لما كانت نواسخ الابتداء ثلاثة أقسام: منها ما ينسخ الرفع في الجزأين كـ"ظن"، ومنها ما ينسخه في الأول دون الثاني كـ"إن"، ومنها ما ينسخه في الثاني دون الأول كـ"كان" بدأ بهذا القسم، لبقاء المبتدأ الذي هو العمدة فيه على مثل إعرابه، ثم بالذي قبله لبقاء شيء من حكم الابتداء فيه، ثم بالأول، لبطلان حكم الابتداء في إعرابه.
(ترفع "كان" المبتدأ اسما والخبر تنصبه كـ"كان" سيدًا عمر)
كان وأخواتها هي (العاملة في المبتدأ والخبر) فترفع المبتدأ لشبهه بالفاعل، ويسمى اسمها، وتنصب الخبر، لشبهه بالمفعول، ويسمى خبرها، نحو: "كان عمر سيدا"، ﴿وَكَانَ اللَّهُ
[ ١ / ١٨٨ ]
غَفُورًا﴾ [النساء:١٠٠].
(ككان، ظل، بات، أضحى، أصبحا أمسى، وصار، ليس، زال، برحا)
(فتيء، وانفك، وهذي الأربعة لشبه نفي، أو لنفي متبعه)
(ومثل كان "دام" مسبوقا بـ"ما" كـ "أعط ما دمت مصيبًا درهما")
هذه الاثنا عشر فعلا هن أخوات "كان" وقسمها المصنف ثلاثة أقسام:
الأول: ما يعمل (ككان بلا قيد) وهي سبعة: "ظل" كقوله: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه:٩٧]، و"بات" نحو: "بات زيد مصليا"، و"أضحى" نحو: "أضحى عمرو ملبيا"، و"أصبح" نحو: "أصبح خالد عروسا"، و"أمسى" نحو: "أمسى أخوك حزينا"، و"صار" نحو: "صار البسر تمرا"، و"ليس" نحو: "ليس الله غافلا" فتعمل في الإثبات كما مثل، وبعد النفي نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣].
الثاني: ما يعمل مشروطا بوقوعه بعد نفي، أو شبه نفي، وهي أربعة: "زال" نحو: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨]، و"برح" نحو: ﴿لَنْ نَبْرَحَ
[ ١ / ١٨٩ ]
عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ [طه:٩١]، و"فتيء" نحو: "ما فتيء زيد قائما"، و"انفك" نحو:
(٤٩ - حراجيج لا تنفك إلا مناخة )
والنفي المقدر كالملفوظ به، نحو: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٥] إذ تقديره: لا تفتأ، والمراد بشبه النفي: النهي، نحو:
(٥٠ - صاح شمر ولا تزل ذاكر المو ت )
[ ١ / ١٩٠ ]
والدعاء، نحو:
(٥١ - ولا زال منهلا بجرعائك القطر )
ومثله ما تضمن معنى النفي من اسم كقوله:
(٥٢ - عسيرٌ توقيك الهوى غير بارح معلل نفسٍ باختلاسة ناظر)
أو فعل نحو:
(٥٣ - قلما يبرح المطيع هواه وجلا ذا كآبةٍ وغرام)
الثالث: ما عمله مشروط بسبقه بـ"ما" المصدرية الوقتية، وهو "دام" كقولك: أعط ما دمت مصيبا درهما. التقدير: مدة دوامك مصيبا، ومثله:
[ ١ / ١٩١ ]
﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣١].
(وغير ماض مثله قد عملا إن كان غير الماض منه استعملا)
ما تصرف من هذه الأفعال إلى غير لفظ الماضي، من مضارع، أو أمر، أو مصدر، أو صفة، عملت تصاريفه مثل عمله، وهي منقسمة في التصرف إلى ثلاثة أقسام: تام التصرف، وهو أكثرها، وناقص، وهو: زال، وبرح وفتيء، وانفك، فإنه يستعمل منه المضارع نحو: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ﴾ [يوسف:٨٠] والوصف، نحو:
(٥٤ - قضى الله يا أسماء أن لست زائلا أحبك حتى يغمض العين مغمض)
ولا يستعمل منها مصدر ولا أمر، وعادم التصرف، وهو: ليس اتفاقا و"دام" عند أكثر المتأخرين.
(وفي جميعها توسط الخبر أجز، وكل سبقه "دام" حظر)
(كذاك سبق خبر "ما النافية" فجيء بها متلوة لا تالية)
(ومنع سبق خبرٍ "ليس" اصطفى وذو تمام ما برفعٍ يكتفي)
[ ١ / ١٩٢ ]
يجوز في جميع أفعال هذا الباب توسط الخبر بين الاسم وبين العامل، نحو: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] حتى في "ليس" كقراءة حمزة ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة:١٧٧] و"ما دام" نحو:
(٥٥ - مادام حافظ سري من وثقت به فهو الذي لست عنه راغبًا أبدا)
[ ١ / ١٩٣ ]
وقد يكون التوسط واجبا نحو: ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [الجاثية:٢٥] وممتنعا نحو: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥] للحصر فيهما، ولا يجوز تقدم خبر "مادام" عليها باتفاق النحاة، فلا يجوز: قائما
[ ١ / ١٩٤ ]
مادام زيد، لأن ما في صلة المصدر لا يتقدم عليه، وكذلك لا يجوز تقديم خبر ما بقي من أفعال هذا الباب بـ"ما" عليه سواء كان مشروطا في عمله تقدم النفي، نحو: "قائما ما زال زيد"، أو لم يكن، نحو: "مسافرا ما أصبح عمرو" وابن كيسان خص المنع بالثاني دون الأول، ثم سبب المنع إنما هو استحقاق "ما" للتصدير، فيجب أن (يؤتى بها متلوة بجميع ما نفته)، لا تالية لبعضه، وكذلك لو توسط الخبر بين "ما" وبين العامل، نحو:
[ ١ / ١٩٥ ]
"ما منطلقا كان أخوك" جاز اتفاقا، وأما ما كان من أفعال هذا الباب مثبتا أو منفيا بغير "ما" فإنه يجوز تقدم خبره عليه، كما يقتضيه مفهوم كلام المصنف، وكذلك تقدم معمول أخبارها على العامل في نحوه: ﴿وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف:١٧٧].
وقوله:
(٥٦ - ما إن رأيته على السن خيرا لا يزال يزيد)
إلا "ليس" فإن المختار عند المصنف منع تقديم خبرها عليها، موافقة لجمهور
[ ١ / ١٩٦ ]
البصريين، ولا حجة للمجيز في قوله: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود:٨] لاحتمال كون "يوم" مبتدأ، بني لإضافته إلى الفعل، أو لأن الظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، وتسمى هذه الأفعال ناقصة لعدم اكتفائها بالمرفوع، فما يكتفي منها بالمرفوع سمي تاما كـ"كان" بمعنى وجد، ومنه قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ ﴾ [البقرة:٢٨٠] وأصبح، وأمسى، وأضحى، بمعنى الدخول في هذه الأوقات، نحو:
[ ١ / ١٩٧ ]
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧] وكذا "دام" بمعنى بقي، نحو: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [هود:١٠٧].
(وما سواه ناقصٌ، والنقص في فتيء، ليس، زال، دائما قفي)
ما سوى المكتفي بالمرفوع يسمى ناقصا، كما سبق، والنقص ملازم للأفعال الثلاثة المذكورة، كما زعم المصنف هنا، وذكر الصاغاني في "نوادر الإعراب": أن فتيء تستعمل تامة بمعنى: نسي، وأما "زال" فإنما يلزمها النقص إذا كان مضارعها يزال، أما "زال" التي مضارعها على "يزول" بمعنى: فارق، و"زال" التي مضارعها على "يزيل" بمعنى: "ماز" فيلزمها التمام.
[ ١ / ١٩٨ ]
وذكر الفارسي أن التي مضارعها: "يزال" تستعمل تامة أيضا.
(ولا يلي العامل معمول الخبر إلا إذا ظرفا أتى أو حرف جر)
(ومضمر الشأن اسما انو إن وقع موهم ما استبان أنه امتنع)
إذا كان معمول أخبار هذه الأفعال ظرفا، أو جارا ومجرورا جاز وقوعه بعد العامل مقدما على الاسم، نحو: "كان عندك زيد جالسا" و"كان فيك عمرو راغبا"، وإن لم يكن أحدهما لم يجز أن يلي العامل،
[ ١ / ١٩٩ ]
سواء تقدم معه الخبر، نحو: "كان أخاك مكرما زيدٌ"،أو لم يتقدم، نحو: "كان طعامك زيد آكلا" فإن وقع ما يوهم ذلك كقوله:
(٥٧ - بما كان إياهم عطية عودا)
قدر اسم "كان" ضمير الشأن، والجملة خبرها، فإن لم يمكن ذلك لظهور النصب في الخبر نحو:
[ ١ / ٢٠٠ ]
(٥٨ - باتت فؤادي ذات الخال سالبةً )
حمل على الضرورة، وقيل: إنما هو: بانت، بالنون.
(وقد تزاد "كان" في حشوٍ كـ"ما" - كان - أصح علم من تقدما)
انفردت "كان" من بين أخواتها بجواز زيادتها، إذا وقعت بلفظ الماضي في حشو، والمراد به: أن تكون بين شيئين لا يستغنى أحدهما عن الآخر، نحو: "ما كان أصح علم من تقدم" ومن كلامهم: "لم يوجد كان مثلهم"،
[ ١ / ٢٠١ ]
ويقل ذلك بين الجار والمجرور، نحو:
(٥٩ - على - كان- المسومة العراب)
وأما زيادتها بلفظ المضارع نحو:
(٦٠ - أنت - تكون- ماجدٌ نبيل )
فنادر.
[ ١ / ٢٠٢ ]
(ويحذفونها ويبقون الخبر وبعد "إن" و"لو" كثيرًا ذا اشتهر)
مما اختصت به "كان" من بين أخواتها جواز حذفها مع اسمها، وإبقاء الخبر على حاله منصوبا، واشتهر ذلك بعد "إن" الشرطية، نحو قوله:
(٦١ - لا تقربن الدهر آل مطرفٍ إن ظالما - أبدا- وإن مظلوما)
[ ١ / ٢٠٣ ]
أي: إن كنت، أو "لو" بمعناها، كما في الحديث: "التمس ولو خاتما من حديد"، أي: ولو كان الملتمس، أما الحذف دونهما نحو:
(٦٢ - من لد شولًا فإلى إتلائها)
فنادر.
(وبعد أن تعويض "ما" عنها ارتكب كمثل: "أما أنت برا فاقترب")
إذا حذفت "كان" بعد "إن الشرطية" لم يعوض عنها شيء كما سبق، وإن حذفت بعد "أن المصدرية" عوض عنها "ما" نحو:
[ ١ / ٢٠٤ ]
"أما أنت برا"، أصله: أن كنت برا، ثم حذفت "كان" وعوض عنها "ما" وانفصل الضمير لعدم ما يتصل به، ومثله:
(٦٣ - أبا خراشة أما أنت ذا نفر "فإن قومي لم تأكلهم الضبع")
(ومن مضارع لـ"كان" منجزم تحذف نون وهو حذف ما التزم)
يختص مضارع "كان" من بين الأفعال كلها بحذف آخره الصحيح، لدخول الجازم المقتضي لسكونه، إلا أن هذا الحذف ليس بلازم، وأكثر ما يوجد إذا كان بعدها متحرك غير ضمير، نحو: ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧]- في النحل لا في النمل -.
[ ١ / ٢٠٥ ]
أما لو كان المتحرك الذي بعدها ضميرا، لم يجر الحذف، نحو: "إن يكنه فلن تسلط عليه" ويقل إذا كان بعدها ساكن، نحو:
(٦٤ - إذا لم تك الحاجات من همة الفتى )
أما لو كان الجازم مقتضيا للحذف، نحو: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩] لم يجز حذف النون.
[ ١ / ٢٠٦ ]