وينقسم إلى إدغام المتماثلين وإلى إدغام المتقاربين، إلا أن المصنف أفرد القسم الأول بالذكر، لأنه اللائق بالتصريف.
(أول مثلين محركين في كلمة أدغم، لا كمثل صفف)
(وذلل وكلل ولبب ولا كجسس ولا كاخصص أبي)
(ولا كهيلل، وشذ في ألل ونحوه فكٌ بنقلٍ فقبل)
إذا اجتمع حرفان متماثلان انقسم حال الأول منهما إلى واجب الإدغام
[ ٢ / ١٠٥٧ ]
في الثاني وإلى ممتنعه، وإلى جائزه.
فالقسم الأول: في مسألتين:
إحداهما: أن يسكن أول المثلين، ولا شرط له، نحو: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾ [المائدة: ٦١] ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد:٨] لأن ذلك يجب في المتقاربين، نحو: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ [المرسلات:٢٠] ﴿قُلْ رَبِّي﴾ [الكهف:٢٢] ففي المتماثلين أولى.
الثانية: - وهي مسألة المصنف- ما إذا تحرك المثلان وسلما من واحد من الموانع السبعة التي ذكرها، سواء كانا في اسم نحو: مد، وحب، وشدةٍ، أو في فعل، نحو: رد يرد، أو في حرف نحو: إن ولعل، فإن سمع شيءٌ من ذلك بالفك قبل المنقول منه، وعد شاذًا، كما أشار إليه المصنف فيالبيت الأخير، فمنه: ألل السقاء- إذا تغيرت رائحته- وضبب المكان- إذا كثر ضبابه- وصكك الفرس- إذا اصطكت عرقوباه- في ألفاظ يسيرة، وقيد ذلك بكونهما في كلمة ليحترز من نحو: ﴿جَعَلَ لَكَ﴾ [الفرقان:١٠] فإنه من القسم الثالث - كما يأتي-.
القسم الثاني: الممتنع إدغامه مع ملاقاة مثله، وذلك إذا وجد فيه مانع من الموانع المذكورة، وهي سبعة:
[ ٢ / ١٠٥٨ ]
أحدها: أن يكونا في اسم على فعل، مضموم الفاء مفتوح العين، كـ (صففٍ، ودرر، وجددٍ) جمع صفة، ودرة، وجدة وهي: الطريق في الجبل.
الثاني: أن يكونا في اسم على فعل، بضم الفاء والعين كـ "ذللٍ" - في جمع ذلول- وجددٍ - في جمع جديد-
الثالث: أن يكونا في اسم على فعل مكسور الفاء مفتوح العين كـ "كللٍ، ولممٍ"- في جمع كلةٍ ولمةٍ-.
الرابع: أن يكونا في اسم على فعل - بفتحتين - كـ "لببٍ، وطللٍ، ومددٍ".
الخامس: أن يكون ثانيهما [مدغمًا، كـ "جسس".
[ ٢ / ١٠٥٩ ]
السادس: أن تكون حركة ثانيهما] عارضة كـ "اخصص ابى، واكفف الشر" فإنهما مبنيان على السكون، ولذلك فك الإدغام، فلما حرك الآخر نقلت حركة الهمزة على الصاد في الأول تخفيفًا، وتحرك الثاني لالتقاء الساكنين بقي الفك على حاله، لأن الحركة عارضة.
السابع: أن يكونا في ملحق [سواء كان حرف الإلحاق أحدهما كـ "قردد" أو غيرهما كـ "هيلل" - إذا أكثر من قول لا إله إلا الله- أو هما كـ "أقعنسس"] وبقى مانع آخر لم يذكره المصنف وهو:
ما إذا كان الحرف الأول فاء الكلمة، نحو: ددن.
(وحيي افكك وادغم دون حذر كذاك نحو: تتجلى واستتر)
هذا القسم الثالث وهو: ما الإدغام فيه جائز، وذلك في خمس مسائل:
[ ٢ / ١٠٦٠ ]
الأولى: أن يكون المثلان ياءين لازمي الحركة، نحو: حيي المكان، وعيي زيدٌ، فإنه يجوز فيهما الفك والإدغام، فتقول: حي وعي، وبهما قرئ: ﴿وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢] والأشهر فيه الفك، ولذلك قدمه المصنف.
الثانية: نحو: تتجلى وتتذكر، مما افتتح بتاءين مزيدتين، فقياسه: الفك لتصدر المثلين- كما سبق- ويجوز فيه الإدغام، وبه يقرأ البزي، إلا أن ذلك لا يكون إلا مع الوصل لتعذر الابتداء بالساكن نحو: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢]، ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ
[ ٢ / ١٠٦١ ]
الْمَوْتَ﴾ ولا يضره سكون حرف اللين السابق للمدغم، لأن مده يقوم مقام الحركة، مع أنه قد يدغم [مع سكون ما قبله].
قال المصنف وابنه: وعلى الإدغام فتجتلب له همزة الوصل، فتقول: اتجلى، والظاهر أنهما إنما أرادا أنك تجتلب همزة الوصل في الألف على لغة الإدغام لسكون ثاني المضارع، بخلافه على لغة الفك، فإنك لا تحتاج إلى اجتلابها لحركة ثاني المضارع، بل تقول: تتجلى؛ وإلا فمن دونهما لا يخفي عليه أن همزة الوصل لا محل لها في المضارع، وأما نحو: ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ فإنه
[ ٢ / ١٠٦٢ ]
ليس من باب إدغام أحد المثلين في الآخر، ولا من باب الإدغام في الابتداء، وإنما هو إدغام التاء الثانية في الحرف الذي بعدها، وكذلك لا يختص بأن يكون المضارع مفتتحا بالتاء، بل تقع بعد حروف المضارعة كلها، نحو: أذكر، ونذكر، وتذكر، ويذكر، ولذلك إنما تدغم التاء في الحرف المقارب لها، بخلاف نحو: تتعلم فإنه إنما يجوز فيه الحذف لا الإدغام.
الثالثة: أن يكون المثلان تاءين في "افتعل" نحو: استتر، واقتتل، فإن قياسه الفك - أيضًا- لما يؤدي إليه الإدغام من التقاء الساكنين، وهما الحرف المسكن للإدغام مع ما قبله، ويجوز فيه الإدغام لكن بعد نقل حركة التاء الأولى إلى الساكن قبلها فتسقط همزة الوصل حينئذ للاستغناء عنها فتقول: ستر وقتل، ثم تصرفهما على ذلك، إلا أنك تقول في مضارعهما: يستر - بفتح أوله- نظرًا إلى الأصل، وفي المصدر: ستارًا، نظرًا إلى ما آل إليه،
[ ٢ / ١٠٦٣ ]
وبعضهم يدغم من غير نقل.
(وما بتاءين ابتدى قد يقتصر فيه على تا كـ "تبين" العبر"
ذكر هذا الحكم ها هنا استطرادًا بذكر الوجه الثالث من الأوجه الجائزة في المفتتح بتاءين، وإلا فمحله عند ذكر مسائل الحذف المتقدمة؛ وذلك أن المفتتح بتاءين لك مع ترك إدغامه أن تخففه بحذف إحدى التاءين، قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤]، ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران:١٤٣] وهل المحذوف الأولى أو الثانية فيه قولان.
وذكر بعضهم أنه يعامل بذلك ما ابتدئ
[ ٢ / ١٠٦٤ ]
بنونين، وحمل عليه قراءة عاصم وابن عامر: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨] وهو سهو، إذ لو كان من حذف إحدى النونين لم تشدد الجيم.
(وفك حيث مدغم فيه سكن لكونه بمضمر الرفع اقترن)
(نحو: حللت ما حللته وفي جزمٍ وشبه الجزم تخييرٌ قفى)
قد علم مما تقدم أنه لا يتصور الإدغام إلا مع حركة الثاني من المثلين، فلا إدغام مع أصالة سكونه، وأما إن عرض له السكون فإن كان لاتصاله بضمير الرفع الذي يسكن
[ ٢ / ١٠٦٥ ]
لأجله آخر الفعل وهو المتحرك، تعين الفك، نحو: حللت ما حللته، وقوله: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ [القصص:١٣] ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦] ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾ [الشورى:٣٣] وإن كان سكونه للجزم أو شبه الجزم وهو بناء فعل الأمر جاز فيه الوجهان، وهي المسألة الرابعة من القسم الثالث؛ والفك لغة أهل الحجاز، وبها قرأ الأكثرون: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة:٢١٧] وأجمع عليها في: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان:١٩] والإدغام لغة تميم.
ثم لك في الأمر المضمون الأول إذا لاقى آخره ساكنًا
[ ٢ / ١٠٦٦ ]
الضم إتباعًا، والفتح تخفيفًا، والكسر على أصل التقاء الساكنين، وبها يروى:
(٥٣٤ - فغض الطرف إنك من نميرٍ )
المسألة الخامسة من الإدغام الجائز ما إذا كان المثلان في كلمتين نحو: ﴿جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان:١٠] قرئا بالفك والإدغام.
(وفك أفعل في التعجب التزم والتزم الإدغام - أيضًا- في هلم)
يستثنى مما يخير فيه لسكون آخره هنا مسألتان:
إحداهما: يمتنع فيها الإدغام وهو "أفعل" في التعجب، نحو: أشدد بقوة فلانٍ، فإن فكه لازم، وعليه جاء قوله:
[ ٢ / ١٠٦٧ ]
(٥٣٥ - وأحبب إلينا أن تكون المقدما)
الثانية: عكسها، يجب فيها الإدغام وهي "هلم" فإنهم التزموا فيها الإدغام لثقلها بالتركيب من الحرف والفعل، إذ أصلها: هل أم، ولذلك التزموا في آخرها الفتح دون نظائرها من المدغم.
(وما بجمعه عنيت قد كمل نظمًا على جل المهمات اشتمل)
(أحصى من الكافية الخلاصه كما اقتضى غنى بلا خصاصه)
[ ٢ / ١٠٦٨ ]