وتسمى الأفعال القلبية، وليس كلها قلبية، لأن أفعال التصيير، كـ"جعل" و"اتخذ" ونحوهما من جملتها، ولا كل قلبي ينصب فعلين، بل منه لازم، كـ"فكر" و"نظر" إذا كان بمعناه، و"فطن" ومنه متعد إلى واحد: كـ"فهم"، و"زكن".
(انصب بفعل القلب جزأي ابتدا أعني: "راي، خال، علمت، وجدا)
(ظن، حسبت وزعمت مع عد "حجا، درى، وجعل" اللذ كاعتقد)
(و"هب، تعلم" والتي كـ"صيرا -أيضا- بها انصب مبتدأ وخبرا)
[ ١ / ٢٦٧ ]
هذه الأفعال داخلة على المبتدأ والخبر، فتنصبهما بعد استيفاء فاعلها، والقلبي منها ينقسم إلى ثلاثة أقسام، أحدها: أن يفيد في الخبر يقينا، الثاني: أن يفيد فيه ظنا، الثالث: أن يرد بهما فمن هذه الأفعال: "رأى" وهي من القسم الثالث، إلا أن الغالب عليها إفادة اليقين، وقد اجتمعا في قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦، ٧] ومنها "خال" وهو من هذا القسم -أيضا- إلا أن الغالب عليه إفادة الظن، نحو:
(١١١ - بلغت صنع امريءٍ بر إخالكه )
ومن مجيئها لليقين قوله:
[ ١ / ٢٦٨ ]
(١١٢ - ما خلتني زلت بعدكم ضمنا أشكو إليكم حموة الألم)
ومنها "علم" وهي بمنزلة "راى" ومن ورودها لليقين ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] ومن ورودها للظن ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة:١٠] ومنها: "وجد" وهي من القسم الأول، نحو: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ [المزمل:٢٠] ومنها: "ظن" وهي بمنزلة: "خال" ومن ورودها لليقين: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف:٥٣]، ومنها: "حسب" وهي: بمنزلتها أيضا، نحو: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ومن ورودها لليقين قوله:
[ ١ / ٢٦٩ ]
(١١٣ - حسبت التقى والحمد خير تجارةٍ )
ومنها: ["زعم" وهي من القسم الثاني، نحو:] ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧] ومنها: "عد" و"حجا" وهما مثلها أيضا نحو:
(١١٤ - فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ولكنما المولى شريكك في العدم)
وقوله:
[ ١ / ٢٧٠ ]
(١١٥ - قد كنت أحجو أبا عمروٍ أخاثقةٍ حتى ألمت بنا يوما ملمات)
ومنها: "درى" وهي من القسم الأول، ومن استعمالها قوله:
(١١٦ - دريت الوفي العهد [يا عرو] فاغتبط ]
ومنها: "جعل" وهي من القسم الثاني، نحو: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩] أي: اعتقدوهم، وقيدها بالتي بمعنى: "اعتقد"
[ ١ / ٢٧١ ]
ليخرج: "جعل" التي بمعنى: خلق، إنما تتعدى إلى واحد، نحو: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] والتي بمعنى: "صير" فإنها ليست من القلبيات، كما يأتي. ومنها "هب" وهي من هذا القسم -أيضا- نحو:
(١١٧ - وإلا فهبني امرءًا هالكا)
ومنها "تعلم" بمعنى: "اعلم" وهي من القسم الأول: نحو:
(١١٨ - تعلم أن للصيد غرةً )
[ ١ / ٢٧٢ ]
ولا تختص بالوقوع على: "أن ومعموليها" لقوله:
(١١٩ - تعلم شفاء النفس قهر عدوها )
وما جاء من الأفعال بمعنى "صير" فإنه يعمل عمل الأفعال القلبية - أيضا- في نصب المبتدأ والخبر، كـ"جعل" و"رد" و"ترك" و"تخذ" و"اتخذ" و"وهب"، نحو: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء:٥٨] ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة:١٠٩] ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ
[ ١ / ٢٧٣ ]
أَجْرًا﴾ ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥] ومن استعمال "وهب" قولهم: "وهبني الله فداك".
(وخص بالتعليق والإلغاء ما من قبل "هب" والأمر "هب" قد ألزما)
(كذا "تعلم" ولغير الماض من سواهما اجعل كل ما له زكن)
يختص المتصرف من الأفعال القلبية، وهي: الأحد عشر التي تضمنها البيتان الأولان بإبطال عملها بالتعليق والإلغاء، والفرق بينهما: أن التعليق إبطال عمل الفعل لمانع من غيره، كمجيء ما له صدر الكلام بعده فيبطله لفظا لا محلا، ولذلك يسوغ العطف على محل المعمول المعلق عنه العامل بالنصب، كقوله:
(١٢٠ - وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ولا موجعات القلب حتى تولت)
[ ١ / ٢٧٤ ]
روي "موجعات" بكسر التاء وضمها، والإلغاء: إبطال عمل الفعل لمانع فيه، كتأخره عن الجملة مثلا، فيبطله لفظا ومحلا، ثم هذه الأفعال كلها متصرفة حتى "جعل" بمعنى: "صير" إلا "هب، وتعلم" فإنهما لا يستعملان إلا بلفظ الأمر، كما سبق، وما تصرف منها فلغير الماضي منه - من المعنى، والإعمال، وجواز الإلغاء، والتعليق - ما للماضي، نحو: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٤٦] ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ﴾ [الحديد:١٧] ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:٦] ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤] وتقول في الإلغاء: "زيد منطلق
[ ١ / ٢٧٥ ]
أعلم"، وفي التعليق: "أنا ظانٌّ ليقومن زيدٌ".
(وجوز الإلغاء لا في الابتدا وانو ضمير الشأن أو لام ابتدا)
(في موهم إلغاء ما تقدما والتزم التعليق قبل نفي "ما")
(و"إن و"لا" ابتداءٍ أو قسم كذا و"الاستفهام" ذا له انحتم)
ما تعلق به حكم الإلغاء من هذه الأفعال جاز استعماله ملغى غير عامل، بل يكون المبتدأ والخبر معه على ما كانا عليه من الرفع قبل دخوله، وإنما تلغى هذه الأفعال إذا تأخرت عن المبتدأ والخبر، نحو "زيد مقيم ظننت" قال الشاعر:
(١٢١ - هما سيدانا يزعمان وإنما يسوداننا أن يسرت غنماهما)
[ ١ / ٢٧٦ ]
(١٢٢ - وفي الأراجيز خلت اللؤم والكذب)
ثم هذا الإلغاء جائز، لا واجب، كما ذكر المصنف، إلا أنه مع التأخر أرجح، ومع التوسط بالعكس، أما إن ابتدئ بها قبل الجزأين لم
[ ١ / ٢٧٧ ]
يجز الإلغاء، فإن ورد ما يوهم إلغاؤها، مع التقدم، كقوله:
(١٢٣ - إني وجدت ملاك الشيمة الأدب)
[ ١ / ٢٧٨ ]
قدر فيها ضمير الشأن يكون مفعولا أولا، والجملة بعده في محل المفعول الثاني، أو أن الفعل علق بلام الابتداء، والأصل: "لملاك الشيمة"، ثم حذفت اللام وبقي التعليق على حاله، وأما التعليق فملتزم إذا اقترن بالمعمول ما له صدر الكلام، وهو ستة أشياء.
أحدهما: "ما النافية" نحو: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٥].
الثاني: "إن النافية" نحو: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٥٢].
الثالث: "لا النافية" نحو: "حسبت لا زيد عندك ولا عمرو".
الرابع: "لام الابتداء" نحو: "علمت لزيد قائم".
الخامس: "لام القسم" نحو: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢]، إذ اللام الأولى هي الموطئة للقسم والثانية جوابه.
السادس: أداة الاستفهام، سواء كانت حرفا، نحو: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٩] أو اسما، نحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١٢].
(لعلم عرفان وظن تهمه تعديةٌ لواحدٍ ملتزمه)
ترد بعض هذه الأفعال لغير المعاني المتقدمة من الدلالة على [اليقين] أو الرجحان، فتعمل عمل ما هي بمعناه، من لزوم أو تعد إلى مفعول واحد،
[ ١ / ٢٧٩ ]
فمن ذلك: ورود "علم" بمعنى "عرف" كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨]، وورود "ظن" بمعنى "اتهم" نحو: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٤] أي: بمتهم.
فيلتزم تعديتها إلى مفعول واحد، ومثلهما "رأى" من الرأي، الذي هو المذهب نحو: "رأى الشافعي حل الضبع" و"حجا" بمعنى: "قصد" نحو: "حجوت بيت الله" ومما جاء بمعنى اللازم فلم يتعد، "وجد" بمعنى: "حزن" أو "حقد" ويفترقان بالمصدر، فمصدر التي بمعنى: حزن، "وجدا" ومصدر الأخرى "موجدة".
(ولـ: رأى" الرؤيا انم ما لعلما طالب مفعولين من قبل انتمى)
"رأى الحلمية" التي مصدرها: الرؤيا، مشاركة لـ"علم" القلبية، المتعدية إلى مفعولين، وقيدها بذلك ليحترز من هذه القريبة، التي بمعنى "عرف"، فتتعدى إلى مفعولين، نحو: ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ
[ ١ / ٢٨٠ ]
سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ [يوسف:٤٣]، "فيأكلهن" في محل نصب، لأنه مفعول ثان، بدليل التصريح به، في نحو:
(١٢٤ - أراهم رفقتي حتى إذا ما تجافى الليل وانخزل انخزالا)
وظاهر كلامه أن "الرؤيا" تختص بمصدر "الحلمية" نحو: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠]، ويرد عليه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء:٦٠] مع قول ابن عباس: "هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ".
(ولا تجز هنا بلا دليل سقوط مفعولين أو مفعول)
وقد سبق أن مفعولي هذا الباب أصلهما: المبتدأ والخبر، فلا يجوز حذف شيء منهما إلا لدليل دال عليه، ويسمى الحذف لدليل اختصارا، ومنه في المفعولين ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢] ومنه في أحدهما قوله:
[ ١ / ٢٨١ ]
(١٢٥ - ولقد نزلت، فلا تظني غيره منى بمنزلة المحب المكرم)
ويسمى الحذف لغير دليل اقتصارا، وهو ممتنع في أحد المفعولين باتفاق، والصحيح جوازه فيهما، خلاف ما ذهب إليه المصنف، ومنه:
[ ١ / ٢٨٢ ]
﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم:٣٥] ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح:١٢] [لأن "ظن السوء"] مصدر.
(وكـ"تظن" اجعل "تقول" إن ولى مستفهما به ولم ينفصل)
(بغير ظرف أو كظرفٍ أو عمل وإن ببعض ذي فصلت يحتمل)
أصل وضع "القول" ليحكى به الجمل، فعليةً كانت نحو: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] أو اسميةً، نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت:٣٠] وإنما ينصب به المفرد إذا كان من معناه، نحو: ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ:٣٨] ويجري مجرى الظن في نصب الجملة الاسمية مفعولين، بشروط أربعة، تضمنها كلام المصنف:
[ ١ / ٢٨٣ ]
أحدها: أن يكون مضارعا، فلا يجوز ذلك في نحو: "قلت" خلافا للسيرافي ولا في نحو: خلافا للكوفيين.
الثاني: أن يكون مفتتحا بـ"تاء الخطاب" فلا يجري ذلك في "أقول" وغيره من أقسام المضارع.
الثالث: أن يتقدمه استفهام بحرف أو اسم.
الرابع: أن يتصل بـ"أداة الاستفهام" ولا يفصل بينهما بغير ما ذكر المصنف، أما لو فصل بينهما بالظرف، نحو: "أغدا تقول زيدا منطلقا" ومنه قوله:
(١٢٦ - أبعد بعدٍ تقول الدار تجمعنا )
[ ١ / ٢٨٤ ]
أو بمثله، وهو الجار والمجرور، نحو: "أفيك تقول عمرا راغبا" أو أحد معمولي القول وهو مراده بقوله: "أو عمل" أقام المصدر مقام المفعول، نحو قوله:
(١٢٧ - أجهالًا تقول بني لؤي )
[ ١ / ٢٨٥ ]
[فإن القول يجري مجرى الظن فيما ذكر].
وقد اجتمعت الشروط في قوله:
(١٢٨ - متى تقول القلص الرواسما يحملن أم قاسمٍ وقاسما)
وقوله:
(١٢٩ - علام تقول الرمح يثقل عاتقي إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت)
[ ١ / ٢٨٦ ]
ومع استيفاء الشروط فالحكاية جائزة.
(وأجري القول كظنٍ مطلقا عند سليمٍ، نحو: قل ذا مشفقا)
بنو سليم من العرب يجيزون إجراء القول مجرى الظن مطلقا بغير شيء من الشروط المذكورة فيقولون: "قلت زيدا قائما" وعلى لغتهم جاء قوله:
(١٣٠ - - قالت- وكنت رجلا فطينا - هذا لعمر الله إسرائينا)
[ ١ / ٢٨٧ ]
وعلى لغتهم تفتح "إن" بعده نحو:
(١٣١ - إذا قلت أني آيبٌ أهل بلدةٍ )
[ ١ / ٢٨٨ ]
ويقع بعده التعليق، ويجوز معه الإلغاء، نحو: "قلت أزيد منطلق" و"زيد منطلق قلت".