إذا استعملت "لا" في النفي، فتارة يراد بها نفي الفرد، وتارة يراد بها نفي الجنس، ظاهرا لا على سبيل التنصيص، وفي هذين الوجهين، تعمل "لا" عمل "ليس"، وتارة يراد بها نفي الجنس على سبيل التنصيص في العموم، فتعمل عمل "إن".
(عمل "إن" اجعل لـ"لا" في نكره مفردة جاءتك أو مكرره)
(فانصب بها مضافا أو مضارعه وبعد ذاك "الخبر" اذكر رافعه)
"لا" هذه تعمل عمل "إن" من نصب الاسم ورفع الخبر، كما ذكر المصنف، ولكنها لا تعمل إلا في نكرة تكون اسما لها، ولازم ذلك أن يكون الخبر نكرة، لعدم صحة الإخبار بالمعرفة عن النكرة، ولا فرق بين أن تقع
[ ١ / ٢٥٧ ]
النكرة بعدها مفردة نحو: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢] [أو مكررة، نحو: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ [البقرة:١٩٧]] ثم إن كان اسمها مضافا أو مضارعا له، أي: شبيها به من جهة تعلق ما بعده به، فهو منصوب نحو: "لا غلام رجل هنا"، و"لا طالعا جبلا" و"لا محمودا فعله" و"لا خيرا من زيد"، ويؤتى بالخبر بعد ذلك مرفوعا إما لفظا نحو: "لا قبيحا فعله محمود"، وإما محلا، نحو "لا غلام رجل عندك" أو "في الدار".
(وركب المفرد فاتحا كـ"لا حول ولا قوة والثاني اجعلا)
[ ١ / ٢٥٨ ]
(مرفوعا أو منصوبا أو مركبا وإن رفعت أولًا لا تنصبا)
إذا كان اسم "لا" نكرة مفردة، والمراد به ما ليس مضافا أو شبيها به، بني لتركيبه معها كـ"خمسة عشر" أو لتضمنه معنى "من" ولا يختص بالبناء على الفتح، كما ذكر المصنف، بل يبنى على ما نصب به، فإن نصب بالفتح بني عليه، كالمفرد، وجمع التكسير، نحو: "لا رجل ولا رجال"، وإن نصب بالياء، بني عليها، كالمبنى في قوله:
(١٠١ - تعز فلا إلفين بالعيش متعا )
وجمع المذكر السالم في قوله:
(١٠٢ - يحشر الناس لا بنين ولا آ باء إلا وقد عنتهم شؤون)
[ ١ / ٢٥٩ ]
وفيما نصب بالكسرة كجمع المؤنث السالم وجهان: الفتح والكسر، وبهما روى قوله:
(١٠٣ - إن الشباب الذي مجد عواقبه فيه يلد ولا لذات للشيب)
وإذا تكررت "لا" مع اسمها المفرد جاز فيهما خمسة أوجه تضمنها كلام المصنف، فتحهما، نحو: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ [البقرة:١٩٧] ورفعهما: إما على إعمال "لا" عمل ليس، أو على إلغائها، وجعلهما مبتدأين، كقراءة الأكثرين ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] وفتح الأول، ورفع الثاني: على إعمال الثانية عمل
[ ١ / ٢٦٠ ]
الثانية عمل "ليس" والأولى عمل "إن" كقوله:
(١٠٤ - لا أم لي إن كان اك ولا أب)
وعكسه، وهو رفع الأول وفتح الثاني، نحو:
(١٠٥ - فلا لغوٌ ولا تأثيم فيها )
[ ١ / ٢٦١ ]
وفتح الأول ونصب الثاني بالعطف على محله وتقديره زيادة "لا" نحو:
(١٠٦ - لا نسب اليوم ولا خلةٌ اتسع الخرق على الراقع)
[ ١ / ٢٦٢ ]
أما متى رفع الأول لم يجز نصب الثاني، لأنه لا وجه له.
(ومفردا نعتا لمبني يلي فافتح أو انصبن أو ارفع تعدل)
(وغير ما يلي، وغير المفرد لا تبن وانصبه أو الرفع اقصد)
إذا نعت اسم "لا" المبني بمفرد يليه، نحو: "لا رجل كريم هنا"، جاز لك في النعت ثلاثة أوجه:
فتحه على تقدير تركيبه مع المنعوت، قبل دخول "لا" فلما دخلت عليهما تركا على حالهما.
ونصبه إتباعا على محل الاسم.
ورفعه إتباعا على محل "لا" مع اسمها، أو على محل اسمها قبل دخولها، وغير ما يلي المنعوت، لوجود فاصل بينهما نحو: "لا رجل عندنا ظريف" وغير المفرد من النعت المضاف أو المشبه به، نحو: "لا رجل غلام سفرٍ هنا" "ولا رجل قبيحا فعله عندنا" يمتنع فيهما البناء، لتعذر تركيب ثلاثة أشياء فأكثر، ويجوز فيهما الرفع والنصب، على ما تقدم من التوجيه.
[ ١ / ٢٦٣ ]
(والعطف إن لم تتكرر "لا" احكما له بما للنعت ذي الفصل انتمى)
إذا عطفت على الاسم المركب مع "لا" ولم تكرر "لا" مع المعطوف، نحو: "لا رجل وامرأة" جاز في المعطوف ما يجوز في النعت المفصول مع الرفع والنصب، وبهما روى:
(١٠٧ - فلا أب وابنًا مثل مروان وابنه )
وامتنع الفتح لعدم "لا" التي يركب المعطوف معها، وحكاية الأخفش: "لا رجل وامرأة" بالفتح: شاذ.
(واعط "لا" مع همزة استفهام ما تستحق دون الاستفهام)
[ ١ / ٢٦٤ ]
إذا دخلت همزة الاستفهام على "لا" لم تغير عملها عما كان عليه قبل دخولها، سواء قصد الاستفهام عن النفي، كقوله:
(١٠٨ - ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي)
أو نقل إلى معنى التوبيخ نحو:
(١٠٩ - ألا ارعواء لمن ولت شبيبته )
أو إلى معنى التمني كقوله:
[ ١ / ٢٦٥ ]
(١١٠ - ألا عمر ولى مستطاعٌ رجوعه )
[ ١ / ٢٦٦ ]
(وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر إذا المراد مع سقوطه ظهر)
يكثر حذف خبر "لا" هذه، إذا كان معلوما، نحو: ﴿فَلا فَوْتَ﴾ [سبأ:٥١]، ﴿قَالُوا لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء:٥٠]، وهو عند بني تميم لازم، أما إذا جهل ولم يظهر المراد مع سقوطه تعين إثباته، نحو: (لا أحد أغير من الله).