وهو ما دل على الحدث، والحدوث، وفاعلهِ، جاريا على فعله باطراد، فـ "ما دلّ [على الحدث": جنس يشمل المصدر، وما اشتق منه، وتقييده بالدلالة على الحدوث]: مخرج للمصدر والدلالة على الفاعل، مخرج للفعل، واسم المفعول، وجريانه على فعله باطراد: مخرج للصفة المشبهة، فإنها لا تطّرد، ألا ترى أن "فَعُلَ" -مثلا- يأتي الوصف منه تارة على "فَعَلٍ" كحَسَنٍ، وتارة على "فَعِلٍ" كنَجِسٍ، وتارة على "فَعِيلٍ" كجميل.
(كفعله اسم فاعل في العمل إن كان عن مضيَّة بمعزِل)
(وولي استفهاما أو حرف ندا أو نفيا أو جاصفة أو مسندا)
اسم الفاعل يعمل عمل فعله الملاقي له في المصدر، فإن كان الفعل لازما: اقتصر اسم الفاعل على رفع فاعله، وإن كان متعديا إلى واحد أو اثنين أو إلى ثلاثة: جرى اسم الفاعل مجراه، نحو: "مررت برجل قائم أبوه، وبرجل ضارب أبوه عمرا، ومعط عمرا درهما، وظانّ زيدا منطلقا، ومعلمِ أخاك عمرا قائما"، ولا يعمل إلا بشرطين:
[ ١ / ٥٢٨ ]
أحدهما: أن يكون بمعزل عن المضي، بأن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال، نحو: "أنت ضارب زيدا الآن أو غدا" ولا حجة لمجيز إعماله بمعنى المضيّ في قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ﴾ [الكهف: ١٨] لأنه محمول على حكاية الحال، بدليل "ونُقَلبِهُم".
الثاني: أن يعتمد على شيء واحد من الأشياء الخمسة التي ذكرها المصنف وهي: الاستفهام، نحو: "أمكرمٌ أنت زيدا؟ " أو النفي، نحو: "ما مكرم أبوك زيدا"، أو حرف النداء، نحو: "يا طالعا جبلا" ولا أعرف أحدا سبق المصنف إلى عد حرف النداء في مسوغات عمل اسم الفاعل، ولا وجه له
[ ١ / ٥٢٩ ]
من جهة النظر، فإن حرف النداء من خصائص الاسم، فكيف يكون مقرِّبا من الفعل؟ وإنما ساغ "يا طالعا جبلا" لأنه صفة لمحذوف، تقديره: "يا رجلا طالعا"، أو كونه نعتا، نحو "مررت برجل ضارب أبوه زيدا" أو كونه مسندا إلى مبتدأ، نحو: "زيد ضارب أبوه عمرا".
(وقد يكون نعتَ محذوفِ عُرِف فيستحق العملَ الذي وُصِف)
أي قد يكون اسم الفاعل نعتا لموصوف محذوف، فيكفي اعتماده عليه، منه:
٢٨٩ - (كناطحٍ صخرةً يوما ليقلعها )
[ ١ / ٥٣٠ ]
تقديره: كوعل ناطح.
(وإنْ يكن صلةَ "أل" ففي المضي وغيرِه إعمالُه قد ارتُضِى)
إذا كان اسم الفاعل صلة للألف واللام، لم يشترط في إعماله كونه بمعنى الحال أو الاستقبال، بل يعمل بمعناها، وبمعنى المضيّ أيضا، لأن صلة "أل" تغني عن الجملة الفعلية، ولازمة التأويل بها، فبعدت عن الاسمية.
("فعَّالٌ" أو "مفعال" أو "فعولُ" في كثرةٍ عن فاعلٍ بديلُ)
(فيستحقّ ما له من عمل وفي "فَعيل" قلّ ذا و"فَعِلِ")
يحولّ اسم الفاعل إلى أبنية المبالغة، فيبقى على عمل اسم الفاعل في
[ ١ / ٥٣١ ]
ثلاثة منها بكثرة وهي: "فَعَّال" كقوله:
٢٩٠ - (أخا الحرب لَبَّاسًا إليها لباسها )
و"مِفعال" كقولهم: "إنه لمنحار بَوائِكَها"، و"فَعُول" كقوله:
[ ١ / ٥٣٢ ]
٢٩١ - (ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السيفِ سُوقَ سِمانِها )
وفي اثنين منها بقلِّة، وهما: "فَعيل" كقولهم: "إن الله سميع دعاءَ من
[ ١ / ٥٣٣ ]
دعاه" و"فَعِل" كقوله:
٢٩٢ - (حَذِرٌ أمورًا لا تَضير وآمنٌ ما ليس منجيه من الأقدار)
(وما سوى المفرد مثلَه جُعِل في الحكم والشروط حيثما عمل)
إذا ثنيّ اسم الفاعل أو جمل لم يخرجه ذلك عن جواز إعماله، بل يكون حكمه في العمل حكم المفرد، فيعمل بالشروط المذكورة في المفرد، نحو: "ما هما ضاريين زيدا"، ولا فرق في الجمع بين أن يكون لمذكر أو لمؤنث، جمعَ تصحيح، أو جمعَ تكسير، نحو: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٣٥] و﴿هَلْ هُنَّ
[ ١ / ٥٣٤ ]
كاشفات ضره﴾ و﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر: ٧] وقوله:
٢٩٣ - (ممَن حَمَلْنَ به وُهنَّ عَواقِدٌ حُبُكَ النِّطاق فشَبَّ غيرَ مهبلَّ)
ومنه في أبنية المبالغة:
[ ١ / ٥٣٥ ]
٢٩٤ - (أتاني أنهم مَزِقُونَ عِرْضي )
وقوله:
٢٩٥ - (ثم زادوا أنهم في قومهم غُفُرٌ ذنُبهم غيرُ فُجُر)
[ ١ / ٥٣٦ ]
(وانصب بذي الإعمالِ تلوًا واخفض وهو لنصْبِ ما سواه مقتضي)
ما صَلَح للإعمال من أسماء الفاعلين لاستيفائه الشروط، فلك أن تنصب به مفعوله، ولك أن تخفضه بإضافته إليه، نحو: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] و﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] و﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] و﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ فإن تعدى الفعل إلى اثنين، فأضيف اسم الفاعل إلى أحدهما، وجب نصب الثاني، نحو: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]، أما ما لا يجوز إعماله لعدم استيفاء شروطه، فإنه يجب إضافته إلى معموله.
(واجرر أو انصب تابع الذي انخفض كمتغى جاه ومالًا مَن نَهَض)
إذا عطفت "على" ما أضيف إليه اسم الفاعل مع صلاحيته للعمل
[ ١ / ٥٣٧ ]
فيه، فالأعرف جر المعطوف اتباعا للفظ المعطوف عليه، نحو: "هذا ضاربُ زيدٍ وعمروٍ" ويجوز نصبه، نحو: "أنت مبتغى جاهٍ ومالا" ثم هل النصب عطفا على المحل أو يعامل مقدر؟ على قولين، وإذا قدر عامل، فهل يقدر فعلا -لأنه الأصل في العمل- أو وصفا منونا - لأجل المطابقة؟ - على قولين.
(وكلُّ ما قُرَّر لاسم فاعل يُعطى "اسمَ مفعولٍ" بلا تفاضل)
(فهْو كفعلٍ صِيغَ للمفعول في معناه، كالمُعْطى كفافا يكتفى)
اسم المفعول هو: ما دل على الحدث ومفعوله، فبقيد الدلالة على المفعول، خرج المصدر، وكل ما اشتق منه، سوى اسم المفعول، ويعمل
[ ١ / ٥٣٨ ]
بالشروط المقررة لاسم الفاعل، من الاعتماد على ما ذكر، وكونه بمعنى الحال أو الاستقبال، إن لم يكن صلة لـ"أل"، ومطلقا إن كان صلة لها، ويجرى مثله في الأحكام السابقة، فيعمل غير المفرد منه مثل المفرد، ويجوز جرّ معموله بإضافته إليه مع استيفاء الشروط، إلاّ أنه في العمل بمنزلة فعل صيغ للمفعول، فإن كان متعديا إلى واحد اقتصر عليه، نائبا عن فاعل، نحو: "مررت برجل مضروبٍ غلمانُه"، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] وإن تعدى إلى اثنين عمل في الأول منهما الرفع لنيابته عن الفاعل، وبقي الثاني على نصبه، نحو: "هذا المُعْطَى كفافا"، النائب عن الفاعل مستتر، تقديره: "المعطى هو".
(وقد يضاف ذا إلى اسمٍ مرتفع معنى، كمحمودُ المقاصدِ الورَعِ)
يختص اسم المفعول بجواز إضافته إلى اسم هو مرتفع به في المعنى، وذلك بعد تحويل الإسناد عنه إلى ضمير راجع إلى الموصوف، ونصبه على التشبيه بالمفعول به، نحو: "زيدٌ محمودُ المقاصدِ، ومروّعُ القلبِ"، والأصل فيهما: محمودٌ مقاصدهُ، مروّعٌ قلبُه، ثم قيل: محمودٌ المقاصدَ ومروّعٌ القلبَ، ثم أضيف.
[ ١ / ٥٣٩ ]