروا أن "هؤلاء" اسم إشارة منادى بحرف نداء محذوف؛ أي: ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم؛ وجعلوا من نداء اسم الجنس بحرف نداء محذوف قوله ﵊ حكايةً عن موسى ﵇: "ثوبي حجر"؛ أي: يا حجر. غير أن البصريين، زعموا: أن كل ما احتج به الكوفيون ضرورة. التصريح: ٢/ ١٦٥، وحاشية الصبان: ٣/ ١٣٦-١٣٧. ٣ القائل: هو غيلان بن عقبة المعروف بذي الرمة، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: إذا هملت عيني لها قال صاحبي وهو من قصيدة مشهورة له؛ ومطلعها قوله: عليكن يا أطلال ميٍّ بشارع على ما مضى من عهدكن سلامُ والشاهد من شواهد: التصريح ٢/ ١٦٥، والأشموني: ٨٦٧/ ٢/ ٤٤٣ والعيني: ٤/ ٢٣٥، والهمع: ١/ ١٧٤، والدرر: ١/ ١٥٠، والمغني: "١٠٩٠/ ٨٤٠" وديوان ذي الرمة: ٥٦٣؛ وفيه: "فتنة" بدل "لوعة".
[ ٤ / ١٠ ]
وقولهم: "أطرِقْ كَرَا"١، و"افتدِ مخنوقُ"٢، و"أصبِحْ ليلُ"٣، وذلك عند
_________________
(١) = المفردات الغريبة: هملت العين: فاض دمعها وسال. لوعة؛ اللوعة: حرقة في القلب من ألم الحب والهوى أو الحزن. غرام: ولوع وشدة رغبة. المعني: كلما بكى وانهمر دمعه -عند تذكر المحبوبة -قال له صاحبه: يا هذا، إنك شديد الحب لها والغرام بها؛ وهو لا يستطيع أن يعمل له شيئا يخفف من لوعته. الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه مبني على السكون في حل نصب على الظرفية الزمانية. هملت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. عيني: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قيل الياء، والياء في محل جر مضاف إليه؛ وجملة "هملت عيني": في محل جر بالإضافة "لها": متعلق بـ "همل". قال: فعل ماضٍ. صاحبي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل الياء، والياء في محل جر مضاف إليه؛ وجملة "قال صاحبي": لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب شرط غير جازم. "بمثلك": متعلق بمحذوف خبر مقدم، و"مثل" مضاف والكاف مضاف إليه. هذا: ها: للتنبيه، و"إذا" اسم إشارة منادى بحرف نداء محذوف؛ والتقدير: يا هذا؛ و"جملة النداء" اعتراضية، لا محل لها. لوعة: مبتدأ مؤخر مرفوع. وغرام: الواو عاطفة، غرام: اسم معطوف على مرفوع؛ فهو مرفوع مثله؛ وجملة "بمثلك لوعة وغرام": مقول القول في محل نصب مفعول به. موطن الشاهد: "هذا". وجه الاستشهاد: نادى الشاعر اسم الإشارة وحذف حرف النداء؛ على مذهب الكوفيين؛ الذين أجازوا حذف حرف النداء اسم إشارة؛ ومثل هذا البيت قول الشاعر: ذا، ارعواء، فليس بعد اشتغال الرأ س شيبا إلى الصبا من سبيل فالشاعر أراد يا هذا ارعوا رعواء؛ فحذف حرف النداء. ١ هذا جزء من مثل، وتمامه: "إن النعام في القرى"؛ وهو مثل يضرب لمن تكبر وقد تواضع من هو أشرف منه؛ أي اخفض يا كرا عنقك للصيد، فإن من هو أكبر وأطول عنقا منك -وهو النعام- قد صيد وجيء به من مكانه إلى القرى؛ وأصله: يا كروان، فرخم، بحذف النون والألف، ثم قلبت الواو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها. وشذوذه من وجهين؛ حذف حرف النداء، وترخيمه. والمثل من أمثال الميداني: ١/ ٤٣١. برقم ٢٢٧٣. ٢ مثل يضرب لكل مضطرٍّ وقع في شدة وضيق؛ وهو يبخل بافتداء نفسه بماله؛ أي افْتَدِ نفسك يا مخنوق، وهو من أمثال الميداني: ٢/ ٧٨، برقم: ٢٧٦٥. ٣ مثل يضرب لمن يظهر الكراهة والبغض للشيء؛ أي: ائت بالصبح، يا ليل. فقد حذف حرف النداء من هذه الأمثلة، مع أن المنادى اسم إشارة في المثال الأول، واسم جنس في الآخيرين؛ وهو من أمثال الميداني: ١/ ٤٠٣ برقم: ٢١٣٢.
[ ٤ / ١١ ]
البصريين، ضرورة وشذوذ.
الفصل الثاني: أقسام المنادى وأحكامه:
المنادى على أربعة أقسام:
أحدها: ما يجب فيه أن يبنى على ما يرفع به لو كان معربا١؛ وهو ما اجتمع فيه أمران:
أحدهما: التعريف؛ سواء كان ذلك التعريف سابقا على النداء؛ نحو: "يا زيد"٢، أو عارضا في النداء بسبب القصد والإقبال؛ نحو: "يا رجل" تريد به معينا٣.
والثاني: الإفراد، ونعني به ألا يكون مضافا ولا شبيها به؛ فيدخل في ذلك المركب المزجي٤، والمثني، والمجموع٥؛ نحو: "يا معدي كرب" و"يا
_________________
(١) ١ فيبنى على الضم الظاهر أو المقدر في: المفرد الحقيقي، وما يلحق به؛ كأسماء الإشارة، والأسماء الموصولة غير المبدوءة بـ "أل"، وفي جمع التكسير، وجمع المؤنث السالم. وعلى الألف في المثنى، وعلى الواو في جمع المذكر السالم، وعلل النحويون البناء بمشابهته الكاف الاسمية في نحو: "أدعوك" خطابا، وإفرادا، وتعريفا؛ وهذه تشبه الكاف الحرفية لفظا ومعنى؛ فهو مشبه للحرف بالواسطة. ٢ فزَيْد مُعرَّفة بالعلمية قبل النداء، واستصحب ذلك التعريف بعد النداء؛ وهو مذهب ابن السراج، وتبعه الناظم. وقيل: سلب تعريف العلمية، وتعرَّف بالإقبال؛ وهو مذهب المبرد والفارسي، ورد بنداء اسم الله تعالى، واسم الإشارة؛ فإنهما لا يمكن سلب تعريفهما؛ لكونهما لا يقبلان التنكير. التصريح: ٢/ ١٩٥-١٦٦. ٣ أي: أن النكرة المقصودة تعرف عند النداء بسبب الإقبال والقصد؛ وإليه ذهب ابن الناظم، وذهب قوم إلى أنه يتعرف بـ "أل" محذوفة، وأن "يا" نابت عن أل. التصريح: ٢/ ١٦٦. ٤ وكذلك العددي؛ كخمسة عشر، والإسنادي؛ كفتح الله. ويبنى المزجي على ضم الجزء الثاني، وكذلك الإسنادي، والعددي على فتح الجزأين. ٥ قال الصبان: الظاهر أن نحو: يا زيدان ويا زيدون من النكرة المقصودة؛ لا من العلم، وأن العلمية زالت؛ إذ لا يثنى العلم، ولا يجمع إلا بعد اعتبار تنكيره؛ ولهذا دخلت عليهما "أل"؛ فتعريفهما بالقصد والإقبال. حاشية الصبان على شرح الأشموني: ٣/ ١٨٣.
[ ٤ / ١٢ ]
زيدان"، و"يا زيدون" و"يا رجلان"، و"يا مسلمون"، و"يا هندان".
وما كان مبنيا قبل النداء؛ كـ "سيبويه" و"حذام" في لغة أهل الحجاز قدرت فيه الضمة، ويظهر أثر ذلك في تابعه، فتقول: "يا سيبويه العالِمَُ" برفع "العالم" ونصبه١، كما تفعل في تابع ما تجدد بناؤه؛ نحو: "يا زيد الفاضل" والمحكي كالمبني٢؛ تقول: "يا تأبط شرًّا المقدامُ" أو "المقدامَ".
الثاني: ما يجب نصبه؛ وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: النكرة غير المقصودة٣؛ كقول الواعظ: "يا غفلا والموت يطلبه"٤ وقول الأعمى: "يا رجلا خذ بيدي"، وقول الشاعر٥: [الطويل] .
_________________
(١) ١ الرفع مراعاة للضم المقدر، والنصب مراعاة للمحل، ولا يجوز الجر مراعاة للكسر لأنها حركة بناء. ويقال في إعرابه: مبني على ضم مقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي في محل نصب، و"سيبويه" منادى مبني على ضم مقدر، منع منه اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي في حل نصب. ٢ أي: يبنى على ضم مقدر، منع من ظهوره حركة الحكاية، في محل نصب، ويرفع تابعه وينصب على النحو المبين في المبني. وإذا نودي المنقوص؛ كـ "قاضٍ" حذف تنوينه، ورجعت الياء، وبُنِيَ على ضم مقدر عليها. وإذا نودي: اثنا عشر، واثنتا عشرة -علمين- جاز أن يقال: يا إثنا عشر، ويا إثنتا عشرة؛ بالبناء على الألف، وتبقى عشر وعشرة مبنية على الفتح؛ لأنها بمنزلة نون المثنى؛ وهمزتهما للقطع ما داما علمين؛ ويجوز أن يقال: يا اثني عشر، ويا اثنتي عشرة بالنصب بالياء، واعتبار عشر وعشرة بمنزلة المضاف إليه صورة. الهمع: ١/ ١٧٢-١٧٣. والأشموني: ٢/ ٤٤٥. ٣ أي: الباقية على إبهامها وشيوعها، ولا تدل على فرد معين مقصود بالمناداة؛ وتسمى: اسم الجنس غير المعين. ٤ هذا إذا جعلت الواو استئنافية؛ فإن جعلت حالية، كان من أمثلة الشبيه بالمضاف؛ لعمله النصب في الجملة التي هي حال من ضمير "غافلا" المستتر فيه. ٥ هو: عبد يغوث بن وقاص الحارثي؛ وقيل: ابن صلاءة، شاعر جاهلي من قحطان، وفارس معدود، وسيد قومه، أُسر يوم الكلاب؛ فخُيِّرَ كيف يرغب أن يموت؛ فاختار أن يقطع من عرق الأكحل وهو يشرب الخمر؛ فمات نزفا؛ وذلك سنة ٤٠ق. هـ. الخزانة: ١/ ٣١٣، والمفضليات: ١٥٦، والأعلام: ٤/ ١٨٧، والأغاني: ١٥/ ٦٩.
[ ٤ / ١٣ ]
٤٣٤- فيا راكبا إما عرضت فبلغنْ١
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: نداماي من نجران أن لا تلاقيا والبيت من قصيده ينوح فيها على نفسه، عندما أسرته تيم الرباب في يوم الكلاب الثاني؛ ومطلعها: ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا فما لكما في اللوم خيرٌ ولا ليا والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٦٧، والأشموني: "٨٧٢/ ٢/ ٤٤٥"، والشذور: "٥١/ ١١١"، وابن عقيل: "٣٠٦/ ٣/ ٢٦٠، وسيبويه: "١/ ٣١٢"، والخصائص: ٢/ ٤٤٩، وشرح المفصل: ١/ ١٢٧، ١٢٩، والخزانة: ١/ ٣١٣، والعيني: ٣/ ٤٢، ٤/ ٢٠٦، والمفضليات: ١٥٦. المفردات الغريبة: عرضت: أي ظهرت، وقيل معناه: أتيت العروض؛ والعروض: اسم لمكة والمدينة وما حولهما. نداماي: جمع ندمان؛ وهو المؤنس في مجلس الشراب. نجران: بلد باليمن. المعنى: يندب الشاعر حظه، وينادي الركبان؛ وهو في الأسر؛ فيقول: إذا بلغتم العروض، فبلغوا نداماي ورفاقي وأهلي وأحبابي؛ أنه لا تلاقي بيننا؛ فنحن في الأسر، ولا ندري ما الله صانع بنا. الإعراب: يا: حرف نداء. راكبا: منادى نكرة غير مقصودة منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره. إما: إن: شرطية مدغمة في "ما" الزائدة. عرضت: فعل ماضٍ -فعل الشرط- مبني على السكون؛ لاتصاله بالتاء المتحركة؛ والتاء في محل رفع فاعل؛ وهو في حل جزم فعل الشرط. فبلغن: الفاء واقعة في جواب الشرط، بلغن: فعل أمر مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، والنون؛ لا محل لها من الإعراب، والفعل ضمير مستتر وجوبا، تقديره: أنت. نداماي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف، و"ندامى" مضاف، وياء المتكلم، في محل جر بالإضافة. "من نجران": متعلق بمحذوف حال من "نداماي"؛ و"نجران": ممنوع من الصرف؛ للعلمية والتأنيث. أن: مخففة من الثقيلة؛ واسمها ضمير الشأن المحذوف. لا: نافية للجنس، تعمل عمل إن. تلاقيا: اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب، والألف لإطلاق، وخبر "لا" محذوف والتقدير: لا تلاقي لنا؛ وجملة "لا تلاقي لنا": في محل رفع خبر "أن" المخففة من الثقيلة؛ والمصدر المؤول من "أن وما دخلت عليه": في محل نصب مفعول ثانٍ لـ "بلغن". موطن الشاهد: "يا راكبا". وجه الاستشهاد: وقوع "راكبا" منادى منصوبا؛ لأنه نكرة غير مقصودة؛ لأن الشاعر لا يقصد راكبا معينا؛ وفي هذا البيت وأمثاله رد على المازني الذي زعم استحالة وجود هذا النوع متذرعا بأن نداء غير المعين لا يمكن؛ وذهب إلى أن التنوين في ذلك المنادى شاذٌّ أو ضرورة؛ والبيت الشاهد حجة عليه.
[ ٤ / ١٤ ]
وعن المازني١ أنه أحال وجود هذا القسم٢.
الثاني: المضاف٣؛ سواء كانت الإضافة محضة؛ نحو: "ربنا اغفر لنا" أوغير محضة؛ نحو: "يا حسن الوجه"؛ عن ثعلب٤ إجازة الضم في غير المحضة٥.
الثالث: الشبيه بالمضاف؛ وهو: ما اتصل به شيء؛ من تمام معناه٦؛ نحو:
_________________
(١) ١ مرت ترجمته. ٢ ادعى المازني أن النداء معناه: طلب إقبال من تناديه عليك، وأن غير المعين لا يمكن فيه ذلك، وعلى هذا يكون التنوين في النكرة ضرورةً أو شاذًّا. التصريح: ٢/ ١٦٧. ٣ شرط أن تكون إضافته لغير ضمير المخاطب؛ فلا يصح أن يقال: يا غلامك؛ لأن النداء خطاب للمضاف، مع أن المضاف إليه ضمير المخاطب غير المضاف. ٤ هو أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، وقد مرت ترجمته. ٥ حجته: أن الإضافة فيها في نية الانفصال، ورد بأن علة البناء مشابهة الضمير؛ وهي مفقودة هنا؛ لأن الصفة المضافة إلى معمولها، ليست بهذه المنزلة، ولم يسمع عن العرب ما يسيغ ذلك. وقد تفصل لام الجر الزائدة بين المنادى المضاف، والمضاف إليه في الضرورة الشعرية؛ كقول سعيد بن مالك: يا بؤسَ للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا ٦ أي: جاء بعده معمول يتمم معناه؛ سواء كان هذا المعمول مرفوعا به، أم منصوبا أم مجرورا بالحرف، والجار ولمجرور متعلقان بالمنادى، أم معطوفا على المنادى قبل النداء، وقد مثل لهما المؤلف على التوالي. ومما ينبغي أن يعد من نوع التشبيه بالمضاف شيئان، لم يذكرهما المؤلف. الأول: الاسم المفرد المنكر الموصوف؛ نحو: يا رجلا فاضلا، ونحو: يا رجلا يجبر الكسير، إذا كنت قصدت به معينا، وكان النداء طارئا على الصفة والموصوف جميعا. الثاني: الوصف المقترن بجملة؛ نحو قوله ﷺ في سجوده: "يا عظيمًا يرجى لكل عظيم"؛ لأنه قد اتصل به شيء يتمم معناه. انظر الأشموني: ٢/ ٤٤٥، والتصريح: ٢/ ٦٨، وحاشية الصبان: ٣/ ١٤٠-١٤١.
[ ٤ / ١٥ ]
"يا حسنا وجهه" و"يا طالعا جبلا"، و"يا رفيقا بالعباد"، و"يا ثلاثة وثلاثين"؛ فيمن سميته بذلك١، ويمتنع إدخال "يا" على "ثلاثين"٢؛ خلافا لبعضهم؛ إن ناديت جماعة هذه عدتها، فإن كانت غير معينة نصبتهما أيضا٣، وإن كانت معينة؛ ضممت الأول، وعرفت الثاني بـ "أل"، ونصبته، أو رفعته، إلا إن أعيدت معه "يا"، فيجب ضمه؛ وتجريده من "أل"٤، ومنع ابن خروف٥ إعادة "يا" وتخيره في إلحاق "أل" مردود٦:
والثالث: ما يجوز ضمه وفتحه؛ وهو نوعان:
أحدهما: أن يكون علما مفردا موصوفا بابن متصل به مضاف إلى علم٧، نحو: "يا زيد بن سعيد"٨، والمختار عند البصريين -غير المبرد- الفتح، ومنه
_________________
(١) ١ أي: قبل النداء، وهذا مثال للمنادى المعطوف عليه قبل النداء، وإنما وجب نصبهما للطول؛ أما الأول فشبهه بالمضاف؛ لأن الثاني معمول له؛ لوقول التسمية بهما، وأما الثاني فالبعطف بالواو. ٢ لأنه جزء علم؛ كشمس؛ من عبد شمس، وقيس؛ من عبد قيس؛ أما المخالف فقد نظر إلى الأصل. ٣ الأول؛ لأنه نكرة غير مقصودة، والثاني؛ للعطف. ٤ أما الضم؛ فلأنه نكرة مقصودة والمقصود بالضم: البناء على ما يرفع به. وأما تجريده من "أل"؛ فلأن "يا" لا تجامع أل إلا في مواضع ستأتي، وليس هذا منها. ٥ مرت ترجمته. ٦ وجه الرد على الشطر الأول: أن الثاني ليس بجزء علم حتى تمتنع معه "يا"؛ وعلى الشطر الثاني: أن اسم الجنس أريد به معين، فيجب تعريفه بـ "أل"، لا التخيير. ٧ ظاهر هذه العبارة صالح لأن يشمل ما إذا كان العَلَم الذي أضيف "ابن" إليه مذكرًا؛ نحو: "يا زيد بن محمد" وما إذا كان مؤنثا؛ نحو: "يا عمرو بن هند"، والأول: متفق عليه بين النحاة؛ والثاني: محل خلاف بينهم. ٨ فيجوز في "زيد" الضم على الأصل، والفتح إما على الإتباع لفتحة "ابن"؛ لأن الحاجز بينهما ساكن فهو غير حصين، أو فتح بناء على تركيب الصفة مع الموصوف، وجعلهما شيئا واحدا؛ كخمسة عشر، أو فتح إعراب على إقحام "ابن" وإضافة زيد إلى سعيد؛ لأن ابن الشخص، يجوز إضافته إليه؛ لأنه يلابسه. لتصريح: ٢/ ١٦٩.
[ ٤ / ١٦ ]
قوله١: [الرجز]
٤٣٥- يا حَكَمَُ بن المنذر بن الجارود٢
_________________
(١) ١ ينسب هذا الرجز إلى رجل من بني الحرماز، ونسبه الجوهري إلى رؤبة بن العجاج؛ وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت من الرجز، في مدح الحكم بن المنذر أمير البصرة على عهد هشام بن عبد الملك؛ وعجزه قوله: سرادق المجد عليك ممدود وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٦٩، والأشموني: "٨٧٣/ ٢/ ٤٤٦"، وسيبويه: ١/ ٣١٣، والمقتضب: ٤/ ٣٢٣، وشرح المفصل: ٢/ ٥، والعيني: ٤/ ٢١٠ واللسان: "سردق"، وملحقات ديوان رؤبة: ١٧٢. المفردات الغريبة: الجارود: لقب لجد الممدوح؛ قيل لقب بذلك؛ لأنه أغار على قوم فاكتسح أموالهم، فشبهوه بالسيل الشديد الذي يجرف أمامه كل شيء. سرادق: هو ما يمد فوق صحن الدار. المجد: علو المنزلة وسمو القدر. المعنى: إن الممدوح ذو شرف وسيادة، وقد جعل المجد ذا سرادق منصوب عليه -على سبيل الاستعارة بالكناية. الإعراب: يا: حرف نداء. حكم: منادى مبني على الضم في محل نصب؛ أو مبني على الفتح للإتباع في محل نصب، والأول أفضل. ابن: صفة لـ "الحكم" باعتبار محله منصوب، وهو مضاف. المنذر: مضاف إليه/. ابن: صفة لـ "المنذر" مجرور، وو مضاف. الجارود: مضاف إليه، وسكن لضررة الشعر. سرادق: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. المجد: مضاف إليه مجرور. "عليك": متعلق بـ "ممدود" الآتي. ممدود: خبر مرفوع. موطن الشاهد: "يا حكم". وجه الاستشهاد: فتح "حكم" -وهو مختار البصريين- ويجوز فيه الضم -كما بيَّنَّا- وقد اشترط في جواز الوجهين؛ كون "الابن" صفة؛ فلو جعل بدلا؛ أو عطف بيان، أو منادى حذف منه حرف النداء، أو مفعولا بفعل محذوف، تقديره: أعني، ونحو ذلك، تعين الضم.
[ ٤ / ١٧ ]
ويتعين الضم في نحو: "يا رجلُ ابنَ عمرو"، و"يا زيدُ ابنَ أخينا"؛ لانتفاء علمية المنادى في الأولى، وعلمية المضاف إليه في الثانية، وفي نحو: "يا زيدُ الفاضلَ ابن عمرو"؛ لوجود الفضل، وفي نحو: "يا زيد الفاضل"؛ لأن الصفة غير "ابن"، ولم يشترط ذلك١ الكوفيون، وأنشدوا٢: [الوافر] .
٤٣٦- بأجود منك يا عمرَُ الجوادا٣
_________________
(١) ١ أي: كون الوصف "ابنا"، وحجتهم: أن علة الفتح التركيب، وقد جاء في باب "لا" نحو: لا رجل ظريف -بفتحهما- فيجوز هنا. ٢ هذا من قول جرير بن عطية الشعر المعروف، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فما كعب بن مامة وابن سعدى وهو من قصيدة يمدح فيه عمر بن عبد العزيز؛ ومطلع هذه القصيدة قوله: أبت عيناك بالحسن الرقادا وأنكرت الأصادق والبلادا والشاهد: من شواهد: التصريح: ٢/ ١٦٩، الأشموني: "٨٧٤/ ٢/ ٤٤٧"، والهمع: ١/ ١٧٦، والدرر: ١/ ١٥٣. المفردات الغريبة: كعب بن مامة: هو كعب الأيادي الذي يضرب به المثل في الإيثار؛ لأنه آثر رفيقه في السفر بالماء حتى مات عطشا، ومامة: اسم أمه. ابن سعدى: هو أوس بن حارثة الطائي الجواد المشهور، وسعدى: اسم أمه؛ ويروى "ابن أروى" مكان ابن سعدى، ويعني بذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁. المعنى: يمدح الشاعر عمر بن عبد العزيز -﵁- قائلا: ليس كعب بن مامة، ولا ابن أروى -المشهوران بالكرم والجود- بأكرم منك؛ لكثرة جودك، وعظيم عطاياك. الإعراب: ما: نافية حجازية -وهو الأرجح- تعمل عمل "ليس". كعب: اسم "ما" مرفوع، وهو مضاف. مامة: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف. بأجود: الباء حرف جر زائد، أجود: اسم مجرور لفظا منصوب محلا؛ على أنه خبر "ما" العاملة عمل "ليس"؛ وأجود ممنوع من الصرف. "منك": متعلق بـ "أجود". يا: حرف نداء. عمر: منادى مفرد علم مبني على الفتح؛ لأنه موصوف بالجواد المنصوب؛ أو مبني على الضم المقدر على آخره، منع من ظهوره فتح الإتباع. الجوادا: صفة لـ "عمر" على المحل، والألف للإطلاق.
[ ٤ / ١٨ ]
بفتح "عمر"، والوصف بابنة؛ كالوصف بابن؛ نحو: "يا هندَُ ابنة عمرو"، ولا أثر للوصف ببنت؛ فنحو: "يا هندُ بنتَ عمرو" واجب الضم١.
الثاني: أن يكرر٢ مضافا؛ نحو: "يا سعدَُ سعدَ الأوس"؛ فالثاني واجب النصب؛ والوجهان في الأول؛ فإن ضممته٣ فالثاني بيان، أو بدل أو بإضمار "يا" أو أعني٤، وإن فتحته؛ فقال سيبويه: مضاف لما بعد الثاني، والثاني مقحم بينهما.
_________________
(١) ١ ويمتنع الفتح لتعذر الإتباع؛ لأن بينهما حاجزا حصينا؛ وهو تحرك الباء. ٢ أي المنادى المفرد المعرفة؛ سواء كان علما أم اسم جنس؛ وفي التمثيل بسعد سعد الأوس: وسعد بن عبادة؛ وهي: فإن يسلم السعدان يصبح محمدًا بمكة لا يخشى خلاف المخالفِ أيا سعدَُ سعدَ الأوس كن أنت ناصرًا ويا سعدَُ سعدَ الخزرجين الغطارفِ أجيبا إلى داعي الهدى، وتَمَنَّيَا على الله في الفردوس منية عارفِ ونظير الشاهد هنا قول جرير: يا تيم تيم عدي لا أبا لكم لا يلقينكم في سوأة عمر حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٧١. ٣ أي لأنه مفرد معرفة؛ يبنى على الضم في محل نصب. ٤ إذا ضم الاسم الأول، فيحتمل في نصب الاسم الثاني خمسة أوجه: الأول: أن يكون توكيدا للاسم الأول، ولم ينون؛ لقصد المشاركة بين الاسمين. الثاني: أن يكون بدلا، والثالث: أن يكون عطف بيان عليه؛ وهو في هذه الأوجه الثلاثة تابع في إعرابه لمحل الاسم الأول المبني على الضم في محل نصب. والرابع: أنه مفعول به لفعل محذوف؛ تقديره: أعني؛ فهو كالنعت المتطوع إلى النصب. والخامس: أنه منادى مستأنف، وانتصب؛ لكونه مضافا. وقد اعترض أبو حيان على الوجه الأول؛ بأنه لا يجوز التوكيد؛ لاختلاف وجهي التعريف؛ لأن تعريف الأول: بالعلمية، أو بالنداء، والثاني: بالإضافة. هذا وقد اعترض أبو حيان على الوجه الأول بقوله: لا يجوز أن يكون الاسم الثاني توكيدا معنويا للاسم الأول؛ لأن التوكيد المعنوي له ألفاظ معينة محصورة، وليس هذا منها؛ كما لا يجوز أن يكون توكيدًا لفظيًّا؛ لأن مع الاسم الثاني زيادة هي المضاف إليه، ومع هذه الزيادة لا يتفقه التوكيد مع المؤكد في كمال المعنى؛ وقال ابن هشام في اعتراض هذا الوجه من وجه الإعراب: تعريف الاسم الأول إما بالعلمية السابقة على النداء، وإما بالإقبال عليه الحاصل بالنداء؛ وأما تعريف الاسم الثاني فبالإضافة؛ وباختلاف التعريفين لا يحصل التوكيد. انظر التصريح: ٢/ ١٧١.
[ ٤ / ١٩ ]
وقال المبرد: مضاف لمحذوف مماثل لما أضيف إلي الثاني١، وقال الفراء: الاسمان مضافان للمذكور٢، وقال بعضهم: الاسمان مركبان تركيب خمسة عشر ثم أضيفا٣.
الرابع: ما يجوز ضمه ونصبه؛ وهو المنادى المستحق للضم إذا اضطر الشاعر إلى تنوينه؛ كقوله٤: [الوافر] .
٤٣٧- سلام الله يا مطر عليها٥
_________________
(١) ١ ويكون نصب الثاني حينئذ -على أحد الأوجه المذكورة عند ضم الأول؛ وهو أن يكون منادى، أو عطف بيان، أو بدل إلخ، والأصل: يا سعد الأسود سعد الأسود؛ فحذف من الأول؛ لدلالة الثاني عليه؛ وهو نظير قوله في نحو: قطع الله يد ورجل من قالها؛ وهو قليل في كلامه. ٢ وهو رأي ضعيف؛ لأن فيه توارد عاملين على معمول واحد. ٣ وتكون فتحة الثاني -على هذا- فتحة بناء. وإلى هذا النوع أشار ابن مالك بقوله: في نحو: "سعدَُ سعدَ الَاوْسٍ" ينتصِبْ ثانٍ وضم وافتح أوَّلًا تًصِبْ والمعنى: في مثل يا سعد سعد الأوس مما وقع فيه المنادى مفردا مكررا، والثاني مضافا، يجب نصب الثاني منهما؛ أما الأول: فيجوز فيه الضم والفتح -كما بَيَّنَ المؤلف- وأما إذا كان الاسم الثاني غير مضاف؛ نحو: يا محمد محمد، أو يا سعد سعد؛ جاز بناؤه على الضم على أنه منادى حذف قبله حرف النداء، أو بدل؛ وجاز رفعه ونصبه؛ باعتباره توكيدا لفظيا على اللفظ أو المحل. انظر حاشية الصبان: ٣/ ١٥٤، والتصريح: ٢/ ١٧١. ٤ القائل: هو: الأحوص؛ محمد بن عبد الله بن عاصم الأوسي، وقد مرت ترجمته. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وليس عليك يا مطرُ السلام
[ ٤ / ٢٠ ]
وقوله١: [الوافر] .
٤٣٨- أبعدا حل في شعبي غريبا٢
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٧١، والأشموني: "٨٧٥/ ٢/ ٤٤٨"، وابن عقيل: "٣٠٧/ ٢ ٢٦٢"، والشذور: "٥٣/ ١١٣" وسيبويه: ١/ ٣١٣، والمقتضب: ٤/ ٢١٤، ٢٢٤ ومجالس ثعلب: ٩٢، ٢٣٩، ٥٤٢، والأغاني: ١٤/ ٦١، والجمل للزجاجي: ١٦٦، وأمالي الزجاجي: ٨١، والمحتسب: ٢/ ٩٣، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٤١، والإنصاف: ٣١١، والخزانة: ١/ ٢٩٤، والهمع: ٢/ ٨٠، والدرر: ٢/ ١٠٥، والعيني: ١/ ١٠٨، ٤/ ٢١١، والمغني: "٦٤٣/ ٤٤٩"، والسيوطي: ٢٦٠، وديوان الأحوص: ١٣٧. المعنى: واضح. الإعراب: سلام: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. الله: "لفظ الجلالة" مضاف إليه مجرور. يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. مطر: منادى مفرد علم مبني على الضم، في محل نصب على النداء، ونُوِّنَ للضرورة الشعرية. "عليها": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ "سلام"؛ أو متعلق بـ "سلام" ويكون الخبر محذوفا؛ والتقدير: سلام الله عليها حاصل أو كائن مثلا. وليس: الواو عاطفة، ليس: فعل ماضٍ ناقص. "عليك": متعلق بالخبر المقدم المحذوف. يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. مطر: منادى مبني على الضم في محل نصب على النداء؛ وجملة "يا مطر": اعتراضية، لا محل لها. السلام: اسم ليس مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. مواطن الشاهد: "يا مطر عليها". وجه الاستشهاد: مجيء "مطرا" الأول منونا؛ لضرورة الشعر؛ وهو مفرد علم واجب البناء على الضم؛ كما هو معلوم؛ وحكم تنوينه الجواز للضرورة الشعرية. ١ القائل: هو جرير بن عطية الخطفي. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: ألؤما لا أبا لك واغترابا وهو من كلمة يهجو فيها العباس بن يزيد الكندي؛ وأولها قوله: أخالدَ عاد وعدُكُمُ خِلابا ومُنَّيتِ المواعد والكذابا وقد مر تخريج هذا الشاهد في باب المفعول المطلق. موطن الشاهد: "أعبدا". وجه الاستشهاد: وقوع "عبدا" منادى نكرة مقصودة، وقد نصبه مع التنوين تشبيها له بالنكرة غير المقصودة، وذلك للضرورة؛ وقيل: يجوز نصبه؛ لأنه شبيه بالمضاف؛ لأنه نكرة موصوفة؛ وقيل: يجوز أن يكون "عبدا" حالا من فاعل محذوف؛ والتقدير: أتفخر عبدا؟؛ أي: وأنت عبد، ولا يليق الفخر بالعبيد. انظر ضياء السالك: ٣/ ٢٢٣.
[ ٤ / ٢١ ]
واختار الخليل وسيبويه الضم، وأبو عمرو١ وعيسى٢ النصب، ووافق الناظم والأعلم سيبويه في العلم، وأبا عمرو وعيسى في اسم الجنس٣.
[لا يجوز نداء ما فيه"أل"]:
فصل: ولا يجوز نداء ما فيه "أل"٤ إلا في أربع صور:
إحداها: اسم الله تعالى٥، أجمعوا على ذلك؛ تقول: "يا الله" بإثبات الألفين، و"يَللَّه" بحذفهما، و"يالله" بحذف الثانية فقط، والأكثر أن يحذف حرف النداء، ويعوض عنه الميم المشددة؛ فتقول: "اللهم" وقد يجمع بينهما في الضرورة النادرة؛ كقوله٦: [الرجز] .
٤٣٩- أقول يا اللهم يا اللهما٧
_________________
(١) ١ هو أبو عمرو بن العلاء، وقد مرت ترجمته، وترجمة الأعلم والخليل وسيبويه والناظم. ٢ هو أبو عمرو؛ عيسى بن عمر الثقفي، مولى خالد بن الوليد المخزومي، كان إماما في النحو والعربية؛ أخذ عن ابن أبي إسحاق وأبي عمرو بن العلاء، روى عن الحسن البصري؛ وعنه أخذ الأصمعي والخليل وغيرهما؛ وكان عيسى يطعن على العرب، ويخطئ المشاهير منهم؛ كالنابغة في بعض أشعاره، كما كان صاحب تقعير في كلامه، واستعمال للغريب فيه؛ له مصنفات كثيرة؛ منها: الإكمال، والجامع، وقيل إن له سبعين مصنفا، مات سنة ١٤٩هـ. البلغة: ١٧٩، إنباه الرواة: ٢/ ٢٧٤، وبغية الوعاة: ٢/ ٢٣٧، والأعلام: ٥/ ٢٨٨. ٣ أي: نصبه "كعبدا" في البيت السابق؛ وذلك لضعف شبهه بالضمير؛ وخيَّر الناظم بين الضم والنصب مع التنوين للضرورة. ٤ لما فيه من الجمع بين معرفتين؛ النداء، وأل، وذلك ما لم يعهد في الأساليب العربية. ٥ وذلك للزوج "أل" له حتى صارت كالجزء منه. ٦ القائل: هو أبو خراش الهذلي، أو أمية بن أبي الصلت. ٧ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: إني إذا ما حدث ألما وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٧٢، والأشموني: "٨٨٠/ ٢/ ٤٤٩"، وابن عقيل: "٣١٠/ ٣/ ٢٦٥"، والعيني: ٤/ ٢١٦، ونسبه إلى أمية بن أبي الصلت. ونوادر أبي زيد: ١٦٥، والمقتضب: ٤/ ٢٤٢، والمخصص: ١/ ١٣٧، والمحتسب: ٢/ ٢٣٨، والهمع: ١/ ١٦٨، والدرر.
[ ٤ / ٢٢ ]
الثانية: الجمل المحكية؛ نحو: "يا المنطلق زيد"؛ فيمن سمي بذلك، نصَّ
_________________
(١) ١/ ١٥٥، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ١٠٣، والإنصاف: ٣٤١، واللسان "أله". المفردات الغريبة: جدث: حادث طارئ من مكاره الدنيا. ألما: نزل. المعنى: إذا نزل بي حادث من حوادث الدهر، وطرأ علي ما أحتاج فيه إلى المعونة، ألجأ إلى الله وأناديه، فإنه جلت قدرته هو المعين وحده. الإعراب: إني: إن حرف مشبه بالفعل، والياء: في محل نصب اسمه. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه. ما: زائد، لا محل لها. حدث: فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده؛ وجملة "الفعل المحذوف وفاعله": في محل جبر بالإضافة. ألما: فعل ماض، والألف: للإطلاق، والفاعل: شمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو؛ وجملة "ألما" تفسيرية، لا محل لها. أقول: فعل مضارع مرفوع والفاعل: أنا؛ وجملة "أقول": جواب شرط غير جازم، لا محل لها. وجملة "الشرط وجوابه": في محل رفع خبر "إن". يا اللهم: "يا" حرف نداء، اللهم: الله "لفظ الجلالة": منادى مبني على الضم في محل نصب على النداء. والميم: حرف أصلها عوض عن "يا" عند حذفها، وقد جمع هنا بينهما ضرورة؛ و"جملة النداء": في محل نصب مفعول به، مقول القول. يا اللهم: مثل الأولى. موطن الشاهد: "يا اللهم". وجه الاستشهاد: الجمع في "يا اللهم" بين حرف النداء، والميم المشددة؛ التي تأتي عوضا عن حرف النداء، وحكم هذا الجمع شاذ أو نادر؛ لأنه جمع بين العوض والمعوض عنه. هذا: وقد تحذف "أل" من اللهم؛ فيقال: "لاهم" وتكون كلمة "لاه" هي المنادى المبني على الضم؛ وهو كثير في الشعر؛ ومنه قول القائل: لاهُمَّ إن العبد يَمْـ ـنعُ رحله فامنع رحالك وقد تخرج اللهم عن النداء المحض؛ فتستعمل على وجهين: أ- أن تذكر تمكينا للجواب؛ كأن يقال: هل أنت مسافر؟ فتقول: اللهم نعم أو لا. ب- أن تدل على الندرة؛ نحو: سأزورك اللهم إذا لم تدعني؛ وهي حينئذ منادى صورة فتعرب كإعرابه. لتصريح: ٢/ ١٧٢. الأشموني: ٢/ ٤٥٠.
[ ٤ / ٢٣ ]
على ذلك سيبويه، وزاد عليه المبرد ما سمي به من موصول مبدوء بأل١؛ نحو: الذي والتي، وصوبه الناظم.
الثالثة: اسم الجنس المشبه به؛ كقولك: "يا الخليفة هيفة" نص على ذلك ابن سعدان٢.
الرابعة: ضرورة الشعر؛ كقوله٣:
٤٤٠- عباس يا الملك المتوج والذي٤
ولا يجوز ذلك في النثر؛ خلافا للبغداديين.
_________________
(١) ١ بشرط أن يكون مع صلته علما؛ نحو: "يا الذي سافر" في نداء من سمي بذلك؛ لأن الموصول مع صلته بمنزلة اسم واحد؛ أما الموصول وحده المسمى به فمتفق على منع ندائه. ومن نداء الاسم الموصول المقترن بـ "أل" مع صلته قول الشاعر: من اجلك يا التي تيمت قلبي وأنت بخيلة بالود عني ٢ مرت ترجمته. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: عرفت له بيتَ العُلا عدنانُ وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٧٣، والأشموني: "٨٧٨/ ٢/ ٤٤٩" والعيني: ٤/ ٢٤٥ والهمع: ١/ ١٧٤، والدرر: ١/ ١٥٢. المفردات الغريبة: المتوج: الذي ألبس التاج. عرفت: اعترفت. العلا: الشرف. عدنان: المراد عدنان أبو العرب. المعنى: واضح. الإعراب: عباس: منادى بحرف محذوف، مبني على الضم في محل نصب. يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. الملك: منادى مبني على الضم في محل نصب على النداء. المتوج: صفة لـ "الملك" يجوز فيها الرفع إتباعا على لفظ الموصوف؛ ويجوز فيها النصب إتباعا على محل الموصوف. والذي: الوو عاطفة، الذي: اسم موصول، مبني على السكون، معطوف على المتوَّج في حل رفع أو نصب. عرفت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث. "له": متعلق بـ "عرف". بيت: مفعول به منصوب لـ "عرف"، وهو مضاف العلا: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف للتعذر. عدنان: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وجملة "عرفت له بيت العلا عدنان": صلة للموصول الأسمي، لا محل لها. موطن الشاهد: "يا الملك". وجه الاستشهاد: إدخال حرف النداء "يا" على المنادى المقترن بـ "أل"؛ وهو "الملك"؛ وحكم هذا الإدخال ضرورة عند البصريين؛ وجائز عند الكوفيين؛ بالقياس وبالسماع؛ فأما القياس؛ فما أباحه الجميع من مناداة لفظ الجلالة المقترن بـ "أل" وأما السماع: فهذا الشاهد ونحوه. انظر حاشية الصبان: ٣/ ١٤٥.
[ ٤ / ٢٤ ]
الفصل الثالث: في أقسام تابع المنادى المبني وأحكامه١:
وأقسامه أربعة:
أحدها: ما يجب نصبه مراعاة لمحل المنادى؛ وهو ما اجتمع فيه أمران:
أحدهما: أن يكون نعتا٢ أو بيانا أو توكيدا.
ثانيهما: أن يكون مضافا مجردا من "أل"٣؛ نحو: "يا زيد صاحب عمرو".
_________________
(١) ١ أما المنادى المنصوب اللفظ، إن كان تابعه نعتا أو عطف بيان أو توكيدا؛ وجب نصب التابع مرعاةً للفظ المتبوع؛ نحو: يا مجاهدا مخلصا لا تحجم عن لقاء العدو، يا عربا أهل اللغة الواحدة، أو كلكم أجيبوا داعي الوطن. وإن كان التابع بدلا، أو عطف نسق مجرَّدًا من "أل"؛ فالأحسن أن يكون منصوب اللفظ أيضا: نحو: بوركت يابن الخطاب عمر؛ أو بوركتما يابن الخطاب وعليا. وبعضهم يجعل ذلك في حكم المنادى المستقل. ٢ بشرط ألا يكون منعوته -وهو المنادى- اسم إشارة، ولا كلمة "أي"، أو "أية"، وإلا وجب رفع النعت؛ كما في الحالة الثانية الآتية. ٣ ويشترط أن تكون الإضافة في الثلاثة محضة على الراجح، وإلا جاز رفع التابع مرعاة للفظ المنادى؛ نحو: يا رجل ضارب محمد بالضم والنصب، ووجوب النصب بهذين الشرطين: مذهب جمهور النحاة؛ وحكي عن جماعة من الكوفيين ومعهم الكسائي لما كانت حادثة تحدث بدخول حرف النداء، وتزول بزواله أشبهت حركة الإعراب؛ فجاز مراعاتها. وحكوا ذلك في النعت والتوكيد، ولم يحكوه في عطف البين؛ لأنه قريب الشبه من البلد، وقد علمنا أن البدل إذ كان مضافا؛ وجب نصبه؛ لأنه كنداء مستقل؛ فما أشبهه يأخذ حكمه. التصريح: ٢/ ١٧٤، الأشموني: ٢/ ٤٥٠.
[ ٤ / ٢٥ ]
و"يا زيدُ أبا عبد الله"، و"يا تميمُ كلَّهم، أو كلكم"١.
والثاني: ما يجب رفعه مراعاة للفظ المنادى؛ وهو نعت "أي" و"أية"٢ ونعت اسم الإشارة؛ إذا كان اسم الإشارة وصلة لندائه؛ نحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ٣، ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ ٤، وقولك "يا هذا الرجل"٥، إن كان المراد أوَّلا نداء الرجل؛
_________________
(١) ١ إذا كان تابع المنادى مشتملا علي ضمير؛ جاز أن يجيء به ضمير غيبة؛ وهو الأصل؛ وذلك باعتبار أن لفظ المنادى اسم ظاهر؛ والاسم الظاهر من قبيل الغيبة؛ وجاز أن يجيء به ضمير خطاب؛ وهذا يشمل توابع المنادى المنصوب اللفظ وغير المنصوب؛ إلا إذا كان التابع اسم إشارة؛ فلا يجوز أن تتَّصل بآخره علامة خطاب وقد اجتمع الاعتباران في قول الشاعر: فيا أيها المُهدِي الخنا من كلامه كأنك يضفو في إزارك خِرنِقُ فجاء بضمير الغيبة في قوله: "من كلامه؛ وبضمير الخطاب في قوله: "من إزارك"، وذهب الأخفش إلى وجوب كون الضمير المتصل بتابع المنادى ضمير غيبة؛ فإن جاء ضمير حضور؛ نحو: "يا تميم كلكم"؛ فن رفعت كلكم؛ فهو مبتدأ خبره محذوف؛ وإن نصبتهن فهو مفعول به لفعل محذوف. التصريح: ٢/ ١٤٧ ٢ إنما وجب الرفع؛ لأن المقصود بالنداء هو التابع، وهو مفرد، أما "أي" و"أية" فكلاهما صلة لندائه، وهما مبنيان على الضم؛ لأن كلا منهما نكرة مقصودة. و"ها" حرف تنبيه زائد زيادة لازمة لا تفارقهما. ٣ "٢" سورة البقرة، الآية: ٢١. موطن الشاهد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أي" منادى نكرة مقصودة مبنيا على الضم، و"ها" للتنبيه؛ والناس: بدل من "أي" مرفوع تبعا للفظ "أي"؛ وإنما جاز الرفع مع أن المتبوع مبني؛ لأنه مشبه للمعرب في حدوث ضمه بسبب الداخل عليه. انظر التصريح: ٢/ ١٧٤. ٤ "٨٩" سورة الفجر، الآية: ٢٧. موطن الشاهد: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء "أية" مبنية على الضم؛ لكوها نكرة مقصودة، و"ها" للتنبيه لازمة للفظ "أية"، و"النفس": بدل من "أية" مرفوع على التبعية وجوبًا؛ مراعاةً للفظ "أية"؛ وإنما جاز الرفع مع أن المتبوع مبنى؛ لأنه مشبه للمعرب في حدوث ضمة بسبب الداخل عليه. ٥ جوز النحاة على الاسم المحلى بـ "أل" بعد اسم الإشارة، أن يكون صفة لاسم الإشارة، أو
[ ٤ / ٢٦ ]
ولا يوصف اسم الإشارة أبدا إلا بما فيه أل، ولا توصف أي وأية في هذا الباب إلا بما فيه "أل"، أو باسم الإشارة، نحو: "يا أيهذا الرجل"١.
والثالث: ما يجوز رفعه ونصبه؛ وهو نوعان:
أحدهما: النعت المضاف المقرون بـ "أل"٢؛ نحو: "يا زيدُ الحسنَُ الوجه"٣.
والثاني: ما كان مفردا من نعت، أو بيان، أو توكيد، أو كان معطوفا مقرونا بـ "أل"؛ نحو: "يا زيد الحسنُ" و"الحسنَ" و"يا غلام بشر" و"بشرا" و"يا تميم
_________________
(١) = عطف بيان عليه، أو بدلا منه، واعترض ابن عصفور: بأن النعت يشترط فيه أن يكون مشتقا، أو مؤولا بالمشتق، وأن عطف البيان، ينبغي أن يكون جامدا، كما يشترط فيه أن يكون أعرف من المبين؛ في حين لا تكون الصفة أعرف من الموصوف فإذا قيل هذا الاسم صفة تضمن ذلك أنه مشتق أو في قوة المشتق، وأنه مساوٍ للموصوف لا أعرف منه؛ وإذا قيل: هذا الاسم عطف بيان؛ تضمن أنه جامد وأنه أعرف من المبين؛ فكيف يصح في الاسم الواحد أن يكون صفة، وأن يكون عطف بيان؛ وكل منهما يقتضي نقيض ما يقتضيه الآخر من وجهين. ورُدَّ على ابن عصفور بأن عطف البيان لا يشترط فيه أن يكون أعرف؛ لأنه مخالف لقول سيبوبه في "يا هذا ذا الجمَّة"؛ وأما الوجه الآخر: فإذا قدر صفة، جعل مؤولا بالمشتق، وإن قدر عطف بيان؛ فهو جامد على ظاهره، واللام على تقدير الصفة؛ للعهد، وعلي تقدير البيان؛ لتعريف الحضور أي للجنس. ١ توصف أي: وأية بواحدة من ثلاثة أشياء: الأول: الاسم المحلى بأل؛ نحو: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾، و﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ . الثاني: الاسم الموصول المقترن بأل؛ نحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾؛ ونحو: يا أيتها التي قامت. الثالث: اسم الإشارة الخالي من كاف الخطاب؛ كمثال المصنف؛ أما اسم الإشارة المقترن بكاف الخطاب، فلا يكون نعتا لـ "أي"؛ خلافا لابن كيسان. ومن هذا النوع قول ذي الرمة: ألا أيهذا الدارس الذي كأنك لم يعهد بك الحي عاهد التصريح: ٢/ ١٧٥. ٢ اقترانه بـ "أل" يستلزم أن تكون الإضافة غير محضة؛ لأنها هي التي تجتمع مع أل، وتكاد نحصر هذه الإضافة في تابع واحد؛ هو النعت؛ لأن الغالب عليه الاشتقاق حيث تشيع هذه الإضافة. ٣ الرفع على الإتباع للفظ "زيد" في الصورة، تشبيها له بالمرفوع، والنصب على المحل.
[ ٤ / ٢٧ ]
أجمعون" و"أجمعين"، وقال الله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرُ﴾ ١؛ قرأه السبعة بالنصب، واختاره أبو عمرو وعيسى، وقُرِئَ بالرفع؛ واختاره الخليل، وسيبويه، وقدروا٢ النصب بالعطف على ﴿فَضْلًا﴾ ٣ من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾، وقال المبرد: إن كانت "أل" للتعريف مثلها في "الطير"؛ فالمختار النصب٤، أو لغيره مثلها في "اليسع"؛: فالمختار الرفع٥.
والرابع: ما يعطى تابعًا ما يستحقه إذا كان منادى مستقلا؛ وهو البدل والمنسوق المجرد من "أل"؛ وذلك لأن البدل في نية تكرار العامل، والعاطف كالنائب عن العامل؛ تقول: "يا زيدُ بِشْرُ" بالضم، وكذلك "يا زيدُ وبِشْرُ"، وتقول: "يا زيد أبا عبد الله"، وكذلك: "يا زيد وأبا عبد الله" وهكذا حكمهما مع المنادى المنصوب.
الفصل الرابع: في المنادى المضاف للياء:
وهو أربعة أقسام:
_________________
(١) ١ "٣٤" سورة سبأ، الآية: ١٠. أوجه القراءات: انفرد ابن مهران، عن هبة الله بن جعفر، عن روح؛ برفع الراء من "والطير"؛ وهي رواية زيد عن يعقوب؛ ووردت عن عاصم، وأبي عمرو؛ وقرأ السبعة بالنصب. النشر: ٢/ ٣٣٥، وتفسير الطبري: ١٤/ ٢٦٦، ومشكل إعراب القرآن: ٢/ ٢٠٤. موطن الشاهد: ﴿يَا جِبَالُ وَالطَّيْرُ﴾ . وجه الاستشهاد: قراءة الرفع في "الطير" بالعطف على لفظ الجبال"، وقراءة النصب فيها عطفا على محل الجبال؛ أو عطفا على "فضلا" في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾؛ والتقدير: وآتيناه الطير، وعلي هذا؛ فجملة النداء معترضة بين المتعاطفين. التصريح: ٢/ ١٧٦، ومشكل إعراب القرآن ٢/ ٢٠٤. ٢ أي: من اختاروا الرفع. ٣ ووجه اختيار الرفع: مشاكلة الحركة وكثرته؛ كما يقول سيبويه. ٤ لأن المعرف يشبه المضاف من حيث تأثر كلٍّ بالتعريف بما يتصل به. ٥ لأن "أل" حينئذٍ وهي من بنية الكلمة كالمعدومة؛ فلا مانع من أن يلي ما هي فيه حرف النداء.
[ ٤ / ٢٨ ]
أحدها: ما فيه لغة واحدة؛ وهو المعتل؛ فإن ياءه واجبة الثبوت والفتح١؛ نحو: "يا فتاي"، و"يا قاضي"٢.
والثاني: ما فيه لغتان؛ وهو الوصف المشبه للفعل٣؛ فإن ياءه ثابتة لا غير، وهي إما مفتوحة أو ساكنة؛ نحو: "يا مكرمي" و"يا ضاربي".
الثالث: ما فيه ست لغات؛ وهو ما عدا ذلك٤، وليس أَبًا ولا أمًّا؛ نحو: "يا غلامي"، فالأكثر حذف الياء والاكتفاء بالكسرة؛ نحو: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ ٥، ثم ثبوتها ساكنة نحو: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُم﴾ ٦، أو مفتوحة؛ نحو: ﴿يَا عِبَادِيَ
_________________
(١) ١ أما علة الثبوت؛ فلأنها -لو حذفت؛ لحصل التباس بغير المضاف، وأما وجوب الفتح؛ فلأنها لو سكنت؛ التقى ساكنان؛ والتحريك بالمضم والكسر ثقيل على الياء. التصريف: ٢/ ١٧٧. ٢ قاضي: منادى منصوب بفتحة مقدرة على الياء المدغمة في ياء المتكلم؛ وهي مضافة إليها. ويلحق بالمعتل: المثنى وشبهه، وجمع المذكر السالم وشبهه، إذا أضيفا وحذفت نونهما للإضافة، وختم آخرهما بالعلامة الخاصة بكل منهما؛ تدغم الياء الساكنة في آخرهما في ياء المتكلم المبنية على الفتح؛ نحو: يا عيني جودا بالدمع؛ ومنه قول الشاعر: يا سابقيَّ إلى الغفران؛ مكرمة إن الكرام إلى الغفران تستبِقُ ويلحق كذلك بالمعتل: المختوم بياء مشددة، ليس تشديدها للإدغام؛ كعبقري وبني تصغير ابن؛ يقال: يا عبقري ويا بني؛ بحذف الياء المشددة الثانية؛ وإدغام الأولى في ياء المتكلم المفتوحة. ويجوز حذف ياء المتكلم وبقاء الياء المشددة قبلها مكسورة؛ تقول: يا عبقري، ويا بني. ٣ أي: المضارع بإفادة معنى الحال، أو الاستقبال، أما الذي بمعنى الماضي؛ فإضافته محضة، وفيه اللغات الست الآتية. ٤ ويشمل: الصحيح الآخر، وما يشبهه إذا كانت إضافتهما محضة. ويجب نصبه إذا كان المنادى مفردًا، أو جمع تكسير، أو جمع مؤنث سالما؛ نحو: يا أخي، يا أصدقائي، يا فتياتي. ٥ "٣٩" سورة الزمر، الآية: ١٦ موطن الشاهد: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ . وجه الاستشهاد: حذفت الياء من "عبادي" واكتفي بالكسر إجراء للمنفصل من كلمتين مجرى المتصل في كلمة واحدة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ . ٦ "٤٣" سورة الزخرف، الآية: ٦٨. موطن الشاهد: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ . وجه الاستشهاد: ثبوت الياء ساكنة في المنادى المضاف إلى الأصل.
[ ٤ / ٢٩ ]
الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ ١، ثم قلب الكسرة فتحة والياء ألفا: ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ ٢، وأجاز الأخفش حذف الألف والاجتزاء بالفتحة؛ كقوله٣: [الوافر]
٤٤١- بلهفَ ولا بليت ولا لَوَ انِّي٤
_________________
(١) ١ "٣٩" سورة الزمر، الآية: ٥٣. موطن الشاهد: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ . وجه الاستشهاد: ثبوت الياء المفتوحة في المنادى المضاف؛ لخفة الفتح. ٢ "٣٩" سورة الزمر، الآية: ٥٦. موطن الشاهد: ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ . وجه الاستشهاد: ثبوت الياء المفتوحة، ثم قلبت الكسرة قبل الياء فتحة، ثم قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها انفتاح ما قبلها؛ لأن الألف أخف من الياء؛ فالأصل: "يا حسرتِي" بكسر التاء وفتح الياء؛ ثم قيل: يا حسرتَى بفتحهما؛ ثم، قيل: يا حسرتا. ومثل هذه الآية قول الشاعر: بانت لتحزنا عفارةْ يا جارتا ما أنت جارةْ ٣ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: ولست براجع ما فات مني وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٧٧، والأشموني: ٢/ ٤٥٦ عرضا، والخصائص: ٣/ ١٣٥، والمحتسب: ١/ ٢٧٧، ٣٢٣، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٧٤، والإنصاف: ٣٩٠، ٤٤٩، ٥٤٦ وا لمقرب: ٣٨، ١١٦، والهمع: ١/ ١٤٣، والدرر: ١/ ١١٢. المفردات الغريبة: راجع: اسم فاعل من رجع؛ وهو أفصح من أرجع؛ وفي القرآن: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ لهف: حزن وتحسر. وبلهف: كلمة يتحسر بها على فائت. المعنى: إن ما ذهب مني لا يعود بكلمة التلهف والحسرة، ولا بكلمة لاتمنى، وقولي: ليتني عملت كذا، ولا بقولي: لو أني كذا لكان كذا. الإعراب: لست: فعل ماضٍ ناقص مبني على السكون؛ لاتصاله بالتاء المتحركة، والتاء: في محل رفع اسمه. براجع: الباء حرف جر زائد، راجع: اسم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس؛ وفي راجع ضمير مستتر في محل رفع فاعل لاسم الفاعل. ما اسم موصول بمعنى الذي، في محل نصب مفعول به لـ "راجع". فات: فعل ماضي مبني على =
[ ٤ / ٣٠ ]
أصله: بقولي: يا لَهْفَا؛ ومنهم من يكتفي من الإضافة بنيتها، ويضم الاسم كما تضم المفردات، وإنما يفعل ذلك، فيما يكثر فيه، أن لا ينادى إلا مضافا؛ كقول بعضهم. "يا أمي لا تفعلي"، وقراءة آخر: ﴿رَبُّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ ١.
الرابع: ما فيه عشر لغات؛ وهو الأب والأم؛ ففيهما مع اللغات الست: أن تعوّض تاء التأنيث عن ياء المتكلم؛ وتكسرها؛ وهو الأكثر؛ أو تفتحها وهو الأقيس؛ أو تضمها على التشبيه؛ بنحو: ثبة وهبة؛ وهو شاذ، وقد قرئ بهن٢، وربما جمع
_________________
(١) = الفتح، والفاعل: هو؛ وجملة "فات مني": صلة للموصول، لا محل لها. "مني": متعلق بـ "فات". بلهف: الباء حرف جر، والمجرور محذوف؛ والتقدير: بقولي يا لهف. وبقولي: متعلق بـ "راجع". لهف: منادى بحرف نداء محذوف؛ والتقدير: يا لهف، وجملة "النداء": في محل نصب للقول المحذوف المجرور بالباء.. ولا: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي. بليت: الباء حرف جرن "ليت" قصد لفظه؛ فهو مجرور بالباء. ولا: الواو عاطفة، لا زائدة؛ لتأكيد النفي. لو أني: قصد لفظه معطوف على: "لا بليت". موطن الشاهد: "بلهف". وجه الاستشهاد: مجيء "لهف" منادى بحرف نداء محذوف؛ وهو مضاف إلى ياء المتكلم؛ المنقلبة ألفًا المحذوفة؛ والفتحة دليل عليها؛ والأصل يا لهفي. وقيل: أن "لهف" مجرور بالباء على الحكاية، وكذا ما بعده، لا على النداء؛ ولا شاهد فيه حينئذ؛ والأول أفضل. وانظر حاشية الصبان: ٣/ ١٥٥. ١ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٣٣. أوجه القراءات: ذكر الألوسي قراءة رفع "رب" وكسر النون في "السجنِ" ولم ينسبها إلى أحد؛ وقرأ يعقوب وعثمان بن عفان والزهري وابن هرمز "رب السجنَ" بفتح السين. تفسير الألوسي: ١٢/ ٢٣٥، وإتحاف الفضلاء: ٢٦٤، إعراب النحاس: ٢/ ١٤٠. موطن الشاهد: ﴿رَبُّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ . وجه الاستشهاد: ضم باء "رب" لأن الأم والأب الأكثر فيهما أن لا يناديا إلا مضافين للياء؛ فالأصل فيهما "يا أمي" و"يا ربي"؛ فحذفت الياء تخفيفا، وبنيا على الضم تشبيها بالنكرة المقصودة. التصريح: ٢/ ١٧٨. ٢ أي في نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ والمنادى في هذه الحالات الثلاث منصوب؛ لأنه مضاف للياء المحذوفة المعوض عنها تاء التأنيث ونصبه بفتحة مقدرة منع من ظهورها الفتحة التي جيء بها لمناسبة التاء؛ ويرى بعض المحدثين أن يقال: منصوب بالفتحة الظاهرة؛ لأن تاء التأنيث تستلزم فتح ما قبلها دائما إلا في النداء. انظر التصريح: ٢/ ١٧٨.
[ ٤ / ٣١ ]
بين التاء والألف، فقيل: "يا أبتا"١، و"يا أمتا" وهو كقوله:
أقول يا اللهم يا اللهما٢.
وسبيل ذلك الشعر؛ ولا يجز تعويض تاء التأنيث عن ياء المتكلم إلا في النداء؛ فلا يجوز "جاءني أبت"، ولا: "رأيت أمَّت".
والدليل على أن التاء في "يا أبت"، و"يا أمت" عوض من الياء أنهما لا يكادان يجتمعان، وعلى أنهما للتأنيث؛ أنه يجوز إبدالها في الوقف هاء٣.
_________________
(١) ١ ومن ذلك قول الشاعر: تقول بنتي: قد أنى أناكا يا أبتا علك أو عساكا ونظيره قول الآخر: يا أبتا أرقني القذانُ فالنوم لا تطعمه العينانُ أوضح المسالك: ٤/ ٣٨-٣٩. ٢ مر تخريج هذا الشاهد والتعليق عليه. موطن الشاهد: "يا اللهم، يا اللهم". وجه الاستشهاد: جمع الشاعر بين ياء النداء والميم المشددة التي تتبع المنادى عوضا عن حرف النداء، فجمع بين العوض والمعوض عنه؛ وحكم هذا الجمع شاذٌّ؛ وقد ذكر المؤلف البيت ليبين لنا أن في قولهم: "يا أبتا" جمعا بين العوض والمعوض منه؛ كما في هذا الشاهد، والذي ذهب إلى أنه جمع بين العوض "التاء" والمعوض منه."الألف المنقلبة عن ياء المتكلم"؛ وهو ابن جني؛ لأنه يرى: أن هذه الألف هي ياء المتكلم انقلبت ألفًا بعد فتح ما قبلها، وأما ابن مالك فيرى: أن هذه الألف، هي التي تلحق آخر الاسم المندوب، والمستغاث، والمنادى البعيد؛ وعليه فلا جمع بين العوض والمعوض منه؛ وبالتالي فلا مشابهة بين ما ذكر وبين الشاهد؛ غير أنه مع بين "الياء"، و"التاء" في قول الشاعر: أيا ابتي لا زلت فينا؛ فإنما لنا أمل في العيش ما دمت عائشا فذهب البصريون: إلى أنه ضرورة من ضرورات الشعر؛ لأن "التاء" عوض من "ياء المتكلم"، ولا يجوز الجمع بينهما، وذهب كثير من الكوفيين إلى أنه ليس ضرورة، وأنه يجوز لك في "السعة" أن تقول: يا أبتي. انظر التصريح: ٢/ ١٧٨. ٣ وكذلك في الخط؛ والغالب والأفضل جعلها تاء عند الكتابة والوقف.
[ ٤ / ٣٢ ]
[حكم المنادى المضاف إلى مضاف إلى الياء]:
فصل: وإذا كان المنادى مضافًا إلى مضاف إلى الياء؛ فالياء ثابتة لا غير١؛ كقولك: "يا ابن أخي"، و"يا ابن خالي" إلا إن كان "ابن أمِّ" أو "ابن عمِّ"؛ فالأكثر الاجتزاء بالكسرة عن الياء؛ أو أن يفتحا للتركيب المزجي٢؛ وقد قُرئ: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ ٣؛ بالوجهين، ولا يكادون يثبتون الياء والألف إلا في الضرورة؛ كقوله٤: [الخفيف]
_________________
(١) ١ أي: مع بنائها على السكون، أو الفتح، ما لم تحتّم الضرورة الشعرية الاقتصار على أحدهما. ٢ فيصيران بمنزلة "خمسة عشر" مثلا؛ ويقال في إعراب: يابن أم إلخ. "يا": للنداء، و"ابن أم" منادى منصوب بفتحة مقدرة؛ منع من ظهورها حركة البناء التركيبي، وياء المتكلم المحذوفة: مضاف إليه؛ وهذا تخريج سيبويه والبصريين. وقيل: إن الأصل: يا بن أمَّا، ويا عما إلخ؛ بقلب الياء ألفا وحذفها؛ للتخفيف، وإبقاء الفتحة؛ دليلا عليها، ويكون الإعراب مقدرا، منع منه الفتحة التي جيء بها لمناسبة الألف المحذوفة؛ وهذا تخريج الكسائي والفراء وأبي عبيدة ويحكى عن الأخفش أيضا. ويجوز وجه ثالث؛ وهو: إهمال الياء المحذوفة واعتبار المنادى وما أضيف إليه بمنزلة الاسم الواحد المركب تركيبا مزجيا، ويعرب مبنيا على ضم مقدر، منع منه حركة البناء أيضا. التصريح: ٢/ ١٧٩، والأشموني: ٢/ ٤٥٧. ٣ "٧" سورة الأعراف، الآية: ١٥٠. أوجه القراءات: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف: "ابن أُمِّ"، وقرأ ابن السميفع "ابن أمي". البحر المحيط: ٣٩٦، والقرطبي: ٧/ ٢٩٠، والكشاف: ٢/ ٩٥. موطن الشاهد: ﴿ابن أمَِّ﴾ . وجه الاستشهاد: قرئت بالوجهين؛ فأما قراءة الفتح: فالأصل: "أُمَّا" بقلب ياء المتكلم ألفا، ثم حذفت هذه الألف، وبقيت الفتحة دليلا عليها؛ وهذا قول الكسائي والفراء وأبي عبيدة؛ وحكي عن الأخفش؛ وقيل: أن يفتحا: "ابن، أم"؛ للتركيب المزجي، وهو رأي سيبويه والبصريين. ٤ القائل: هو أبو زيد الطائي؛ واسمه حرملة بن المنذر، شاعر معمر عاش في الجاهلية والإسلام، وكان من زوار ملوك العجم، عالم بسيرها، وفد على عثمان بن عفان ﵁، فقربه؛ له شعر جيد في وصف الأسد، وعينية مشهورة. مات سنة ٦٢ هـ. الشعر والشعراء: ٣٠١، تجريد الأغاني: ١٣٧٣، الجمجي: ٥٩٣، الأعلام: ٢/ ١٧٤، السمط: ١١٨.
[ ٤ / ٣٣ ]
٤٤٢- يا ابن أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نفسي١
وقال٢: [الرجز]
٤٤٣- يا ابنة عمَّا لا تلُومِي واهجعي٣
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: أنت خلفتني لدهر شديدِ والبيت من كلمة يرثي فيها أخاه؛ وأول هذه الكلمة قوله: إن طول الحياة غير سعودِ وضلال تأميل نيل الخلودِ والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٧٩، والأشموني: "٨٨٨/ ٢/ ٤٥٧"، وسيبويه: ١/ ٣١٨، والجمل: ١٧٣، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٧٤، وشرح المفصل: ٢/ ١٢، والعيني: ٤/ ٢٢٢، والهمع: ٢/ ٥٤، والدرر: ٢/ ٧٠، وجمهرة القرشي: ٢٦٢، واللسان "شقق"، وديوان أبي زبيد "٤٨". المفردات الغريبة: شقيق: تصغير شقيق. خلفتني: تركتني بعدك. لدهر شديد: لزمن تبعاته شديدة. المعنى: يا أخي في النسب ويا مَن نفسه كنفسي؛ لقد ذهبت وتركتني وحيدا أقاسي ويلات الزمن، وقد كنت ركنًا أستند إليه، وظهيرا اعتمد عليه. الإعراب: يا: حرف نداء مبني على السكون، لا محل له من الإعراب. ابن: منادى مضاف إليه مجرور، والياء: في محل جر بالإضافة. أنت: ضمير رفع منفصل في محل رفع مبتدأ. خلفتني: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء: فاعل، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب مفعول به؛ وجملة "خلفتني": في محل رفع خبر المبتدأ. "لدهر": متعلق بقوله "خلف". شديد: صفة لـ "دهر" مجرورة. موطن الشاهد: "يابن أمي". وجه الاستشهاد: إثبات ياء المتكلم في "يابن أمي" للضرورة؛ والأصل إثبات الياء في المضاف إلى ياء المتكلم إذا نودي المضاف إلا في يابن أم ويابن عم؛ لكثرة الاستعمال فيهما. انظر شرح العيني بذيل حاشية الصبان: ٣/ ١٥٧. ٢ القائل: هو أبو النجم؛ الفضل بن قدامة العجلي، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت من الرجز، وعجزه قوله: لا يخرق اللوم حجاب مسمعي =
[ ٤ / ٣٤ ]
_________________
(١) = وهذا البيت من قصيدة مشهورة مطلعها: قد أصبحت أم الخيار تدعي على ذنبا كله لم أصنع وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٧٩، والأشموني: "٨٨٩/ ٢/ ٤٥٧"، وسيبويه: ١/ ٣١٨، ونوادر أبي زيد: ١٩، والمقتضب: ٤/ ٢٥٢، والمحتسب: ٢/ ٢٣٨، والجمل: ١٧٢، وشرح المفصل: ١٢/ ١٢،١٣، والعيني: ٤/ ٢٢٤، والهمع: ٢/ ٥٤، والدرر: ٢/ ٧٠. المفردات الغريبة: لا تلومي: من اللوم؛ وهو كثرة العتاب. واهجعي: من الهجوع، وهو الرقاد بالليل؛ والمراد: ترك ما هي فيه من لوم وتعنيف. حجاب مسمعي: كناية عن الأذن. المعنى: دعي واتركي لومي وعتابي يا ابنة عمي، وخذي نفسك بالراحة ونامي؛ فإن لومك هذا لا يصل إلى سمعي، ولا استمع له. وكانت كثيرة اللوم له؛ لكبره وضعفه ولا سيما وقت النوم والراحة. الإعراب: يا: حرف نداء، لا محل له. ابنة: منادى مضاف منصوب، وهو مضاف عما: عم مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفا منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وعم مضاف، وياء المتكلم المنقلبة ألفا في محل جر بالإضافة. لا: ناهية لا محل لها من الإعراب. تلومي: فعل مضارع مجزوم بـ "لا"الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والياء: في محل رفع فاعل. واهجعي: الواو عاطفة، واهجعي: فعل أمر مبني على حذف النون؛ لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة، والياء: ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل. موطن الشاهد: "يا ابنة عما". وجه الاستشهاد: إثبات الألف المنقلبة عن ياء المتكلم للضرورة.
[ ٤ / ٣٥ ]
[باب في أسماء لازمت النداء١]:
[فُلُ وفُلُة: معناهما وحكمهما]:
منها "فُلُ" و"فلة" بمعنى رجل وامرأة٢، وقال ابن مالك وجماعة: بمعنى زيد هند ونحوهما٣؛ وهو وهم٤، وإنما ذلك بمعنى فلان وفلانة٥ وأما قوله٦:
[الرجز]
_________________
(١) ١ أي: لا تستعمل إلا منادى، فلا تقع فاعله، ولا مفعوله، ولا مبتدأ، ولا خبرا، ولا اسما أو خبرا لناسخ، ولا مضافا إليها، ولا شيءا آخر غير المنادى. ومن الأسماء ما لا يصلح أن يكون منادى على الصحيح؛ كالاسم المضاف إلى ضمير المخاطب؛ نحو: يا أخاك، وكضمائر غير المخاطب، واسم الإشارة المتصل بكاف الخطاب نحو: يا ذاك، والاسم المبدوء "بأل" في غير المواضع المستثناة التي سبق ذكرها. ٢ أي: فهما كنايتان عن نكرتين من جنس الإنسان مستقلتان عن فلان وفلانة؛ وأصل "فل": فلي؛ فحذفت الياء اعتباطا؛ وهذا مذهب سيبويه. ٣ أي: من أعلام الأناسي؛ فهما كنايتان عن علم شخصي لمن يعقل. ٤ أي: غلط. ٥ أي: أن الذي بمعنى: زيد وهند ونحوهما- من كناية الأعلام- هو: فلان وفلانة؛ لا "فُلُ"، و"فُلُة". ويمكن دفع وهم ابن مالك بأن أصل "فُلُ" و"فُله"-عنده: فلان وفلانة؛ فحذفت الألف والنون تخفيفا؛ وهو مذهب الكوفيين. وخلاصة القول: فكل من "فُلُ"، و"فُلة" مبني على الضم دائما في محل نصب؛ سواء عُدَّا من المفرد العلم، أو النكرة المقصودة؛ واستعمالهما في غير النداء، أو منادى منصوبًا لا يكون إلا لضرورة الشعر. انظر حاشية الصبان: ٣/ ١٦١-١٦٢، التصريح: ٢/ ١٧٩-١٨٠. ٦ القائل: هو أبو النجم العجلي، قد مرت ترجمته.
[ ٤ / ٣٦ ]
٤٤٤- في لجة أَمْسِكْ فُلانًا عن فُلُ١
فقال ابن مالك: هو فُلُ الخاص بالنداء استعمل مجرورا للضرورة؛ والصواب: أن أصل هذا "فلان" وأنه حذف منه الألف والنون للضرورة؛ كقوله٢: [الكامل]
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت من الرجز، أو بيت من مشطوره، يصف إبلا قد أقبلت متزاحمة وأثارات غبارا وصدره قوله: تضل مني إبلي بالهوجل وهو من أرجوزة طويلة مشهورة مطلعها: الحمد لله العليِّ الأجلَلِ الواسع الفضل الوهوب المجزِلِ والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٨٠، والأشموني: "٨٩٤/ ٢/ ٤٦٠"، وابن عقيل: "٣١٣/ ٣/ ٢٧٨"، وسيبويه: ١/ ٢٣٣. ٢/ ١٢٢، والمقتضب: ٤/ ٢٣٨، والجمل: ١٧٦، والسمط: ٢٥٧ والمقرب: ٣٨، والعيني: ٤/ ٢٢٨، والهمع: ١/ ١٧٧، والدرر: ١٥٤، والخزانة: ١/ ٤٠١، واللسان "لجج- فلن". المفردات الغريبة: الهوجل: المراد هنا: المفازة الواسعة التي لا أعلام بها، ويطلق على الرجل الأهوج. لجة: هي الجلبة واختلاط الأصوات في الحروب. المعنى: يصف الشاعر إبلًا أقبلت متزاحمة متدافعة تثير الغبار، فشبهها في هذه الحالة -وقد ارتفعت أصواتها في الفلاة- بقوم شيوخ في لجة يدفع بعضهم بعضا، فيقال فيهم: أمسك فلانا عن فلان؛ أي أحجز بينهما. وقيل: إن صدر البيت هو: تدافع الشيب ؛ لأن العجز يتلاءم معه من دون هذا التكلف. الإعراب: "في لجة": متعلق بقوله: "تضل" في بيت سابق. أمسك: فعل أمر، الفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنت فلانا: مفعول به منصوب لـ "أمسك". "عن فل": متعلق بـ "أمسك"؛ وجملة "أمسك فلانا عن فُلُ": في محل نصب مقول القول؛ لقول محذوف، يقع صفة لـ "لجة"؛ والتقدير: في لجة مقول في شأنها: أمسك فلانا عن فلان. موطن الشاهد: "عن فُلُ". وجه الاستشهاد: استعمال "فُلُ" في غير النداء، وجرها بحرف الجر ضرورة؛ على رأي ابن مالك، حيث قال: وجُرَّ في الشعر فل قيل: إن "فل" هنا أصله: "فلان"؛ فرخم. بحذف النون والألف. انظر حاشية الصبان: ٣/ ١٦١. ٢ القائل: هو: لبيد بين ربيعة العامري، وقد مرت ترجمته.
[ ٤ / ٣٧ ]
٤٤٥- درس المنا بمتالع فأبان١
أي: درس المنازل.
[لؤمان، ونومان، وما كان على وزن فُعَل وفَعال]:
ومنها: "لؤمان" بضم أوله وهمزة ساكنة ثانية؛ بمعنى كثير اللؤم٢، و"نومان" بفتح أوله واو ساكنة ثانية؛ بمعنى كثير النوم، وفُعَل كغُدَر وفُسَق؛ سبا للمذكر.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فتقادمت بالحبس فالسوبان هو من شواهد: التصريح ٢/ ١٨٠، والأشموني: "٨٩٥/ ٢/ ٤٦٠"، والعيني: ٤/ ٢٤٦، والهمع: ٢/ ١٥٦، والدرر: ٢/ ٢٠٨، والمحتسب: ١/ ٨٠، والخصائص: ١/ ٨١، ٢/ ٤٣٧ وشرح شواهد الشافية للبغدادي: ٣٩٧، وديوان لبيد: ١٣٨. المفردات الغريبة: درس: عفا وزال أثره. المنا: أي المنازل. متالع، وأبان، والحبس، والسوبان: أسماء أماكن معينة. المعنى: إن جميع المنازل التي كانت بهذه الأماكن- درست وزالت آثارها. الإعراب: درس: فعل ماضٍ مبني على الفتح. المنا: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على الحرف المحذوف ترخيما؛ أو علامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر؛ على لغة من لا ينتظر؛ وأصل المنا: المنازل. "بمتالع": متعلق بمحذوف حال من المنازل. فأبان: الفاء عاطفة، أبان: اسم معطوف على "متالع" مجرور مثله. فتقادمت: الفاء عاطفة، تقادمت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: حرف دالّ على تأنيث المسند إليه؛ والفاعل: هي؛ يعود إلى المنازل. "بالحبس": متعلق بمحذوف حال من فاعل تقادم. فالسوبان: الفاء عاطفة، السوبان: اسم معطوف على "الحبس" مجرور، وعلامة جره السكرة الظاهرة. موطن الشاهد: "المنا". وجه الاستشهاد: مجيء "المنا" مرخما في غير النداء؛ بحذف حرفين منه؛ وهما الزاي واللام، وهو حذف قبيح؛ للضرورة؛ وقيل: إن "المنا" بمعنى المحاذي، ولا ترخيم فيه، وكأن الشاعر قال: عفا المكان المحاذي لهذه الأماكن؛ وذهب العيني إلى الرأي الأول في شرحه لأبيات الألفية، وكذلك الأشموني في شرحه للألفية. انظر حاشية الصبان: ٣/ ١٦١-١٦٢. ٢ ومثله في المعنى والحكم "ملأم" و"ملأمان" و"مخبثان".
[ ٤ / ٣٨ ]
واختار ابن عصفور كونه قياسيا، وابن مالك كونه سماعيا١؛ وفعال كفساق وخباث؛ سبًّا للمؤنث؛ وأما قوله٢. [الوافر] .
٤٤٦- إلى بيت قعيدته لَكَاع٣
_________________
(١) ١والمسموع منه: فسق، وغدر، وخبث، ولكع، معدولة عن فاسق وغادر وخبيث، وألكع. قيل: وقد يرد في غير النداء؛ كحديث: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس لكع ابن لكع". ٢ المشهور أنه للحطيئة، ونسبه البعض إلى أبي الغريب النصري. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: أطوف ما أطوف ثم آوي وهو من شواهد التصريح: ٢/ ١٨٠، والأشموني: "٨٩١/ ٢/ ٤٥٩"، والشذور: "٣٧/ ١٣٣" والمقتضب: ٤/ ٢٣٨، والكامل: ١٤٧، والجمل: ١٧٦، والخزانة: ١/ ٤٠٨، والعيني: ١/ ٤٧٣،٤/ ٢٢٩، والهمع: ١/ ٨٢،١٧٨، والدرر: ١/ ٥٥،١٥٤، وأمالى ابن الشجري: ٢/ ١٠٧، وديوان الحطيئة: ١٢٠. المفردات الغريبة: أطوف: من التطويف؛ أي أكثر الطواف والجولان في البلاد. آوي: أرجع وأعود. قعيدته: التي تلازم اقعود فيه، ويطلق على المرأة: "قعيدة البيت" لذلك. لكاع: لئيمة خبيثة. المعنى: أسير في الأرض وأكثر من الطواف والجولان والتنقل في نواحيها؛ لتحصيل القوت والبحث عن العيش، ثم أعود إلى منزلي فأجد فيه امرأة خبيثة لئيمة، لم تهيئ لي أسباب الراحة بعد هذا العناء، ويقصد بهذا زوجه. الإعراب: أطوف: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. ما مصدرية، لا محل لها من الإعراب: أطوف: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر وجوبا، تقديره: أنا. ثم: حرف عطف. آوي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنا. "إلى بيت": متعلق بـ "أوي". قعيدته: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، و"الهاء": ضمير متصل في محل جر بالإضافة. لكاع: خبر مبني على الكسر، في محل رفع، وجملة "قعيدته لكاع": في محل جر صفة لـ "بيت". موطن الشاهد: "لكاع". وجه الاستشهاد: استعمال "لكاع" على وزن "فعال" في غير النداء؛ للضرورة؛ فهي خبر للمبتدأ، كما أعربنا؛ ويرى بعضهم: أن الخبر قول محذوف، والتقدير: قعيدته يقال لها: يا لكاع، وحينئذ؛ لا يكون خرج عن النداء. وذهب العيني إلى الرأي الأول. حاشية الصبان: ٣/ ١٦٠.
[ ٤ / ٣٩ ]
[ما ينقاس فيه فعال]:
فاستعمله خبرا ضرورة، وينقاس هذا وفعال بمعنى الأول كنزال من كل فعل ثلاثي، تام منصرف، فخرج نحو: دحرج، وكان، ونعم، وبئس، والمبرد لا يقيس فيهما.
[ ٤ / ٤٠ ]
[باب الاستغاثة ١]:
هذا باب الاستغاثة:
[الأشياء التي يتحقق بها أسلوب الاستغاثة]:
إذ استغيث اسم منادى وجب كون الحرف "يا" وكونها مذكورة٢، وغلب جره بلام واجبة الفتح٣؛ كقول عمر٤ رضي الله تعالى عنه: "يا لَلَّهِ"٥ وقول الشاعر٦. [الخفيف]
_________________
(١) ١ الاستغاثة: مصدر قولك: "استغاث فلان بفلان"؛ إذا دعاه؛ ليدفع عنه مكروهًا، أو يعينه على مشقة، فمعنى الاستغاثة، نداء من يخلص من شدة أو يدفع مكروها أو يعين على احتمال مشقة؛ وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ ويجوز أن يكون كل من المستغاث له والمستغاث ضميرا، تقول: "يا لك لي"، تدعو المخاطب لنفسك، وأسلوب الاستغاثة: أحد أساليب النداء، ولا يتحقق إلا بثلاث أشياء: حرف النداء "يا" لا غير، وبعده غالبا المستغاث فيه؛ وهو الذي يطلب منه العون والمساعدة؛ وقد يسمى المستغاث، ثم المستغاث له؛ وهو الذي يطلب العون بسببه؛ ولكل من هذه الثلاث شروط، أو أحكام تتضح فيما يأتي. ٢ هذان شرطان في حرف النداء. ٣ هذا حكم من أحكام المستغاث، ووجود اللام ليس واجبًا؛ وإنما الواجب فتحها حين تذكر؛ لأنه واقع موقع كاف الخطاب ولام الجر تفتح معها؛ وليحصل الفرق بينها وبين لام المستغاث من أجله. ٤ هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، أمير المؤمنين؛ أبو حفصة، أسلم في السنة السادسة للنبوة، وله سبع وعشرون سنة، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة، كان من أشراف قريش وسفيرهم في الجاهلية، ولي الخلافة بعد أبي بكر سنة ثلاث عشرة، قتله غلام مجوسي يدعى: أبا لؤلؤة؛ وله ثلاث وستون سنة، وذلك سنة ٢٣هـ. تاريخ الخلفاء للسيوطي: ١٠٨-١٤٧- الأعلام: ٥/ ٤٥. ٥ قال رضي الله- تعالى- عنه لما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي: "يا لَلَّهِ للمسلمين". ٦ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
[ ٤ / ٤١ ]
٤٤٧- يا لَقومي ويا لَأمثال قومي١
[لام المستغاث له مكسورة دائما]:
إلا أن كان معطوفا، ولم تعد معه "يا" فتكسر٢، ولام المستغاث له مكسورة
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: لأناس عتوهم في ازدياد وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٨١، والأشموني: "٨٩٧/ ٢/ ٤٦٢". وال عيني: ٤/ ٢٥٦. المفردات الغريبة: عتوهم، العتو: الاستكبار، والطغيان. في ازدياد: أي يزيد- يوما بعد يوم. المعنى: استغيث بقومي وبأمثالهم في النجدة والشجاعة ليمنعوني من قوم يزدادون عُلُوًّا واستكبارًا عليَّ، ويظلمونني بغير سبب. الإعراب: يا: حرف نداء واستغاثة، لا محل له من الإعراب. لقومي: اللام المفتوحة، لام المستغاث به، وهي حرف جر، وقوم: اسم مجرور بها، وهو مضاف، وياء المتكلم: في محل جر بالإضافة. و"لقومي": متعلق بحرف النداء؛ لنيابته عن فعل أدعو، وقيل اللام: زائدة لا تتعلق بشيء؛ والمستغاث: منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة منع منها حرف الجر الزائد؛ وقيل غير ذلك. ويا: الواو عاطفة، يا: حرف نداء واستغاثة. لأمثال: اللام حرف جر، أمثال: اسم مجرور، وهو مضاف. قومي: مضاف إليه، وهو مضاف، والياء: في جر بالإضافة. لأناس: اللام حرف جر- وهي اللام الداخلة على المستغاث من أجله، وأناس: مجرور باللام؛ و"لأناس": متعلق بمحذوف؛ والتقدير: أدعوكم لأناس، عتوهم: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف؛ و"هم": مضاف إليه. "في ازدياد": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ؛ وجملة "المبتدأ وخبره": في محل جر صفة لـ "أناس". موطن الشاهد: "يا لقومي، ويا لأمثال". وجه الاستشهاد: جر المستغاث به في "لقومي" و"لأمثال" بلام واجبة الفتح؛ أما الأول: فسببه ظاهر، وأما الثاني: فسببه أنه تكرر مع إعادة "يا"؛ ومثل الشاهد السابق قول أبي حية النميري: يا لَمعد ويا لَلناس كلهم ويا لَغائبهم يوما ومن شهدا ٢ هذا استثناء من وجوب بناء لام المستغاث على الفتح، وهو وجوب الكسر، إذا كان المستغاث غير مسبوق بـ "يا"، ولكنه معطوف على آخر مسبوق به، وكذلك يجب الكسر إذا كان المستغاث ياء المتكلم؛ نحو: يا لِي لِلغرباء على رأي ابن جني، ومن جواز كونه قد استغاث بنفسه؛ ويرى غيره: أن "يا لي" لا يكون إلا مستغاثا لأجله، والمستغاث به محذوف.
[ ٤ / ٤٢ ]
دائما، كقوله: "يا لَلَّهِ لِلمسلمين"١، وقول الشاعر٢: [البسيط]
٤٤٨- يا لَلكهول ولِلشبان لِلعجبِ٣
_________________
(١) ١ إنما يجب كسر لام المستغاث له؛ إذا لم يكن ضميرا غير ياء المتكلم، وإلا فتحت لامه نحو: يا لَلمخلص لَنا، ويا لَمحمد لَك. بخلاف يا لَلزائر لِي؛ لأن الضمير ياء المتكلم، وهذا حكم من أحكام المستغاث له. ويجب كذلك تأخيره عن المستغاث، كما أنه يجوز حذفه إذا علم، وأمن اللبس،؛ نحو: يا لَقومي من للندى والسماح؟ التصريح: ٢١/ ١٨١، والأشموني: ٢/ ٤٦٢-٤٦٣. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدر قوله: يبكيك ناء بعيد الدار مغترب وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٨١، والأشموني: "٨٩٨/ ٢/ ٤٦٢"، والعيني: ٤/ ٢٥٧، والمقتضب، ٤/ ٢٥٦، والجمل: ١٨٠، والمقرب: ٣٨،والخزانة: ١/ ٢٩٦، والهمع: ١/ ١٨٠ والدرر: ١/ ١٥٥. المفردات الغريبة: ناء: بعيد، وهو اسم فاعل من نأى ينأى بمعنى بعد. مغترب: غريب. الكهول: جمع كهل، وهو من جاوز الثلاثين، وقيل الأربعين. والشبان: جمع شاب، وهو من كانت سنه دون سن الكهل. المعنى: يبكيك ويحزن لفقدك وموتك الأباعد الغرباء، لما كانت تسدي إليهم من معروف وعون، وقد يسر الأقارب لما يرثونه منك بعد فقدك، فهيَّا معشر الكهول والشباب؛ لمشاركتنا في العجب من ذلك. الإعراب: يا: حرف نداء واستغاثة. للكهول: اللام حرف جر -لام المستغاث به المفتوحة- والكهول: اسم مجرور، و"للكهول": متعلق بـ "يا" أو بـ "أدعو". وللشبان: الواو عاطفة، "للشبان": معطوف على "الكهول"؛ كسرت اللام هنا؛ لعدم تكرر "يا" مع العاطف. "للعجب": متعلق بـ "يا"، أو بالفعل "أدعو" أو بمحذوف حال. واللام المكسورة، لام المستغاث من أجله. موطن الشاهد: "للشبان، للعجب". وجه الاستشهاد: كسر لام المستغاث به في "للشبان"؛ لكونه معطوفا من دون أن تتكرر مع "يا"؛ وفي البيت شاهد آخر على كسر لام المستغاث من أجله في "للعجب".
[ ٤ / ٤٣ ]
ويجوز أن لا يبدأ المستغاث باللام؛ فالأكثر حينئذٍ أن يختم بالألف١؛ كقوله٢: [الخفيف]
٤٤٩- يا يزيدًا لآملٍ نَيلَ عِزٍ٣
_________________
(١) ١ وتكون هذه الألف عوضًا عن اللام، ومن ثم لا يجتمعان، ويبقى المنادى دالا على الاستغاثة بالقرينة؛ ولكنه لا يكون في هذه الصورة ملحقا بالمنادى المضاف؛ بل يكون مبنيا على الضم المقدر في محل نصب، منع من ظهوره الفتحة الطارئة؛ لمناسبة الألف. ويجوز في تابعه الرفع مراعاة للفظه، والنصب مراعاة لمحله، ولا يجوز مراعاة الفتحة الطارئة لمناسبة الألف. وإذا وقف على المستغاث المختوم بالألف؛ فالأحسن مجيء "هاء" السكت الساكنة، تقول: يا شاعراه، وتحذف عند الوصل. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وغنىً بعد فاقة وهوان وهو من شواهد: الأشموني: "٩٠١/ ٢/ ٤٦٣" والتصريح: ٢/ ١٨١، والعيني: ٤/ ٢٦٢، والمغني: "٦٩٦/ ٤٨٦"، والسيوطي: ٢٦٧ المفردات الغريبة: آمل: اسم فاعل من الأمل؛ وهو الرجاء والتوقع. نيل: حصول. فاقة: فقر وحاجة. هوان: مذلة واحتقار. المعنى: أستغيث بك يا يزيد، وأدعوك لمن يرجو الثراء والقوة بعد الفقر والمذلة. الإعراب: يا: حرف نداء واستغاثة. يزيدا: مستغاث به مبني على الضم المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالفتحة المأتي بها لمناسبة ألف الاستغاثة، في محل نصب، والألف: عوض عن لام الاستغاثة المفتوحة التي تلحق المستغاث به كما رأينا في الشاهدين السابقين. "لآمل": اللام المكسورة لام المستغاث من أجله، وهي حرف جر، وآمل: اسم مجرور، و"لآمل": متعلق بـ "يا" أو بالفعل المحذوف، أو بالحال المحذوف كما رأينا سابقا؛ وفي آمل: ضمير مستتر؛ تقديره: هو في محل رفع فاعل لاسم الفاعل "آمل". نيل: مفعول به لاسم ال فاعل منصوب، وهو مضاف. عز: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف المحذوفة؛ لتخلص من التقاء الساكنين. "بعد": متعلق بـ "نيل" أو "بآمل"، وهو مضاف. فاقة: مضاف إليه مجرور. وهوان: الواو عاطفة، هوان: معطوف على مجرور فهو مجرور مثله. موطن الشاهد: "يا يزيدا". وجه الاستشهاد: مجيء"يزيدا" مستغاثا به مختتما بالألف، لكونه لم يؤت معه باللام المفتوحة التي تدخل على المستغاث به.
[ ٤ / ٤٤ ]
وقد يخلو منها؛ كقوله١: [الوافر]
٤٥٠- ألا يا قوم لِلْعَجَبِ العجيبِ٢
[جواز نداء المتعجب منه]:
ويجوز نداء المتعجب منه؛ فيعامل معاملة المستغاث؛ كقولهم: "يا لَلماء"
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وللغفلات تعرض للأريب وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٨١، والأشموني: "٩٠٢/ ٢/ ٤٦٣"، والعيني: ٤/ ٢٦٣. المفردات الغريبة: الغفلات: جمع غفلة؛ مصدر غفل عن الشيء، لم يلتفت إليه، ولم يُلْقِ إليه باله. تعرض له: تنزل به. الأريب: العالم بالأمور، البصير بالعواقب؟. الإعراب: ألا: حرف استفتاح وتنبيه، لا محل له من الإعراب. يا: حرف نداء واستغاثة. قوم: منادى مستغاث به، منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة؛ اجتزاءً بكسرة الميم قبله؛ ويجوز أن يكون مبنيا على الضم؛ إذا قدرنا قطعه عن الإضافة؛ والوجهان جائزان؛ وقوم: مضاف، و"ياء المتكلم" المدلول عليها بالكسرة مضاف إليه. "للعجب": اللام المكسورة لام المستغاث لاجله، و"للعجب": متعلق بـ "يا" أو بالفعل المحذوف الذي نابت عنه "يا"؛ وبحال محذوف. العجيب: صفة لـ "العجب" مجرورون وعلامة جره الكسرة الظاهرة. وللغفلات: الواو عاطفة، و"للغفلات": معطوف على "للعجب". تعرض: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة، والفاعل: هي، جملة "تعرض": في محل نصب على الحال من "الغفلات". "للأريب": متعلق بقوله: تعرض. موطن الشاهد: "يا قوم". وجه الاستشهاد: مجيء المستغاث به "قوم" خاليا من اللام المفتوحة في أوله، ومن الألف في آخره؛ وحكم مجيئه على هذه الحالة نادر، وخلاف المألوف.
[ ٤ / ٤٥ ]
و"يا للدواهي"، إذا تعجبوا من كثرتهما١.
_________________
(١) ١ قد يراد بأسلوب النداء: التعجب من شيء عظيم يتميز بذاته بكثرته، أو شدته أو غرابته، فينادي جنس ما رآه؛ نحو: يا للماء، أو من له صلة أو معرفة به، نحو: يا للعلماء. ويأتي على صورة الاستغاثة مشتملا على حرف النداء "يا"، وعلي منادى مجرور باللام المفتوحة، ولكن ليس هناك مستغاث، وذلك كأن ترى البدر فيبهرك جماله، تقول: يا للبدر؛ أو ترى الماء الكثير فتعجب من كثرته؛ فتقول: يا للماء. مثل هذا الأسلوب يقال فيه: إنه اسلوب نداء واستغاثة أريد به التعجب، فإنك تنادي البدر والماء، وتقول: أحضر ليتعجب منك، وعلي هذا ينبغي أن يعامل معاملة المستغاث؛ فيجر باللام الفمتوحة، وإذا حذفت جيء بالألف في آخره عوضا عنها، وتلحقه هاء السكت عند الوقف. وقد يأتي على صورة أخرى فلا يبدأ باللام، ولا يختم بالألف، تقول: يا عجب. ومن أمثلة ما يختم بالألف المعوض بها عن اللام قول امرئ القيس: ويوم عقرت للعذاري مطيتي فيا عجبًا من كورها المتحمل وقول الراجز: يا عجبًا من هذه الفليقة هل تذهبن القوباء الريقة هذا، وقد يجر المستغاث له "بمن" بدلا من اللام؛ إذا كان مستنصرا عليه؛ كقوله: يا للرجال ذوي الألباب من نفر فإن كان مستنصرا له تعين جره باللام؛ نحو: يا الله للمجاهدين. ويجوز الجمع بين "يا" و"ال" التي في صدر المستغاث، إذا كان مجرورا باللام كما مثلنا. همع الهوامع: ١/ ١٨٠.
[ ٤ / ٤٦ ]
[باب الندبة]:
هذا باب الندبة
[حكم المندوب وشروطه]:
حكم المندوب؛ وهو المتفجع عليه أو المتوجع منه١، حكم المنادى؛ فيضم في نحو: "وا زيدَا" وينصب في نحو: "وا أميرَ المؤمنين" إلا أنه لا يكون نكرة؛ كـ "رجل"٢، ولا مبهما، كـ "أي"، واسم الإشارة والموصول٣؛ إلا ما صلته
_________________
(١) ١ الندبة لغة: مصدر ندب الميت إذ ناح عليه، وذكر خلاله الكريمة ومآثره الحميدة، واصطلاحا: نداء موجه للمتفجع عليه، أو المتوجع منه بلفظ: "وا" أو "يا" عند أمن اللبس. والتفجع: إظهار الحزن وقلة الصبر عند نزول المصيبة، وأكثر ما يكون عند النساء لضعفهن عن الاحتمال. والمتفجع عليه: من نزلت به الفجيعة، أو أصابته نازلة حقيقية؛ كالموت، وقد مثل له المصنف ببيت جرير في عمر بن عبد العزيز. أو أن المتفجع عليه نزل منزلة ذلك؛ كقول عمر ﵁؛ وقد أخبر يجدب أصاب بعض العرب: واعمراه. واعمراه. والمتوجع منه: الموضع والمكان الذي فيه الألم؛ كقولك: وارأساه؛ ومنه قول المجنون: فواكبدا من حب من لا يحبني ومن عبرات ما لهن فناءُ أو السبب الذي أدى إلى الألم؛ كقولك: "وامصيبتاه"؛ ومنه قول ابن الرقيات: تبكيهم الدهماء مُعوِلة وتقول سلمى: وارزِيَّتِيَه وقد يمسى هذا متوجعا له. والمنادى في ذلك كله يسمى: مندوبا. التصريح: ٢/ ١٨١، الهمع: ١/ ١٧٩. ٢ هذا في المتفجع عليه؛ أما المتوجع منه فيجوز أن يكون نكرة؛ نحو: وامصيبتاه، في مصيبة غير معينة. وإنما لم تندب النكرة ولا المبهم؛ لأن القصد من الندبة الإعلام بعظمة المندوب وإظهار اهميته أو شدته؛ وذلك يستدعي أن يكون معروفا معينا. وزعم الرياسي: أنه يجوز أن تندب النكرة مستدلا على ذلك؛ بأنه قد ورد في الحديث: "واجبلاه"، وأنكر غيره ذلك، وقالوا: إن صح الحديث؛ فهو نادر. همع الهوامع: ١/ ١٧٩، التصريح: ٢/ ١٨٢. ٣ أجمع النحاة على أنه لا تجوز ندبة الموصول المقترن بـ "أل" كالذي والتي مطلقا. واختلفوا في جواز ندبة غير المقترن بأل؛ فذهب البصريون إلى أنه لا يجوز مطلقا أيضا، وذهب غيرههم: إلى جواز ندبة ما اشتهرت صلته؛ كما حكاه المؤلف. التصريح: ٢/ ١٨٢.
[ ٤ / ٤٧ ]
مشهور فيندب؛ نحو: "وا من حفرة بئر زمزماه"؛ فإنه بمنزلة "واعبد المطلباه" إلا أن الغالب أن يختم بالألف١؛ كقوله:
٣٤٠ وقمتَ فيه بأمر الله يا عمرا٢
[بما يحذف لألف الندبة]:
ويحذف لهذه الألف ما قبلها؛ نحو: "واموساه"٣ أو تنوين٤ في صلة نحو: "وا من حفر بئر زمزماه"، وفي مضاف إليه؛ نحو: "واغلام زيداه"، أو في محكي، نحو: "واقام زيداه"؛ فيمن اسمه قام زيد، ومن ضمه؛ نحو: "وازيداه"،
_________________
(١) ١ أي: الزائدة، وذلك لمد الصوت، حتى يكون أقوى بنبرته على إعلان ما في النفس من حزن وأسى. ٢ هذا عجز بيت، من كلام جرير في عمر بن عبد العزيز، وصدره قوله: حملت أمرا عظيما فاصطبرت له وقد تقدم تخريج هذا الشاهد في باب النداء. موطن الشاهد: "يا عمراه". وجه الاستشهاد: مجيء"عمرا" مختتما بألف الندبة، وثبوت هذه الألف دليل على أنه مندوب؛ لأنه لو كان منادى؛ لبني على الضم؛ لأنه مفرد علم؛ وهو هنا مبني على الضم المقدر، منع من ظهوره الفتحة المناسبة للألف، واستعملت "يا" للندبة في هذا البيت؛ لأمن اللبس، بوجود الألف؛ التي دلت على أنه مندوب، لا منادى. ٣ أي: في "موسى".وعند إعرابه يقال: "موسى": منادى مبني على ضم مقدر للتعذر على الألف المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين، والألف الموجودة زائدة للندبة، والهاء للسكت. ٤ ما ذكره المؤلف من وجوب حذف التنوين لوصل الاسم المندوب بألف الندبة؛ وهو مذهب البصريين؛ وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز في ندبة المنون وجهان؛ أولهما: حذف التنوين؛ كمذهب البصريين، والثاني: بقاء التنوين مع تحريكه؛ إما بالفتح لمناسبة التخلص من التقاء الساكنين؛ فيلزم قلب الألف ياء؛ لوقوعها بعد كسرة؛ فيقال "واغلام زيديه". وذهب الفراء إلى أنه يجوز حذف التنوين مع بقاء الكسرة التي تقتضيها الإضافة، فيلزم قلب الألف ياء؛ لما قلنا؛ فيقال "واغلام زيديه". التصريح: ٢/ ١٨٣، الهمع: ١/ ١٧٩.
[ ٤ / ٤٨ ]
أو كسرة؛ نحو: "واعبد الملكاه"، و"واحذماه" فإن أوقع حذف الكسرة أو الضمة في لبس أبقيا؛ وجعلت الألف ياء بعد الكسرة؛ نحو: "واغلامكي" واوا بعد الضمة؛ نحو: "وا غلامهو" أو "واغلامكمو"، ولك في الوقف: زيادة هاء السكت بعد أحرف المد١.
[ندبة المضاف إلى ياء المتكلم]:
فصل: وإذا ندب المضاف للياء؛ فعلى لغة من قال: "يا عبد" بالكسر، أو "يا عبد": بالضم، أو "يا عبدا" بالألف، أو "يا عبدي" بالإسكان، يقال: "واعبدا"٢ وعلى لغة من قال: "يا عبدي" بالفتح؛ أو "يا عبدي" بالإسكان؛ يقال: "واعبديا"٣ بإبقاء الفتح على الأول، وباجتلابه على الثاني.
وقد تبين أن لمن سكن الياء أن يحذفها أو يفتحها؛ والفتح رأي سيبويه، والحذف رأي المبرد.
_________________
(١) ١ فتقول: واعمراه- وامصيبتاه ، وتحذف في الوصل؛ إلا في الضرورة الشعرية؛ فتبقى وتحرك بالكسر أو الضم، كقول المتنبي: واحر قلباه ممن قلبه شبم ومن بجسمي وحالي عنده سقم وقول المجنون: فناديت يا رباه أول سؤلتي لنفسي ليلى ثم أنت حسيها هذا، وإذا كان المندوب مثنى أو جمع مذكر سالما؛ فلا تحذف نونهما عند ألف الندبة؛ فيقال: وازيدانا- ويبنيان على الألف والواو كالمجرد. وإذا كان للمندوب تابع؛ فإن كان نعتا لفظه كلمة "ابن" المضافة لعلم، فإن الألف تدخل على المضاف إليه؛ تقول: وا إسماعيل بن إبراهيماه، وإن كان لفظا آخر، فالأحسن دخولها على المنعوت؛ أما البدل، وعطف البيان؛ والتوكيد المعنوي؛ فالأحسن الاكتفاء بدخولها على المتبوع. وفي عطف النسق تدخل على المعطوف عليه. وتدخل في التوكيد اللفظي عليهما. ٢ أي: بحذف الياء؛ لالتقاء الساكنين، وهذا ونحو منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، منع من ظهورهاه فتحة ألف الندبة وليس مبنيا لأنه مضاف. ٣ أي: بزيادة ألف الندبة وفتح ما قبلها، ويكون منصوبا بفتحة مقدرة على الدال منع من ظهورها الكسرة العارضة لمناسبة الياء في محل نصب، والياء مضاف إليه مبني على سكون مقدر منع من ظهوره الفتحة التي جاءت لمناسبة الألف.
[ ٤ / ٤٩ ]
وإذا قيل: "ياغلام غلامي" لم يجز في الندبة حذف الياء؛ لأن المضاف إليها غير منادى١.
_________________
(١) ١ فلا تسرى عليه أحكام المنادى المضاف للياء، ولما لم تحذف في النداء، لم تحذف في الندبة، ومع إثبات الياء يجوز زيادة ألف الندبة بعدها وعدم زيادتها.
[ ٤ / ٥٠ ]
[باب الترخيم]:
هذا باب الترخيم١
[أقسام الترخيم وشروطه]:
يجوز ترخيم المنادى، أي: حذف آخره تخفيفا، وذلك بشرط٢ كونه معرفة٣، غير مستغاث٤، ولا مندوب، ولا ذي إضافة، ولا ذي
_________________
(١) ١ الترخيم في اللغة: ترقيق الصوت وتليينه، يقال: صوت رخيم؛ أي رقيق لين، وكلام رخيم: لين سهل، ومنه قول الشاعر: لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر وفي الاصطلاح: حذف آخر الكلمة في النداء بطريقة مخصوصة؛ للتخفيف غالبا، أو لداعٍ آخر كالتمليح والاستهزاء. وهو ثلاثة أنواع: ترخيم اللفظ للنداء، وترخيمه للضرورة الشرعية؛ وهما موضوع هذا الباب وترخيمه للتصغير، وقد تحدث عنه المؤلف في باب التصغير. التصريح: ٢/ ١٨٤. ابن عقيل: ٣/ ٢٨٧، اللمع: ١/ ٢٨٥. ٢ هذه شروط عامة، لا بد منها لترخيم المنادى، سواء كان مختوما بتاء التأنيث، ومجردا منها. ٣ أما بالعلمية، كالمفرد العلم، أو بالقصد والإقبال؛ كالنكرة المقصودة؛ ومنه قول الشاعر: يا ناقُ سيرى عنقا فسيحا إلى سليمان فنستريحا وإنما اختصت المعرفة بالترخيم؛ لأنها هي التي يكثر نداؤها، فلا يصح ترخيم النكرة غير المقصودة. ٤ قد ورد في الشعر ترخيم المستغاث المقرون بلام الاستغاثة، وغير المقرون بها؛ فأما الأول ففي نحو قول الشاعر: كلما نادى مناد منهمُ: يا لتيم الله قُلنا: يا لَمَالِ فإنه أراد "يا لمالك" فرخمه بحذف آخره؛ وهو حرف الكاف، وهو مستغاث مقرون باللام، وأما ترخيم المستغاث غير المقرون باللام؛ فنحو قول أبي شريح الأحوص الكلابي =
[ ٤ / ٥١ ]
إسناد١ فلا يرخم؛ نحو قول الأعمى: "يا إنسانا خذ بيدي"، وقولك: "يا لجعفر" و"واجعفراه" و"يا أمير المؤمنين"، و"يا تأبط شرا".
[جواز ترخيم ذي الإضافة]:
وعن الكوفيين: إجازة ترخيم ذي الإضافة؛ بحذف عجز المضاف إليه، تمسكا بنحو قوله٢: [الطويل]
٤٥١- أبا عُروَ لا تبعد فكل ابن حرة٣
_________________
(١) تمناني ليقتلني لقيط أعام لك ابن صعصعة بن سعد وقد حمل العلماء ذلك على أنه ضرورة؛ وممن نص على أنه ضرورة ابن الصائغ، وذهب ابن عصفور: إلى أنه يجوز ترخيم المستغاث إذا لم يكن مقرونا بلام الاستغاثة؛ كالبيت الثاني، وفي البيت الثاني هذا شذوذ من جهتين عند الجمهور؛ إحداهما: استعمال الهمزة في نداء المستغاث؛ وثانيهما: ترخيمه. التصريح: ٢/ ١٨٤. الهمع: ١/ ١٨١، اللمع: ١/ ٢٨٥. ١ أي: لا يكون مركبا تركيب إسناد. ويزاد على هذه الشروط: ألا يكون من الألفاظ المختصة بالنداء؛ كـ "فُلُ" و"فُله"، ولا مبنيا قبل النداء؛ كحذام، وخمسة عشر. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: سيدعوه داعي ميتة فيجيب وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٨٤، والعيني: ٤/ ٢٨٧، والخزانة: ١/ ٣٧٧، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٢٩، والإنصاف: ٣٤٨، وشرح المفصل: ٢/ ٢٠. المفردات الغريبة: لا تبعد: لا تهلك، من البعد بمعنى: الذهاب بالموت والهلاك. ابن حرة: يكني بذلك عن الرجل الكريم. ويقال: ابن الأمة ما ألأمة!. ميتة: اسم هيئة من الموت. المعنى: لا تهلك نفسا أسى وحزنا على من مضى، فكل عظيم سيصيبه الموت بسببما من أسبابه الكثيرة؛ ولا يستطيع أن ينجو منه؛ فتلك سنة الله في الخلق. الإعراب: أبا: منادى مضاف بحرف نداء محذوف منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف. عرو: مضاف إليه مجرور، وحذفت تاؤه ترخيما. لا: حرف دعاء، لا محل له. تبعد: فعل مضارع مجزوم بـ "لا" الدعائية، وعلامة جزمه السكون، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنت. فكل: الفاء تعليلية، كل: مبتدأ =
[ ٤ / ٥٢ ]
[زعم ابن مالك ترخيم ذي الإسناد]:
وزعم ابن مالك: أنه قد يرخم ذو الإسناد١، وأن عمرا نقل ذلك؛ وعمرو هذا هو إمام النحويين ﵀، وسيبويه لقبه؛ وكنيته أبو بشر٢.
[جواز ترخيم المختوم بتاء التأنيث مطلقا]:
ثم إن كان المنادى مختوما بتاء التأنيث؛ جاز ترخيمه مطلقا٣؛ فتقول في هبة
_________________
(١) = مرفوع، وهو مضاف. ابن: مضاف إليه مجرور، وهو مضاف. حرة: مضاف إليه مجرور. سيدعوه: السين حرف استقبال، يدعو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو للثقل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. داعي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، وهو مضاف. ميتة: مضاف إليه مجرور؛ وجملة "يدعوه" في محل رفع خبر المبتدأ "كل". فيجيب: الفاء عاطفة، يجيب: فعل مضارع مرفوع، معطوف على "سيدعو"، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو. موطن الشاهد: "أبا عرو". وجه الاستشهاد: ترخيم عجز المنادى المركب المضاف؛ بحذف تائه؛ لأن الأصل: يا أبا عروة؛ وحكم هذا الترخيم الجواز عند الكوفيين؛ وأما البصريون فيمنعون ترخيم المنادى المركب المضاف محتجين بأن المضاف إليه٩ بمنزلة التنوين مما قبله؛ فهو ليس بآخر المنادى حقيقة. ضياء السالك: ٣/ ٢٦٧. ١ فتقول في "تأبط شرا": يا تأبط، ونسب ابن مالك ذلك إلى سيبويه؛ حيث قال في ألفيته: والعَجُزُ احْذِفْ من مُرَكَّبٍ وقُلْ ترخيم جملة وذا عمرو نَقَلْ والمعنى: يجوز ترخيم المركب المزجي؛ نحو: بعلبك، سيبويه إلخ؛ ويكون ترخيمه بحذف عجزه؛ أما مركب الجملة -وهو المركب الإسنادي- فترخيمه قليل، وقد نقل سيبويه ذلك عن العرب؛ ولاشتهار المنع عند سيبويه في هذه المسألة نبه ابن مالك على أنه -أي: سيبويه- هو الذي نقل الجواز عن العرب. ويفهم من تنبيه ابن مالك أن "سيبويه" له رأيان مختلفان في ترخيم مثل "تأبط شرا"؛ أي التركيب الإسنادي. انظر تفصيل هذه المسألة في التصريح: ٢/ ١٨٤-١٨٥، وحاشية الصبان: ٣/ ١٧٩. ٢ مرت ترجمته في الجزء الأول. ٣ أي: سواء كان علما مثل: فاطمة، أو نكرة مقصودة مثل: جارية، وهبة، ويستوي في ذلك الثلاثي غير التاء، وما كان أقل من ثلاثة أحرف أو أكثر، ومثال ترخيم ذي التاء قول امرئ القيس: أفاطم مهلا بعض هذا التدلل وإن كننت قد أزمعت صرمي فأجملي ومثال ترخيم ذي التاء، وهو علم مذكر، قول عنترة: يد عون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم
[ ٤ / ٥٣ ]
علما: "يا هبَ"، وفي حارية لمعيَّنَةٍ: "يا جاريَ"؛ قال١: [الرجز]
٤٥٢- جَارِيَ لا تستنكري عذيري٢
_________________
(١) ١ القائل: هو العجاج بن رؤبة، الراجز المشهور، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا بيت من مشطور الرجز، أو صدر بيت من الرجز؛ يخاطب فيه امرأته، عندما أنكرت عليه تأهبه للسفر؛ وعجزه قوله: سيرى وإشفاقي على بعيري وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٨٥، والأشموني: ٩٠٩/ ٢/ ٤٦٨"، وسيبويه: ١/ ٣٢٥،٣٣٠، والمقتضب: ٤/ ٢٦٠، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٨٨، وشرح المفصل: ٢/ ١٦، ٣٣٠، والمقرب: ٣٧، والخزانة: ١/ ٢٨٣، والعيني: ٤/ ٢٧٧، واللسان "شقر، عذر، جرس" والصحاح "ع ذ ر" وديوان العجاج: ٢٦. المفردات الغريبة: لا تستنكري: لا تعديه أمرا منكرا. عذيري، العذير: ما يعذر الإنسان في عمله فعلا كان أو تركا. والمراد هنا: الحال التي يزاولها، وعذير الرجل: من يعذره. المعنى: لا تنكري على يا جارية تأهبي لسفر والذهاب في الأرض للبحث عن العيش، وعطفي وإشفاقي على بعيري؛ فالسعي واجب على كل إنسان، والعطف على الحيوان من الإيمان. قيل: أنه كان يعمل حلسا لبعيره استعدادا لسفر فهزئت منه. الإعراب: جاري: منادى مرخم- بحرف نداء محذوف- والأصل: يا جارية؛ فرخم المنادى، وحذف حرف النداء؛ وهو نكرة مقصودة مبني على الضمة المقدرة على الياء؛ أو على التاء المحذوفة في محل نصب على النداء. لا: ناهية. تستنكري: فعل مضارع مجزوم بـ "لا" وعلامة جزمة حذف النون؛ والياء المؤنثة المخاطبة في محل رفع فاعل. عذيري: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وهو مضاف، وياء المتكلم: مضاف إليه. موطن الشاهد: "جاري". وجه الاستشهاد: مجيء "جاري" منادى نكرة مقصودة مرخما بحذف التاء من آخره؛ كما حذف حرف النداء، ومعلوم أن "جارية" اسم جنس -بحسب أصله- ونداء اسم الجنس مع حذف حرف النداء مختلف في جوازه، فضلا عن ترخيمه؛ فمن النحاة من قال: ليس هو من الضرورات التي لا تجوز إلا للشعراء؛ وليس هو من الكثرة بحيث يجوز في كل حال؛ والراجح أنه قليل. وأما ترخيمه؛ فقد منعه أبو العباس المبرد؛ ولكن رأيه محجوج بورود السماع بترخيمه في الشعر والنثر. انظر حاشية الصبان: ٣/ ١٧٢-١٧٣.
[ ٤ / ٥٤ ]
[شروط ترخيم المجرد من التاء]:
وإذا كان مجردا من التاء، اشترط لجواز ترخيمه: كونه علما١، زائدا على ثلاثة٢، كـ "جعفر"، و"سعاد"، ولا يجوز ذلك في نحو: إنسان لمعين، ولا في نحو: زيد، ولا في نحو: حكم، وقيل: يجوز في محرك الوسط دون ساكنة، وقيل: يجوز فيهما٣.
_________________
(١) ١ فلا يصح أن يكون نكرة مقصودة؛ لأن تعريفها بالقصد والإقبال. ٢ فلا يصح ترخيم الثلاثي مطلقا، سواء كان ساكن الوسط أو متحركه، وقد أجازه بعض الكوفيين. فائدة: ذكر سيبويه أن ترخيم الأعلام الرباعية غير المختومة بالتاء جائز. وقد كثر في: "حارث ومالك وعامر"؛ وهي أسماء للرجال استعملت في الشعر كثيرا؛ كقول مهلهل بن ربيعة: يا حارِ لا تجهل على أشياخنا إنا ذوو السورات والأحلام وكقول امرئ القيس: أحارِ ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حبي مكلل وكقول النابغة في ترخيم عامر: فصالحونا جميعا أن بدا لكم ولا تقولوا لنا أمثالها عامِ فـ "عام" مرخم "عامر". وكقول الأنصاري في رجل؛ اسمه مالك: يا مالِ والحق عنده فقفوا ومثل هذا شائع كثير في الشعر. انظر في ذلك الأشموني: ٢/ ٤٦٩-٤٧٠، وهمع الهوامع: ١/ ١٨٢. ٣ القائل بجواز ترخيم الثلاثي المحرك الوسط هو الفراء، قال ذلك قياسا؛ لأنه رأى أن حركة الحرف قامت مقام حرف آخر في مواضع منها في باب منع الاسم من الصرف؛ فإنهم يفرقون بين "هند" و"سقر"؛ لأن الأول ساكن الوسط، والثاني متحركه؛ ومنها في باب النسب؛ فإنهم يفرقون بين "حبلى" و"مرطى"؛ لذلك السبب. وأما القول بجواز ترخيم الثلاثي مطلقا؛ فينسب إلى بعض الكوفيين والأخفش. التصريح: ٢/ ١٨٥، الهمع: ١/ ١٨٢. الأشموني: ٢/ ٤٧٠.
[ ٤ / ٥٥ ]
[المحذوف للترخيم أما حرف، إما حرفان]:
فصل: والمحذوف للترخيم إما حرف؛ وهو الغالب١؛ نحو: "يا سعا"، وقراءة بعضهم: "يا مَاِل"٢
وإما حرفان؛ وذلك إذا كان الذي قبل الآخر من أحرف اللين، ساكنا٣، زائدا، مكملا أربعة فصاعدا، وقبله حركة من جنسه لفظا أو تقديرا٤؛ وذلك نحو: مروان، وسلمان، وأسماء، ومنصور ومسكين علما، قال: ٥ [الكامل]
٤٥٣- يا مرو إن مطيتي محبوسة٦
_________________
(١) ١ ولا يشترط فيه شيء غير ما تقدم. ٢ "٤٣" سورة الزخرف، الآية: ٧٧. أوجه القراءات: قرأ علي وابن وثاب الأعمش وأبو الدرداء: "يَا مَالِ" ونسبها ابن خالويه في مختصره إلى النبي ﷺ، وقرأ أبو السرار؛ السوار الغنوي: "يَا مَالُ". البحر المحيط: ٨/ ٢٨، وإعراب القرآن، للنحاس: ٣/ ١٠٢. موطن الشاهد: "يا مالِ". وجه الاستشهاد: حذف الكاف من "مالك" للترخيم؛ وذكر ابن جني أن هذا الترخيم لم يصدر من أهل النار للتكلف؛ بل من الضجر وضيق الحال؛ لأنهم في غنية عن الترخيم؛ وإنما لضعفهم عن إتمام الاسم. ٣ اعلم أن الحروف "وَايْ" إن سكنت بعد حركة تجانسها؛ سميت حروف علة ولين ومد، وبعد حركة لا تجانسها؛ سميت حروف علة ولين فقط؛ كفرعَوْن، وخَيْر، وإن تحركت؛ فعلة فقط. فكل مد لين، وكل لين علة، ولا عكس؛ وبعد؛ فذكر المصنف السكون مع اللين للإيضاح. ٤ لفظا؛ كمنصور ومسكين، وتقديرا؛ كمصطفون ومصطفين علمين. ٥ القائل: هو الفرزدق، وقد مرت ترجمته. ٦ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت يستجدي به مروانَ بنَ الحكم والي المدينة، وقد مدحه فأبطأت عليه جائزته، وعجزه: ترجز الحباء وربها لم ييأس وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٨٦، الأشموني: "٩٢١/ ٢/ ٤٧٢، وسيبويه: ١/ ٣٣٧، والجمل: ١٨٥، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ١٨٧، وشرح المفصل: ٢/ ٢٢، والعيني: ٤/ ٢٩٢، وديوان الفرزدق: ٤٨٢. =
[ ٤ / ٥٦ ]
وقال١: [البسيط]
٤٥٤- يا أسمُ صبرًا على ما كان حدث٢
_________________
(١) = المفردات الغريبة: مطيتي؛ المطية: الراحلة؛ من المطو وهو الإسراع، أو من المطا وهو الظهر؛ لأن راكبها يقتعد ظهرها. محبوسة: يريد ممنوعة من العودة إلى منزل صاحبها. الحباء: العطاء بلا جزاء. ربها: صاحبها. لم ييأس: لم يقطع الأمل في العطاء. المعنى: يقول للممدوح إنني باقٍ هنا أنا ومطيتي لم أبرح رحابك انتظارًا لعطائك، ولم أقطع الأمل في أن يصل إلي، ولا يزال رجائي معقودا بك. الإعراب: يا: حرف نداء، لا محل له من الإعراب. مرو: منادى مرخم مبني على الضم في محل نصب على النداء. إن: حرف مشبه بالفعل. مطيتي: اسم "إن" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وهو مضاف، وياء المتكلم: مضاف إليه. محبوسة: خبر "إن" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة ترجو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هي، يعود إلى المطية. الحباء: مفعول به منصوب؛ وجملة: "ترجو الحباء": في محل نصب على الحال. وربها: الواو حالية، رب: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، و"ها": في محل جر بالإضافة. لم: حرف نفي وجزم وقلب. ييأس: فعل مضارع مجزوم بـ "لم" وعلامة جزمه السكون وحرك بالكسر؛ لأجل الروي؛ والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو؛ وجملة "لم ييأس": في محل رفع خبر المبتدأ؛ وجملة "ربها لم ييأس": في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "يا مرو". وجه الاستشهاد: ترخيم المنادى: "مروان" بحذف النون والألف قبلها؛ وحكم هذا الترخيم الجواز؛ لاستيفائه الشروط المطلوبة؛ لجواز الترخيم. ١ القائل: هو لبيد بن ربيعة العامري، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: إن الحوادث ملقيٌّ ومنتظَرُ وينشد قبله: ترى الكثير قليلا حين تسأله ولا تخالجه المخلوجة الكثرُ وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٨٦، والأشموني: "٩٢٠/ ٢/ ٤٧٢"، والعيني: ٤/ ٢٨٨، وسيبويه: ٣٣٧، والجمل للزجاجي: ١٨٤، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٨٧ وليس في ديوان لبيد. =
[ ٤ / ٥٧ ]
بخلاف نحو: "شمأل" علما" فإن زائدة، وهو الهمزة، غير حرف لين؛ ونحو: "هَبَيَّخِ١، وقَنَوَّر"٢ علمين؛ لتحرك حرف اللين؛ ونحو: "مختار، ومنقاد" علمين؛ لأصالة الألفين٣؛ ونحو: "سعيد وثمود وعماد"؛ لأن السابق على حرف اللين اثنان٤؛ وبخلاف نحو: "فِرْعَون وغُرْنَيْق" علما؛ لعدم مجانسة
_________________
(١) = المفردات الغريبة: أسم: أصله أسماء. حدث: هو النازلة من نوازل الدهر، والجمع أحداث. ملقيٌّ: اسم مفعول من لقي. منتظَر: مرتقَب ومتوقَّع النزول. المعنى: اصبري يا أسماء على ما يطرأ من حوادث الدهر ونوازله؛ فإن حوادثه متتابعة محتومة؛ منها ما وقع وحصل، ومنها المنتظر وقوعه وحدوثه. الإعراب: يا: حرف نداء. اسم: منادى مرخم مبني على الضم في محل نصب على النداء؛ أو مبني على ضم الحرف المحذوف؛ للترخيم في محل نصب. صبرا: مفعول مطلق لفعل محذوف؛ والتقدير: اصبري صبرا. "على ما": متعلق بـ "صبرا" أو بالعامل المحذوف. كان: فعل ماضٍ تام بمعنى حصل، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى "ما". "من حدث": متعلق بمحذوف حال من "ما". إن: حرف مشبه بالفعل، لا محل له من الإعراب. الحوادث: اسم "إن" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ملقي: خبر "إن" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. ومنتظر: الواو عاطفة، منتظر: اسم معطوف على "ملقي" مرفوع مثله. موطن الشاهد: "يا أسم". وجه الاستشهاد: ترخيم "أسماء" بحذف الهمزة والألف قبلها؛ ومعلوم أنه لا يصح في هذا النوع المستوفي للشروط الاقتصاد على حذف الآخر وحده، بل يجب أن يحذف معه الحرف الذي قبله؛ إلا المختوم بالتاء؛ فتحذف وحدها. ١ تقول في ترخيمه: يا هبيَّ -والهبيخ "بفتح الهاء والباء وتشديد الياء مفتوحة" بزنة سفرجل: الغلام السمين الممتلئ لحما؛ والأنثى هبيخة. ٢ تقول في ترخيمه: يا قنوَّ -والقَنَوَّر "بفتحات مشدد الواو"، بزنة سفرجل: الضخم الرأس أو الصعب اليابس من كل شيء. ٣ فإنهما منقلبان عن أصل؛ فتقول في ترخيمهما: يا مختا، ويا منقا- بحذف الآخر ليس غير. ٤ فيقال في ترخيمهما: يا سعي، ويا ثمو، وعما، بحذف الدال فيها ليس غير، ولا يحذف ما قبلها من الياء والواو والألف وإن كان كل منها حرف لين زائد؛ ومن ذلك قول أوس بن حجر: تنكرت منا بعد معرفة لمي وبعد التصافي والشباب المكرم يريد "لميس"؛ فحذف السين، ووفر ما قبلها فأبقاه على حاله ومن ذلك قول يزيد بن محزم: فقلتم تعال يا يزي بن مُحَزَّمِ فقلت لكم إني حليف صداء الكتاب لسيبويه: ١/ ٣٣٦.
[ ٤ / ٥٨ ]
الحركة١، ولا خلاف في نحو: "مصطفون"، و"مصطفين" علمين؛ لأن أصلهما "مصطفيون"، و"مصطفيين"؛ فالحركة المجانسة مقدرة.
وإما كلمة برأسها؛ وذلك في المركب المزجي؛ تقول في معد يكرب: "يا معدي"٢.
وإما كلمة وحرف؛ وذلك في "اثنا عشر" تقول: "يا اثن"٣؛ لأن عشر في موضع النون؛ فنزلت هي والألف منزلة الزيادة في "اثنان" علما.
[في ترخيم من ينتظر المحذوف ومن لا ينتظره]:
فصل: الأكثر أن يُنوى المحذوف، فلا يغير ما بقي٤؛ تقول في جعفر: "يا
_________________
(١) ١ فتقول في ترخيمهما: يا فرعَوْ، ويا غرنَى؛ بحذف الآخر فقط. ولا يشترط الجرمي والفراء المجانسة، فيقولان: يا فرع، ويا غرن؛ لبقاء الاسم على ثلاثة أحرف. وغرنيق: اسم لطائر طويل العنق من طيور الماء معروف. التصريح: ٢/ ١٨٧. ٢ وكذلك تفعل في "سيبويه"، و"خمسة عشر" ونحوهما -مسمى بهما، تقول: يا سيب- ويا خمسة، ولا بد من وجود قرينة قوية، تدل على الأصل. ومنع كثير من النحاة ترخيم المركب المزجي؛ لعدم سماعه عن العرب؛ وهو الأقرب للصواب. ومنع الفراء ترخيم المركب العددي. ومنع أكثر الكوفيين ترخيم المختوم بويه. التصريح: ٢/ ١٨٧، والأشموني: ٢/ ٤٧٢. ٣ وتقول في "اثنتا عشرة": يا أثنت، ولم يعرف الترخيم بحذف الآخر وحرف قبل في غير هذين اللفظين من المركبات العددية؛ بشرط أن يسمى بهما؛ لئلا يلتبسا بنداء المثنى، وهو: اثنان، واثنتان. الأشموني: ٢/ ٤٧٢. ٤ بل يبقى على حاله قبل الحذف، من حركة، أو سكون، أو صحة، أو إعلال؛ لأن المحذوف في نية الملفوظ، ويستمر البناء على الضم واقعا على الحرف الأخير المحذوف؛ وتسمى هذه اللغة: لغة من ينتظر؛ وهي اللغة الفضلى؛ لأن المحذوف المنوي جدير بالمراعاة؛ وينبيغ الاقتصاد عليه في ترخيم المنادى المختوم بتاء التأنيث عند خوف اللبس. التصريح: ٢/ ١٨٨.
[ ٤ / ٥٩ ]
جعفَ" بالفتح، وفي حارث: "يا حارِ"١ بالكسر، وفي منصور: "يا منصُ" بتلك الضمة؛ وفي هرقل "يا هرقْ" بالسكون، وفي ثمود، وعلاوة، وكروان٢: "يا ثمو، ويا علا، ويا كَرَوَ".
ويجوز أن لا يُنوَى فيجعل الباقي؛ كأنه آخر الاسم في أصل الوضع٣؛ فتقول: "يا جعفُ، ويا حارُ، يا هرقُ" بالضم فيهِنَّ؛ وكذلك تقول: "يا منصُ" بضمة حادثة للبناء٤؛ وتقول "يا ثمي" بإبدال الضمة كسرة، والواو ياء، كما تقول في جرو، ودلو: الأجرِي، والأدلِي٥؛ لأنه ليس في العربية اسم معرب آخره واو لازمة مضموم ما قبلها، وخرج بالاسم الفعل نحو: "يدعو" وبالمعرب المبني نحو: "هو"، وبذكر الضم نحو: "دلو وغزو"، وباللزوم نحو: "هذا أبوك"٦، وتقول: "يا علاء" بإبدال الواو همزة؛ لتطرفها بعد الف زائدة كما في كساء، وتقول: "يا كرأ" بإبدال الواو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبله، كما في العصا.
[أحكام ما فيه تاء التأنيث]:
فصل: يختصُّ ما فيه تاء التأنيث بأحكام:
منها: أنه لا يشترط لترخيمه علمية؛ ولا زيادة على الثلاثة كما مر.
_________________
(١) ١ ومنه قول المهلهل بن ربيعة: يا حارِ لا تجهل على أشياخنا إنا ذوو السورات والأحلام ٢ العلاوة: ما يعلق على البعير بعد تمام الوقر. والكروان: طائر طويل العنق. ٣ وعليه يقع البناء؛ لأن ما حذف اعتبر كأنه انفصل نهائيا. وتسمى هذه اللغة: لغة من لا ينتظر. ٤ اختار الصبان أنه مبني على ضم مقدر، ويكون رفع التابع إتباعا للضم المقدر لا للضمة الملفوظ بها؛ وذلك خير من تكلف ذهاب ضمة أصلية وحدوث ضمة أخرى للبناء. حاشية الصبان: ٣/ ١٨١-١٨٢. ٥ الأصل: الأجرو، والأدلو؛ فقلبت الضمة كسرة والواو ياء؛ لعدم التنظير. ٦ فإن الواو فيه غير لازمة؛ لقلبها ألفا في النصب، وياء في الجر.
[ ٤ / ٦٠ ]
وإنه إذا حذفت منه التاء توفر من الحذف، ولم يستتبع حذفها حذف حرف قبلها؛ فتقول في عَقَنباة: "يا عقنبا.
وأنه لا يرخم إلا على نية المحذوف؛ تقول في مسلمة، وحارثة، وحفصة: "يا مسلم، ويا حارث، ويا حفص" بالفتح؛ لئلا يلتبس بنداء مذكر لا ترخيم فيه؛ فإن لم يُخَفْ لَبْس جازَ، كما في نحو: همزة، ومسلمة٢.
ونداؤه مرخما أكثر من ندائه تاما، كقوله٣: [الطويل]
٤٥٥- أفاطم مهلا بعض هذا التدلل٤
_________________
(١) ١ أي: بالألف والاقتصار على حذف التاء. وعقنباة: صفة للعقاب؛ إحدى الطيور الجارحة. يقال: هذه عقاب عقنباة. أي: ذات مخالب قوية. ٢ ومثلها: حمزة وطلحة؛ مما التاء فيه ليست للفرق بين المذكر والمؤنث. والهمزة: المغتاب: يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ ومسلمة: علم رجل ومن ذلك مسلمة بن عبد الملك بن مروان. ٣ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت من معلقته المشهورة وعجزه قوله: وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٨٩، والأشموني: "٩٠٨/ ٢/ ٤٦٧"، والعيني: ٤/ ٢٨٩، والهمع: ١/ ١٧٢، والدرر: ١/ ١٤٧، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٨٤، والمغني: "٣/ ١٧"؛ والسيوطي: ٦؛ وديوان امرئ القيس: ١٧٤. المفردات الغريبة: مهلا: مصدر مهل في الشيء: عمِله برفق ولم يعجل به. التدلل: أن يثق الشخص بحب غيره له فيجرؤ عليه ثقة به، وإظهار المرأة الغضب والتمنع وليست بغضبى. أزمعت: عزمت ووطنت النفس. صرمي: هجري وقطيعتي. المعنى: ترفقي بي يا فاطمة، واتركي الدلال وإظهار الهجر، وإن كنت قد اعتزمت هجري حقًا، ووطنت نفسك عليه؛ فأحسني في ذلك، وكوني بي رفيقة. المعنى: ترفقي بي يا فاطمة، واتركي الدلال وإظهار الهجر، وإن كنت قد اعتزمت هجري حقا، ووطنت نفسك عليه؛ فأحسني في ذلك، وكوني بي رفيقة. الإعراب: أفاطم: الهمزة حرف نداء للقريب، لا محل له من الإعراب، وفاطم: منادى مرخم مبني على الضم في محل نصب على النداء؛ ومبني على ضم الحرف المحذوف مهلا: مفعول مطلق لفعل محذوف منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. بعض: مفعول به منصوب؛ لفعل محذوف؛ والتقدير: دعي بعض؛ أو نحو ذلك، و"بعض" مضاف. هذا: الهاء للتنبيه، وذا: اسم إشارة في محل جر بالإضافة. التدلل: بدل من اسم الإشارة =
[ ٤ / ٦١ ]
لكن يشاركه في هذا مالك وعامر وحارث١
[جواز ترخيم غير المنادى بشروط]:
فصل: ويجوز ترخيم غير المنادى بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون ذلك في الضرورة.
الثاني: أن يصلح الاسم للنداء؛ فلا يجوز في نحو: "الغلام"٢.
_________________
(١) = مبرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. وإن: الواو عاطفة، "إن" شرطية جازمة. كنت: فعل ماضٍ ناقص مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك؛ والتاء في محل رفع اسم "كان"، وفعل "كنت" في محل جزم فعل الشرط. قد: حرف تحقيق، لا محل له من الإعراب. أزمعت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الكسر، في محل رفع فاعل. صرمي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم؛ والياء: في محل جر بالإضافة؛ وجملة: "أزمعت صرمي": في محل نصب خبر "كان". فأجملي: الفاء واقعة في جواب الشرط. أجملي: فعل أمر مبني على حذف النون؛ لاتصاله بياء المؤنثة؛ والياء: في محل رفع فاعل؛ وجملة "أجملي": في حل جزم جواب الشرط؛ لاقترانها بالفاء. موطن الشاهد: "أفاطم". وجه الاستشهاد: وقوع "فاطم" منادى مرخما بعد النداء، بحذف التاء؛ وحكم هذا الترخيم كثير وشائع؛ بل مجيئه مرخما بعد النداء أكثر من مجيئه غير مرخم. ١ فإن ترخيمها أكثر من تركه؛ لكثرة استعمالها في الشعر العربي في النداء، وأسماء الرجال، وهذا ما نص عليه سيبويه: من أن هذه الأعلام الثلاثة أكثر الأعلام استعمالا بالترخيم. ٢ أي: لمباشرة حرف النداء. ولا شك في أن الغلام لا يصلح لذلك بسبب وجود "أل"، وفي هذا يقول ابن مالك: ولاضطرار رخموا دون نِدَا ما للندا يصلح نحو: "أحمدا" والمعنى: أنهم رخموا للضرورة -في غير النداء- ما يصلح أن يكون منادى؛ نحو: "أحمد" ونص ابن مالك على شرطين؛ أن يكون الترخيم للضرورة، وأن يكون المرخم صالحا للنداء. وقد عرفت باقي الشروط سابقا، ولا يشترط للمرخم للضرورة أن يكون معرفة؛ فقد ترخم النكرة؛ كقول الشاعر: ليس حي على المنون بخالِ أي: "بخالد". انظر التصريح: ٢/ ١٨٩-١٩٠، وحاشية الصبان ٣/ ١٨٣-١٨٤.
[ ٤ / ٦٢ ]
الثالث: أن يكون إما زائدا على الثلاثة، أو بتاء التأنيث؛ كقوله١ [الطويل]
٤٥٦- طريف بن مالٍ ليلة الجوع والخَصَرْ٢
_________________
(١) ١ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ويروى بعده قوله: إذا البازل الكوماء راحت عشيَّةً تلاوذ من صوت المبسبس بالسَّحَرْ والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٩٠، والأشموني: ٩٢٣/ ٢/ ٤٧٧"، وابن عقيل: "٣١٦/ ٣/ ٢٩٥" والعيني: ٤/ ٢٨٠، وسيبويه: ١/ ٣٦٦، والهمع: ١/ ١٨١، والدرر: ١/ ١٥٧، وديوان امرئ القيس: ١٤٢. المفردات الغريبة: الفتى: يراد به هنا الرجل الجواد. تعشو: تنظر إلى ناره من بعيد، من عشا النار رآها ليلا من بُعْد فقصدها مستضيئا. الخَصَر: شدة البرد. المعنى: نعم الرجل السخي الكريم طريف بن مالك؛ تقصده الناس من بعيد مستضيئة بناره في زمن الحاجة والمسغبة عند اشتداد البرد؛ وزمن الشتاء عند العرب؛ هو زمن الحاجة والمجاعة، وفيه يظهر الجواد والشحيح. الإعراب: لنعم: لنعم موطئة للقسم، نعم: فعل ماضٍ لإنشاء المدح مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب. الفتى: فاعل "نعم" مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف؛ للتعذر. تعشو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الواو للثقل، والفاعل: ضمير مستتر رجوبا؛ تقديره: أنت؛ وجملة "تعشو": في محل نصب على الحال من "الفتى"؛ وصفة له. "إلى ضوء": متعلق بـ "تعشو"، وضوء: مضاف. ناره: مضاف إليه مجرور، وهو مضاف، و"الهاء": في محل جر بالإضافة؛ وجملة: "نعم الفتى ": في محل رفع خبر مقدم. طريف: مبتدأ مؤخر؛ وبدل من "الفتى"؛ أو خبر لمبتدأ محذوف. ابن: صفة لـ "طريف"، وهو مضاف. مال: مضاف إليه مجرور؛ وأصله: مالك؛ ورخم في غير النداء اضطرارا. "ليلة": متعلق بـ "تشعو"، وهو مضاف. الجوع: مضاف إليه مجرور. والخصر: الواو عاطفة، الخصر: اسم معطوف على الجوع مجرور مثله. موطن الشاهد: "ابن مال". وجه الاستشهاد: وقوع "مال" مضافا إليه مرخما للضرورة، في غير النداء؛ لأن أصله مالك؛ ونون على لغة من لا ينتظر.
[ ٤ / ٦٣ ]
ولا يمتنع على لغة من ينتظر المحذوف؛ خلافا للمبرد١؛ بدليل٢: [الوافر]
وأضْحَتْ منك شاسعة أماما٣
_________________
(١) ١ مرت ترجمته. ٢ قائل هذا البيت؛ هو جرير بن عطية، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: ألا أضحت حبالكم رماما وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٩٠، والأشموني: "٩٢٤/ ٢/ ٤٧٧"، والعيني: ٤/ ٢٨٢، ٣٠٢، وسيبويه: ١/ ٣٤٣، والنوادر لأبي زيد: ٣١، والجمل: ١٨٩، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٢٦، ٢/ ٧٩،٩١، والإنصاف: ٣٥٣، والخزانة: ١/ ٣٨٩، وديوان جرير: ٥٠٢. المفردات الغريبة: أضحت: معناها هنا صارت وتحولت. حبالكم: المراد، عهودكم وأواصر الألفة وروابط المحبة بيننا وبينكم. رماما: بالية ضعيفة، جمع رمة؛ وهي القطعة البالية من الحبل، شاسعة: بعيدة بُعدًا كبيرًا. المعنى: لقد تحول ما بيني وبينكم -أيها القوم- من أواصر الألفة وروابط المحبة، وصار ما بيننا من عهود الود وأسباب التواصل كأن لم يكن، وأصبحت محبوبتي "أمامة" بعيدة عني ليس في وصلها مطمع. الإعراب: ألا: حرف استفتاح وتنبيه، لا محل له من الإعراب. أضحت: فعل ماضٍ ناقص مبني على الفتح؛ المقدر على الألف المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين، والتاء: للتأنيث. حبالكم: اسم أضحى" مرفوع، وهو مضا ف، و"كم": مضاف إليه. رماما: خبر "أضحى" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وأضحت: الواو عاطفة، أضحى: فعل ماضٍ ناقص مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث. "منك": متعلق بـ "شاسعة" الآتي. شاسعة: خبر "أضحى" تقدم على اسمه. أماما: اسم "أضحى" مؤخر عن خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الحرف المحذوف للترخيم؛ الواقع ضرورة، في غير النداء؛ والألف للإطلاق. موطن الشاهد: "أماما" وجه الاستشهاد: مجيء "أمامة" مرخما في غير النداء، بحذف التاء، على لغة من ينتظر؛ وحكم هذا الترخيم الضرورة؛ ولو رخم على لغة من لا ينتظر؛ لقال: إمام بالضم؛ وهو الوجه الذي أوجبه المبرد؛ حيث يجري حركات الإعراب على آخر ما بقي من الكلمة بعد ترخيمها؛ والبيت الشاهد حجة عليه. =
[ ٤ / ٦٤ ]
_________________
(١) = ومثل البيت الشاهد قول الشاعر: أبو حنش يؤرقني وطلق وعمار وآونة أَثَالا أراد: وآونة أثالة؛ فحذف التاء على لغة من ينتظر؛ لأنه أبقى اللام مفتوحة كما كانت قبل حذف التاء. فائدة: يرد لفظ "صاح" منادى؛ وأصله: صاحب؛ فنودي نداء ترخيم. بحذف الباء على القاعدة؛ وهذا أولى من قول من يقول: إن أصلها "صاحبي"؛ لأن فيه شذوذا بحذف ياء المتكلم والباء؛ وما لا شذوذ فيه أولى. ضياء السالك: ٣/ ٢٧٨. فائدة: ذكر الأشموني نقلا عن صاحب التسهيل: "لا يرخم في غير الضرورة منادى عارٍ من الشروط إلا ما شذ من "يا صاح، وأطرق كرا على الأشهر؛ إذ الأصل: صاحب، وكروان فرخما مع عدم العلمية شذوذا، وأشار بالأشهر إلى خلاف المبرد؛ فإنه زعم أنه ليس مرخما؛ وإن ذكر الكروان يقال له: كرا" حاشية الصبان: ٣/ ١٨٥.
[ ٤ / ٦٥ ]
[باب المنصوب على الاختصاص]:
هذا باب المنصوب على الاختصاص١:
[تعريف المنصوب على الاختصاص]:
وهو اسم معمول لأخص واجب الحذف٢.
_________________
(١) ١ الاختصاص: مصدرا اختصصته بكذا، أي خصصته به وقصرته عليه؛ فهو لغة: قصر الحكم على بعض أفراد المذكور أولا. واصطلاحا: إصدار حكم على ضمير مبهم لغير الغائب بعده اسم ظاهر معرفة يوضحه ويختص بهذا الحكم. وهو معمول لـ "أخص" محذوفا وجوبا. ومثل أخص: أعني، أقصد، أريد، أو ما شاكل هذا، غير أن لفظ "أخص" هو المشهور؛ ومنه سمي الاختصاص. والكلام المشتمل على الاختصاص خيب استعمل في صورة الداء من باب التوسع ونظيره أنهم استعملوا صورة الأمر في الخبر قياسا في نحو: "أجمل بذي المروءةَ! "، وهو صيغة من صيغتي التعجب؛ كما استعملوا صيغة الخبر في الأمر والدعاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ أي: ليرضعن أولادهم. والباعث على الاختصاص: إرادة القصر والتخصيص؛ وقد يكون الفخر؛ نحو: أنا -العربي- أن لا استكين للمذلة؛ والتواضع نحو: إني -أيها الضعيف- قوي الإيمان؛ وقد يكون الغرض منه تفصيل وبيان ما يراه من الضمير؛ من جنس، أو نوع أو عدد، نحن -بني الإنسان- نخطئ ونصيب؛ ونحن- الجنود- قدوة في الكفاح، نحن -العشرة- أعضاء الاتحاد. التصريح: ٢/ ١٩٠، الهمع: ١/ ١٧٠، وضياء السالك: ٣/ ٢٨٠. ٢ وعليه: فيكون تقدير الفعل المحذوف: أخص أو أعني -كما قدره سيبويه- وقدره ابن الناظم في نحو قولهم: "اللهم اغفر لنا أيتها العصابة" على معنى: اللهم افر لنا مختصين من بين العصائب؛ وعلي هذا، تكون الجملة "من الفعل المحذوف والاسم المنصوب على الاختصاص": في محل نصب على الحال؛ ولكن ليس باطراد؛ لأنها قد تكون معترضة، كما سيأتي. حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٩٠-١٩١. وحاشية الصبان: ٢/ ١٨٦-١٨٧.
[ ٤ / ٦٦ ]
[حكم "أي" و"أية"]:
فإن كان "أيها"، أو "أيتها"، استعملا كما يستعملان في النداء؛ فيضمان ويوصفان لزوما باسم لزم الرفع محلىً بـ "أل"؛ نحو: "أنا افعل كذا أيها الرجل" و"اللهم اغفر لنا أيتها العصابة"١
_________________
(١) ١ ما ذهب إليه المؤلف، هو مذهب الجمهور، ويعني: أن الاختصاص، إذا كان بلفظ: "أيها" المستعمل في المذكر؛ مفردا أو مثنى أو جمعا -أو كان بلفظ: "أيتها"- المستعمل في المؤنث؛ مفردا أو مثنى أو جمعا -كان اللفظان مبنيين على الضم، في محل نصب؛ والناصب له: فعل محذوف وجوبا؛ تقديره: أخص أو أعني وما شابه ذلك؛ فهو على هذا: مفعول به؛ وجملة: "أخص أيها وأعني أيتها": قد تكون في محل نصب على الحال؛ وقد تكون اعتراضية، لا محل لها؛ كما في قولهم: "نحن المعلمين أكثر الناس عطاء"؛ فجملة "أخص المعلمين": لا محل لها؛ لأنها اعترضت بين المبتدأ "نحن"، وخبرة: أكثر الناس عطاء. انظر التصريح: ٢/ ١٩١. وحشاية الصبان: ٣/ ١٨٦. فائدة أولى: ذهب الأخفش إلى أن "أيها وأيتها" في مثل قولك: "أنا -أيها العبد- فقير إلى عفو الله": منادى -بحرف نداء محذوف- وهو مبني على الضم، في محل نصب على النداء، وقال: لا ينكر أن ينادي الإنسان نفسه؛ ألا ترى إلى قول عمر ﵁: "كل الناس أفقه منك يا عمر". حاشية الصبان: ٣/ ١٨٧. والتصريح: ٢/ ١٩١. فائدة ثانية: ذهب السيرافي إلى أن كلا من "أي، وأية" في الاختصاص اسم معرب مرفوع؛ وهو يحتمل وجهين من الإعراب. أحدهما: أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ والتقدير في قولك؛ "أنا -أيها العبد- فقير إلى عفو الله": أنا هو أيها العبد. ثانيهما: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ والتقدير في المثال المذكور: أنا أيها العبد المخصوص.. ويلاحظ في هذا الرأي، وسابقه تكلف ظاهر وبعد عن سلامة السياق؛ مما يجعلهما رأيين غير مقررين، ولا يؤخذ بهما؛ والصواب: ما ذهب إليه جمهور النحاة. حاشية الصبان: ٣/ ١٨٧. والتصريح: ٢/ ١٩٠-١٩١.
[ ٤ / ٦٧ ]
وإن كان غيرهما نصب١، نحو: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث"٢
[ما يفارق فيه الاختصاص المنادى]:
ويفارق المنادى في أحكام٣:
أحدهما: أنه ليس معه حرف نداء لا لفظا، ولا تقديرا.
الثاني: أنه لا يقع في أول الكلام؛ بل في أثنائه؛ كالواقع بعد "نحن" في الحديث المتقدم، أو بعد تمامه؛ كالواقع بعد "أنا" و"نا" في المثالين قبله.
_________________
(١) ١ أي: وجوبا؛ سواء كان معرفا بالإضافة، كما مثل المصنف، أو بـ "أل"، نحو: نحن العرب أسخى من بذل. أو كان علما غير مضاف، وذلك قليل؛ نحو: أنا الطبيب لا أتواني من إجابة الداعي، ومنه قول رؤبة: بنا تميما يشكف الضباب ضياء السالك: ٣/ ٢٨٠-٢٨١. ٢ هذا جزء من حديث شريف، وتمامه: "ما تركناه صدقة" ما: اسم موصول مبتدأ. تركناه: الجملة صلة. صدقة: خبر المبتدأ. والحديث أخرجه: البخاري: ٦/ ١٩٧، والبداية والنهاية لابن كثير: ٤/ ٢٠٣. موطن الشاهد: "نحن معاشر". وجه الاستشهاد: انتصاب "معاشر" على الاختصاص؛ لمعمول واجب الحذف. ٣ ويوافق الاختصاص النداء في أمور هي: أ- أن كلا منهما يفيد الاختصاص، وهو في هذا الباب خاص بالمتكلم أو المخاطب، وفي باب النداء مقصور على المخاطب. ب- أن كلا منهما للحاضر -أي المتكلم أو المخاطب- وإن كان النداء لا يكون للمتكلم. ج- أن كلا منهما يرى معه الاسم -أحيانا- مبنيا على الضم في محل نصب في "أي" و"أية" مع وجود "ها" التنبيه، والنعت بعدهما، وتارة يكون منصوبا. د- أن الاختصاص يقصد به تقوية المعنى وتوكيده، وكذلك يكون النداء أحيانا فقولك لمن تحدثه وهو مصغٍ إليك: "قد كان كذا وكذا يا فلان"، وقعت فيه عبارة "يا فلان" موقع التوكيد؛ لأنك تطلب بها إقبال من هو مقبل عليك. التصريح: ٢/ ١٩١.
[ ٤ / ٦٨ ]
والثالث: أنه يشترط أن يكون المقدم عليه اسما بمعناه١؛ والغالب كونه ضمير تكلم؛ وقد يكون ضمير خطاب؛ كقول بعضهم: "بك -الله- نرجو الفضل"٢.
والرابع والخامس: أنه يقل كونه علما، وأنه ينتصب٣ مع كونه مفردا، كما في هذا المثال.
والسادس: أنه يكون بـ "أل" قياسا؛ كقولهم: "نحن العرب أقرى الناس للضيف".
_________________
(١) ١ أي: بأن يكون المراد منهما شيء واحد. ٢ بك: متعلق بـ "نرجو". "الله" لفظ الجلالة منصوب على الاختصاص، وهو علم. الفضل: مفعول نرجو؛ هذا ولا يقع المختص بعد ضمير غيبة، ولا بعد اسم ظاهر. ٣ أي: لفظا لا محلا فقط، وهذا في غير "أي"، و"أية"؛ فإن نصبهما محلا ليس غير؛ لأنهما مبنيان على الضم في محل نصب.
[ ٤ / ٦٩ ]
[باب التحذير]:
هذا باب التحذير
[تعريف التحذير]:
وهو: تنبيه المخاطب على أمر مكروه؛ ليجتنبه١.
فإن ذكر المحذر بلفظ "إيا"؛ فالعامل محذوف لزوما٢؛ سواء عطفت عليه؛ أم كررته؛ أم لم تعطف ولم تكرر٣؛ تقول: "إياك والأسد" الأصل: "احذر تلاقي
_________________
(١) ١ هذا التعريف شبه لغوي؛ لأن التحذير مصدر معناه التخويف، والمناسب للنحوي الذي يبحث عن أحوال الكلم إعرابا وبناء- أن يقال في التعريف: اسم منصوب معمول لفعل مضمر تقديره: أحذر ونحوه. والأصل في أسلوب التحذير: أن يشتمل على ثلاثة أشياء: المحذر: وهو المتكلم الذي يوجه التحذير لغيره. والمحذر: وهو الذي يتوجه إليه التنبيه والتحذير. والمحذر منه: وهو الشيء الذي يطلب تجنبه والبعد عنه، وقد يقتصر على بعض هذه الأمور كما سيأتي، ويكون التحذير بأمور كثيرة؛ كصورة الأمر، أو النهي، تقول: افعل كذا- ولا تفعله، ولكن المقصود في هذا الباب أساليب خاصة؛ تخضع لضوابط وقواعد وضعها النحاة ويكون بثلاثة طرق: أ- ذكر المحذور: وهو "إياك" وفروعه؛ أما بعطف المحذور منه على "إياك"؛ نحو: إياك والأسد؛ أو بخفضه بمن نحو: إياك من الإهمال. ب- ذكر المحل المخوف عليه؛ ويكون بذكره نائبا عن "إيَّا" مضافا إلى كاف خطاب للمحذر من غير عطف ولا تكرار. أو من العطف أو التكرار، مثل: يدك نفسك. أي: نفسك والأسد، أو نفسك نفسك. ج- ذكر المحذر فيه مكررا أو معطوفا عليه- أو بدونهما؛ نحو: البرد البرد- البرد والمطر، وسيأتي بيان لذلك. وانظر ضياء السالك: ٣/ ٢٨٣. ٢ لأنه لما كثر التحذير بلفظ: "أيا"؛ جعلوه عوضًا عن اللفظ بالفعل والتزموا معه إضمار العامل، ولا يجمع بين العوض والمعوض؛ وهو منصوب باعتباره مفعولا به للمحذوف. ولا بد من أن يذكر بعده المحذر منه. ٣ الأحسن: أنه إذا سبقت الاسم المذكور بعد "إياك" واو العطف: أن يُختار فعل يناسب المعطوف غير الفاعل الناصب لـ "إياك"؛ فيكون في الأسلوب فعلان محذوفان وجوبا مع مرفوعهما.
[ ٤ / ٧٠ ]
نفسك والأسد"١،ثم حذف الفعل وفاعله، ثم المضاف الأول، وأنيب عنه الثاني؛ فانتصب٢، ثم الثاني، وأنيب عنه الثالث فانتصب وانفصل٣.
[عامل التحذير]:
وتقول: "إياك من الأسد"٤؛ والأصل: "باعد نفسك من الأسد"، ثم حذف باعد وفاعله والمضاف٥؛ وقيل: التقدير "أحذرك من الأسد"، فنحو: "إياك الأسد" ممتنع على التقدير الأول، وهو قول الجمهور٦، وجائز على الثاني، وهو رأي ابن الناظم ٧، ولا خلاف في جواز: "إياك أن تفعل"٨ لصلاحيته لتقدير من.
_________________
(١) ١ بجر "نفس"، و"الأسد". ٢ فصار: نفسك والأسد؛ بنصبهما. ٣ أي بعد أن كان مجرورًا متصلا، وذلك لتعذر أتصاله؛ فصار: "إياك"، ويقال في أعرابه: "إياك" في محل نصب مفعول به بفعل محذوف وجوبا؛ تقديره: أحذر ونحوه؛ والكاف: حرف خطاب "والأسد" معطوف على "إياك". والأحسن: أن يكون منصوبا بفعل آخر مضمر وجوبا يناسب الكلام -كما أسلفنا- ويكون من عطف الجمل. ٤ أي: بجر المحذر منه "بمن"؛ بدلا من العطف بالواو. ٥ أي: وهو "نفس" فانفصل الضمير وانتصب، "فإياك" منصوب بـ "باعد" المحذوف، "ومن الأسد" متعلق به. ٦ لأن "باعد" لا يتعدى بنفسه إلى مفعولين، ولا يجوز نصب "الأسد" بنزع الخافض وهو "من"؛ لأن ذلك سماعي في غير أن، وأن، وكي. ٧ لأن "احذر" يتعدى إلى مفعولين بنفسه؛ قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، وينبني على التقديرين: أن الكلام على تقدير الجمهور إنشائي، وعلى تقدير ابن الناظم خبري. والحق -كما رأي بعض المحققين: أنه لا يتعين تقدير: "باعد" ولا "أحذر" ولا غيرهما؛ بل الواجب تقدير ما يؤدي الغرض، ويناسب الحال؛ مثل: دع، اتق إلخ؛ لأن المقدر ليس أمرا متعبدا به لا يعدل عنه. وينبغي الأخذ بهذا الرأي عند تقدير المحذوف في كل ما يحتاج إلى تقدير. ضياء السالك: ٣/ ٢٨٤. ٨ أي: مما فيه المحذر منه "أن" المصدرية وصلتها؛ لأن حذف الجر قبل "أن" جائز في سعة الكلام.
[ ٤ / ٧١ ]
[لا تكون "إيا" لمتكلم]:
ولا تكون "إيا" في هذا الباب لمتكلم١، وشذ قول عمر ﵁: "لِتُذَكّ لكم الأسلُ والرماحُ والسهامُ، وإياي وأن يحذف أحدُكُم الأرنبَ"٢ وأصله: إياي باعدوا عن حذف الأرنب، وباعدوا أنفسكم أن يحذف أحدكم الأرنب٣، ثم حذف من الأول المحذور٤، ومن الثاني المحذر٥.
[لا يكون لغائب]:
ولا يكون لغائب٦، وشذ قول بعضهم: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشوَابِّ"٧ والتقدير: فليحذر تلاقي نفسه وأنفس الشواب٨؛ وفيه شذوذان؛ أحدهما: اجتماع حذف الفعل، وحذف حرف الأمر٩؛ والثاني: إقامة الضمير، وهو "إيا" مقام الظاهر، وهو الأنفس؛ لأن المستحق للإضافة إلى الأسماء الظاهرة، إنما هو المظهر لا المضمر١٠.
_________________
(١) ١ لأن المتكلم لا يحذر نفسه، ولم يلزم عليه من اتحاد المحذور والمحذر. ٢ "لتذك" اللام لام الأمر، وتذك مضارع مجزوم بها؛ من التذكية وهي الذبح. الأسل؛ أصله: الشوك الطويل من شوك الشجر، المراد به هنا: مارق وأرهف من الحديد؛ كالسيف والسكين، ونحوهما، يأمر ﵁ أن يكون الذبح بالأسل، والرماح، أو السهام عند الرمي بها، وينهى عن حذف الأرنب وغيره بنحو حجر؛ فإن ذلك لا يحله. التصريح: ٢/ ١٩٤. ٣ الصواب: أنهما تحذيران حذف من كل منهما نظير ما أثبته الآخر؛ وهو قول الجمهور والزجاج. ٤ أي: وهو حذف الأرنب. ٥ وهو: أنفسكم. ٦ ذلك: لاختصاص التحذير المخاطب، والغائب لا يحذر. ٧ قول سمع عن العرب؛ كما قال سيبويه. والشوابّ: جمع شابَّة، ويروى: السوءات جمع سوأة؛ ومعناه: إذا بلغ الرجل ستين سنة؛ فلا ينبغي له أن يولع بشابة، أو أن يفعل سوأة. ٨ فقد حذف الفعل ما فاعله، ثم المضاف الأول؛ وهو "تلاقي" وأنيب عنه الثاني؛ وهو "نفس" ثُمَّ الثاني؛ فانفصل الضمير وانتصب، وأبدل أنفس بإيا. ٩ ولام الأمر لا تحذف إلا في الضرورة. فحذفها مع مجزومها أشد. ١٠ ذلك؛ لأن الإضافة للتعريف، أو للتخصيص، والضمير في غنىً عن ذلك؛ لأنه أعرف المعارف، قال صاحب اللمع: ويجوز أن يكون المحذر منه ضميرا غائبا معطوفا على المحذر؛ كقول الشاعر: فلا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه وعلى ذلك لا يكون التحذير بضميري الغائب والمتكلم شاذًّا؛ إلا إذا كان محذرا لا محذرا منه، وهذا وما قبله؛ هما الأسلوبان الثاني والثالث، من أساليب التحذير اللذان أشرنا إليهما سابقا. ضياء السالك: ٣/ ٢٨٦.
[ ٤ / ٧٢ ]
وإن ذكر المحذر بغير لفظ "إيا"، أو اقتُصِرَ على ذكر المحذر منه، فإنما يجب الحذف إن كررت أو عطفت، فالأول نحو: "نفسك نفسك" والثاني نحو: "الأسد الأسد" و: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ١، وفي غير ذلك يجوز الإظهار؛ كقوله٢: [البسيط]
٤٥٨- خل الطريق لمن يبنِي المنار به٣
_________________
(١) ١ "٩١" سورة الشمس، الآية: ١٣. موطن الشاهد: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ . وجه الاستشهاد: انتصاب "ناقة" بفعل مضمر وجوبا على التحذير، ولفظ الجلالة مضاف إليه، وسقياها: معطوف على "الناقة"؛ والتقدير: ذروا ناقة الله وسقياها: فلا تمنعوها عنها؛ فعطفت الواو محذرا منه على مثله، ويجوز أن تكون الواو للمعية؛ وحينئذ يجوز إظهار العامل لعدم العطف. ٢ القائل: هو: جرير بن عطية الشاعر الأموي وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت في هجاء عمر بن لجأ، وعجزه قوله: وابرز ببرزة حيث اضطرك القدرُ وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ١٩٥، والأشموني: "٩٨٢/ ٣/ ٤٨١"، والعيني: ٤/ ٣٠٧، وسيبويه: ١/ ١٢٨، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٤٢، وشرح المفصل: ٢/ ٣٠، وديوان جرير. المفردات الغريبة: خل: أمر من التخلية، أي اترك ودع، الطريق المراد هنا: سبيل المجد والشرف. المنار: علامات توضع في الطريق؛ ليهتدي بها السالكون. المعنى: اترك طريق المجد وسبيل العظمة والشرف لمن يعمل له، ويأخذ في أسبابه، فلست له أهلا. واسلك مع أمك طريق الغي والضلال؛ حيث ألجأك القدر الذي لا يغالب. وقيل: إن المراد ببرزة: الأرض الواسعة، والباء فيه للظرفية بمعنى "في". =
[ ٤ / ٧٣ ]
_________________
(١) = الإعراب: خل: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل: أنت. الطريق: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. "لمن": متعلق بـ "خل". يبني: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو، يعود إلى "من" الموصولة. المنار: مفعول به منصوب لـ "يبني". "به": متعلق بـ "يبني"؛ وجملة "يبني": صلة للموصول، لا محل لها. وابرز: الواو عاطفة، ابرز: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل: أنت. "ببرزة": متعلق بـ "ابرز" و"برزة" ممنوع من الصرف. حيث: ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بـ "ابرز". اضطرك: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والكاف: ضمير متصل مبني على الفتح في محل نصب مفعولٍ به. القدر: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وجملة: "اضطرك القدر": في محل جر بالإضافة. موطن الشاهد: "خلِّ الطريق". وجه الاستشهاد: إظهار العامل "خلِّ" في التحذير؛ لكون المحذر منه "الطريق" غير مكرر، ولا معطوف عليه. خلاصة وتوجيه: إذا كان التحذير بـ "أيا" وفروعها؛ وجب نصب هذا الضمير بعامل محذوف مع مرفوعه وجوبا؛ سواء كان الضمير مكررا أو لا؛ معطوفا عليه، أو لا؛ ولك أن تخفض المحذر منه بمن؛ فتقول: إياك من الإهمال، أو أن تنصبه بغير عطف؛ فتقول: إياك الأسد. وإن كان التحذير بغير ذلك؛ وجب نصب الاسم بعامل محذوف مع مرفوعه وجواب؛ بشرط العطف والتكرار؛ فإن لم يوجد عطف ولا تكرار؛ كان النصب بعالم محذوف جوازا. ويجوز ضبط الاسم بغير النصب ولا يتعين الأسلوب للتحذير حينئذٍ. انظر التصريح: ٢/ ١٩٥. وضياء السالك: ٣/ ٢٨٧.
[ ٤ / ٧٤ ]
[باب الإغراء ١]:
هذا باب الإغراء
[تعريف الإغراء وحكمه]:
وهو: تنبيه المخاطب على أمر محمود ليفعله٢.
وحكم الاسم فيه حكم التحذير الذي لم يذكر فيه "أيا"؛ فلا يلزم حذف عامله إلا في عطف أو تكرار؛ كقولك: "المروءة والنجدة"؛ بتقدير: الزم، وقوله٣: [الطويل]
٤٥٩- أخاك أخاك إن من لا أخا له٤
_________________
(١) ١ الإغراء: مصدر أغريت فلانا بكذا: حببته إليه، وحملته على فعله. ٢ يقال في هذا التعريف ما قيل في التحذير؛ والفعل المقدر هنا: الزم ونحوه؛ وأسلوب الإغراء يشمل: المغرِي؛ وهو المتكلم، والمغرَى؛ وهو المخاطب؛ والمغرَى به؛ وهو الأمر المحبوب. ٣ القائل: هو مسكين الدارمي، ربيعة بن عامر بن أنيف الدارمي التميمي؛ شاعر عراقي شجاع، ومن أشراف تميم، لقب بمسكين لأبيات قالها؛ له أخبار مع معاوية بن أبي سفيان، وزياد بن أبيه. توفي سنة ٨٩هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٥٤٤، تجريد الأغاني: ٢١٠٨، الأعلام: ٣/ ١٦، الخزانة: ١/ ٤٦٧، السمط: ١٨٦. ٤ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ والبيت من شواهد: التصريح: ٢/ ١٩٥، والأشموني: "٩٢٩/ ٢/ ٤٨٢"، والعيني: ٤/ ٣٠٥، وسيبويه: ١/ ١٢٩، والخصائص: ٢/ ٤٨٠، والخزانة: ١/ ٤٦٥، والهمع: ١/ ١٧٠، ٢/ ٢٢٥ والدرر: ١/ ١٤٦،٢/ ١٥٨، والشذور: "١٠٦/ ٢٩٣"، ونسبه الأعلم: ١/ ٤٢٩ إلى إبراهيم بن هرمة القرشي، وملحقات ديوان إبراهيم بن هرمة: ٢٦٣، وديوان مسكن الدرامي: ٢٩. المفردات الغريبة: الهيجا: الحرب، وهي تمد وتقصر.
[ ٤ / ٧٥ ]
ويقال: "الصلاةَ جامعةً"؛ فتنصب "الصلاة" بتقدير احضروا، و"جامعة"١ على الحال؛ ولو صرح بالعامل لجاز٢.
_________________
(١) = المعنى: الزم أخاك ولا تفارقه، واحرص عليه؛ فالشخص الذي ليس له أخٌ يعينه ويعضده؛ كمن يذهب إلى الحرب، وليس معه عدتها ولا أداتها. الإعراب: أخاك: اسم منصوب على الإغراء بفعل محذوف وجوبا؛ والتقدير: الزم أخاك، وهو مضاف، وضمير المخاطب: مضاف إليه. أخاك: توكيد لفظي للأول. إن: حرف مشبه بالفعل، لا محل له من الإعراب. من: اسم موصول بمعنى الذي، في محل نصب اسم "إن". لا: نافية للجنس، تعمل عمل "إن". أخا: اسم "إن" مبني على الفتح المقدر على الألف في محل نصب. "له": متعلق بالخبر المحذوف؛ على رأي أبي على الفارسي وابن الطراوة؛ خلافا لجمهرة النحاة. ويجوز أن يكون خبر "لا" محذوفا؛ و"أخا": مضاف إلى ضمير "له" واللام الزائدة؛ والتقدير: إن الذي لا أخاه موجود؛ وجملة "لا أخا له": صلة للموصول، لا محل لها. "كساع": متعلق بمحذوف خبر "إن". "إلى الهيجا": متعلق بـ "ساعٍ". "بغير": متعلق بـ "ساعٍ". أيضا؛ و"غير": مضاف، سلاح: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. موطن الشاهد: "أخاك أخاك". وجه الاستشهاد: انتصاب "أخاك" بعامل محذوف؛ وحكم حذف العامل هنا الوجوب؛ لأن لفظ أخاك مكرر كما رأينا، وهو توكيد للأول. ١ أوجه إعراب هذه العبارة:
(٢) نصب الاسمين؛ وهو أحسنها، وقد بينه المؤلف.
(٣) رفع الاسمين، على أن يكون الأول مبتدأ والثاني خبرا عنه.
(٤) رفع الأول: على أنه مبتدأ حذف خبره، ونصب الثاني: على أنه حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف؛ وكأنك قلت: الصلاة مطلوبة حال كونها جامعة.
(٥) نصب الاسم الأول، ورفع الاسم الثاني؛ أما نصب الأول فعلى الإغراء، نعني أنه مفعول به لفعل محذوف؛ وأما رفع الاسم الثاني فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف. وكأنك قد قلت: احضروا الصلاة وهي جامعة. ٢ أي لعدم العطف والتكرار. توجيهات:
(٦) الغالب في أساليب الإغراء والتحذير: أن تكون إنشائية طلبية تبعا لعاملها الدال على الطلب.
(٧) يلحق بالتحذير والإغراء في التزام إضمار الناصب: المثل، وشبهه؛ نحو: "الكلاب
[ ٤ / ٧٦ ]
_________________
(١) = على البقرة"؛ مثل معناه: خل الناس خيرهم وشرهم، واغتنم أنت طريق السلامة. "أحشفا وسوء كيلة": مثل يضرب لمن يظلم الناس من وجهين. "مرحبا أهلا وسهلا" "من أنت وزيدا": مثل يضرب لمن يذكر عظيما بسوء. وتقدير المضمر في هذا كله على الترتيب: أرسل، أتبيع؟، أصبت، وأتيت، ووطئت. كتاب سيبويه: ١/ ٢٥٣. ٣ الواو في الإغراء لا يتحتم أن تكون عاطفة، فقد تكون للمعية؛ نحو: الاستذكار والفهم كي تنتفع بما تقرأ. وقد تكون للعطف وحده، فيراعي ما يقتضيه المقام.
[ ٤ / ٧٧ ]
[هذا باب أسماء الأفعال١]:
هذا باب أسماء الأفعال
[تعريف اسم الفعل]:
اسم الفعل: ما ناب عن الفعل معنى واستعمالا؛ كـ "شتان"، و"صه" و"أوه"٢.
_________________
(١) ١ اسم الفعل هو: اسم ينوب عن فعل معين، ويتضمن معناه، وزمنه، ويعمل عمله من غير أن يقبل علامته ويتأثر بالعوامل، ويمتاز عن الفعل الذي هو بمعناه بأنه أقوى منه في الدلالة على أداء المعنى وإبرازه كاملا مع إيجاز في اللفظ أحيانا؛ لالتزامه صورة واحدة، لا تتغير غالبا مع الإفراد والتذكير وفروعهما. ٢ ذهب النحاة في بيان ما تدل عليه أسماء الأفعال مذاهب كثيرة؛ منها: أ- أنها -أي أسماء الأفعال- تدل على الألفاظ المكونة من الحروف الهجائية؛ وهذه الألفاظ تدل على لفظ الأفعال؛ فـ "شتان" مثلا: اسم للفظ المبدوء بالشين والمنتهي بالنون؛ وهذا الاسم يدل على لفظ "افترق" الدال على الحدث؛ وهو الافتراق، والزمان الذي هو الماضي؛ وهذا رأي جمهور البصريين. ب- أنها تدل على الألفاظ المكونة هي منها؛ وهذه الألفاظ، تدل على معاني الأفعال؛ وهي الأحداث والأزمنة؛ وهذا الرأي، ينسب إلى سيبويه ومتابعيه، وارتضاه صاحب البسيط؛ وهو الظاهر من كلام المؤلف. ج- أنها نائبة عن المصادر؛ والمصادر نائبة عن الأ فعال؛ وهذا رأي جماعة من البصريين؛ وهو مردود لأمرين. أحدهما: لأن المصادر، لم توضع للدلالة على الزمان، فلو كان اسم الفعل، قد وضع للدلالة على المصدر، لم يكن دالًا على الزمان، ولم يكن منه الماضي، والمضارع، والأمر. ثانيهما: لأن المصادر النائبة عن الأفعال معربة؛ وأسماء الأفعال مبنية. د- أنها أفعال حقيقية؛ لأنها تدل على ما يدل عليه الفعل من الحدث والزمان؛ وهو رأي الكوفيين؛ وهذا فاسد للأسباب التالية:
(٢) لأنها ليست على صيغ الأفعال المعروفة في العربية.
[ ٤ / ٧٨ ]
والمراد بالاستعمال: كونه عاملا غير معمول١، فخرجت المصادر والصفات في نحو: "ضربًا زيدًا"، و"أقائم الزيدان"؛ فإن العوامل تدخل عليها٢.
[معاني أسماء الأفعال]:
ووروده بمعنى الأمر كثير؛ كـ "صه"، و"مه"، و"آمين" بمعنى: اسكت، وانكفف، واستجب، ونزال، وبابه٣؛ وبمعنى الماضي والمضارع قليل؛
_________________
(١) لأن منها ما ينون؛ ومعلوم أن الفعل لا ينون بحال.
(٢) لأن منها ما وضع على حرفين أصالة؛ نحو: مه، وصه؛ ومعلوم أنه لا يوجد في العربية فعل وضع على حرفين أصلا.
(٣) لأنها لا تتصل بها ضمائر الرفع البارزة؛ والضمائر تتصل بالأفعال كما هو معلوم.
(٤) لأن الدال على الأمر منها لا يتصل به نون التوكيد؛ وهي تتصل بالفعل. وذهب الأخفش: إلى أن أسماء الأفعال لا محل لها من الإعراب، ووافقه ابن مالك وجماعة. وذهب المازني إلى أنها في محل نصب بفعل محذوف؛ بناء على أنها نائبة عن المصادر. وذهب المازني إلى أنها في محل نصب بفعل محذوف؛ بناء على أنها نائبة عن المصادر. وذهب آخرون إلى أنها في محل رفع بالابتداء، والاسم بعدها: فاعل سد مسد الخبر والصواب: ما ذهب إليه الأخفش وابن مالك ومن وافقهما. انظر تفصيل ذلك في: الأشموني: ٢/ ٤٨٤-٤٨٥، والتصريح: ٢/ ١٩٥، وحاشية الصبان: ٣/ ١٩٥؛١٩٦. ١ أي: العامل يقتضي الفاعلية والمفعولية، فلا يُرَدُّ أنَّه يكون معمولا للحروف الناصبة، أو الجازمة. ٢ فضربا منصوب بما ناب عنه وهو أضرب، وقائم مرفوع بالابتداء. ٣ ذهب المبرد إلى أن اسم الفعل لا ينقاس في شيء أصلا، وأنه يجب الاقتصار منه على ما سمع من العرب؛ وقياسه ابتداع لما لم يسمع عن العرب من الأسماء. وذهب غير المبرد إلى أن اسم الفعل من باب "نزال" قياسي؛ ووجهه أنه باب واحد كثر استعمال العرب له على منهج واحد، ولذا، لا يمنع قياس ما لم يرد، على نهج ما ورد عنهم منه؛ وأصحاب هذا المذهب، رأوا القياس في كل فعل ثلاثي تام متصرف، وما ورد خلاف ذلك؛ فهو شاذٌّ. وأما الفعل الرباعي؛ أو الثلاثي المزيد فيه؛ فلا ينبني منه؛ وعليه، فقد شذَّ قول الراجز: قالت له ريح الصبا قرقار لأن "قرقار" من فعل "قرقر"، وشذ قولهم: "دراك" من "أدرك" الرباعي؛ خلافا لابن طلحة الذي أجاز بناءه من "أفعل" الرباعي، وجعل "دراك" قياسيا. وذهب الأخفش إلى =
[ ٤ / ٧٩ ]
كـ "شتان"، و"هيهات"، بمعنى افترق وبعد، و"أوه" و"أف": بمعنى أتوجه واتضجر، و"وا"، "وي"، و"واها" بمعنى: أعجب؛ كقوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ١؛ أي: أعجب لعدم فلاح الكافرين؛ وقول الشاعر٢: [الرجز]
٤٦٠- وا بأبي أنت وفوك الأشنبُ٣
_________________
(١) = جواز بنائه من نحو: "دحرج"، وجعل "قرقار" قياسيا، وكذا، دحراج، وقرطاس. وأما إن كان الفعل جامدا؛ نحو: "نعم وبئس"، أو غير تام التصرف؛ نحو: "هب" و"دع" لم يُبْنَ منه، فلا يقال: نعام، ولا وهاب ولا وداع. وكذلك إذا كان ناقصا، فلا يبني منه؛ "كان" وأخواتها. وأما بالنسبة إلى بناء أسماء الأفعال -في هذا الباب-؛ فلأنها أشبهت الحروف شبها استعماليا، وأما كون بنائها على حركة؛ فللتخلص من التقاء الساكنين؛ لأن قبل آخرها ألفا؛ وهي ساكنة؛ وأما كون الحركة الكسر؛ فلأنها الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، وبنو أسد، يفتحون آخرها اتباعا لحركة ما قبل الألف، وتخفيفا. انظر التصريح: ٢/ ١٩٦. وحاشية الصبان: ٣/ ٢٠١. ١ "٢٨" سورة القصص، الآية: ٨٢. موطن الشاهد: "ويكأنه". وجه الاستشهاد: مجيء "وي" اسم فعل مضارع بمعنى "أعجب"، وهو مبني على السكون، لا محل له من الإعراب، والفاعل: أنا. كأنه: الكاف حرف مشبه بالفعل -وهو الأفضل- والهاء: اسمه، وجملة: "لا يفلح الكافرون": في محل رفع خبر "كأن". وي: اسم فعل مضارع بمعنى أعجب مبني على السكون، لا محل له. وفاعله أنا. كأنه: الكاف حرف تعليل وجر، وأن مدخولها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، وقيل: كأن: بتمامها رفة تشبيه ونصب، والهاء اسمها، وجملة "لا يفلح الكافرون" خبرها. ٢ ينسب هذا الرجز إلى رجل من بني تميم. ٣ تخريج الشاهد: يروى بعد الشاهد قوله: كأنما ذر عليه الزرنبُ أو زنجبيل، وهو عندي أطيبُ والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٩٧، والأشموني: "٩٣٤/ ٢/ ٤٨٦"، والعيني: ٤/ ٣١٠، والهمع: ٢/ ١٠٦، والدرر: ٢/ ١٣٩، والمغني: "٦٨٤/ ٤٨٣"، والسيوطي: ٢٦٦٩، واللسان "زرنب"، والقطر ١١٥/ ٢٥٧". المفردات الغربية: فوك: فمك. الأشنب: من الشنب. وهو عذوبة ماء الفم من رقة الأسنان. ذر: فرق ورش. الزرنب: نبت من نبات البادية طيب الرائحة. الزنجبيل: نبت معروف. =
[ ٤ / ٨٠ ]
وقول الآخر١: [الرجز]
٤٦١- واهًا لسلمى ثم واهًا واها٢
_________________
(١) = المعنى: يعجب الراجز من جمال محبوبته، ويقول لها: أفديك بأبي، ويصف فمها بالعذوبة ورقة الأسنان والرائحة الطيبة المنبعثة منها. الإعراب: وا: اسم فعل مضارع بمعنى أعجب، مبني على السكون، لا محل له من الإعراب، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنا. "بأبي": متعلق بمحذوف خبر مقدم، وهو مضاف، وياء المتكلم: مضاف إليه. أنت: ضمير رفع منفصل في محل رفع مبتدأ مؤخر. وفوك: الواو عاطفة، فوك: اسم معطوف على أنه مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه. الأشنب: صفة لـ "فوك" مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. ويجوز أن تكون الواو في "وفوك" استئنافية، و"فوك" مبتدأ، ومضاف إليه؛ وهذا الوجه ارتضاه العيني، وتبعه الشيخ خالد في التصريح. كأنما: كافة ومكفوفة لا عمل لها. ذر: فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح. "عليه": متعلق بـ "ذر". الزرنب: نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وجملة "ذر عليه الزرنب": في محل رفع خبر المبتدأ "فوك" على الوجه الذي ارتضاه العيني والشيخ خالد في التصريح. نظر حاشية الصبان: ٣/ ١٩٨، والتصريح: ٢/ ١٩٧. موطن الشاهد: "وا". وجه الاستشهاد: مجيء "وا" اسم فعل مضارع بمعنى أعجب، وذلك شائع في اللغة. ١ينسب هذا الرجز إلى رؤبة بن العجاج، وينسب إلى أبي النجم الفضل بن قدامة العجلي. ٢ تخريج الشاهد: يروى بعد الشاهد قوله: هي المنى لو أننا نلناها يا ليت عيناها لنا وفاها بثمن نُرضِي به أباها إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ١٩٧، والأشموني: "٧٢٨/ ٢/ ٣٦٣"، والعيني: ٣/ ٤٣٦. والقطر: "١١٦/ ٣٤٨" ومجالس ثعلب: ٢٧٥، وشرح المفصل: ٤/ ٧٢، والمغني: "٦٨٥/ ٤٨٣"، والسيوطي: ٢٦٦. المفردات الغريبة: المنى: ما يتمناه الإنسان، جمع منية، نلناها: ظفرنا بها، والنيل: الظفر والمراد. المعنى: يعجب لحسن محبوبته سلمى، ويؤكد عجبه بذلك ويقول: إنها كل ما يتمناه ويرجوه لو ظفر بها. الأعراب: واها: اسم فعل مضارع بمعنى أعجب، لا محل له من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنا. "لسلمى": متعلق بـ "واها". ثم: حرف عطف. واها: اسم فعل مضارع، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنا، وجملة "واها" معطوفة على الجملة السابقة؛ لإفادة التوكيد. واها: توكيد لاسم الفعل السابق. موطن الشاهد: "واها". وجه الاستشهاد: استعمال "واها" اسم فعل مضارع بمعنى أعجب في المواضع الثلاثة، وقد عمل عمل فعله.
[ ٤ / ٨١ ]
[اسم الفعل ضربان]:
فصل: اسم الفعل ضربان١:
أحدهما: ما وضع من أول الأمر كذلك٢؛ كـ "شتان وصه ووي"٣.
الثاني: ما نقل من غيره إليه٤؛ وهو نوعان: منقول من ظرف أو جار ومجرور؛ نحو: "عليك" بمعنى الزم؛ ومنه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٥؛ أي: الزموا.
_________________
(١) = الأعراب: واها: اسم فعل مضارع بمعنى أعجب، لا محل له من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنا. "لسلمى": متعلق بـ "واها". ثم: حرف عطف. واها: اسم فعل مضارع، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنا، وجملة "واها" معطوفة على الجملة السابقة؛ لإفادة التوكيد. واها: توكيد لاسم الفعل السابق. موطن الشاهد: "واها". وجه الاستشهاد: استعمال "واها" اسم فعل مضارع بمعنى أعجب في المواضع الثلاثة، وقد عمل عمل فعله. ١ هذا التقسيم من حيث الوضع والأصالة في الدلالة على الفعل. ٢ أي: أنه لم يستعمل في غيره من قبل؛ ولذلك يسمى: المرتجل. ٣ وذكروا من أسماء الأفعال: "وشكان": بمعنى قرب، وفي المثل "وشكان ذا خروجا" وذكروا أيضا: "سرعان" بمعنى سرع، وفي المثل: "سرعان ذا إهالة" وذكروا منه أيضا: "هيت": في نحو قوله تعالى: ﴿قَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾: بمعنى تهيت. وذكروا منه أيضا: "لعا" بمعنى انتعش وارتفع. حاشية يس على التصريح: ٢/ ١٩٧. ٤ أي: وضع أول الأمر لمعنى آخر، ثم انتقل منه اسم الفعل؛ ولهذا يسمى: المنقول. ٥ "٥" سورة المائدة، الآية: ١٠٥. موطن الشاهد: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "عليكم" اسم فعل أمر مبني على السكون؛ وهو منقول عن "الجار والمجرور"؛ والفاعل: أنتم، و"أنفسكم": مفعول به لاسم الفعل على تقدير حذف مضاف؛ والتقدير: الزموا شأن أنفسكم؛ واختلف في "الكاف" المتصلة بـ "على"؛ فقيل: حرف خطاب، لا محل له من الإعراب؛ وقيل: ضمير في محل رفع على الفاعلية، وفي محل نصب على المفعولية؛ أو في محل جر؛ إما بـ "على"، أو بالإضافة؛ لأن "على" اسم للمصدر: "اللزوم"، وقد يتعدى "عليك" بالباء؛ نحو: "عليك بذات الدين تربت يداك" فيقدر فعل مناسب؛ نحو: تمسك ونحوه؛ وكثيرا ما تزاد الباء في مفعول أسماء الأفعال؛ لضعفها في العمل. شرح التصريح: ٢/ ١٩٨.
[ ٤ / ٨٢ ]
شأن أنفسكم١، و"دونك زيدا" بمعنى خذه، و"مكانك" بمعنى أثبت، و"أمامك"، بمعنى: تقدم، و"وراءك"، بمعنى: تأخر، و"إليك"؛ بمعنى: تنحَّ٢؛ ومنقول من مصدر؛ وهو نوعان: مصدر استعمل فعله، ومصدر أُهمِل فعله؛ فالأول نحو: "رويد زيدًا" فإنهم قالوا: أروده إروادا؛ بمعنى أمهله إمهالا؛ ثم صغروا الإرواد تصغير الترخيم٣، وأقاموا مقام مفعله، واستعملوه تارة مضافا إلى مفعوله، فقالوا: "رويد زيد"، وتارة منوَّنًا ناصبا للمفعول؛ فقالوا: "رويدا زيدا"، ثم إنهم نقوله وسموا به فعله؛ فقالوا: "رويد زيدا"٤، والدليل على أن هذا اسم فعل: كونه مبنيا، والدليل
_________________
(١) ١ وقد يتعدى "عليك" بحرف الجر، وهو الباء؛ نحو: عليك بذات الدين، فيقدر فعل مناسب، أي: تمسك مثلا. ٢ أي ابتعد. وقال الأشموني: ولا يقاس على هذه الظروف المبهمة، ولا على ما سمع ممن الجار والمجرور وغيرها؛ مما لم يسمع. وأجاز الكسائي قياس ما لم يسمع على ما سمع. ولا يستعمل هذا النوع إلا متصلا بضمير المخاطب؛ وشذ قولهم: "عليه رجلا غيري" -أي: ليلزمه، و"علي" الشيء- أي: أولنيه، ولألزمه. وأما قوله ﵊: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم"؛ فقد حسنه ما قبله من الخطاب في قوله: " يا معشر الشباب إلخ"، وقيل: "عليه" خبر مقدم، و"بالصوم": مبتدأ مؤخر على زيادة الباء؛ واختلف في موضع الضمير المتصل بعليك ونحوه: فقيل: رفع على الفاعلية واستعير ضمير غير الرفع له، وقيل: نصب على المفعولية، والصحيح: أن موضعه جر بالإضافة مع الظروف، كدونك ونحوه- وبالحرف مع المنقول من الحروف؛ كـ "عليك" وأمثاله. وقد نظر في ذلك إلى الأصل قبل النقل؛ لأن اسم الفعل لا يضاف ولا يعمل الجر. وفي كل واحد من الأسماء ضمير مستتر مرفوع الموضع على الفاعلية؛ فإذا جئت بتوكيد فقلت: عليكم كلكم محمدًا؛ جاز رفع "كل" على أنه توكيد للضمير المستتر المرفوع، وجاز جره على التوكيد للمجرور الموجود. ومن هذا يتبين أن اسم الفعل وهو الجار لا غير، والفاعل مستتر فيه، والكاف كلمة مستقلة. الأشموني: ٢/ ٤٨٧-٤٨٨. ٣ فحذفوا زيادتيه، وهما: الهمزة والألف، وأوقعوا التصغير على أصوله فصار رويد. ٤ "رويد" فيهما مصدر نائب عن فعل الأمر المحذوف؛ وهو "ارود" وفاعله مستتر فيه وجوبا. وكلمة "زيد" مفعول به، مجرور في الأول، منصوب في الثاني. وقد يستعمل منونا غير ناصب مفعوله نحو: "رويدا يا سائق"، فيكون نائبا عن فعل الأمر المحذوف أيضا، ويستعمل مصدرا منونا غير نائب عن فعل الأمر فينصب؛ إما على الحال؛ نحو: قرت الكتاب رويدا- أي مرودا: بمعنى متمهلا؛ أو نعتا لمذكور، أو محذوف على التأويل بالمشتق؛ نحو: سارت الوفود سيرا رويدا؛ أي متمهلا فيه، وساروا رويدا؛ أي: مرودين. وإذا قلت: رويدك زيدًا؛ فإن قدرت "رويدا" اسم فعل؛ فالكاف حرف خطاب، وإن قدرته مصدرا؛ فالكاف اسم مضاف إليه في ملح رفع على الفاعلية؛ ومثل"رويد زيدا" قول الشاعر: رويد عليا، جد ما ثدي أمهم إلينا، ولكن بغضهم متيامنُ التصريح: ٢/ ١٩٨، والأشموني: ٢/ ٤٨٨، كتاب سيبويه: ٢٤١.
[ ٤ / ٨٣ ]
على بنائه: كونه غير منون؛ والثاني قولهم: "بله زيدا"، فإنه في الأصل. مصدر فعل مهمل مرادف لـ "دع" و"اترك"؛ يقال: "بله زيد" بالإضافة إلى المفعول؛ كما يقال: "ترك زيد"، ثم قيل: "بله زيدا"١، بنصب المفعول وبناء "بله" على أنه اسم فعل٢.
[عمل اسم الفعل]:
فصل: يعمل اسم الفعل عمل مسماه٣؛ تقول "هيهات نجد"، كما تقول: "بعدت نجد" قال٤:
٤٦٢- فهيهات هيهات العقيق ومن به ٥
_________________
(١) ١ من كلام العرب الذي جاء فيه هذا الاستعمال: قول كعب بن مالك في إحدى روايتيه: تذر الجماجم ضاحيا هاماتها بله الأكف كأنها لم تخلق ٢ إذا كان الاسم بعد "بله" منصوبا منونا؛ جاز أن تكون مصدرا عاملا معربا؛ وجاز أن تكون فعل أمر مبنيا بمعنى: اترك، والقرائن: هي التي تعين أحد الوجهين. وإن كان الاسم بعدها مجرورا؛ وجب أن تكون مصدرا مضافا إلى ما بعدها. وكذلك الحال في "رويدا". التصريح: ٢/ ١٩٩، والأشموني: ٢/ ٤٨٨. ٣ أي عمل الفعل الذي يدل عليه، فيرفع الفاعل مثله حتما، ويسايره في التعدي واللزوم غالبا، وباقي المكملات، فإن كان فعله متعديا، ولازما؛ فهو مثله، وإن تعدى بحرف جر معين؛ فهو مثله أيضا، وإن كان مسماه ما لا يكتفي بمرفوع واحد؛ كان اسم فعله مثله، ومن غير الغالب أن يخالفه في ذلك مثل: "آمني" فإنه لازم، وفعله الذي بمعناه -وهو استجب- قد يأتي متعديا ولازما، و"إية" فإنه لازم، وفعله وهو "زد" متعدٍّ إلخ. التصريح: "٢/ ١٩٩". ٤ القائل: هو جرير بن عطية الشاعر الأموي، وقد مرت ترجمته. ٥ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وهيهات خِلٌّ بالعقيق نواصله =
[ ٤ / ٨٤ ]
وتقول: "شتان زيد وعمرو"، كما تقول: "افترق زيد وعمرو" و"تراك زيدا"، كما تقول: "اترك زيدا".
وقد يكون اسم الفعل مشتركا بين أفعال سميت به؛ فيستعمل على أوجه باعتبارها١؛ قالوا "حيهل الثريد"؛ بمعنى: ائت الثريد، و"حيهل على الخير"؛ بمعنى: أقبل على الخير، وقالوا: "إذا ذكر الصالحون فحيهل بعمر"٢؛ أي: أسرعوا بذكره.
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٣١٨، ٢/ ١٩٩، والهمع: ٢/ ١١، والدرر: ٢/ ١٤٥، والخصائص: ٣/ ٤٢ والنقائض: ٦٣٢، وشرح المفصل: ٤/ ٣٥ والمقرب: ٢٦، والعيني: ٣/ ٧، ٤/ ٣١١ والشذور: "٢١٢/ ٥٢٥"، والقطر: ١١٤/ ٣٤٧" وديوان جرير: ٤٧٩. المفردات الغريبة: العقيق: موضع بجهات كثيرة؛ بالمدينة، وباليمامة، وبالطائف. المعنى: بَعُدَ هذا الموضع، وبَعُدَ من به من الأصدقاء والأحبة، وهيهات خليل وحبيب نواصله، ولا نريد هجره وقطيعته. الإعراب: هيهات: اسم فعل ماضٍ بمعنى بَعُدَ مبنيٌّ على الفتح، لا محل له من الإعراب. هيهات: توكيد للأول. العقيق: فاعل لـ "هيهات" الأول مرفوع وعلامة رفعه الضمة. ومن: الواو حرف عطف، من: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع؛ لأنه معطوف على "العقيق". "به": متعلق بمحذوف صلة الموصول. وهيهات: الواو حرف عطف، هيهات: اسم فعل ماضٍ بمعنى بعُد. خل: فاعل لـ "هيهات" مرفوع. "بالعقيق": متعلق بمحذوف صفة لـ "خل"؛ أو في محل نصب على الحال منه؛ لأنه تخصص بالوصف بـ الجار والمجرور"، في قوله "بالعقيق". موطن الشاهد: "هيهات العقيق، هيهات خل". وجه الاستشهاد: وقوع "هيهات" اسم فعل ماضٍ بمعنى بعد، وقد عمل عمل الفعل الذي بمعناه. ١ بمعنى أن يساير في التعدي واللزوم الفعل الذي يؤدي معناه. ٢ قول يروى عن ابن مسعود -﵁- يراد به سيدنا عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٤ / ٨٥ ]
[لا يجوز تقديم معمول اسم الفعل عليه]:
ولا يجوز تقديم معمول اسم الفعل عليه١؛ خلافًا للكسائي٢، وأما: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ٣، وقوله٤: [الرجز]
٤٦٣- يا أيها المائح دلوي دونكا٥
_________________
(١) ١ وذلك؛ لضعفه بعدم التصرف؛ ففي مثل: عليك نفسك؛ لا يصح في الغالب أن يقال: نفسك عليك، وفي عملها عمل الفعل الذي تنوب عنه، وفي أن معمولاتها لا تقدم عليها؛ ويقول ابن مالك: وما لما تنوب عنه من عملْ لها، وأخِّر ما الذي فيه العملْ ٢ مرت ترجمته. ٣ "٤" سورة النساء، الآية: ٢٤. موطن الشاهد: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع: "كتاب" مصدرا منصوبا بفعل محذوف، وهو مؤكد لنفسه؛ لأن قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يدل على أن ذلك مكتوب؛ و"عليكم" متعلق بالفعل الحذوف؛ أو بـ طتاب"؛ والتقدير: كتب الله علكيم ذلك كتابا؛ فحذف الفعل وأضيف المصدر إلى فاعله. التصريح: ٢/ ٢٠٠. ٤ ينسب هذا الرجز إلى راجز جاهلي من بني أسيد بن عمرو بن تميم. ٥ تخريج الشاهد: ونسبة بعضهم إلى جارية من بني مازن، تخاطب فيه ناجية بن جندب الأسلمي -﵁- صاحب بدن رسول الله -ﷺ- وهو يميح على الناس في القليب. وبعد الشاهد قوله: إني رأيت الناس يحمدونكا يثنون خيرا ويبعدونكا خذها إليك اشغل بها يمينكا والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٠، والأشموني: "٩٨٣/ ٢/ ٤٩١" والشذور: "٢١٧/ ٥٣٠"، وأمالي القالي: ٢/ ٢٤٤، والعقد الفريد: ٥/ ٢١١، وأمالي الزجاجي: ٢٣٧، والإنصاف: ٢٢٨، وشرح الفصل: ١/ ١١٧، والمقرب: ٢٧، والخزانة: ٣/ ١٥، والعيني: ٤/ ٣١١، والهمع: ٢/ ١٠٥، والدرر: ٢/ ١٣٨، واللسان والتاج والمقاييس "ميج". المفردات الغريبة: المائح: الذي ينزل البئر؛ ليملأ الدلاء عند قلة مائها؛ أما الذي يقف على شفير البئر، ويستخرج الدلاء: فهو ماتح: دونكا: خذ. المعنى: يا أيها المائح خذ دلوي فاملأه؛ فإني رأيت الناس يثنون عليك لمروءتك. =
[ ٤ / ٨٦ ]
فمؤولان١.
[المنون وغير المنون من أسماء الأفعال]:
فصل: وما نون من هذه الأسماء؛ فهو نكرة٢، وقد التزم ذلك في "واهًا"
_________________
(١) = الإعراب: يا: حرف نداء. أيها: أي: منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب على النداء، "ها": للتنبيه. المائح: صفة لـ "أي" مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. دلوي: مفعول به لفعل محذوف يفسره اسم الفعل المذكور بعده؛ والتقدير: خذ دلوي؛ ومبتدأ مرفوع، والياء مضاف إليه. دونك: اسم فعل أمر بمعنى خذ، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنت، وجملة "دونك": في محل رفع خبر المبتدأ على التقدير الثاني، وعليه ففي "دونك" مفعول به محذوف يربطه بالمبتدأ؛ والتقدير: دونكه، وأما على التقدير الأول، فجملة "دونك" تفسيرية، لا محل لها من الإعراب. موطن الشاهد: "دلوي دونك". وجه الاستشهاد: استشهد الكسائي بهذا البيت على أن "دلوي" مفعول به منصوب باسم الفعل المذكور بعده؛ وادعى أن اسم الفعل يعمل متأخرا، كما يعمل متقدما؛ وهذا غير صحيح -عند جمهور النحاة- لأن "دلوي" إما أن يكون مفعولا لفعل محذوف، أو مبتدأ؛ كما بينا في الإعراب. ١ قيل في تأويل الآية: "كتاب" مصدر منصوب بفعل محذوف؛ وهو مؤكد لنفسه؛ لأن قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يدل على أن ذلك مكتوب. "عليكم" متعلق به؛ وبالفعل المحذوف؛ لا اسم فعل؛ والتقدير: كتب الله عليكم ذلك كتابا. فحذف الفعل، وأضيف المصدر إلى فاعله؛ أما تأويل البيت: "فدلوي" مبتدأ لا مفعول مقدم. "دونكا": اسم فعل أمر، وفاعله مستتر فيه. و"الجملة": خبر المبتدأ، والعائد محذوف؛ أي: دلوي دونكه. ووقوع خبر المبتدأ جملةً طلبية سائغ عند الجمهور. هذا؛ واسم الفعل لا يعمل محذوفا على الاصح؛ خلافًا لابن مالك. ولا تلحقه نون التوكيد مطلقا. وفاعل اسم الفعل الماضي يكون في الغالب اسما ظاهرا؛ وضميرًا للغائب مستترا جوازا. أما اسم الفعل المضارع والأمر؛ ففاعلهما في الغالب: ضمير للمخاطب مستتر وجوبًا. ولا يكون الفاعل في هذا الباب ضميرا بارزا. انظر: قطر الندى: "تحقيق عبد الحميد: ٢٥٨"، والتصريح: ٢/ ٢٠٠، والدرر اللوامع: ٢/ ١٣٨-٠١٣٩. ٢ التنكير خاص بالمرتجل من أسماء الأفعال؛ أما المنقولة، فلا تنون لاستصحابه الأصل؛ وهو غير منون. اعلم: أن التنكير راجع إلى المصدر الذي هو أصل ذلك الفعل -لا إلي اسم الفعل- لأن الفعل لا يحكم عليه بتعريف ولا بتنكير؛ فـ "صه" بمعنى: اسكت -منونا- يراد به طلب السكوت عن كل الكلام. و"صه" مجردا من التنوين: معناه اسكت عن هذا الموضوع الخاص المعروف لنا، مع جواز التكلم في غيره.
[ ٤ / ٨٧ ]
و"ويها"، كما التزم تنكير نحو: أحد وعريب وديار١.
وما لم ينون منها؛ فهو معرفة، وقد التزم ذلك في "نزال"، و"تراك" وبإيهما؛ كما التزم التعريف في المضمرات والإشارات والموصولات٢.
وما استعمل بالوجهين: فعلى معنيين٣، وقد جاء على ذلك: صه ومه وإيه، وألفاظ أخر، كما جاء التعريف والتنكير في نحو: كتاب، ورجل، وفرس.
_________________
(١) ١ "عريب" و"ديارا" بمعنى: أحدا؛ ومثال عريب، قول عبدي بن الابرص: ليس بها منهُمُ عَرِيبُ ومثال "ديَّار" قول الله تعالى: ﴿لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ . ولـ "أحد" استعمالات معها:
(٢) أن يكون مرادفا للأول؛ وهذا هو الذي يستعمل في العدد حين تقول: "أحد عشر"، و"أحد وعشرون".
(٣) أن يكون مرادفا للواحد بمعنى المنفرد نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ .
(٤) أن يكون مرادفا لإنسان؛ نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ .
(٥) ويكون اسما لمن يعقل؛ نحو: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾؛ وفي هذه الحالة، لا يستعمل إلا منفيا، ويلازم التنكير فلا يعرف إلا شذوذًا. ٢ يذكر هنا: أن أسماء الأفعال جميعها مبنية، وليس لها محل من الإعراب؛ وبناؤها على لفظها المسموع؛ فمنها ما بناؤه على الفتح؛ كـ "شتان". ومنها المبنى على الكسر؛ كـ "أية". ٣ ينكر عند تنوينه، ويعرف عند عدم التنوين؛ وذلك راجع إلى المصدر. ٤ فهذه وأمثالها مع التنوين نكرات، وبدونه مع "أل" أو الإضافة معارف.
[ ٤ / ٨٨ ]
[باب أسماء الأصوات ١]:
هذا باب أسماء الأصوات.
[تعريف أسماء الأصوات وأنواعها]:
[بعض أسماء الأصوات]:
وهي نوعان؛ أحدهما: ما خوطب به ما لا يعقل، مما يشبه اسم الفعل٢، كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: "جئ جئ" مهموزين٣؛ وفي دعاء الضأن: "حاحا"٤، والمعز "عاعا" غير مهموزين، والفعل منهما: حاحيت وعاعيت؛ والمصدر حيحاء وعيعاء، قال٥: [الرجز]
٤٦٤- يا عنز هذا شجر وماء عاعيت لو ينفعني العيعاء٦
_________________
(١) ١ هي ألفاظ، يفهم المقصود منها؛ بمجرد النطق بها وسماعها. وقد وضع ت لخطاب ما لا يعقل من الحيوان الأعجم؛ أو ما هو في حكمه من صغار الآدميين، وقد يراد بها حكاية صوت من الأصوات. الأشموني: ٢/ ٤٩٢. ٢ أي: الاكتفاء به، وعدم احتياجه في إفادة المراد إلى شيء آخر بحسب الظاهر؛ وإن كان اسم الفعل في الحقيقة مركبا مع فاعله، واسم الصوت مفردًا لا ضمير فيه. ٣ ومنه الفعل: جأجأت الإبل؛ إذا دعوتها؛ لتشرب، ثم لما كثر ذلك سمو الشراب جيئا. قال الراجز: وما كان على الهيءِ ولا الجيء امتداحيكا يريد لم يكن على الطعام ولا الشراب مدحي إياك. التصريح: ٢/ ٢٠١. ٤ قال الجوهري: "حاء: زجر الإبل، بني على الكسر؛ لالتقاء الساكنين، وقد يقصر؛ فإن أردت التنكير؛ نونت فقلت: حاء وعاء، قال أبو زيد، يقال للمعز خاصة: حاحيت بها حيحاء وحيحاءة؛ إذ دعوتها". ٥ لم ينسب هذا الرجز إلى قائل معين. ٦ تخريج الشاهد: هذا بيت من الرجز، أو بيتان من مشطوره ذكرهما صاحب التصريح: ٢/ ٢٠٢.
[ ٤ / ٨٩ ]
وفي زجر البغل: "عدس: قال:
عدس ما لعباد عليك إمارة١
وقولنا: "مما يشبه اسم الفعل" احترازًا من نحو قوله٢: [البسيط]
٤٦٥- يا دار مية بالعلياء فالسند٣
_________________
(١) = المفردات الغريبة: عاعيت: صحت وقلت: عاعا. المعنى: واضح. الإعراب: يا: حرف نداء. عنز: منادى مبني على الضم في محل نصب على النداء؛ وقد أنزل "عنز" منزلة العاقل. هذا: الهاء للتنبيه، "ذا": اسم إشارة في محل رفع مبتدأ. شجر: خبر مرفوع. وماء: الواو حرف عطف، ماء: اسم معطوف على مرفوع؛ فهو مرفوع مثله. عاعيت: فعل ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل في محل رفع فاعل. لو: حرف تَمَنٍّ، لا محل له من الإعراب. ينفعني: فعل مضارع مرفوع، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب مفعول به. العيعاء: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. فائدة: يجوز أن تكون "لو" في البيت شرطية، وجملة "ينفعني": شرطها ويكون جوابها محذوفا؛ والتقدير: لو ينفعني العيعاء؛ لاستكثرت منه، أو لعاعيت؛ وهذا الوجه أفضل من الأول؛ لدلالة السياق عليه. موطن الشاهد: "عاعيت". وجه الاستشهاد: استعمال فعل" عاعيت" من اسم الصوت "عاعا" وكذلك استعمل منه المصدر عيعاء. ١ مر تخريج هذا الشاهد والتعليق عليه في باب الموصول. موطن الشاهد: "عدس". وجه الاستشهاد: استعمل الشاعر "عدس" اسم صوت لزجر الفرس، وقال بعضهم: إنه اسم للفرس نفسه؛ بدليل قول الشاعر: إذا حملت بزتي على عدس فقد استعمل "عدس" اسما، ودليل ذلك دخول حرف الجر عليه، ومعلوم أن اسم الصوت لا يعمل في شيء ولا يعمل فيه الشيء. ٢ القائل: هو النابغة الذبياني، وقد مرت ترجمته. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: أقوت وطال عليها سالف الأَمَدِ وهو مطلع قصيدته المشهورة؛ التي تعد من المعلقات؛ وهي في مدح النعمان بن المنذر. =
[ ٤ / ٩٠ ]
وقوله١: [الطويل]
٤٦٦- ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي٢
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٢، والأشموني: "٩٤٠/ ٢/ ٤٩٣"، ومجالس العلماء للزجاجي: ٢٦٠، وديوان النابغة الذبياني: ٢٢. المفردات الغريبة: العلياء: ما ارتفع من الأرض. السند: المرتفع من الجبل الذي يسند ويصعد فيه، وقيل: هما اسما موضعين. أقوت: خلت وأصبحت قواء، أي خالية من الأنيس. سالف الأمد: الزمان الماضي. المعنى: ينادي ويخاطب دار محبوبته بهذا المكان، ويتوجع؛ لأنها أصبحت خالية خاوية ليس بها أنيس، وقد طال عليها الزمن. الإعراب: يا: حرف نداء. دار: منادى مضاف منصوب، وهو مضاف. مية: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف؛ للعلمية والتأنيث. "بالعلياء": متعلق بمحذوف حال من "دار مية". فالسند: الفاء عاطفة، السند: معطوف على "علياء" مجرور مثله. أقوت: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين؛ والتاء: لا محل لها من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هي؛ وجملة "أقوت": في محل نصب على الحال بتقدير: قد، وطال: الواو عاطفة، طال: فعل ماضٍ. "عليها": متعلق بـ "طال". سالف: فاعل مرفوع، وهو مضاف. الأمد: مضاف إليه، وجملة "طال عليها سالف الأمد": معطوفة على جملة "أقوت" في محل نصب. موطن الشاهد: "يا دار مية". وجه الاستشهاد: خاطب الشاعر ونادى بـ "يا" ما لا يعقل؛ وهو الدار؛ وهو ليس اسم صوت؛ لكونه لا يشبه اسم الفعل كما وضح سابقا. ١ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت من معلقته المشهورة، وعجزه قوله: بصبح؛ وما الإصباح منك بأمثل وهومن شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٢، والأشموني: "٩٤١/ ٢/ ٤٩٣"، والعيني: ٤/ ٣١٨ وأمالي ابن الشجري: ١/ ٢٧٥، ومعاهد التنصيص: ١/ ٨٩. وديوان امرئ القيس: ١٤٧. المفردات الغريبة: انْجَلِ: انكشِفْ من الانجلاء وهو الانكشاف. بأمثل: بأحسن وأفضل حالا، من المثالة وهي الفضل. المعنى: ينادي الشاعر الليل، ويشكو طوله ويطلب زواله بالصبح، لما يلاقيه فيه من =
[ ٤ / ٩١ ]
الثاني: ما حُكي به صوت؛ كـ "غاق"؛ لحكاية صوت الغراب، و"طاق"؛ لصوت الضرب، و"طق"؛ لصوت وقع الحجارة، و"قب"؛ لصوت وقع السيف على الضريبة.
والنوعان مبنيان؛ لشبههما بالحروف المهملة في أنها لا عاملة، ولا معمولة؛ كما أن أسماء الأفعال بنيت؛ لشبهها بالحروف المهملة في أنها عاملة غير معمولة، وقد مضى ذلك في أوائل الكتاب١.
_________________
(١) = آلام، ثم رجع، وقال: ليس الصبح بأفضل منك يا ليل؛ لأني أقاسي فيه أيضا آلاما وأشجانا. الإعراب: ألا: حرف استفتاح وتنبيه، لا محل له من الإعراب. أيها: منادى نكرة مقصودة بحرف نداء محذوف مبني على الضم في محل نصب على النداء، و"ها" للتنبيه. الليل: صفة لـ "أي" مرفوع تبعا لفظها. الطويل: صفة لـ "ليل" مرفوع مثله. ألا: توكيد للأول. انجلِ: فعل أمر مبني على حذف الياء، والياء الموجودة؛ لإشباع كسرة اللام؛ لضرورة الشعر، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنت. "بصبح": متعلق بـ "انجل". وما: الواو حالية، ما: نافية مهملة؛ أو عاملة عمل ليس؛ وهو الأرجح؛ لدخول الباء الزائدة على الخبر. الإصباح: اسم "ما" النافية، أو مبتدأ على الوجه الأول. "منك": متعلق بـ "أمثل" الآتي. "بأمثل": الباء حرف جر زائد، أمثل: اسم مجرور لفظا، نصوب محلا على أنه خبر "ما"، أو مرفوع محلا على أنه خبر المبتدأ على الوجه الأول. موطن الشاهد: "أيها الليل". وجه الاستشهاد: مخاطبة الشاعر لليل؛ وهو خطاب لغير العاقل، وهو ليس اسم صوت؛ لكونه لا يشبه اسم الفعل، كما في المثال السابق. ١ أي: في باب المعرب والمبني، عند بيان شبه لحرف في سبب البناء. فائدة: تجري على الألسنة عبارة: "وهلم جرا" وقد توقف أن هشام في عربية هذا التعبير، ثم قال في توجيهه ما ملخصه: "هلم" اسم فعل بمعنى: "أقبِلْ وائْتِ" وليس المراد الإقبال والمجيء الحسيين؛ وإنما المقصود: الاستمرار على الشيء وملازمته، كما أنه ليس المراد الطلب؛ وإنما هو خبر في صورة الطلب؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾، وأما كلمة "جرا" فهي مصدر جره يجره جرًّا؛ إذا سحبه؛ وليس المراد كذلك: الجر الحسي؛ بل المقصود التعميم الذي يشمله وغيره؛ فإذا قيل "مثلًا" حدث ذلك الأمر يوم كذا وكذا، وهلم جرا؛ فكأنه قيل: واستمر ذلك في بقية الأيام استمرارا، أو استمر مستمرا على الحال المؤكدة.
[ ٤ / ٩٢ ]
[باب نوني التوكيد ١]:
هذا باب نوني التوكيد.
[نونا التوكيد]:
لتوكيد الفعل نونان: ثقيلة، وخفيفة؛ نحو: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا﴾ ٢.
[توكيد الأمر]:
ويؤكد بهما الأمر مطلقا٣، ولا يؤكد بهما الماضي مطلقا٤.
_________________
(١) ١ ذهب جمهور البصريين: إلى أن كل واحد منهما أصل وليس أحدهما فرعًا من الآخر؛ وذلك لتخالف بعض أحكامهما؛ كإبدال الخفيفة ألفًا؛ في نحو: ﴿وَلْيَكُونًا﴾، وحذفها؛ كما في قول الأضبط بين قريع: "لا تهين الفقير " وكلاهما ممتنع في الثقيلة؛ قاله سيبويه وعورض بأن الفرع، قد يختص بما ليس للأصل أحيانا؛ وقد قال سيبويه نفسه؛ في "أن" المفتوحة: إنها فرع المكسورة؛ ولها إذا خففت أحكام تخصها؛ ومذهب الكوفيين: أن الخفيفة فرع الثقيلة. وذكر الخليل: أن التوكيد بالثقيلة أشد من التوكيد بالخفيفة؛ ويدل له قوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا﴾؛ فإن امرأة العزيز؛ كانت أشد حرصا على سجنه من كينونته صاغرا. التصريح: ٢/ ٢٠٣، والمغني: ٤٤٣، والجنى الداني: ١٤١، ورصف المباني: ٣٣٤. ٢ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٣٢. موطن الشاهد: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا﴾ . وجه الاستشهاد: اجتماع النونين؛ الثقيلة والمخففة في هذه الآية؛ وقد جاءت النون المؤكدة مشددة في "ليسجنن"؛ لأن امرأة العزيز كانت أشد حرصا على سجنه، من كينونته صاغرا. التصريح: ٢/ ٢٠٣. ٣ أي: من غير شرط؛ سواء كان بالصيغة أم بلام الأمر؛ نحو: ليقومن؛ لأنه مستقبل يدل على الطلب دائما. وسواء كان باقيا على معنى الأمر الخالص؛ أم خرج إلى غرض آخر؛ كالدعاء مثلا مع بقاء صيغته على حالها. ٤ أي: ولو كان بمعنى الاستقبال؛ ذلك لأنهما يخلصان مدخولهما للاستقبال؛ وذلك ينافي المضي، فيكون هناك تناقض؛ وأما قول الشاعر: دامنَّ سعدك إن رحمت متيما لولاكِ لم يك للصبابة جانحا فضرورة؛ سهلها أن الفعل مستقبل معنى؛ لأن الدعاء إنما يتحقق في الاستقبال. التصريح: ٢/ ٢٠٣، والدرر اللوامع: ٢/ ٩٩، والمغني: ٤٤٤.
[ ٤ / ٩٣ ]
[حالات توكيد المضارع]:
وأما المضارع؛ فله حالات:
إحداها: أن يكون توكيده بهم واجبا، وذلك إذا كان: مثبتا، مستقبلا؛ جوابا لقسم غير مفصول من لامه بفاصل١؛ نحو: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ ٢، ولا يجوز توكيده بهما إن كان منفيًّا؛ نحو: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ ٣؛ إذ التقدير: لا تفتأ، وكان حالا؛ كقراءة ابن كثير٤: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٥؛ وقول الشاعر٦: [المتقارب]
_________________
(١) ١ قيل: إنما وجب التوكيد في هذه الحالة؛ للفرق بين لام القسم ولام الابتداء. ولا بد من توكيده باللام والنون عند البصريين. وأجاز الكوفيون الاكتفاء بأحدهما. ٢ "٢١" سورة الأنبياء، الآية: ٥٧. موطن الشاهد: ﴿تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع فعل "أكيدن" مؤكدا بنون التوكيد الثقيلة؛ وحكم هذا التأكيد واجب؛ لكونه مثبتا، مستقبلا، وقع جوابا للقسم، مقترنا باللام الواقعة في جواب القسم. ٣ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٨٥. موطن الشاهد: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَؤٌا﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "تفتأ" غير مؤكد مع وقوعه جوابا للقسم؛ لكونه منفيا تقديرا بـ "لا" محذوفة؛ إذ التقدير: تالله لا تفتأ؛ وحذف "لا" في جواب القسم مطرد. ٤ مرت ترجمته. ٥ "٧٥" سورة القيامة، الآية: ١. أوجه القراءات: قرأ ابن كثير: "لَأُقْسِمُ بيوم القيامة". التصريح: ٢/ ٢٠٣. موطن الشاهد: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . وجه الاستشهاد: عدم توكيد الفعل المضارع -على هذه القراءة- حيث اللام للقسم؛ لأن لام جواب القسم الداخلة على المضارع؛ تخلص زمنه للحال عند فريق من النحاة؛ فالإقسام موجود عند المتكلم، ونون التوكيد تخلصه للمستقبل؛ فيتعارض الحال مع المستقبل ولذلك امتنع التوكيد. ٦ لم ينسب البيت إلى قائل معين.
[ ٤ / ٩٤ ]
٤٧٦- يمينا لأُبْغِضَ كلَّ امرئٍ١
وكان مفصولا من اللام٢؛ مثل: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ٣؛ ونحو: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ٤.
_________________
(١) ١ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: يزخرف قولا ولا يفعلُ وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٣، والأشموني: "٩٥٥/ ٢/ ٤٩٦، والعيني: ٤/ ٣٣٨. المفردات الغريبة: أبغض: أكره؛ مضارع، وماضيه أَبْغَضَ-كأكرم؛ وقولهم: ما أبغضه لي شاذ. يزخرف: يزين ويحسن. المعنى: أقسم أني أبغض وأمقت، ولا أحب كل إنسان يقول قولا مزخرفا مملوءًا بالمواعد والأفعال الكريمة، ولكنه لا ينفذ شيئا مما يقول. الإعراب: يمينا: مفعول مطلق لفعل محذوف من معناه؛ والتقدير: أقسم يمينا. لأبغض: اللام واقعة في جواب القسم، أبغض: فعل مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: أنا؛ وجملة "أبغض" جواب القسم لا محل لها من الإعراب. كل: مفعول به منصوب، وهو مضاف. امرئ: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. يزخرف: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو؛ وجملة "يزخرف": في محل جر صفة لـ "امرئ". قول: مفعول به لـ "يزخرف". ولا: الواو عاطفة، لا: نافية. يفعل: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو وجملة "يفعل": معطوفة على جملة "يزخرف"، في محل جر. موطن الشاهد: "لأبغض". وجه الاستشهاد: عدم توكيد الفعل بالنون، مع أنه فعل مضارع مثبت ومقترن بـ "لام جواب القسم"، ومتصل بها؛ وسبب ذلك: أن الفعل ليس بمعنى الاستقبال، بل يراد به الحال؛ لأن البغض واقع أو حاصل عند التكلم. فائدة: لا يؤكد الفعل المضارع، المراد به الحال بنون التوكيد؛ لأنها تخلص الفعل المضارع للاستقبال، فلو أننا أكدنا هذا الفعل لوقعنا في التناقض. ٢ ذلك؛ لأن الفصل يدل على الاهتمام بالفعل، وهذا ينافي التوكيد، سواء كان الفصل بمعمول الجواب، أو بغيره، وقد مثل لهما المصنف. ٣ "٣" سورة آل عمران، الآية: ١٥٨. موطن الشاهد: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ . وجه الاستشهاد: امتناع تأكيد الفعل المضارع "تحشرون"؛ لأنه فصل عن اللام بمعموله "إلى الله"، والأصل فيها: لئن متم أو قلتم لتحشرون إلى الله. ٤ "٩٣" سورة الضحى، الآية: ٥ موطن الشاهد: ﴿لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ . وجه الاستشهاد: امتناع تأكيد "يعطيك" المعطوف على جواب القسم: "ما ودعك"، والمعطوف على الجواب له حكم الجواب؛ لأنه الآن فصل بينه وبين اللام بـ "سوف"؛ ومثل الفصل بـ "سوف" الفصل بـ "السين، أو بـ "قد". ومثل هذه الآية قول الشاعر: فوربي لسوف يجزي الذي أسـ ـلفه المرء سيئًا أو جميا
[ ٤ / ٩٥ ]
والثانية: أن يكون قريبا من الواجب؛ وذلك إذا كان شرطا؛ لأن المؤكدة بما ١؛ نحو: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ ٢، ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾ ٣، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ ٤.
ومن ترك توكيده؛ قوله٥: [البسيط]
٤٦٨- يا صاح إما تَجِدْنِي غير ذي جدة ٦
_________________
(١) ١ أي: إذا كان المضارع فعل شرط لـ "إن" الشرطية المدغمة فيها "ما" الزائدة للتوكيد ويرى المبرد والزجاج: أن التوكيد في هذه الحالة واجب؛ إلا في ضرورة الشعر. ٣ "٨" سورة الأنفال، الآية: ٥٨. موطن الشاهد: ﴿إِمَّا تَخَافَنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع "إن" شرطية مدغمة في "ما" الزائدة، وتخافن: فعل مضارع وقع فعلا للشرط، وقد أكد بالنون، وحكم توكيده واجب؛ إلا في ضرورة الشعر على رأي المبرد والزجاج وهو قريب من الواجب عند الجمهور. ٣ "٤٧" سورة الزخرف، الآية: ٤١. موطن الشاهد: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "تذهبن" مؤكدا؛ لكونه شرطا لـ "عن" المؤكدة بـ "ما" الزائدة، وحكم توكيده واجب، أو قريب من الواجب، كما في الآية السابقة. ٤ "١٩" سورة مريم، الآية: ٢٦. موطن الشاهد: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء فعل "ترين" مؤكدا؛ لكونه شرطا؛ لـ "إن" المؤكدة بـ "ما" الزائدة؛ وحكم توكيده واجب، أو قريب من الواجب؛ كما في الآية السابقة. ٥ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٦ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فما التخلي عن الخلان من شيمي
[ ٤ / ٩٦ ]
وهو قليل؛ وقيل: يختص بالضرورة١.
الثالثة: أن يكون كثيرًا؛ وذلك إذا وقع بعد أداة طلب٢؛ كقوله تعالى:
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٤، والأشموني: "٩٥٧/ ٢/ ٤٩٧"، والعيني: ٤/ ٣٣٩. المفردات الغريبة: جدة: غنى وسعة في المال. الخلان: جمع خليل. شيمي: طبيعتي وخلقي. المعنى: يقول الشاعر لصاحبه؛ أو صديقه: إن كنت لست في سعة من المال، ولا أستطيع مساعدة إخواني بمالي؛ فلا أستطيع التخلي عنهم ونصرتهم بنفسي؛ لأن ذلك ليس من خلقي، ولا من شيمتي. الإعراب: يا: حرف نداء. صاح: منادى مرخم "صاحب". إما: إن شرطية جازمة، ما: زائدة، لا محل لها. تجدني: فعل الشرط مجزوم، علامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنت، والنون للوقاية، والياء: في محل نصب مفعول به أول. غير: مفعول به ثانٍ، لـ "تجد"، وهو مضاف. ذي: مضاف إليه، وهو مضاف جدة: مضاف إليه. فما: الفاء واقعة في جواب الشرط، ما: نافية مهملة، أو عاملة عمل ليس. التخلي: مبتدأ، أو اسم "ما" النافية. "عن الإخوان": متعلق بـ "التخلي". "من شيمي": متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، أو بخبر "ما" النافية؛ وجملة "ما التخلي ": في محل جزم جواب الشرط. موطن الشاهد: "تجدني". وجه الاستشهاد: عدم تأكيد فعل "تجدني" الواقع شرطا لـ "إن" الشرطية المؤكدة بـ "إما" الزائدة؛ وحكم عدم تأكيده هنا القلة، أو أنه ضرورة من ضرورات الشعر. ١ مذهب سيبويه، أنه ليس بلازم؛ ولكنه أحسن؛ ولهذا لم يقع في القرآن إلا كذلك؛ وإليه ذهب الفارسي وأكثر المتأخرين؛ وهو الصحيح؛ ومن مجيء الفعل بعد "إما" غير مؤكد قول الشاعر. فإما تَرَيْنِي كابنة الرمل ضاحيا على رقة أحفى ولا أتنعل وقول الآخر: فإما تَرَيْنِي ولي لمة فإن الحوادث أودى بها الأشموني: ٢/ ٤٩٧. ٢ أي: حقيقي؛ وهو: الأمر والنهي، والدعاء، والعرض، والتحضيض، والتمني، والاستفهام؛ أما الخبر المراد به الطلب مجازا؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾؛ لأن معناه: الأمر، وكقولك للعاطس: يرحمك الله؛ فلا يؤكد. وإنما كان التوكيد بعد الطلب كثيرا؛ لأن عناية الطالب بالمطلوب، واهتمامه به يستدعي تأكيده.
[ ٤ / ٩٧ ]
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾ ١؛ وقول الشاعر٢: [البسيط]
٤٦٩- هلا تَمُنِّنْ بوعد غير مخلفة٣
_________________
(١) ١ "١٤" سورة إبراهييم، الآية: ٤٢. موطن الشاهد: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: وقوع فعل "تحسبن" مؤكدا بعد "لا" الناهية الطلبية؛ وحكم هذا التوكيد كثير وشائع؛ لأن عناية الطالب بالمطلوب واهتمامه به، يستدعي تأكيده. ٢ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٣ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: كما عهدتك في أيام ذي سلم هو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٤، والأشموني: "٩٤٨/ ٢/ ٤٩٥"، والعيني: ٤/ ٢٣٢ والهمع: ٢/ ٧٨، والدرر: ٢/ ٩٦. المفردات الغريبة: مخلفة: اسم فاعل مؤنث من الإخلاف؛ وهو عدم الوفاء بالوعد. ذي سلم: اسم موضع بالحجاز وبالشام. المعنى: يطلب الشاعر إلى محبوبته بشدة وحث أن تشفق عليه وتفي بوعدها ولا تخلفه؛ كما عهدها موفية أيام كانوا مربعين بذي سلم. الإعراب: هلا: حرف تحضيض، يفيد الحث على الفعل بعنف وشدة. تمنن: فعل مضارع مرفوضع، وعلامة رف عه النون المحذوفة؛ لتوالي الأمثال، وياء المخاطبة المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين في محل رفع فاعل، والنون المذكورة للتوكيد؛ وحذفت نون الرفع -هنا- مع نون التوكيد الخفيفة، حملا على الثقيلة؛ وأصل الفعل: تمنينين. "بعد": متعلق بـ "تمنن". غير: حال منصوب من ياء المخاطبة المحذوفة، وهو مضاف. مختلفة: مضاف إليه مجرور. كما: الكاف حرف جر وتشبيه، وما: مصدرية؛ والمصدر المؤول من "ما المصدرية وما دخلت عليه": مجرور بالكاف؛ و"كما" متعلق بـ "تمنن". عهدتك: فعل ماضٍ مبني على السكون والتاء في محل رفع فاعل، والكاف في محل نصب مفعولا به. "في أيام": متعلق بـ "عهدتك"، وأيام: مضاف. ذي: مضاف إليه، وهو مضاف. سلم: مضاف إليه مجرورا؛ وجملة "عهدتك " صله للموصول الحرفي لا محل لها من الإعراب. موطن الشاهد: "تَمُنِّنْ". وجه الاستشهاد: تأكيد فعل "تمنن"؛ لكونه فعلا مضارعا واقعا بعد حرف التحضيض: "هلا".
[ ٤ / ٩٨ ]
وقول الأخر١: [الطويل]
٤٧٠- فليتك يوم الملتقى تَرَيِنَّنِي٢
وقوله٣: [الكامل]
٤٧١- أفبعد كندة تمدحنَّ قبيلا ٤
_________________
(١) ١ لم ينسب البيت إلى قائل معين. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: لكي تعلمي أني امرؤ بك هائمُ وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٤، والأشموني: "٩٤٩/ ٢/ ٤٩٥٦". المفردات الغريبة: يوم الملتقى: يريد يوم الحرب التي يلتقي فيها الأقران. هائم: غارق في الحب. المعنى: يتمنى أن تراه في هذا اليوم؛ حيث ينشط الأبطال فيه نشاطا تاما، ويذكر كل منهم أحب الناس إليه؛ ليكون ذلك أبعث على نشاطه، وأشد إثارة لشجاعته؛ حتى تعلم أنه بها مغرم متيم؛ لأنه يذكرها وحدها في ذلك الوقت. الإعراب: ليتك: ليت: حرف مشبه بالفعل، والكاف في محل نصب اسمه. "يوم": متعلق بـ "ترينني"، وهو مضاف. الملتقى: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة المقدرة، على الألف؛ منع من ظهورها التعذر. ترينني: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة؛ لتوالي الأمثال، وياء المخاطبة المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين في محل رفع فاعل، والنون المشددة نون التوكيد لا محل لها من الإعراب، والنون الثانية؛ للوقاية؛ والياء في محل نصب مفعول به؛ وجملة "ترينني": في محل رفع خبر "ليت". لكي: اللام للتعليل، لكي: مصدرية وناصبة. تعلمي: فعل مضارع منصوب بـ "كي"، وعلامة نصبه حذف النون؛ والياء ضمير متصل، في محل رفع فاعل؛ وجملة "تعلمي ": صلة للموصول الحرفي، لا محل لها من الإعراب. أني: أن: حرف مشبه بالفعل، والياء ضمير متصل في محل نصب اسمه. امرؤ: خبر "أن" مرفوع. "بك": متعلق بـ "هائم" الآتي. هائم: صفة لخبر "أن"، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا لـ "أن"؛ والمصدر المؤول من "أن واسمها وخبرها": سد مسد مفعولي "تعلمي". موطن الشاهد: "ترينَّني". وجه الاستشهاد: تأكيد فعل "ترينني"؛ لوقوعه بعد "ليت" التي تفيد التمني. ٣ القائل: هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز البيت وصدره قوله: قالت فطيمة: حَلِّ شِعْرَك مدحه =
[ ٤ / ٩٩ ]
الرابعة: أن يكون قليلا؛ وذلك بعد "لا" النافية، أو "ما" الزائدة التي لم تسبق بـ "إن"؛ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ ١؛
_________________
(١) = وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٤، والأشموني: "٩٥١/ ٢/ ٤٩٥"، وسيبويه: ٢/ ١٥١، والخزانة: ٤/ ٥٥٨، والهمع: ٢/ ٨٧، والدرر: ٢/ ٩٦. المفردات الغريبة: فطيمة: تصغير فاطمة تصغير ترخيم. حل: فعل أمر من حلأه عن الماء؛ أي: منعه وطرده وأصله حلئ، فقلبت الهمزة ياء؛ لسكونها إثر كسر، ثم حذفت تخفيفا. كندة: اسم قبيلة امرئ القيس. قبيلا: أي: قبيلة، ورخم للضرورة. المعنى: إن محبوبته فاطمة، قالت له: تجنب المدح في شعرك؛ لأنه ليس هناك من يستحق المدح بعد قبيلتك. الأعراب: قالت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث. فطيمة: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. حل: فعل أمر مبني على حذف الياء؛ والفاعل: ضمير مستتر وجواب؛ تقديره: أنت. شعرك: مفعول به منصوب، وهو مضاف، والكاف: مضاف إليه. مدحه: منصوب على نزع الخافض؛ لأن التقدير: "حل شعرك بمدحه"، والهاء: في محل جر بالإضافة. أفبعد: الهمزة حرف الاستفهام، والفاء عاطفة على محذوف؛ والتقدير: أتعتد بقبيل، فبعد كندة تمدحن. و"بعد": متعلق بقوله "تمدحن"، وهو مضاف. كندة: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لكونه ممنوعا من الصرف. تمدحن: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ ونون التوكيد لا محل لها من الإعراب. قبيلا: مفعول به منصوب؛ وهو مرخم قبيلة كما ذكرنا. موطن الشاهد: "تمدحن". وجه الاستشهاد: تأكيد الفعل المضارع "تمدح"؛ لوقوعه بعد همزة الاستفهام؛ وحكم هذا التأكيد الجواز. فائدة: لم يذكر المؤلف أمثلة عن أنواع الطلب الأخرى، فمثال توكيد الفعل المضارع بعد لام الأمر؛ نحو: لتدرسن كثيرا؛ لتضمن النجاح، وبعد العرض: ألا تسافرنَّ، في رحلة ممتعة معنا؟ وبعد الدعاء: لا يبعدن أصدقائي المخلصون ضياء السالك: ٣/ ٣٩. ١ "٨" سورة الأنفال، الآية: ٢٤. موطن الشاهد: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ . وجه الاستشهاد: تأكيد فعل "تصيبن" بعد "لا" النافية؛ تشبيهًا لها بـ "لا" الناهية صورة؛ وعلي هذا؛ فجملة "لا تصيبن": في محل نصب صفة لـ "فتنة"، فتكون الإصابة عامة للظالمين وغيرهم؛ لا خاصة بالظالمين؛ لأنها قد وصفت بأنها تصيب الظالمين خاصة، فكيف تكون مع هذا خاصة بهم؟؛ وقيل: إن "لا" ناهية وأقيم المسبب مقام السبب؛ والأصل: لا تتعرضوا للفتنة فتصيبكم، ثم عدل عن النهي عن التعرض إلى النهي عن الإصابة؛ لأن الإصابة مسببة عن التعرض، وأسند المسبب إلى فاعله، فالإصابة خاصة بالمتعرضين، وعلي هذا؛ لا يكون التوكيد هنا قليلا؛ بل كثيرا ولكن وقوع الطلب صفة للنكرة ممتنع؛ فوجب إضمار القول؛ أي: واتقوا فتنة مقولا فيها ذلك. انظر التصريح: ٢/ ٢٠٤-٢٠٥.
[ ٤ / ١٠٠ ]
وكقولهم١: [الطويل]
٤٧٢- وَمن عِضَةٍ ما يَنْبُتَنَّ شَكِيرُهَا٢
_________________
(١) ١ هذا مثل من أمثال العرب يضرب للفرع الذي ينشأ كأصله، وقد جاء عجز بيت لشاعر لم يذكر اسمه، وصدره قوله: إذا مات منهم ميت سرق ابنه ووقع صدر بيت آخر، وعجزه قوله: قديما، ويقتط الزناد من الزند ٢ تخريج الشاهد: البيت بالرواية الأولى، من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٥، والأشموني: "٩٥٩/ ٢/ ٤٩٧" وسيبويه: ٢/ ١٥٣، وشرح المفصل: ٧/ ١٠٣، ٩/ ٥، ٤٢، والمقرب: ١٧١، والخزانة: ١/ ٨٣، ٤/ ٤٨٩، ٥٦٦، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ١٠٩٢. والمغني: "٦٣٨/ ٤٤٤"، والسيوطي: ٢٥٨. المفردات الغريبة: عضة: شجرة ذات شوك، من أشجار البادية؛ والجمع: عضاه. شكيره؛ الشكير: ما ينبت حول الشجرة من أصلها. المعنى: إذا مات من هؤلاء القوم شخص سرق ابنه صفاته وخلاله، وأصبح مثله؛ وإنما يجيء الفرع وفق أصله. الإعراب: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية، متعلق بـ "سرق". مات: فعل ماضٍ مبني على الفتح. "منهم": متعلق بحال مذحوفة من قول "ميت" الآتي. ميت: فاعل مات مرفوع؛ وجملة "مات منهم ميت": في محل جر بالإضافة. سرق: فعل ماضٍ مبني على الفتح. ابنه: فاعل مرفوع، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه؛ وجملة "سرق ابنه": جواب شرط غير جازم، لا محل له، ومن: الواو استئنافية، من: حرف جر، عضة: اسم مجرور، و"من عضة": متعلق بـ "ينبتن" الآتية. ما: زائدة، لا محل لها. ينبتن: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والنون: لا محل لها من الإعراب؛ والفعل في محل رفع؛ لكونه مجردا من الجازم أو الناصب. شكيرها: فاعل مرفوع، وهو مضاف، و"ها": في محل جر بالإضافة. موطن الشاهد: "ما ينبتَنَّ". وجه الاستشهاد: مجيء فعل "ينبتن" مؤكدًا بالنون الثقيلة؛ لوقوعه بعد "ما" الزائدة، وغير المسبوقة بـ "إن" الشرطية؛ وحكم هذا التوكيد القلة.
[ ٤ / ١٠١ ]
وقال١: [الطويل]
٤٧٣- قليلا به ما يحمدنك وارث٢
_________________
(١) ١ القائل: هو حاتم الطائي، الجواد المشهور، وقد مرت ترجمته. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: إذا نال مما كنت تجمع مغنما ويروى قبله: أهِنْ للذي يهوى التلاد؛ فإنه إذا مت كان المال نهبا مقسما والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٥، والأشموني: "٩٦٠/ ٢/ ٤٩٧" والعيني: ٤/ ٣٢٨، والهمع: ٢/ ٧٨،والدرر: ٢/ ٩٩، وديوان حاتم: ١٠٨. المفردات الغريبة: مغنما: غنيمة، وهي الحصول على الشيء بلا مشقة. المعنى: قلما يحمد الوارث من ورثه، مع أنه يستولي على ما جمعه من المال، وأفنى عمره في الحصول عليه، فلينظر الإنسان في خير ما ينفق فيه ماله. الإعراب: قليلا: صفة لموصوف محذوف؛ يقع مفعولا مطلقا لفعل محذوف يدل عليه قوله: "يحمدنك" الآتي؛ لأن مفعول الفعل المؤكد لا يتقدم عليه. "به": متعلق بـ "يحمد: "الآتي. ما: زائدة، لا محل لها من الإعراب. يحمدنك: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والنون: لا محل لها من الإعراب، والكاف: في محل نصب مفعول به لـ "يحمد". وارث: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. إذا: متعلق بـ "يحمد" مبني على السكون، في محل نصب. نال: فعل ماض، والفاعل: هو، يعود إلى وارث. "ما": متعلق بـ "نال". كنت: فعل ماضٍ ناقص مبني على السكون، والتاء: في محل رفع اسمه؛ وجملة "كنت تجمع" صلة للموصول، لا محل لها. تجمع: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنت؛ وجملة "تجمع": في محل نصب خبر "كان". مغنما: مفعول به منصوب لفعل "نال". موطن الشاهد: "ما يحمدنك". وجه الاستشهاد: توكيد الفعل المضارع: "يحمد" بالنون الثقيلة بعد "ما" الزائدة؛ التي جاءت بمعنى النفي؛ حكم هذا التوكيد أنه قليل؛ غير أن الدماميني قال: "لا أدري الوجه الذي عين ذلك"، وليس المراد بكون توكيد المضارع المسبوق بـ "ما" الزائدة غير المصاحبة لـ "إن" قليلا أنه قليل في ذاته؛ فإنه كثير؛ بل قيل: إنه مطَّرد. ويجوز عند سيبويه توكيد المضارع الواقع بعد "ربما"؛ كما في قول الشاعر: ربما أوفيت في علم ترفعن ثوبي شِمالاتُ انظر شرح التصريح: ٢/ ٢٠٦. وضياء السالك: ٣/ ٣١١.
[ ٤ / ١٠٢ ]
الخامسة: أن يكون أقل؛ وذلك عرضا، وابن عقيل: "بعد "لم" وبعد أداة جزاء غير "إما"؛ كقوله١: [الرجز]
٤٧٤- يحسبه الجاهل ما لم يعلما٢
_________________
(١) ١ القائل: هو مساور بن هند العبسي، شاعر معمر، ولد أيام داحس والغبراء، وعاش إلى أيام الحجاج، كان أعور العين، وهو من المتقدمين في الإسلام، وكان يهاجي المرار الفقعسي، يعرف: بأنه، وأبيه، وجده من أشراف عبس وشعرائهم وفرسانهم، مات سنة ٧٥ هـ. الشعر والشعراء: ١/ ٣٤٨، الأغاني: ٩/ ١١، الخزانة: ٤/ ٥٧٣، الأعلام: ٧/ ٢١٤. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت من الرجز، وعجزه قوله: شيخا على كرسيه معمما وفيه يصف وطب -أي سقاء- لبن. وهو من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٥، ونسبة إلى ابي حيان الفقعسي، وقال: هو في وصف جبل عَمَّهُ الخصب وحفه النبات، وتبع في ذلك العيني، والأعلم. والأشموني: ٢/ ٢/ ٤٩٨ عرضا، وابن عقيل: "٣١٧/ ٣/ ٣١٠، وسيبويه: ٢/ ١٥٢، والنوادر لأبي زيد: ١٣، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٨٤، والإنصاف: ٦٥٣، والخزانة: ٤/ ٥٦٩، وشرح المفصل: ٩/ ٤٢، والمقرب: ٨٦، والعيني: ٤/ ٣٢٩، والهمع: ٢/ ٧٨، والدرر: ٢/ ٩٨، وحاشية الدمنهوري: ٨٩. المفردات الغريبة: يحسبه: يخاله ويظنه. معمَّمًا: لابسا عمامة. المعنى: يصف الشاعر قعب لبن عَلَتْهُ رغوة حتى امتلأ، يظنه الجاهل الذي لا يعلم الحقيقة شيخا لابس عمامته، وقد جلس وتربع فوق كرسيه. وقيل إنه يصف جبلا عمه الصخب، وحفه النبات، والأجود ما قلنا كما عليه الأكثرون. انظر ضياء السالك: ٣/ ٣١١. الإعراب: يحسبه: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به أول. الجاهل: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. ما لم: "ما" مصدرية ظرفية، و"لم": حرف جزم ونفي وقلب. يعلما. فعل مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا؛ =
[ ٤ / ١٠٣ ]
وكقوله١: [الكامل]
٤٧٥- من نثقفنْ منهم فليس بآئب٢
_________________
(١) = للوقف، في محل جزم بـ "لم"؛ والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: هو؛ ونون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا، لا محل لها من الإعراب. شيخا: مفعول به ثانٍ لـ "يحسب". "على كرسيه": متعلق بمحذوف صفة لـ "شيخا"، وكرسي: مضاف، والهاء: مضاف إليه، معمما: صفة ثانية لـ "شيخا". موطن الشاهد: "لم يعلما". وجه الاستشهاد: توكيد الفعل المضارع "يعلم" بالنون الخفيفة المنقلبة ألفا بعد حرف النفي "لم"؛ وحكم هذا التوكيد أنه نادر ومثل هذا الشاهد قول بعض الأعراب: ألم تعلمنْ يا ربُّ أنْ رُبَّ دعوة دعوتك فيها مخلصا لو أجابها ١ القائل: هي ابنة مرة بن عاهان الحارثي من ربيعة بن كعب إحدى قبائل اليمن وكان عاهان شريفا عظيما بينهم، ويقال له: هاعان أيضا؛ وهو جاهلي قديم. الخزانة: ١١/ ٤٠٣. ٢ تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قولها: أبدًا، وقتل بني قتيبة شافي والبيت أحد ثلاثة ابيات، ترثي فيها أباها الذي قتلته باهلة، والأبيات هي: إنا وباهلة بن أعصر بيننا داء الضرائر بغضة وتقافي من نثقفن البيت ذهبت قتيبة في اللقاء بفارس لا طائش رعش ولا وقافِ والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٥، والأشموني: "٩٦٢/ ٢/ ٥٠٠"، وابن عقيل: "٣١٨/ ٣/ ٣١١"، وسيبويه: ٢/ ١٥٢، والمقتضب: ٣/ ١٤، والمقرب: ٨٦، والخزانة: ٤/ ٥٦٥، والعيني: ٤/ ٣٣٠، والهمع: ٢/ ٧٩، والدرر: ٢/ ١٠٠. المفردات الغريبة: يثقفن: يوجدن، من ثقفته: وجدته، ويروى بتاء الخطاب، وبنون المتكلم مبنيا للفاعل، أي: تجدن أو نجدن. آئب: اسم فاعل من آب يؤوب؛ أي: رجع يرجع. بني قتيبة: فرع من باهلة. المعنى: من يوجد من بني قتيبة، فسيقتل حتما، ولن يرجع أبدا إلى قومه؛ فإن قتلهم يشفي الغلة، ويطفي جذوة الغضب، بسبب ما سفكوا من دماء. الإعراب: من: اسم شرط جازم مبني على السكون، في محل رفع مبتدأ. نثقفن: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وفي محل جزم فعل الشرط؛ والفاعل: ضمير مستتر جوازا؛ تقديره: نحن، والنون لا محل لها من الإعراب. "متعلق بـ "نثقفن".فليس: الفاء واقعة في جواب الشرط، ليس: فعل ماضٍ ناقص =
[ ٤ / ١٠٤ ]
[في حكم آخر المؤكد]:
اعلم أن هنا أصلين يستثنى من كل منهما مسألة:
الأصل الأول: أن آخر المؤكد يفتح١؛ تقول: "لتضربن" و"اضربن".
ويستثنى من ذلك أن يكون مسندا إلى ضمير ذي لين؛ فإنه يحرك آخره -حينئذ- بحركة تجانس ذلك اللين؛ كما نشرحه.
والأصل الثاني: أن ذلك اللين يجب حذفه؛ إن كان ياء أو واوا؛ تقول: "اضربُنَّ يا قوم" بضم الباء، و"اضربِنَّ يا هند" بكسرها؛ والأصل: اضربونَّ، واضربينَّ، ثم حذفت الواو والياء؛ لالتقاء الساكنين.
ويستثنى من ذلك أن يكون آخر الفعل ألفا؛ كـ "يخشى"؛ فإنك تحذف آخر الفعل، وتثبت الواو مضمومة، والياء مكسورة؛ فتقول: "يا قوم اخشوُنَّ" و"يا هند
_________________
(١) = واسمه: ضمير مستتر جوازا، تقديره: هو، يعود إلى اسم الشرط. بآئب: الباء حرف جر زائد، آئب: اسم مجرور لظفا منصوب محلا على أنه خبر ليس؛ وجملة "ليس بآئب": في محل جزم جواب الشرط؛ وجملة "الشرط وجوابه": في محل رفع خبر المبتدأ "من". موطن الشاهد: "نثقفن". وجه الاسشهاد: تأكيد الفعل المضارع؛ كما مثل المصنف. هذا، وقد اختلف في الفتحة، التي قبل نون التوكيد، المؤكد بها الفعل المضارع، فذهب المبرد والفارسي وابن السراج: إلى أن هذه الفتحة فتحة البناء، والفعل عندهما مبني على الفتح؛ وذلك لتركبه مع النون تركيب "خمسة عشر". وذهب السيرافي، وسيبويه، والزجاج: إلى أن الفعل -مضارعا كان أو أمرا- مبني مع نون التوكيد على السكون؛ لأنه الأصل في البناء؛ ثم حرك آخر الفعل؛ للتخلص من التقاء الساكنين؛ وهما آخر الفعل والنون، وكانت الحركة هي الفتحة؛ لأنها أخف الحركات؛ وعلى هذا يقال في "لا تلعبن": مبني على سكون مقدر على آخره، منع من ظهوره الفتحة العارضة؛ لأجل التخلص من التقاء الساكنين، مع طلب التخفيف. التصريح: ٢/ ٢٠٦. الهمع: ٣/ ٧٩.
[ ٤ / ١٠٥ ]
اخشيِنَّ"١؛ فإنه أسند هذا الفعل إلى غير الواو والياء٢ لم تحذف آخره؛ بل تقلبه ياء؛ فتقول: "لِيَخْشَين زيد"، و"لتخشيَنَّ يا زيد"، و"لتخشيَانِّ يا يزيدان" و"لتخشينَانِّ يا هندات"٣.
_________________
(١) ١ أصلها: اخشيون، واخشيين، حذفت الضمة والكسرة؛ للثقل على حروف العلة، ثم حذفت الياء للساكنين، وحركت الواو والياء بما يناسبهما. ٢ وذلك هو: الاسم الظاهر، والضمير المستتر، والألف، ونون النسوة. ٣ إيضاح ما ذكره المصنف: أن الفعل الذي يراد توكيده يتبع فيه ما يأتي: أ- إن كان مسندا إلى اسم ظاهر، أو إلى ضمير الواحد المذكر، بني آخره على الفتح؛ لمباشرة النون، خفيفة كانت، أو ثقيلة؛ ولم يحذف منه شيء؛ سواء أكان صحيحا أم معتلا. وترد لام المعتل إلى أصلها؛ إن كانت قد حذفت، وإن كانت ألفا؛ قلبت ياء لتقبل الفتحة، تقول: لتجتهدن، لتدعون، لترضين. ب- وإن كان مسندا إلى ألف اثنين فكذلك الحكم، غير أنه يجب حذف نون الرفع. إن كانت موجودة؛ للجازم، أو لتوالي الأمثال؛ وتكسر نون التوكيد؛ تشبيهًا بنون الرفع، ولا تكون النون بعد الألف إلا مشددة؛ تقول: لتنصران. لتدعوان، لترضيان. والفعل معرب مرفوع بالنون المحذوفة، والألف فاعل، والنون المذكورة المشددة حرفٌ للتوكيد. ج- وإذا أسند لنون النسوة، فكما تقدم أيضا؛ وتزاد ألف فارقة بين نون النسوة ونون التوكيد؛ لأنها سم، تقول: لتنصرنَّانّ -لترمينَّانّ- لتدعونَّانّ. والفعل مبني على السكون ونون النسوة فاعل، والألف زائدة للفصل، ونون التوكيد المشددة حرف، لا محل له. د- وإذا أسند لواو الجماعة أو ياء المخاطبة؛ فإن كان صحيحا؛ حذفت نون الرفع؛ لما تقدم، وحذفت واو الجماعة، أو ياء المخاطبة؛ لالتقاء الساكنين مع بقاء الضمة قبل واو الجماعة؛ لتدل عليها، والكسرة قبل ياء المخاطبة لذلك". تقول: لتجتهدُنَّ يا أبنائي ولتجلسِنَّ يا هند، وإن كان معتلا؛ حذف آخر الفعل مطلقا، ثم إن كان معتلا بالألف؛ حذفت نون الرفع أيضا، فيلتقي ساكنان، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما، فحرك واو الجماعة بالضم، وياء المخاطبة بالكسر؛ مع فتح ما قبلهما؛ تقول: لترضوُنَّ يا قوم، ولترضيِنَّ. وتقول في إعرابه: مضارع مرفوع بالنون المحذوفة، وواو الجماعة، أو ياء المخاطبة: فاعل، ونون التوكيد: حرف، لا محل له من الإعراب، وإن كان معتلا بالواو، أو بالياء؛ حذفت مع الآخر واو المعية، أو ياء المخاطبة؛ مع بقاء الضمة، قبل الواو المحذوفة، والكسرة قبل الياء؛ لتدل على المحذوف؛ تقول: لتدعن، لترجن، لتدعن، لترجن. ويكون الفعل مرفوعا بالنون المحذوفة، واو الجماعة، أو ياء المخاطبة المحذوفة فاعل، والنون المذكورة للتوكيد.
[ ٤ / ١٠٦ ]
[أحكام النون الخفيفة]:
فصل: تنفرد النون الخفيفة بأربعة أحكام:
أحدها: أنها لا تقع بعد الألف١؛ نحو: "قُومَا"، و"اقعدا"؛ لئلا يلتقي ساكنان٢؛ وعن يونس٣ والكوفيين إجازته٤، ثم صرح الفارسي في الحجة٥: بأن يونس يبقي النون ساكنة، ونظَّر ذلك، بقراءة نافع٦: "ومحيايْ"٧ وذكر
_________________
(١) ١ سواء أكانت الألف اسما؛ أي: ضمير الاثنين، بأن أسند إليهما الفعل، أو حرفا بأن كان الفعل مسندا إلى ظاهر -على لغة- كيضربان المحمدان، أو كانت زائدة؛ وهي التالية لنون النسوة للفصل بينهما وبين نون التوكيد؛ نحو: أضربتنَّانّ. وهذا مذهب عامة البصريين. ٢ هما: الألف التي قبل النون، ونون التوكيد الخفيفة الساكنة؛ فأما نون الرفع فإنها محذوفة؛ لأن الأمر يبني حينئذ على حذفها حينئذ؛ للفرار من اجتماع الأمثال. ٣ يونس بن حبيب، مرت ترجمته. ٤ احتج الكوفيون ويونس؛ لوقوع نون التوكيد الخفيفة الساكنة بعد الألف؛ سواء أكانت الألف ضمير الاثنين، أم كانت التقاء الساكنين؛ وليس ثانيهما مدغما في مثله؛ وقد وجدنا العرب لا يرون بهذا بأسا؛ حيث نقل عنهم: "حلقتا البطان" مع إبقائهم الألف ساكنة، مع سكون ما يليها؛ وهو سكون لام التعريف، كما في قول أوس بن حجر: وازدحمت حلقتا البطان بأقـ ـوام وجاشت نفوسم جزعا وقاسوا عليها قراءة: "محيايْ ومماتِيْ" بسكون ياء المتكلم مع سكون الألف قبلها في الوصل والوقف. انظر التصريح مع حاشية الصبان: ٢/ ٢٠٧. ٥ كتاب جليل الشأن في تعليل قراءات الأئمة القراء؛ وقد تناول فيه الفارسي كثيرا من المسائل النحوية والصرفية والبلاغية، والتفسير، والحديث، وبعض العلوم الأخرى، وقدمه إلى عضد الدولة. ٦ مرت ترجمته. ٧ "٦" سورة الأنعام، الآية: ١٦٢. أوجه القراءات: قرأ نافع، وورش؛ وقالون، وأبو جعفر: "محيايْ" بتسكين الياء، وقرأ عيسي بن عمر، والجحدري: "محيي"، وقرأ الجمهور: "محيايَ". انظر البحر المحيط: ٤/ ٢٦٢، وإعراب القرآن، للنحاس: ١/ ٥٩٦. موطن الشاهد: "محياي".
[ ٤ / ١٠٧ ]
الناظم: أنه يكسر النون، وحمل على ذلك قراءة بعضهم: "فَدَمِّرَانِهَم تَدْمِيرًا"١، وجوزه في قراءة ابن ذكوان٢: "وَلا تَتَّبِعَانِ"٣؛ بتخفيف النون.
وأما الشديدة فتقع بعدها اتفاقا؛ ويجب كسرها؛ كقراءة باقي السبعة: ﴿وَلا تَتَّبِعَانِّ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ "٢٥" سورة الفرقان، الآية: ٣٦. أوجه القراءات: قرأ علي بن أبي طالب، ومسلمة بن محارب: "فدمرانِّهم"؛ وقرأ على أيضا: "فدمرا بهم" بالباء، وقرأ: "فدَمِرْنَاهم"؛ وقرأ على والحسن وملسمة: "فدَمِّرَاهم"، وقرأ على: "فدمَّرَتهم"، بالتاء؛ وفي قرءة غير منسوبة: "فدمرانهم"؛ بتخفيف نون التوكيد بعد ألف التثنية. انظر الكشاف: ٣/ ٩٢، تفسير الألوسي: ١٩/ ١٨، والمحتسب: ٢/ ١٢، والبحر المحيط: ٦/ ٤٩٨. موطن الشاهد: "فدمرانِهم". وجه الاستشهاد: مجيء كسرة النون الخفيفة -على هذه القراءة- بعد الألف الساكنة؛ حملا على جواز كسر نون التوكيد الخفيفة بعد الألف الساكنة؛ وحكم كسرها هنا الجواز على قلة. ٢ هو عبد الرحمن بن أحمد بن بشر بن ذكوان، من أصحاب ابن عامر، كان شيخ القراء بالشام، وإمام الجامع الأموي. قال الحافظ الدمشقي: لم يكن بالعراق، ولا بالحجاز ولا بالشام، ولا بمصر، ولا بخراسان في زمان ابن ذكوان أقرأ منه عندي. توفي سنة: ٢٠٢هـ. وقيل: ٢٤٢هـ. غاية النهاية: ١/ ٤٠٤،. تهذيب التهذيب: ٥/ ١٠٤- الأعلام: ٤/ ٦٥. ٣ "١٠" سورة يونس، الآية: ٨٩. أوجه القراءات: قرأ ابن ذكوان: "تتَّبعانِ"، وقرأ ابن عامر وابن عباس وابن ذكوان: "تَتْبَعانِّ"، وقرأ ابن عامر: "تَتْبَعان"، وقرأ السبعة: ﴿وَلا تَتَّبِعَانِّ﴾ . انظر إتحاف الفضلاء: ٢٥٣، والبحر المحيط: ٢/ ١٨. موطن الشاهد: ﴿وَلا تَتَّبِعَانِّ﴾ . وجه الاستشهاد: مجيء نون فعل "تتبعان" -على هذه القراءة- مكسورة مخففة؛ وتخريجها: على أن الواو عاطفة، و"لا": ناهية؛ والألف: ضمير للاثنين، في محل رفع فاعل؛ ونون الرفع: محذوفة للجزم؛ والنون المذكورة: مؤكدة مكسورة؛ ويجوز أن تكون الواو: للحال، و"لا": نافية؛ والنون الموجودة: علامة الرفع؛ وجملة "لا تتبعان": خبر مبتدأ محذوف؛ وجملة "المبتدأ والخبر": في محل نصب على الحال.
[ ٤ / ١٠٨ ]
الثاني: أنها لا تؤكد الفعل المسند إلى نون الإناث؛ وذلك لأن الفعل المذكور، يجب أن يؤتى بعد فاعله بألف فاصلة بين النونين؛ قصدا للتخفيف؛ فيقال: "اضربنَانِّ"، وقد مضى أن الخفيفة لا تقع بعد الألف، ومن أجاز ذلك فيما تقدم؛ أجازه هنا بشرط كسرها.
الثالث: أنها تحذف قبل الساكن؛ كقوله١: [المنسرح]
٤٧٦ - لا تهين الفقير عَلَّكَ أن تَرْ كَعَ يوما والدهر قد رفعه٢
_________________
(١) ١ القائل هو: الأضبط بن قريع السعدي، من عوف بن كعب، من رهط الزبرقان بن بدر، ورهط أنف الناقة، جاهلي قديم؛ له أخبار مع قومه مذكورة، في كتب الأدب. الخزانة: ١١/ ٤٥٥-الشعر والشعراء: ١/ ٣٨٢. ٢ تخريج الشاهد: البيت من كلمة مطلعها: لكل هم من الهموم سعهْ والمسي والصبح لا فلاح معهْ والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٨، والأشموني: "٩٦٨/ ٢/ ٥٠٤"، وابن عقيل: "٣١٩/ ٣/ ٣١٨" والبيان والتبيين: ٣/ ٣٤١، وفيه "لا تحقرن الفقير " والمعمرين: ٨، وأمالي القالي: ١/ ١٠٨، وفيه: "لا تعاد"، وأمالي ابن الشجري: ١/ ٣٨٥، والإنصاف: ٢٢١، وشرح المفصل: ٩/ ٤٣، والمقرب: ٧٤، والخزانة: ٤/ ٥٨٨، وشرح شواهد الشافية: ٩٦٠، والعيني: ٤/ ٣٣٤، والهمع: ١/ ١٣٤، ٢/ ٧٩، والدرر: ١/ ١١١، ٢/ ١٠٢، والمغني: "٢٧٩/ ٢٠٦" "١٠٩٤/ ٨٤٢"، والسيوطي: ١٥٥. المفردات الغريبة: تهين: مضارع من الإهانة؛ وهي الاحتقار والازدراء. علَّك: لغة في لعلك. تركع: أصله الركوع؛ وهو الانخفاض، من أعلى إلى أسفل، والمراد هنا: انحطاط: الحال، وتبدل الحال الحسنة بأخرى مغايرة لها. المعنى: لا تحتقر الفقير، ولا تهنه، ولا تستخف به، فبما يتبدل الحال -والدهر قلب- فيخفضك الزمان ويرفعه عليك. الإعراب: لا نهاية جازمة، لا محل لها من الإعراب. تهين: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة؛ المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين، في محل جزم بـ "لا" الناهية، الفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنت. الفقير: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. علَّك: حرف مشبه بالفعل، والكاف: ضمير متصل مبني على الفتح في محل نصب اسم "لعل". أن: حرف مصدري ونصب. تركع: فعل مضارع منصوب، وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل: ضمير مستتر وجوبا؛ تقديره: أنت؛ وجملة؛ "تركع": صلة للموصول الحرفي، لا محل لها. والمصدر المؤول من "أن =
[ ٤ / ١٠٩ ]
أصله: "لا تهينَنْ".
الرابع: أنها تعطى في الوقف حكم التنوين؛ فإن وقعت بعد فتحة؛ قلبت ألفا؛ كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا﴾ ١، ﴿وَلَيَكُونًا﴾ ٢؛ وقول الشاعر٣: [الطويل]
٤٧٧- ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا٤
_________________
(١) = وما بعدها": في محل رفع خبر "لعل"؛ التقدير: لعلك راكع يوما؛ وهو الأفضل. "يوما": متعلق بـ "تركع" منصوب. والدهر: الواو حالية، الدهر: مبتدأ مرفوع. قد: حرف تحقيق. رفعه: فعل ماض، والفاعل: هو، والهاء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به؛ وجملة "قد رفعه": في محل رفع خبر المبتدأ؛ وجملة "الدهر قد رفعه": في محل نصب على الحال. موطن الشاهد: "لا تهين". وجه الاستشهاد: حذف نون التوكيد الخفيفة؛ لتخلص من التقاء الساكنين؛ نون التوكيد، ولا الفقير؛ لأن ألف الوصل، لا حركة لها عند الوصل؛ والفتحة على آخر الفعل دليل على النون المحذوفة؛ وبقاء الياء آخر الفعل المضارع مع وجود الجازم دليل على أن الفعل مؤكد. ١ "٩٦" سورة العلق، الآية: ١٥. موطن الشاهد: ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾ . وجه الاستشهاد: انقلاب نون التوكيد الخفيفة ألفا؛ لوقوعها بعد فتحة للوقف عليها؛ لأنها تعطى في الوقف حكم التنوين. ٢ "١٢" سورة يوسف، الآية: ٣٢. موطن الشاهد: ﴿وَلَيَكُونًا﴾ . وجه الاستشهاد: انقلاب نون التوكيد الخفيفة ألفًا؛ لوقوعها بعد فتحة للوقف عليها؛ لأنها تعطى في الوقف حكم التنوين. ٣ الشاعر: هو الأعشى ميمون بن قيس، وقد مرت ترجمته. ٤ تخريج الشاهد: هذا عجز بيت، وصدره قوله: وإياك والميتات لا تقربنها وهو من قصيدة في مدح الرسول ﵊، وكان قدم إليه؛ لينشدها بين يديه، فمنعته قريش؛ ومنها قوله: له نافلات ما يغب نوالُها وليس عطاء اليوم مانعه غدا والشاهد من شواهد: التصريح: ٢/ ٢٠٨، والأشموني: "٩٦٩/ ٢/ ٥٠٤" والمغني.
[ ٤ / ١١٠ ]