مقدمة
المقدمة:
إن ما اجتمع من أخبار ابن السراج وما ذكر عنه ليدل دلالة لا جدال فيها أنه عالم حري بالدراسة جدير بالتقييم. فهو علم من أعلام النحو، وإمام من أئمة الثقافة وشيخ من شيوخ اللغة.
عاش أكثر من نصف قرن من الزمان وشهد حضارة العرب الزاهرة في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وعاصر التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية وما آلت إليه حياة العرب والمسلمين في ظلال الدولة العباسية، فهو واحد من أولئك العلماء الذين أعطوا العربية الكثير وعنوا بالمحافظة عليها كالخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، وعيسى بن عمر، وسيبويه، والأصمعي، وأبي عبيدة، والأخفش، والمازني، والمبرد، فمعظم هؤلاء أخذ عنهم ابن السراج ونقل علمهم إلى الأجيال التي جاءت من بعدهم، ثم انتهت إليه رئاسة النحو بعد موت أبي العباس المبرد وموت الزجاج، وأصبح أستاذًا يرحل إليه ويؤخذ عنه.
ولقد بقي على كثرة ما ألف قبله وبعده في النحو، كتاب "الأصول" أول كتاب في مضماره، فقد أثنى عليه القدماء ووصفوه بأجل الأوصاف مثل قولهم: أصبح المرجع إليه عند اضطراب النقل واختلافه، وقولهم: كان النحو مجنونا فعقله ابن السراج بأصوله "ونصوا على أنه" أول كتاب جمع أصول
[ ١ / ٥ ]
العربية معتمدا على كتاب سيبويه مختصرا مسائله مرتبا أبوابه أحسن ترتيب، معولا على مسائل الأخفش والكوفيين. مخالفا لأصول البصريين.
هذه النعوت بعض من الحوافز التي دعتني لتحقيق هذا السفر الكبير على أن هناك دوافع أخرى قد تكون أهم دفعتني إلى الكتابة عن ابن السراج وهي:
١- أنني كلما قرأت كتابا في النحو والصرف واللغة وجدت آراء ابن السراج منبثة في تضاعيفه، كما أن كتب ابن السراج وبخاصة كتاب الأصول" يرد على كثير من المسائل المغلقة والتي هي مثار جدل في علمي النحو والصرف.
٢- إن كثيرا من الباحثين يذهب إلى أن علمي النحو والصرف انتهيا إليه بعد موت الزجاج ووقفا عنده.
٣- ولقد بدا لي بعد دراسة كتب ابن السراج وفحصها أن مسائل النحو والصرف لم تكن مقسمة مبوبة في كتاب سيبويه ومن جاء من بعده على النحو الذي ألفناه في كتب المتأخرين فكثيرا ما تختلط البحوث النحوية والصرفية وتشتبك بغيرها من موضوعات تتعلق باللهجات العربية، والقراءات المختلفة، لكن ابن السراج أول من بوبها وهذب مسائلها وبحثها بحثًا علميًّا مقارنا بين ما جاء في كتاب سيبويه وما أخذ له وعليه من شروح واستدراكات في "تصريف" المازني وكتاب "المقتضب" للمبرد وكتب الأخفش وكتب الكوفيين.
٤- ثم إن دراسة التراث العربي اللغوي والقديم بخاصة تمثل ركنا من أركان حضارة الأمة، فدراسته وفحصه ونشره يعين على كشف هذا الجانب من حضارة الأمة العربية.
[ ١ / ٦ ]
وأخيرا فإني لم أدخر جهدا في إخراج هذا الكتاب بصورته التي أرادها له المؤلف في تقديري راجيا أن ينال الرضا والقبول من ذوي الاختصاص والله ولي التوفيق.
المحقق:
الدكتور عبد الحسين الفتلي.
[ ١ / ٧ ]
ابن السراج:
هو أبو بكر محمد بن سهل النحوي البغدادي١. كان أحد العلماء المذكورين بالأدب وعلم العربية٢. المجمع على فضله ونبله وجلالة قدره في النحو والأدب٣.
نشأ في بغداد وأخذ النحو عن أبي العباس المبرد وإليه انتهت الرئاسة في النحو بعد موت المبرد٤. وكان واسع الثقافة متعدد الجوانب، تعمق في القديم كما أفاد من الحديث في زمنه، فمزج بين الثقافة العربية الخالصة وبين الثقافات الوافدة على الفكر العربي آنذاك، يتجلى ذلك بدراسة الموسيقى والمنطق والقراءات ولعل اهتمام ابن السراج بالنحو بدأ يظهر بعد انتهار الزجاج له حتى هم بضربه لخطئه في مسألة نحوية٥ وذلك عندما حضر عند الزجاج مسلما عليه بعد موت المبرد فسأل رجل الزجاج عن مسألة نحوية فقال لابن السراج: أجبه يا أبا بكر.
فأجابه فأخطأ فانتهره الزجاج وقال: والله لو كنت في منزلي لضربتك،
_________________
(١) ١ إنباه الرواة ٣/ ١٤٥. معجم الأدباء ١٨/ ١٩٧، وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٢. ٢ نزهة الألباء/ ٣١٢. إنباه الرواة ٣/ ١٤٥. ٣ وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٢. ٤ نزهة الألباء/ ٣١٢. ٥ معجم الأدباء ١٨/ ١٩٠. إنباه الرواة ٣/ ١٤٦.
[ ١ / ٩ ]
ولكن المجلس لا يحتمل هذا، وقد كنا نشبهك في الذكاء والفطنة بالحسن بن رجاء وأنت تخطئ في مثل هذا، فقال: قد ضربتني يا أبا إسحاق وأدبتني وأنا تارك ما درست مذ قرأت الكتاب -يعني: كتاب سيبويه- لأني شغلت عنه بالمنطق والموسيقى، وأنا أعاود، فعاود ونظر في دقائق كتاب سيبويه وعول على مسائل الأخفش والكوفيين وخالف أصول البصريين في مسائل كثيرة وصنف ما صنف١.
وشهد ما كان عليه ابن السراج من الذكاء والفطنة ما تركه من مصنفات أثنى عليها العلماء في أغلب الفنون المختلفة من القراءات والنحو واللغة والأدب والخط٢، وكان مع علمه أديبًا شاعرًا رويت له أبيات أجل من شعر النحاة٣، يغلب عليها طابع التفكير، وهي وإن لم تدل عند التصوير على شاعرية وموهبة تدل على مقدرة وتمكن من التصرف بصيغ الكلام واللغة وثقافة عامة.
وقد ذكر أبو علي الفارسي تلميذ ابن السراج: أنه قرأ على أبي بكر بن السراج ديوان النابغة من رواية الأصمعي، ولم يقتصر نشاطه الأدبي على الشعر فحسب، بل تعداه إلى النثر والمنطق، والعلوم الأخرى، فقد ذكر أبو حيان التوحيدي٤. أن مراسلات جرت بين ابن السراج وأبي الحارث الرازي تتعلق بفنون الكلام.
أما المنطق فكان أمرًا أساسيًّا في أعمال النحاة ما دامت في النحو أحكام تستنتج وقياس يتبع، فلا عجب إذا كان ابن السراج قد درس المنطق لأنه من أصحاب ذلك العلم، قال ابن أبي أصيبعة: "وفي التاريخ أن الفارابي كان
_________________
(١) ١ معجم الأدباء ١٨/ ١٩٠. إنباه الرواة ٣/ ١٤٦. ٢ معجم الأدباء ١٨/ ١٩٨. ٣ أخبار الشعراء المحمدين ١٢١-١٢٢ مخطوط بدار الكتب رقمه "٢٢١٧". ٤ انظر رسالة الصداقة والصديق/ ٨٥.
[ ١ / ١٠ ]
يجتمع بأبي بكر بن السراج فيقرأ عليه صناعة النحو وابن السراج يقرأ عليه المنطق."١.
وأما اشتغاله بالموسيقى فيشهد عليه احتجاجه بوجوه القراءات في كتاب كان قد ابتدأ بإملائه وارتفع منه بعض "كذا" ما في سورة البقرة من وجوه الاختلاف٢ وتصنيفه كتابا في العروض٣ والقافية.
أخلاقه ومكانته العلمية:
كان أحد الأئمة المجمع على فضله ونبله وجلالة قدره٤، ثقة٥ أديبا شاعرا إماما في النحو بليغا في الرأي متينا٦، مقبلا على الطرب والموسيقى، عشق ابن يانس المغني، له أخبار وهنات٧، ولم يعرف عنه أنه كان يبخس حق أستاذ له، بل كثيرا ما يثني على من يأخذ عنه، فقد ذكر أبو الحسن الرماني٨ أنه جرى بحضرة ابن السراج ذكر كتابه "الأصول" الذي صنفه فقال قائل: هو أحسن من كتاب "المقتضب" للمبرد. فقال ابن السراج: لا تقل هذا إنما استفدنا ما استفدناه من صاحب "المقتضب"، وأنشد:
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة بسعدى شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا بكاها فقلت: الفضل للمتقدم
_________________
(١) ١ عيون الأنباء في طبقات الأطباء ٢/ ١٣٦. ٢ انظر الحجة في القراءات لأبي علي الفارسي/ ٤. تحقيق الدكتور عبد الفتاح شلبي. ٣ له كتاب في العروض تحقيق الدكتور عبد الحسين الفتلي مستل من مجلة كلية الآداب سنة ١٩٧٢. ٤ وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٢. ٥ تاريخ بغداد ٥/ ٣١٩، وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٢. ٦ طبقات النحاة لابن قاضي شهبة ١/ ٥٢. ٧ وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٢. ٨ إنباه الرواة ٣/ ١٤٦. معجم الأباء ١٨/ ١٩٨.
[ ١ / ١١ ]
وكان اجتماعيًّا يحب الناس له صلات صداقة مع كبار علماء عصره ولا سيما المقرئ الكبير ابن مجاهد١.
أما أسرته، فلم تذكر المراجع شيئا ذا بال عنها، ولا عن حياته الخاصة وكل ما عرف عنه أنه كان يعشق جارية من القيان وكان له منها ولد٢.
أساتذته:
تيسر لابن السراج مقدار لا يُستهان به من علوم العصر على اختلاف فنونها، وقد كان في بعضها معتمدا على نفسه في البحث والتنقيب والاطلاع، وفي سوى ذلك يتلقاه على شيوخ عصره كل حسب اختصاصه ممن كانت بغداد تتنافس بهم، غير أن المراجع كلها قد أجمعت على شخصية واحدة هي: أبو العباس المبرد إمام نحاة البصرة في القرن الثالث الهجري، فقد صحبه ابن السراج وأخذ عنه العلم والأدب٣، وقرأ عليه كتاب سيبويه٤، ولم تكن علاقته بأستاذه علاقة دراسة وقراءة فحسب، قال ابن درستويه٥: كان من أحدث غلمان المبرد مع ذكائه وفطنته وكان المبرد يميل إليه، ويشرح له، ويجتمع معه في الخلوات والدعوات ويأنس به.
ولا يعرف لابن السراج أستاذ آخر مسمى في كتاب التراجم إلا أن ابن خلكان٦ ذكر: أنه أخذ عن المبرد وغيره، وليس من المستبعد أن يكون قد تأثر -على الأقل- بالزجاج الذي آلت إليه رئاسة المدرسة البصرية بعد موت
_________________
(١) ١ انظر معجم الأدباء ١٨/ ١٩٨. ٢ تاريخ بغداد ٥/ ٣١٩، نزهة الألباء/ ٣١٢. ٣ إنباه الرواة ٣/ ١٤٥. وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٢، ونزهة الألباء/ ٣١٣. ٤ معجم الأدباء ١٨/ ١٩٧. ٥ الفهرست ٩٢، وإنباه الرواة ٣/ ١٤٨. ٦ وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٢.
[ ١ / ١٢ ]
المبرد سنة "٢٨٥هـ" ولقد رددت كتب التراجم قصة خطأ ابن السراج في مسألة بحضرة الزجاج بعد موت المبرد١. كما أن ابن جني قد أورد في الخصائص٢ بعض المسائل التي كانت مدار خلاف فيما بينهما.
تلاميذه:
ما زال طلاب العربية إلى يومنا هذا يتتلمذون على أولئك العلماء الذين وضعوا الأسس القويمة لبناء هذا التراث الخالد. فلم يكن طلب العلم مقصورا على المشافهة والأخذ المباشر عن الشيوخ، وإنما هو أعم من ذلك وأشمل، فقارئو كتاب سيبويه يأخذون عن سيبويه، وقارئو الكامل والمقتضب يأخذون عن المبرد، ودارسو الأصول هم طلاب علم ابن السراج دون شك أو ريب. وقد جرت عادة المؤرخين: أن يتحدثوا عمن عاصروا أستاذهم وتلقوا عنه العلم على أنهم تلاميذه، الآخذون عنه، وإن كان العلم باقيا يأخذه المعاصرون كما ينتفع به بعدهم، وأبرز تلاميذ ابن السراج:
١- أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي المتوفى سنة ٣٣٧هـ فقد ذكر الزجاجي أنه أخذ عن ابن السراج٣.
٢- أبو سعيد السيرافي النحوي المتوفى "٣٦٨هـ" فقد قرأ على أبي بكر بن السراج وأبي بكر مبرمان النحو٤ وفي شرح٥ كتاب سيبويه نجد الكثير من آراء ابن السراج النحوية والصرفية.
_________________
(١) ١ الفهرست/ ٩٢، معجم الأدباء ١٨/ ١٩٨، إنباه الرواة ٣/ ١٤٩. ٢ انظر الخصائص ١/ ٦٢، ٦٦، ٢٤٨، و٢/ ٣١. ٣ انظر الإيضاح في علل النحو: ٧٩، ومعجم الأدباء ١٨/ ١٩٨. ونزهة الألباء/ ٣١٣. ٤ انظر معجم الأدباء ٨/ ١٤٥، وبغية الوعاة / ٢٢١. ٥ انظر شرح السيرافي ١/ ٥٧، ١٣٤، ١٦٧، ١٨٠، و٥/ ١٧، ١٨، ٣٥، ٥٩.
[ ١ / ١٣ ]
٣- أبو علي الفارسي "٣٧٧". الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن أبان الفارسي الفسوي الإمام العلامة، فقد قرأ النحو على أبي إسحاق الزجاج وعلى أبي بكر بن السراج١، وكذلك اطلع على المسائل المشروحة من كتاب سيبويه للمبرد وقرأها على ابن السراج كما روى كتاب التصريف عن ابن السراج عن المبرد٢.
٤- الرماني: أبو الحسن علي بن عيسى الرماني المتوفى "٣٨٤". أخذ النحو عن أبي بكر بن السراج وابن دريد والزجاج٣، وهم الشيوخ الذين حملوا علم البصرة في بغداد. وقد شرح الرماني كتاب الموجز لابن السراج٤.
٥- أبو علي القالي "٣٥٦": ومن تلاميذ ابن السراج: إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن عيسى بن محمد بن سليمان مولى الخليفة عبد الملك بن مروان، أبو علي البغدادي المعروف بالقالي نسبة إلى -قالى قلى- بلد من أعالي أرمينة٥.
٦- الأزهري اللغوي: "٣٧٠" محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الأزهري اللغوي الأديب الهروي الشافعي، أخذ عن الربيع بن سليمان ونفطويه وابن السراج. وكان رأسا في اللغة٦.
٧- أبو القاسم الآمدي: "٣٧١" الحسن بن بشر الآمدي الذي ولد
_________________
(١) ١ انظر الفهرست لابن النديم/ ٦٤، وطبقات النحويين/ ١٣٠، ونزهة الألباء/ ٣٨٧. ٢ المنصف لابن جني ١/ ٦. ٣ انظر إشارة التعين/ ٣٤. ٤ إنباه الرواة/ ٢٩٥. ٥ معجم الأدباء ٧/ ٢٧. وفيات الأعيان ١/ ٧٤. ٦ معجم الأدباء ١٧/ ١٦٥، بغية الوعاة ٢/ ١٩ تحقيق أبي الفضل إبراهيم.
[ ١ / ١٤ ]
بالبصرة وانتقل إلى بغداد فتلقى النحو واللغة عن الأخفش الصغير والزجاج وابن دريد وابن السراج١.
وفاته:
أجمعت معظم المراجع التي ترجمت لابن السراج أنه مات يوم الأحد لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة "٣١٦هـ"٢ ببغداد في خلافة المقتدر بالله٣. إلا أن هناك روايتين إحداهما: ذكرها العيني في عقد الجمان في ثنايا الحديث عن ابن السراج وهي لا تختلف عن الروايات المتداولة بين المترجمين تقول: في تاريخ النويري أن ابن السراج توفي في ذي الحجة سنة "٣١٠" ثم قال: قيل: كانت وفاته سنة خمس عشرة وثلاثمائة٤.
والثانية: ما نقله صاحب كشف الظنون وهي: أن أبا بكر بن السراج توفي سنة إحدى وستين وثلاثمائة هجرية٥، -في النص العربي والإنجليزي- وهذا -كما يبدو- تحريف؛ لأن سنة "٣١٦" قابلة للتقديم والتأخير فتصبح سنة "٣٦١هـ".
وقد عمر ابن السراج طويلا، ولم يمت في سن مبكرة، ولم يمت شابا كما ذكر السيوطي في البغية٦، فقد ذكر المترجمون له أنه مات كهلا٧، والواقع يؤيد ذلك. فهو قد صحب أبا العباس المبرد المتوفى "٢٨٥هـ" فإذا افترضنا
_________________
(١) ١ بغية الوعاة ١/ ٢٠ تحقيق أبو الفضل إبراهيم. ٢ تاريخ بغداد ٥/ ٣١٩، معجم الأدباء ١٨/ ١٩٨، نزهة الألباء/ ٣١٢. ٣ نزهة الألباء / ٣١٢. ٤ عقد الجمان: ١٨ القسم الثاني. ٥ كشف الظنون/ ٣٣٤. ٦ بغية الوعاة/ ٤٤، والأعلام للزركلي ٧/ ٦. ٧ عيون التواريخ، الذين توفوا سنة "٣١٦" وتاريخ الإسلام للذهبي ٢/ ٤٤.
[ ١ / ١٥ ]
أن سنه كانت خمسا وعشرين سنة آنذاك يضاف لها إحدى وثلاثون سنة عاشها بعد موت المبرد فيكون عمره ستا وخمسين سنة تقريبا.
آثاره:
خلف ابن السراج ثروة علمية في معظم التصانيف التي أودعها علمه في جميع الفنون التي برز فيها، فقد استوعب معظم علوم عصره إلا القليل، صنف فيها ما ينيف على الخمسة عشر كتابا ومصنفا ضاع أكثرها، والملاحظ أن من مصنفاته ما عني به العلماء من بعده وتعهدوه، بالشرح والتفسير مثل كتاب "الأصول".
فقد شرحه الرماني١ النحوي وهو من تلاميذ ابن السراج، وبقي هذا الشرح إلى زمن السيوطي المتوفى سنة "٩١١هـ" الذي نقل عنه في كتابه الأشباه والنظائر٢ كذلك شرحه ابن بابشاذ٣ المتوفى "٤٦٩هـ" وابن الباذش٤ الغرناطي النحوي المتوفى "٦٠٧هـ".
وأهم المراجع التي أحصت كتب ابن السراج هي: تاريخ بغداد، والفهرست لابن النديم، ومعجم الأدباء، ووفيات الأعيان لابن خلكان وطبقات النحويين واللغويين للزبيدي ونزهة الألباء لابن الأنباري والبغية للسيوطي، وكشف الظنون للحاج خليفة وغيرها من كتب التراجم.
وعلى أية حال: فإن ما أمكن التعرف عليه من كتب ابن السراج لم يتعد الخمسة عشر كتابا يمكن تقسيمها على الشكل الآتي:
_________________
(١) ١ كشف الظنون ١/ ٣٣٤. وفهرسة ابن خير الإشبيلي/ ٣٠٧، وقد عثرت على قطعة من هذا الشرح في آخر كتاب الأصول نسخة تركنا تحت رقم "١٠٦٦". ٢ الأشباه والنظائر ١/ ٢١٢. ٣ انظر المقدمة المحسبة/ ١٨ وكشف الظنون ١/ ٣٣٤. ٤ انظر كشف الظنون ١/ ٣٣٤.
[ ١ / ١٦ ]
أ- كتب في اللغة والنحو والصرف: مثل الأصول في النحو: وجمل الأصول، والموجز، وشرح كتاب سيبويه، والاشتقاق، وكتاب علل النحو، وكتاب الهمز.
ب- دراسة في القرآن الكريم، مثل كتاب الاحتجاج في القراءة.
جـ- كتب في النقد والشعر، مثل كتاب الشعر والشعراء.
د- كتب في الخط والهجاء والعروض.
هـ- كتب أخرى لم يعرف شيء عن مضامينها؛ لأنه لم يعثر على نص يشير إلى ما تحتوي عليه هذه الكتب من فنون العلوم المختلفة، مثل كتاب الرياح والهواء والنار، والمواصلات، والمذاكرات، والأخبار، وهذا وصف موجز لبعض هذه المصنفات:
١- كتاب الأصول في النحو، وهو موضوع التحقيق، يشمل النحو والصرف.
٢- كتاب جمل الأصول أو مجمل الأصول، أو الأصول الصغيرة١، وهو كتاب في النحو أيضا، يعتقد أنه مختصر لكتاب الأصول الكبير.
٣- كتاب الجمل، وهو في النحو أيضا، أشار إليه ابن السراج نفسه في كتابه الأصول عندما كان يتحدث عن الموضع الذي يتساوى فيه الجمل والأصول٢. وقد ذكر القفطي٣ أن الرماني شرح هذا الكتاب، ثم شرح أبياته النحوي المعروف بابن حميدة المتوفى سنة "٥٥٠هـ".
_________________
(١) ١ انظر معجم الأدباء ١٨/ ١٩٨، وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٢. وإنباه الرواة ٣/ ١٤٥. ٢ انظر الأصول ٢/ ٢١٩. ٣ إنباه الرواة ١/ ١٩٥.
[ ١ / ١٧ ]
٤- الموجز: كتاب في النحو والصرف، شرحه الرماني١ وأبو الحسن الأهوازي٢، وقد ذكر: أن ابن السراج لم يتم هذا الكتاب وأنه كلف أبا علي الفارسي بإتمامه، لكن أبا العلاء المعري٣ يقول: وهذا لا يقال إنه من إنشاء أبي علي؛ لأن الموضوع من الموجز وهو منقول من كلام ابن السراج في الأصول والجمل٤ فكأن أبا علي جاء به على سبيل النسخ لا إنه ابتدع شيئا من عنده. وقد طبع هذا الكتاب في بيروت عام ١٩٦٥ بتحقيق مصطفى الشويمي وابن سالم دامرجي تحت إشراف رجس بلاشير من جامعة باريس، كذلك عثرت على مخطوطة لهذا الكتاب في الخزانة العامة بمدينة الرباط تحت رقم "١٠٠ق"، في آخرها: كتبت من نسخة مقروءة على الشيخ أبي علي النحوي صاحب أبي بكر بن السراج.
٥- شرح كتاب سيبويه: وهذا بطبيعة الحال يشمل النحو والصرف معا، وقد أشار كل من السيرافي والرماني٥ إلى اختلاف نسخ الكتاب التي كانت بين يدي ابن السراج.
٦- الشكل والنقط: ذكر القفطي٦ أن الرماني شرح هذا الكتاب ولكن لم تعرف مادته ومضمونه لأنه لم يصل إلينا.
٧- كتاب الهجاء أو الخط. ولقد عثرت على هذا الكتاب في الخزانة العامة في الرباط بالمغرب ضمن مجموعة تحت رقم "١٠٠ق". وقد طبع في مجلة المورد.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة ١/ ١٧٣. ٢ إنباه الرواة ٣/ ٢٩٥. ٣ شرح التصريح للشيخ خالد الأزهري ٢/ ٢٧٧. ٤ رسالة الغفران لبنت الشاطئ/ ٣٥٧. ٥ انظر شرح السيرافي ٥/ ٥٩، وشرح الرماني: ٥٦ المجلد الخامس. ٦ إنباه الرواة ٣/ ١٤٥.
[ ١ / ١٨ ]
٨- كتاب الشعر والشعراء١: ذكره ابن خلكان وياقوت والقفطي ولم نعرف عنه شيئا لا عن مادته ولا طريقة عرضه وتأليفه، وليس له ذكر في أية فهرسة من فهارس الكتب المصورة أو المخطوطة.
٩- احتجاج القراء: وهذا الكتاب في التفسير والقراءات. وتجد صدى هذا الكتاب في القسم الأول من كتاب "الحجة"٢ لأبي علي الفارسي.
١٠- كتاب الاشتقاق: ذكر المترجمون٣ لابن السراج أن هذا الكتاب لم يتم، وهو في علم التصريف٤ وقد حققه الدكتور محمد صالح.
١١- كتاب المواصلات والمذاكرات في الأخبار٥، لا يعرف شيء عن محتوياته ومادته.
١٢- كتاب الهوى والنار والرياح.
١٣- كتاب علل النحو: لم يشر إليه أحد ممن ترجم لابن السراج سوى القفطي.
١٤- كتاب الهمز: أشار إليه ابن السراج نفسه في كتابه الأصول.
١٥- كتاب العروض، لم أجد أحدا أشار إلى هذا الكتاب من قريب أو بعيد ولكنني عثرت على نسخة له في المغرب في مكتبة الخزانة
_________________
(١) ١ انظر وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٣. ومعجم الأدباء ١٨/ ١٩٨، وإنباه الرواة ٣/ ١٤٥. ٢ انظر الحجة في القراءات ١/ ٤ تحقيق الدكتور عبد الفتاح شلبي. ٣ انظر الأصول ٢/ ٦٠٦، والمعرب من الكلام الأعجمي للجواليقي/ ٣، تحقيق أحمد شاكر. ٤ انظر معجم الأدباء ١٨/ ١٩٧، وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٢، إنباه الرواة ٣/ ١٤٥. ٥ معجم الأدباء ١٨/ ١٩٧، وفيات الأعيان ٤/ ٤٦٢.
[ ١ / ١٩ ]
العامة بالرباط تحت رقم "١٢٧" ولقد نشرته في مجلة كلية الآداب لعام ١٩٧٢.
مذهب ابن السراج النحوي:
نشأ ابن السراج بعد تكامل وانتهاء طبقات النحاة البصريين والكوفيين إذ إن آخر من يذكر في طبقات البصريين أبو العباس المبرد المتوفى "٢٨٥هـ" وآخر من يذكر في طبقات الكوفيين يحيى بن أحمد المعروف بثعلب المتوفى "٢٩١هـ". نشأ في بغداد ومات فيها، لكن مذهبه بصري أو هكذا ارتضى لنفسه أن يكون من البصريين؛ لأن الأسس التي يرجع إليها والمصطلحات والمسائل الخلافية التي يستعملها ليست بغدادية؛ لأنه لا توجد مدرسة بغدادية بهذا المعنى.
إن ابن السراج يقول بآراء البصريين ويعد نفسه بصريا ويعتمد الأسس البصرية، ويستعمل مصطلحاتهم، وإننا نستطيع أن نميز وجهة النحوي من النظر في أربعة أمور:
الأسس التي يعتمدها في البحث: والمصطلحات التي يستعملها. ومع من يعد نفسه أو أين ارتضى أن يضع نفسه، وفي المسائل الخلافية.
والذي ينظر إلى ابن السراج من خلال هذه النقاط الأربع يجده يعتمد الوجهة البصرية، فهو كالنحاة البصريين يعتمد القبائل العربية الفصيحة، ولا يقيس على القليل أو النادر بخلاف الكوفيين الذين أخذوا عن أعراب لانت فصاحتهم، ويقيسون على النادر والقليل، بل الشاهد الواحد أيضًا.
ومن حيث المصطلحات النحوية، فإنه كان يستعمل المصطلحات البصرية كالممنوع من الصرف، والظرف، والعطف، والجر، والمجرورات، والنعت والبدل، وألقاب الإعراب، والبناء، والضمير، وضمير الفصل، والمتعدي، واللازم.
وفي كتاب الأصول الكثير من ذكر البصريين، وأحيانا يسميهم
[ ١ / ٢٠ ]
بأصحابنا١، إلا أنه أحيانا أخرى يستعمل اصطلاحات الكوفيين، كالنسق، والمكني، والجحد، والصفة، والمفسر، وما لم يسم فاعله٢.
ولعل مرجع ذلك إلى ما ذكره المترجمون له من أنه عول على مسائل الكوفيين، وخالف أصول البصريين في مسائل كثيرة٣.
كتاب الأصول:
كانت لكتاب الأصول في النحو منزلة خاصة في نفوس النحاة وفي تاريخ النحو العربي، ولآرائه أهمية كبرى كتب لها من الذيوع والانتشار بين الدارسين ما لم يكتب إلا لقلة نادرة من المصنفات النحوية، مثل كتاب سيبويه والمقتضب لأبي العباس المبرد والتصريف لأبي عثمان المازني، فهذا العمل البارع الذي قام به أبو بكر بن السراج في القرن الثالث الهجري، فجمع فيه أبواب النحو والصرف لقي إقبالا وإعجابا من معظم دارسي العربية، فقد جمع ابن السراج أصول العربية وأخذ مسائل سيبويه ورتبها أحسن ترتيب٤ في كتاب أصبح المرجع إليه عند اضطراب النقل واختلافه٥ وهو غاية في الشرف والفائدة٦، فقد اختصر فيه أصول العربية، وجمع مقاييسها٧، ونظر في دقائق سيبويه، وعول على مسائل الأخفش والكوفيين وخالف أصول البصريين في مسائل كثيرة حتى قيل: ما زال النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج بأصوله٨.
_________________
(١) ١ انظر الأصول ١/ ٤٨٤. ٢ انظر الأصول ٢/ ٢٩٦، و٢/ ١٩٨ و١/ ١٩٢ و١/ ٢٨٩. و١/ ١٩٤، و٢/ ٣٠٠، و٢/ ١٩١، و١/ ٢١، و٢٧٩، و٢/ ٢٠٣. ٣ انظر معجم الأدباء ١٨/ ١٩٨. ٤ نزهة الألباء/ ٦٩. ٥ معجم الأدباء ١٨/ ٢٠٠. ٦ طبقات الزبيدي/ ١٢٢. ٧ طبقات الزبيدي/ ١٢٢. ٨ معجم الأدباء ١٨/ ١٩٨.
[ ١ / ٢١ ]
ولقد نسب كثير من الباحثين إلى ابن السراج أنه أول من وضع كتابا في أصول العربية، فقد ذكر محققو سر صناعة الإعراب لابن جني في مقدمته١ شيئا من ذلك، ولقد قال ابن السراج في كتاب الأصول "فتفهم هذه الأصول والفصول فقد أعلنت في هذا الكتاب أسرار النحو وجمعته جمعا يحصره وفصلته تفصيلا يظهره، ورتبت أنواعه وصنوفه على مراتبها بأخصر ما يمكن من القول وأبينه ليسبق إلى القلوب فهمه ويسهل على متعلميه حفظه٢.
منهج ابن السراج:
الذي يقرأ كتاب الأصول يعرف أن ابن السراج كان منهجيا قويم النظرة في عرض مادة كتابه، فلم يشأ أن يجري دراسته النحوية على النهج الذي ألفناه في كتب من سبقه مجافيا لمذهب التقنين والقواعد فقد أدرك أن مدار علم النحو في كتابه مبني على استخراج الأصول النحوية مع الالتزام بالدقة في كل موضوع، وقد بوب كتابه تبويبا يشبه إلى حد كبير تبويب كتاب سيبويه، لكن موضوعات أصول ابن السراج غير متداخلة كموضوعات الكتاب لا يمكن التمييز بينها، فقد رتب على الشكل الذي ألفناه في الوقت الحاضر، فبدأ بمرفوعات الأسماء، ثم المنصوبات والمجرورات، وانتقل بعد ذلك إلى التوابع كالنعت والتوكيد وعطف النسق وعطف البيان، والعطف بالحروف. ثم أشار إلى نواصب الأفعال وجوازمها، وزاد باب التقديم والتأخير، وباب الإخبار بالذي وبالألف واللام، وانتهى إلى مسائل الصرف.
وكتاب الأصول خال من المقدمة، قليل الاستطراد، موضوعاته المتشابهة محصورة في باب واحد لا في أبواب متفرقة كما هي الحال في كتاب سيبويه يبدأ بتعريف النحو العربي وينتهي بباب ضرورة الشاعر.
_________________
(١) ١ سر صناعة الإعراب ١/ ٦. ٢ كتاب الأصول ١/ ٢٧.
[ ١ / ٢٢ ]
وتجدر الإشارة هنا إلى عدد النسخ التي كانت بحوزة ابن السراج من كتاب سيبويه، فنراه كلم وجد كلمة أو عبارة فيها أكثر من احتمال أو لها أكثر من وجه من وجوه التفسير رجع إلى نسخة معينة مشيرا إلى صاحب تلك النسخة مبينا أنها بخطه أو كانت ملكه: كالمبرد، وثعلب، والقاضي١، فهو يشبه المحقق في هذا الزمن، إذ إنه يحاول إخراج النص سليما، لا يشوبه الغموض، ولا يتطرق إليه الشك من قريب أو بعيد.
ولقد نال الأصول إعجاب من جاء بعد ابن السراج من الباحثين، وأثنوا عليه، ووضعوه في مكانه اللائق به.
قال ياقوت الحموي: وإليه المرجع عند اضطراب النقل واختلافه٢.
وقال الزبيدي في طبقاته: هو غاية في الشرف والفائدة، وهو من أجود الكتب المصنفة في هذا الشأن٣.
وقال ابن شاكر الكتبي: له كتاب الأصول في النحو، مصنف نفيس شرحه الرماني٤.
ولقد استشهد أبو بكر بن السراج في كتاب الأصول بالشعر في أماكن عديدة بما ثبت عن العرب أو أنه فهم على غير وجهه الصحيح. تتمثل هذه الشواهد بكثرة ما استشهد به من الشعر للغات العرب المختلفة أو لهجات بعض قبائلهم أو تعزيز القواعد التي قال بها فريق من النحاة؛ لأن السماع ورد بها وأنكرها فريق آخر لأنها تتعارض مع القياس، أو لأنهم لم يطمئنوا إلى
_________________
(١) ١ هو إسماعيل بن إسحاق القاضي -ذكره السيرافي باسمه كاملا في شرح الكتاب ٥/ ١١٣، دار الكتب نسخة البغدادي- مات سنة ٢٨٢هـ. ٢ معجم الأدباء ١٨/ ١٩٩. ٣ طبقات الزبيدي/ ٢٢٢، وفيات الأعيان ٣/ ٤٢. ٤ عيون التواريخ "١٤٩٧" سنة ٣١٦هـ.
[ ١ / ٢٣ ]
هذا السماع، كذلك تمثل ما اضطر إليه قائله لضرورة الشعر وهو عربي فصيح، ولكنه لا ينبغي أن يرد في السعة؛ لأن للشعر ضروراته وأحكامه، والنوع الثالث: ما جاء شاذا خلاف القياس أو السماع، ولكنه صدر عن عربي فصيح فلا يمكن رده أو الحكم عليه بالخطأ أو تضعيف روايته.
تأثره بمن سبقه:
ينبغي هنا أن نقتصر على مجرد الإشارة إلى مصادر "كتاب الأصول" لنكون على بينة من أمر تأليف هذا الكتاب ومادته وتأثر صاحبه بمن سبقه من النحاة. في ثنايا الكتاب تقع على ذكر ابن أبي إسحاق "١١٧هـ" وعيسى بن عمر "١٤٩هـ"، وأبي عمرو بن العلاء "١٥٤هـ"، وأبي الخطاب الأخفش الأكبر "١٥٧هـ"، والخليل بن أحمد الفراهيدي "١٧٤هـ" ويونس بن حبيب "١٨٣هـ"، وأبي زيد الأنصاري "٢١٥هـ"، والأخفش الأوسط "٢٠٨هـ"، والجرمي "٢٢٥هـ" والمازني "٢٤٩هـ"، والرياشي "٢٥٧هـ" وأبي العباس المبرد "٢٨٥هـ"، من البصريين وعلى ذكر الكسائي "١٨٩هـ"، والأحمر "١٩٤هـ"، والفراء "٢٠٧هـ" والطوال "٢٤٣هـ"، وثعلب "٢٩١هـ"، من الكوفيين، ومما يشكل قسما من الكتاب ما نقله عن العرب كالحجازيين والتميميين وسائر القبائل العربية الأخرى١.
ولم يكن ابن السراج مجرد ناقل أو جامع يجمع الآراء ويقدمها للدارسين، بل كانت له مقدرة فائقة في التعليل والترجيح، كما تظهر أحكامه على حظ كبير من السداد والقبول شأن العالم المعتمد بعلمه المتأكد من صحة قوله وتصويب رأيه وكثرة حفظه وعمق إدراكه وتمكنه من الفهم، وإذا كان الأصول مليئًا بالكثير مما نقله ابن السراج عن غيره من شواهد وأحكام، فإن
_________________
(١) ١ انظر الأصول ١/ ٨١، ٨٢، ١٤٤، ١٣٣، ٢٣٦، ٣٣٧، ١٥٥، وجـ٢/ ١٦٣، ١٧٧، ١٦٢، ١٦٦
[ ١ / ٢٤ ]
الكثير ليشهد بأنه لم يكن مجرد ناقل لآراء شيوخه، فهو يناقشهم فيها، ولا يتردد في إبداء رأيه ولو كان ذلك مخالفا لآراء من نقل عنه، ويخرج عليه، ولا يحجم عن تأييد أقواله واستحسانها وتقبيحها واستبعادها حتى كانت أقواله وأحكامه وآراؤه إلى جنب أقوال شيوخه وآرائهم وأحكامهم دالة على أنه لا يقل عنهم شأنا، ولا ينقص فكرا وعلما وأصالة١.
المسائل التي تفرد بها ابن السراج:
إن كتاب الأصول قيض له أن يقع في أيدي الباحثين من علماء العربية، فوقفوا منه على هذه الثروة الطائلة من الأحكام والقوانين، فأطلقوا عليه مخترع علم الأصول مستندين في ذلك إلى ما جاء بالكتاب نفسه من القوانين العامة، كما أنهم استندوا إلى مقال المترجمين حين قالوا فيه ما قالوا، فهو يلفت الأنظار بموضوعه من ناحية وبعنوانه من ناحية أخرى، لهذا، فإن لابن السراج آراء كثيرة في كتب النحاة الذين جاءوا بعده، وسوف أعرض لجانب من هذه الآراء:
١- لمّا ظرف:
ذهب جمهور النحاة إلى أن "لمّا" في مثل: لما جاءني أكرمته "حرف وجود لوجود، أما ابن السراج فيذهب إلى أنها ظرف بمعنى "حين" تنفي عن الثاني ما وجب للأول فعلى هذا لا تقع بعد كلام فيه نفي٢. وهو يخالف النحاة من أن الظرف والجار والمجرور إذا وقعا خبرا أو حالا أو صفة لا يتعلقان بمحذوف تقديره: استقر أو مستقر إذ كان يرى أنها قسم مستقل بنفسه يقابل الجملتين الاسمية والفعلية٣.
_________________
(١) ١ انظر الأصول ٢/ ٥٨٠، ٥١٠، ١١٤، ٤٠٢، وجـ١/ ٣١٣، ١١٦ ٢ المغني: ١/ ٣١٠. المصباح المنير ٢/ ٩٣٣. ٣ شرح ابن عقيل ١/ ٢١١. وهمع الهوامع ١/ ٩٩. وارتشاف الضرب/ ١٥٦.
[ ١ / ٢٥ ]
٢- اسم الفاعل مفرد:
قال ابن السراج: كل ما كان يجمع بغير الواو والنون نحو: حسن وحسان، فإن الأجود فيه أن تقول: مررت برجل حسان قومه، من قبل أن هذا الجمع المكسر هو اسم واحد صيغ للجميع، ألا ترى أنه يعرب كإعراب الواحد المفرد، وما كان يجمع بالواو والنون نحو: منطلقين. فإن الأجود فيه أن تجعله بمنزلة الفعل المقدم، فتقول: مررت برجل منطلق قومه١.
٣- مع اسم:
ذهب ابن السراج إلى أن "مع" اسم يدل على ذلك حركة آخرها مع تحرك ما قبلها، قال الزجاج٢: في قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ نصب "معكم" كنصب الظرف، والواقع أنها ظرف لأننا نقول: إنا معكم كما نقول: أنا خلفكم: أنا مستقر معكم وأنا مستقر خلفكم.
٤- اسم الإشارة أعرف المعارف:
ذهب النحويون المتقدمون والمتأخرون إلى أن الاسم العلم أعرف المعارف ثم المضمر واحتجوا بأن العلم لا اشتراك فيه في أصل الوضع، وإنما تقع الشركة عارضة فلا أثر لها.
أما ابن السراج، فيذهب إلى أن اسم الإشارة أعرف المعارف، ثم يليه المضمر والعلم واحتج بأن اسم الإشارة يتعرف بشيئين: بالعين والقلب وغيره يتعرف بالقلب لا غير٣.. لأن الإشارة ملازمة للتعريف بخلاف العلم وتعريفها حسي وعقلي وتعريفه حسي فقط وأنها تقدم عليه عند الاجتماع نحو: هذا زيد.
_________________
(١) ١ الأشباه والنظائر ١/ ٩٠-٩١. ٢ اللسان: مادة "معع". ٣ شرح المفصل ٥/ ٨٧. شرح التصريح ١/ ٩٥، والتذليل والتكميل ١/ ٢٣٥.
[ ١ / ٢٦ ]
والذي وجدته في كتاب الأصول أن أعرف المعارف هو الضمير١، وهو مذهب سيبويه وهذا خلاف ما روي عنه.
٥- ليس حرف لا فعل:
ذهب ابن السراج إلى أن "ليس" حرف؛ لأنها لا تتصرف، أي: لا يأتي منها المضارع والأمر، ومثلها: "عسى" بينما كان جمهور البصريين يذهب إلى أن "ليس" فعل ناقص لاتصالها بالضمائر مثل: لست، ولستما وليسوا، ولسن، وإلى أن "عسى" فعل لاتصالها بالضمائر مثل: عساك، وعساه٢
٦- صرف ما لا ينصرف:
كان ابن السراج يقول: لو صحت الرواية في صرف ما لا ينصرف ما كان بأبعد من قوله:
فبيناه يشري رحله قال قائل لمن جمل رخو الملاط نجيب
فإنما هو يشري رحله، فحذف الواو من "هو" وهي متحركة من نفس الكلمة وليست بزائدة، فإذا جاز أن تحذف ما هو من نفس الحرف جاز أن تحذف التنوين الذي هو زائد للضرورة٣
٧- إما ليست حرف عطف:
قال ابن السراج: ليست "إما" بحرف عطف؛ لأن حروف العطف لا يدخل بعضها على بعض، فإن وجدت شيئا من ذلك في كلامهم، فقد خرج أحدهما من أن يكون حرف عطف نحو قولك: ما قام زيد ولا عمرو "فلا" في هذه المسألة ليست عاطفة، إنما هي نافية ونحن نجد "إما" هذه لا يفارقها حرف العطف فقد خالفت ما عليه حروف العطف، ثم إنها يبتدأ بها نحو قوله تعالى: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ وذلك أن موضع
_________________
(١) ١ انظر الأصول ٢/ ٢٦٤. ٢ انظر المغني ١/ ١٦٢. ٣ انظر شرح السيرافي ١/ ١٣٤، والإنصاف ٢/ ٢٦٧، وشرح المفصل ١/ ٦٨.
[ ١ / ٢٧ ]
"أن" في كلا الموضعين رفع بالابتداء والتقدير: إما العذاب شأنك. وإما اتخاذ الحسن١
زمن تأليف كتاب الأصول:
ليس بين أيدينا ما يدلنا على زمن تأليف هذا الكتاب أو السنة التي كتب فيها من قبل ابن السراج، فلم نظفر بما يشير إلى زمن تأليف الأصول والذي يبدو أن كتاب ابن السراج هذا من الكتب المتأخرة في وضعها، فقد وردت إشارة في كتاب الأصول نفسه أنه آخر كتب ابن السراج، قال: ونحن نفرد كتابا بالتفريع للأصول ومزج بعضها ببعض نسميه كتاب الفروع ليكون فروع هذه الأصول إن أخر الله في الأجل وأعان٢ والظاهر أنه توفي قبل أن يؤلف كتاب الفروع، ثم إن الذين ترجموا له لم يذكروا له مثل هذا الكتاب -أعني كتاب الفروع- كذلك قال ابن الأنباري: ولأبي بكر مصنفات حسنة أحسنها وأكبرها كتاب الأصول، فإنه جمع فيه أصول العربية..
ومن الطبيعي أن العالم كلما تقدمت به السن زادت تجاربه ونضجت أحكامه واقترب من الكمال في أعماله العلمية والأدبية.
تسمية الكتاب:
نص ابن السراج في الورقة الثانية من كتابه هذا على اسمه عندما بين الغرض من التأليف، قال: وغرضي في هذا الكتاب العلة التي إذا اطردت وصل بها إلى كلامهم فقط، وذكر الأصول والشائع؛ لأنه كتاب إيجاز٣
وقال في مكان آخر: قد فرغنا من ذكر المرفوعات والمنصوبات، وذكرنا
_________________
(١) ١ انظر شرح المفصل ٨/ ١٣٠، والأشباه والنظائر ١/ ٣٢٢. ٢ انظر كتاب الأصول ١/ ٣٤٣. ٣ الأصول ١/ ٢.
[ ١ / ٢٨ ]
في كل باب من المسائل مقدارا كافيا فيه دربة للمتعلم ودرس للعالم بحسب ما يصلح في هذا الكتاب لأنه كتاب أصول١
وقال: قد انتهينا إلى الموضوع الذي يتساوى فيه كتاب الأصول وكتاب الجمل بعد ذكر الذي والألف واللام٢
وذكر في آخر الكتاب: هذا آخر الأصول بحمد الله ومنه٣.
غير أن النحاة وأصحاب التراجم وغيرهم آثروا زيادة هذه التسمية وأطلقوا على الكتاب اسم الأصول الكبير أو أصول النحو، وظل معروفا باسم الأصول الكبير عند كثير ممن ترجموا لابن السراج كياقوت الحموي وابن خلكان، والزبيدي، والسيوطي، وغيرهم، حتى يومنا هذا، أما لماذا سمي بالأصول الكبير؛ فلأن له كتابا آخر اسمه جمل الأصول٤. أو الأصول الصغير٥، فهذه تسمية -كما تبدو- للفرق بين الكتابين، والإشارة إلى أن كتاب الأصول الكبير أحسن مصنفات ابن السراج وأكبرها٦.
منهج التحقيق:
لما كان الغرض من تحقيق النصوص إنما هو إظهارها سليمة صحيحة كما أراد لها المؤلف لم أبخل بجهد في هذا السبيل واضعا نصب عيني ما تتطلبه إعادة النص إلى وضعه الأول، من دقة وأمانة، وحيطة وحذر، وقد تكون الإعادة إلى الأصل أصعب من ولادة أصل جديد، مصداق ذلك قول الجاحظ: "لربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفا أو كلمة ساقطة فيكون
_________________
(١) ١ الأصول ١/ ٣٤٣. ٢ الأصول ٢/ ٢٣٤. ٣ الأصول ٢/ ٥٨٢. ٤ وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٢، وبغية الوعاة/ ٤٤. ٥ معجم الأدباء ١٨/ ١٩٩. ٦ نزهة الألباء/ ٣١٢.
[ ١ / ٢٩ ]
إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعنى أيسر عليه من إتمام ذلك النص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام"١.
والذي أعانني على تحقيق الكتاب أن كثيرا من نصوصه منقولة من كتاب سيبويه فإذا ما استعصى لفظ في النسخة المخطوطة التي بين يدي رجعت إلى الباب الذي يشبهه في كتاب سيبويه نحوا كان أو صرفا وإلى تصريف المازني فيما يتعلق بالصرف فقط، ومع ذلك فمواضع الإبهام والغموض كثيرة فيه.
وقد تتبعت في تحقيقه نصوص ابن السراج في "الأصول" فأكملت الناقص، وأقمت المعوج، وهذبت المختل في دقة وأمانة دون المساس بالمعنى أو بمواد المؤلف، وقد حافظت على النص وعدم التدخل فيه إلا بالقدر الذي لا يمس جوهره كإعادة كتابة كلمة وفق القواعد الإملائية الصحيحة. وكل ما امتدت إليه يدي بالتقويم والتهذيب أو الإضافة أو الحذف أشرت إليه في الحاشية حرصا على أمانة النص العلمية وفق القواعد التالية:
١- تتبعت مسائل ابن السراج جميعها في كتابه، وأرجعت الأصول التي نقلها إلى أصحابها ما أمكن ذلك؛ لأن بعض الكتب التي نقل عنها لا توجد لدينا أو أنها مفقودة.
٢- وجدت في النص جملا غير مستقيمة فحاولت تقويمها بما يلائم السياق من زيادة كلمة أو حرف بأن وضعت الزائد بين هذين [] المعكوفين وأشرت إلى ذلك في الحاشية، يتجلى ذلك في نسخة تركيا، إذ إنها مليئة بالأخطاء إلى درجة أن المعنى يضيع في مواطن كثيرة، لولا أن كتاب الأصول كان صورة من كتاب سيبويه، والذي يسر هذا التدخل في النص أن ناسخه غير مؤلفه، ولو كان الناسخ هو المؤلف نفسه لما تجرأ شخص في عصرنا هذا
_________________
(١) ١ كتاب الحيوان ١/ ٧٩.
[ ١ / ٣٠ ]
على شيء مما فعلت؛ لأن المخطوط يكون آنذاك صورة لثقافة مؤلفه.
٣- ترجمت للأعلام الذين وردت أسماؤهم في المخطوط وضبطتها ما أمكنني ذلك ولما كانت هذه الأسماء منها ما يتكرر عشرات المرات وكانت صفحات المخطوط تبلغ ألف صفحة أو تزيد فقد اقتصرت على ترجمة الاسم حين وروده لأول مرة ولم أذكره في سائر المرات التالية لذلك.
٤- خرجت الشواهد من آيات وأحاديث وأشعار وأمثال متبعا ما يلي:
أ- الآيات القرآنية: فقد رددتها إلى مواضعها في المصحف الشريف وذكرت في الهامش رقمها واسم السورة التي وردت فيها، كما أكملت الناقص من الآيات في الهامش مشيرا إلى القراءات إذا كان هناك قراءة في آية من الآيات.
ب- الأحاديث النبوية: وهي قليلة في الكتاب، فقد تتبعت ما جاء منها في كتب الحديث والمعاجم واللغة والنحو وبينت ما كان منها حديثا وما كان من كلام العرب المأثور عنهم.
جـ- الأمثال: وكانت هي الأخرى قليلة، لجأت في ذلك إلى كتب الأمثال للتحقق منها، وكذلك كتب اللغة والنحو وخرجتها وشرحتها بما يتفق والموضوع الذي وردت فيه.
د- شواهد الشعر: كنت أرجع فيها إلى دواوين الشعراء وكتب اللغة والنحو والمعاجم، أكمل الناقص منها في الهامش، وأشرح الغامض من مفرداتها اللغوية الصعبة -وما أكثرها- شرحا موجزًا يخدم الموضوع الذي سيق له شاهدا عليه، ونسبت الشواهد غير المنسوبة إلى قائليها كلما استطعت ذلك ووجدت سبيلا إليه، وكذلك كنت أذكر بإيجاز بعض الفوائد النحوية التي تتصل
[ ١ / ٣١ ]
بموضوعات المسائل، وذلك كخلاف بين بعض النحويين مما يرجح رأي ابن السراج أو يضعفه، وكل ذلك في الهامش بغية تعميم الفائدة وإفادة القارئ.
٥- شرحت المفردات الغريبة التي وردت في المخطوط شرحا لغويا موجزا، وقد اعتمدت في ذلك على بعض المعاجم العربية: كالتهذيب والصحاح واللسان والقاموس والمحكم لابن سيده والجمهرة لابن دريد.
٦- جاء النص مشكولا في الجزء الأول والجزء الثاني نسخة المتحف البريطاني، فحافظت على الشكل؛ لأن القسم الأكبر من الكتاب صرف، فهو عرضة للبس والإبهام، وقد حاولت تصحيح ما وجدته خطأ من ذلك.
نسخ الكتاب:
أولا: نسخة المغرب الموجودة في الخزانة العامة في الرباط رقمها "٣٢٦" وهي نسخة قديمة جميلة الخط مشكولة يرجع تأريخها إلى القرن السادس الهجري، وتتألف من خمسمائة وأربع وعشرين صفحة.
ومتوسط عدد السطور في كل صفحة ستة عشر سطرا، كما أن متوسط كل سطر عشر كلمات.
والنسخة من القطع المتوسط فيها رسم تخطيطي كتب داخله الخزانة العامة، الرباط قسم التصويب، وفي آخرها ختمان أحدهما مكتوب فيه: مكتبة الزاوية الناصرية رقم "٦٤٤"، والآخر مكتوب فيه: مخطوطات الأوقاف رقمه "٣٥٥" وتحتوي على خمسة وتسعين بابا والعناوين مكتوبة بخط كبير.
ويوجد على هامش النسخة تصحيحات كان يكتب آخرها "صحح".
ويوجد في هذه النسخة سقط في باب "حروف الجر" مقداره صفحتان
[ ١ / ٣٢ ]
وتنتهي النسخة في باب الكاف من حروف الجر وأنها اسم، كذلك فإنها تحتوي على مسائل نحوية خالصة.
ثانيا: نسخة جامعة القرويين في مدينة فاس بالمغرب أيضا.
نسخة قديمة جميلة الخط يرجع تأريخها إلى القرن السادس الهجري، وتتألف من مائة صفحة، قطعة من كتاب الأصول "الجزء الأول".
متوسط عدد السطور "٣٢" سطرا، كما أن متوسط كل سطر عشر كلمات، رقمها "١٧٧٤" تبدأ بتعريف النحو وتنتهي بباب الصفة المشبهة باسم الفاعل. كتبها عبد الله أحمد المنصوري بالله، فيها ثقوب كبيرة وأثر لتآكل في حواشيها.
ثالثا: نسخة المتحف البريطاني:
تتألف من "٢٥٨" صفحة وتوجد في المتحف البريطاني ومعهد المخطوطات بالجامعة العربية ومجمع اللغة العربية والمجمع العلمي العراقي وهي كلها نسخة واحدة وهي نسخة المتحف البريطاني.
كتب عليها قبل البسملة: "أصول النحو لابن السراج" والعنوان حديث بالنسبة لتاريخ المخطوطة؛ لأن هذه النسخة قطعة من الكتاب.
وعدد أسطر كل صفحة في المتوسط يصل إلى ثلاثة وعشرين سطرا في كل سطر خمس عشرة كلمة.
وهي نسخة قديمة الخط مشكولة يرجع تأريخها إلى القرن السابع الهجري خطها حسن جميل، وتحتوي على بعض المسائل النحوية، والقسم الأكبر منها مسائل صرفية بحتة، وفيها سقط يبدأ بباب النسب.
وقد كتب في آخرها "كتبت سنة "٦٥٠هـ" وقوبلت بنسخة مقروءة على الشيخ أبي الحسن علي بن عيسى الرماني النحوي ﵀، وقد كتبه محمود بن أبي المفاخر محمود غفر الله ذنوبه وستر عيوبه".
[ ١ / ٣٣ ]
رابعا: نسخة سليم آغا في مدينة اسطنبول بتركيا:
وهي نسخة حديثة جميلة الخط يرجع تأريخها إلى القرن الثاني عشر، وعدد صفحاتها "٣٧٧" صفحة.
متوسط عدد السطور "٤٦" سطرا، كما أن متوسط كل سطر عشر كلمات، وهي من القطع الكبير، يوجد في هامش النسخة تصحيحات.
وتبدأ بباب: إضافة أفعل ما هو بعض له، وتنتهي بباب: ضرورة الشاعر. ومكتوب في آخرها: ما وجد مكتوبا في الأصل المنقول من هذه النسخة بذا آخر الأصول، فرغ يوم الاثنين سادس شوال سنة ثمانين وستمائة، كاتبه عبد الله بن منصور.
الدكتور.
عبد الحسين الفتلي.
كلية التربية/ جامعة بغداد.
[ ١ / ٣٤ ]
أقسام الكلم العربي
مدخل
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو بكر محمد بن السراج النحوي: النحو إنما أريد به أن ينحو المتكلم إذا تعلمه كلام العرب، وهو علم استخرجه المتقدمون فيه من استقراء كلام العرب، حتى وقفوا منه على الغرض الذي قصده المبتدئون بهذه اللغة، فباستقراء كلام العرب١ فاعلم: أن الفاعل رفع، والمفعول به نصب، وأن فعل مما عينه: ياء أو واو تقلب عينُه من قولهم: قام وباع٢.
واعتلالات النحويين على ضربين: ضرب منها هو المؤدي إلى٣ كلام العرب كقولنا: كل فاعل مرفوع٤ وضرب آخر يسمى علة العلة، مثل أن يقولوا: لِمَ صار الفاعل مرفوعًا والمفعول به منصوبًا، ولم إذا تحركت الياء والواو وكان ما قبلهما مفتوحًا قلبتا ألفًا، وهذا ليس يكسبنا أن نتكلم كما تكلمت العرب، وإنما تستخرج منه حكمتها في الأصول التي وضعتها، وتبين بها فضل هذه اللغة/٢ على غيرها من اللغات وقد وفر الله تعالى من الحكمة بحفظها وجعل فضلها غير مدفوع.
_________________
(١) ١ في الأصل "كلامهم" والذي أثبت من "ب". ٢ في الأصل "قومه وبيعه" والذي أثبت من "ب". ٣ في الأصل "من" والتصحيح من "ب". ٤ في الأصل "كما مثلنا" والزيادة من "ب".
[ ١ / ٣٥ ]
وغرضي في هذا الكتاب١ [ذكر٢] العلة التي إذا اطردت وصل بها إلى كلامهم فقط، وذكر الأصول والشائع؛ لأنه كتاب إيجاز.
الكلام:
يأتلف من ثلاثة أشياء٣: "اسم" "وفعل" "وحرف ".
_________________
(١) ١ كتاب ساقط من "ب". ٢ زيادة من "ب". ٣ في الكتاب ١/ ٢ "فالكلم: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى". وفي المقتضب ١/ ٣ "فالكلام كله: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى" لا يخلو الكلام -عربيا كان، أو عجميا- من هذه الثلاثة.
[ ١ / ٣٦ ]
شرح الاسم:
الاسم: ما دل على معنى مفرد، وذلك المعنى يكون شخصًا وغير شخص فالشخص نحو: رجل وفرس وحجر وبلد وعمر وبكر. وأما ما كان غير شخص فنحو: الضرب والأكل والظن والعلم واليوم والليلة والساعة.
وإنما قلت: "ما دل"١ على معنى مفرد لا فرق٢ بينه وبين الفعل، إذا كان الفعل يدل على معنى وزمان، وذلك الزمان إما ماض، وإما حاضر، وإما مستقبل.
فإن قلت: إن في الأسماء٣ مثل اليوم والليلة والساعة، وهذه أزمنة، فما الفرق بينها وبين الفعل؟ قلنا: الفرق أن الفعل ليس هو زمانًا٤ فقط كما أن اليوم زمان فقط، فاليوم معنى مفرد للزمان ولم يوضع مع ذلك لمعنى
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ في الأصل: لأن الفرق والتصحيح من "ب". ٣ في الأصل "الاسم" والتصحيح من "ب". ٤ في الأصل "زمان".
[ ١ / ٣٦ ]
آخر، ومع ذلك أن الفعل قد قسم بأقسام الزمان الثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، فإذا كانت اللفظة تدل على زمان فقط فهي اسم، وإذا دلت على معنى وزمان محصل١ فهي فعل، وأعني بالمحصل الماضي والحاضر والمستقبل.
ولما كنت لم أعمل هذا الكتاب للعالم دون المتعلم، احتجت إلى أن أذكر ما يقرب على المتعلم.
فالاسم تخصه أشياء يعتبر بها، منها أن يقال: أن الاسم ما جاز أن يخبر عنه، نحو قولك: عمرو منطلق، وقام بكر.
والفعل: ما كان خبرًا ولا يجوز أن يُخبر عنه، نحو قولك: أخوك يقوم. وقام أخوك، فيكون حديثًا عن الأخ، ولا يجوز أن تقول: ذهب يقوم، ولا يقوم يجلس.
الحروف: ما لا يجوز أن يخبر عنها ولا يجوز أن تكون خبرًا نحو: من، وإلى.
والاسم قد يعرف أيضًا بأشياء كثيرة، منها دخول الألف واللام اللتين للتعريف عليه نحو: الرجل، والحمار، والضرب، والحمد، فهذا لا يكون في/ ٤ الفعل، ولا تقول: اليقوم، ولا اليذهب.
ويعرف أيضًا بدخول حرف الخفض عليه نحو مررت بزيد وبأخيك وبالرجل ولا يجوز أن تقول: مررت بيقوم ولا ذهبت إلى قام.
ويعرف أيضًا بامتناع قد وسوف من الدخول عليه، ألا ترى أنك لا تقول: قد الرجل ولا سوف الغلام، إلا أن هذا ليس خاصًّا بالاسم فقط،
_________________
(١) ١ وصف الزمان بمحصل لتدخل في الحد أسماء الفاعلين، وأسماء المفعولين والمصادر من حيث كانت هذه الأشياء دالة على الزمان لاشتقاق بعضها من الفعل، وهو اسم الفاعل واسم المفعول. واشتقاق الفعل من بعضها وهو المصدر.
[ ١ / ٣٧ ]
ولكن قد يمتنع سوف وقد من الدخول على الحروف، ومن الدخول على فعل الأمر والنهي١ إذا كان بغير لام نحو: اضرب واقتل، لا يجوز أن تقول: قد اضرب الرجل ولا سوف اقتل الأسد.
والاسم أيضا ينعت والفعل لا ينعت. وكذلك الحرف لا ينعت تقول: مررت برجل عاقل، ولا تقول: يضرب عاقل، فيكون "العاقل" صفة ليضرب.
والاسم يضمر ويُكنى عنه تقول: زيد ضربته والرجل لقيته، والفعل لا يكنى عنه فتضمره، لا تقول: "يقوم ضربته" ولا "أقوم تركته" إلا أن هذه الأشياء ليس يعرف بها كل اسم، وإنما يعرف بها الأكثر، ألا ترى أن المضمرات والمكنيات أسماء ومن الأسماء ما لا يكنى عنه، وهذا يبين في موضعه إن شاء الله.
ومما يقرب على المتعلم أن يقال/ ٥ له: كل ما صلح أن يكون معه "يضر وينفع" فهو اسم، وكل ما لا يصلح معه "يضر وينفع" فليس باسم، تقول: "الرجل ينفعني والضرب يضرني" ولا تقول "يضرب ينفعني" ولا "يقوم يضرني".
_________________
(١) ١ زيادة من "ب".
[ ١ / ٣٨ ]
شرح الفعل:
الفعل: ما دل على معنى وزمان، وذلك الزمان إما ماض وإما حاضر وإما مستقبل.
وقلنا: "وزمان" لنفرق بينه وبين الاسم الذي يدل على معنى فقط.
فالماضي كقولك: "صلى زيد" يدل على أن الصلاة كانت فيما مضى من الزمان، والحاضر نحو قولك: "يصلي" يدل على الصلاة وعلى١ الوقت
_________________
(١) ١ "على" ساقطة من "ب".
[ ١ / ٣٨ ]
الحاضر. والمستقبل نحو "سيصلي" يدل على الصلاة وعلى أن ذلك يكون فيما يستقبل١.
والاسم إنما هو لمعنى مجرد من هذه الأوقات أو لوقت مجرد من هذه الأحداث والأفعال٢ وأعني بالأحداث التي يسميها النحويون المصادر، نحو: الأكل والضرب والظن والعلم والشكر.
والأفعال التي يسميها النحويون "المضارعة": هي التي في أوائلها الزوائد الأربع: الألف والتاء والياء والنون، تصلح لما أنت فيه من الزمان ولما يستقبل نحو أكل وتأكل، ويأكل ونأكل، فجميع/ ٦ هذا يصلح لما أنت فيه من الزمان، ولما يستقبل، ولا دليل في لفظه على أي الزمانين تريد كما أنه لا دليل٣ في قولك: رجل فعل كذا وكذا، أي الرجال تريد حتى تبينه بشيء آخر، فإذا قلت: سيفعل أو سوف يفعل دل على أنك تريد المستقبل وترك الحاضر على لفظه؛ لأنه أولى به، إذ كانت الحقيقة إنما هي للحاضر الموجود لا لما يتوقع أو قد مضى، ولهذا ما ضارع عندهم الأسماء٤، ومعنى ضارع: شابه، ولما وجدوا هذا الفعل الذي في أوائله الزوائد الأربع٥ يعم شيئين: المستقبل والحاضر كما يعم قولك: "رجل" زيدًا وعمرًا، فإذا قلت: سيفعل أو سوف يفعل خص المستقبل دون الحاضر، فأشبه الرجل إذا أدخلت الألف واللام عليه٦ فخصصت به واحدًا ممن له هذا الاسم، فحينئذ يعلم
_________________
(١) ١ في "ب" دل على الصلاة والوقت المستقبل. ٢ زيادة من "ب". ٣ في "ب" على. ٤ في "ب" ضارع الأسماء عندهم. ٥ في المقتضب ٢/ ١ وإنما ضارع الأسماء من الأفعال، ما دخلت عليه زائدة من الزوائد الأربع التي توجب الفعل غير ماضٍ، ولكنه يصلح لوقتين: لما أتت فيه، وإنما لم يقع. ٦ في "ب" إذا دخلت عليه الألف واللام.
[ ١ / ٣٩ ]
المخاطب من تريد لأنك لا تقول: "الرجل" إلا وقد علم من تريد منهم١، أو كما أن الأسماء قد خصت بالخفض٢ فلا يكون في غيرها، كذلك خصت الأفعال بالجزم فلا يكون في غيرها.
وجميع الأفعال مشتقة/ ٧ من الأسماء التي تسمى مصادر كالضرب والقتل والحمد، ألا ترى أن حمدت٣ مأخوذ من الحمد، و"ضربت"٤ مأخوذ من الضرب، وإنما لقب النحويون هذه الأحداث مصادر؛ لأن الأفعال كأنها صدرت عنها.
وجميع ما ذكرت لك أنه يخص الاسم فهو يمتنع من الدخول على الفعل والحرف.
وما تنفرد به الأفعال دون الأسماء، والأسماء دون الأفعال كثير يبين في سائر العربية إن شاء الله.
_________________
(١) ١ في "ب" منهما وهو الصواب. ٢ انظر الكتاب ١/ ٣. ٣ في "ب" أحمد. ٤ في "ب" ضرب.
[ ١ / ٤٠ ]
شرح الحرف:
الحرف: ما لا يجوز أن يخبر عنه كما يخبر عن الاسم، ألا ترى أنك لا تقول: إلى منطلق كما تقول: "الرجل منطلق" ولا عن ذاهب، كما تقول: "زيد ذاهب" ولا يجوز أن يكون خبرًا، لا تقول: "عمرو إلى" و"لا بكر عن" فقد بان أن الحرف من الكلم١ الثلاثة٢ هو الذي لا يجوز أن تخبر عنه ولا يكون خبرًا. والحرف لا يأتلف منه مع الحرف كلام، لو قلت
_________________
(١) ١ أي من أقسام الكلمة الثلاثة. ٢ في الأصل "الثلاثة" وهي تمييز المذكر.
[ ١ / ٤٠ ]
"أمن" تريد ألف الاستفهام "ومن" التي يجر بها لم يكن كلامًا، وكذلك لو قلت: ثم، قد تريد "ثم" التي للعطف وقد التي تدخل على الفعل لم يكن كلامًا، ولا يأتلف من الحرف مع الفعل كلام لو قلت: أيقوم، ولم تجد ذكر/ ٨ أحد ولم يعلم المخاطب أنك تشير إلى إنسان، لم يكن كلامًا، ولا يأتلف أيضًا منه مع الاسم كلام، لو قلت: "أزيد" كان كلامًا غير تام، فأما "يا زيد" وجميع حروف النداء فتبين استغناء المنادي بحرف النداء، وما يقوله النحويون: من أن ثم فعلًا يراد، تراه في باب النداء إن شاء الله.
والذي يأتلف منه الكلام الثلاثة الاسم والفعل والحرف، فالاسم قد يأتلف مع الاسم نحو قولك: "الله إلهنا" ويأتلف الاسم والفعل نحو: قام عمرو، ولا يأتلف الفعل مع الفعل، والحرف لا يأتلف مع الحرف، فقد بان فروق ما بينهما.
[ ١ / ٤١ ]
باب مواقع الحروف
مدخل
باب مواقع الحروف:
واعلم: أن الحرف لا يخلو من ثمانية مواضع، إما أن يدخل على الاسم وحده مثل الرجل١ أو الفعل وحده مثل سوف٢ أو ليربط اسمًا باسم: جاءني زيد٣ وعمرو، أو فعلًا بفعل أو فعلا باسم أو على كلام تام، أو ليربط جملة بجملة أو يكون زائدًا.
أما دخوله على الاسم وحده، فنحو لام التعريف إذا قلت: الرجل.
والغلام، فاللام أحدث معنى التعريف، وقد كان رجل وغلام نكرتين. أما دخوله على الفعل فنحو/ ٩ سوف والسين إذا قلت: سيفعل أو سوف يفعل فالسين وسوف بهما صار الفعل لما يستقبل دون الحاضر وقد بينا هذا.
وأما ربطه الاسم بالاسم فنحو قولك: جاء زيد وعمرو، فالواو ربطت عمرًا بزيد.
وأما ربطه الفعل بالفعل نحو قولك: قام وقعد، وأكل وشرب.
وأما ربطه الاسم بالفعل فنحو: مررت بزيد، ومضيت إلى عمرو.
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ زيادة من "ب". ٣ زيادة من "ب".
[ ١ / ٤٢ ]
وأما دخولُه على الكلام التام والجمل فنحو قولك: أعمرو أخوك، وما قام زيد، ألا ترى أن الألف دخلت على قولك "عمرو أخوك" وكان خبرًا فصيرته استخبارًا، وما دخلت على: قام زيد وهو كلام تام موجب، فصار بدخولها نفيًا.
وأما ربطه جملة بجملة فنحو قولك: إن يقم زيد يقعد عمرو وكان أصل الكلام، يقوم زيد يقعد عمرو، فيقوم زيد، ليس متصلا بيقعد عمرو، ولا منه في شيء، فلما دخلت "إن" جعلت إحدى الجملتين شرطًا والأخرى جوابًا.
وأما دخوله زائدًا فنحو قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّه﴾ ١، والزيادة تكون لضروب سنبينها في موضعها إن شاء الله.
_________________
(١) ١ آل عمران: ١٥٩.
[ ١ / ٤٣ ]
"ذكر ما يدخله/ ١٠ التغيير من هذه الثلاثة، وما لا يتغير منها":
اعلم: أنه إنما وقع التغيير من هذه الثلاثة في الاسم والفعل دون الحرف؛ لأن الحروف أدوات تغير ولا تتغير، فالتغيير الواقع فيهما على ضربين: أحدهما تغيير الاسم والفعل في ذاتهما وبنائهما١، فيلحقهما٢ من التصاريف ما يُزيل الاسم والفعل ونضد حروف الهجاء التي فيهما عن حاله.
وأما ما يلحق الاسم من ذلك، فنحو التصغير وجمع التكسير٣، تقول في تصغير حجر: حجير، فتضم الحاء وكانت مفتوحة وتحدث ياء ثالثة فقد غيرته٤ وأزالته من وزن فعل إلى وزن "فعيل"وتجمعه فتقول: أحجار فتزيد
_________________
(١) ١ في "ب" ومعناهما. ٢ زيادة الفاء أولا من "ب". ٣ في الأصل "التكثير" وهو تصحيف. ٤ في "ب" فتغير الوزن والحركات أيضا.
[ ١ / ٤٣ ]
في أوله همزة ولم تكن في الواحد وتسكن الحاء وكانت متحركة وتزيد ألفًا ثالثة فتنقله من وزن فعل إلى وزن أفعال، وأما ما يلحق الفعل، فنحو: قام، ويقوم، وتقوم واستقام، وجميع أنواع التصريف لاختلاف المعاني.
والضرب الثاني من التغيير: هو الذي/ ١١ يسمى الإعراب وهو ما١ يلحق الاسم والفعل بعد تسليم بنائهما ونضد حروفهما نحو قولك: هذا حكم وأحمر، ورأيت حكما وأحمر، ومررت بحكم وأحمر، وهذان حكمان ورأيت حكمين، وهؤلاء حكمون، ورأيت حكمين، ومررت بحكمين، وهو يضرب، ولن يضرب، ولم يضرب، وهما يضربان ولن يضربا ولم يضربا، وهم يضربون ولن يضربوا، ولم يضربوا، ألا ترى أن "حكمًا ويضرب" لم يَزُلْ مِن حركاتهما وحروفهما شيء، فسموا هذا الصنف الثاني من التغيير الذي يقع لفروق ومعانٍ تحدث "إعرابًا" وبدءوا بذكره في كتبهم؛ لأن حاجة الناس إليه أكثر، وسموا ما عدا هذا مما لا يتعاقب آخره بهذه الحركات والحروف "مبنيًّا".
_________________
(١) ١ زيادة من "ب".
[ ١ / ٤٤ ]
باب الإِعراب والمعرب والبناء والمبني:
الإِعراب الذي يلحق الاسم المفرد السالم المتمكن، وأعني بالتمكن ما لم يشبه الحرف قبل التثنية والجمع الذي على حد التثنية، ويكون بحركات ثلاث: ضم وفتح وكسر، فإِذا كانت الضمة إعرابًا تدخل في/ ١٢ أواخر الأسماء والأفعال وتزول عنها، سميت رفعًا، فإذا كانت الفتحة كذلك سميت نصبًا، وإذا كانت الكسرة كذلك سميت خفضًا وجرًّا، هذا إذا كنَّ بهذه الصفة نحو قولك: هذا زيد يا رجل، ورأيت زيدًا يا هذا، ومررت بزيد فاعلم، ألا ترى تغيير الدال واختلاف الحركات التي تلحقها.
فإن كانت الحركات ملازمة سمي الاسم مبنيًّا١، فإن كان مفهومًا نحو: "منذُ" قيلَ: مضموم٢ ولم يُقل: مرفوع ليفرق بينه وبين المعرب وإن كان مفتوحًا نحو: "أين" قيل: مفتوح٣ ولم يقل: منصوب، وإن كان مكسورًا نحو: "أمس" و"حذام" قيل: مكسور ولم يقل: مجرور٤.
_________________
(١) ١ قال المبرد: فإن كان مبنيا لا يزول من حركة إلى أخرى نحو "حيث" و"بعد". المقتضب ١/ ٤. ٢ لأن الضم علامة البناء والرفع علامة الإعراب. ٣ في المقتضب ١/ ٤ "وأين" يقال له: مفتوح ولا يقال له منصوب لأنه لا يزول عن الفتح. ٤ ابن السراج يفرق بين حركات الإعراب وحركات البناء وهو مذهب البصريين، انظر شرح الكافية ٢/ ٣.
[ ١ / ٤٥ ]
وإذا كان الاسم متصرفًا سالمًا غير معتل لحقه مع هذه الحركات التي ذكرنا التنوين نحو قولك: هذا مسلم ورأيت مسلمًا، ومررت بمسلم وإنما قلت "سالم" لأن في الأسماء معتلًا لا تدخله الحركة نحو: قفا ورحى، تقول في الرفع: هذا قفا، وفي النصب: رأيت قفًا يا هذا، ونظرت إلى قفًا، وإنما يدخله التنوين إذا كان منصرفًا. وقلت: منصرف لأن ما لا ينصرف من الأسماء لا يدخله التنوين ولا الخفض ويكون خفضه كنصبه، نحو: هذا أحمر، ورأيت/ ١٣ أحمر، ومررت بأحمر، والتنوين نون صحيحة ساكنة، وإنما خصها النحويون١ بهذا اللقب وسموها تنوينًا ليفرقوا بينها وبين النون الزائدة المتحركة التي تكون في التثنية والجمع. فإذا ثنيت الاسم المرفوع لحقه ألف ونون٢ فقلت: المسلمان والصالحان، وتلحقه في النصب والخفض ياء ونون وما قبل الياء مفتوح ليستوي النصب والجر، ونون الاثنين مكسورة٣ أبدًا، تقول: رأيت المسلمين والصالحين، ومررت بالمسلمين والصالحين، فيستوي المذكر والمؤنث في التثنية، ويختلف في الجمع المسلم الذي على حد التثنية.
وإنما قلت في الجمع المسلم الذي على حد التثنية؛ لأن الجمع جمعان، جمع يقال له: جمع السلامة وجمع يقال له: جمع التكسير، فجمع السلامة هو الذي يسلم فيه بناء الواحد وتزيد عليه واوًا ونونًا أوياء ونونًا٤ نحو مسلمين، ومسلمون، ألا ترى أنك سلمت فيه بناء مسلم، فلم تغير شيئًا من نضده وألحقته واوًا ونونا أو ياء ونونًا كما فعلت في التثنية.
_________________
(١) ١ في "ب" وخصت. ٢ في سيبويه ١/ ٤ واعلم: أنك إذا ثنيت الواحد لحقته زيادتان: الأولى منهما حرف المد واللين وهو حرف الإعراب.. وتكون الزيادة الثانية نونا كأنهما عوض لما منع من الحركة والتنوين وهي النون وحركتها الكسر. ٣ في الكتاب ١/ ٥ ونونها مفتوحة -يشير إلى نون جمع المذكر السالم- فرقوا بينها وبين نون الاثنين، كما إن حرف اللين الذي هو حرف الإعراب مختلف فيهما. ٤ في المقتضب ١/ ٥ فإن جمعت الاسم على حد التثنية ألحقته واوًا ونونًا.
[ ١ / ٤٦ ]
وجمع التكسير: هو الذي يغير فيه بناء الواحد، مثل جمل وأجمال، ودرهم ودراهم.
فإذا جمعت الاسم المذكر على التثنية لحقته واو ونون في الرفع/ ١٤ نحو قولك: هؤلاء المسلمون وتلحقه الياء والنون في النصب والخفض، نحو: رأيت المسلمين ومررت بالمسلمين، ونون هذا الجمع مفتوحة أبدًا، والواو مضموم ما قبلها، والياء مكسورة ما قبلها.
وهذا الجمع مخصوص به من يعقل، ولا يجوز أن تقول في جمل جملون، ولا في جبل جبلون، ومتى جاء ذلك فيما لا يعقل، فهو شاذ فلشذوذه عن القياس علة سنذكرها في موضعها، ولكن التثنية يستوي فيها ما يعقل وما لا يعقل.
والمذكر والمؤنث١ في التثنية سواء وفي الجمع مختلف، فإذا جمعت المؤنث على حد التثنية زدت ألفًا وتاءً وحذفت الهاء إن كانت في الاسم وضممت التاء في الرفع وألحقت الضمة نونًا ساكنة، فقلت في جمع مسلمة "هؤلاء مسلمات"٢. والضمة في جمع المؤنث نظيرة الواو في جمع المذكر، والتنوين نظير النون، وتكسر التاء وتنون في الخفض والنصب جميعًا، تقول: رأيت مسلمات ومررت بمسلمات والكسرة نظيرة الياء في المذكرين والتنوين نظير النون٣.
وأما الإِعراب الذي يكون في فعل الواحد من الأفعال المضارعة فالضمة فيه تسمى رفعًا/ ١٥ والفتحة نصبًا والإِسكان جزمًا، وقد كنت بينت لك أن
_________________
(١) ١ انظر الأشباه والنظائر ٢/ ٢٣٠، نقل ما ذكره ابن السراج حرفيا. ٢ علل المبرد حذف التاء القصيرة؛ لأنها علم التأنيث، والألف والتاء علم التأنيث ومحال أن يدخل تأنيث على تأنيث. المقتضب جـ١/ ٦. ٣ في سيبويه ١/ ٥ ومن ثم جعلوا تاء الجمع في الجر والنصب مكسورة لأنهم جعلوا التاء التي هي حرف الإعراب كالواو والياء والتنوين بمنزلة النون لأنها في التأنيث نظيرة الواو والياء في التذكير فأجروها مجراها.
[ ١ / ٤٧ ]
المعرب من الأفعال التي في أوائلها الحروف الزوائد، التاء والنون والياء والألف، فالألف للمتكلم مذكرًا كان أو مؤنثًا نحو: أنا أفعل؛ لأن الخطاب يبينه، والتاء للمخاطب المذكر والمؤنث نحو: أنت تفعل وأنت تفعلين، وكذلك للمؤنث إذا كان لغائبة قلت: هي تفعل، وإن كان الفعل للمتكلم، ولآخر معه، أو جماعة قلت: نحن نفعل، والمذكر والمؤنث في ذا أيضًا سواء؛ لأنه يبين أيضًا بالخطاب، والياء للمذكر الغائب فجميعُ ما جعل لفظ المذكر والمؤنث فيه سواء على لفظ واحد، فإنما كان ذلك؛ لأنه غير ملبس، فالمرفوع من هذه الأفعال نحو قولك: زيد يقوم، وأنا أقوم، وأنت تقوم، وهي تقوم، والمنصوب: لن يقوم ولن يقعدوا، والمجزوم لم يقعدوا ولم يقم، هذا في الفعل الصحيح اللام خاصة، فأما المعتل فهو الذي آخره ياء أو واو أو ألف، فإن الإعراب يمتنع من الدخول عليه إلا النصب، فإنه يدخل على ما لامه واو أو ياء خاصة دون الألف؛ لأن الألف لا يمكن تحركها، تقول فيما كان معتلًّا من ذوات الواو في الرفع: هو يغزو/ ١٦ ويغدو يا هذا، فتسكن الواو، وتقول في النصب: لن يغزو فتحرك الواو، وتسقط في الجزم، فتقول: لم يغز ولم يغد، وكذلك ما لامه ياء نحو: يقضي ويرمي، تكون في الرفع ياؤه ساكنة فتقول: هو يقضي ويرمي وتفتحها في النصب، فتقول: لن يقضي ولن يرمي وتسقط في الجزم، وأما ما لامه ألف فنحو: يخشى، ويخفى، تقول في الرفع: هو يخشى ويخفى وفي النصب: لن يخشى ولن يخفى وتسقط في الجزم فتقول فيه لم يخشَ ولم يخف، فإذا صار الفعل المضارع لاثنين مذكرين مخاطبين أو غائبين زدته ألفًا ونونًا وكسرت النون فقلت: يقومان، فالألف ضمير الاثنين الفاعلين، والنون علامة الرفع، واعلم: أن الفعل لا يثنى ولا يجمع في الحقيقة، وإنما يثنى ويجمع الفاعل الذي تضمنه الفعل، فإذا قلت: يقومان، فالألف ضمير الفاعلين١ اللذين ذكرتهما والنون علامة الرفع فإذا نصبت أو
_________________
(١) ١ في سيبويه ١/ ٥ واعلم: أن التثنية إذا لحقت الأفعال علامة للفاعلين لحقت ألف ونون ولم تكن الألف حرف الإعراب لأنك لم ترد أن تثني "يفعل" هذا البناء فتضم إليه "يفعلا" آخر ولكنك إنما ألحقته هذا علامة للفاعلين.
[ ١ / ٤٨ ]
جزمت، حذفتها فقلت: لن يقوما ولن يقعدا ولم يقوما ولم يقعدا فاستوى النصب والجزم فيه، كما استوى النصب والخفض في تثنية الاسم، وتبع النصب الجزم؛ لأن الجزم يخص الأفعال ولا يكون إلا فيها كما/ ١٧ تبع النصب الخفض في تثنية الأسماء وجمعها السالم، إذ كان الخفض يخص الأسماء فإن كان الفعل المضارع لجمع١ مذكرين زدت في الرفع واوًا مضمومًا ما قبلها ونونًا مفتوحة كقولك: أنتم تقومون وتقعدون ونحو ذلك، فالواو ضمير٢ لجمع٣ الفاعلين والنون علامة الرفع. فإذا دخل عليها جازم أو ناصب حذفت فقيل: لم يفعلوا كما فعلت في التثنية، فإن كان الفعل المضارع لفاعل واحد مؤنث مخاطب زدت فيه ياءً مكسورًا ما قبلها ونونًا مفتوحة نحو قولك: أنتِ تضربين وتقومين فالياء دخلت من أجل المؤنث والنون علامة الرفع، وإذا دخل عليها ما يجزم أو ينصب سقطت نحو قولك: لم تضربي ولن تضربي.
فإن صار الفعل لجمع٤ مؤنث زدته نونًا وحدها مفتوحة وأسكنت ما قبلها نحو: هن يضربن ويقعدن، فالنون عندهم ضمير الجماعة٥ وليست علامة الرفع فلا تسقط في النصب والجزم لأنها ضمير الفاعلات فهي اسم ههنا خاصة، فأما الفعل الماضي فإذا ثنّيت المذكر أو جمعته، قلت: فعلًا، وفعلوا، ولم تأت بنون لأنه غير معرب، والنون في "فعلن" إنما هي ضمير وهي لجماعة المؤنث وأسكنت اللام/ ١٨ فيها كما أسكنتها في "فعلت" حتى٦
_________________
(١) ١ في الأصل: لجميع. ٢ في الأصل: ضميرا بالنصب. ٣ في الأصل: لجميع. ٤ في الأصل: "لجميع". ٥ في سيبويه ١/ ٥ وإذا أردت جمع المؤنث في الفعل المضارع ألحق للعلامة نونا، وكانت علامة الإظهار والجمع فيمن قال: أكلوني البراغيث. ٦ في "ب" كي لا.
[ ١ / ٤٩ ]
لا تجتمع أربع حركات١ وليس ذا في أصول كلامهم، والفعل عندهم مبني مع التاء في "فعلت" ومع النون في "فعلن" كأنه منه؛ لأن الفعل لا يخلو من الفاعل، وأما لام "يفعلن" فإنما أسكنت تشبيهًا بلام "فعلن" وإن لم يجتمع فيه أربع حركات ولكن من شأنهم إذا أعلوا أحد الفعلين لعلة أعلوا الفعل الآخر وإن لم تكن فيه تلك العلة، وسترى ذلك في مواضع كثيرة إن شاء الله.
واعلم: أن الإعراب عندهم إنما حقه أن يكون للأسماء دون الأفعال والحروف، وأن السكون والبناء حقهما أن يكونا لكل فعل أو حرف وأن البناء الذي وقع في الأسماء عارض فيها لعلة، وأن الإِعراب الذي دخل على الأفعال المستقبلة إنما دخل فيها العلة، فالعلة التي بنيت لها الأسماء هي٢ وقوعها موقع الحروف ومضارعتها لها، وسنشرح ذلك في باب الأسماء المبنية إن شاء الله.
وأما/ ١٩ الإِعراب الذي وقع في الأفعال فقد ذكرنا أنه وقع في المضارع منها للأسماء٣ وما عدا ذلك فهو مبني.
فالأسماء تنقسم قسمين: أحدهما معرب٤ والآخر مبني، فالمعرب يقال له: متمكن، وهو ينقسم أيضًا على ضربين: فقسم: لا يشبه الفعل، وقسم: يشبه الفعل، فالذي لا يشبه الفعل هو متمكن منصرف يرفع في موضع الرفع ويجر في موضع الجر وينصب في موضع النصب وينون، وقسم يضارع الفعل غير منصرف لا يدخله الجر، ولا التنوين٥، وسنبين من أين يشبه بالفعل فيما يجري وفي ما لا يجري إن شاء الله.
_________________
(١) ١ في "ب" متحركات. ٢ في الأصل "هو". ٣ في المقتضب ٢/ ١ اعلم: أن الأفعال إنما دخلها الإعراب لمضارعتها الأسماء ولولا ذلك لم يجب أن يعرب منها شيء. ٤ الذي سلم من شبه الحرف. ٥ كأحمد، ومساجد ومصابيح.
[ ١ / ٥٠ ]
والمبني من الأسماء ينقسم على ضربين: فضرب مبني على السكون نحو: كم، ومن، وإذ، وذلك حق البناء وأصله، وضرب مبني على الحركة، فالمبني على الحركة ينقسم على ضربين: ضرب حركته لالتقاء الساكنين نحو أين، وكيف، وضرب حركته لمقاربته التمكن ومضارعته للأسماء المتمكنة نحو "يا حكم" في النداء وجئتك من علُ١ وجميع هذا /٢٠ يبين في أبوابه إن شاء الله.
فأما الإِعراب الذي وقع في الأفعال فقد بينا أنه إنما وقع في المضارع منها للأسماء وما عدا المضارعة فمبني، والمبني من الأفعال ينقسم على ضربين: فضرب مبني على السكون، والسكون أصل كل مبني، وذلك نحو: اضرب واقتل ودحرج وانطلق، وكل فعل تأمر به إذا كان بغير لام ولم يكن فيه حرف من حروف المضارعة نحو: الياء والتاء والنون والألف فهذا حكمه.
وأما الأفعال التي فيها حروف المضارعة فيدخل عليها اللام في الأمر وتكون معربة مجزومة بها نحو: ليقم زيد، وليفتح بكر، ولتفرح يا رجل، وأما ما كان على لفظ الأمر مما يستعمل في التعجب. فحكمه حكمه نحو قولك: أكرم بزيد و﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِر﴾ ٢ وزيد ما أكرمه، وما أسمعهم وما أبصرهم.
والضرب الثاني مبني على الفتح وهو كل فعل ماضٍ كثرت حروفه أو قلت نحو: ضرب واستخرج، وانطلق وما أشبه ذلك.
_________________
(١) ١ وهذا مبني على الضم؛ لأنه قطع عن الإضافة، ومثل هذا: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ . ٢ مريم، ٣٨.
[ ١ / ٥١ ]
ذكر العوامل من الكلم الثلاثة
مدخل
ذكر العوامل من الكلم الثلاثة:
من الكلم الثلاثة، الاسم والفعل/ ٢١ والحرف وما لا يعمل منها.
[ ١ / ٥١ ]
تفسير الأول، وهو الاسم:
الاسم: يعمل في الاسم على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول:
أن يبنى عليه اسم مثله أو يبنى على اسم ويأتلف١ باجتماعهما الكلام ويتم، ويفقدان العوامل من غيرهما نحو قولك: "عبد الله أخوك".. فعبد الله، مرتفع بأنه أول مبتدأ فاقد للعوامل، ابتدأته لتبني عليه ما يكون حديثًا عنه: "وأخوك" مرتفع بأنه الحديث المبني على الاسم الأول المبتدأ.
الضرب الثاني:
أن يعمل الاسم بمعنى الفعل، والأسماء التي تعمل عمل الفعل أسماء الفاعلين٢ وما شبه بها والمصادر وأسماء سموا الأفعال بها، وإنما أعملوا اسم الفاعل لما ضارع الفعل، وصار الفعل سببًا له وشاركه في المعنى وإن افترقا في الزمان، كما أعربوا الفعل لما ضارع الاسم فكما أعربوا هذا أعلموا ذلك، والمصدر حكمه حكم اسم الفاعل، أعمل، كما أعمل إذا كان الفعل مشتقًّا منه، إلا أن الفرق بينه وبين اسم الفاعل أن المصدر يجوز أن يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول؛ لأنه غيرهما٣، تقول/ ٢٢: عجبت من ضرب زيد عمرًا، فيكون زيد هو الفاعل في المعنى وعجبت من ضرب زيد عمرو فيكون زيد هو المفعول في المعنى ولا يجوز هذا في اسم الفاعل، لا يجوز أن تقول: عجبت من ضارب زيد، وزيد فاعل؛ لأنك تضيف الشيء إلى نفسه، وذلك غير جائز..
فأما ما شبه٤ باسم الفاعل نحو: حسن وشديد فتجوز إضافته إلى
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ في "ب" كاسم الفاعل. ٣ في "ب" إلى المفعول لا غير، وانظر الأشباه والنظائر ٢/ ١٩٣ نقل النص المثبت عن الأصول. ٤ في "ب" المشبه.
[ ١ / ٥٢ ]
الفاعل، وإن كان إياه لأنها إضافة غير حقيقية نحو قولك: الحسن الوجه، والشديد اليد، والحسن للوجه والشدة لليد وإنما دخلت الألف واللام -وهي لا تجتمع مع الإضافة- على الحسن الوجه وما أشبهه لأن إضافته غير حقيقية، ومعنى: حسن الوجه، حسن وجهه، وقد أفردت بابًا للأسماء التي تعمل عمل الفعل، أذكره بعد ذكر الأسماء المرتفعة إن شاء الله.
الضرب الثالث:
أن يعمل الاسم لمعنى الحرف وذلك في الإِضافة، والإِضافة تكون على ضربين١: تكون بمعنى اللام وتكون بمعنى "من". فأما الإِضافة التي بمعنى اللام فنحو قولك: غلام زيد، ودار عمرو، ألا ترى أن المعنى: غلام لزيد ودار لعمرو، إلا أن الفرق بين ما/ ٢٣ أضيف بلام وما أضيف بغير لام، أن الذي يضاف بغير لام يكتسي٢ مما يضاف إليه تعريفه وتنكيره، فيكون معرفة إن كان معرفة ونكرة إن كان نكرة، ألا ترى أنك إذا قلت: غلام زيد، فقد عرف الغلام بإضافته إلى زيد، وكذلك إذا قلت: دار الخليفة، عرفت الدار٣ بإضافتها إلى الخليفة. ولو قلت: دار للخليفة، لم يعلم أي دار هي، وكذلك لو قلت: غلام لزيد، لم يدر أي غلام هو، وأنت لا تقول: غلام زيد فتضيف إلا وعندك أن السامع قد عرفه كما عرفته. أما٤ الإِضافة التي بمعنى "من" فهو أن تضيف الاسم إلى جنسه نحو قولك: ثوب خز وباب حديد، تريد ثوبًا من خز وبابًا من حديد، فأضفت٥ كل واحد منهما إلى
_________________
(١) ١ ذكر ابن السراج اللام و"من" والنوع الثالث هو "في" وهي مقدرة في كل إضافة كان المضاف إليه فيها ظرفا، إضافة على جهة حلول المعنى في الشيء على معنى الوعاء -كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ - وإنما المعنى: بل مكركم في الليل والنهار "انظر الكتاب" ١/ ١٠٨. ٢ في "ب": يكتسب. ٣ الدار: ساقطة من "ب". ٤ في "ب" وأما. ٥ في "ب" فأضيف.
[ ١ / ٥٣ ]
جنسه الذي هو منه، وهذا لا فرق فيه١ بين إضافته بغير "من" وبين إضافته "بمن" وإنما حذفوا "من" هنا استخفافًا، فلما حذفوها التقى الاسمان فخفض أحدهما الآخر إذا لم يكن الثاني خبرًا عن الأول، ولا صفة له، ولو نصب على التفسير أو التمييز لجاز إذًا نون الأول نحو قولك: ثوبٌ خزًّا.
واعلم/ ٢٤: أن الاسم لا يعمل في الفعل ولا في الحرف، بل هو المعرض للعوامل من الأفعال والحروف.
_________________
(١) ١ فيه ساقطة في "ب".
[ ١ / ٥٤ ]
تفسير الثاني وهو الفعل:
اعلم: أن كل فعل١ لا يخلو من أن يكون عاملًا، وأول عمله أن يرفع الفاعل أو المفعول٢ الذي هو حديث عنه نحو: قام زيد وضرب عمرو، وكل اسم تذكره ليزيد٣ في الفائدة بعد أن يستغني الفعل بالاسم المرفوع الذي يكون ذلك الفعل حديثًا عنه، فهو منصوب، ونصبه لأن الكلام قد تم قبل مجيئه وفيه دليل عليه، وهذه العلل التي ذكرناها ههنا هي العلل الأول، وههنا علل ثوان٤ أقرب منها يصحبها كل نوع من هذه الجمل إن شاء الله.
_________________
(١) ١ في الأصل: فلا. ٢ يشير إلى نائب الفاعل الذي هو مفعول في الأصل. ٣ في "ب" تزيد بلا لام. ٤ زيادة في "ب".
[ ١ / ٥٤ ]
تفسير الثالث، وهو العامل من الحروف١:
الحروف تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول منها يدخل على الأسماء فقط دون الأفعال، فما كان كذلك فهو عامل في الاسم.
_________________
(١) ١ في الأصل: "الحرف".
[ ١ / ٥٤ ]
والحروف العوامل في الأسماء نوعان:
نوع منها يخفض الأسماء ويدخل ليصل اسمًا باسم أو فعلًا باسم. أما وصله اسمًا باسم فنحو قولك: خاتم من فضة١، وأما وصله فعلًا باسم فنحو قولك: مررت بزيد.
والنوع الثاني: يدخل على المبتدأ والخبر فيعمل فيهما/ ٢٥ فينصب الاسم ويرفع الخبر، نحو "إن وأخواتها" كقولك: زيد قائم، وجميع هذه الحروف لا تعمل في الفعل ولا تدخل عليه، لا تقول: مررت بيضرب ولا ذهبت إلى قام، ولا أن يقعد قائم.
والقسم الثاني من الحروف:
ما يدخل على الأفعال فقط، ولا يدخل على الأسماء، وهي التي تعمل في الأفعال فتنصبها وتجزمها نحو: "أن" في قولك: أريد أن تذهب، فتنصب و"لم" في قولك: لم يذهب، فتجزم، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لم زيد، ولا: أريد أن عمرو.
والقسم الثالث من الحروف:
ما يدخل على الأسماء وعلى الأفعال فلم تختص به الأسماء دون الأفعال، ولا الأفعال دون الأسماء، وما كان من الحروف بهذه الصفة فلا يعمل في اسم ولا فعل نحو ألف الاستفهام، تقول: أيقوم زيد، فيدخل حرف الاستفهام على الفعل ثم تقول: أزيد أخوك فيدخل الحرف على الاسم، وكذلك "ما" إذا نفيت بها في لغة٢ من لم يشبهها بليس فإنه يدخلها
_________________
(١) ١ في "ب" من "حديد" بدلا من "فضة". ٢ أي لغة تميم، أما أهل الحجاز فيعملونها عمل "ليس" حيث ترفع الاسم وتنصب الخبر، قال سيبويه: وأما بنو تميم فيجرونها مجرى أما وهل وهو القياس لأنها ليست بفعل، الكتاب ١/ ٢٨.
[ ١ / ٥٥ ]
على الاسم والفعل ولا يعملها١، كقولك: ما زيد قائم، وما قام/ ٢٦ زيد، ومن٢ شبهها "بليس" فاعملها٣ لم يجز أن يدخلها على الفعل، إلا أن يردها إلى أصلها في ترك العمل، ونحن نذكر جميع الحروف منفصلة في أبوابها إن شاء الله.
فإن قال قائل: ما بال لام المعرفة لم تعمل في الاسم وهي لا تدخل إلا على الاسم، ولا يجوز أن تدخل هذه اللام على الفعل، قيل: هذه اللام قد صارت من نفس الاسم ألا ترى قولك: الرجل، يدلك على غير ما كان يدل عليه رجل، وهي بمنزلة المضاف إليه الذي يصير مع المضاف بمنزلة اسم واحد نحو قولك: عبد الملك، ولو أفردت عبدًا من الملك لم يدل على ما كان عليه عبد الملك، وكذلك الجواب في السين وسوف، إن سأل سائل، فقال: لِمَ لَمْ يعملوها في الأفعال إذ كانتا لا تدخلان إلا عليها، فقصتهما قصة الألف واللام في الاسم وذلك أنها٤ إنما هي بعض أجزاء الفعل فتفهم هذه الأصول والفصول فقد أعلنت في هذا الكتاب أسرار النحو وجمعته جمعًا يحضره وفصلته تفصيلًا يظهره ورتبت أنواعه وصنوفه على مراتبها بأخصر ما أمكن من القول وأبينه ليسبق إلى القلوب فهمه، ويسهل على متعلميه حفظه. واعلم: أنه ربما شذ الشيء عن بابه فينبغي أن تعلم: أن القياس إذا اطرد في جميع الباب لم يعن بالحرف الذي يشذ منه، فلا يطرد في نظائره وهذا يستعمل في كثير من العلوم ولو اعترض بالشاذ على القياس المطرد لبطل أكثر الصناعات والعلوم، فمتى وجدت٥ حرفًا مخالفًا لا شك في خلافه لهذه الأصول فاعلم: أنه شاذ، فإن كان سمع ممن ترضى عربيته فلا بد من أن
_________________
(١) ١ في "ب" "فلا". ٢ في "ب" أن بدل "من". ٣ الذين يعملون "ما" عمل "ليس" أهل الحجاز كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ . ٤ أظن الأفصح: أنهما إنما هما بعض أجزاء الفضل. ٥ في الأصل سمعت: والتصحيح من "ب".
[ ١ / ٥٦ ]
يكون قد حاول به مذهبًا ونحا نحوًا١ من الوجوه أو استهواه أمر غلطه، والشاذ على ثلاثة أضرب: منه ما شذ عن بابه وقياسه ولم يشذ في استعمال العرب له نحو: استحوذ فإن بابه وقياسه أن يُعل فيقال: استحاذ مثل استقام واستعاذ، وجميع ما كان على هذا المثال، ولكنه جاء على الأصل واستعملته العرب كذلك، ومنه ما شذ عن الاستعمال ولم يشذ عن القياس نحو ماضي يدع، فإن قياسه وبابه أن يقال: ودع يدع، إذ لا يكون فعل مستقبل إلا له ماض، ولكنهم لم يستعملوا/ ٢٨ ودع استغنى عنه "بترك"، فصار قول القائل الذي قال: ودعه شاذًّا، وهذه أشياء تحفظ، ومنه ما شذ عن القياس والاستعمال فهذا الذي يطرح ولا يعرج عليه نحو ما حكى من إدخال الألف واللام على اليّجدعُ٢ وأنا أتبع هذا الذي ذكرت من عوامل الأسماء والأفعال والحروف بالأسماء المفعول فيها، فنبدأ بالمرفوعات، ثم نردفها المنصوبات، ثم المخفوضات، فإذا فرغنا من الأسماء وتوابعها وما يعرض فيها ذكرنا الأفعال وإعرابها وعلى الله تعالى يتوكل وبه نستعين.
_________________
(١) ١ في الأصل "وجها" والتصحيح من "ب". ٢ في "ب" واليقصع، قيل أراد الذي "يجدع" فأدخل اللام على الفعل المضارع لمضارعة اللام "الذي" كما تقول "اليضربك" ذكر صاحب اللسان: وقال أبو بكر بن السراج: لما احتاج إلى رفع القافية قلب الاسم فعلا وهو من أقبح ضرورات الشعر. وهذا كما حكاه الفراء من أن رجلا أقبل فقال: آخرها هو ذا، فقال السامع: نعم الها هو ذا فأدخل اللام على الجملة من المبتدأ والخبر تشبيها له بالجملة المركبة من الفعل والفاعل. وبيت ذي الخرق الطهوى هو: يقول الخنى وأبغض العجم ناطقا إلى ربه صوت الحمار اليجدع وانظر اللسان مادة "جدع" والإنصاف/ ٨٨. والهمع ١/ ٨٥.
[ ١ / ٥٧ ]
ذكر الأسماء المرتفعة
مدخل
ذكر الأسماء المرتفعة:
الأسماء التي ترتفع خمسة أصناف:
الأول: مبتدأ له خبر.
والثاني: خبر لمبتدأ بنيته عليه.
والثالث: فاعل بني على فعل، ذلك الفعل حديثًا عنه.
والرابع: مفعول به بني على فعل فهو حديث عنه ولم تذكر من فعل به فقام مقام الفاعل.
والخامس: مشبه بالفاعل في اللفظ.
[ ١ / ٥٨ ]
شرح الأول: وهو المبتدأ:
المبتدأ: ما جردته من عوامل الأسماء ومن١ الأفعال والحروف وكان القصد فيه أن تجعله أولًا لثانٍ مبتدأ به دون الفعل/ ٢٩ يكون ثانيه خبره ولا يستغنى واحد منهما عن صاحبه، وهما مرفوعان أبدًا فالمبتدأ رفع بالابتداء، والخبر رفع بهما، نحو قولك: الله ربنا، ومحمد نبينا، والمبتدأ لا يكون كلامًا تامًّا إلا بخبره وهو معرض لما يعمل في الأسماء نحو: كان وأخواتها، وما أشبه ذلك من العوامل، تقول: عمرو أخونا، وإن زيدًا أخونا، وسنذكر العوامل التي تدخل على المبتدأ وخبره فتغيره عما كان عليه في موضعها إن شاء الله.
والمبتدأ يبتدأ فيه بالاسم المحدث عنه قبل الحديث، وكذلك حكم كل مخبر، والفرق بينه وبين الفاعل: أن الفاعل مبتدأ بالحديث قبله، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد منطلق فإنما بدأت "بزيد" وهو الذي حدثت عنه بالانطلاق والحديث عنه بعده، وإذا قلت: ينطلق زيد فقد بدأ بالحديث وهو انطلاقه، ثم ذكرت زيدًا المحدث عنه بالانطلاق بعد أن ذكرت الحديث. فالفاعل مضارع للمبتدأ من أجل أنهما جميعًا محدث/ ٣٠ عنهما وإنهما جملتان
_________________
(١) ١ الواو: ساقطة من "ب".
[ ١ / ٥٨ ]
لا يستغني بعضهما عن بعض، وحق المبتدأ أن يكون معرفة أو ما قارب المعرفة من النكرات الموصوفة خاصة، فأما المعرفة فنحو قولك: عبد الله أخوك، وزيد قائم، وأما ما قارب المعرفة من النكرات فنحو قولك: رجل من تميم جاءني، وخير منك لقيني. وصاحب لزيد جاءني. وإنما امتنع الابتداء بالنكرة المفردة المحضة لأنه لا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه فلا معنى للتكلم به، ألا ترى أنك لو قلت: رجل قائم أو رجل عالم، لم يكن في هذا الكلام فائدة لأنه لا يستنكر أن يكون في الناس رجل قائمًا أو عالمًا، فإذا قلت: رجل من بني فلان أو رجل من إخوانك أو وصفته بأي صفة كانت تقربه من معرفتك حسن لما في ذلك من الفائدة، ولا يكون المبتدأ نكرة مفردة إلا في النفي خاصة، فإن الابتداء فيه بالنكرة حسن بحصول الفائدة بها، كقولك: ما أحد في الدار، وما في البيت رجل ونحو ذلك، في لغة بني تميم خاصة: وما أحد حاضر، وإنما يراعى في هذا الباب وغيره الفائدة فمتى ظفرت بها في المبتدأ وخبره فالكلام/ ٣١ جائز، وما لم يفد فلا معنى له في كلام غيرهم.
وقد يجوز أن تقول: رجل قائم إذا سألك سائل فقال: أرجل قائم أم امرأة. فتجيبه فتقول: رجل قائم، وجملة هذا أنه١ إنما ينظر إلى ما فيه٢ فائدة، فمتى كانت٣ فائدة بوجه من الوجوه فهو جائز وإلا فلا فإذا اجتمع اسمان معرفة ونكرة، فحق المعرفة أن تكون٤ هي المبتدأ وأن تكون النكرة الخبر لأنك إذا ابتدأت فإنما قصدُك تنبيه السامع بذكر الاسم الذي تحدثه عنه ليتوقع الخبر بعده، فالخبر هو الذي ينكره ولا يعرفه ويستفيده، والاسم لا فائدة له لمعرفته به، وإنما ذكرته لتسند إليه الخبر، وقد يجوز أن تقدم الخبر على المبتدأ ما لم يكن فعلًا خاصة، فتقول: منطلق زيد، وأنت تريد: زيد
_________________
(١) ١ أنه: ساقطة في "ب". ٢ فيه: ساقطة في "ب". ٣ كانت: ساقطة في "ب". ٤ في الأصل "هو" فقد يكون أراد: فحق الاسم المعرفة أن يكون هو المبتدأ.
[ ١ / ٥٩ ]
منطلق، فإن أردت أن تجعل منطلقا في موضع "ينطلق" فترفع زيدًا بمنطلق على أنه فاعل كأنك قلت: ينطلق زيد قبح إلا أن يعتمد اسم الفاعل وهو "منطلق" وما أشبهه على شيء قبله، وإنما يجري مجرى الفعل إذا كان صفة جرت على موصوف نحو قولك: مررت/ ٣٢ برجل قائم أبوه، ارتفع "أبوه" "بقائم" أو يكون مبنيًّا على مبتدأ نحو قولك: زيد قائم أبوه وحسن عندهم: أقائم أبوك، وأخارج أخوك، تشبيهًا بهذا إذا اعتمد"قائم" على شيء قبله، فأما إذا قلت قائم زيد، فأردت أن ترفع زيدا "بقائم" وليس قبله ما يعتمد عليه البتة فهو قبيح، وهو جائز عندي على قبحه، وكذلك المفعول لا يعمل فيه اسم الفاعل مبتدأ غير معتمد على شيء قبله، نحو: ضارب وقاتل، لا تقول: ضارب بكرًا عمرو فتنصب بكرًا "بضارب" وترفع عمرًا به، لا يجوز أن تعمله عمل الفعل حتى يكون محمولًا على غيره، فتقول: هذا ضارب بكرًا، جعلوا بين الاسم والفعل فرقًا، فإذا قلت: قائم١ أبوك، "فقائم" مرتفع بالابتداء وأبوك رفع بفعلهما وهما قد سدا مسد الخبر، ولهذا نظائر تذكر في مواضعها إن شاء الله.
فأما قولك: كيف أنت، وأين زيد وما أشبهما مما يستفهم به من الأسماء "فأنت وزيد" مرتفعان بالابتداء "وكيف وأين" خبران، فالمعنى في: كيف أنت، على أي حال أنت، وفي: "أين زيد" في أي مكان، ولكن الاستفهام الذي صار فيهما جعل لهما صدر الكلام وهو في الحقيقة/ ٣٣ الشيء المستفهم عنه، ألا ترى أنك إذا سئلت: كيف أنت، فقلت: صالح، إنما أخبرت بالشيء الذي سأل عنه المستخبر، وكذلك إذا قال: أين زيد، فقلت: في داري، فإنما أخبرت بما اقتضته أين، ولكن جميع هذا وإن كان خبرًا فلا
_________________
(١) ١ قد يرفع الوصف بالابتداء، إن لم يطابق موصوفه تثنية أو جمعا فلا يحتاج إلى خبر، بل يكتفي بالفاعل أو نائبه فيكون مرفوعا به سادا مسد الخبر، بشرط أن يتقدم الوصف نفي أو استفهام، وتكون الصفة حينئذ بمنزلة الفعل، ولذلك لا تثني ولا تجمع ولا توصف ولا تعرف.
[ ١ / ٦٠ ]
يكون إلا مبدوءًا به، وقد تدخل على المبتدأ حروف ليست من عوامل الأسماء، فلا١ تزيل المبتدأ عن حاله، كلام الابتداء٢ وحروف الاستفهام "وأما وما" إذا كانت نافية في لغة بني تميم وأشباه ذلك، فتقول: أعمرو "قائم" ولبكر أخوك، وما زيد قائم، وأما بكر منطلق، فهذه الحروف إنما تدخل على المبتدأ وخبره لمعان فيها، ألا ترى أن قولك: عمرو منطلق، كان خبرًا موجبًا فلما أدخلت عليه "ما" صار نفيًا وإنما٣ نفيت "بما" ما أوجبه غيرك حقه أن تأتي بالكلام على لفظه، وكذلك إذا استفهمت إنما تستخبر خبرًا قد قيل، أو ظن كأن قائلًا قال: عمرو قائم٤، فأردت أن تحقق ذلك فقلت أعمرو قائم، وقع٥ في نفسك أن ذلك يجوز وأن يكون وأن لا يكون فاستخبرت٦ مما وقع في نفسك/ ٣٤ بمنزلة ما سمعته أذنك فحينئذ تقول: أعمرو قائم أم لا؟ لأنك لا تستفهم عن شيء إلا وهو يجوز أن يكون٧ عندك موجبه أو منفيه واقعًا، ولام الابتداء تدخل لتأكيد الخبر وتحقيقه، فإذا قلت: لعمرو منطلق، أغنت اللام بتأكيدها عن إعادتك الكلام٨ فلذلك احتيج إلى جميع حروف المعاني لما في ذلك من الاختصار ألا ترى أن الواو العاطفة في قولك: قام زيد وعمرو لولاها لاحتجت إلى أن تقول: قام زيد، قام عمرو، وكذلك جميع الحروف ويوصل بلام القسم٩ فيقال١٠: والله لزيد خير منك؛ لأنك
_________________
(١) ١ في "ب" لا. ٢ في الأصل "هي" قبل حروف الاستفهام. ٣ في "ب" وإنها، وهو تصحيف. ٤ في "ب" منطلق بدلا من قائم. ٥ في "ب" أو وقع. ٦ في "ب" واستخبرت. ٧ يكون: ساقطة في "ب". ٨ في "ب" ولذلك. ٩ في الأصل "باللام" للقسم، والتصحيح من "ب". ١٠ في "ب" فيقول.
[ ١ / ٦١ ]
لا تقسم إلا مع تحقيق الخبر، "وأما" فإنما١ تذكرها بعد كلام قد تقدم أخبرت فيه عن اثنين أو جماعة بخبر فاختصصت٢ بعض من ذكر وحققت الخبر عنه، ألا ترى أن القائل يقول: زيد وعمرو في الدار، فتقول: أما زيد، ففي الدار، وأما عمرو ففي السوق، وإنما دخلت الفاء من أجل ما تقدم؛ لأنها إنما تدخل في الكلام لتتبع شيئًا بشيء وتعلق ما دخلت عليه من الكلام بما قبله، "ولأما" موضع تذكر فيه/ ٣٥ وما لم أذكر من سائر الحروف التي لا تعمل في الأسماء فالمبتدأ والخبر بعدها على صورتهما.
_________________
(١) ١ في "ب" إنما". ٢ في "ب" واختصصت.
[ ١ / ٦٢ ]
شرح الثاني، وهو خبر المبتدأ:
الاسم١ الذي هو خبر المتبدأ هو٢ الذي يستفيده السامع ويصير به المبتدأ كلامًا، وبالخبر يقع التصديق والتكذيب. ألا ترى أنك إذا قلت: عبد الله جالس فإنما الصدق والكذب وقع في جلوس عبد الله لا في عبد الله، لأن الفائدة هي في جلوس٣ عبد الله، وإنما ذكرت عبد الله لتسند إليه "جالسًا" فإذا كان خبر المبتدأ اسمًا مفردًا فهو رفع نحو قولك: عبد الله أخوك، وزيد قائم، وخبر المبتدأ ينقسم على قسمين: إما أن يكون هو الأول في المعنى غير ظاهر فيه ضميره نحو: زيد أخوك، وعبد الله منطلق، فالخبر هو الأول في المعنى، إلا أنه لو قيل لك، من أخوك هذا الذي ذكرته؟ لقلت: زيد، أو قيل لك: من المنطلق؟ لقلت: عبد الله، أو يكون غير الأول ويظهر فيه ضميره، نحو قولك: عمرو ضربته وزيد رأيت أباه، فإن لم يكن على أحد هذين فالكلام محال. وخبر المبتدأ الذي هو/ ٣٦ الأول في المعنى على ضربين، فضرب يظهر فيه الاسم الذي هو الخبر نحو ما ذكرنا من قولك: زيد أخوك،
_________________
(١) ١ في "ب" والاسم. ٢ في "ب" وهو. ٣ في "ب" جلوسه.
[ ١ / ٦٢ ]
وزيد قائم، وضرب يحذف منه الخبر، ويقوم مقامه ظرف له وذلك الظرف على ضربين: إما أن يكون من ظروف المكان، وإما أن يكون من ظروف الزمان. أما الظروف من المكان فنحو قولك: زيد خلفك، وعمرو في الدار. والمحذوف معنى الاستقرار والحلول وما أشبههما، كأنك قلت: زيد مستقر خلفك، وعمرو مستقر في الدار، ولكن هذا المحذوف لا يظهر لدلالة الظرف عليه واستغنائهم به في الاستعمال. وأما الظرف من الزمان فنحو قولك: القتال يوم الجمعة، والشخوص يوم الخميس، كأنك قلت: القتال مستقر يوم الجمعة أو وقع في يوم الجمعة، والشخوص واقع في يوم الخميس فتحذف الخبر وتقيم الظرف مقام المحذوف، فإن لم ترد هذا المعنى. فالكلام محال؛ لأن زيدًا الذي هو المبتدأ ليس من قولك: "خلفك" ولا في الدار شيء؛ لأن في الدار ليس بحديث وكذلك خلفك وإنما هو موضع الخبر. واعلم/ ٣٧: أنه لا يجوز أن تقول: زيد يوم الخميس، ولا عمرو في شهر كذا، لأن ظروف الزمان لا تتضمن الجثث، وإنما يجوز ذلك في الأحداث، نحو الضرب والحمد، وما أشبه ذلك، وعلة ذلك أنك لو قلت: زيد اليوم، لم تكن فيه فائدة، لأنه لا يخلو أحد من أهل عصرك١ من اليوم، إذ كان الزمان لا يتضمن واحدًا دون الآخر، والأماكن ينتقل عنها فيجوز أن تكون خبرًا عن الجثث وغيرها كذلك. والظرف من الأماكن تكون إخبارًا عن المعاني التي ليست بجثث -يعني المصادر- نحو قولك: البيع في النهار، والضرب عندك، فإن قال قائل فأنت قد تقول: الليلة الهلال، والهلال جثة، فمن أين جاز هذا؟ فالجواب في ذلك٢: أنك إنما أردت: الليلة حدوث الهلال، لأنك إنما تقول ذلك عند توقع طلوعه، ألا ترى أنك لا تقول: الشمس اليوم، ولا القمر الليلة؛ لأنه غير متوقع، وكذلك إن قلت: اليوم زيد، وأنت تريد هذا
_________________
(١) ١ في "ب" عصره. ٢ ذلك: ساقط في "ب".
[ ١ / ٦٣ ]
المعنى جاز، وتقول: أكل١ يوم لك عهد، لأن فيه معنى الملك، ويوم الجمعة عليك ثوب، إنما٢ جاز ذلك لاستقرار الثوب عليك٣ فيه/ ٣٨ وأما القسم الثاني من خبر المبتدأ: وهو الذي يكون غير الأول ويظهر فيه ضميره فلا يخلو من أن يكون الخبر فعلًا فيه ضمير المبتدأ نحو: زيد يقوم، والزيدان يقومان، فهذا الضمير وإن كان لا يظهر في فعل الواحد لدلالة المبتدأ عليه يظهر في التثنية والجمع وذلك ضرورة خوف اللبس، ومضمره كظاهره، وأنت إذا قلت: زيد قائم، فالضمير لا يظهر في واحده ولا في تثنيته ولا في جمعه، فإن قال قائل: فإنك قد تقول: الزيدان قائمان، والزيدون قائمون قيل له: ليست الألف ولا الواو فيهما ضميرين٤، إنما الألف تثنية الاسم، والواو جمع الاسم وأنت إذا قلت: الزيدون قائمون، فأنت بعد محتاج إلى أن يكون في نيتك ما يرجع إلى الزيدين، ولو كانت الواو ضميرا والألف ضميرا لما جاز أن تقول: القائمان الزيدان، ولا القائمون الزيدون، أو يكون جملة فيها ضميره، والجمل المفيدة على ضربين: إما فعل وفاعل وإما مبتدأ وخبر، أما الجملة التي هي مركبة من فعل وفاعل/ ٣٩ فنحو قولك: زيد ضربته، وعمرو لقيت أخاه، وبكر قام أبوه، وأما الجملة التي هي مركبة من ابتداء وخبر فقولك: زيد أبوه منطلق، وكل جملة تأتي بعد المبتدأ فحكمها في إعرابها كحكمها إذا لم يكن قبلها مبتدأ، ألا ترى أن إعراب "أبوه منطلق" بعد قولك: بكر، كإعرابه لو لم يكن بكر قبله، فأبوه مرتفع بالابتداء "ومنطلق" خبره، فبكر مبتدأ أول وأبوه مبتدأ ثانٍ ومنطلق خبر الأب، والأب "منطلق" خبر بكر،
_________________
(١) ١ الهمزة في "أكل" زيادة من "ب". ٢ في "ب" وإنما. ٣ في "ب" عليه. ٤ في سيبويه جـ١/ ٤ واعلم: أنك إذا ثنيت الواحد لحقته زيادتان: الأولى منهما حرف المد واللين، وهو حرف الإعراب غير متحرك ولا منون، وتكون في الرفع ألفا ولم تكن واوا ليفصل بين التثنية والجمع الذي على حد التثنية.
[ ١ / ٦٤ ]
وموضع قولك: "أبوه منطلق" رفع، ومعنى قولنا: الموضح، أي: لو وقع موقع الجملة اسم مفرد لكان مرفوعًا، وقد يجوز أن يأتي مبتدأ بعد مبتدأ [بعد مبتدأ] ١، وأخبار كثيرة بعد مبتدأ وهذه المبتدآت إذا كثروها فإنما هي شيء قاسه النحويون ليتدرب به المتعلمون٢، ولا أعرف له في كلام العرب نظيرًا، فمن ذلك قولهم: زيد هند العمران منطلقان إليهما من أجله، فزيد مبتدأ أول، وهند مبتدأ ثان، والعمران مبتدأ ثالث، وهند وما بعدها خبر لها، والعمران وما بعدهما خبر لهما، وجميع ذلك خبر/ ٤٠ عن زيد، والراجع الهاء في قولك، من أجله، والراجع إلى هند "الهاء" في قولك: إليها والمنطلقان هما العمران، وهما الخبر عنها. وفيهما ضميرهما، فكلما سئلت عنه من هذا؟ فهذا أصله فإذا طال الحديث عن المبتدأ كل الطول وكان فيه ما يرجع ذكره إليه جاز نحو قولك: "عبد الله قام رجل كان يتحدث مع زيد في داره" صار جميع هذا خبرًا عن "عبد الله" من أجل هذه الهاء التي رجعت إليه بقولك: "في داره" وموضع هذا الجملة كلها رفع من أجل أنك لو وضعت موضعها "منطلقًا" وما أشبهه ما كان إلا رفعًا، فقد بان من جميع ما ذكرنا أنه قد يقع في خبر المبتدأ أحد أربعة أشياء، الاسم أو الفعل أو الظرف، أو الجملة.
واعلم أن المبتدأ أو الخبر من جهة معرفتهما أو نكرتهما أربعة:
الأول: أن يكون المبتدأ معرفة والخبر نكرة نحو: عمرو منطلق: وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه٣ الكلام٤.
الثاني: أن يكون المبتدأ معرفة والخبر معرفة نحو: زيد أخوك، وأنت
_________________
(١) ١ بعد مبتدأ: ساقط من "ب". ٢ انظر المقتضب: ٤/ ٥٩، ويظن أن ابن السراج قد قلد شيخه في هذا الباب. ٣ في "ب" يكون الكلام عليه. ٤ لأن الأصل في الخبر أن يكون نكرة مشتقة، والمراد بالمشتقة ما فيها معنى الوصف نحو "عمرو منطلق" وهو يتحمل ضميرا يعود إلى المبتدأ إلا إذا رفع الظاهر، فلا يتحمله نحو: عمر منطلق أخواه.
[ ١ / ٦٥ ]
تريد أنه أخوه/ ٤١ من النسب، وهذا ونحوه إنما يجوز إذا كان المخاطب يعرف زيدًا على انفراده ولا يعلم أنه أخوه لفرقة كانت بينهما أو لسبب آخر ويعلم أن له أخًا ولا يدري أنه زيد هذا فتقول له: أنت١ زيد أخوك، أي: زيد هذا الذي عرفته هو أخوك الذي كنت علمته، فتكون الفائدة في اجتماعهما وذلك هو الذي استفاده المخاطب، فمتى كان الخبر عن المعرفة معرفة فإنما الفائدة في مجموعهما، فأما أن يكون يعرفهما مجتمعين وإن هذا هذا فذا٢ كلام لا فائدة فيه، فإن قال قائل: فأنت٣ تقول: الله ربنا ومحمد نبينا، وهذا معلوم معروف، قيل له: هذا إنما هو معروف عندنا وعند المؤمنين وإنما نقوله ردًّا على الكفار٤ وعلى من لا يقول به ولو لم يكن لنا مخالف على هذا القول لما قيل إلا في التعظيم والتحميد٥ لطلب الثواب به، فإن المسبح يسبح وليس يريد أن يفيد أحدًا شيئًا وإنما يريد أن يتبرر٦ ويتقرب٧ إلى الله بقول الحق، وبذلك أمرنا وتعبدنا، وأصل ذلك الاعتراف بمن الله عليه٨ بأن عرفه نفسه وفضله/ ٤٢ على من لا يعرف ذلك، وأصل الكلام موضوع للفائدة وإن اتسعت المذاهب فيه، ولكن لو قال قائل: النار حارة والثلج بارد لكان هذا كلامًا لا فائدة فيه، وإن كان الخبر فيهما نكرة.
الثالث: أن يكون المبتدأ نكرة والخبر نكرة وقد بينا أن الجائز من ذلك ما كانت فيه فائدة. فأما الكلام إذا كان منفيا فإن النكرة فيه حسنة لأن الفائدة فيه واقعة نحو قولك: ما أحد في الدار، وما فيها رجل.
_________________
(١) ١ في "ب" أنت له. ٢ في "ب" فهذا. ٣ في "ب" فإنك. ٤ في "ب" على الكافرين. ٥ في "ب" التحميد قبل التعظيم. ٦ يتبرر ساقطة في "ب". ٧ في الأصل "من" والذي أثبت من "ب". ٨ عليه: ساقطة في "ب".
[ ١ / ٦٦ ]
الرابع: أن يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة، وهذا قلب ما وضع عليه١ الكلام وإنما جاء مع الأشياء التي تدخل على المبتدأ والخبر فتعمل لضرورة الشاعر، نحو قوله:
كأنَّ سلافةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ يَكُونُ مزاجَهَا عَسلٌ ومَاءُ٢
فجعل اسم "كان" عسل وهو نكرة وجعل مزاجها الخبر وهو معرفة بالإِضافة إلى الضمير ومع ذلك فإنما حسن هذا عند قائله أن عسلًا وماءً نوعان وليسا كسائر النكرات التي تنفصل بالخلقة والعدد نحو: تمرة وجوزة، والضمير الذي في/ ٤٣ "مزاجها" راجع إلى نكرة وهو قوله: سلافة، فهو مثل قولك: خمرة ممزوجة بماء.
وقد يعرض الحذف في المبتدأ وفي الخبر أيضًا لعلم المخاطب بما حذف، والمحذوف على ثلاث جهات:
_________________
(١) ١ في "ب" له بدلا من عليه. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٢٣ على وقوع اسم "يكون" نكرة محضة وخبرها معرفة للضرورة، وجعله ابن السراج من القلب محضة وخبرها معرفة للضرورة، وجعله ابن السراج من القلب الذي يشجع عليه أمن الالتباس. ويروى البيت: برفع "مزاجها" وكأن سبيئة.. وكذلك يروى: كأن خبيئة، والسلافة: الخمر، وقيل: خلاصة الخمر. وبيت رأس في معجم البلدان: اسم لقريتين في كل واحدة منهما كروم ينسب إليها الخمر، إحداهما ببيت المقدس: وقيل: بيت كورة بالأردن. والأخرى من نواحي حلب. وقال البغدادي: بيت: موضع الخمر ورأس اسم للخمار وقصد إلى بيت هذا الخمار لأن خمره أطيب، وقيل: الرأس هنا بمعنى: الرئيس. أي: من بيت رئيس، لأن الرؤساء إنما تشرب الخمر ممزوجة. والبيت لحسان بن ثابت. وانظر المقتضب ٤/ ٩٢، والكامل/ ٧٢، ومعجم البلدان ١/ ٥٢٠، وشرح السيرافي ١/ ٣١٢، والمحتسب ١/ ٢٧٩. والمفصل للزمخشري/ ١٥٧. وابن يعيش ٧/ ٩٣، والديوان/ ٩.
[ ١ / ٦٧ ]
الأولى: حذف المبتدأ وإضماره إذا تقدم من ذكره ما يعلمه السامع فمن ذلك أن ترى جماعة يتوقعون الهلال فيقول القائل: الهلال والله، أي: هذا الهلال فيحذف هذا، وكذلك لو كنت منتظرًا رجلًا فقيل: عمرو، جاز على ما وصفت لك، ومن ذلك: مررت برجل زيد؛ لأنك لما قلت: مررت١ برجل، أردت أن تبين من هو، فكأنك قلت هو زيد وعلى هذا قوله تعالى: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّار﴾ ٢.
الجهة الثانية: أن تحذف الخبر لعلم السامع، فمن ذلك أن يقول القائل: ما بقي لكم أحد، فتقول: زيد أو عمرو، أي: زيد لنا، ومنه لولا عبد الله لكان كذا وكذا، فعبد الله مرتفع بالابتداء والخبر محذوف وهو في مكان كذا وكذا، فكأنه قال: لولا عبد الله بذلك المكان، ولولا القتال كان في زمان كذا وكذا، ولكن حذف حين كثر استعمالهم إياه وعرف المعنى/ ٤٤ فأما قوله: لكان "كذا وكذا" فحديث متعلق بحديث "لولا" وليس من المبتدأ في شيء ومن ذلك: هل من طعام، فموضع "من طعام" رفع كأنك٣ قلت: هل طعام والمعنى: هل طعام في زمان أو مكان و"من" تزاد توكيدًا مع حرف النفي وحرف الاستفهام إذا وليهما نكرة وسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
وقد أدخلوها على الفاعل والمفعول أيضًا كما أدخلوها على المبتدأ فقالوا: ما أتاني من رجل، في موضع: ما أتاني رجل. ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ ٤ و﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَد﴾ ٥. وكذلك قولك: هل من طعام، وإنما هو: هل طعام،٦ فموضع "من طعام" رفع بالابتداء.
_________________
(١) ١ في الأصل "ممرت". ٢ الحج: ٧٢. ٣ زيادة: من "ب". ٤ الأعراف: ١٠٢. ٥ مريم: ٩٨. ٦ الجملة مكررة في السطر الثاني قبل الأخير ص٧٥.
[ ١ / ٦٨ ]
الجهة الثالثة: أنهم ربما حذفوا شيئًا من الخبر في الجمل وذلك المحذوف على ضربين: إما أن يكون فيه الضمير الراجع إلى المبتدأ نحو قولهم: السمن منوان بدرهم، يريد: منه، وإلا كان كلامًا غير جائز، لأنه ليس فيه ما يرجع إلى الأول. وإما أن يكون المحذوف شيئا ليس فيه راجع ولكنه متصل بالكلام نحو قولك: الكر١ بستين درهمًا، فأمسكت عن ذكر الدرهم بعد ذكر الستين لعلم/ ٤٥ المخاطب. وتعتبر خبرًا لمبتدأ بأنك متى سألت عن الخبر جاز أن يجاب بالمبتدأ؛ لأنه يرجع إلى أنه هو هو في المعنى. ألا ترى أن القائل٢ إذا قال: عمرو منطلق، فقلت٣: من المنطلق؟ قال: عمرو، وكذلك إذا قال٤: عبد الله أخوك، فقلت: من أخوك؟ قال: عبد الله، وكذلك لو قال: عبد الله قامت جاريته في دار أخيه، فقلت: من الذي قامت جاريته٥ في دار أخيه؟ لقال: عبد الله، وخبر المبتدأ يكون جواب "ما"٦ وأي، وكيف، وكم، وأين، ومتى، يقول القائل: الدينار ما هو؟ فتقول: حجر، فتجيبه بالجنس، ويقول٧ الدينار٨ أي الحجارة هو؟ فتقول: ذهب، فتجيبه بنوع٩ من ذلك الجنس، وهذا إنما١٠ يسأل عنه من سمع بالدينار ولم يعرفه. ويقول: الدينار كيف هو؟ فتقول: مدور أصفر حسن منقوش، ويقول: الدينار كم قيراطًا هو؟ فتقول: الدينار عشرون قيراطًا، فيقول: أين
_________________
(١) ١ الكر: مكيال لأهل العراق، وهو عندهم ستون قفيزا. ٢ أن القائل: ساقط في "ب". ٣ في "ب" قلت. ٤ إذا قال: ساقط في "ب". ٥ في "ب" جارته. ٦ في "ب" "لما". ٧ في "ب" فيقول. ٨ الدينار: ساقط في "ب". ٩ في "ب" بالنوع. ١٠ زيادة من "ب".
[ ١ / ٦٩ ]
هو؟ فتقول: في بيت المال والكيس ونحو ذلك، ولا يجوز أن تقول: الدينار متى هو، وقد بينا أن ظروف/ ٤٦ الزمان لا تتضمن الجثث إلا على شرط الفائدة، والتأول، ولكن تقول: القتال متى هو؟ فتقول: يوم كذا وكذا، فأما إذا كان الخبر معرفة أو معهودًا فإنما يقع في جواب "من وأي" نحو قوله: زيد من هو؟ والمعنى: أي الناس هو؟ وأي القوم هو؟ فتقول: أخوك المعروف١ أو أبو عمرو، أي: الذي من أمره كذا، وتقول: هذا الحمار، أي الحمير هو؟ فتقول: الأسود المعروف بكذا وما أشبهه. واعلم: أن خبر المبتدأ إذا كان اسمًا من أسماء الفاعلين وكان المبتدأ هو الفاعل في المعنى وكان جاريًا عليه إلى جنبه أضمر فيه ما يرجع إليه وانستر٢ الضمير نحو قولك: عمرو قائم وأنت منطلق، فأنت وعمرو الفاعلان في المعنى، لأن عمرًا هو الذي قام، وقائم جار على "عمرو" وموضوع إلى جانبه، لم يحل بينه وبينه حائل، فمتى كان الخبر بهذه الصفة لم يحتج إلى أن يظهر الضمير إلا مؤكدًا، فإن أردت التأكيد، قلت: زيد قائم هو، وإن لم ترد التأكيد فأنت/ ٤٧ مستغن عن ذلك وإنما احتمل "ضارب وقائم" وما أشبههما من أسماء الفاعلين ضمير الفاعل ورفع الأسماء التي تبنى عليه لمضارعته الفعل فأضمروا فيه كما أضمروا في الفعل إلا أن المشبه بالشيء [ليس] ٣ هو ذلك الشيء بعينه فضمنوه الضمير متى كان جاريًا على الاسم الذي قبله، وإنما يكون كذلك في ثلاثة مواضع: إما أن يكون خبرًا لمبتدأ نحو قولك: عمرو منطلق كما ذكرنا أو يكون صفة نحو: مررت برجل قائم، أو حالًا نحو: رأيت زيدًا قائمًا، ففي اسم الفاعل ضمير في جميع هذه المواضع، فإن وقع بعدها اسم ظاهر ارتفع ارتفاع الفاعل بفعله، ومتى جرى اسم الفاعل على غير من هو له فليس يحتمل أن يكون فيه ضمير الفاعل، كما يكون في الفعل، لأن انستار ضمير الفاعل إنما هو للفعل،
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ المشهور: استتر. ٣ أضفت كلمة "ليس" لأن المعنى يتطلبها.
[ ١ / ٧٠ ]
ولذلك بنيت لام "فعل" مع ضمير الفاعل المخاطب في "فعلت" والمخاطب والمخاطبة أيضًا في "فعلتَ"/ ٤٨ وفعلتِ كما بينا فيما مضى. فإن قلت: هند زيد ضاربته، لم يكن بد من أن تقول: هي، من أجل أن قولك: "ضاربته" ليس لزيد في الفعل نصيب، وإنما الضرب كان من هند ولم يعد عليها شيء من ذكرها، والفعل لها، فإنما "ضاربته" خبر عن زيد وفاعله هند في المعنى، ولم يجز إلا إظهار الضمير، فقلت حينئذ هي مرتفعة "بضاربته" كما ترتفع هند إذا قلت: زيد ضاربته هند، فالمكنى١ ههنا بمنزلة الظاهر، ولا يجوز أن تتضمن "ضاربته" ضمير الفاعل، فإن أردت أن تثني قلت: الهندان الزيدان ضاربتهما هما، لأن "ضاربه" ليس فيه ضمير الهندين إنما هو فعل فاعله المضمر، هذا على قول من قال: أقائم أخواك٢، فأما من قال: أكلوني البراغيث٣ فيجعل في الفعل علامة التثنية والجمع ولم يرد الضمير ليدل على أن فاعله مثنى أو مجموع كما كانت التاء في "فعلت هند" فرقًا بين فعل المذكر والمؤنث، فإنه يقول: الهندان الزيدان ضاربتاهما هما فإذا قلت: هند زيد ضاربته/ ٤٩ هي "فهند" مرتفعة بالابتداء، "وزيد" مبتدأ ثان، وضاربته خبر زيد "وهي" هذه اللفظة مرتفعة بأنها فاعلة، والفعل "ضاربته" والهاء ترجع إلى زيد، وهي ترجع إلى هند والجملة خبر عنها، فإن جعلت موضع فاعل، يفعل فقلت: زيد هند تضربه، أضمرت الفاعل ولم تظهره، فهذا مما خالفت فيه الأسماء الأفعال، ألا ترى أنك تقول: زيد أضربه وزيد تضربه. فإن
_________________
(١) ١ المكني أو الكناية: اصطلاح كوفي، ومعناه الضمير عند البصريين، واصطلاح الضمير أدق من اصطلاح المكنى لأن الكناية تشمل كل ما يكنى به من إشارة أو موصول أو عدد بخلاف الضمير فإنه لا يدخل فيه شيء من ذلك اللهم إلا إذا ذهب به مذهب من يجعل الكلمة أقساما أربعة من المحدثين ويجعل الضمير هو القسم الرابع، ويدخل فيه العدد وأسماء الإشارة والأسماء الموصولة، انظر: من أسرار العربية للدكتور أنيس/ ١٩٦. ٢ أقائم مبتدأ، وأخواك فاعل سد مسد الخبر. ٣ البراغيث هي الفاعل والواو في الفعل علامة تدل على الجمع.
[ ١ / ٧١ ]
كان في موضع الفعل اسم الفاعل لم تقل إلا زيد ضاربه أنا أو أنت١ لأن في تصاريف الفعل ما يدل على المضمر ما هو٢، كما قد ذكرنا فيما قد تقدم، وليس ذلك في الأسماء وحكم اسم المفعول حكم اسم الفاعل٣، تقول: زيد مضروب، فتكون خبرًا لزيد كما تكون "ضارب" ويكون فيه ضميره كما يكون في الفاعل، فتقول: عمرو الجبة مكسوته إذ كان في "مكسوته"، ضمير الجبة مستترًا، فإن كان فيه ضمير "عمرو" لم يجز حتى تقول: عمرو الجبة مكسوها هو، فحكم المفعول/ ٥٠ حكم الفاعل، كما أن فُعِلَ "كفَعَلَ" في عمله، وحق خبر المبتدأ إذا كان جملة أن يكون خبرًا كاسمه يجوز٤ فيه التصديق والتكذيب، ولا يكون استفهامًا ولا أمرًا ولا نهيًا وما أشبه ذلك مما لا يقال فيه صدقت ولا كذبت، ولكن العرب قد٥ اتسعت في كلامها فقالت: زيد كم مرة رأيته، فاستجازوا٦ هذا لما كان زيدٌ في المعنى والحقيقة داخلًا في جملة ما استفهم عنه، لأن الهاء هي زيدٌ، وكذلك كل ما اتسعوا فيه من هذا الضرب.
_________________
(١) ١ بإبراز الضمير. ٢ أي: إن قاما يدل على التثنية، وقاموا: يدل على الجمع، وقمن، يدل على جماعة الإناث. ٣ إلا أنه يختلف عنه بجواز إضافته إلى ما هو مرفوع نحو: الورع محمود المقاصد اسم مفعول. وزيد مكسو العبد ثوبا. ثم إن اسم الفاعل يبنى من اللازم كما يبنى من المتعدي، كقائم وذاهب واسم المفعول إنما يبنى من فعل متعد لأنه جاز على "فعل" ما لم يسم فاعله، فكما أنه لا يبنى إلا من المتعدي كذلك اسم المفعول. ٤ أضفت كلمة "يجوز" لإيضاح المعنى. ٥ في "ب" إذا بدلا من "قد". ٦ في "ب" واستجازوا.
[ ١ / ٧٢ ]
شرح الثالث من الأسماء المرتفعة وهو الفاعل:
الاسم الذي يرتفع بأنه فاعل هو الذي بنيته على الفعل الذي بني للفاعل. ويجعل الفعل حديثًا عنه مقدمًا قبله كان فاعلًا في الحقيقة أو لم يكن
[ ١ / ٧٢ ]
كقولك: جاء زيدٌ ومات عمروٌ، وما أشبه ذلك، ومعنى قولي: بنيته على الفعل الذي بني للفاعل، أي: ذكرت الفعل قبل الاسم، لأنك لو أتيت بالفعل بعد الاسم لارتفع الاسم بالابتداء، وإنما قلت على الفعل/٥١ الذي بني للفاعل، لأفرق بينه وبين الفعل الذي بني للمفعول إذ كانوا قد فرقوا بينهما فجعلوا "ضرب" للفاعل مفتوح الفاء و"ضرب" للمفعول مضموم الفاء مكسور العين، وقد جعل بينهما في جميع تصاريف الأفعال ماضيها ومستقبلها وثلاثيها ورباعيها وما فيه زائد منها فروق في الأبنية، وهذا يبين لك في موضعه إن شاء الله. وإنما قلت: كان فاعلًا في الحقيقة أو لم يكن، لأن الفعل ينقسم قسمين: فمنه حقيقي، ومنه غير حقيقي، والحقيقي ينقسم قسمين: أحدهما أن يكون١ الفعل لا يتعدى الفاعل إلى من سواه ولا يكون فيه دليل على مفعول، نحو: قمت وقعدت، والآخر أن يكون فعلًا واصلًا إلى اسم بعد اسم الفاعل، والفعل الواصل على ضربين: فضربٌ واصل مؤثر نحو: ضربت زيدًا وقتلت بكرًا، والضرب٢ الآخر واصل إلى الاسم٣ فقط٤ غير مؤثر/ ٥٢ فيه نحو: ذكرت زيدًا ومدحت عمرًا، وهجوت بكرًا، فإن هذه تتعدى إلى الحي والميت والشاهد والغائب، وإن كنت إنما تمدح الذات وتذمها إلا أنها غير مؤثرة٥.
ومنها الأفعال الداخلة على الابتداء والخبر وإنما تنبئ عن الفاعل بما هجس في نفسه أو تيقنه غير مؤثرة بمفعول، ولكن أخبار٦ الفاعل بما٧ وقع عنده نحو: ظننت زيدًا أخاك. وعلمت زيدًا خير الناس.
_________________
(١) ١ أن يكون ساقط في "ب". ٢ الضرب: ساقط في "ب". ٣ الاسم: ساقط في "ب". ٤ فقط: ساقطة في "ب". ٥ في "ب" مؤيدة. ٦ في "ب" أخبارًا بالنصب. ٧ في "ب" إنما.
[ ١ / ٧٣ ]
القسم الثاني: من القسمة الأولى١: وهو الفعل الذي هو غير فعل حقيقي، فهو على ثلاثة أضرب، فالضرب الأول: أفعال مستعارة للاختصار وفيها بيان أن فاعليها في الحقيقة مفعولون نحو: مات زيدٌ، وسقط الحائط، ومرض بكر.
والضرب الثاني: أفعال في اللفظ وليست بأفعال حقيقية، وإنما تدل على الزمان فقط، وذلك قولك: كان عبد الله أخاك، وأصبح عبد الله عاقلًا، ليست تخبر بفعل فعله إنما تخبر أن عبد الله أخوك فيما مضى/ ٥٣ وأن الصباح أتى عليه وهو عاقل.
والضرب الثالث: أفعال منقولة يراد بها غير الفاعل الذي جعلت له نحو قولك: لا أرينك٢ ههنا، فالنهي إنما هو للمتكلم كأنه ينهي نفسه في اللفظ وهو للمخاطب في المعنى. وتأويله: لا تكونن ههنا فإن٣ "من" حضرني رأيته ومثله قوله تعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٤ لم ينههم عن الموت في وقت لأن٥ ذلك ليس المهم تقديمه وتأخيره ولكن معناه: كونوا على الإسلام. فإن الموت لا بد منه، فمتى صادفكم صادفكم عليه، وهذا تفسير أبي العباس٦ ﵀.
فالاسم الذي يرتفع بأنه فاعل٧ هو والفعل جملة يستغني عليها٨
_________________
(١) ١ في "ب" الأول والصواب ما أثبت. ٢ في "ب" لا آتينك. ٣ في "ب" فإنه. ٤ البقرة: ١٣٢. ٥ في "ب" فإن. ٦ أبو العباس: محمد بن يزيد المبرد نحاة البصرة في عصره، أخذ عن الجرمي والمازني. مات سنة ٢٨٥ وترجمته في طبقات الزبيدي/ ١٠٨ وأخبار النحويين البصريين للسيرافي/ ٧٢، والفهرست/ ٤٤٩، وفي نزهة الألباء/ ٢٧٩، ومعجم الأدباء جـ٧/ ٢٧٩. ٧ في "ب" والفعل والفاعل. ٨ في "ب" بنفسها.
[ ١ / ٧٤ ]
السكوت وتمت بها١ الفائدة للمخاطب، ويتم الكلام به دون مفعول والمفعول فضلة في الكلام كالذي تقدم، فأما٢ الفعل فلا بد له من فاعل، وما يقوم مقام الفاعل بمنزلة الابتداء والخبر، ألا ترى أنك إذا قلت: قام زيد فهو بمنزلة قولك: القائم زيد. فالفاعل رفع إذا أخبرت عنه أنه "فَعَلَ" وسيفعل أو هو في حال/٥٤ الفعل أو استفهمت عنه هل يكون فاعلًا أو نفيت أن يكون فاعلًا نحو: قام عبد الله ويقوم عبد الله. وسيقوم عبد الله. وفي الاستفهام: أيقوم عبد الله؟ وفي الجزاء إِنْ يذهب زيد أذهب. وفي النفي، ما ذهب زيد، ولم يقم عمرو، فالعامل هو الفعل على عمله أين نقلته لا يغيره عن عمله شيء أدخلت عليه ما يعمل فيه أو لم يعمل، فسواء كان الفعل مجزومًا أو منصوبًا أو مرفوعًا أو موجبًا أو منفيا أو خبرًا أو استخبارًا هو في جميع هذه الأحوال لا بدّ من أن يرفع به الاسم الذي بني له، فالأفعال كلها ماضيها وحاضرها ومستقبلها يرفع بها الفاعل بالصفة التي ذكرناها، ومن الأفعال ما لا يتصرف في الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، ويقتصر به على زمان واحد٣، فلا يتصرف في جميع تصاريف الأفعال، وقد أفردناها، وقد أعملوا اسم الفعل، وتأملت جميع ذلك فوجدت الأشياء التي ترتفع بها الأسماء ارتفاع الفاعل ستة أشياء: فعل متصرف، وفعل غير/ ٥٥ متصرف، واسم الفاعل والصفة المشبهة باسم الفاعل والمصدر والأسماء التي سموا فيها الفعل في الأمر والنهي.
فأما الأول: وهو الفعل المتصرف فنحو: قام وضربَ، وتصرفه أنك تقول: يقوم وأقوم وتقوم. وضربَ، ويضرب، وأضرب، وجميع تصاريف الأفعال جارية عليه ويشتق منه اسم الفاعل، فتقول: ضارب،
_________________
(١) ١ في الأصل وتجب، والتصحيح من "ب". ٢ في "ب" وأما. ٣ وذلك نحو: دام وليس من الأفعال الناقصة. وعسى، وكرب من أفعال المقاربة، وفعل التعجب، ونعم وبئس.
[ ١ / ٧٥ ]
والثاني: وهو الفعل الذي هو غير متصرف نحو: ليس وعسى وفعل التعجب ونعم وبئس لا تقول منه، يفعل ولا فاعل١. ولا يزول عن بناءٍ واحدٍ، وسنذكر هذه الأفعال بعد في مواضعها إن شاء الله.
الثالث: وهو اسم الفاعل الجاري على فعله، نحو قولك: قام يقوم فهو قائم: وضرب يضرب فهو ضارب، وشرب، يشرب فهو شارب، فضارب وشارب٢ وقائم أسماء الفاعلين. وقد بينا أن اسم الفاعل لا يحسن أن يعمل إلا أن يكون معتمدا على شيء قبله. وذكرنا ما يحسن من ذلك وما يقبح في باب/ ٥٦ خبر الابتداء.
والرابع: الصفة المشبهة باسم الفاعل، نحو قولك: حسن، وشديد تقول: الحسن وجه زيد، [و] ٣ الشديد ساعدك، وما أشبهه.
والخامس: المصدر نحو قولك، عجبت من ضرب زيدٍ عمرو، وتأويله: من أن ضربَ زيدًا عمرو.
السادس: الأسماء التي يسمى الفعل بها في الأمر والنهي نحو قولهم: تراكها ومناعها، يريدون: أترك، وأمنع، ورويد زيدًا وهلم الثريد وصه، ومه يريدون: اسكت، وعليك زيدًا فهذه الأسماء إنما جاءت في الأمر وتحفظ حفظًا ولا يقاس عليها، وسنذكر جميع هذه الأسماء التي أوقعت موقع الفعل في بابها مشروحة إن شاء الله.
_________________
(١) ١ لأن اسم الفاعل يشتق من الأفعال المتصرفة. ٢ في الأصل: وشاتم، وأظنها تحريفا عن "وشارب". ٣ أضفت "واوا" لأن الكلام يحتاجه.
[ ١ / ٧٦ ]
شرح الرابع من الأسماء المرتفعة:
وهو المفعول الذي لم يسم من فَعَلَ به، إذا كان الاسم مبنيا على فعلٍ بني للمفعول ولم يذكر من فعلَ به فهو رفع وذلك قولك: ضرب بكر وأخرج خالد، واستخرجت الدراهم، فبني الفعل للمفعول على "فعل" نحو:
[ ١ / ٧٦ ]
"ضُرِبَ" وأفعلَ نحو: "أكرِمَ"/ ٥٧ وتفعل نحو: تضرب، ونفعل نحو: نضرب فخولف بينه وبين بناءِ الفعل الذي بني للفاعل، لئلا يلتبس المفعول بالفاعل، وارتفاع المفعول بالفعل الذي تحدثت به عنه كارتفاع الفاعل إذا كان الكلام لا يتم إلا به ولا يستغني دونه، ولذلك قلت: إذا كان مبنيا على فعلٍ بني للمفعول أردت به ما أردت في الفاعل من أن الكلام لا يتم إلا به وقلت ولم تذكر من فعل به لأنك لو ذكرت الفاعل ما كان المفعول إلا نصبًا، وإنما ارتفع لما زال الفاعل وقام مقامه. واعلم: أن الأفعال التي لا تتعدى لا يبنى منها فعل للمفعول، لأن ذلك محال، نحو: قام، وجلس. لا يجوز أن تقول: قيم زيد ولا جلس عمرو، إذ كنت إنما تبني الفعل للمفعول، فإذا كان الفعل لا يتعدى إلى مفعول فمن أين لك مفعول تبنيه له، فإن كان الفعل يتعدى إلى مفعول واحد نحو: ضربت زيدًا، أزلت الفاعل وقلت: ضرب زيد، فصار المفعول يقوم مقام/ ٥٨ الفاعل وبقي الكلام بغير اسم منصوب لأن الذي كان منصوبًا قد ارتفع، وإن كان الفعل يتعدى إلى مفعولين نحو: أعطيت زيدًا درهمًا، فرددته إلى ما لم يسم فاعله قلت: أُعطي زيد درهمًا، فقامَ أحد المفعولين مقامَ الفاعلِ، وبقيَ منصوب واحد١ في الكلام، وكذلك إن كان الفعل يتعدى إلى ثلاثة مفعولين نحو: أعلم الله زيدًا بكرًا خير الناس، إذا رددته إلى ما لم يسم فاعله قلت: أعلم زيد بكرًا خير الناس. فقام أحد المفعولين مقام الفاعل. وبقي في الكلام اسمان منصوبان، فعلى هذا يجري هذا الباب. وإن كان الفعل لا يتعدى لم يجز ذلك فيه، وإن كان يتعدى إلى مفعول واحدٍ بقي الفعل غير متعد، وإن كان يتعدى إلى اثنين بقي الفعل متعديًا إلى واحد، وإن كان يتعدى إلى ثلاثة، بقي الفعل يتعدى إلى اثنين، فعلى هذا فقس متى نقلت "فعل" الذي هو
_________________
(١) ١ في سيبويه جـ١/ ١٩ إذا قلت: كسى عبد الله الثوب وأعطى عبد الله المال، رفعت عبد الله ههنا كما رفعته في "ضرب" حين قلت: ضرب عبد الله وشغلت به كسى وأعطى كما شغلت به "ضرب" وانتصب الثوب والمال لأنهما مفعولان تعدى إليهما فعل هو بمنزلة الفاعل.
[ ١ / ٧٧ ]
للفاعل مبني إلى "فُعِلَ" الذي هو مبني للمفعول فانقص من المفعولات/ ٥٩ واحدًا. وإذا نقلت "فَعَلَت" إلى أفعلتَ، فإن كان الفعل لا يتعدى في "فعلت" فعدهِ إلى واحدٍ إذا نقلته إلى "أفعلت" تقول: قمت فلا يتعدى إلى مفعول، فإن قلت "أفعلت" منه قلت: أقمت زيدا، وإن كان الفعل يتعدى إلى مفعول واحد فنقلته من "فعلت" إلى "أفعلت" عديته إلى اثنين نحو قولك: رأيت الهلال هو متعد إلى مفعول واحدٍ فإن قلت: أريت زيدًا الهلال فيتعدى إلى اثنين، وإن كان الفعل يتعدى إلى مفعولين فنقلته من "فعلت" إلى "أفعلت" تعدى إلى ثلاثة مفعولين، تقول علمت بكرًا خير الناس، فإن قلت: أعلمتُ، قلت: أعلمتُ بكرًا زيدًا خير الناس فتعدى إلى ثلاثة، فهذان النقلان مختلفان، إذا نقلت "فعلتُ" إلى "فعلتُ" نقصت من المفعولات واحدًا أبدًا، وإذا نقلت "فعلت" إلى "أفعلت" زدت في المفعولات واحدًا أبدًا، فتبين ذلك فإني إنما ذكرت "فعّلتُ" وإن لم يكن من هذا الباب، لأن الأشياء تتضح بضمها إلى أضدادها/ ٦٠ واسم المفعول الجاري على فعله يعمل عمل الفعل نحو قولك: مضروب، ومعط، يعمل عمل أعطى، ونعطي تقول: زيد مضروب أبوه فترفع "أبوه" بمضروب، كما كنت ترفعه بضاربٍ إذا قلت: زيد ضارب أبوه عمرًا، وتقول: زيد معط أبوه درهمًا "فترفع الأب" "بمعط" وتقول: دفَع إلى زيد درهم، فترفع الدرهم لأنك جررت زيدًا فقام الدرهم مقام الفاعل، ويجوز أن تقول: سير بزيد، فتقيم "بزيد" مقام الفاعل، فيكون موضعه رفعًا ولا يمنعه حرف الجر١ من ذلك، كما قال: ما جاءني من أحد، فأحد فاعل، وإن كان مجرورًا "بمن" وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُم﴾ ٢.
_________________
(١) ١ على شرط أن لا يكون حرف الجر للتعليل، فلا يقال: وقف لك.. لا من أجلك لا إذا جعلت نائب الفاعل ضمير الوقوف المفهوم من "وقف" فيكون التقدير: وقف الوقوف الذي تعهد لك. أو من أجلك، وإذا كان نائب الفاعل مؤنثًا لا يؤنث فعله، بل يجب أن يبقى مذكرا. تقول: ذهب بفاطمة. ولا يقال: ذهبت بفاطمة. ٢ البقرة: ١٠٥.
[ ١ / ٧٨ ]
فإن أظهرت زيدًا غير مجرور قلت: أعطى زيد درهمًا، وكسى زيد ثوبًا، فهذا وجه الكلام، ويجوز أن تقول: أعطى زيدًا درهم، وكسى زيدًا ثوب، كما كان الدرهم والثوب مفعولين، وكان لا يلبس على السامع الآخذ من المأخوذ جاز، ولكن لو قلت: أعطى/٦١ زيد عمرًا، وكان زيد هو الآخذ لم يجز أن تقول: أعطى عمرو زيدًا، لأن هذا يلبس إذ كان يجوز أن يكون كل واحد منهما آخذًا لصاحبه، وهو لا يلبس في الدرهم وما أشبه، لأن الدرهم لا يكون إلا مأخوذًا، وإنما هذا مجاز والأول الوجه. ومن هذا: أدخل القبر زيدًا، وألبستُ الجبة زيدًا، ولا يجوز على هذا، ضرب زيدًا سوطٌ، لأن سوطًا في موضع قولك: ضربةً بسوطٍ١ فهو مصدر. واعلم: أنه يجوز أن تقيم المصادر والظروف من الأزمنة والأمكنة مقام الفاعل في هذا الباب إذا جعلتها مفعولات على السعة وذلك نحو قولك: سير بزيد سير شديد، وضرب من أجل زيد عشرون سوطًا، واختلف به شهران، ومضى به فرسخان، وقد يجوز نصبها على الموضع، وإن كنت لم تقم المجرور مقام الفاعل، أعني قولك: بزيد على أن تحذف ما يقوم مقام الفاعل وتضمره/٦٢ وذلك المحذوف على ضربين: إما أن يكون الذي قام مقام الفعل مصدرًا استغني عن ذكره بدلالة الفعل عليه، وإما أن يكون مكانًا دلَّ الفعل عليه أيضًا إذ كان الفعل لا يخلو من أن يكون في مكان كما أنه لا بد من أن يكون مشتقا من مصدره نحو قولك: سير بزيد فرسخًا أضمرت السير، لأن "سير" يدل على السير، فكأنك قلت: سير السير بزيد فرسخًا، ثم حذفت السير فلم تحتج إلى ذكره معه، كما تقول: من كذب كان شرا له، تريد: كان الكذب شرا له. ولم تذكر الكذب لأن "كذب" قد دل عليه ونظيره قوله تعالى: ﴿لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُم﴾ ٢. يعني البخل الذي دل عليه "يبخلون" وأما الذي يدل عليه الفعل من المكان فأن تضمر في
_________________
(١) ١ في الأصل "بصوت" وليس له معنى. ٢ آل عمران: ١٠٨.
[ ١ / ٧٩ ]
هذه المسألة ما يدل عليه "سير" نحو الطريق وما أشبهه من الأمكنة. ألا ترى أن السير لا بد أن يكون في طريق، فكأنك/ ٦٣ قلت: سير عليه الطريق فرسخًا، ثم حذفت لعلم المخاطب بما تعني، فقد صارَ في "سيرَ بزيدٍ" ثلاثة أوجه:
أجودها أن تقيم، "بزيد" مقام الفاعل، فيكون موضعه رفعًا، وإن كان مجرورًا في اللفظ، وقد أريناك مثل ذلك.
والوجه الثاني: الذي يليه في الجودة أن تريد المصدر فتقيمه مقام الفاعل وتحذفه.
والوجه الثالث: وهو أبعدها أن تريد المكان فتقيمه مقام الفاعل وتحذفه. واعلم: أنك إذا قلت: سير بزيد سيرًا، فالوجه النصب في "سير" لأنك لم تفد بقولك "سيرًا" شيئًا لم يكن في "سير" أكثر من التوكيد، فإن وصفته فقلت: شديدًا أو هينًا، فالوجه الرفع لأنك لما نعته قربته من الأسماء وحدثت فيه فائدة لم تكن في "سير" والظروف بهذه المنزلة، لو قلت: سير بزيد مكانًا أو يومًا لكان الوجه النصب، فإن قلت: يوم كذا أو مكانًا بعيدًا أو قريبًا اختير الرفع والتقديم والتأخير والإِضمار والإِظهار في الاسم الذي قام مقام الفاعل ولم/ ٦٤ يسم من فعل به مثله في الفاعل يجوز فيه ما جاز في ذلك لا فرق بينهما في جميع ذلك، وتقول: كيف أنت إذا نحى نحوك ونحوك على ما فسرنا، فإن قلت: نحى قصدك فالاختيار عند قوم من النحويين النصب لمخالفة لفظ الفعل لفظ المصدر، والمصادر والظروف من الزمان والمكان لا يجعل شيء منها مرفوعًا١ في هذا الباب حتى يقدر فيه أنه إذا كان
_________________
(١) ١ مذهب البصريين إلا الأخفش، أنه إذا وجد بعد الفعل المبني لما لم يسم فاعله مفعول به ومصدر. وظرف وجار ومجرور، تعين إقامة المفعول به مقام الفاعل، ولا يجوز إقامة غيره مقامه مع وجوده، وما ورد من ذلك شاذ أو مئول، ومذهب الكوفيين أنه يجوز إقامة غيره وهو موجود: تقدم أو تأخر، فتول: ضرب ضرب شديد زيدا، وضرب زيدا ضرب شديد، وكذلك في الباقي، واستدلوا لذلك بقراءة أبي جعفر: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .. شرح ابن عقيل: ٢/ ٦٧.
[ ١ / ٨٠ ]
الفاعل معه أنه مفعول صحيح فحينئذ يجوز أن يقام مقام الفاعل إذا لم تذكر الفاعل. فأما الحال والتمييز، فلا يجوز أن يجعل واحد منهما في محل الفاعل، إذا قلت: سير بزيد قائمًا أو تصبب بدن عمرو عرقًا، لا يجوز أن تقيم "قائمًا وعرقًا" مقام الفاعل، لأنهما لا يكونان إلا نكرة، فالفاعل وما قام مقامه يضمر كما يظهر، والمضمر لا يكون إلا معرفة وكذلك المصدر الذي يكون علة لوقوع الشيء نحو: جئتك ابتغاء الخير لا يقوم مقام الفاعل ابتغاء الخير، لأن المعنى لابتغاء الخير، ومن أجل ابتغاء الخير/ ٦٥ فإن أقمته مقام الفاعل زال ذلك المعنى، وقد أجاز قوم في "كان زيد قائمًا" أن يردوه إلى ما لم يسم فاعله فيقولون: كين قائم.
قال أبو بكر: وهذا عندي لا يجوز من قبل أن "كان" فعل غير حقيقي، وإنما يدخل على المبتدأ والخبر، فالفاعل فيه غير فاعل في الحقيقة، والمفعول غير مفعول على الصحة فليس فيه مفعول، يقوم مقام الفاعل، لأنهما غير متغايرين إذ كان إلى شيء واحد١، لأن الثاني هو الأول في المعنى. وقد نطق بما لم يسم فاعله في أحرف ولم ينطق فيها بتسمية الفاعل، فقالوا: أنيخت الناقة، وقد وضع زيد في تجارته، ووكس٢، وأغرى به وأولع به، وما كان من نحو هذا مما أَخذ عنهم سماعًا وليس بباب يقاس عليه.
_________________
(١) ١ في سيبويه ١/ ٢١، وإن شئت قلت: كان أخاك عبد الله "فقدمت كما فعلت ذلك في ضرب لأنه فعل مثله" وحال التقديم والتأخير فيه. كحاله في ضرب، إلا اسم الفاعل والمفعول فيه. لشيء واحد. ٢ وَكَسَ: نَقَصَ، والوكس: النقص، في حديث أبي هريرة: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا" انظر اللسان مادة: وَكَسَ.
[ ١ / ٨١ ]
شرح الخامس: وهو المشبه بالفاعل في اللفظ.
المشبه بالفاعل على ضربين: ضرب منه ارتفع "بكان وأخواتها" وضرب آخر ارتفع بحروف شبهت "بكان" والفعل، وأخوات "كان": صار، وأصبح، وأمسى/ ٦٦ وظل، وأضحى، وما دام، وما زال، وليس، وما أشبه ذلك مما يجيء عبارة عن الزمان فقط وما كان في معناهن مما لفظه لفظ الفعل، وتصاريفه تصاريف الفعل١، تقول: كان، ويكون، وسيكون، وكائن، فشبهوها بالفعل لذلك، فأما مفارقتها للفعل الحقيقي فإن الفعل الحقيقي يدل على معنى وزمان نحو قولك: ضرب يدل على ما مضى من الزمان وعلى الضرب الواقع فيه "وكان" إنما يدل على ما مضى من الزمان فقط "ويكون" تدل على ما أنت فيه من الزمان وعلى ما يأتي، فهي تدل على زمان فقط، فأدخلوها على المبتدأ وخبره، فرفعوا بها ما كان مبتدأ تشبيهًا بالفاعل و[نصبوا٢ بها الخبر] تشبيهًا بالمفعول فقالوا: كان عبد الله أخاك، كما قالوا: ضرب عبد الله أخاك، إلا أن المفعول في "كان" لا بد من أن يكون هو الفاعل، لأن أصله المبتدأ وخبره، كما كان خبر المبتدأ لا بد من أن يكون هو المبتدأ فإذا قالوا/ ٦٧ "كان زيد قائمًا" فإنما معناه: زيد قام فيما مضى من الزمان، فإذا قالوا: أصبح عبد الله منطلقًا، فإنما المعنى: أتى الصباح وعبد الله منطلق، فهذا تشبيه لفظي، وكثيرًا ما يعملون الشيء عمل الشيء إذا أشبهه في اللفظ وإن لم يكن مثله في المعنى وسترى ذلك إن شاء الله، فقد بان شبه "كان وأخواتها" بالفعل إذ كنت تقول: كان يكون، وأصبح يصبح وأضحى، ويضحى، ودام يدوم، وزال يزال، فأما ليس، فالدليل على أنها فعل وإن كانت لا تتصرف٣ تصرف الفعل قولك: لست، كما تقول: ضربت ولستما كضربتما، ولسنا، كضربنا ولسن، كضربن،
_________________
(١) ١ في الكتاب ١/ ٢١ فهو كائن ونكون، كما كان ضارب ومضروب. ٢ أضفت ما بين القوسين لإيضاح المعنى. ٣ قال سيبويه ١/ ٢١ وأما ليس فإنه لا يكون فيها ذلك "أي: التصرف" لأنها وضعت موضعا واحدا ومن ثم لم تصرف تصرف الفعل الآخر.
[ ١ / ٨٢ ]
ولستن، كضربتن، وليسوا، كضربوا، وليست أمة الله ذاهبة كقولك: ضربت أمة الله زيدًا.
وإنما امتنعت من التصرف، لأنك إذا قلت "كان" دللت على ما مضى، وإذا قلت "يكون" دللت على ما هو فيه وعلى ما لم يقع، وإذا قلت: ليس زيد قائمًا الآن أو غدًا أدت ذلك المعنى الذي في يكون،/ ٦٨ فلما كانت تدل على ما يدل عليه المضارع استغني عن المضارع فيها، ولذلك لم تبن بناء الأفعال التي هي من بنات الياء مثل باع وبات. وإذا اجتمع في هذا الباب معرفة ونكرة فاسم "كان" المعرفة كما كان ذلك في الابتداء هو المبتدأ لا فرق بينهما في ذلك، تقول: كان عمرو منطلقًا، وكان بكر رجلًا عاقلًا، وقد يكون الاسم معرفة والخبر معرفة كما كان ذلك في الابتداء أيضًا، تقول: كان عبد الله أخاك، وكان أخوك عبد الله، أيهما شئت جعلته اسم "كان" وجعلت الآخر خبرًا لها، والشعراء قد يضطرون فيجعلون الاسم نكرة والخبر معرفة١ لعلمهم أن المعنى يئول إلى شيء واحد، فمن ذلك قول حسان:
كأنَّ سلافةً منْ بيت رأسٍ يكون مزاجَها عسَل وماءُ٢
وقال القطامي:
قفي قبل التفرقِ يا ضباعا ولا يك موقف منكِ الوداعا٣
_________________
(١) ١ في المقتضب ١/ ٩١ واعلم: أن الشعراء يضطرون فيجعلون الاسم نكرة، والخبر معرفة، وإنما حملهم على ذلك معرفتهم أن الاسم والخبر يرجعان إلى شيء واحد. ٢ مر تفسير هذا البيت، ص٤٢. ٣ استشهد بالشطر الأول سيبويه ١/ ٣٣١ على ترخيم "ضباعة" والوقف على الألف بدلا من الهاء. واستشهد بالشطر الثاني ابن هشام في المغني على جعل اسم "كان" نكرة وخبرها معرفة للضرورة، وأراد "بضباعة" ضباعة بنت زفر بن الحارث، ولا يك موقف يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون على الطلب والرغبة كأنه قال: لا تجعلي هذا الموقف آخر وداعي منك. والوجه الآخر: أن يكون على الدعاء كأنه قال: لا جعل الله موقفك هذا آخر الوداع، وفيه حذف مضاف، أي: "موقف" والبيت، مطلع قصيدة للقطامي في مدح زفر بن الحارث، وكان بنو أسد أحاطوا به وأسروه يوم الخابور وأرادوا قتله، فحال زفر بينه وبينهم وحماه وحمله، وكساه مائة ناقة، فمدحه بهذه القصيدة: وانظر: المقتضب ٤/ ٩٣، وابن يعيش ٧/ ٩١، وارتشاف الضرب ٣٥٦، والديوان/ ٣٧.
[ ١ / ٨٣ ]
وقد مضى تفسير هذا، وقد تخبر في هذا الباب بالنكرة عن النكرة إذا كان فيه فائدة وذلك قولك: ما كان/ ٦٩ أحد مثلك، وليس أحد خيرًا منك، وما كان رجل قائمًا مقامك، وإنما صلح هذا هنا، لأن قولك: "رجل" في موضع الجماعة إذا جعلوا رجلًا رجلًا، يدلك على ذلك قولك: ما كان رجلان أفضل منهما.
والمعول في هذا الباب وغيره على الفائدة، كما كان في المبتدأ والخبر. فما كانت فيه فائدة فهو جائز فأنت إذا قلت: ليس فيها أحد فقد نفيت الواحد والاثنين وأكثر من ذلك، ومثل هذا لا يقع في الإيجاب ونظير أحد عريب١ وكتيع٢، وطورئ٣ وديار، قال الراجز:
وبلدة ليس بها ديار
ومن هذه الأسماء ما يقع بعد "كل" لعمومها، تقول: يعلم هذا كل أحد، وأما قول الشاعر٤:
_________________
(١) ١ عريب: من الألفاظ الملازمة للنفي ومعناها: لا أحد. ٢ كتيع: الكتيع: المنفرد من الناس. يقال: ما بالدار كتيع، أي: لا أحد. ٣ طورئ: تقول العرب: ما بالدار طورئ، ولا دوري، أي: أحد، ولا طوراني مثله. ومثله قول الحجاج: وبلدة ليس بها طوري. انظر اللسان مادة "طور". ٤ نسبه السيرافي للأخطل، وروى: لقد ظهرت، ولم يوجد في ديوان الأخطل، وإنما وجدته في ديوان ذي الرمة، ويروى كذلك: لقد بهرت فما تخفى على أحدٍ وذهب ابن السراج مذهب سيبويه ورأى أن أحدا الثانية حكاية لأحد الأولى، انظر شرح السيرافي ١/ ٣٢٥، والموشح/ ١٨٢، والديوان/ ١٩١.
[ ١ / ٨٤ ]
حتى ظهرت فما تخفى على أحدٍ إلا على أحدٍ لا يعرف القمرا
فقد فسر هذا البيت على ضربين:
أحدهما: أن يكون "أحد" في معنى واحد كأنه قال: إلا على واحد لا يعرف القمرا، فأحد هذه هي التي تقع في قولك/٧٠: أحد وعشرون وتكون على قولك "أحد" التي تقع في النفي فتجريه في هذا الموضع على الحكاية لتقديم ذكره إياه، ونظير ذلك أن يقول القائل: أما في الدار أحد، فتقول مجيبًا بلى، وأحد، إنما هو حكاية للفظ ورد عليه، وتقول: ما كان رجل صالح مشبه زيدًا في الدار، إذا جعلت في الدار خبرًا، ومعنى هذا الكلام أن زيدًا صالح فمشبهه مثله. فإن نصبت "مشبهًا" فقد ذممت زيدًا أو أخبرت أن ما كان صالحًا غير تشبيه. فإذا قلت: ما كان أحد مثلك، وما كان مثلك أحد فكلها نكرات لأن "مثل وشبه" يكن نكرات، وإن أَضفن إلى المعارف لأنهن لا يخصصن شيئًا بعينه لأن الأشياء تتشابه من وجوه، وتتنافى من وجوه، فإن أردت "بمثلك" المعروف "بشبهك" خاصة كان معرفة كأخيك. وتقول: ما كان في الدار أحد مثل زيد، إذا جعلت "في الدار" الخبر، وإن جعلت "في الدار" لغوًا نصبت المثل/ ٧١ قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ ١.
_________________
(١) ١ الإخلاص: ٤. والآية: تكلم عنها سيبويه في ١/ ٢٧، فقال: وجميع ما ذكرت لك من التقديم والتأخير، والإلغاء، والاستقرار عربي جيد كثير فمن ذلك قوله ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد﴾ وأهل الجفاء من العرب يقولون: ولم يكن كفوا له أحد "كأنهم أخروها حيث كانت غير مستقر" وفي البحر المحيط ١/ ٥٢٨-٥٢٩ وقال مكي: سيبويه يختار أن يكون الظرف خبرا إذا قدمه وقد خطأه المبرد بهذه الآية، لأنه قدم الظرف ولم يجعله خبرا، انظر المقتضب ٤/ ٩٠، والجواب أن سيبويه لم يمنع إلغاء الظرف إذا تقدم وإنما أجاز أن يكون خبرا وألا يكون خبرا.
[ ١ / ٨٥ ]
والظروف يجوز أن يفصل بها بين "كان" وما عملت فيه لاشتمالها على الأشياء فتقديمها وهي ملغاة بمنزلة تأخيرها، واعلم: أن جميع ما جاز في المبتدأ وخبره من التقديم والتأخير، فهو جائز في "كان" إلا أن يفصل بينها وبين ما عملت فيه بما لم تعمل فيه فإن فصلت بظرف ملغى جاز، فأما ما يجوز فقولك: كان منطلقًا عبد الله، وكان منطلقًا اليوم عبد الله، وكان أخاك صاحبنا، وزيد كان قائمًا غلامه، والزيدان كان قائمًا غلامهما، تريد كان غلامهما قائمًا، وكذلك: أخوات "كان" قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين﴾ ١. وتقول: من كان أخاك إذا كانت "من" مرفوعة، كأنك قلت: أزيد كان أخاك، وتقول: من كان أخوك، إذا كانت "من" منصوبة، كأنك قلت: أزيدًا كان أخوك، وهذا كقولك: من ضرب أخاك؟ ومن ضرب أخوك؟ فما أجزته في المبتدأ والخبر من التقديم والتأخير/ ٧٢ فأجزه فيها، ولكن لا تفصل بينها وبين ما عملت فيه بما لم تعمل فيه، ولا تقل: كانت زيدًا الحمى تأخذ، ولا: كان غلامه زيد يضرب، لا تجز هذا إذا كان "زيد والحمى" اسمين لكان. فإن أضمرت في "كان" الأمر أو الحديث أو القصة وما أشبه ذلك وهو الذي يقال له: المجهول. كان ذلك المضمر اسم "كان" وكانت هذه الجملة خبرها، فعلى ذلك يجوز، كان زيدًا الحمى تأخذ، وعلى هذا أنشدوا:
فَأَصْبَحُوا والنَّوى عَالي مُعَرّسِهم وَلَيَس كُلَّ النّوى يَلقَى المَسَاكِين٢
كأنه قال: وليس الخبر يلقى المساكين كل النوى ولكن هذا المضمر
_________________
(١) ١ الروم: ٤٧. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٣٥، وجـ١/ ٧٣ على الإضمار في ليس لأنها فعل، والدليل على ذلك إيلاؤها المنصوب. وكذلك ذكره بعض النحويين شاهدا على إضمار الشأن والحديث في "ليس" فنصب كل النوى بـ"يلقى" فتخلو الجملة لذلك من ضمير ظاهر، أو مقدر يعود على مرفوع "ليس" لأن ضمير الشأن لا يعود عليه من الجملة المخبر بها عنه ضمير، لأن هذا المخبر عنه هو الخبر في المعنى.. والمعرس: المنزل الذي ينزله المسافر آخر الليل، والتعريش: النزول في ذلك الوقت، يقول: أصبحوا وقد غطى النوى لكثرته على منزلهم، ولا يلقى المساكين أكثر النوى ولكنهم يأكلونه من الجهد والجوع وكان الشاعر معدودا من بخلاء العرب، ونزل به قوم فأطعمهم تمرا. والشاهد: لحميد بن مالك الأرقط. وانظر المقتضب ٤/ ١٠٠، وشرح السيرافي ١/ ٣٥٧، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٠٣، وابن يعيش ٧/ ١٠٤.
[ ١ / ٨٦ ]
لا يظهر وأصحابنا١ يجيزون: غلامه كان زيد يضرب، فينصبون الغلام "بيضرب" ويقدمونه، لأن كلَّ ما جاز أن يتقدم من الأخبار جاز تقديم مفعوله، فلو قلت: غلامه ضرب زيد كان جيدًا٢، فكان هذا بمنزلة: ضرب زيد غلامه.
ولو رفعت الغلام، كان غير جائز، لأنه إضمار قبل الذكر٣ فلا يجوز أن ينوي به/ ٧٣ غيره فإن قال قائل: فأنت إذا نصبت فقد ذكرته قبل الاسم؟ قيل له٤: إذا قدم ومعناه التأخير فإنما تقديره والنية فيه أن يكون مؤخرًا، وإذا كان في موضعه لم يجز أن تعني٥ به غير موضعه، ألا ترى أنك تقول: ضرب غلامه زيد، لأن الغلام في المعنى مؤخرًا، والفاعل على الحقيقة قبل المفعول٦، ولكن لو قلت: ضرب غلامه زيدًا، لم يجز لأن الغلام فاعل وهو في موضعه، فلا يجوز أن تنوي به غير ذلك الموضع٧،
_________________
(١) ١ أي البصريون: قال المبرد: ولو قلت: غلامه كان زيد يضرب، كان جيدا أن تنصب الغلام بـ"يضرب" لأن كل ما جاز أن يتقدم من الأخبار جاز تقديم مفعوله. انظر: المقتضب ٤/ ١٠١. ٢ انظر المقتضب ٤/ ١٠٢. ٣ عاد على متأخر لظفا ورتبة، وهذا غير جائز. ٤ أضيفت "له" لأن المعنى يقتضيها. ٥ أي تنوي به. ٦ عاد على متأخر لفظا لا رتبة، وهذا جائز. ٧ في المقتضب ٤/ ١٠٢ "ولو قلت: ضرب غلامه زيدا" كان محالا: لأن الغلام في موضعه. لا يجوز أن تنوي به غير ذلك الموضع.
[ ١ / ٨٧ ]
وتقول: كان زيد قائمًا أبوه وكان زيد١ منطلقة جارية يحبها، والتقديم والتأخير في الأخبار المجملة بمنزلتها في الأخبار المفردة ما لم تفرقها، تقول: أبوه منطلق كان زيد تريد، كان زيد أبوه منطلق، وقائمة جارية يحبها كان زيد، تريد: كان زيد قائمة جارية يحبها. وفي داره ضرب عمرو خالدًا كان زيد. فإن قلت: كان في داره زيد أبوه، وأنت تريد: كان زيد في داره أبوه، لم يجز؛ لأن الظرف للأب فليس٢ من/ ٧٤ كان في شيء وقد فصلت به بينها وبين خبرها ولو قلت: كان في داره أبوه زيد، صلح لأنك قدمت الخبر بهيئته٣ وعلى جملته فصار مثل قولك: كان منطلقًا زيد، ومثل ذلك: كان زيدًا أخواك يضربان٤، هذا لا يجوز، فإن قدمت: "يضربان زيدًا" جاز، وتجوز هذه المسألة إذا أضمرت في "كان" مجهولًا وتقول: زيد كان منطلقا أبوه، فزيد مبتدأ وما بعده خبر له، وفي "كان" ضمير زيد وهو اسمها، ومنطلقًا أبوه "خبره"، وإن شئت رفعت "أبا" بـ"كان" وجعلت "منطلقا" خبره، وتقول: زيد٥ منطلقًا أبوه كان، تريد: زيد٦ كان منطلقًا أبوه. مثل المسألة التي قبلها.
وقال قوم: أبوه قائم كان "زيد" خطأ لأن ما لا تعمل فيه "كان" لا يتقدم قبل "كان" والقياس ما خبرتك به إذ كان قولك: أبوه قائم في موضع قولك: "منطلقًا" فهو بمنزلته فإذا لم يصح سماع الشيء عن العرب لُجئ فيه إلى القياس، ولا يجيزون أيضًا/٧٥: كان أبوه قائم زيد. وكان أبوه زيد أخوك، وكان أبوه يقوم أخوك. هذا خطأ عندهم لتقديم المكنى على الظاهر. وهذا جائز عندنا لأنك تقدم المكنى على الظاهر في الحقيقة وقد مضى تفسير المكنى: أنه إذا كان في غير
_________________
(١) ١ في "ب" عبد الله بدلا من "زيد". ٢ في "ب" و"ليس". ٣ في "ب" هيئة. ٤ في "ب" يضربانه. ٥ في "ب" وتقول زيدا منطلقا. ٦ في "ب" كان زيد منطلقا أبوه.
[ ١ / ٨٨ ]
موضعه وتقدم جاز تقدمه، لأن النية فيه أن يكون متأخرًا، والذي لا يجوز عندنا أن يكون قد وقع في١ موقعه وفي٢ مرتبته فحينئذ لا يجوز أن ينوى به غير موضعه، ولأصول التقديم والتأخير موضع يذكر فيه إن شاء الله. ولا يحسن عندي أن تقول: "آكلًا كان زيد طعامك" من أجل أنك فرقت بين آكل، وبين٣ ما عمل فيه بعامل آخر، ومع ذلك فيدخل لبس في بعض الكلام، وإنما يحسن٤ مثل هذا في الظروف نحو قولك: راغبًا كان زيد فيك، لاتساعهم٥ في الظروف، وأنهم٦ جعلوا لها فضلًا على غيرها في هذا المعنى، ولا أجيز أيضًا: آكلًا كان زيد أبوه طعامك، أريد٧ به٨: كان زيد آكلا/٧٦ أبوه طعامك، للعلَّة التي ذكرت لك، بل هو ههنا أقبح، لأنك فرقت بين "آكل" وبين ما ارتفع به، وفي تلك المسألة إنما٩ فرقت بينه وبين ما انتصب به، والفاعل ملازم لا بد منه، والمفعول فضلة، وقوم لا يجيزون: كان خلفك أبوه زيد، وهو جائز عندنا وقد مضى تفسيره، ويقولون١٠: لا يتقدم "كان" فعل١١ ماضٍ ولا مستقبل. وما جاز أن يكون خبرًا فالقياس١٢ لا يمنع من تقديمه إذ كانت الأخبار تقدم إلا أني لا أعلمه مسموعًا من العرب. ولا
_________________
(١) ١ في: ساقطة في "ب". ٢ في: ساقطة في "ب". ٣ بين: ساقطة في "ب". ٤ في "ب" حسن. ٥ في "ب" لأنهم اتسعوا. ٦ وأنهم: ساقطة في "ب". ٧ في "ب" تريد. ٨ به: ساقطة في "ب". ٩ في "ب" أيضا بدلا من "إنما". ١٠ ويقولون: ساقطة في "ب". ١١ فعل: ساقط في "ب". ١٢ في "ب" والقياس.
[ ١ / ٨٩ ]
يتقدم خبر "ليس" قبلها١ لأنها لم تصرف تصرف "كان"٢ لأنك لا تقول: منها يفعل ولا فاعل، وقد شبهها بعض العرب بـ"ما"٣ فقال: ليس الطيب إلا المسك، فرفع وهذا قليل، فإذا أدخلت على "ليس" ألف الاستفهام كانت تقريرًا ودخلها معنى الإيجاب فلم يجىء معها أحد لأن أحدًا إنما يجوز مع حقيقة النفي لا تقول: أليس أحد في الدار؛ لأن المعنى يئول إلى قولك: أحد في الدار، وأحد لا يستعمل في الواجب، ولذلك لا يجوز٤ أن تجيء إلا مع التقرير، لا يجوز٥ أن تقول/ ٧٧ فيها، لأن المعنى يئول إلى قولك: زيد إلا فيها وذا لا يكون كلامًا، وقد أدخلوا الباء في خبر "ليس" توكيدًا للنفي تقول: ألست بزيد، ولست بقائم: وقالوا: أليس إنما قمت. ولا يجيء "إنما" إلا مع إدخال الألف كذا حكى وتقول: ليس عبد الله بحسن ولا كريمًا٦، فتعطف "كريمًا" على "بحسن" لأن موضعه نصب، وإنما تدخل الباء هنا تأكيدًا للنفي. وتقول: ليس عبد الله بذاهب ولا خارج عمرو، على أن تجعل عمرًا "مبتدأ" وخارجًا خبره، ولك أن تنصب فتقول: ليس عبد الله بذاهب ولا خارجًا عمرو، على أنه معطوف على خبر "ليس" قبل الباء، ولا يحسن، ليس عبد الله بذاهب ولا خارج زيد، فتجر بالباء ويرتفع زيد بـ"ليس" لا يجوز هذا لأنك قد عطفت بالواو على عاملين وإنما تعطف حروف العطف على عامل واحد ولكن تقول: ليس زيد بخارج ولا ذاهب أَخوه، فتجري "ذاهبًا" على "خارج"
_________________
(١) ١ في "ب" عليها بدلا من قبلها. ٢ مذهب الكوفيين: أنه لا يجوز تقديم خبر "ليس" عليها، بينما ذهب البصريون: إلى أنه يجوز تقديم خبر "ليس" عليها كما يجوز تقديم خبر كان عليها، ولكل من الطرفين حجج مشروحة في الإنصاف جـ١/ ٩٢-٩٣. ٣ أي تغلب عليها الحرفية فهي نافية فقط. ٤ في "ب" لم يجز. ٥ في "ب" فلا. ٦ انظر الكتاب ١/ ٣٣.
[ ١ / ٩٠ ]
وترفع الأخ بـ"ذاهب" لأنه ملبس بـ"زيد" وهو من سببه، فكأنك قلت: ليس زيد بذاهب ولا خارج، ولو حملت "الأخ"/ ٧٨ على "ليس"، لم يجز، من أجل أنك تعطف على عاملين، على "ليس" وهي عاملة وعلى "الباء" وهي عاملة، وقالوا: ما كان عبد الله ليقوم، ولم يكن ليقوم، فأدخلوا اللام مع النفي ولا يجوز هذا في أخوات "كان". ولا تقول: ما كان ليقوم، وهذا يتبع فيه السماع.
واعلم: أن خبر "كان" إذا كنيت عنه جاز أن يكون منفصلًا ومتصلًا، والأصل أن يكون منفصلًا، إذ كان أصله أنه خبر مبتدأ، تقول: كنت إياه، وكان إياي، هذا الوجه، لأن خبرها خبر ابتداء وحقه الانفصال، ويجوز كأنني وكنته كقولك: "ضربني وضربته"، لأنها متصرفة تصرف الفعل، فالأول استحسن للمعنى، والثاني لتقديم اللفظ قال أبو الأسود:
فإنْ لا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فإنَّهُ أَخُوها غَذَتهُ أُمهُ بِلِبَانِهَا١
و"لكان" ثلاثة مواضع:
الأول: التي يكون لها اسم وخبر.
الثاني: أن يكون بمعنى وقع وخلق٢ فتكتفي بالاسم وحده ولا
_________________
(١) ١ استشهد به سيبويه ١/ ٢١، على أن "كان" تجري مجرى الأفعال الحقيقية في عملها فيتصل بها خبرها الضمير اتصال ضمير المفعول بالفعل الحقيقي في نحو: ضربته. وكان أبو الأسود يخاطب به مولى له كان حمل له تجارة إلى الأهواز وكان إذا مضى إليها يتناول شيئا من الشراب فاضطرب أمر البضاعة. واللبان، بكسر اللام، تقول: هو أخوه بلبان أمه، ولا يقال: بلبن أمه. ويريد الشاعر: نبيذ الزبيب، وانظر المقتضب ٣/ ٩٨، وأدب الكاتب/ ٣٢، وشرح السيرافي ١/ ٣٠٧، وإصلاح المنطق/ ٢٩٧ والإنصاف/ ٤٩، وابن يعيش/ ٣/ ١٠٧، وتفسير المسائل المشكلة للفارقي/ ٧٠. ٢ أي: التامة. قال سيبويه: وقد يكون "لكان" موضع آخر يقتصر على الفاعل فيه، تقول: قد كان عبد الله، أي: قد خلق عبد الله وقد كان الأمر، أي: وقع الأمر. انظر الكتاب ١/ ٢١.
[ ١ / ٩١ ]
تحتاج إلى خبر، وذلك قولك: أنا أعرفه مذ كان زيد، أي: مذ خلق، وقد كان الأمر، أي: وقع، وكذلك أمسى/ ٧٦ وأصبح تكون مرة بمنزلة "كان" التي لها خبر ومرة بمنزلة استيقظ ونام فتكون أفعالًا تامة تدل على معان وأزمنة. ولا ينكر أن يكون لفظ واحد لها معنيان وأكثر، فإن ذلك في لغتهم كثير. من ذلك قولهم وجدت عليه من الموجدة١، ووجدت يريدون. وجدان الضالة٢، وهذا أكثر من أن يذكر هنا.
الثالث: أن تكون توكيدًا زائدة نحو قولك: زيد كان منطلق، إنما معناه: زيد منطلق، وجاز الغاؤها لاعتراضها٣ بين المبتدأ والخبر.
ذكر الضرب الثاني: وهو ما ارتفع بالحروف المشبهة بالأفعال. فمن ذلك "ما" وهي تجري مجرى "ليس" في لغة أهل الحجاز، شبهت بها في النفي خاصة لأنها نفي، كما أنها نفي، يقولون: ما عمرو منطلقًا، فإن خرج معنى الكلام إلى الإيجاب لم ينصبوا كقولك: ما زيد إلا منطلق/٨٠ وإن قدموا الخبر على الاسم رفعوا أيضًا فقالوا: "ما منطلق زيد"٤ فتجتمع
_________________
(١) ١ الموجدة: الكرة. ٢ ويكون من وجدت، في معنى علمت وذلك قولك: وجدت زيدا كريما، ومن ذلك أيضا "رأيت" تكون من رؤية العين، وتكون من العلم كقوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّل﴾ . وقال الشاعر خداش بن زهير: رأيت الله أكبر كل شيء محافظة وأكثرهم جنودا ٣ في "ب" باعتراضها. ٤ اشترط سيبويه لعمل ما الحجازية شروطا، منها: أن لا يتقدم خبرها على اسمها، وذلك لأنها فرع على ليس فلا تقوى قوة الفعل ولم تتصرف تصرفه، وأن لا ينتقض نفيها بإلا، فإن انتقض بطل عملها كبطلان معنى "ليس" فلذلك ارتفع قولك: ما زيد إلا منطلق، واستوت فيه اللغتان ومن ذلك قوله ﷿: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ وذلك أن عملها إنما كان لأجل النفي الذي به شابهت "ليس" فكيف تعمل مع زوال المشابهة، وأن لا يبدل من خبرها موجب، فإن أبدل بطل عملها نحو: ما أنت إلا شيء لا يعبأ به. وأن لا يقترن اسمها "بأن" الزائدة نحو: ما أن زيد ذاهب وقول الشاعر: وما أن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا انظر الكتاب ١/ ٢٩، ٣٦٢، ٤٧٥.
[ ١ / ٩٢ ]
اللغة الحجازية والتميمية فيهما معًا، لأن بني تميم لا يعملونها في شيء ويدعون الكلام على ما كان عليه قبل النفي، يعني الابتداء فإذا قلت: ما يقوم زيد فنفيت ما في الحال حسن. فإن قلت: ما يقوم زيد١ غدًا كان أقبح، لأن هذا الموضع خصت٢ به "لا"٣ يعني نفي المستقبل. ولو قلت: "ما قام زيد" كان حسنًا كأنه قال: "قام" فقلت أنت٥: ما قام، فإن٦ أخرت فقلت: ما زيد قام أو يقوم، كان حسنًا أيضًا، وتقول: ما زيد بقائم فتدخل الباء كما أدخلتها في خبر "ليس" فيكون موضع "بقائم" نصبًا، فإن قدمت الخبر لم يجز لا تقول: ما بقائم زيد، من أجل أن خبرها إذا كان منصوبًا لم يتقدم، والمجرور كالمنصوب، ولو قلت: ما زيد بذاهب ولا بخارج أخوه: وأنت تريد أن تحمل "الأخ" على ما لم يكن كلامًا لأن "ما" لا تعمل في الاسم إذا قدم خبره، وتقول: ما كل يوم مقيم فيه زيد ذاهب فيه عمرو منطلقًا فيه خالد تجعل "مقيمًا"/ ٨١ صفةً "ليوم" وذاهب فيه٧ صفة "لكل" و"منطلقًا" موضع الخبر، هذا على لغة أهل الحجاز، وتقول: ما كل ليلة مقيمًا فيها زيد، وإذا قلت: ما طعامك زيد آكل، وما فيك زيد راغب ترفع الخبر لا غير، من أجل تقديم مفعوله، فقد قدمته في التقدير لأن مرتبة٨ العامل قبل المعمول فيه، ملفوظًا به أو مقدرًا، وقوم
_________________
(١) ١ زيد: ساقطة في "ب". ٢ في "ب" يكون. ٣ في "ب" للا. ٤ زيد: ساقطة في "ب". ٥ أنت: ساقطة في "ب". ٦ في "ب" وإن. ٧ فيه: ساقطة في "ب". ٨ مرتبة: ساقطة في "ب".
[ ١ / ٩٣ ]
يجيزون إدخال الباء في هذه المسألة فيقولون: ما طعامك زيد بآكل، وما فيك زيد براغب. إلا أنهم يرفعون الخبر إذا لم تدخل الباء، ولا يجيزون نصب الخبر في هذه المسألة.
وتقول: ما زيد قائمًا، بل قاعد١ لا غير لأن النفي نصبه، ومن أجل النفي شبهت "ما" بليس فلا يكون بعد التحقيق إلا رفعًا، وتقول زيد ما قام، وزيد ما يقوم، ولا يجوز: زيد ما قائمًا ولا زيد ما قائم، ولا زيد ما خلفك حتى تقول: ما هو قائمًا، وهو خلفك لأن "ما" حقها أن يستأنف بها ولا يجوز أن تضمر فيها إذ كانت حرفًا ليس بفعل وإنما يضمر في الأفعال/٨٢ ولا يجوز: طعامك ما زيد آكل أبوه، على ما فسرت لك، وقد حكي عن بعض من تقدم من الكوفيين إجازته، ويجوز إدخال من على الاسم الذي بعدها إذا كان نكرةً تقول: ما من أحد في الدار، وما من رجل فيها. ويجوز أن تقول: ما من رجل غيرك وغيرك بالرفع والجر، ويكون موضع رجل رفعا قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ ٢ وغيره على المعنى وعلى اللفظ. وإنما تدخل "من" في هذا الموضع لتدل على أنه قد نفى كل رجل وكل أحد. ولو قلت: ما رجل في الدار لجاز أن يكون فيها رجلان وأكثر، وإذا قلت: ما من رجل في الدار، لم يجز أن يكون فيها أحد البتة. وقال الأخفش٣: إن شئت قلت -وهو رديء: ما
_________________
(١) ١ تعرب "قاعد" خبرا لمبتدأ محذوف تقديره: هو قاعد. ٢ الأعراف: ٥٩. وهود: ٥٠. وقد قرئ في السبعة جميعها برفع الراء وضم الهاء من "غيره" كما قرئ بكسر الراء والهاء، انظر النشر ٢/ ٢٧٠. والإتحاف/ ٢٢٦، غيث النفع/ ١٠٤. ٣ الأخفش: هو الأخفش الأوسط: أخذ النحو عن سيبويه، وكان معتزليا حاذقا في الجدل. قال المبرد: كان الأخفش أكبر سنا من سيبويه. وكانا جميعا يطلبان، قال: فجاء الأخفش يناظره، بعد أن برع، فقال له الأخفش: إنما ناظرتك لأستفيد لا لغيره، فقال سيبويه: أتراني أشك في هذا؟ ومات سنة ٢١٠هـ ترجمته في أخبار النحويين البصريين/ ٣٨، وطبقات الزبيدي/ ٧٤، وإنباه الرواة ٢/ ٣٦، ونزهة الألباء/ ١٨٥.
[ ١ / ٩٤ ]
ذاهبا إلا أخوك١، وما ذاهبا إلا جاريتك تريد: ما أحد ذاهبًا، وهذا رديء لا يحذف "أحد" وما أشبهه حتى يكون معه كلام نحو: ما منهما مات حتى رأيته يفعل كذا وكذا، و"مات" في موضع نصب على مفعول "ما" في لغة أهل الحجاز/ ٨٣ وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِه﴾ ٢. والمعنى: ما من أهل الكتاب أحد، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ٣. أي: وإن أحد منكم، ومعنى: "إن" معنى: "ما" فقد بان أن في "ما" ثلاث لغات: ما زيد قائمًا وما زيد بقائم وما زيد قائم، والقرآن جاء بالنصب٤ وبالباء ومما شبه من الحروف بـ"ليس" "لات" شبهها بها أهل الحجاز وذلك مع الحين خاصة، قال الله تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاص﴾ ٥ قال سيبويه٦: تضمر فيها مرفوعًا، قال: نظير "لات" في أنه لا يكون إلا مضمرًا فيها "ليس" و"لا يكون" في الاستثناء إذا قلت: أتوني ليس زيدًا، ولا يكون
_________________
(١) ١ في "ب" أخواك. ٢ النساء: ١٥٩، قال الزمخشري في الكشاف جـ١/ ٣١٢، جملة "ليؤمن به" جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره: "وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمن به". والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى، وبأنه عبد الله ورسوله. وفي البحر المحيط ٣/ ٣٩٢: قال الزجاج: وحذف أحد لأنه مطلوب في كل نفي. يدخله الاستثناء نحو: ما قام إلا زيد معناه: ما قام أحد إلا زيد. وقال: قال أبو حيان مشيرا إلى كلام الزمخشري: وهو غلط فاحش، صفة "أحد" الجار والمجرور، وهو من أهل الكتاب. وجملة "ليؤمنن به" جواب القسم المحذوف، القسم وجوابه في موضع رفع خبر المبتدأ الذي هو "أحد" المحذوف، وانظر المغني ١/ ١٦٦. ٣ مريم: ٧١. ٤ من ذلك قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ . ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ . ٥ ك ص: ٣. ٦ سيبويه: هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر إمام البصريين في النحو غير منازع، أصله من فارس. ونشأ بالبصرة، وكان في لسانه حبسة، أخذ النحو عن أعلم العلماء العربية الخليل بن أحمد الفراهيدي، وعيسى بن عمرو، ويونس بن حبيب، وكتابه أعظم كتب النحو منذ دون للآن. قيل: مات بشيراز سنة ١٨٠هـ عن ٣٢ سنة. وقيلت أقوال كثيرة غير ذلك. وقد ذكر السيرافي نسبه بالتفصيل: انظر شرح الكتاب جـ١/ ٣٠٨ وأخبار النحويين/ ٣٧.
[ ١ / ٩٥ ]
بشرًا، قال: وليست لات كـ"ليس" في المخاطبة والإِخبار عن غائب، تقول: لست وليسوا. وعبد الله ليس منطلقًا، ولا تقول: عبد الله لات منطلقًا، ولا قومك لاتوا منطلقين. قال: وزعموا: أن بعضهم قرأ: ولات حين مناص وهو عيسى١ بن عمر وهي قليلة كما قال بعضهم في قول سعيد بن مالك:
مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرانِهَا فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لا بَراحُ٢
فجعلها بمنزلة "ليس"٣ قال: و"لات" بمنزلة "لا" في هذا الموضع في/ ٨٤ في الرفع ولا يجاوز بها الحين٤ يعني: إذا رفعت ما بعدها تشبيهًا "بليس" فلم يجاوز بها الحين أيضًا وأنها لا تعمل إلا في "الحين" رفعت أو
_________________
(١) ١ عيسى بن عمر: مولى خالد بن الوليد المخزومي إمام النحو في عصره، وله فيه كتابان: الجامع والإكمال وفيهما يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: بطل النحو جميعا كله غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع فهما للناس شمس وقمر توفي سنة ١٤٩هـ ترجمته في طبقات الزبيدي رقم ١٢، والإرشاد لياقوت جـ١/ ١٠٠، ونزهة الألباء/ ٢٥، وأخبار النحويين للسيرافي/ ٢٥. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٢٨، على إجراء "لا" مجرى ليس في بعض اللغات كما أجريت "ما" مجراها في لغة أهل الحجاز. ٣ وقوله: ابن قيس: أي: قيس بن ثعلبة الحصن المعروفة بشجاعتها والبراح، مصدر: برح براحا إذا زال من مكانه. وانظر: الكتاب ١/ ٣٥٤. والمقتضب ٤/ ٣٦. وشرح السيرافي ٣/ ٦٢. والتمام في تفسير أشعار هذيل/ ٥٤. وشرح الحماسة ٢/ ٧٣. والإنصاف/ ٣٦٧. وابن يعيش ١/ ١٠٨. وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٨٢. والمغني ١/ ٢٦٤. والخزانة ١/ ٢٢٣. والعيني ٢/ ٦٠. والأشباه والنظائر ٤/ ٦٠. والسيوطي ٢٠٨، والتصريح ١/ ١٩٩، والأشموني ١/ ٤٢٢. ٤ انظر الكتاب جـ١/ ٢٨.
[ ١ / ٩٦ ]
نصبت. وقال الأخفش الصغير١ أبو الحسن سعيد بن مسعدة: إنها لا تعمل في القياس٢ شيئًا.
قال أبو بكر: والذي قال سيبويه: أنه يضمر في "لات" إن كان يريد أن يضمر فيها كما يضمر في الأفعال فلا يجوز لأنها حرف من الحروف والحروف لا يضمر فيها، وإن كان يريد أنه حذف الاسم بعدها وأضمره المتكلم كما فعل في قوله في "ما" ما منهما مات أراد "أحدًا"٣ فحذف وهو يريده فجائز. وقوم يدخلون في باب "كان" عودة الفعل كقولك: لأن ضربته لتضربنه السيد الشريف وقولك: عهدي بزيد قائمًا، وهذا يذكر مع المحذوف والمحذوفات، ومما شبه أيضًا بالفاعل في اللفظ أخبار الحروف التي تدخل على المبتدأ وخبره فتنصب الاسم وترفع الخبر وهي إن وأخواتها، وسنذكرها مع ما ينصب، وهذه الحروف/٨٥ أعني "إن واخواتها" خولف بين عملها وبين عمل الفعل بأن قدم فيها المنصوب على المرفوع. وإنما أعملوا "ما" على "ليس" لأن معناها معنى "ليس" لأنها نفي كما أنها نفي ومع ذلك فليس كل العرب يعملها عمل "ليس" إنما روي ذلك عن أهل الحجاز، وكان حق "ما" أن لا تعمل شيئًا إذ كانت تدخل على الأسماء والأفعال ورأيناهم٤ إنما أعملوا من الحروف في الأسماء ما لا يدخل على الأفعال وأعملوا منها في الأفعال ما لا يدخل على الأسماء. فأما ما يدخل على الأسماء والأفعال منها فألغوه من العمل٥، وقد بين هذا فيما مضى، وإذ قد ذكرنا ما يرتفع من الأسماء فكان
_________________
(١) ١ الأخفش الصغير عندنا في الوقت الحالي، هو أبو الحسن علي بن سليمان، وكان قد قرأ على ثعلب والمبرد، مات سنة ٣١٥هـ، وهو من معاصري ابن السراج، فربما أراد المؤلف: أنه صغير عنده بالنسبة للأخفش الكبير أبي الخطاب، وفي نسخة "ب" لم يذكر "الصغير" فقد يكون الناسخ أضاف هذه الكلمة. ٢ القياس: ساقطة في "ب". ٣ في الأصل "أحدا" بالرفع. ٤ في "ب" ولم نرهم. ٥ العمل: ساقطة في "ب".
[ ١ / ٩٧ ]
ما يرتفع منها بأنه مبتدأ وخبر، مبتدأ، معنيان فقط، لا يتشعب منهما فنون كما عرض في الفعل أن منه متصرفًا أو غير متصرف، ومنه أسماء شبهت بالفعل، وقد ذكرنا الفعل المتصرف فلنذكر الفعل الذي هو غير متصرف، ثم نتبعه بالأسماء إن شاء الله.
[ ١ / ٩٨ ]
ذكر الفعل الذي لا يتصرف
شرح التعجب
ذكر الفعل الذي لا يتصرف:
اعلم: أن كل فعل لزم بناء واحدًا فهو غير متصرف وقد ذكرت أن التصرف أن يقال فيه، فعل يفعل ويدخله/ ٨٦ تصاريف الفعل، وغير المتصرف ما لم يكن كذلك، فمن الأفعال التي لم تتصرف ولزمت بناءً واحدًا فعل التعجب نحو: ما أحسن زيدًا وأكرم بعمرو، والفعلان المبنيان للحمد والذم، وهما نعم وبئس. فهذه الأفعال وما جرى مجراها لا تتصرف ولا يدخلها حروف المضارعة ولا يبني منها اسم فاعل.
شرح التعجب:
فعل التعجب على ضربين، وهو منقول١ من بنات الثلاثة، إما إلى أفعل ويبنى٢ على الفتح لأنه ماض وإما إلى أفعل٣ به ويبنى٤ على الوقف، لأنه على لفظ الأمر٥.
فأما٦ الضرب الأول: وهو أفعل يا هذا، فلا بد من أن تلزمه "ما" تقول: ما أحسن زيدًا وما أجمل خالدًا، وإنما لزم فعل التعجب لفظًا واحدًا
_________________
(١) ١ من: ساقطة في "ب". ٢ في "ب" مبنى. ٣ به: ساقطة في "ب". ٤ في "ب" مبنى. ٥ في "ب" لأن لفظه لفظ. ٦ في "ب" وأما.
[ ١ / ٩٨ ]
ولم يصرف ليدل على التعجب ولولا ذلك لكان كسائر الأخبار لأنه خبر ويدل على أنه خبر أنه يجوز لك أن تقول فيه صدق أو كذب، فإذا قلت: ما أحسن زيدًا فـ"ما" اسم مبتدأ وأحسن خبره وفيه ضمير الفاعل، وزيد مفعول به و"ما" هنا اسم تام/٨٧ غير موصول فكأنك قلت: شيء حسن زيدًا ولم تصف أن الذي حسنه شيء بعينه فلذلك لزمها أن تكون مبهمة غير مخصوصة كما قالوا: شيء جاءك أي: ما جاءك إلا شيء وكذلك: شر أهر ذا ناب، أي: ما أهره إلا شر، ونظير ذلك، إني مما أن أفعل، يريد: أني من الأمر أن أفعل، فلما كان الأمر مجهولًا جعلت "ما" بغير صلة ولو وصلت لصار الاسم معلومًا، وإنما لزمه الفعل الماضي وحده، لأن التعجب إنما يكون مما وقع وثبت ليس مما يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون، وإنما جاء هذا الفعل على "أفعل" نحو: أحسن وأجمل؛ لأن فعل التعجب إنما يكون مفعولًا من بنات الثلاثة فقط نحو: ضرب وعلم ومكث: لا يجوز غير ذلك نحو: ضرب زيد ثم تقول: ما أضربه، وعلم ثم تقول: ما أعلمه، ومكث ثم تقول: ما أمكثه، فتنقله من فَعَلَ أو فَعِلَ أو فَعُلَ إلى "أفعل يا هذا"١ كما كنت تفعل هذا٢ في غير التعجب، ألا ترى أنك تقول: حسن زيد، فإذا أخبرت أن فاعلًا فعل ذلك٣ به قلت: حسن٤ الله/ ٨٨ زيدًا فصار الفاعل مفعولًا، وقد بينت لك كيف ينقل "فعَل" إلى "فعِل" فيما مضى وإذا قلت: ما أحسن زيدًا، كان الأصل، حسن زيد ثم نقلناه، إلى "فُعل" فقلنا: شيء أحسن زيدًا وجعلنا "ما" موضع شيء ولزم لفظًا واحدًا ليدل على التعجب كما يفعل ذلك في الأمثال.
فإن قال قائل فقد قالوا: ما أعطاه وهو من "أعطى يعطي" وما أولاه
_________________
(١) ١ يا هذا: ساقطة في "ب". ٢ في "ب" ذلك. ٣ ذلك: ساقطة في "ب". ٤ في "ب" أحسن.
[ ١ / ٩٩ ]
بالخير؟ قيل: هذا على حذف الزوائد١، لأن الأصل عطا يعطو إذا تناول وأعطى غيره إذا ناوله، وكذلك ولي وأولى غيره وقال الأخفش٢: إذا قلت: ما أحسن زيدًا فـ"ما": في موضع الذي، وأحسن: زيدًا صلتها والخبر محذوف واحتج من يقول هذا القول بقولك: حسبك؛ لأن فيه معنى النهي ولم يؤت له بخبر، وقد طعن٣ على هذا القول: بأن الأخبار إنما تحذف إذا كان في الكلام ما يدل عليها، وهذا الباب عندي يضارع باب "كان وأخواتها" من جهة أن الفاعل فيه ليس هو شيئًا غير المفعول ولهذا ذكره سيبويه٤ /٨٩ بجانب باب "كان وأخواتها" إذ كان "باب كان"الفاعل فيه هو المفعول٥.
فإن قال قائل: فما بال هذه الأفعال تصغر نحو: ما أُميلحه وأُحيسنه، والفعل لا يصغر؟ فالجواب في ذلك: أن هذه الأفعال لما لزمت موضعًا واحدًا ولم تتصرف ضارعت الأسماء التي لا تزول إلى "يفعل"٦ وغيره من الأمثلة فصغرت كما تصغر، ونظير ذلك: دخول ألفات الوصل في الأسماء نحو: ابن واسم وامرئ، وما أشبهه، لما دخلها النقص الذي لا يوجد إلا في الأفعال، والأفعال٧ مخصوصة به فدخلت عليها ألفات الوصل لهذا السبب فأسكنت أوائلها للنقص وهذه الأسماء المنقوصة تعرفها إذا ذكرنا التصريف إن شاء الله.
_________________
(١) ١ في "ب" الزائد. ٢ مرت ترجمته ص/١١٠. ٣ ذكر المبرد ٤/ ١٧٧ وقد قال قوم: أن "أحسن" صلة "ما" والخبر محذوف، قال: وليس كما قالوا: وذلك أن الأخبار إنما تحذف إذا كان في الكلام ما يدل عليها، إنما هربوا من أن تكون "ما" وحدها اسما فتقديرهم: الذي حسن زيدا شيء. والقول فيها ما بدأنا به من أنها تجري بغير صلة لمضارعتها الاستفهام والجزاء في الإبهام. ٤ مرت ترجمته ص/ ٨٣. ٥ انظر الكتاب ١/ ٣٥، ٣٦، ٣٧. ٦ في "ب" الفعل. ٧ في "ب" هي بدلا من الأفعال.
[ ١ / ١٠٠ ]
وقولك: ما أحسنني١، يعلمك أنه فعل، ولو كان اسمًا لكان ما أحسنني مثل ضاربي، ألا ترى أنك لا تقول: ضاربني.
والضرب الثاني: من التعجب: يا زيد أكرم بعمروٍ، ويا هند أكرم بعمروٍ، ويا رجلان أكرم بعمرو، ويا هندان أكرم بعمرو، وكذلك جماعة/ ٩٠ الرجال والنساء قال الله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِر﴾ ٢.
وإنما المعنى: ما أسمعهم وأبصرهم٣. وما أكرمه٤، ولست٥ تأمرهم أن يصنعوا به شيئًا فتثنيّ وتجمع وتؤنث، وأفعل هو "فَعَلَ" لفظه لفظ الأمر في قطع ألفه وإسكان آخره، ومعناه إذا قلت: أكرم بزيد، وأحسن بزيد كرم زيد جدًّا، وحسن زيد جدًّا.
فقوله: بعمرو في موضع رفع كما قالوا: كفى بالله٦ والمعنى: كفى الله، لأنه لا فعل إلا بفاعل، وزيد فاعله إذا قلت: أكرم بزيد، لأن زيدًا هو الذي كرم، وإنما لزمت الباء هنا الفاعل٧ لمعنى التعجب، وليخالف لفظه لفظ سائر٨ الأخبار، فإن قال قائل: كيف صار هنا فاعلًا وهو في قولك: ما
_________________
(١) ١ يشير إلى دخول نون الوقاية، وهذا مذهب البصريين، أما الكوفيون فيذهبون إلى أن "أفعل" في التعجب اسم، وأنه جامد لا يتصرف، ولو كان فعلا لوجب أن يتصرف؛ لأن التصرف من خصائص الأفعال، فلما لم يتصرف وكان جامدًا وجب أن يلحق بالأسماء. وقد ورد هذا ابن الأنباري وفنده. انظر: الإنصاف ١/ ٧٩. ٢ مريم: ٣٨. ٣ لأنه لا يقال الله ﷿، تعجب، ولكنه خرج على كلام العباد، أي: إن هؤلاء ممن يجب أن يقال لهم: ما أسمعهم وأبصرهم في ذلك الوقت. ٤ ما أكرمه: ساقطة في "ب" أي: إن المعنى: ما أحسنه. وانظر ابن يعيش ٧/ ١٤٨. ٥ في "ب" وليس. ٦ أي: إن لفظ الجلالة مجرور لفظا مرفوع محلا على الفاعلية. ٧ هنا الفاعل: ساقط في "ب". ٨ سائر: ساقط في "ب".
[ ١ / ١٠١ ]
أكرم زيدًا مفعول؟ قلنا: قد بينا أن الفاعل في هذا الباب ليس هو شيئًا غير المفعول، ألا ترى أنك لو قلت: ما أحسن زيدًا، فقيل لك فسره وأوضح معناه وتقديره. قلت على ما قلناه: شيء حَسن زيدًا، وذلك الشيء الذي حسن زيدًا ليس هو شيئًا١ غير زيد، لأن الحسن لو حل في غيره لم يحسن هو به/٩١ فكأن ذلك الشيء مثلًا وجهه أو عينه، وإنما مثلت لك بوجهه٢ وعينه تمثيلًا ولا يجوز التخصيص في هذا الباب، لأنك لو خصصت شيئًا لزال التعجب، لأنه إنما يراد به أن شيئًا قد فعل فيه هذا وخالطه، لا يمكن تحديده ولا يعلم تلخيصه.
والتعجب كله إنما هو مما لا يعرف سببه فأما ما عرف سببه فليس من شأن الناس أن يتعجبوا منه فكلما أبهم السبب كان أفخم، وفي٣ النفوس أعظم٤.
واعلم: أن الأفعال التي لا يجوز أن تستعمل في التعجب على ضربين.
الضرب الأول: الأفعال المشتقة من الألوان والعيوب.
الضرب الآخر: ما زاد من الفعل على ثلاثة أحرف، وسواء كانت الزيادة على الثلاثة أصلًا أو غير أصل. فأما٥ الألوان والعيوب، فنحو: الأحمر والأصفر والأعور والأحول، وما أشبه ذلك، لا تقول فيه: ما أحمره ولا ما أعوره قال الخليل٦ ﵀: وذلك أنه ما كان من هذا لونًا أو عيبًا فقد
_________________
(١) ١ في الأصل: "شيء": بالرفع وهو خطأ. ٢ في "ب" وجهه. ٣ في "ب" في بسقوط الواو. ٤ في "ب" وأعظم بزيادة واو. ٥ في "ب" أما. ٦ الخليل: أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، كان الغاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس فيه، أول من نهج مسالك جديدة في علم العربية تلميذ أبي عمرو بن العلاء، مات سنة: ١٧٤هـ، وقيل: ١٧٠هـ أو ١٦٠هـ، وهو مبتكر علم العروض، ترجمته في: أخبار النحويين ٥٣٠/ وإرشاد الأريب لياقوت /جـ٦/ ٢٢٣، ونزهة الألباء/ ٥٤، طبقات الزبيدي رقم ١٥ وبغية الوعاة/ ١٤٣.
[ ١ / ١٠٢ ]
ضارع الأسماء وصار خلقة كاليد والرجل والرأس، ونحو ذلك، فلا تقل فيه: ما أفعله كما لم تقل ما أيداه، وما أرجله، إنما تقول: ما أشد يده، وما أشد رجله١، وقد اعتل النحويون بعلة أخرى فقالوا: إن الفعل منه على أفعل وإفعال٢ نحو: أحمر وإحمار، وأعور وإعوار، وأحول وإحوال، فإن قال قائل: فأنت تقول: قد عورت عينه وحولت: فقل على هذا: ما أعوره وما أحوله، فإن٣ ذلك غير جائز لأن هذا منقول من "أفعل" والدليل على ذلك صحة الواو والياء إذا قلت: عورت عينه وحولت، ولو كان غير منقول لكان: حالت وعارت، وهذا يبين٤ في بابه إن شاء الله.
وأما الضرب الثاني: وهو ما زاد من الفعل على ثلاثة أحرف نحو: دحرج وضارب واستخرج وانطلق واغدودن، اغدودن الشعر: إذا تم وطال، وافتقر وكل ما لم أذكره مما جاوز الثلاثة، فهذا حكمه، وإنما جاز: ما أعطاه وأولاه على حذف الزوائد وأنك رددته إلى الثلاثة. فإن قلت في افتقر: ما أفقره فحذفت الزوائد ورددته إلى "فقر" جاز وكذلك كل ما/ ٩٣ كان مثله
_________________
(١) ١ انظر الكتاب جـ٢/ ٢٥١. ٢ قال المبرد: ودخول الهمزة على هذا محال انظر المقتضب ٤/ ١٨١ وقال في مكان آخر: واعلم: أن بناء فعل التعجب إنما يكون من بنات الثلاثة، نحو ضرب وعلم ومكث: المقتضب ١/ ١٧٨. وقوله: دخول الهمزة على هذا محال مما يقطع بأن المبرد لا يجيز بناء التعجب على ما أفعله وأفعل به من الصيغ التي جاوزت حروفها ثلاثة ولو كانت فيها زيادة. أما ابن السراج: فلم يرفضه أو يقبله فلعله التمس وجها للمسموع من نحو: ما أعطاه للدراهم وأولاه بالمعروف، أو على حذف الزوائد. ٣ في "ب" كان. ٤ في "ب" مبين.
[ ١ / ١٠٣ ]
مما جاء اسم الفاعل منه١ على "فعيل" ألا ترى أنك تقول: رجل فقير وإنما جئت به على "فقر" كما تقول: كرم، فهو كريم، وظرف فهو ظريف، ولكن تقول إذا أردت التعجب في هذه الأفعال الزائدة على ثلاثة أحرف كلها، ما أشد دحرجته وما أشد استخراجه وما أقبح افتقاره ونحو ذلك.
واعلم: أن كل ما قلت فيه: ما أفعله، قلت فيه: أفعل به، وهذا أفعل من هذا، وما لم تقل فيه: ما أفعله، لم تقل فيه: هذا أفعل من هذا، ولا: أفعل به، تقول: زيد أفضل من عمرو وأفضل بزيد، كما تقول: ما أفضله. وتقول: ما أشد حمرته وما أحسن بياضه وتقول على هذا: أشدد ببياض زيد، وزيد أشد بياضًا من فلان، هذا٢ كله مجراه واحد، لأن معناه المبالغة والتفضيل، وقد أنشد بعض الناس:
يَا لَيْتَني مِثْلُك في البَيَاضِ أبيضَ مِن أخت بني إبَاضِ٣
_________________
(١) ١ في "ب" فيه بدلا منه. ٢ في "ب" و"هذا" بزيادة الواو. ٣ يستشهد بهذا البيت: على أن الكوفيين أجازوا بناء "أفعل التفضيل" من لفظي السواد والبياض، وهو شاذ عند البصريين. وينسب هذا الرجز لرؤبة لأن له أرجوزة على هذا النحو، والغالب أن هذا منها، وهناك روايات، رواه ابن يعيش في شرح المفصل: جارية في درعها الفضفاض أبيض من أخت بني إباض ورواه ابن هشام في المغني: جارية في رمضان الماضي تقطع الحديث بالإيماض ومنه هذا البيت: يا ليتني مثلك في البياض أبيض من أخت بني إباض ويروى كذلك: لقد أتى في رمضان الماضي جارية في درعها الفضفاض تقطع الحديث بالإيماض أبيض من أخت بني إباض وانظر التمام في تفسير أشعار هذيل/ ٩٥، والمغني/ ٨٧، وأمالي السيد المرتضى ١/٦٣، وابن يعيش ٦/ ٩٣، والخزانة ٣/ ٤٨١.
[ ١ / ١٠٤ ]
قال أبو العباس١: هذا٢ معمول على فساد وليس البيت الشاذ والكلام المحفوظ بأدنى إسناد حجة على/ ٩٤ الأصل المجمع عليه في كلام ولا نحو، ولا فقه، وإنما يركن إلى هذا ضعفة أهل النحو٣، ومن لا حجة معه، وتأويل هذا وما أشبهه في الإِعراب كتأويل ضعفة أصحاب الحديث وأتباع القصاص في الفقه. فإن قال قائل فقد جاء في القرآن: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ٤. قيل: له في هذا جوابان:
أحدهما: أن يكون من عمى القلب، وإليه ينسب أكثر الضلال٥. فعلى هذا تقول: ما أعماه كما تقول: ما أحمقه.
الوجه الآخر: أن يكون من عمى العين. فيكون قوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ لا يراد به: أنه أعمى من كذا وكذا، ولكنه فيها أعمى كما كان في الدنيا أعمى وهو في الآخرة أضل سبيلا٦. وكل فعل مزيد لا يتعب منه، نحو قولك: ما أموته لمن مات، إلا أن تريد: ما أموت قلبه، فذلك جائزٌ.
_________________
(١) ١ أي: محمد بن يزيد، المبرد، وهذا النص موجود في الاقتراح للسيوطي/ ٢٩. ٢ في "ب" وهذا بواو. ٣ يريد بضعفه أهل النحو الكوفيين. ٤ الإسراء: ٧٢. ٥ انظر المقتضب للمبرد ٤/ ١٨٢، لأنه حقيقته، كما قال: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فعلى هذا تقول: ما أعماه كما تقول: ما أحمقه. ٦ انظر البحر المحيط ٦/ ٦٣-٦٤.
[ ١ / ١٠٥ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: ما أحسن وأجمل زيدًا إن نصبت "زيدًا" بـ"أجمل"، فإن نصبته
[ ١ / ١٠٥ ]
بـ"أحسن" قلت: ما أحسن وأجمله زيدًا، تريد: ما أحسن زيدا وأجمله. وعلى هذا مذهب/٩٥ إعمال الفعل الأول١، وكذلك: ما أحسن وأجملهما أخويك، وما أحسن وأجملهم أخوتك، فهذا يبين لك أن أحسن وأجمل وما أشبه ذلك أفعال. وتقول: ما أحسن ما كان زيد، فالرفع الوجه، و"ما" الثانية في موضع نصب بالتعجب وتقدير ذلك ما أحسن كون زيد. تكون "ما" مع الفعل مصدرًا إذا وصلت به كما تقول: ما أحسن ما صنع زيد، أي: ما أحسن صنيع زيد و"صنع زيد" من صلة "ما" وتقول: ما كان أحسن زيدا، وما كان أظرف أباك، فتدخل "كان" ليعلم: أن ذلك وقع فيما مضى، كما تقول: من كان ضرب زيدًا، تريد: من ضرب زيدًا "ومن كان يكلمك" تريد: من يكلمك. "فكان" تدخل في هذه المواضع، وإن أُلغيت٢ في الإِعراب لمعناها في المستقبل والماضي من عبارة الأفعال.
وقد أجاز قوم من النحويين: ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفاها، واحتجوا بأن: "أصبح وأمسى" من باب "كان" فهذا /٩٦ عندي: غير جائز، ويفسد تشبيههم ما ظنوه: أن أمسى وأصبح أزمنة مؤقتة و"كان"٣ ليست مؤقتة، ولو جاز هذا في أصبح وأمسى لأنهما من باب "كان" لجاز ذلك٤ في "أضحى" و"صار" و"ما زال" ولو قلت: ما أحسن عندك زيدًا وما أجمل اليوم عبد الله لقبح٥؛ لأن هذا٦ الفعل لما لم يتصرف ولزم طريقة واحدة صار
_________________
(١) ١ معنى هذا: يتنازع فعلا التعجب خلافا لبعضهم نظرا إلى قلة تصرف فعل التعجب. أما على إعمال الثاني وحذف مفعول الأول فنحو: ما أحسن وما أكرم زيدا.. فابن السراج لم يشترط إعمال الثاني وأجاز إعمال الأول فقط. ٢ هذا أحد المواضع الذي تزاد فيه "كان" فلا تعمل شيئا. ٣ في "ب" "كان" ساقطة. ٣ ذلك: ساقطة. في "ب". ٥ في "ب" "لم يجز". ٦ زيادة من "ب".
[ ١ / ١٠٦ ]
حكمه حكم١ الأسماء فيصغر تصغير الأسماء، ويصحح المعتل منه تصحيح الأسماء، تقول: ما أقوم زيدًا وما أبيعه، شبهوه بالأسماء، ألا ترى أنك تقول في الفعل: أقام عبد الله زيدًا، فإن كان اسمًا قلت: هذا أقوم من هذا. وتقول: ما أحسن ما كان زيدٌ وأجمله، وما أحسن ما كانت هند وأجمله، لأن المعنى ما أحسن كون هندٍ وأجمله، فالهاء للكون، ولو قلت: وأجملها، لجاز على أن تجعل ذلك لها. وإذا قلت: ما أحسن زيدًا فرددت الفعل إلى "نفسك" قلت: ما أحسنني؛ لأن "أحسن" فعل٢. وظهر المفعول بعده بالنون والياء، ولا يجوز: ما أحسن رجلًا؛ لأنه /٩٧ لا فائدة فيه، ولو قلت: ما أحسن زيدًا ورجلًا معه جاز، ولولا قولك: "معه" لم يكن في الكلام فائدة، وتقول: ما أقبح بالرجل أن يفعل كذا وكذا. فالرجل شائع وليس التعجب منه. إنما٣ التعجب من قولك٤: أن يفعل كذا وكذا. ولو قلت: ما أحسن رجلًا إذا طلب ما عنده أعطاه، كان هذا الكلام جائزًا، ولكن التعجب وقع على رجل، وإنما تريد التعجب من فعله. وإنما جاز ذلك لأن فعله به كان وهو المحمود عليه في الحقيقة والمذموم، وإذا قلت: ما أكثر هبتك الدنانير وإطعامك للمساكين، لكان حق هذا التعجب٥ أن يكون قد وقع من الفعل٦ والمفعول به؛ لأن فعل التعجب للكثرة والتعظيم فإن أردت: أنّ هبته وإطعامه كثيران إلا أن الدنانير التي يهبها قليلة، والمساكين الذين يطعمهم قليل، جاز، ووجه الكلام الأول. /٩٨ ولا يجوز٧ أن تقول: ما
_________________
(١) ١ في "ب" كحكم. ٢ فلو كان "أحسن" اسما لظهرت بعده ياء واحدة، إذا أراد المتكلم نفسه: نحو قولك: هذا غلامي. ٣ في "ب" وإنما. ٤ في "ب" قوله. ٥ في "ب" لكان حق هذا بإسقاط "التعجب". ٦ في "ب" الفاعل. ٧ في "ب" ولا يحسن.
[ ١ / ١٠٧ ]
أحسن في الدار زيدًا، وما أقبح عندك زيدًا، لأن فعل التعجب لا يتصرف، وقد مضى هذا، ولا يجوز: ما أحسن ما ليس زيدا. ولا ما أحسن ما زال زيد، كما جاز لك ذلك في "كان" ولكن يجوز: ما أحسن ما ليس يذكرك زيدٌ، وما أحسن ما لا يزال يذكرنا زيد، وهذا مذهب البغداديين. ولا يجوز أن يتعدى فعل التعجب إلا إلى الذي هو فاعله في الحقيقة، تقول: ما أضرب زيدا، فزيدٌ في الحقيقة هو الضارب، ولا يجوز أن تقول: ما أضرب زيدًا عمرًا، ولكن١ لك أن تُدخل اللام فتقول: ما أضرب زيدًا لعمرو.
وفعل التعجب نظير قولك: هو٢ أفعل من كذا. فما جاز فيه جاز فيه. وقد ذكرت هذا قبل، وإنما أعدته: لأنه به يسير هذا الباب، ويعتبر.
ولا يجوز عندي أن يشتق فعل للتعجب٣ من "كان" التي هي عبارة عن الزمان، فإذا اشتققت من "كان" التي هي بمعنى "خلق ووقع"، جاز.
وقوم يجيزون: ما أكون زيدًا قائمًا؛ لأنه يقع في موضعه /٩٩ المستقبل والصفات، ويعنون بالصفات "في الدار"٤ وما أشبه ذلك من الظروف، ويجيزون ما أظنني لزيد قائمًا ويقوم، ولا يجيزون "قام" لأنه قد مضى، فهذا يدلك على أنهم إنما أرادوا "بقائم" ويقوم الحال.
وتقول: أشدد به، ولا يجوز٥ الإِدغام، وكذلك: أجود به وأطيب به؛ لأنه مضارع للأسماء. وقد أجاز بعضهم٦: ما أعلمني بأنك قائم وأنك
_________________
(١) ١ "لكن": ساقطة في "ب". ٢ هو: ساقطة في "ب". ٣ في "ب" فعلا التعجب. ٤ الذين يسمون الظروف والجار والمجرور صفات، هم الكوفيون؛ لأن اصطلاح الصفة من اصطلاحاتهم. ٥ في "ب" ويجيزون. ٦ في "ب". "قوم" بدلا من "بعضهم".
[ ١ / ١٠٨ ]
قائم، أجاز١ إدخال الباء وإخراجها مع "أن" وقال قوم: لا يتعجب مما فيه الألف واللام إلا أن يكون بتأويل جنسٍ. لا تقول: ما أحسن الرجل، فإن قلت: ما أهيب الأسد جاز، والذي أقول٢ أنا في هذا٣: إنه إذا عرف الذي يشار إليه فالتعجب جائز.
ولا يعمل فعل التعجب في مصدره٤، وكذلك: أفعل منك، لا تقول: عبد الله أفضل منك فضلًا، وتقول: ما أحسنك وجهًا، وأنظفك ثوبًا، لأنك تقول: هو أحسن منك وجهًا وأنظف منك ثوبًا. وقد حكيت ألفاظ من أبواب مختلفة /١٠٠ مستعملة٥ في حال التعجب، فمن ذلك: ما أنت من رجل، تعجب، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، وكاليوم رجلًا٦، وسبحان الله رجلًا ومن رجل، والعظمة لله من رب، وكفاك بزيد رجلًا. وحسبك بزيد رجلًا ومن رجل، تعجب، والباء دخلت دليل التعجب، ولك أن تسقطها وترفع، وقال قوم: إن أكثر الكلام: أعجب٧ لزيد رجلا، ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ٨. وإذا قلت: لله درك من رجل، ورجلا كان إدخالها وإخراجها واحدًا. قالوا٩: إذا قلت: إنك من رجل لعالم١٠ لم تسقط "من"
_________________
(١) ١ في "ب" أجازوا. ٢ في "ب" "عندي" بدلا من "أقول". ٣ في "ب" ذلك. ٤ في "ب" مصدر. ٥ في "ب" مستعارة. ٦ في المقتضب ٢/ ١٥١ "ما رأيت كاليوم رجلا" والمعنى: ما رأيت مثل رجل أراه اليوم رجلا. ٧ في الأصل: "أعجبوا" والتصحيح من "ب". ٨ قريش: ١. ٩ في "ب" وقالوا. ١٠ في "ب" "عالم" بسقوط اللام.
[ ١ / ١٠٩ ]
لأنها دليل التعجب. وإذا قلت: ويل أمه١ رجلا ومن رجل فهو تعجب. وربما تعجبوا بالنداء، تقول: يا طيبك من ليلة، ويا حسنه رجلا ومن رجل. ومن ذلك قولهم: يا لك فارسًا ويا لكما، ويا للمرء.
ولهذا موضع يذكر فيه. ومن ذلك قولهم: كرمًا وصلفًا: قال سيبويه: كأنه يقول: ألزمك الله كرمًا، وأدام الله لك كرمًا وألزمت صلفًا. ولكنهم حذفوا الفعل ههنا؛ لأنه صار بدلًا من قولك: أكرم به، وأصلف به٢.
_________________
(١) ١ في "ب" ويلمه كلمة واحدة، وهذا مثل: لاه أبوك ولقيته أمس، إنما هو على لله أبوك ولقيته بالأمس، ولكنهم حذفوا الجار والألف واللام تخفيفا على اللسان. انظر الكتاب ١/ ٢٩٤. ٢ انظر الكتاب ١/ ١٦٥.
[ ١ / ١١٠ ]
باب نعم وبئس
مدخل
باب نعم وبئس:
نِعْمَ وبِئسَ فعلان ماضيان، كان أصلهما، نِعَمَ وبِئسَ فكسرت الفاءان منهما من أجل حرفي الحلق، وهما: العين في "نِعَم"، والهمزة في "بِئسَ" فصار: نِعمَ وبِئسَ كما تقول: شهد فتكسر الشين من أجل انكسار الهاء، ثم أسكنوا لها العين من "نِعْمَ"والهمزة من "بئس" كما يسكنون الهاء من شهد، فيقولون: شهِد فقالوا: نِعْمَ وبِئسَ، ولذكر حروف الحلق إذا كن عينات مكسورات وكسر الفاء لها والتسكين لعين الفعل موضع آخر١، ففي "نعم" أربع لغات٢: نَعِمَ ونِعِمَ ونِعْمَ ونَعْمَ، فنعم وبئسَ وما كان في معناهما إنما يقع للجنس، ويجيئان لحمد وذم وهما يشبهان التعجب في المعنى وترك التصرف، وهما يجيئان٣ على ضربين:
فضرب: يرفع الأسماء الظاهرة المعرفة بالألف واللام على معنى الجنس ثم يذكر بعد ذلك الاسم المحمود أو المذموم.
_________________
(١) ١ سيأتي ذكر هذه الحروف في الجزء الثاني/ ١١٥، وحروف الحلق ستة: الهمزة والهاء وهما أقصاه، والعين والحاء وهما أوسطه، والغين والخاء وهما من أوله مما يلي اللسان. ٢ قال سيبويه ٢/ ٢٥٥: إذا كان ثانيه من الحروف الستة فإن فيه أربع لغات مطرد فيه: فَعِلٌ وفِعِلٌ، وفَعْلٌَ، وفِعلَ. إذا كان فعلا أو اسما أو صفة فهو سواء. ٣ في "ب" يأتيان.
[ ١ / ١١١ ]
الضرب١ الثاني: أن تضمر فيها٢ المرفوع وهو اسم/١٠٢ الفاعل، وتفسره بنكرة منصوبة. أما الظاهر فنحو قولك: نعم الرجل زيدًا، وبئس الرجل عبد الله، ونعم الدار دارك، فارتفع الرجل والدار بنعم وبئس، لأنهما فعلان يرتفع بهما فاعلاهما. أما زيد: فإن رفعه على ضربين:
أحدهما: أنك لما قلت: نِعم الرجل، فكأن معناه، محمود في الرجال، وقلت: زيد ليعلم من الذي أثنى عليه، فكأنه قيل لك: من هذا المحمود؟ قلت٣: هو زيد٤.
والوجه الآخر: أن تكون أردت التقديم فأخرته فيكون حينئذ مرفوعًا بالابتداء، ويكون "نعم" وما عملت فيه خبره، وليس الرجل في هذا الباب واحدًا بعينه، إنما هو كما تقول: أنا أفرق الأسد والذئب، لست تريد واحدًا منهما بعينه إنما تريد: هذين الجنسين. قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ٥. فهذا واقع على الجنسين يبين ذلك قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ ٦. وما أضيف إلى الألف واللام/ ١٠٣ بمنزلة ما فيه الألف واللام٧، وذلك قولك: نعم أخو العشيرة أنت، وبئس صاحب الدار عبد الله. ويجوز: نعم القائم أنت، ونعم الضارب زيدًا أنت، ولا يجوز: نعم
_________________
(١) ١ والضرب: ساقطة في "ب". ٢ في "ب" فيهما. ٣ في "ب" فقلت. ٤ أي: إن خبر المبتدأ محذوف وجوبا. ٥ العصر: ١-٢. ٦ العصر: ٣. ٧ قال سيبويه: فالاسم الذي يظهر بعد نعم إذا كانت نعم عاملة الاسم الذي فيه الألف واللام نحو الرجل وما أضيف إليه، وما أشبهه نحو: غلام الرجل إذا لم ترد شيئا بعينه. الكتاب ١/ ٣٠١. وفي المقتضب ٢/ ١٤٣: واعلم: أن ما أضيف إلى الألف واللام بمنزلة الألف واللام، وذلك قولك: نعم أخو القوم أنت، وبئس صاحب الرجل عبد الله.
[ ١ / ١١٢ ]
الذي قام أنت، ولا نعم الذي ضرب زيدًا أنت، من أجل أن الذي بصلتهِ مقصود إليه بعينه.
قال أبو العباس -﵀: فإن جاءت بمعنى الجنس كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ١، فإن نعم وبئس تدخلان على "الذي" في هذا المعنى والمذهب٢.
فهذا الذي قاله٣ قياس، إلا أني وجدت جميع ما تدخل عليه نعم وبئس فترفعه وفيه الألف واللام فله نكرة تنصبه نعم وبئس إذا فقد المرفوع و"الذي" ليست لها نكرة البتة تنصبها. ولا يجوز أن تقول: زيد نعم الرجل، والرجل غير زيد؛ لأنه خبر عنه٤، وليس هذا بمنزلة قولك: زيد قام الرجل، لأن معنى "نعم الرجل": محمود في الرجال، كما أنك إذا قلت: زيد فاره العبد، لم تعن من العبيد إلا ما كان/ ١٠٤ له، ولولا ذلك لم يكن فاره خبرًا له.
فإن زعم زاعم٥: أن قولك: نعم الرجل زيد، إنما زيد بدل من
_________________
(١) ١ الزمر: ٣٣. في البحر المحيط ٧/ ٤٢٨ والذي جنس كأنه قال: والفريق الذي جاء بالصدق، ويدل عليه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . فجمع. وفي قراءة عبد الله: "وَالَّذِي جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ". ٢ انظر المقتضب ٢/ ١٤٣. والنص فيه. فإن قلت: قد جاء.. والذي جاء بالصدق وصدق به. فمعناه الجنس، فإن "الذي"، إذا كانت على هذا المذهب صلحت بعد نعم وبئس. ٣ في "ب" يقال. ٤ في الكتاب ١/ ٣٠١: واعلم: أنه محال أن تقول: عبد الله نعم الرجل، والرجل غير عبد الله. كما أنه محال أن تقول عبد الله هو فيها وهو غيره. ٥ في المقتضب ٢/ ١٤٢، فإن زعم زاعم: أن قولك: نعم الرجل زيد، إنما "زيد" بدل من الرجل مرتفع بما ارتفع به، كقولك: مررت بأخيك زيد، وجاءني الرجل عبد الله، قيل له: إن قولك: جاءني الرجل عبد الله، إنما تقديره -إذا طرحت الرجل- جاءني عبد الله، فقل: نعم زيد، لأنك تزعم أنه بنعم مرتفع وهذا محال، لأن الرجل ليس يقصد به إلى واحد بعينه.
[ ١ / ١١٣ ]
الرجل يرتفع بما ارتفع به، كقولك: مررت بأخيك زيد، وجاءني الرجل عبد الله، قيل له: إن قولك: جاءني الرجل عبد الله إنما تقديره: إذا طرحت "الرجل" جاءني عبد الله، فقل: نعم زيد، لأنك تزعم أنه مرتفع بنعم، وهذا محال لأن الرجل لست تقصد به إلى واحد بعينه١. فإن كان الاسم الذي دخلت عليه "نعم" مؤنثًا أدخلت التاء في نعم وبئس، فقلت: نعمت المرأة هند، ونعمت المرأتان الهندان، وبئست المرأة هند، وبئست المرأتان الهندان، وإن شئت ألقيت التاء فقلت: نعم المرأة وبئس المرأة، وتقول: هذه الدار نعمت البلد، لأنك عنيت بالبلد: دارًا، وكذلك: هذا البلد نعم الدار؛ لأن قصدت إلى البلد. وقال قوم: كل ما لم تقع عليه "أي" لم توله٢ نعم، لا تقول: نعم أفضل الرجلين أخوك [ولا نعم أفضل رجل أخوك ٣]؛ لأنك، لا تقول: أي أفضل الرجلين أخوك /١٠٥ لأنه مدح، والمدح لا يقع على مدح.
فأما الضرب الثاني: فأن تضمر فيها مرفوعًا يفسره ما بعده وذلك قولهم: نعم رجلًا أنت ونعم دابة دابتك، وبئس في الدار رجلًا أنت، ففي "نعم وبئس" مضمر يفسره ما بعده، والمضمر "الرجل" استغنى عنه بالنكرة المنصوبة التي فسرته لأن كل مبهم من الأعداد وغيرها، إنما تفسره النكرة المنصوبة.
واعلم: أنهم لا يضمرون شيئًا قبل ذكره إلا على شريطة التفسير وإنما خصوا به أبوابًا بعينها. وحق المضمر أن يكون بعد المذكور. ويوضح لك أن نعم وبئس فعلان أنك تقول: نعم الرجل كما تقول: قام الرجل، ونعمت المرأة كما تقول: قامت المرأة، والنحويون يدخلون "حبذا زيد" في هذا
_________________
(١) ١ الباء زائدة في التوكيد، وقد جاء في أسلوبه توكيد النكرة وهو مذهب كوفي أو هو جار ومجرور صفة لواحد. ٢ في "ب" لم تله. ٣ ما بين القوسين ساقط في "ب".
[ ١ / ١١٤ ]
الباب١ من أجل أن تأويلها حب الشيء زيد لأن ذا اسم مبهم يقع على كل شيء ثم جعلت "حب وذا اسمًا فصار مبتدأ أو لزم طريقة واحدة تقول: حبذا عبد الله، وحبذا أمة الله/ ١٠٦". ولا يجوز حبذه لأنهما جعلا بمنزلة اسم واحد في معنى المدح، فانتقلا عما كانا عليه، كما يكون ذلك في الأمثال نحو: "أطري فإنك ناعلة"٢. فأنت تقول ذلك للرجل والمرأة لأنك تريد إذا خاطبت رجلًا: أنت عندي بمنزلة التي قيل لها ذلك٣. وكذلك جميع الأمثال إنما تحكي ألفاظها كما جرت وقت جرت. وما كان مثل: كرم رجلًا زيد! وشرف رجلًا زيد! إذا تعجبت، فهو مثل: نعم رجلًا زيد؛ لأنك إنما تمدح وتذم، وأنت متعجب. ومن ذلك قول الله سبحانه: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ ٤، وقوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ ٥. وقال قوم: لك أن تذهب بسائر الأفعال إلى مذهب "نعم وبئس" فتحولها إلى "فعل" فتقول: علم الرجل زيد، وضربت اليد يده، وجاد الثوب ثوبه وطاب الطعام طعامه، وقضى الرجل زيد، ودعا الرجل زيد، وقد حكي عن الكسائي٦: أنه كان
_________________
(١) ١ قال المبرد: حبذا فإنما كانت في الأصل: حبذا الشيء، لأن "ذا" اسم مبهم يقع على كل شيء، فإنما هو حب هذا، مثل قولك: كرم هذا، ثم جعلت "حب، وذا" اسما واحدا مبتدأ ولزم طريقة واحدة على ما وصفت لك في "نعم" فتقول: حبذا عبد الله، وحبذا أمة الله. المقتضب ٢/ ١٤٥. ٢ في اللسان: هذا المثل يقال في جلادة الرجل ومعناه أي: اركب الأمر الشديد فإنك قوي عليه، وأصل هذا أن رجلا قاله لراعية له، كانت ترعى في السهولة وتترك الحزونة فقال لها: "أطري" أي: خذي في أطرار الوادي، وهي نواحيه فإنك ناعلة، أي: فإن عليك نعلين. وروي: أظري بالظاء المعجمة، أي: اركبي الظرر وهو الحجر المحدد. وانظر أمثال الميداني ١/ ٤٣٠. ٣ في المقتضب ٢/ ١٤٥: التي قيل لها هذا وهذه العبارة منقولة حرفيا من المقتضب. ٤ الأعراف: ١٧٧. ٥ الكهف: ٥. ٦ الكسائي: هو الحسن علي بن حمزة، كان إماما في النحو واللغة والقراءة. مات سنة ١٨٩، وقيل سنة ١٩٣هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد ١١/ ٤٠٣. الفهرست/ ٢٩. تهذيب اللغة ١/ ٧. معجم البلدان ٢/ ٢٨. نزهة الألباء/ ٨١. شذرات الذهب ١/ ٣٢١. إنباه الرواة ٢/ ٢٥٦. طبقات الزبيدي/ ١٣٨.
[ ١ / ١١٥ ]
يقول في هذا: قضو الرجل ودعو الرجل١. وهو عندي قياس، وذكروا أنه شذ مع هذا الباب ثلاثة/ ١٠٧ أحرف سمعت وهي: سمع وعلم٢ وجهل. وقالوا: المضاعف تتركه٣ مفتوحًا وتنوي به فَعَلَ يَفْعَلُ نحو: خف يخف. وتقول٤: صم الرجل زيد، وقالوا: كل ما كان بمعنى: نعم وبئس، يجوز نقل وسطه إلى أوله. وإن شئت تركت أوله على حاله وسكنت وسطه، فتقول: ظُرْفَ الرجل زيد وظَرُفَ الرجل٥، نقلت ضم العين إلى الفاء. وإن شئت تركت أوله على حاله وسكنت وسطه فتقول: ظَرْفَ الرجل زيد كما قال٦:
وحُبَّ بها مَقْتُولَةً حين تُقْتَلُ
وحُبَّ أيضًا، فإذا لم يكن بمعنى نعم وبئس لم ينقل وسطه إلى أوله.
_________________
(١) ١ قال ابن يعيش: وحكى عن الكسائي: أنه كان يقول في هذا قضو الرجل، ودعو الرجل إذا أجاد القضاء وأحسن الدعاء. انظر شرح المفصل ٧/ ١٢٩. ٢ في "ب" تسمع "وعلمت". ٣ في "ب" يترك. ٤ في "ب" ويقال. ٥ انظر شرح المفصل لابن يعيش ٧/ ١٢٩. ٦ هذا عجز بين للأخطل التغلبي من قصيدة يمدح بها خالد بن عبد الله بن أسيد وكان أحد أجواد العرب في الإسلام، وصدر البيت: فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها وحب بها مقتولة حين تقتل. والاستشهاد فيه: على أن "حب" للمدح والتعجب وأصلها بضم العين للتحويل إلى المدح فإن نقلنا حركة العين إلى الفاء بعد حذف حركتها صارت "حب" بالضم وإن حذفنا ضمة العين صارت "حب" بالفتح والإدغام في الحالين واجب لاجتماع المثلين والأول منهما ساكن، وفاعلها: الضمير المؤنث المجرور بالباء، لأن هذه الصيغة تعجبية لكونها بمعنى أحبب بها. والباء في "بها" زائدة على غير قياس كقوله تعالى: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . وانظر: إصلاح المنطق لابن السكيت/ ٣٥. وابن يعيش ٧/ ١٢٩. وشروح سقط الزند. ٣/ ١٣٩٥. وابن عقيل/ ١٦٦. والديوان/ ٣ طبعة بيروت.
[ ١ / ١١٦ ]
مسائل من هذا الباب:
اعلم: أنه لا يجوز أن تقول: قومك نعموا أصحابًا، ولا قومك بئسوا أصحابًا، ولا أخواك نعما رجلين١، ولا بئسا رجلين. وإذا قلت: نعم الرجل رجلًا زيد، فقولك: "رجلًا" توكيد؛ لأنه مستغنى عنه بذكر الرجل أولًا٢، وهو بمنزلة قولك: عندي من الدراهم عشرون درهمًا٣، وتقول: نعم الرجلان/ ١٠٨ أخواك، ونعم رجلين أخواك، وبئس الرجلان٤ أخواك، وبئس رجلين٥ أخواك، وتقول: ما عبد الله نعم الرجل ولا قريبًا من ذلك، عطفت "قريبا" على "نعم" لأن موضعها نصب لأنها خبر "ما". وتقول: ما نعم الرجل عبد الله ولا قريب من ذلك فترفع بالرجل بـ"نعم"، وعبد الله بالابتداء، ونعم الرجل: خبر الابتداء وهو خبر مقدم، فلم تعمل "ما" لأنك إذا فرقت بين "ما" وبين الاسم، لم تعمل في شيء، ورفعت "قريبا" لأنك عطفته على "نعم" ونعم في موضع رفع لأنه خبر مقدم، ولا يجيز أحد من النحويين: نعم زيد الرجل٦، وقوم يجيزون: نعم زيد رجلًا٧ ويحتجون بقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ٨. وحسن ليس كنعم،
_________________
(١) ١ في الأصل "رجالا"، ولا معنى له لأنه مثل للجمع. ٢ في "ب" أولا، ساقطة. ٣ إنما ذكر الدرهم توكيدا، ولو لم يذكره لم يحتج إليه. ٤ في الأصل "الرجلين" وهو خطأ، لأنه فاعل للذم. ٥ في الأصل: "الرجلين" وهو خطأ لأنه تمييز، والتمييز يكون نكرة ولا يكون معرفة. ٦ لأن جملة المدح أو الذم لا يتصرف فيها بتقديم ولا تأخير، لأن الأصل في المدح والذم التخصيص فلا بد أن يتقدم العام قبل الخاص الجار والمجرور. ٧ لأن من أحكام التمييز في هذا الباب أن يتقدم على المخصوص، وهذا الذي أجازوه نادر. ٨ النساء: ٦٩.
[ ١ / ١١٧ ]
وللمتأول أن يتأول غير ما قالوا: لأنه فعل يتصرف. وتقول: نعم القوم الزيدون، ونعم رجالًا الزيدون، والزيدون نعم القوم، والزيدون نعم قومًا١، وقوم يجيزون: الزيدون نعموا قومًا. وهو غير جائز عندنا لما أخبرتك به من حكم/ ١٠٩ نعم وصفة ما تعمل فيه. ويدخلون الـ"ظن" و"كان" فيقولون: نعم الرجل كان زيد، ترفع٢ زيدًا بـ"كان" ونعم الرجل خبر "كان" وهذا كلام صحيح، وكذلك: نعم الرجل ظننت زيدًا، تريد: كان زيد نعم الرجل، وظننت زيدا نعم الرجل. وكان الكسائي٣ يجيز: نعم الرجل يقوم وقام عندك٤ فيضمر، يريد: نعم الرجل رجل عندك، ونعم الرجل رجل قام ويقوم ولا يجيزه مع المنصوب٥، لا يقول: نعم رجلًا قام ويقوم.
قال أبو بكر: وهذا عندي، لا يجوز من قبل أن الفعل لا يجوز أن يقوم مقام الاسم وإنما تقيم من الصفات مقام الأسماء الصفات التي هي أسماء صفات يدخل عليها ما يدخل على الأسماء، والفعل إذا وصفنا به فإنما هو شيء وضع في٦ غير موضعه، يقوم مقام الصفة للنكرة٧ وإقامتهم الصفة مقام الاسم اتساع في اللغة. وقد يستقبح ذلك في مواضع،
_________________
(١) ١ لأن هذه الأفعال لما أشبهت الحروف في الجمود لزمت طريقة واحدة في التعبير. ٢ في "ب" برفع زيد. ٣ قال ابن يعيش: وكان الكسائي يجيز: نعم الرجل يقوم. وقام عندك والمراد رجل يقوم، ورجل قام، ورجل عندك، ومنع ابن السراج من ذلك وأباه واحتج بأن الفعل لا يقوم مقام الاسم وإنما تقام الصفات مقام الأسماء لأنها أسماء يدخل عليها ما يدخل على الأسماء. وإن جاء من ذلك شيء فهو شاذ عن القياس فسبيله أن يحفظ ولا يقاس عليه. انظر شرح المفصل ٧/ ١٣٤. ٤ في الأصل وعندك فالواو زائدة. ٥ في "ب" المتصرف بدلا من "المنصوب". ٦ في "ب" "في" ساقطة. ٧ في "ب" النكرة، ساقطة.
[ ١ / ١١٨ ]
فكيف تقيم الفعل مقام الاسم، وإنما يقوم مقام الصفة، وإن جاء من هذا شيء شذ عن/١١٠ القياس فلا ينبغي أن يقاس عليه. بل نقوله فيما قالوه فقط. وتقول: نعم بك كفيلًا زيد، كما قال تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ١، ويجيز الكسائي: نعم فيك الراغب زيد ولا أعرفه مسموعًا من كلام العرب. فمن قدر أن "فيك" من صلة الراغب فهذا لا يجوز البتة، ولا تأويل له، لأنه ليس له أن يقدم الصلة على الموصول. فإن٢ قال: أجعل "فيك" تبينًا وأقدمه كما قال: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ٣، قيل له: هذا أقرب إلى الصواب إلا أن الفرق بين المسألتين أنك إذا قلت: نعم فيك الراغب زيد٤، فقد فصلت بين الفعل والفاعل ونعم وبئس ليستا كسائر الأفعال لأنهما لا تتصرفان٥. وإذا قلت: بئس في الدار رجلًا زيد. فالفاعل مضمر في "بئس"٦ وإنما جئت برجل مفسرا٧ فبين المسألتين فرق. وهذه الأشياء التي جعلت كالأمثال لا ينبغي أن تستجيز فيها إلا ما أجازوه ولا يجوز عندي: نعم طعامك آكلًا زيد، من أجل أن الصفة إذا قامت مقام الموصوف لم يجز أن تكون بمنزلة الفعل الذي/ ١١١ تتقدم عليه ما عمل فيه، وكما لا يجوز أن تقول: نعم طعامك رجلًا آكلًا زيد. فتعمل الصفة فيما قبل الموصوف فكذلك إذا أقمت "آكلًا" مقام رجل، كان حكمه حكمَهُ. وتقول: نعم غلام الرجل زيد، ونعم غلام رجل زيد فما٨ أضفته
_________________
(١) ١ الكهف: ٥٠. ٢ في "ب" وإن. ٣ الكهف: ٥٠. ٤ زيد: ساقط في "ب". ٥ في الأصل لأنها لا تتصرف. ٦ في "ب" ذلك بدلا من بئس. ٧ لأن المبهمة من الأعداد وغيرها إنما يفسره التبيين، كقولك: عندي عشرون رجلا، وهو خير منك عبدا. ٨ في "ب" وما.
[ ١ / ١١٩ ]
إلى الألف واللام بمنزلة الألف واللام وما أضفته إلى النكرة بمنزلة النكرة. وتقول: نعم العمر عمر بن الخطاب، وبئس الحجاج حجاج بن يوسف، تجعل العمر جنسًا لكل من له هذا الاسم، وكذلك الحجاج. ولا تقول: نعم الرجل وصاحبًا أخوك، ولا نعم صاحبًا والرجل أخوك، من أجل أن نعم إذا١ نصبت تضمنت مرفوعًا مضمرًا فيها وفي المسألة مرفوع ظاهر، فيستحيل هذا، ولا يجوز توكيد المرفوع بـ"نعم". قالوا: وقد جاء في الشعر٢ منعوتًا لزهير:
نِعْمَ الفَتَى المُرِّيُّ أَنْتَ إِذَا هُمُ حَضَرُوا لَدَى الحُجُرَاتِ نَارَ المَوقِدِ٣
وهذا يجوز أن يكون بدلًا غير نعت فكأنه قال: / ١١٢ نعم المري أنت، وقد حكى قوم على جهة الشذوذ: نعم هم قومًا هم. وليس هذا مما يعرج عليه، وقال الأخفش: حبذا ترفع الأسماء وتنصب الخبر، إذا كان نكرة خاصة، تقول: حبذا عبد الله رجلًا، وحبذا أخوك قائمًا. قال٤: وإنما تنصب٥ الخبر إذا كان نكرة لأنه حال، قال٦: وتقول٧: حبذا عبد الله
_________________
(١) ١ في "ب" إذا ساقطة. ٢ في "ب" وأنشدوا لزهير. ٣ قال ابن هشام: وأجاز غير الفارسي وابن السراج: نعت فاعلي نعم وبئس تمسكا بقوله: نعم الفتى المري وحمله الفارسي وابن السراج على البدل. انظر المغني/ ٦٥٠ تحقيق الدكتور مازن المبارك، والعيني ٤/ ٢١. والخزانة ٤/ ١١٢. ورواية البغدادي: عمدوا لدى الحجرات بدلا من حضروا. والديوان/ ٢٧٥. وعجز البيت كناية عن الشتاء فصل الجدب. ٤ قال: ساقطة في "ب". ٥ في "ب" نصب. ٦ في "ب" وقال. ٧ في "ب" تقول بلا واو.
[ ١ / ١٢٠ ]
أخونا. فأخونا رفع لأنك وصفت معرفة بمعرفة وإذا وصلت بـ"ما" قلت: نعمًا زيد١، ونعمًا أخوك، ونعمًا أخوتك وصار بمنزلة: حبذا أخوتك. وتقول: نعم ما صنعت، ونعم ما أعجبك. قال ناس إذا قلت: مررت برجل كفاك رجلًا. وجدت٢ "كفاك" في كل وجه، وكانت بمنزلة "نعم" تقول: مررت بقوم كفاك قومًا، وكفاك من قوم وكفوك قومًا، وكفوك من قوم. فإن جئت بالباء والهاء وجدت به لا غير تقول مررت بقوم كفاك بهم قوما. وكذلك: مررت بقوم نعم بهم قومًا، وإن أسقطت الباء والهاء٣ قلت: نعموا قوما، ونعم قومًا، ولا ينبغي أن ترد "كفاك"إلى الاستقبال/ ١١٣ ولا إلى اسم الفاعل.
قال أبو بكر: قد ذكرت الفعل المتصرف والفعل غير المتصرف، وبقي الأسماء التي تعمل عمل الفعل ونحن نتبعها بها إن شاء الله.
_________________
(١) ١ نعما زيد: ساقطة في "ب". ٢ في "ب" ذكرت. ٣ الهاء: ساقطة في "ب".
[ ١ / ١٢١ ]
باب الأسماء التي أعملت عمل الفعل
شرح الأول وهو اسم الفاعل والمفعول
باب الأسماء التي أعملت عمل الفعل:
وهي تنقسم أربعة أقسام:
فالأول: منها اسم الفاعل والمفعول به.
والثاني: الصفة المشبهة باسم الفاعل.
والثالث: المصدر، الذي صدرت عنه الأفعال واشتقت منه١.
والرابع: أسماء سمّوا الأفعال بها.
شرح الأول: وهو اسم الفاعل والمفعول به:
اسم الفاعل الذي يعمل عمل الفعل، هو الذي يجري على فعله ويطرد القياس فيه، ويجوز أن تنعت به اسمًا قبله نكرة كما تنعت بالفعل الذي اشتق منه ذلك الاسم. ويذكر ويؤنث وتدخله الألف واللام، ويجمع بالواو والنون، كالفعل إذا قلت: يفعلون٢ نحو: ضارب وآكل وقاتل، يجري على: يضرب فهو ضارب. ويقتل فهو قاتل، ويأكل فهو آكل.
_________________
(١) ١ مذهب البصريين: أن الفعل مشتق من المصدر وفرع عليه، بينما يرى الكوفيون أن المصدر مشتق من الفعل وفرع عليه. ولكل منهما حجج ذكرها ابن الأنباري في الإنصاف ١/ ١٢٩. ٢ يفعلون: ساقطة في "ب".
[ ١ / ١٢٢ ]
وكل اسم فاعل فهو يجري مجرى مضارعه ثلاثيا كان/ ١١٤ أو رباعيا مزيدًا كان فيه أو غير مزيد، فمكرم جار على أكرم، ومدحرج على دحرج ومستخرج على استخرج.
وقد بيّنا أن الفعل المضارع أعرب لمضارعته الاسم، إذ كان أصل الإِعراب للأسماء١ وأن اسم الفاعل أعمل بمضارعته الفعل إذ كان أصل الأعمال للأفعال وأصل الإِعراب للأسماء. وتقول: مررت برجل ضارب أبوه زيدًا، كما تقول: مررت برجل يضرب أبوه زيدًا، ومررت برجل مدحرج أبوه كما تقول: يدحرج أبوه وتقول: زيد مكرم الناس أخوه كما تقول: زيد يكرم الناس أخوه، وزيد مستخرج أبوه عمرًا، كما تقول: يستخرج والمفعول يجري مجرى الفاعل كما كان "يفعل" يجري مجرى "يفعل" فتقول: زيد مضروب أبوه سوطًا، وملبس ثوبًا. وقد بينت لك هذا فيما مضى.
ومما يجري مجرى "فاعل"٢، مفعل نحو: قطع فهو مقطع وكسر فهو مكسر. يراد٣ به المبالغة والتكثير. فمعناه معنى: "فاعل" إلا أنه مرة بعد مرة.
وفعال يجري مجراه، وإن لم يكن موازيًا له؛ لأن حق الرباعي وما زاد على الثلاثي أن يكون أول "اسم" الفاعل ميمًا فالأصل في هذا "مقطع" والحق به قطّاع، لأنه في معناه. ألا ترى/ ١١٥ أنك إذا قلت: زيدٌ قتال، أو: جراح، لم تقل هذا لمن فعل فعلة واحدة كما أنك لا تقل: قَتلت إلا وأنت تريد جماعة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ ٤، ولو كان بابًا واحدًا لم يجز فيه إلا أن يكون مرة بعد مرةٍ. ومن كلام العرب: أما
_________________
(١) ١ مذهب البصريين أن الأصل في الأفعال البناء، والفعل المضارع إنما أعرب لشبهه بالاسم. ٢ في "ب" اسم الفاعل. ٣ في "ب" يفيد. ٤ يوسف: ٢٣.
[ ١ / ١٢٣ ]
العسل فأنت شرّاب، ومثل ذلك "فعول" لأنك تريد به ما تريد "بفَعَّال" من المبالغة، قال الشاعر:
ضَروبٌ بنصلِ السيفِ سُوقَ سمانها إذا عَدِموا زادًا فإنك عاقر١
"وفِعالٌ" نحو "مِطْعان ومِطْعام" لأنه في التكثير بمنزلة ما ذكرنا.
ومن كلام العرب: أنه لمنحار بوائكها٢. وقد أجرى سيبويه: "فعيلًا" "كرحيم" و"عليم" هذا المجرى، وقال: معنى ذلك المبالغة٣، وأباه النحويون٤ من أجل أن "فعيلًا" بابِه أن يكون صفة لازمة للذات وأن يجري على "فَعُلَ" نحو: ظَرُفَ فهو ظريف، وَكرُمَ فهو كريم، وشَرُفَ فهو شريف، والقول عندي كما قالوا. وأجاز أيضًا مثل ذلك/ ١١٦ في "فَعِلَ"٥.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٥٧ على عمل "ضروب" عمل فعله. وسوق: جمع ساق. عقر البعير بالسيف: ضرب قوائمه. وكانوا يعقرون الناقة إذا أرادوا ذبحها، إما لتبرك فيكون أسهل لنحرها أو ليعاجل الرجل ذلك فلا تمنعه نفسه من عقرها. والبيت من مقطعة لأبي طالب رثى بها أيا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي. وهذا رد على ما ذكره ابن الشجري في أماليه ٢/ ٢٠٦ من أن أبا طالب مدح بها النبي. وانظر المقتضب ٢/ ١١٤، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٠٦، وابن يعيش ٦/ ٩٦-١٧٠، ٢/ ١٣٠، والديوان ١١. ٢ البوائك: جمع بائكة وهي الناقة السمينة، من باك البعير إذا سمن. ٣ الكتاب ١/ ٥٩. ٤ قال المبرد في المقتضب ٢/ ١١٤: فأما ما كان على فعيل نحو: رحيم وعليم، فقد أجاز سيبويه النصب فيه ولا أراه جائزا، وذلك أن "فعيلا" إنما هو اسم الفاعل من الفعل الذي لا يتعدى. فما خرج إليه من غير ذلك الفعل فمضارع له ملحق به، والفعل الذي هو "لفعيل" في الأصل إنما هو ما كان على "فَعُلَ" نحو: كرم فهو كريم وهذا ما يرتضيه المؤلف. ٥ الكتاب ١/ ٥٨ وذكر قول الشاعر مما جاء على فعل: حذر أمورا لا تضير وآمن ما ليس منحيه من الأقدار
[ ١ / ١٢٤ ]
وأباح النحويون إلا أبا عمر الجرمي١ فإنه يجيزه على بعد فيقول: أنا فَرِقٌ زيدًا، وحَذِرٌ عمرًا، والمعنى: أنا فرق من زيد، وحذر من عمرو. قال أبو العباس -﵀: لأن "فَعِلَ" الذي فاعله على لفظ ماضيه إنما معناه ما صار كالخلقة في الفاعل نحو: بَطِرَ زيد، فهو بَطِرٌ، وخَرِقَ فهو خَرقٌ٢.
_________________
(١) ١ الجرمي: أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي، المتوفى سنة ٢٢٥هـ، وهو من أساتذة المبرد المشهورين: ترجمته في الفهرست/ ٥٦، ونزهة الألباء ١٩٨، وإرشاد الأريب لياقوت ٤/ ٢٦٧، وبغية الوعاة/ ٢١٦. ٢ المقتضب ٢/ ١١٦.
[ ١ / ١٢٥ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: هذا ضاربٌ زيدًا، إذا أردت "بضاربٍ" ما أنت فيه أو المستقبل كمعنى الفعل المضارع له. فإذا قلت: هذا ضارب زيدٍ، تريد به معنى المضي فهو بمعنى: غلام زيد، وتقول: هذا ضارب زيدٍ أمس، وهما ضاربا زيدٍ، وهم ضاربو زيد١ وهن ضاربات أخيك. كل ذلك إذا أردت به معنى المضي، لم يجز فيه إلا هذا، يعني الإِضافة "و" الخفض، لأنه بمنزلة قولك: غلام عبد الله وأخو زيد. ألا ترى أنك لو قلت: "غلامٌ زيدًا" كان محالًا فكذلك اسم الفاعل إذا كان ماضيًا؛ لأنه اسم وليست فيه مضارعة للفعل/ ١١٧ لتحقيق الإِضافة وإن الأول يتعرَّف بالثاني. ولا يجوز أن تدخل عليه الألف واللام وتضيفه كما لم يجز ذلك في "الغلام" وإنما يعمل اسم الفاعل الذي يضارع "يَفعَل" كما أنه يعرب من الأفعال ما ضارع اسم الفاعل الذي يكون للحاضرِ والمستقبل٢. فأما اسم الفاعل الذي يكون لِمَا مضى٣
_________________
(١) ١ في الأصل "ضاربوا". ٢ وهذا مذهب البصريين، فهو لا يعمل عندهم إلا في الحال والاستقبال بخلاف الفعل فإنه يعمل مطلقا. ٣ الفرق بين اسم الفاعل المراد به الماضي وبين اسم الفاعل المراد به الحال والاستقبال، هو أن الأول لا يعمل إلا إذا كان فيه اللام بمعنى الذي، والثاني يعمل مطلقا. ثم إن الأول يتصرف بالإضافة بخلاف الثاني. والأمر الثالث: أن الأول إذا ثني أو جمع لا يجوز فيه إلا حذف النون والجر، والثاني يجوز فيه وجهان، هذا وبقاء النون والنصب. انظر الأشباه ٢/ ٢٠٠.
[ ١ / ١٢٥ ]
فلا يعمل كما أن الفعل الماضي لا يعرف، وتقول: هؤلاءِ حواجُ بيت الله أمسِ ومررت برجل ضارباه الزيدانِ، ومررت بقوم ملازموهم أخوتهم. فيثنى ويجمع لأنه اسم، كما لو تقول: مررت برجل أخواه الزيدانِ وأصحابه وأخوته فإذا أردت اسم الفاعل الذي في معنى المضارع جرى مجرى الفعل في عمله وتقديره، فقلت: مررت برجل ضاربه الزيدان، كما تقول: مررت برجل يضربه الزيدان، ومررت بقوم: ملازمهم أخوتهم، كما تقول: مررت بقوم يلازمهم أخوتهم، وتقول: أخواك آكلان طعامك، وقومك ضاربون زيدًا، وجواريك ضاربات عمرًا. إذا أردت معنى١ المضارع. وتقول مررت برجل ضاربٌ زيدًا الآن أو غدًا، إذا أردت الحال أو/ ١١٨ الاستقبال فتصفه به لأنه نكرة مثله، أضفت أو لم تضف، كما تقول: مررت برجل يضرب زيدًا، ولا تقول: مررت برجل ضارب زيد أمس؛ لأنه معرفة بالإِضافة دالا على البدل. وتقول: مررت بزيد ضاربًا عمرًا، إذا أردت الذي يجري مجرى الفعل. فإن أردت الأخرى أضفت فقلت: مررت بزيدٍ ضاربِ عمروٍ. على النعت والبدل؛ لأنه معرفة، كما تقول: مررت بزيدٍ غلامِ عمروٍ.
واعلم: أنه يجوز لك أن تحذف التنوين والنون من أسماء الفاعلين التي تجري مجرى الفعل. وتضيف استخفافًا، ولكن لا يكون الاسم الذي تضيفه إلا نكرة، وإن كان مضافًا إلى معرفة لأنك إنما حذفت النون استخفافًا، فلما ذهبت النون عاقبتها الإِضافة والمعنى معنى ثبات النون. فمن ذلك قول الله سبحانه: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةَ﴾ ٢، فلو لم يرد به التنوين لم يكن صفة
_________________
(١) ١ معنى: ساقطة في "ب". ٢ المائدة: ٩٥.
[ ١ / ١٢٦ ]
"لهدي" وهو نكرة، ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ١، ﴿إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ ٢، وأنشدوا:
هلّ أنتَ باعِثُ دِينَارٍ لِحاجَتِنَا أو عبدَ رَبٍ أخا عونِ بنِ مِخراقِ٣ /١١٩
أراد: بباعثٍ التنوين. ونصب الثاني لأنه أعمل فيه الأول مقدرًا تنوينه، كأنه قال: أو باعثٌ عبدَ ربٍ، ولو جره على ما قبله كان عربيا جيدًا٤، إلا أن الثاني كلما تباعد من الأول قوي فيه النصب واختير. تقول: هذا معطي زيد الدراهم وعمرًا٥، الدنانير، ولو قلت: هذا معطي زيد اليوم الدراهم، وغدا عمرًا الدنانير، لم يصلح فيه إلا النصب٦ لأنك لم تعطف الاسم على ما قبله، وإنما أوقعت الواو على "غد" ففصل الظرف بين الواو وعمرو. فلم يقو الجر فإذا أعملته عمل الفعل جاز، لأن الناصب
_________________
(١) ١ الأحقاف: ٢٤. ٢ القمر: ٢٧. ٣ من شواهد الكتاب ١/ ٨٧. قال الأعلم: الشاهد فيه نصب "عبد رب" حملا على موضع "دينار". ورده البغدادي في الخزانة بأن الكلام السابق في سيبويه يفيد تقدير فعل ناصب كأنه قال: أوقظ دينارا، أو عبد رب، وهما رجلان أخا عون: صفة أو بدل أو عطف بيان. والمصنف يرى أنه منصوب بالعطف على محل "دينار" لأن "باعث" اسم فاعل بمعنى الاستقبال. والبيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف لها قائل. وقيل: هو لجابر السنبسي، أو لجرير، أو لتأبط شرا، وقيل مصنوع، وهو ليس في ديوان جرير. وانظر المقتضب ٤/ ١٥١، وشواهد الكشاف/ ٢٠٦، والخزانة ٣/ ٤٧٦. والعيني ٣/ ٥٦٣. ٤ أي: مثل النصب، وذلك لأن من شأنهم أن يحملوا المعطوف على ما عطف عليه، نحو هذا ضارب زيد وعمرو غدا، وينصبون عمرا. ٥ والجر جائز أيضا، وهو جيد. ٦ أي: لم يصلح في "عمرو" إلا النصب.
[ ١ / ١٢٧ ]
ينصب ما تباعد منه، والجار ليس كذلك، وتقول: هذا ضاربك وزيدًا غدًا، لما لم يجز أن تعطف الظاهر على المضمر١ المجرور حملته على الفعل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ كأنه قال: منجون أهلك، ولم تعطف على الكاف المجرورة.
واعلم: أن اسم الفاعل إذا كان لما مضى، فقلت: هذا ضاربُ زيدٍ وعمروٍ، ومعطي زيدٍ الدراهمَ أمسِ وعمروٍ. جاز لك أن/ ١٢٠ تنصب "عمرًا" على المعنى لبعده من الجار، فكأنك قلت: وأعطى عمرًا٣، فمن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ ٤، وتقول: مررت برجل قائم أبوه، فترفع الأب٥ وتجري "قائمًا" على رجل؛ لأنه نكرة وصفته بنكرة فصار كقولك: مررت برجل يقوم أبوه. فإذا كانت الصفة لشيء من سببه فهي بمزلتها إذا خلصتْ لرجل. وتقول: زيدًا عمروٌ ضاربٌ، كما تقول: زيدًا عمرو يضرب٦. فإذا قلت: عبد الله جاريتك أبوها ضارب، فبين النحويين فيه خلاف، فبعض يكره النصب لتباعد ما بين الكلام، وبعض يجيزه. وأبو العباس يجيز ذلك ويقول: إنَّ "ضاربًا" يجري مجرى الفعل في جميعِ أحواله في العمل في التقديم والتأخير. وإنما يكره الفصل بين العامل والمعمول فيه بما ليس منه، نحو قولك: كانت
_________________
(١) ١ لا يعطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار اسما كان أو حرفا. ٢ العنكبوت: ٣٣. ٣ انظر الكتاب ١/ ٨٧. ٤ الأنعام: ٩٦ وقراءة: وجاعل. من السبعة أيضا في النشر ٢/ ٣٦. قرأ الكوفيون وجعل بفتح العين من غير ألف وبنصب اللام من الليل، وقرأ الباقون بالألف وكسر العين ورفع اللام وخفض الليل، وانظر البحر المحيط ٤/ ١٨٦. ٥ الأب يرفع بفعله. ٦ تقديم معمول الخبر على المبتدأ جائز سواء كان الخبر مفردا أو جملة فعلية أو اسمية ما لم يمنع مانع. وهو قولك زيدا عمرو الضارب، لأن الفعل صار في الصلة "لأن" زيدا مفعول به لصلة "أل" ولا تتقدم الصلة ولا شيء منها على الموصول.
[ ١ / ١٢٨ ]
زيدًا الحمى تأخذ١. وتقول: هذا زيد ضارب أخيك، إذا أردت المضي، لأنك وصفت معرفة بمعرفة، وتقول/ ١٢١ هذا زيد ضاربًا أخاك غدًا فتنصب "ضاربًا" لأنه نكرة وصفت بها معرفة. وإذا كان الاسم٢ الذي توقع عليه "ضاربًا" وما أشبهه مضمرًا أسقطت النون والتنوين منه، فعل أو لم يفعل لأن المضمر وما قبله كالشيء الواحد، فكرهوا٣ زيادة التنوين مع هذه الزيادة نحو قولك: هذا ضاربي وضاربك وهذان ضارباك غدًا، ولو كان اسمًا ظاهرًا لقلت: ضاربان زيدًا غدًا، ولكنك لما جئت بالمضمر أسقطت النون وأضفته، وتقول: هذا الضارب زيدًا أمس. وهذا الشاتم عمرًا أمس، لا يكون فيه غير ذلك؛ لأن الألف واللام بمنزلة التنوين في معنى الإِضافة٤ وأنت إذا نونت شيئًا من هذا نصبت ما بعده. وتقول: هؤلاء الضاربون زيدًا، وهذان٥ الضاربان زيدًا، وإن شئت: ألقيت هذه النون وأضفت؛ لأن النون لا تعاقب الألف واللام، كما تعاقب الإِضافة، ألا ترى أنك تقول: هذان/ ١٢٢ الضاربان، وهؤلاء الضاربون، فلا تسقط النون، والتنوين ليس كذلك، لا تقول: هذا الضاربٌ بالتنوين فاعلم، ولذلك جازت الإِضافة فيما تدخله النون مع الألف واللام، نحو قولك: هما الضاربا زيد؛ لأن النون تعاقب الإِضافة، فكما تثبت النون مع الألف واللام كذلك تثبت الإِضافة مع الألف واللام ولا يجوز: هذا الضاربُ زيدٍ أمسِ، فإن أضفته إلى ما فيه ألف ولام جاز كقولك: هو الضارب الرجل أمس، تشبيهًا بالحسن الوجه، فكل اسم فاعل كان في الحال أو لم يكن فَعَلَ بعدُ فهو نكرة نونت أو لم تنون وإن كان قد فعل فأضفته إلى معرفة، وإن أضفته إلى نكرة فهو نكرة.
_________________
(١) ١ انظر المقتضب ٣/ ١٥٦ و٣/ ١٠٩. زيدا منصوب بتأخذ، "وتأخذ" خبر كان وتفصل بزيد بين اسم كان وخبرها وليس "زيد" لها باسم ولا خبر. ٢ في "ب" وإذا أضفت اسم الفاعل إلى المضمر. ٣ في "ب" كرهوا. ٤ معنى الإضافة: ساقط في "ب". ٥ هذان ساقطة في "ب".
[ ١ / ١٢٩ ]
شرح الثاني: وهو الصفة المشبهة باسم الفاعل.
الصفات المشبهات بأسماء الفاعلين: هي أسماء١ ينعت بها كما ينعت بأسماء الفاعلين٢، وتذكر٣ وتؤنث ويدخلها الألف واللام/ ١٢٣ وتجمع بالواو والنون [كاسم الفاعل وأفعل التفضيل] ٤ كما يجمع الضمير في الفعل، فإذا اجتمع في النعت هذه الأشياء التي ذكرت أو بعضها شبهوها بأسماء الفاعلين٥ وذلك نحو: حَسنٍ وشديد وما أشبه، تقول: مررت برجل حسنٍ أبوه، وشديد أبوه؛ لأنك تقول: حسن وجهه، وشديدٌ وشديدة فتذكر وتؤنث وتقول: الحسن والشديد، فتدخل الألف واللام، وتقول حسنون كما تقول: ضارب مضاربة وضاربون، والضارب والضاربة، فحسن يشبه بضارب، وضارب يشبه بيضرب، وضاربان مثل: يضربان، وضاربون مثل يضربون، ولا يجوز: مررت برجل خير منه أبوه على النعت ولكن ترفعه على الابتداء والخبر، وذلك لبعده من شبه الفعل والفاعل من أجل أن "خير منه" لا يؤنث ولا يذكر ولا تدخله الألف واللام، ولا يثنى ولا يجمع فبعد من شبه الفاعل فكل "أفعل منك" بمنزلة: "خير منك" "وشر منك"، وما لم يشبه اسم الفاعل فلا يجوز أن ترفع به اسمًا ظاهرًا البتة، وأما الصفات كلها/ ١٢٤ فهي ترفع المضمر وما كان بمنزلة المضمر، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجل أفضل منك، ففي "أفضل" ضمير الرجل، ولولا ذلك لم يكن صفة له. ولكن لا يجوز أن تقول: مررت برجل أفضل منك أبوه، لبعده من شبه اسم الفاعل
_________________
(١) ١ في "ب" أنها. ٢ أسماء الفاعلين: ساقطة في "ب". ٣ في "ب" وتؤنث. ٤ زيادة من "ب". ٥ دعوى عمل الصفة المشبهة لا أساس لها، فهي لا تنصب، لأن فعلها غير عامل فكيف يعمل المحمول على فعله.
[ ١ / ١٣٠ ]
والفعل، ولكن لو قلت: مررت برجل حسن أبوه وشديد أبوه، وبرجل قاعد عمرو إليه، لكان جائزًا، وكذلك: مررت برجل حسن أبوه وشديد أبوه.
واعلم: أن سائر الصفات مما ليس باسم فاعل ولا يشبهه، فهي ترفع الفاعل١ إذا كان مضمرًا٢ فيها وكان ضمير الأول الموصوف، وترفع الظاهر أيضًا إذا كان في المعنى هو الأول. أما المضمر فقد بينته لك، وهو نحو: مررت برجل خير منك وشر منك، ففي "خير منك" ضمير رجل وهو رفع بأنه فاعل. وأما الظاهر الذي هو في المعنى الأول فنحو قولك: ما رأيت رجلًا أحسن في/ ١٢٥ عينه الكحل منه في عين زيد٣، لأن المعنى في الحسن لزيد، فصار بمنزلة الضمير إذ كان الوصف في الحقيقة له، ومثل ذلك: ما من أيام أحب إلى الله فيها الصوم منه في عشر ذي الحجة٤.
واعلم: أن قولك: زيد حسن، وكريم، منْ حَسُنَ يحسنَ، وكَرُمَ يكرم، كما أنك إذا قلت: زيد ضارب، وقاتل وقائم، فهو من: ضرب وقتل وقام، إلا أن هذه أسماء متعدية تنصب حقيقة. أما إذا قلت: زيد حسن الوجه وكريم الحسب، فأنت ليس تخبر أن زيدًا فعل بالوجه ولا بالحسب
_________________
(١) ١ الفاعل: ساقط في "ب". ٢ في "ب" المضمر. ٣ قال سيبويه: ما رأيت أحسن في عينه الكحل منه في عينه، وليس هذا بمنزلة خير منه أبوه، لأنه مفضل الأب على الاسم في "من" وأنت في قولك: أحسن في عينه الكحل منه في عينه، لا تريد أن تفضل الكحل على الاسم الذي في "من" ولا تزعم: أنه قد نقص أن يكون مثله، ولكنك زعمت: أن الكحل ههنا عملا وهيئة ليست له في غيره من المواضع، وكأنك قلت: ما رأيت رجلا عاملا في عينه الكحل كعمله في عين زيد. الكتاب ١/ ٣٣٢. ٤ الأشموني في شرحه على الألفية ٢/ ٢٦٤ جعله حديثا فقال: ومثله قوله ﵊: "ما من أيام أحب إلى الله فيها الصوم من أيام العشر". والرواية في كتب الحديث: البخاري، الترمذي، وسنن ابن ماجه، وسنن النسائي، ليس فيها "أحب" رافعا للاسم الظاهر.
[ ١ / ١٣١ ]
شيئًا والحسب والوجه فاعلان، كما ينصب الفعل، وحسن وشديد وكريم وشريف أسماء غير متعدية على الحقيقة وإنما تعديها على التشبيه، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد ضارب عمرًا، فالمعنى: أن الضرب قد وصل منه إلى عمرو، وإذا قلت: زيد حسن الوجه أو كريم الأب فأنت تعلم أن زيدًا لم يفعل بالوجه شيئًا ولا بالأب والأب والوجه فاعلان في الحقيقة، وأصل الكلام، زيدٌ حَسَنٌ وجههُ، وكريم أبوه حسبه، لأن الوجه هو الذي حسن، والأب/ ١٢٦ هو الذي كرم.
[ ١ / ١٣٢ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: زيد كريم الحسب، لأنك أضمرت اسم الفاعل في "كريم" فنصبت ما بعده على التشبيه بالمفعول، والدليل على أن الضمير واقع في الأول قولك١: هند كريمة الحسب، ولو كان على الآخر لقلت: كريم حسبها كما تقول: قائم أبوها، وإنما جاز هذا التشبيه وإن كان الحسب غير مفعول على الحقيقة، بل هو في المعنى فاعل، لأن المعنى مفهوم غير ملبس، ومن قال: زيدٌ ضاربٌ الرجلَ، وهو يريد التنوين إلا أنه حذفه قال: زيدٌ حسنُ الوجهِ، إلا أن الإِضافة في الحسن الوجه والكريم الحسب وجميع بابهما هو الذي يختار، لأن الأسماء على حدها من الإِضافة إلا أن يحدث معنى المضارعة وإذا قلت: زيد حسن وجهه، وكريم أبوه، وفاره عبده٢، فهذا هو الأصل، وبعده في الحسن: زيد حسن الوجه، وكريم الحسب، ويجوز: زيد كريم الحسب وحسن الوجه ويجوز: زيد حسن وجهًا وكريم حسبًا ويجوز: زيد كريم حسب، وحسن وجه، والأصل ما بدأنا به.
واعلم: أنك إذا قلت: حسن الوجه فأضفت "حسنًا" إلى الألف واللام فهو غير معرفة، وإن كان مضافًا إلى ما فيه الألف واللام، من أجل أن.
_________________
(١) ١ في "ب" كقولك. ٢ فاره عبده: ساقطة في "ب".
[ ١ / ١٣٢ ]
المعنى حَسَن وجهه فهو نكرة، فكما أن الذي هو في معناه نكرة، ولذلك جاز دخول الألف واللام عليه، فقلت: الحسن الوجه، ولا يجوز الغلام الرجل، وجاز الحسن الوجه، وقولك: مررت برجل حسن الوجه، يدلك على أن حسن الوجه نكرة؛ لأنك وصفت به نكرة، واعلم: أن "حسنًا"١، وما "أشبهه"، إذا أعملته عمل اسم الفاعل فليس يجوز عندي أن يكون لما مضى ولا لما يأتي، فلا تريد به إلا الحال٢، لأنه صفة، وحق الصفة صحبة الموصوف، ومن قال: هذا حسنُ وجهٍ، وكريمُ حسبٍ، حجته أن الأول لا يكون معرفةً بالثاني أبدًا، فلما كان يعلم أنه لا يعني من الوجوه إلا وجهه ولم تكن الألف واللام بمعرفتين٣ للأول، كان/ ١٢٨ طرحهما أخف. ومن كلام العرب: هو حديث عهد بالوجه، قال الراجز:
لاحقُ بطنٍ بقرًا سَمينِ٤
ومن قال هذا القول قال: الحسنُ وجهًا، لأن الألف واللام يمنعان
_________________
(١) ١ في "ب" والصفة المشبهة. ٢ أي: الماضي المتصل بالزمن الحاضر، أما اسم الفاعل فيكون للأزمنة الثلاثة. ٣ في "ب" معرفتين بإسقاط الباء، ولم يسمع دخول الباء في خبر "كان" ولكن المؤلف شبهه بخبر "ليس" لأنه غير موجب. ٤ من شواهد سيبويه ١/ ١٠١ "على إضافة لاحق" إلى قوله: بطن مع حذف الألف واللام فهو بمنزلة: حسن وجه. وعو عجز بيت الحميد الأرقط وصدره: غيران ميفاءه على الرزون. غير أن: معناه أن له نشاطا في السير. وميفاء: هو الرخاء، وأصله موفاء فوقعت الواو ساكنة إثر كسرة فقلبت ياء: كميزان وميعاد. والروزن: الأرض، واللاحق: الضامر، وأصله أن يلحق بطنه ظهره ضمرا، والقرا: الظهر، يكتب بالألف لأنك تقول للطويلة الظهر قرواء وذكر في اللسان: أن تثنيته: قروان وقريان. يصف فرسا فقال: إنه لذو نشاط في جريه على الأرض المرتفعة، وإن بطنه الضامر قد لحق بظهره السمين من شدة الضمور. وأراد أن ضموره ليس عن هزال. وانظر المقتضب ٤/ ٥٩ وشرح السيرافي ٢/ ١٣ وشرح ابن يعيش ٦/ ٨٥ والمفصل للزمخشري ٢/ ١٢٤، والصبان جـ٢/ ٢٢٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
الإِضافة فلا يجوز أن تقول: هذا الحسن وجهٍ من أجل أن هذه إِضافة حقيقة على بابها، لم تخرج فيه معرفة إلى نكرة ولا نكرة إلى معرفة، فالألف واللام لا يجوز أن يدخلا على مضاف إلى نكرة، ولو قلت ذلك لكنت قد ناقضت ما وضع عليه الكلام، لأن الذي أضيف إلى نكرة يكون به نكرة، وما دخلت عليه الألف واللام يصير بهما معرفة، فيصير معرفة نكرة في حال وذلك محال١. وإنما جاز: الحسن الوجه "وما أشبهه" وإدخال الألف واللام على حسن الوجه؛ لأن "حسنًا" في المعنى منفصل، فإضافته غير حقيقية، والتأويل فيه التنوين، فكأنك قلت: حسن وجهه فلذلك جاز، فإذا قلت: حسن وجهٍ ثم أدخلت الألف واللام قلت: الحسن وجهًا، فتنصب الوجه الى التمييز٢ /١٢٩ أو الشبه بالمفعول به، لمّا امتنعت الإِضافة كما تقول: ضاربُ رجلٍ، ثم تقول: الضارب رجلًا وتقول: هو الكريم حسبًا والفاره عبدًا، ويجوز: الحسن الوجه؛ لأنه مشبه بالضارب الرجل؛ لأن الضارب بمعنى الذي ضَربَ، والفعل واصلٌ منه إلى الرجل على الحقيقة، وقد قالوا: الضارب الرجل فشبهوه بالحسن الوجه، كما شبهوا الحَسنِ الوجه به في النصب، وعلى هذا أنشد:
الوَاهِبُ المائة الهجانِ وَعْبدِهَا عُوذًا تُزجّي خلفَها أطفالُها٣
_________________
(١) ١ محال، ساقطة في "ب". ٢ النصب على التمييز لأنه نكرة. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ٩٤، وروايته: عوذا تزجى بينها أطفالها. على عطف "عبدها" على المائة وهو مضاف إلى غير الألف واللام، فهو مثل: الضارب الرجل عبد الله. وقد غلط سيبويه في استشهاده بهذا، لأن العبد مضاف إلى ضمير المائة وضميرها بمنزلتها، فكأنه قال: الواهب المائة وعبد المائة. يقول الشاعر: إن هذا الممدوح يهب المائة من الإبل الكريمة، ويهب راعيها أيضا. وهو المراد من العبد، وخص الهجان، لأنها أكرمها. والهجان: البيض، يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع، وعوذا: جمع عائذ وهو جمع غريب، والعائذ: الناقة إذا وضعت وبعد ما تضع أياما حتى يقوى ولدها. وقيل: العوذ: الحديثات النتاج قبل أن توفي خمس عشرة ليلة. ثم هي مطفل بعده وتزجي: تسوق. والبيت للأعشى يمدح قيس بن معد يكرب. وانظر المقتضب ٤/ ١٦٢. وشعراء النصرانية/ ٣٧١، وشرح ابن عقيل/ ٣٣٧. والديوان/ ٢٧.
[ ١ / ١٣٤ ]
والوجه: النصب في هذا، وتقول: هو الحسن وجهِ العبد، كما تقول: هو الحسن العبد، لأن ما أضيف إلى الألف واللام بمنزلة ما فيه الألف واللام، وتقول: على التشبيه بهذا "الضارب أخي الرجل"، كما تقول: الضارب الرجل، وتقول: مررت بالحسنِ الوجه الجميلة، ومررت بالحسن العبد النبيلةِ، فأما قولهم: الواهب المائة الهجان وعبدِها فإنما أردوا: عبدِ المائة كما تقول: كُل شاة/ ١٣٠ وسخلها، بدرهم، ورب رجل وأخيه لما كان المضمر هو الظاهر جرى مجراه.
وقال أبو العباس -﵀- في إنشادهم:
أَنَا ابنُ التَّارِكِ البَكْرِيِّ بِشْر عَلَيْهِ الطَّيْرُ تَرْقُبُهُ عُكُوفَا١
أنه لا يجوز عنده في "بشر" إلا النصب، لأنهم إنما يخفضونه على البدل وإنما البدل أن توقع الثاني موقع الأول، وأنت إذا وضعت "بشرًا "في موضع
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه جـ١/ ٩٣ على إضافة "التارك" إلى البكري تشبيها بالحسن الوجه لأنه مثله في إضافته إلى الألف واللام. "فبشر" لا يصح أن يكون بدلا من "البكري" لأنه لا يصح أن يحل محله فلا يقال: أنا ابن التارك بشر. والرواية المشهورة: عليه الطير ترقبه وقوعا. ترقبه: أي: تنتظر انزهاق روحه، لأن الطير لا يقع على القتيل وبه رمق ففيه حذف مضاف. وصف الشاعر أن أباه قد صرع رجلا من بكر فوقعت عليه الطير وبه رمق فجعلت ترقبه حتى يموت لتتناول منه، والوقوع هنا جمع واقع وهو ضد الطائر. والبيت للمرار بن سعيد الفقعسي. وانظر: ابن يعيش جـ٣/ ٧٢، ٧٤، وشرح ابن عقيل/ ٣٩٤ والمفصل للزمخشري/ ١٢٢.
[ ١ / ١٣٥ ]
الأول لم يكن إلا نصبًا، فأما نظير هذا قولك: يا زيد أخانا، على البدل.
وقال النحويون١: "بشر".
واعلم: أن كل ما يجمع بغير الواو والنون نحو: حسن وحسان فإن الأجود فيه أن تقول: مررت برجل حسان قومه، من قبل أن هذا الجمع المكسر هو اسم واحد صيغ للجمع، ألا ترى أنه يعرب كإعراب الواحد المفرد، لا كإعراب التثنية، والجمع السالم الذي على حد التثنية، فأما ما كان يجمع مسلمًا بالواو والنون نحو: "منطلقين" فإن الأجود فيه أن تجعله بمنزلة الفعل المقدم فتقول: مررت برجل منطلق قومه، وأسماء الفاعلين وما يشبهها إذا ثنيتها أو جمعتها الجمع الذي على حد التثنية/ ١٣٢. بالواو والياء والنون لم تثن وتجمع إلا وفيها ضمير الفاعلين مستترًا، تقول: الزيدان قائمان، فالألف والنون إنما جيء بهما للتثنية، وتقول: الزيدون قائمون، فالواو والنون إنما جيء بهما للجمع، وليست بأسماء الفاعلين التي هي كناية كما هي في "يفعلان ويفعلون" لأن الألف في "يفعلان" والواو في "يفعلون" ضمير الفاعلين.
فإن قلت: الزيدان قائم أبواهما، لم يجز أن تثني "قائمًا" لأنه في موضع "يقوم أبواهما" إلا في قول من قال: أكلوني٢ البراغيث، فإنه يجوز على قياسه مررت برجل قائمين أبوه. فاعلم.
_________________
(١) ١ قال سيبويه بعد أن ذكر البيت سمعناه ممن يرويه عن العرب وأجرى بشرا على مجرى المجرور لأنه جعله بمنزلة ما يكف منه التنوين.. الكتاب ١/ ٩٣. وقد خولف سيبويه في جر بشر وحمله على لفظ البكري لأنك لو وضعته موضعه لم يتسع لك أن تقول: أنا ابن التارك بشر، كما لا تقول: الضارب زيد. والصحيح ما أجازه سيبويه لأخذه عن العرب. ٢ أي: إن الواو علامة للجمع وليست فاعلا، لأنه لا يوجد فاعلان لفعل واحد.
[ ١ / ١٣٦ ]
شرح الثالث: وهو المصدر.
اعلم: أن المصدر يعمل عمل الفعل، لأن الفعل اشتق منه١ وبُنيَ مثله للأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، نقول من ذلك: عجبت من ضرب زيد عمرًا إذا كان زيد فاعلًا٢ / ١٣٣ وعجبت من ضرب زيد عمروٌ٣ إذا كان زيدٌ مفعولًا، وإن شئت نونت المصدر وأعربت ما بعده بما يجب له لبطلان الإِضافة فاعلًا كان أو مفعولًا فقلت: عجبت من ضرب زيد بكرًا، ومن ضرب زيدًا بكر، وتدخل الألف واللام على هذا فتقول عجبت من الضرب زيدًا بكر، لا يجوز أن تخفض "زيدًا" من أجل الألف واللام، لأنهما لا يجتمعان والإِضافة كالنون والتنوين.
وقال قوم: إذا قلت: أردت الضرب زيدًا إنما نصبته بإضمار فعل، لأن الضرب لا ينصب وهو عندي قول حسن.
واعلم: أنه لا يجوز أن يتقدم الفاعل ولا المفعول الذي مع المصدر على المصدر؛ لأنه في صلته، وكذلك إن وكد ما في الصلة أو وصف، لو قلت: دارك أعجب زيدًا دخول عمرو، فتنصب الدار بالدخول كان خطأ.
وقال قوم إذا قلت: أعجبني ضرب زيدًا فليس من كلام العرب أن ينونوا، وإذا نونت عملت بالفاعل والمفعول ما كنت تعمل قبل التنوين، قالوا: فإن أشرت/ ١٣٤ إلى الفاعل نصبت فقلت: أَعجبني ضربٌ زيدًا، وإن شئت رفعت وأردت: أعجبني أن ضُرِبَ زيد.
_________________
(١) ١ لأن مذهب البصريين: أن المصدر أصل للفعل، فالمصدر يدل على زمان مطلق، والفعل يدل على زمان معين: فكما أن المطلق أصل للمقيد، فكذلك المصدر أصل للفعل. ٢ ضرب، مصدر مضاف إلى فاعله وهو "زيد" فزيد مجرور لفظا بالمضاف مرفوع حكما لأنه فاعل. ٣ حذفت واوا زائدة قبل "إذا".
[ ١ / ١٣٧ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: أعجب ركوبك الدابة زيدًا، فالكاف في قولك: "ركوبك" مخفوضة بالإِضافة، وموضعها رفع، والتقدير: أعجب زيدًا أن ركبت الدابة، فالمصدر يجر ما أضيف إليه فاعلًا كان أو مفعولًا، ويجري ما بعده على الأصل، وإضافته إلى الفاعل أحسن، لأنه له: كقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ ١، وإضافته إلى المفعول حسنة، لأنه به اتصل وفيه حل، وتقول: أعجبني بناء هذه الدار، وترى المجلود فتقول: ما أشد جلده، وما أحسن خياطة هذا الثوب، فعلى هذا تقول: أعجب ركوب الدابة عمرو زيدًا إن أردت: أعجب أن ركب الدابة عمرو زيدًا، فالدابة وعمرو وركب في صلة "أن" وزيد منتصب "بأعجب" خارج من الصلة فقدمه إن شئت قبل أعجب، وإن شئت جعلته بين "أعجب"، وبين/ ١٣٥ الركوب وكذلك: عجبت من دق الثوب القصار٢، ومن أكل الخبز زيدٌ، ومن أشباع الخبز زيدًا فإن نونت المصدر أو أدخلت فيه ألفًا ولامًا امتنعت الإِضافة، فجرى كل شيء على أصله فقلت: أعجب ركوب زيد الدابة عمرًا، فإن شئت قلت: أعجب ركوب الدابة زيد عمرًا، ولا يجوز أن تقدم الدابة، ولا زيدًا قبل الركوب؛ لأنهما من صلته، فقد صارا منه كالياء والدال من "زيد" وتقول: ما أعجب شيء شيئًا إعجاب زيد ركوب الفرس عمرو، ونصبت "إعجابًا" لأنه مصدر وتقديره: ما أعجب شيء شيئًا إعجابًا مثل إعجاب زيد، ورفعت الركوب بقولك: "أعجب" لأن معناه: كما أعجب زيدًا أن ركب الفرس عمرو، وتقول: أعجب الأكل الخبز زيد عمرًا، كما وصفت لك، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ٣، فالتقدير: أو أن يطعم لقوله: وما أدراك فعلى هذا يجري ما
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٥١. ٢ القصار: قصر الثوب قصارة، وقصره: كلاهما، حوره ودقه، ومنه سمي القصار. ٣ البلد: ١٤، وفي الآية المصدر منون.
[ ١ / ١٣٨ ]
ذكرت لك ولو قلت: عمرًا أعجبني أن ضرب خالدًا، كان خطأ، لأن/ ١٣٦ عمرًا من الصلة.
ومن قال: هذا الضارب الرجل، لم يقل: عجبت من الضرب الرجل لأن الضرب ليس بنعت، والضارب نعت كالحسن، وهو اسم الفاعل من "ضرب" كما أن حسنًا اسم الفاعل من "حسن" ويحسن، وهما نعتان مأخوذان من الفعل للفاعل، وتقول: أعجبني اليوم ضرب زيد عمرًا، "إن جعلت اليوم" نصبًا بأعجبني فهو جيد، وإن نصبته بالضرب كان خطأ، وذلك لأن الضرب في معنى "أن ضرب" وزيد وعمرو من صلته فإذا كان المصدر في معنى "إن فعل" أو "أن يفعل" فلا يجوز أن ينصب ما قبله، ولا يعمل إلا فيما كان من تمامه فيؤخر بعض الاسم، ولا يقدم بعض الاسم على أوله، فإن لم يكن في معنى "إن فعل" وصلتها أعملته عمل الفعل إذا كان نكرة مثله، فقدمت فيه وأخرت وذلك قولك ضربًا زيدًا، وإن شئت: زيدًا ضربًا؛ لأنه ليس فيه معنى "أن" إنما هو أمر، وقولك ضربًا زيدًا ينتصب بالأمر، كأنك قلت: اضرب زيدًا، إلا أنه صار بدلًا من الفعل لما حذفته/ ١٣٧ وحكى قوم أن العرب قد وضعت الأسماء في مواضع المصادر فقالوا: عجبت من طعامك طعامًا، يريدون: من إطعامك، وعجبت من دهنك لحيتك، يريدون: من دهنك، قال الشاعر:
أظليمَ إنَّ مُصابَكُم رَجُلًا أَهْدَى السَّلامَ تَحِيَةً ظُلْمُ١
أراد: إن أصابتكم.
_________________
(١) ١ وروي البيت: أظلوم إن مصابكم. والصواب: أظليم، كما رواه ابن السراج، لأنه مرخم "ظليمة" تصغير "ظلمة" وظليمة هو اسم المرأة المشبب بها، ويروى الشطر الثاني رد السلام. ونسب هذا البيت للعرجي وللحارث بن خالد من أحفاد هشام بن المغيرة، وإلى عمر بن أبي ربيعة، وإلى أمية بن أبي الصلت. وانظر أخبار النحويين للسيرافي/ ٥٧، والاشتقاق لابن فارس/ ٩٩، ومجالس ثعلب/ ٢٧٠، والأغاني ٣/ ٩٧، والفاخر للمفضل بن سلمة/ ١٧٦، وأمالي ابن الشجري ١/ ١٠٧.
[ ١ / ١٣٩ ]
ومنه قوله:
وبَعْدَ عطائِكَ المائة الرِّتَاعا١
أراد: بعد إعطائك، وقال هؤلاء القوم: إذا جاءت الأسماء فيها المدح والذم وأصلها ما لم يسم فاعله رفعت مفعولها فقلت: عجبت من جنون بالعلم، فيصير كالفاعل وإنما هو مفعول. هذا مع المدح والذم ولا يقال ذلك في غير المدح والذم.
_________________
(١) ١ منع البصريون إعمال اسم المصدر المأخوذ من حدث لغيره، كالثواب والكلام والعطاء إلا في الضرورة، أما الكوفيون والبغداديون فجوزوه قياسا إلحاقا بالمصدر كالشاهد المذكور: وبعد عطائك. وقال الكسائي: إمام أهل الكوفة إلا ثلاثة ألفاظ: الخبز والدهن والقوت، فإنها لا تعمل، فلا يقال: عجبت من خبزك الخبز ولا من دهنك رأسك ولا من قوتك عيالك. وأجاز الفراء ذلك وحكى عن العرب مثل: أعجبني دهن زيد لحيته وانظر الهمع جـ٢/ ٩٥. والشاهد عجز بيت للقطامي عمير بن شييم من بني تغلب. وصدره. أكفرا بعد رد الموت عني وبعد عطائك وكان يمدح زفر بن الحارث الكلابي، وقد أسره في حرب فمن عليه وأعطاه مائة من الإبل. وانظر الكتاب جـ١/ ٣٣١، والحجة لأبي علي جـ١/ ١٣٥، وأمالي ابن الشجري/ ١٤٢، والتمام في تفسير أشعار هذيل/ ٧٢. والأغاني جـ٢/ ٣١٠، والشعر والشعراء/ ٣٧٧، والخزانة جـ١/ ٣٩١ والديوان/ ٣٧.
[ ١ / ١٤٠ ]
شرح الرابع: وهو ما كان من الأسماء التي سموا الفعل بها.
موضع هذه الأسماء من الكلام في الأمر والنهي، فما كان فيها في معنى ما لا يتعدى من الأفعال فهو غير متعد، وما كان منها في معنى فعل متعد تعدى، وهذه الأسماء على ثلاثة أضرب: فمنها اسم مفرد واسم مضاف، واسم استعمل مع/ ١٣٨ حرف الجر.
فالضرب الأول: قولك: هلم زيدًا. ورويد زيدًا، وحَيَّ هل الثريد، وزعم أبو الخطاب١: أن بعض العرب يقول: حي هل الصلاة٢. ومن ذلك: تراكها ومناعها وهذه متعدية، والمعنى: اتركها وامنعها، وأما ما لا يتعدى فنحو: مه، وصه، وأيه.
والضرب الثاني: وهي الأسماء المضافة، ومنها أيضًا ما يتعدى وما لا يتعدى، فأما المتعدي فنحو: دونك زيدًا، وعندك زيدا، وذكر سيبويه: أن أبا الخطاب حدثه بذلك٣، وحذرك زيدًا، وحذارك زيدًا، وأما ما لا يتعدى، فمكانك وبعدك وخلفك إذا أردت تأخر، وحذرته شيئًا خلفه، وفرطك إذا حذرته من بين يديه شيئًا وأمرته أن يتقدم، وأمامك، ووراءك.
والضرب الثالث: ما جاء مع أحرف الجر نحو: عليك زيدًا وإليك إذا قلت: تنح.
وذكر سيبويه: أن أبا الخطاب حدثه: أنه سمع من يُقال له إليك،
_________________
(١) ١ أبو الخطاب: هو الأخفش الأكبر عبد الحميد بن عبد المجيد المتوفى "١٧٧هـ"، وكان أول من كتب تفسير الأشعار بين السطور، كما كان هو وعيسى بن عمر الثقفي أستاذي أبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة والأصمعي، ترجمته: طبقات الزبيدي رقم ١١٠- نزهة الألباء/ ٥٣، والمزهر جـ٢/ ٣١٣. ٢ نظر الكتاب ١/ ١٢٣، جـ/ ٥٢. ٣ انظر الكتاب ١/ ١٢٦.
[ ١ / ١٤١ ]
فيقول: "إليَّ" في هذا الحرف وحده، كأنه قال له: تنح فقال: أتنحى١، ولا يجوز مثل هذا في أخوات إليَّ٢ لأن/ ١٣٩ هذا الباب إنما وضع في الأمر مع المخاطب، وما أُضيف فيه فإنما يُضاف إلى كاف علامة المخاطب المتكلم، ولا يجوز أن تقول: رويده زيدًا ودونه عمرًا، تريد غير المخاطب٣. وحكي أن بعضهم قال: عليه رجلًا ليسي، أي: غيري. وهذا قليل شاذ٤. وجميع هذه الأسماء لا تصرف تصرف الفعل.
وحكي أن ناسًا من العرب يقولون: هلمي، وهلما، وهلموا٥، فهؤلاء جعلوه فعلًا والهاء للتنبيه، ولا يجوز أن تقدم مفعولات هذه الأسماء من أجل أن ما لا يتصرف لا يتصرف عمله فأما قول الله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ٦ فليس هو على قوله: عليكم كتاب الله، ولكنه مصدر محمول على ما قبله؛ لأنه لما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ٧ فأعلمهم: أن هذا مكتوب مفروض فكان بدلًا من قوله: كتاب الله ذلك، فنصب "كتاب٨ الله"وجعل عليكم تبيينا.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١٢٦. ٢ مثل دوني وعلى: لأنهما ليس لهما قوة الفعل فيقاس. ٣ لأنه ليس بفعل ولا يتصرف تصرفه. ٤ في الكتاب ١/ ١٢٦ قال سيبويه: وحدثني من سمعه أن بعضهم قال: عليه رجلا ليسي وهذا قليل شبهوه بالفعل. ٥ قال سيبويه: واعلم: أن ناسا من العرب يجعلون هلم بمنزلة الأمثلة التي أخذت من الفعل. يقولون: هلمي وهلما، وهلموا. الكتاب جـ١/ ١٢٧. هذا على لغة بني تميم لأنهم يجعلونها فعلا صحيحا، ويجعلون الياء زائدة. وفي البحر المحيط ٣/ ٢١٤: كتاب الله: انتصب بإضمار الفعل، وهو فعل مؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله: حرمت عليكم وكأنه قيل: "كتب الله عليكم تحريم ذلك كتابا". ٦ النساء: ٢٤. ٧ النساء: ٢٣. ٨ نصب "كتاب الله" للمصدر.
[ ١ / ١٤٢ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: رويدكم أنتم وعبد الله، لأن المضمر في النية مرفوع/ ١٤٠ ورويدكم وعبد الله، وهو قبيح إذا لم تؤكده١، ورويدكم أنتم أنفسكم ورويدكم أجمعون، ورويدكم أنتم أجمعون، كل حسن، وكذلك رويد، إذا لم يلحق فيه الكاف تجري هذا المجرى، وكذلك الأسماء التي للفعل جمعًا إلا أن هلم إذا لحقتها "لك" فإن شئت حملت أجمعين، ونفسك على الكاف المجرورة فقلت: هلم لكم أجمعين وأنفسكم، ولا يجوز أن تعطف على الكاف المجرورة الاسم، ألا ترى أنه يجوز: هذا لك نفسك، ولكم أجمعين، ولا يجوز: لك وأخيك، وإن شئت حملت المعطوف والتأكيد والصفة على المضمر المرفوع في النية فقلت: هلم لكم أجمعون، كأنك قلت: تعالوا أجمعون، وهلم لك أنت وأخوك، كأنك قلت: تعالى أنت وأخوك، فإن لم تلحق "لك" جرى مجرى رويد، ورويد يتصرف على أربع جهات: يكون أمرًا بمعنى: أرود أي: أمهل، ويكون صفة نحو: ساروا سيرًا رويدًا أي: سهلًا/ ١٤١ وتكون حالًا، تقول: ساروا رويدًا، أي: متمهلين وتكون مصدرًا نحو: رويد نفسه، وذكر سيبويه: أنه حدثه به من لا يتهم: أنه سمع العرب تقول: ضعه رويدًا [أي] ٢ وضعًا رويدًا٣. وتلحق "رويد" الكاف وهي في موضع "أفعل" تبيينا لا ضميرًا٤ فتقول: رويدك، وريدكم، وإنما تلحقها
_________________
(١) ١ قبح لحذف التوكيد، لكن إعرابه الرفع على كل حال. قال سيبويه ١/ ١٢٥. وتقول فيما يكون معطوفا على الاسم المضمر في النية. وما يكون صفة له في النية كما تقول في المظهر، أما المعطوف فكقولك: رويدكم أنتم وعبد الله. كأنك قلت: افعلوا أنتم وعبد الله، لأن المضمر في النية مرفوع فهو يجري مجرى المضمر الذي ثنيت علامته في الفعل. ٢ أضفت كلمة "أي" لأن السياق يقتضيها. ٣ انظر الكتاب ١/ ١٢٤ ونصه كما يلي:.. ومن ذلك قول العرب: ضعه رويدا، أي: وضعا رويدا. ٤ أي: زائدة للمخاطبة وليست باسم. قال سيبويه جـ١/ ١٢٤: واعلم: أن رويدا تلحقها الكاف وهي في: موضع "أفعل" وذلك قولك: رويدك زيدا ورويدكم زيدا.
[ ١ / ١٤٣ ]
لتبين المخاطب المخصوص فقط غير ضمير، وذلك إذ كانت تقع لكل مخاطب على لفظ واحد. ولك أن لا تذكرها، ومثلها في ذا: حيهل، وحيهلك، فالكاف للخطاب، وليست باسم، ومثل هذا في كلامهم كثير.
قال سيبويه: وقد يجوز عليك أنفسكم وأجمعين، وقال: إذا قلت: عليكم زيدًا فقد أضمرت فاعلًا في النية، فإذا قلت: عليك أنت نفسك لم يكن إلا رفعًا. ولو قلت في: عليَّ زيدًا أنا نفسي، لم يكن إلا جرا، وإنما جاءت الياء والكاف لتفصلا بين المأمور والأمر في المخاطبة١، وكذلك: حذرك بمنزلة عليك، والمصدر وغيره/ ١٤٢ في هذا الباب سواء، ومن جعل: رويد مصدرًا قال: رويدك نفسك إن حمله على الكاف وإن حمله على المضمر في النية رفع. قال: وأما قول العرب: رويدك نفسك فإنهم يجعلون النفس بمنزلة عبد الله إذا أمرته٢ به، وأما حيهلك، وهاءك وأخواتها فلا يكون الكاف فيها إلا للخطاب، ولا موضع لها من الإِعراب؛ لأنهن لم يجعلن مصادر. أما قولك: دونك زيدًا، ودونكم إذا أردت تأخر فنظيرها من الأفعال، جئت يا فتى، يجوز أن تخبر عن مجيئك لا غير، وجائز أن تعديها فتقول: جئت زيدًا، وكذلك تقول: عليّ زيدًا، وعليّ به، فإذا قلت: عليّ زيدًا، فمعناه أعطني زيدًا، وإذا قلت: عليك زيدًا فمعناه: خذ زيدًا، ومعنى "حيهل" أقرب وجائز أن يقع في معنى قرب، فأما قولك: أقرب، فكقولك: حيهل الثريد أي: أقرب منه، وآته، وفتح حيهل كفتح خمسة عشر لأنهما شيئان ٣ /١٤٣ جملًا شيئًا واحدًا.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١٢٦-١٢٧. ٢ انظر الكتاب ١/ ١٢٧. ٣ قال سيبويه: ٢/ ٥٢: وأما حيهل التي للأمر فمن شيئين: يدلك على ذلك: حي على الصلاة: وأما المبرد فقال: حيهل: فإنما هي اسمان جعلا اسما واحدا، وانظر المقتضب ٣/ ٢٠٥. أما أنها مفتوحة كفتح خمسة عشرة فمعناه: أنها مبنية.
[ ١ / ١٤٤ ]
فأما قول الشاعر:
يَوم كَثيرٌ تُناديهِ وحيَّ هلُهْ١
فإنه جعله اسمًا فصار كحضرموت ولم يأمر أحدًا بشيء. وقد توصل بـ"علي" كما وصلت بـ"هل" هذه، فمن ذلك: حيَّ على الصلاة.
إنما معناه: أقربوا من الصلاة، وإيتوا الصلاة.
وفي "حيهل" ثلاث لغات: فأجودهن أن تقول: حيَّهلْ بعمر، فإذا وقفت قلت: حيهلا، الألف ههنا لبيان الحركة كالهاء في قوله: كتابيه، وحسابيه؛ لأن الألف من مخرج الهاء ومثل ذلك قولك: أنا قلت ذاك، فإذا وقفت قلت: أناه. ويجوز: حيهلًا بالتنوين تجعل نكرة، ويجوز: حيهلا بعمر، وهي أردأ اللغات.
قال أبو العباس: وأما "حي هلا" فليست بشيء٢.
_________________
(١) عجز بيت من شواهد سيبويه ٢/٥٢ على إعراب "حيهله" بالرفع؛ لأنه جعله وإن كان مركبا من شيئين: اسما للصوت بمنزلة معد يكرب في وقوعه اسما للشخص، وكأنه قال: كثير تناديه وحثه ومبادرته، لأن معنى قولهم: حي هل، عجل وبادر. وتكملته: وهيج الحي من دار فظل لهم يوم كثير وهيج: بمعنى فرق، ودار: واد قريب من هجر. وظل استمر. قيل فاعل هيج ضمير غراب البين، والتنادي: مصدر تنادي، أي: نادى القوم بعضهم بعضا. وصف الشاعر: جيشا سمع به وخيف منه فانتقل عن المحل من أجله وبودر بالانتقال قبل لحاقه. ولم ينسب لأحد معين غير أن شارح أبيات المفصل للزمخشري قال: هو للنابغة الجعدي يهجو به ليلى الأخيلية وكانت بينهما مهاجاة. وانظر: المقتضب ٣/ ٢٠٦ وشرح السيرافي ٤/ ١٢٩، والمفصل للزمخشري/ ١٥٤. وابن يعيش ٤/ ٤٦. ٢ انظر المقتضب ٣/ ٢٠٥: لم يوجد النص الذي ذكره المؤلف، بل قال المبرد: ومن هذه الحروف "حيهل" فإنما هي اسمان جعلا اسما واحدا، وفيه أقاويل: فأجودها: حيهل بعمر، فإذا وقفت قلت: حيهلا، فجعلت الألف لبيان الحركة، جائز أن تجعله نكرة فتقول: حيهلا يا فتى، وجائز أن تثبت الألف وتجعله معرفة، فلا تنون، والألف زيادة ومعناه: قربه، وتقديره في العربية: بادر بذكره.
[ ١ / ١٤٥ ]
"وهلم" إنما هي لُمَّ، أي: أقرب وها للتنبيه، إلا أن الألف حذفت فيها لكثرة الاستعمال وأنهما جعلا شيئًا واحدًا، فأما أهل الحجاز فيقولون للواحد والاثنين والمرأة وللجماعة من الرجال والنساء: هلم على لفظ واحد كما يفعلون/ ١٤٤ ذلك في الأشياء التي هي أسماء للفعل وليس بفعل، قال الله ﷿: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ ١ إِلَيْنَا﴾ واستجازوا ذلك لإِخراجهم إياها عن مجرى الأفعال، حيث وصلوها بحرف التنبيه كما أخرجوا خمسة عشر من الإِعراب. فأما بنو تميم: فيصرفونها٢ فيقولون للاثنين: هلما وللأنثى هلمي، كما تقول: رد، وردا، وردوا، وارددن، وردي.
قال أبو بكر: وقد مضى ذكر الأسماء التي تعمل عمل الفعل بعد أن ذكرنا الأسماء المرتفعة فلم يبق اسم يرتفع إلا أن يكون تابعًا لاسم٣ من الأسماء التي قدمنا ذكره وأن تكون مبنيا مشبهًا بالمعرب.
فأما التوابع فنحو: النعت والتأكيد والبدل والعطف، ونحن نذكرها بعد ذكر الأسماء المنصوبات والمجرورات، وأما ما كان من الأسماء مبنيا مشبهًا للمعرب فنداء المفرد نحو قولك: يا زيد ويا حكم العاقلُ والعاقلَ، ويا حكمان، ويا حكمون، فهذا موضعه نصب وليس بمعرب وإنما حقه/ ١٤٥ أن يذكر مع ذكر المبنيات من أجل أنه مبني وينبغي أيضًا أن يذكر مع المنصوبات من أجل أن موضعه منصوب، فنحن نعيده إذا ذكرنا النداء إن
_________________
(١) ١ الأحزاب: ١٨. ٢ استدل بنو تميم على تركيبها بدخول نون التوكيد فقالوا: هلمن، كأنك قلت: الممن فأذهبت ألف الوصل. وهي عندهم بمنزلة: رد، وردا، وردي، وأردد، كما تقول: هلم، وهلما، وهلمي، وهلممن، والهاء فضل وإنما هي هاء التنبيه، ولكنهم حذفوا الألف لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم. انظر الكتاب ٢/ ١٥٨. ٣ في الأصل: "للاسم".
[ ١ / ١٤٦ ]
شاء الله. وقبل أن نذكر المنصوبات نقدم ذكر المعرفة والنكرة للانتفاع بذلك فيها وفي المرفوعات أيضًا إن شاء الله.
[ ١ / ١٤٧ ]
باب المعرفة والنكرة
مدخل
باب المعرفة والنكرة:
كل اسم عم اثنين فما زاد فهو نكرة، وإنما سمي نكرة من أجل أنك لا تعرف به واحدًا بعينه إذا ذكر.
والنكرة تنقسم قسمين: فأحد القسمين: أن يكون الاسم في أول أحواله نكرة مثل: رجل، وفرس وحجر وجمل وما أشبه ذلك.
والقسم الثاني: أن يكون الاسم صار نكرة بعد أن كان معرفة وعرض ذلك في الأصل الذي وضع له غير ذلك نحو أن يُسمى إنسان بعمرو، فيكون معروفًا بذلك في حيه، فإن سمي باسم آخر لم نعلم إذا قال القائل: رأيت عمرًا، أي العمرين هو ومن أجل تنكره دخلت عليه الألف واللام إذا ثني وجمع/ ١٤٦.
وتعتبر النكرة بأن يدخل عليها "رُبَّ" فيصلح ذلك فيها، أو ألف ولام فيصير بعد دخول الألف واللام معرفة، أو تثنيها وتجمعها بلفظها من غير إدخال ألف ولام عليها، فجميع هذا وما أشبهه نكرة، والنكرة قبل المعرفة، ألا ترى أن الإِنسان اسمه إنسان يجب له هذا الاسم بصورته قبل أن يعرف باسم، وأكثر الأسماء نكرات، وهذه النكرات بعضها أنكر من بعض، فكلما كان أكثر عمومًا فهو أنكر مما هو أخص منه، فشيء أنكر من قولك: حي، وحي أنكر من قولك: إنسان، فكلما قل ما يقع عليه الاسم فهو أقرب إلى التعريف، وكلما كثر كان أنكر، فاعلم.
[ ١ / ١٤٨ ]
ذكر المعرفة:
والمعرفة خمسة أشياء: الاسم المكني١، والمبهم، والعلم، وما فيه الألف واللام، وما أُضيف إليهن.
فأما المكني: فنحو قولك: هو، وأنت، وإياك، والهاء في "غلامه وضربته" والكاف في غلامك، وضربك/ ١٤٧ والتاء في "قمتُ" وقمتِ وقمتَ يا هذا.
فأما المبهم: فنحو: هذا، وتلك، وأولئك، المكنيات والمبهمات موضع يستقصى ذكرها فيه إن شاء الله.
وأما العلم: فنحو: زيد وعمر وعثمان.
واعلم: أن اسم العلم على ثلاثة أضرب: إما أن يكون منقولًا من نكرة أو مشتقا منها أو أعجميا أعرب.
فأما المنقول: فعلى ضربين: أحدهما من الاسم والآخر من صفةٍ. أما المنقول من الاسم النكرة فنحو: حجر وأسد٢، فكل واحد من هذين نكرة في أصله فإذا سميت به صار معرفة، وأما المنقول من صفة فنحو: هاشم وقاسم وعباس وأحمر، لأن هذه أصولها صفات تقول: مررت برجل هاشم ورجل قاسم وبرجل عباس.
وأما الأسماء المشتقة: فنحو: عمر، وعثمان، فهذان مشتقان من عامر وعاثم وليسا بمنقولين، لأنه ليس في أصول النكرات عثمان، ولا/ ١٤٨ عمر، إلا أن تريد جمع عمرة.
_________________
(١) ١ وهو الضمير، وهذا اصطلاح كوفي. ٢ في المخطوط الجملة مضطربة هكذا: فأما المنقول فعلى ضربين: أحدهما من الاسم والآخر من صفة، فإما المنقول من اسم نكرة، وإما منقول من صفة، فأما المنقول من الاسم فنحو النكرة، فالاسم نحو: حجر وأسد..
[ ١ / ١٤٩ ]
فأسماء الأعلام لا تكاد تخلو من ذلك، فإن جاء اسم عربي لا تدري مِمَّ نقل أو اشتق فاعلم: إن أصله ذلك وإن لم يصل إلينا علمه قياسًا على كثرة ما وجدناه من ذلك. ولا أدفع أن يخترع بعض العرب في حال تسميته اسمًا غير منقول من نكرة ولا مشتق منها. ولكن العام والجمهور ما ذكرت لك.
وأما الأعجمية فنحو: إسماعيل، وإبراهيم، ويعقوب، فهذه أعربت من كلام العجم. وأما ما فيه الألف واللام، فإن الألف واللام يدخلان على الأسماء النكرات على ضربين: إمّا إشارة إلى واحد معهود بعينه أو إشارة إلى الجنس، فأما الواحد المعهود: فأن يذكر شيء فتعود لذكره فتقول: الرجل وكذلك الدار، والحمار وما أشبهه، كأن قائلًا قال: كان عندي رجل من أمره ومن قصته، فإن أردت أَنْ يعود/ ١٤٩ إلى ذكره. قلت: ما فعل الرجل للعهد الذي كان بينك وبين المخاطب من ذكره، وأما دخولها للجنس فأن تقول: أهلك الناس الدينار والدرهم، لا تريد دينارًا بعينه ولا درهمًا بعينه١ ولكن كقوله ﷿: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢ يدلك الاستثناء على أن الإِنسان في معنى الناس٣ وأما ما أُضيف إليهن فنحو قولك: غلامك. وصاحبك وغلام ذاك، وصاحب هذه، وغلام زيد، وصاحب عمرو، وغلام الرجل. وصاحب الإِمام ونحو ذلك.
_________________
(١) ١ وإنما يريد الجميع. ٢ العصر: ٢، و"أل" في الإنسان لاستغراق الجنس. ٣ ألا تراه قال: إلا الذين آمنوا ولا يستثني من الشيء إلا بعضه.
[ ١ / ١٥٠ ]
مسائل في المعرفة والنكرة:
تقول: هذا عبد الله، فهذا اسم معرفة. وعبد الله اسم معرفة وهذا مبتدأ وعبد الله خبره، فإن جئت بعد عبد الله بنكرة نصبتها على الحال، فقلت: هذا عبد الله واقفًا، وكذلك كل اسم علم يجري مجرى عبد الله وتقول: هذا أخوك، فهذا معرفة وأخوك، معرفة بالإِضافة إلى الكاف،
[ ١ / ١٥٠ ]
فإن/ ١٥٠ جئت بنكرة قلت: هذا أخوك قائمًا، قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ ١. وأجاز أصحابنا الرفع في مثل هذه المسألة٢ على أربعة أوجه: أحدهما: أن تجعل "أخاك" بدلًا٣ من "هذا" وتجعل قائمًا خبر "هذا" والآخر: أن تجعل "أخاك" خبرًا لـ"هذا" وتضمر "هذا" من الأخ كأنك قلت: هذا أخوك هذا قائم، وإن شئت أضمرت "هو" كأنك قلت: هذا أخوك هو قائم وإن شئت كان "أخوك" وقائم خبرًا واحدًا٤، كما تقول: هذا حلو حامض أي: قد جمع الطعمين، ومثل هذا لا يجوز أن يكون "حلو" الخبر وحده ولا حامض الخبر وحده، حتى تجمعهما٥، وإذا قلت: هذا الرجل ولم تذكر بعد ذلك شيئًا، وأردت بالألف واللام العهد، فالرجل خبر عن "هذا" فإن جئت بعد "الرجل" بشيء يكون خبرًا جعلت "الرجل" تابعًا لـ"هذا" كالنعت؛ لأن المبهمة توصف بالأجناس، وكان ما بعده خبرًا عن "هذا" فقلت: هذا الرجل عالم، وهذه/ ١٥١ المرأة عاقلة، وهذا الباب جديد، فترفع "هذا" بالابتداء وترفع ما فيه الألف واللام بأنه صفة وتجعلهما كاسم واحد.
ومنه قول النابغة الذبياني:
تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَهَا فَعَرفتها لِسِتَّةِ أعوامٍ وذَا العامُ سَابعُ٦
_________________
(١) ١ هود: ٧٢. وقرئ في الشواذ "شيخ" بالرفع - الإتحاف/ ٢٥٩. وانظر سيبويه جـ١/ ٢٥٨ والعامل المعنوي في الحال: الظرف، والجار والمجرور وحرف التثنية، نحو: ها أنا زيد قائما، واسم الإشارة نحو: ذا زيد راكبا، وحرف النداء، نحو: يا ربنا منعما، وانظر شرح الكافية ١/ ١٨٣. ٢ أي: إذا قال: هذا أخوك قائم. انظر الكتاب ١/ ٢٥٨. ٣ ويجوز أن يكون تبيينا "لهذا". ٤ أي: أنه جمع ذا وذا. ٥ لأنه لا يريد أن تنقض الحلاوة بالحموضة. ٦ من شواهد سيبويه جـ١/ ٢٦٠ "على رفع" سابع خبرا عن "ذا" لأن "العام" من صفته. فكأنه قال: وهذا سابع. والآيات: العلامات. يقول: تفرست بعلامات هذه الدار. ولم أتعرف عليها إلا بعد نظر واستدلال لفرط خفائها. وفي بعض طبعات الديوان: ما عرفتها. وانظر المقتضب ٤/ ٣٢٢، والصاحبي/ ٨٥، وشرح السيرافي ٣/ ١٩٩ والحجة ١/ ١٩٣. والعيني ٤/ ٤٨٢. والديوان/ ٤٨.
[ ١ / ١٥١ ]
فإن أردت بالألف واللام المعهود، جاز نصب ما بعده فقلت: هذه المرأة عاقلة، وهذا الرجل عالمًا، فإذا كانت الألف واللام في اسم لا يراد به واحد من الجنس وهو كالصفة الغالبة نصبت ما بعد الاسم على الحال، وذلك قولك: هذا العباس مقبلًا، وإن كان الاسم ليس بعلم ولكنه واحد ليس له ثانٍ كان أيضًا الخبر منصوبًا كقولك: هذا القمر منيرًا وهذه الشمس طالعة وكذلك إن أردت بالاسم أن تجعله يعم الجنس كله، ويكون إخبارك عن واحده كإخبارك عن جميعه كان الخبر منصوبًا كقولك: هذا الأسد مهيبًا، وهذه العقرب مخوفة، إذا لم ترد عقربًا تراها ولا أسدًا تشير إليه/ ١٥٢ من سائر الأسد، ولا يجوز: هذا أنا، وهذا أنت، لأنك لا تشير للإِنسان إلى نفسه ولا تشير إلى نفسك، فإن أردت التمثيل أي: هذا يقوم مقامك ويغني غناءك، جاز أن تقول: هذا أنت وهذا أنا والمعنى: هذا مثلك، وهذا مثلي وأما قولك: هذا هو فبمنزلة قولك: هذا عبد الله إذا كان هو إنما يكون كناية عن عبد الله وما أشبهه، ألا ترى أنك تكون في حديث إنسان فيسألك المخاطب عن صاحب القصة من هو؟ فتقول: هذا هو، وقال قوم: إن كلام العرب أن يجعلوا هذه الأسماء المكنية بين "ها وذا" وينصبون أخبارها على الحال فيقولون: ها هو ذا قائمًا، وها أنذا جالسًا، وها أنت ذا ظالمًا، وهذا الوجه يسميه الكوفيون التقريب١ وهو إذا كان الاسم ظاهرًا جاء بعد "هذا" مرفوعًا ونصبوا الخبر معرفة كان أو نكرة/ ١٥٣، فأما البصريون فلا
_________________
(١) ١ أضاف الكوفيون إلى "كان" وأخوتها، "هذا وهذه" وفي الاحتياج إلى مرفوع ومنصوب وذلك إذا قصد بهما التقريب، قال الفراء: أن يكون ما بعد "هذا" واحدا لا نظير له، فالفعل حينئذ أيضا منصوب: وإنما نصبت الفعل لأن "هذا" ليس بصفة للأسد، إنما دخلت تقريبا.. انظر معاني القرآن ١/ ٨. وكان ثعلب يقول: إن الكوفيين يسمون "هذا زيد القائم" تقريبا، أي: قرب الفعل به، وحكى: كيف أخاف الظلم وهذا الخليفة قادما أي: الخليفة قادم. فكلما رأيت "هذا" يدخل ويخرج والمعنى واحد فهو تقريب.. مجالس ثعلب/ ٤٢٧.
[ ١ / ١٥٢ ]
ينصبون إلا الحال١. وتقول: هذا هذا، على التشبيه، وهذا ذاك، وهذا هذه.
واعلم: أن من الأسماء مضافات إلى معارف ولكنها لا تتعرف بها، لأنها لا تخص شيئًا بعينه، فمن ذلك: مثلك وشبهك وغيرك، تقول: مررت برجل مثلك وبرجل شبهك، وبرجل غيرك، فلو لم يكن نكرات ما وصف بهن نكرة وإنما نكرهن معانيهن، ألا ترى أنك إذا قلت: مثلُكَ. جاز أن يكون "مثلك" في طولك أو لونك أو في علمك، ولن يحاط بالأشياء التي يكون بها الشيء مثل الشيء لكثرتها وكذلك شبهك وأما غيرك فصار نكرة، لأن كل شيء مثل الشيء عداك فهو غيرك، فإن أردت بمثلك وشبهك المعروف بشبهك فهو معرفة، وأما شبيهك فمعرفة، ولم يستعمل كما استعمل "شبهك" المعروف بأنه يشبهك وتقول/ ١٥٤ هذا واقفًا زيد، وهذا واقفًا رجل، فتنصب "واقفًا" على الحال، وإن شئت رفعت فقلت هذا واقف رجل فتجعل "واقفٌ" خبر "هذا" ورجل بدل منه، وكذلك زيد وما أشبهه وينشد هذا البيت على وجهين:
أترضى بأَنَّا لَمْ تَجفَّ دِماؤُنَا وهذا عَرُوس باليَمَامَةِ خَالِدُ٢
_________________
(١) ١ في الكتاب ١/ ٧٦٠ باب ما يرتفع فيه الخبر، لأنه مبني على مبتدأ، أو ينتصب فيه الخبر، لأنه حال لمعروف مبني على مبتدأ، فأما النصب فقولك: هذا الرجل منطلقا، جعلت الرجل مبنيا على "هذا" وجعلت الخبر حالا له قد صار فيها، فصار كقولك: هذا عبد الله منطلقا. وقال المبرد: تقول: هذا الرجل قائما، كقولك: هذا زيد قائما. انظر المقتضب ٤/ ٣٢٢. ٢ الشاهد فيه "عروس" رفعا ونصبا، وكذلك استعمال عروس للذكر والمؤنث. وانظر: شرح السيرافي ١/ ٤، نسخة البغدادي، وتثقيف اللسان/ ١٠٣، وتقويم اللسان/ ١٥٧، ولحن العامة للزبيدي/ ٢٥.
[ ١ / ١٥٣ ]
فينصب "عروس" ويرفع. وتقول: هذا مثلك واقف، وهذا غيرك منطلق، لما خبرتك به من نكرة مثلك وغيرك، وقد يجوز أن تنصب فيكون النصب أحسن فيها منه في سائر النكرات. لأنها في لفظ المعارف. وإن كانت نكرات فيقول: هذا مثلك منطلقًا، وهذا حسن الوجه قائمًا وقد عرفتك أن "حسن الوجه" نكرة، ولذلك جاز دخول الألف واللام عليه، وأفضل منك، وخير منك نكرة أيضًا، إلا أنه أقرب إلى المعرفة من حسن، وفاضل، فتقول: هذا أفضل منك قائمًا/ ١٥٥ فإن قلت: "زيد هذا" فزيد مبتدأ وهذه خبره، والأحسن أن تبدأ "بهذا" لأن الأعرف أولى بأن يكون مبتدأ، فإن قلت: زيد هذا عالم جاز الرفع والنصب، فالرفع على أن تجعل "هذا" معطوفًا على "زيد" عطف البيان وترفع "عالمًا" بأنه خبر الابتداء، وإن جعلت "هذا" خبرًا لزيد، نصبت "عالمٌ" على الحال.
واعلم: أن "ذلك" مثل "هذا" تقول: إن ذلك الرجل عالم، كما تقول: إن هذا الرجل عالم. وإن ذلك الرجل أخوك، كما تقول: إن هذا الرجل أخوك. والكوفيون يقولون: هذا عبد الله أفضل رجل وأي رجل، فيستحسنون رفع ما كان فيه مدح أو ذم، ورفعه عندهم على الاستئناف، وعلى ذلك يتأولون قول الشاعر ١:
مَنْ يكُ ذا بَثٍّ فهذا بَتِّي مُقَيِّظ "مُصَيَّف" مُشَتِّي
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ١٥٨، على تعدد خبر مبتدأ واحد من غير عطف، فقوله: مقيظ -مصيف- مشتى كلها أخبار تعددت بلا فاصل. والبت: كساء غليظ، وقيل: طيلسان من خز، ومقيظ -بكسر الياء المشددة- أي: يصلح للاستعمال في زمن القيظ، وكذلك -مصيف- ومشت، أي: يصلح للاستعمال فيهما. وهذا الرجز لم ينسبه سيبويه، وكذلك الأعلم. وقد وجدته في زيادات ديوان رؤبة بن العجاج وروي بعده قوله: أخذته من نعجات ست وروى صاحب اللسان هذه الزيادة مع الشاهد ولم ينسبها لقائل معين، وزاد على ذلك في مكان آخر: سود كنعاج الدشت وانظر: شرح السيرافي ١/ ٤، والجمهرة لابن دريد ١/ ٢٢. وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٥٥، والمسلسل/ ٢٠٩، والإنصاف/ ٣٨٧.
[ ١ / ١٥٤ ]
وهذا عند البصريين: من باب حلو حامض١، أي: قد جمع أنه مقيظ وأنه مصيف مشتي ففيه هذه الخلال. واعلم: أن من كلام العرب أسماء قد وضعتها موضع/ ١٥٦ المعارف، وليست كالمعارف التي ذكرناها وأعربوها وما بعدها إعراب المعارف، وذلك نحو قولهم للأسد: أبو الحارث وأسامة، وللثعلب: ثعالة وأبو الحصين وسَمْسَم، وللذئب: دألان وأبو جعدة، وللضبع: أم عامر وحضاجر، وجعَار، وجَيْأل، وأم عَنْتَل وقَئام، ويقال للضبعان: قُثَم وهو الذكر منها، وللغراب: ابن بَريح.
قال سيبويه: فإذا قلت: هذا أبو الحارث فأنت تريد: هذا الأسد٢، أي: هذا الذي سمعت باسمه أو هو الذي عرفت أشباهه ولا تريد أن تشير إلى شيء قد عرفه بعينه قبل ذلك كمعرفته زيدًا وعمرًا، ولكنه أراد هذا الذي كل واحد من أمته له هذا الاسم وإنما منع الأسد وما أشبهه أن يكون له اسم معناه معنى زيد أن الأسد وما أشبهها ليست بأشياء ثابتة مقيمة مع الناس، ألا تراهم قد اختصوا الخيل والإِبل والغنم والكلاب، وما يثبت معهم بأسماء: كزيد وعمرو٣، ومن ذلك: أبو جُخادب وهو شيء يشبه الجُنْدبُ، غير/ ١٥٧ أنه أعظم منه وهو ضرب من الجنادب، كما أن بنات أوبر ضرب من الكمأة وهي معرفة، وابن قِتْرَة ضرب من الحيات، وابن آوى٤
_________________
(١) ١ أي: إن حلوا حامضا يعربان خبرا لما قبلهما وكأنهما اسم واحد. ٢ انظر الكتاب ١/ ٢٦٣-٢٦٤. ٣ الكتاب ١/ ٢٦٤. ٤ في حياة الحيوان ١/ ٩٨: ابن آوى جمعه بنات آوى ولا ينصرف، وكنيته: أبو أيوب وأبو كعب، وأبو وائل، وسمي ابن آوى لأنه يأوي إلى عواء أبناء جنسه. وانظر عجائب المخلوقات ٢/ ١٨٠.
[ ١ / ١٥٥ ]
معرفة. ويدلك على أنه معرفة أن آوى غير مصروف، وابن عرس١ وسامُّ أبرص٢. وبعض العرب يقول: أبو بريص، وحمار قبان٣: دويَبة كأنه قال في كل واحد من هذا الضرب هذا الذي يعرف من أحناش٤ الأرض بصورة كذا، فاختصت العرب لكل ضرب من هذه الضروب اسمًا على معنى يعرفها بها، فعلى هذا تقول: هذا ابن آوى مقبلًا ولا تصرف آوى، لأنه معرفة؛ ولأنه على وزن "افعلَ" وتنصب مقبلًا كما نصبته في قولك: هذا زيد مقبلًا، وحكم جمعها حكم زيد إلا أن منها ما ينصرف، وما لا ينصرف، كما تكون الأسماء المعارف وغيرها. وقد زعموا: أن بعض العرب يقول: هذا ابن عرس مقبل فيرفعه على وجهين فوجه مثل: هذا زيد مقبل، ووجه على أنه جعل عرسًا نكرة فصار المضاف إليه نكرة٥، وما ابن مخلص وابن لبون وابن ماءٍ فنكرة لأنها/ ١٥٨ تدخلها الألف واللام.
واعلم: أن في كلامهم أسماء معارف بالألف واللام وبالإِضافة غلبت على أشياء فصارت لها كالأسماء والأعلام مثل: زيد وعمرو نحو: النجم،
_________________
(١) ١ ابن عرس: في كتاب عجائب المخلوقات للقزويني ٢/ ١٨١: ابن عرس: حيوان دقيق طويل هو عدو للفأر يدخل حجرها ويخرجها ويحب الحلى والجواهر فيسرقها. ٢ في عجائب المخلوقات ٢/ ٤٧٦: سام أبرص، الوز هو الصغير الرأس الطويل الذنب. ٣ حمار قبان: قال الدميري في حياة الحيوان ١/ ٢٣٢: دويبة مستديرة بقدر الدينار ضامرة البطن متولدة من الأماكن الندية، ووزن قبان: فعلان بدليل منع صرفه في قول الشاعر: يا عجبا لقد رأيت عجبا حمار قبان يسوق أرنبا وقد تكلم على هذا الرجز بإفاضة البغدادي في شرح شواهد الشافية ص١٦٧-١٧٤. ٤ الأحناش: دواب الأرض من الحيات وغيرها، أو هو كل شيء من الدواب والطير. ٥ أي: جعل ما بعده نكرة فصار مضافا إلى نكرة بمنزلة قولك: هذا رجل منطلق. وانظر الكتاب ١/ ٢٦٥. قال سيبويه: وقد زعموا أن بعض العرب يقول: هذا ابن عرس مقبل، فرفعه على وجهين: فوجه مثل: هذا زيد مقبل، ووجه على أنه جعل ما بعده نكرة فصار مضافا إلى نكرة بمنزلة قولك: هذا رجل منطلق.
[ ١ / ١٥٦ ]
تعني الثريا وابن الصِّعَق١ ابن رألان٢ وابن كُراع٣ فإن أخرجت الألف واللام من النجم وابن الصعق تنكر.
وزعم الخليل٤: أن الذين قالوا: الحارث والحسن والعباس إنما أرادوا أن يجعلوا الرجل هو الشيء بعينه، كأنه وصف غلب عليه، ومن قال: حارث وعباس، فهو يجريه مجرى زيدًا٥. وأما السِّماك٦ والدَّبِران٧ والعَيُّوق٨ وهذا النحو فإنما يلزمه الألف واللام من قبل أنه عندهم الشيء بعينه كالصفات الغالبة وإنما أُزيل عن لفظ السامك والدابر والعايك فقيل: سِمَاك ودَبَران وعَيُوق للفرق، كما فصل بين العِدلْ٩ والعديل١٠ وبناء حصين١١ وامرأة حصان١٢.
قال سيبويه: فكل شيء جاء قد لزمه الألف واللام فهو بهذه المنزلة، فإن كان عربيا تعرفه ولا تعرف الذي اشتق منه فإنما ذلك لأنا جهلنا ما علم غيرنا أو يكون١٣ /١٥٩ الآخر لم يصل إليه علم ما وصل إلى الأول المسمى.
_________________
(١) ١ الصعق: في الأصل صفة تقع على كل من أصابه الصعق، وهو لقب خالد بن نفيل فارس بني كلاب. ٢ رألان: ولد النعامة. ٣ كراع: اسم يجمع الخيل، والسلاح، والكراع من اليقن المستدق الساق العاري من اللحم. ٤ انظر الكتاب ١/ ٢٦٧. ٥ الكتاب ١/ ٢٦٧. ٦ السماك: الشيء الذي سمك وارتفع. ٧ الدبران: يقال لكل شيء صار خلف شيء دبران. ٨ العيوق: يقال لكل شيء عاق عن شيء عيوق. ٩ العدل: لا يكون إلا للمتاع. ١٠ العديل: ما عادلك من الناس. ١١ حصين: بناء محرز لمن يلجأ إليه. ١٢ حصان: صفة للمرأة المحرزة لفرجها. ١٣ الكتاب ١/ ٢٦٨.
[ ١ / ١٥٧ ]
قال: وبمنزلة هذه النجوم الأربعاء والثلاثاء١، يعني: أنه أُريد به الثالث والرابع فأُزيل لفظه كما فعل بالسماك. وتقول: هذان زيدان منطلقان، فمنطلقان صفة للزيدين وهو نكرة وصفت به نكرة، قال وتقول: هؤلاء عرفات٢ حسنة، وهذان أبانان٣ بينين٤، والفرق بين هذا وبين زيدين أن زيدين لم يجعلا اسمًا لرجلين بأعينهما وليس هذا في الأناس ولا في الدواب، إنما يكون هذا في الأماكن والجبال وما أشبه ذلك، من قبل أن الأماكن لا تزول فصار أبانان، وعرفات كالشيء الواحد.
والذي والتي: معرفة ولا يتمان إلا بصلة، ومن وما يكونان معرفة ونكرة؛ لأن الجواب فيهما يكون بالمعرفة والنكرة، وأيهم وكلهم وبعضهم، معارف بالإِضافة وقد تترك الإِضافة وفيهن معناها قائم، وأجمعون وما أشبهها معارف؛ لأنك لا تنعت بها إلا معرفة ولا يدخل عليها/ ١٦٠ الألف واللام.
وقال الكسائي: سمعت: هو أحسن الناس هاتين، يريد عينين فجعله نكرة. وهذا شاذ غير معروف. ويكون "ذا" في موضع الذي، فتقول: ضربت هذا يقوم وليس بحاضر، تريد: الذي يقوم، قالوا: وقد جاء هذا في الشعر.
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٢٦٨. ٢ عرفات: جبلان في مكة أو موضع فيها، وعرفات معرفة يدل على ذلك عدم دخول الألف واللام عليها. ٣ أبانان بينين: أبانان: جبلان في البادية، وقيل: هما جبلان: أحدهما: أسود، والآخر: أبيض، فالأبيض لبني أسد، والأسود لبني فزارة بينهما نهر يقال له الرمة بتخفيف الميم وبينهما نحو من ثلاثة أميال وهو اسم علم لها. وبينين يعرب حالا. ٤ انظر الكتاب ١/ ٢٦٨.
[ ١ / ١٥٨ ]
ذكر الأسماء المنصوبات
ذكر الأسماء المنصوبات
ذكر الأسماء المنصوبات:
الأسماء المنصوبات تنقسم قسمة أولى على ضربين:
فالضرب الأول هو العام الكثير: كل اسم تذكره بعد أن يستغني الرافع بالمرفوع وما يتبعه في رفعه إن كان له تابع، وفي الكلام دليل عليه فهو نصب.
والضرب الآخر: كل اسم تذكره لفائدة بعد اسم مضاف أو فيه نون ظاهرة أو مضمرة وقد تما بالإِضافة والنون، وحالت النون والإِضافة بينهما ولولاهما لصلح أن يضاف إليه فهو نصب.
والضرب الأول: ينقسم على قسمين: مفعول، ومشبه/ ١٦١ بمفعول.
والمفعول ينقسم على خمسة أقسام: مفعول مطلق، ومفعول به، ومفعول فيه ومفعول له. ومفعول معه.
[ ١ / ١٥٩ ]
شرح الأول: وهو المفعول المطلق، ويعني به المصدر.
المصدر اسم كسائر الأسماء، إلا أنه معنى غير شخص. والأفعال مشتقة منه١ وإنما انفصلت من المصادر بما تضمنت معاني الأزمنة الثلاثة بتصرفها.
والمصدر: هو المفعول في الحقيقة لسائر المخلوقين، فمعنى قولك: قام زيد وفعل زيد. قيامًا سواء، وإذا قلت: ضربت فإنما معناه أحدثت ضربًا وفعلت ضربًا فهو المفعول الصحيح. ألا ترى أن القائل يقول: من فعل هذا القيام؟ فتقول: أنا فعلته، ومن ضرب هذا الضرب الشديد؟ فتقول: أنا فعلته. تريد: أنا ضربت هذا الضرب. وقولك ضربت هذا الضرب، وقولك
_________________
(١) ١ هذا على مذهب البصريين الذين يرون أن الفعل مشتق من المصدر وفرع عليه بينما يرى الكوفيون أن المصدر مشتق من الفعل وفرع عليه، نحو: ضرب ضربا وقام قياما، ولكل منها حجج ذكرها ابن الأنباري في الإنصاف. انظر مسألة/ ٢٨ الجزء الأول.
[ ١ / ١٥٩ ]
ضربت زيدًا لا يصلح أن تغيره بأن تقول: فعلت زيدًا لأنه ليس بمفعول لك/١٦٢ فإنما هو مفعول لله تعالى، فإذا قلت: ضربت زيدًا، فالفعل لك دون زيد، وإنما أحللت الضرب به وهو المصدر، فعلى هذا تقول: قمت قيامًا وجلست جلوسًا، وضربت ضربًا، وأعطيت إعطاءً، وظننت ظنا، واستخرجت استخراجًا، وانقطعت انقطاعًا، واحمررت احمرارًا، فلا يمتنع من هذا فعل منصرف البتة.
ومصدر الفعل الذي يعمل فعله١ فيه يجيء على ضروب: فربما ذكر توكيدًا نحو قولك: قمت قيامًا، وجلست جلوسًا، فليس في هذا أكثر من أنك أكدت فعلك بذكرك مصدره، وضرب ثانٍ تذكره للفائدة نحو قولك: ضربت زيدًا ضربًا شديدًا، والضرب الذي تعرف. وقمت قيامًا طويلًا، فقد أفدت في الضرب أنه شديد، وفي القيام أنه طويل، وكذلك إذا قلت: ضربت ضربتين وضربات، فقد أفدت المرار وكم مرة ضربت.
وقال سيبويه: تقول: قعد قِعْدةَ سوء وقعد قعدتين٢ /١٦٣ لما عمل في الحدث -يعني المصدر- عمل في المرة منه والمرتين، وما يكون ضربًا منه وإن خالف اللفظ. فمن ذلك: قعد القرفُصاء٣، واشتمل الصَمَّاء٤، ورجع القهقرى؛ لأنه ضرب من فعله الذي أخذ منه٥.
قال أبو العباس قولهم: القرفصاء واشتمل الصمّاء، ورجع القهقرى هذه حلى وتلقيبات لها وتقديرها: اشتمل الشمل التي تعرف بهذا الاسم
_________________
(١) ١ نحو: ضرب ضربا. ٢ انظر الكتاب ١/ ١٥. ٣ قعود القرفصاء: أن يجلس الرجل على إليتيه ويلصق فخذيه ببطنه يحتبي بيديه. ٤ اشتمال الصماء: أن يرد الرجل كساءه من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعا. ٥ انظر الكتاب ١/ ١٥.
[ ١ / ١٦٠ ]
وكذلك أخواتها. قال: وجملة القول: إن الفعل لا ينصب شيئًا إلا وفي الفعل دليل عليه، فمن ذلك المصادر لأنك إذا قلت: قام ففي "قام" دليل على أنه: فعل قيامًا، فلذلك قلت: قام زيد قيامًا فعديته إلى المصدر، وكذلك تعديه إلى أسماء الزمان، لأن الفعل لا يكون إلا في زمان، وتعديه إلى المكان لأنه فيه يقع، وتعديه إلى الحال؛ لأنه لأفعل إلا في حال وأحق ذلك به المصدر، لأنه مشتق من لفظه ودال عليه.
واعلم/١٦٤: أنَّ "أنْ" تكون مع صلتها في معنى المصدر، وكذلك "ما" تكون مع صلتها في معناه وذلك إذا وصلت بالفعل خاصة إلا أن صلة "ما" لا بد من أن تكون فيها ما يرجع إلى "ما" لأنها اسم، وما في صلة "أن" لا يحتاج أن يكون معه فيه راجع؛ لأن "أن" حرف والحروف لا يكنى عنها ولا تضمر، فيكون في الكلام ما يرجع إليها، والذي يوجب أن "ما" اسم وأنها ليست حرفًا "كأنْ": أنها لو كانت "كأن" لعملت في الفعل كما عملت "أن" لأنا وجدنا جميع الحروف التي تدخل على الأفعال، ولا تدخل على الأسماء تعمل في الأفعال فلما لم نجدها عاملة حكمنا بأنها اسم، وهذا مذهب أبي الحسن الأخفش وغيره من النحويين١، فتقول: يعجبني أن يقوم زيد، تريد: قيام زيد، ويعجبني ما صنعت، تريد: صنيعك، إلا أن هذين وإن كانا
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب ٣/ ٢٠٠، والكتاب ١/ ٣٦٧، و١/ ٤١٠. الأخفش يقول: أعجبني ما صنعت، أي: ما صنعته، كما تقول: أعجبني الذي صنعته، ولا يجيز: أعجبني ما قمت، لأنه لا يتعدى، وقد خلط فأجاز مثله. قال المبرد: والقياس والصواب قول سيبويه. والذي يبدو أن رأي المبرد هنا واضح في أنه يرى أن "ما" المصدرية حرف لا اسم، فقد ارتضى مذهب سيبويه وجعله الصواب وضعف مذهب الأخفش ثم رماه بالتخليط. لكن بعد هذا ينسب الرضي والسيوطي إلى المبرد بأنه يرى أن "ما" المصدرية اسم كما يراه الأخفش. وفي شرح الكافية ٢/ ٥١: و"ما" المصدرية حرف عند سيبويه واسم موصول عند الأخفش والرماني والمبرد. وفي الهمع: ١/ ٤٨، الخامس: "ما" خلافا لقوم منهم المبرد والمازني والسهيلي وابن السراج والأخفش في قولهم: إنها اسم، مفتقرة إلى ضمير.
[ ١ / ١٦١ ]
قد يكونان في معنى المصادر فليس يجوز أن يقعا موقع المصدر في/١٦٥ قولك: ضربت زيدًا ضربًا، لا يجوز أن تقول: ضربت زيدًا أن ضربت، تريد: ضربًا، ولا ضربت زيدًا ما ضربت، تريد: معنى "ضربًا"، وأنت مؤكد لفعلك، ويجوز: ضربت ما ضربت، أي: الضرب الذي ضربت، كما تقول: فعلت ما فعلت، أي: مثل الفعل الذي١ فعلت، وتقول: فعلت ما فعل زيد، أي: كالفعل الذي فعل زيد، فإن لم ترد هذا المعنى فالكلام محال؛ لأن فعلك لا يكون فعل غيرك. قال الله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ ٢ والتأويل عندهم والله أعلم كالخوض الذي خاضوا.
_________________
(١) ١ يرى ابن السراج: أن "ما" اسم مفتقر إلى ضمير. وأكثر النحاة يرى أنها إذا كانت بمعنى المصدر لا تحتاج إلى ضمير لأنها حرف، والدليل على أنها حرف: أنها تدخل على الفعل كدخول "أن" ولا خلاف أن "أن" لا تضمر ولا يعود إليها ضمير من صلتها، كذلك يلزم في "ما" لأنها بمنزلتها في دخولها على الفعل وكونها في تأويل المصدر، قال سيبويه ١/ ٣٦٧: "وما إذا كانت والفعل مصدر بمنزلة إن". وقال: ومثل ذلك أيضا من الكلام فيما حدثنا أبو الخطاب: ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر، "فما" مع الفعل بمنزلة اسم نحو: النقصان والضرر، كما أنك إذا قلت: ما أحسن ما كلم زيد فهو ما أحسن كلامه زيدا، ولولا "ما" لم يجز الفعل بعد "إلا" في ذا الموضع كما لا يجوز بعد ما أحسن بغير "ما" وانظر المقتضب ٣/ ٢٠٠. ٢ التوبة: ٦٩.
[ ١ / ١٦٢ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: ضربته عبد الله، تضمر الضرب، تعني: ضربت الضرب عبد الله ولو قلت ضربت عبد الله ضربًا وضربته زيدًا، ما كان به بأس على أن تضمر المصدر.
واعلم: أنه لا يجوز أن تعمل ضمير المصدر، لا تقول: سرني ضربك عمرًا وهو زيدًا، وأنت تريد: وضربك زيدًا، لأنه إنما يعمل إذا كان على لفطه الذي تشتق الأفعال منه، ألا ترى أن "ضرب" مشتق من الضرب فإنما
[ ١ / ١٦٢ ]
يعمل الضرب/ ١٦٦ وما أشبهه من المصادر إذا كان ظاهرًا غير مضمر، وإنما يعمل لشبهه بالفعل، فكما أن الفعل لا يضمر، فكذلك المصدر، لا يجوز أن يقع موقع الفعل وهو مضمر، وإنما جاز إضمار المصدر لأنه معنى واحد١، ولم يجز إضمار الفعل لأنه معنى وزمان، ولو أَضمر لصار اسمًا. وتقول: مررت بهم جميعًا، إذا عنيت أنك لم تترك منهم أحدًا، أو: مررت بهم كلًّا، قال الأخفش: كل وجميع ههنا بمنزلة المصادر كأنك قلت: مررت بهم عمًا ومررت بهم كلًّا، أي: مرورًا عمًا وكلًّا، فكل وجميع ههنا بمنزلة المصادر، كأنك قلت: مررت بهم عمًا ومررت بهم عمًا لهم، وكأنك قلت: طررتهم طرًا٢ وليس الجميع والكل بالقوم، كما أن الطر والقاطبة ليس بالقوم، يعني إذا قلت: مررت بهم قاطبة وطرًا فكأنك قلت: جمعتهم/ ١٦٧ جمعًا، وكذلك في طر كأنك قلت: طررتم، أي: أتيت عليهم طرًا.
وذكر سيبويه: هذا في باب ما ينتصب لأنه حال وقع فيه الخبر وهو اسم. وقال: من ذلك: مررت بهم جميعًا وعامة وجماعة، وقال: هذه أسماء متصرفة ولا يجوز أن يدخل فيها الألف واللام٣.
وزعم الخليل: أن قاطبة، وطرًا لا يتصرفان، وهما في موضع المصدر٤.
واعلم: أن في الكلام مصادر تقع موقع الحال فتغني عنها وانتصابها انتصاب المصادر نحو قولك: أتاني زيد مشيًا، فقولك: مشيًا قد أغنى عن ماشٍ، ويمشي، إلا أن التقدير: أتاني يمشي مشيًا، فمن ذلك: قتلته صبرًا،
_________________
(١) ١ لأن الفعل بصيغته يدل على شيئين: الحدث والزمان المحصل، والمصدر يدل بصيغته على شيء واحد وهو الحدث. ٢ طرا: متفرقا. ٣ الكتاب: جـ١/ ١٨٨-١٨٩. ٤ الكتاب جـ١/ ١٨٩.
[ ١ / ١٦٣ ]
ولقيته فجأة ومفاجأة، وكفاحًا ومكافحة، [ولقيته] ١ عيانًا، وكلمته مشافهة، وأتيته ركضًا، وعدوًا، وأخذت عنه سماعًا وسمعًا٢.
قال سيبويه: وليس كل مصدر يوضع هذا الموضع، ألا ترى أنه لا يحسن: أتانا سرعة ولا رجلة٣، قال/ ١٦٨ أبو العباس: ليس يمتنع من هذا الباب شيء من المصادر أن يقع موقع الحال إذا كانت قصته هذه القصة٤ وخالف سيبويه، وقد جاء بعض هذه المصادر يغني عن ذكر الحال بالألف واللام نحو: أرسلها العراك، والعراك لا يجوز أن يكون حالًا ولا ينتصب انتصاب الحال وإنما انتصب عندي على تأويل: أرسلها تعترك العراك٥، فـ"تعترك" حال والمصدر الذي عملت فيه الحال هو العراك، ودل على "تعترك" فأغنى
_________________
(١) ١ أضفت كلمة "لقيتة" لأن السياق يقتضيها. ٢ كل هذه النصوص تشير إلى أن ابن السراج يعرب المصدر حالا بتأويله بوصف. ولكن قد يفهم من هذا النص أنه يعرب المصدر مفعولا مطلقا لفعل محذوف قال هنا: أتاني زيد مشيا "فقولك" مشيا قد أغنى عن ماش، ويمشي، إلا أن التقدير: أتاني يمشي مشيا. ٣ انظر الكتاب ١/ ١٨٦، والرجلة: المشي راجلا. ٤ المقتضب ٣/ ٢٤٤، قال المبرد: ولو قلت: جئته إعطاء لم يجز، لأن الإعطاء ليس من المجيء، ولكن جئته سعيا فهذا جيد، لأن المجيء يكون سعيا. قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾، فهذا اختصار يدل على ما يرد مما يشاكلها ويجري مع كل صنف منها. وكلام المبرد هنا صريح في أن المصدر يقع بقياس حالا إذا كان نوعا من فعله، وكرر هذا في ٣/ ٢٦٩. انظر حاشية الخضري ١/ ٢٣٠ والهمع ١/ ٢٣٨، والأشموني ٢/ ٦١. ٥ يرى أن "العراك" نائب عن الحال وليس بحال، وإنما التقدير: أرسلها معتركة، ثم يجعل الفعل موضع اسم الفاعل لمشابهته له فصار "يعترك" ثم جعل المصدر موضع الفعل لدلالته عليه، لأن حقيقة الحال أن تكون بالصفات، ولو صرحت بالصفة لم يجز دخول الألف واللام، ولم تقل العرب: أرسلها المعتركة، ولا جاء زيد القائم لوجود لفظ الحال.
[ ١ / ١٦٤ ]
عنه وكذلك: طلبته جهدك١ وطاقتك، كأنك قلت: طلبته تجتهد جهدك، وتطيق طاقتك، أي: تستفرغهما في ذلك.
ومذهب سيبويه أن قولهم: مررت به وحده، وبهم وحدهم، ومررت برجل وحده، أي: مفرد، أقيم مقام مصدر "يقوم" مقام الحال، وقال: ومثل ذلك في لغة أهل الحجاز: مررت بهم ثلاثتهم وأربعتهم إلى العشرة٢. وزعم الخليل: أنه إذا نصب٣ فكأنه قال: مررت بهؤلاء/ ١٦٩ فقط، مثل وحده في معناه، أي: أفرقهم٤. وأما بنو تميم فيجرونه على الاسم الأول ويعربونه كإعرابه توكيدًا له.
قال سيبويه: ومثل خمستهم قول الشماخ:
آتتني سُلَيمٌ قَضّها بقضيضِها٥
_________________
(١) ١ في الكتاب ١/ ١٨٧: وهذا ما جاء منه مضافا معرفة. وذلك قولك: طلبته جهدك كأنه قال: اجتهادا وكذلك طلبته طاقتك، وفي المخصص ٤/ ٢٢٧، وأما ما جاء منه مضافا معرفة، فقولك: طلبته جهدك وطاقتك، وفعلته جهدي وطاقتي وهي في موضع الحال، لأن معناه: مجتهدا ولا يستعمل هذا مضافا، لا تقول: فعلته طاقة، ولا جهدا. ٢ انظر الكتاب ١/ ١٨٧. ٣ أي: ثلاثة. ٤ انظر الكتاب ٢/ ١٨٧، ونص الكتاب: وزعم الخليل: أنه إذا نصب ثلاثتهم فكأنه يقول: مررت بهؤلاء فقط ولم أجاوز هؤلاء وكما أنه إذا قال: "وحده فإنما يريد مررت به فقط لم أجاوزه". ٥ من شواهد الكتاب ١/ ١٨٨. على نصب "قضها" على الحال وهو معرفة بالإضافة لأنه مصدر. وهذا صدر بيت وعجزه: تمسح حولي بالبقيع سبالها ورواية الديوان: وجاءت سليم قضها بقضيضها وسليم: قبيلة امرأة الشماخ. والقض: أصله الكسر، وقد استعمل الكسر موضع الإنقضاض كقولهم: عقاب كاسر، أي: منقضة، ويروى "قضها بقضيضها" بالرفع والنصب فمن رفع جعله بمعنى التأكيد، ومن نصب جعله كالمصدر. والبقيع: موضع بمدينة الرسول، والسبال: جمع سبلة وهي مقدمة اللحية، وأراد: أنهم يمسحون لحاهم وهم يهدودنه ويتوعدونه. وقيل: يمسحون لحاهم تأهبا للكلام. وانظر: المقتضب ٣/ ٣٦٣، وشرح السيرافي ٣/ ١١٣، والتمام في تفسير أشعار هذيل ٧٢، والأغاني ٨/ ١٠٠، وجمهرة الأمثال للعسكري ١/ ٣١٦، وابن يعيش ٢/ ٦٣.
[ ١ / ١٦٥ ]
كأنه قال: أنقض آخرهم على أولهم، وبعض العرب يجعل "قضهم" بمنزلة كلهم، يجريه على الوجوه فهذا مأخوذ من الإِنقضاض فقسه على ما ذكرت لك من قبل. وزعم يونس١: أن وحده بمنزلة عنده، وأن خمستهم وقضهم كقولك جميعًا، وكذلك طُرًا وقاطبة.
وجعل يونس نصب وحده كأنك قلت: مررت برجل على حياله فطرحت على٢، فأما: "كلهم وجميعهم وعامتهم وأنفسهم وأجمعون" فلا يكون أبدًا إلا صفة إذا أضفتهن إلى المضمرات وتقول: هو نسيج وحدِهِ؛ لأنه اسم مضاف إليه٣.
قال الأخفش: كل مصدر قام مقام الفعل ففيه ضمير فاعل وذلك إذا قلت: سقيًا لزيد، وإنما تريد: سقى الله زيدًا، ولو قلت/ ١٧٠: سقيا الله زيدًا، كان جيدًا، لأنك قد جئت بما يقوم مقام الفعل، ولو قلت: أكلًا زيد
_________________
(١) ١ يونس: هو أبو عبد الرحمن الضبي يونس بن حبيب. من تلاميذ أبي عمرو بن العلاء والأخفش الأكبر قيل: إنه صنف كتاب القياس في النحو. مات سنة ١٨٢هـ وقيل ١٥٢هـ ترجمته في طبقات الزبيدي رقم ١٧ وابن خلكان رقم ٨٢٣، والإرشاد لياقوت ٧/ ٣١٠، ونزهة الألباء ٥٦ وبغية الوعاة ٤٢٤. ٢ انظر الكتاب ١/ ١٨٩. ٣ لأنه يخبر أنه ليس في مثاله أحد. فلو لم يضف إليه لقال: هذا نسيج إفرادا فالإضافة في الحقيقة إلى المصدر.
[ ١ / ١٦٦ ]
الخبز وأنت تأمره، كان جائزًا، كقوله١:
فَنَدْلًا زُريقُ المالَ ندل الثَّعالِبِ
وتقول: ضربتك ضربًا عمرو خالدًا، ومعناه: ضربتك ضرب عمرو خالدًا، فإذا قلت: ضربتك زيد خالدًا، فلا تقدم خالدًا قبل الضرب لأنه في صلته.
قال أبو بكر: وليس هذا مثل قولك: ضربًا زيدًا، وأنت تأمره، لأن ذاك قد قام مقام الفعل فيجوز أن يقدم المفعول فتقول: زيدًا ضربًا، وقد مضى تفسير هذا. وتقول: ضربتك ضرب زيد عمرًا وكذلك: ضربتك ضربك زيدًا، وضربًا أنت زيدًا، إذا جعلته فاعلًا، وضربتك ضربًا إياك زيدًا، إذا جعلته مفعولًا، تريد: ضربًا زيد إياك.
وقال الأخفش: من رد عليك ضربًا زيد عمرًا إذا كنت تأمره أدخلت عليه/ ١٧١ سقيًا له، فقلت له: ألست، إنما تريد سقى الله زيدًا فإنه قائل: نعم فتقول. فكما جاز سقيا له حين أقمت السقي مقام "سقاه" فكذلك تقيم
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه جـ١/ ٥٩، على نصب "المال" بقوله "ندلا" لأنه بدل من قوله: أندل. كما تقول: ضربا زيدا، بمعنى أضرب زيدا، ويجوز أن تجعل الفعل المضمر هو العامل في "ندل" و"ندل" دال عليه مؤكد له. وإن شئت جعلت نصبه بفعل آخر، كأنه قال: أوقع ندلا ونحوه من التقدير، فيكون العامل فيه غير فعله. وهو عجز بيت صدره: على حين ألهى الناس جل أمورهم فندلا زريق نسبه صاحب فرحة الأديب رقم "٤٠" إلى رجل من الأنصار، قال ذلك في النعمان بن العجلان الزرقي. وزريق من الخوارج. وكان ولاه الإمام علي عنه في البحرين وفي الشعر والشعراء آراء أخرى. والندل: خطف الشيء بسرعة، وزريق منادى مبني على الضم، والتقدير ندلا يا زريق، وأجاز ابن عقيل رفعه "بندلا". وقوله: حين ألهى الناس جل أمورهم: أي: حين اشتغل الناس بالفتن والحروب وانظر: شرح السيرافي ١/ ٤٤٨، والخصائص ١/ ١٢٠، والحجة ١/ ١٠٨، والجمهرة ٢/ ٢٩٩، والكامل ١٠٤، ومعجم مقاييس اللغة ٥/ ٤١١.
[ ١ / ١٦٧ ]
الضرب مقام "ليضرب" وتقول: ضرب زيد ضربًا، وقتل عمرو قتلًا، فتعدى الفعل الذي بني للمفعول إلى المصدر، كما تعدى الفعل الذي بني للفاعل، لا فرق بينهما في ذلك، فأما المفعول الذي دخل عليه حرف الجر نحو: سيرا بعبد الله فأنت في المصادر والظروف بالخيار إن شئت نصبت المصادر نصبها قبلٌ، وأقمت المفعول الذي دخل عليه حرف الجر مقام الفاعل فقلت: سير بعبد الله سيرًا شديدًا، أقمت "بعبد الله" مقام الفاعل ونصبت "سيرًا" كما تنصبه إذا قلت: سار عبد الله سيرًا شديدًا، وكذلك يجوز في أسماء الزمان والمكان أن تنصبها نصب الظروف في هذه المسألة، ويجوز من أجل شغل حرف الجر بعبد الله أن تقيم المصادر والظروف١ معه مقام الفاعل فترفعها/ ١٧٢ إلا أن الأحسن ألا ترفع إذا نعتت أو أفادت معنى سوى التوكيد وقصد الإِخبار عنها، فإذا لم يكن فيها إلا التوكيد نصبت والرفع بعيد جدا تقول: سير بعبد الله سير شديد ومر بعبد الله المرور الذي علمته، وإن شئت نصبت وإنما حسن الرفع لأنك قد وصفت المصدر فصار كالأسماء المفيدة، فأما النصب: فعلى أنك أقمت "بزيد" مقام الفاعل فصار كقولك: ضرب عبد الله الضربَ الذي يعلمُ، وشتم عبد الله الشتمَ الشديد، وكذلك لو قلت: مر بعبد الله مروان، وسير بعبد الله سير شديد لكان مفيدًا. وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٢، فإن قلت: سيرَ بعبد الله سيرٌ وسيرًا، وذهب إلى عبد الله ذهابًا، فالنصب الوجه، لأن المصادر موكدة، أما جواز الرفع على بعد إذا قلت: سير بعبد الله، لأنه ليس في قولك: سير
_________________
(١) ١ ليس كل الظروف، وإنما المتصرف منها، أي: ما يصح وقوعه مسندا إليه، كيوم وليلة، وشهر، ودهر، وأمام، ووراء، ومجلس، وجهة. أما غير المتصرف، فلا يكون إلا ظرفا كحيث، وعورض، وقط، والآن. ٢ الحاقة: ١٣، رفع لما نعت، فإذا أخبر عن "الصور" قال: المنفوخ فيه نفخة واحدة الصور وإن أخبر عن النفخة قال: المنفوخة في الصور نفخة واحدة. المقتضب ٣/ ١٠٤.
[ ١ / ١٦٨ ]
من الفائدة إلا ما في "سير"١ وجوازه على أنك إذا قلتَ: سير بعبد الله سيرٌ، فمعناه: سيرَ بعبد الله ضرب من السير/ ١٧٣؛ لأنه لو اختلف لكان الوجه أن تقول: سير بعبد الله سيران أي: سيرٌ سريعٌ وبطيء أو: قديمٌ وحديثٌ وهذا قولُ أبي العباس -﵀٢.
واعلم: أن قولهم ضرب زيد سوطًا، أن معناه: ضرب زيد ضربة بسوط فالسوط هنا قد قامَ مقامَ المصدر، ولذلك لم يجز أن تقيمَ السوطَ مقامَ الفاعلِ، لا يجوز أن تقول:
ضُرِبَ سوطٌ٣ زيدًا، كما تقول: أعطى درهم٤ عمرًا
_________________
(١) ١ لأنك لم تفد بقولك "سيرا" شيئا لم يكن "سير" أكثر من التوكيد. ٢ انظر: المقتضب ٣/ ١٠٤ و٤/ ٥١. ٣ لا يجوز هذا، وذلك أن السوط -إذا قلت: ضربت زيدا سوطا- مصدر ومعناه: ضربت زيدا ضربة بالسوط. ويدلك على ذلك قولك: ضربت زيدا مائة سوط، لست تعني: أنك ضربته بمائة سوط، ولكنك تعني: أنك ضربته مائة ضربة بسوط، أو بأكثر من ذلك من هذا الجنس. ٤ لما كان الدرهم مفعولا كعمرو جاز أن تقيمه مقام الفاعل.
[ ١ / ١٦٩ ]
شرح الثاني: وهو المفعول به.
قد تقدّم قولنا في المفعول على الحقيقة أنه المصدر، ولما كانت هذه تكون على ضربين: ضرب فيها يلاقي شيئًا ويؤثر فيه. وضرب منه لا يلاقي شيئًا ولا يؤثر فيه، فسمي الفعل الملاقي متعديًا وما لا يلاقي غير متعد. فأما الفعل الذي هو غير متعد فهو الذي لم يلاق مصدره مفعولًا نحو: قام وأحمرَ وطالَ. إذا أردت به ضد قصر خاصةً، وإن أردتَ بِه معنى علا كان متعديًا، والأفعال التي لا تتعدى هي ما كان منها خلقةً أو حركة للجسم/ ١٧٤ في ذاته وهيئةً له، أو فعلًا من أفعال النفس غير متشبث بشيء خارج عنها. أما الذي
[ ١ / ١٦٩ ]
هو خلقة فنحو: أسوَدَ وأحمرَ، وأعورَ، وأشهابَ، وطالَ وما أشبه ذلك. وأما حركة الجسم بغير ملاقاة لشيء آخر فنحو: قامَ وقعدَ، وسارَ وغارَ، ألا ترى أن هذه الأفعال مصوغة لحركة الجسم وهيئته في ذاته، فإن قال قائل: فلا بد لهذه الأفعال من أن تلاقي المكان وأن تكون فيه. قيل: هذا لا بدَّ منه لكل فعلٍ، والمتعدي وغير المتعدي في هذا سواء وإنما علمنا محيط بأن ذلك كذلك، لأن الفعل يصنع ليدل على المكان كما صيغ ليدل على المصدر والزمان.
وأما أفعال النفس التي لا تتعداها فنحو: كرُمَ، وظَرُفَ، وفَكَر، وغَضِبَ، وخَبرَ، وبَطُرَ، ومَلُحَ، وحَسُنَ، وسمحَ، وما أشبه ذلك. وأما الفعل الذي يتعدى، فكل حركة للجسم كانت ملاقيةً لغيرها وما أشبه ذلك من أفعال النفس وأفعال الحواس من الخمس كلها متعدية ملاقية نحو: نظرت/١٧٥ وشممت، وسمعت، وذقت، ولمست، وجميع ما كان في معانيهن فهو متعد، وكذلك حركة الجسم إذا لاقت شيئًا كان الفعلُ من ذلك متعديًا نحو: أتيتُ زيدًا ووطئتُ بلدكَ وداركَ وأما قولك: فارقته وقاطعتهُ، وباريتهُ، وتاركتهُ، فإنما معناه: فعلت كما يفعل وساويت بين الفعلين، والمساواة إنما تعلم بالتلاقي وتركتكَ في معنى تاركتكَ لأن كل شيء تركتهُ فقد ترككَ فافهم هذا فإن فيه غموضًا قليلًا.
وقد اختلف النحويون في: "دخلت البيت" هل هو متعد أو غير متعد، وإنما التبس عليهم ذلك لاستعمال العرب له بغير حرف الجر في كثير من المواضع وهو عندي غير متعد كما قدمناه وإنك لما قلت: دخلت إنما عنيت بذلك انتقالك من بسيط الأرض ومنكشفها إلى ما كان منها غير بسيط منكشف فالانتقال ضربٌ واحدٌ وإن اختلفت المواضع و"دخلت" مثل غرتُ إذا أتيت الغور/ ١٧٦ فإن وجب أن يكون "دخلت" متعديًا وجبَ أن يتعدى "غرتُ" ودليلٌ آخر: أنك لا ترى فعلًا من الأفعال يكون متعديًا إلا كان مضاده متعديًا وإن كان غير متعد كان مضادُهُ غير متعد، فَمن ذلك: تحركَ،
[ ١ / ١٧٠ ]
وسكنَ، فتحرك غير متعد، وسكنَ غير متعد، وأبيضَ وأسود كلاهما غير متعد، وخرج ضد دخل، وخرج غير متعد فواجب أن يكون دخل غير متعد، وهذا مذهب سيبويه١.
قال سيبويه: ومثل: ذهبت الشام، دخلت البيت٢، يعني: أنه قد حذف حرف الجر من الكلام، وكان الأصل عنده: ذهبت إلى الشام ودخلت في البيت. وهما مستعملان بحروف الجر، فحذف حرف الجر، من حذفه اتساعًا واستخفافًا، فإذا قلت: ضربتُ وقتلتُ، وأكلتُ وشربت، وذكرتُ، ونسيتُ وأحيا وأماتَ فهذه الأفعال ونحوها هي المتعدية إلى /١٧٧ المفعولين، نحو: ضربتُ زيدًا، وأكلتُ الطعامَ، وشربتُ الشراب، وذكرتُ الله، واشتهيتُ لقاءك، وهويتُ زيدًا وما أشبه هذا من أفعال النفس المتعدية، فهذا حكمه، ولا تتمُ هذه الأفعال المتعدية، ولا توجد إلا بوجود المفعول، لأنك إن قلت: ذكرت، ولم يكن مذكور فهو محال، وكذلك. اشتهيت وما أشبههُ.
واعلم: أن هذا إنما قيل له مفعول به، لأنه لما قال القائل: ضَرَبَ وقتل قيل له: هذا الفعل بمنْ وقع؟ فقال: بزيدٍ أو بعمروٍ فهذا إنما يكون في المتعدي نحو ما ذكرنا، ولا يقال فيما لا يتعدى نحو: قام وقعد لا يقال هذا القيام بمن وقع؟ ولا هذا القعود بمن حل؟ إنما يقال: متى كان هذا القيام؟ وفي أي وقت؟ وأين كان؟ وفي أي موضع؟ والمكان والزمان لا يخلو فعلٌ منهما متعديًا كان أو غير متعد فمتى وجدتَ فعلًا حقه أن يكون غير متعد بالصفة التي ذكرتُ لك ووجدتَ العرب قد عدتهُ، فاعلمْ، أن ذلك اتساعٌ في اللغة واستخفاف/ ١٧٨ وأن الأصلَ فيه أن يكون متعديًا بحرف جر، وإنما حذفوه استخفافًا نحو ما ذكرت لك من: ذهبت الشام، ودخلت البيت وسترى هذا في مواضع من هذا الكتاب.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١٥. ٢ انظر الكتاب: ١/ ١٥-١٦.
[ ١ / ١٧١ ]
وهذه الأفعال المتعدية تنقسم ثلاثة أقسام: منها ما يتعدى إلى مفعول واحد ومنها ما يتعدى إلى مفعولين ومنها ما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فأما ما يتعدى إلى مفعول واحد فقد ذكرنا منه ما فيه كفاية، ونحن نتبعه بما يتعدى إلى مفعولين وإلى ثلاثة بعد ذكرنا مسائل هذا الباب إن شاء الله.
[ ١ / ١٧٢ ]
مسائل من هذا الباب:
اعلم: أن الأفعال لا تثنى ولا تجمع، وذلك لأنها أجناس كمصادرها، ألا ترى أنك تقول: بلغني ضربكم زيدًا كثيرًا، وجلوسكم إلى زيد قليلًا، كان الضربُ والجلوس قليلًا أو كثيرًا، وإنما يثنى الفاعل في الفعل، فإن قلت فإنك تقول: ضربتكَ ضربتين وعلمتُ علمتين، فإنما ذلك لاختلاف النوعين من ضرب يخالف ضربًا/ ١٧٩ في شدته وقلتِه أو علم يخالف علمًا، كعلمِ الفقهِ وعلمِ النحوِ، كما تقولُ: عندي تمور إذا اختلفت الأجناس، ومع ذلك فإن الفعل يدل على زمان، فلا يجوز أن تثنيه كما ثنيت المصدر وإن اختلفت أنواعه فالفعل لا بد له من الفاعل يليه بعده إما ظاهرًا وإما مضمرًا ولا يجوز أن يثنى ولا يجمع لما بينت لك فإذا قلت: الزيدان يقومان، فهذه الألف ضمير الفاعلين والنون علامة الرفع وإذا قلت: الزيدون يقومون فهذه الواو ضمير الجمع والنون علامة الرفع ويجوز: قاموا الزيدون ويقومون الزيدون على لغة من قال: أكلوني البراغيث١، فهؤلاء إنما يجيئون بالألف والنون وبالواو والنون في: يضربان ويضربون وبالألف والواو في: ضربا وضربوا فيقولون: ضربا الزيدان وضربوا الزيدون ليعلموا أن هذا الفعل لاثنين لا لواحد ولا لجميع ولا لاثنين ولا لواحد، كما أدخلت التاء في فِعلِ المؤنثِ لتفصل بين فعل المذكر والمؤنث، فكذلك هؤلاء زادوا بيانًا
_________________
(١) ١ أي: أن الواو في "أكلوني" علامة تفيد الجمع وليست ضميرا للفاعل، بل إنها جاءت للفرق بين الواحد والجماعة.
[ ١ / ١٧٢ ]
ليفرقوا بين/ ١٨٠ فِعْلِ الاثنين وبين الواحد والجميع وهذا لعمري هو القياس على ما أجمعوا عليه في التاء من قولهم: قامت هند وقعدت سلمى، ولكن هذا أدى إلى إلباس إذ كان من كلامهم التقديم والتأخير، فكأن السامع إذا سمع قاموا الزيدون لا يدري هل هو خبر مقدم والواو فيه ضمير، أم الواو عمل الجمع فقط غير ضمير، وكذلك الألف في "قاما الزيدان" فلهذا وغيره من العلل ما جمع على التاء ولم يجمع على الألف والواو فجاز في كل فعل لمؤنث تقول: فعلت ولا يحسنُ سقوطها. إلا أن تفرق بين الاسم والفعل١، فإذا بعُد منه حسن نحو قولهم: حضر اليوم القاضي امرأة.
وقال أبو العباس -﵀: إن التأنيث معنى لازم غير مفارق، إذا لزم المعنى لزمت علامته وليس كذا التثنية والجمع لأنه يجوز أن يفترق الاثنان والجمع فتخبر عن كل واحد منهما٢ على حياله٣، والتأنيث الحقيقي الذي لا يجوز فعله إلا بعلامة التأنيث هو كل مؤنث له/ ١٨١ ذكر كالحيوان نحو قولك: قامت أمة الله ونتجت فرسك والناقة، إلا أن يضطر شاعر فيجوز له حذف العلامة على قبح، فإن كان التأنيث في الاسم ولا معنى تحته فأنت مخير إن شئت جئت بالتاء لتأنيث اللفظ وإن شئت حذفتها. قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ ٤ "قالوا" لأن الموعظة والوعظ سواء،
_________________
(١) ١ المقتضب ٢/ ١٤٨. قال المبرد: وأما: لقد ولد الأخيطل أم سوء فإنما جاز للضرورة في الشعر جوازا حسنا، ولو كان مثله في الكلام لكان عند النحويين جائزا على بعد، وجوازه للتفرقة بين الاسم والفعل بكلام، فتقديرهم أن ذلك الكلام صار عوضا من علامة التأنيث نحو: حضر القاضي اليوم امرأة، ونزل دارك ودار زيد جارية. ٢ في الأصل "منهم". ٣ انظر المقتضب جـ٢/ ١٤٧. ٤ البقرة: ٢٧٥، وهي قراءة الجمهور، وقد قرأ أبي بن كعب والحسن البصري على الأصل: أي: فمن جاءته موعظة، انظر البحر المحيط جـ٥/ ٢٩٤. قال سيبويه: إنما جاءوا بالتاء للتأنيث لأنها ليست علامة إضمار كالواو والألف، وإنما هي كتاء التأنيث في "كلمة" وليست باسم وقال بعض العرب: قال فلانة، وكلما طال الكلام فهو أحسن نحو قولك: حضر القاضي امرأة، لأنه إذا طال الكلام كان الحذف أجمل.
[ ١ / ١٧٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ ١، لأن الصيحة والصوت واحد أما قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ ٢، فإنما جاء على تقدير جماعة فهو تأنيث الجمع ولا واحد لزمه التأنيث فجمع عليه، فلو كان تأنيث الواحد للزمه التاء كما تقول: قامت المسلمات، لأنه على "مسلمة" وتقول: قامت الرجال لأنه تأنيث الجمع.
واعلم: أن الفاعل لا يجوز أن يُقدم على الفعل إلا على شرط الابتداء خاصة، وكذلك ما قام مقامه من المفعولين الذين لم يسم من فَعَلَ بهم، فأما المفعول إذا كان الفعل متصرفًا فيجوز تقديمُه وتأخيره، تقول: ضربت/ ١٨٢ زيدًا، وزيدًا ضربتُ، وأكلت خبزًا، وخبزًا أكلت، وضَرَبَتْ هند عمرًا، وعمرًا ضَرَبَتْ هند، وغلامُك أخرج بكرًا، وبكرًا أخرج غلامك، وتقول: أشبع الرجلين الرغيفان، ويكفي الرجلين الدرهمان وتقول: حرق فاه الخل، لأن الخل هو الفاعل وتقول: أعجب ركوبك الدابة زيدًا فالكاف في قولك: "ركوبك" مخفوضة بالإِضافة وموضعها رفع والتقدير: أعجب زيدًا أن رَكِبت الدابة فالمصدر يجر ما أُضيف إليه فاعلًا كان أو مفعولًا ويجري ما بعده على الأصل فإضافته إلى الفاعل أحسن، لأنه له كقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض﴾ ٣. وإضافته إلى المفعول حسنة لأنه
_________________
(١) ١ هود: ٦٧. ٢ يوسف: ٣٠، "والنسوة اسم جمع عند سيبويه. قال ٢/ ٨٩" وليس نسوة بجمع كسر له واحد وانظر ص/ ١٤٢، وكذلك عند المبرد في المقتضب ٢/ ٢٩٢، قال: لأن نسوة من امرأة بمنزلة نفر من رجل. ويرى أبو حران: أنها جمع تكسير للقلة لا واحد له من لفظه. انظر البحر المحيط ٥/ ٢٩٩ وهذا مذهب ابن السراج كما ترى. ٣ البقرة: ٢٥١.
[ ١ / ١٧٤ ]
به اتصل وفيه حل. تقول: أعجبني بناءُ هذه الدار، وما أحسن خياطةَ هذا الثوب، فعلى هذا يقول: أعجب ركوبُ الفرس عمرو زيدًا أردت: أعجب أن رَكِبَ الفرس عمرو زيدًا. فالفرس وعمرو وركب في صلة/ ١٨٣ أن وزيد منتصب بـ"أعجب" خارج عن الصلة تقدمه إن شئت قبل "أعجب" وإن شئت جعلته بين أعجب والركوب وكذلك: عجبت من دق الثوبِ القصارُ، فإن نونت المصدر أو أدخلت فيه ألفًا ولامًا امتنعت إضافته فجرى كل شيء على أصله، فقلت: أعجب ركوبٌ زيدٌ الفرس عمرًا، وإن شئت قلت: أعجب ركوبٌ الفرسَ زيدٌ عمرًا، ولا يجوز أن تقدم الفرس ولا زيدًا قبل الركوب، لأنهما من صلته فقد صارا١ منه كالياء والدال من زيد. وتقول: ما أعجب شيء شيئًا إعجاب زيدٍ ركوبُ الفرسِ عمرو نصبت "إعجاب"، لأنه مصدر وتقديره: ما أعجب شيء شيئًا إعجابا مثل إعجاب زيد ورفعت الركوب بقولك: أعجب لأن معناه: كما أعجب زيدًا أن ركب الفرس عمروٌ. وتقول: أعجب الأكلُ الخبزَ زيدٌ عمرًا على ما وصفت لك وعلى ذلك قال الله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَة﴾ ٢، التقدير: أو أن أُطعم. لقوله/ ١٨٤ وما أدراك. وتقول: أعجب بيعُ طعامِك رخصُه المشتريه فالتقدير: أعجب أن باع طعامك رخصه الرجل المشتريه. فالرخص هو الذي باع الطعام وتقول: أعجبني ضربُ الضارب زيدًا عبدَ الله رفعت الضرب، لأنه فاعل بـ"أعجبني" وأضفته إلى الضارب، ونصبت زيدًا لأنه مفعول في صلة الضارب، ونصبت عبد الله بالضرب الأول وفاعله "الضارب" المجرور وتقديره: أعجبني أن ضرب الضارب زيدًا عبد الله. وتقول: أعجب إعطاءٌ الدراهم أخاك غلامك أباك نصبت أباك بـ"أعجب" وجعلت غلامك هو الذي أعطى الدراهم أخاك. وتقول: ضَرْبَ الضاربِ عمرًا المكرم زيدًا أحبَّ أخواك نصبت ضرب الأول بـ"أحب" وجررت
_________________
(١) ١ في الأصل "صار". ٢ البلد: ١٤-١٥.
[ ١ / ١٧٥ ]
"الضارب" بالإِضافة وعديته إلى "عمرو" ونصبت المكرم زيدًا بضرب الأول، فإن أردت أن لا تعديه إلى عمرو قلت: ضرْبَ الضاربِ المكرمَ زيدًا أحبَّ أخواك، وهذا كله في صلة الضرب لأنك أضفته إلى الضارب/ ١٨٥ وسائر الكلام إلى قولك "أحب" متصل به. وتقول: سر دفعك إلى المعطي زيدًا دينارًا درهمًا القائم في داره عمرو١، نصبت القائم "بسر" ورفعت عمرًا بقيامه، ولو قلت: سرّ دفعكَ إلى زيدٍ درهمًا ضربكَ عمرًا كان محالًا، لأن الضرب ليس مما يسرُّ٢، ولو قلت: وافق قيامُك قعود زيد، صلح، ومعناه أنهما اتفقا في وقت واحد ولو أردت "بوافق" معنى الموافقة التي هي الإِعجاب لم يصلح إلا في الآدميين.
_________________
(١) ١ بيان هذه المسألة: أن يكون سر فعلا ماضيا ودفعك مصدرا مرفوعا لأنه فاعل سر، وإلى المعطي، من صلة المصدر والمعطي صلة وموصول وآخره قولك: دينارا، وقولك "درهما" من صلة الدفع وهو آخر صلته، والقائم مفعول سر وهو صلة وموصول، وقولك في "داره" من صلة القائم. وعمرو فاعل القائم وهو آخر صلته والهاء من داره تعود إلى الألف واللام. انظر المقتضب ١/ ٢٠. ٢ وكذلك لو قلت: أعجب قيامك قعودك، كان خطأ، انظر المقتضب ١/ ٢١.
[ ١ / ١٧٦ ]
باب الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين:
الفعل الذي يتعدى على مفعولين ينقسم إلى قسمين: فأحدهما يتعدى إلى مفعولين ولك أن تقتصر على أحدهما دون الآخر. والآخر يتعدى إلى مفعولين وليس لك أن تقتصر على أحدهما دون الآخر، فأما الذي يتعدى إلى مفعولين ولك أن تقتصر على أحدهما دون الآخر فقولك: أعطى عبد الله زيدًا درهمًا، وكسا عبد الله بكرًا ثوبًا فهذا الباب الذي يجوز فيه الاقتصار على/ ١٨٦ المفعول الأول، ولا بد أن يكون المفعول الأول فاعلًا فيه في المعنى بالمفعول الثاني، ألا ترى أنك إذا قلت: أعطيت زيدًا درهمًا فزيد المفعول الأول. والمعنى: أنك أعطيته فأخذ الدرهم والدرهم مفعول في المعنى لزيد وكذلك: كسوت زيدًا ثوبًا المعنى: أنّ زيدًا اكتسى الثوب ولبسه.
والأفعال التي تتعدى إلى مفعول واحد كلها إذا نقلتها من "فَعلَ" إلى "أفْعَلَ" كانت من هذا الباب تقول: ضرب زيدًا عمرًا ثم تقول: أضربت زيدًا عمرًا أي: جعلت زيدًا يضرب عمرًا، فعمرو في المعنى مفعول لزيد فهذه هي الأفعال التي يجوز لك فيها الاقتصار على المفعول الأول، لأن الفائدة واقعة به وحده تقول: أعطيت زيدًا ولا تذكر ما أعطيته فيكون كلامًا تاما مفيدًا. وتقول: أضربت زيدًا ولا تقول لمن أضربته.
واعلم: أن من الأفعال ما يتعدى إلى مفعولين/ ١٨٧ في اللفظ وحقه أن يتعدى إلى الثاني بحرف جر، إلا أنهم استعملوا حذف حرف الجر فيه
[ ١ / ١٧٧ ]
فيجوز فيه الوجهان في الكلام. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ ١ وسميته زيدًا وكنيت زيدًا أبا عبد الله ألا ترى أنك تقول: اخترت من الرجال وسميته بزيد وكنيته بأبي عبد الله ومن ذلك قول الشاعر:
أستغفرُ اللَه ذَنْبًا لَسْتُ مُحصيهُ رَبَّ العبادِ إليهِ الوجهُ والعَملُ٢
وقال عمرو بن معد يكرب:
أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافعَلْ ما أُمِرْتَ بهِ فقدْ تركتُكَ ذَا مالٍ وذَا نَشَبِ٣
_________________
(١) ١ الأعراف: ١٥٥. ٢ من شواهد سيبويه ٢/ ١٧ على أنه سمع حذف الجار من ثاني مفعولي -استغفر- الذي تعدى إليه بوساطة الحرف. أراد من ذنب، فحذف الجار وأوصل الفعل فنصب. والذنب: هنا اسم جنس بمعنى الجمع، فلذلك قال: لست محصية. والوجه: القصد، والمراد، وهو بمعنى التوجه. ولم ينسب هذا البيت لقائل معين، وانظر المقتضب ٢/ ٣٢١ و٣٣١، والخصائص ٣/ ٣٤٧، وابن يعيش ٧/ ٦٣ و٨/ ٥١، والصاحبي لابن فارس ١٥١، ومعاني القرآن ٢/ ٣١٤، وأدب الكاتب/ ٥٣٠، والكامل للمبرد/ ٢٠٩، وأمالي السيد المرتضى ٣/ ٤٧. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ١٧، على حذف حرف الجر من "الخير". وروى: أمرتك الرشد.. والنشب: المال الثابت كالضياع وغيرها، وهو من نشب الشيء إذا ثبت في موضع ولزمه، وكأنه أراد بالمال هنا الإبل خاصة، فلذلك عطف عليه النشب وقيل: النشب: جميع المال، فيكون على هذا التقدير عطفه على الأول مبالغة وتوكيدا، وسوغ ذلك اختلاف اللفظين: وتركتك: إذا كانت بمعنى: صيرتك، كان "ذا مال" مفعولا ثانيا، وإذا كانت بمعنى: "خلفتك" كان حالا، وقد للتحقيق. واختلف في نسبة هذا البيت، فسيبويه نسبه إلى معد يكرب كما فعل ذلك ابن السراج. وغيرهما نسبه إلى عدد من الشعراء، كإياس بن عامر وزرعة بن السائب وخفاف بن ندبة، والعباس بن مرداس، وأعشى طرود "بوزن مبرد" انظر المقتضب ٢/ ٣٦، ٨٦، ٣٢١، ٢٣١، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٦٥، ٢/ ٢٤٠، وابن يعيش ٢/ ٤٤، و٨/ ٥٠، والكامل/ ٣٢، والمؤتلف والمختلف/ ١٧، وشروح سقط الزند ٤/ ١٨٣٣.
[ ١ / ١٧٨ ]
أراد: أستغفر الله من ذنب، وأمرتك بالخير ومن ذلك: دعوته زيدًا إذا أردت دعوته التي تجري مجرى سميته، وإن عنيت الدعاء إلى أمر لم يجاوز مفعولًا واحدًا فأصل هذا دخول الباء، فإذا حذف حرف الجر عمل الفعل ومنه: نبئت زيدًا تريد: عن زيد وأنشد سيبويه في حذف حرف الجر قول المتلمس:
آليتُ/ ١٨٨حَبَّ العراقِ الدَّهرَ أطعمُهُ والحَبُّ يأكلُهُ في القريةِ السُّوسُ١
وقال: تريد على حب العراق٢. وقد خولف في ذلك.
قال أبو العباس: إنما هو: آليت أطعم حب العراق، أي: لا أطعم،
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ١٧ "على انتصاب" حب العراق على التوسع، إذ التقدير: على حب العراق فحذف الخافض ونصب ما بعده ولم يجعله من "باب زيدا ضربته" والتقدير: أطعمه. وهذه الجملة جواب لـ"آليت" فإن معناه. حلفت، و"لا" لها الصدر فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وما لا يعمل لا يفسر في هذا الباب عاملا. وضمير الخطاب في آليت عائد إلى عمرو بن هند الذي أقسم ألا يذوق المتلمس قمح العراق، أي لا يأتيها. ومعنى الشطر الثاني: أن القمح مبتذل ميسور والبخل به قبيح، وأراد بالقرية: الشام، وبالحب: البر. والمتلمس: هو جرير بن عبد المسيح. انظر شرح السيرافي ١/ ٢٨، والمغني ١/ ١٠٣، و٢/ ١٥٢، والشعر والشعراء ١/ ١٨٢، وجمهرة أشعار العرب/ ١١٣، وروايته: آكله بدلا من أطعمه. ورواية سيبويه والأعلم "بالقرية" والديوان/ ١٨٠ ط - ليبزك. ورواية الديوان: بالقرية السوس، والهمع ١/ ١٦٢، والمفصل للزمخشري ٢/ ٢٩١، وأمالي السيد المرتضى ١/ ١٣٠. ٢ انظر الكتاب ١/ ١٧، جعل انتصاب حب العراق على التوسع وإسقاط الخافض وهو "على".
[ ١ / ١٧٩ ]
كما تقول: والله أبرح ههنا، أي: لا أبرح. وخالفه أيضًا في نبَّأْتُ زيدًا فقالَ: زيدًا معناهُ: أعلمتَ زيدًا ونبَّأْتُ زيدًا معناه: أعلمتُ زيدًا.
واعلم: أنه ليس كل فعل يتعدى بحرف جر لك أن تحذف حرف الجر منه وتعدي الفعل إنما هذا يجوز فيما استعملوه وأُخذ سماعًا عنهم ومن ذلك قول الفرزدق:
مِنَا الَّذي اخْتِيرَ الرِّجَالَ سَمَاحَةً وُجودًا إذا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازعُ١
والقسم الثاني: وهو الذي يتعدى إلى معفولين وليس لك أن تقتصر على أحدهما دون الآخر هذا الصنف من الأفعال التي تنفذ منك إلى غيرك ولا يكون من الأفعال المؤثرة وإنما هي أفعال تدخل على المبتدأ والخبر فتجعل الخبر/ ١٨٩ يقينًا أو شكا، وذلك قولك: حسب عبد الله زيدًا بكرًا وظن عمروٌ خالدًا أخاك وخال عبد الله زيدًا أباك وعلمت زيدًا أخاك ومثل ذلك: رأى عبد الله زيدًا صاحبنا إذا لم ترد رؤية العين. ووجد عبد الله زيدًا ذا الحفاظ إذا لم ترد التي في معنى وجدان الضالة٢. ألا ترى أنك إذا قلت: ظننت عمرًا منطلقًا فإنما شكك في انطلاق عمرو لا في عمروٍ، وكذلك إذا
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ٨١ على جواز نيابة ثاني مفعولي "اختار" والأصل: اختير زيد الرجال أو من الرجال، فنصب "الرجال" على نزع الخافض، والزعازع: جمع زعزع كجعفر، وهي الريح التي تهب بشدة، عني بذلك الشتاء. وسماحة وجودا: مصدران منصوبان على المفعول لأجله كأنه قيل: اختير من الرجال لسماحته وجوده، ويجوز أن يكونا حالين أو تمييزين. وأراد بقوله: منا أباه غالبا، فإنه كان جوادا. ورواية الديوان والمقتضب كرواية المصنف: "منا" بالخرم لحذف الواو. انظر المقتضب ٤/ ٣٣٠، والهمع ١/ ١٦٢، والكامل/ ٢١ ط ليبزك، والديوان/ ٥١٦. ٢ في الكتاب ١/ ١٨ فإن قلت: رأيت فأردت رؤية العين أو وجدت فأردت وجدان الضالة فهو بمنزلة ضربت ولكنك إنما تريد بوجدت علمت وبرأيت ذلك أيضا.
[ ١ / ١٨٠ ]
قلت: علمت زيدًا قائمًا، فالمخاطب إنما استفاد قيام زيدٍ لا زيدًا لأنه يعرف زيدًا كما تعرفه أنت، والمخاطبُ والمُخاطِبُ في المفعول الأول سواء، وإنما الفائدة في المفعول الثاني، كما كان في المبتدأ والخبر الفائدة في الخبر لا في المبتدأ، فلما كانت هذه الأفعال إنما تدخل على المبتدأ والخبر والفائدة في الخبر والمفعول الأول هو الذي كان مبتدأ والمفعول الثاني هو الذي كان الخبرَ بقيَ موضعُ الفائدةِ على حالهِ.
واعلم: أن كل فعل متعد لك ألاّ تعديه وسواء عليك أكان يتعدى إلى مفعول واحد أو إلى مفعولين أو إلى ثلاثة/ ١٩٠ لك أن تقول: ضربت ولا تذكر المضروب لتفيد السامع أنه قد كان منك ضرب. وكذلك ظننت يجوز أن تقول: ظننت وعلمت إلى أن تفيد غيرك ذلك.
واعلم: أن ظننت وحسبت وعلمت وما كان نحوهن لا يجوز أن يتعدى واحد منها إلى أحد المفعولين دون الآخر لا يجوز: ظننت زيدًا وتسكت حتى تقول: "قائمًا" وما أشبه. من أجل أنه إنما يدخل على المبتدأ والخبر فكما لا يكون المبتدأ بغير خبر كذلك: "ظننت" لا تعمل في المفعول الأول بغير مفعول ثانٍ. فأما قولهم: ظننت ذاك، فإنما جاز السكوت عليه، لأنه كناية عن الظن يعني المصدر١ فكأنه قال: ظننت ذاك الظن فـ"ذاك": إشارة إلى المصدر تعمل الظن فيه كما تعمل الأفعال التي لا تتعدى في المصدر إذا قلت: قمت قيامًا ويجوز إذا لم تعد: ظننت أن تقول: ظننت به تجعله موضع ظنك، كما تقول: نزلت به ويجوز لك أن تلغي الظن إذا توسط الكلام أو تأخر وإن/ ١٩١ شئت أعملته تقول: زيدٌ ظننت منطلق. وزيدٌ منطلقٌ ظننت فتلغي الظن إذا تأخر ولا يحسن الإِلغاء إلا مؤخرًا، فإذا ألغيت فكأنك قلت: زيدٌ منطلق في ظني ولا يحسن أن تلغيَهُ إذا تقدم.
_________________
(١) ١ في الكتاب ١/ ١٨ "وأما ظننت ذاك" فإنما جاز السكوت عليه لأنك تقول: ظننت فتقتصر كما تقول: ذهبت، ثم تعمله في الظن كما تعمل ذهبت في الذهاب فـ"ذاك" ههنا هو الظن، كأنك قلت: ظننت ذاك الظن.
[ ١ / ١٨١ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: ظننته أخاك قائمًا، تريد: ظننت الظن، فتكون الهاء كناية عن الظن كأنك قلت: ظننت أخاك قائمًا الظن، ثم كنيتَ عن الظن وأجاز بعضهم: ظننتها أخاك قائمًا يريد: الظنة، وكذلك إن جعلت الهاء وقتا أو مكانًا على السعة، تقول: ظننت زيدًا منطلقًا اليوم، ثم تكني عن اليوم فتقول: ظننت زيدًا منطلقًا فيه، ثم تحذف حرف الجر على السعة فتقول: ظننته زيدًا منطلقًا، تريد: ظننت فيه والمكان كذلك وإذا ولي الظن حروف الاستفهام وجوابات القسم بطل في اللفظ عمله وعمل في الموضع تقول: علمت أزيدٌ في الدار أم عمرو وعلمت إن زيدًا لقائم وأخال/ ١٩٢ لعمرو أخوك، وأحسب ليقومن زيد، ومن النحويين من يجعل ما ولا كـ"أَنْ" واللام في هذا المعنى فيقول: أظن ما زيد منطلقًا وأحسب لا يقوم زيد لأنه يقول: والله ما زيد محسنًا ووالله لا يقوم وزيد. وتقول: ظننته زيدٌ قائمٌ تريد ظننت الأمر والخبر وهذا الذي يسميه الكوفيون المجهول١. وتقول ظننته هند قائمة فتذكر لأنك تريد الأمر والخبر وظننته
_________________
(١) ١ يطلق عند الكوفيون على الضمير الذي لم يتقدمه ما يعود عليه، ويسميه البصريون ضمير الشأن والقصة والحديث، ولا خلاف بين الفريقين في مأخذ التسمية فكلاهما يريد به ضميرا لا يعود على شيء تقدم عليه في الذكر، وإنما يعود على الجملة التالية له. ويرى البصريون أن ضمير الشأن إنما يتقدم جملة يكون هو كناية عنها، وتكون هي خبرا عنه، انظر شرح المفصل ٣/ ١١٤ ومؤدى هذا الكلام: أن خبره يكون جملة دائما، إلا أن الفراء وسائر الكوفيين يرون جواز الإخبار عنه بالمفرد فيجيزون نحو: كان قائما زيد، وكان قائما الزيدان، وكان قائما الزيدون، ولا يكون هذا الضمير عند الفراء مستأنفا به حتى يكون قبله "إن" أو بعض أخوات كان أو ظن، ولذلك كان يرد على الكسائي زعمه أن "هو" من قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ هو المجهول أو ضمير الشأن، وكان يرى أنه ضمير اسم الله تعالى، وكان يقول: قال الكسائي فيه قولا لا أراه شيئا، لأن الكسائي كان يوافق البصريين على أنه ضمير الشأن. انظر معاني القرآن ورقة ٢٢٢ وشرح المفصل ٣/ ١١٤.
[ ١ / ١٨٢ ]
تقوم هند، ويجوز في القياس: ظننتها زيد قائم، تريد: القصة١. ولا أعلمه مسموعًا من العرب. فأما الكوفيون فيجيزون تأنيث المجهول وتذكيره إذا وقع بعده المؤنث، يقولون: ظننته هند قائمة، وظننتها هند قائمة وتقول: ظننته قائم زيد والهاء كناية عن المجهول. والكوفيون يجيزون إذا ولي هذه الهاء فعل دائم٢ النصب، فيقولون: ظننته قائمًا زيدٌ ولا أعرف لذلك وجهًا في القياس ولا السماع من العرب/ ١٩٣ وتقول: زيدٌ أظنُّ منطلقٌ فتلغي "أظنُّ" كما عرفتك. وتقول: خلفكَ أحسبُ عمروٌ قامَ وقائمٌ أظن زيد فتلغي، وإن شئت أَعملت والكوفيون لا يجيزون إذا تقدمه ماضٍ أو مستقبل أن يعملوا٣. ويجيزون أن يعمل إذا تقدمه اسم أو صفة، والإِلغاء عندهم أحسن.
قال أبو بكر وذلك عندنا سواء. قال الشاعر:
أَبالأراجيزِ يابنَ اللُّؤمِ تُوعِدُني وفي الأَراجِيزِ خلتُ اللومُ والخورُ ٤
_________________
(١) ١ أي: ضمير المجهول أو الشأن. ٢ المراد بالفعل الدائم: اسم الفاعل على رأي الكوفيين والبصريين معا. ٣ في الأصل يعلموا فيها تقديم وتأخير في الحروف. ٤ من شواهد سيبويه ١/ ٦١ "على رفع" اللؤم والخور "بعد" "خلت" لما تقدم عليها من الخبر ونوى فيها من التأخير. والتقدير: وفي الأراجيز اللؤم والخور خلت ذلك. والبيت: للعين المنقري، منازل ابن زمعة من بني منقر يهجو رؤبة بن العجاج، وقيل: يهجو العجاج نفسه. وبيت اللعين هذا من قصيدة رويها لام، وقبل الشاهد: أني أنا ابن جلا إن كنت تعرفني يا رؤب والحية الصماء في الجبل أبالأراجيز على أن في بيت الشاهد إقواء وهو اختلاف حركة الروي. وهكذا رواه السيوطي في الهمع ١/ ١٥٣، وروى أيضا: وفي الأراجيز رأس القول والفشل وليس في هذه الرواية إقواء، ولكنها لا شاهد فيها. وقوله: يا رؤب، فإن أصله: يا رؤبة فرخم بحذف التاء، وهذا يؤيد ما ذهب إليه جماعة من أن اللعين يهجو بهذه الكلمة رؤبة لا أباه العجاج. وقوله: أبالأراجيز: فإنه يعني القصائد المرجزة الجارية على بحر الرجز. والخور: الضعف. وتوعدني: تتهددني. وانظر شرح السيرافي ١/ ٢٥٣، وابن يعيش ٧/ ٨٤، والمفصل للزمخشري ٢٦١، وأمالي السيد المرتضى ٤/ ٩٠.
[ ١ / ١٨٣ ]
فألغى: "خلتُ" ويلغي المصدر كما يلغي الفعل، وتقول: عبد الله ظني قائم وفي ظني وفيما أظن وظنا مني، فهذا يلغي وهو نصب تريد: أظن ظنا وإذا قلت: في ظني "ففي" من صلة كلامك جعلت ذلك فيما تظن.
وحكي عن بعضهم: أنه جعله من صلة خبر عبد الله لأن قيامه فيما يظن، وتقول: ظننت زيدًا طعامَكَ آكلًا، وطعامكَ ظننت زيدًا آكلًا. ولا يجوز: ظننت طعامك زيدًا آكلًا، من حيث قبح: كانت زيدًا الحمّى تأخذ، وهذه/ ١٩٤ المسألة توافق: كانتْ زيدًا الحمى تأخذُ من جهة وتخالفها من جهة، أما الجهة التي تخالفها فإن "كانت" خالية من الفاعل وظننت معها الفاعل، والفعل لا يخلو من الفاعل. والتفريق بينه وبين الفاعل أقبح منه بينه وبين المفعول. والذي يتفقان فيه أن "كان" تدخل على مبتدأ وخبر وظننت تدخل على مبتدأ وخبر، فهما يستويان من هذه الجهة. وقد فرقت بينهما وبين ما عملا فيه بما لم يعملا فيه. فإن أعملت: "ظننت" في مجهول جاز كما جاز في "كان" ورفعت زيدًا وخبره فقلت: ظننته طعامك زيدٌ آكلٌ ويجوز: ظننته آكل زيد طعامك ويجوز في قول الكوفيين نصب آكل.
وقد أجاز قوم من النحويين: ظننت عبد الله يقوم وقاعدًا وظننت عبد الله قاعدًا ويقوم. ترفع "يقوم" وأحدهما نسق على الآخر. ولكن إعرابهما مختلف، وهو عندي قبيح من أجل عطف الاسم على الفعل، والفعل على الاسم لأن العطف أخو التثنية/ ١٩٥ فكما لا يجوز أن ينضم فعل إلى اسم في تثنية، كذلك لا يجوز في العطف ألا ترى أنك إذا قلت: زيدان، فإنما معناه: زيد وزيد فلو كانت الأسماء على لفظ واحد لاستغني عن العطف،
[ ١ / ١٨٤ ]
وإنما احتيج إلى العطف لاختلاف الأسماء، تقول: جاءني زيد وعمرو لما اختلف الاسمان ولو كان اسم كل واحد منهما عمرو لقلت: جاءني العمران، فالتثنية نظير العطف، ألا ترى أنه يجوز لك أن تقول: جاءني زيد وزيد فحق الكلم التي يعطف بعضها على بعض أن يكون متى اتفقت ألفاظها جاز تثنيتها، وما ذكروا جائز في التأويل لمضارعة "يَفْعَلُ" لفاعل وهو عندي قبيح لما ذكرت لك. وتقول: ظن ظانا زيدًا أخاك عمرو تريد: ظن عمرو ظانا زيدًا أخاك رفعت عمرًا وهو المفعول الأول إذ قام مقام الفاعل ونصبت "ظانا"، لأنه المفعول الثاني فبقي على نصبه. ويجوز أن ترفع ظانا وتنصب عمرًا فتقول: ظن ظان زيدًا أخاك عمرًا كأنك قلت/ ١٩٦: ظن رجل ظان زيدًا أخاك عمرًا فترفع "ظانا" بأنه قد قام مقام الفاعل وتنصب زيدًا أخاك به وتنصب عمرًا، لأنه مفعول "ظن". وهو خبر ما لم يسم فاعله وتقول: ظن مظنون عمرًا زيدًا. كأنك قلت: ظن رجل مظنون عمرًا زيدًا فترفع "مظنون" بأنه قام مقام الفاعل وفيه ضمير رجل والضمير مرتفع بـ"مظنون" وهو الذي قام مقام الفاعل في مظنون وعمرًا منصوب بـ"مظنون" وزيدًا منصوب بـ"ظن". وتقول: ظن مظنون عمرو أخاه زيدًا كأنك قلت: ظن رجل مظنون عمرو أخاه زيدًا و"مظنون" في هذا وما أشبهه من النعوت يسميه الكوفيون خلفًا١، يعنون أنه خلف من اسم. ولا بد من أن يكون فيه راجع إلى الاسم المحذوف. والبصريون يقولون: صفة قامت مقام
_________________
(١) ١ أقسام الكلمة عند الفراء أكثر من الثلاثة المعروفة، فقد جعل كلمة "كلا" ليست قسما خاصا بين الأسماء والأفعال، فهي ليست باسم، كما أنها ليست بفعل، وبالطبع ليست بحرف كما هو واضح من كلامه في طبقات الزبيدي ١٤٥، وقال صاحب التصريح ١/ ٢٥: بأنها تمثل عند الفراء قسما مستقلا، وربما كان هذا القسم هو الذي أطلق عليه اسم الخالفة لأنه يطلق على ما يسمى عند البصريين باسم الفعل، وما اسم الفعل إلا كلمة هي بين الأسماء والأفعال لوجود علامات كل منهما فيهما، فكلمة "كلا" واسم الفعل يشتركان في هذه الصيغة ولهذا نرى أنهما قسم واحد هو الذي أطلق عليه الكوفيون اسم الخالفة.
[ ١ / ١٨٥ ]
الموصوف والمعنى واحد، فيرفع "مظنون" بأنه قام مقام الفاعل وهو ما لم يسم فاعله وترفع عمرًا بـ"مظنون" لأنه قام مقام الفاعل في مظنون. ونصبت أخاه بـ"مظنون"/ ١٩٧ ورجعت الهاء إلى الاسم الموصوف الذي "مظنون" خلف منه ونصبت زيدًا بـ"ظن" فكأنك قلت: ظن رجل زيدًا ولو قتل: ظن مظنون عمرو أخاك زيدًا لم يجز لأن التأويل: ظن رجل مظنون عمرو أخاك زيدًا فـ"مظنون" صفة لرجل ولا بد من أن يكون في الصفة أو فيما تشبثت به الصفة ما يرجع إلى رجل. وليس في هذه المسألة ما يرجع إلى رجل فمن أجل ذلك لم يجز ويجوز في قول الكوفيين: ظن زيد قائمًا أبوه على معنى أن يقوم أبوه. ولا يجيز هذا البصريون لأنه نقض لباب "ظن" وما عليه أصول الكلام وإنما يجيز هذا الكوفيون فيما عاد عليه ذكره. وينشدون:
أظنُّ ابنَ طُرثُوثٍ عُتيبةُ ذَاهِبًا بعَاديتي تكذابُهُ وجَعائلُه١
_________________
(١) ١ العادية: البئر القديمة. والجعائل: جمع جعالة، وهي هنا الرشوة، والشاهد لذي الرمة. وكان قد اختصم هو وابن طرثوث في بئر فأراد أن يقضي له بها. ورواية الديوان: لعل ابن طرثوب: انظر معاني القرآن ١/ ٤١٥. والديوان ١/ ٤٧٣.
[ ١ / ١٨٦ ]
باب الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة مفعولين:
اعلم: أن المفعول الأول في هذا الباب هو الذي كان فاعلًا في الباب الذي قبله فنقلته من فَعَلَ إلى "أفعلَ" فصار الفاعل مفعولًا، وقد بينت هذا فيما تقدم، تقول/ ١٩٨ رأى زيد بشرًا أخاك، فإذا نقلتها إلى "أفعل" قلت: أرى الله زيدًا بشرًا أخاك، وأعلم الله زيدًا بكرًا خير الناس. وقد جاء "فَعَلْتُ" في هذا النحو تقول: نبأت زيدًا عمرًا أبا فلان ولا يجوز الإِلغاء في هذا الباب، كما جاز في الباب الذي قبله لأنك إذا قلت: علمت وظننت وما أشبه ذلك فهي أفعال غير واصلة، فإذا قلت: "أعلمت" كانت واصلة فمن هنا حسن الإِلغاء في "ظننت وعلمت"ولم يجز إلغاء: "علمت" لأنك إذا "ظننت"، فإنما هو شيء وقع في نفسك لا شيء فعلتَه. وإذا قلت: "أعلمت" فقد أثرت أثرًا أوقعته في نفس غيرك. ومع ذلك فإن: "ظننت وعلمت" تدخلان على المبتدأ والخبر فإذا ألغينا بقي الكلام تاما مستغنيًا بنفسه تقول: زيدًا ظننت منطلقًا، فإذا ألغيت: "ظننت" بقي زيد ومنطلق فقلت: زيد منطلق ثم تقول "ظننت" والكلام مستغن والملغى نظير المحذوف، فلا يجوز أن يلغى من الكلام ما إذا حذفته بقي الكلام غير تام ولو ألغيت: "أعلمت ورأيت" من/ ١٩٩ قولك: أريت زيدًا بكرًا خير الناس وأعلمت بشرًا خالدًا شر الناس -والملغى كالمحذوف- لبقي زيد بكر خير الناس فزيد بغير خبر والكلام غير مؤتلف ولا تام.
[ ١ / ١٨٧ ]
واعلم: أن هذه الأفعال المتعدية كلها ما تعدى منها إلى مفعول وما تعدى منها إلى اثنين وما تعدى منها إلى ثلاثة إذا انتهت إلى ما ذكرت لك من المفعولين، فلم يكن بعد ذلك متعدي، تعدت إلى جميع ما يتعدى إليه الفعل الذي لا يتعدى الفاعل إلى مفعول من المصدر والظرفين والحال١، وذلك قولك: أعطى عبد الله زيدًا المال إعطاء جميلًا، وأعلمت هذا زيدًا قائمًا العلم اليقين إعلامًا لما انتهت صارت بمنزلة ما لا يتعدى.
_________________
(١) ١ في الكتاب ١/ ١٩ قال سيبويه: واعلم: أن هذه الأفعال إذا انتهت إلى ما ذكرت لك من المفعولين فلم يكن بعد ذلك متعدي تعدت إلى جميع ما تعدى إليه الفعل الذي لا يتعدى الفاعل وذلك قولك: أعطى عبد الله زيدا المال إعطاء جميلا.
[ ١ / ١٨٨ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: سرقت عبد الله الثوب الليلة١، فتعدى "سَرَقْتُ" إلى ثلاثة مفعولين، على أن لا تجعل "الليلة" ظرفًا، ولكنك تجعلها مفعولًا على السعة في اللغة كما تقول: يا سارق الليلة زيدًا الثوب. فتضيف "سارقًا" إلى الليلة وإنما تكون الإِضافة إلى الأسماء/ ٢٠٠ لا إلى الظروف وكذلك حروف الجر، إنما تدخل على الأسماء لا على الظروف فكل منجر بجار عامل فيه فهو اسم وتقول: أعلمت زيدًا عمرًا هندٌ معجبها هو. كان أصل الكلام: علم زيدًا عمرًا هند معجبها هو. فزيد مرفوع بـ"عَلَم" وعمرو منصوب بأنه المفعول الأول وهند مرتفعة بالابتداء "ومعجبها" هو الخبر و"هو" هذه كناية عن عمرو وراجعة إليه فلم يجز أن تقول: معجبها ولا تذكر "هو"، لأن أسماء الفاعلين إذا جرت على غير من هي له لم يكن بد من إظهار الفاعل. وقد بينا هذا فيما تقدم و"هند" وخبرها الجملة بأسرها قامت مقام المفعول الثاني وموضعها نصب فإذا نقلت "علم" إلى "أعلمت" صار زيد مفعولًا فقلت: أعلمت زيدًا عمرًا هند معجبها هو، فإن قيل لك أكن عن "هند معجبها هو"
_________________
(١) ١ قال سيبويه ١/ ١٩ إذا قلت: سرقت عبد الله الثوب الليلة لا تجعله ظرفا ولكن كما تقول: يا سارق الليلة زيدا الثوب، لم تجعلها ظرفا.
[ ١ / ١٨٨ ]
قلت: أعلمت زيدًا عمرًا إياه، لأن موضع الخبر نصب. وهذا إذا كنيت عن معنى الجملة لا عن الجملة وتقول: أعلمته زيدًا أخاك قائمًا، تريد: أعلمت العلم فتكون الهاء كناية/ ٢٠١ عن المصدر كما كانت في "ظننته زيدًا أخاك" فإن جعلت الهاء وقتًا أو مكانًا على السعة جاز كما كان في "ظننته" وقد فسرته في باب مسائل "ظننت". ومن قال ظننته زيد قائم: فجعل الهاء كناية عن الخبر والأمر وهو الذي يسميه الكوفيون المجهول١، لم يجز له أن يقول في "أعلمت زيدًا عمرًا خير الناس" أعلمته زيدًا عمرو خير الناس لما خبرتك به من أنه يبقى زيد بلا خبر، وإنما يجوز ذلك في الفعل الداخل على المبتدأ والخبر، فلا يجوز هذا في "أعلمت"، كما لا يجوز الإِلغاء لأنك تحتاج إلى أن تذكر بعد الهاء خبرًا تاما يكون هو بجملته تلك الهاء والأفعال المؤثرة لا يجوز أن يضمر فيها المجهول، إنما تذكر المجهول مع الأشياء التي تدخل على المبتدأ والخبر نحو: كان وظننت وأن وما أشبه ذلك٢. ألا ترى أن تأويل: ظننته زيد قائم، ظننت الأمر والخبر زيد قائم وكذلك إذا قلت: إنَّه زيد قائم فالتأويل: أن الأمر زيد قائم وكذلك: كان زيد قائم إذا كان فيها مجهول التأويل/ ٢٠٢ كان الأمر زيد قائم ولا يجوز أن تقول: أعلمت الأمر ولا أريت الأمر هو ممتنع من جهتين: من جهة أن زيدًا يكون بغير خبر يعود إليه، ولو زدت في المسألة أيضًا ما يرجع إليه ما جاز من الجهة الثانية. وهي أنه لا يجوز: أعلمت الخبر خبرًا إنما يعلم المستخبر وتقول: أعلمت عمرًا زيدًا ظانا بكرًا أخاك كأنك قلت: أعلمت عمرًا زيدًا رجلًا ظانا بكرًا أخاك. فإن رددت إلى ما لم يسم فاعله قلت: أعلم عمرو زيدًا ظانا بكرًا أخاك ولك أن تقيم "زيدًا" مقام الفاعل وتنصب عمرًا فتقول: أعلم زيد عمرًا ظانا بكرًا أخاك ولا يجوز: أعلم ظان بكرًا أخاك.
_________________
(١) ١ يطلق الكوفيون على الضمير الذي لم يتقدمه ما يعود عليه ضمير المجهول الذي يسميه البصريون ضمير الشأن والقصة. ٢ انظر معاني القرآن/ ٢٢٢. ورقة.
[ ١ / ١٨٩ ]
عمرًا زيدًا. من أجل أن حق المفعول الثالث أن يكون هو الثاني في المعنى، إذ كان أصله المبتدأ والخبر وقد تقدم تفسير ذلك، فإن كان عمرو هو زيد له اسمان جاز وجعلته/ ٢٠٣ هو على أن يغني غناه، ويقوم مقامه، كما تقول: زيد عمرو، أي: إن أمره وهو يقوم مقامه جازَ، وإلا فالكلام محالٌ، لأن عمرًا لا يكون زيدًا.
[ ١ / ١٩٠ ]
شرح الثالث: وهو المفعول فيه:
المفعول فيه ينقسم على قسمين: زمان ومكان، أما الزمان، فإن جميع الأفعال تتعدى إلى كل ضرب منه معرفة كان أو نكرة. وذلك أن الأفعال صيغت من المصادر بأقسام الأزمنة كما بينا فيما تقدم، فما نصب من أسماء الزمان فانتصابه على أنه ظرف، وتعتبره بحرف الظرف أعني. "في" فيحسن معه فتقول: قمت اليوم، وقمت في اليوم، فأنت تريد معنى "في" وإن لم تذكرها، ولذلك سميت -إذا نصبت- ظروفًا؛ لأنها قامت مقام "في" ألا ترى أنك إذا قلت: قمت اليوم، ثم قيل لك: أكن عن اليوم قلت: قمت فيه١، وكذلك: يوم الجمعة ويوم الأحد والليلة وليلة السبت وما أشبه ذلك وكذلك: نكراتها نحو قولك: قمت يومًا وساعة وليلة وعشيا وعشيةً وصباحًا ومساءً/ ٢٠٤. فأما سحر إذا أردت به سحر يومك وغدوة وبكرة هذه الثلاثة الأحرف، فإنها لا تتصرف٢، تقول: جئتك اليوم سحر وغدوة وبكرة يا هذا وسنذكرها في موضعها فيما يتصرف وما لا يتصرف إن شاء الله.
وكل ما جاز أن يكون جواب "متى" فهو زمان ويصلح أن يكون ظرفًا.
_________________
(١) ١ قال المبرد في المقتضب ٤/ ٣٣٠ واعلم: أن هذه الظروف المتمكنة -يعني التي يصح أن تقع مسندا إليه يجوز أن تجعلها أسماء فتقول: يوم الجمعة قمته في موضع قمت فيه، والفرسخ سرته، ومكانكم جلسته، وإنما هذا اتساع، والأصل ما بدأنا به لأنها مفعول فيها، وليست مفعولا بها، وإنما هذا على حذف حرف الإضافة. ٢ أي: إنها لا تقع مسندا إليه، فلا تكون إلا ظرفا.
[ ١ / ١٩٠ ]
للفعل. يقول القائل: متى قمت؟ فتقول: يوم الجمعة، ومتى صمت؟ فتقول: يوم الخميس، ومتى قدم فلان؟ فتقول: عام كذا وكذا، وكل ما كان جواب متى فالعمل يجوز أن يكون في بعضه وفي كله يقول القائل: متى سرت؟ فتقول: يوم الجمعة، فيجوز أن يكون سرت بعض ذلك اليوم، ويجوز أن يكون قد سرت اليوم كله "وكم". من أجل أنها سؤال عن عدد تقع على كل معدود والأزمنة مما يعد فهي يسأل بها عن عدد الأزمنة فيقول القائل: كم سرت؟ فتقول: ساعة أو يومًا أو يومين ولا يسأل "بكم" إلا عن نكرة "ومتى" لا يسأل بها إلا عن معرفة أو ما قارب المعرفة يقول القائل/ ٢٠٥: كم سرت؟ فتقول: شهرين أو شهرًا أو يوما ولا يجوز أن تقول: الشهر الذي تعلم ولا اليوم الذي تعلم لأن هذا من جواب "متى". وأما قولهم: سار الليل والنهار والدهر والأبد فهو وإن كان لفظه لفظ المعارف فهو في جواب "كم"، ولا يجوز أن يكون جواب "متى"، لأنه إنما يراد به التكثير وليست بأوقات معلومة محدودة فإذا قالوا: سِيرَ عليه الليل والنهار فكأنهم قالوا: سِيرَ عليه دهرًا طويلًا وكذلك الأبد فإنما يراد به التكثير والعدد وإلا فالكلام محال.
وذكر سيبويه: أن المحرم وسائر أسماء الشهور أجريت مجرى الدهر والليل والنهار وقال لو قلت: شهر رمضان أو شهر ذي الحجة كان بمنزلة يوم الجمعة أو البارحة ولصار جواب "متى"١ فالمحرم عنده بلا ذكر "شهر" يكون في جواب "كم" فإن أضفت شهرًا إليه صار في جواب "متى" وحجته في ذلك استعمال العرب له لذلك قال: وجميع ما ذكرت لك مما يكون مجرى على "متى" يكون مجرى على "كم" ظرفًا٢ / ٢٠٦ وغير ظرف. وبعض ما يكون في "كم" لا يكون في "متى" نحو: الدهر والليل والنهار٣.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١١١. ٢ الكتاب ١/ ١١١. والنص: وجميع ما ذكرت لك مما يكون على "متى" يكون مجرى على كم ظرفا وغير ظرف. ٣ انظر الكتاب ١/ ١١١.
[ ١ / ١٩١ ]
واعلم: أن أسماء الأزمنة تكون على ضربين: فمنها ما يكون اسمًا ويكون ظرفًا ومنها ما لا يكون إلا ظرفًا، فكل اسم من أسماء الزمان فلك أن تجعله اسمًا وظرفًا إلا ما خصته العرب بأن جعلته ظرفًا وذلك ما لم تستعمله العرب مجرورًا ولا مرفوعًا. وهذا إنما يؤخذ سماعًا عنهم فمن ذلك: "سحر" إذا كان معرفة غير مصروف تعني به: سحر يومك لا يكون إلا ظرفًا وإنما يتكلمون به في الرفع والنصب والجر [و] ١ بالألف واللام٢ أو نكرة وكذلك تحقير سحر إذا عنيت: سحر يومك لم يكن إلا ظرفًا. تقول: سير عليه سحيرًا وتصرفه لأن "فعيلًا" منصرف حيث كان. ومثله ضحى إذا عنيت: ضحى يومك وصباحًا وعشية وعشاء إذا أردت: عشاء يومك فإنه لم يستعمل إلا ظرفًا وكذلك: ذات مرة/ ٢٠٧ وبعيدات بينَ٣ وبكرًا٤ وضحوة إذا عنيت ضحوة يومك وعتمة إذا أردت: عتمة ليلتك وذات يوم وذات مرة وليل ونهار إذا أردت: ليل ليلتك ونهار نهارك وذو صباح ظرف. قال سيبيويه: أخبرنا بذلك يونس إلا أنه قد جاء في لغة لخثعم: ذات ليلة وذات مرة٥ أي: جاءتا مرفوعتين فيجوز على هذا أن تنصب نصب المفعول على السعة.
_________________
(١) ١ أضيفت واوا لأن المعنى يحتاجها. ٢ انظر الكتاب ١/ ١١٥. ٣ في اللسان: أبو عبيد، يقال: لقيته بعيدات إذا لقيته بعد حين، وقيل: بعيدات بين، أي بعيد فراق وذلك إذا كان الرجل يمسك عن إتيان صاحبه الزمان ثم يأتيه ثم يمسك عنه نحو ذلك أيضا ثم يأتيه. ٤ البكر: بمعنى البكرة كما في اللسان. ٥ انظر الكتاب ١/ ١١٥ قال سيبويه: أخبرنا بذلك يونس عن العرب، إلا أنه قد جاء في لغة لخثعم مفارقا لذات مرة وذات ليلة، وأما الجيدة العربية فأن يكون بمنزلتها، وقال رجل من خثعم: عزمت على إقامة ذي صباح لشيء ما يسود من يسود فهو على هذه اللغة، يجوز فيه الرفع.
[ ١ / ١٩٢ ]
واعلم: أن العرب قد أقامت أسماء ليست بأزمنة مقام الأزمنة اتساعًا واختصارًا وهذه الأسماء تجيء على ضربين:
أحدهما: أن يكون أصل الكلام إضافة أسماء الزمان إلى مصدر مضاف فحذف اسم الزمان اتساعًا نحو: جئتك مقدم الحاج، وخفوق النجم وخلافة فلان وصلاة العصر١، فالمراد في جميع هذا: جئتك وقت مقدم الحاج ووقت خفوق النجم ووقت خلافة فلان ووقت صلاة العصر.
والآخر: أن يكون اسم الزمان موصوفًا فحذفا اتساعًا وأُقيم الوصف مقام الموصوف/ ٢٠٨ نحو: طويل وحديث وكثير وقليل وقديم وجميع هذه الصفات إذا أقمتها مقام الأحيان لم يجز فيها الرفع ولم تكن إلا ظروفًا وجرت مجرى ما لا يكون إلا ظرفًا من الأزمنة فأما قريب فإن سيبويه أجاز فيه الرفع وقال: لأنهم يقولون: لقيته مذ قريب وكذلك ملى، قال: والنصب عندي عربي كثير٢. فإن قلت: سير عليه طويل من الدهر، وشديد من السير فأطلقت الكلام ووصفته، كان أحسن وأقوى وجاز٣.
قال أبو بكر: وإنما صار أحسن إذا وصف لأنه يصير كالأسماء، لأن الأسماء هي التي توصف وكل ما كان من أسماء الزمان يجوز أن يكون اسمًا، وأن يكون ظرفًا فلك أن تنصبه نصب المفعول على السعة تقول: قمت اليوم وقعدت الليلة فتنصبه نصب "زيد" إذا قلت: ضربت زيدًا ويتبين لك هذا في الكناية أنك إذا قلت: قمت اليوم فتنصبه نصب المفعول على
_________________
(١) ١ قال سيبويه ١/ ١١٤: هذا باب ما يكون فيه المصدر حينا لسعة الكلام والاختصار وذلك قولك: متى سير عليه، فيقول: مقدم الحاج وخفوق النجم وخلافة فلان وصلاة العصر، فإنما هو: زمن مقدم الحاج وحين خفوق النجم ولكنه على سعة الكلام والاختصار. ٢ الكتاب ١/ ١١٦. ونص سيبويه: وقد يحسن أن تقول: سير عليه قريب، لأنك تقول: لقيته مذ قريب، والنصب عربي كثير جيد.. ومن ذلك ملى من النهار والليل، تقول: سير عليه ملى والنصب فيه كالنصب في قريب. ٣ انظر الكتاب ١/ ١١٧.
[ ١ / ١٩٣ ]
السعة فكنيت/ ٢٠٩ عنه قلت: قمته وإذا نصبته نصب الظروف قلت: قمت فيه. وإذا وقع موقع المفعول جاز أن يقوم مقام الفاعل فيما لم يُسَم فاعلُهُ. ألا تراهم قالوا: صِيد عليه يومان وولد له ستون عامًا١.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١١٤.
[ ١ / ١٩٤ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: يوم الجمعة القتال فيه، فيوم الجمعة مرفوع بالابتداء، والقتال فيه الخبر، والهاء راجعة إلى يوم الجمعة وإذا أضمرته وشغلت الفعل عنه خرج من أن يكون ظرفًا، والظروف متى كني وتحدث عنها زال معنى الظرف، ويجوز: يوم الجمعة القتال فيه، على أن تضمر فعلًا قبل يوم الجمعة يفسره القتال فيه، كأنك قلت: القتال يوم الجمعة القتال فيه، هذا مذهب سيبويه١ والبصريين فلك أن تنصبه نصب الظروف ونصب المفعول.
وتقول: اليوم الصيام، واليوم القتال فترفع الصيام والقتال بالابتداء، واليوم خبر الصيام والقتال، واليوم منصوب بفعل محذوف، كأنك قلت: الصيام يستقر اليوم/ ٢١٠ أو يكون اليوم، وما أشبه ذلك، ولا يجوز أن تقول: زيدٌ اليوم، ويجوز أن تقول: الليلة الهلال٢. وقد بينا هذا فيما تقدم عند ذكرنا خبر المبتدأ.
وتقول: اليوم الجمعة واليوم السبت، لأنه عمل في اليوم، فإن جعلته اسم اليوم رفعت. فأما: اليوم الأحد واليوم الاثنان إلى الخميس فحق هذا الرفع لأن هذه كلها أسماء لليوم ولا يكون عملًا فيها٣ وإنما كان ذلك في الجمعة والسبت لأن الجمعة بمعنى الاجتماع والسبت بمعنى الانقطاع.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١١٤ و٢٠٨. ٢ في الكتاب ١/ ٢٠٨ وإن قلت: الليلة الهلال واليوم القتال نصبت، التقديم والتأخير في ذلك سواء، وإن شئت رفعت فجعلت الآخر الأول، وكذلك: اليوم الجمعة، واليوم السبت وإن شئت رفعت. ٣ انظر الكتاب ١/ ٢٠٨.
[ ١ / ١٩٤ ]
وتقول: اليومُ رأس الشهر، واليومَ رأس الشهر، أما النصب فكأنك قلت: اليوم ابتداء الشهر وأما الرفع فكأنك قلت: اليوم أول الشهر فتجعل اليوم هو الأول. وإذا نصبت فالثاني غير الأول.
واعلم: أن أسماء الزمان تضاف إلى الجمل وإلى الفعل١ والفاعل وإلى الابتداء والخبر، تقول: هذا يوم يقوم زيد، وأجيئك يوم يخرج الأمير، وأخرج يوم عبد الله/ ٢١١ أمير وتقول: إن يوم عبد الله أمير زيدًا جالس، تريد: أن زيدًا جالس يوم عبد الله أمير، فإن جعلت في أول كلامك "فيه" قلت: إن يومًا فيه عبد الله خارج زيدًا مقيم فتنصب "زيدًا" بـ"أن" و"مقيم" خبره و"يومًا" منتصب بأنه ظرف لـ"مقيم" و"فيه عبد الله خارج" صفة ليوم فإن قلت: إن يومًا فيه عبد الله خارج زيد فيه مقيم، خرج اليوم من أن يكون ظرفًا وصار اسمًا لـ"أَنَّ" وإنما أخرجه من أن يكون ظرفًا: أنك جئت "بفيه" فأخبرت عنه: بأن إقامة زيد فيه، فـ"فيه" الثانية أخرجته عن أن يكون ظرفًا، لأنها شغلت مقيمًا عنه، ولم تخرجه "فيه" الأولى من أن يكون ظرفًا، لأنها من صلة الكلام الذي هو صفة "لليوم" فالصفة لا تعمل في الموصوف فيكون متى شغلتها خرج الظرف عما هو عليه، وإنما دخلت لتفصل بين يوم خرج فيه عبد الله وبين يوم لم يخرج فيه فقولك: يوم الجمعة قمت فيه بمنزلة قولك: زيد مررت به لا فرق في الإِخبار عنهما وتقول: ما اليوم خارجًا فيه عبد الله وما يوم خارج/ ٢١٢ فيه عبد الله منطلقًا فيه زيد. وتقول: ما يومًا خارجًا فيه زيد منطلق عمرو، فتنصب يومًا بأنك جعلته ظرفًا للانطلاق ونصبت "خارجًا"، لأنه صفة لليوم، وأما "منطلق" فإنما رفعته لأنك قدمت خبر "ما".
ومن قال: يا سَارِقَ اللَّيلةِ أَهْلَ الدَّارِ٢
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٤٦١، والمقتضب ٢/ ٣٤٧. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٨٩ على إضافة "سارق" إلى الليلة ونصب "أهل" للاتساع في الظروف فنصبت نصب المفعول به. وكان بعض النحويين ينصب "الليلة" ويخفض "أهل" فيقول: يا سارق الليلة أهل الدار ونقل البغدادي عن ابن خروف: أن أهل الدار منصوب بإسقاط الجار ومفعوله الأول محذوف والمعنى: يا سارق الليلة لأهل الدار متاعا، فسارق متعد لثلاثة: أحدها: الليلة على السعة، والثاني: بعد إسقاط حرف الجر، والثالث: مفعول حقيقي. وجميع الأفعال متعديها ولازمها يتعدى إلى الأزمنة الثلاثة والأمكنة. قال البغدادي وفيه نظر. وهذا الرجز لم ينسبه أحد لقائل معين. وانظر: الحجة لأبي علي ١/ ١٤، والمحتسب ٢/ ٢٩٥، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٥٠، والمفصل للزمخشري/ ٤٥، وشرح الحماسة/ ٦٥٥، ومعاني الفراء ٢/ ٨٠، وابن يعيش ٢/ ٤٥.
[ ١ / ١٩٥ ]
فجر "الليلة" وجعلها مفعولًا بها على السعة، فإنه يقول: أما الليلة فأنت سارقها زيدا، وأما اليوم فأنتَ آكله خبزًا، وهذان اليومان أنا ظانهما زيدًا عاقلًا، لأنه قد جعله مفعولًا به على السعة ولا تقول: اليوم أنا معلمه زيدًا بشرًا منطلقًا، لأنه لا يكون فعل يتعدى إلى أربعة مفاعيل فيشبه هذا به، وقد أجازه بعض الناس. وتقول على هذا القياس: أما الليلة فكأنها زيدٌ منطلقًا، وأما اليوم فليسه زيد منطلقًا، وأما الليلة فليس زيد إياها منطلقًا، وأما اليوم، فكأنه زيد منطلقًا، وأما اليوم فكان زيد إياه منطلقًا تريد في جميع هذا: "في" فتحذف على السعة ولا تقول: أما اليوم فليته زيدًا منطلق/ ٢١٣ تريد: ليت فيه؛ لأن "ليت" ليست بفعل ولا هذا موضعَ مفعولٍ فيتسع فيهِ. وجميع هذا مذهب الأخفش.
وذكر الأخفش أنه يجوز: أما الليلة فما زيد إياها منطلقًا، لأن "ما" مشبه بالفعل قال: لم يجوزه في "ما" فهو أقيس؛ لأن "ما" وإن كانت شبهت بالفعل فليست كالفعل.
قال أبو بكر: وهو عندي لا يجوز البتة. وتقول: الليلة أنا أنطلقها،
[ ١ / ١٩٦ ]
تريد: أنا أن أنطلق فيها. وتقول: الليلة أنا منطلقها تريد: أنا منطلق فيها ولا يجوز: الليلة أنا إياها منطلق ولا: اليوم نحن إياه منطلقون تريد: نحن منطلقون فيه ولا يجوز: أما اليوم فالقتال إياه تريد فيه، وأما الليلة فالرحيل إياها تريد: فيها لأن السعة والحذف لا يكونان١ فيه، كما لا سعة فيه ولا حذف في جميع أحواله. قال الأخفش: ولو تكلمت به العرب لأجزناه.
_________________
(١) ١ في الأصل "يكون".
[ ١ / ١٩٧ ]
ذكر المكان:
اعلم: أن الأماكن ليست كالأزمنة التي يعمل فيها كل فعل فينصبها نصب/ ٢١٤ الظروف، لأن الأمكنة: أشخاص له خلق وصور تعرف بها كالجبل والوادي، وما أشبه ذلك، وهن بالناس أشبه من الأزمنة لذلك وإنما الظروف منها التي يتعدى إليها الفعل الذي لا يتعدى ما كان منها مبهمًا خاصة، ومعنى المبهم أنه هو الذي ليست له حدود معلومة تحصره. وهو يلي الاسم من أقطاره نحو: خلف وقدام وأمام ووراء وما أشبه ذلك، ألا ترى أنك إذا قلت: قمت خلف المسجد لم يكن لذلك الخلف نهاية تقف عندها، وكذلك إذا قلت: قدام زيد. لم يكن لذلك حد ينتهي إليه فهذا وما أشبهه هو المبهم الذي لا اختلاف فيه أنه ظرف.
وأما مكة والمدينة والمسجد والدار والبيت فلا يجوز أن يكن ظروفًا، لأن لها أقطارًا محدودة معلومة تقول: قمت أمامك وصليت وراءك، ولا يجوز أن تقول: قمت المسجد/ ٢١٥ ولا قعدت المدينة ولا ما أشبه ذلك، والأمكنة تنقسم قسمين منها ما استعمل اسمًا يتصرف في جميع الإِعراب وظرفًا ومنها ما لا يرفع ولا يكون إلا ظرفًا. فأما الظروف التي تكون اسمًا فذكر سيبويه: أنها خلفك، وقدامك، وأمامك، وتحتك، وقبالتك، ثم قال:
[ ١ / ١٩٧ ]
وما أشبه ذلك، وقال: ومن ذلك: هو ناحيةً من الدار. ومكانًا صالحًا وداره ذات اليمين وشرقي كذا وكذا. قال: وقالوا: منازلهم يمينًا وشمالًا وهو قصدك وهو حلَةَ الغور، أي: قصده وهما خطان جنابتي أنفهما يعني الخطين اللذين اكتنفا أنف الظبية وهو موضعه ومكانه صددك ومعناه القصد وسقبك١ وهو قربك وقرابتك٢ ثم قال: واعلم: أن هذه الأشياء كلها قد تكون اسمًا غير ظرف بمنزلة زيد وعمرو٣.
وحكى: هم قريب منك وقريبًا٤ منك وهو وزن الجبل أي: ناحية منه، وهو زنة الجبل أي: حذاءه، وقُرابَتك وقُربكَ/ ٢١٦ وحواليه بنو فلان، وقومك أقطار البلاد، قال: ومن ذلك قول أبي حية:
إذَا ما نَعَشْنَاهُ علَى الرَّحْلِ يَنثني مُسالَيْهِ عنهُ مِنْ وراءٍ ومُقدَمِ٥
مسالاة: عطفاه٦.
ومما يجري مجرى ما ذكره سيبويه من الأسماء التي تكون ظروفًا، فرسخ
_________________
(١) ١ سقبك: قربك، يقال: سقبت الدار واسقبت إذا قربت. ٢ يقال: هم قرابتك في العلم: أي: قريبا منك. ٣ انظر الكتاب ١/ ٢٠٤. ٤ قال سيبويه: ومن ذلك قول العرب: هم قرابتك، أي: قربك يعني المكان، وهم قرابتك في العلم، أي: قريبا منك في العلم، فصار هذا بمنزلة قول العرب: هو حذاءه وإزاءه وحواليه بنو فلان. الكتاب ١/ ٢٠٤. ٥ نصب مساليه على الظرف والتقدير: ينثني في مساليه، أي: في عطفيه وناحيتيه، وسميا مسالين، لأنهم أسيلا، أي: سهلا في طول وانحدار فهما كمسيل الماء، وصف الشاعر راكبا أدام السرى حتى غشيه النوم، وغلبه، فجعل ينثني في عطفيه من مقدم الرحل ومؤخره. ومعنى: نعشناه رفعناه، ومنه سمي النعش نعشا لحمله على الأعناق والهاء في عنه راجعة على الرحل، أي: ينثني عن الرحل من وراه ومقدم. انظر الكتاب ١/ ٢٠٥، وشرح السيرافي ٢/ ١٣٦. ٦ الكتاب ١/ ٢٠٤-٢٠٥.
[ ١ / ١٩٨ ]
وميل. تقول: سرت فرسخًا وفرسخين وميلًا وميلين، فإن قال قائل: ففرسخ وميل موقت معلوم فلم جعلته مبهمًا؟ قيل له: إنما يراد بالمبهم ما لا يعرف له من البلاد موضع ثابت ولا حدود من الأمكنة، فهذا إنما يعرف مقداره. فالإِبهام في الفرسخ والميل بعد موجود، لأن كل موضع يصلح أن يكون من الفرسخ والميل فافهم الفرق بين المعروف الموضع والمعروف القدر، وكذلك ما كان من الأمكنة مشتقا من الفعل نحو: ذهبت المذهب البعيد، وجلست المجلس الكريم.
وأما الظروف التي لا ترفع: فعند وسوى، وسواء إذا أردت بهما معنى "غير" لم تستعمل إلا ظروفًا. قال سيبويه: إن/ ٢١٧ سواءك بمنزلة مكانك، ولا يكون اسمًا إلا في الشعر١. ودل على أن سواءك ظرف أنك تقول: مررت بمن سواءك، والفرق بين قولك: عندك وخلفك أن خلفك تعرف بها الجهة وعندك لما حضرك من جميع أقطارك، وكذلك سواءك لا تخص مكانًا من مكان فبعدًا من الأسماء لاستيلاء الإِبهام عليهما.
واعلم: أن الظروف أصلها الأزمنة والأمكنة ثم تتسع العرب فيها للتقريب والتشبيه، فمن ذلك قولك: زيد دون الدار وفوق الدار إنما تريد: مكانًا دون الدار ومكانًا فوق الدار ثم يتسع ذلك فتقول: زيد دون عمرو، وأنت تريد في الشرف أو العلم أو المال أو نحو ذلك، وإنما الأصل المكان. ومما اتسعوا فيه قولهم: هو مني بمنزلة الولد، إنما أخبرت أنه في أقرب المواضع وإن لم ترد البقعة من الأرض، وهو مني منزلة الشغاف ومزجر الكلب ومقعد القابلة ومناط الثريا٢ ومعقد الإِزار.
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٢٠٢-١٠٣. قال سيبويه: ومن ذلك أيضا: هذا سواءك، وهذا رجل سواءك، فهذا بمنزلة مكانك إذا جعلته في معنى بدلك ولا يكون اسما إلا في الشعر. قال بعض العرب لما اضطر في الشعر جعله بمنزلة "غير" قال الشاعر: ولا ينطق الفحشاء من كان منهم إذا قعدوا منا ولا من سوائنا ٢ مناط الثريا: فإنما معناه: هذا أبعد البعد.
[ ١ / ١٩٩ ]
قال سيبويه١: أجرى مجرى: هو مني مكان كذا، ولكنه/ ٢١٨ حذف. ودرج السيول ورجع أدراجه وقال: إنما يستعمل من هذا الباب ما استعملت العرب. وأما ما يرتفع من هذا الباب فقولك: هو مني فرسخان وأنت مني يومان وميلان وأنت مني عدوة٢ الفرس وغلوة٣ السهم٤ هذا كله مرفوع لا يجوز فيه إلا ذاك وإنما فصله من الباب الذي قبله أنك تريد: ههنا بيني وبينك فرسخان ولم ترد أنت في هذا المكان؛ لأن ذلك لا معنى له، فما كان في هذا المعنى فهذا مجراه نحو: أنت مني٥ فوت اليد، ودعوة الرجل.
قال سيبويه: وأما أنت مرأى ومسمع، فرفع لأنهم جعلوه الأول٦، وبعض الناس ينصب مرأى ومسمعًا، فأما قولهم: داري من خلف دارك فرسخًا فانتصب فرسخ لأن ما خلف دارك الخبر وفرسخًا على جهة التمييز فإن شئت قلت: داري خلف دارك فرسخان تلغي "خلف". قال سيبويه: وزعم يونس: أن أبا عمرو٧ كان يقول٨ / ٢١٩: داري من خلف دارك
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٢٠٦. ٢ عدوة الفرس: أن تجعل ذلك مسافة ما بينك وبينه. ٣ غلوة السهم: يقال غلا السهم نفسه إذا ارتفع في ذهابه وجاوز المدى، وكذلك الحجر، وكل مرماة من ذلك غلوة. ٤ انظر الكتاب ١/ ٢٠٦، قال سيبويه: ومن ذلك قول العرب: هو مني درج السيل، أي: مكان درج السيل من السيل، ويقال: رجع أدراجه أي: رجع في الطريق الذي جاء منه. ٥ فوت اليد: يريد أنه يقرب ما بينه وبينه. ٦ الكتاب جـ١/ ٢٠٧. نص سيبويه: فإنما رفعوه لأنهم جعلوه هو الأول حتى صار بمنزلة قولهم: أنت مني قريب. ٧ أبو عمرو: أبو عمرو بن العلاء اسمه: زبان بن العلاء التميمي المازني، كان من أكثر الناس علما بالعربية وغريبها، وبالقراءات، نحويا لغويا ثقة مرضيا، توفي سنة ١٥٤هـ، ترجمته في مراتب النحويين/ ١٣، وأخبار النحويين/ ٢٢. ٨ الكتاب ١/ ٢٠٨.
[ ١ / ٢٠٠ ]
فرسخان، شبهه: بدارك مني فرسخان. قال: وتقول في البعد زيد مني مناط الثريا، كما قال:
وإنَّ بني حَرْبٍ كمَا قَد عَلِمْتُمُ مَناطَ الثُّريَّا قَد تَعَلَّت نُجُومُها١
واعلم: أنه لا يجوز: أنت مني مربط الفرس وموضع الحمار، لأن ذلك شيء غير معروف في تقريب ولا تبعيد، وجميع الظروف من الأمكنة خاصة تتضمن الجثث دون ظرف الأزمنة، تقول: زيد خلفَكَ والركب أمامَكَ والناس عندَكَ، وقد مضى تفسير هذا، ذلك أن تجعل الظروف من المكان مفعولات على السعة كما فعلت ذلك في الأزمنة.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٢٠٦ على نصب "مناط الثريا" على الظرفية ومناط الثريا: معلقها في السماء. وهو نطت الشيء أنوطه إذا علقته. بني حرب: آل سفيان بن حرب. يقول: هم في ارتفاع المنزلة وعلو المرتبة كالثريا إذا استعلت وصارت على قمة الرأس. والبيت للأحوص وهو بالخاء المعجمة والحاء المهملة، يمدح آل سفيان بن حرب. وقد نسبه ابن الشجري لعبد الرحمن بن حسان. وانظر: المقتضب: ٤/ ٢٤٣. وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٥٤ والمؤتلف والمختلف/ ٤٧.
[ ١ / ٢٠١ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: وَسْطَ رأسه دهن، لأنك تخبر عن شيء فيه وليس به، هذا إذا أسكنت السين كان ظرفًا١، فإِنْ حركت السين فقلت: وسَطَ لم يكن ظرفًا تقول: وسط رأسه صلب فترفع؛ لأنك إنما تخبر عن بعض الرأس، فوسط إذا أردت به الشيء الذي هو اسمه وجعلته بمنزلة البعض فهو اسم وحركت/ ٢٢٠ السين، وكان كسائر الأسماء وإذا أردت به الظرف وأسكنت
_________________
(١) ١ قال المبرد: وتقول: وسط رأسك دهن يا فتى، لأنك أخبرت أنه استقر في ذلك الموضع فأسكنت السين ونصبت، لأنه ظرف، انظر: المقتضب ٤/ ٣٤١. والكتاب ١/ ٢٤.
[ ١ / ٢٠١ ]
السين: تقول: ضربت وَسْطَهُ، وَوَسْطَ الدار واسع، وهذا في وَسَط الكتاب، لأن ما كان معه حرف الجر فهو اسم بمنزلة زيد وعمرو.
وأما قول الشاعر١:
هَبَّتْ شَمالًا فذِكرى ما ذكرتُكُم عِنْدَ الصَّفَاةِ التي شرقيَّ حَوَرانَا
فإنه جعل الصفاة في ذلك الموضع، ولو رفع الشرقي لكان جيدًا بجعل الصفاة هي الشرق بعينه، ونقول: زيد خلفك وهو الأجود. فإن جعلت زيدًا هو الخلف قلت: زيد خلفك فرفعت. وتقول: سير بزيد فرسخان يومين وإن شئت: فرسخين يومان، أي: ذلك أقمته مقام الفاعل على سعة الكلام وصلح.
وتقول: ضربت زيدًا يوم الجمعة عندك ضربًا شديدًا، فالضرب مصدر، ويوم الجمعة ظرف من الزمان، وعندك ظرف من المكان، وقولك: شديدًا نعت للمصدر، ليقع فيه فائدة. فإذا بنيت الفعل لما لم يسم فاعله، رفعت زيدًا وأقررت/ ٢٢١ الكلام على ما هو عليه؛ لأنه لا سبيل إلى أن تجعل شيئًا من هذه التي ذكرنا من ظرف أو مصدر في مكان الفاعل، والاسم الصحيح معها، فإن أدخلت "شاغلًا" من حروف الإِضافة كنت مخيرًا بين هذه الأشياء وبينه. فإن شئت نصبت الظرف والمصدر وأقمت الاسم الذي
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ١١٣، ٢٠١. على نصب "شرقي" على الظرف، إذ لا يسوغ هنا رفعه لحذف الضمير، ولو أظهر فقال: هي التي شرقي حورانا لجاز الرفع على الاتساع. ورواية سيبويه: هبت جنوبا. وصف أنه تغرب عن أهله ومن يحبه وصار في شق الشمال فكلما هبت الشمال ذكرهم لهبوبها من شقهم. وحوران: مدينة من مدن الشام. وأضمر الريح في "هبت" لدلالة الشمال عليها. وما زائدة مؤكدة، والتقدير: فذكرتكم ذكرى. والصفاة: الصخرة الملساء، وهي هنا موضع بعينه والبيت من قصيدة طويلة لجرير في هجاء الأخطل. وانظر: الكامل للمبرد/ ٤٦٨. وشروح سقط الزند ٣/ ١١٩٤، والديوان/ ٥٩٦.
[ ١ / ٢٠٢ ]
معه حرف الإِضافة مقام الفاعل، وإن شئت أقمت أحدها ذلك المقام، إذا كان متصرفًا في بابه، فإن كان بمنزلة عند وذات مرة، وما أشبه ذلك، لم يقم شيء منها مقام الفاعل، ولم يقع له ضمير كضمير المصادر، والظروف المتمكنة١، وأجود ذلك أن يقوم المتصرف من الظروف والمصادر مقام الفاعل إذا كان معرفة أو نكرة موصوفة، لأنك تقرب ذلك من الأسماء وتقول: سير على بعيرك فرسخان يوم الجمعة، فإن شئت نصبت "يوم الجمعة" على الظرف وهو الوجه، وإن شئت نصبته على أنه مفعول على السعة، كما رفعت الفرسخين على ذلك، وتقول: الفرسخان سير بزيد يوم الجمعة، فإن قدمت يوم الجمعة وهو/ ٢٢٢ ظرف قلت: يوم الجمعة سير بزيد فيه فرسخان، وإن قدمت: يوم الجمعة على أنه مفعول قلت: يوم الجمعة سيرُه بزيد فرسخان، وإن قدمت يوم الجمعة والفرسخين ويوم الجمعة ظرف قلت: الفرسخان يوم الجمعة سيرا فيه بزيد، وإن جعلت يوم الجمعة مفعولًا قلت: سيراه. فإن أقمت يوم الجمعة مقام الفاعل قلت: الفرسخان يوم الجمعة سير بزيد فيهما، فإن جعلت الفرسخين مفعولين على السعة قلت: الفرسخان يوم الجمعة سيرهما بزيد، فإن زدت في المسألة خلفك قلت: سير بزيد فرسخان يوم الجمعة خلفك، فإذا قدمت الخلف مع تقديمك الفرسخين واليوم وأقمت الفرسخين مقام الفاعل، وجعلت الخلف واليوم ظرفين قلت: الفرسخان يوم الجمعة خلفك سيرا بزيد فيه فيه، وإن جعلتهما مفعولين على السعة قلت: الفرسخان يوم الجمعة خلفك سيراه بزيد إياه، ترد أحد الضميرين المنصوبين إلى اليوم والآخر/ ٢٢٣ إلى خلف، وأن لا تجعل الخلف مفعولًا ولا مرفوعًا أحسن؛ وذلك لأنه من الظروف المقاربة للإِبهام، وكذلك أمام ويمين وشمال فإذا
_________________
(١) ١ الذي منعها من التمكن أنها لا تخص موضعا، ولا تكون إلا مضافة، فإذا قلت: جلست عند زيد - فإنما معناه الموضع الذي فيه زيد، فحيث انتقل زيد فذلك الموضع يقال له عند زيد.
[ ١ / ٢٠٣ ]
قلت: عندك قام زيد فقيل لك أكن عن "عندك" لم يجز لأنك لا تقول: قمت في عندك فلذلك لم توقعه على ضمير وإنما دخلت "من" على "عند" من بين سائر حروف الجر، كما دخلت على "لدن"١.
وقال أبو العباس: وإنما خصت "من" بذلك لأنها لابتداء الغاية٢، فهي أصل حروف الإِضافة.
واعلم: أنَّ الأشياءَ التي يسميها البصريونَ ظروفًا يسميها الكسائي صفة٣، والفراء٤ يسميها محال ويخلطون الأسماء بالحروف فيقولون: حروف الخفض: أمام وقدام وخلف وقبل وبعد وتلقاء وتجاه وحذاء وإزاء ووراء ممدودات. ومع وعن وفي وعلى ومن وإلى وبين ودون وعند وتحت وفوق وقباله وحيال وقبل وشطر وقرب ووسَطَ ووسْطَ ومِثل ومَثَلَ وسوى/ ٢٢٤ وسواء ممدودة ومتى في معنى وَسْطَ والباء الزائدة والكاف الزائدة وحول وحوالي وأجْلٌ وإجلٌ وإجلىَ مقصورٌ وجَلَل٥ وجِلالٌ في معناها وحذاء ممدود ومقصور وبَدْل وَبَدلٌ ورئِد
_________________
(١) ١ قد ورد دخول "من" على لدن وعند في قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ . ٢ انظر المقتضب ١/ ٤٤ وجـ٤/ ١٣٦. ٣ ويعني بها الكوفيون: الظرف الذي يطلقه البصريون على نحو: أمام وخلف، ويمين، وشمال وغيرها من ظروف المكان، وعلى نحو: يوم، وليلة وقبل، وبعد من ظروف الزمان، ومجافاة الكوفيين للتأثر بالفلسفة ظاهرة في هذا المصطلح فلم تعرف العربية كلمة، "الظرف" بهذا المعنى لأن الظروف فيها هو الوعاء. واعتبار مدلولات هذه الألفاظ أوعية للموجودات غني بالتأثر الفلسفي، وانظر الإنصاف مسألة ٦٠. ومفاتيح العلوم/ ٣٥. ٤ الفراء: هو أبو زكريا يحيى بن زياد، أخذ عن الكسائي، وكان فقيها عالما في النحو واللغة، مات سنة "٢٠٧هـ". ترجمته في نزهة الألباء/ ١٣٤ ومعجم الأدباء جـ٢/ ٩. ٥ جلل، وجلال: جمع جلة وهي القفة الكبيرة.
[ ١ / ٢٠٤ ]
وهو القرنُ ومكانُ، وقُرابُ، وَلدة١، وشبهَ وخدن٢، وقرن، وقرْن، وميتاء٣، وميداء والمعنى واحد ممدود ومنا٤ مقصورٌ بمنزلة حذاء ولدى، فيخلطون الحروف بالأسماء، والشاذ بالشائع، وقد تقدم تبيين الفرق بين الاسم والحرف، وبين الشاذ والمستعمل، فإذا كان الظرف غير محل للأسماء سماه الكوفيون الصفة الناقصة وجعله البصريون لغوًا٥ ولم يجز في الخبر إلا الرفع، وذلك قولك: فيك عبد الله راغب، ومنك أخواك هاربان، وإليك قومك قاصدون؛ لأن "منك وفيك وإليك" في هذه المسائل لا تكون محلا٦ ولا يتم بها الكلام، وقد أجاز الكوفيون: فيك راغبًا عبد الله، شبهها الفراء/ ٢٥٥ بالصفة التامة لتقدم "راغب" على عبد الله. وذهب الكسائي إلى أن المعنى: فيك رغبةً عبد الله.
واستضعفوا أن يقولوا: فيكَ عبدُ الله راغبًا، وقد أنشدوا بيتًا جاءَ فيهِ مثلُ هذا منصوبًا في التأخير:
فَلاَ تَلْحَنيِ فِيهَا فإنَّ بِحُبِّها أَخَاكَ مُصَابَ القَلبِ جَمًا بلابِلهُ٧
_________________
(١) ١ لدة: الترب وهو الذي تربى معك. ٢ الخدن: الحبيب والصاحب، للمذكر والمؤنث. والجمع أخدان. ٣ ميداء وميتاء: ميداء الشيء قياسه ومبلغه، ويقال: هذا ميداء ذاك وبميدائه، أي: بحذائه. ٤ المن: لغة في المنا الذي يوزن، والمن والمنا: هو رطلان: وقال ابن بري: والمن أيضا الفترة. ٥ اللغو: ما كان فضلة، وسمي لغوا لأنه لو حذف لكان الكلام مستغنيا عنه لا حاجة إليه. ٦ لأن الخبر هنا محذوف، والاستقرار أو مستقر حذف اختصارا. ٧ من شواهد سيبويه ١/ ٢٨٠ على جواز تقديم معمول خبر "إن" على اسمها إذا كان مجرورا، والظرف يساويه في ذلك. ورواية "جم" بالرفع. وتلحني: يقال: لحيت الرجل إذا لمته. والجم الكثير، والبلابل: الأحزان وشغل البال. واحدها: بلبال، يقول: لا تلمني في حب هذه المرأة فقد أصيب قلبي بها واستولى عليه حبها فالعذل لا يصرفني عنها. ولا ينسب هذا البيت لقائل معين وانظر شرح السيرافي ٣/ ٥. والمغني ٢/ ٧٧٣ تحقيق الدكتور مازن المبارك: وابن عقيل جـ١/ ١٣٧. والهمع جـ١/ ١٣٥.
[ ١ / ٢٠٥ ]
فنصب "مصاب القلب" على التشبيه بقولك: إن بالباب أخاك واقفًا، وتقول: في الدار عبد الله قائمًا، فتعيد "فيها" توكيدًا ويجوز أن ترفع "قائمًا" فتقول: في الدار عبد الله قائم فيها، ولا يجيز الكوفيون الرفع قالوا: لأن الفعل لا يوصف بصفتين متفقتين، لأنك لو قلت: عبد الله قائم في الدار فيها، لم يكنْ يحسنُ أنْ تكرَر "في" مرتين بمعنى.
وهذا الذي اعتلوا به لازم في النصب، لأنه قد أعاد "في" والتأكيد إنما هو إعادة للكلمة، أو ما كان في معناها، فإن استقبح التكرير سقط التأكيد ويجيزون في قولك: عبد الله في الدار قائم في البيت، الرفع والنصب لاختلاف/ ٢٢٦ الصفتين وتقول: له عليَّ عشرون درهمًا فلك أن تجعل "له" الخبر ولك أن تجعل "عليَّ" الخبر. وتلغي أيما شئتَ.
[ ١ / ٢٠٦ ]
شرح الرابع من المنصوبات: وهو المفعول له.
اعلم: أن المفعول له لا يكون إلا مصدرًا، ولكن العامل فيه فعل غير مشتق منه، وإنما يذكر لأنه عذر لوقوع الأمر١ نحو قولك: فعلت ذاك حذار الشر وجئتك مخافة فلان "فجئتك" غير مشتق من "مخافة" فليس انتصابه هنا انتصاب المصدر بفعله الذي هو مشتق منه نحو "خفتك" مأخوذة من مخافة وجئتك ليست مأخوذة من مخافة، فلما كان ليس منه أشبه المفعول به الذي ليس بينه وبين الفعل نسب.
قال سيبويه: إن هذا كله ينتصب لأنه مفعول له كأنه قيل له: لِمَ فعلتَ
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ١٨٤ قال سيبويه: هذا باب: ما ينتصب من المصادر لأنه عذر لوقوع الأمر فانتصب لأنه موقوع له ولأنه تفسير لما قبله لِمَ كان، وليس بصفة لما قبله، ولا منه فانتصب كما انتصب الدرهم في قولك: عشرون درهما، وذلك قولك: فعلت ذاك حذار الشر. وفعلت ذاك مخافة فلان وادخار فلان.
[ ١ / ٢٠٦ ]
كذا وكذا؟ فقال: لِكَذا وكذا، ولكنه لما طرح اللام عمل فيه ما قبله١، ومن ذلك: فعلت ذاك أجل كذا وكذا وصنعت ذلك ادخار فلان، قال حاتم٢: / ٢٢٧.
"وأَغْفِرُ عُوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ وأَصْفَحُ عَنْ شَتْمِ اللَّئيمِ تَكَرُّمَا٣
وقال الحرث بن هُشام:
فَصفُحْتُ عَنْهُم والأَحِبَّةُ فِيهِمُ طَمَعًَا لهَم بِعِقَابِ يَوْمٍ مُفسدٍ٤
وقال النابغة:
وحَلَّتْ بُيوتي في يَفَاعٍ مُمنَّعٍ يُخَالُ بِه راعي الحمولةِ طَائرا
حِذارًا عَلَى أنْ لا تُصَابَ مقَادتي ولا نِسوتي حَتَّى يَمُتْنَ حَرائَرا٥
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١٨٥-١٨٦. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٨٤ "ونص سيبويه": وفعلت ذاك مخافة فلان وادخار فلان. ٣ من شواهد سيبويه جـ١/ ١٨٤ و٤٦٤ "على نصب" الادخار والتكرم على المفعول له. والتقدير: لادخاره وللتكرم. فحذف حرف الجر ووصل الفعل ونصب. والعوراء: الكلمة القبيحة أو الفعلة. يقول: إذا جهل على الكريم احتملت جهلة إبقاء عليه وإدخارا له، وإن سبني اللئيم أعرضت عن شتمه إكراما لنفسي. وانظر: المقتضب ٢/ ٣٤٨. والكامل/ ١٦٥. وشرح السيرافي ٢/ ١٠٩، والنوادر/ ١١٠، ومعاني القرآن ٢/ ٥. وشروح سقط الزند/ ٦١٩، وابن يعيش ٢/ ٥٤، وديوان حاتم/ ١٠٨. ٤ من شواهد سيبويه جـ١/ ١٨٥ "على نصب" طمعا. على المفعول له. يقول هذا معتذرا من فراره يوم قتل أبو جهل أخاه ببدر، وهو من أحسن الاعتذار فيما يأتيه الرجل من قبيح الفعل، أي: لم أفر جبنا ولم أصفح عنهم خوفا وضعفا. ولكن طمعا في أن أعدلهم وأعاقبهم بيوم أوقع بهم فيه فتفسد أحوالهم. انظر: شرح السيرافي ٢/ ٣١٠ وابن يعيش ٢/ ٨٩. ٥ من شواهد سيبويه ١/ ١٨٥ "على نصب" حذارا على المفعول له. اليفاع: ما ارتفع من الأرض. والحرائر: جمع حرة على غير قياس وقيل: واحدتها حريرة بمعنى حرة وهو غريب. والحمولة: الإبل التي قد أطاقت الحمل. يقول: من أجل حذاري أن تصاب مقادتي: أي: لئلا أقاد إليك أنا ونسوتي نزلت هذا الجبل. والبيتان من قصيدة للنابغة الذبياني يقولها للنعمان وكان واجدا عليه. وانظر: شرح السيرافي ٢/ ١١٠ وشرح ابن يعيش جـ٢/ ٥٤، والتهذيب للأزهري جـ٥/ ٩١، والديوان/ ٤٠.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقال العجاج:
يَركَبُ كُلُّ عَاقِرٍ جُمهْورِ مَخافَةً وزَعَلَ المَحبْورِ١
يصف ثور الوحش، والعاقر هنا: الرملة التي لا تنبت أي: يركب هذا الثور كل عاقر مخافة الرماة، والزعل: النشاط، أي: يركب خوفًا ونشاطًا، والمحبور: المسرور.
واعلم: أن هذا المصدر الذي ينتصب لأنه مفعول له يكون معرفة ويكون نكرة كشعر حاتم، ولا يصلح أن يكون حالًا كما تقول: جئتك مشيًا لا يجوز أن تقول: جئتك خوفًا تريد: خائفًا وأنت تريد معنى للخوف، ومن أجل الخوف، وإنما يجوز: جئتك خوفًا، إذا أردت الحال فقط، أي: جئتك في حال خوفي، أي: خائفًا ولا يجوز أيضًا في هذا المصدر الذي تنصبه نصب المفعول له أن تقيمه مقام ما لم يسم فاعله/ ٢٢٨.
قال أبو العباس -﵀: أبو عمر٢ يذهب إلى أنه ما جاء في معنى لـ"كذا" لا يقوم مقام الفاعل، ولو قام مقام الفاعل لجاز: سير عليه مخافة الشر، فلو جاز: سير فيه المخافة لم يكن إلا رفعًا فكان مخافة وما أشبهه لم يجئ إلا نكرة
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ١٨٥ على نصب "مخافة" وزعل وعلى أنهما مفعولان لأجله وهذا رجز للعجاج. وانظر شرح السيرافي ٢/ ١١٠، والتمام في تفسير أشعار هذيل: ٨٩ والاقتضاب للبطلوسي: ٢٢٠، وابن يعيش ٣/ ٥٤. والخزانة ١/ ٤٨٨، وديوان العجاج/ ٢٨. ٢ أي: الجرمي: وقد مرت ترجمته/ ١١٦. من الأصل.
[ ١ / ٢٠٨ ]
فأشبه مع خرج مخرج مع لا يقوم مقام الفاعل نحو: الحال والتمييز، ولو جاز لما أشبه "مخافة الشر" أن يقوم مقام الفاعل لجاز سير "بزيد راكب" فأقمت "راكبًا" مقام الفاعل، ومخافة الشر وإن أضفته إلى معرفةٍ فهو بمنزلةِ "مثلِكَ" وغيركَ وضارب زيد غدًا نكرة.
قال أبو بكر: وقرأت بخط أبي العباس في كتابه: أخطأ الرياشي١ في قوله: مخافة الشر ونحوه "حال" أقبح الخطأ لأن باب لـ"كذا" يكون معرفة ونكرة، وهذا خلاف قول سيبويه، لأن سيبويه بجعله معرفة ونكرة إذا لم تضفه أو تدخله الألف٢ / ٢٢٩، واللام كمجراه في سائر الكلام، لأنه لا يكون حالًا قال سيبويه: حسن فيه الألف واللام، لأنه ليس بحال فيكون في موضع فاعل حالًا، وأنه لا يبتدأ به ولا يبنى على مبتدأ٣، لأنه عنده تفسير لما قبله وليس منه. وأنه انتصب كما انتصب الدرهم في قولك عشرون درهمًا.
_________________
(١) ١ أبو العباس بن الفرج أبو الفضل الرياشي مولى محمد بن سليمان بن علي، قرأ على المازني، وكان عالما بالرواية، واللغة والشعر. مات سنة "٢٥٧هـ" ترجمته في إنباه الرواة ٢/ ٣٦٨، المنتظم ٥/ ٥-٦ وبغية الوعاة ٢٧٥ وإشارة التعيين ورقة "٢٣". ٢ الكتاب ١/ ١٨٤-١٨٥. ٣ الكتاب ١/ ١٨٦ وجـ١/ ١٨٤.
[ ١ / ٢٠٩ ]
شرح الخامس: وهو المفعول معه.
اعلم: أن الفعل إنما يعمل في هذا الباب في المفعول بتوسط الواو١، والواو هي التي دلت على معنى "مع" لأنها لا تكون في العطف بمعنى "مع" وهي ههنا لا تكون إذا عمل الفعل فيما بعدها إلا بمعنى "مع" ألزمت ذلك، ولو كانت عاملة كان حقها أن تخفض. فلما لم تكن من الحروف التي تعمل في الأسماء، ولا في الأفعال وكانت تدخل على الأسماء والأفعال وصل الفعل إلى ما بعدها فعمل فيه. وكان مع ذلك أنها في العطف لا تمنع الفعل الذي قبلها أن يعمل فيما بعدها/ ٢٣٠ فاستجازوا في هذا الباب إعمال الفعل ما بعدها في الأسماء وإن لم يكن قبلها ما
_________________
(١) ١ هذا مذهب سيبويه انظر الكتاب ١/ ١٠٥.
[ ١ / ٢٠٩ ]
يعطف عليه وذلك قولهم: ما صنعت وأباك، ولو تركت الناقة وفصيلَها لرضعها.
قال سيبويه: إنما أردت: ما صنعت مع أبيك، ولو تركت الناقة مع فصيلها والفصيل مفعول معه. والأب كذلك والواو لم تغير المعنى. ولكنها تعمل في الاسم ما قبلها. ومثل ذلك: ما زلت وزيدًا، أي: ما زلت بزيد حتى فَعَلَ فهو مفعول به١ فقد عمل ما قبل الواو، فيما بعدها والمعنى معنى الباء، ومعنى "مع" أيضا يصلح في هذه المسألة، لأن الباء يقرب معناها من معنى "مع"٢ إذ كانت الباء معناها الملاصقة للشيء، ومعنى "مع" المصاحبة ومن ذلك: ما زلت أسير والنيل واستوى الماء، والخشبة أي: مع الخشبة وبالخشبة وجاء البرد والطيالسة، أي: مع الطيالسة وأنشد سيبويه:
وكُوُنُوا أَنْتُمُ وَبَني أَبِيكُمْ مَكَانَ الكُلْيَتيْن مِنَ الطَّحَالِ٣
_________________
(١) ١ الكتاب جـ١/ ١٥٠. قال: وما زلت أسير والنيل، أي: مع النيل، واستوى الماء والخشبة، أي: بالخشبة، وجاء البرد والطيالسة، أي: مع الطيالسة. ٢ تكون الباء بمعنى "مع" وهي التي يقال لها باء المصاحبة، نحو: دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به واشترى الدار بآلاتها. قيل: ولا تكون بهذا المعنى إلا مستقرا أي: كائنين بالكفر وكائنة بالآتها، والظاهر لا مانع من كونها لغوا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا﴾، أي: انزل مع سلام، والفرق بينها وبين الإلصاق، أن الإلصاق يستلزم المصاحبة من غير عكس. وانظر: شرح التصريح ٢/ ١٢، وتحفة الإخوان ١٦. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ١٥٠ على أرجحية النصب على المعية، لأن العطف حسن من جهة اللفظ وفيه تكلف من جهة المعنى، لأن المراد: كونوا لبني أبيكم، فالمخاطبون هم المأمورون، فإذا عطفت كان التقدير: كونوا لبني أبيكم وليكن بنو أبيكم لكم، وذلك خلاف المقصود قال العيني: قوله: وبني أبيكم أراد بهم الإخوة والمعنى: كونوا أنتم مع إخوتكم متوافقين متصلين اتصال بعضكم ببعض كاتصال الكليتين وقربهما من الطحال. وأراد الشاعر بهذا الحث على الائتلاف والتقارب في المذهب. وضرب لهم مثلا بقرب الكليتين من الطحال. ولم ينسب هذا البيت لقائل معين. وانظر: مجالس ثعلب/ ٢٥، وشرح السيرافي ٢/ ٧٩، والمفصل للزمخشري ٥٦، وابن يعيش ٢/ ٤٨، والعيني ٣/ ١٠٢.
[ ١ / ٢١٠ ]
وقال كعيب بنُ جعيل:
فَكانَ وإيَّاهَا كَحَرَّانَ لَمْ يُفِقْ عَنِ الماءِ إذ لاقاهُ حَتَّى تقدَّدا١
قال: وإن قلت: ما صنعت أنت وأبوك، جاز لكل الرفع والنصب، لأنك أكدت التاء التي هي اسمك بأنت. وقبيح أن تقول: ما صنعت وأبوك، فتعطف على التاء، وإنما قبح لأنك قد بنيتها مع الفعل، وأسكنت لها ما كان في الفعل متحركًا، وهو لام الفعل فإذا عطفت عليها فكأنك عطفت على الفعل وهو على قبحه يجوز، وكذلك لو قلت: اذهب وأخوك كان قبيحًا حتى تقول: أنت، لأنه قبيح أن تعطف على المرفوع المضمر.
فقد دلك استقباحهم العطف على المضمرات الاسم ليس بمعطوف على ما قبله في قولهم: ما صنعت وأباك. ومما يدلك على أن هذا الباب كان حقه خفض المفعول بحرف جر أنك تجد الأفعال التي لا تتعدى، والأفعال التي قد تعدت إلى مفعولاتها/ ٢٣٢ جميعًا، فاستوفت ما لها تتعدى إليه فتقول: استوى الماء والخشبة وجاء البرد والطيالسة، فلولا توسط الواو وإنها في معنى حرف الجر لم يجز، ولكن الحرف لما كان غير عامل عمل الفعل فيما بعدها، ولا يجوز التقديم للمفعول في هذا الباب لا تقول: والخشبة استوى الماء، لأن الواو أصلها أن تكون للعطف وحق المعطوف أن يكون بعد العطف عليه، كما أن حق الصفة أن تكون بعد الموصوف وقد أخرجت الواو في هذا الباب عن حدها ومن شأنهم إذا أخرجوا
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ١٥٠، على قوله: "إياها" والمعنى: فكان معها، يقول: كان غرضا إليها فلما لقيها قتله الحب سرورا بها فكان كالحران وهو الشديد العطش أمكنه الماء وهو بآخر رمق، فلم يفق عنه حتى انقد بطنه، أي: انشق، يقال: قددت الأديم إذا شققته وهذا مثل.
[ ١ / ٢١١ ]
الشيء عن حده الذي كان له الزموه حالًا واحدة، وسنفرد فصلًا في هذا الكتاب لذكر التقديم والتأخير وما يحسن منه ويجوز وما يقبح ولا يجوز إن شاء الله١.
وهذا الباب، والباب الذي قبله أعني: بابي المفعول له والمفعول معه، كان حقهما أن لا يفارقهما حرف الجر، ولكنه حذف فيهما ولم يجريا/ ٢٣٣ مجرى الظروف في التصرف في الإِعراب، وفي إقامتها مقام الفاعل فيدلك ترك العرب لذلك أنهما بابان وضعا في٢ غير موضعهما، وأن ذلك اتساع منهم فيهما؛ لأن المفعولات التي تقدم ذكرها وجدناها كلها تقدم وتؤخر وتقام مقام الفاعل وتبتدأ ويخبر عنها إلا أشياء منها مخصوصة. وقد تقدم تبييننا إياها في مواضعها.
ويفرق بين هذا الباب والباب الذي قبله أن باب المفعول له إذا قلت: جئتك طلب الخير إن في "جئتك" دليلًا على أن ذلك لشيء. وإذا قلت: ما صنعت وأباك فليس في "صنعت" دليل على أن ذلك مع شيء، لأن لكل فاعل غرضًا له فعل ذلك الفعل وليس لكل فاعل مصاحب لا بد منه، ولا يجوز حذف الواو في ما صنعت وأباك كما جاز حذف اللام في قولك: فعلت ذاك حذار الشر تريد: لحذار الشر، لأن حذف اللام لا يلبس وحذف/ ٢٣٤ الواو يلبس. ألا ترى أنك لو قلت: ما صنعت أباك صار الأب مفعولًا به.
_________________
(١) ١ سوفي يذكر هذا الباب في أول الجزء الثاني من هذا الكتاب، وهو باب التقديم والتأخير ٣/ ٧١ من الأصل. ٢ أضفت كلمة "في" لأن المعنى يقتضيها.
[ ١ / ٢١٢ ]
القسم الثاني من الضرب الأول من المنصوبات: وهو المشبه بالمفعول.
المشبه بالمفعول ينقسم على قسمين: فالقسم الأول قد يكون فيه المنصوب في اللفظ هو المرفوع في المعنى. والقسم الثاني: ما يكون المنصوب في اللفظ غير المرفوع والمنصوب بعض المرفوع.
[ ١ / ٢١٢ ]
ذكر ما كان المنصوب فيه هو المرفوع في المعنى:
هذا النوع ينقسم على ثلاثة أضرب: فمنه ما العامل فيه فعل حقيقي، ومنه ما العامل فيه شيء على وزن الفعل، ويتصرف تصرفه وليس بفعل في الحقيقة، ومنه ما العامل فيه حرف جامد غير متصرف.
ذكر ما شبه بالمفعول والعالم فيه فعل حقيقي:
وهو صنفان يسميها النحويون الحال والتمييز: فأما الذي يسمونه الحال فنحو قولك: جاء عبد الله راكبًا، وقام أخوك منتصبًا، وجلس بكر متكئًا١. فعبد الله مرتفع "بجاء" والمعنى: جاء عبد الله في هذه الحال، وراكب/ ٢٣٥ منتصب لشبهه بالمفعول، لأنه جيء به بعد تمام الكلام واستغناء الفاعل بفعله، وإن في الفعل دليلًا عليه كما كان فيه دليل على المفعول، ألا ترى أنك إذا قلت: قمت فلا بد من أن يكون قد قمت على حال من أحوال الفعل فأشبه: جاء عبد الله راكبًا. ضرب عبد الله رجلًا وراكب، هو عبد الله، ليس هو غيره، وجاء وقام فعل حقيقي تقول: جاء يجيء، وهو جاء، وقام يقوم وهو قائم، والحال تعرفها، وتعتبرها بإدخال "كيف" على الفعل والفاعل تقول: كيف جاء عبد الله فيكون الجواب: راكبًا وإنما سميت الحال، لأنه لا يجوز أن يكون اسم الفاعل فيها إلا لما أنت فيه تطاول الوقت أو قصر. ولا يجوز أن يكون لما مضى وانقطع ولا لما لم يأت من الأفعال ويبتدأ بها.
والحال إنما هي هيئة الفاعل أو المفعول أو صفته في وقت ذلك الفعل المخبر به عنه، ولا يجوز أن تكون تلك الصفة إلا صفةً متصفة/ ٢٣٦ غير ملازمة. ولا يجوز أن تكون خلقة، لا يجوز أن تقول: جاءني زيد أحمر ولا
_________________
(١) ١ في الأصل متمكنا، وهو تحريف أثناء النسخ.
[ ١ / ٢١٣ ]
أخوك ولا جاءني عمرو طويلًا، فإن قلت: متطاولًا أو متحاولًا جاز، لأن ذلك شيء يفعله وليس بخلقة.
ولا تكون الحال إلا نكرة لأنها زيادة في الخبر والفائدة، وإنما تفيد السائل والمحدث غير ما يعرف، فإن أدخلت الألف واللام صارت صفة للاسم المعرفة وفرقًا بينه وبين غيره، والفرق بين الحال وبين الصفة تفرق بين اسمين مشتركين في اللفظ والحال زيادة في الفائدة والخبر، وإن لم يكن للاسم مشارك في لفظه. ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بزيد القائم فأنت لا تقول ذلك إلا وفي الناس رجل آخر اسمه زيد وهو غير قائم ففصلت بالقائم بينه وبين من له هذا الاسم وليس بقائم. وتقول: مررت بالفرزدق قائمًا وإن لم يكن أحد اسمه الفرزدق غيره فقولك: قائمًا إنما ضممت به إلى الأخبار/ ٢٣٧ بالمرور خبرًا آخر متصلًا به مفيدًا.
فهذا فرق ما بين الصفة والحال، وهو أن الصفة لا تكون إلا لاسم مشترك فيه لمعنيين أو لمعان، والحال قد تكون للاسم المشترك والاسم المفرد، وكذلك الأمر في النكرة إذا قلت: جاءني رجل من أصحابك راكبًا إذا أردت الزيادة في الفائدة والخبر وإن أردت الصفة خفضت فقلت: مررت برجل من أصحابك راكب، وقبيح أن تكون الحال من نكرة، لأنه كالخبر عن النكرة والإِخبار عن النكرات لا فائدة فيها إلا بما قدمنا ذكره في هذا الكتاب فمتى كان في الكلام فائدة فهو جائز في الحال كما جاز في الخبر، وإذا وصفت النكرة بشيء قربتها من المعرفة وحسن الكلام. تقول: جاءني رجل من بني تميم راكبًا. وما أشبه ذلك.
واعلم: أن الحال يجوز أن تكون من المفعول كما تكون من الفاعل تقول: ضربت زيدًا قائمًا فتجعل قائمًا لزيد. ويجوز أن تكون/ ٢٣٨ الحال من التاء في "ضربتُ" إلا أنك إذا أزلت الحال عن صاحبها فلم تلاصقه لم يجز ذلك إلا أن يكون السامع يعلمه كما تعلمه أنت، فإن كان غير معلوم لم يجز وتكون الحال من المجرور كما تكون من المنصوب إن كان العامل في الموضع فعلًا فتقول: مررت بزيد راكبًا، فإن كان الفعل لا يصل إلا بحرف جر لم يجز أن تقدم الحال على
[ ١ / ٢١٤ ]
المجرور إذا كانت له فتقول: مررت راكبًا بزيد إذا كان "راكبًا" حالًا لك وإن كان لزيدٍ لَمْ يجز لأن العامل في "زيد" الباءُ فلمَّا كانَ الفِعْل لا يصلُ إلى زيدٍ إلا بحرفِ جر لم يجز أن يعمل في حالِه قبل ذكر الحرف.
والبصريون يجيزون تقديم الحال على الفاعل والمفعول والمكنى والظاهر إذا كان العامل فعلًا١، يقولون: جاءني راكبًا أخوك وراكبًا جاءني أخوك وضربت زيدًا راكبًا وراكبًا ضربت زيدًا فإن كان العامل معنى. لم يجز تقديم الحال تقول: زيد فيها/ ٢٣٩ قائمًا فالعامل في "قائم" معنى الفعل لأن الفعل غير موجود. ولا يجوز أن تقول: قائمًا زيد فيها ولا زيدٌ قائمًا فيها.
والكوفيون لا يقدمون الحال في أول الكلام؛ لأن فيها ذكرًا من الأسماء فإن كانت لمكنى جاز تقديمها٢، فيشبهها البصريون بنصب التمييز ويُشَبّهها الكسائي بالوقت.
وقال الفراء: هي بتأويل جزاء وكان الكسائي يقول: رأيت زيدًا ظريفًا،
_________________
(١) ١ قال المبرد: وإذا كان العامل في الحال فعلا، صلح تقديمها وتأخيرها، لتصريف العامل فيها، فقلت: جاء زيد راكبا، وراكبا جاء زيد، وجاء راكبا زيد. قال الله ﷿: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ . انظر المقتضب ٤/ ٣٠٠. وذكر ابن هشام: أن الحال تتقدم على عاملها إذا كان فعلا متصرفا، أو وصفا يشبهه نحو: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ وقوله: عدس ما لعباد عليك إمارة نجوت وهذا تحملين طليق أي: وهذا طليق محمولا لك. المغني ٢/ ٤٦٢. ٢ يذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم الحال على الفعل العامل فيها مع الاسم الظاهر -أي: إذا كان صاحب الحال- الذي هو الفاعل للفعل مثلا اسما ظاهرا نحو: راكبا جاء زيد، ويجوز مع المضمر نحو: راكبا جئت، وذلك لأنه يؤدي إلى تقديم المضمر على المظهر. ألا ترى. أنك إذا قلت: راكبا جاء زيد كان في "راكبا" ضمير زيد وقد تقدم عليه، وتقديم المضمر على المظهر لا يجوز. الإنصاف ١/ ١٤٣.
[ ١ / ٢١٥ ]
فينصب "ظريفًا" على القطع، ومعنى القطع أن يكون أراد النعت، فلما كان ما قبله معرفة وهو نكرة انقطع منه وخالفه.
واعلم: أنه يجوز لك أن تقيم الفعل مقام اسم الفاعل في هذا الباب إذا كان في معناه وكنت إنما تريد به الحال المصاحبة للفعل، تقول: جاءني زيد يضحك أي: ضاحكًا. وضربت زيدًا يقوم وإنما يقع من الأفعال في هذا الموضع ما كان للحاضر من الزمان.
فأما المستقبل والماضي فلا يجوز إلا أن تدخل "قد" على الماضي فيصلح حينئذ/ ٢٤٠ أن يكون حالًا، تقول: رأيت زيدًا قد ركب أي: راكبًا إلا أنك إنما تأتي "بقد" في هذا الموضع إذا كان ركوبه متوقعًا فتأتي "بقد" ليعلم أنه قد ابتدأ بالفعل، ومر منه جزء والحال معلوم منها أنها تتطاول فإنما صلح الماضي هنا لاتصاله بالحاضر فأغنى عنه ولولا ذلك لم يجز فمتى رأيت فعلًا ماضيًا قد وقع موقع الحال، فهذا تأويله ولا بد من أن يكون معه "قَدْ" إما ظاهرةً١، وإما مضمرةً لتؤذَن بابتداء الفعلِ الذي كان متوقعًا.
_________________
(١) ١ في الأصل "ظاهرا".
[ ١ / ٢١٦ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: زيد في الدار قائمًا. فتنصب "قائمًا" بمعنى الفعل الذي وقع في الدار، لأن المعنى: استقر زيد في الدار، فإن جعلت في الدار للقيام ولم تجعله لزيد قلت: زيد في الدار قائم، لأنك إنما أردت: زيد قائم في الدار، فجعلت: "قائمًا" خبرًا عن زيد وجعلت: "في الدار" ظرفًا لقائم فمن قال هذا قال: إن زيدًا في الدار قائم ومن قال: الأول قال: إن زيدًا في الدار/ ٢٤١ قائمًا، فيكون: "في الدار" الخبر ثم خَبَّرَ على أي حال وقع استقراره في الدار، ونظير ذلك قوله
[ ١ / ٢١٦ ]
تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، آخِذِينَ﴾ ١، فالخبر قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُون﴾ و﴿آخِذِينَ﴾: حال وقال ﷿: ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ٢، لأن المعنى: وهم خالدون في النار، فخالدون: الخبر و"فِي النَّارِ": ظرف للخلود.
وتقول: جاء راكبًا زيد كما تقول: ضرب عمرًا زيد، وراكبًا جاء زيد، كما تقول: عمرًا ضرب زيد، وقائمًا زيدًا رأيتُ كما تقولُ: الدرهمُ زيدًا أعطيت، وضربتُ قائمًا زيدًا.
قال أبو العباس٣: وقول الله تعالى عندنا: على تقدير الحال، والله أعلم وذلك قوله: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ ٤، وكذلك هذا البيت:
مُزِبْدًا يَخْطُر ما لَمْ يَرَني وإذَا يَخلوُ لَهُ لحمي رَتَعْ٥
_________________
(١) ١ الذاريات: ١٥. ٢ التوبة: ١٧. ٣ انظر المقتضب ٤/ ١٦٨، وقول الله -﷿- عندنا: على تقديم الحال -والله أعلم- وذلك: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ . ٤ القمر: ٧، في البحر المحيط ٨/ ١٧٥ انتصب: "خشعا" على الحال من ضمير "يخرجون" والعامل فيه "يخرجون" لأنه فعل متصرف وفي هذا دليل على بطلان مذهب الجرمي، لأنه لا يجيز تقديم الحال على الفعل وإن كان متصرفا، وقد قالت العرب: شتى تئوب الحلبة: وقيل: هو حال من الضمير المجرور في "عنهم" من قوله: "فتول عنهم". وقيل: مفعول: "بيدع" وفيه بعد. ٥ الشاهد فيه نصب "مزبدا" على الحال مع تقدمه على عامله ومزبدا: من أزبد الجمل: إذا ظهر الزبد على مشافره وقت هياجه. ويخطر من الخطر -بسكون الطاء وهو ضرب الفحل بذنبه إذا هاج. والبيت من قصيدة من المفضلية "٤٠" وهي من أغلى الشعر وأنفسه، لسويد بن كاهل اليشكري/ ١٩١-٢٠٢ وفي شرحها للأنباري/ ٣٨١-٤٠٩. والبيت في الأصول، وفي المقتضب ٤/ ١٧٠، مركب من بيتين، وروايتهما: مزبد يخطر ما لم يرني فإذا أسمعته صوتي انقمع ويحييني إذا لاقيته وإذا يخلو له لحمي رتع والرواية: برفع "مزبد" في المفضليات والشعر والشعراء ١/ ٤٢١، وطبقات الشعراء ٣٥، والأغاني ١١/ ١٦٥، واللآلي: ٣١٣، والإصابة لابن حجر ٣/ ١٧٣، والتهذيب ٥/ ١٠٤ وروايته: وإذا أمكنه لحمي رتع.
[ ١ / ٢١٧ ]
قال: ومن كلام العرب: رأيت زيدًا مصعدًا منحدرًا، ورأيتُ/ ٢٤٢ زيدًا ماشيًا راكبًا١ إذا كان أحدُهما ماشيًا والآخر راكبًا وأحدكما مصعدًا والآخر منحدرًا. تعني أنك إذا قلت: رأيت زيدًا مصعدًا منحدرًا أن تكون أنت المصعد وزيد المنحدر فيكون "مصعدًا" حالًا للتاء و"منحدرًا" حالًا لزيد وكيف قدرت بعد أن يعلم السامع من المصعد ومن المنحدر جاز وتقول: هذا زيد قائمًا وذاك عبد الله راكبًا فالعاملُ معنى الفعل وهو التنبيه كأنك قلت: أنتبه له راكبًا وإذا قلت: ذاك زيد قائمًا فإنما ذاك للإِشارة كأنك قلت: أشير لك إليه راكبًا ولا يجوز أن يعمل في الحال إلا فعل أو شيء في معنى الفعل لأنها كالمفعول فيها٢، وفي كتاب الله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ ٣.
ولو قلت: زيد أخوك قائمًا وعبد الله أبوك ضاحكًا/ ٢٤٣ كان غير جائز. وذلك أنه ليس ههنا فعل ولا معنى فعل ولا يستقيم أن يكون أباه أو أخاه من النسب في حال ولا يكون أباه أو أخاه في أخرى٤، ولكنك إن قلت: زيدٌ أخوك قائمًا فأردت: أخاه من الصداقة جاز، لأن فيه معنى فعل كأنك قلت: زيد يؤاخيك قائمًا فإذا كان العامل غير فعل ولكن شيء في معناه لم تقدم الحال على العامل لأن هذا لا يعمل مثله في المفعول وذلك
_________________
(١) ١ انظر المقتضب ٤/ ١٦٩. ٢ انظر الكتاب ١/ ٢٥٦. باب ما ينتصب لأنه خبر للمصروف. ٣ هود: ٧٢ وقرئ في الشواذ: شيخ بالرفع - الإتحاف/ ٢٥٩ وانظر الكتاب ١/ ٢٥٨. ٤ في المقتضب ٤/ ١٦٨: "ولا يستقيم أن يكون أباه في حال، ولا يكون أباه في حال أخرى".
[ ١ / ٢١٨ ]
قولك: زيدٌ في الدار قائمًا لا تقول: زيدٌ قائمًا في الدار١، وتقول: هذا قائمًا حسن، ولا تقول: قائمًا هذا حسن٢، وتقول: رأيت زيدًا ضاربًا عمرًا، وأنت تريد رؤية العين ثم تقدم الحال فتقول: ضاربًا عمرًا رأيت زيدًا، وتقول: أقبل عبد الله شاتمًا أخاه ثم تقدم الحال فتقول: شاتمًا أخاه أقبل عبد الله، وقوم يجيزون: ضربت يقوم زيدًا، ولا يجيزون: ضربت قائمًا/ ٢٤٤ زيدًا إلا وقائم حال من التاء. لأن "قائمًا" يلبس ولا يعلم أهو حال من التاء أم من زيد، والفعل يبين فيه لمن الحال. والإِلباس متى وقع لم يجز، لأن الكلام وضع للإِبانة إلا أن هذه المسألة إن علم السامع من القائم جاز التقديم كما ذكرنا فيما تقدم تقول: جاءني زيد فرسك راكبًا، وجاءني زيدٌ فيك راغبًا وتقول: فيها قائمين أخواك تنصب "قائمين" على الحال ولا يجوز التقديم لما أخبرتك ولا يجوز: جالسًا مررت بزيد٣، لأن العامل الباء وقد بنيته فيما مضى، ومحال أن يكون: "جالس" حالًا من التاء، لأن المرور يناقض الجلوس إلا أن يكون محمولًا في قبة أو سفينة، وما أشبه ذلك تقول: لقي عبد الله زيدًا راكبين ولا يجوز أن تقول: الراكبان ولا الراكبين وأنت تريد النعت، وذلك لاختلاف إعراب المنعوتين، فاعلم.
_________________
(١) ١ لا يجوز هذا إلا برفع "قائم"، لأنك جعلت في "الدار" للقيام، ولم تجعله لزيد لأنك إنما أردت: زيد قائم في الدار. فجعلت: "قائما" خبرا عن زيد وجعلت: "في الدار" ظرفا لقائم. ٢ انظر الكتاب ١/ ٢٧٧. ٣ جالسا مررت بزيد "يجوز إذا كان "راكبا" لك، فإن أردت أن يكون لزيد لم يجز لأن العامل الباء، قال سيبويه جـ١/ ٢٧٧"، ومن ثم صار: مررت قائما برجل، ولا يجوز، لأنه صار قبل العامل في الاسم، وليس بفعل والعامل الباء، ولو حسن هذا، لحسن قائما هذا رجل، فإن قال: أقول: مررت بقائما رجل، فهذا أخبث من قبل أنه لا يفصل بين الجار والمجرور، وانظر أمالي ابن الشجري جـ٢/ ٢٨٠-٢٨١ وشرح الكافية جـ١/ ١٨٩، وقال ابن مالك: وسبق حال ما بحرف جر قد أبو ولا امنعه فقد ورد
[ ١ / ٢١٩ ]
والأخفش/ ٢٤٥ يذكر في باب الحال: هذا بسرًا أطيب منه تمرًا١ وهذا عبد الله مقبلًا أفضل منه جالسًا، قال: وتقول: هذا بسر أطيب منه عنب، فهذا: اسم مبتدأ، والبسر: خبره، وأطيب: مبتدأ ثانٍ، وعنب: خبر له، قال: وكذلك ما كان من هذا النحو لا يتحول فهو رفع، وما كان يتحول فهو نصب وإنما قلنا: لا يتحول، لأن البسر لا يصير عنبًا، والذي يتحول قولك: هذا بسرًا أطيب منه تمرًا، وهذا عنبًا أطيب منه زبيبًا، وأما الذي لا يتحول فنحو قولك: هذا بسر أطيب منه عنب، وهذا زبيب أطيب منه تمر "فأطيب منه": مبتدأ وتمر: خبره وإن شئت قلت: "تمر" هو المبتدأ و"أطيب منه": خبر مقدم وتقول: مررت بزيد واقفًا فتنصب "واقفًا" على الحال، والكوفيون يجيزون نصبه على الخبر يجعلونه كنصب خبر "كان" وخبر الظن ويجيزون فيه إدخال الألف واللام، ويكون: مررت عندهم على ضربين: مررت بزيد فتكون تامة، ومررت/ ٢٤٦ بزيد أخاك فتكون ناقصة إن أسقطت الأخ كنقصان "كان" إذا قلت: كان زيد أخاك ثم أسقطت الأخ كان ناقصًا حتى تجيء به. وهذا الذي أجازوه غير معروف عندي من كلام العرب ولا موجود في ما يوجبه القياس.
وأجاز الأخفش: إن في الدار قائمين أخويك، وقال: هذه الحال ليست متقدمة، لأنها حال لقولك "في الدار" ألا ترى أنك لو قلت: قائمين في الدار أخواك لم يجز، لأن: "في الدار" ليس بفعل. وتقول: جلسَ
_________________
(١) ١ في المقتضب جـ٣/ ٣٥١ قولك: هذا بسرا أطيب منه تمرا، فإن أومأت إليه وهو بسر، تريد: هذا إذ صار بسرا أطيب منه إذا صار تمرا، وإن أومأت إليه وهو تمر قلت: هذا بسرا أطيب منه تمرا، أي: هذا إذ كان بسرا أطيب منه إذ صار تمرا، فإنما على هذا يوجه، لأن الانتقال فيه موجود، فإن أومأت إلى عنب قلت: هذا عنب أطيب منه بسر، ولم يجز إلا الرفع، لأنه لا ينتقل. فتقول: هذا عنب أطيب منه بسر، تريد: هذا عنب البسر أطيب منه. وانظر: أمالي ابن الشجري جـ٢/ ٢٨٥، والكافية للرضي ١/ ١٩٠-١٩١.
[ ١ / ٢٢٠ ]
عبد الله آكلًا طعامك، فالكسائي يجيز تقديم "طعامك" على "آكلٍ" فيقول: جلسَ عبد الله طعامك آكلًا، ولم يجزه الفراء، وحكي عن أبي العباس محمد بن يزيد: أنه أجاز هذه المسألة.
[ ١ / ٢٢١ ]
باب التمييز
مدخل
باب التمييز: ١
الأسماء التي تنتصب بالتمييز والعامل فيها فعل أو معنى فعل، والمفعول هو فاعل في المعنى وذلك قولك: قد تفقأ زيد شحمًا، وتصبب عرقًا/ ٢٤٧ وطبت بذلك نفسًا، وامتلأ الإِناء ماءً، وضقت به ذرعًا، فالماء هو الذي ملأ الإِناء والنفس هي التي طابت، والعَرَق هو الذي تصبب فلفظهُ لفظ المفعول، وهو في المعنى فاعل. وكذلك: ما جاء في معنى الفعل، وقام مقامه نحو قولك: زيد أفرهم عبدًا، وهو أحسنهم وجهًا فالفاره في الحقيقة هو العبد، والحسن هو الوجه إلا أن قولك: أفره وأحسن في اللفظ لزيد وفيه ضميره والعبد غير زيد والوجه إنما هو بعضه إلا أن الحسن في الحقيقة للوجه والفراهة للعبد، فإذا قلت: أنت أفره العبيد فأضفت فقد قدمته على العبيد، ولا بدّ من أن يكون -إذا أضفته- واحدا منهم. فإذا قلت: أنت أفره عبد في الناس فمعناه: أنت أفره من كل عبد إذا أفردوا عبدًا عبدًا كما تقول: هذا خير اثنين في الناس أي: إذا كان الناس اثنين اثنين٢.
_________________
(١) ١ ويقال له التبيين والتفسير، وهو رفع الإبهام في جملة أو مفرد وإزالة اللبس. ٢ قال المبرد ٣/ ٣٤. وإذا قلت: أفره عبد في الناس، فإنما معناه: أنت أفره من كل عبد، إذا أفردوا عبدا عبدا، كمال تقول: هذا خير اثنين في الناس، إذا كان الناس اثنين اثنين.
[ ١ / ٢٢٢ ]
واعلم: أن الأسماء التي تنصب على التمييز لا تكون/ ٢٤٨ إلا نكرات تدل على الأجناس، وأن العوامل فيها إذا كن أفعالًا، أو في معاني الأفعال كنت بالخيار في الاسم المميز إن شئت جمعته، وإن شئت وحَّدته تقول: طبتم بذلك نفسًا، وإن شئت أنفسًا قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ ٢، فتقول على هذا: هو أفره الناس عبيدًا، وأجود الناس دورًا.
قال أبو العباس: ولا يجوز عندي: عشرون دراهم يا فتى، والفصل بينهما أنك إذا قلت: عشرون فقد أتيت على العدد فلم يحتج إلا إلى ذكر ما يدل على الجنس. فإذا قلت: هو أفره الناس عبدًا جاز أن تعني عبدًا واحدًا فمن ثم اختير وحسن إذا أردت الجماعة أن تقول: عبيدًا٣، وإذا كان العامل في الاسم المميز فعلًا جاز تقديمه عند المازني٤ وأبي العباس٥، وكان سيبويه لا يجيزه٦، والكوفيون في ذلك على مذهب سيبويه فيه لأنه يراه
_________________
(١) ١ النساء: ٤. ٢ الكهف: ١٠٣. وانظر سيبويه ١/ ١٠٣. ٣ انظر: المقتضب ٣/ ٣٤. ٤ المازني: هو أبو عثمان بكر بن عثمان المازني أستاذ المبرد. مات سنة ٢٤٩هـ وقيل: ٢٣٦ ترجمته في طبقات الزبيدي ١٤٣، معجم الأدباء جـ٧/ ١٠٧، وإنباه الرواة جـ١/ ٢٤٦. ٥ انظر المقتضب جـ٣/ ٣٦ قال المبرد: واعلم: أن التبيين إذا كان العامل فيه فعلا جاز تقديمه، لتصرف الفعل فقلت: تفقأت شحما، وتصببت عرقا، فإن شئت قدمت فقلت: شحما تفقأت، وعرقا تصببت، وقال: وتقول: راكبا جاء زيد، لأن العامل فعل، فلذلك أجزنا تقديم التمييز إذا كان العامل فعلا وهذا رأي أبي عثمان المازني. ٦ انظر الكتاب جـ١/ ١٠٥: لا يجيز سيبويه تقديم التمييز إذا كان عامله فعلا، لأنه يراه كقولك عشرون درهما، وهذا أفرههم عبدا. قال: جاء من الفعل ما أنفذ إلى مفعول ولم يقو قوة غيره، مما قد تعدى إلى مفعول وذلك قولك: امتلأت ماء، وتفقأت شحما، ولا تقول: امتلأته، ولا تفقأته، ولا يعمل في غيره من المعارف، ولا يقدم لمفعول فيه فتقول: ماء امتلأت، كما لا تقدم المفعول فيه في الصفات المشبهة، ولا في هذه الأسماء لأنها ليست كالفاعل وذلك لأنه فعل لا يتعدى إلى مفعول وإنما هو بمنزلة الأفعال، وإنما أصله: امتلأت من الماء، وتفقأت من الشحم
[ ١ / ٢٢٣ ]
كقولك/ ٢٤٩: عشرون درهمًا، وهذا أفرههم عبدًا، فكما لا يجوز: درهمًا عشرون، ولا: عبدًا هذا أفرههم، لا يجوز هذا١، ومن أجاز التقديم قال: ليس هذا بمنزلة ذلك، لأن قولك: عشرون درهمًا، إنما عمل في الدرهم ما لم يؤخذ من فعل٢.
وقال الشاعر فقدم التمييز لما كان العامل فعلًا:
أتَهْجُرُ سَلْمَى لِلفِرَاقِ حبيبها ومَا كانَ نَفْسًا بالفِرَاقِ تَطِيبُ٣
فعلى هذا تقول: شحمًا تفقأت، وعرقًا تصببت، وما أشبه ذلك، وأما قولك: الحسن وجهًا والكريم أبا فإن أصحابنا٤ يشبهونه: بالضارب رجلًا وقد قدمت تفسيره في هذا الكتاب وغير ممتنع عندي أن ينتصب على التمييز أيضًا بل الأصل ينبغي أن يكون هذا. وذلك الفرع، لأنك قد بينت بالوجه
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١٠٥. ٢ يشير إلى قول المبرد في المقتضب جـ٣/ ٣٦. وهو يرد على سيبويه، لأنه يراده -أي: سيبويه- كقولك: عشرون درهما وهذا أفرههم عبدا، وليس هذا بمنزلة ذلك لأن: عشرين درهما، إنما عمل في الدرهم ما لم يؤخذ من الفعل. ٣ الشاهد فيه تقديم التمييز "نفسا" على عامله تطيب. والشاهد للمخبل السعدي ربيع بن ربيعة بن مالك. وقيل: لأعشى همدان، ولقيس بن معاذ. ويروى: أتوذن سلمى بالفراق حبيبها ولم تك نفس بالفراق تطيب ولا شاهد فيه على هذه الرواية. ويرى أتهجر ليلى بدلا من سلمى. وانظر: المقتضب ٣/ ٣٧. وشرح السيرافي ١/ ٢٥ والخصائص ٢/ ٢٨. والإنصاف ٤٤٧، وابن يعيش ٢/ ٧٤، وشرح الكافية للرضي ١/ ٢٠٤. ٤ أي: البصريون.
[ ١ / ٢٢٤ ]
الحسن منه، كما بينت في قولك: هو أحسنهم وجهًا، وكذلك يجري عندي/ ٢٥٠ قولهم: هو العقور كلبًا وما أشبه، فإذا نصبت هذا على تقدير التمييز لم يجز أن تدخل عليه الألف واللام، فإذا نصبته على تقدير المفعول والتشبيه بقولك: الضارب رجلًا جاز أن تدخل عليه الألف واللام، وكان الفراء لا يجيز إدخال الألف واللام في وجه وهو منصوب إلا وفيما قبله الألف واللام نحو قولك: مررت بالرجل الحسن الوجه، وهو كله جائز لك أن تنصبه تشبيهًا بالمفعول.
[ ١ / ٢٢٥ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: زيد أفضل منك أبًا، فالفضل في الأصل للأب كأنك قلت: زيد يفضل أبوه أباك، ثم نقلت الفضل إلى زيد وجئت بالأب مفسرًا١، ولك أن تؤخر "منك" فتقول: زيد أفضل أبًا منك، وإن حذفت "منك"، وجئت بعد أفضل بشيء يصلح أن يكون مفسرًا، فإن كان هو الأول فأضف أفضل إليه، واخفضه، وإن كان غيره فانصبه/ ٢٥١ واضمره نحو قولك: علمك أحسن علم تخفض "علمًا"، لأنك تريد: أحسن العلوم وهو بعضها، وتقول: زيد أحسن علمًا تريد: أحسن منك علمًا فالعلم غير زيد فلم تجز إضافته وإذا قلت: أنت أفره عبد في الناس فإنما معناه: أنت أحد هؤلاء العبيد الذين فضلتهم.
ولا يضاف "أفعل" إلى شيء إلا وهو بعضه كقولك: عمرو أقوى الناس ولو قلت: عمرو أقوى الأسد لم يجز وكان محالًا لأنه ليس منها٢،
_________________
(١) ١ أي: تمييزا وهو من مصطلحات الكوفيين. ٢ في المقتضب: ٢٣/ ٣٨ ولا يضاف "أفعل" إلى شيء إلا وهو بعضه كقولك: الخليفة أفضل بني هاشم، ولو قلت: الخليفة أفضل بني تميم كان محالا، لأنه ليس منهم، وكذلك هذا خير ثوب في الثياب، إذا عنيت ثوبا وهذا خير منك ثوبا، إذا عنيت رجلا.
[ ١ / ٢٢٥ ]
ولذلك لا يجوز أن تقول: زيد أفضل إخوته، لأن هذا كلام محال يلزم منه أن يكون هو أخا نفسه، فإن أدخلت "من" فيه جاز فقلت: عمرو أقوى من الأسد أفضل من إخوته، ولكن يجوز أن تقول: زيد أفضل الإِخوة إذا كان واحدًا من الإِخوة، وتقول: هذا الثوب خير ثوب في اللباس، إذا كان هذا هو الثوب فإن كان هذا رجلًا قلت: هذا الرجل/ ٢٥٢ خير منك ثوبًا، لأن الرجل غير الثوب، وتقول: ما أنت بأحسن وجهًا مني، ولا أفره عبدًا، فإن قصدت قصد الوجه بعينه قلت: ما هذا أحسن وجه رأيته، إنما تعني الوجوه إذا ميزت وجهًا.
وقال أبو العباس -﵀: فأما قولهم: حسبك بزيد رجلًا، وأكرم به فارسًا وما أشبه ذلك، ثم تقول: حسبك به من رجل وأكرم به من فارس، ولله دره من شاعر، وأنت لا تقول: عشرون من درهم، ولا هو أفره منك من١، عبد فالفصل بينهما أن الأول كان يلتبس فيه التمييز بالحال فأدخلت "من" لتخلصه للتمييز ألا ترى أنك لو قلت: أكرِم به فارسًا وحسبك به خطيبًا٢، لجاز أن تعني في هذه الحال، وكذلك إذا قلت: كم ضربت رجلًا، وكم ضربت من رجل، جاز ذلك لأن "كم" قد يتراخى عنها مميزها، فإن قلت: كم ضربتَ رجلًا؟ لم يدر السامع/ ٢٥٣ أردت: كم مرة
_________________
(١) ١ المقتضب ٣/ ٣٥، قال المبرد: ومن التمييز: ويحه رجلا، لله دره فارسا، وحسبك به شجاعا، إلا أنه إذا كان في الأول ذكر منه حسن أن تدخل "من" توكيدا لذلك الذكر، فتقول: ويحه من رجل، ولله دره من فارس وحسبك به من شجاع. ولا يجوز: عشرون من درهم، ولا: هو أفرههم من عبد، لأنه لم يذكره في الأول. ٢ قال سيبويه: باب ما ينتصب انتصاب الاسم بعد المقادير وذلك قولك: ويحه رجلا، ولله دره رجلا، وحسبك به رجلا، وما أشبه ذلك، وإن شئت قلت: ويحه من رجل، وحسبك به من رجل، ولله دره من رجل، فتدخل "من" ههنا كدخولها في "كم" توكيدا. وانتصب الرجل لأنه ليس من الكلام الأول، وعمل فيه الكلام الأول. فصارت الهاء بمنزلة التنوين. الكتاب جـ١/ ٢٩٩.
[ ١ / ٢٢٦ ]
ضربتَ رجلًا واحدًا، أم: كم ضربت من رجل فدخول "من" قد أزال الشك وقال في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ ١، وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ ٢: أن التمييز إذا لم يسم عددًا معلومًا: كالعشرين والثلاثين جاز تبيينه بالواحد للدلالة على الجنس، وبالجميع إذا وقع الإِلباس ولا إلباس في هذا الموضع لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾، ولقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ﴾، وقال: وقد قال قوم "طِفْلًا" حال وهذا أحسن إلا أن الحال إذا وقعت موقع التمييز لزمها ما لزمه كما أن المصدر إذا وقع موقع الحال لم يكن إلا نكرة تقول: جاء زيد مشيًا فهو مصدر ومعناه ماشيًا وهذا كقوله تعالى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ ٣ لأنه في هذه الحال.
واعلم: أن "أفعل منك" لا يثنى ولا يجمع، وقد مضى ذكر هذا، تقول: مررت برجل أفضل منك وبرجلين أفضل منك وبقوم أفضل منك/ ٢٥٤، وكذلك المؤنث. وأفضل موضعه خفض على النعت، إلا أنه لا ينصرف، فإن أضفته جرى على وجهين، إذا أردت: أنه يزيد على غيره في الفضل، فهو مثل الذي معه "من" فتوحده، تقول: مررت برجل أفضل الناس وأفضل رجل في معنى أفضل الرجال، وكذلك التثنية والجمع، تقول: مررت برجلين أفضل رجلين، وبنساء أفضل نساء. والوجه الآخر أن تجعل أفضل اسمًا ويثنى ويجمع في الإِضافة ولا يكون فيه معنى "من كذا" فإذا كان بهذه الصفة جاز أن تدخله الألف واللام إذا لم تضفه، ويثنى ويجمع ويؤنث.
_________________
(١) ١ غافر: ٦٧. وفي تأويل مشكل القرآن/ ٢١٩: أنه من وضع المفرد موضع الجمع. وفي المخصص جـ١/ ٣١: قد يقع الطفل على الجميع، وفي البحر المحيط جـ٦/ ٣٤٦: يوصف بالطفل المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، يقال أيضا: طفل وطفلان وأطفال. ٢ النساء: ٤. وانظر المقتضب ٢/ ١٧٣. فالآيتان مذكورتان ولكن شرحهما غير موجود. ٣ البقرة: ٢٦٠.
[ ١ / ٢٢٧ ]
ويعرف بالإِضافة، فتقول: جاءني الأفضل، والأفضلان، والأفضلون، وهذان أفضلا أصحابك وهؤلاء أفاضل أصحابك، فإذا كان على هذا لم تقع معه "من" وكانت أنثاه على "فعلى" وتثنيتها الفضليان والفضلين وتجمع الفضل والفضليات قال سيبويه: لا تقول: نسوة صغر١، ولا قوم/ ٢٥٥ أصاغر إلا بالألف واللام، وأفعل التي معها "منك" لا تنصرف٢، وإن أضفتها إلى معرفة ألا ترى أنك تقول: مررت برجل أفضل الناس فلو كانت معرفة ما جاز أن تصف بها النكرة، ولا يجوز أن تسقط من أفعل "من" إذا جعلته اسمًا أو نعتًا تقول: جاءني رجل أفضل منك ومررت برجل أفضل منك فلا تسقطها، فإن كان خبرًا جاز حذفها وأنت تريد: أفضل منك وزيد أفضل وهند أفضل.
قال أبو بكر: جاز حذف "من"، لأن حذف الخبر كله جائز، والصفة تبيين ولا يجوز فيه حذف "من" كما لا يجوز حذف الصفة، لأن الصفة تبيين وليس لك أن تبهم إذا أردت أن تبين.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٤ تابع ٥/ ٢٧٦ قال سيبويه: قلت: ما بال أُخر لا ينصرف في معرفة ولا نكرة؟ فقال -أي: الخليل- لأن أُخر خالفت أخواتها وأصلها، وإنما هي بمنزلة: الطول، والوسط، والكبر، لا يكن صفة إلا وفيهن ألف ولام فيوصف بهن المعرفة، ألا ترى أنك لا تقول: نسوة صغر، ولا هؤلاء نسوة وسط ولا تقول: هؤلاء قوم أصاغر، فلما خالفت الأصل جاءت صفة بغير الألف واللام، وتركوا صرفها كما تركوا صرف لكع حين أرادوا: يا ألكع، وفسق حين أرادوا: يا فاسق. انظر: الكتاب ٢/ ١٤. ٢ انظر: الكتاب ٢/ ٥.
[ ١ / ٢٢٨ ]
الضرب الثاني: المنصوب فيه هو المرفوع في المعنى:
هذا الضرب العامل فيه ما كان على لفظ الفعل، وتصرف تصرفه وجرى مجراه وليس به فهو خبر "كان وأخواتها" ألا ترى أنك/ ٢٥٦ إذا قلت: كان عبد الله
[ ١ / ٢٢٨ ]
منطلقًا، فالمنطلق هو عبد الله، وقد مضى شرح ذلك في الأسماء المرفوعات إذ لم يمكن أن تخلى الأسماء من الأخبار فيها. فقد غنينا عن إعادة ذلك في هذا الموضوع.
[ ١ / ٢٢٩ ]
الضرب الثالث: الذي العامل فيه حرف جامد غير متصرف.
الحروف التي تعمل مثل عمل الفعل فترفع وتنصب خمسة أحرف١ وهي: إنَّ ولكن وليت ولعلَّ وكأنَّ.
فإنَّ: توكيد الحديث وهي موصلة للقسم لأنك لا تقول: والله زيد منطلق، فإنْ أدخلت "إنَّ" اتصلت بالقسم فقلت: والله إنَّ زيدًا منطلق٢، وإذا خففت فهي كذلك، إلا أنَّ لام التوكيد تلزمها عوضًا لما ذهب منها فتقول: إنَّ زيدًا لقائم، ولا بدّ من اللام إذا خففت كأنهم جعلوها عوضًا ولئلا تلتبس بالنفي.
ولكنَّ: ثقيلة وخفيفة توجب بها بعد نفي، ويستدرك بها فهي تحقيق وعطف حال على حال تخالفها.
وليت: تمن/ ٢٥٧.
ولعل: معناها التوقع لمرجو أو مخوف.
_________________
(١) ١ كان سيبويه قد أشار إلى أن الحروف المشبهة خمسة، فهو لم يذكر أن المفتوحة الهمزة حين عدد الحروف المشبهة بالفعل، ولكن المتتبع لأمثلة الكتاب وشواهده يرى سيبويه يذكرها أحيانا وهو يتحدث عن مكسورة الهمزة. وقد أفرد بابا خاصا لاستعمالات "إن وأن" في آخر الجزء الأول، كل هذا يدل على أنه يراها حرفا واحدا تكسر همزته في مواطن، وتفتح في مواطن أخرى، انظر الكتاب: ١/ ٢٨٥ و١/ ٤٦١ والمقتضب ٤/ ١٠٧. ٢ كلام ابن السراج صريح في أنه إذا وقعت "إن" في جواب القسم وجب كسر همزتها وإن لم يكن في خبرها اللام.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وقال سيبويه: لعل وعسى: طمع وإشفاق١.
وكأنَّ: معناها التشبيه إنما هي الكاف التي تكون للتشبيه دخلت على "أن"٢.
وجميع هذه الحروف مبنية على الفتح مشبهة للفعل الواجب، ألا ترى أن الفعل الماضي كله مبني على الفتح، فهذه الأحرف الخمسة تدخل على المبتدأ والخبر فتنصب ما كان مبتدأ، وترفع الخبر فتقول: إن زيدًا أخوك، ولعل بكرًا منطلق، ولأنَّ زيدًا الأسد، فإنّ: تشبه من الأفعال ما قدم مفعوله نحو: ضرب زيدًا رجل، وأعلمت هذه الأحرف في المبتدأ والخبر كما أعلمت "كان" وفرق بين عمليهما: بأن قدم المنصوب بالحروف على المرفوع كأنهم جعلوا ذلك فرقًا بين الحرف والفعل، فإن قال قائل: إن "أنَّ" إنما عملت في الاسم فقط فنصبته وتركت الخبر على حاله كما كان مع الابتداء، وهو قول الكوفيين٣. قيل له: الدليل على أنها هي الرافعة/ ٢٥٨ للخبر، أن الابتداء قد زال وبه وبالمبتدأ كان يرتفع الخبر فلما زال العامل بطل أن يكون هذا معمولًا فيه، ومع ذلك أنا وجدنا كلما عمل في المبتدأ رفعًا أو نصبًا علم في خبره، ألا ترى إلى ظننت وأخواتها لما عملت في المبتدأ عملت في
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٢٨٧ و٢/ ٦٧. ٢ والذي قال بتركيب "كأن" هو الخليل، قال سيبويه: وسألت الخليل عن "كأن" فزعم: أنها "أن" لحقتها الكاف للتشبيه ولكنها صارت مع "أن" بمنزلة كلمة واحدة، وكذلك يراها سيبويه مركبة أيضا، قال وهو يتحدث عن زيادة اللام في "لعل"، وكذلك: كأن، دخلت الكاف فيها للتشبيه ومثل ذلك: "كأن وكذا" انظر الكتاب ١/ ٢٨٧ و٢/ ٦٧. ٣ مذهب الكوفيين أنها لم تعمل في الخبر، بل هو باق على رفعه قبل دخولها، وذلك لأن الأصل في هذه الحروف أن لا تنصب الاسم إنما نصبته لأنها أشبهت الفعل فإذا كانت إنما عملت لأنها أشبهت الفعل فهي فرع عليه، وإذا كانت فرعا عليه فهي أضعف، لأن الفرع أبدا يكون أضعف من الأصل، وينبغي في الخبر جريا على القياس في حط الفروع عن الأصول. انظر الإنصاف جـ١/ ١٠٤ وارتشاف الضرب/ ٥٨٣.
[ ١ / ٢٣٠ ]
خبره، وكذلك: كان وأخواتها، فكما جاز لك في المبتدأ والخبر، جاز مع "أن" لا فرق بينهما في ذلك، إلا أن الذي كان مبتدأ ينتصب بأن وأخواتها. ولا يجوز أن يقدم خبرها ولا اسمها عليها، ولا يجوز أيضًا أن تفصل بينهما وبين اسمها بخبرها إلا أن يكون ظرفًا لا يجوز أن تقول: إن منطلق زيدًا تريد: إن زيدًا منطلق١ ويجوز أن تقول: إن في الدار زيدًا وإن خلفك عمرًا، لأنهم اتسعوا في الظروف، وخصوها بذلك وإنما حسن تقديم الظرف إذا كان خبرًا، لأنَّ الظرفَ ليسَ مما تعملُ فيه "إنَّ" ولكثرتهِ في الاستعمال.
وإذا/ ٢٥٩ اجتمع في هذه الحروف المعروفة والنكرة، فالاختيار أن يكون الاسم المعرفة والخبر النكرة، كما كان ذلك في المبتدأ لا فرق بينها في ذلك٢، واللام تدخل على خبر "إن" خاصة مؤكدة له ولا تدخل في خبر أخواتها، وإذا دخلت لم تغير الكلام عما كان عليه تقول: إنَّ زيدًا لقائم وإنَّ زيدًا لفيك راغب، وإنَّ عمرًا لطعامك آكل، وإن شئت قلت: إنَّ زيدًا فيك لراغب، وإنَّ عمرًا طعامك لآكل، ولكنه لا بدّ من أن يكون خبر "إنَّ "بعد اللام، لأنه كان موضعها أن تقع موقع "إن" لأنها للتأكيد ووصلة للقسم مثل إن فلما أزالتهما "إن" عن موضعها وهو المبتدأ أُدخلت على الخبر فما كان بعدها فهي داخلة عليه، فإن قدمت الخبر لم يجز أن تدخل اللام فيما بعده لا يصلح أن تقول: إنَّ زيدًا لفيك راغب ولا: إنَّ زيدًا أكل لطعامك وتدخل هذه/ ٢٦٠ اللام على الاسم إذا وقع موقع الخبر. تقول: إنَّ في الدار لزيدًا وإنَّ خلفك لعمرًا قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ ٣.
_________________
(١) ١ لا يجوز فيها التقديم والتأخير، لأنها حرف جامد، لا تقول فيه: فعل، ولا فاعل كما كنت تقول في "كان" يكون، وهو كائن. وانظر الكتاب ١/ ٢٨٠، ذلك في إشارته إلى جواز تقديم الخبر في "إن وأخواتها" إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا. ٢ لأن "إن وأخواتها" تدخل على الابتداء والخبر فقصتها قصتهما. ٣ الليل: ١٣.
[ ١ / ٢٣١ ]
واعلم: أنهم يقولون: إنه زيد منطلق، يريدون: أن الأمر زيد منطلق، وإنما أظهروا المضمر المجهول في "إن وظننت" خاصة، ولم يظهروا في "كان" لأن المرفوع ينستر في الفعل والمنصوب يظهر ضميره فمن قال: كان زيد منطلق قال: إنه زيد منطلق وإنه أمة الله ذاهبة وإنه قام عمرو والكوفيون يقولون: إنه قام عمرو هذه الهاء عماد ويسمونها المجهول١. ويجوز أن تحذف الهاء وأنت تريدها فتقول: إنَّ زيدًا منطلق تريد: إنه وإن حذفت الهاء فقبيح أن يلي إن فعل يقبح أن تقول: إن قام زيد وإن يقوم عمرو٢ تريد: إنه فإن فصلت بينها وبين الفعل بظرف جاز ذلك/ ٢٦١ فقلت: إن خلفك قام زيد ويقوم عمرو وإن اليوم خرج أخوك ويخرج عمرو وقال الفراء: اسم إن في المعنى وقال الكسائي: هي معلقة وأصحابنا٣ يجيزون: إن قائمًا زيد وإن قائمًا الزيدان وإن قائمًا الزيدون ينصبون "قائمًا" بإنَّ ويرفعون "زيدًا" بقائم على أنه فاعل. ويقولون: الفاعل سد مسد الخبر كما أن "قائمًا" قام مقام الاسم. وتدخل "ما" زائدة على "إن" على ضربين: فمرة تكون ملغاة دخولها كخروجها لا تغير إعرابًا تقول: إنما زيدًا منطلق وتدخل على "إن" كافة للعمل فتبنى معها بناء فيبطل شبهها بالفعل فتقول: إنما زيد منطلق "فإنما": ههنا بمنزلة "فعل" ملغى مثل: أشهد لزيد خير منك.
_________________
(١) ١ يطلق الكوفيون على الضمير الذي لم يتقدمه ما يعود عليه هذه التسمية ويسميه البصريون: ضمير الشأن والقصة والحديث. وانظر: شرح المفصل ٣/ ١١٤. ٢ لا يجوز هذا لبعده، وذلك أن موضع الأخبار إنما هو للأسماء، لأن الخبر إنما هو الابتداء في المعنى، ثم إن "أن" مشبهة بالفعل، فلا يجوز أن تلي الفعل، كما لا يلي فعل فعلا، وليس فيها ضمير فيكون بمنزلة: كاد يقدم زيد، لأن في كاد ضميرا حائلا بينها وبين الفعل. ٣ أي: البصريون.
[ ١ / ٢٣٢ ]
قال سيبويه: وأما ليتما زيدًا منطلق، فإن الإِلغاء فيه حسن، وقد كان رؤبة ينشد هذا البيت رفعًا١:
قَالَتْ ألا لَيْتَمَا هَذا الحَمَامَ لَنَا إلى حَمَامَتِينَا وَنِصفه فَقَدِ٢
قال وأما لعلَّما فهو بمنزلة كأنما، قال ابن كراع:
تَحَلَّلْ وعَالِجْ ذَاتَ نَفْسِكَ وانظُرَنْ أبا جُعَلٍ لعلَّما أنْتَ حَالِمُ٣
قال الخليل: إنما لا تعمل في ما بعدها كما أن "أرى" إذا كانت لغوًا لم تعمل، ونظير "إنما" قول المرار:
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٢٨٢. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٢٨٢. ويروى "الحمام" بالرفع كرواية المصنف وبالنصب فمن رفع جعل "ما" بمعنى الذي وهي منصوبة "بليت" وهذا: خبر مبتدأ مضمر، تقديره: الذي هو هذا، ومثله: ما بعوضة. فيمن رفع، ويجوز أن تكون "ما" كافة فترفع "هذا" بالابتداء ويكون "الحمام" بدلا منه. فإن جعلت "ما" زائدة نصبت وهي في "ليت" أحسن وفي "أن" إذا وصلت بها قبيح. ويروى: أو نصفه فقد.. والبيت للنابغة الذبياني في وصف ما كان من زرقاء اليمامة حين نظرت إلى القطا طائرة فأحصت عددها وخبرها مشهور. وانظر الخزانة ٤/ ٢٩٧، وشواهد العيني ٢/ ٢٥٤. وشعراء النصرانية/ ٦٦٤. والمغني جـ١/ ٦٦، تحقيق: د. مازن المبارك. وشرح ابن يعيش ٨/ ٥٨ وديوان النابغة/ ٤٥. ٣ من شواهد الكتاب جـ١/ ٢٨٣، على إلغاء "لعل" لأنها جعلت مع "ما" من حروف الابتداء. يقول: هذا هازئا برجل توعده، أي: إنك كالحالم في وعيدك لي ويمينك على مضرتي فتحلل من يمينك، أي: استثن وعالج ذات نفسك من ذهاب عقلك وتعاطيك ما ليس في وسعك. والبيت لسويد بن كراع العكلي. وانظر ابن يعيش ٨/ ٥٤ والخزانة ٤/ ٢٩٧.
[ ١ / ٢٣٣ ]
أَعَلاقَةً أمَّ الوَلِيدِ بَعْدَمَا أفْنَانُ رأسِكِ كالثَّغَامِ المُخْلِسِ١.
جعل "بعد" مع "ما" بمنزلة حرف واحد وابتدأ ما بعده، والفرق بين إن وإنما في المعنى أن إنما تجيء لتحقير الخبر، قال سيبويه تقول: إنما سرت حتى أدخلها، إذا كنت محتقرًا لسيرك إلى الدخول٢.
و"أن" المفتوحة الألف عملها كعمل "إن" المكسورة الألف، إلا أن الموضع الذي تقع فيه المكسورة خلاف الموضع الذي تقع فيه المفتوحة، ونحن نفرد بابًا لذكر الفتح والكسر يلي هذا الباب إن شاء الله، "وأن" المفتوحة مع ما/ ٢٦٣ بعدها بمنزلة المصدر، تقول: قد علمت أن زيدًا منطلق، فهو بمنزلة قولك: علمت انطلاق زيد، وعرفت أن زيدًا قائم، كقولك: عرفت قيام زيد.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه أيضا ١/ ٢٨٣. على زيادة "ما" وجعلها كافة "لبعد" عن الإضافة. وكذلك في جـ١/ ٦٠ "على نصب" أم الوليد بعلاقة فإنه اسم مصدر "لتعلق" وعمل عمل المصدر. والعلاقة: الحب. والأفنان: جمع فنن وهو الغصن، وأراد بها ذوائب الشعر على سبيل الاستعارة. والثغام: نبات له خيوط طوال دقاق من أصل واحد، وإذا جفت ابيضت كلها. ويشبه بها الشيب. والمخلس: ما اختلط فيه البياض بالسواد. وصغر الوليد ليدل على شباب المرأة، ولأن صغر ولدها لا يكون إلا في عصر شبابها. والبيت للمرار الفقعسي. وانظر المقتضب ٢/ ٥٤. وإصلاح المنطق/ ٤٥. والتمام في تفسير أشعار هذيل/ ٢١٠. وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٤٢. وجمهرة الأمثال للعسكري ٢/ ٣٨. واللسان "ثغم" وشرح الرضي على الكافية ٢/ ٣٥٩. والمغني ١/ ٣٤٤ وشرح الشافية ١/ ٢٧٣. والخزانة ٤/ ٤٩٣. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤١٥. ذكر سيبويه هذا المثال تحت باب "حتى" من الأدوات الناصبة للفعل المضارع، لكن ابن السراج ذكره تحت باب "إن وأخواتها" وذلك لاتصاله بهذا الموضوع وعلاقته به.
[ ١ / ٢٣٤ ]
واعلم: أنَّ "إن وأن" تخففان، فإذا خففتا فلك أن تعملهما، ولك أن لا تعملهما أما من لم يعملهما، فالحجة له: أنه إنما أعمل لما أشبهت الفعل بأنها على ثلاثة أحرف وأنها مفتوحة. فلما خففت زال الوزن والشبه. والحجة لمن أعمل أن يقول: هما بمنزلة الفعل. فإذا خففتا كانتا بمنزلة فعل محذوف. فالفعل يعمل محذوفًا عمله تامًا وذلك قولك: لم يك زيد منطلقًا فعمل عمله والنون فيه والأقيس في "أن": أن يرفع ما بعدها إذا خففت وكان الخليل يقرأ: "إِنْ هَذَا لَسَاحِرَانِ"١ فيؤدي خط المصحف٢، ولا بدّ من إدخال اللام على الخبر إذا خففت إن المكسورة تقول: إنِ الزيدان لمنطلقان، وإنْ هذا لمنطلقان/ ٢٦٤ كيلا يلتبس "بإن" التي تكون نفيًا في قولك: إن زيد قائم، تريد: ما زيد بقائم وإذا نصب الاسم بعدها لم يحتج إلى اللام، لأن النصب دليل، فكان سيبويه لا يرى في "إن" إذا كانت بمعنى "ما" إلا رفع الخبر٣ لأنها حرف نفي دخل على ابتداء وخبر، كما تدخل ألف
_________________
(١) ١ طه: ٦٣. ٢ في الإتحاف ص/ ٣٠٤. فنافع وابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف بتشديد "إن"، وهذان بالألف وتخفيف النون، وقرأ ابن كثير وحده بتخفيف "إن" وهذان بالألف مع تشديد النون. وقرأ حفص كذلك، إلا أنه خفف نون "هذان". وهاتان القراءتان أوضح القراءات في هذه الآية معنى ولفظا وخطا، وذلك أن "إن" المخففة أهملت، وهذان: مبتدأ، وساحران: الخبر، واللام للفرق بين النافية والمخففة. وقرأ أبو عمرو: إن بتشديد النون، وهذين بالياء مع تخفيف النون، وهذه القراءة واضحة من حيث الإعراب لكن استكملت من حيث خط المصحف، وذلك أن هذين رسم بغير ألف ولا ياء. ولا يرد بهذا على أبي عمرو، وكم جاء في الرسم مما هو خارج عن القياس مع صحة القراءة وتواترها. وانظر البحر المحيط ٦/ ٢٥٥. ٣ قال سيبويه ١/ ٤٧٥ وتكون "إن" في معنى "ما" قال الله ﷿: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾، أي: ما الكافرون إلا في غرور، ولم يمثل لها سيبويه في حالة إعمالها.
[ ١ / ٢٣٥ ]
الاستفهام، ولا تغير الكلام وذلك مذهب بني تميم.
قال أبو العباس وغيره: نجيز نصب الخبر على التشبيه بـ"ليس" كما فعل ذلك في ما١.
قال أبو بكر: وهذا هو القول، لأنه لا فصل بينهما وبين "ما" في المعنى٢.
قال أبو علي الفارسي٣: القول غير هذا، ولـ"إنْ" المخففة أربعة مواضع: "إن" التي تكون في الجزاء نحو: إن تأتني آتك. والثاني: أن تكون في معنى "ما" نفيًا تقول: إن زيد منطلق، تريد: ما زيد منطلق. والثالث: أن تدخل زائدة مع "ما" فتردها إلى/ ٢٦٥ الابتداء، كما تدخل "ما" على إن الثقيلة فتمنعها عملها وذلك قولك: ما إن يقوم زيد، وما إن زيد منطلق، ولا يكون الخبر إلا مرفوعًا، قال الشاعر فروة بن مسيك:
ومَا إنْ طِبُّنا جُبْنٌ وَلكِنْ مَنَايَانَا ودَوْلهٌ آخِرينَا٤
_________________
(١) ١ انظر المقتضب ٢/ ٣٦٢. ٢ هذه الجملة للمبرد، قال في المقتضب ٢/ ٣٦٢: وغير سيبويه يجيز نصب الخبر على التشبيه بليس كما فعل ذلك في "ما" وهذا هو القول لأنه لا فصل بينهما وبين "ما" في المعنى. ٣ أظن هذا من عمل الناسخ لأن أبا على تلميذ ابن السراج وربما أخذ الأستاذ عن تلميذه النابه. ٤ من شواهد سيبويه ١/ ٤٧٥ و٢/ ٣٠٥. على زيادة "إن" بعد "ما" وكفها عن العمل كما تكف "ما" إن عن العمل في قولك: إنما.. والطب: العلة والسبب. أي: لم يكن سبب قتلنا الجبن، وإنما كان ما جرى به القدر من حضور المنية وانتقال الدولة عنا. وانظر المقتضب جـ١/ ٥٠ والصاحبي/ ١٠٣ والخصائص جـ٣/ ١٠٨. والمنصف جـ٣/ ١٢٨ والسيرة لابن هشام/ ٩٥٠. والروض الأنف. والمحتسب جـ١/ ٩٢ والوحشيات/ ٢٧ وشرح الكافية للرضي جـ١/ ٢٤٦.
[ ١ / ٢٣٦ ]
الرابع: أن تكون مخففة من الثقيلة، فإذا رفعت ما بعدها لزمك أن تدخل اللام على الخبر، ولم يجز غير ذلك لما خبرتك به، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ١ وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا يَقُولُون﴾ ٢، وإن نصبت بها لم تحتج إلى اللام، إلا أن تدخلها توكيدًا كما تدخلها في "إن" الثقيلة، لأن اللبس قد زال. وأما "أن المخففة" من المفتوحة الألف إذا خففتها من أن المشددة فالاختيار أن ترفع ما بعدها على أن تضمر فيها الهاء، لأن المفتوحة وما بعدها مصدر فلا معنى لها في الابتداء، والمكسورة إنما دخلت على الابتداء/ ٢٦٦ وخبره.
وأن الخفيفة تكون في الكلام على أربعة أوجه: فوجه: أن تكون هي والفعل الذي تنصبه مصدرًا نحو قولك: أريد أن تقوم، أي: أريد قيامك.
والثاني: أن تكون في معنى "أي" التي تقع للعبارة والتفسير وذلك قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ ٣. ومثله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ٤.
والثالث: أن تكون فيه زائدة مؤكدة وذلك قولك: لما أن جاء زيد
_________________
(١) ١ الطارق: ٤. وقراءة تشديد "لما" ليس لها تخريج سوى أن تكون "إن" نافية ولما بمعنى إلا، انظر البحر المحيط جـ٨/ ٤٥٤ وجـ٧/ ٣٣٤، والكشاف ٤/ ٢٠٢ والمغني ١/ ٢٢٠، وقراءة تخفيف الميم من "لما" تكون "إن" فيها مخففة و"ما" زائدة. والقراءتان سبعيتان. النشر جـ٢/ ٣٩٩. ٢ الصافات: ١٦٧. ٣ سورة ص: ٦ "في سيبويه ١/ ٤٧٩" باب ما تكون أن فيه بمنزلة أي وذلك قوله ﷿: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ زعم الخليل: أنه بمنزلة أي، لأنك إذا قلت: انطلق بنو فلان أن امشوا فأنت لا تريد أن تخبر أنهم انطلقوا بالمشي - وانظر: المقتضب ١/ ٤٩. ٤ المائدة: ١١٧.
[ ١ / ٢٣٧ ]
قمت: والله أن لو فعلت لأكرمتك، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ ١.
والرابع: أن تكون مخففة من الثقيلة وذلك قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. ولو نصبت بها وهي مخففة لجاز.
قال سيبويه: لا تخففها أبدًا في الكلام وبعدها الأسماء إلا وأَنتَ تريد الثقيلة تضمر فيها الاسم -يعني الهاء- قال: ولو لم يريدوا ذلك لنصبوا كما ينصبون إذ اضطروا في الشعر٣ / ٢٦٧ يريدون معنى "كأن" ولم يريدوا الإِضمار وذلك قوله:
كأنَّ وَرِيْدَيهِ رِشَاءُ خُلْبِ٤
قال: وهذه الكاف إنما هي مضافة إلى "إن" فلما اضطر إلى التخفيف ولم يضمر لم يغير ذلك التخفيف أن ينصب بها كما أنك قد تحذف من الفعل
_________________
(١) ١ العنكبوت: ٣٣. ٢ يونس: ١٠ "وفي سيبويه جـ١/ ٤٨٠ وأما قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وآخر قولهم: أن لا إله إلا الله فعلى قوله: أنه لا إله إلا الله. وعلى أنه الحمد لله". ٣ انظر الكتاب جـ١/ ٢٨٠. ٤ من شواهد سيبويه جـ١/ ٤٨٠. على تخفيف "كأن" ونصبها الاسم وجوز الرفع أيضا على إلغاء العمل. والوريدان: عرقان في الرقبة، والرشاء: الحبل، والخلب: الليف. وقيل: البئر البعيدة القعر. والرجز: كما نسبه العيني إلى رؤية بن العجاج، وبعده: غادرته مجدلا كالكلب. وانظر: المقتضب ١/ ٥٠. الإنصاف جـ١/ ١١٣. والمفصل للزمخشري/ ٣٠١. وابن يعيش جـ٨/ ٨٣. واللسان ١/ ٣٥٢.
[ ١ / ٢٣٨ ]
فلا يتغير عن عمله نحو: لم يكن صالحًا، ولم يك صالحًا، ومثل ذلك -يعني الأول- قول الأعشى:
في فتيةٍ كسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا أنْ هالكٌ كلُّ منْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ١.
كأنه قال: إنه هالك وإن شئت رفعت في قول الشاعر: كأن وريداه رشاء خلب٢.
واعلم: أنه قبيح أن يلي "إن" المخففة الفعل إذا حذفت الهاء وأنت تريدها، كأنهم كرهوا أن يجمعوا على الحرف الحذف وأن يليه ما لم يكن يليه وهو مثقل، قبيح أن تقول: قد عرفت أن يقوم زيد: حتى تفصل بين أن والفعل/ ٢٦٨ بشيء يكون عوضًا من الاسم نحو: لا، وقد، والسين،
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه جـ١/ ٢٨٢، ٤٤٠، ٤٨٠، جـ٢/ ١٢٣، على تخفيف "أن" واسمها ضمير الشأن محذوف. وقوله: هالك: خبر مقدم، وكل: مبتدأ مؤخر، والجملة منهما في محل رفع خبر "أن"، يريد: أنهم كالسيوف في المضاء والعزم أو في صباحة الوجوه، تبرق كالسيوف. وخص سيوف الهند لحسن صقالتها. ويحفى: من الحفاء، وهو المشي بلا نعل ولا خف، وأراد به الفقير. وينتعل: يلبس النعل، وأراد به الغني. والمعنى: قد علم هؤلاء الفتيان أن الموت يعم غنيهم وفقيرهم فهم يبادرون إلى اللذات قبل أن يحول الموت بينها وبينهم. وقيل: إن الشاهد مصنوع والرواية الصحيحة في هي: أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل.. وفي هذه الرواية شاهد أيضا، إذ إن تقدير الكلام: أنه ليس يدفع.. والبيت من قصيدة مشهورة للأعشى. ورواية الديوان: أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل وانظر: المقتضب ٣/ ٩. وشرح السيرافي ٤/ ٤٩. والخصائص ٢/ ٤٤١. وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢. وابن يعيش ٨/ ٧٤. والعيني ٢/ ٢٨٧. والخزانة ٣/ ٥٤٧. والديوان/ ٥٩. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤٨٠. والرفع على إلغاء العمل بعد التخفيف.
[ ١ / ٢٣٩ ]
تقول: قد عرفت أن لا يقوم زيد، وأن سيقوم زيد وأن قد قام زيد كأنه قال: عرفت أنه لا يقوم زيد وأنه سيقوم زيد وأنه قد قام زيد ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ١، وقوله: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ ٢.. وأما قولهم: أما أن جزاك الله خيرًا فإنهم إنما أجازوه لأنه دعاء ولا يصلون إلى "قد" هنا ولا إلى "السين" لو قلت: أما أن يغفر الله لك. لجاز لأنه دعاء ولا تصل هنا إلى السين ومع هذا كثر في كلامهم حتى حذفوا فيه: أنه وإنه لا يحذف في غير هذا الموضع. وسمعناهم يقولون٣: أما أن جزاك الله خيرًا شبهوه "بأنه" أضمروا فيها كما أضمروا في "أن" فلما جازت "أن" كانت هذه أجوز.
واعلم: أنك إذا عطفت اسمًا على/ ٢٩٦ أن وما عملت فيه من اسم وخبر فلك أن تنصبه على الإِشراك بينه وبين ما عملت فيه أن ولك أن ترفع، تحمله على الابتداء، يعني -موضع أن- فتقول: إن زيدًا منطلق وعمرًا وعمرو، لأن معنى: إن زيدًا منطلق، زيد منطلق، قال الله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ٤. ولك أن تحمله على الاسم المضمر في "منطلق" وذلك ضعيف إلا أن تأتي "بهو" توكيدًا للمضمر فتقول: إن زيدًا منطلق هو وعمرو، وإن شئت حملت الكلام على الأول فقلت: إن زيدًا منطلق وعمرًا ظريف.
ولعل وكأن وليت: ثلاثتهن يجوز فيهن جميع ما جاز في إن إلا أنه لا
_________________
(١) ١ المزمل: ٢٠، واسمها ضمير الشأن والجملة خبرها. ٢ طه: ٨٩، قراءة نصب الفعل من الشواذ، ابن خالويه/ ٨٩ وقال أبو حيان: الرؤية من الأبصار، البحر المحيط ٦/ ٢٦٩. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٤٨١. ٤ التوبة: ٣. وانظر الكتاب ١/ ٢٨٥.
[ ١ / ٢٤٠ ]
يرفع بعدهن شيء على الابتداء، وقال سيبويه: ومن ثم اختار الناس: ليت زيدًا منطلق وعمرًا، وضعف عندهم أن يحملوا عمرًا على المضمر حتى يقولوا "هو"، ولم تكن ليت واجبة ولا لعل١ / ٢٧٠ ولا كأن فقبح عندهم أن يدخلوا الكلام الواجب في موضع التمني فيصيروا قد ضموا إلى الأول ما ليس في معناه٢، يعني أنك لو قلت: ليت زيدًا منطلق وعمرو، فرفعت عمرا كما ترفعه إذا قلت إن زيدا منطلق وعمرو فعطف عمرا على الموضع لم يصلح من أجل أن ليت وكأن ولعل لها معان غير معنى الابتداء وإن: إنما تؤكد الخبر والمعنى معنى الابتداء والخبر، ولم تزل الحديث عن وجوبه وما كان عليه. وإذا كان خبر إن فعلًا ماضيًا لم يجز أن تدخل عليه اللام التي تدخل على خبرها إذا كان اسمًا تقول: إنّ عمرًا لقائم وإنّ بكرًا لأخوك، ولا يجوز أن تقيم "قام" مقام "قائم" فتقول: إن زيدًا لقامَ، وأنت تريد هذه اللام، لأن هذه اللام لام الابتداء.
تقول: والله لزيد في الدار، ولعمرو أخوك فإذا دخلت إن أزيلت إلى الخبر والدليل على ذلك قولهم: قد علمت إنّ زيدًا لمنطلق، فلولا/ ٢٧١ اللام لانفتحت أن، وإنما انكسرت، لأن اللام مقدرة بين علمت وإن، ألا ترى أنك تقول: قد علمت لزيد منطلق أقحمت اللام بين الفعل والابتداء، لأنها لام الابتداء فلما أدخلت "أن"، وهي تدخل على المبتدأ وخبره تأكيدًا كدخول اللام للتأكيد لم يجمعوا بين تأكدين، وأزالوها إلى الخبر، فإن كان الخبر اسمًا كالمبتدأ أو مضارعًا للاسم دخلت عليه، وإن لم يكن كذلك لم تدخل عليه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُم﴾ ٣، أي: لحاكم، فإن قال
_________________
(١) ١ انظر الكتاب جـ١/ ٢٨٦. الكتاب ١/ ٢٨٦، ونص سيبوبه فيصيروا قد ضموا إلى الأول ما ليس على معناه بمنزلة "أن". ٢ النحل: ١٢٤، قال سيبويه: وإنما ضارعت أسماء الفاعلين أنك تقول: إن عبد الله. ٣ ليفعل، فيوافق قولك لفاعل.
[ ١ / ٢٤١ ]
قائل: أراني أقول: لأقومن، ولتنطلقن، فأبدأ باللام وأدخلها على الفعل؟ قيل له: ليست هذه اللام تلك اللام، هذه تلحقها النون وتلزمها وليست الأسماء داخلة في هذا الضرب فإذا سمعت: والله لقامَ زيد، فهذه اللام هي التي إذا دخلت على المستقبل كان معها النون كما قال امرؤ القيس:
حَلَفْتُ لَهَا بالله حلفَةَ فَاجِرٍ لَنَامُوا فَمَا إن مِنْ حَديثٍ ولا صَالي١
قال/ ٢٧٢: ويقال: إنه أراد: لقد ناموا، فلما جاء "بقد" قربت الفعل من الحاضر، فهذه اللام التي تكون معها النون غير مقدر فيها الابتداء.
تقول: قد علمت أن زيدًا ليقومن، وأن زيدًا لقائم، فلا تكسر أن كما تكسرها في قولك: أشهد إن محمدًا لرسول الله. واعلم إن بكرًا ليعلم ذلك، قال سيبويه: إن هذه اللام دخلت على جهة الشذوذ٢.
قال سيبويه: وقد يستقيم في الكلام: إن زيدًا ليضرب وليذهب٣، ولم يقع "ضرب" والأكثر على ألسنتهم كما خبرتك في اليمين، ولا يجوز أن تدخل "إنَّ" على "أنَّ"٤، كما لا يدخل تأنيث على تأنيث، ولا استفهام على
_________________
(١) ١ الشاهد فيه حذف "قد" من "لناموا" على الشذوذ، وقد ذكر ابن هشام: أن ابن عصفور قال: إن القسم إذا أجيب بماض متصرف مثبت، فإن كان قريبا من الحال جيء باللام و"قد" جميعا، نحو: تالله لقد آثرك الله علينا، وإن كان بعيدا جيء باللام وحدها كقوله: حلفت لها بالله والصالي: المستدفئ. وانظر: شرح المفصل لابن يعيش جـ٩/ ٢٠، والمغني جـ١/ ١٨٨ تحقيق د. مازن المبارك، والخزانة جـ٤/ ٢٢١. والشعر والشعراء/ ١٣٦. وروايته: وما إن من حديث ولا صالي. والتهذيب للأزهري جـ٥/ ٦٦. والمفصل للزمخشري/ ١٢. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤٧٣. ٣ انظر الكتاب ١/ ٤٧٣. ٤ قال سيبويه: اعلم: أنه ليس يحسن أن تلي أن إن، ولا إن أن، ألا ترى أنك لا تقول: إن إنك ذاهب في الكتاب، ولا تقول: قد عرفت أن إنك منطلق في الكتاب، وإنما قبح هذا ههنا كما قبح في الابتداء. فهو يرى أن كل واحدة منهما لا تستغني عن الاسم والخبر، كما أن المبتدأ لا يستغني عن الخبر، والجملة يتعذر أن تكون في آن واحد اسما وخبرا لأن وأن على السواء. الكتاب ١/ ٤٦٣. أما السيرافي فيرى المانع هو: أنهما جميعا للتأكيد، يجريان مجرى واحد فكرهوا الجمع بينهما، كما كرهوا الجمع بين اللام وإن، وهذا لا يختلف عن رأي ابن السراج انظر شرح الكتاب جـ٤/ ٢٢.
[ ١ / ٢٤٢ ]
استفهام، فحرف التأكيد كذلك لا يجوز أن يدخل حرف تأكيد على حرف مثله، لا يجوز أن تقول: إن إنكَ منطلق يسرني/ ٢٧٣ تريد: إن انطلاقَك يسرني. فإن فصلتَ بينها فقلت: إن عندي أنك منطلق جاز. قال الله ﷿: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ١، فإنَّ هي التي فتحت أن وموضع أن في قوله: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا﴾، وما علمت فيه نصب بأن الأولى كما تقول: إن في الدار لزيدًا، فحسن إذا فرقت بين التأكيدين. ومن قرأ: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾، وجعلهُ مستأنفًا، كقولكَ: إن في الدارِ زيدًا وعمرو منطلق، لأن الكلام إذا تم فلك أن تستأنف ما بعده، فإن قال قائل: من أين قلت في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُم﴾ ٢ أن الفعل المضارع وقع موقع "حاكم"، ولم تقل إن الموضع للفعل وإنما وقع الاسم موقعه بمضارعته له؟ قيل له: لو كان حق اللام أن تدخل على الفعل وما ضارع الفعل لكان دخولها على الماضي/ ٢٧٤ أولى، لأنه فعل كما أن المضارع فعل. ومع ذلك إنها قد تدخل على الاسم
_________________
(١) ١ طه: ١١٨-١١٩. في سيبويه ١/ ٤٦٣، وتقول: إن لك هذا على وأنك لا تؤذي، كأنك قلت: وإن لك ألا تؤذي، وإن شئت ابتدأت ولم تحمل الكلام على أن لك، وقد قرئ هذا الحرف على وجهين، قال بعضهم: وإنك لا تظمأ فيها، وقال بعضهم: "وأنك" القراءتان: فتح همزة أنك وكسرها سبعيتان. الفتح بالعطف على ألا تجوع والكسر بالعطف على جملة أن الأولى أو على الاستنئاف. انظر: النشر ٢/ ٣٢٢، الإتحاف ٣٠٨. الكاشف ٢/ ٤٤٤. البحر المحيط ٦/ ٢٨٤. ٢ النحل: ١٢٤.
[ ١ / ٢٤٣ ]
الذي لا يضارع الفعل، نحو قولك: إن الله لربنا، وإن زيدًا لأخوك، فليس هنا فعل ولا مضارع لفعل. ولا يجوز أن تُدخل هذه اللام على حرف الجزاء، لا تقول: إن زيدًا، لأن أتاني أكرمته، ولا ما أشبه ذلك. ولا تدخل على النفي، ولا على الحال، ولا على الصفة، ولا على التوكيد، ولا على الفعل الماضي كما قلنا، إلا أن يكون معه "قد".
ولكنَّ الثقيلة التي تعمل عمل "إن" يستدرك بها بعد النفي وبعد الإِيجاب، يعني إذا كان بعدها جملة تامة كالذي قبلها نحو قولك: ما جاءني زيدٌ لكن عمرًا قد جاء، وتكلم عمرو لكن بكرًا لم يتكلم.
ولكن الخفيفة إذا ابتدأت ما بعدها وقعت أيضًا بعد الإِيجاب والنفي للاستدراك. فأما إذا كانت "لكن" عاطفة اسمًا مفردًا على اسم/ ٢٧٥ لم يجز أن تقع إلا بعد نفي، لا يجوز أن تقول: جاءني زيد لكن عمرو، وأنت تريد عطف عمرو على زيد١.
_________________
(١) ١ بل القول الصحيح: ما جاءني زيد لكن عمرو هذا في المفرد أما إذا عطفت بها جملة جاز أن يكون ذلك بعد الإيجاب، تقول: قد جاءني زيد لكن عمرو لم يأتني.
[ ١ / ٢٤٤ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: إن عبد الله الظريف منطلق، فإن لم تذكر "منطلق" وجعلت الظريف خبرًا رفعته فقلت: إن عبد الله الظريف١، كما كنت تقول: كان زيدٌ الظريف ذاهبًا، وإذا لم تجئ بالذاهب قلت: كان زيدٌ الظريف وتقول: إن فيها زيدًا قائمًا إذا جعلت "فيها" الخبر ونصبت "قائمًا"على الحال. فإن جعلت "قائمًا" الخبر والظرف "فيها" رفعت فقلت: إن فيها زيدًا قائم، وكذلك إن زيدًا فيها قائمٌ وقائمًا، تقول: إن بك زيدًا مأخوذ، وإن لك زيدًا، واقف لا يجوز إلا الرفع؛ لأن "بك ولكل" لا يكونان خبرًا لزيد٢، فلو قلت: إن زيدًا بكَ وإن زيدًا لك، لم يكن كلامًا تاما وأنت
_________________
(١) ١ وذلك لأن الخبر لا بد منه، وله وضع الكلام، والصفة تبيين وتركها جائز. ٢ لأن المتعلق مخصوص لا يفهم المراد به إلا ذكر "لا" للإلغاء.
[ ١ / ٢٤٤ ]
تريد هذه المعاني، فإن أردت بأن زيدًا لك/ ٢٧٦ أي: ملك لك، وما أشبه ذلك، جاز، ومثل ذلك: إن فيك زيدًا لراغب، ولو قلت: إن فيك زيدًا راغبًا لم يصلح، وإنما تنصب الحال بعد تمام الكلام، وتقول: إن اليوم زيدًا منطلق، لا يجوز إلا الرفع، لأن "اليوم" لا يكون خبرًا لزيد، وتقول: إن اليوم فيك زيد ذاهب فتنصب "اليوم" بإن؛ لأنه ليس هنا بظرف إذ صار في الكلام ما يعود إليه. وتقو ل: إن زيدًا لفيها قائمًا. وإن شئت ألغيت "لفيها" فقلت: إن زيدًا لفيها قائم واللام تدخل على الظرف خبرًا كان أو ملغى، مقدمًا على الخبر خاصة ويدلك على ذلك قول الشاعر وهو أبو زبيد:
إن أمرًا خصني عمدًا مودته على التنائي لعندي غير مكفور١
وإذا قلت: إن زيدًا فيها لقائم، فليس "فيها" إلا الرفع؛ لأن اللام لا بُدَّ من/ ٢٧٧ أن يكون خبر إن بعدها على كل حال، وكذلك: إن فيها زيدًا لقائم، وروى الخليل: أن ناسًا يقولون: إن بك زيد مأخوذ، فقال: هذا علي: إنه بك زيد مأخوذ، وشبهه بما يجوز في الشعر نحو قول ابن صريم اليشكري:
وَيْوَمًا تُوافِينَا بِوَجْهٍ مقسَّم كَأَنْ طَبْيةٌ تَعْطُو إلى وَارِقِ السلمِ ٢
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ٢٨١. على إلغاء الظرف وهو "عندي" والمكفور هنا: من كفر النعمة. وجحودها، وأراد: خصني بمودته فحذف وأوصل الفعل فنصب، والبيت لأبي زبيد يمدح أخاه لأمه وليد بن عقبة. وانظر: شرح السيرافي ٣/ ٥، ابن يعيش ٨/ ٦٤. والهمع جـ١/ ١١٦ والمغني جـ٢/ ٧٥٢. تحقيق د. مازن المبارك. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٢٨١ على رفع ظبية على الخبر وحذف الاسم مع تخفيف "كأن" والتقدير: كأنها ظبية. ويجوز نصب "الظبية" "بكأن" تشبيها بالفعل إذا حذف بعضه وعمل نحو: لم يك زيد منطلقا. والخبر محذوف لعلم السامع، والتقدير: كأن ظبية تعطو هذه المرأة. ويجوز جر الظبية على تقدير: كظبية و"أن" زائدة مؤكدة. والموافاة: الإتيان. والمقسم -بضم الميم وفتح القاف والسين- المحسن من القسامة وهو الحسن، يقال فلان: قسيم الوجه ومقسمه، أي: حسنه، وتعطو: تتناول وعداه "بإلى" لتضمنه معنى تميل. والوراق: اسم فاعل، وفعله أورق وهو نادر. والسلم: شجر العضاة، وصف امرأة حسنة الوجه، فشبهها بظبية مخصبة، تأتي إلى الشجر الكثير الأوراق فتتناول منه ما تشاء وذلك أدعى لسمنتها وتمام خلقها. وانظر: الكامل/ ٤٩، وشرح السيرافي ٤/ ٥٠، والمحتسب ١/ ٣٠٨، وابن يعيش ٨/ ٨٣، والتصريح ١/ ٢٣٤، والعيني ٢/ ٣٠١، والخزانة ٤/ ٣٦٥، والمغني ١/ ٣٢.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وقال آخر:
وَوَجْه مُشْرِقِ النَّحْرِ كأنْ ثَدْياهُ حُقَّانِ١
لأنه لا يحسن ههنا إلا الإِضمار.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٢٨١ على تخفيف "كأن" وحذف اسمها ورفع الاسم المذكور بعدها على أنه مبتدأ، والجملة منه ومن خبره خبر "كأن" والتقدير: كأنه ثديا حقان. ويجوز أن تقول: كأن ثدييه حقان على الأعمال، وقد ورد كذلك في رواية أخرى. والهاء في ثدييه عائدة على النحر أو الوجه لأن فيه رواية أخرى: ونحر مشرق اللون. والمراد: كأن ثديي صاحبه حقان في نهودهما. واكتنازهما. ومشرق: من أشرق أي: أضاء. والنحر: موضع القلادة من الصدر والحق بالضم، ويقال أيضا حقة معروفة. ولم ينسب لقائل معين. وانظر: شرح السيرافي ٣/ ٦، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٣٧، وشرح المفصل لابن يعيش ٨/ ٨٢، وشرح ابن عقيل ١٤٧، والخزانة ٤/ ٣٥٨.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وزعم الخليل: أن هذا يشبه قول الفرزدق:
فَلَوْ كُنْتٌ ضَبِّيًا عَرَفْت قَرَابتي وَلَكِنَّ زِنجيٌ عَظِيمُ المشافِرِ١
قال سيبويه: والنصب أكثر في كلام العرب، كأنه قال: ولكن زنجيا عظيم المشافر لا يعرف قرابتي. ولكنه أضمر هذا. قال: والنصب أجود، لأنه لو أراد الإِضمار لخفف ولجعل المضمر مبتدأ كقولك: ما أنت صالحًا ولكن طالح: وتقول: إن مالًا وإن ولدًا، وإن عددًا أي: إن لهم٢ / ٢٧٨ مالًا، والذي أضمرت "لهم" وقال الأعشى:
إنَّ محلًا وإنَّ مرتحلًا وإنَّ في السفر إذ مَضَوْا مَهَلًا٣
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٢٨٢ و٢٨٤ على جواز حذف اسم "لكن" والتقدير: ولكنك زنجي، ويجوز نصب "زنجي" "بلكن" على إضمار الخبر وهو أقيس. والتقدير: ولكن زنجيا عظيم المشافر لا يعرف قرابتي. والبيت في هجاء رجل من ضبة اسمه: أيوب بن عيسى فنفاه عنها ونسبه إلى الزنج. وأصل المشفر للبعير فاستعاره للإنسان لما قصد به تشنيع الخلق. والقرابة التي بين ضبة وبينه، أنه من تميم بن مر بن أد بن طابخة وضبة هو ابن أد بن طابخة. وقافية البيت اشتهرت عند النحويين كذا وصوابه: "ولكن زنجيا عظيما مشافره" وبعده: مقتت له بالرحم بين وبينه فألقيته مني بعيدا أواصراه ورواية الديوان: ولو كنت ولكن زنجي. وانظر: مجالس ثعلب ١/ ١٠٥ وشرح السيرافي ٣/ ٦ والمحتسب ٢/ ١٨٢ وجمهرة اللغة ٣/ ٤٩٠، والأغاني ١٩/ ٢٤، والمخصص ٧/ ٤٨، وشرح القصائد السبع لابن الأنباري/ ١٤٥، وابن يعيش ٨/ ٨٢، والمغني ١/ ٣٢٣ والإنصاف/ ١٨، والديوان/ ٤٨١. ٢ انظر الكتاب ١/ ٢٨٢ و٢٨٤. ٣ من شواهد الكتاب ١/ ٢٨٤، على جواز حذف خبر "إن" للعلم ولا يشترط في ذلك أن يكون الاسم معرفة، بل هو جائز سواء أكان الاسم معرفة أم نكرة، وسواء كررت "إن" أم لم تكرر وزعم الكوفيون: أنه يشترط تنكير الاسم، وزعم الفراء، أنه يشترط تكرير "إن" ويروى: إذ مضوا مهلا. والمحل والمرتحل: مصدران ميميان بمعنى الحلول والارتحال، أو اسما زمان، أي: إن لنا في الدنيا حلولا، وإن لنا عنها ارتحالا. والسفر: اسم جمع مسافر وقيل جمع سافر. والمهل: السبق. والبيت مطلع قصيدة للأعشى في المدح. وانظر المقتضب ٤/ ١٣٠، وشرح السيرافي ٣/ ٨، والخصائص ٢/ ٣٧٣، وأمالي الشجري ١/ ٣٢٢ وابن يعيش ٨/ ٨٤، والمغني ١/ ٨٧ تحقيق: د. مازن المبارك، والسيوطي/ ٨٤، والأغاني ٩/ ١٢١ وروايته: وإن في السفر من مضى مهلا. والخزانة ٤/ ٣٨١. والمحتسب ١/ ٣٤٩، والديوان ١٧٠.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وتقول: إن غيرها إبلا وشاء، كأنه قال: إن لنا غيرها إبلا وشاء، وإن عندنا غيرها إبلا وشاء، فالذي يضمر هذا النحو وما أشبهه، ونصبت إبلا وشاء على التمييز، والتبيين، كانتصاب الفارس إذا قلت: ما مثله من الناس فارسًا، ومثل ذلك قول الشاعر:
يا لَيْتَ أياَّمَ الصِّبَا رواجِعَا١
كأنه قال: يا ليت أيام الصبا لنا رواجعا أو أقبلت رواجعًا. وقال الكسائي: أضمر "كانت"٢ وتقول: إن قريبًا منك زيدًا إذا جعلت "قريبًا" ظرفًا، وإن جعلته اسمًا قلت: إن قريبًا منك زيد، فيكون الأول هو
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٢٨٤ على نصب "رواجعا" على الحال، وحذف الخبر ويستدل به الكوفيون -الفراء خاصة- على نصب المبتدأ والخبر "بليت". ولم ينسب هذا الرجز لقائل معين، وقد نسب في حاشية المغني تحقيق الدكتور مازن المبارك إلى العجاج ولم يوجد في ديوانه وانظر شرح السيرافي ٣/ ٩ والتمام في تفسير أشعار هذيل/ ١٦٥، وابن يعيش ٨/ ٨٤، والمغني ١/ ٣١٦، والخزانة ٤/ ٢٩٠. ٢ الكسائي يقدر "رواجعا" خبرا لكان المحذوفة، لأن "كان" تستعمل كثيرا هنا. قال تعالى: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ وقال: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ . والفراء يجعل "ليت" ناصبة للمبتدأ والخبر معا، وانظر المغني ١/ ٣٦١ تحقيق الدكتور مازن المبارك، وشرح المفصل ٨/ ٨٤، والخزانة ٤/ ٢٩١، والهمع ١/ ١٣٤.
[ ١ / ٢٤٨ ]
الآخر. وإذا كان ظرفًا كان غيره. وتقول: إن بعيدًا منك زيد، والوجه: أن تجعل المعرفة اسم إن١ فتقول: إن زيدًا بعيد منك.
قال سيبويه: وإن شئت/ ٢٧٩ قلت: إن بعيدًا منك زيدًا، وقلما٢ يكون بعيد منك ظرفًا. وإنما قل هذا لأنك لا تقول إن بعدك زيدًا، وتقول إن قربك زيدًا٣، فالدنو أشد تمكنا من الظروف من البعد، لأن حق الظرف أن يكون محيطًا بالجسم من أقطاره.
وزعم يونس: أن العرب تقول: إن بدلك زيدًا، أي: إن مكانك زيدًا٤، وإن جعلت البدل بمنزلة البديل، قلت: إن بدلك زيد، أي: إن بديلك٥ زيد، وتقول: إن ألفًا في دراهمك بيض، إذا جعلت: "بيضًا" خبرًا فإن وصفت بها "ألفًا" قلت: إن ألفًا في دراهمك بيضًا، يجوز لك أن تفصل بين الصفة والموصوف وتقول: إن زيدًا منطلق وعمرًا ظريف فتعطف عمرًا على "إن" ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ ٦. وقد رفعه قوم ولم يجعلوا/ ٢٨٠ الواو عاطفة على تأويل "إذ"٧ كقولك: لو ضربت عبد الله وزيد قائم
_________________
(١) ١ قال المبرد: والمعرفة والنكرة ههنا واحد، وإنما تحذف إذا علم المخاطب ما تعني بأن تقدم له خبرا، أو يجري القول على لسانه، وانظر المقتضب ٤/ ١٣٠. ٢ في الأصل: وقل ما. ٣ انظر الكتاب ١/ ٢٨٤-٢٨٥. ٤ المصدر السابق ١/ ٢٨٥. ٥ في الأصل "بدلك". ٦ لقمان: ٢٧. ٧ في الكتاب ١/ ٤٧. وأما قوله -﷿: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾، فإنما وجهوه على أنه يغشى طائفة منكم وطائفة في هذه الحال. كأنه قال إذ طائفة في هذه الحال، فإنما جعله وقتا، ولم يرد أن يجعلها واو عطف، إنما هي واو الابتداء. وانظر المقتضب ٤/ ١٢٥.
[ ١ / ٢٤٩ ]
ما ضرك، أي: لو ضربت عبد الله وزيد في هذه الحال، فكأنه قال: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر هذا أمره ما نَفَدِتْ كلمات الله وتقول: إن زيدًا منطلق وعمرًا فتعطف على زيد وتستغني بخبر الأول، إذ كان الثاني في مثل حاله، قال رؤبة:
إنَّ الرَّبيعَ الجود والخريفا يدا أبي العباس والصيوفا١
أراد: وإن الصيوف يدا أبي العباس فاكتفى بخبر الأول.
ولك أن ترفع على الموضع، لأن موضع إن الابتداء فتقول: إن زيدا منطلق وعمرو، لأن الموضع للابتداء، وإنما دخلت إن مؤكدة للكلام. وتقول: إن قومك فيها أجمعون. وإن قومك فيها كلهم ففي "فيها" اسم مضمر مرفوع كالذي يكون في الفعل/ ٢٨١ إذا قلت: إن قومك ينطلقون أجمعون، فإذا قلت: إن زيدًا فيها، وإن زيدًا يقول ذلك، ثم قلت: نفسه. فالنصب أحسن. فإذا أردت حمله على المضمر قلت: إن زيدًا يقول ذاك هو نفسه، فإذا قلت: إن زيدا منطلق لا عمرو، فتفسيره كتفسيره مع الواو في النصب والرفع وذلك قولك: إن زيدًا منطلق لا عمرًا، وإن زيدًا منطلق لا عمرو، ولكن بمنزلة إن وتقول: إن زيدا فيها لا بل عمرو، وإن شئت نصبت و"لا بل" تجري مجرى الواو ولا تقول: إن زيدًا منطلق العاقل اللبيب، إذا جعلته صفة لزيد، ويجوز أن تقول: إن زيدًا منطلق العاقل اللبيب فترفع.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٢٨٥، على العطف على اسم أن بالنصب. والجواد: بفتح الجيم وسكون الواو: المطر الغزير. مدح الشاعر: عبد الله السفاح، وأراد بالربيع والخريف والصيوف: أمطارهن. وفي هذا الرجز عكس التشبيه. والأصل أن يدي أبي العباس الربيع والخريف والصيوف. وانظر المقتضب ٤/ ١١١، وشرح السيرافي ٣/ ١٠، والتصريح ١/ ٢٢٦، والعيني ١/ ٢٦١، وديوان رؤبة/ ١٧٩. وذكر هناك على أنه مما نسب إليه مع بيتين آخرين من الرجز، والهمع ٢/ ١٤٤.
[ ١ / ٢٥٠ ]
قال سيبويه: والرفع على وجهين: على الاسم المضمر في "منطلق" كأنه بدل منه، كقولك: مررت به زيد -يعني أنه يجعله بدلًا من المضمر في منطلق. قال: وإن شاء رفعه على معنى: مررت به زيد، إذا كان جواب١ / ٢٨٢ من هو فتقول: زيد كأنه قيل له: من هو؟ فقال: العاقل اللبيب، وقد قرأ الناس هذه الآية على وجهين: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ٢، وعلامَ الغيوب. وتقول: إن هذا أخاك منطلق، فتنصب أخاك على ضربين من التقدير: على عطف البيان وهو كالصفة، وعلى البدل، فمن قال هذا قال: إن الذي رأيت أخاك ذاهب، ولا يكون الأخ صفة "الذي"، لأن أخاك أخص من الذي. فلا يكون صفة وإنما حق الصفة أن تكون أعم من الموصوف. قال الخليل: إن من أفضلهم كان زيدًا، على إلغاء "كان"٣.
قال سيبويه: وسألت الخليل عن قوله: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٤ و﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ ٥، فزعم: أنها وي مفصولة من "كأن" والمعنى وقع على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم أو نبهوا فقيل لهم: أما يشبه أن يكون ذا عندكم هكذا والله أعلم. قال: وأما المفسرون فقالوا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ ٦، وقال/ ٢٨٣ زيد بن عمرو بن نفيل.
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٢٨٦. ٢ سبأ: ٤٨ وقراءة: "عَلَّامُ الْغُيُوبِ" بالنصب من الشواذ. ابن خالويه/ ١٢٢. وفي البحر المحيط ٧/ ٢٩٢ قرأ الجمهور: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ بالرفع. فالظاهر أنه خبر ثانٍ وهو ظاهر قول الزجاج. وقال الزمخشري رفعه محمول على محل "أن" واسمها أو على المستكن في "يقذف" أو هو خبر مبتدأ محذوف. ٣ انظر الكتاب ١/ ٢٩٠. ٤، ٥ القصص: ٨٢. ٦ انظر الكتاب ١/ ٢٩٠.
[ ١ / ٢٥١ ]
سألتاني الطَّلاق إذْ رأتَاني قَلَّ مالي قَدْ جِئْتُماني بنكر
ويَ كأنْ مَنْ يَكُنْ لَه نَشَبٌ يُحبَـ ـبْ ومَنْ يفتقرْ يَعشْ عيَشَ ضُرِّ١
قال٢ وناس من العرب، يغلطون فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنكَ وزيد ذاهبان وذلك: أن معناه معنى الابتداء فيرى أنه قال هم كما قال زهير:
بَدَا لي أنِّي لَسْتُ مُدْرِكٌ ما مَضَى ولا سَابِقٍ شيئًا إذَا كَانَ جَائِيا٣
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٢٩٠. على تركيب "ويكأن" من "وي" التعجبية، و"كأن" المخففة من المثقلة. وفيها شاهد: على أن أسماء الأفعال ترد للتندم. وذكر الأعلم: أن بعض النحويين زعم: أن قولهم: ويكأن بمعنى: ويلك اعلم أن.. فحذفت اللام من "ويلك" كما قال عنترة: قيل الفوارس ويك عنتر أقدم. وحذف "اعلم" لعلم المخاطب مع كثرة الاستعمال. وهذا القول مردود لما يقع فيه من كثرة التغيير. وقوله: سألتاني أبدل فيه الهمزة ألفا صورة، أو يكون استعمل لغة من يقول: سلته أسأله مثل: خفته أخافه، وهما يتساولان وهي لغة معروفة وعليها قراءة من قرأ: "سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذابٍ وَاقِعٍ". والنشب: المال، ويروى: سألتاني الطلاق أن رأتاني وانظر شرح السيرافي ١/ ٢٣٤، والمقتضب ٢/ ١٥٥، تحقيق د: مازن المبارك، ٢/ ١٣٩، والصاحبي لابن فارس/ ١٤٧، ومجالس ثعلب ٣٨٩، وابن يعيش ٤/ ٧٦، ومعاني القرآن ٢/ ٣١٢. ٢ يعني سيبويه: انظر الكتاب ١/ ٢٩٠، وانظر الدرر اللوامع للشنقيطي ٣/ ١٤٠، والخزانة ٣/ ٩٥. ٣ من شواهد الكتاب ١/ ١٥٤ على عطف "سابق" بالجر على "مدرك" على توهم الباء فيه. ورواية سيبويه: ولا سابقا شيئا، والديوان: ولا سابقي شيء. وانظر الكتاب ٢/ ٢٧٨، والمقتضب ٢/ ٣٣٩، وشرح السيرافي ٣/ ١٦، والإنصاف ١١١، وابن يعيش ٨/ ٦٩، والمفصل للزمخشري ٢٥٦، والعيني ٢/ ٢٦٢، والخزانة ٣/ ٦٦٥، والديوان ٢٨٧.
[ ١ / ٢٥٢ ]
فأضمر الباء وأعلمها، وأما قولهم: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ ١ فعلى التقديم والتأخير كأنه ابتدأ فقال: والصابئون بعد ما مضى الخبر، قال الشاعر:
وإلاَّ فاعْلَمُوا أنَا وأَنْتُم بُغَاة ما بَقيْنَا في شِقَاقِ٢
كأنه قال: فاعلموا أنا بغاة ما بقينا وأنتم كذلك. وتقول: إن القائم أبوه منطلقة جاريته، نصبت القائم بإن، ورفعت الأب بفعله وهو القيام ورفعت "منطلقةً"، لأنه خبر إن، ورفعت الجارية بالانطلاق، لأنه فعلها. ويجوز أن/ ٢٨٤ تكون الجارية مرفوعة بالابتداء، وخبرها: "منطلقة" والجملة خبر "إن" فيكون التقدير: إن القائم أبوه جاريته منطلقة، إلا أنك قدمت وأخرت ويقول: إن القائم وأخوه قاعد، فترفع الأخ بعطفك إياه على المضمر في "قائم" والوجه إذا أردت أن تعطفه على المضمر المرفوع أن تؤكد ذلك المضمر، فتقول: إن القائم هو وأخوه قاعدٌ. وإنما قلت: "قاعد" لأن الأخ لم يدخل في "إن" وإنما دخل في صلة القائم فصار بمنزلة قولك: إن الذي قام مع أخيه قاعدٌ، ونظير ذلك أن المتروك هو وأخوه مريضين
_________________
(١) ١ المائدة: ٦٦ والآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى﴾ هذا على التقديم والتأخير عند البصريين، أما الكوفيون فيرون أن "الصابئين" معطوف على موضع "أن" قبل تمام الخبر، وهو قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ . وانظر الإنصاف ١/ ١٠٨، وابن يعيش ٨/ ٦٩. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٢٩٠ على رفع قوله: بغاة على التقديم والتأخير فأنتم: مبتدأ، والخبر محذوف لعلم السامع، والتقدير: نحن بغاة ما بقينا وأنتم، والذي سوغ حذف الأول لدلالة الثاني عليه، والبغاة: جمع باغ، وهو الساعي بالفساد. والشقاق: الخلاف وأصله أن يأتي كل واحد من الفريقين ما يشق على صاحبه، أو يكون كل واحد منهما في شق غير شق صاحبه. والشق: الجانب. والبيت لبشر بن أبي خازم الأسدي: وانظر: معاني القرآن ١/ ٣١١، وشرح السيرافي ٣/ ١٦، وابن يعيش ٨/ ٧٠، والإنصاف ١/ ١٠٨، والتصريح ١/ ٣٢٨، وشرح شواهد الألفية للعاملي/ ١١٢، والخزانة ٤/ ٣١٥.
[ ١ / ٢٥٣ ]
صحيح، ولو أردت أن تدخل الأخ في "إن" لقلت: إن المتروك مريضًا وأخاه صحيحان، وتقول: إن زيدا كان منطلقًا، نصبت زيدًا "بإن" وجعلت ضميره في "كان". وكان وما عملت فيه في موضع خبر "إن" وإن شئت رفعت "منطلقًا" على وجهين:
أحدهما: أن تلغي "كان"/ ٢٨٥ وقد مضى ذكر ذلك.
والوجه الثاني: أن تضمر المفعول به في "كان"، وهو قبيح، وتجعل منطلقًا اسم "كان" فكأنك قلت: إن زيدًا كأنه منطلق.
وقبحه من وجهين: أحدهما: حذف الهاء، وهو كقولك: إن زيدًا ضرب عمرو، تريد: ضربه، والوجه الآخر: أنك جعلت منطلقًا هو الاسم "لكان" وهو نكرة وجعلت الخبر الضمير وهو معرفة فلو كان: إن زيدًا كان أخوك، تريد: كأنه أخوك، كان أسهل وهو مع ذلك قبيح لحذف الهاء وتقول: إن أفضلهم الضارب أخًا له -كان صالحًا- فقولك: كان "صالحًا" صفة لقولك: "أخا له"، لأن النكرات توصف بالجمل، ولا يجوز أن تقول: إن أفضلهم الضارب أخاه كان صالحًا، فتجعل: "كان صالحًا" صفة لأخيه، وهو معرفة، فإن قال قائل: فإنها نكرة مثلها فأجز ذلك على أن تجعله حالًا فذاك قبيحٌ والأخفش يجيزه على قبحه/ ٢٨٦ وقد تأولوا على ذلك قول الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ١ وتأويل ذلك عند
_________________
(١) ١ النساء: ٩٠، وقوع الفعل الماضي حالا من غير تقدير "قد" وهو مذهب الكوفيين والأخفش، وقد عقد ابن الأنباري لذلك مسألة في الإنصاف/ ١٦٠-١٦٤ وقد جهد ابن الأنباري في تضعيف مذهب الكوفيين وإن كان مرتكزا على أساس متين من القياس والسماع. والمتبع لأبي حيان في البحر المحيط يجده في مواضع كثيرة يرجح مذهب الكوفيين، ولا يقدر "قد" مع الماضي فيقول ٣/ ٣١٧ جاء منه ما لا يحصى كثرة بغير "قد" ويقول ٦/ ٣٥٥ ولا يحتاج إلى إضمار "قد" لأنه قد كثر وقوع الماضي حالا في لسان العرب بغير "قد" فساغ القياس عليه. ويقول في ٦/ ٣٥٥ "أيضا" ولا يحتاج إلى إضمار "قد" فقد كثر وقوع الماضي حالا بغير "قد" كثرة ينبغي القياس عليها. ويقول ٧/ ٤٩٣ وقد أجاز الأخفش من البصريين وقوع الماضي حالا بغير "قد" وهو الصحيح، إذ كثر ذلك في لسان العرب كثرة توجب القياس، ويبعد فيها التأويل.
[ ١ / ٢٥٤ ]
أبي العباس: على الدعاء وأنه من الله تعالى إيجاب عليهم. وقال: القراءة الصحيحة التي جل أهل العلم عليها إنما هي: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَةً صُدُورُهُمْ﴾ ١.
وقال الأخفش: أقول: إن في الدار جالسًا أخواك، فانصب "جالسًا" "بإن" وارفع "الأخوين" بفعلهما واستغنِ بهما عن خبر "إن" كما أقول: أذاهب أخواكَ فارفع "أذاهب" بالابتداء، وأخواك بفعلهما واستغنِ عن خبر الابتداء، لأن خبر الابتداء إنما جيء به ليتم به الكلام.
قال: وكذلك تقول: إن بك واثقًا أخواك، وإن شئت "واثقين أخواك" فجعلت "واثقين" اسم "إن"، ولا يجوز: أن بك واثقين أخويك فتنصب "واثقين" على الحال، لأن الحال لا يجوز في هذا، لأنك لا تقول: إن بك أخويك، وتسكت. وتقول: إن فيها قائمًا أخواك، وإن شئت/ ٢٨٧ قائمين أخويك، فتنصب أخويك "بأن" وقائمين على الحال، وفيها خبر "إن" وهو خبر مقدم، وإذا ولي "قائم" إن، ولم يكن بينهما ظرف لم يجز توحيده عند الكوفيين، وصار اسمًا لا يفصل بينه وبين عمله بخبر إن وذلك قولك: إن قائمين الزيدان، وإن قائمين الزيدون.
_________________
(١) ١ هذه جرأة من المبرد فصنيعه هذا يشعر بأن قراءة "حصرت" بالتاء المفتوحة ليست بصحيحة مع أن القراء السبعة اتفقوا عليها، ولم يقرأ "حصرة" إلا يعقوب من العشرة. انظر: النشر ٢/ ٢٥١، والإتحاف/ ١٩٣، والمقتضب ج٤/ ١٢٥.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وأجاز الفراء: إن قائمًا الزيدان وإن قائمًا الزيدون، على معنى إن من قام الزيدان. وإن من قام الزيدون.
وأجاز البصريون إن قائمًا الزيدان والزيدون على ما تقدم ذكره، ولا يجيز الكوفيون. إن آكلًا زيد طعامك، إذا كان المنصوب بعد زيد، وهذا جائز عند البصريين، فإن قلت: إن آكلًا طعامك زيدٌ، كانت المسألة جائزة في كل قول، وكذلك كل منصوب، من مصدر أو وقت أو حال أو ظرف، فإن قلت/ ٢٨٨: خلفك آكلًا زيد، استوى القولان في تأخير الطعام بعد زيد فقلت: إن خلفك آكلًا زيد طعامك، ولك أن تؤخر "آكلًا"، والظروف من الزمان في ذا كالظروف من المكان.
والفراء١ يجيز: إن هذا وزيد قائمان، وإن الذي عندك وزيد قائمان، وإنك وزيد قائمان، إذا كان اسم "إن" لا يتبين فيه الإِعراب نحو هذا وما ذكرناه في هذه المسائل، وعلى ذلك ينشدون هذا البيت٢:
_________________
(١) ١ قال الفراء: ولا أستحب أن أقول: إن عبد الله وزيد قائمان، لتبين الإعراب في عبد الله، وقد كان الكسائي يجيزه لضعف "إن" وقد أنشدونا هذا البيت رفعا ونصبا: فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيارا بها لغريب وقيار: ليس هذا بحجة للكسائي في إجازته: "إن عمرا وزيدا قائمان" لأن قيارا قد عطف على اسم مكنى عنه والمكنى لا إعراب له فيسهل ذلك فيه كما سهل في "الذين" إذا عطفت عليه "الصابئون". وهذا أقوى من الصابئين، لأن المكنى لا يتبين فيه الرفع في حال، والذين قد يقال: اللذون فيرفع في حال. معاني القرآن جـ١/ ٣١١. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٨. على أن قوله: "وقيار" مبتدأ حذف خبره، والجملة على هذا اعتراضية بين اسم إن وخبرها، وتقدير الكلام: فإني وقيار كذلك لغريب. ويروى البيت: وقيارا بالعطف على اسم "إن" وقيرا: هو فرس الشاعر أو غلامه وقيل: هو اسم جملة. والمعنى: من يك مقيما بالمدينة فلست على صفته وإني غريب عنها. والبيت لضابئ بن الحارث البرجمي من أبيات قالها في سجنه بالمدينة على عهد عثمان وذلك لقذفه المحصنات. وانظر: معاني القرآن ١/ ٣١١، وشروح سقط الزند ٤/ ١٧٧٣، وابن يعيش ٨/ ٦٨، والخزانة ٤/ ٣٢٣.
[ ١ / ٢٥٦ ]
ومَنْ يَكُ أَمْسَى بالمَدينة رَحلُه فَإنِّي وَقَيَّارٌ بَهَا لَغَريبُ
فيرفع "قيارًا" وينصب وكذلك لو قال: الغريبان، فإفراد الفعل وتثنيته في هذا عندهم سواء.
والكسائي يجيز الرفع في الاسم الثاني مع الظاهر والمكنى، فإن نعت اسم إن أو أكدته أو أبدلت منه، فالنصب عندنا لا يجوز غيره، وإنما الرفع جاء عندنا على الغلط١.
وقد قال الفراء: يجوز أن تقول: إنهم أجمعون قومك على/ ٢٨٩ الغلط لما كان معناه: هم أجمعون قومك، وإنه نفسه يقوم، يجوز أن ترفع توكيد ما لا يتبين فيه الإِعراب، وهو وأصحابه كثيرًا ما يقيسون على الأشياء الشاذة.
وقال قوم: إن الاختيار مع الواو التثنية في قولك: إن زيدًا وعمرًا قائمان، ويجوز: قائم مع ثم والفاء التوحيد، ويجوز التثنية، يجوز: إن زيدًا ثم عمرًا قائم، وقائمان. وإن زيدًا فعمرًا قائم وقائمان. ومع "أو" "ولا" التوحيد، لا غير، لأن الخبر عن أحدهما خاصة دون الآخر.
واعلم: أن الهاء التي تسمى المجهولة في قولك: إنه قام بكر، وفي كل موضع تستعمل فيه، فهي موحدة لا ينسق عليها، ولا تكون منها حال منصوبة ولا توكيد، ولا تؤنث ولا تثنى، ولا تجمع، ولا تذكر، وما بعدها مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل. وقوم يقولون: إنها إذا كانت مع مؤنث أنثت،
_________________
(١) ١ يشير إلى قول سيبويه: واعلم: أن ناسا من العرب يغلطون فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان، وانظر الكتاب ١/ ٢٩٠. ووجه الغلط أنهم رأوا أن معنى: إنهم: ذاهبون هم ذاهبون، فاعتقد سقوط "أن" من اللفظ، ثم عطف عليه بالرفع.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وذكرت نحو قولك: إنه قائمة جاريتك/ ٣٩٠ وإنها قائمة جاريتك. وقالوا إذا قلت: إنه قائم جواريك، ذكرت لا غير، فإن جئت بما يصلح للمذكر والمؤنث أنثت وذكرت نحو قولك: إنه في الدار جاريتك، وإنها في الدار جاريتك.
وحُكي عن الفراء أنه قال: لا أُجيز: إنه قام؛ لأن هاء العماد إنما دخلت لشيئين، لاسم وخبر، وكان يجيز فيما لم يسم فاعله: إنه ضُرِب، وقال: لأن الضمة تدل على آخر.
والكسائي يجيز: إنه قام، قال: والبغداديون إذا وليت أن النكرات أضمروا والهاء ولم تضمر١ الهاء إلا صفة متقدمة، وإن جاءوا بعدها بأفعال -يعنون بالأفعال اسم الفاعل- أتبعوها إذا كانت نكرة ورفعوها إذا كانت معرفة كقولهم: إن رجلًا قائمًا، وإن رجلًا أخوك، وإذا أضمروا الخبر لم ينسقوا عليها بالمعرفة فلا يقولون: إن رجلًا وزيدًا، لأن خبر المعرفة لا يُضمر عندهم ويقولون: كل أداة ناصبة/ ٢٩١ أو جازمة لا تدخل عليها اللام مع "إن"، فإن كانت الأداة لا تعمل شيئًا دخلت اللام عليها.
وقد أجاز الفراء حذف الخبر في: "إن الرجل" وإن المرأة، وإن الفأرة، وإن الذبابة، ولا يجيزه إلا بتكرير "إن"٢.
ويقولون: "ليت" تنصب الأسماء والأفعال، أي: الأخبار نحو: ليت زيدًا قائمًا، وقال الكسائي: أضمرت: "كان"٣.
_________________
(١) ١ حذفت "يضمروا" لأنها زائدة. ٢ هذا مذهب سيبويه والبصريين، قال: هذا باب ما يحسن عليه السكوت في هذه الأحرف الخمسة لإضمارك ما يمكن مستقرا لها وموضعا لو أظهرته وليس هذا المضمر نفس المظهر. وذلك: إن مالا، وإن ولدا، أي: إن لهم مالا، فالذي أضمرت "لهم". وانظر الكتاب ١/ ٢٨٤. ٣ إذا قلت: ليت زيدا قائما، فالتقدير عند الكسائي: ليت زيدا كان قائما، بإضمار "كان"، لأنها تستعمل هنا كثيرا، نحو قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾، و﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . أما الفراء: فأجاز نصب الاسمين جميعا بأن قال: ليت زيدا قائما. على معنى "تمنيت" فكأنه قال: أتمنى زيدا قائما، أو تمنيت زيدا قائما، كأنه يلمح الفعل الذي ناب عنه الحرف. وانظر ابن يعيش ٨/ ٦٤.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وقالوا: "لعل" تكون بمعنى: "كي"١ وبمعنى: خليق وبمعنى: ظننت، وقالوا: والدليل على ظننت أن تجيء بالشيئين، والدليل على "عسى" أن تجيء بأن، وقالوا: "ليت" قد ذهب بها إلى "لو" وأولوها الفعل الماضي، وليتني أكثر من ليتي، ولعلي أكثر من لعلني، وإنني وإني سواءٌ.
وذكر سيبويه: لهنك لرجل صدق٢ قال: وهذه كلمة تتكلم بها العرب في حال اليمين وليس كل العرب تتكلم بها في "إن" ولكنهم/ ٢٩٢ أبدلوا الهاء مكان الألف كقولك: هرقت٣. ولحقت هذه اللام "إن" كما لحقت "ما" حين قلت: "إن زيدًا لما لينطلقن فلحقت" اللام في اليمين والثانية لام "إن" وفي: لما لينطلقن اللام الأولى: لام "لئن" والثانية: لام اليمين. والدليل على ذلك النون التي معها. وقال: قول العرب في الجواب إنه، فهو بمنزلة أجل٤ وإذا وصلت قلت: إنَّ يا فتى.
_________________
(١) ١ تأتي لعل بمعنى: "كي" للتعليل، كقولك: ابعث إليّ بدابتك لعلي أركبها، أي: كي أركبها، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾، أي: كي تتقوا، وكي تعقلوا، وكي تذكروا، قال الكسائي والأخفش: ومنه لعله يتذكر. انظر التصريح جـ١/ ٢١٣. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤٧٤. ٣ من قال: هراق، فالهاء عنده بدل من همزة "أراق" على حد: هردت أن أفعل في أردت ونظائره. ومن قال: إهراق، فجمع بين الهمزة والهاء، فالهاء عنده زائدة كالعوض من ذهاب حركة العين على حد ضيعهم في "اسطاع" وانظر شرح المفصل لابن يعيش ١٠/ ٥. ٤ قال سيبويه: وأما قول العرب في الجواب: إنه بمنزلة أجل، وإذا وصلت قلت: إن يا فتى وهي بمنزلة أجل، قال الشاعر: ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت فقلت إنه الكتاب ١/ ٤٧٥ و٢/ ٢٧٩.
[ ١ / ٢٥٩ ]
واعلم: أن "إنَّ وأخواتها" قد يجوز أن تفصل بينها وبين، أخبارها بما يدخل لتوكيد الشيء أو لرفعه؛ لأنه بمنزلة الصفة في الفائدة يوضح عن الشيء ويؤكده وذلك قولك: إن زيدًا فافهم ما أقول رجل صالح، وإن عمرًا والله ظالم، وإن زيدا هو المسكين مرجوم؛ لأن هذا في الرفع يجري مجرى/ ٢٩٣ المدح والذم في النصب وعلى ذلك يتأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ١، فأولئك هو الخبر.
ومذهب الكوفيين والبغداديين في "إن" التي تجاب باللام، يقولون: هي بمنزلة "ما" وإلا وقد قال الفراء: إنها بمنزلة "قد" وتدخل أبدًا على آخر الكلام نحو قولك: إن زيدًا لقائم، تريد: ما زيد إلا قائم، وقد قيل: إنه، يريد: قد قام زيد، وكذلك: إن ضرب زيد لعمرًا، وإن أكل زيد لطعامك وكان الكسائي يقول: هي مع الأسماء والصفات -يعني بالصفات والظروف- إن المثقلة خففت، ومع الأفعال بمعنى ما وإلا، وقال الفراء: كلام العرب أن يولوها الماضي قالوا: وقد حكى: إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهيه، وقد حُكي مع الأسماء وأنشدوا٢:
فقلت:
إن القوم الذي أَنَا مِنهم لأَهل مَقَامَات وشَاء وجامِلِ٣
_________________
(١) ١ الكهف: ٣٠. ٢ رد ما ذهب إليه الكسائي بسماع الإعمال. يؤيد ذلك ما ذكره سيبويه من جواز إعمالها مع التخفيف، فحال "إن" المخففة كحالها وهي مشددة في جميع الأحكام إلا في شيء واحد، وهو أنها لا تعمل في الضمير بخلاف المشددة، تقول: إنك قائم، ولا تقول: إنك قائم، وانظر الارتشاف/ ٥٨٣. والأشباه والنظائر ٢/ ٦١. ٣ لم أعثر لهذا الشاهد على ترجمة في كتب النحو واللغة والأدب.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وكل ما كان من صلة الثاني لم تدخل اللام عليه، وكل ما كان من صلة الأول أدخلت اللام عليه نحو قولك: إن ظننت زيدًا لفي الدار قائمًا، فإن كان في الدار من صلة الظن دخل عليها، وإن كان من صلة "قائم" دخلت اللام على "قائم" يعنون أن اللام إنما تدخل على ما هو في الأصل خبر المبتدأ، ألا ترى أنه لو خلا الكلام من "ظننت": كان زيد في الدار قائمًا، فزيد مبتدأ وفي الدار خبره وقائم حال، والعامل فيه "في الدار" فهو من صلة "في الدار" فاستقبحوا أن يدخلوا اللام على "قائم" لأنه من صلة الثاني، وهو الخبر، وقالوا: كل أخوات الظن وكان على هذا المذهب، وكذلك صلة الثاني في قولك: إن ضربت رجلًا لقائمًا، لا يدخلون/ ٢٩٥ عليها اللام، و"قائمًا" صلة رجل هذا خطأ عندهم، وعند غيرهم، ولا يجوز: إن زال زيد قائمًا، لأنه لا يجوز، زال زيدٌ قائمًا وتقول: إن كان زيدٌ لقائمًا.
[ ١ / ٢٦١ ]
باب كسر ألف إن وفتحها
مدخل
باب كسر ألف إن وفتحها ١:
ألف إن تكسر في كل موضع يصلح أن يقع فيه الفعل والابتداء جميعًا، وإن وقعت في موضع لا يصلح أن يقع فيه إلا أحدهما لم يجز لأنها إنما تشبه فعلًا داخلًا على جملة، وتلك الجملة مبتدأ وخبر، والجملة التي بعد "إنَّ" لا موضع لها من الإِعراب بعامل يعمل فيها من فعل ولا حرف، ألا ترى أنك تقول: إن عمرًا منطلق، فهذا موضع يصلح أن يبتدأ الكلام فيه فتقول: عمرو منطلق، ويصلح أن يقع الفعل موقع المبتدأ، فتقول: انطلق عمرو، وهذه الجملة لا موضع لها من الإِعراب، لأنها غير مبنية على شيء. و"إنَّ" المكسورة تكون مبتدأة ولا يعمل فيها ما قبلها وهي كلام تام/ ٢٩٦ مع ما بعدها وتدخل اللام في خبرها٢ ولا تدخل اللام في خبر "إن" إذا كانت
_________________
(١) ١ الذي يجمع بين "إن وأن" هو العمل وحده، وذلك لو تتبعنا المواضع التي تفتح فيها الهمزة والتي تكسر لوجدناها تختلف اختلافا كليا. فإن ما بعد المكسورة كلام تام لفظا ومعنى، وهو يأتي لتحقيق مضمون الجملة بخلاف المفتوحة، لأن ما بعدها مفرد معنى، ولذلك تتعين المكسورة حيث لا يجوز أن يسد المصدر مسدها ومسد معموليها، قال سيبويه: وأما إن فهي بمنزلة الفعل لا يعمل فيها ما يعمل في "أن" كما لا يعمل في الفعل ما يعمل في الأسماء. وانظر الكتاب ١/ ٤٦١، والسيرافي ٤/ ١٨. ٢ لا يجوز مع لام الابتداء إلا كسر "إن" لأن لها صدر الكلام، وإنما أخرت إلى موضع الخبر، لئلا يجمع بين حرفي تأكيد، وموضعهما واحد لما في ذلك من إيهام الفساد باختلاف المعنى وإن أحدهما أحق بالتقديم من الآخر فأخرت اللام إلى موضع الخبر وانظر شرح الرماني ٢/ ٧.
[ ١ / ٢٦٢ ]
"إن" محمولة على ما قبلها. واللام إذا وليت الظن والعلم علقت الفعل فلم تعمل نحو قولك: قد علمت إن زيدًا لمنطلق، وأظن إن زيدًا لقائم، فهذا إنما يكون في العلم والظن ونحوه. ولا يجوز في غير ذلك من الأفعال، لا تقول: وعدتك إنك لخارج، إنما تدخل في الموضع الذي تدخل فيه أيهم فتعلق الفعل، ألا ترى أنك تقول: قد علمت أيهم في الدار، وكل موضع تقع فيه "إن" بمعنى اليمين وصلة القسم١ فهي مكسورة، فمن ذلك قولهم إذا أرادوا معنى اليمين: أعطيته ما إن شره خير من جيد ما معك، وهؤلاء الذين إن أجبتهم لأشجع من شجعائكم، قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ ٢ / ٢٩٧ "فإن" تدخل صلة "للذي"، لأن صلة الذي لا موضع لها من الإِعراب بعامل يعمل فيها من فعل ولا حرف جر. فإذا وقعت إن بعد القول حكاية فهي أيضًا مكسورة، لأنك تحكي الكلام مبتدأ، والحكاية لا تغير الكلام عما كان عليه تقول: قال عمرو: إن زيدًا خير منك.
قال سيبويه: كان عيسى يقرأ هذا الحرف: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾ ٣
_________________
(١) ١ تكسر همزة "إن" في جواب القسم ليفصل بين القسم والمقسم عليه، لأن هذا موقع لا يصلح فيه إلا الكسر كما لا يصلح إذا تقدم كلام دخوله وخروجه واحد في أنه لا يجوز أن يعمل في "إن" لأنه موضع قطع عن الكلام الأول كقولك: قد تكلم الناس في أمور كثيرة إني لأعجب منها، فهذا موضع قطع عن الكلام الأول فهو بمنزلة: إني لأتعجب من أمور كثيرة قد تكلم الناس فيها وانظر شرح الرماني ٢/ ١٨٣. ٢ القصص: ٧٦. وانظر الكتاب ١/ ٤٧٣. وقال الله ﷿: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ . "فإن" صلة "لما" وتكسر همزة "إن" الواقعة في بدء جملة الصلة. ٣ القمر: ١٠.
[ ١ / ٢٦٣ ]
أراد أن يحكي كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ ١ كأنه قال والله أعلم: قالوا: ما نعبدهم٢، فعلى هذا عندي قراءة: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾ أي: دعا ربه فقال: إني مغلوب. وتكسر أيضًا بعد إلا في قولك: ما قدم علينا أمير إلا إنَّهُ مكرم لي، لأنه ليس هنا شيءٌ يعمل في "إن" ولا يجوز أن تكون عليه.
قال سيبويه: ودخول اللام ههنا يدلك على أنه موضع ابتداء٣. قال الله تعالى/ ٢٩٨: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ ٤، فإن زال ما بعد إلا عن الابتداء وبنيته على شيء فتحت تقول: ما غضبت عليك إلا أنك فاسق، كأنك قلت: إلا لأنك فاسق، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ ٥. فإنما حمله على "منعهم" أي: ما منعهم إلا أنهم كفروا، فموضع: أنهم كفروا، رفع، أي: ما منعهم إلا كفرُهم، فلما صار لها موضع فتحت.
و"حتى":
تبتدأ بعدها الأسماء وهي معلقة لا تعمل في "إن" وذلك قولك: قد قاله القوم حتى إن زيدًا يقوله: وانطلق الناس حتى إن عمرًا لمنطلق. وأحال٦ سيبويه أن تقع المفتوحة ههنا، وكذلك إذا قلت: مررت فإذا إنَّهُ
_________________
(١) ١ الزمر: ٣. وانظر الكتاب ١/ ٤٧١: كأنه قال والله أعلم: قالوا: ما نعبدهم، ويزعمون: أنها في قراءة ابن مسعود كذا. ومثل ذلك كثير في القرآن. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤٧١. ٣ انظر الكتاب ١/ ٤٧٢. وشرح الرماني ٢/ ١٨٤. ٤ الفرقان: ٢٠. وفي الكتاب ١/ ٤٧٢، ودخول اللام ههنا يدلك على أنه موضع ابتداء. ٥ التوبة: ٥٤. ٦ قال سيبويه: ولو أردت أن تقول: حتى إن في هذا الموضع، أي: موضع الابتداء كنت محيلا، لأن أن وصلتها بمنزلة الانطلاق. الكتاب ١/ ٤٧١، وشرح الرماني ٢/ ١٨٤.
[ ١ / ٢٦٤ ]
يقول ذاك، قال: وسمعت رجلًا من العرب ينشد هذا البيت١ كما أخبرتك به:
وكُنْتُ أُرى زيدًا -كَما قِيلَ- سِيدًا إذَا إنَّهُ عَبْدُ القَفَا واللُّهَازمِ
وإذا/ ٢٩٩ ذكرت "إن" بعد واو الوقت كسرت، لأنه موضع ابتداء نحو قولك: رأيته شابا وإنه يومئذ يفخر.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤٧١. على جواز فتح همزة أن وكسرها بعد إذا فالكسر على نية وقوع المبتدأ والخبر بعد إذا، فالتقدير إذا هو عبد القفا، والفتح على تأويل المصدر: فإذا العبودية حاصلة والمعنى: كنت أظن زيدا سيدا شريفا كما قيل فيه، فظهر أنه لئيم. ومعنى قوله: عبد القفا واللهازم، أي: إذا نظرت إلى قفاه ولهازمه تبينت عبوديته ولؤمه، لأن القفا موضع الصفع واللهزمة موضع اللكز، وهي بضيعة في أصل الحنك الأسفل. وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. وانظر المقتضب ٢/ ٣٥١، وشرح الرماني ٢/ ١٨٣، والخصائص ٢/ ٢٦٩، وابن يعيش ٨/ ٦١.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ذكر أن المفتوحة:
أن المفتوحة الألف مع ما بعدها بتأويل المصدر وهي تجعل الكلام: شأنًا وقصة وحديثًا، ألا ترى أنك إذا قلت: علمت أنك منطلق، فإنما هو: علمت انطلاقك، فكأنك قلت: علمت الحديث، ويقول القائل: ما الخبر؟ فيقول المجيب: الخبر أن الأمير قادم.
فهي لا تكون مبتدأة ولا بد من أن تكون قد عمل فيها عامل أو تكون مبنية على قبلها، لا تريد بها الابتداء، تقول: بلغني أنك منطلق، "فأن" في موضع اسم مرفوع، كأنك قلت: بلغني انطلاقك، وتقول: قد عرفت أنك قادم، "فأن" في موضع اسم منصوب، كأنك قلت: عرفت قدومك، وتقول: جئتك لأنك١ كريم/ ٣٠٠ "فأن" في موضع اسم مخفوض، كأنك قلت:
_________________
(١) ١ وهذا الموقع الذي يدخل فيه حرف الجر على "أن".
[ ١ / ٢٦٥ ]
جئت لكرمك، و"أن" إذا كانت مكسورة بمنزلة الفعل. وإذا كانت مفتوحة بمنزلة الاسم، والفعل لا يعمل في الفعل، فلذلك لا يعمل الفعل في "إن" المكسورة، ويعمل في "أن" المفتوحة لما صارت بمعنى المصدر، والمصدر اسم.
قال سيبويه: يقبح أن تقول: أنك منطلق بلغني، أو عرفت١. وإنما استقبح ذلك -وإن أردت تقديم الفعل لامتناعهم- من الابتداء بأن المفتوحة لأنها إنما هي بمنزلة "أَنْ" الخفيفة التي هي مع الفعل بمعنى المصدر. وما كان بمنزلة الشيء فليس هو ذلك الشيء بعينه، فلا يجوز أن يتصرف تصرف "أن" الخفيفة الناصبة للفعل في جميع أحوالها. فأما "أَنْ" الخفيفة التي تنصب الفعل، فإنها يبتدأ بها، لأن الفعل صلة لها، وقد نابت هي والفعل عن مصدر ذلك الفعل، ولا يلي أن الخفيفة الناصبة للفعل إلا الفعل و"أَنَّ" الشديدة ليست كذلك، لأنه/ ٣٠١ لا يليها إلا الاسم، وهي بعد للتأكيد، كما إن "إن" المكسورة للتأكيد، تقول: إن يقوم زيد خير لك ولا يجوز: أنْ زيد قائم خير لك، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٢، وتقول: ليت أن زيدًا منطلق، فأصل هذا الابتداء والخبر، فينوب عن خبر "ليت" ولا يجوز: أن يقوم زيد، حتى يأتي بخبر، وأنت مع "أن" تلفظ بالفعل ومع "أن" المشددة قد يجوز أن لا تلفظ بالفعل، نحو قولك: قد علمت أن زيدًا أخوك، والمواضع التي تقع فيها أن المفتوحة لا تقع فيها "إن" المكسورة، فمتى وجدتهما يقعان في موقع واحد، فاعلم: أن المعنى والتأويل مختلف. وإذا وقعت أن موقع المصدر الذي تدخل عليه لام الجر فتحتها، نحو: جئتك أنك، تريد
_________________
(١) ١ الكتاب ١/ ٤٦٣. ونص الكتاب: ألا ترى أنه قبيح أن تقول: إنك منطلق بلغني أو عرفت، لأن الكلام بعد أن وإن غير مستغن كما أن المبتدأ غير مستغن، وإنما كرهوا ابتداء "أن" يشبهوها بالأسماء التي تعمل فيها "إن" ولئلا يشبهوها بأن الخفيفة، لأن أن والفعل بمنزلة مصدر فعله الذي ينصبه والمصادر تعمل فيها إن وأن. ٢ البقرة: ١٨٤.
[ ١ / ٢٦٦ ]
الخير١، ويقول الرجل للرجل: لم فعلتَ ذلك؟ فيقول: لم٢ أنه ظريف، تريد: لأنه.
قال سيبويه: سألت الخليل٣ عن قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ٤ / ٣٠٢ فقال: إنما هو على حذف اللام٥، وقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِين﴾ ٦: إنما أراد: بأني، وإذا عطفت "إن" على أن، وقد عمل في الأولى الفعل ففتحها فتحتَ المعطوفَ أيضًا، إلا أن تريد أن تستأنف ما بعد حرف العطف، وتأتي بجملة نحو قولك: قد عرفتُ أنه ذاهب، ثم إنه معجل فتحت الثانية لأن "عرفت" قد عمل فيها، وتقول قد عرفتُ أنه منطلق ثم إنني أخبرتك أنه معجل، لأنك ابتدأت "بأني". وإن جئت بها بعد واو الوقت كسرت، كما أخبرتك وتقع بعد "لو" مفتوحة فتقول: لو أنك في الدار لجئتك.
قال سيبويه: "فأن" مبنية على "لو" كما كانت مبنية على "لولا" تقول:
_________________
(١) ١ أي: لأنك تريد الخبر. ٢ في الأصل "لما". وانظر الكتاب ١/ ٤٦٣. ٣ انظر الكتاب ١/ ٤٦٤. ٤ المؤمنون: ٥٢. قال شعيب: الآية في الأصل: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ وكذلك جاءت في نسختين خطيتين من أصول سيبويه كما ذكر عبد السلام هارون، والصواب: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ كما أثبتنا، وهي الآية ٥٢ من سورة المؤمنين، فإنها هي التي اختلف فيها القراء فبعضهم قرأ بكسر همزة إن وبعضهم قرأ بفتحها بخلاف الآية في سورة الأنبياء "٩٢" فإنهم اتفقوا على قراءتها بكسر الهمزة. وفي البحر المحيط ٦/ ٤٠٨-٤٠٩: قرأ الكوفيون بكسر الهمزة والتشديد على الاستئناف والحرميان وأبو عمرو بالفتح والتشديد، أي: ولأن وابن عامر بالفتح والتخفيف. وانظر النشر ٢/ ٣٢٧، والإتحاف/ ٣١٩. ٥ انظر الكتاب ١/ ٤٦٤، وفي المقتضب ٢/ ٢٤٧: وزعم قوم من النحويين: أن موضع إن خفض في هذه الآية وما أشبهها. وأن اللام مضمرة وليس هذا بشيء. ٦ هود: ٢٥، قال شعيب: قرأ ابن كثير وأبو عمرو، والكسائي: "أنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ" بفتح الألف، وقرأ الباقون بالكسر، "حجة القراءات" ص٣٣٧.
[ ١ / ٢٦٧ ]
لولا أني منطلق لفعلت، "فأن" مبنية على "لولا" كما تبنى عليها الأسماء، وقال في لو: كأنك قلت: لو ذاك، وهذا تمثيل، وإن كانوا لا يبنون على "لو"، غير أن كما كان "تسلم" في قولك بذي تسلم في١ / ٣٠٣ موضع اسم.
قال أبو العباس -﵀: إن "لو" إنما تجيء على هيئة الجزاء، فإذا قلت: لو أكرمتني لزرتك فلا بد من الجواب، لأن معناها: إن الزيارة امتنعت لامتناع الكرامة فلا بد من الجواب، لأنه علة الامتناع٢ و"إن" المكسورة لا يجوز أن تقع هنا كما لا يجوز أن تقع بعد حروف الجزاء، لأنها إنما أشبهت الفعل في اللفظ والعمل لا في المعنى و"أن" المفتوحة مع صلتها مصدر في الحقيقة فوقوعها على ضربين: أحدهما أن المصدر يدل على فعله فيجري منه ويعمل عمله فقد صح معناها في هذا الوجه. فإن قال قائل إذا قلت: لو أنك جئتني لأكرمتك فلِمَ لا تقول: لو مجيئك لأكرمتك، قيل له: لأن الفعل الذي قد لفظت به من صلة "أن" والمصدر ليس كذلك، ألا ترى أنك تقول: ظننت أنك منطلق فتعديه إلى "أن" وهي وصلتها اسم واحد؛ لأنه قد صار لها اسم وخبر فدلت بهما على المفعولين. وغيرهما من الأسماء/ ٣٠٤ لا بد معه من مفعول ثان. والوجه الآخر أن الأسماء تقع بعد "لو" على تقديم الفعل الذي بعدها، فقد وليتها على حال وإن كان ذلك من أجل ما بعدها، فلذلك وليتها "أن"، لأنها اسم وامتنعت المكسورة، لأنها حرف جاء لمعنى التوكيد، والحروف لا تلي "لو" فمما وليها من الأسماء قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ ٣. وقال جرير:
لَوْ غَيْرُكُم عَلقَ الزُّبيرُ بِحبْلِه أدى الجِوَارَ إلى بني العَوَّامِ٤
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٤٦٢. ٢ انظر المقتضب ٣/ ٧٦. ٣ الإسراء: ١٠٠ وتكملة الآية: ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ . ٤ الشاهد فيه: أن "لو" لا يليها إلا الفعل ظاهرا، وأما إن وليها مضمر فذلك خاص بالشعر كالبيت، والأصل: لو علق بغيركم فالنصب بفعل مضمر يفسره ما بعده، لأنه لفعل. وكذلك كل شيء للفعل. نحو: الاستفهام والأمر والنهي. والخطاب في البيت للفرزدق وقومه، يعيرهم بقتل ابن جرموز للزبير في جوارهم. قال المبرد: "فغيركم" يختار فيها النصب، لأن سببها في موضع نصب. وانظر المقتضب ٣/ ٧٨، والكامل/ ١٨٥، والكافية للرضي ٢/ ٣٢٥، والمغني ١/ ٢٩٦، والديوان ٥٥٣.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وفي المثل: لو ذات سوارٍ لطمتني١.. وكذلك: لو أنك جئت، أي: لو وقع مجيئك، لأن المعنى عليه، قال سيبويه: سألته -يعني الخليل- عن قول العرب: ما رأيته مذ أنّ الله خلقني. فقال: إن في موضع اسم كأنك قلت: مذ ذاك٢، فإن كان الفعل أو غيره يصل باللام جاز تقديمه وتأخيره، لأنه ليس هو الذي عمل فيه في المعنى وذلك نحو قوله/ ٣٠٥ تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٣ أي: ولأن المساجد، وإنما جاز ذلك لأن اللام مقدرة قبل "أن" وهي العاملة في "أن" لا الفعل، وكل موضع تقع فيه "أن" تقع فيه "إنما" وما ابتدئ بعدها صلة لها كما أن ما ابتدئ بعد الذي صلة له ولا تكون هي عاملة فيما بعدها، كما لا يكون الذي عاملًا فيما بعده، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ
_________________
(١) ١ معناه: لو ظلمني من كان كفؤا لها عليّ، ولكن ظلمني من هو دوني، وقيل: أراد: لو لطمتني حرة فجعل السوار علامة للحرة، ولأن العرب قلما تلبس الإماء السوار. وفي حاشية الأمير على المغني ١/ ٢١٢. أصله لحاتم الطائي أسر في حي من العرب، فقالت له امرأة رب المنزل: أقصد ناقة، وكان من عادة العرب أكل دم الفصاد في المجاعة فنحرها، وقال: هذا فصدي. فطلمته جارية فقال ذلك وانظر مقدمة ديوان حاتم/ ٢٦، ومجمع الأمثال ٢/ ١٧٤، قال المبرد والصحيح من روايتهم: لو غير ذات سوار لطمتني، وفيه خبر لحاتم، وانظر المقتضب ٣/ ٧٧، وفي الكامل/ ١٨٥: لو ذات سوار لطمتني كرواية ابن السراج. ٢ أجاز الأخفش الكسر ومنعه بعضهم، لأن الجملة بعدها بتأويل مصدر. أما سيبويه وابن السراج فقد جوزا الفتح ساكتين عن إجازته وامتناعه، ولم يقل أحد بتعيين الكسر وامتناع الفتح. وانظر الكتاب ١/ ٤٦٢، وشرح السيرافي ٣/ ١٣٨ ورقة. ٣ الجن: ١٨، وانظر الكتاب ١/ ٤٦٤.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وَاحِدٌ﴾ ١، فلو قلت: يوحي إليّ أن إلهكم إله واحد، كان حسنًا، فأما إنما مكسورة فلا تكون اسمًا وإنما هي -فيما زعم الخليل: بمنزلة فعل ملغى، مثل: أشهد لزيد خير منك٢. والموضع الذي لا يجوز أن يكون فيه "أن" لا تكون "إنما" إلا مبتدأة مكسورة مثل قولك: وجدتك إنما أنت صاحب كل خنيّ لأنك لو قلت: وجدتك أنك صاحب كل خنيِّ لم يجز.
"وإنما وأن" يُصيّران الكلام: شأنًا وقصةً وحديثًا، ولا يكون الحديث الرجل/ ٣٠٦ ولا زيدًا ولا ما أشبه ذلك من الأسماء. ويجوز أن تبدل مما قبلها إذا كان ما قبلها حديثًا وقصةً، تقول: بلغتني قصتك أنك فاعل، وقد بلغني الحديث أنهم منطلقون فقولك: "أنهم منطلقون" هو الحديث. وقد تبدل من شيء ليس هو الحديث ولا القصة لاشتمال المعنى عليه نحو قوله ﷿: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ ٣. "فأن" مبدلة من إحدى الطائفتين موضوعة في مكانها، كأنك قلت: وإذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم، وهذا يَتَّضِح إذا ذكرنا البدل في موضعه إن شاء الله.
_________________
(١) ١ الأنبياء: ١٠٨. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤٦٦. ٣ الأنفال: ٧.
[ ١ / ٢٧٠ ]
ذكر المواضع التي تقع فيها إن وأن: المفتوحة والمكسورة والتأويل والمعنى مختلف.
تقول: إمّا أنه ذاهب وإمّا أنه منطلق. فتفتح وتكسر، قال سيبويه: وسألت الخليل عن ذاك فقال: إذا فتحت فإنك تجعله كقولك: حقا أنه منطلق، وإذا كسرت فكأنه قال: إلا/ ٣٠٧ أنه ذاهب. وتقول: أمَا والله إنه ذاهب، كأنك قلت: قد علمت والله إنه ذاهب. وأمَا والله أنه ذاهب، كقولك: إلا أنه والله ذاهب. قال: وسألته عن قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ
[ ١ / ٢٧٠ ]
أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١، ما يمنعه أن يكون كقولك: ما يدريك أنه يفعل، فقال: لا يحسن ذا في هذا الموضع، إنما قال: وما يشعركم، ثم ابتدأ فأوجب، فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون قال: ولو كان: "وما يشعركم أنها" كان ذلك عذرًا لهم، وأهل المدينة يقرءون: أنَّها، فقال الخليل: هي بمنزلة قول العرب: إئت السوق أنك تشتري لنا شيئًا، أي: لعلك. فكأنه قال: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. وتقول: إن لك هذا على وأنك لا تؤذي، فكأنه قال: وإن لك أنك لا تؤذي، وإن شاء ابتدأ٢. وقد قرئ هذا الحرف على وجهين: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ٣. وتقول: / ٣٠٨ إذا أردت أن تخبر ما يعني المتكلم، أي: إني نَجْدٌ إذا ابتدأت، كما تقول: أنا نَجْدٌ وإذا شئت قلت، أي: أني نَجْدٌ. كأنك قلت: أي: لأني نَجْدٌ. وتقول: ذاك وإن لك عندي ما أحببت٤، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ ٥. كأنه قال: يعني الأمر ذلك، وإن لك. قال سيبويه: ولو جاءت مبتدأة لجاز.
قال: وسألت الخليل عن قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ٦. فقال: إنما هو على حذف اللام قال: ولو قرأها قارئ:
_________________
(١) ١ الأنعام: ١٠٩، وانظر الكتاب ١٠٠/ ٤٦٢. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤٦٢-٤٦٣. ٣ طه: ١١٨-١١٩ في سيبويه ١/ ٤٦٣. وقد قرئ هذا الحرف على وجهين: قال بعضهم: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا﴾ وقال بعضهم: ﴿وإِنَّكَ﴾ . القراءتان بفتح همزة "إنك" وكسرها سبعيتان، الفتح بالعطف على: "ألا تجوع" والكسر بالعطف على جملة أن الأولى أو على الاستئناف. انظر النشر ٢/ ٣٢٢، الكشاف ٢/ ٤٤٩، البحر المحيط ٦/ ٢٨٤. ٤ انظر الكتاب ١/ ٤٦٣. ٥ الأنفال: ١٤. ٦ المؤمنون: ٥٢، فاعبدون والصواب ما أثبتناه، انظر ص٣٢٤ ق٤ والآية من سورة المؤمنين "٥٢".
[ ١ / ٢٧١ ]
"وإِنَّ" كان جيدًا١. وتقول: لبيك إنَّ الحمد والنعمة لك، وإن شئت قلت: أنَّ الحمد، قال ابن الأطنابة:
أَبْلِغِ الحارِثَ بنَ ظَالم المو عِدِ والناذرَ النذورِ عليّا
إنما تَقْتُلُ النِّيامَ ولا تقتُل يقظانَ ذا سلاحٍ كميا٢
وإن شئتَ قلت: إنما تقتل النيامَ على الابتداء زعم ذلك٣ الخليل.
وقال الخليل٤ / ٣٠٩: في قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ ٥، قال: ولو قال: فإن كانت عربية جيدة٦. وتقول: أول ما أقول أني أحمد الله، كأنك قلت: أول ما أقول الحمدُ لله. و"إن" في موضعه فإن أردت أن تحكي قلت: أول ما أقول: إني أحمد الله، وتقول: مررت فإذا إنه عبد، وإذا أنه عبد، تريد: مررت فإذا العبودية به واللؤم،
_________________
(١) ١ قرأ الكوفيون بكسر الهمزة والتشديد على الاستئناف. انظر البحر المحيط ٦/ ٤٠٩. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٤٦٥-٤٦٦ على فتح همزة "إن" حملا على "أبلغ" وجريها مجرى "أن" لأن ما فيها صلة فلا تغيرها عن جواز الفتح والكسر. يقول هذا للحارث بن ظالم المري، وكان قد توعده بالقتل ونذر دمه إن ظفر به، وإنما قال: تقتل النيام لأنه قتل خالد بن جعفر بن كلاب غيلة وهو نائم في قبته، ولما سمع الحارث هذا أقبل في سلاحه واستصرخ عمرو بن الأطنابة، فلما بعد عن الحي قال له: ألست يقظان ذا سلاح، قال: أجل، قال: فإني الحارث بن ظالم فاستخذي له، ومنّ عليه الحارث بن ظالم وخلى سبيله. والكمي: الشجاع. وانظر شرح السيرافي ٤/ ٢٣، والاشتقاق ٢/ ٤٥٣، والمفصل للزمخشري/ ٤٦٥، وابن يعيش ٨/ ٥٦. ٣ أضفت كلمة "ذلك" لأن المعنى يقتضيها. ٤ انظر الكتاب ١/ ٤٦٦. ٥ التوبة: ٦٣. والقراءة بكسر الهمزة من "فأن" من الشواذ، انظر البحر ٥/ ٦٥، وانظر الكتاب ١/ ٤٦٧. ٦ انظر: الكتاب ١/ ٤٦٧. والكسر على جعلها مبتدأة بعد الفاء، لأن ما بعد فاء المجازاة ابتداء.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وقد عرفت أمورك حتى إنك أحمق، كأنه قال: حتى حمقكم، وهذا قول الخليل١.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٤٧٣.
[ ١ / ٢٧٣ ]
مسائل في فتح ألف "أن" وكسرها:
تقول: قد علمت أنك إذا فعلت ذاك أنك سوف تغبط، ويجوز أن تكسر، تريد معنى الفاء وتقول: أحقا أنك ذاهب والحق أنك ذاهب، وأكبر١ ظنك أنك ذاهب، وأجهد رأيك أنك ذاهب، وكذلك هما إذا كانا خبرًا غير استفهام، حملوه على: أفي حق أنك ذاهب، قال العبدي٢ / ٣١٠:
أَحَقًَّا أن جِيرَتَنا استَقَلُّوا فنِيَّتُنا ونِيَّتُهُم فَرِيقٌ٣
قال: فريق ولم يقل فريقان، كما يقال للجماعة: هم صديق. وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ٤ ولم يقل: قعيدان، والرفع في
_________________
(١) ١ في الكتاب ١/ ٤٦٨: وكذلك: أأكبر ظنك. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٤٦٨. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ٤٦٨، على أن "حقا" منصوب على الظرفية ولذا تفتح بعدها همزة "إن". ويروى: ألم تر أن جيرتنا.. ولا شاهد فيه حينئذ. والمعنى: أحقا أنهم ارتحلوا، فإن وجهتنا ووجهتهم مفترقان. ومعنى استقلوا: نهضوا مرتفعين مرتحلين، والنية: الجهة التي ينوونها، والفريق: يقع للواحد والمذكر وغيره: كصديق، والبيت نسبه المصنف للعبدي، وقد نسب إلى المفضل السكري من عبد القيس واسمه عياض بن معشر بن سمي. وانظر: المغني ١/ ٥٦، تحقيق د. مازن المبارك، والهمع ٢/ ٧١، والتصريح ١/ ٢٢١، والأشموني ١/ ٤٨٤، وابن سلام/ ٢٣٣، والدرر اللوامع ٢/ ٨٧، والعيني ٢/ ٢٣٥، ونسبه إلى رجل من عبد القيس. ٤ سورة ق: ١٧.
[ ١ / ٢٧٣ ]
جميع هذا قويّ، إن شئت قلت: أحق أنك ذاهب، وأكبر ظني أنك ذاهب، تجعل الآخر هو الأول.
قال أبو العباس: سألت أبا عثمان١ لِمَ لا تقول: يوم الجمعة أنك منطلق قال: هذا يجيزه قوم -وهم قليل- على التقديم والتأخير، يجيزون: أنك منطلق يوم الجمعة، وإنما كان الوجه: يوم الجمعة أنك منطلق لأنهم يريدون: في يوم الجمعة انطلاقك قلت: فلِمَ أجازوا: أما يوم الجمعة فإنك منطلق قال: لأن ما بعد الفاء مبتدأ ونصب "يومَ الجمعة" بالمعنى الذي أحدثته أما كأنه قال: مهما يكن من شيء يوم الجمعة فإنك منطلق وهو نحو قولك: زيد في الدار "اليوم" نصبت اليوم بمعنى الاستقرار في قولك: في الدار، قلت: أتجيز كيف إنك صانع على قولك: كيف أنت صانع؟ قال: من أجازه/ ٣١١ في يوم الجمعة أجازه ههنا.
قال أبو العباس: لا يجوز هذا في "كيف" لأن كيف لا ناصب لها قال: قال أبو عثمان: قرأ سعيد بن جبير: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ ٢، ففتح إن وجعل اللام زائدة، كما زيدت في قوله: أُم الحُلَيسِ لعجوزٌ شهربهْ٣
_________________
(١) ١ هو أبو عثمان بكر بن عثمان المازني أستاذ المبرد، عالما بالنحو متسعا في الرواية. مات سنة: ٢٤٩هـ، وقيل: سنة "٢٣٦هـ" ترجمته في أخبار النحويين/ ٥٧، وفهرست ابن النديم/ ٦٧، وتاريخ بغداد ٧/ ٩٣، ووفيات الأعيان ١/ ٢٥٤، وطبقات النحويين للزبيدي/ ٩٢، ونزهة الألباء/ ١٢٤، ومعجم الأدباء ٧/ ١٠٧، وإنباه الرواة ١/ ٢٤٦. ٢ الفرقان: ٢٠ وانظر الخزانة ٤/ ٣٢٨، وقال ابن السراج في الأصول: قال أبو عثمان: وقرأ سعيد ابن جبير: ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ فتح "إن" وجعل اللام زائدة كما زيدت في قوله: أم الحليس لعجوز شهربه. ٣ الشاهد فيه زيادة اللام في "لعجوز" على توهم "إن" لكثرة دخولها على المبتدأ. والحليس: بضم الحاء وفتح اللام -وهو تصغير "حلس" بكسر الحاء وسكون اللام- وهو كساء رقيق يوضع تحت البرذعة، وأصل هذه كنية الأتان، شهربه: العجوز لكبير الطاعنة في السن وأراد من رضاها بعظم الرقبة بدل اللحم أنها خرفت فهي لا تميز بين الحسن والقبيح، وذلك لأن لحم الرقبة مرذول مستقذر عندهم. ونسب هذا الشاهد لرؤبة بن العجاج، وانظر الاشتقاق/ ٥٤٤، ابن يعيش ٣/ ١٣٠، واللسان ١/ ٤٩٢، مادة "حلس".
[ ١ / ٢٧٤ ]
وتقول: قد علمت أن زيدًا لينطلقن، فتفتح لأن هذه لام القسم وليست لام "إن" التي في قولك: قد علمت إن زيدًا ليقوم لأن هذه لام الابتداء، والأولى لام اليمين فليست من "إن" في شيء.
قال أبو عثمان: في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ١ إن "مِثْلَ" و"ما" جُعِلا اسمًا واحدًا مثل: خمسة عشر وإن كانت ما زائدة، وأنشد:
وتَدَاعى مَنخرَاهُ بِدَم مثلَ ما أثمرَ حُماضُ الجبَل٢
قال سيبويه والنحويون يقولون: إنما بناه -يعني مثل- لأنه أضافه إلى غير متمكن وهو قوله: إنكم وإن شاء أعربَ "مثلًا" لأنها كانت معربة قبل الإِضافة فترفع فتقول: مثل ما أنكم كما تقول في "يومئذ" من النباء والإِعراب/ ٣١٢ فتعربه كما كان قبل الإِضافة ويبينه. لما أضافه إليه من أجل أنه غير متمكن وأن الأول كان مبهمًا. فإنما حصر بالثاني. وكذلك:
_________________
(١) ١ الذاريات: ٢٣. قرأ حمزة والكسائي "مثل" بالرفع على الصفة "لحق" والباقون على النصب. انظر ابن يعيش ٨/ ١٣٥، والكتاب ١/ ٢٧٠. ٢ لم أعثر على قائل هذا البيت، قال ابن يعيش: أنشد أبو عثمان البيت: وتداعى منخراه قال: أبو عثمان: سيبويه والنحويون يقولون: إنما بني "مثل" لأنه أضيف إلى غير معرب، وهو: أنكم. وقال أبو عمر الجرمي: هو حال من النكرة وهو "حق" والمذهب الأول وهو رأي سيبويه، وما ذهب إليه الجرمي صحيح، إلا أنه لا ينفك من ضعف لأن الحال من النكرة ضعيف، وفي اللسان: وأنشد ابن بري: فتداعى منخراه والحماض: بقلة برية تنبت أيام الربيع في مسائل الماء ولها ثمرة حمراء وهي من ذكور البقول. وانظر ابن يعيش ٨/ ١٣٥، واللسان "حمض" وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٦٦.
[ ١ / ٢٧٥ ]
عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبا١
وكذلك:
لم يَمْنَعِ الشّربَ منها غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ حَمَامَةٌ في غُصُونٍ ذَاتِ أَوْقَالِ٢
وكل المبهمات كذلك، ولا يدخل في هذا: ضربني غلام خمسة عشر رجلًا لأن الغلام مخصوص معلوم غير مبهم بمنزلة وحين ونحو ذلك، وأبو عمرو يختار أن يكون نصب: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ على أنه حال للنكرة "لحقٌ" ولا اختلاف في جوازه على ما قال. وتقول: إن زيدًا إنه منطلق،
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ٢٦٩. على إضافة "حين" إلى الفعل وبناؤها معه على الفتح، وإعرابها على الأصل جائز. وهذا صدر بيت للنابغة الذبياني، وعجزه: وقلت ألما أصح والشيب وازع والوازع: الناهي. وأوقع الفعل على المشيب اتساعا. وصف أنه بكى على الديار في حين مشيبه ومعاتبته لنفسه على صباه وطربه. وانظر معاني القرآن ١/ ٣٢٧، والكامل/ ١٠٥، وشرح السيرافي ١/ ٤٨، والجمهرة ٣/ ٤٩٢، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٦٤، والارتشاف/ ٢٧٨، وابن يعيش ٨/ ١٣٦، والديوان ١١٠. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٦٩ على بناء "غير" على الفتح لإضافتها إلى غير متمكن وإن كانت في موضع رفع وذلك إن "أن" حرف توصل بالفعل، وإنما تأولت اسما مع ما بعدها من صلتها لأنها دلت على المصدر ونابت منابه في المعنى، فلما أضفت "غير" إليها مع لزومها للإضافة بنيت معها، وإعرابها على الأصل جائز. والأوقال: الأعالي، ومنه التوقل في الجبل وهو الصعود فيه. والمعنى: لم يمنع الناقة من الشرب إلا سماعها صوت حمامة على أغصان ذات ثمرات. والبيت لرجل من كنانة، وقيل: لأبي قيس بن الأسلت -صفي بن عامر- وينسب للشماخ معقل بن ضرار وليس موجودا في ديوانه. وانظر معاني القرآن ١/ ٣٨٣، وشرح السيرافي ٣/ ١١٦، والمفصل للزمخشري/ ١٢٥، وأمالي الشجري ١/ ٤٦، والارتشاف/ ٢٢٨، والإنصاف/ ١٣٠، وابن يعيش ٨/ ١٣٤، والمغني ١/ ١٧١، والعيني ١/ ٢٣٣.
[ ١ / ٢٧٦ ]
كأنك قلت: إن زيدًا هو منطلق. والمكسورة والمفتوحة مجازهما واحد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١، وقال عبد الله بن وهب الفزاري الأسدي جاهلي/ ٣١٣:
زَعَمَتْ هُنَيْدَةُ أنها صَرَمَتْ حَبْلي وَوَصْلُ الغَانِيَاتِ غُرُورُ
إني وحالِك إنَّني لمشيّعٌ صُلْبُ القَناةِ بصرحكن جَدَير
قال سيبويه٢: وسألته -يعني الخليل- عن شد ما أنك ذاهب بمنزلة: حقا أنك ذاهب؟ فقال: هذا بمنزلة حقا إنك ذاهب كما تقول: أما إنك ذاهب بمنزلة: حقا إنك وكما كانت "لو" بمنزلة "لولا" ولا يبدأ بعدها من الأسماء سوى "إن" نحو: لو أنك ذاهب ولولا يبتدأ بعدها الأسماء ولو بمنزلة "لولا" وإن لم يجز فيها ما يجوز فيها، وإن شئت جعلت: شد ما كنِعْمَ ما كأنك قلت: نعم العملُ أنك تقول الحق قال: وسألته عن قوله. كما أنَّه لا يعلم ذلك فتجاوزَ الله عنه، وذلك حق كما أنك ههنا فزعم أنَّ العاملة في "أنَّ" الكاف وما لغوٌ، إلا أن "ما" لا تحذف من ههنا٣ كراهية أن يجيء لفظها مثل لفظ "كأن" التي للتشبيه كما ألزموا النون "لأفعلن" واللام في قولهم: إن كان ليفعل: كراهية أن يلتبس اللفظان، ويدلك٤ على/ ٣١٤ أن الكاف هي٥ العاملة قولهم: هذا حق مثل ما أنك هنا ففتحوا "أن" وبعض العرب يرفع "مثل" حدثنا به يونس٦ فما أيضًا لَغْو لأنك تقول:
_________________
(١) ١ النحل: ١١٩. ٢ لم أعثر لهما على مرجع نحوي أو لغوي. ٣ انظر الكتاب ١/ ٤٧٠. ٤ انظر الكتاب ١/ ٤٧٠. ٥ أضفت كلمة "هي". ٦ انظر الكتاب ١/ ٤٧٠.
[ ١ / ٢٧٧ ]
مثل ما أنك ههنا، ولو جاءت "ما" مسقطة من الكاف في الشعر جاز. قال النابغة الجعدي:
قُرُومٌ تَسَامَى عِنْدَ بَابِ دِفَاعِه كَأَنْ يُؤْخَذَ المرءُ الكريمُ فيقتلا١
يريد: كما أنه يؤخذ المرء قال أبو عثمان: أنا لا أنشده إلا "كأن" يؤخذ المرء. فأَنصُب يؤخذ لأنها "أن" التي تنصب الأفعال دخلت عليها كاف التشبيه ألا ترى أنه نسق عليه "يقتل" فنصبه لذلك.
قال سيبويه: سألته -يعني الخليل- هل يجوز: إنه لحق كما أنك ههنا على حد قولك: كما أنت ههنا؟ فقال: لا، لأن أن لا يبتدأ بها في كل موضع، ألا ترى أنك لا تقول: يوم الجمعة أنك ذاهب ولا: كيف أنك صانع "فكما" بتلك المنزلة٢ قال: وسألتُ الخليل عن قوله: أحقا أنه لذاهب فقال: لا يجوز كما لا يجوز يوم الجمعة أنه لذاهب٣ / ٣١٥. وقال: يجوز في الشعر: أشهد أَنهُ ذاهب، يشبهه بقوله والله أنه ذاهب٤، لأن معناه معنى اليمين كما أنه إذا قال: أشهد أَنتَ ذاهب ولم يذكر اللام لم يكن إلا ابتداء وهو قبيح ضعيف إلا باللام، ومثل ذلك في الضعف: علمت أن
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب جـ١/ ٤٧٠، حذف "ما" ضرورة من قوله "كأن" يؤخذ، والتقدير عنده كما أنه يؤخذ. وقد خولف في هذا التقدير، وجعلت أن الناصبة للفعل، ونصب يؤخذ بعدها، واستدل صاحب هذا القول على ذلك بقوله. فيقتلا بالنصب، وجعلت الكاف جارة لأن على تقدير: دفاعه كأخذ المرء وقتله، قال الأعلم وكلا القولين منهما خارج. والآخر منهما أقرب وأسهل. القروم: السادة وأصل القرم الفحل من الإبل. ومعنى. تسامى، يفخر بعضهم على بعض ويسمو بنسبه وعشيرته. وانظر: الأشباه والنظائر ٢/ ٣٠٠ والرواية "قروم تسامى عند باب رفاعة". ٢ الكتاب ١/ ٤٧٢. ٣ الكتاب ١/ ٤٧٤. ٤ في الكتاب ١/ ٤٧٤ وقد يجوز في الشعر: أشهد أن زيدا ذاهب، يشبهها بقوله: والله أنه لذاهب "أدخل اللام على ذاهب".
[ ١ / ٢٧٨ ]
زيدًا ذاهب، كما أنه ضعيف: قد علمت عمرو خير منك، ولكنه على إرادة اللام، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ١ وهو على اليمين، وكان في هذا حسن حين طال الكلام، يعني أن التأويل: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ٢، لقد أفلح.
قال أبو العباس -﵀: والبغداديون يقولون: والله إن زيدًا منطلق، فيفتحون "إن" وهو عندي القياس لأنه قسم فكأنه قال: أحلف بالله على ذاك، أشهد أنك منطلق. قال: والقول عندي في قوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ ٣ -والله أعلم- أن "لا" زائدة للتوكيد، وجرم فعل ماض فكأنه قال -والله أعلم: جرم أن لهم النار وزيادة "لا" في/ ٣١٦ هذا الموضع كزيادتها في قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ ٤ وإنما تقول: لا يستوي عبد الله وزيد، وكقوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ٥ ونحوه من الفواتح.
_________________
(١) ١ الشمس: ٩، في إعراب ثلاثين سورة/ ١٠٠، وقد أفلح، ههنا لام مضمرة هي جواب القسم. والأصل: لقد أفلح. وانظر التبيان لابن القيم/ ١٨. ٢ الشمس: ١. ٣ النحل: ٦٢، في سيبويه جـ١/ ٤٦٩، وأما قوله ﷿: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾، فإن جرم عملت فيها لأنها فعل ومعناها: لقد حق عليهم أن لهم النار، لقد استحق أن لهم النار. وقول المفسرين: معناها: حقا أن لهم النار يدلك على أنها بمنزلة هذا الفعل إذا مثلت. فجرم قد عملت في أن سيبويه وابن السراج على أن فتح همزة أن واجب بعد "لا جرم" وهو ما جاء في القرآن الكريم في الآيات الخمس في القراءات السبعية وغيرها يجيز كسر الهمزة بعد "لا جرم" وقد قرئ في الشواذ بالكسر في قوله: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون: شواذ ابن خالويه/ ٧٢، البحر المحيط جـ٥/ ٤٨٤، ٥٠٦. ٤ فصلت: ٣٤. ٥ البلد: ١.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وتقول: أما جهد رأيي فإنك راحل، وأما يوم الجمعة فإنك سائر، لأن معنى "أما" مهما يكن١ من شيء فإنك سائر يوم الجمعة، فما بعد الفاء يقع مبتدأ، ألا ترى أنك تقول: أما زيدًا فضربت، على التقديم، لأن المعنى: مهما يكن من٢ شيء فزيدًا ضربت. وفضربت.
قال أبو العباس: فيلزم سيبويه أن يقول على هذا: أما زيدًا فإنك ضارب٣.
قال سيبويه وإذا قلت: أما حقا فإنك قائم وأما أكبر ظني فإنك منطلق فعلى الفعل لا على الظرف، لأنك لم تضطر إلى أن تجعلها ظرفًا إذا كانت "أما" إنما وضعت على التقديم لما بعد الفاء فصار التقدير: مهما يكن من شيء فإنك ذاهب حقا٤، وفيما قال نظر/ ٣١٧ وشغب: ولا يجوز عندي على هذا أن يقول: أما هندًا فإن عمرًا ضارب لأن تقدير الاسم الذي يلي "أما" أن يلي الفاء ملاصقًا لهما. فما جاز أن يلاصق الفاء جاز أن يلي "أما" وما لم يجز أن يلاصقها لم يجز أن يلي "أما" فلا يجوز أن تقول: مهما يكن من شيء فإن هندًا عمرًا ضارب فتنصب هندًا بضارب ويجوز أن تقول: مهما يكن من شيء فإن أكبر ظني عمرًا ذاهب فيكون: أكبر ظني ظرفًا "لذاهب" وهذا إنما أجازه مع إما لأنهم وضعوها في أول أحوالها على التقديم والتأخير صار حكمها حكم ما لا تأخير فيه ولو كان موضع يجوز أن يقدم فيه ولا يقدم لم يجز أن يعمل ما بعد "أن" في ما قبلها وعلى ذلك ففيه نظر كثير والأقيس في قولك: أما حقا فإنك قائم: أن تعمل معنى "أما" في "حقا" كأنك قلت: مهما يكن من شيء حقا فإنك قائم وأحسبه قول/ ٣١٨ المازني.
_________________
(١) ١ في الأصل "في". ٢ في الأصل "في". ٣ انظر: المقتضب ٢/ ٣٥٤-٣٥٥. ٤ انظر: الكتاب ١/ ٤٦٨-٤٦٩.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وتقول: أيقول: إنَّ عمرًا منطلق، إذا أردت معنى: أتظن، كأنك قلت: أتظن أن عمرًا منطلق، فإن أردت الحكاية قلت: أتقول: إنَّ، وتقول: ظننت زيدًا أنه منطلق، لأن المعنى: ظننت زيدًا هو منطلق ولا يجوز فيه الفتح؛ لأنه يصير معناه: ظننت زيدًا الانطلاق ولو قلت: ظننت أمرك أنك منطلق جاز كأنك قلت: ظننت أمرك الانطلاق، والأخفش يقول: إذا حسن في موضع "إن" وما عملت فيه "ذاك" فافتحها نحو قولك: بلغني أنه ظريف لأنك تقول: بلغني ذاك قال: وما لم يحسن فيه "ذاك" فاكسرها قال: وتقول: أما أنه منطلق؛ لأنه لا يحسن ههنا أما ذاك، ثم أجازه بعد على معنى: حقا أنه منطلق وقال: لأن أما في المعنى: "حقا"، لأنها تأكيد فكأنه ذكر حقا فجعلها ظرفًا قال: وقد قال ناس: حقا إنك ذاهب على قولهم: إنك/ ٣١٩ منطلق حقا فتنصب "حقا" على المصدر كأنه قال: أحِقُّ ذاك حقا قال: وهذا قبيح وهو من كلام العرب.
[ ١ / ٢٨١ ]
ذكر ما يكون المنصوب فيه في اللفظ غير المرفوع والمنصوب بعض المرفوع وهو المستثنى
مدخل
ذكر ما يكون المنصوب فيه في اللفظ غير المرفوع، والمنصوب بعض المرفوع وهو المستثنى:
المستثنى يشبه المفعول إذا أتي به بعد استغناء الفعل بالفاعل، وبعد تمام الكلام. تقول: جاءني القوم إلا زيدًا، فجاءني القوم: كلام تام وهو فعل وفاعل فلو جاز أن تذكر "زيدًا" بعد هذا الكلام بغير حرف الاستثناء ما كان إلا نصبًا. لكن لا معنى لذلك إلا بتوسط شيء آخر فلما توسطت "إلا" حدت معنى الاستثناء ووصل الفعل إلى ما بعد إلا، فالمستثنى بعض المستثنى منهم ألا ترى أن زيدًا من القوم فهو بعضهم فتقول على ذلك: ضربت القومَ إلا زيدًا ومررت بالقومِ إلا زيدًا فكأنك قلت في جميع ذلك: أستثني زيدًا فكل ما أستثنيه/ ٣٢٠ "بإلا" بعد كلام موجب فهو منصوبٌ وألا تخرج الثاني مما دخل فيه الأول فهي تشبه حرف النفي فإذا قلت: قام القوم إلا زيدًا فالمعنى: قام القوم لا زيد، إلا أن الفرق بين الاستثناء والعطف، أن الاستثناء لا يكون إلا بعضًا من كلّ، والمعطوف يكون غير
[ ١ / ٢٨١ ]
الأول، ويجوز أيضًا في المعطوف أن تعطف على واحد نحو قولك: قام زيد لا عمرو ولا يجوز أن تقول في الاستثناء: قام زيد إلا عمرو١.
لا يكون المستثنى إلا بعضًا من كل وشيئًا من أشياء و"لا" إنما تأتي لتنفي عن الثاني ما وجب للأول، و"إلا" تخرج الثاني مما دخل فيه الأول موجبًا كان أو منفيا، ومعناها الاستثناء والاسم المستثنى منه مع ما تستثنيه منه بمنزلة اسم مضاف ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني قومك إلا قليلًا منهم فهو بمنزلة قولك: جاءني أكثر قومك فكأنه اسم مضاف لا يتم إلا بالإِضافة فإن فرغت الفعل/ ٣٢١ لما بعد إلا عمل فيما بعدها، لأنك إنما تنصب المستثنى إذا كان اسمًا من الأسماء وهو بعضها، فأما إذا فرغت الفعل لما بعد إلا عمل فيما بعد إلا، وزال ما كنت تستثني منه٢، وذلك نحو قولك: ما قام إلا زيد وما قعد إلا بكر فزيد مرتفع بقام وبكر مرتفع بقعد وكذلك: ما ضربت إلا زيدًا وما مررت إلا بعمرو ولما فرغت الفعل لما بعد إلا عمل فيه. فإذا قلت: ما قام أحد إلا زيد فإنما رفعت لأنك قدرت إبدال زيد من "أحد". فكأنك قلت: ما قام إلا زيد وكذلك البدل من المنصوب والمخفوض تقول: ما ضربت إلا أحدًا إلا زيدًا وما مررت بأحد إلا زيد فالمبدل منه بمنزلة ما ليس في الكلام وهذا يبين في باب البدل فإن لم تقدر البدل وجعلت قولك: ما قام أحد كلامًا تاما لا ينوي فيه الإِبدال من "أحد" نصبت فقلت: ما قام أحد إلا زيدًا٣،
_________________
(١) ١ في الأصل "لا". ٢ انظر الكتاب ١/ ٣٦٠.. فأما الوجه الذي يكون فيه الاسم بمنزلته قبل أن تلحق "إلا" فهو أن تدخل الاسم في شيء تنفي عنه ما سواه وذلك قولك: ما أتاني إلا زيد، وما لقيت إلا زيدا. وما مررت إلا بزيد، تجري الاسم مجراه إذا قلت: ما أتاني زيد، وما لقيت زيدا، وما مررت بزيد، ولكنك أدخلت "إلا" لتوجب الأفعال لهذه الأسماء وتنفي ما سواها. ٣ فإن لم تقدر البدل، وجعلت قولك "ما قام أحد" كلاما تاما، لا تنوي فيه الإبدال من "أحد" ثم استثنيت، نصبت فقلت: ما قام أحد إلا زيدا فعلى هذا يكون للزوم النصب بعد النفي شيئان التراخي وعروض الاستثناء. وانظر التذييل والتكميل لأبي حيان ٤/ ٢٤٧.
[ ١ / ٢٨٢ ]
والقياس عندي إذا قال قائل: قام القوم/ ٣٢٢ إلا أباك، فنفيت هذا الكلام، أن تقول: ما قام القوم إلا أباك؛ لأن حق حرف النفي أن ينفي الكلام الموجب بحاله وهيئته، فأما إن كان لم يقصد إلى نفي هذا الكلام الموجب بتمامه وبني كلامه على البدل قال: ما قام القوم إلا أبوك، فإن قدمت المستثنى لم يكن إلا النصب نحو قولك: ما لي إلا أباك صديق، وما فيها إلا زيدًا أحدًا، لأنه قد بطل البدل فلم يتقدم ما يبدل فيه لأن البدل كالنعت، إنما يجري على ما قبله، فإن أوقعت استثناء بعد استثناء قلت: ما قام أحد إلا زيد إلا عمرًا. فتنصب عمرًا، لأنه لا يجوز أن يكون لفعل واحد فاعلان مختلفان يرتفعان به بغير حرف عطف فهذا مما يبصرك أن النصب واجب بعد استغناء الرافع بالمرفوع. ولك أن تقول: ما أتاني أحد إلا زيد إلا عمرًا، وإلا زيدًا إلا عمرو، فتنصب أيهما شئت وترفع الآخر. وتقول: ما أتاني إلا عمرًا إلا بشرًا أحد. فإن استثنيت/ ٣٢٣ بعد الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين نحو: أعطيتُ زيدًا درهمًا قلت: أعطيتُ الناس الدراهم إلا زيدًا ولا يجوز أن تقول: إلا عمرًا الدنانير؛ لأن حرف الاستثناء إنما تستثني به واحدًا، فإن قلت: ما أعطيتُ أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا١ وأردت الاستثناء أيضًا لم يجز فإن أردت البدل جاز فأبدلت عمرًا من أحد ودانقًا من قولك: درهمًا فكأنك قلت: ما أعطيت إلا عمرًا دانقًا.
واعلم: أنهم قد يحذفون المستثنى استخفافًا نحو قولهم: ليس إلا وليس غير كأنه قال: ليس إلا ذاك وليس غير ذلك.
_________________
(١) ١ ذهب ابن السراج في: ما أعطيت أحدا درهما، إلا عمرا دانقا إلى إبدال المرفوع من المرفوع والمنصوب من المنصوب أو هو على أن تجعل أحدهما بدلا، والثاني معمول عامل مضمر، فيكون "إلا زيدا" بدلا من "أحد" وانظر: التذييل والتكميل لأبي حيان ٤/ ٢٤٧.
[ ١ / ٢٨٣ ]
واعلم: أيضًا: أنهم ربما يحملون في هذا الباب الاسم على الموضع وذلك قولهم: ما أتاني من أحد إلا زيد، وما رأيت من أحد إلا زيدًا؛ لأنه يقبح أن تقول: ما أتاني إلا من زيد. فإذا قلت: لا أحد فيها إلا عبد الله فلا بد من إجرائه على الموضع ورفعه؛ لأن أحدًا مبني مع "لا" وسنذكره في بابه إن شاء الله.
ولا يجوز أن يعمل ما بعد "إلا" فيما قبلها، لا يجوز ما أنا زيدًا/ ٣٢٤ إلا ضارب، تريد، ما أنا إلا ضاربٌ زيدًا، وقد جاءت ألفاظ قامت مقام "إلا" وأصل الاستثناء "لا لا" ونحن نفرد لها بابًا إن شاء الله.
ولا يجوز أن تستثني النكرة من النكرات في الموجب، لا تقول: جاءني قوم إلا رجلًا؛ لأن هذا لا فائدة في استثنائه، فإن نَعَتَّه أو خَصَصْتَه جاز، وهذا امتناعه من جهة الفائدة، فمتى وقعت الفائدة جاز.
[ ١ / ٢٨٤ ]
هذا باب ما جاء من الكلم في معنى إلا:
اعلم: أنه قد جاء من الأسماء والأفعال والحروف ما فيه إلا:
أما الأول من ذلك: فما جاء من الأسماء نحو: غير وسوى، وقوم يحكون: سوى وسواء١ ويضمون إليها: بيد، بمعنى: غير، وحكم "غير" إذا أوقعتها موقع إلا أن تعربها بالإِعراب الذي يجب للاسم الواقع بعد إلا، تقول: أتاني القوم غير زيد، لأنك كنت تقول: أتاني القوم إلا زيدًا، وتقول: ما جاءني أحد غير زيد؛ لأنك كنت/ ٣٢٥ تقول: أتاني القوم إلا زيدا. وتقول ما جاءني أحد غير زيد؛ لأنك كنت تقول: ما جاءني أحد إلا زيد، وما رأيت أحدًا غير زيد، كما تقول: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، وما مررت بأحد غير
_________________
(١) ١ في الكتاب ١/ ٣٧٧ وأما أتاني القوم سواك، فزعم الخليل: أن هذا كقولك: أتاني القوم مكانك. وما أتاني أحد مكانك إلا أن في سواك معنى الاستثناء. وقال المبرد ٤/ ٢٤٩ في المقتضب: ومما لا يكون إلا ظرفا، ويقبح أن يكون اسما سوى وسواء ممدودة بمعنى "سوى".
[ ١ / ٢٨٥ ]
الموضع الذي ضارعت فيه إلا، ألا ترى أنك تقول: مررت برجل غيرك، ولا تقع إلا في مكانها، لا يجوز أن تقول: جاءني رجل إلا زيد، تريد غير زيد على الوصف، والاستثناء ههنا محال، ولكن تقول: ما يحسن بالرجل إلا زيد أن يفعل كذا، لأن الرجل: جنس، ومعناها بالرجل الذي هو غير زيد، كما قال لبيد:
إنما يُجزَى الفتى غَيرُ الجَمَل١
وكذلك: مررت بالقوم إلا زيد، كما قال:
أُنيخَتْ فألقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَة قَلِيل بها الأَصْوَات إلا بُغَامُها٢
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٣٧٠ على نعت "الفتى" وهو معرفة "بغير" وإن كانت نكرة، والذي سوغ هذا أن التعريف بالألف واللام يكون للجنس، فلا يخص واحدا بعينه، فهو مقارب للنكرة، وإن غيرا مضافة إلى معرفة فقاربت المعارف لذلك وإن كانت نكرة. والشاهد عجز بيت صدره: وإذا أقرضت قرضا فاجزه وإنما يجزى الفتى ليس الجمل ويروى: وعلى هذه الرواية استشهد البغداديون على أن ليس عاطفة وانظر: المقتضب ٤/ ٤١٠، ومجالس ثعلب/ ٥١٥، والصاحبي/ ١٤١ وشرح السيرافي ٣/ ١١٦، وحماسة البحتري/ ٢٥٢ والأمثال للميداني/ ٢٤، والعيني ٤/ ١٧٦، والديوان/ ١٢ طبعة فيينا. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٣٧٠، على وقوع "إلا" صفة. قال الأعلم: والمعنى: قليل بها الأصوات غير بغامها، أي: الأصوات التي هي غير صوت الناقة. وأصل البغام للظبي فاستعاره للناقة. ويجوز أن يكون البغام بدلا من الأصوات على أن يكون "قليل" بمعنى النفي، فكأنه قال: ليس بها صوت إلا بغامها. ولما كانت "إلا" التي تقع صفة في صورة الحرف الاستثنائي نقل إعرابها الذي تستحقه إلى ما بعدها فرفع "بغامها" إنما هو بطريق النقل من "إلا". وأنختها: أبركتها. والبلدة الأولى الصدر، والثانية: الأرض. أي: بركت فألقت صدرها على الأرض. وبغام الظبية: صوتها، وكذا بغام الناقة صوت لا تفصح به. والبيت لذي الرمة في وصف ناقة بركت بصدرها على الأرض. وانظر المقتضب ٤/ ٤٠٩. وشرح السيرافي ١/ ٧١. والمغني ١/ ٧٥، والمسلسل ١٩٩، واللسان ٤/ ٨١، والديوان ٦٣٨.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وذكر سيبويه قولهم: أتاني القوم سواك، وحكى عن الخليل أن هذا كقولك: أتاني القوم مكانك، إلا أن في سواك معنى١ / ٣٢٨ الاستثناء وسواء تنصب في هذا كله، لأنها تجري مجرى الظروف وتخفض ما بعدها. وأما الثاني: فما جاء من الأفعال في موضع الاستثناء وهي: لا يكون وليس وعدا وخلا فإذا جاءت وفيها معنى الاستثناء ففيها إضمار وذلك قولك: أتاني القوم ليس زيدًا وأتوني لا يكون عمرًا وما أتاني أحد لا يكون زيدًا كأنه قال: ليس بعضهم زيدًا. وترك "بعضًا" استغناءً بعلم المخاطب والخليل يجيز في ليس ولا يكون أن تجعلهما صفتين وذلك قولك: ما أتاني أحد ليس زيدًا وما أتاني رجل لا يكون عمرًا فيدلك على أنه صفة أن بعضهم يقول: ما أتاني امرأة لا تكون فلانة وما أتتني امرأة ليست فلانة٢.
وأما "عدا" و"خلا" فلا يكونان صفة، ولكن فيهما إضمار كما كان في "ليس". ولا "يكون" وذلك قولُك: ما أتاني أحد خلا زيدًا وأتاني القوم عدا عمرًا فإن أدخلت "ما" على عدا وخلا وقلت: / ٣٢٩ أتاني القومُ ما عدا زيدًا، وأني ما خلا زيدًا "فما" هنا اسم وخلا وعدا صلة له، قال: ولا توصل إلا بفعل٣.
قال سيبويه: وإذا قلت: أتوني إلا أن يكون زيد، فالرفع جيد بالغ وهو كثير في كلامهم و"أن يكون" في موضع اسم مستثنى والدليل على أن "أن يكون" هنا ليس فيها معنى الاستثناء أن ليس وخلا وعدا لا يقَعْنَ هنا،
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٧٧. ٢ المصدر السابق ١/ ٣٧٦-٣٧٧. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٣٧٧.
[ ١ / ٢٨٧ ]
ومثل الرفع قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ١، وبعضهم ينصب على وجه النصب في لا يكون٢.
وأما الثالث: فما جاء من الحروف في معنى "إلا" قال سيبويه: من ذلك "حاشا" وذكر أنه حرف يجر ما بعده كما تجرُّ "حتى" ما بعدها وفيه معنى الاستثناء قال: وبعضُ العرب يقول: ما أتاني القوم خلا عبدِ الله فيجعل خلا بمنزلة حاشا، فإذا قلت: ما خلا فليس فيه إلا النصب؛ لأن "ما" اسم ولا يكون صلتها إلا الفعل وهي "ما" التي في قولك: أفعل ما٣ فعلت٤.
وحكى أبو عثمان المازني عن أبي زيد٥: قال: سمعتُ أعرابيا/ ٣٣٠ يقول: اللهم أغفر لي ولمن سَمِعَ حاشا الشيطان وأبا الأصبع، نصب بـ"حاشا"٦.
_________________
(١) ١ النساء: ٣٩، وقراءة رفع "تجارة" ونصبها من السبعة، فعاصم وحده نصب "تجارة". "فكان" ناقصة واسمها ضمير مستتر. أي: المبايعة، والباقون بالرفع. النشر ٢/ ٢٣٧، والبحر المحيط ٢/ ٣٥٣. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٧٧. ٣ "ما" هنا بمعنى الذي. ٤ انظر: الكتاب ١/ ٣٧٧. ٥ أبو زيد: هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري الخزرجي من تلاميذ أبي عمرو بن العلاء، كما كان أيضا من تلاميذ المفضل الكوفي، وله كتاب النوادر في اللغة، توفي سنة "٢١٤هـ" أو "٢١٥هـ"، ترجمته في تاريخ بغداد ٩/ ٧٧، ونزهة الألباء/ ١٧٣، والإرشاد لياقوت ٤/ ١٣٨، وبغية الوعاة/ ٢٥٤، وأخبار النحويين البصريين/ ٤١. ٦ أنكر سيبويه فعلية "حاشا" وقال بحرفيتها خلافا للمبرد الذي يجيز الأمرين في "حاشا" فقد جاء في المقتضب: أما ما كان من ذلك اسما فغير وسوى وسواء. وما كان حرفا سوى إلا فحاشا وخلا، وما كان فعلا فحاشا وخلا، وإن وافقا لفظ الحروف. انظر الكتاب ١/ ٣٥٩، والمقتضب ٤/ ٤٩١.
[ ١ / ٢٨٨ ]
قال أبو العباس: إنما حاشا بمنزلة خلا، ولأن خلا إذا أردت به الفعل إنما معناه جاوزه من قولك: خلا يخلو، وكذلك حاشا يحاشي، وكذلك قولك: أنت أحب الناس إليّ ولا أُحاشي أحداُ، أي: ولا أستثني أحدًا، وتصييرها فعلًا بمنزلة خلا في الاستثناء قول أبي عمر الجرمي، وأنشد قول النابغة:
وَلاَ أَرَى فَاعِلًا في النَّاسِ يُشبِهُهُ ولا أُحَاشِي مِنَ الأَقْوَامِ مِنْ أَحَد١
والبغداديون أيضًا يجيزون النصب والجر بـ"حاشا".
واعلم: أن من الاستثناء ما يكون منقطعًا من الأول، وليس ببعض له وهذا الذي يكون "إلا" فيه بمعنى لكن. ونحن نفرد له بابًا يلي هذا الباب إن شاء الله.
_________________
(١) ١ استشهد بهذا البيت لمذهب الجرمي والمبرد من أن "حاشا" كما تكون حرفا تكون فعلا بدليل تصرفها في مثل هذا البيت. والضمير البارز المتصل في قوله: يشبهه راجع إلى النعمان بن المنذر ممدوح النابغة، والبيت من قصيدة له يمدحه ويعتذر له. وانظر مجالس ثعلب/ ٥٠٤ وشرح السيرافي ٣/ ١٢٩، وابن يعيش ٢/ ٨٥، والمغني ١/ ١٣٠، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٨٥، والإنصاف/ ٢٧٨، والديوان / ٤٢.
[ ١ / ٢٨٩ ]
باب الاستثناء المنقطع من الأول
مدخل
باب الاستثناء المنقطع من الأول:
إلا في تأويل "لكن" إذا كان الاستثناء منقطعًا عند البصريين١. ومعنى سوى عند/ ٣٣١ الكوفيين، والاختيار فيه النصب في كل وجه٢. وربما ارتفع ما قبل إلا، وهي لغة بني تميم، وإنما ضارعت إلا "لكن"، لأن "لكن" للاستدراك بعد النفي، فأنت توجب بها للثاني ما نفيت عن الأول، فمن ههنا تشابها، تقول: ما قام أحدٌ إلا زيد، فزيد قد قام ويفرق بينهما: أنّ لكن لا يجوز أن تدخل بعد واجب، إلا لترك قصة إلى قصة تامة نحو قولك: جاءني عبد الله لكن زيد لم يجئ ولو قلت: مررت بعبد الله لكن عمرو، لم يجز، وليس منهاج الاستثناء المنقطع منهاج الاستثناء الصحيح؛ لأن الاستثناء الصحيح إنما هو أن يقع جمع يوهم أن كل جنسه داخل فيه، ويكون واحد منه أو أكثر من ذلك لم يدخل فيما دخل فيه السائر بمستثنيه منه ليعرف أنه لم
_________________
(١) ١ قال سيبويه: هذا باب ما يكون إلا على معنى "ولكن" فمن ذلك قوله ﷿: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، أي: ولكن من رحم: انظر الكتاب ١/ ٣٦٦. ٢ في الكتاب ١/ ٣٦٣. هذا باب يختار فيه النصب لأن الآخر ليس من نوع الأول، وهي لغة أهل الحجاز وذلك قولك: ما فيها أحد إلا حمارا، جاءوا به على معنى ولكن حمارا وكرهوا أن يبدلوا الآخر من الأول فيصير كأنه من نوعه فحمل على معنى ولكن وعمل فيه ما قبله كعمل العشرين في الدرهم، وأما بنو تميم فيقولون لا أحد فيها إلا حمارا، أرادوا: ليس فيها إلا حمار ولكنه ذكر أحدا توكيدا. وانظر المقتضب ٤/ ٤١٢-٤١٣.
[ ١ / ٢٩٠ ]
يدخل فيهم، نحو: جاءني القوم إلا زيدًا، فإن قال: ما جاءني زيد إلا عمرًا، فلا يجوز إلا على معنى لكن/ ٣٣٢.
واعلم: أن إلا في كل موضع على معناها في الاستثناء، وأنها لا بد من أن تخرج بعضًا من كل، فإذا كان الاستثناء منقطعًا، فلا بد من أن يكون الكلام الذي قبل إلا قد دل على ما يُستَثْنى منه فتفقد هذا فإنه يدقّ، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ ١، فالعاصم الفاعل، من رحم ليس بعاصم ولكنه دلّ على العصمة والنجاة. فكأنه قال -والله أعلم: لكن من رحم يُعصم أو معصوم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ ٢، وهذا الضرب في القرآن كثير. ومن ذلك من الكلام: لا تكونن من فلان في شيء إلا سلامًا بسلام، وما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضرَّ، "فما نفع" مع الفعل بمنزلة اسم٣. ولولا "ما" لم يجز الفعل هنا بعد إلا وإنما حسن هذا الكلام؛ لأنه لما قال: ما زاد دل على قوله هو على حاله، فكأنه/ ٣٣٣ ٤ قال: هو على حاله إلا ما نقص، وكذلك دل بقوله: ما نفع ما هو على أمره إلا ما ضرَّ وقال الشاعر:
نَجَا سَالِم والنَّفْسُ مِنْهُ بِشِدْقهِ ولم يَنْج إلا جَفْنَ سيفٍ ومئزَرا٥
_________________
(١) ١ هود: ٤٣ الاستثناء في الآية يكون منقطعا إذا أبقى عاصم على أصل معناه، ويكون المراد عن رحم المعصوم أما إذا أريد بمعنى من رحم الله تعالى، أي: الراحم، أو أريد بعاصم معنى معصوم فاعل بمعنى مفعول أو صيغة نسب، أي: ذي عصمة أو قدر حذف مضاف، أي: مكان من رحم -كان الاستثناء متصلا- وانظر: العكبري ٢/ ٢١، والبحر المحيط ٥/ ٢٢٧، وابن يعيش ٢/ ٨١، وشرح الكافية للرضي ١/ ٢١٠، والكشاف ٢/ ٢١٧، والتذييل والتكميل لأبي حيان ٤/ ٢١٥. ٢ يونس: ٩٨. أي: ولكن قوم يونس. وانظر الكتاب ١/ ٣٦٦. ٣ نحو النقصان والضرر. ٤ انظر الكتاب ١/ ٣٦٧. ٥ الشاهد فيه نصب "جفن" على الاستثناء، وإلا هنا بمعنى: لكن وهو لحذيفة بن أنس الهذلي وقيل: لأبي خراش. ويروى: نجا عامر، أي: نجا والنفس في شدقه، وزعم يونس: أن معناه: لم ينج إلا بجفن سيف. وانظر الجمهرة ٢/ ٣٦٦. والصاحبي/ ٨.
[ ١ / ٢٩١ ]
فقوله: نجا، ولم ينج كقولك: أفلت ولم يفلت، أي: لم يفلت إفلاتًا صحيحًا كقولك: تكلمت ولم أتكلم، ثم قال: إلا جفن سيف ومئزرًا، كأنه قال: لكن جفن سيف ومئزرًا، وقال الآخر:
وما بالربَّعِ من أحدِ
ثم قال:
إلا أَوَ آرِيَّ١
فهذا كأنه كما قال: من أحد اجتزأ بالبعض من الكل، فكأنه قال: ما
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٣٦٤، على إبدال الأواري بالرفع من موضع "أحد" على لغة تميم في المنقطع. وهما بيتان للنابغة الذبياني روى منها عجز البيت الأول وقسما من صدر البيت الثاني وهما بتمامهما: وقفت فيها أصيلالا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أواري لأيا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد والأصيل: الوقت بعد العصر إلى المغرب، وروي البيت الأول: وقفت فيها أصيلا كي أسائلها. كما روي: وقفت فيها طويلا ووقفت فيها أصيلانا وفيه ثلاثة أقوال:
(٢) أنه مصغر أصيل على غير قياس كأنه تصغير أصلان. ٢ أنه تصغير أصلان جمع أصيل، كرغفان جمع رغيف، وفيه أن جمع الكثرة لا يصغر إلا برده إلى المفرد.
(٣) أنه مصغر أصلان وهو اسم مفرد بمعنى الأصيل، مثل التكلان والغفران. وفيه رواية أخرى: أصيلالا على إبدال النون لاما. والربع: محلة القوم ومنزلهم أينما كانوا، والمربع كجعفر منزلهم في الربع. والأواري: جمع آرية بمد الهمزة: وتشديد الياء، وهي التي تحبس فيها الخيل من وتد أو حبل. والنؤي: حاجز حول الخباء يدفع عنه الماء ويبعده. والمظلومة: أرض حفر فيها الحوض لغير إقامة لأنها في فلاة. وانظر: المقتضب ٤/ ٤١٤، ومعاني القرآن ١/ ٤٨٠، وإصلاح المنطق ٤٧، وابن يعيش ٢/ ٨٠، وشرح المعلقات للزوزني/ ١٩٦، وشرح القصائد السبع ٢٤٢، والإنصاف/ ٢٦٩، والديوان ١٦.
[ ١ / ٢٩٢ ]
بالربع من شيء واكتفى بأحد لأنه من الاستثناء فساغ ذلك له لأنه لم يلبس وأما قول الشاعر:
مَنْ كَانَ أَسْرَعَ في تَفَرٌّقِ فَالِجٍ فَلَبُونُه جربت مَعَا وأغَدَّتِ
إلا كَنَاشِرَةِ الَّذِي ضيَّعَتُمُ كالغُصْنِ في غُلوائِهِ المتنبّتِ١
وقال الآخر:
كَلاَّ وَبَيْتِ الله حتى يُنْزِلوا مِنْ رأسِ شاهقةٍ إلينا الأسْوَدا
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٣٧٨، على الاستثناء المنقطع ثم قال: كأنه قال: ولكن هذا كناشرة، وكان المبرد يجعل الكاف في قوله: "كناشرة" زائدة، ولا يحتاج إلى زيادتها لأنه أراد ناشرة، وكذلك فعل ابن جني في سر صناعة الإعراب كما فعل المبرد وابن السراج، ورواية سيبويه: من كان أشرك وفالج: هو فالج بن مازن أساء إليه بعض بني مازن حتى رحل عنهم إلى بني ولحق ببني ذكوان بن بهشة بن سليم بن قيس عيلان فنسب إليهم. وناشرة: رجل من بني مازن ضيف عليه قومه فانتقل عنهم إلى بني أسد، فدعا هذا الشاعر المازني على بني مازن حيث اضطروه إلى الخروج عنهم، واستثنى ناشرة منهم لأنه لم يرض فعلهم، ولأنه امتحن محنة فالج بهم. أغدت: صارت فيها الغدة. وهي كالذبحة تعتري البعير فلا تلبثه فالهمزة للصيرورة. والغلواء: سرعة الشباب، وهو من الغلو أي: الارتفاع. المتنبت: المنمى المغذى، وقيل: هنا المتأصل. ونسب الشعر في سيبويه وشراحه إلى عنز بن دحاجة المازني. ونسب ابن سيده البيت الثاني إلى الأعشى وليس في ديوانه. وللأعشى تائية على هذا الروي، ولكنها من بحر الطويل. والبيتان من الكامل. وانظر المقتضب ٤/ ٤١٧، وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٠١، والمخصص لابن سيده ١٦/ ٦٨، والمفضليات/ ٢٠٩، واللسان "نبت".
[ ١ / ٢٩٣ ]
ثم قال:
إلا كَخَارِجَةِ المكلّفِ نفسَه وابنى قبيصة أن أَغِيبَ ويُشْهدا١
فإن الكاف زائدة كزيادتها في قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الشاهد فيه زيادة الكاف عند المصنف، وكذلك عند المبرد وابن جني. وتقديره: إلا خارجة، وهو من الاستثناء المنقطع عن الأول معناه "لكن". ولم ينسبهما سيبويه لقائل معين وكذلك المحققون لكتاب. والبيتان من قصيدة للأعشى في ديوانه/ ٢٧٧-٢٣٣، قالها لكسرى حين أراد منهم رهائن، والاستثناء من قوله: آليت لا نعطيه من أبنائنا رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا والمعنى: آليت ألا نجيبه إلى ما يسألنا من تقديم الرهائن من أبنائنا، إلا ما سبق من أمر خارجة -وهو رجل من شيبان- الذي يكلف نفسه أن يحضر حين أغيب، وابني قبيصة اللذين أخذ منهما الخوف فأرهقا أنفسهما وحملا إليك الرهائن، والخائف جدير بأن يرهق نفسه. وانظر: الكتاب ١/ ٣٦٨، والمقتضب ٤/ ٤١٨، وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٠٢، وشرح المفضليات ٢٠٩. ٢ الشورى: ١١. "في الروض الأنف ١/ ٤٧" الكاف تكون حرف جر وتكون اسما بمعنى: "مثل". ويدلك على أنها حرف وقوعها صلة للذي. وتكون اسما بمعنى: "مثل" ويدلك على أنها تكون اسما دخول حرف الجر عليها وإذا دخلت على مثل، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فهي إذن حرف إذ لا يستقيم أن يقال: مثل مثله.. وفي البحر المحيط ٧/ ٥٠١ تقول العرب: مثلك لا يفعل كذا، يريدون به المخاطب، كأنهم إذا أنفوا الوصف عن مثل الشخص كان نفيا عن الشخص وهو من باب المبالغة.. فجرت الآية في ذلك على نهج كلام العرب من إطلاق المثل على نفس الشيء وما ذهب إليه الطبري وغيره من أن مثلا زائدة للتوكيد ليس بجيد، لأن مثلا اسم، والأسماء لا تزاد بخلاف الكاف فإنها حرف فتصلح للزيادة. ويحتمل أيضا أن يراد بالمثل الصفة وذلك سائغ.. فيكون المعنى: ليس مثل صفته تعالى شيء من الصفات التي لغيره وهذا محمل سهل، والوجه الأول أعوص. انظر: شرح الكافية ٢/ ٣١٩، والمغني ١/ ١٥٣، وسر الصناعة ١/ ٢٩١-٢٩٢، والخزانة ٤/ ٢٧٣.
[ ١ / ٢٩٤ ]
وكقول رؤبة:
لواحقُ الأقرابِ فيها كالمقَق١
والمقق: الطول وإنما المعنى: فيها طول، كما يقال: فلان كذا الهيئة أي: ذو الهيئة.
_________________
(١) ١ الشاهد فيه زيادة الكاف، لأن المقق معناه: الطول فلا يقال في الشيء كالطول، وإنما يقال: فيه طول، فكأنه قال: مقق، أي: طول. ونقل البغدادي عن ابن السراج قوله: أما مجيء الكاف حرفا زائدًا لغير معنى التشبيه فكقولهم -فيما حدثناه عن أبي العباس: فلان كذي الهيئة، يريدون: فلان ذو الهيئة فموضع المجرور رفع، ومنه: لواحق الأقراب فيها كالمقق، أي: فيها مقق، لأنه يصف الأضلاع بأن فيها طولا، وليس يريد أن شيئا مثل الطول نفسه. ومنه: ليس كمثله شيء. اللواحق: جمع لاحقة اسم فاعل من لحق كسمع لحوقا: ضمر وهزل: والأقراب: جمع قرب بضمه فسكون وبضمتين: الخاصرة. يريد أنها خماص البطون، وضمير "فيها" للأقراب. وانظر: المقتضب ٤/ ١١٩، وشرح الحماسة ٤/ ١٦٤٩، وارتشاف الضرب ٢٥٩، والخزانة ٤/ ٢٦٦، و١/ ٣٨، وديوان رؤبة ١٠٦.
[ ١ / ٢٩٥ ]
مسائل من باب الاستثناء:
تقول: ما مررتُ بأحدٍ يقول ذاك إلا زيد. وما رأيت أحدًا يقول ذاك إلا زيدًا، هذا وجه الكلام، وإن حَملْتَه على الإِضمار الذي في الفعل، أعني: المضمر في "يقول" فقلت: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدٌ، فعربي. قال عديُّ بن زيد:
في لَيْلَةٍ لا نَرَى بها أحَدًَا يَحْكِي علينا إلا كَواكِبُها١
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٣٦١ على إبدال "كواكبها" من الضمير المستتر في "يحكي" لأنه منفي في المعنى. ولو نصب على البدل من "أحد" لكان أحسن لأن أحدا منفي في اللفظ والمعنى. قال ابن الشجري: وجدت هذا البيت في كتاب لغوي منسوبا إلى عدي بن زيد. وتصفحت نسختين من ديوان شعر عدي فلم أجده فيهما، وجدت له قصيدة على هذا الوزن وهذه القافية. وقال البغدادي: إنما هذا البيت لأحيحة بن الجلاخ الأنصاري أثبتها الأصبهاني في الأغاني. ثم ذكرها والقافية فيها مرفوعة. ويحكي علينا: بمعنى يروي، و"على" بمعنى عن أو ضمن "يحكي" معنى "يتم" وانظر المقتضب ٤/ ٤٠٢، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٧٣، والأغاني ١٣/ ١١٥، والمغني ١/ ١٥٣، والخزانة ٢/ ١٨، ومهذب الأغاني ١/ ١١٣، وملحقات ديوان عدي بن زيد/ ١٩٤.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وإنما تكلَّموا بذلك لأن "تقول" في المعنى منفي، إذ كان وصفًا لمنفي أو خبرًا، كما قالوا: قد عَرَفْتُ زيدًا أبو من هو، لأن معناه معنى المستفهم عنه. ويجوز: ما أظنُّ أحدًا فيها إلا زيدٌ، ولا أحدٌ منهم اتخذت عنده يدًا إلا زيد، رفعت زيدًا في المسألة الأولى على البدل من المضمر في فيها/ ٣٢٥ المرفوع وخفضته في الثانية على البدل من الهاء المخفوضة. في "عنده" وتقول: ما ضربت أحدًا يقول ذاك إلا زيدًا لا يكون في ذلك إلا النصب؛ لأن القول غير منفي هنا، وإنما أخبرت: أنك ضربت ممن يقول ذاك زيدًا، والمعنى في الأول أنك أردت أنه ليس يقول ذاك إلا زيد. ولكنك قلت: رأيت أو ظننت ونحوهما لتجعل ذلك فيما رأيت وفيما ظننت ولو جعلت: رأيت من رؤية العين كان بمنزلة "ضربت".
قال الخليل: ألا ترى أنك تقول: ما رأيته يقول ذلك إلا زيد، وما أظنُّه يقوله إلا عمرو، فهذا يدلك على أنك إنما انتحيت على القول١، وتقول: قل رجل يقول ذاك إلا زيد، وليس "زيد" بدلًا من الرجل في "قل".
قال سيبويه: لكن "قل رجل" في موضع "أقل رجل" ومعناه كمعناه، وأقل رجل مبتدأ ٢ / ٣٣٣ مبنى عليه. والمستثنى بدل منه لأنه يدخله في شيء.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٦١. ٢ المصدر السابق: ١/ ٣٦١.
[ ١ / ٢٩٦ ]
يخرج منه من سواه، وكذلك أقل من وقل من إذا جعلت من بمزلة رجل، قال حدثنا بذلك يونس عن العرب. يجعلونه نكرة١ -يعني من- قال أبو العباس: إذا قلت: قل رجل يقول ذاك إلا زيد فهذا نفي. كثر رجل٢ يقول ذاك إلا زيد وليست هذه قل التي تريد بها قل الشيء وإنما تريد ما يقول ذاك إلا زيد. والدليل على أن رجل في معنى رجال، أنك لو قلت: قل زيد إلا زيد، لم يجز لأنك لا تستثني واحدًا من واحد هو هو، وقولك: إلا زيدًا يدلُّ على معنى أقل رجل٣ فهو بدل من قولك: قل رجل. وتقول: ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به، من قبل "أن بشيء" في موضع رفع في لغة بني تميم فلما قبح أن يحمله على الباء صار كأنه ٤ / ٣٣٧ بدل من اسم مرفوع، وبشيء في لغة أهل الحجاز في موضع اسم منصوب ولكنك إذا قلت: ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به، استوت اللغتان وصارت "ما" على أقيس الوجهين٥، وهي لغة تميم.
وتقول: لا أحد فيها إلا عبد الله، تحمل عبد الله على موضع "لا" دون
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١/ ٣٦١. والنص في الكتاب: وكذلك أقل من يقول ذلك وقل من يقول ذاك، إذا جعلت "من" بمنزلة رجل. حدثنا بذلك يونس عن العرب يجعلونه نكرة. ٢ المقتضب ٤/ ٤٠٥. ٣ للنحويين كلام طويل في إعراب قولهم: أقل رجل يقول ذاك إلا زيد. فأقل مبتدأ لا خبر له واستغنى، لأنه شابه حرف النفي عند ابن جني، أو لأنه بمعنى الفعل في قولهم: قل رجل يقول ذاك إلا زيد عند النحاس، واستغنى بصفة المضاف إليه عن الخبر، ولا يجوز أن تكون جملة: "يقول ذاك" خبرا للمبتدأ لأنها جرت على المضاف إليه في تثنيته وجمعه وتأنيثه يقولون: أقل امرأة تقول ذاك، وأقل امرأتين تقولان ذاك، وأقل رجال يقولون ذاك. انظر: الخصائص ٢/ ١٢٤، والأشباه ٢/ ٤٥، والخزانة ٢/ ٢٦، وشرح الكافية ١/ ٧٧. ٤ انظر: الكتاب ١/ ٣٦٢. ٥ المصدر السابق ١/ ٣٦٢، لأنك إذا قلت: ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به فكأنك قلت: ما أنت إلا شيء لا يعبأ به.
[ ١ / ٢٩٧ ]
لفظه وكذلك تقول: ما أتاني من أحد إلا عبد الله، ألا ترى أنك تقول: ما أتاني من أحد لا عبدُ الله ولا زيدٌ، من قبل أنه خطأ أن تحمل المعرفة على "من" في هذا الموضع كما تقول: لا أحدَ فيها إلا زيدٌ، لا عمروٌ؛ لأن المعرفة لا تحمل على "لا"١. وتقول: ما فيها إلا زيد، وما علمت أن فيها إلا زيدًا، ولا يجوز: ما إلا زيد فيها، ولا ما علمت أن إلا زيدًا فيها٢، وإنما حسن لما قدمت وفصلت بين أن وإلا لطول الكلام، كأشياء تجوز في الكلام إذا طال وتحسن. ولا يجوز أن تقول: ما علمت أن إلا زيدا فيها، من أجل أنك/ ٣٣٨ لم تفصل بين "أن" وإلا كما فصَلْت في قولك ما علمت أن فيها إلا زيدًا.
قال سيبويه: وتقول إن أحدًا لا يقول ذاك وهو خبيث ضعيف٣ فمن أجاز هذا قال: إن أحدًا لا يقول هذا إلا زيدًا، حمله على "إن" وتقول: لا أحد رأيته إلا زيد، وإن بنيت جعلت "رأيته" خبرًا لأحد أو صفة. وتقول ما فيهم أحد إلا قد قال ذاك إلا زيدًا كأنه قال: قد قالوا ذاك إلا زيدا. وتقول: ما أتاني إلا أنهم قالوا كذا و"أن" في موضع اسم مرفوع قال الشاعر:
لم يَمْنَعِ الشَّربَ منها غَيْرَ أن هَتَفت حَمَامَةٌ في غُصُونٍ ذَاتِ أَوْقَالِ٤
وناس يقولون: غير أن نطقت٥، وقد مضى تفسيره.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١/ ٣٦٢ وذلك لأن هذا الكلام جواب لقوله: هل من أحد أو هل أتاك من أحد. ٢ لأنك إذا قلبته وجعلته يلي "أن" و"ما" في لغة أهل الحجاز قبح ولم يجز لأنها ليست بفعل فيحتمل قلبهما كما لم يجز فيهما التقديم والتأخير. ٣ الكتاب ١/ ٣٦٣، لأن أحدا لا يستعمل في الواجب وإنما نفيت بعد أن أوجبت. ٤ مر تفسير هذا البيت، انظر ٣١٢ من المخطوط وهو لأبي قيس بن رفاعة. ورواه سيبويه ١/ ٣٦٩ غير أن نطقت. ٥ انظر: الكتاب ١/ ٣٦٩.
[ ١ / ٢٩٨ ]
وتقول: ما أتاني زيد إلا عمرو، إذا أردت بذكرك زيدًا: بعض من نَفَيْتَ توكيدًا للنفي فهي بمنزلة ما لم تذكره ولا يجوز أن تقول: ما زيد إلا قام، فإن قلت: ما زيد إلا يقوم كان جيدًا/ ٣٣٩ وذلك أن الموضع موضع خبر والخبر اسم فلو كان: ما زيدًا إلا يقوم كان جيدًا لمضارعة يفعل الأسماء. ولم يقولوا: أكثر من ذلك.
قال أبو العباس -﵀: والتقدير: ما زيد شيئًا إلا ذا فلا يجوز أن يقع بعد إلا شيء إلا اسم في معنى شيء الذي هو حدُّ زيد؛ لأنه واحد من شيء لأنه شيء في معنى جماعة، وتقدره: ما زيد شيئًا من الأشياء إلا قائم، فلا يجوز أن يقع بعد "إلا" إلا اسم أو مضارع له، ومن ههنا وجب أن تقول ما زيد إلا الجبن آكل وإلا الخبز آكله هو، وفيمن قال زيدًا ضربته: قال: ما زيد إلا الخبز آكله ولا يجوز: ما الخبز إلا زيد آكل. لا يجوز أن تعمل الفعل الذي بعد إلا في الاسم الذي قبلها بوجه من الوجوه، لأن الاستثناء إنما يجيء بعد مضي الابتداء، لأن المعنى: ما الخبز شيئًا إلا زيد آكله، فإن حذفت الهاء من "آكله" أضمرتها ورفعت الخبز. لا يجوز إلا ذلك/ ٣٤٠. فإن قلت: ما زيد إلا قد قام، فهو أمثل ولو لم يجزه مجيز كان قاصدًا فيه إلى مثل ترك إجازة ما قبله لأن "قد" إنما أكدت وصارت جوابًا لتوقع خبر والفعل الماضي على حاله ومن أجازه فعلى وجه أن "قد" لما زادت ضارع الفعل بالزيادة التي قبله الأفعال المضارعة والأسماء لأن الأفعال المضارعة يدخلها السين، وسوف والأسماء يدخلها الألف واللام فتقول: ما زيد إلا قد قام ألا ترى أن "قد" إذا لحقت الفعل الماضي صلح أن يكون حالًا نحو: جاء زيد قد ركب دابة ولولا "قد" كان قبيحًا فإن قيل: ألست تقول: ما جاءني زيد إلا تكلم بجميل، فقد وقع الفعل الماضي بعد إلا، قيل: إنما جاز وجاد لأنه ليس قبله اسم يكون خبرًا له وإنما معناه: كلما جاءني زيد تكلم "بجميل" فإن قال: فأنت قد تقول: ما تأتيني إلا قلت حسنًا وما تحدثني إلى صدقت فمن أين وقع الماضي بعد إلا/٣٤١ والذي قبله مضارع؟ قيل: فالمضارع الذي قبله في معنى الماضي، لأنه حكاية الحال،
[ ١ / ٢٩٩ ]
ألا ترى أن معناه: كلما حدثتني صدقتني، وكلما جئتني قلت: حقا، ولو قلت: ما زيد إلا أنا ضارب، لأضمرت الهاء في "ضارب"، لأن زيدًا لا سبيل لضارب عليه لأن تقديره: ما زيد شيئًا إلا أنا ضاربه، فإن كانت ما الحجازية فهي الرافعة لزيد، وإن كانت التميمية فإنما جاء الفعل بعد أن عمل الابتداء فصار بمنزلة قولك كان زيد ضربت في أنه لا بد من الهاء في "ضربت" وتقول: ما كان أخاك إلا زيد، وما ضرب أباك إلا زيد؛ لأن الفعل فارغ لما بعده فتقديره، ما كان أحد أخاك إلا عمرو، وما كان أخوك أحدًا إلا زيدًا١، فما بعد "إلا" من فاعل أو مفعول مستثنيًا من اسم في النية أو خبر ولا يجوز: ما منطلقًا إلا كان زيد، من حيث استحال ما زيدًا إلا ضرب عمرو، وتقول ما كان زيد قائمًا إلا أبوه وما زيد قائمًا إلا أبوه لأن "ما" في قائم منفي/ ٣٤٢ في المعنى، والأب هو الفاعل كما تقول: ما قام إلا زيد. فإن قلت: ما زيد قائمًا أحد إلا أبوه كان جيدًا لأن الاستثناء معلق بما قبله غير منفصل منه ونظير ذلك: زيد ما قام أحد إلا أبوه وزيد ما كان أحد قائمًا إلا أبوه. وتقول: ما أظنُّ أحدًا قائمًا إلا أبوك والنصب في الأب أجود على البدل من "أحد" ولو قلت: ما زيد قائمًا أحد إليه إلا أبوه كان أجود حتى يكون الاستثناء فضلة. ويقول: إن أخويك ليسا منطلقًا إلا أبوهما كما تقول: إن أخويك ليسا منطلقة جاريتهما وكذلك: إن أخويك ليسا منطلقًا أحد إلا أبوهما، كما تقول: مررت برجالٍ ليسوا إلا منطلقًا آباؤهم.
قال أبو العباس -﵀: يزعم البغداديون: أن قولهم: إلا في الاستثناء، إنما هي إن ولا٢، ولكنهم خففوا إن لكثرة الاستعمال، ويقولون
_________________
(١) ١ فما بعد إلا من زيدا جملة زائدة مقحمة أظنها من عمل الناسخ. ٢ مذهب الفراء: أن "إلا" مركبة من إن ولا العاطفة حذفت النون الثانية من إن وأدغمت الأولى في لام لا، فإذا انتصب الاسم بعدها فبإن وإذا تبع ما قبلها بالإعراب فبلا العاطفة فكأن أصل قام القوم إلا زيدا، قام القوم إلا زيدا لا قام. أي: لم يقم فلا لنفي حكم ما قبل إلا ونقضه نفيا كان ذلك الحكم أو إثباتا فهو كقولك: كأن زيدا أسد الأصل عند بعضهم إن زيدا كأسد فقدموا الكاف وركبوها مع إن. انظر الإنصاف/ ١٥٠، وشرح الكافية ٢/ ٢٤٧، وشرح المفصل ٢/ ٧٧.
[ ١ / ٣٠٠ ]
إذا قلنا: ما جاءني أحد إلا زيد. فإنما رفعنا زيدًا "بلا" وإن نصبنا فبإن. ونحن في ذلك مخيرون في هذا لأنه قد/ ٣٤٣ اجتمع عاملان "إن ولا" فنحن نعمل أيهما شئنا وكذلك يقولون: جاءني القوم إلا زيد وإلا زيدًا، ولا يعرفون ما نقول نحن أن رفعه على الوصف في معنى غير فيلزمهم أن يقولون: ما جاءني إلا زيدًا إذا أعملوا "إن" وهم لا يقولون١ به، فسألناهم: لِمَ٢ ذلك؟ فقالوا: لأن أحدا مضمرة، قلت: ذاك أجدر أن يجوز النصب، كما يجوز إذا أظهرت أحدًا، فلم يكن في ذاك وما يتولد فيه من المسائل حجة، وهذا فاسد من كل وجه ذكرنا إياه يجعل له حظا فيما يلتفت إليه ويجب على قولهم أن تنصب النكرات في الاستثناء بلا تنوين لأن: لا تنصب النكرات بلا تنوين، قال سيبويه: إذا قلت لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا، الدليل على أنه وصف أنك لو قلت: لو كان معنا إلا زيد لهلكنا، وأنت تريد الاستثناء لكنت قد أحلت ونظير ذلك قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ ٣ لَفَسَدَتَا﴾ ٤ ومثل ذلك قوله: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ٥ ومثله قول لبيد: / ٣٣٥
وإذا جُوزِيتَ قَرْضًَا فَاجْزهِ إنّما يَجْزِي الفَتَى غَيْرُ الجَمَل٦
قال أبو العباس -﵀: لو كان معنا إلا زيدًا لغلبنا أجود كلام وأحسنه، والدليل على جودته أنه بمنزلة النفي، نحو قولك: ما جاءني أحد إلا
_________________
(١) ١ في الأصل: لا يقولوا. ٢ في الأصل "لما". ٣ انظر: الكتاب ١/ ٣٧٠. ٤ الأنبياء: ٢٢. وانظر: الإنصاف ١/ ١٧٥، والكعبري ٢/ ٦٩، والبحر المحيط ٦/ ٣٠٤-٣٠٥، وشرح الكافية للرضي ١/ ٢٧٧. ٥ النساء: ٩٥. ٦ مر هذا الشاعر ص٣٤٨.
[ ١ / ٣٠١ ]
زيد وما جاءني إلا زيد، أنك لو قلت: لو كان معنا أحد إلا زيد لهلكنا فزيد معك كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١ والله تعالى فيهما٢. وتقول: لو كان لنا إلا زيدًا أحد لهلكنا كما تقول: ما جاءني إلا زيدًا أحد والدليل على جودة الاستثناء أيضًا أنه لا يجوز أن يكون إلا وما بعدها وصفًا إلا في موضع لو كان فيه استثناء لجاز. ألا ترى أنك تقول: ما جاءني أحد إلا زيد على الوصف إن شئت وكذلك: جاءني القوم إلا زيد على ذلك، ولو/ ٣٤٥ قلت: جاءني رجلًا إلا زيد، تريد: غير زيد على الوصف لم يجز؛ لأن الاستثناء هنا محال وتقول: ما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدًا لأن معنى: ما أكل أحد إلا الخبز أنه قد أكل الخبز كل إنسان فكأنك قلت أكل الخبز كل إنسان فكأنك قلت أكل الخبز كل إنسان إلا زيدًا وكذلك ما مسلوب أحد إلا ثوبًا إلا زيدًا؛ لأنك أردت: كل إنسان سلب ثوبًا إلا زيدًا وتقول: ما ضربت أحدًا إلا قائمًا فتنصب "قائمًا" على الحال وكذلك: ما مررت بأحد إلا "قائمًا" وما جاءَني أحد إلا راكبًا فإن قلت: ما مررت بأحد إلا قائمًا إلا زيدًا نصبت: زيدًا ولم يجز أن تبدله من "أحد" لأن المعنى: مررت بكل أحد قائم، وإن شئت: قائمًا إلا زيدًا وتقول: ما مر بي البعير إلا إبلك وذهب الدنانير إلا دنانيرك وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٣.
قال الأخفش: لو قلت: أين إلا زيدًا قومك/ ٣٤٦ وكيف إلا زيدًا قومك. لجاز لأن هذا بمنزلة أههنا إلا زيدًا قومك، ويجيز ضرب إلا زيد قومك أصحابنا، على أن يستثنى زيدًا من الفاعلين. وقال: لو استثنيته من المفعولين لم يحسن؛ لأنك لم تجئ للمفعولين بذكر في أول الكلام و"ضرب" هو من ذكر الفاعلين لأن الفعل "لهم".
_________________
(١) ١ الأنبياء: ٢٢. ٢ انظر: المقتضب ٤/ ٤٠٨، والانتصار لابن ولاد/ ١٢٣. ٣ العصر.
[ ١ / ٣٠٢ ]
واعلم: أنه لا يجوز أن تجمع بين حرفين من هذه الحروف، إلا ويكون الثاني اسمًا، مثل قولك: قام القوم إلا خلا زيدًا، هذا لا يجوز أن تجمع بين إلا وخلا فإن قلت: إلا ما خلا زيدًا وإلا ما عدا جاز١ ولا يجوز إلا حاش زيدًا والكسائي: يجيزه إذا خفض "بحاشا"، والبغداديون يجيزون في: ما عندي إلا أباك أحدًا، الرفع والنصب في "أبيك" يجيزون: ما عندي إلا أبوك أحد. وقد مضى ذكر هذا. وما يجوز فيه وما لا يجوز.
وإذا قلت: ما قام القوم إلا زيد، وهل قام القوم إلا زيد، فالرفع عند/ ٣٤٧ البصريين على البدل٢، وعند الكوفيين على العطف٣، ويقولون: إذا اجتمعت "إلا وغير" فاجعل إحداهما تتبع ما قبلها وإحداهما استثناء، فيقولون: ما جاءني أحد إلا زيد غير عمرو، ترفع زيدًا وتنصب "غير" وهذا عندنا إنما انتصب الثاني، لأنه لا يجوز أن يرفع بالفعل فاعلان وقد مضى تفسير ذلك، وإذا نَسَقْتَ جاز رفعهما جميعًا فقلت: ما جاءني أحد إلا زيد وغير عمرو، قال الشاعر:
مَا بِالمِدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ دَار الخليفةِ إلا دَارَ مَرْوَانَا٤
_________________
(١) ١ لأن "ما" اسم فلا توصل "إلا" بالفعل فخلا وعدا هنا صلة "لما". ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٦٠. ٣ لأن الكوفيين يذهبون إلى أن "إلا" تكون بمعنى "الواو" واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي: ولا الذين ظلموا، يعني: والذين ظلموا لا تكون لهم حجة أيضا. ويأبى البصريون هذا.. وانظر: الإنصاف/ ١٥٥-١٥٦. ٤ من شواهد سيبويه ١/ ٣٧٣ على جعل "غير" نعتا للدار فلذلك رفع ما بعد "إلا". والمعنى: ما بالمدينة دار غير واحدة، وهي دار الخليفة إلا دار مروان وما بعد "إلا" بدل من دار الأولى، ولو جعل "غير واحدة" استثناء بمنزلة، إلا واحدة. لجاز نصبها على الاستثناء ورفعها على البدل. وأراد مروان بن الحكم. وقد نسب سيبويه هذا الشاهد إلى الفرزدق وليس في ديوانه. وفي الديوان قصيدتان من بحر الشاهد ورويه. ص/ ٨٧٥-٨٧٧. وانظر: معاني القرآن ١/ ٩٠، والمقتضب ٤/ ٤٢٥، وشرح السيرافي ٣/ ٣٠٦، والأبيات المشكلة للفارقي/ ٢٧١.
[ ١ / ٣٠٣ ]
ترفع "غير" وتنصب دارَ مروان، ولك أن تنصبهما جميعًا على قولك: ما جاءني أحد إلا زيدًا، ورفعهما جميعًا، لا يجوز إلا على أن تجعل "غير" نعتًا فيصير الكلام كأنك قلت: ما بالمدينة دار كبيرة إلا دار مروان. ولا يجوز أن يقع بعد إلا شيئان مختلفان على غير جهة البدل/ ٣٤٨ لا يجوز: ما أكل إلا عبد الله طعامَكَ. ولا ما أكل إلا طعامك عبد الله، وقد مضى تفسير هذا فإن جعلت "إلا" بمعنى غير فقد أجازه قوم.
وإذا قال القائل: الذي له عندي مائة دِرهم إلا درهَمَين، فقد أقر بثمانية وتسعينَ وإذا قال: الذي له عندي مائة إلا درهمان فقد أقر بمائة لأن المعنى: له عندي مائة غير درهمين. وكذلك لو قال: له عليَّ مائة غير ألف. كان له مائة، ألا ترى أنه لو قال: له عليَّ مائة مثل درهمين، جاز أن يكون المعنى: أن المائة درهمان.
وكذلك لو قال: له عليَّ مائة مثل ألف كان عليه ألف "فغير" نقيض مثل، وإذا قلت: ما له عندي إلا درهمين، فأردت أن تقر بما بعد "إلا" رفعته لأنك إذا قلت: ما له عندي مائة إلا درهمان، فإنما رفعت درهمان، بأن جعلته بدلًا من "مائة" فكأنك قلت: ما له عندي إلا درهمان، وإذا نصبت فقلت: ما له عندي مائة إلا درهمين، فما أقررت بشيء لأن "عندي" لم ترفع شيئًا فيثبت له عندك/ ٣٤٩ فكأنك قلت: ما له عندي ثمانية وتسعون.
كذلك إذا قلت ما لك عليّ عشرون إلا درهمًا، فإذا قلت: ما لك عشرون إلا خمسة، فأنت تريد: ما لك إلا خمسة وتقول: لك عليّ عشرة إلا خمسة ما خلا درهمًا فالذي له ستة. وكل استثناء فهو مما يليه والأول: حط والثاني: زيادة وكذلك جميع العدد، فالدرهم مستثنى من الخمسة فصار
[ ١ / ٣٠٤ ]
المستثنى أربعة. ولا ينسق على حروف الاستثناء "بلا" لا تقول: قام القوم ليس زيدًا ولا عمرًا، ولا: قام القوم غير زيد ولا عمرو، والنفي في جميع العربية ينسق عليه "بلا"١ إلا في الاستثناء، وقال بعضهم: "لا سيما" يجيء شبيهًا بالاستثناء وحكي: ولا سيما يوم ويومًا، من رفع جعله في صلة "ما" ومن خفض خفض بشيء. ههنا وجعل "ما" زائدة٢ للتوكيد والسي/ ٣٥٠. والمثل ومن نصب جعله ظرفًا وحكي عن الأحمر٣: أنه كان يجيز: ما قام صغير وما خلا أخاك كبير وإنما قاسه على قول الشاعر:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بها طُورِي ولا خلا الجن بها إنسي٤
_________________
(١) ١ في الأصل "بولا". ٢ في الكتاب ١/ ٣٥٠ قال سيبويه: وسألت الخليل عن قول العرب: ولا سيما زيد، فزعم، أنه مثل قولك: ولا مثل زيد، و"ما" لغو وقال: ولا سيما زيد كقولهم: دع ما زيد، وكقوله مثلا، ما بعوضة في هذا الموضع بمنزلة مثل فمن ثم عملت فيه "لا" كما تعمل رب في "مثل". فالجر: بالإضافة إلى "سي" وما زائدة، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو، ولا تكون "ما" اسم موصول محلها الجر بالإضافة إلى "سي" وجملة المبتدأ والخبر صلة الموصول، والنصب على التمييز "لسي" وما لغو، وهذا الوجه الأخير لم يذكره ابن السراج، وإنما قال: ومن نصب جعله ظرفا. ٣ الأحمر: علي بن الحسن، والأحمر في الأصل صفة للرجل الذي فيه الحمرة، صاحب الكسائي، وهو أحد من اشتهر بالنحو واتساع الحفظ، وكان فطنا، مات بطريق مكة قبل الفراء بمدة سنة "١٩٤هـ"، ومات الفراء سنة: "٢٠٤هـ"، ترجمته في تاريخ بغداد جـ١٢/ ١٠٤-١٠٥، وطبقات الزبيدي/ ٩٥، ومعجم الأدباء جـ١٣/ ٥-١١، والأنساب/ ٢٠، وإنباه الرواة جـ٢/ ٣١٣. ٤ الشاهد فيه جواز تقديم المستثنى، لأن تقدم المستثنى غير المنسوب شاذ، والأصل: ولا بها إنسي خلا الجن. قال ابن الأنباري: ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز تقديم حرف الاستثناء في أول الكلام نحو: إلا طعامك ما أكل زيد، نص عليه الكسائي وإليه ذهب الزجاج في بعض المواضع. واستدلوا بهذا البيت ونحوه، ومنعه البصريون، وأجابوا عن البيت بأن تقديره: "وبلدة ليس بها طوري ولا إنسي ما خلا الجن". فحذف إنسيا وأضمر المستثنى منه، وما أظهره تفصيل لما أضمره. وقيل: تقديره: ولا بها إنسي خلا الجن، فيها مقدرة بعد "إلا" وتقديم المستثنى للضرورة فلا يكون فيه حجة. وهذان بيتان من الرجز للعجاج. والبلدة: الأرض، يقال: هذه بلدتنا، أي: أرضنا. وقوله: ليس بها طوري، أي: ليس بها أحد، ولا يجيء "طوري" إلا مع النفي. ويروى: وليس بها طوئي. وانظر: النوادر/ ٢٢٦، والمنصف ٣/ ٦٢، والإنصاف/ ٢٧٤، وشرح الكافية للرضي ١/ ٢٠٩، والخزانة ٢/ ٣، وأمالي القالي ١/ ٢٥١، وديوان العجاج/ ٦٨.
[ ١ / ٣٠٥ ]
وليس كما ظن لأن إنسي مرتفع "بها" على مذهبهم ولو قلت: ما أتاني إلا زيد إلا أبو عبد الله، إذا كان أبو عبد الله زيدًا كان جيدًا.
قال أبو بكر: قد كنا قلنا عند افتتاحنا ذكرنا الأسماء المنصوبات أنها تنقسم قسمة أولى على ضربين. وأن الضرب الأول: هو العام الكثير. وقد ذكرناه بجميع أقسامه وبقي الضرب الآخر وهو "إلا" ونحن ذاكرون إن شاء الله الضرب الآخر من الأسماء المنصوبة من القسمة الأولى. هذا الضرب كل اسم نذكره لفائدة بعد اسم مضاف أو فيه نون ظاهرة أو مضمرة قد تما بالإِضافة والنون وحالت النون بينهما أو/ ٣٥١ الإِضافة ولولاها لصلح أن يضاف إليه والفرق بين هذا الضرب من التمييز وبين التمييز الذي قبله أن المنصوب هنا ينتصب عند تمام الاسم وذلك ينتصب عند تمام الكلام، وهذا الضرب أكثر ما يكون في نوعين يميزان المقادير والأعداد، وقد نصبوا أشياء نصب الأسماء بعد المقادير.
[ ١ / ٣٠٦ ]
باب تمييز المقادير:
المقدرات بالمقادير على ثلاثة أضرب: ممسوح، ومكيل، وموزون. أما ما كان منها على معنى المساحة، فقولهم: ما في السماء قدر راحة سحابًا، جعل قدر الراحة شيئا معلومًا نحو: ما يمسح به ما في الأرض وكل ما كان في هذا المعنى فهذا حكمه. وأما ما كان على معنى الكيل فقولهم: عندي قفيزان برا وما أشبه ذلك. وأما ما كان على معنى الوزن فقولهم: عندي منوان سمنًا وعندي رطل زيتًا. فالتمييز إنما هو فيما يحتمل أن يكون أنواعًا، ألا ترى أنك إذا قلت: عندي منا ورطل وأنت تريد: مقدار منا ومقدار رطل لا الرطل والمن١ اللذين٢ / ٣٥٢ يوزن بهما جاز أن يكون ذلك المقدار من كل شيء يوزن من الذهب والفضة والسمن والزيت، وجميع الموزونات، وكذلك الذراع يجوز أن يكون مقدار الذراع من الأرضين والثياب ومن كل ما يمسح، وكذلك القفيز والمكيل يصلح أن يكال به الحنطة، والشعير والتراب وكل ما يكال. فأما قولهم: لي مثله رجلًا فمشبه بذلك لأن المثل مقدار فذلك الأصل ولكنهم يتسعون في الكلام فيقولون: لي مثله رجلًا وهم يريدون: في شجاعته وغنائه أو غير ذلك. فإذا قلت: لي مثله زيدًا فذلك على بابه إنما يريد: مثل شيء في وزنه وقدره والهاء في مثله حالت بين مثل وبين زيد
_________________
(١) ١ في الأصل "المنا". ٢ في الأصل "الذي".
[ ١ / ٣٠٧ ]
أن تضيفه إليه، وكذلك النون في "منوان" فنصبته كما نصبت المفعول لما حال الفاعل بينه وبين الفعل. ولولا المضاف، والنون لأضفته إليه، لأن كل اسم يلي اسمًا ليس بخبر له، ولا/ ٣٥٣ صفة ولا بدل منه فحقه الإِضافة، وسيتضح لك ذلك في باب الخفض إن شاء الله.
ومثل ذلك: عليه شعر كلبين دينًا فالشعر مقدار وكذلك: لي ملء الدار خيرًا منك، ولي ملء الدار أمثالك؛ لأن خيرًا منك وأمثالك نكرتان١ وإن شئت قلت: لي ملء الدار رجلًا وأنت تريد: رجالًا وكل مميز مفسر في المقادير والأعداد وغيرها. "فمن" تحسن فيه إذا رددته إلى الجنس تقول: لي مثله من الرجال، وما في السماء قدر راحة من السحاب، ولله دره من الرجال، وعندي عشرون من الدراهم، ومنه ما تدخل فيه "من" وتقره على إفراده كقولك: لله دره من رجل.
قال أبو العباس -﵀: أما قولهم: حسبك بزيد رجلًا، وأكرم به فارسًا، وحسبك يزيدٍ من رجل، وأكرم به من فارس، ولله دره من شاعر، وأنت لا تقول: عشرون من درهم ولا هو أفره من عبد، فالفصل بينهما: أن الأول كان يلتبس فيه التمييز بالحال فأدخلت٢ / ٣٤٥ "من" لتخلصه للتمييز، ألا ترى أنك لو قلت: أكرم به فارسًا وحسبك به خطيبًا لجاز أن تعني في هذه الحال، وكذلك إذا قلت: كم ضربت رجلًا وكم ضربت من رجل. جاز ذلك لأن "كم" قد يتراخى عنها مميزها. وإذا قلت: كم ضربت لم يدر السامع أردت: كم مرةً ضربت رجلًا واحدًا أم: كم ضربت من رجل فدخول "من" قد أزال الشك. ويجوز أن تقول: عندي رطل زيت وخمسة أثواب، على البدل لأنه جائز أن تقول: عندي زيت رطل، وأثواب خمسة فتوخوها على هذا المعنى، وجائز الرفع في: لي مثله رجل،
_________________
(١) ١ في الأصل "نكرة". ٢ انظر: المقتضب ٣/ ٣٤-٣٥.
[ ١ / ٣٠٨ ]
تريد: رجل مثله، فأما الذي ينتصب انتصاب الاسم بعد المقادير فقولك: ويحه رجلًا، ولله دره رجلًا، وحسبك به رجلًا، قال العباس بن مرداس:
ومرة يحميهم إذا ما تبدَّدوا ويطعنهم شزرًا فأبرحتَ فارسا١
قال سيبويه: كأنه قال: فكفى بك فارسًا، وإنما يريد: كفيت فارسًا٢ / ٣٥٥ ودخلت هذه الباء توكيدًا، ومن ذلك قول الأعشى:
فأَبْرَحْتَ رَبًّا وَأْبرَحْتَ جَارًَا٣
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٢٩٩ على نصب "فارس" على التمييز للنوع الذي أوجب له فيه المدح، والمعنى: فأبرحت، أي: بالغت وتناهيت في الفروسية، وأصل أبرحت من البراح وهو المتسع من الأرض المنكشف، أي: تبين فضلك بتبيين البراح من الأرض وما نبت فيه. فإذا تبددت الخليل، أي: تفرقت للغارة، ردها وحمي منها. والشزر: الطعن في جانب، فإن كان مستقيما فهو من اليسر. والشزر أشد منه لأن مقاتل الإنسان فيه جانبيه. وقد استشهد به: على أن الكوفيين قالوا: أن "أفعل" بدون من صيغ التعجب. وانظر المقتضب ٢/ ١٥١، ورواه: ومرة يرميهم إذا ما تبدوا.. والأصمعيات/ ٢٣٧، الأغاني ١٤/ ٣١٥، والخزانة ٣/ ٥١٨، وشروح سقط الزند ١/ ٢٤٨. والديوان تحقيق د. يحيى الجبوري/ ٧١. ٢ انظر الكتاب ١/ ١٩٩. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ٢٩٩، على نصب "ربا وجارا" على التمييز، والمعنى: أبرحت من رب ومن جار، أي: بلغت غاية الفضل في هذا النوع. وأراد بالرب الملك الممدوح، وكل من ملك شيئا فهو ربه. يشير إلى ابنته التي تحدث عنها تقول له وقد حزم أمره على الرحلة لممدوحه، أي أب كنت لي أعتز برعايته، وأي جار كنت أجد الأنس في قربه. وضبط صاحب اللسان تاء الفاعل في "أبرحت" بالكسر بناء على أن هذا خطاب لابنته ولكن الرواية في الديوان تدل على أنه من ابنته له، وكذا فعل ابن السراج. وانظر: نوادر أبي زيد/ ٥٥، والتهذيب ٥/ ١٩، وشرح الحماسة ٣/ ١٢٦٣، والحماسة/ ٣٣٤، وجمهرة الأمثال للعسكري ١/ ٢٠٥، والفاخر للمفضل بن سلمة / ٢١٤، وشروح سقط الزند ١/ ٢٤٨. والجمهرة ١/ ١٦، وارتشاف الضرب/ ٢٤٤، والديوان/ ٤٩.
[ ١ / ٣٠٩ ]
ومثله: أكرم به رجلًا. وإذا كان في الأول ذكر منه حسن أن تدخل "من" توكيدًا لذلك الذكر تقول: ويحه من رجل، ولله در زيد من فارس، وحسبك به من شجاع ولا يجوز: عشرون من درهم، ولا هو أفرههم من عبد؛ لأنه لم يذكره في الأول ومعنى قولهم: ذكر منه، أن رجلًا هو الهاء في ويحه. وفارس هو زيد، والدرهم ليس هو العشرون والعبد ليس هو زيد، ولا الأفره، لأن الأفره خبر زيد.
[ ١ / ٣١٠ ]
باب تمييز الأعداد:
اعلم: أن الأعداد كالمقادير تحتاج إلى ما يميزها كحاجتها. وهي تجيء على ضربين: منها ما حقه الإِضافة إلى المعدود وذلك ما كان منه يلحقه التنوين ومنها ما لا يضاف، وهو ما كان فيه نون أو بني اسم منه مع اسم فجعلا بمنزلة اسم واحد. أما المضاف فما كان منها من الثلاثة إلا العشرة فأنت تضيفه/ ٣٥٦ إلى الجمع الذي بني لأدنى العدد نحو: ثلاثة أثوب وأربعة أفلس وخمسة أكلب وعشرة أجمال. فأفعل وأفعال مما بني لأقل العدد١ وأقل العدد هو العشرة فما دونها ذلك أن تدخل في المضاف إليه الألف واللام؛ لأنه يكون الأول به معرفة فتقول: ثلاث الأثواب وعشرة الأفلس. ومن ذلك مائة وألف؛ لأن المائة نظير عشرة لأنها عشر عشرات والألف نظير المائة لأنه عشر مئات.
قال أبو العباس -﵀-: ولكنك أضفت إلى المميز: لأن التنوين غير لازم في المائة، والألف والنون في عشرين لازمة؛ لأنها تثبت في الوقف وتثبت مع الألف واللام، فإذا زدت على العشرة شيئًا جعل مع الأول اسمًا واحدًا وبنيا على الفتح، ويكون في موضع عدد فيه نون، وذلك قولك: أحد
_________________
(١) ١ إذا كان المذكر من ذوات الثلاثة كانت له أبنية تدل على أقل العدد: أفعل، وأفعال وأفعلة وفعلة، وهذان الأخيران لم يذكرهما ابن السراج نحو: أحمرة وأقفرة وأجربة، وفعلة نحو: صبية، وغلمة، وفتية.
[ ١ / ٣١١ ]
عشر درهمًا، وخمسة عشر دينارًا، ويدلك على أن عشر قد قامت مقام التنوين قولهم: اثنا عشر درهمًا، ألا ترى أن عشر قد عاقبت النون فلم تجتمعا فهذا١ / ٣٥٧ على ذلك إلى تسعة عشر، فإذا ضاعفت أدنى العقود وهو عشرة كان له اسم من لفظه ولحقته الواو والنون والياء والنون، نحو: عشرون وثلاثون، إلى تسعين والذي يبين به هذه العقود لا يكون إلا واحدًا نكرة، تقول: عشرون ثوبًا وتسعون غلامًا، فإذا بلغت المائة تركت التنوين وأضفت المائة إلى واحد مفسر ووجب ذلك في المائة لأنها تشبه عشرة وعشرين أما شبهها بعشرة فلأنها عشر عشرات فوجب لها من هذه الجهة الإِضافة، وأما شبهها بعشرين وتسعين فلأنها العقد الذي يلي تسعين، فوجب أن يكون مميزها واحدًا، فأُضيفت إلى واحد لذلك إلا أنك تدخل عليه الألف واللام إن شئت. لأن الأول يكون به معرفة، وكذلك ألفَ حكمهُ حكمُ مائة وتثنيتها فتقول: مائة درهم وألفا درهم وقدْ جاءَ بعضُ هذا منونًا منصوبًا ما بعده في الشعر، قال الربيع:
إذَا عاشَ الفَتى مائتين عامًا فقد ذهبَ البشاشةُ والفَتاءُ٢
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب ٢/ ١٦٨. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٢٩٣، ونسبه سيبويه إلى الربيع بن ضبع الفزاري ١/ ١٠٦، ثم عاد في ١/ ٢٩٣ فنسبه إلى يزيد بن ضبة. وذكر المسرة بدلا من البشاشة في الشطر الثاني. والشاهد فيه إثبات النون في "مائتين" ضرورة ونصب ما بعدها بها وكان الواجب حذفها وخفض ما بعدها إلا أنها شبهت للضرورة بالعشرين، ونحوها مما يثبت نونه ونصب ما بعدها بها. وصف الشاعر هرمه وذهاب مسرته ولذته وكان قد عمر نيفا على المائتين فيما يروي. ومعنى: ذهب: أودى وانقطع، والفتاء: المصدر من الشباب ممدود. يقال أنه لفتى بين الفتاء كقولك بين الشباب. وانظر: المقتضب ٢/ ١٦٩، ورواه المبرد: ذهب اللذاذة، ومجالس ثعلب/ ٣٣٢، وشرح السيرافي ٢/ ٣٥، والمخصص لابن سيدة ١٥/ ٣٨، وأمالي القالي ٣/ ٢١٤، ومقاييس اللغة ٤/ ٤٧٤. والمعمرين للسجستاني/ ٧ واللسان "فتا" وأمالي السيد المرتضى ١/ ١٥٥، وأدب الكاتب لابن قتيبة /٩٥، والخزانة ٣/ ٣٠٦.
[ ١ / ٣١٢ ]
قال/ ٣٥٨ سيبويه وثلاث: وأما تسع مائة وثلاث مائة فكان حقه مائتين أو مئات ولكنهم شبهوه بعشرين وأحد عشر١. وقال: اختص هذا إلى تسع مائة ثم ذكر: أنهم قد يختصونَ الشيءَ بما لا يكون لنظائرهِ، فذكَر: لدُن وغدوة وما شعرت به شعرة، وليت شعري والعَمْرُ، والعُمْرُ، ولا يقولون إلا لعمرك في اليمين، وذكر مع ذلك أنه قد جاء في الشعر الواحد يراد به الجمع٢ وأنشد:
في حَلقُكُم عَظمٌ وقَد شَجِينَا٣
يريد في حلوقكم. وقال آخر:
كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا فإنَّ زمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ٤
_________________
(١) ١ نص الكتاب ١/ ١٠٧ وأما ثلاث مائة إلى تسع مائة فكان ينبغي أن يكون مئين أو مئات، ولكنهم شبهوه بعشرين وأحد عشر حيث جعلوا ما يبين به العدد واحد لأنه اسم لعدد كما أن عشرين اسم لعدد. ٢ انظر: الكتاب ١/ ١٠٧. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ١٠٧. وهو عجز بيت تكملته: لا تنكر القتل وقد سبينا في حلقكم والشاهد فيه: وضع الحلق موضع الحلوق. وصف: أنهم قتلوا من قوم كانوا قد سبوا من قومه، ويقول: لا تنكروا قتلنا لكم وقد سبيتم منا ففي حلوقكم عظم بقتلنا لكم وقد شجينا نحن أيضا، أي: غصصنا بسببكم لم سبيتم منا، وهذا نسبه الأعلم: إلى المسيب بن زيد مناة الغنوي، وانظر المقتضب ٢/ ١٧٢، وابن يعيش ٦/ ٢٢، والخزانة ٣/ ٣٧٩ والمخصص ١/ ٣١. ٤ من شواهد سيبويه ١/ ١٠٨، وضع البطن في موضع البطون. وصف شدة الزمان وكلبه فقال: كلوا في بعض بطونكم ولا تملئوها حتى تعتادوا ذلك وتعفوا عن كثرة الأكل وتقنعوا باليسير فإن الزمان ذو مخمصة وجدب والخميص: الجائع. الصفة للزمن، والمعنى لأهله. وتعفوا مجزوم بجواب الأمر. والبيت من الأبيات الخمسين التي لا يعرف قائلها. وانظر: معاني القرآن ٢/ ١٠٢، والمقتضب ٢/ ١٧٢، والمحتسب ٢/ ٨٧، والمخصص لابن سيدة، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣١١ والمفصل للزمخشري/ ١٢٣ والصاحبي/ ١٨٠، والخزانة ٣/ ٣٧٩.
[ ١ / ٣١٤ ]
باب كم
مدخل
باب كم:
اعلم: أن لـ"كم" موضعين: تكون في أحدهما استفهامًا وفي الآخر خبرًا، فأما إذا كانت استفهامًا فهي فيه بمنزلة: عشرين وما أشبهه من الأعداد التي فيها/ ٣٥٩ نون تنصب ما يفسرها، تقول: كم درهمًا لك، كما تقول: أعشرون درهمًا لك، أثلاثون درهمًا لك، فينتصب الدرهم بعد "كم" كما انتصب بعد عشرين وثلاثين؛ لأن "كم" اسم ينتظمُ العدد كلهُ وخص الاستفهام بالنصب ليكون فرقًا بينه وبين الخبر لأن العدد على ضربين: منه ما يضاف إلى المعدود، ومنه ما لا يضاف كما ذكرنا، فجعلت "كم" في الاستفهام بمنزلة ما لا يضاف منه وذلك نحو: خمسة عشر، وعشرين، فخمسة عشر أيضًا بمنزلة اسم منون، ألا ترى أنه لا يضاف إلى ما يفسره فإذا قلت: كم درهمًا لك فإنما أردت: كم لك من الدراهم كما أنك لما قلت: عشرون درهمًا إنما أردت: عشرون من الدراهم ولكنهم حذفوا "من" استخفافًا كما قالوا: هذا أول فارس في الناس، وإنما يريدون: هذا أول الفرسان.
قال الخليل: إن كم درهمًا لك أقوى من قولك: كم لك درهمًا، وذلك أن قولك: أعشرون١ / ٣٦٠ لك درهمًا أقبح إلا أنها في "كم" عربية
_________________
(١) ١ في الكتاب ١/ ٢٩١، قال سيبويه: وزعم -يعني الخليل: أن كم درهما لك، أقوى من: كم لك درهما. وإن كانت عربية جيدة.
[ ١ / ٣١٥ ]
جيدة، وذلك قبيح في عشرين، إلا أن الشاعر قد قال١:
على أنني بعد ما قد مضى ثلاثونَ للهجرِ حولًا كميلا
واعلم: أن "كم" لا تكون إلا مبتدأة في الاستفهام والخبر، ولا يجوز أن تبنيها على فعل، وأنها تكون فاعلة في المعنى ومفعولة ومبتدأة وظرفًا، كما يكون سائر الأعداد في التقدير لا يجوز أن تقول: رأيت كم رجلًا، فتقدم عليها ما يعمل فيها. فأما كونها فاعلة فقولك: كم رجلًا أتاني وأما كونها مفعولة فقولك: كم رجلًا ضربت وأما كونها مبتدأة فقولك: كم دانقًا دراهمك.
واعلم: أنه لك ألا تذكر ما تفسر به "كم" كما جاز لك ذلك في العدد تقول: كم درهم لك، فالتقدير: كم قيراطًا درهم لك، ولا تذكر القيراط،
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ٢٩٢ وذكر بعده هذا البيت: يذكرنيك حنين العجول ونوح الحمامة تدعو هديلا فقد فصل بين الثلاثين والحول بالمجرور ضرورة، فجعل سيبويه هذا تقوية لما يجوز في كم من الفصل عوضا لما منعته من التصرف في الكلام بالتقديم والتأخير لتضمنها معنى الاستفهام والتصدير بها لذلك، والثلاثون ونحوها من العدد لا تمنع من التقديم والتأخير. والكميل: الكامل، والعجول من الإبل: الواله التي فقدت ولدها بذبح أو موت أو هبة، وقيل: الناقة التي ألقت ولدها قبل أن يتم بشهر أو شهرين. ونوح الحمامة. صوت تستقبل به صاحبها لأن أصل النوح التقابل. والهديل: تجعله العرب مرة فرخا ومرة الطائر نفسه ومرة ثالثة الصوت، فيكون مفعولا مطلقا على الأخير، ومعنى البيتين: لم أنس عهدك على بعده، وكلما حنت عجول أو صاحت حمامة رقت نفسي. فذكرتك، وخبر "أنني" يذكرنيك والبيت ينسب للعباس بن مرداس. وانظر: المقتضب ٣/ ٥٥. ومجلس تعلب/ ٤٩٢، وشرح السيرافي ٣/ ١٨ والإنصاف/ ٣٠٨، والمغني/ ٦٣٣، وابن يعيش ٤/ ١٣٠، والمسلسل/ ٣٧٠ والعيني ٤/ ٤٨٩، والخزانة ١/ ٥٧٣، وديوان العباس بن مرداس/ ١٣٦، تحقيق الدكتور يحيى الجبوري.
[ ١ / ٣١٦ ]
وتقول: كم غلمانك والمعنى كم/ ٣٦١ غلامًا غلمانك، ولا يجوز إلا الرفع في غلمانك لأنه معرفة. ولا يكون التمييز بالمعرفة، فكأنك قلت: أعشرون غلمانك، وأما كونها ظرفًا فقولك: كم ليلة سرت كأنك قلت: أعشرين ليلة سرت، وكم يومًا أقمت كأنك قلت: أثلاثين يومًا أقمت، فكم عدد.
والعدد: حكمه حكم المعدود الذي عددته به. فإن كان المعدود زمانًا فهو زمان، وإن كان حيوانًا فهو حيوان. وإن كان غير ذلك، فحكمه حكمه. ولا يجوز: كم غلمانًا لك، كما لا يجوز: أعشرون غلمانًا لك.
قال: وحكى الأخفش: أن الكوفيين يجيزونه١، وإذا قلت: كم عبد الله ماكث "فكم" ظرف، فكأنك قلت: كم يومًا عبد الله ماكث فكم أيام، وعبد الله يرتفع بالابتداء كما ارتفع بالفعل حين قلت: كم رجلًا ضرب عبد الله وتقول: كم غلمان لك، فتجعل "لك" صفة لهم٢ والمعنى: كم غلامًا غلمان لك.
قال سيبويه: وسألته -يعني الخليل- عن قولهم: على كم جذع بيتك مبني٣ / ٣٦٢ فقال: القياس والنصب وهو قول عامة الناس. يعني نصب جذع. قال: فأما الذين جروا فإنهم أرادوا معنى: "مِن" ولكنهم حذفوا ههنا تخفيفًا على اللسان. وصارت "على" عوضًا منها٤، أما "كم" التي تكون خبرا فهي في الكثير نظيره: "رُبَّ" في التقليل، إلا أن "كم": التي اسم، ورب: حرف وهي في الخبر بمنزلة اسم لعدد غير منون نحو: مائتي درهم، فهي
_________________
(١) ١ أجاز الكوفيون جمع تمييز "كم" الاستفهامية نحو: كم شهودا لك.. والذي أوهم الجمع عنده يحمل على الحال عند سيبويه، انظر الكتاب ١/ ٢٩٢، وشرح الألفية لابن الناظم/ ٢٩٠. ٢ الكتاب ١/ ٢٩٢، ونص سيبويه: وإن شئت قلت: كم غلمان لك "فتجعل غلمان" في موضع خبر "كم" وتجعل لك صفة لهم. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٢٩٣. ٤ انظر: الكتاب ١/ ٢٩٣.
[ ١ / ٣١٧ ]
مضافة وذلك قولك: كم غلام لك قد ذهب، جعلوها في الاستفهام بمنزلة: عشرين وفي الخبر بمنزلة: ثلاثة، تجر ما بعدها ولا تعمل "كم" في الخبر إلاّ فيما تعمل فيه "رب" في اسم نكرة لا يجوز أن تدخل فيه الألف واللام كما فعلت ذلك في مائة الدرهم وما أشبهها، ولا تعمل إلا في نكرة نصبت أو خفضت فتقول: كم رجل قد لقيت، وكم درهم قد أعطيت. وإن شئت قلت: كم رجال قد لقيت، وكم غلمان قد وهبت، فيجوز الجمع إذا كانت خبرًا، ولا يجوز إذا كانت استفهامًا أن تفسر/ ٣٦٣ بجميع. وتقول العرب: كم رجل أفضل منك، تجعله خبر "كم" وحكى ذلك: يونس عن أبي عمرو١، وكم تفسر ما وقعت عليه من العدد بالواحد المنكور، كما قلت: عشرون درهمًا أو بجمع منكور نحو: ثلاثة أثواب. وهذا جائز في التي تقع في الخبر. فأما التي في الاستفهام فلا يجوز فيها إلا ما جاز في العشرين٢، وناس من العرب يعملونها في الخبر كعملها في الاستفهام فينصبون كأنهم يقدرون التنوين ومعناها منونة وغير منونة سواء. وبعض العرب ينشد:
كَمْ عمةً لَكَ يَا جَريرُ وخَالةً فَدْعَاءُ قَدْ حلَبَتْ عليَّ عِشَارِي٣
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٢٩٣. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٢٩٣. ٣ من شواهد الكتاب ١/ ٢٥٣، ٢٩٣. والمبرد يرى أن "كم" استفهامية في البيت، وتوجيه ذلك بأن الاستفهام ليس على معناه الحقيقي، ولكنه على سبيل التهكم والسخرية. فكأنه يقول لجرير: أخبرني عن عدد عماتك وخالاتك اللاتي حلبن على عشارى. فقد ذهب عني عددها. وكم: مبتدأ، خبرها: جملة "قد حلبت" وأفرد الضمير مراعاة للفظ "كم". والفدع: إعوجاج في رسغ اليد من كثرة الحلب أو في رسغ الرجل من كثرة الرعي. والعشار: جمع عشراء وهي الناقة الحامل في شهرها العاشر. والبيت للفرزدق في هجاء جرير. وانظر: المقتضب ٣/ ٥٨، والموجز لابن السراج/ ٤٤، وشرح السيرافي ٣/ ١٩، والجمل للزجاجي/ ١٤٨، وابن يعيش ٤/ ١٣٣، وشرح الكافية للرضي ٢/ ٩٣، والمغني ١/ ٢٠٢، والنقائض/ ٣٣، والديوان/ ٤٥١.
[ ١ / ٣١٨ ]
وهم كثير منهم الفرزدق، وهذا البيت ينشد على ثلاثة أوجه: رفع ونصب وخفض، فإذا قلت: كم عمة فعلى معنى: رُبَّ، فإن قلت: كم عمةً فعلى وجهين: على ما قال سيبويه في لغة من ينصب في الخبر، وعلى الاستفهامِ١، فإن قلتَ: كم عمةٌ فرفعتَ أوقعتَ "كم" على الزمان فقلت: كم يومًا عمة/ ٣٦٤ لك وخالة قد حلبت عليّ عشاري، أو كم مرة ونحو ذلك.
واعلم: أنك إذا قلت: كم عمة فلست تقصد إلى واحدة بعينها. وكذلك إذا نصبت. فإن رفعت لم يكن إلا واحدة؛ لأن التمييز يقع واحدة في موضع الجميع. فإذا رفعت فإنما المعنى: كم دانقًا هذا الدرهم الذي أسألك عنه، فالدرهم واحد لأنه خبر وليس بتمييز، وإذا فصلت بين كم وبين الاسم وبشيء استغنى عليه السكون، أو لم يستغن فاحمله على لغة الذين يجعلونها بمنزلة اسم منون، وانصب لأنه قبيح أن تفصل بين الجار والمجرور قال زهير:
تَؤُمُّ سَنانًا وكَمْ دُونَهُ من الأرضِ مُحدوْدِبًا غَارُهَا٢
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٩٤. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٢٩٥. على فصل "كم" من المجرور بها ونصبه على التمييز لقبح الفصل بين الجار والمجرور. والغار: هنا الغائر من الأرض والمطمئن، وجعله محدودبا لما يتصل به من الأكمام ومتون الأرض. وقيل في الغائر: غار، كما قيل في الشائك شاك. وفي السائر سار. وصف ناقة له فقال: تؤم سنانا، هذا الممدوح على بعد المسافة بينها وبينه. وانظر: المحتسب ١/ ١٣٨، وشرح السيرافي ٣/ ١٩، والمفصل للزمخشري/ ١٨١، وابن يعيش ٤/ ١٢٩، والإنصاف/ ١٧٣، وشواهد الألفية للعاملي/ ٤٠٨، ولم يوجد في ديوان زهير المطبوع.
[ ١ / ٣١٩ ]
وإن شئت رفعت فجعلت: كم مرارًا وأنشد سيبويه:
كَمْ بِجُودٍ مقرفٍ نَالَ العُلى وكَرِيمٍ بخلهُ قد وضَعَهْ١
يفصل بين كم وبين مقرف بالظرف، وأجاز في مقرف الرفع والنصب٢ / ٢٦٥ أيضًا على ما فسرنا.
واعلم: أنك إذا قلت: كم من درهم عندك، فلا يجوز أن تقول: عندك عشرون من درهم. وقد أجروا مجرى "كم" في الاستفهام فنصبوا قولهم: له كذا وكذا درهمًا، كأنهم قالوا: له عدد ذا دراهم. قال سيبويه: هو كناية للعدد بمنزلة فلان في الحيوان، وهو مبهم وصار ذا من كذا بمنزلة التنوين؛ لأن المجرور بمنزلة التنوين. قال! وكذلك كأين رجلًا قد رأيت، قال: زعم ذلك يونس. وكائن قد أتاني رجلًا، إلا أن أكثر العرب إنما تتكلم بها مع٣ "من" قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَة﴾ ٤، فإن حذفت "من" فالكلام عربي جيد.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٢٩٦، على جواز الرفع والنصب والجر في "مقرف" فالرفع على أن تجعل "كم" ظرفا ويكون لتكثير المرار وترفع المقرف، بالابتداء وما بعده خبر، والتقدير: كم مرة مقرف نال العلى. والنصب على التمييز لقبح الفصل بينه وبين "كم" في الجر. وأما الجر فعلى جواز الفصل. بين "كم" وما عملت فيه بالمجرور ضرورة. وموقع "كم" في الموضعين رفع بالابتداء والتقدير كثير من المقرفين نال العلى بجوده. والمقرف: النذل اللئيم الأب، يريد قد يرفع اللئيم بجوده، ويتضع الكريم الأب ببخله. ونسب الشاهد إلى أنس بن زنيم وإلى عبد الله بن كويز، ولأبي الأسود الدؤلي وانظر: المقتضب ٣/ ٦١، وشرح السيرافي ٣/ ١٩، وابن يعيش ٤/ ١٣٢، والإنصاف ١٩٢. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٢٩٦. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٢٩٧. ٤ الحج: ٤٨.
[ ١ / ٣٢٠ ]
مسائل من هذه الأبواب:
تقول: عندي رطل زيتًا ورطل زيت، فمن نصب فعلى التمييز، ومن خفض أضاف، ومن رفع اتبع، وكل هذا جائز في المقادير، وكذلك: بيت تبنٍ وجرة زيتٍ، فإن قلت: شاة لحمٍ وجبة خز فالإِضافة؛ لأنك لم ترد: مقدار شاة لحمًا، ومقدار جبة خزا، فإن أردت هذا المعنى جاز/ ٣٦٦ النصب، وتقول: عندي زق عسل سمنًا، تضيف الأول وتنصب الثاني تريد: مقدار زق عسل سمنا، ولا يجوز عندي ملء زق عسلًا سمنًا إلا في بدل الغلط خاصة، لأنه لا يكون عندك ملء زق سمنًا وملؤه عسلًا، لأنه من أيهما امتلأ فقد شغله عن الآخر، ومن ذلك قوله جل وعز: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ ١ و﴿مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ ٢ ويجوز: ملءُ الأَرضِ ذَهبٌ في غير القرآن. وتقول: عندي رطلان زيتًا والرطلان زيتًا ورطلا زيت، ولا يجوز: الرطلا زيت، لأنه لا يجمع بين الألف واللام والإِضافة، وكان الكسائي يضيفه ويدخل الألف واللام في كل ما كان مفسرًا ويجيز أيضًا: الرطل الزيت، والرطل الزيت والخمسة الأثواب والخمسة الأثواب فإذا قال: رجل السوء وزن السبعة لم يجز أن تدخل عليه الألف واللام، لإن إضافته صحيحة، والبصريون يأبون إدخال الألف واللام في جميع هذا، والفراء أيضًا يأباه إلا مع الضارب الرجل/ ٣٦٧ والحسن الوجه، وقد مضى تفسير هذا. فإذا قلت: ماء فرات وتمر شهرير، ورطب بَرْنِيّ٣ قضيبا عوسج٤، ونخلتا برني، فكان ليس بمقدار معروف مشهور، فكلام العرب الخفض والاختيار فيه الإِضافة أو الإِتباع ولا يجوز فيه التمييز إذ لم يكن
_________________
(١) ١ المائدة: ٩٥. ٢ آل عمران: ٩١. ٣ البرني: ضرب من التمر أصفر مدور، وهو أجود التمر. ٤ العوسج: شجر شاك نجدي له جناة حمراء واحدته عوسجة.
[ ١ / ٣٢١ ]
مقدار. وتقول: كم مثله لك، وكم خيرًا منه لك، وكم غيره مثله لك انتصب "غير" بكم وانتصب المثل، لأنه صفة له ومثله وغيره نكرة، وإن كانا مضافين إلى معرفة وقد ذكر هذا.
ولم يجز يونس والخليل: كم غلمانًا لك؛ لأنك لا تقول: أعشرون غلمانًا لك إلا على وجه: لك مائة بيضًا وعليك راقود خلا، فإن أردت هذا المعنى قلت: كم لك غلمانا، ويقبح أن تقول: كم غلمانا لك١، لأن: لك سبب نصب: غلمان، ولا يجوز أن يتقدم عليها كما لم يجز: زيد قائمًا فيها، وقد بينا: أن العامل إذا كان معنى لم يجز أن يتقدم مفعوله عليه.
وتقول: كم أتاني لا رجل ولا رجلان وكم عبد لك/ ٣٦٨ لا عبد ولا عبدان فهذا محمول على "كَمْ" وموضعُها مِنَ الإِعرابِ لا على ما تعملُ فيهِ كم كأنك قلت: عشرونَ أتوني لا رجلٌ ولا رجلان٢ ولو قلت: كم لا رجل ولا رجلين في الخبر والاستفهام كان غير جائز. وتقول: كم منهم شاهد على فلان إذا جعلت شاهدًا خبرًا "لكم" وكذلك هو في الخبر أيضًا تقول: كم مأخوذ بك إذا أردت أن تجعل: مأخوذًا بك في موضع "لك" إذا قلت: كم لك؛ لأن "لك" لا تعمل فيه "كم" ولكنه مبني عليها٣ -خبر لها- وتقول: كم رجل قد رأيته أفضل من زيد لأنك جعلت "أفضل" خبرًا عن "كم" لأن "كم"اسم مبتدأ.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ٢/ ٢٩٢. وقد ذكر سيبويه: عشرون ثيابا، بدلا من: أعشرون غلمانا. ٢ في الكتاب ١/ ٢٩٦ وتقول: كم قد أتاني لا رجل ولا رجلان، وكم عبد لك لا عبد ولا عبدان، فهذا محمول على ما حمل عليه "كم" لا على ما عمل فيه "كم" كأنك قلت: لا رجل أتاني ولا رجلان ولا عبد ولا عبدان وذاك لأن "كم" تفسر ما وقعت عليه من العدد بالواحد المذكور كما قلت: عشرون درهما، أو بجمع فتكون نحو: ثلاثة أثواب. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٢٩٧.
[ ١ / ٣٢٢ ]
فأما "رُبَّ" إذا قلت: رُب رجل أفضل منك فلا يكون لها خبرٌ، لأنها حرف جر، وكم: لا تكون إلا اسمًا وتقول: كم امرأة قد قامت، ولا يجوز أن تقول: كم امرأة قد قمن، لأن المعنى: كم من مرة امرأة قد قامت. فإن كانت "امرأة" مميزة فقلت: كم امرأة قد قامت، جاز أن تقول: قامت وقمن لجعل الفعل مرة على لفظ المفسر ومرة على معنى "كم" وقال/ ٣٦٩ الله جل وعز: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ ١ فردوه إلى معنى "كم" وقال جل ثناؤه: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ ٢ فجاء على لفظ المفسر فإدخالك "من" وإخراجها واحد لأنك تريد التفسير. وتقول: كم ناقة لك وفصيلَها وفصيلُها نصبًا ورفعًا من رفع اتبع ما في لك ومن نصب اتبع الناقة، وإنما جاز في فصيلها النصب وهو مضاف إلى الضمير لأن التأويل: وفصيلا لها كما قيل: كل شاة وسخلتها بدرهم، فالتأويل وسخلة لها، كما قالوا: رُب رجل وأخيه والمعنى: وأخ له، فإذا قلت: كم ناقة وفصيلها لك فلا يجوز في الفصيل إلا النصب كأنك قلت: كم ناقة وكم فصيل ناقة لك وتقول: كم رجلًا قد رأيت وامرأة على لفظ "رجل" ويجوز: ونساءه لأن المعنى: رجال لكل رجل امرأة، والفراء يقول: كم رجلًا قد رأيت ونساءه، وكم رجل قد رأيت ونسائه ويقول: تأويل "رجل" جمع فلا أرد عليه بالتوحيد.
_________________
(١) ١ النجم: ٢٦. ٢ الأعراف: ٤ دخول "من" في الآيتين الكريمتين مع "كم" الخبرية كثير وذلك لموافقته جرا للمميز المضاف إليه. أما مميز "كم" الاستفهامية فقد أنكر بعض النحويين جره "بمن" في نظم ولا نثر ويرد على ذلك بقوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ . قال أبو حيان في البحر المحيط ٢/ ١٢٧: "من" آية تمييز "لكم" ويجوز دخول "من" على تمييز "كم" الاستفهامية والخبرية سواء وليها أم فصل عنها، والفصل بينهما بجملة وبظرف وبمجرور جائز على ما قرر في النحو. وانظر: الكشاف ٢/ ١٢٨، وشرح الكافية ٢/ ٩١، والمغني ٢/ ١٠٩-١١٠.
[ ١ / ٣٢٣ ]
قال أبو بكر: ويجوز عندي: كم رجلًا رأيت ونساءهم/ ٣٧٠ لأن المعنى: كم رجالًا رأيت ونساء لهم. وتقول: كم زيد قائم، وبكم ثوبك مصبوغ تريد: كم مرة أو ساعة زيد قائم، وما أشبه ذلك. وبكم درهمًا أو دينارًا ثوبك مصبوغ وما أشبه ذلك.
قال الفراء: إذا قلت: عندي خمسة أثوابًا، فهو أشبه شيء بقولك: مررت برجل حسن وجهًا.
قال أبو بكر: وليس هو عند أصحابنا١ كذلك، لأن وجهًا عندهم منصوب بأنه مشبه بالمفعول؛ لأن حسن يشبه اسم الفاعل. وقد مضى ذكر هذا. والنصب في قولهم: خمسة أثوابًا شاذ، إنما يجوز مثله في ضرورة شاعر.
وقال أحمد بن يحيى٢ -﵀: كل منصوب على التفسير فقد جعل ما قبله في تأويل الفعل، ولذلك قلت: عندي خمسة وزنًا وعددًا فجعلت لها مصدرًا. فتأويله عندي ما يعد به الدرهم خمسة وكذلك في كل التفسير ترده تقديره إلى أن تقدره الفعل: فإن قال قائل: فأنت تقول: ما/ ٣٧١ أحسنك من الرجال وما أحسنك من رجل فيثبتهما إذًا فيه فرق إذا قلت: ما أحسنك من الرجال فإنما تريد: أنتَ حَسَنٌ مِن بينهم ومِن جماعتِهم وإذا قلتَ: مِنْ رجل ففيها مَذاهب.
أما مذهب أبي العباس محمد بن يزيد -﵀- فيقول: فصلوا بين الحال والتمييز، وقد مضى ذكر ذلك. وقال غيره: تكون "من" هنا لابتداء الغاية كأنك قلت: ما أحسنك من أول أحوالك يوصف بها الرجل إلى غاية النهاية ومذهب آخر أن تكون "من" تبعيضًا للجنس المميز برجل رجل كأنك
_________________
(١) ١ أي: البصريون، لأنهم يرون أن الصفة المشبهة تعمل عمل اسم الفاعل. ٢ أحمد بن يحيى: أبو العباس الملقب بثعلب، كبير نحاة الكوفة في عصره، مات سنة "٢٩١هـ" وترجمته مستوفاة في: إنباه الرواة ١/ ١٣٨، وطبقات الزبيدي/ ١٥٥، ونزهة الألباء/ ٢٩٣، ومعجم الأدباء ٥/ ١٠٢.
[ ١ / ٣٢٤ ]
قلت: ما أحسنك من الرجال إذا ميزوا رجلًا رجلًا، فجعلت رجلًا موحدًا ليدل على تمييز الرجال بهذا الإِفراد وكذلك: ما أحسنك من رجلين. كأنك قلت: من الرجال إذا ميزوا رجلين رجلين. والقياس على مذهب الكسائي: عندي الخمسة الألف الدرهم، فيجعل الخمسة مضافة إلى الالف، والألف مضافة إلى الدرهم، وذا عندنا لا يجوز، وتقول على مذهبهم: عندي الخمسة/ ٣٧٢ العشر الألْف الدرهم، فتفتح الخمسة والعشر، وتنصب الألْف على التفسير وتضيفه إلى الدرهم. وهذا لا يجوز لما قدمنا ذكره. وتقول: عندي عشرون رجلًا صالحًا وعندي عشرون رجلًا صالحون ولا يجوز: صالحين على أن تجعله صفة رجل، فإن كان جمعًا على لفظ الواحد جاز فيه وجهان: تقول: عندي عشرون درهمًا جيادًا وجياد، من رفع جعله صفة للعشرين ومن نصب أتبعه المفسر وهذا البيت ينشد على وجهين:
فِيهَا اثْنَتَانِ وأرْبَعُونَ حَلُوبةً سُودًَا كَخَافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحمِ١
يروى: سود وتقول: عندي ثلاث نسوة وعجوزان، وشابة وعجوزين وشابة. ترده مرة على ثلاث ومرة على نسوة وإذا قلت: خمستك أو خمسة أثوابك لم تخرج منه مفسرًا؛ لأنه قد أضيف وعلم. ويجيز البغداديون: خمسة دراهمك، ودرهمك ينوي في الأول الإِضافة وهذا إنما يجوز عندي مثله في ضرورة الشاعر قالوا/ ٣٧٣: وقد سمع: برئت إليك من خمسة وعشري
_________________
(١) ١ من نصب "سود" ورفعها، على الصفة والتمييز، ويروى: خلية موضع حلوبة، فلا شاهد فيه حينئذ والخلية أن يعطف على الحوار ثلاث من النوق ثم يتخلى الراعي بواحدة منهن فتلك الخلية، والحلوبة: التي يحتلبون فهي محلوبة وفيه الشاهد، فإن "فعولا" إذا كان بمعنى مفعول جاز فيه لحاق التاء وحذفها، فإن كان بمعنى فاعل لم يجز فيه إلا حذف التاء، تقول: امرأة صبور وشكور، وشذ من ذلك قولهم: عدوة، فهو مؤنث عدو. قال سيبويه: شبهوا عدوة بصديقة. وانظر: شرح المفصل لابن يعيش ٣/ ٥٥، وشعراء النصرانية/ ٨١٠، والعيني ٤/ ٤٨٧، والعيني ٤/ ٤٨٧، والخزانة ٣/ ٣١٠. والديوان/ ٢١٦، وشرح الديوان/ ١٤٤، والمعلقات السبع ١٦٥.
[ ١ / ٣٢٥ ]
النخاسين قالوا: ولا يجوز مع المكنى، وتقول: عندي خمسةٌ وزنًا، تنصب وترفع، من نصب فعلى المصدر، ومن رفع جعله نعتًا. كأنه قال: خمسة موزونة وإذا قالوا: عندي عشرون وزن سبعة، نصبوا ورفعوا مثل ذلك، وكذلك إن أدخلوا الألف واللام قالوا: عندي العشرون وزنُ السبعة، ووزنَ السبعة، النصب والرفع، وكان الأخفش يجيز: كم رجلًا عندك وعبيده، يعطف "عبيده" على المضمر الذي في "عندكَ" ويرفعهُ قال: ولو قلت: كَمْ رجلًا وعبيدهُ عندك على التقديمِ والتأخير جاز، كأنك قلت: كم رجلًا عندك وعبيده قال الشاعر:
ألا يَا نَخْلَةً مِنْ ذَاتِ عِرْقِ عَلَيْكِ وَرَحْمَة اللهِ السَّلامُ١
وقال يزيدُ بنُ الحكم الثقفي:
جَمَعْتَ وَبُخلًا غِيَبةً ونَمِيمَةً ثَلاَثَ خِصَال لَسْتَ عَنْها بِمُرْعَوي٢
قال: وقد فسروا الآية في كتاب الله جل وعز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
_________________
(١) ١ الشاهد فيه قوله "ورحمة" عطف على الضمير المستكن في "عليك" الراجع إلى "السلام" لأنه في التقدير: السلام حصل عليك، فحذف "حصل" ونقل ضميره إلى "عليك" واستتر فيه، ولو كان الفعل محذوفا مع الضمير لزم العطف بدون المعطوف عليه، وروي الشطر الثاني: برود الظل شاعكم السلام، وحينئذ فلا شاهد فيه. وذات عرق: موضع بالحجاز وميقات أهل العراق للإحرام بالحج. وقوله: نخلة كناية عن المرأة، وأصل هذه الكناية أن عمر بن الخطاب -﵁: نهى الشعراء عن ذكر النساء في أشعارهم لما في ذلك من الفضيحة. والبيت للأحوص، وانظر: الخصائص ٢/ ٣٨٦، والجمل للزجاجي ١٥٩، ومجالس ثعلب ٢٣٩، وأمالي ابن الشجري ١/ ١٨٠، والمغني ١/ ٣٩٥. ٢ الشاهد فيه على ما في البيت قبله من العطف، وقد أجاز ابن جني في الخصائص: تقديم المفعول معه على المعمول لمصاحبة المصاحب متمسكا بهذا البيت. والأصل: جمعت غيبة وفحشا، والأولى المنع رعاية لأصل الواو، والشعر ضرورة، ويروى: ثلاث خلال لست عنها بمرعوي، وكذلك خصال ثلاث لست عنها بمرعوي. والغيبة: عدوان الجواب، والغيبة: أن يتكلم الإنسان خلف إنسان بما يغمه لو سمعه، والنميمة: إفساد الكلام وتزينه بالكذب، ومرعوي يقال: ارعوى عن القبح: رجع عنه والشاعر يعاتب ابن عمه. وانظر: الخصائص ٢/ ٣٨٣، وأمالي ابن الشجري ١/ ١٧٧، والقالي ١/ ٦٧، والتصريح ١/ ٣٤٤، والهمع ١/ ٢٢٠ والأشموني ٢/ ١٣٧، والعيني ٣/ ٨٦، والخزانة ١/ ٤٩٦.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ١ والصابئون [كذلك] وتقول: كم يسرك أن لك درهمًا. فتنصب الدرهم وتعني: درهمًا واحدا، ولو قلت: كم يسرك أن لك من "درهم" لم يجز لأن "أن" لا اسم لها، وكذلك لو قلت: كم درهمًا يسرك أن لك، لم يجز وتصحيح المسألة: كم يسرك أنه لك من درهم، تريد: كم من درهم يسرك أنه لك وتقول: كم تزعم أن إلى زيد درهمًا قد دفع، تنصب درهمًا "بأن" ودرهم ههنا واحد، وكم مرار تريد: كم مرة تزعم، وتقول: كم عندك قائمًا رجلًا، تنصب "قائمًا" على الحال، وتجعل خبر "كم" "عندك" وهو قبيح؛ لأنك قد فصلت بين "كم" وبين ما عملت فيه، وتقول: كم مالك إلا درهمان، إذا كنت تستقله وكم عطاؤك إلا خمسون كأنك قلت: كم درهمًا مالك إلا درهمان وكم درهمًا عطاؤك إلا خمسون، فهذا في الاستقلال كقول القائل: هل الأمير إلا عبد الله، وهل الدنيا إلا شيء زائل/ ٣٧٥ وتقول: كم ثلاثة ستة إلا ثلاثتان، وكم خمسة عشرة إلا خمستان، وكم رجلًا أصحابك إلا خمسون، إذا كنت تستقل عددهم، ويكون ما بعد إلا تفسيرًا "لكم" وترفعه إذا كانت "كم" رفعًا، وتنصب إذا كانت "كم" نصبًا وتجره إذا كانت "كم" جرا يقول: كم ثلاثة وجدت ستة إلا ثلاثين، وبكم درهمًا أرضك إلا ألف، وكذلك: كم ثلاثة ستة إلا ثلاثتان، وكم عشرون خمسة إلا أربع خمسات. هذا على الاستثناء تجعل ما بعد إلا بدلًا من "كم" كأنك
_________________
(١) ١ المائدة: ٦٩ عطف "الصابئون" على موضع اسم "إن" قبل تمام الخبر وهو قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ .
[ ١ / ٣٢٧ ]
قلت: هل بشيء أرضك إلا ألف، وهل شيئًا وجدت ستة إلا ثلاثين فاعتبر هذا بهذا.
قال أبو بكر: قد فرغنا من ذكر المرفوعات والمنصوبات وذكرنا في كل باب من المسائل مقدارًا كافيًا فيه دربة للمتعلم ودرس للعالم بحسب ما يصلح في هذا الكتاب؛ لأنه كتاب أصول ونحن نفرد كتابًا لتفريع الأصول ومزج بعضها ببعض ونسميه كتاب الفروع ليكون فروع هذه الأصول، إن أخر الله في الأجل وأعان/ ٣٧٦، وإذا فرغنا من الرفع والنصب فلنذكر الضم والفتح اللذين يضارعانهما إن شاء الله.
ذكر الاسم المضموم والمفتوح اللذين١ يضارعان المعرب:
اعلم: أن الضم الذي يضارع الرفع هو الضم الذي يطرد في الأسماء ولا يخص اسمًا بعينه، كما أن الفعل هو الذي يرفع الأسماء، ولا يخص اسمًا بعينه وهذا الضرب إنما يكون في النداء، وأما الفتح الذي يشبه النصب فما كان على هذا المنهاج مطردًا في الأسماء ولا يخص اسمًا بعينه، وهذا الضرب إنما يكون في النفي "بلا" وسنذكر كل واحد منهما في بابه، إن شاء الله.
_________________
(١) ١ في الأصل "الذين".
[ ١ / ٣٢٨ ]
باب النداء
مدخل
باب النداء:
الحروف التي ينادى بها خمسة١: يا، وأيا، وهيا، وأي، وبالألف، وهذه ينبه بها المدعو، إلا أن أربعة غير الألف يستعملونها إذا أرادوا أن يمدوا أصواتهم للشيء المتراخى عنه أو للإِنسان المعروض أو النائم المستثقل/ ٣٧٧، وقد يستعملون هذه التي للمد في موضع الألف، ولا يستعملون الألف في هذه المواضع التي يمدون فيها، ويجوز أن تستعمل هذه الخمسة إذا كان صاحبك قريبًا مقبلًا عليك توكيدًا وإن شئت حذفتهن كلهن استغناء إلا في المبهم والنكرة فلا يحسن أن تقول: هذا وأنت تريد: يا هذا ولا رجل وأنت تريد: يا رجل ويجوز حذف: يا، من النكرة في الشعر. والندبة يلزمها: يا ووا، "ووا" يخص بها المندوب. وأصل النداء تنبيه المدعو ليقبل عليك وتعرض فيه الاستغاثة والتعجب والمدح والندبة وسنذكر ذلك في مواضعه، والأسماء المناداة تنقسم على ثلاثة أضرب: مفرد ومضاف ومضارع للمضاف بطوله.
_________________
(١) ١ في الكتاب ١/ ٣٢٥: فأما الاسم غير المندوب فينبه بخمسة أشياء: بيا، وأيا، وهيا، وأي، والألف، نحو قولك: أحار بن عمرو، إلا أن الأربعة غير الألف قد يستعملونها إذا أرادوا أن يمدوا أصواتهم للشيء المتراخى عنهم أو للإنسان المعرض عنهم، الذين يرون أنه لا يقبل عليهم إلا باجتهاد
[ ١ / ٣٢٩ ]
شرح الأول:
وهو الاسم المفرد في النداء، الاسم المفرد ينقسم على ضربين: معرفة ونكرة، فالمعرفة: هو المضموم في النداء، والمعرفة المضمومة في النداء على ضربين:
إحداهما/ ٣٧٨: ما كان اسمًا علمًا قبل النداء، نحو: زيد وعمرو فهو على معرفته.
وضرب كان نكرة فتعرف بالنداء نحو: يا رجل أقبل، صار معرفة بالخطاب وأنه في معنى: يا أيها الرجل.
فهذان الضربان هما اللذان يُضَمّان في النداء تقول: يا زيد، ويا عمرو، ويا بكر، ويا جعفر، ويا رجل أقبل، ويا غلام تعال. فأما: يا زيد فزيد وما أشبهه من المعارف معارف قبل النداء، وهو في النداء معرفة كما كان، ولو كان تعريفه بالنداء لقدر تنكيره قبل تعريفه، ويحيل قول من قال: أنه معرفة بالنداء فقط، إنك قد تنادي باسمه من لا تعلم له فيه شريكًا، كما تقول: يا فرزدق أقبل، ولو كنت لا تعرف أحدًا له مثل هذا الاسم ولو لم يكن عرف أن هذا اسمه فيما تقدم لما أجابك إذا دعوته به. ومن قال إذا قلت: يا زيد، أنه معرفة بالنداء١، فهذا الكلام من وجه حسن ومن وجه قبيح عندي، أما حسنة: فأن/ ٣٧٩ يعني: أن أول ما يوضع الاسم ليعرف به الإِنسان أنه ينادى به فيقول له أبوه أو من سماه مبتدأ: يا فلان، وإذا كرر ذلك عليه، علم أنه اسمه، ولولا التكرير أيضًا ما علم، فمن قال: أن الاسم معرفة بالنداء أي: أصله أنه به صار يعرف المسمى، فحسن، وإن كان أراد: أن التعريف الذي كان فيه قد زال وحدث بالنداء تعريف آخر، فقد بينا وجه الإِحالة فيه ويلزم قائل هذا القول شناعات أخر عندي.
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب ٤/ ٢٠٥.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وأما قولك: يا رجل. فهذا كان نكرة لا شك فيه قبل النداء، وإنما صار باختصاصك له وإقبالك عليه في معنى: يا أيها الرجل، فرفع وإنما ادعى من قال: أن: يا زيد معرفة بالنداء١ لا بالتعريف الذي كان له. قيل: إنه وُجِد الألف واللام لا يثبتان مع "يا" في التعريف في التثنية، ألا ترى أنك تقول يا زيدان أقبلا ولولا "يا" لقلت: الزيدان إذا أردت التعريف، وإنما حذفت الألف واللام استغناء "بيا" عنهما، إذ كانتا آلة للتعريف، كما حذفنا/ ٣٨٠ من النكرة في النداء أيضًا. ووجدنا ما ينوب عنهما فليس ينادي شيءٌ مما فيه الألف واللام إلا الله عز وجل٢.
قال سيبويه: وذلك من أجل أن هذا الاسم لا تفارقه الألف واللام وكثر في كلام العرب٣.
وأما الاسم النكرة الذي بقي على نكرته فلم يتعرف بتسمية ولا نداء فإذا ناديته فهو منصوب، تقول: يا رجلًا أقبل ويا غلامًا تعال، وكذلك إن قلت: يا رجلًا عاقلًا تعالى، فالنكرة منصوبة وصفتها أو لم تصفها، ومعنى هذا أنك لم تدع رجلًا بعينه، فمن أجابك فقد أطاعك، ألا ترى أنه يقول: من هو وراء حائط ولا يدري من وراءه من الناس: يا رجلًا أغثني، ويا غلامًا كلمني، كما يقول: الضرير يا رجلًا خذ بيدي فهو ليس يقصد واحدًا بعينهِ بَل من أخذَ بيدهِ فهو بغيتُهُ قال الشاعر:
فيا رَاكِبًا إما عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ نَدامَايَ مِنْ نَجْرَان أنْ لا تَلاقِيا٤
_________________
(١) ١ يرد على المبرد، انظر: المقتضب ٤/ ٢٠٥. ٢ لأن الألف واللام إنما يدخلان للتعريف والنداء تعريف لأنك لا تنادي إلا من قد عرفته، فكرهوا الجمع بين تعريفين وأما الألف واللام في اسم الله تعالى فمن نفس الاسم. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٣٠٩. ٤ من شواهد سيبويه ١/ ٣١٢. على نصب "راكب" لأنه منادى منكور إذ لم يقصد به راكبا بعينه. وإنما التمس راكبا من الركبان يبلغ قومه تحيته، ولو أراد راكبا بعينه لبناه على الضم ولم يجز تنوينه ونصبه لأنه ليس بعده شيء نكرة يكون من وصفه. والراكب: راكب الإبل، ولا تسمي العرب راكبا على الإطلاق إلا راكب البعير والناقة والجمع ركبان. عرضت: بمعنى أتى العروض، وهي مكة والمدينة وما حولهما. وبمعنى: تعرضت وظهرت، وبمعنى: بلغت العرض، وهي جبال نجد. والندامى: جمع ندمان بمعنى نديم، وهو المشارب، وإنما قيل له: ندمان من الندامة، لأنه إذا سكر تكلم بما يندم عليه، وقيل: المنادمة مقلوبة من المدامنة، وذلك إدمان الشراب ويكون النديم والندمان أيضا: المجالس والمصاحب على غير الشراب. ونجران: مدينة بالحجاز من شق اليمن والبيت لعبد يغوث الحارثي. وانظر: المقتضب ٤/ ٢٠٤، وشرح السيرافي ٣/ ٤٤، والخصائص ٢/ ٤٤٨، والمفضليات/ ١٥٦، والأغاني ١٥/ ٧٢، وأمالي القالي ٣/ ١٣٢، وذيل الأمالي/ ٥٢، ومعجم البلدان ٥/ ٢٦٦، وابن يعيش ١/ ١٢٧.
[ ١ / ٣٣١ ]
وإنما أعربت النكرة ولم تبن لأنها لم تخرج عن بابها إلى/ ٣٨١ غير بابها كما خرجت المعرفة، فإن قال قائل: ما علمنا أن قولهم: يا زيد مبني على الضم وليس بمعرب مرفوع١ قيل: يدل على أنه غير معرب أن موضعه نصب، والدليل على ذلك أن المضاف إذا وقع موقع المفرد نصب، تقول: يا عبدَ الله، وأن الصفة قد تنصب على الموضع تقول: يا زيدُ الطويلُ فلو كانت الضمة إعرابًا لما جاز أن تنصبه إذا أضفناه، ولا أن تنصب وصفه، لكنا نقول: أنه مضموم، مضارع للمرفوع ويشبهه من أجل أن كل اسم متمكن يقع في هذا الموضع يضم فأشبه من أجل ذلك المرفوع "بقام" يعني الفاعل؛ لأن كل اسم متمكن يلي "قام" فهو مرفوع، فلهذا حسن أن تتبعه النعت فتقول: يا زيدٌ الطويل كما تقول: قام زيد الطويل، يا زيد وعمرو، فتعطف كما تعطف على المرفوع.
_________________
(١) ١ علل المبرد في المقتضب ٤/ ٢٠٤ "بناء المنادى بقوله" فإن كان المنادى واحدا مفردا معرفة بني على الضم، ولم يلحقه التنوين، وإنما فعل ذلك به لخروجه عن الباب، ومضارعته ما لا يكون معربا، وذلك أنك إذا قلت: يا زيد، ويا عمرو فقد أخرجته من بابه لأن حد الأسماء الظاهرة أن يخبر بها واحد عن واحد غائب والمخبر عنه غيرها فتقول: قال زيد، فزيد غيرك وغير المخاطب، ولا تقول: قال زيد وأنت تعنيه، أعني: المخاطب، فلما قلت: يا زيد - خاطبته بهذا الاسم فأدخلته في باب ما لا يكون إلا مبنيا نحو: أنت وإياك والتاء في قمت.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وينبغي أن تعلم: أن حق كل منادى النصب. من قبل أن قولك: يا فلان ينوب عن قولك: أنادي/ ٣٨٢ فلانًا؛ لأن قولك: "يا" هو العمل بعينه وأنه فارق سائر الكلام. لأن الكلام لفظ يغني عن العمل، وهذا العمل فيه هو اللفظ. فإن قلت: ناديت زيدًا بعدَ قولِكَ: يا زيد وهو مثل قولِكَ: ضربت زيدًا، بعدَ علمِكَ ذلكَ به، فتأملْ هذا فإنه منفرد به هذا الباب.
وأما السبب الذي أوجب بناء الاسم المفرد فوقوعه موقع غير المتمكن، ألا ترى أنه قد وقع موقع المضمرة والمكنيات والأسماء إنما جعلت للغيبة لا تقول: قام زيد وأنت تحذف زيدًا عن نفسه، إنما تقول: قمت يا هذا فلما وقع زيد وما أشبهه بعد "يا" في النداء موقع أنت والكاف وأنتم وهذه مبنيات لمضارعتها الحروف بُني، وسنبين أمر المبنيات في مواضعها. وبني على الحركة في النداء لأن أصله التمكن ففرق بينه وبين ما لا أصل له في التمكن فأما تحريكه بالضم دون غيره فإنهم شبهوه بالغايات نحو قبل وبعد إذ كانت تعرب بما يجب لها من الإِعراب/ ٣٨٣ إذا أضفتها وهو النصب والخفض دون الرفع، وتقول: جئت قبلك ومن قبلك فلما حذف منها الاسم المضاف إليه بني الباقي على الضم، وهي الحركة التي لم تكن له قبل البناء، فعلم أنها غير إعراب. فقالوا: جئتك من قبل ومن بعد ومن علُ يا هذا، فكذلك هذا المنادى لما كان مضافهُ منصوبًا ضم مفرده، ألا ترى أنك تقول: يا عبد الله فتنصب، فإن لم تضف قلت: يا عبد ويا غلام فضممت فكذلك التقدير في كل مفرد، وإن كنت لم تفرد عن إضافة فهذا تقديره.
واعلم: أن لك أن تصف زيدًا وما أشبهه في النداء وتؤكده وتبدل منه وتعطف عليه بحرف العطف وعطف البيان. أما الوصف فقولك: يا زيد الطويلُ والطويلَ فترفع على اللفظ وتنصب على الموضع١، فإن وصفته
_________________
(١) ١ هذا إذا كان مفردا، فيجوز فيه الرفع والنصب.
[ ١ / ٣٣٣ ]
بمضاف نصبت الوصف لا غير١ لأنه لو وقع موقع زيد لم يكن إلا منصوبًا تقول: يا زيد ذا الجمة/ ٣٨٤ وكذلك إن أكدته تقول: يا زيد نفسُهُ ويا تميم كلكُم ويا قيس كلكُم. فأما يا تميم أجمعون، فأنت فيه بالخيار، إن شئت رفعت وإن شئت نصبت، حكم التأكيد حكم النعت، إلا أن الصفة يجوز فيها النصب على إضمار "أعني" ولا يجوز في أجمعين ذلك، وأما البدل فقولك: يا زيد زيدٌ الطويلَ، ويا زيد أخان؛ لأن تقدير البدل أن يقوم الثاني مقام الأول فيعمل فيه ما عمل في الأول فقولك: يا زيد أخانا كقولك: يا أخانا.
واعلم: أن عطف البيان كالنعت سواء، لا يلزمك فيه طرح التنوين كما لا يلزمك في النعت طرح الألف والام، تقول: يا زيدٌ زيدًا فتعطفُ على الموضعِ، ويا زيدٌ زيدٌ وأمر البدل وعطف البيان سنذكرهما مع ذكر توابع الأسماء وهذا البيت ينشد على ضروب:
إني وأسطارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا لَقَائِلٌ: يا نَصْرُ نَصْرًَا نَصْرَا ٢
فمن قال: يا نصر نصرًا، فإنه جعل المنصوبين تبيينًا للمضموم وهو
_________________
(١) ١ قال سيبويه: إنه من قال: يا زيد الطويل فنصب المنادى ثم وصفت النعت بمضاف نحو: "ذو الجمة" وجب عليه أن ينصب الوصف، لأنه لمنصوب، نحو قولك: يا زيد الطويل ذا الجمة. وانظر: الكتاب ١/ ٣٠٨. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٣٠٤ على نصبه "نصرا" نصرا حملا على موضع الأول لأنه في موضع نصب، ولو رفع حملا على لفظ الأولى لجاز، كما تقول: يا زيد العاقلُ والعاقلَ. والأسطار: جمع سطر وهو الخط، ونصر: هو نصر بن سيار عامل بني أمية في آخر دولتهم على خراسان، وفي رواية: يا نصر نضر نصرا بالضاد المعجمة في الثاني، وهو صاحب نصر، ولا معنى لذكره بين الأول والثالث إلا أن يعرب خبرا لمبتدأ محذوف، أي: هذا نضر، في رواية أخرى: يا نصر نصرا برفع الثاني والأول. وانظر: المقتضب ٤/ ٢٠٨، وشرح السيرافي ٣/ ٣٣، والخصائص ١/ ٣٤٠، والمغني ٢/ ٤٣٤، وابن يعيش ٣/ ٧٢، وملحقات ديوان رؤبة/ ١٧٤.
[ ١ / ٣٣٤ ]
الذي يسميه النحويون عطف البيان، وسأفرق لك/ ٣٨٥ عطف البيان من البدل في موضعه، ومجرى العطف للبيانِ مجرى الصفةِ فأجريا على قولك: يا زيد الظريفَ وتقديرهُ: يا رجل زيدًا أقبل على قول من نصب الصفة. وينشد:
يا نَصْرُ نَصْرا١
جعلهما تبيينًا وأجرى أحدهما على اللفظ والآخر على الموضع كما تقول: يا زيدٌ الظريف العاقلُ ولو نصبت "العاقل" على "أعني" كان جيدًا، ومنهم من ينشده:
يا نَصْرُ نَصْرُ نَصْرا٢
فجعل الثاني بدلًا من الأول، وتنصب الثالث على التبيين فكأنه قال:
يا نَصْرُ نصرُ نَصْرا٣.
وأما العطف فقولك: يا زيد وعمرو أقبلا، ويا هند وزيد أقبلا، ولا
_________________
(١) ١ نصر الأول روي فيه وجهان: ضمه. ونصبه. ٢ ونصر الثاني: روي بأربعة أوجه: ضمه، ورفعه منونا، ونصبه، وجره: ٣ نصر الثالث: روي فيه وجه واحد وهو النصب. وتوجيه هذه الروايات: أ- ضم الأول مع رفع الثاني على أن يكون الثاني عطف بيان على اللفظ عند سيبويه. انظر الكتاب جـ١/ ٣٠٥، وعند الرضي: هو توكيد لفظي، وضعف البيان والبدل بقوله: لأن البدل وعطف البيان يفيدان ما لا يفيده الأول من غير معنى التأكيد، والثاني فيما نحن فيه لا يفيد إلا التأكيد. ب- ضم الأول مع نصب الثاني عطف بيان على المحل أو توكيد أو نصب بتقدير: أعني. أو مصدر بدل من فعل الأمر أو مصدر أريد به الدعاء. جـ- نصب الأول وجر الثاني على إضافة الأول إلى الثاني، كما تقول: حاتم الجود أو طلحة الخير. وإعراب نصب الثالث أن يكون عطف بيان أو توكيدا على المحل إذا ضم نصر الأول أو هو منصوب على المصدرية. وانظر: شرح الكافية ١/ ١٢٥، وشرح المفصل ٢/ ٣. المقتضب ٤/ ٢٠٩.
[ ١ / ٣٣٥ ]
يجوز عطف الثاني على الموضع لما ذكرناه في باب العطف وهو أن حكم الثاني حكم الأول لأنه منادى مثله وكل مفرد منادى فهو مضموم. وقد قالوا على ذلك: يا زيد والحرث لما دخلتِ الألفُ واللامُ "ويا" لا تدخل عليهما، فاعلم وإنما يبنى الأولُ لأنه منادى مخاطب باسمه، وعلة/ ٣٨٦ الثاني وما بعده كعلة الأول لا فرقَ بينهما في ذلك، ألا ترى أنهم:
يقولون: يا عبدَ الله وزيدٌ فيضمون الثاني والأول منصوب لهذه العلة ولولا ذلك لم يجز، قال جميع ذلك ابن السراج، أيضًا فإن عطفت اسمًا فيه ألف ولام على مفرد فإن فيه اختلافًا.
أما الخليل وسيبويه والمازني: فيختارون الرفع، يقولون: يا زيدٌ والحارثُ أقبلا١، وقرأ الأعرج وهو عبد الرحمن بن هرمز: "يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرُ"٢. وأما أبو عمرو وعيسى ويونس وأبو عمر الجرمي فيختارون النصب٣، وهي قراءة العامة. وكان أبو العباس يختار النصب في قولك: يا زيد والرجلُ ويختار الرفع في الحارث إذا قلت: يا زيدٌ والحارثُ؛ لأن الألف واللام في "الحارث" دخلت عنده للتفخيم، والألف واللام في الرجل دخلتا بدلًا من "يا" لأن قولك: النضر والحارث، ونصر وحارث بمنزلة٤ ومثل
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب جـ١/ ٣٠٥. ٢ سبأ: ١٠، القراءة برفع "والطير" من الشواذ. انظر: النشر جـ٢/ ٣٤٩، والإتحاف/ ٣٥٨. ٣ قال الفراء: والطير منصوبة على جهتين: إحداهما أن تنصبها بالفعل بقوله: ولقد آتينا داود منا فضلا وسخرنا له الطير، فيكون مثل قولك: أطعمته طعاما وماء، تريد؛ وسقيته ماء. فيجوز ذلك، والوجه الآخر بالنداء لأنك إذا قلت: يا عمرو والصلت أقبلا، نصبت الصلت لأنه إنما يدعي: بيا أيها، فإذا فقدتها كان كالمعدول عن جهته فنصب. وقد يجوز رفعه على أن يتبع ما قبله. ويجوز رفعه على "أوبي أنت والطير" أي: بالعطف على الضمير المرفوع في قوله: "أوبي" انظر: معاني القرآن، ١/ ٣٥٥. والمقتضب ٤/ ٢١٢. ٤ المقتضب ٤/ ٢١٢-٢١٣.
[ ١ / ٣٣٦ ]
ذلك اختلافهم في الاسم المنادى إذا لحقه التنوين اضطرارًا في الشعر، فإن الأولين يؤثرون رفعه ١ / ٣٨٧ أيضًا ويقولون: هو بمنزلة مرفوع لا ينصرف يلحقه التنوين فيبقى على لفظه وأبو عمرو بن العلاء وأصحابه يلزمون النصب ويقولون هو بمنزلة قولك: مررت بعثمان يا فتى، فإذا لحقه التنوين رجع إلى الخفض٢. فإن كان المنادى مبهمًا، فحكمه حكم غيره، إلا أنه يوصف بالرجل وما أشبهه من الأجناس وتقول: يا أيها الرجل أقبل، فيكون "أي" ورجل كاسم واحد "فأي" مدعو والرجل نعت له، ولا يجوز أن يفارقه نعته؛ لأن "أيا" اسم مبهم ولا يستعمل إلا بصلة، إلا في الجزاء والاستفهام فلما لم يوصل أُلزم الصفة لتبينه كما كانت تبينه الصلة. و"ها" تبينه وكذلك إذا قلت: يا هذا الرجل، فإذا قلت: يا أيها الرجل لم يصلح في "الرجل" إلا الرفع؛ لأنه المنادى في الحقيقة و"أي" مبهم متوصل إليه به. وكذلك: يا هذا الرجل إذا جعلت هذا سببًا إلى نداء الرجل، ولك أن تقيم الصفة مقام الموصوف فتقول: / ٣٨٨ يا أيها الطويل ويا هذا القصير كقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ ٣ فإن قدرت الوقف على هذا ولم تجعله وصلة إلى الصفة وكان مستغنيًا بإفرادهِ كنت في صفته بالخيار: إن شئت رفعت وإن شئت نصبت كما كان ذلك في نعت زيد فقلت: يا هذا الطويلُ والطويلَ.
وأما "أي" فلا يجوز في وصفها النصب لأنها لا تستعمل مفردة فإن وصفتَ الصفةَ بمضافٍ فهو مرفوع لأنك إنما تنصب صفة المنادى فقط.
قال الشاعر:
يا أيُّها الجَاهِلُ ذو التَّنَزِّي٤
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب ٤/ ٢١٣. ٢ هذا نص المبرد في المقتضب ٤/ ٢١٣. ٣ يوسف: ٨٨. ٤ من شواهد سيبويه ١/ ٣٠٨. قال الأعلم: ولو نصب "ذو التنزي" على البدل من "أي" أو إرادة النداء على معنى: "ويا ذا التنزي" لجاز. وروى ابن الشجري هذا الشاهد بالنصب "ذا التنزي" وجعله على استئناف نداء وذكر بعده: لا توعدني حية بالنكز. والتنزي: تسرع الإنسان إلى الشر، ويقال: نكزته الحية نكزا إذا ضربته بفيها، ولم تنهشه ونسب هذا الرجز لرؤبة بن العجاج وهو مطلع أرجوزة في ديوانه. وانظر: المقتضب ٤/ ٢١٨، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٣٠٠، والعيني ٤/ ٢١٩، وديوان رؤبة/ ٦٣.
[ ١ / ٣٣٧ ]
فوصف "الجاهل" وهو صفة بـ"ذو" ويجوز النصب على أن تجعله بدلًا من "أي" فتقول: يا أيها الجاهل ذا التنزي، ولا يجوز أن تقول: هذا أقبل وأنت تناديه تريد: يا هذا كما تقول: زيد أقبل وأنت تريد يا زيد ولا: رجل أقبل؛ لأن هذين نعت لأي، فإن جاء في الشعر فهو جائز ولك أن تسقط "يا" فتقول: زيد أقبل وإنما قبح إسقاط حرف النداء من هذا/ ٣٨٩ ورجل لأنهما يكونان نعتًا لأي فلا يجمع عليها حذف المنعوتِ وحرفُ النداءِ فاعلم.
فأما قولهم: اللهُّم اغفر لي، فإنَّ الخليل كان يقول: الميم المشددة في آخرهِ بدل من "يا" التي للنداء لأنهما حرفان مكان حرفين١.
قال أبو العباس: الدليل على صحة قول الخليل: أن قولك: اللهم لا يكون إلا في النداء لا تقول: غفر اللهم لزيد ولا: سخط اللهم على زيد كما تقول: سخط الله على زيد وغفر الله لزيد وإنما تقول: اللهم اغفر لنا اللهم اهدنا وقال: فإن قال الفراء: هو نداء معه "أم" قيل: له فكيف تقول: اللهم اغفر لنا، واللهم أمنا بخير فقد ذكر "أم" مرتين قال: ويجب على قوله أن تقول: يا اللهم لأنه: يا الله أمنا ولا يلزم ذلك الخليل: لأنه يقول الميم بدل من يا٢.
وإذا وصفت مفردًا بمضاف لم يكن المضاف إلا منصوبًا تقول: يا زيد.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣١٠. ٢ انظر: المقتضب ٤/ ٢٣٩.
[ ١ / ٣٣٨ ]
ذا الجمة، فأما: يا زيد الحسن الوجه، فإن سيبويه: يجيز الرفع والنصب في الصفة، لأن معناه عنده الانفصال فهو كالمفرد في التقدير، لأن حسن١ / ٣٩٠ الوجه بمنزلة حسن وجههُ، فكما أنه يجيز: يا زيد الحَسَنُ والحسنَ فكذلك يفعل إذا أضاف، لأنه غير الإِضافة يعني به، وأنشد:
يا صَاحِ يا ذَا الضَّامِرِ العَنسِ٢
يريد: يا ذا الضامرة عنسُه وتقول: يا زيدٌ أو عبد الله، ويا زيدُ أو خالدُ وقال سيبويه: أو، ولا في العطفِ على المنادى بمنزلة الواو٣.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٠٧. ٢ هذا صدر بيت عجزه: والرحل ذي الأقتاب والحلس وهو من شواهد سيبويه ١/ ٣٠٦ على وصف "ذا" بما فيه الألف واللام، والضامر رفع وإن كان مضافا إلى العنس لأن إضافته غير محضة إذ التقدير: يا ذا الذي ضمرت عنسه، والعنس: الناقة الشديدة، وأصل العنس: الصخرة في الماء قيل لها ذلك لصلابتها. وذهب الكوفيون إلى أن الرواية: يا صاح يا ذا ضامر العنس، يخفض الضامر، ويضيفون "ذا" إلى الضامر ويجعلونه مثل: يا ذا الجمة، وتكون "ذو" بمعنى: صاحب: وهي التي تتغير فتكون في الرفع بالواو وفي النصب بالألف وفي الجر بالياء. والرحل: كل شيء يعد للرحيل من وعاء للمتاع، ومركب للبعير، والأقتاب: جمع قتب، رحل صغير على قدر السنام، وروي: الأقتاد جمع قتد، وهو خشب الرحل، والحلس: كساء يجعل على ظهر البعير تحت رحله، والبيت كما نسبه سيبويه إلى خزر بن لوذان السدوسي، ونسبه صاحب الأغاني إلى خالد بن المهاجر. وانظر: المقتضب ٤/ ٢٢٣، ومجالس ثعلب /٣٣٣، ٥١٣، وشرح السيرافي ٣/ ٣٨، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٣٢، ٣٢٢، والخصائص ٣/ ٣٠٢، والأغاني ١٥/ ١٣. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٣٠٥، قال سيبويه: وتقول: يا زيد وعمرو ليس إلا، أنهما قد اشتركا في النداء في قوله: يا، وكذلك: يا زيد وعبد الله، ويا زيد لا عمرو، ويا زيد أو عمرو، لأن هذه الحروف تدخل الرفع في الآخر، كما دخل في الأول.
[ ١ / ٣٣٩ ]
شرح الاسم المنادى الثاني وهو المضاف:
اعلم: أن كل اسم مضاف منادى، فهو منصوب على أصل النداء الذي يجب فيه -كما بينا- تقول: يا عبدَ الله أقبل، ويا غلامَ زيد افعل، ويا عبدَ مرة تعال، ويا رجل سوء تُبْ، المعرفة والنكرة في هذا سواء، وقال ﷿: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ ١.
وذكر سيبويه: أن ذلك منصوب على إضمار الفعل المتروك إظهاره٢.
وقال أبو العباس: أن "يا" بدل من قولك: أَدعو أو أُريد لا أنك تخبر أنك تفعل، ولكن بها علم أنك قد أوقعت فعلًا، يا عبد الله وقع دعاؤك بعبد الله فانتصب على ٣ / ٣٩١ أنه مفعول تعدى إليه فعلك، فإن أضفت المنادى إلى نفسك فحكم كل اسم تضيفه إلى نفسك أن تحذف إعرابه وتكسر حرف الإِعراب وتأتي بالياء التي هي اسمك فتقول: يا غلامي وزيدي، فإذا ناديت قلت: يا غلام أقبل، لا تثبت "ياء" الإِضافة كما تثبت التنوين في المفرد تشبيهًا به، وثبات الياء فيما زعم يونس في المضاف لغة، وكان أبو عمرو يقول: "يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِ"٤. وقد يبدلون مكان الياء الألف لأنها أخف عليهم نحو: يا ربا تجاوز عنا، ويا غلاما لا تفعل، فإذا وقفت قلت: يا غلاماُه، وعلى هذا يجوز: يا أَباه ويا أُماه.
قال سيبويه: وسألت الخليل عن قولهم: يا أبه، ويا أبةِ لا تفعل، ويا أبتاه، ويا أُمتاه فزعم الخليل: أن هذه الهاء مثل الهاء في عمة وخالة، وزعم: أنه سمع من العرب من يقول: يا أمة لا تفعلي ويدلك على أن الهاء بمنزلة الهاء في عمة أنك تقول في الوقت: يا أمةْ ويا أبه كما تقول:
_________________
(١) ١ الأحقاف: ٣١. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٠٣. ٣ انظر: المقتضب ٤/ ٢٠٢. ٤ الزمر: ١٦، وانظر: الكتاب ٢/ ٣١٦.
[ ١ / ٣٤٠ ]
يا خالة، إنما يلزمون هذه في النداء١ / ٣٩٢ إذا أضفت إلى نفسك خاصة، كأنهم جعلوها عوضًا من حذف الياء، قال: وحدثنا يونس: أن بعض العرب يقول: يا أم لا تفعلي، ولا يجوز ذلك في غيرها من المضاف.
وبعض العرب يقول: يا ربُّ اغفر لي، ويا قومُ لا تفعلوا، فإن أضفت إلى مضاف إليك قلت: يا غلام غلامي، ويابن أخي، فتثبت الياء لأن الثاني غير منادى، فإنما تسقط الياء في الموضع الذي يسقط فيه التنوين وقالوا: يابن أُم، ويابن عم، فجعلوا ذلكَ بمنزلة اسمْ واحدٍ لكثرته في كلامهم٢.
قال أبو العباس -﵀: سألت أبا عثمان عن قول من قال: يابن أم لا تفعل، فقال: عندي فيه وجهان: أحدهما أن يكون أراد: يابن أمي فقلب الياء ألفًا فقال: يابن أما ثم حذف الألف استخفافًا من "أما" كما حذف الياء من "أمي". ومثل ذلك: يا أبة لا تفعل، والوجه الآخر أن يكون: ابن عمل في أُم عمل خمسة عشر فبني/ ٣٩٣ لذلك قلت: فلم جاز في الوجه الأول قلب الياء ألفًا؟ فقال: يجوز في النداء والخبر وهو في النداء أجود قلت: وأمّ؟ قال: لأن النداء يقرب من الندبة وهو قياس واحد وذلك قولك: وا أماه قلت: فنجيزه في الخبر في الشعرِ؟ فقالَ: في الشعر وفي الكلام جيدٌ بالغ، أقول: هذا غلاما قد جاء فأقلبها؛ لأنَّ الألف أخف من الياء. وقد قال الشاعر:
وقَدْ زَعَمُوا أنِّي جَزِعْتُ علَيهِمَا وهَلْ جَزَعٌ إن قُلْتَ: وا بأباهما٣
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣١٧. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣١٧، و١/ ٣١٨. ٣ الشاهد فيه قلب "الياء" من "أبي" ألفا، لأن الألف أخف من الياء، والمعنى: بأبي هما. وفي النوادر: أنه لا مرأة جاهلية من بني سعد. وانظر: النوادر/ ١١٥، وابن يعيش ٢/ ١٢، والحماسة/ ٤٤.
[ ١ / ٣٤١ ]
يريد: وا بأبي هما. وأنشد سيبويه لأبي النجم:
يا بنتَ عَمَّا لا تلومِي واهْجَعِي١
فإن أضفت اسمًا مثنى إليك: نحو عبدين وزيدين قلت: يا عبدي ويا زيدي ففتحت الياء من قبل أن أصل الإِضافة إلى نفسك الفتح، تقول: هذا بني وغلامي يا فتي، ثم تسكن إن شئت استخفافًا فلما التقى ساكنان في عبدي واحتجت إلى الحركة رددت ما كان للياء إليها فإذا صغرت ابنًا فقلت بني، ثم أضفته إلى نفسك قلت: يا بني أقبل، ولم تكن هذه الياء كياء التثنية؛ لأن هذه حرف/ ٣٩٤ إعراب كما يتحرك دال عبدٍ، تقول: هذا بني كما تقول: هذا عبد، فإذا أضفتهما إلى نفسك كسرت حرف الإِعراب إرادة للياء، وكان الأصل في: يا بني أن تأتي بياء بعد الياء المشددة فحذفتها واستغنيت بالكسر عنها وتقول: يا زيد عمرو ويا زيد زيد أخينا ويا زيد زيدنا.
قال سيبويه، وزعم الخليل ويونس: أن هذا كله سواء وهي لغة للعرب جيدة، وذلك لأنهم قد علموا: أنهم لو لم يكرروا الاسم كان الأول نصبًا لأنه مضاف فلما كرروه تركوه على حاله٢ قال الشاعر:
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٣١٨، على إبدال الألف من الياء في قوله: ابنة عما كراهة لاجتماع الكسرة والياء مع كثرة الاستعمال. وجعل الاسمين اسما واحدا. ويروى: يا ابنة عمي لا تلومني والهجوع: النوم بالليل خاصة. وبعد الشاهد: لا يخرق اللوم حجاب مسمعي وأراد بابنة عمه زوجته أم الخيار التي ذكرها في شعره بقوله: قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبا كله لم أصنع يقول لها: دعي لومي على صلع رأس فإنه كان يشيب لو لم يصلع. وانظر: المقتضب ٤/ ٢٥٢، وشرح السيرافي ٣/ ٥٠، والخصائص ١/ ٢٥٢، والنوادر/ ١٩، وأمالي ابن الشجري ١/ ٨، وابن يعيش. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣١٤-٣١٥، والنص كما يلي: زعم الخليل ويونس: أن هذا كله سواء، وهي لغة للعرب جيدة وذلك لأنهم قد علموا أنهم لو لم يكرروا الاسم صار الأول نصبا، فلما كرروا الاسم توكيدا تركوا الأول على الذي كان يكون عليه ولم يكرروا.
[ ١ / ٣٤٢ ]
يا تيمَ تَيمَ عَدِيٍّ لا أَبَا لَكُمُ لا يَلْقَيَنَّكُم في سَوأةٍ عُمَرُ١
وإن شئت قلت: يا تيم تيمَ عدي٢، ويا زيد زيدَ أخينا، فكل اسمين لفظهما واحد والآخر منهما مضاف فالجيد الضم في الأول والثاني منهما منصوب، لأنه مضاف، فإن شئت كان بدلًا من الأول وإن شئت كان عطفًا عليه، عطف البيان والوجه الآخر نصب الأول بغير تنوين لأنك/ ٣٩٥ أردت بالأول: يا زيد عمرو فأما أقحمت الثاني توكيدا للأول، وأما حذفت من الأول المضاف استغناء بإضافة الثاني، فكأنه في التقدير: يا زيد عمرو، زيد عمرو، ويا تيم عدي تيم عدي.
واعلم: أن المضاف إذا وصفته بمفرد وبمضاف مثله لم يكن نعته إلا نصبًا؛ لأنك إن حملته على اللفظ فهو نصب والموضع موضع نصب، فلا يزال ما كان على أصله إلى غيره وذلك نحو قولك: يا عبدَ الله العاقلَ، ويا غلامنا الطويلَ، والبدل يقوم مقام المبدل منه، تقول: يا أخانا زيد أقبل، فإن لم ترد البدل وأردت البيان قلت: يا أخانا زيدًا أقبل، لأن البيان يجري مجرى النعت.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٢٦، و٢/ ٢١٤، على الرفع والنصب في "تيم" والأجود الرفع لأنه لا ضرورة فيه. لا أبا لكم: الغلظة في الخطاب وأصله أن ينسب المخاطب إلى غير أب معلوم شتما له واحتقارا. وإنما استعملها الجفاة من الأعراب عند المسألة والطلب. لا يلقينكم: من الإلقاء، وهو الرمي. وروي: لا يوقعنكم. والسوأة: الفعلة القبيحة، أي: لا يوقعنكم عمر في بلية ومكروه لأجل تعرضه لي. أي: امنعوه من هجائي فإنكم قادرون على كفه. والبيت لجرير في هجاء عمر بن لجأ. وانظر: المقتضب ٤/ ٢٢٩، والكامل/ ٥٦٣، والخصائص ١/ ٣٤٥، وابن الشجري ٢/ ٨٣. وابن يعيش ٢/ ١٠، ١٠٥، و٣/ ٢١، والديوان/ ٢٨٥. ٢ لأنه لا ضرورة فيه ولا حذف ولا إزالة شيء عن موضعه.
[ ١ / ٣٤٣ ]
شرح الثالث: وهو الاسم المنادى المضارع للمضاف لطوله.
إذا ناديت أسمًا موصولًا بشيء هو كالتمام له فحكمه حكم المضاف إذ كان يشبهه في أنه لفظ مضموم إلى لفظ هو تمام الاسم الأول ويكون معرفة ونكرة وذلك قولك: يا خيرًا من زيد أقبل. ويا ضاربًا رجلًا ويا عشرون رجلًا/ ٣٩٦ ويا قائمًا في الدار، وما أشبهه، جميع هذا منصوب، إذا أقبلت على واحد فخاطبته وقدرت التعريف، وإن أردت التنكير فهو أيضا منصوب، وقد كنت عرفتك أن المعارف على ضربين: معرفة بالتسمية ومعرفة بالنداء. وقال الخليل: إذا أردت النكرة فوصفت أو لم تصف فهي منصوبة؛ لأن التنوين لحقها فطالت فجعلت بمنزلة المضاف لما طال نصب ورد إلى الأصل كما تفعل ذلك بقبل وبعد١، وزعموا: أن بعض العرب يصرف قبلًا فيقول: ابدأ بهذا قبلا، فكأنه جعلها نكرة، وأما قول الأحوص:
سَلامُ اللَّهِ يَا مَطَرٌ عَلَيْهَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ السَّلامُ٢
فإنما لحقه التنوين كما لحق ما لا ينصرف. وكان عيسى بن عمر يقول: يا مطرًا، يشبهه بيا رجلًا، قال سيبويه: ولم نسمع عربيا يقوله، وله وجه من القياس إذا نون فطال كالنكرة، فالتنوين في جميع هذا الباب كحرف في وسط الاسم وكذلك: لو سميت رجلًا: بثلاثة وثلاثين، لقلت: يا ثلاثة وثلاثين أقبل، وليس بمنزلة قولك ٣ / ٣٩٧ للجماعة: يا ثلاثة وثلاثون، لأنك أردت
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣١١. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٣١٣. على تنوين "مطر" وتركه على ضمه لجريه في النداء على الضم واطرد ذلك في كل علم مثله. فأشبه المرفوع غير المنصرف في غير النداء فلما نون ضرورة وترك على لفظه كما ينون الاسم المرفوع الذي لا ينصرف فلا يغيره التنوين من رفعه. ومطر هو من سلف الشاعر، وانظر: المقتضب ٤/ ٢١٤، ومجالس ثعلب/ ٩٢، ٢٣٩، ٥٤٢، وشرح السيرافي ٢/ ٤٦، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٤١، والإنصاف/ ٣١١، والأغاني ١٤/ ٦١، ٦٢، والمحتسب ٢/ ٩٣. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٣١٣.
[ ١ / ٣٤٤ ]
في هذا: يا أيها الثلاثة والثلاثون، ولو قلت أيضًا وأنت تنادي الجماعة: يا ثلاثة والثلاثين لجاز الرفع والنصب في الثلاثين كما تقول: يا زيد والحارث والحارثَ، ولكنك أردت في الأول: يا من يقال له ثلاثة وثلاثون١. وإن نعت الاسم المفرد بابن فلان أو ابن أبي فلان، وذكرت اسمه الغالب عليه وأضفته إلى اسم أبيه أو كنيته فإن الاسمين قد جعلا بمنزلة اسم واحد؛ لأنه لا ينفك منه ونصب لطوله، تقول: يا زيدَ بن عمرو كأنك قلت: يا زيد عمرو، فجعلت زيدًا وابنًا بمنزلة اسم واحد ولا تنون زيدًا، كما لم تكن تنونه قبل النداء إذا قلت: رأيت زيد بن عمرو فإن قلت: يا زيد ابن أخينا ضممت الدال من "زيد" لأن ابن أخينا نعت غير لازم، وكذلك: يا زيد ابن ذي المال ويا رجل ابن عبد الله؛ لأن رجلًا اسم غير غالب، فمتى لم يكن المنادى/ ٣٩٨ اسمًا غالبًا، والذي يضيف إليه ابنا سما غالبًا، لم يجز فيه ما ذكرنا من نصب الأول بغير تنوين، وإذا قلت: يا رجل ابن عبد الله، فكأنك قلت: يا رجل يابن عبد الله، وعلى هذا ينشد هذا البيت:
يا حكمَ بنَ المنذرِ بن الجَارُود٢
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب للمبرد ٤/ ٢٢٥، وابن يعيش ١/ ١٢٨. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٣١٣، على بناء "حكم" على الفتح اتباعا لحركة الابن، لأن النعت والمنعوت كاسم ضم إلى اسم مع كثرة الاستعمال وهو مشبه في الاتباع بقولهم: يا تيم تيم عدي والرفع في "حكم" أقيس لأنه اسم مفرد نعت بمضاف، فقياسه أن يكون بمنزلة قولهم: يا زيد ذا الجمةِ: ونسب هذا الرجز في الكتاب إلى رجل من بني الحوماز، ونسبه الجوهري إلى رؤبة، وبعده: سرادق المجد عليك ممدود والرواية في الديوان: أنت الجواد ابن الجواد المحمود. مدح المنذر بن الجارود العبدي ابن عبد القيس، وكان أحد ولاة البصرة لهشام بن عبد الملك، وسمي جده الجارود، لأنه أغار على قوم فاكتسح أموالهم، فشبه بالسيل الذي يجرد ما يمر به. وانظر: المقتضب ٤/ ٢٣٢، وابن يعيش ٢/ ٥، والكامل/ ٢٦٣، طبعة ليبسك، والتصريح ٢/ ١٦٩، والعيني ٤/ ٢١٠، وديوان رؤبة/ ١٧٢، ذكر على أنه مما نسب إليه.
[ ١ / ٣٤٥ ]
ولو قلت: يا حكمُ بنُ المنذر كان جيدًا وقياسًا مطردًا، وكان أبو العباس -﵀- يقول: إن نصب: يا حسن الوجه لطوله لا لأنه مضاف؛ لأن معناه: حسن وجههُ١.
قال أبو بكر: والذي عندي أنه نصب من حيث أضيف، فما جاز أن يضاف ويخفض ما أضيف إليه، وإن كان المعنى على غير ذلك، كذلك نصب كما ينصب المضاف لأنه على لفظه.
_________________
(١) ١ قال المبرد: وقولك: يا حسن الوجه، إذا لم ترد النكرة، إنما معناه: يا أيها الحسن، فهو وإن كان مضافا في تقدير: يا حسنا وجهه. إذا أردت: يا أيها الحسن وجهه. وانظر: المقتضب ١/ ٣٢٦.
[ ١ / ٣٤٦ ]
باب ما خص به النداء من تغيير بناء الاسم المنادى والزيادة في آخره والحذف فيه:
أما التغيير، فقولهم: يا فسقُ ويا لكعُ، عدل عن فاعل إلى فعيل للتكثير والمبالغة كما عدل: عمر عن عامر، ولم يستعمل فسق إلا في النداء وهو معرفة فيه ويقوى/ ٣٩٩ أنه كذلك ما حكى سيبويه عن يونس: أنه سمع من العرب من يقول: يا فاسقُ الخبيثُ١ فلو لم يكن فاسق عنده معرفة ما وصفه بما فيه الألف واللام، وكذلك: يا لَكاعِ ويا فَساقِ ويا خَباثِ معدول عن معرفة، كما صارت جَعَارِ اسمًا للضبع، وكما صارت: حذام ورقاش اسمًا للمرأة، وجميع ذلك مبني على الكسر؛ لأنك عدلته من اسم معرفة مؤنث غير منصرف وليس بعد ترك الصرف إلا البناء، فبني على كسر؛ لأن الكسرة والتاء من علامات التأنيث. ولهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله، فإن لم ترد العدل قلت: يا لكعُ، ويا لكعاءُ، وأما ما لحقه الزيادة من آخره فقولهم: يا نومان ويا هناه، وقال بعض المتقدمين في النحو: يا هناه٢ هو فعال في
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٣١١. ٢ في الكتاب ١/ ٣٣ يا هناه، ومعناه: يا رجل، وفي ١/ ٣١١ ومن هذا النحو أسماء اختص بها الاسم المنادى لا يجوز منها شيء في غير النداء نحو: يا نومان، ويا هناه، ويا فل: وقال المبرد في المقتضب ٤/ ٢٣٥: واعلم: أن للنداء أسماء يخص بها، فمنها قولهم: يا هناه أقبل، ولا يكون ذلك في غير النداء، لأنه كناية للنداء. وانظر: أمالي الشجري ٢/ ١٠١.
[ ١ / ٣٤٧ ]
التقدير وأصله هن، فزيد هذا في النداء وبني هذا البناء. ويلزم قائل هذا القول أن يقول في التثنية: يا هنانان أقبلا، ولا أعلم أحدًا يقول هذا.
قال الأخفش: تقول: يا هناه/ ٤٠٠ أقبل، ويا هنانيه أقبلا، و[يا] ١ هنوناه أقبلوا. وإن شئت قلت: يا هن، ويا هنان أقبلا، ويا هنون أقبلوا وإن أضفت إلى نفسك لم يكن فيه إلا شيء واحد يأتي فيما بعده قال أبو بكر: والمنكر من ذا تحريك الهاء من هناه، وإلا فالقياس مطرد كهاء الندبة وألفها. وقال أيضًا الأخفش: تقول: يا هنتاه٢ أقبلي، ويا هنتانيه أقبلا، ويا هناتوه أقبلن. وتقول للمرأة بغير زيادة يا هنت أقبلي ويا هنتان أقبلا ويا هنات أقبلن، وتقول في الإِضافة: إليك: ياهن٣ أقبل ويا هني أقبلا ويا هني٤ أقبلوا. وللمرأة في الإِضافة يا هنت أقبلي ويا هنتي أقبلا وللجمع: يا هنات٥ أقبلن وتزاد في آخر الاسم في النداء الألف التي تبين بالهاء في الوقف إذا أردت أن تسمع بعيدًا أو تندب هالكًا؛ لأن المندوب في غاية البعد/ ٤٠١ وللندبة باب مفرد نذكره بعون الله تعالى.
تقول: يا زيداه، إذا ناديت بعيدًا، هذا إذا وقفت على الهاء وهي ساكنة، وإنما تزاد في الوقف لخفاء الألف كا تزاد لبيان الحركة في قولك غلاميه، وما أشبه ذلك. إذا وصلت ألف النداءِ بشيءٍ أغنى ما بعدَ الألف من الهاءِ فقلت: يا زيدا أقبل، ويا قوما تعالوا.
فأما لام الاستغاثة والتعجب فتدخل على الاسم المنادى من أوله وهي
_________________
(١) ١ أضفت "يا" لأن المعنى يحتاجها. ٢ يجوز هنا في هنتاه الكسر والضم. ٣ يجوز يا هن: بالضم والفتح والكسر، فمن كسر النون قال: الكسرة تدل على الياء وتخلفها، ومن فتحها قال: أردت الندبة، يا هناه، ومن ضمها قال: أعطيت المفرد المنادى ما يستحق من الإعراب وأجود الوجوه الكسر. ٤ تفتح النون في التثنية وتكسر في الجمع. ٥ بكسر التاء وبغير ياء.
[ ١ / ٣٤٨ ]
لام الجر فتخفضهُ، ولذلكَ أيضًا بابٌ يذكر فيه إلا أنها تزادُ إذا أردت أن تسمع بعيدًا، وأما ما حذفُ من آخره في النداء فقولهم في فلان: يا فل أقبل.
وذكر سيبويه أن: هناه ونومان وفل أسماء اختص بها النداء. وقال: قول العرب: يا فل أقبل، لم يجعلوه اسمًا حذفوا منه شيئًا يثبت في غير النداء ولكنهم بنوا الاسم على حرفين وجعلوه بمنزلة دم والدليل١ على/ ٤٠٢ ذلك أنه ليس أحد يقول: يا فلا. فإن عنوا امرأة قالوا: يا فلة، وإنما بني على حرفين؛ لأن النداء موضع تخفيف ولم يجز في غير النداء؛ لأنه جعل اسمًا لا يكون إلا كناية لمنادى نحو: يا هناه ومعناه. يا رجل. وأما فلان. فإنما هو كناية عن اسم سمي به المحدث عنه خاص غالب قال: وقد اضطر الشاعر فبناه على هذا المعن، ى قال أبو النجم:
في لَجَّةٍ أَمْسِكْ فلانًا عن فُلِ٢
قوله في لجة أي: في كثرة أصوات، ومعناه: أمسك فلانًا عن فلان،
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣١١. و١/ ٣٣. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٣٣٣ على استعمال "فل" مكان "فلان" في غير النداء، ضرورة واستشهد به مرة ثانية ٢/ ١٢٢، على أن "فل" أصله "فلان" فإذا صغر رد إلى أصله وهذا الرجز لأبي النجم العجلي، وقبل الشاهد: تدافع الشيب ولم تقتل في لجة واللجة: بفتح -اللام وتشديد الجيم- اختلاط الأصوات في الحرب شبه تزاحمها ومدافعة بعضها بعضا بقوم شيوخ في لجة وشر يدفع بعضهم بعضا، فيقال: أمسك فلانا عن فلان، أي: أحجز بينهم، وخص الشيوخ، لأن الشباب فيهم التسرع إلى القتال، أي: هي في تزاحم ولا تقاتل كالشيوخ. وانظر: المقتضب ٤/ ٢٣٨، والصاحبي/ ١٩٤، وشرح السيرافي ٣/ ٦٧، ومعجم مقاييس اللغة ٤/ ٤٧٧، والشعر والشعراء/ ٥٨٦، والجمهرة لابن دريد ٢/ ٢٥، والأغاني ٩/ ٧٤، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٠١.
[ ١ / ٣٤٩ ]
فأما ما حذف آخره للترخيم فله باب وإنما أخرجنا "فل" عن الترخيم لأنه لا يجوز أن يرخم اسم ثلاثي فينقص في النداء ولم يكن منقوصًا في غيرِ النداءِ؛ ولأنَّه ليس باسم علمٍ، وللترخيمِ بابٌ يفرد به، إن شاء الله.
[ ١ / ٣٥٠ ]
باب اللام التي تدخل في النداء للاستغاثة والتعجب:
اعلم: أن اللام التي تدخل للاستغاثة هي/ ٤٠٣ لام الخفض وهي مفتوحة إذا أدخلتها على الاسم المنادى، كأن المنادى كالمكنى. وقد بينا هذا فيما مضى فانفتحت مع المنادى كما تنفتح مع المكنى ألا ترى أنك تقول: لزيد ولبكر فتكسر. فإذا قلت: لك وله فتحت، وقد تقدم قولنا في أن المبني كالمكنى؛ فلذلك لم يتمكن في الإِعراب وبني فتقول: يا لبكر ويا لزيد ويا للرجال ويا للرجلين١ إذا كنت تدعوهم وقال أصحابنا٢: إنما فتحتها لتفصل بين المدعو والمدعو إليه. ووجب أن تفتحها لأن أصل اللام الخافضة إنما كان الفتح فكسرت مع المظهر ليفصل بينها وبين لام التوكيد٣، ألا ترى أنك تقول: إن هذا لزيد إذا أردت: إن هذا زيد، فاللام هنا مؤكدة/ ٤٠٤ وتقول: إن هذا لِزيد إذا أردت أنه في ملكه. ولو فتحت لالتبسا، فإن وقعت اللام على مضمر فتحتها على أصلها فقلت: أن هذا لك، وإن هذا لأنت؛ لأنه ليس هنا لبس، وتقول: يا للرجال للماء، ويا للرجال للعجب، ويا لزيد للخطب الجليل، قال الشاعر:
_________________
(١) ١ في الأصل "يا لرجلين" بلام واحدة. ٢ أي: البصريون. ٣ قال: المبرد ٤/ ٢٥٤: فأما قولنا: فتحت على الأصل فلأن أصل هذه اللام الفتح، تقول: هذا له: وهذا لك. وإنما كسرت مع الظاهر فرارا من اللبس. لأنك لو قلت: إنك لهذا وأنت تريد لِهذا - لم يدر السامع أتريد لام الملك أم اللام التي للتوكيد.
[ ١ / ٣٥١ ]
يا لَلِّرجَالِ لِيوْمِ الأربعاءِ أما يَنْفَكُّ يُحْدِثُ لِي بَعْدَ النُّهى طَربا١
وقال آخر:
تَكَنَّفَني الوُشَاةُ فَأَزْعَجُوني فَيا للناسِ لِلواشي المُطَاعِ٢
فالذي دخلت عليه اللام المفتوحة هو المدعو، والمستغاث به، والذي دخلت عليه اللام المكسورة هو الذي دعي له ومن أجله.
واعلم: أنه لا يجوز أن تقول: يا لزيدٍ لمن هو قريب منك ومقبل عليك. وذكر سيبويه: أن هذه اللام التي للاستغاثة بمنزلة الألف التي تبين بها في الوقف إذا أردت أن تسمع بعيدًا، فإن قلت: يا لزيد٣ / ٤٠٥ ولعمرو
_________________
(١) ١ الشاهد فيه: فتح لام المستغاث به، وكسر لام المدعو له. والبيت من قصيدة غزلية لعبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي، وفي معجم البلدان ١/ ١١١، لما ولي الحسن بن زيد المدينة منع عبد الله بن مسلم بن جندب أن يؤم الناس في مسجد الأحزاب فقال له: أصلح الله الأمير، لِمَ منعتني مقامي ومقام آبائي وأجدادي قبل؟ قال: ما منعك إلا يوم الأربعاء. ثم ذكر القصيدة، وذكر ثعلب هذه القصيدة في مجالسه، وانفرد المبرد بنسبة الشاهد للحارث بن خالد، وانظر: المقتضب ٤/ ٢٥٦، ومجالس ثعلب/ ٤٧٤-٤٧٥. والكامل للمبرد/ ٦٠١، طبعة ليبسك، وروايته: ينفك يبعث، والإنصاف/ ٢٦٥، وأسرار العربية/ ٢٩٠، والعيني ٤/ ٩٦، والتمام في تفسير أشعار هذيل/ ١٦٨، وكتاب منازل الحروف/ ٥١. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٣١٩، على فتح اللام الأولى من "الناس" لأنهم مستغاث بهم وكسر الثانية لأنه مستغاث من أجله. وتكنفني الوشاة: أي: أحاط بي الوشاة. جمع واش. من وشى به: إذا سعى، وأزعجوني: أقلقوني وإنما وصفه بالمطاع، لأنه أراد به أباه ومن يحذو حذوه في الإشارة بالكلام مثل: أمه وعشيرته والبيت لقيس بن ذريح المحاربي وقد تزوج "بلبنى بنت الحباب الكعبية" بعد أن هام بها واشتغل بها عن كل شيء، فصعب ذلك على أبيه وأشار إليه بالطلاق فلم يقبل وانظر: شرج المفصل ١/ ١٣١، وشرح السيرافي ٣/ ٥١، والكامل للمبرد/ ٦٠١، طبعة ليبسك، والعيني ٤/ ٢٥٩، ونسبه لحسان بن ثابت، والموجز لابن السراج/ ٤٩. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٣٢٠.
[ ١ / ٣٥٢ ]
كسرت اللام في "عمرو" وهو مدعو لأنه يسوغ في المعطوف على المنادى ما لا يسوغ في المنادى. ألا ترى أن الألف واللام تدخل على المعطوف على المنادى، ويجوز فيه النصب، وإنما يتمكن في باب النداء ما لصق "بيا" يعني بحرف النداء.
وأما أبو العباس -﵀- فكان يقول في قولهم: يا لزيد ولعمرو، إنما فتحت اللام في "زيد" ليفصل بين المدعو والمدعى إليه فلما عطفت على "زيد" استغنيت عن الفصل لأنك إذا عطفت عليه شيئًا صار في مثل حاله١ وقال الشاعر:
يَبْكِيكَ نَاءٍ٢ بَعِيدُ الدارِ مُغتَربٌ يا لَلْكُهُولِ ولِلشُّبان لِلْعِجبِ٣
وأما التي في التعجب فقول الشاعر:
لَخُطَّابُ لَيْلَى يا لبُرثُنَ مِنْكُمُ أَدَلُّ وأمضى مِنْ سُليكِ المقانبِ٤
وقالوا: يا للعجب ويا للماء لما رأوا عجبًا أو رأوا ماء كثيرًا، كأنه يقول:
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب: ٤٠/ ٢٥٥. ٢ في الأصل "نائي" بالياء. ٣ الشاهد فيه على أن لام المستغاث المعطوف تكسر إن لم تعد معه "يا" وذلك في قوله "وللشبان" والنائي: البعيد النسب. ولم ينسب هذا البيت لقائل معين، وانظر: المقتضب ٤/ ٢٥٦، والصاحبي/ ٨٥، والكامل/ ٦٠٢، والموجز لابن السراج/ ٤٩، وشرح السيرافي ٣/ ٥٢، ورواه: "يبكيه" بهاء الغائب والجمل للزجاجي/ ١٨٠، والهمع ١/ ١٨٠، والعيني ٤/ ٢٥٧. ٤ من شواهد سيبويه ١/ ٣١٩ على دخول لام الاستغاثة على "برثن" تعجبا منهم لا مستغيثا بهم، وكانوا قد دخلوا امرأته وأفسدوها عليه، فقال لهم هذا متعجبا من فعلهم. والسليك: هو مقاعس من بني سعد بن مناة من بني تميم، وإنما شبههم به في حذقهم وقدة حيلتهم في الفساد والمقانب: جماعات الخيل، واحدها مقنب. ونسب البيت لفرار الأسدي، وانظر: شرح السيرافي ٣/ ٥٢، وابن يعيش ١/ ١٣١، والأشباه والنظائر ٣/ ١٤٢، ورواه صاحب اللسان في "قنب": على الهول أمضى من سليك المقانب.
[ ١ / ٣٥٣ ]
تعال/ ٤٠٦ يا عجب، وتعال يا ماء، فإنه من أيامك وزمانك وأبانك ومثل ذلك قولهم: يا للدواهي أي: تعالين فإنه لا يستنكر لكن لأنه من أحيانكن، وكل هذا في معنى التعجب، والاستغاثة فلا يكون موضع "يا" سواها من حروف النداء نحو: أي وهيا وأيا. وقد يجوز أن تدعو مستغيثًا بغير لام فتقول: يا زيد وتتعجب كذلك كما أن لك أن تنادي المندوب ولا تلحق آخره ألِفًا؛ لأن النداء أصل لهذه أجمع وقد تحذف العرب المنادى المستغاث به مع "يا" لأن الكلام يدل عليه فيقولون: يا للعجب، ويا للماء، كأنه قال: يا لقوم للماء، ويا لقوم للعجب، وقال أبو عمرو قولهم: يا ويل لك، ويا ويح لك، كأنه نبه إنسانًا ثم جعل الويل له١ ومن ذلك قول الشاعر:
يَا لعنَةُ الله والأقوامِ كُلِّهِمِ والصالحينَ على سِمَعانَ مِن جَارِ٢
فيا/ ٤٠٧ لغير اللعنة ولغير الويل كأنه قال: يا قوم لعنة الله على فلان.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٢٠. ٢ من شواهد سيبويه: ١/ ٣٢٠، على حذف المنادى وإبقاء حرف النداء. أي: يا قوم لعنة الله. وسمعان: اسم رجل يروى -بفتح السين وكسرها- والفتح أكثر وكلاهما قياس، فمن كسرها كان كعمران وحطان، ومن فتحها، كان كقحطان ومروان. ولم ينسب هذا البيت لقائل معين. وانظر: الكامل/ ٦٠١، وشرح السيرافي ٣/ ٥٢، والمفصل للزمخشري/ ٤٨، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٢٥، وابن يعيش ٢/ ٢٤، والمغني ١/ ٤١٤.
[ ١ / ٣٥٤ ]
باب الندبة:
الندبة تكون بياء أو بواو ولا بد من أحدهما وتلحق الألف آخر الاسم المندوب إن شئت وإن شئت ندبت بغير ألف والألف أكثر في هذا الباب قال سيبويه: لأن الندبة كأنهم يترنمون فيها١ ومن شأنهم أن يزيدوا حرفًا إذا نادوا بعيدًا ولا أبعد من المندوب فإذا وقفوا قالوا: يا زيداه واعمراه فيقفون على هاء لخفاء الألف فإن وصلوا النداء بكلام أسقطوا الهاء وإذا لم تلحق الألف قلت: وا زيد، ويا بكر، والألف تفتح ما قبلها مضموما كان أو مكسورا تقول: وا زيد فتضم، فإن أدخلت الألف قلت: وا زيداه، فإن أضفت إلى اسم ظاهر غير مكنى قلت: وا غلام زيد فإن أدخلت الألف قلت وا غلام زيداه وحذفت التنوين لأنه لا/ ٤٠٨ يلتقي ساكنان.
قال سيبويه: ولم يحركوها يعني التنوين في هذا الموضع لأن الألف زيادة فصارت تعاقب التنوين وكان أخف عليهم٢، فإن أضفت إلى نفسك، قتل وازيدِ فكسرت الدال فإن أدخلت الأل، قلت: وا زيداه يكون إذا أضفته إلى نفسك وإذا لم تضفه سواء ومن قال: يا غلامي قال: وا زيدياه فيحرك الياء في لغة من أسكن الياء للألف التي بعدها لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٢٢١. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٢٢.
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال أبو العباس: ولك في وا غلامي في لغة من أسكن الياء وجهان: أن تحرك الياء لدخول الألف، فتقول: واغلامياه، وأن تسقطها لالتقاء الساكنين فتقول: وا غلاماه كما تقول جاء غلام العاقل فتحذف الياء فأما من كان يحرك الياء قبل الندبة، فليس في لغته إلا إثباتها مع الألف، تقول: وا غلاماه١ وذكر سيبويه: أنه يجوز/ ٤٠٩ في الندبة: وا غلاميه فيبين الياء بالهاء كما هي في غير النداء٢، فإن أضفت إلى مضاف إليك قلت: وا غلام غلامي، فإن أدخلت الألف قلت: وا غلام غلامياه، لا يكون إلا ذلك؛ لأن المضاف الثاني غير منادى، وقد بيناه لك فيما تقدم. وكذلك وانقطاع ظهرياه لا بد من إثبات الياء، وإذا وافقت ياء الإِضافة الياء الساكنة في النداء لم يجدوا بدا من فتح ياء الإِضافة ولم يكسر ما قبلها كراهية للكسرة في الياء ولكنهم يفتحون٣ ياء الإِضافة ويجمعون على ذلك لئلا يلتقي ساكنان. فإذا ناديت فأنت في إلحاق الألف بالخيار أيضًا، وذلك قولك: وا غلامياه ووا قاضياه ووا غلاميَّ في تثنية غلام ووا قاضيَّ.
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب ٤/ ٢٧٠، ونص المقتضب هو كما يلي: ومن رأى أن يثبت الياء ساكنة فيقول: يا غلامي أقبل، فهو بالخيار: إن شاء الله: وا غلامياه فحرك لالتقاء الساكنين وأثبت الياء لأنها علامة. وكانت فتحتها ههنا مستخفة، لفتحه الياء في القاضي ونحوه للنصب. وإن شاء حذفها لالتقاء الساكنين، كما تقول: جاء غلام العاقل. وم رأي أن يثبتها متحركة قال: وا غلامياه ليس غير. انظر: الانتصار لابن ولاد ١٥٤-١٥٧. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٢١ وهذا رأي الخليل وليس رأي سيبويه. قال: وزعم الخليل: أنه يجوز في الندبة: وا غلاميه من قبل أنه قد يجوز أن أقول: وا غلامي فأبين الياء كما أبينها في غير النداء. ٣ قال سيبويه واعلم: أنه إذا وافقت الياء الساكنة ياء الإضافة في النداء لم تحذف أبدا ياء الإضافة ولم يكسر ما قبلها كراهية للكسرة في الياء، ولكنهم يلحقون يا الإضافة وينصبونها لئلا ينجزم حرفان. انظر: الكتاب ١/ ٣٢٢، والمقتضب ٤/ ٢٧٢.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وإن وافقت ياء الإِضافة ألفًا لم تحرك الألف وأثبتوا الياء وفتحوها لئلا يلتقي ساكنان، وأنت أيضًا بالخيار في إلحاق الألف وذلك قولك/ ٤١٠: وا مثناي ووا مثناه. فإن لم تضف إلى نفسك قلت: وا مثناي وتحذف الألف الأولى لئلا يلتقي ساكنان، ولم يخافوا التباسًا فإن كان الاسم المندوب مضافًا إلى مخاطب مذكر قلت: وا غلامك يا هذا، فإن ألحقت ألف الندبة قلت: وا غلامكاه وإن ثنيت قلت: وا غلامكاه وإن جمعت قلت: وغلامكموه فقلبت ألف الندبة واوًا كيلا يلتبس بالتثنية، وتقول للمؤنث: وا غلامكية. وكان القياس الألف لولا اللبس وفي التثنية وا غلامهماه والمذكر والمؤنث في التثنية سواء وتقول في الجمع: وا غلامكناه وتقول في الواحد المذكر الغائب، وا غلامهوه وللاثنين وا غلامهماه، وللجميع وا غلامهموه وللمؤنث: وا غلامهاه وفي التثنية: وا غلامهاه وللجميع وا غلامهناه، فإن كان المنادى مضافًا إلى مضاف نحو: وانقطاع ظهره "٩١/ ٤١١" قلت في قول من قال: مررت بظهرهوه قيل: وانقطاع ظهرهوه وفي قول من قال: بظهرهي قال: وانقطاع ظهرهيه٢.
وقال قوم من النحويين: كل ما كان في أخره ضم أو فتح وكسر، ليس يفرق بين شيء وبين شيء جاز فيه الإِتباع والفتح وغير الإِتباع مثل قطام تقول: وا قطاميهْ ويا قطاماه ويقولون: يا رجلانية ويا رجلاناه ويا مسلموناه ويقولون: يا غلام الرجلية والرجلاه، فإذا كانت الحركة فرقًا بين شيئين مثل: قمتُ وقمتَ فالإِتباع لا غير نحو: وا قيامًا قمتوه وقمتاه وقمتيه وقد مر تثنية المفرد وجمعه في النداء في "هن" فقس عليه.
واعلم: أن ألف الندبة لا تدخل على الصفة ولا الموصوف إذا اجتمعا
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٢٣، والمقتضب ٤/ ٢٧٤. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٢٣.
[ ١ / ٣٥٧ ]
نحو وا زيد الظريف والظريفَ، لأن الظريف غير منادى١ وليس هو بمنزلة المضاف والمضاف إليه، لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد وأنت في الصفة/ ٤١٢ بالخيار إن شئت وصفت وإن شئت لم تصف، وهذا قول الخليل.
وأما يونس فيلحق الألف الصفة ويقول: وا زيد الظريفاه٢، ولا يجوز أن تندب النكرة وذلك: وا رجلاه ويا رجلاه ولا المبهم، لا تقول: وا هذاه، قال سيبويه: إنما ينبغي أن تتفجع بأعرف الأسماء ولا تبهم٣، وكذلك قولك: وا مَن في الداراه في الفتح وذكر يونس: أنه لا يستقبح: وا من حفر زمزماه؛ لأن هذا معروف بعينه٤.
وقال الأخفش: الندبة لا يعرفها كل العرب وإنما هي من كلام النساء٥، فإذا أرادوا السجع وقطع الكلام بعضه من بعض أدخلوا ألف الندبة على كلام يريدون أن يسكتوا عليه، وألحقوا الهاء لا يبالون أي كلام كان.
_________________
(١) ١ في الكتاب ١/ ٣٢٣، هذا باب ما لا تلحقه الألف التي تلحق المندوب، وذلك قولك: وأزيد الظريف والظريف، وزعم الخليل: أنه منعه من أن يقول: الظريفاه أن الظريف ليس بمنادى ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٢٣-٣٢٤. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٣٢٤. ونص سيبويه هو: ألا ترى أنك لو قلت: وا هذاه كان قبيحا، لأنك إذا ندبت فإنما ينبغي لك أن تفجع بأعراف الأسماء وأن تخص فلا تبهم، لأن الندبة على البيان. ٤ انظر الكتاب ١/ ٣٢٤. نسب ابن السراج هذا القول إلى يونس وهو عند سيبويه قول الخليل لأنه قال: وزعم أنه لا يستقبح: وا من حفر زمزماه، لأن هذا معروف بعينه، والمقصود بـ"زعم" هو الخليل لا يونس. ٥ قال ابن يعيش: واعلم: أن الندبة لما كانت بكاء ونوحا بتعداد مآثر المندوب وفضائله وإظهار ذلك ضعف وخور، ولذلك كانت في الأكثر من كلام النسوان لضعفهن عن الاحتمال وقلة صبرهن وجب أن لا يندب إلا بأشهر أسماء المندوب وأعرفها لكي يعرفه السامعون. وانظر: شرح المفصل ٢/ ١٤.
[ ١ / ٣٥٨ ]
باب الترخيم:
الترخيم حذف أواخر الأسماء المفردة الأعلام تحقيقًا ولا يكون ذلك إلا/ ٤١٣ في النداء، إلا أن يضطر شاعر، ولا يكون في مضاف إليه، ولا مضاف ولا في وصف ولا اسم منون في النداء، ولا يرخم مستغاث به، إذا كان مجرورًا؛ لأنه بمنزلة المضاف ولا يرخم المندوب هذا قول سيبويه١، والمعروف من مذاهب العرب.
والترخيم يجري في الكلام على ضربين: فأجود ذلك أن ترخم الاسم فتدع ما قبل آخره على ما كان عليه وتقول في حارث: يا حار أقبل فتترك الراء مكسورة كما كانت. وفي مسلمة: يا مسلم أقبل وفي جعفر: يا جعف أقبل تدع الفتحة على حالها، وفي يعفر: يا يعف أقبل وفي برثن: يا برث أقبل، تترك الضمة على حالها، وفي هرقل أقبل تدع القاف على سكونها والوجه الآخر أن تحذف من أواخر الأسماء وتدع ما بقي اسمًا على حياله نحو: زيد وعمرو فتقول: في حارث يا حار وفي جعفر يا جعفُ أقبل/ ٤١٤ وفي هرقل: يا هرق أقبل. وكذلك كل اسم جاز ترخيمه فإن كان آخر الاسم حرفان زيدا معا حذفتهما؛ لأنهما بمنزلة زيادة واحدة، وذلك قولك: في عثمان: يا عثم وفي مروان يا مرو أقبل وفي أسماء يا أسم أقبلي وكذلك كل ألفين للتأنيث نحو: حمراء وصفراء وما
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٣٠.
[ ١ / ٣٥٩ ]
أشبه ذلك. إذا سميت به، وكذلك ترخيم رجل يقال له: مسلمون تحذف منه الواو والنون وكذلك رجل اسمه مسلمان قال سيبويه: فأما رجل اسمه بنون فلا يطرح منه إلا النّون لأنك لا تصير اسمًا على أقل من ثلاثة أحرف١ ومن قال: يا حار قال: يا بني فإن رخمت اسما آخره غير زائد إلا أن قبل آخره حرفًا زائدًا وذلك الزائد واو ساكنة قبلها ضمة أو ياء ساكنة قبلها كسرة أو ألف ساكنة حذفت الزائد مع الأصلي وشبه بحذف الزائد ولم يكن ليحذف/ ٤١٥ الأصل، ويبقى الزائد، وذلك قولك في منصور: يا منص أقبل، تحذف الراء وهي أصل وتحذف الواو وهي زائدة، وفي عمار يا عمَّ أقبل وفي رجل اسمه عنتريس: يا عنتر أقبل فإن كان الزائد الذي قبل حرف الإِعراب متحركًا ملحقًا كان أو زائدًا جرى مجرى الأصل.
فأما الملحق فقولك في قَنَّور: يا قنو أقبل، وفي رجل اسمه هبينح٢ يا هبي أقبل لأن هذا ملحق بسفرجل وسنبين لك هذا في موضعه من التصريف إن شاء الله.
وأما الزائد غير الملحق فقولك في رجل سميته بحولايا، وبردرايا، يا حولاي أقبل ويا بردراي أقبل٣، لأن الحرف الذي قبل آخره متحركًا فأشبهت الألف التي للتأنيث الهاء التي للتأنيث فحذفت الألف وحدها كما تحذف الهاء وحدها؛ لأن الهاء بمنزلة اسم ضم إلى اسم ولا يكون ما قبلها/ ٤١٦ إلا مفتوحًا والهاء لا تحذف إلا وحدها، كان ما قبلها أصليا أو زائدًا أو ملحقًا أو منقوصًا وحذف الهاء في ترخيم الاسم العلم أكثر في كلام العرب من الترخيم فيما لا هاء فيه، وكذلك إن كان اسمًا عاما غير علم،
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٣٨. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٣٩. ٣ قال سيبويه ١/ ٣٣٩ هذا باب تكون الزوائد فيه أيضا بمنزلة ما هو من نفس الحرف، وذلك قولك في رجل اسمه حولايا أو بردرايا: يا بردراي أقبل، ويا حولاي أقبل، من قبل أن هذه الألف لو جيء بها للتأنيث والزيادة التي قبلها لازمة لها تقعان معا لكانت الياء ساكنة.
[ ١ / ٣٦٠ ]
والعلم قولهم في سلمة: يا سلم أقبل، تريد يا سلمة، وقالت الجهنية في هوذة بن علي الحنفي وكان كسرى أقطعه وتوَّجَهُ بتاج:
يا هَوذَ ذَا التاَّجِ إنَّا لا نَقُولُ سَوَى يا هَوذَ يا هَوذَ إما فَادحٌ دَهَمَا١
وأما العام فنحو قول العجاج:
جَارِيَ لاَ تسْتَنْكِرِي عَذِيرِي٢
ًٍـ
١ الشاهد فيه: ترخيم "هوذ" من هوذة على لغة من ينتظر.
والهوذ: القطاة الأنثى وبها سمي الرجل هوذة.
والمعنى: إنا لا ندعو عند الملمات المفاجئة إلا هوذ ذا التاج. وهوذة: هو ابن علي الحنفي صاحب اليمامة كما ذكره الزبيدي شارح القاموس.
وانظر: شجر الدر لأبي الطيب/ ٧٥، والأصمعيات/ ٤١، وارتشاف الضرب/ ٢٨٨.
٢ من شواهد الكتاب ١/ ٣٢٥، و١/ ٣٣٠، والشاهد فيه حذف حرف النداء ضرورة وهو اسم منكور قبل النداء لا يتعرف إلا بحرف النداء، وإنما يطرد الحذف في المعارف. ورد المبرد على سيبويه جعله الجارية نكرة وهو يشير إلى جارية بعينها فقد صارت معرفة بالإشارة. قال الأعلم: ولم يذهب سيبويه إلى ما تأوله المبرد عليه من أنه نكرة بعد النداء إنما أراد أنه اسم شائع في الجنس نقل إلى النداء وهو نكرة، وكيف يتأول عليه الغلط في مثل هذا وهو قد فرق بين ما كان مقصودا بالنداء من أسماء الأجناس وبين ما لم يقصد قصده ولا اختص بالنداء من غيره بأن جعل الأول مبنيا على الضم بناء زيد وغيره من المعارف وجعل الآخر معربا بالنصب وهذا من التعسف الشديد والاعتراض القبيح. والعذير هنا الحال، وكان يحاول عمل حلس لبعيره فهزئت منه فقال لها هذا وبعده:
سيري وإشفاقي على بعيري
أي: لا يستنكر عذيري وإشفاقي على بعيري وسيري عني واذهبي. ويقال أراد بالعذير ههنا: الصوت لأنه كان يرجز في عمله لحلسه فأنكرت عليه ذلك.
وانظر: المقتضب ٤/ ٢٦٠، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٨٨، وابن يعيش ٢/ ١٦، والعيني ٤/ ٢٧٧، والخزانة ١/ ٢٨٣، وشرح المعلقات للتبريزي/ ٤٨. وشرح الحماسة ٤/ ١٨٠، والديوان.
[ ١ / ٣٦١ ]
أي: حالي، وأما ما كان منقوصًا وكان مع الهاء على ثلاثة أحرف فقولهم: يا شاء ادجني١.
قال أبو علي٢: إذا وصلت سقطت همزة الوصل فالتقت الألف وهي ساكنة مع الراء مع ادجني وهي ساكنة أيضًا فحذفت الألف لالتقاء الساكنين/ ٤١٧ ووليت الشين المفتوحة الراء، وإذا وقفت قلت: يا أدجني مثل أقبلي فلم يحذف الألف رخم شاة ويا ثبت أقبلي تريد: ثبة وناس من العرب يثبتون الهاء فيقولون: يا سلمة أقبلي، يقحمون الهاء ويدعون الاسم مفتوحا على لفظ الترخيم، والذين يحذفون في الوصل الهاء إذا وقفوا قالوا: يا سلمهْ ويا طلحهْ لبيان الحركة، ولم يجعلوا المتكلم بالخيار في حذف الهاء عند الوقف، والشعراء إذا اضطروا حذفوا هذه الهاء في الوقف؛ لأنهم إذا اضطروا يجعلون المدة التي تلحق القوافي بدلًا منها قال ابن الخَرِع:
وكَادَتْ٣ فَزَارَةُ تَشَقَى بِنَا فَأَوْلَى فَزَارَةَ أَوْلى فَزَارا٤
والضم جائز في البيت، وكذلك إن رخمت اسمًا مركبًا من اسمين قد
_________________
(١) ١ في الأصل "ارجني" بالراء، وليس صحيحا، إذ هو "ادجني" من دجن في بيته إذا لزمه وبه سميت دواجن البيت وهي ما ألف من الشاء وغيرها، والواحدة: داجنة. ٢ أبو علي تلميذ ابن السراج وليس من المعقول أن ينقل عنه. ربما كان هذا من عمل النساخ. ٣ رواه سيبويه بلا واو، ولا يستقيم الوزن. ٤ من شواهد الكتاب ١/ ٣٣١، رخم فزارة ووقف عليها بالألف عوضا من الهاء لأنهم إذا رخموا ما فيه الهاء ثم وقفوا عليه ردوا الهاء للوقف فلما لم يمكنه رد الهاء ههنا جعل الألف عوضا منها. يقول: كدنا نوقع بفزارة فتشقى بنا لولا فرارهم وتحصنهم منا. ويقال للرجل إذا أفلت: وقد كاد يعطب أولى له، وهي كلمة وعيد وتهديد فلذلك قال: فأولى فزارة أولى، أي: أولى لك يا فزارة. وانظر: الصاحبي/ ١٩٤، وشرح السيرافي ٣/ ٦٧.
[ ١ / ٣٦٢ ]
ضم أحدهما إلى الآخر، فحكم الثاني حكم الهاء في الحذف وذلك. نحو: حضرموت، ومعدي كرب، ومارسرجس/ ٤١٨ ومثل رجل سميته بخمسة عشر تحذف الثاني وتبقي الصدر على حاله فتقول: يا حضر أقبل ويا معدي أقبل ويا خمسة أقبل١ قال سيبويه: وإن وقفت قلت: يا خمسهْ بالهاء، وإنما قال ذلك لأن تاء التأنيث لا ينطق بها إلا في الوصل. فإذا وقفت عليها وقفت بالهاء ومما شبه بحضرموت: عمرويه زعم الخليل: أنه يحذف الكلمة التي ضمت إلى الصدر فيقول: يا عمر أقبل قال: أراه مثل الهاء لأنهما كانا بائنين فضم أحدهما إلى الآخر٢.
واعلم: أن من قال: يا حار، فإنه لا يعتد بما حذف ويجعل حكم الاسم حكم ما لم تحذف منه شيئًا. فإن كان قبل الطرف حرفًا يعتل في أواخر الأسماء وينقلب أعل وقلب نحو: رجل سميته بعرقوة إن رخمت فيمن قال يا حار قلت: يا عرقي أقبل، ولم يجز أن تقول: يا عرقو؛ لأن الاسم لا يكون آخره/ ٤١٩ واوًا قبلها حرف متحرك وهذا يبين في التصريف، ومن قال: يا حار فإنما يجعل الراء حرف الإِعراب، ويقدره تقدير ما لا فاء فيه، فيجب عليه أن لا يفعل ذاك إلا بما مثله في الأسماء فمن رخم اسمًا فكان ما بيقى منه على مثال الأسماء فجائز وإن كان ما يبقى على غير مثال الأسماء فهو غير جائز وكذلك إن كان قبل المحذوف للترخيم شيء قد سقط لالتقاء الساكنين فإنك إذا رخمت وحذفت رجع الحرف الذي كان سقط لالتقاء الساكنين نحو: رجل سميته "بقاضون" كان الواحد "قاضي" قبل الجمع فلما جاءت واو الجمع سقطت الياء لالتقاء الساكنين فإن رخمت "قاضين" وهو في الأصل قلت: يا قاضي، فرجع ما كان سقط
_________________
(١) ١ هذا رأي الخليل، انظر: الكتاب ١/ ٣٤١ مثل: حضرموت، ومعدي كرب، وبخت نصر، ومارسرجس ومثل رجل اسمه: خمسة عشر ومثل: عمرويه، فزعم الخليل: أنه يحذف الكلمة التي ضمت إلى الصدر رأسا. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٤١.
[ ١ / ٣٦٣ ]
لالتقاء الساكنين١ وشبيه بهذا وقفك على الهاء إذا رخمت رجلًا اسمه: خمسة عشر؛ لأن التاء إنما جلبها الوصل فلما زال/ ٤٢٠ الوصل رجعت الهاء، وكذلك إن كنت أسكنت حرفًا متحركًا للإِدغام في حرف مثله وقبله ساكن فحذفت الأخير للترخيم فإنك ترد الحركة لالتقاء الساكنين، وذلك قولك لرجل اسمه "راد" يا رادِ أقبل٢ إذا رخمت وفي محمارٍّ أقبل؛ لأن الأصل: رادد ومحمارر، وأما مفر فإذا سميت به ورخمته قلت: يا مفر أقبل ولم تحرك الراء لأن ما قبلها متحرك وأما محمر إذا كان اسم رجل فإنك إذا رخمته تركت الراء الأولى مجزومة لأن ما قبلها متحرك فقلت: يا محمر أقبل ولقائل أن يقول: هلاَّ رددت الحركة فقلت: يا محمرُ أقبل، إذ كان الأصل محمررًا كما رددت الياء في "قاضي" فالجواب في ذلك: أنك إنما رددت الياء في "قاضي" لأنك لم تبن الواحد على حذفها كما بنيت "دم" على الحذف ومحمر لم تلحق الراء الأخيرة بعد أن تم بالأولى ولم يتكلم بأصله.
فإن كان آخر الاسم حرفًا مدغمًا بعد الألف/ ٤٢١ وأصل الأول منهما السكون، أعني الحرفين المدغم أحدهما في الآخر حركته إذا رخمته بحركة ما قبله وذلك نحو: اسحارّ يا هذا تقول: يا اسحار فتحركه بحركة أقرب المتحركات منه. وكذلك تفعل بكل ساكن احتيج إلى حركته من هذا الضرب. قال رجل من أزد السراة:
ألا رُبَّ مَوْلُودٍ وليَسْ لَه أبٌ وذي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أبوانِ٣
_________________
(١) ١ في الكتاب ١/ ٣٤٠ هذا باب ما إذا طرحت منه الزائدتان اللتان بمنزلة زيادة واحدة رجعت حرفا وذلك قولك في رجل اسمه قاضون، يا قاضي أقبل وفي رجل اسمه ناجي، يا ناجي أقبل، أظهرت الياء لحذف الواو والنون. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٤٠. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ٣٤١، ٢/ ٢٥٨، على سكون اللام في "يلده" وفتح الدال فإنه أراد كسر اللام وسكون الدال، فسكن المكسورة تخفيفا فالتقى ساكنان فحرك الدال بحركة أقرب المتحركات منه وهي الفتحة لأن الياء مفتوحة، ولم يعتد باللام الساكنة لأن الساكن غير حاجز حصين. وأراد بالمولود الذي لا أب له: عيسى ﵇، وبذي الولد الذي لم يلده أبوان: آدم ﵇. وفيه شاهد على إتيان رب للتقليل، وفيه رواية: عجبت لمولود وليس له أب. قيل إنه لعمرو الحبني، وانظر: شرح السيرافي ٣/ ٧٧، والخصائص ٢/ ٣٣٣، وابن يعيش ٤/ ٤٨، والمغني ١/ ١٤٤، والخزانة ١/ ٣٩٧، والعيني ٣/ ٣٥٤.
[ ١ / ٣٦٤ ]
ففتحَ الدالَ بحركةِ الياءِ لما احتاجَ إلى تحريكها؛ لأن الفتحة قريبةٌ مِنها، وأسحارٌ اسم وقع مدغمًا آخره وليس لرائه الأولى نصيب في الحركة.
واعلم: أن الأسماء التي ليست في أواخرها هاء أن لا يحذف منها أكثر، قال سيبويه: وليس الحذف لشيء من هذه الأسماء ألزم منه لحارث ومالك وعامر، قال: وكل اسم خاص رخمته في النداء فالترخيم فيه جائز وإن كان في هذه الأسماء الثلاثة أكثر١ / ٤٢٢ وكل اسم على ثلاثة أحرف لا يحذف منه شيء إذا لم يكن آخره الهاء لأن أقل الأصول ثلاثة، فإنما يرخم من الأربعة وما زاد؛ لأن ما بقي في الأسماء على عدته. والفراء يرخم من ذلك ما كان محرك الثاني نحو: قدم وعضد وكتف إذا سمي به رجلًا وقال: إن من الأسماء ما يكون على حرفين كدم ويد ولم يجز أن تقول في بكر: يا بك أقبل؛ لأنه لا يكون اسم على حرفين ثانيه ساكن إلا مبهمًا نحو من وكم، وليس من الأسماء اسم نكرة ليس في آخره هاء تحذف منه شيء إذا لم يكن اسمًا غالبًا إلا أنهم قد قالوا: يا صاح أقبل وهم يريدون: يا صاحب وذلك لكثرة استعمالهم هذا الحرف والفراء إذا رخم: قمطر، حذف الطاء مع الراء لأنها حرف ساكن، والنحويون على خلافه في حذف الطاء، وما أشبهها من السواكن الواقعة ثالثة، ويجيز الفراء في حمار: يا حما أقبل، يصير مثل رضا. وفي سعيد: يا سعي يصير/ ٤٢٣ مثل عمي ولا يجيز: يا ثمو في ثمود؛ لأنه ليس له في الأسماء نظير.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٣٥.
[ ١ / ٣٦٥ ]
واعلم: أن الشعراء يرخمون في غير النداء اضطرارًا، فمن ذلك قول الأسود بن يعفر:
أَوْدَى ابنُ جَلْهُمَ عَبَّادٌ بِصِرْمَته إنَّ ابْنَ جُلْهَمَ أمسى حَيَّةَ الوادي١
أراد: جُلهمه والعربَ يسمون الرجل جُلهمه والمرأة جُلهم.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٣٤٤ على قولهم: جلهم وأنه إذا أراد أمه جلهم فلا ترخيم فيه على هذا، لأن العرب سمت المرأة جلهم، والرجل جلهمة بالهاء، وكذا جرى استعمالهم للاسمين، وإن كان أراد أباه فقد رخم. والصرمة: القطعة من الإبل ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وأودى بها: ذهب بها، وقوله: أمسى حية الوادي: أي: يحمي ناحيته ويتقي منه كما يتقي من الحية الحامية لواديها المانعة. والوادي: المطمئن من الأرض. وانظر: شرح السيرافي ٣/ ٨٠، والإنصاف/ ١٩٥، واللسان "جلهم" والخزانة ١/ ٣٧٤.
[ ١ / ٣٦٦ ]
باب مضارع للنداء:
اعلم: أن كل منادى مختص، وأن العرب أجرت أشياء لما اختصتها مجرى المنادى كما أجروا التسوية مجرى الاستفهام، إذ كان التسوية موجودة في الاستفهام وذلك قولهم: أما أنا فأفعل كذا وكذا أيها الرجل، أو: نفعل نحن كذا وكذا أيها القوم. واللهم اغفر لنا أيتها العصابة.
قال سيبويه: أراد أن يؤكذ لأنه اختص إذ قال: إنه، لكنه أكد كما تقول لمن هو مقبل عليك كذا كان الأمر يا فلان١، ولا يدخل في هذا الباب/ ٤٢٤ لأنك لست تنبه غيرك. ومن هذا الباب قول الشاعر:
إنَّا بني نَهْشَلٍ لا نَنْتَمي لأَبٍ عنْهُ ولا هُوَ بالأَبْناءِ يَشرِيناَ٢
نصب بني مختصا على فعل مضمر كما يفعل في النداء نحو "أعني" وما أشبه ذلك.
_________________
(١) ١ ونص الكتاب ١/ ٣٢٦: أراد أن يؤكد لأنه اختص حين قال: أنا، ولكنه أكد، كما تقول: للذي هو مقبل عليك بوجهه مستمع منصت كذا كان الأمر يا أبا فلان توكيدا. ٢ الشاهد فيه: نصب "بني" على الاختصاص والتقدير "أعني". وقوله: إنا بني نهشل: يعني نهشل بن دارم بن مالك بن تميم. ومن قال: إنا بنو نهشل جعل "بنو" خبر "إن" ومن قال: "بني" فإنما جعل الخبر أن تبتدر في البيت الذي يلي الشاهد وهو: إن تبتدر غاية يوما لمكرمة تلق السوابق منا والمصلينا ونسب هذا الشاهد المبرد في الكامل إلى رجل يكنى أبا مخزوم من بني نهشل بن دارم، وهو بشامة بن حزن النهشلي. ونسبها صاحب الحماسة لبعض بني قيس بن ثعلبة. وانظر: الكامل/ ٦٥، طبعة ليبسك، والحماسة ١/ ٩٧، والاقتضاب للبطليوسي/ ٣١٨، وعيون الأخبار لابن قتيبة ١/ ١٩٠ والشعر والشعراء ٢/ ٦٣٨، وكتاب الفاخر للمفضل بن سلمة/ ١٧٧، ورواه: لا ندعى لأب، والعيني ٣/ ٣٧٠، والخزانة ٣/ ٥١٠.
[ ١ / ٣٦٧ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: يا هذا الطويلُ أقبل، في قول من قال: يا زيدُ الطويلُ، ومن قال: يا زيدُ الطويلَ قال: يا هذا الطويلَ، وليس الطويل بنعت لهذا ولكنه عطف عليه وهو الذي يسمى عطف البيان؛ لأن هذا وسائر المبهمات إنما تبينُ بالأجناس، ألا ترى أنكَ إذا قلت: جاءني زيدٌ فخفت أن يلتبس الزيدان على السامع أو الزيود قلت: الطويل وما أشبه لتفصل بينه وبين غيره ممن له مثل اسمه وإذا قلت: جاءني هذا، فقد أومأت له إلى واحد بحضرتك، وبحضرتك أشياء كثيرة، وإنما ينبغي لك أن تبين له عن الجنس الذي أومأت له إليه لتفصل ذلك عن جميع ما بحضرتك من الأشياء/ ٤٢٥، ألا ترى أنك لو قلت له: يا هذا الطويلُ وبحضرتك إنسان ورمح وغيرهما لم يدر إلى أي شيء تشير. وإن لم يكن بحضرتك إلا شيء طويل واحد وشيء قصير واحد فقلت: يا هذا الطويل جاز عندي؛ لأنه غير ملبس، والأصل ذاك وأنت في المبهمة تخص له ما يعرفه بعينه وفي غير المبهمة تخص له ما يعلمه بقلبه. وتقول في رجل سميته بقولك: زيد وعمرو يا زيدًا وعمرًا أقبل تنصب لطول الاسم، ولو سميته: طلحة وزيدًا لقلت: يا طلحة وزيدًا أقبل، فإن أردت بطلحة الواحدة من الطلح قلت: يا طلحةً وزيدًا أقبل؛ لأنك سميته بها منكورة ولم تكن جميع الاسم فتصير معرفة، إنما
[ ١ / ٣٦٨ ]
هي في حشو الاسم كما كانت فيما نقلتها عنه وتقول: يا زيدُ الظريفَ، على أصلِ النداء عند البصريين١، وقال الكوفيون: يراد بها يا أيها الظريفَ، فلما لم يأت "بيا أيها"، نصبته، وربما نصبوا المنعوت بغير تنوين/ ٤٢٦ فأتبعوه نعته وينشدون:
فَما كَعْبُ بنُ مَاَمَة وابنُ سُعدى بأَجْودَ مِنْكَ يا عُمر الجَوادا٢
والنصب عند الكوفيين في العطف على "أيها" كما كان في النعت فلما لم يأتي "يا أيها" نصب، ويجيزون: يا عبد الله وزيدًا، ويقولون: يا أبا محمدٍ زيدٌ أقبل وهو عند البصريين بدل وهو عند الكوفيين من نداء ابن. وإذا قلت: زيدًا فهو عند الكوفيين نداء واحد ويسميه البصريون عطف البيان، ويجيز الكوفيون: يا أيها الرجلُ العاقلَ على تجديد النداء، كذا حكي لي عنهم، ويجيز البصريون: يا رجلًا، ولا يجيز الكوفيون ذاك إلا فيما كان نعتًا نحو قوله:
فيَا رَاكِبًَا إمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ نَدَاماي مِنْ نَجْرَانَ أنْ لا تلاقيا٣
_________________
(١) ١ قال المبرد في المقتضب ٣/ ٢٠٧، وإن نعت مفردا بمفرد فأنت في النعت بالخيار إن شئت رفعته، وإن شئت نصبته، تقول: يا زيدُ العاقلُ أقبل، ويا عمرُ الظريفُ هلم، وإن شئت قلت: العاقلَ، والظريفَ، أما الرفع فلأنك أتبعته مرفوعا. ٢ الشاهد فيه: نعت المنادى المفرد منصوبا بغير ابن عند الكوفيين، وأوله المانعون بالقطع، أي: إنه مفعول لفعل محذوف. وكعب بن مامة هذا من إياد، وكان من أجواد العرب المشهورين حتى ضرب به المثل في ذلك وهو الذي آثر رفيقه بالماء فنجا ومات هو عطشا. وابن سعدى، هو أوس بن حارثة بن لام الطائي أجود الأجواد أيضا الذين ضرب بجودهم المثل وعمر المذكور: هو ابن عبد العزيز بن مروان المشهور بالعدل والديانة. والبيت من قصيدة لجرير يمدح بها عمر المذكور. وانظر: المقتضب ٤/ ٢٠٨، والكامل/ ١٣٢، والمفضليات للأنباري/ ٤٤٩، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٠٧، والعيني ٤/ ٢٥٤، والتصريح ٢/ ١٦٩. ٣ مر تفسير هذا البيت ص٤٠٣.
[ ١ / ٣٦٩ ]
ولا يكادون يحذفون "يا" من النكرة ويقولون: وا زيدُ في النداء ويقولون: وأ أي زيد.
قال أبو العباس: إنما قالوا: هذا ابنمٌ، ورأيت ابنمًا، ومررت بابنمٍ، فكسروا/ ٤٢٧ ما قبل الميم إذا انكسرت وفعلوا ذلك في الضم والنصب؛ لأن هذه الميم زيدت على اسم كان منفردًا منها، وكان الإِعراب يقع على آخره، فلما زيدت عليه ميم١ أُعربت الميم إذ كانت طرفًا، وأُعربت ما قبلها إذ كانت تسقط فرجع الإِعراب إليه، وقولك وقد يخفف الهمز فتقول: مُرْ فيقع الإِعراب على الراء، فلذلك تبعت الهمزة وكذلك إذا قلت: يا زيدَ بنَ عمرو، جعلتهما بمنزلة واحدة اسم واحد واتبعت الدال حركة ابن فهو مثل ابنم، وقال في قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. لا يجوز: اللهم اغفر لهم أيتها العصابة. وقال: قلت لأبي عثمان٢: ما أنكرت من الحال للمدعو؟ قال: لم أنكر منه إلا أن العرب لم تدع على شريطة، لا يقولون: يا زيد راكبًا، أي: ندعوك في هذه الحال ونمسك عن دعائك ماشيًا؛ لأنه إذا قال: يا زيد فقد وقع الدعاء على كل حال. قال: قلت: فإنه إن احتاج/ ٤٢٨ إليه، راكبًا ولم يحتج إليه في غير هذه الحال، فقال: يا زيد راكبًا، أي: أريدك في هذه الحال، قال: ألست قد تقول: يا زيد دعاء حقا؟ قلت: بلى، قال: علام تحمل المصدر؟ قلت: لأن قولي: يا زيد كقولي٣: أدعو زيدًا فكأني قلت: أدعو دعاء حقا قال: فلا أرى بأسًا بأن تقول على هذا: يا زيد قائمًا وألزم القياس. قال أبو العباس: ووجدت أنا تصديقًا لهذا قول النابغة:
_________________
(١) ١ في الأصل "ميما" بالنصب. ٢ هذه المسألة ذكرها ابن الأنباري في الإنصاف/ ١٨٦، والبغدادي في الخزانة ١/ ٢٨٥. ٣ في الأصل "محقق لي" وهو تصحيف.
[ ١ / ٣٧٠ ]
قَالت بنو عامرٍ خَالوا بني أسَد يا بُؤْسَ لِلَجْهِل ضَرَّارًا لأقوامِ١
وقال الأخفش: لو قلت: يا عبد الله صالحًا، لم يكن كلامًا. وقال أبو إسحاق يعني الزيادي٢: كان الأصمعي٣: لا يجيز أن يوصف المنادى بصفة البتة مرفوعة ومنصوبة.
وقال أبو عثمان لا أقول: يا زيد وخيرًا من عمرو أقبلا، إذا أردت بخير من عمرو المعرفة، لأني أدخل الألف واللام إذا تباعد المنادى من حرف النداء كما أقول: يا زيد والرجل أقبلا/ ٤٢٩ ولكن أقول: يا زيد والأخير
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٣٤٦ -على إقحام اللام بين المضاف والمضاف إليه في قوله: يا بؤس للجهل- توكيدا للإضافة. خالوا: من خاليته، يقال: خاليته مخالاة وخلاء. فمعناه: أخلوا من حلفهم وتاركوهم. وهذه اللام من الاسم بمنزلة الهاء من طلحة، لأن الاسم على حاله قبل أن تلحق. وهذه اللفظة تأتي بها العرب على جهة التضعيف والتأييس من الأمر. ومعنى البيت: أن بني عامر أضر بهم في عرضهم علينا مقاطعة بني أسد، وما أبأس الجهل على صاحبه وأضر له. وانظر: الشعر والشعراء/ ٩٥، والأغاني ١/ ٧٨، وشرح السيرافي ٣/ ٣٦، والخصائص ٣/ ١٠٦، وشرح الحماسة/ ١٤٨٣، والتمام في تفسير أشعار هذيل/ ٧٧، وشعراء النصرانية/ ٧١٠، والموشح للمرزباني/ ٤٤، والإنصاف/ ١٨٦، والديوان/ ٧١. ٢ الزيادي: هو أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن أبي بكر عبد الرحمن بن زياد بن أبيه، قرأ الكتاب على أبي عمر الجرمي وأتمه على المازني. مات سنة: "٢٤٩هـ" ترجمته في مراتب النحويين لأبي الطيب/ ٧٥، وأخبار النحويين البصريين/ ٦٧، ومعجم الأدباء ١/ ١٥٨. ٣ هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب الباهلي من تلاميذ أبي عمرو بن العلاء، أخذ عن خلف الأحمر أيضا وروى عنه شعر جرير، ويقرر الخطيب البغدادي أنه كان دون أبي زيد في النحو والقواعد، توفي سنة ٢١٦هـ وقيل سنة ٢١٥هـ أو ٢١٧هـ ترجمته في تاريخ بغداد جـ١٠/ ٤١٠، وطبقات الزبيدي رقم ٩٤، ونزهة الألباء/ ١٥٠، وبغية الوعاة/ ٣١٣، وإنباه الرواة جـ٢/ ١٩٧، ومراتب النحويين/ ٥٧.
[ ١ / ٣٧١ ]
أقبلا ويا زيد ويا خيرًا من عمرو أقبلا، إذا أردت حرف النداء كان ما بعده معرفة. ولم يجئ معه الألف واللام، كما تقول: يا خيرًا من زيد العاقل أقبل فتنصب العاقل؛ لأنه صفة له، وكذلك: يا زيد ويا أخير أقبلا، وقال أبو عثمان: أنا لا أرى أن أقول: يا زيد الطويل وذا الجمة إن عطفت على زيد، والنحويون جميعًا في هذا على قول.
قال: وأرى إن عطفت "ذا الجمة" على "الطويل" أن أرفعه كما فعلت في الصفة، والنحويون كلهم يخالفونه ولا يجيزون إلا نصب ذي الجمة، وهذا عنده كما تقول: يا زيدُ الطويلُ ذو الجمة، إذا جعلته صفة للطويل. وإن كان وصفًا لزيد أو بدلًا منه نصبته، وكان أبو عثمان يجيز يا زيد أقبل على حذف ألف الإِضافة، لأنه يجوز في الإِضافة: يا زيدِ، أردت: يا زيدي فأبدلت من الياء ألفًا. وعلى هذا قرئ: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾ ١، و﴿يَا قَوْمِ / ٤٣٠ لا أَسْأَلُكُمْ﴾ ٢: قال: ومن زعم أنه على حذ ألف الندبة فهذا خطأ؛ لأن من كان من العرب لا يلحق الندبة ألفًا فهي عنده نداء، فلو حذفوها لصارت بدلًا على غير جهة الندبة. وقال أبو العباس: لا أرى ما قال أبو عثمان في حذف الألف إذا جعلتها مكان ياء الإِضافة. صوابًا نحو: يا غلامًا أقبل لا يجوز حذف الألف لخفتها كما تحذف الياء إذا قلت: يا غلامِ أقبل.
وقال: يا أبت. لا يجوز عندي إلا على الترخيم كما قال سيبويه مثل: يا طلحة أقبل٣ وقال: زعم أبو عثمان أنه يجيز: يا زيد وعمرًا أقبلا، على الموضع كما أجاز: يا زيدُ زيدًا أقبل، فعطف زيد الثاني على الموضع عطف البيان، وأهل بغداد يقولون: يا الرجلُ أقبل، ويقولون: لم نر موضعًا يدخله التنوين يمتنع من الألف واللام وينشدون:
_________________
(١) ١ مريم: ٤٢. ٢ هود: ٥١. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٣٣٣.
[ ١ / ٣٧٢ ]
فَيا الغُلامَانِ اللَّذَانِ فَرّا إيَّاكُما أن تُكْسِبانا شَرّا١
وقال أبو عثمان: سألت/ ٤٣١ الأخفش كيف يرخم طيلسان فيمن كسر اللام على قولك: يا حار؟ فقال: يا طيلس أقبل، قلت: أرأيت فيعل اسمًا قط في الصحيح إنما يوجد هذا في المعتل نحو: سيد وميت. قال: فقال: قد علمت أني قد أخطأت، لا يجوز ترخيمه إلا على قولك: يا حار، قال: وكان الأخفش لا يجوز عنده ترخيم حُبلوى اسم رجل فيمن قال: يا حار؛ وذلك لأنه يلزمه أن يحذف يائي النسب ويقلب الواو ألفًا لانفتاح ما قبلها، فيقول: يا حُبلى فتصير ألف فعلى منقلبة، وهذا لا يكون أبدًا إلا للتأنيث. فلهذا لا يجوز؛ لأن ألف التأنيث لا تكون منقلبة أبدًا من شيء، وهذا البناء لا يكون للمذكر أبدًا، وقال: كان الأخفش يقول: إذا رخمت سفيرج اسم رجل في قول من قال: يا حار. فحذفت الجيم لزمك أن ترد اللام التي حذفتها لطول الاسم وخروجه من/ ٤٣٢ باب التصغير فتقول: يا سفيرلُ أقبل؛ لأنه لما صار اسمًا على حياله فحذفت الجيم على أن يعتد بها وتجعله بمنزلة "قاضون" اسم رجل إذا قلت: يا قاضي، الياء التي كانت ذهبت لالتقاء الساكنين لما حذفت ما حذفت من أجله.
قال أبو العباس: وليس هذا القول بشيء. ووجه الغلط فيه بينِّ، وذلك لأنك لم تقصد به إلى سفرجل فتسميه به ولا هو منه في شيء، إنما قصدت إلى هذا الذي هو سفيرج ولا لام فيه فهو على مثال ما يرخم فرخمته
_________________
(١) ١ هذا البيت شائع في كتب النحو، ولم يعرف له قائل ولا ضميمة، وخرجه ابن الأنباري في الإنصاف على حذف المنادى وإقامة صفته مقامه قال: والتقدير فيه: فيا أيها الغلامان. وهذا قليل بابه في الشعر. وإياكما تحذير: وأن تكسبانا، أي: من أن تكسبانا، وماضيه: أكسب يتعدى إلى مفعولين، يقال: كسبت زيدا مالا وعلما. أي: أنلته. وانظر: المقتضب ٤/ ٢٤٣، والإنصاف/ ١٨٨، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٨٢، وابن يعيش ٢/ ٩، وأسرار العربية/ ٢٣٠.
[ ١ / ٣٧٣ ]
بعد أن ثبت اسمًا، ألا ترى أنك تقول: في تصغير سفرجل: سفيرج وسفيريج للعوض، ولو سميته: سفيريج لم يجز أن تقول فيه: سفرجل، واسمه سفيريج؛ لأنك لست تقصد إلى ما كان يجوز في سفرجل، وكذلك فرزدق. لو سميته بتصغيره فيمن قال: فريزد، لم يجز في اسمه أن تقول: فريزق/ ٤٣٣ وإن كان ذلك يجوز في تصغير فرزدق لأنك سميته بشيء بعينه فلزمه. وتقول: يا زيد وعمرو الطويلين والطويلان، لأنه بمنزلة قولك: يا زيد الطويل، وتقول يلا هؤلاءِ وزيدُ الطوالُ، لأن كله رفع والطوال عطف عليهم، ولا يجوز أن يكون صفة لافتراق الموصوفين، وتقول: يا هذا ويا هذان الطَّوالُ وإن شئت قلت: الطَّوالُ لأن هذا كله مرفوع، والطوال عطف عليهم ههنا، وليس الطوال بمنزلة: يا هؤلاء الطوال؛ لأن هذا يقبح من جهتين: من جهة أن المبهم إذا وصفته بمنزلة اسم واحد فلا يجوز أن تفرق بينه وبينه، والجهة الأخرى أن حق المبهم أن يوصف بالأجناس لا بالنعوت، وتقول: يا أيها الرجلُ وزيدُ الرجلين الصالحين تنصب ولا ترفع من قبل أن رفعهما مختلف وذلك أن زيدًا على النداء/ ٤٣٤ والرجل نعت "لأي" وتقول في الندبة: يا زيدُ زيداه، ويا زيدًا زيداه، وقوم يجيزون: يا زيدًا زيداه، وقوم يجيزون: يا زيدًا يا زيداه، ويا زيداه يا زيداه، وقد مضى تفسير ما يجوز من ذا وما لا يجوز، وقالوا: من قال يا هناهُ ويا هناهِ بالرفع والجر، من رفع توهم أنه طرف للاسم ويكسر لأنه جاء بعد الألف. والتثنية: يا هنانيه، ويا هناناه ويا هنوتاه في الجمع، وهنتاه في المؤنث وهنتانيه في التثنية وهنتاناه، ويا هناتوه في الجمع لا غير، والفراء لا ينعت المرخم إلا أن يريد نداءين، ونعت المرخم عندي قبيح كما قال الفراء من أجل أنه لا يرخم الاسم إلا وقد علم ما حذف منه وما يعني به. فإن احتيج إلى النعت للفرق فرد ما سقط منه أولى كقول الشاعر:
أضمرَ بن ضمرةَ ماذا ذكر تَ من صرمةٍ أخذتْ بالمرار١
_________________
(١) ١ الشاهد فيه حذف ياء بالنداء، والأصل: يا ضمر يا بن ضمرة. وضمرة: هو أبو بطن من العرب، وضمرة بن ضمرة أحد رجال العرب معروف وهو صاحب خطاب النعمان، وله حديث. وكان اسمه شق بن ضمرة فسماه النعمان ضمرة، والصرمة: القطعة من الإبل. والمرار: موضع. وهو لسبرة بن عمرو الأسدي الفقعسي. وانظر: النوادر لأبي زيد/ ١٥٥، والجمهرة لابن دريد ٢/ ٣٦٦، ورواه: من صرمة أخذت بالمغار، والاشتقاق/ ١٧، ومعاني القرآن ٢/ ٤١٦.
[ ١ / ٣٧٤ ]
أراد/ ٤٣٥: يا ضمر يابن ضمرة. والكوفيون يجيزون: يا جرجر في جرة، وفي حولايا يا حول، فيحذفون الزوائد كلها، وهذا إخلال بالاسم. يسقطون فيه ثلاثة أحرف فيها حرف متحرك ولا نظير لهذا في كلام العرب، ويقولون للمرأة: يا ذات الجمة أقبلي، ويا ذواتي الجمم للاثنين، وللجماعة يا ذوات الجمم، بكسر التاء وقد يقال: يا ذواتي الجمة، ويا ذوات الجمة.
قال أبو بكر: وذلك أن ذات إنما هي ذاة، فالتاء زائدة للجمع، وإنما صارت الهاء في الواحدة تاء حين أضفتها ووصلتها بغيرها. وتقول: يا هذا الرجلُ. والرجلَ أقبل، ويا هذان الرجلان والرجلين، مثل: يا زيد الظريفُ والظريفَ، النصب على الموضع والرفع على اللفظ، وتقول: يا أخوينا زيد وعمرو، على قولك: يا زيد وعمرو، يعني البدل.
وقال الأخفش: وإن شئت قلت: زيد وعمرو على التعويض كأنك قلت أحدهما زيد والآخر عمرو.
قال أبو بكر: هذا عندي إنما يجوز/ ٣٤٦ إذا أراد أن يخبر بذلك بعد تمام النداء. وتقول: يا أيها الرجلُ زيدٌ، لأن زيدًا معطوف على الرجل عطف البيان يجري عليه كما يجري النعت للبيان، ولو جاز أن لا تنون زيدًا لجاز أن تقول: يا أيها الجاهلُ ذا التنزي١.
على النعت وإنما هو ذو التنزي، وتقول: يا أيها الرجلُ عبدُ الله، تعطف على الرجل عطف البيان.
_________________
(١) ١ يشير إلى الرجز الذي مر شرحه/ ص: ٤١١.
[ ١ / ٣٧٥ ]
قال الأخفش: ولو نصبت كان في القياس جائز إلا أن العرب لا تكلم به نصبًا، ولكن تحمله على أن تبدله من "أي"؛ لأن "أي" في موضع نصب على أصل النداء، وقال: إذا رخمت رجلًا اسمه شاة قلت: يا شا أقبل، ومن قال: يا حارُ فرفع قال: يا شاةُ أقبل فرد الهاء الأصلية؛ لأنه لا يكون الاسم على حرفين أحدهما ساكن إلا مبهمًا١، وقال: تقول في شية على ذا القياس يا وشي أقبل، وفي دية: يا ودي/ ٤٣٧ أقبل فترد الواو في أوله؛ لأنها ذهبت من الأول لأن الأصل: وديت ووشيت وإنما ردت الواو؛ لأن مثل: شيء لا يكون اسما. وذلك أن الاسم لا يكون على حرفين أحدهما ساكن قال: وتكسر الواو إذا رددتها لأن الأصل وشية، كما قالت العرب: وجهة لما أتموا: وقالوا: ولدة، والكوفيون وقوم يجيزون: يا رجل قام ويقولون: إن كان تعجبًا نصبت كقولك: يا سيدًا ما أنت من سيد، ويكون مدحًا كقولك: يا رجلًا لم أرَ مثله، وكذلك جميع النكرات عندهم وتقول: يا أيها الرجل، ويا أيها الرجلان، ويا أيها الرجال، ويا أيها النساء على لفظ واحد، والاختيار في الواحدة في المؤنث يا أيتها المرأة، وإذا قلت: يا ضاربي فأردت به المعرفة كان مثل: يا صاحبي وغلامي ويجوز عندي أن تقول: يا ضاربِ أقبل كما تقول: يا غلامِ أقبل، فإن أردت/ ٤٣٨ غير المعرفة لم يجز إلا إثبات الياء وتقول: يا ضاربي غدًا وشاتمي؛ لأنك تنوي الانفصال وتقول: يا قاضي المدينة، لك أن تنصبهما ولك أن ترفع الأول وتنصب الثاني والكوفيون يجيزون نصب الأول بتنوين؛ لأنه يكون خلفًا وما لا يكون خلفًا فلا يجوز في الأول عندهم التنوين مثل: يا رجلُ رجلنا، لا يجيزون النصب في الأول وقالوا: كل ما كان يكون خلفًا فلك الرفع بلا تنوين والنصب بتنوين ويقولون: يا قائمًا أقبل ويا قائمُ أقبل، ويجيزون أن يؤكد ما فيه وينسق عليه ويقطع منه كما يصنع بالخلف ويجيزون: يا رجلُ قائمًا أقبل على نداءين وإن شئت كان في الصلة ويجيزون: يا رجلُ قائمٌ أقبل.
_________________
(١) ١ أي: ضميرا.
[ ١ / ٣٧٦ ]
ينوون فيها الألف واللام. ويحكون عن العرب: يا مجنونُ مجنونُ أقبل، ويجيزون: يا أيها الذي قمت أقبل/ ٤٣٩ ويا أيها الذي قام أقبل وهو جائز ولا يجيزونه في من وكذا ينبغي ويقولون: يا رجلًا قمت أقبل، ويا رجلُ قمت أقبل، والفراء إذا خاطب رفع لا غير، ويقولون: يا قاتلَ نفسك ويا عبدَ بطنك وهذا جائز قال أحمد بن يحيى١: لو أجزت الرفع لم يكن خطأ قال: وكذلك: يا ضاربنا ولا شاتمنا يختار النصب مع كل ما ظهرت إضافته قال: ويجوز في القياس الرفع وأنت تنوي الألف واللام. فإذا كان لا يجوز فيه الألف واللام لم يجز إلا النصب مثل: يا أفضل منا، ويا أفضلنا، ويا غلام زيد ويا غلام رجل، إنما يجوز الرفع في القياس مع ضارب زيدٍ، وحسن الوجهِ وقال: أما مثلنا وشبهنا فالنصب لا غير.
وقال الأخفش: تقول: إذا نسبت رجلًا إلى حباري٢ وحبنطي٣ قلت: حباريُّ وحبنطيُّ فإذا رخمت لم ترد الألف، وكذلك إذا نسبت إلى مرمى فقلت: مرميُّ لم/ ٤٤٠ ترد الألف لو رخمته لأن هذا لم يحذف لالتقاء الساكنين ولو كان حذف لالتقاء الساكنين لبقي الحرف مفتوحًا فكان يكون: حباريُّ وحبنطيُّ قال: وإن شئت قلت: إني أرد الألف وأقول ذهب لاجتماع الساكنين ولكنهم كسروا لأنهم رأوا جميع النسب يكسر ما قبله قال: ومن قال: احذفه على أني أبنيه بناء قال: لا أحذفه لاجتماع الساكنين وجب عليه أن لا يرد في: ناحي وقاضي، إذا نسب إلى ناحية وقاضٍ وقال: إذا سميت رجلًا حبلاوي أو حمراوي إذا رخمته فيمن قال: يا حارُ، فرفع همزت لأنها واو صارت آخرًا فتهمزها وتصرفها في المعرفة والنكرة لأنها الآن ليست للتأنيث.
_________________
(١) ١ أي: ثعلب من أئمة نحاة الكوفة، وقد مرت ترجمته صفحة: ٣٧٠ من الأصل. ٢ حبارى: طائر يقع على الذكر والأنثى، واحدها وجمعها سواء. ٣ حبنطي: وهو الممتلئ غيظا أو بطنة.
[ ١ / ٣٧٧ ]
قال أبو بكر: وجميع ما ذكرت من المسائل فينبغي أن تعرضه على الأصول التي قدمتها فما صح في القياس فأجزه وما لم يصح فلا تجزه وإنما أذكر/ ٤٤١ لك قول القائلين كيلا تكون غريبًا فيمن خالفك، فإن الحيرة تقارن الغربة وقد ذكرنا الضم الذي يضارع الرفع ونحو نتبعه الفتح الذي يشبه النصب، إن شاء الله.
[ ١ / ٣٧٨ ]
باب النفي بلا
مدخل
باب النفي بلا:
الفتح الذي يشبه النصب هو ما جاء مطردًا في الأسماء النكرات المفردة ولا تخص اسمًا بعينه من النكرات إذا نفيتها "بلا" وذلك قولك: لا رجل في الدار ولا جارية فأي اسم نكرة ولي "لا" وكان جوابًا لمن قال: هل من غلام فهو مفتوح، فإن دخلت "لا" على ما عمل بعضه في بعض من معرفة أو نكرة لم تعمل هي شيئًا إنما تفتح الاسم الذي يليها إذا كانت قد نفت ما لم يوجبه موجب. فأما إذا دخلت على كلام قد أوجبه موجب فإنها لا تعمل شيئًا وإنما خولف بها إذا كانت تنفي ما لم يوجب، وكل منفي فإنما ينفى بعد أن كان موجبًا/ ٤٤٢ وأنت إذا قلت: لا رجل فيها إنما نفيت جماعة الجنس، وكذلك إذا قلت: هل من رجل؟ لم تسأل عن رجل واحد بعينه، إنما سألت عن كل من له هذا الاسم، ولو أسقطت "من" فقلت: هل رجل؟ لصلح لواحد ولجمع فإذا دخلت "من" لم يكن إلا للجنس.
واعلم: أن "لا" إذا فتحت ما بعدها فقد يجيء الخبر محذوفًا كثيرًا، تقول: لا رجل ولا شيء تريد في مكان أو زمان، وربما لم يحذف، خالفت ما وليس ألا ترى أن "ما" تنفي بها ما أوجبه الموجب و"ليس" كذلك وهما يدخلان على المعارف و"لا" في هذا الموضع ليست كذلك وقد اختلف النحويون في تقديرها اختلافًا شديدًا فقال سيبويه: "لا" تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين ونصبها لما بعدها كنصب "إنَّ" لما بعدها وترك التنوين لما
[ ١ / ٣٧٩ ]
تعمل فيه لازم لأنها جعلت وما تعمل فيه بمنزلة اسم واحد نحو: خمسة عشر وذلك لأنه لا يشبه ما ينصب وهو الفعل١ / ٤٤٣ ولا ما أجرى مجراه لأنها لا تعمل إلا في نكرة "ولا" ما بعدها في موضع ابتدء فلما خولف بها عن حال أخواتها خولف بلفظها كما خولف بخمسة عشر ولا تعمل إلا في نكرة كما أن: رُبَّ لا تعمل إلا في نكرة فجعلت وما بعدها كخمسة عشر في اللفظ وهي عاملة فيما بعدها كما قالوا: يابن أم فهي مثلها في اللفظ وفي أن الأول عامل في الثاني و"لا": لا تعمل إلا في نكرة من قبل أنها جواب فيما زعم الخليل كقوله: هل من عبد أو جارية؟ فصار الجواب نكرة كما أنه لا يقع في هذه المسألة إلا نكرة٢. "فلا" وما عملت فيه في موضع ابتداء كما أنك إذا قلت: هل من رجل؟ فالكلام بمنزلة اسم مبتدأ والذي يبني عليه في زمان أو مكان هو الخبر ولكنك تضمره، وإن شئت أظهرته.
قال أبو العباس محمد/ ٤٤٤ بن يزيد: فإن قال قائل: فهل يعمل في الاسم بعضه؟ فالجواب في ذلك: بلغني أنك منطلق إنما هو بلغني انطلاقك "فإن" عاملة في الكاف وفي منطلق وكذلك موقعها مفتوحة أبدا، وكذلك "أن" الخفيفة هي عاملة في الفعل وبه تمت اسمًا، فكذلك "لا" عملت عنده فيما بعدها وهي وما بعدها بمنزلة اسم. قال: والدليل على أن "لا" وما عملت فيه اسم أنك تقول: غضبت من لا شيء وجئت بلا مال، كما قال٣:
حَنَّتْ قلُوصي حينَ لا حِينَ محن٤
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٤٥ وقال المبرد في المقتضب: فأما ترك التنوين فإنما هو لأنها جعلت وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد كخمسة عشر. المقتضب ٤/ ٣٥٧. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٤٥. ٣ انظر: المقتضب ٤/ ٣٥٨. ٤ من شواهد الكتاب ١/ ٣٥٨ و٢/ ٥٣، فقد نصب "حين" بلا، وإضافة حين الأولى إلى الجملة، وخبر "لا" محذوف والتقدير: حين لا حين محن لها، أي: حنت في غير وقت الحنين، وحنينها: صوتها شوقا إلى أصحابها والمعنى: أنها حنت إليهم على بعد منها، قال الأعلم: ولو جر "الحين" على إلغاء "لا" لجاز. والقلوص: الناقة الفتية. والبيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها ولا تتمة لها. وانظر: المقتضب ٤/ ٣٥٨، وشرح السيرافي ٣/ ٩٥، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٣٩، والحجة لأبي علي ١/ ١٢٣، والخزانة ٢/ ٩٣.
[ ١ / ٣٨٠ ]
فجعلها اسمًا واحدًا، فالموضع موضع نصب نصبته "لا" وسقوط التنوين، لأنه جعل معها اسمًا واحدا، والدليل على ذلك: أنه إن اتصل بها اسم مفرد سقط منه التنوين وصار اسمًا واحدًا وموضع الاسم بأسره موضع رفع كما كان موضع ما هو جوابه كذلك.
وأما الكسائي: فإنه يقول/ ٤٤٥: النكرات يبتدأ بأخبارها قبلها لئلا يوهمك أخبارها أنها لها صلات، فلما لزمت التبرئة الاسمَ وتأخر الخبر أرادوا أن يفصلوا بين ما ابتدئ خبره وما لا يكون خبره إلا بعده فغيروه من الرفع إلى النصب لهذا، ونصبوه بغير تنوين لأنه ليس بنصب صحيح إنما هو مغير كما فعلوا في الندءا حين خالفوا به نصب المضاف فرفعوه بغير تنوين ولم يكسروه فيشبه ما أُضيف إليه.
وقال الفراء: إنما أخرجت "لا" من معنى غير إلى "ليس" ولم تظهر ليس ولا إذا كانت في معنى "غير" عمل ما قبلها فيما بعدها كقولك: مررت برجل لا عالم ولا زاهد و"لا" إذا كانت تبرئة كان الخبر بعدها ففصلوا بهذا الإِعراب بين معنيين. وفي جميع هذه الأقوال نظر، وإنما تضمنا في هذا الكتاب الأصول والوصول إلى الإِعراب، فأما عدا ذلك من/ ٤٤٦ النظر بين المخالفين فإن الكلام يطول فيه ولا يصلح في هذا الكتاب، على أنا ربما ذكرنا من ذلك الشيء القليل.
[ ١ / ٣٨١ ]
ذكر الأسماء المنفية في هذا الباب:
واعلم: أن المنفي في هذا الباب ينقسم أربعة أقسام: نكرة مفردة غير موصوفة، ونكرة موصوفة، ونكرة مضافة، ومضارع للمضاف.
أما الأول: وهو النكرة المفردة:
فنحو ما خبرتك من قولك: لا رجل عندي، ولا رجل في الدار، ولا صاحب لك و﴿لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ ١، ولا صنع لزيد، ولا رجل ولا شيء، تريد: لا رجل في مكان ولا شيء في زمان وتقول: لا غلامَ ظريفٌ في الدار. فقولك: ظريف خبر، وقولك: في الدار، خبر آخر، وإن شئت جعلته لظريف خاصة، ومن ذلك قول الله ﷿: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّه﴾ ٢. وقال: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ٣ وأما قول الشاعر:
لا هَيثَم الليلَة للمَطِّي٤
_________________
(١) ١ التوبة: ١١٨. ٢ هود: ٤٣. اليوم: خبر عاصم وإن كان جثة، إذ المعنى: لا وجود عاصم، ومن أمر الله: خبر مبتدأ محذوف، أي: العصمة المنفية من أمر الله. ٣ البقرة: ١-٢. ٤ لتأويل هذا الرجز بالمنكر وجهان: إما أن يقدر مضاف هو مثل: فلا يتعرف بالإضافة، لتوغله في الإبهام، وإنما يجعل في صورة النكرة ينزع اللام، وإن كان المنفي في الحقيقة هو المضاف المذكور الذي لا يتعرف بالإضافة إلى أي معرفة كان، وإما أن يجعل العلم لاشتهاره بتلك الخلة كأنه اسم جنس موضوع لإفادة ذلك المعنى. وهيثم: اسم رجل كان حسن الحداء للإبل، وقيل جيد الرعي، وقيل: هو هيثم بن الأشتر وكان مشهورا بين العرب بحسن الصوت في حدائه. وكان أعرف أهل زمانه بالبيداء والفلوات. وهذا من شواهد سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. وانظر: الكتاب ١/ ٣٥٤، والمقتضب ٤/ ٣٧٤، وشرح السيرافي ٣/ ٩٢، وأمالي ابن الشجري ١/ ١٣٩، وابن يعيش ٢/ ١٠٣، والمفصل للزمخشري/ ٢٢٢.
[ ١ / ٣٨٢ ]
فإنه جعله نكرة أراد لا مثل هيثم، ومثل ذلك: لا بصرَ لكم. وقال ابن الزبير الأسدي:
أَرَى الحَاجَاتِ عِنْدَ أبي خُبَيْبٍ نَكِدْنَ ولا أُمَيَّةَ في البلادِ١
أراد: ولا مثل أمية فإن ثنيت المنفي "بلا" قلت: لا غلامين لك ولا جاريتين، لا بدّ من إثبات النون في التثنية والجمع الذي هو بالواو والنون، قد تثبت في المواضع التي لا يثبت فيها التنوين، بل قد يثنى بعض المبنيات بالألف والنون، والياء والنون. نحو: هذا والذي. تقول: هذان، واللذان.
قال أبو العباس: وكان سيبويه والخليل يزعمان: أنك إذا قلت: لا غلامين لك، أن غلامين مع "لا" اسم واحد، وتثبت النون كما تثبت مع الألف واللام في تثنية ما لا ينصرف وجمعه نحو: هذان أحمران وهذان المسلمان٢، وقال: وليس القول عندي كذلك؛ لأن الأسماء المثناة والمجموعة بالواو والنون لا تكون مع ما قبلها٣ / ٤٤٨ اسمًا واحدًا، لم يوجد ذلك كما لم يوجد المضاف، ولا الموصول مع ما قبلهما بمنزلة اسم واحد٤.
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ٣٥٥، على أن التقدير: ولا أمثال أمية في البلاد. وأبو خبيب: كنية عبد الله بن الزبير بن العوام وكان يرمى بالبخل، وكان إذا هجي كني بأبي خبيب. ونكدن: من باب فرح، فهو نكدا، إذا تعسر، ونكد العيش: اشتد، يقال: نكد زيد جارية عمرو إذا منعه إياها. والبيت في هجاء عبد الله بن الزبير. وانظر: المقتضب ٤/ ٣٦٢، وشرح السيرافي ٣/ ٩٢، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٣٩، والمفصل للزمخشري/ ٧٧، وابن يعيش ٢/ ١٠٢، والأغاني ١/ ٨ و١٢/ ٧١، ونسبه إلى فضالة بن شريك. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٤٨-٣٤٩. ٣ انظر: المقتضب ٤/ ٣٦٦. ٤ انظر: المقتضب ٤/ ٣٦٦ وهذا ما علل به المبرد إعراب المثنى وجمع المذكر السالم في باب "لا" وقد ذكر رأي المبرد وتعليله هذا ابن يعيش ٢/ ١٠٦ وعقب عليه بقوله: وهذا إشارة إلى عدم النظير وإذا قام الدليل فلا عبرة بعدم النظير.
[ ١ / ٣٨٣ ]
الثاني: النكرة الموصوفة:
اعلم: أنك إذا وصفت النكرة في هذا الباب فلك فيها ثلاثة أوجه:
الأول منها: وهو الأحسن، أن تجري الصفة على الموصوف، وتنون الصفة، وذلك قولك: لا رجل ظريفًا في الدار، فتنون لأنه صفة، ويكون قولك: في الدار، هو الخبر، وحجة من فعل هذا أن النعت منفصل من المنعوت مستغنٍ عنه، وإنما جيء به بعد أن مضى الاسم على حاله، فإن لم تأتِ به لم تحتج إليه.
والوجه الثاني: أن تجعل المنفي ونعته اسمًا واحدا١، وتبنيه معه فتقول: لا رجلَ ظريفَ في الدار بنيت رجل مع ظريف، وحجة من رأى أن يجعله مع المنعوت اسمًا واحدًا أن يقول: لما كان موضع/ ٤٤٩ يصلح فيه بناء الاسمين اسمًا واحدًا كان بناء اسم مع "اسم" أكثر وأفشى من بناء اسم مع حرف فإن قلت: لا رجل ظريفًا عاقلًا، فأنت في النعت الأول بالخيار فأما الثاني: فليس فيه إلا التنوين؛ لأنه لا يكون ثلاثة أشياء اسمًا واحدًا٢، وكذلك المعطوف، لو قلت: لا رجل وغلامًا عندك لم يصلح في "غلام" إلا التنوين من أجل واو العطف؛ لأنه لا يكون في الأسماء مثل حضرموت اسمًا
_________________
(١) ١ قال سيبويه ١/ ٣٥١، اعلم: أنك إذا وصفت المنفي، فإن شئت نونت صفة المنفي، وهو أكثر في الكلام، وإن شئت لم تنون وذلك قولك: لا غلام ظريفا لك، ولا غلام ظريف لك، فأما الذين نونوا فإنهم جعلوا الاسم ولا بمنزلة اسم واحد، وجعلوا صفة المنصوب في هذا الموضع بمنزلته في غير النفي. وأما الذين قالوا: لا غلام ظريف لك فإنهم جعلوا الموصوف والوصف بمنزلة اسم واحد. ٢ في الكتاب ١/ ٣٥١، فإذا قلت: لا غلام ظريفا عاقلا لك، فإن في الوصف الأول بالخيار، ولا يكون الثاني إلا منونا، من قبل أنه لا تكون ثلاثة أشياء منفصلة اسم واحد. وفي المقتضب ٤/ ٣٦٧ إن قلت: لا رجل ظريفا عاقلا، فأنت في النعت في الأول بالخيار، فأما الثاني: فليس فيه إلا التنوين، لأنه لا يكون ثلاثة أشياء اسما واحدا.
[ ١ / ٣٨٤ ]
واحدًا إذا كانت بينهما واو العطف.
والتكرير والنعت: بمنزلة واحدة تقول في النعت: لا رجل ظريف لك، والتكرير على ذلك يجري تقول: لا ماءَ ماءً باردًا، وإن فصلت بين الموصوف والصفة بشيء لم يجز في الصفة إلا التنوين، وذلك قولك: لا رجل اليوم ظريفًا، ولا رجل فيها عاقلًا، من قبل أنه لا يجوز لك/ ٤٥٠ أن تجعل الاسم والصفة بمنزلة اسم واحد، وقد فصلت بينهما كما أنه لا يجوز لك أن تفصل بين: عشر وخمسة، في خمسة عشر.
والوجه الثالث: أن تجعل النعت على الموضع فترفع لأن "لا" وما علمت فيه في موضع اسم مبتدأ فتقول: لا رجلَ ظريفَ، فتجري "ظريف" على الموضع فيكون موضع اسم مبتدأ والخبر محذوف، وإن شئت جئت بخبر فقلت: "لك" أو عندك كما بينت لك فيما تقدم، قال الشاعر:
ورَدَّ جَازِرُهُم حَرْفًا مُصَرَّمةً ولا كَرِيمَ مِن الوِلْدَانِ مَصْبُوحُ١
والنعت على اللفظ أحسن، وكذلك إذا قلت: لا ماءَ ماءً باردًا، وإن
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ٣٥٦ على رفع "مصبوح" على أنه خبر "لا" لأنها وما عملت فيه في موضع اسم مبتدأ، ويجوز أن يكون مصبوح نعتا لاسمها محمولا على الموضع، ويكون الخبر محذوفا لعلم السامع، تقديره: موجود. والجازر: الذي ينحر الذبائح. والحرف: الناقة الضامر. وقيل: القوية الصلبة شبهت بحرف الجبل وهو ناحية منه. والمصرمة: المقطوعة اللبن لعدم الرعي، والمصبوح: المسقى صباحا، وهو شرب الغداة، يقول: هم في جدب فاللبن عندهم متعذر لا يسقاه الولد الكريم النسب فضلا على غيره لعدمه، فجازرهم يرد عليهم من المرعى ما ينحرون للضيف. والشاهد كما نسبه الأعلم والعيني لرجل جاهلي من بني النبيت، ونسبه الزمخشري لحاتم الطائي وهو موجود في ديوانه. وانظر: المقتضب ٤/ ٣٧٠، والموجز لابن السراج/ ٥٣، وشرح السيرافي ٣/ ٩٣، وشعراء النصرانية/ ١٠٩، والمفصل للزمخشري/ ٨٩، وابن يعيش ٢/ ١٠٧، والعيني ٢/ ٣٦٩، وشواهد الألفية للعاملي/ ١٢٧، والديوان/ ٣٩.
[ ١ / ٣٨٥ ]
شئت قلت: لا ماءَ ماءٌ باردٌ، فإن جعلت الاسمين اسما واحدا قلت: لا ماءَ ماءَ باردٌ، جعلت ماء الأول والثاني اسمًا واحدًا وجعلت "بارد" نعتًا على الموضع. ومن ذا قول العرب: لا مالَ لهُ قليلٌ ولا كثيرٌ.
قال سيبويه: والدليل على أن "لا رجل" في موضع اسم "مبتدأ" في لغة تميم قول العرب من أهل الحجاز: لا رجلَ ١ / ٤٥١ أفضل منك، والعطف في هذا الباب على الموضع كالنعت، فمن ذلك قول الشاعر وهو رجل من مذحج:
هَذا -لَعَمْرُكُم- الصَّغَارُ بَعْينِه لا أُمَّ لي إِنْ كَانَ ذاكَ ولا أَبُ٢
والأجود أن تعطِفَ على اللفظ فتقول: لا حولَ ولا قوةٌ، هذا إذا جعلت لا الثانية مؤكدة للنفي ولم يقدر أنك ابتدأت النفي بها، فإن قدرت ذلك كان حكمها حكم الأول فقلت: لا حولَ ولا قوةَ، وإن شئت عطفت على الموضع كما خبرتك.
_________________
(١) ١ نظر: الكتاب ١/ ٣٤٥. ٢ القطعة التي منها هذا الشاهد اختلف في قائلها، فنسبها سيبويه ٢/ ١٦١، و١/ ٣٥٢، إلى رجل من مذحج وفسره في ص/ ١٦٢ بأنه هنى بن أحمر الكناني وكذلك نسبه الآمدي في المؤتلف والمختلف ونسبه البغدادي لضمرة بن جابر ولغيره أيضا. والشاهد فيه: عطف الأب بالرفع مراعاة لمحل "لا" مع اسمها ويجوز أن تكون "لا" الثانية عاملة عمل ليس فيكون لكل من "لا" الأولى والثانية خبر يخصها، لأن خبر الأولى مرفوع وخبر الثانية منصوب، كما يجوز أن تكون "لا" مهملة وأب مبتدأ خبره محذوف. والصغار: الذل، وهو خبر هذا وفصل بينهما بالجملة القسمية التي حذف خبرها وجوبا. بعينه: الباء زائدة في لفظ التوكيد وكان تامة وجواب الشرط محذوف. وانظر: الخزانة ١/ ٢٤٤، وانظر: المقتضب ٤/ ٣٧١، وشرح السيرافي ٣/ ٩٠، والمفصل للزمخشري/ ٢٣٣، وابن يعيش ٢/ ١١٠، والعيني ٢/ ٢٣٩، والخزانة ١/ ٣٤٤، ورواه البغدادي: هذا وجدكم الصغار بعينه، والمؤتلف والمختلف/ ٢١٥.
[ ١ / ٣٨٦ ]
باب ما يثبت فيه التنوين والنون من الأسماء المنفية:
فإن ثنيت فلا بد من النون تقول: لا غلامين ولا جاريتين، تثبت النون هنا كما تثبت في النداء، والأسماء المبنية فيها ما يبنى وتثبت فيه النون، وإن كان المفرد مبنيا، ألا ترى أنك تثني هذا فتقول: هذان وهذين، وكذلك: اللذان واللذين. وتقول: لا غلامين ظريفين لك، ولا مسلمين صالحين لك، ولا عشرين درهمًا لك، ونظير هذه/ ٤٥٢ النون التنوين إذا لم يكن منتهى الاسم، وصار كأنه حرف قبل آخر الاسم وهو قولك: لا خيرًا منه ولا حسنًا وجهه لك، ولا ضاربًا زيدًا لك؛ لأن ما بعد حسن وضارب وخير صار من تمام الاسم فقبح أن يحذفوا قبل أن ينتهوا منتهى الاسم.
وقال الخليل: كذلك: لا آمرًا بالمعروف لك، إذا جعلت "بالمعروف" من تمام الاسم وجعلته متصلًا به، كأنك قلت: لا آمرًا معروفًا لك. وإن قلت: لا آمر بمعروف لك، فكأنك جئت بمعروف بعد ما بنيت على الأول كلامًا١.
الثالث: نكرة مضافة:
التنوين يسقط من كل مضاف في هذا الباب، وغيره فإذا نصبت
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب جـ١/ ٣٥٠.
[ ١ / ٣٨٧ ]
مضافًا وأعملت "لا" نصبته ولا بد من أن يكون ذلك المضاف نكرة؛ لأن "لا" لا تعمل في المعارف، والمضاف ينقسم في هذا الباب على قسمين: مضاف لم يذكر معه لام الإِضافة، ومضاف ذكرت معه لام الإِضافة/ ٤٥٣.
فأما المضاف المطلق، فقولك: لا غلامَ رجلٍ لك، ولا ماءَ سماءٍ في دارك، ولا مثلَ زيدٍ لك، وإنما امتنع هذا أن يكون اسمًا واحدًا مع "لا" لأنه مضاف والمضاف لا يكون مع ما قبله اسمًا واحدًا، ألا ترى أنّكَ لا تجد اسمين جعلا اسمًا واحدًا، وأحدهما مضاف، إنما يكونان مفردين: كحضرموت وبعلبك، ألا ترى أن قوله: يابن أم، لما جعل "أم" مع ابن اسمًا واحدًا حذف ياء الإِضافة، وقال ذو الرمة:
هيَ الدَّار إذْ ميٌّ لأهلكِ جيرَةٌ لَيَاليَ لا أمثالَهَنَ لَياليا١
فأمثالهن نصب بـ"لا".
وأما القسم الآخر المنفي بلام الإِضافة:
فالتنوين والنون تقع في هذا الموضع كما وقع مما قبله لما أضفته وذلك قولهم: لا أبًا لك، ولا غلام لك:
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ٣٥٢ وقد نصب أمثالهن بلا، لأن المثل نكرة وإن كان مضافا إلى معرفة ونصب لياليا على التبيين لأمثالهن على مثال قولك: لا مثلك رجلا، فرجل تبيين للمثل على اللفظ، ولو حمل على المعنى لجاز، ويجوز نصب "لياليا" على التمييز كما تقول: لا مثلك رجلا. على تقدير: لا مثلك من رجل وفي نصبه على التمييز قبح لأن حكم التمييز أن يكون واحدا يؤدي عن الجميع. يقول: هذه الدار كانت لمية دارا زمن المرتبع وتجاور الأحياء، وفضل تلك الليالي لما نال فيها من التنعيم بالوصال واجتماع الشمل. والبيت في مدح: بلال بن أبي بردة. وانظر: المقتضب ٤/ ٣٦٤، وشرح السيرافي ٣/ ٩١، وابن يعيش ٢/ ١٠٣، وشرح الكافية للرضي ١/ ٢٤٥.
[ ١ / ٣٨٨ ]
وقال الخليل: إن النون إنما ذهبت للإِضافة، ولذلك لحقت الألف الأب التي لا تكون إلا في الإِضافة، وإنما كان ذلك من قبل أن العرب قد تقول: لا أباك، في١ / ٤٥٤ موضع: لا أبالك، ولو أردت الإِفراد: لا أبَ لزيد، فاللام مقحمة ليؤكد بها الإِضافة كما وقع في النداء: يا بؤس للحرب٢ هذا مقدار ما ذكره أصحابنا٣.
ولقائل أن يقول: إذا قلت: أنّ قولهم: لا أبالك تريد به: لا أباك، فمن أين جاز هذا التقدير والمضاف إلى كاف المخاطب معرفة والمعارف لا تعمل فيها لا؟ قيل له: إن المعنى إذا قلت: لا أبالك الانفصال كأنك قلت: لا أبًا لك فتنون لطول الاسم وجعلت "لك" من تمامه وأضمرت الخبر ثم حذفت التنوين استخفافًا وأضافوا وألزموا اللام لتدل على هذا المعنى فهو منفصل بدخول اللام وهو متصل بالإِضافة. وإنما فعل في هذا الباب وخصوه كما خصوا النداء بأشياء ليست في غيره. وإنما يجوز في اللام وحدها أن تقحم بين المضاف والمضاف إليه/ ٤٥٥ لأن معنى الإِضافة معنى اللام، ألا ترى أنك إذا قلت: غلام زيد فمعناه: غلام لزيد، فدخول اللام في هذا يشبه قولهم: يا تيمَ تيمَ عَدي٤ أكد هذه الإِضافة بإعادة الاسم، كما أكد ذلك بحرف الإِضافة، فكأنه قد أضافه مرتين.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٤٥-٣٤٦. ٢ يريدان اللام زائدة بين المضاف والمضاف إليه. قال المبرد في الكامل ٧/ ١٤٧: "يا بؤس للحرب"، أراد: يا بؤس الحرب، فأقحم اللام توكيدا، "ويا بؤس الحرب" جزء من قصيدة حماسية لسعد بن مالك: يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا وانظر: الكتاب ١/ ٣٤٦ عند قوله: يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام، والخزانة ١/ ٢٢٤. ٣ يريد: البصريين. ٤ يشير إلى قول الشاعر: يا تيم تيم عدي لا أبا لكم في باب النداء. وقد مر شرحه ص٤١٩.
[ ١ / ٣٨٩ ]
والشاعر قد يضطر فيحذف اللام ويضيف قال:
أبا المَوَتِ الذي لا بُدَّ أنِّي مُلاقٍ لا أباك تُخوِّفيني١
وقال الآخر:
فقدْ ماتَ شَمَّاخٌ وماتَ مُزوِّدٌ وأيُّ كريمٍ -لا أباكَ- مُخَلَّدُ٢
فإن قال: لا مسلمين صالحين لك، فوصف المنفي قبل مجيئك "بلك" لم يكن بد من إثبات النون من قبل أن الصالحين نعت للمنفي، وليس بمنفي، وإنما جاء التخفيف في النفي.
الرابع: المضارع للمضاف:
المضارع للمضاف في هذا الباب ما كان عاملًا فيما بعده، كما أن المضاف عامل فيما بعده فهو منصوب، كما أن المضاف منصوب وما بعده من تمامه كما أن المضاف من تمام الأول، إلا أن التنوين يثبت فيه ولا يسقط منه/ ٤٥٦ لأنه ليس منتهى الاسم فصار كأنه حرف قبل آخر الاسم. فالتنوين
_________________
(١) ١ الشاهد فيه: أن: "لا أبالك" أصله الإضافة، وزيدت اللام بين المضاف والمضاف إليه، فإذا حذفت اللام رجع إلى أصله من الإضافة. وتخوفيني: الأصل: تخوفينني، فحذفت إحدى النونين، فقيل الأولى، وقيل الثانية. والشاهد لأبي حية النميري، ونسب إلى الأعشى ولم يوجد في ديوانه. وانظر: المقتضب ٤/ ٣٧٥، والكامل/ ٣١٣، والخصائص ١/ ٣٤٥، وشرح الحماسة ٢/ ٥٠١، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٦٢، وابن يعيش ٢/ ١٠٥. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٣٦. والشاهد فيه: كالذي قبله، والشماخ والمزرد: أخوان شقيقان، وصحابيان وشاعران، ولكل منهما ديوان مطبوع، وقد طبع قريبا ديوان: مزرد بن ضرار، في بغداد. والبيت لمسكين الدارمي، ذكر فيه: حال الشعراء المتقدمين وأنهم ذهبوا ولم يبق منهم أحد، وانظر: المقتضب ٤/ ٣٧٥، والكامل/ ٣١٣، وشرح السيرافي ٣/ ٨٦، وابن يعيش ٢/ ١٠٥.
[ ١ / ٣٩٠ ]
هنا والنون يثبتان إذا كان المنفي عاملًا فيما بعده، فهو وما عمل فيه بمنزلة اسم واحد، فمن ذلك قولهم: لا خيرًا منه ولا حسنًا وجهه لك ولا ضاربًا زيدًا لك؛ لأن ما بعد حسن وضارب وخير صار من تمام الاسم. فجميع هذا قد عمل فيما بعده، ومثل ذلك قولك: لا عشرين درهمًا لك، لولا درهم لجاز أن تقول: لا عشرين لك، وعشرون عملت في درهم فنصبته وقال الخليل: كذلك: لا آمرًا بالمعروف لك. إذا جعلت بالمعروف من تمام الاسم وجعلته متصلًا به كأنك قلت: لا آمرًا معروفًا لك، وإذا قلت: لا آمر بمعروف فكأنك جئت بمعروف بنيت على الأول كلاما كقولك: لا آمر في الدار، ثم جئت بمعروف تبيينًا بعد أن تم الكلام وتقول: لا آمر يوم الجمعة لك، إذا نفيت جميع الآمريين١ / ٤٥٧، وزعمت: أنه ليسوا له يوم الجمعة، فإن أردت أن تنفي الآمرين يوم الجمعة خاصة قلت: لا آمر يوم الجمعة لك جعلت يوم الجمعة من تمام الاسم فصار بمنزلة قولك: لا آمرًا معروفًا لك. ولو قلت: لا خير عند زيد، ولا آمر عنده، لم يجز إلا بحذف التنوين؛ لأنك لم تصله بما يكمله اسمًا ولكنه اسم تام فجعلته مع "لا" اسمًا واحدًا.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٥٠، وهذا الكلام الذي قاله الخليل كرره ابن السراج، في هذه الصفحة حرفيا بعد أن ذكره/ ٤٧٢، ولعل هذا من عمل تلاميذه الذين يكتبون عنه.
[ ١ / ٣٩١ ]
باب ما إذا دخلت عليه "لا" لم تغيره عن حاله:
هذا الباب ينقسم على ثلاثة أقسام: اسم معرفة، واسم منفي بلا، بعده اسم منفي بلا، وهما جواب مستفهم قد ثبت عنده أحد الشيئين، واسم قد عمل فيه فعل أو هو في معنى ذلك.
أما الأول: فالاسم المعرفة:
وقد عرفتك أن "لا" لا تنصب المعارف فإن عطفت معرفة منفية على نكرة وقد عملت فيها لم تعملها في المعرفة، وأعملتها في النكرة/ ٤٥٨ وذلك قولك: لا غلام لك ولا العباس لك، ولا غلامَ لك ولا أخوةٌ لك.
قال سيبويه: فأما من قال: كل نعجة وسخلَتها بدرهم، فينبغي أن يقول: لا رجلَ لك وأخًا له١، ولا يحسن أن تدخل "لا" على معرفة مبتدأة غير معطوفة على كلام، فقد تقدم فيه "لا" فإن كررت، لا جاز. فأما الذي لا يجوز فقولك: لا زيد في الدار؛ لأن هذا موضع "ما" إلا أن يضطر شاعر فيرفع المعرفة ولا يثني "لا" قال الشاعر:
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٥٦، وقال المبرد في المقتضب ٤/ ٣٧٩: ومثله: كل رجل في الدار وزيد فله درهم، وكل رجل في الدار وعبد الله لأكرمنهم، لأنه لا يجوز: كل عبد الله، فعطف على كل نفسها.
[ ١ / ٣٩٢ ]
بَكَتْ حَزَنًا واسترجعت ثمَّ آذَنَتْ ركائبُها أن لا إلينا رُجوعها١
فأما الذي يحسن ويجوز فقولك: لا زيد في الدار ولا عمرو، ولما ثنيت حسن.
الثاني: الاسم المنفي بلا وبعده اسم منفي أيضًا بلا:
وهذا الصنف إنما يجيء على لفظ السائل إذا قال: أغلام عندك أم جارية/ ٤٥٩ إذا ادعى أن عنده أحدهما، إلا أنه لا يدري: أغلام هو أم جارية فلا يحسن في هذا إلا أن تعيد "لا" فتقول: لا غلام عندي ولا جارية، وإذا قال: لا غلام فإنما هو جواب لقوله: هل من غلام، ولم يثبت أن عنده شيئًا فعملت لا فيما بعدها، وإن كان في موضع ابتداء، ومن ذلك قول الله: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٢.
وقال الشاعر:
_________________
(١) ١ من أبيات سيبويه ١/ ٣٥٥، الخمسين التي لا يعرف قائلها على عدم تكرير "لا" للفصل بينها وبين اسمها ووقوع المعرفة بعدها للضرورة. وفي الاسترجاع هنا قولان: أحدهما أنه من الاسترجاع عند المصيبة وهو قول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ . وثانيهما: أنه طلب الرجوع من الرحيل لكراهية فراق الأحبة، وهو الأقرب إلى المعنى. وآذنت: أشعرت وأعلمت. وركائبها: جمع ركيبة وهي الراحلة التي تركب. وأن: مفسرة. ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف. وفي الكتاب: بكت جزعا، لا بكت حزنا كما رواه ابن السراج. وقد يكون تصحيفا من الناسخ إذ أبدل الحاء جيما. وانظر: المقتضب ٤/ ٣٦١، ورواه المبرد: قضت وطرا واسترجعت وهذا أقرب إلى المعنى لأنها طلبت الرجوع بعد أن قضت وطرا على فراق الأحبة. وشرح السيرافي ٣/ ٩٣، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٢٥، والمفصل للزمخشري/ ٢٣٨، وابن يعيش ٢/ ١١٢. ٢ آية: ٣٨ سورة البقرة. وقراءة: لا خوفَ بفتح الفاء ليعقوب في جميع القرآن وفي النشر ٢/ ٢١١ قرأ يعقوب: لا خوف عليهم.. حيث وقعت بفتح الفاء وحذف التنوين. وقرأ الباقون بالرفع والتنوين. وانظر: الإنصاف ص/ ١٣٤، والبحر المحيط جـ١/ ١٦٩ وجـ٢/ ٨٨.
[ ١ / ٣٩٣ ]
ومَا صَرَمْتُكِ حَتَّى قُلْتِ مُعْلِنَةً لاَ نَاقَةٌ ليَ في هذا ولا جَمَلُ١
وكذلك إذا فصلت بين "لا" والاسم بحشو، لم يحسن، إلا أن تعيد الثانية؛ لأن جعل جواب إذا عندك أم ذا، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ ٢. ولا يجوز: لا فيها أحد، إلا على ضعف، فإن تكلمت به لم يكن إلا رفعًا لأن "لا" لا تعمل إذا فصل بينها وبين الاسم رافعة ولا ناصبةً، ومعنى قولي: رافعةً إذا أعملت عملَ/ ٤٦٠ ليسَ تقول: لا أحدٌ أفضلَ منكَ في قولِ مَنْ جعلهَا كـ"ليس".
الثالث: وهو ما عمل فيه فعل أو كان في معنى ذلك:
اعلم: أن هذا يلزمك فيه تثينة "لا" كما لا تثنى لا في الأفعال وذلك قولك: لا مرحبًا ولا أهلًا، ولا كرامةً ولا مسرةً ولا سقيا، ولا رعيا، ولا هنيئًا ولا مريا، لأن هذه الأسماء كلها عملت فيها أفعالٌ مضمرة، فالفعل مقدر بعد "لا" كأنك قلت: لا أكرمك كرامةً ولا أسرك مسرةً، فعلى هذا جميع هذه الأسماء وما لم يجز أن يلي "لا" من الأفعال، لم يجز أن يليها ما عمل فيه ذلك الفعل، لا يجوز أن تقول: لا ضربًا وأنت تريد الأمر لأنه لا يجوز: لا أضرب إنما تدخل على الدعاء إذا كان لفظه لفظ الخبر وأضربه على ذلك نحو: لا سقيا ولا رعيا كأنك قلت: لا سقاه الله ولا رعاه،
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٣٥٤ على تكرار "لا" مع رفع اسمها ولو نصب على إعمالها لجاز والرفع أكثر لأنها جواب لمن قال: ألك في ذا ناقة أو جمل. فقيل له: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، فجرى ما بعدها في الجواب مجراه في السؤال. يقول: ما عمل على فراقها حتى تبرأت منه وجفته وأعلنت بذلك، وضرب قوله: لا ناقة لي في هذا ولا جمل مثلا لبراءتها منه وقطعها له. وهذا مثل سائر في هذا المعنى. والبيت للراعي النميري. وانظر: مجالس ثعلب/ ٣٥، وروايته: وما هجرتك.. والموجز لابن السراج/ ٥٤، وابن يعيش ٢/ ١١، والعيني ٤/ ٤٧٧. ٢ الصافات: ٤٧.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وكذلك إذا ولي "لا" مبتدأ في معنى الدعاء لم/ ٤٦١ تعمل فيه كما لم تعمل فيما بني على الفعل، ومعناه الدعاء، وذلك قولهم: لا سلام عليكم.
قال سيبويه: قولهم: لا سواء إنما دخلت ههنا؛ لأنها عاقبت ما ارتفعت عليه، ألا ترى أنك لا تقول: هذان لا سواء فجاز هذا كما جاز: لاها الله ذا حين عاقبت فلم يجز ذكر الواو١ -يعني أن قولهم: لا سواء أصله: هذان لا سواء وهذان مبتدأ ولا سواء خبرهما كما تقول: هذان سواء، ثم أدخلت "لا" للنفي وحذفت "هذان" وجعلت "لا" تعاقب "هذان" وقال أبو العباس: وقول سيبويه: ألا ترى أنك لا تقول: هذان لا سواء أي: لا تكاد تقول، ولو قلته جاز٢. وقالوا: لا نولك أن تفعل جعلوه معاقبًا لقولك لا ينبغي وصار بدلًا منه.
واعلم: أنه قبيح أن تقول: مررت برجل لا فارسٍ حتى تقول: ولا شجاع وكذلك: هذا زيد فارسًا، لا/ ٤٦٢ يحسن حتى تقول: لا فارسًا ولا شجاعًا وذلك أنه جواب لمن قال: أبرجل شجاع مررت أم بفارس، ولقوله: أفارس زيد أم شجاع، وقد يجوز على ضعفه في الشعر.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٥٧. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٥٧.
[ ١ / ٣٩٥ ]
باب لا النافية إذا دخلت عليها ألف الاستفهام:
الألف إذا دخلت على "لا" جاز أن يكون الكلام استفهامًا، وجاز أن يكون تمنيًا، والأصل الاستفهام فإذا كان استفهامًا محضًا فحالها كحالها قبل أن يلحقها ألف الاستفهام، وذلك قولك: ألا رجلَ في الدار إلا غلامَ أفضلْ منك، ومن قال: لا رجلَ قائمٌ في الدار، قال: ههنا ألا رجل قائم في الدار وكذلك من نون ومن رفع، ثم رفع ههنا، وقال الشاعر:
حَارِ بن كعبٍ ألا أَحْلاَمَ تَزْجُرُكُم عَنَّا وأَنْتُم مِن الجُوف الجماخيرِ١
_________________
(١) ١ استشهد سيبويه ١/ ٣٢٥ بما بعده وهو قوله: لا عيب بالقوم من طول ولا عظم جسم البغال وأحلام العصافير حار: مرخم حارث، وجاء على لغة من ينتظر، والأحلام: جمع حلم بالكسر وهو العقل. والجوف: جمع أجوف وهو الواسع الجوف. ورواية المبرد حار بن عمرو. والجماخير: جمع جمخور -بضم الجيم وسكون الميم- العظيم الجسد، القليل العقل والقوة. ألا أحلام: لا نافية للجنس والهمزة للاستفهام الإنكاري، وأحلام اسم "لا" والجملة خبرها والبيت مطلع قصيدة لحسان بن ثابت في هجاء بني الحارث بن كعب المذحجي. وانظر: المقتضب ٤/ ٢٣٣، والحجة لأبي علي ١/ ٢٢٩، وشرح السيرافي ٢/ ١٩٢، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٨٠، والديوان/ ٤٨، طبة ليدن.
[ ١ / ٣٩٦ ]
فإذا دخلها مع الاستفهام معنى التمني، فإن النحويين مختلفون في رفع الخبر ويجرون ما سواه على ما كان عليه/ ٤٦٣ قبل.
فأما الخليل وسيبويه١ والجرمي وأكثر النحويين فيقولون: ألا رجل أفضل منك، ولا يجيزون رفع: أفضل وحجتهم في ذلك أنهم قالوا: كنا نقول: لا رجل أفضل منك، فيرفع لأن "لا" ورجل في موضع ابتداء، وأفضل: خبره فهو خبر اسم مبتدأ وإذا قلت متمنيًا: ألا رجل أفضل منك فموضعه نصب وإنما هو كقولك: اللهم غلامًا، أي: هب لي غلامًا، فكأنك قلت: ألا أعطي ألا أصيب فهذا مفعول.
وكان المازني وحده يجيز فيه جميع ما جاز في النافية بغير الاستفهام فتقول: ألا رجل أفضل منك، وتقول فيمن جعلها كليس: ألا أفضل منك، ويجريها مجراها قبل ألف الاستفهام.
_________________
(١) ١ قال سيبويه: ومن قال: لا غلام أفضل منك، لم يقل: في ألا غلام أفضلَ منك، إلا بالنصب، لأنه دخل فيه معنى التمني وصار مستغنيا عن الخبر كاستغناء اللهم غلاما. ومعناه اللهم هب لي غلاما. والكتاب ١/ ٣٥٩، وانظر: المقتضب ٤/ ٣٨٢. قال المبرد: فإن دخلها معنى التمني فالنصب لا غير في قول سيبويه والخليل وغيرهما إلا المازني وحده. تقول: ألا ماء أشربه وعسلا، وتنون عسلا كما في قولك: لا رجل وغلاما في الدار.. وكان المازني يجري هذا مع التمني مجراه قبل ويقول: يكون اللفظ على ما كان عليه وإن دخله خلاف معناه، ألا ترى أن قولك: غفر الله لزيد، معناه الدعاء ولفظه لفظ: ضرب فلم يغير لما دخله من المعنى وكذلك قولك: علم الله لأفعلن، لفظه لفظ: رزق الله ومعناه القسم فلم يغيره. وانظر: المقتضب ٤/ ٣٨٣. وكان أبو عمر الجرمي يخالف المازني في هذه المسألة. واحتج ببعض ما ذكره سيبويه فقال: أنه لم يجز في ألا، التي للتمني ما جاز في "لا" من رفع الصفة على الموضع بنحو: لا رجل أفضل منك، لأن موضع النفي للابتداء، ولما دخله معنى التمني زال الابتداء، لأنه قد تحول إلى معنى آخر وصار في موضع نصب، كما لا يجوز في: "ليت"، ولعل، وكان من الحمل على الموضع ما جاز في: إن ولكن، فلذلك زعم: أنه لا يجوز: ألا ماء ولبن، كما تقول في المنفي. الانتصار/ ١٩٦.
[ ١ / ٣٩٧ ]
واعلم: أن "لا" إذا جعلت كـ"ليس" لم تعمل إلا في نكرة ولا يفصل بينها وبينَ ما عملت فيهِ لأنها تجري رافعة مجراها ناصبة. وأما قول الشاعر/ ٤٦٤.
ألا رجلًا جَزاهُ اللَّهُ خَيرًا يَدُلُّ على محصَلة تَبيتُ١
فزعم الخليل: أنه أراد: الفعل وأنه ليس لـ"لا" ههنا عمل، إنما أراد ألا ترونني٢، وأما يونس فكان يقول: إنما تمنى ولكنه نوّن مضطرًا٣ وكان يقول في قول جرير:
فلا حَسَبًا فَخَرْتَ بهِ لِتَيِمِ ولا جَدا إذا ذُكِرَ الجُدودُ٤
إنما نوّن مضطرًا، وكذا يقول أبو الحسن الأخفش.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٣٥٩ على نصب رجل وتنوينه، لأنه حمله على إضمار فعل وجعل: ألا حرف تحضيض، والتقدير: ألا ترونني رجلا ولو جعلها: ألا التي للتمني لنصب ما بعدها بغير تنوين. وأراد بالمحصلة: المرأة التي تحصل الذهب من تراب المعدن وتخلصه منه وطلبها للمبيت إما للتحصيل أو للفاحشة. والبيت لعمرو بن قعناس المراري. وانظر: شرح السيرافي ٣/ ٩٦، ونوادر أبي زيد/ ٥٦، والسيوطي/ ٧٧، وابن يعيش ٢/ ١٠١، والعيني ٢/ ٣٦٦، والخزانة ١/ ٤٥٩ و٢/ ١١٢. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٥٩. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٣٥٩. ٤ من شواهد الكتاب ١/ ٧٣ واستشهد به سيبويه على نصب الحسب بإضمار فعل، والفعل المقدر هنا واصل إلى المفعول بذاته في معنى الفعل الظاهر، والتقدير: ولا ذكرت حسبا فخرت به. يخاطب عمر بن لجأ وهو من تميم، فيقول: لم تكسب لهم حسبا يفخرون به ولا لك جد شريف تعول عليه عند ازدحام الناس للمفاخر والحسب: الكرم وشرف الإنسان في نفسه وأخلاقه، والجد: أبو الأب. وقيل: الجد: هنا الحظ، أي: ليس لتيم حظ في علو المرتبة والذكر الجميل. وانظر: شرح السيرافي ٢/ ٧، والمفصل للزمخشري/ ٥١، وابن يعيش ١/ ١٠٩، والخزانة ١/ ٤٤٧ والديوان/ ١٦٥.
[ ١ / ٣٩٨ ]
ومن قال: لا رجلَ ولا امرأةٌ لم يقل في التمني إلا بالنصب، وعلى مذهب أبي عثمان يجوز الرفع كما كان قبل دخول الألف.
كان أبو عثمان يقول: اللفظ على ما كان عليه وإن كان دخله خلاف معناه، ألا ترى أن قولك: غفر الله لزيد معناه الدعاء ولفظه لفظ ضرب فلم يغير لما دخله في المعنى. وكذلك: حسبكَ رفعٌ بالابتداء إن كان معناه النهي.
[ ١ / ٣٩٩ ]
باب تصرف "لا":
لـ"لا" في الكلام/ ٤٦٥ مواضع وجملتها النفي ومواضعها تختلف فتقع على الأسماء نحو قولك: ضربت زيدًا لا عمرًا، وجاءني زيدٌ لا أخوه، وتقع على الأفعال في القَسَم وغيره، تقول: لا يخرج زيد وأنت مخبر ولا ينطلق عبد الله، ويكون للنهي في قولك: لا ينطلق عبد الله ولا يخرج زيد، وتجزم بها الفعل فيكون بحذاء قولك في الأمر: ليخرج عبد الله، ولتقم طائفة منهم معك١. وقد تكون من النفي في موضع آخر وهو نفي، قولك: إيتِ وعمرًا، فإذا أردت نفي هذا قلت: لا تأت زيدًا وعمرًا، لم يكن هذا نفيه على الحقيقة لأنه إن أتى أحدهما لم يعصه لأنه نهاه عنهما جميعًا فإن أراد أن تمتنع منهما معًا فنفي ذلك: لا تأت زيدًا ولا عمرًا، فمجيئها ههنا لمعنى انتظام النهي بأمره لأن خروجها إخلال به. ويقع بعدها في القسم الفعل الماضي في/ ٤٦٦ معنى المستقبل وذلك قولك: والله لا فعلت، إنما المعنى: لا أفعل؛ لأن قولك في القسم: لا أفعل إنما هو لما يقع، فأما قولهم: لا أفعل نفي لقولك: لأفعلنَّ ولذلك يجوز أن تحذف "لا" وأنت تريد النفي وجائز أن تقول: لا قام زيد ولا قعد عمرو تريد الدعاء عليه. وهذا مجاز. وحق هذا الكلام أن يكون نفيًا لقيامه وقعوده فيما مضى. وقال الله ﷿: ﴿فَلا
_________________
(١) ١ النساء: ١٠٢ والآية هي: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ بالفاء لا بالواو.
[ ١ / ٤٠٠ ]
اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ١. ومن هذا قول النبي، ﷺ: "أرأيت من لا أكل ولا شرب ولا صاح فاستهل" أي: من لم يأكل ولم يشرب يعني الجنين. فإذا قلت: والله أفعل ذاك، فمعناه: لا أفعل، فلو قلت: والله أقوم تريد: لأقومنَّ كان خطأ؛ لأنها حذفت استخفافًا لاستبداد الإِيجاب باللام والنون، ولهذا موضع آخر يذكر فيه، ويكون في موضع/ ٤٦٧ "ليس" وقد مضى ذكرها، وقد تكون "لا" مؤكدة كما كانت "ما" في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ٢ و"مما خطاياهم"٣. فمن ذلك قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ ٤.. إنما هو: فأقسم، يدلك على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ٥.. وكذلك قال المفسرون في قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٦ إنما هو: أُقسم، فوقع القسم على قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ٧. قال أبو العباس: فقيل لهم في عروض ذلك: أن الزوائد من هذا الضرب إنما تقع بين كلامين أو بعد كلام كقولك: جئتك لأمرٍ ما، فكان من جوابهم: أن مجاز القرآن كله مجاز سورة واحدة بعد ابتدائه، وأن بعضه متصل ببعض، فمن ذلك قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ ٨. وقوله: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ ٩، وإنما هو:
لا تستوي الحسنة والسيئة، ومعناه ينبئك عن ذلك/ ٤٦٨ إنما هو: لا تساوي الحسنة السيئة.
_________________
(١) ١ البلد: ١٠، ١١، والآية: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ، فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ . ٢ آل عمران: ١٥٩. ٣ نوح: ٢٥ قال شعيب: قرأ أبو عمرو بن العلاء المازني البصري: "مما خطاياهم" مثل قضاياهم، وقرأ الباقون: "خطيئاتهم". ٤ المعارج: ٤٠. ٥ الواقعة: ٧٦. ٦ القيامة: ١. ٧ القيامة: ١٧. ٨ الحديد: ٢٩. وانظر: الكتاب ٢/ ٣٠٦. والمقتضب ١/ ٤٧. ٩ فصلت: ٣٤.
[ ١ / ٤٠١ ]
مسائل من باب "لا":
تقول: لا غلامين ولا جاريتي لك، إذا جعلت الآخر مضافًا ولم تجعله خبرًا له. وصار الأول مضمرًا له كأنك قلت: لا غلامين في ملكك ولا جاريتي لك، كأنك قلت: ولا جاريتك في التمثيل.
قال سيبويه: ولكنهم لا يتكلمون به -يعني بالمضمر- واختص "لا" بهذا النفي، وإن شئت قلت: لا غلامين ولا جاريتين لك، إذا جعلت "لك" خبرًا لهما وهو قول أبي عمرو. وكذلك لو قلت: لا غلامين لك، وجعلت "لك" خبرًا.
فإذا قلت: لا أبالك، فههنا إضمار مكان ولكنه يترك استخفافًا واستغناء. وتقول: لا غلامين ولا جاريتين لك، وغلامين وجاريتين لك، كأنك قلت: لا غلامين ولا جاريتين في مكان كذا وكذا. فجاء "بلك" بعدما بني على الكلام الأول في مكان كذا وكذا، كما قال: لا يدين بها لك١ / ٤٦٩ حين صيره كأنه جاء "بلك" بعدما قال: لا يدين بها في الدنيا لك، وقبيح أن تفصل بين الجار والمجرور فتقول: لا أخا هذين اليومين لك قال سيبويه: وهذا يجوز في ضرورة الشعر لأن الشاعر إذا اضطر، فصل بين المضاف والمضاف إليه. قال الشاعر٢:
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٤٧-٣٤٨ هذا الكلام بالتفصيل. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٩٢ و١/ ٣٤٧، على المفصل بين المضاف والمضاف إليه للضرورة، والأصل: كأن أصوات أواخر الميسِ. ولإيغال الابتعاد، يقال: أوغل في الأرض: إذا أبعد فيها. أوغل في الأمر إذا دخل فيه بسرعة. والضمير للإبل في بيت قبله. والآواخر: جمع آخرة، بوزن: فاعلة، وهي آخر الرحل. وهي العود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب ويقال فيه مؤخر الرحل. وقيل: يجوز فتح الخاء فيه أيضا. والميس بفتح الميم: شجر يتخذ منه الرحال والأقتاب، وإضافة أواخر إليه، كإضافة خاتم فضة. والفراريج: جمع فروجة: وهي صغار الدجاج، يريد أن رحالهم جدد وقد طال سيرهم، فبعض الرحل يحك بعضا فتصوت مثل أصوات الفراريج من شدة السير واضطراب الرحل، ومن إيغالهن: من هنا للتعليل. والشاعر هو ذو الرمة. وانظر: المقتضب ٤/ ٣٧٦، وشرح السيرافي ١/ ٢٤٦، والموشح/ ١٨٥، والخصائص ٢/ ٣٠٤، والإنصاف/ ٤٣٣. وابن يعيش ١/ ٣٠١، و٢/ ١٠٨، وشرح الحماسة ٣/ ١٠٨٣، والخزانة ٢/ ٢٥٠، وشروح سقط الزند ٤/ ١٥٧٣، والديوان/ ٧٦.
[ ١ / ٤٠٢ ]
كأنَّ أصواتَ مِنْ إيغالهنَّ بِنَا أواخرِ الميسِ أصواتُ الفراريج
ومن قال: كم بها رجل فأضاف فلم يبال الفتح قال: لا يدري بها لك ولا أخا يوم الجمعة لك، ولا أخا فاعلم لك، والجر في: "كم" بها وترك النون في: لا يدي بها لك، قول يونس. واحتج بأن الكلام لا يستغني ورد ذلك عليه سيبويه بأن قال: الذي يستغني به الكلام والذي لا يستغني قبحهما واحد إذا فصلت بين الجار والمجرور، وتقول: لا غلامَ وجاريةً فيها لأن "لا" إنما تجعل وما تعمل فيه اسمًا إذا كانت إلى جنب الاسم، لكنك يجوز أن تفصل بين/ ٤٧٠ خمسة وعشر في قولك: خمسة عشر، كذلك لا يجوز أن تفصل بين "لا" وبين ما بني معها، وتقول: لا رجلٌ ولا امرأةٌ يا فتى. إذا كانت "لا" بمنزلتها في "ليس" مؤكدة للنفي حين تقول: ليس لك رجل ولا امرأة، قال رجل من بني سليم وهو أنس بن العباس:
لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةً اتَّسَعَ الفَتْقُ على الراَّتِقِ١
_________________
(١) ١ من سيبويه ١/ ٣٤٩ على نصب المعطوف وتنوينه على إلغاء "لا" الثانية وزيادتها لتأكيد النفي والتقدير: لا نسب وخلة اليوم: ويروى: لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع وانظر: الجمهرة لابن دريد ٢/ ٣٧٣، ونسبه لنصر بن سيار وشرح الحماسة ٢/ ٩٦٧، وأمالي القالي ٣/ ٧٣، وارتشاف الضرب/ ١٨٦، وابن يعيش ٢/ ١٠١، والمؤتلف والمختلف/ ١٢٧، ومجمع الأمثال للميداني ١/ ١٦٠.
[ ١ / ٤٠٣ ]
وتقول: لا رجل ولا امرأة فيها، فتعيد "لا" الأولى كما تقول: ليس عبد الله وليس أخوه فيها، فيكون حال الآخرة كحال الأولى، وتقول: لا رجل اليوم ظريفا، ولا رجل فيها عاقلا، إذا جعلت "فيها" خبرًا ولا رجلَ فيك راغبًا، من قبل أنه لا يجوز لك أن تجعل الاسم والصفة بمنزلة اسم واحد. وقد فصلت بينهما. وتقول: لا ماء سماء باردًا، ولا مثله عاقلًا. من قبل أن المضاف لا يجعل مع غيره بمنزلة خمسة عشر، فإذا قلت: لا/ ٤٧١ ماء ولا لبن ثم وصفت اللبن فأنت بالخيار في التنوين وتركه فإن جعلت الصفةَ للماء لم يكن إلا منونًا؛ لأنُه لا يفصل بين الشيئينِ اللذينِ يجعلان بمنزلة اسم واحد.
وحكى سيبويه عن العرب: لا كزيد أحدًا تنون؛ لأنك فصلت بين "لا" و"أحد" وحكى سيبويه عن العرب: لا كزيد أحد، ولا مثله أحد، فحمله على الموضع والموضع رفع، وإن شئت حملته على "لا" فنونته ونصبته وإن شئت قلت: لا مثلَهُ رجلًا على التمييز كما تقول: لي مثله غلامًا، قال ذو الرمة:
هِيَ الدَّارُ إذْ مَيَّ لأهْلِكِ جِيرَةٌ لَيالِيَ لا أَمْثَالُهُنَّ لَيَاليَا١
قال سيبويه: وأما قول جرير:
لا كالعَشِيَّةِ زائرًا ومَزُورا٢
_________________
(١) ١ مر تفسير ص/ ٤٧٣. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٣٥٣، على نصب "زائرا" لأن العيشة ليست بالزائر وإنما أراد: لا أرى كالعشية زائرا، وقال: الأعلم: ولا يحسن في هذا رفع الزائر لأنه غير العشية بمنزلة: لا كزيد رجل، لأن زيدا من الرجال. ويجوز الرضي: أن يكون زائرا تابعا بتقدير مضاف. فالأصل: كزائر العشية. والعشي: قيل ما بين الزوال إلى الغروب وقيل: هو آخر الليل. وقيل: بعد صلاة المغرب إلى العتمة، وأراد الشاعر بالزائر: نفسه، وبالمزور: من يهواه. وصدر البيت: يا صاحبي دنا المسير فسيرا لا كالعشية وانظر: المقتضب ٢/ ١٥٢، ومجالس ثعلب/ ٣٢١، وشرح السيرافي ٣/ ٩١، وابن يعيش ٢/ ١١٤. وشرح الرضي على الكافية ١/ ٣٤٣، والديوان ٢٩٠.
[ ١ / ٤٠٤ ]
فلا يكون إلا نصبًا من قبل أن العشية ليست بالزائر وإنما أراد: لا أرى كالعشية زائرًا كما تقول: ما رأيت كاليوم رجلًا، فكاليوم كقولك: في اليوم. لأن الكاف ليست باسم/ ٤٧٢ وفيه معنى التعجب كما قال: تالله رجلًا وسبحان الله رجلًا، إنما أراد: تالله ما رأيت رجلًا، ولكنه يترك إظهار الفعل استغناء. وتقول: لا كالعشية عشية ولا كزيد رجل. لأن الآخر هو الأول؛ ولأن زيدًا رجل وصار: لا كزيد كأنك قلت: لا أحد كزيد ثم قلت: رجل كما تقول: لا مال له قليل ولا كثير على الموضع، قال امرؤ القيس:
ويلمها في هَوَاء الجَوِّ طَالِبة ولا كهذا الذي في الأْرضِ مَطْلُوبُ١
لأنه قال: ولا شيء لهذا ورفع على الموضع. وإن شئت نصبت على التفسير كأنه قال: لا أحد كزيد رجلًا.
قال سيبويه: ونظير: لا كزيد في حذفهم الاسم قولهم: لا عليك، وإنما يريدون: لا بأس عليك ولا شيء عليك، ولكنه حذف لكثرة استعمالهم إياه٢. ومن قال: لا غلامٌ ولا جارية٣ قال: أغلام وألا جارية
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ٣٥٣ و٢/ ١٧٢. رفع مطلوب حملا على موضع الكاف، لأنها في تأويل مثل وموضعها موضع رفع وهو بمنزلة: لا كزيد رجل، ولو نصب حملا على اللفظ أو على التمييز لجاز. وصف عقابا تتبع ذئبا لتصيده فتعجب منها في شدة طلبها ومنه في سرعته، وشدة هروبه، وأراد: ويل أمها فحذف الهمزة لثقلها ثم اتبع اللام حركة الميم. وانظر: شرح السيرافي ٣/ ٩١، وابن يعيش ٢/ ١١٤، والعمدة لابن رشيق/ ١، والتمام في تفسير أشعار هذيل/ ١٦، والخزانة ٢/ ١١٣، والديوان/ ٢٢٧. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٣٥٤. ٣ جملة زائدة في الأصل حذفتها وهي "قال: لا غلام ولا جارية".
[ ١ / ٤٠٥ ]
إنما دخلت في النفي لا في المعطوف عليه. ألا تراك تقول في النداء: يا بؤس للحرب١، ولا تقول: يا بؤس زيد وبؤس الحرب، فالنفي كالنداء وكذلك إذا قلت: لا غلامي لك ولا مسلمي لك، إن كانت لا الثانية نافية غير عاطفة جاز إسقاط النون وإن كانت عاطفة لم يجز إلا إثبات النون فتقول: لا غلامين لك ولا مسلمين لك. وناس يجيزون أن تقول: لا رجلٌ ولا امرأةَ، وهو عندي جائز على قبح؛ لأنك إذا رفعت فحقه التكرير، وتقول: لا رجل كان قائمًا ولا رجل ظننته قائمًا، إن جعلت كان وظننت: صلة لرجل، أضمرت الخبر، وإن جعلتهما خبرين لم تحتج إلى مضمر. وقوم يجيزون: لا زيدَ لك، ولا يجيزون لا غلامَ الرجل لك إلا بالرفع، ويجيزون: لا أبا محمد لك، ولا أبا/ ٤٧٤ زيد لك. يجعلونه بمنزلة اسم واحد ولا يجيزون: لا صاحب درهم لك؛ لأن الكنية بمنزلة الاسم. ويقولون: عبد الله يجري مجرى النكرة إذ كانت الألف واللام لا يسقطان منه.
وقال الفراء: جعل الكسائي: عبد العزيز وعبد الرحمن بمنزلة عبد الله وإسقاط الألف واللام يجوز نحو قولك: عبدَ عزيز لك. وقالوا: الغائب من المكنى يكون مذهب نكرة نحو قولك: لا هو ولا هي؛ لأنه يوهمك عددًا، وإن شئت قضيت عليه بالرفع والنصب فإن جعلته معرفة جئت معه بما يرفعه وحكوا: إن كان أحدٌ في هذا الفخ ولا هو يا هذا وكذلك: هذا وهذان عندهم، ويقولون: لا هذين لك ولا هاتين لك وكذلك ذاك لأنه غائب. وجميع هذه الأشياء التي تخالف الأصول التي قدمتها لك لا تجوز في القياس ولا هي مسموعة من الفصحاء.
وتقول: لا رجل أخوك ولا رجل عمك لا يجوز في أخيك وعمك إلا الرفع. وقد حُكي: أنّ كلام العرب أنْ يُدخِلوا: هو مع المفرد/ ٤٧٥ فيقولون: لا رجل هو أخوك ولا رجل هو عمرو، ويقولون: لا بنات لك كما تقول: لا مسلمي لك. وتقول: ألا رجلًا زيدًا أو عمرً، اتريد: ألا أحدَ
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٣٤٥-٣٤٦.
[ ١ / ٤٠٦ ]
رجلًا يكون زيدًا أو عمرًا ويجوز أن يكون بدلًا من رجل فإذا جاءت أو مع "ألا" فهو طلب.
وتقول: لا رجل في الدار لا زيدٌ ويدخل عليها ألف الاستفهام فتقول: ألا رجل في الدار ألا زيد. وتقول: ألا رجل ألا امرأةٌ يا هذا. وتقول: ألا ماء ولو باردًا، وهو عند سيبويه: قبيح. لأنه وضع النعت موضع المنعوت١ فلو قلت: ألا ماء ولو باردًا لكان جيدًا. وذلك يجوز إلا أنك تضمر بعد "لو" فعلًا ينصب ماء. وكأنك قلت: ولو كان ماءً باردًا. فإذا جئت بلو كان ما بعدها أحسن، قال أحمد بن يحيى ثعلب: كان يقال: متى كان ما بعد "لو" نعتًا للأول نصب ورفع ومتى كان غير نعت رفع/ ٤٧٦ هذا قول المشايخ. وقال الفراء: سمعت في غير النعت الرفع والنصب. وإذا قال: ألا مستعدي الخليفة أو غيره، وألا معدي الخليفة أو غيره، فالرفع كأنك بينت فقلت: ذاك الخليفة أو غيره أو هو الخليفة أو الخليفة هو أو غيره. والنصب على إضمار "يكون" كأنك قلت: يكون الخليفة. أي: يكون المعدي الخليفة أو غيره. وقوم يجيزون: ألا قائل قولًا، ألا ضارب ضربًا، وهذا عندي لا يجوز إلا بتنوينٍ لأنه قد أعملَ في المصدر فطالَ، وقد مضى تفسير هذا.
ويجوز أن تقول: لا قائل قول، ولا ضارب ضرب، فتضيف إلى المصدر. وتقول: لا خير بخير بعده النار ولا شر بشر بعده الجنة؛ لأنك قلت: لا خير في خير بعده النار ولا شر في شَرٍّ بعده الجنة، ويجوز أن تكون هذه الباء دخلت لتأكيد النفي كما تدخل في خبر "ما" وليس، فتكون زائدة كأنك/ ٤٧٧ قلت: لا خير خير بعده النار ولا شر شرٍّ بعده الجنة فإن جعلت الهاء راجعة إلى خبر الأول الذي مع "لا" قلت: لا خير بعدهُ النار خير. فصار قولكَ: بعد النار جملة نعت بها: لا خير والنار مبتدأ وبعده:
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ١١٦.
[ ١ / ٤٠٧ ]
خبره والجملة صفة لخير، كما تقول: لا رجلَ أبوه منطلق في الدارِ فرجل: منفي وأبوه: منطلق مبتدأ وخبر. والجملة بأسرها صفة لرجل قال أبو بكر: وقد ذكرنا الأسماء المرفوعات والمنصوبات وما ضارعها بجميع أقسامها وبقي الأسماء المجرورة ونحن نذكرها إن شاء الله.
[ ١ / ٤٠٨ ]
ذكر الجر والأسماء المجرورة
ذكر حروف الجر
ذكر الجر والأسماء المجرورة:
الأسماء المجرورة تنقسم قسمين: اسم مجرور بحرف جر، أو مجرور بإضافة اسم مثله إليه، وقولي: جر وخفض بمعنى واحد.
ذكر حروف الجر:
حروف الجر تصل ما قبلها بما بعدها فتوصل الاسم بالاسمِ والفعلَ بالاسم ولا يدخل حرف/ ٤٧٨ الجر إلا على الأسماء كما بينا فيما تقدم، فأما إيصالها الاسم بالاسم فقولك: الدار لعمرو، وأما وصلها الفعل بالاسم فقولك: مررت بزيد فالباء هي التي أوصلت المرور بزيد.
وحروف الجر، تنقسم قسمين:
فأحد القسمين: ما استعملته العرب حرفًا فقط ولم يشترك في لفظهِ الاسم ولا الفعل مع الحرف ولم تجره في موضع من المواضع مجرى الأسماء ولا الأفعال.
والقسم الآخر: ما استعملته العرب حرفًا وغير حرف.
فالقسم الأول: وهو الحرف التي استعملته حرفًا فقط على ضربين: فالضرب الأول منها: أُلزم عمل الجر، والضرب الثاني: غير ملازم لعمل الجر. فأما الحروف الملازمة لعملِ الجرِّ: فمن وإلى وفي والباء واللام.
ولِرُبَّ: باب يفردُ به لخروجها عن منهاجِ أخواتِها وأنا مُبيّن معنى حرفٍ حرفٍ منها.
[ ١ / ٤٠٨ ]
أما "من": فمعناها/ ٤٧٩: ابتداء الغاية. تقول: سرت من موضع كذا إلى موضع كذا. وفي الكتاب: من فلان إلى١ فلان. إنما يريد: ابتداؤه فلان. وسيبويه يذهب إلى أنها تكون لابتداء الغاية في الأماكن٢ وتكون للتبعيض نحو قولك: هذا من الثوب. وهذا منهم تقول: أخذت ماله، ثم تقول: أخذت من ماله فقد دلت على البعض٣.
قال أبو العباس: وليس هو كما قال عندي؛ لأن قوله: أخذت من ماله، إنما ابتداء غاية ما أخذ، فدل على التبعيض من حيث صار ما بقي انتهاء له والأصل واحد. وكذلك: أخذت منه درهمًا وسمعت منه حديثًا، أي: أول الحديث، وأول مخرج هذه الدراهم وقولك: زيد أفضل من عمرو٤ وإنما ابتدأت في إعطائه الفضل من حيث عرفت فضل عمرو فابتداء تقديمه هذا الموضع فلم يخرج من ابتداء الغايةِ. وقال في وقتٍ آخرَ: مِنْ تكون/ ٤٨٠ على ثلاثة أضرب لابتداء الغاية كقولكَ: خرجت مِنَ الكوفة إلى البصرة وللتبعيض كقولك: أخذت من ماله. والأصل يرجع إلى ابتداء الغاية لإنك إذا قلت: أخذت من المال فأخذك إنما وقع ابتداؤه من المال٥. ويكون لإِضافة الأنواع إلى الأسماء٦ كقول الله تعالى: ﴿إنَّمَا
_________________
(١) ١ في كتاب سيبويه ٢/ ٣٠٧، وتقول إذا كتبت كتابا من فلان إلى فلان.. ٢ انظر: الكتاب ٢/ ٣٠٧ ويرى الكوفيون: أن "من" تكون للابتداء في الزمان أيضا. انظر: الإنصاف/ ٣٢٨. ٣ انظر: الكتاب ٢/ ٣٠٧. ٤ انظر: المقتضب ١/ ٤٤ و٤/ ١٣٦. وقال سيبويه ٢/ ٣٠٧. وكذلك هو أفضل من زيد إنما أراد أن يفضله على بعض ولا يعم، وجعل زيدا الموضع الذي ارتفع منه أو سفل منه. وقد غلط المبرد سيبويه في هذا الموضع وذلك موجود في الانتصار/ ٣١٣-٣١٦. ٥ انظر: المقتضب ٤/ ١٣٦ و١/ ٤٤. ٦ نص المبرد هنا غير موجود في المقتضب ولا في الكامل.
[ ١ / ٤٠٩ ]
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ١. وكقول الله ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ ٢، أي: من هؤلاء الذين آمنوا واجتنبوا الرجس من الأوثان. فقولك: رجس جامع للأوثان وغيرها. فإذا قلت: من الأوثان فإنما معناه الذي ابتداؤه من هذا الصنف، قال: وكذلك قول سيبويه: هذا باب علم ما الكلم من العربية٣؛ لأن الكلم يكون عربيا وعجميا، فأضاف النوع وهو الكلم إلى اسمه الذي يبين به ما هو وهو العربية وتكون زائدة/ ٤٨١ قد دخلت على ما هو مستغن من الكلام إلا أنها تجر لأنها حرف إضافة نحو قولهم: ما جاءني من أحد، وما كلمت من أحد، وكقوله ﷿: ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٤ إنما هو: خير، ولكنها توكيد وكذلك: ما ضربت من رجل، إنما هو: ما ضربت رجلًا فهذا موضع زيادتها إلا أنه موضع دلت فيه على أنه للنكرات دون المعارف ألا ترى أنك تقول: ما جاءني من أحد، وما جاءني من رجل ولا تقول: ما جاءني من عبد الله. لأن رجلًا في موضع الجمع، ولا يقع المعروف هذا الموضع لأنه شيء قد عرف بعينِه ألا ترى أنك تقول: عشرون درهمًا ولا تقول: عشرون الدرهم وقال سيبويه: إذا قلت: ما أتاني من رجل أكدت بمن لأنه موضع تبعيض فأراد أنه لم يأته بعض الرجال والناس، وكذلك: ويحه من رجل إنما أراد أن يجعل التعجب من بعض الرجال ٥ / ٤٨٢ وكذلك: لي ملؤه من عسل وقال كذلك: أفضل من زيد. إنما أراد أن يفضله على بعض ولا يعم، وجعل زيدًا الموضع الذي ارتفع منه أو سفل منه في قولك: شر من زيد، وكذلك إذا قال: أخزى الله
_________________
(١) ١ المائدة: ٩٠. ٢ المائدة: ٩. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٢. ٤ البقرة: ١٠٥ في البحر المحيط ١/ ٣٤٠ من زائدة. والتقدير: خير من ربكم ٥ انظر: الكتاب ٢/ ٣٠٧.
[ ١ / ٤١٠ ]
الكاذبين مني ومنك، إلا أن هذا وأفضل لا يستغني عن "من" فيهما، لأنها توصل الأمر إلى ما بعدها، وقال: وتقول: رأيته من ذلك الموضع فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية حيث أردت الابتداء١.
وأما "إلى" فهي للمنتهى٢ تقول: سرت إلى موضع كذا، فهي منتهى سيرك، وإذا كتبت من فلان إلى فلان فهو النهاية، فمن الابتداء وإلى الانتهاء، وجائز أن تقول: سرت إلى الكوفة وقد دخلت الكوفة، وجائز أن تكون بلغتها ولم تدخلها؛ لأن "إلى" نهاية فهي تقع على أول الحد، وجائز أن تتوغل في المكان ولكن تمتنع من مجاوزته لأن النهاية غاية/ ٤٨٣ قال أبو بكر: وهذا كلام يخلط معنى "من" بمعنى "إلى" فإنما "إلى" للغاية و"من" لابتداء الغاية، وحقيقة هذه المسألة: أنك إذا قلت: رأيت الهلال من موضعي "فمن" لك وإذا قلت: رأيت الهلال من خلال السحاب "فمن" للهلال، والهلال غاية لرؤيتك، فكذلك جعل سيبويه "من" غاية في قولك: رأيته من ذلك الموضع وهي عنده ابتداء غاية إذا كانت "إلى" معها مذكورة أو منوية فإذا استغنى الكلام عن "إلى" ولم يكن يقتضيها جعلها غاية ويدل على ذلك قوله: ما رأيته مذ يومين فجعلتها غاية كما قلت: أخذته من ذلك المكان فجعلته غاية ولم ترد منتهى أي: لم ترد ابتداء له منتهى٣. أي: استغنى الكلام دون ذكر المنتهى وهذا المعنى أراد، والله أعلم وهذه المسألة ونحوها إنما/ ٤٨٤ تكون في الأفعال المتعدية نحو: رأيت وسمعت وشممت وأخذت. تقول: سمعت من بلادي الرعد من السماء، ورأيت من موضعي
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ٣٠٧-٣٠٨. ٢ قال سيبويه ٢/ ٣١٠: وأما إلى فمنتهى لابتداء الغاية، تقول: من كذا إلى كذا. ويقول الرجل إنما أنا إليك، إنما أنت غايتي. وقال المبرد: في المقتضب ٤/ ١٣٩، أما "إلى" فإنما هي للمنتهى، ألا ترى أنك تقول: ذهبت إلى زيد وسرت إلى عبد الله، ووكلتك إلى الله. ٣ انظر: الكتاب ٢/ ٣٠٨ و٢/ ٣١٠.
[ ١ / ٤١١ ]
البرق من السحاب، وشممت من داري الريحان من الطريق "فمن" الأولى للفاعل و"من" الثانية للمفعول، وعلى هذا جميع هذا الباب، لا يجوز عندي غيره، إنما جاز هذا لأن للمفعول حصة مِن الفعل كما للفاعل. وبعض العرب يحذف الأسماء مع "من" وقد ذكرنا بعض ذلك فيما قد مضى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ ١: والتأويل عند أصحابنا٢: وما منا أحد إلا له. والكوفيون يقولون إن "مَنْ" تضمر مع "من" وفي التأويل عندهم: إلا مَنْ له مقام/ ٤٨٥ وما كان بعده شيء لم يسم غاية، قال سيبويه: "إلى" منتهى لابتداء الغاية يقول: مِنْ كذا إلى كذا. ويقول: الرجل: إنما أنا إليك أي: أنت غايتي وتقول: قمت إليه فتجعله منتهاك من مكانك٣.
"في": وفي معناها الوعاء. فإذا قلت: فلان في البيت، فإنما تريد: أن البيت قد حواه وكذلك: المال في الكيس فإن قلت: في فلان عيب، فمجاز واتساع؛ لأنكَ جعلتَ الرجل مكانًا للعيب يحتويه وإنما هذا تمثيل بذاك، وكذلك تقول: أتيتُ فلانًا وهو في عنفوان شبابه أي: وهو في أمرهِ ونهيهِ فهذا تشبيه وتمثيل، أي: أحاطت بهِ هذه الأمور قال٤: وإن اتسعت في الكلام فإنما تكون كالمثل يجاءُ به يقارب الشيء وليس مثله٥.
"الباء": معناه الإِلصاق٦ فجائز أن يكون معه استعانة، وجائز لا
_________________
(١) ١ الصافات/ ٦٤، وانظر: الكشاف ١/ ٣١٢، والبحر المحيط ٣/ ٣٩٢، قال الزجاج: وحذف أحد لأنه مطلوب في كل نفي يدخله الاستثناء نحو: ما قام إلا زيد، ومعناه: ما قام أحد إلا زيد. وانظر المغني ١/ ١٦٦. ٢ أي: البصريون. ٣ انظر: الكتاب ٢/ ٣١٠. ٤ أي: سيبويه. انظر: الكتاب ٢/ ٣٠٨. ٥ انظر: الكتاب ٢/ ٣٠٨، وانظر: المقتضب ٤/ ١٣٩. ٦ قال المبرد في المقتضب ٤/ ١٤٢، وأما الباء فمعناه الإلصاق بالشيء. وذلك قولك: مررت بزيد، والباء ألصقت مرورك بزيد، وكذلك لصقت به. وانظر: المقتضب ١/ ٣٩.
[ ١ / ٤١٢ ]
يكون، فأما الذي معه استعانة فقولك: كتبت بالقلم/ ٤٨٦ وعمل الصانع بالقيدوم١. والذي لا استعانة معهُ فقولك: مررتُ بزيدٍ، ونزلت بعبد الله. وتزاد في خبر المنفي توكيدًا نحو قولك: ليس زيد بقائم، وجاءت زائدة في قولك: حسبك بزيد، وكفى بالله شهيدًا، وإنما هو كفى الله.
قال سيبويه: باء الجر إنما هي للإِلزاق والاختلاط وذلك قولك: خرجت بزيدٍ ودخلت به وضربته بالسوط، ألزقت ضربك إياه بالسوط، فما اتسع من هذا الكلام فهذا أصله٢.
"اللام": اللام: لام الإِضافة قال سيبويه: معناها الملك والاستحقاق، ألا ترى أنك تقول: الغلام لك، والعبدُ لكَ، فيكون في معنى: هو عبدٌ لكَ وهو أخ لكَ فيصير نحو: هو أخوك فيكون هو مستحقا لهذا، كما يكون مستحقا لما يملك، فمعنى هذا اللام معنى إضافة الاسم٣.
وقال أبو العباس: لام الإِضافة تجعل الأول لاصقًا بالثاني٤ / ٤٨٧ ويكون المعنى: ما يوجد في الأول تقول: هذا غلام لزيد وهذه دار لعبدِ الله،
فأما تسميتهم إياها لام الملك فليس بشيء إذا قلت: هذا غلام لعبد الله، فإنما دللت على الملك من الثاني للأول، فإذا قلت: هذا سيد لعبدِ الله دللت بقولك على أن الثاني للأول. وإذا قلت: هذا أخ لعبدِ الله، فإنما هي مقاربة وليس أحدهما في ملك الآخر.
ولام الاستغاثة: هي هذه اللام إلا أن هذه تكسر مع الاسم الظاهر وتلك تفتح وقد مضى ذكر ذلك في حد النداء. فلام الإضافة حقها الكسر إلا أن تدخلها على مكنى٥ نحو قولك: له مال، ولك، ولهم، ولها فهي في جميع ذلك مفتوحة وهي في الاستغاثة كما عرفتك مفتوحة.
_________________
(١) ١ القيدوم: قيدوم الرجل قادمته. ٢ انظر: الكتاب ٢/ ٣٠٤. ٣ انظر: الكتاب ٢/ ٣٠٤. ٤ انظر: المقتضب ٤/ ١٤٣ و١/ ٣٩ وص/ ٣٥٤ و٢/ ٣٧. ٥ أي: ضمير، وهو من اصطلاحات الكوفيين.
[ ١ / ٤١٣ ]
قال سيبويه: إنما أردت أن تجعل ما يعمل في المنادى مضافًا إلى بكر١ / ٤٨٨ باللام، يعني بذلك الفعل المضمر الذي أغنت عن إظهاره "يا" وقد مضى تفسير هذا. فهذه الحروف التي للجر كلها تضيف ما قبلها إلى ما بعدها. فإذا قلت: سرتَ مِن موضع كَذا، فقد أضفتَ السير إلى ما بعدها، فإذا قلت: مررت بزيد، فقد أضفت المرورَ إلى زيد بالباء. وكذلك إذا قلت: هذا لعبدِ الله، فإذا قلت: أنتَ في الدار، فقد أضفتَ كينونتك في الدار إلى الدار "بفي" فإذا قلت: فيك خصلة سوء فقد أضفت إليه الرداءة "بفي" فهذه الحروف التي ذكرت لك تدخل على المعرفة والنكرة والظاهر والمضمر فلا تجاوز الجرَّ.
واعلم: أن العرب تتسع٢ فيها فتقيم بعضها مقام بعض إذا تقاربت المعاني فمن ذلك: الباء تقول: فلان بمكة وفي مكة٣، وإنما جازا معًا لأنك إذا قلت: فلان/ ٤٨٩ بموضع كذا وكذا. فقد خبرت عن اتصاله والتصاقه بذلك الموضع، وإذا قلت: في موضع كذا فقد خبرت "بفي" عن احتوائه إياه وإحاطته به، فإذا تقارب الحرفان فإن هذا التقارب يصلح لمعاقبة، وإذا تباين معناهما لم يجز، ألا ترى أن رجلًا لو قال: مررت في زيد أو: كتبت إلى القلم، لم يكن هذا يلتبس به، فهذا حقيقة تعاقب
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٢٠٩. ٢ البصريون يرون أن حروف الجر لا ينوب بعضها عن بعض قياسا على حروف الجزم، وأحرف النصب، فإنها هي الأخرى لا يجوز فيها ذلك. وما أوهم ذلك عندهم: إما مؤول تأويلا يقبله اللفظ كما قيل: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، أن "في" ليست بمعنى: "على" ولكن شبه المصلوب لتمكنه من الجذع بالحال في الشيء، وإما على تضمن الفعل معنى فعل يتعدى بذلك الحرف، وإما على إنابة كلمة عن أخرى، لذا نرى سيبويه يكرر في باب حروف الجر عبارة: فهذا أصله وإن اتسعت، وانظر: الكتاب ١/ ٣١٠. ٣ وتجيء الباء بمعنى "في" كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾، وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي: في يدك.
[ ١ / ٤١٤ ]
حروف الخفض، فمتى لم يتقارب المعنى لم يجز وقد حكي: كنت بالمال حربًا وفي المالِ حَربًا، وهو يستعلي الناسَ بكفهِ وفي كفهِ. وقال في قولِ طرفة:
وإنْ يَلْتقِ الحَيُّ الجَمِيعُ تلاقني إلى ذِرْوَةِ البَيت الكَرِيمِ المُصَمد١
إنَّ "إلى" بمعنى "في" ولا يجوز أن يدخل حرف من هذه التي ذكرت على حرف منها فلا يجوز أن تدخل الباء على "إلى" ولا اللام على "مِنْ" ولا "في" على "إلى" ولا شيئًا/ ٤٩٠ منها على آخر.
_________________
(١) ١ الشاهد فيه: استعمال "إلى" بمعنى في والصمد: القصد، والفعل صمد يصمد، والتصميد مبالغة الصمد. يقول: إن اجتمع الحي للافتخار تلاقني أنتمي وأعتزي إلى ذروة البيت الشريف، أي: إلى أعلى الشرف، يريد أنه أوفاهم حظا من الحسب وأعلاهم سهما من النسب، وقوله: تلاقني، يريد: أعتزي "إلى" فحذف الفعل لدلالة الحرف عليه. ويروى: إلى ذروة البيت الرفيع: وانظر أمالي ابن الشجري ٢/ ٢٦٨، والاقتضاب للبطليوسي/ ٢٤٣، والخزانة ٣/ ٥٩٤، وشرح الأنباري/ ١٩٢، والمعلقات السبع للزوزني/ ٦٧، والديوان/ ٢٥.
[ ١ / ٤١٥ ]
باب رُبَّ:
رُبَّ: حرف جر، وكان حقه أن يكون بعد الفعل موصلًا له إلى المجرور كأخواته إذا قلت: مررت برجل وذهبت إلى غلام لك، ولكنه لما كان معناه التقليل١ وكان لا يعمل إلا في نكرة فصار مقابلًا "لكم" إذا كانت خبرًا فجعل له صدر الكلام كما جعل "لكم" وآخر الفعل والفاعل، فموضع رُبَّ وما عملت فيه نصبٌ، كما أن موضع الباء ومن وما عملنا فيه نصب إذا قلت: مررت بزيد وأخذت من ماله. ويدل على ذلك أن "كم" يُبنى عليها، ورُبَّ: لا يجوز ذلك فيها، وذلك قولهم: كم رجل أفضل منك، فجعلوه خبرًا "لكم" كذلك رواه سيبويه عن يونس عن أبي عمرو بن العلاء: أن العربَ تقوله٢، ولا يجوز أن تقول: رُبَّ رجل أفضل منك، ولا يجوز أن تجعله/ ٤٩١ خبرًا لِرُب كما جعلته خبرًا "لكم" ومما يتبين أن رُبَّ حرف وليست باسم "ككم". أن "كم" يدخل عليها حرف الجر ولا يدخل على رُبَّ تقول: بكم رجل مررت، وإنك تولي "كم" الأفعال ولا توليها رُبَّ.
قال أبو العباس: رُبَّ تنبئ عما وقعت عليه أنه قد كان وليس بكثير،
_________________
(١) ١ لم ينص سيبويه صراحة على أن "رب" تفيد التكثير أو التقليل وإنما ذكر أن "كم" في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه "رب" لأن المعنى واحد، وهذا يحتمل تفسيرات كثيرة، ربما يكون أحد هذه التفسيرات أنها تفيد التكثير. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٢٩٣.
[ ١ / ٤١٦ ]
فلذلك لا تقع إلا على نكرة ولأن ما بعدها يخرج مخرج التمييز تقول: رب رجل قد جاءني فأكرمته ورب دار قد ابتنيتها وأنفقت عليها، وقال في موضع آخر: رب معناها الشيء يقع قليلًا ولا يكون ذلك الشيء إلا منكورًا؛ لأنه واحد يدل على أكثر منه ولا تكون رب إلا في أول الكلام لدخول هذا المعنى فيها١.
وقال أبو بكر: والنحويون كالمجتمعين على أن رُبَّ جواب إنما تقول: / ٤٩٢ رُبَّ رجل عالمٍ، لمن قال: رأيت رجلًا عالمًا، أو قدرت ذلك فيه فتقول: رُبَّ رجل عالم، تريد: رُبَّ رجل عالم قد رأيتُ، فضارعت أيضًا حرف النفي إذا كان حرف النفي يليه الواحد المنكور وهو يراد به الجماعة. فهذا أيضًا مما جعلت له صدرًا.
واعلم: أن الفعل العامل فيها أكثر ما يستعمله العرب محذوفًا؛ لأنه جواب وقد علم فحذف، وربما جيء به توكيدًا وزيادة في البيان فتقول: رُبّ رجل عالم قد أتيت، فتجعل هذا هو الفعل الذي تعلقت به "رُبَّ" حتى يكون في تقديره: برجلٍ عالمٍ مررت، وكذلك إذا قال: رُبَّ رجل جاءني فأكرمته، وأكرمته، فههنا فعل أيضًا محذوف، فكأنه قال له قائل: ما جاءك رجل فأكرمته وأكرمته فقلت: رُبَّ رجل جاءني فأكرمته وأكرمته أي: قد كنت فعلت ذاك فيكون/ ٤٩٣ جاءني وما بعده صفة رجلٍ، والصفة والموصوف بمنزلة اسم واحد، والكلام بعدُ ما تم، فإن لم تضمر: قد فعلت وما أشبه ذلك وإلا لم يجز فإذا قال: ما أحسنت إليّ. قلت: رُبَّ إحسان قد تقدم إليك مني، فكأنك قلت: قد فعلت من إحسان إليك قد تقدم. فإن قال قائل: لِمَ لزم الصفة؟ قيل: لأنه أبلغ في باب التقليلِ لأن رجلًا قائمًا أقل من رجل وحده، فخصت بذلك، والله أعلم.
وكذلك لو قلتَ: رُب رجل جاهل ضربت، إن جعلت: ضربتُ هو
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب ٤/ ١٣٩-١٤٠.
[ ١ / ٤١٧ ]
العامل في رب. فإن جعلته صفة أضمرت فعلًا نحو ما ذكرنا. فصار معنى الكلام: رُبَّ رجل جاهل ضربت قد فعلت ذاك.
واعلم: أنَّهُ لا بد للنكرة التي تعمل فيها "رُبَّ" من صفة، إما اسم وإما فعل، لا يجوز أن تقول: رُبَّ رجل وتسكت حتى تقول: رُبَّ رجل صالح أو تقول: رجل يفهم ذاك/ ٤٩٤ ورب حرف قد خولف به أخواته واضطرب النحويون في الكلام فيه. وهذا الذي خبرتك به ما خلص لي بعد مباحثة أبي العباس -﵀- وأصحابنا المنقبين الفهماء وسأخبرك ما قال سيبويه والكوفيون فيه، قال سيبويه: إذا قلت: رُب رجل يقول ذاك فقد أضفت القول إلى الرجل بِرُب١، وكذلك يقول مَنْ تابعه على هذا القول، إذا قال: رُب رجل ظريف، قد أضافت رُب الظريف إلى رجل، وهذا لا معنى له؛ لأن اتصال الصفة بالموصوف يغني عن الإِضافة. وأما الكوفيون ومن ذهب مذهبهم فيقولون: رب وضعت على التقليل٢ نحو: ما أقل من يقول ذاك، وكم وضعت على التكثير نحو قولك: ما أكثر من يقول ذاك، وإنما خفضوا "لكم" لأن مِن تصحبها، تقول: كم من رجل ثم تسقط من وتعمل فكذلك/ ٤٩٥: رُبَّ وإن لم تر "من" معها كما قال: ألا رجل ومن رجل، وهم يريدون: أمَا من رجل وحكي عن الكسائي أو غيره من القدماء: أن بعض العرب يقول: رُبَّ رجل ظريف فترفع ظريفًا، تجعله خبرًا "لرُب" ومن فعل هذا فقد جعلها اسمًا، وهذا إنما يجيء على الغَلط والتشبيه، وفي رب لغات: رُبَّ ورُبُّ يا هذا، ومن النحويينَ من يقولُ: لو سكنت جازَ: ورُبْتَ.
واعلم: أن رُبَّ تستعملُ على ثلاثة وجوه٣.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٢٠٩. ٢ انظر: ارتشاف الضرب/ ٨٤٢، والهمع ٢/ ٢٥. ٣ في الأصل: "جهات".
[ ١ / ٤١٨ ]
فالوجه الأول: هو الذي قد ذكرت من دخولها على الاسم الظاهر النكرة١ وعملها فيه وفي صفته الجر.
والوجه الثاني: دخولها على المضمر على شريطة التفسير، فإذا أدخلوها على المضمر نصبوا الاسم الذي يذكرونه للتفسير بعد المضمر، فيقولون: رُبَّه رجلًا، والمضمر ههنا كالمضمر في "نعم" إذا قلت: نعم رجلًا/ ٤٩٦ زيد، إلا أن المضمر في "نعم" مرفوع لأنه ضمير الفاعل وهو مع رُبَّ مجرور، وإنما جاز في رُبّ وهي لا تدخل إلا على نكرة من أجل أن المعنى تؤول إلى نكرة، وليس هو ضمير مذكور، وحق الإِضمار أن يكون بعد مذكور ولكنهم ربما خصوا أشياء بأن يضمروا فيها على شريطة التفسير وليس ذلك بمطرد في كل الكلام، وإنما يخصون به بعضه فإذا فعلت ذلك نصبت ما بعد الهاء على التفسير فقلت: ربُه رجلًا وهذه الهاء على لفظ واحد وإن وليها المذكر أو المؤنث أو الإثنان أو الجماعة موحدة على كل حال٢.
الوجه الثالث: أن تصلها فتستأنف ما بعدها وتكفها عن العمل فتقول: ربما قام زيد وربما قعد، وربما زيد قام، وربما فعلت كذا٣، ولما كانت رب إنما تأتي لما مضى فكذلك ربما لما وقع بعدها الفعل/ ٤٩٧ كان حقه أن يكون ماضيًا، فإذا رأيت الفعل المضارع بعدها فثم إضمار كان، قالوا: في قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ٤، أنه لصدق
_________________
(١) ١ هذا ما نص عليه سيبويه وابن السراج، ولكن بعضهم أجاز جرها لما فيه الألف واللام في الشعر كقول الشاعر: ربما الجامل المؤبل فيهم. بخفض "الجامل"، وصفته، وانظر: الكتاب ١/ ٢٧٠، وشرح الرماني ٢/ ١٤٤. ٢ حكي عن الكوفيين: مطابقة الضمير لمميزه، فيقولون: ربها امرأة، وربهما امرأتين ورجلين، وربهم رجالا وربهن نساء. وانظر: تسهيل الفوائد/ ٢١٢. ٣ إذا كفت "رب" بما عن العمل صارت كحرف الابتداء، يقع ما بعدها الجملة والفعل. ٤ الحجر: ٢.
[ ١ / ٤١٩ ]
الوعد كأنه قد كان كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ ١. ولم يكن، فكأنه قد كان لصدق الوعد. ولا يجوز: رُبَّ رجل سيقوم، وليقومن غدًا٢، إلا أن تريد: رُبّ رجل يوصف بهذا تقول: رب رجل مسيء اليوم ومحسن غدًا أي: يوصف بهذا ويجوز: ربما رجل عندكَ فتجعل: "مَا" صلة ملغاة.
واعلم: أنّ العربَ تستعملُ الواوَ مبتدأة بمعنى: "رُبَّ" فيقولون: وبلد قطعتُ يريدونُ ورُبَّ٣ بلد وهذا كثير.
وقال بعض النحويين: أن الواو التي تكونَ معَ المنكراتِ ليست بخلف من "رُبَّ" ولا كم وإنما تكون مع حروف الاستفهام فتقول: وكم قد رأيت ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ ٤، يدل على التعجب ثم تسقط/ ٤٩٨ كم وتترك الواو، ولا تدخل مع رُبَّ، ولو كانت خلفًا مِن "كم" لجازَ أن يدخلَ
_________________
(١) ١ سبأ: ٥١. ٢ قال أبو حيان في الارتشاف/ ٨٥١: أن العامل في رب يكون ماضيا في الأكثر، ويجوز أن يكون حالا ومستقبلا، وهذا قليل في كلامهم، وإنما يوقعونها على الماضي. ثم اعتذر عن قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِين ﴾ ثم قال: ومع هذا يحسن أن يقال في الكلام: رأيت الرجل يفعل ما يخاف منه، ربما يندم، وربما يتمنى أن لا تكون فعلت. قال أبو حيان: وهذا كلام عربي حسن. ومثله قال الفراء. انظر: الارتشاف/ ٨٥٢. ٣ أجاز سيبويه: حذف "رب" وإبقاء عملها، قال: وليس كل جار يضمر، لأن المجرور داخل في الجار فصار عندهم بمنزلة حرف واحد، فمن ثم قبح، ولكنهم قد يضمرونه ويحذفونه فيما كثر في كلامهم، لأنهم إلى تخفيف ما أكثروا استعماله أحوج. ثم ذكر قول العنبري: وجداء ما يرجى بها ذو قرابة لعطف وما يخشى السماة ربيبها قال: سمعنا ذلك ممن يرويه عن العرب، وانظر: الكتاب ٢/ ٢٩٤. إشارة إلى أن بعض العرب ينصب هذا النوع على الفعل الذي بعده، لكنه يرى أنه مجرور "برب" المحذوفة وهو القياس. ٤ آل عمران: ١٠١ وتكملة الآية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ .
[ ١ / ٤٢٠ ]
عليها النسق كما فعلَ بواوِ اليمينِ، وهي عندي: واو العطفِ وهذا أيضًا مما يدل على أن رب جواب وعطف على كلام.
[ ١ / ٤٢١ ]
مسائل من باب رب
مسائل من هذا الباب:
تقول: رُبَّ رجل قائم وضارب، وَرُبَّ رجل يقوم ويضرب. وتقول: رب رجل قائم نفسه وعمرو، ورب رجل قائم ظريفًا فتنصب على الحال من "قائم" وتقول: رب رجل ضربته وزيدًا ورب رجل مررت به، فتعيد الباء؛ لأن المضمر المجرور لا ينسق عليه بالاسم الظاهر، وتقول: رب رجل قائم هو وزيد، فتؤكد ما في "قائم" إذا عطفت عليه ويجوز أن تقولَ: رب رجل قامَ وزيدٌ، فتعطف على المضمر من غير تأكيد وتقول: رب رجل كان قائمًا، وظننته قائمًا، ففي "كان" ضمير رجل وهو اسمها وقائمًا/ ٤٩٩ خبرها. وكذلك: الهاء في "ظننته" ضمير رجل وهو مفعولها الأول. وقائمًا مفعولها الثاني وإذا قلت: رب رجل قد رأيت ورب امرأة، فالاختيار أن تعيد الصفة فتقول: ورب امرأة قد رأيت؛ لأنك قد أعدت رُب، وقد جاء عن العرب إدخال "رُبَّ" على "مِنْ" إذا كانت نكرة غير موصولة إلا أنها إذا لم توصل لم يكن بُد من أن توصف؛ لأنها مبهمة حكي عنهم: مررت بمن صالح، ورب من يقوم ظريف، وقال الشاعر.
يَا رُبَّ مَنْ تَغْتَشُّه لَكَ نَاصِحٍ ومُؤتَمَنٍ بالغَيْبِ غَيْرِ أَمِينِ١
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٢٧١ على تنكير "من" ووصفها بناصح، وتغتشه في موضع الوصف، يقول: قد ينصح الإنسان ويتولاه من يظن به الغش. وقد يغشه ويغتابه من يأمنه ويثق به. وتغتشه تظن به الغش والخديعة. ومؤتمن: تراه أمينا ناصحا. وانظر: شرح الرماني ٢/ ١٤٤، وروايته: ألا رب من تغتشه.. بدلا يا رب كرواية سيبويه واللسان غشش رواه: أيا رب من تغتشه.. والهمزة زائدة، إذ لا يستقيم معها الوزن، فالبيت من الكامل، وإذا زيدت الهمزة فلا يكون من هذا الوزن، ولم يعرف قائل هذا البيت.
[ ١ / ٤٢١ ]
وتدخل رُب على مثلكَ وشبهكَ إذ كانتا لم تتصرفا بالإِضافة وهما نكرتان في المعنى. وتقول: رب رجل تختصم وامرأة وزيد، ولا يجوز الخفض لأنه لا يتم إلا باثنين، فإن قلتَ: رب/ ٥٠٠ رجلين مختصين وامرأتين جازَ لكَ الخفض والرفع، فتقول: وامرأتان وامرأتين، أما الخفض: فبالعطفِ على "رجلين" والرفع: بالعطف على ما في مختصمين، ولو قلت: رُبَّ رجلين مختصمين هما وامرأتان فأكدت، ثم عطفتَ لكان أجود حكي عن بعضهم: أنه يقول: إذا جاءَ فعل يعني بالفعلِ اسمَ الفاعل بعد النعتِ رفعَ نحو قولك: رب رجل ظريف قائم، والكلام الخفض، وزعم الفراء: أنهم توهموا "كم" إذ كانوا يقولون: كم رجلًا قائمٌ. وتقول: رب ضاربكَ قد رأيت، ورب شاتمك لقد لقيت؛ لأن التنوين في تَينكَ يريد ضارب لكَ وإن قلت: ضاربكَ أمس لم يجز لأنه معرفة. والأخفش يعترض بالأيمان فيقول: رُبَّ -وَالله- رجل قد رأيت، ورُبَّ/ ٥٠١ رجل قد رأيت، وهذا لا يجوزُ عندنا لأنّ حروف الجر لا يفصل بينَها وبينَ ما عملت فيهِ١ وسائر النحويين يخالفونَه.
وحكى الكوفيون: ربه رجلًا قد رأيت وربهما رجلين وربهم رجالًا، وربه رجالًا، وربهن نساء وربَه نساء٢ مَنْ وحَد. فلأنه كناية عن مجهول ومَن لم يوحد فلأنه رد كلام كأنه قال: له ما لك جوار؟ فقال: ربهن جوار قد ملكت.
وكان الكسائي يجيز: رب مَنْ قائم على أنَّهَ استفهام ويخفض "قائمًا" والفراء يأباه؛ لأن كل موضع لم تقعه المعرفة لم يستفهم بمن فيه.
والضرب الثاني: من حروف الجر وهو ما كان غير ملازم للجر. وذلك
_________________
(١) ١ يرى سيبويه أن الفصل بين الجار والمجرور أمر قبيح، لأنهما بمنزلة كلمة واحدة، وانظر: الكتاب ١/ ٢٩٥. ٢ انظر: التسهيل لابن مالك/ ٥٢.
[ ١ / ٤٢٢ ]
حتى والواو. فواو القسم وهي بدل من الباء١ وأبدلت لأنها من الشفة مثلها.
والتاء: تستعمل في القسم في الله ﷿، وهي بدل من الواو، والتاء قد تبدل من الواوِ في مواضع/ ٥٠٢ ستراها وقد خصوا القسمَ بأشياء، ونحن نفرد بابًا للأسماء المخفوضة في القسم وأما الواو التي تقع موقع رب فقد مضى ذكرها.
_________________
(١) ١ قال سيبويه: والواو التي تكون للقسم بمنزلة الباء، وذلك قولك: والله أفعل. الكتاب ٢/ ١٤٥.
[ ١ / ٤٢٣ ]
باب حتى:
حتى: منتهى لابتداء الغاية بمنزلة "إلى" إلا أنها تقع على ضربين: إحداهما: أن يكون ما بعدها جزءًا مما قبلها وينتهي الأمر به. والضرب الآخر أن ينتهي الأمر عنده ولكنها قد تكون عاطفة وتليها الأفعال. ويستأنف الكلام بعدها ولها تصرف ليس "لإِلى"، و"لإِلى" أيضًا مواقع لا تقع "حتى" فيها.
فأما الضرب الأول: وهو ما ينتهي به الأمر، فإنه لا يجوز: أن يكون الاسم بعد حتى إلا من جماعة كالاستثناء، لا يجوز: أن يكون بعد واحد ولا اثنين؛ لأنه جزء من جماعة وإنما يذكر لتحقير أو تعظيم أو قوة أو ضعف وذلك قولك: ضربتُ القومَ حتى زيدٍ فزيد من/ ٥٠٣ القوم وانتهى الضرب به فهو مضروب مفعول، ولا يخلو أن يكون أحقر من ضربت أو أعظمهم شأنًا وإلا فلا معنى لذكره، وكذلك المعنى إذا كانت عاطفة كما تعطف الواو تقول: ضربتَ القومَ حتى عمرًا. فعمرو من القوم به انتهى الضرب. وقدمَ الحاج حتى المشاة والنساء. فهذا في التحقير والضعف وتقول: ماتَ الناسُ حتى الأنبياء والملوكُ، فهذا في التعظيم والقوة، ولك أن تقول: قامَ القومُ حتى زيد جر وإن كان في المعنى: جاء؛ لأنك انتهيت بالمجيء إليه بحتى، فتقدير المفعولِ وقد بينا فيما تقدم أن كل فعل معه فاعلُه تعدى بحرف جر إلى اسم فموضعه نصب
قال أبو بكر: والأحسن عندي في هذا إذا أردت أن تخبرَ عن زيد بفعله أن تقول/ ٥٠٤: القوم حتى زيد، فإذا رفعت فحكمه حكم الفاعل في أنه لا
[ ١ / ٤٢٤ ]
بد منه، فإذا خفضت فهو كالمنصوب الذي يستغني الفاعل دونه وأما قول الشاعر:
أَلْقَى الصَّحِيفةِ كَيْ يُخَفِّف رَحْلَهُ والزَّادَ حتَّى نَعلَه أَلْقَاهَا١
فلك فيه الخفض، والرفع والنصب، فالخفض: على ما خبرتكِ به والنصب فيه وجهان: فوجه أن يكون منصوبًا "بألقى" ومعطوفًا على ما عمل فيه "ألقى" ويكون ألقاها توكيدًا. والوجه الثاني: أنْ تنصبه بفعل مضمر يفسره "ألقاها" والرفع على أن يستأنفَ بعدها، والمعنى ألقى ما في رحله حتى نعله هذه حالها، وإذا قلت: العجب حتى زيد يشتمني فالمعنى: العجب لسبِّ الناس إياي حتى زيد يشتمني. قال الفرزدق:
فيا عَجَبًا حَتَّى كُلَيْب تَسُّبني كأنَّ أباها نَهْشلٌ أو مُجَاشِعٌ٢
فإذا قلت: مررتُ بالقوم حتى زيدٍ فإن أردتَ العطف/ ٥٠٥ فينبغي أن تعيد الياء لتفرق بين ما انجر بالباء وبين ما انجر "بحتى".
الضرب الثاني: المجرور بحتى: وهو ما انتهى الأمر عنده، وهذا
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٥٠ على مجيء "حتى" عاطفة بنصب "نعله" وعلى مجيئها ابتدائية برفع "نعله" وفيه وجود قرينة هي "ألقاها" تقتضي دخول ما بعد "حتى" في مضمون الحكم قبلها. والبيت: ينسب للمتلمس أو لأبي مروان النحوي، وفيه إشارة إلى قصة المتلمس وطرفة حين كتب لهما عمرو بن هند كتابين. وانظر: الموجز لابن السراج/ ٥٧ والجمل للزجاجي/ ٨١، ومعجم الأدباء ١٩/ ١٤٦، وابن يعيش ٨/ ١٩. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٤١٣ على دخول "حتى" على الجملة الاسمية، لأنها إذا كانت حرف ابتداء تقع على الجمل الفعلية والاسمية معا، وتفيد معنى الغاية، إما في التحقير أو التعظيم. هجا الشاعر كليب بن يربوع: رهط جرير، وجعلهم من الضعة بحيث لا يسابون مثله لشرفه، ونهشل ومجاشع رهط الفرزدق وهما ابنا دارم. وانظر: المقتضب ٢/ ٤١، والمغني ١/ ١١٤، والخزانة ٤/ ١٤١، والسيوطي/ ٤ والديوان/ ٥١٧.
[ ١ / ٤٢٥ ]
الضرب لا يجوز فيه إلا الجر لأن معنى العطف قد زال وذلك قولك: إن فلانًا ليصوم الأيام حتى يوم الفطر، فانتهت "حتى" بصوم الأيام إلى يوم الفطر، ولا يجوز أن تنصب "يوم الفطر" لأنه لم يصمه فلا يعمل الفعل فيما لم يفعله، وكذلك إذا خالف الاسم الذي بعدها ما قبلها نحو قولك: قام القوم حتى الليل فالتأويل: قام القوم اليومَ حتى الليلِ. واعلم: أنك إذا قلت: سرتُ حتى أدخلها فحتى على حالها في عمل الجر وإن كان لم يظهرْ هنا "وإن وصلتها" اسم وقال سيبويه: إذا قلت: سرت حتى أدخلها فالناصب للفعل ههنا هو الجار للاسم إذا كان غاية١.
فالفعل إذا كان غاية منصوب والاسم كان غاية جر/ ٥٠٦ وهذا قول الخليل٢. وقال سيبويه: إنها تجيء مثل كي التي فيها إضمار "أن" وفي معناها وذلك قولك: كلمتك حتى تأمر لي بشيء٣: قال سيبويه: لحتى في الكلام نحو ليس لإِلى تقول: إنما أنا إليك أي: أنت غايتي ولا تكون حتى ههنا٤. وهي أعم من "حتى" تقول: قمت إليه فجعلته منتهاك من مكانك، ولا تقول: حتاه وغير سيبويه يجيز: حتاه وحتاك في الخفض٥، ولا يجيزون في النسق؛ لأن المضمر المتصل لا يلي حرف النسق، لا تقول: ضربت زيدًا وك يا هذا، ولا قتلت عمرًا وه، إنما يقولون في مثل هذا: إياك وإياه، والقول عندي ما قال سيبويه: لأنه غير معروف اتصال حتى بالكاف وهو في القياس غير ممتنع.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٤١٣ وهذا على مذهب البصريين. أما الكوفيون فيرون: أن حتى تنصب بنفسها لقيامها مقام الناصب. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٤١٣. ٣ انظر: الكتاب ١/ ٤١٣. ٤ انظر: الكتاب ٢/ ٣١٠. ٥ كان المبرد يرى إضافة ما منع سيبويه إضافته إلى المضمر في هذا الباب، ولا يمنع منها إذا كان ما بعد حتى منصوبا، حتى إياه، وإذا كان مرفوعا حتى هو، وإذا كان مجرورا: حتاه وحتاك. انظر: المقتضب ٢/ ٧.
[ ١ / ٤٢٦ ]
مسائل من باب حتى
مسائل من هذا الباب:
تقول: ضربتُ القومَ حتى زيدًا وأوجعتُ، تنصب لأنك جئت بحرف نسق على الأول وكذلك/ ٥٠٧: ضربت القوم حتى زيدًا، ثم أوجعت، وقال قوم: النصب في هذا لا غيرَ لأنكَ جئتَ بحرف نسق على الأولِ، تريد حتى ضربت زيدًا وأوجعت وثم أوجعت.
قال أبو بكر: وهذا عندي على ما يقدر المتكلم أن قدر الإِيجاع لزيد، فالنصب هو الحسن، وإذا كان الإِيجاع للقوم جاز عندي النصب والخفض، وتقول: ضربتُ القومَ حتى زيدًا أيضًا وحتى زيدًا زيادة، وحتى زيدًا فيما أظن؛ لأن هذه دلت على المضمر: كأنك قلت: حتى: ضربت زيدًا فيما أظن. وحتى ضربت زيدًا أيضًا، فإن جعلت: "فيما أظن" من صلة الأول خفضت، كأنك قلت: ضربتُ القومَ فيما أظن حتى زيد وتقول: أتيتكَ الأيامَ حتى يومِ الخميس، ولا يجوز: حتى يوم؛ لأنه لا فائدة فيه، وكذلك لو قلت: صمتُ الأيامَ إلا يومًا، فإن وقت ما بعد إلا وما بعد "حتى" حسن وكانت فيه فائدة فقلت/ ٥٠٨: صمتُ الأيامَ إلا يومَ الجمعة، وحتى يومِ الجمعةِ.
وقال قوم: إن أردت مقدار يوم جاز فقلت على هذا: أتيتكَ الأيامَ حتى يومٍ. وقالوا: فإن قلت: أتيتك كل وقت حتى ليلًا. وحتى نهارًا، وكان الأول غير موقت والثاني غير موقت نصبت الثاني كما نصبت الأول وكان الخفض قبيحًا.
وقال أبو بكر: وجميع هذا إنما يراعي به الفائدة واستقامة الكلام صلحا فيه فهو جائز. ونقول: ضربتُ القومَ حتى إن زيدًا لمضروب. فإذا أسقطت اللام، فإن كانت "إن" مع ما بعدها بتأويل المصدر فتحتها، قال سيبويه: قد عرفت أموركَ حتى إنك أحمقُ، كأنه قال: حتى حمقَك وقال: هذا قول الخليل١، فهذا لأن الحمق جاء بتأويلِ المصدر وقد مضى تفسير ذا.
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٤٧٣ والنص: وتقول قد عرفت أمورك حتى إنك أحمق، كأنك قلت: عرفت أمورك حتى حمقك، وصفت "إن" في هذا الموضع. هذا قول الخليل.
[ ١ / ٤٢٧ ]
وتقول: ضربتُ القوم حتى كان زيد مضروبًا وضربتُ القوم حتى لا مضروبَ صالحًا فيهم/ ٥٠٩ جاز في هذا كما جاز الاستئناف والابتداء بعدها، فلما جاز الابتداء جاز ما كان بمنزلة الابتداء وتقول: لا آتيكَ إلى عشر مِنَ الشهرِ. وحتى عَشر من الشهر؛ لأنكَ تترك الإِتيانَ من أول العشرِ إلى آخر هذه فتقع هنا "حتى" وإلى ولا تقول: آتيكَ حتى عشر، إلا أن تريد: آتيكَ وأواظب على إتيانك إلى عشر. وتقول: كتبتُ إلى زيد، ولا يجوز حتى زيد لأنه ليس هنا ما يستثنى منه زيد على ما بينت لك فيما تقدم.
وقوم يجيزون: ضربتُ القومَ حتى زيدًا فضربت، إن أردتَ كلامين، وقالوا: يجوز فيه الخفض والنصب، والاختيار عندهم الخفض قالوا: وإن اختلف الفعل أدخل في الثاني الفاء ولم تسقط وخفض الأول نحو قولك: ضربتُ القومَ حتى زيدٍ فتركت، ولا يكون ضربت القومَ حتى تركت زيدًا.
وتقول: جَلسَ حتى إذا تهيأ أمرنا قام، وأقام حتى ساعة تهيأ أمرنا قطع علينا، وانتظر حتى يوم شخصنا مضى معنا/ ٥١٠ فيوم وساعة مجروران وإذا في موضع جر، وهذا قول الأخفش لأن قولك: جلسَ حتى ساعة تهيأ أمرنا ذهب إنما قولك: ذهبَ جواب لتهيأ وحتى واقع على الساعةِ وهي غاية له. وتقول: انتظر حتى إن قسم شيء أخذته منه، فقولكَ: أخذت منه راجع إلى قسَم، وهو جوابه وقعَ الشرط والجواب بعدها كما استؤنف ما بعدها وكما وقعَ الفعل والفاعلَ والابتداء والخبر. وتقول: اقم حتى متَى تأكلْ تأكلْ معنا. وأقم حتى أينا يخرج تخرج معه، فأي مبتدأه لأنها للمجازاة، وكذلك: أجلس حتى أي يخرج تخرج معه.
وقال الأخفش: يقول لكَ الرجل: ائتني فتقول: إما حتى الليل فلا، وإما حتى الظهر فلا وإما إلى الليل فلا، ولا يحسن فيه إلا الجر، وقال تقول: كل القوم حتى أخيك/ ٥١١ وهو الآن غاية، وذلك أنه لا بد لكلِ القومِ من جر، وتقول: كل القوم حتى أخيك فيها لأنك أردت: كل القوم فيها حتى أخيك. وتقول: كل القومِ حتى أخيكَ ضربت. وقالَ الأخفش في كتابه الأوسط: إن قومًا يقولون: جاءني القوم حتى أخوكَ، يعطفونَ الأخ على
[ ١ / ٤٢٨ ]
"القوم" وكذلك: ضربت القومَ حتى أخاكَ قال: وليس بالمعروفِ. وتقول: ضربت القومَ حتى زيدٍ ضربته على الغاية ولو قلت: حتى زيدٍ مضروب، فجررت زيدًا، لم يكن كلامًا؛ لأن مضروبًا وحده لا يستغني؛ لأنه اسم واحد كما استغنى ضربته فعل وفاعل وهو كلام تام.
[ ١ / ٤٢٩ ]
باب الأسماء المخفوضة في القسم
مدخل
باب الأسماء المخفوضة في القسم:
أدوات القسم والمقسم به خمس: الواو والباء والتاء واللام ومن، فأكثرها الواو ثم الباء وهما يدخلان على محلوف، تقول: والله/ ٥١٢ لأفعلن وبالله لأفعلن فالأصل الباء كما ذكرت لك، ألا ترى أنك إذا كنيت عن المقسم به رجعت إلى الأصل فقلت: به آتيكَ ولا يجوزوه لا آتيكَ، ثم التاء وذلك قولك: تالله لأفعلن، ولا تقال مع غير الله، قال الله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ ١، وقد تقول: تالله وفيها معنى التعجب، وبعض العربِ يقول في هذا المعنى فتجيء باللامِ ولا يجيء إلا أن يكون فيه معنى التعجب، وقال أُمية بن عائِذ:
للِه يَبْقَى عَلَى اَلأيَّامِ ذُو حَيَدٍ بِمُشْمَخِرٍ بهِ الظيَّانُ والآسُ٢
يريد والله: لا يبقى، إلا أن هذا مستعمل في حال تعجب. وقد
_________________
(١) ١ الأنبياء: ٥٧ ٢ من شواهد سيبويه ٢/ ١٤٤، على دخول اللام على اسم "الله" في القسم بمعنى التعجب. والحيد -بفتح الحاء- مصدر: وهو إعوجاج يكون في قرن الوعل. ويروى -بكسر الحاء- وفسر بأنه جمع حيدة وهي العقدة في قرن الوعل. وقيل: هو مصدر حاد يحيد حيدا بالسكون فحركه للضرورة، ومعناه الروغان. وروي: ذو جيد بالجيم، وهو جناح مائل من الجبل، وقيل: يريد به الظبي. والمشمخر: الجبل الشامخ العالي، والباء بمعنى "في" والظيان: ياسمين البر. والآس: نقط من العسل يقع من النحل على الحجارة. لا النافية حذفت من "يبقى" وهو حذف قياس، لأن المضارع وقع جوابا للقسم، ونسبه غير سيبويه وابن السراج إلى مالك بن خالد الخزاعي. ولعبد مناة الهذلي، ولأبي زبيد الطائي. وانظر: المقتضب ٢/ ٣٢٤، وابن يعيش ٩/ ٩٨، والمفصل للزمخشري/ ٣٤٥، وأمالي الشجري ١/ ٣٦٩، والخزانة ٢/ ٣٦١، والمخصص لابن سيده ١٣/ ١١١، وديوان الهذليين ٣/ ٢، والصاحبي/ ٨٦.
[ ١ / ٤٣٠ ]
يقول بعض العرب: للِه لأفعلنَ. ومن العرب من يقول: مِن ربي لأفعلنَ ذاك ومن ربي إنك لا شر كذا حكاه سيبويه وقال: ولا يدخلونها في غير "ربي" ولا تدخل الضمة في "مِنْ" إلا ههنا١.
وقال الخليل: جئتُ بهذه الحروفِ لأنكَ تضيف حلفك/ ٥١٣ إلى المحلوف به كما تضيف به بالباء إلا أن الفعلَ يجيء مضمرًا، يعني أنك إذا قلت: واللِه لأفعلنَ وباللِه لأفعلنَ، فقد أضمرتَ: أحلف وأقسم، وما أشبهه، مما لا يتعدى إلا بحرفٍ والقسم في الكلام إنما تجيء به للتوكيد وهو وحده لا معنى له، لو قلت: والله وسكت أو بالله ووقفت لم يكن لذلك معنى حتى تقسم على أمر من الأمور، وكذا إن أظهرتَ الفعل وأنت تريد القسم فقلت: أَشهدُ باللِه وأُقسم بالله، فلفظه لفظ الخبر إلا أنه مَضمر بما يؤكده.
ويعرض في القسم شيئان: أحدهما: حذف حرف الجر والتعويض أو الحذف فيه بغير تعويض. فأما ما حذف منه حرف الجر وعوض منه فقولهم: أي ها اللِه ثبتت ألفَ ها؛ لأن الذي بعدها مدغم، ومن العرب من يقول: أي هَللهِ فيحذف الألف التي بعد الهاء قال سيبويه: فلا يكون في المقسم به ههنا/ ٥١٤ إلا الجر لأن قولهم "ها" صار عوضًا من اللفظ بالواو فحذفت تخفيفًا على اللسان، ألا ترى أن الواو لا تظهر ههنا. ويقولون: أي هَا اللِه ذا، فأما لقولهم: ذا، فذكر الخليل: أنه المحلوف عليه، كأنه قال: أي والله للأمر هذا فحذف الأمر لكثرة استعمالهم وقدم "ها" كما قدم قوم: ها هو ذا وها أنذا قال زهير:
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ٢/ ١٤٥.
[ ١ / ٤٣١ ]
تَعْلَمَنْ هَا لَعَمْرِ اللِه ذا قَسَمًا فاقْصِدْ بذَرْعِكَ واْنُظْر أينَ تَنْسِلِكُ١
ومن ذلك ألف الاستفهام قالوا: اللِه ليفعلنَ فالألف عوض من الواو ألا ترى أنك لا تقول: أو اللِه.
وقال سيبويه: ومن ذلك ألف اللام وذلك قولهم: أفاللِه لتفعلنَ: وقال: ألا ترى أنك إن قلت: أفوالله لم تثبت هذا قول سيبويه٢، وللمحتج لسيبويه أن يقول: إن الألف كما جعلت عوضًا قطعت وهي لا تقطع مع الواو/ ٥١٥.
الثاني: ما يعرض في القسم وهو حذف حرف الجر بغير تعويض. اعلم: أن هذا يجيء على ضربين: فربما حذفوا حرف الجر وأعملوا الفعل في المقسم فنصبوه. وربما حذفوا حرف الجر وأعملوا الحرف في الاسمِ مضمرًا. فالضربُ الأول قولك: اللِه لأفعلنّ وقال ذو الرمة:
ألا رَُبَّ مِنْ قَلْبِي لَه اللَّه نَاصِحٌ ومَنْ قَلْبُه لي في الظِّبَاءِ السَّوانِحِ٣
_________________
(١) ١ استشهد به سيبويه ٢/ ١٤٥ على الفصل بين "ها" التنبيه و"ذا" بالقسم واستشهد به ٢/ ١٥٠ على التوكيد بالنون الخفيفة. والبيت روي بروايتين: أقدر من بابي ضرب وقتل بمعنى: قدر. واقصد بذرعك الباء بمعنى "في" وقسما: مصدر مؤكد لما قبله لأن معناه: أقسم. تعلمن: بمعنى ملازم للأمر. وذرع الإنسان: طاقته -واقصد بذرعك- مثل أورده الميداني، وقال عنه: يضرب لمن يتوعد، أي: كلف نفسك ما تطيق، والذرع: عبارة عن الاستطاعة، كأنه قال: اقصد الأمر بما تملكه أنت لا بما يملكه غيرك، أي: توعد بما تسعه قدرتك. وانظر: المقتضب ٢/ ٣٢٣، ومجمع الأمثال ٢/ ٩٢، والخزانة ٤/ ٢٠٨ و٢/ ٤٧٥، والديوان/ ١٧٥. ٢ انظر: الكتاب ٢/ ١٤٥. ٣ من شواهد الكتاب ٢/ ١٤٤ على نصب اسم الله ﷿ لما حذف حرف الجر وأوصل إليه الفعل المقدر والتقدير: أحلف بالله، ثم حذف الجار فعمل الفعل فنصب. والسوانح من الظباء: ما أخذ عن ميامن الرامي فلم يتمكنه رميه حتى ينحرف له فيتشاءم به. ومن العرب من يتيمن به لأخذه عن الميامن فيجعله مشوما، وضرب به المثل في انحراف مية عنه ومخالفة قلبها وهواها لقلبه وهواه. ويروى: ومن هو عندي في الظباء السوانح. وانظر: ابن يعيش ٩/ ١٠٢، وشرح السيرافي ٤/ ٢٣٢، والمفصل للزمخشري/ ٣٤٧، وانظر ديوان ذي الرمة/ ٦٦٤، مما نسب إليه.
[ ١ / ٤٣٢ ]
وقال الآخر:
إِذَا ما الخُبْزُ تَأدُمهُ بِلَحْمٍ فَذَاكَ أَمَانةَ اللِه الثَرِيدُ١
أراد: وأمانة الله. ووالله، فلما حذف أعمل الفعل المضمر، ولكنه لا يضمر ما يتعدى بحرف جر. وتقول: أي اللَه لأفعلنّ، ومنهم مَن يقول: أي اللَه لأفعلنَ فيحرك أي بالفتح لالتقاء الساكنين، ومنهم من يدعها على سكونها، ولا يحذفونها لأن الساكن الذي بعدها/ ٥١٦ مدغم. والضرب الثاني: وهو إضمار حرفِ الجر وهو قول بعضِ العرب: الله لأفعلن.
قال سيبويه: جازَ حيثُ كثر في كلامهم فحذفوه تخفيفًا كما حذف رُبَّ قال: وحذفوا الواو كما حذفوا اللامين من قولهم: لاه أبوك، حذفوا لام الإِضافة واللام الأخرى ليخفوا الحرف على اللسان وذلك ينوون قال: وقال بعضهم: لهي أبوك فقلب العين وجعل اللام ساكنة إذا صارت مكان العين كما كانت العين ساكنة وتركوا آخر الاسم مفتوحًا كما تركوا آخر "أين" مفتوحًا وإنما فعلوا ذلك به لكثرته في كلامهم، فغيروا إعرابه كما غيروه٢.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ٢/ ١٤٤، على نصب أمانة بإضمار فعل، ويقال: وضعه النحويون. تأدمه: تخلطه. ولم يعرف قائل هذا البيت، وقد روى رفع الأمانة على الابتداء محذوف الخبر، وانظر: شرح السيرافي ٣/ ٢٢٥، والمفصل للزمخشري/ ٣٤٨، وابن يعيش ٩/ ١٠٢. ٢ انظر: الكتاب ٢/ ١٤٤-١٤٥.
[ ١ / ٤٣٣ ]
واعلم: أنه يجيء كلام عامل بعضه في بعض: إما مبتدأ وخبر وإما فعل وفاعل، ومعنى ذلك القسم فالمبتدأ والخبر قولك: لعَمَر الله لأفعلن/ ٥١٦ وبعض العرب يقول: وأيمُن الكعبة وأيمُ الله فقولك: لعَمَرَ الله اللام: لام الابتداء وعمر الله: مرفوع بالابتداء. والخبر محذوف كأنه قال: لعَمَر الله المقسم به وكذلك: أيم الله. وأيمن. وتقول: العرب: عليّ عهد الله لأفعلن. فعهد مرتفعة وعليّ مستقر لها، وفيها معنى اليمين وزعم يونس: أن ألف أيم موصولة وحكوا: أيم وإيم وفتحوا الألف كما فتحوا الألف التي في الرجل وكذلك أيمن قال الشاعر:
فَقَالَ فَرِيقُ اَلْقومِ لمَّا نَشَدتُهم نَعَمْ وفريقٌ ليَمنُ اللِه ما نَدري١
وأما الفعل والفاعل فقولهم: يعلمُ الله لأفعلن وعلمَ الله لأفعلنَ فإعرابه كإعراب: يذهبُ زيد والمعنى: واللِه لأفعلن. قال سيبويه: وسمعنا فصحاءَ العربِ يقولون في بيت امرئ القيس:
فَقُلْتُ يَمِينَ اللِه أبرح قَاعِدًَا ولو قَطَّعُوا رَأسي لَدَيْكِ وأوصالي٢
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ٢/ ١٤٧، و٢/ ٢٧٣، على حذف الوصل من "أيمن". ونشدتهم: سألتهم. وصف أنه تعرض لزيارة من يحب فجعل ينشد ذودا من الإبل ضلت له مخافة أن ينكر عليه مجيئه وإلمامه. وبين البصريين والكوفيين خلاف في كلمة "أيمن" وهل هي مفردة أو جمع؟ وقد عقد ابن الأنباري في الإنصاف مسألة لهذا الخلاف/ ٢٤٦-٢٤٩. والبيت كما نسبه الأعلم لنصيب. وانظر: المقتضب ١/ ٢٢٨ و٢/ ٩٠، وشرح السيرافي ٤/ ٢٣٤، وشرح ابن يعيش ٩/ ٩٢، والهمع ٢/ ٤٠، والدرر اللوامع ٢/ ٤٤. ٢ من شواهد سيبويه ٢/ ١٤٧ على رفع "يمين الله" بالابتداء وحذف الخبر. وروى: يمين الله مرفوعا كذلك. فالرفع على الابتداء والخبر محذوف. وأما النصب فعلى أن أصله: أحلف بيمين الله، فلما حذف الباء وصل فعل القسم إليه بنفسه، ثم حذف فعل القسم وبقي منصوبا. والأوصال: المفاصل. وقيل مجتمع العظام. المفرد مفصل -بكسر الواو وضمها- كل عظم لا ينكسر ولا يختلط بغيره. وانظر: معاني القرآن ٢/ ٥٤، والمقتضب ٢/ ٣٢٦، ورواه المبرد: ولو ضربوا رأسي. والخصائص ٢/ ٢٨٤. وشرح السيرافي ٤/ ٢٣٤، والديوان وفيه القصيدة ١٠٥.
[ ١ / ٤٣٤ ]
قال: جعلوه بمنزلة أيمن الكعبةِ، وأَيم الله١، وقالوا: / ٥١٨ تتلقى اليمين بأربعة أحرف من جوابات الأيمان في القرآن وفي الكلام، مَا ولا وإن واللامُ فأما: ما فتقول: واللِه ما قامَ. وما يقوم وما زيد قائمًا. ولا تدخل اللام على "ما" لأن اللامَ تحقيق وما نفي فلا يجتمعان. قال وقول الشاعر:
لما أغفلت شُكركَ فاصْطَنِعْنِي فَكَيْفَ ومِنْ عَطائِكَ جُلُّ مالي٢
فإنه توهم الذي والصلة. وأما: لا، فتقول: والله لا يقوم. وتلغي "لا" من بين أخواتها جوابات الأيمان فتقول: واللِه أقوم إليكَ أبدًا تريد: لا أقوم إليكم أبدًا. فإذا قلت: واللِه لا قمت إليك أبدًا تريد: أقوم جاز وإن أردت: المضي كان خطأ فأما "إن" فقولك: واللِه إن زيدًا في الدار، وإنكَ لقائم وقوله ﷿: ﴿حم؟، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ ٣ قال الكسائي: إنا أنزلنا استئناف/ ٥١٩ وحم والكتابُ كأنه قال: حق والله. وقال الفراء: قد يكون جوابًا.
وأما اللام فتدخل على المبتدأ والخبر. فتقول: واللِه لزيد في الدارِ، هذه
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ٢/ ١٤٧. ٢ الشاهد فيه: دخول لام الابتداء على "ما" النافية حملا لها في اللفظ على "ما" الموصولة الواقعة مبتدأ. فهو محمول في اللفظ على نحو قولك: لم تصنعه حسن. ولم يعرف قائل هذا البيت. وانظر: المغني ٢/ ٨٥٧، وكتاب منازل الحروف للرماني/ ٥١، تحقيق الدكتور مصطفى جواد. ٣ الدخان: ١-٣.
[ ١ / ٤٣٥ ]
التي تدخل على المبتدأ والخبر. وأما التي تدخل على الأفعال: فإن كان الفعل ماضيًا قلت: والله لقد فعلَ وكذلك: واللِه لفيكَ رغبت.
وأما اللام التي تدخلُ على المستقبلِ فإن النونينِ: الخفيفةَ والثقيلةَ يجيئان معها نحو: والله ليقومنَّ ولتقومَنْ يا هذا ولهما باب يذكران فيه.
[ ١ / ٤٣٦ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: وحياتي ثم حياتك لأفعلنّ فثم: بمنزلة الواو وتقول: واللِه ثم اللِه لأفعلن وبالله ثُم اللِه لأفعلن. وإن شئت قلتَ: واللَه لآتينكَ ثم الله لأضربنكَ، وإن شئت قلت: واللِه لآتينكَ لأضربنكَ.
قال سيبويه: وهذه الواو بمنزلة الواو التي في/ ٥٢٠ قولك: مررتُ بزيدٍ وعمروٍ خارج١، يعني أن الواو في قولك: وعمرو خارج عطفتَ جملةً على جملة كأنك قلت: باللِه لآتينكَ. الله لأضربنكَ مبتدأ ثم عطفت هذا الكلام على هذا الكلام، فإذا لم تقطع جررت قلت: وإلا لآتينكَ، ثم واللِه لأضربنكَ صارت بمنزلة قولك: مررت بزيدٍ ثم بعمروٍ وإن قلت: واللِه لآتينكَ ثم لأضربنك الله، لم يكن إلا النصبُ لأنه ضم الفعل إلى الفعل، ثم جاء بالقسم على حدته٢. وإذا قلت: واللِه لآتينكَ ثم اللِه، فإنما أحد الاسمين مضموم إلى الآخر وإن كان قد أخر أحدهما ولا يجوز في هذا إلا الجر لأن الآخر معلق بالأول لأنه ليس بعده محلوف عليه.
قال سيبويه: ولو قالَ: وحقِّكَ وحقِّ زيدٍ، على وجهِ الغلطِ والنسيانِ جازَ٣، يريدُ بذلكَ أنهُ لا يجوز لغير٤ كساه/ ٥١٢ من عري٥ وسقاه من
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ٢/ ١٤٦. ٢ في الكتاب ٢/ ١٤٦: ثم جاء بالقسم له على حدته ولم يحمله على الأول. ٣ انظر: الكتاب ٢/ ١٤٦. ٤ هنا: ساقط من الكتاب. ٥ ساقط قبل هذا الكلام. وانظر: الكتاب ٢/ ٣٠٨.
[ ١ / ٤٣٦ ]
العيمة، فهذا يبن أنها في هذا الموضع حرف لأنهم أجمعوا على أن "من" حرف وعن أيضًا لفظة مشتركة للاسم والحرف.
قال أبو العباس: إذا قال قائل: على زيدٍ نزلت وعن زيدٍ أخذت١، فهما حرفان يعرف ذلك ضرورة لأنهما أوصلا الفعل إلى زيد كما تقول: بزيدٍ مررت. وفي الدار نزلت وإليكَ جئت، فهذا مذهب الحروف وإذا قلت: جئت من عن يمينهِ، فعن اسم ومعناها ناحية، وبنيت لمضارعتها الحروف. وأما الموضع الذي هي فيه اسم فقولهم: مَن عن يمينكَ لأن "من" لا تعمل إلا في الأسماء. قال الشاعر:
فَقُلْتُ اجْعَلِي ضَوْءَ الفَرَاقِدِ كُلَّها يَمِينًا ومهوى النَّجْمِ مِن عَن شِمَالِكَ٢
وأما كاف التشبيه فقولك: أنت كزيدٍ ومعناها معنى/ ٥٢٢: مثل، وسيبويه يذهب إلى أنها حرف٣. وكذلك البصريون، ويستدلون على أنه حرف بقولك: جاءني الذي كزيدٍ كما تقول: جاءني الذي في الدارِ ولو قلتَ: جاءني الذي مثل زيدٍ لم يصلح إلا أن تقول: الذي هو مثل زيدٍ، حتى يكون لهذا الخبر ابتداء ويكون راجعًا في الصلة إلى الذي فإن أضمرته: جاز على قبح وإذا قلت: جاءني الذي كزيدٍ لم تحتج إلى هو، ومما يدلك على أنها حرف مجيئها زائدة. والأسماء لا تقعَ موقعَ الزوائدِ، إنما تزاد الحروف، قالَ
_________________
(١) ١ قال المبرد في المقتضب ١/ ٤٦. وقد يكون اللفظ واحدا ويدل على اسم وفعل، نحو قولك: زيد على الجبل يا فتى، وزيد علا الجبل، فيكون "على" فعلا ويكون حرفا خافضا والمعنى قريب. ٢ الشاهد فيه: أن "عن" اسم لدخول حرف الجر عليها إذ إن حرف الجر لا يدخل على مثله. والبيت لذي الرمة بن غيلان. وانظر: أسرار العربية لابن الأنباري/ ١٠٢، وشروح سقط الزند ٢/ ٥٣٩، والديوان/ ٤٢٩. ٣ انظر: الكتاب ٢/ ٣٠٤، قال: وكاف الجر التي تجيء للتشبيه وذلك قولك: أنت كزيد، بينما يرى المبرد: أنها بمعنى مثل، قال في المقتضب ٤/ ١٤٠: وأما الكاف الزائدة فمعناها: التشبيه، نحو: عبد الله كزيد، وإنما معناه مثل زيد.
[ ١ / ٤٣٧ ]
الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١. فالكاف زائدة لأنه لم يثبت له مثلًا ﵎ عن ذلك والمعنى: ليس مثله شيء. وقد جاءت في الشعر واقعةً موقع مثل موضوعةً موضعها قال الشاعر:
وَصَالِيَاتٍ كَكَما يُؤْثَفَيْن١ أراد كمثل ما
وقال الآخر:
فصيروا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأكُول٣
_________________
(١) ١ الشورى: ١١ "وفي البحر المحيط ٧/ ٥١٠" تقول العرب: مثلك لا يفعل كذا يريدون به المخاطب، كأنهم إذا نفوا الوصف عن مثل الشخص كان نفيا عن الشخص وهو من باب المبالغة.. فجرت الآية في ذلك على نهج كلام العرب من إطلاق المثل على نفس الشيء. وانظر المغني ١/ ١٥٣ وسر صناعة الإعراب: ١/ ٢٩١-٢٩٢. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ١٣ في باب ما يحتمل الشعر. وفي ١/ ٢٠٣ على أن الكاف اسم بمعنى مثل. و٢/ ٣٣١ على بقاء الهمزة في المضارع للضرورة. والصاليات: أراد بها الأثافي. لأنها صليت بالنار، أي: أحرقت حتى اسودت، والأثافي: جمع أثفية وهي الحجارة التي ينصب عليها القدر. والمعنى: لم يبق من هذه الديار التي خلت من أهلها غير رماد القدر، وغير حجارة القدر. وقال البغدادي: هو من بحر السريع. وربما حسب من لا يعرف العروض أنه من الرجز وهو لخصام المجاشعي. وانظر: المقتضب ٤/ ٩٧، وشرح السيرافي ١/ ٢٦٠، والخصائص ٢/ ٣٦٨ والموجز لابن السراج/ ٥٨، والمحتسب ١/ ١٨٦، والتصريف للمازني ٢/ ١٨٤. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ٢٠٣، على أن الكاف بمعنى "مثل" قال الأعلم: وجاز الجمع بين "مثل" والكاف جوازا حسنا لاختلاف لفظهما مع ما قصده من المبالغة في التشبيه ولو كرر المثل لم يحسن. وقيل: إن الكاف فيه زائدة، فكأنه قال: فصيروا مثل عصف مأكول. والعصف: بقل الزرع أو الزرع الذي أكل حبه وبقي نبته. ونسب إلى حميد الأرقط وإلى رؤبة بن العجاج وهو في ديوانه مما نسب إليه، وقبله: ولعبت طير بهم أبابيل فصيروا مثل كعصف مأكول وانظر: المقتضب ٤/ ١٤١، وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٩٦، وشرح الكافية للرضي ٢/ ٣١٩، وديوان رؤبة/ ١٨١.
[ ١ / ٤٣٨ ]
فإضافته مثل إلى الكاف يدل على أنه قدرها اسمًا. وهذا إنما جاءَ على ضرورة الشاعر.
وذكر سيبويه: أنه لا يجوز الإِضمار معها إذا قلت: أنت كزيدٍ، لم يجز أن تكني عن زيدٍ. استغنوا بمثل وشبه فتقول: أنتَ مثلُ زيدٍ وقال: مثل ذلك في حتى ومذ.
وقال أبو العباس: فأما الكاف وحتى فقد خولف فيهما قال: وهذا حَسن والكاف أشد تمكنًا فأما امتناعهم من الكاف ومذ وحتى فلعلةٍ واحدة. يقولون: كل شيء من هذه الحروف غير متمكن في بابه لأن الكاف تكون اسمًا وتكون حرفًا فلا تضيفها إلى المضمر مع قلة تمكنها وضعف المضمر إلا أن يضطر شاعر. ومنذ تكون اسمًا/ ٥٢٤ وتكون حرفًا. وحتى تكون عاطفة وتكون جارة، فلم تعط نصيبها كاملًا في أحد البابين وقال: الكاف معناها معنى مثل، فبذلك حكم أنها اسم لأن الأسماء إنما عرفت بمعانيها، وأنت إذا قلت: زيد كعمروٍ أو زيد مثل عمروٍ فالمعنى واحد فهذا باب المعنى. قال: وأما اللفظ فقد قيل في الكلام والأشعار ما يوجب لها أنها اسم. قال الأعشى:
أَتَنْتَهُونَ ولَنْ يَنهَى ذَوِي شَططٍ كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فيه الزَّيْتُ والفتل٢
_________________
(١) ١ انظر: الكتاب ١/ ٢٠٣. ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٢٠٣ وهو مخصوص بالضرورة قال: إلا أن ناسا من العرب إذا اضطروا في الشعر جعلوها بمنزلة: مثل، والكاف يجيء اسما في الاختيار عند ابن جني قال في سر صناعة الإعراب: فأما قوله: ولن ينهى ذوي شطط كالطعن، فلو حملته على إقامة الصفة مقام الموصوف لكان أقبح. لأن الكاف في بيت الأعشى هي الفاعلة في المعنى. والفاعل لا يكون إلا اسما صريحا محضا وهم على إمحاضه اسما محافظة من جميع الأسماء. والشطط. الجور والظلم. والفتل: جمع فتيلة، أراد: الحراجة. والمعنى: لا ينهى أصحاب الجور مثل طعن نافذ إلى الجوف يغيب فيه الزيت والفتل. وانظر: المقتضب ٤/ ١٤١، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٨٥، وشرح السيرافي ١/ ٧٢، والحيوان للجاحظ ٣/ ٤٦٦، وروايته: لا تنتهون. والكامل/ ٤٤، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٢٩، والخصائص ٢/ ٣٨٦، والغيث المنسجم ١/ ٥٢، والديوان/ ٥٨.
[ ١ / ٤٣٩ ]
فالكاف هي الفاعلة، فإن قال قائل: إنما هي نعتُ، قيل له: إنما يخلف الاسم ويقوم مقامه ما كان اسمًا مثله نحو: جاءني عاقل ومررت بظريف، وليس بالحسن١.
انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني -إن شاء الله-.
_________________
(١) ١ هنا ينتهي الجزء الأول: ويلاحظ أن سقطا لا يعرف مقداره بعدد الصفحات.
[ ١ / ٤٤٠ ]
فهرس:
مقدمة ٥
ابن السراج ٩
أخلاقه ومكانته العلمية ١١
أساتذته ١٢
تلاميذه ١٣
وفاته ١٥
آثاره ١٦
مذهب ابن السراج النحوي ٢٠
كتاب الأصول ٢١
منهج ابن السراج ٢٢
تأثره بمن سبقه ٢٤
المسائل التي تفرد بها ابن السراج ٢٥
زمن تأليف كتاب الأصول ٢٨
تسمية الكتاب ٢٨
منهج التحقيق ٢٩
نسخ الكتاب ٣٢
الكلام ٣٦
شرح الاسم ٣٦
[ ١ / ٤٤١ ]
الحروف ٣٧
شرح الفعل ٣٨
شرح الحرف ٤٠
باب مواقع الحروف ٤٢
ذكر ما يدخله من هذه الثلاثة وما لا يتغير منها ٤٣
باب الإعراب والمعرب والبناء والمبني ٤٥
ذكر العوامل من الكلم الثلاثة: الاسم والفعل والحرف ٥١
تفسير الأول: وهو الاسم ٥٢
تفسير الثاني: وهو الفعل ٥٤
تفسير الثالث: وهو العامل من الحروف ٥٤
القسم الثاني من الحروف ٥٥
القسم الثالث من الحروف ٥٥
ذكر الأسماء المرتفعة ٥٨
شرح الأول: وهو المبتدأ ٥٨
شرح الثاني: وهو خبر المبتدأ ٦٢
شرح الثالث من الأسماء المرتفعة. وهو الفاعل ٧٢
شرح الرابع من الأسماء المرتفعة: وهو المفعول الذي
لم يسم من فعل به ٧٦
شرح الخامس: وهو المشبه بالفاعل في اللفظ ٨١
ذكر الفعل الذي لا يتصرف ٩٨
مسائل من فعل التعجب ٩٨
باب نعم وبئس ١١١
مسائل من نعم وبئس ١١٧
باب الأسماء التي عملت عمل الفعل ١٢٢
شرح الأول: وهو اسم الفاعل والمفعول ١٢٢
مسائل من هذا الباب ١٢٥
[ ١ / ٤٤٢ ]
شرح الثاني: وهو الصفة المشبهة باسم الفاعل ١٣٠
مسائل من باب الصفة المشبهة ١٣٢
شرح الثالث: وهو المصدر ١٣٧
شرح الرابع: وهو ما كان من الأسماء التي سموا الفعل بها ١٤١
مسائل من باب أسماء الفعل ١٤٣
ذكر المعرفة: المكنى، والمبهم، والعلم، والمنقول، والأسماء المشتقة ١٤٨
ذكر الأسماء المنصوبات ١٥٨
شرح الأول: وهو المفعول المطلق ١٥٩
مسائل من باب المفعول المطلق ١٦٢
شرح الثاني: وهو المفعول به ١٦٩
مسائل من باب المفعول به ١٧٢
باب الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين ١٧٧
مسائل من باب الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين ١٨٢
باب الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة مفعولين ١٨٧
مسائل من باب الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة مفعولين ١٨٨
شرح الثالث: وهو المفعول فيه ١٩٠
مسائل من باب المفعول فيه ١٩٤
ذكر المكان ١٩٧
مسائل من باب الظروف ٢٠١
شرح الرابع من المنصوبات: وهو المفعول له ٢٠٦
شرح الخامس: وهو المفعول معه ٢٠٩
القسم الثاني من الضرب الأول من المنصوبات وهو المشبه بالمفعول ٢١٢
ذكر ما كان المنصوب فيه هو المرفوع في المعنى ٢١٣
ذكر ما شبه بالمفعول والعامل فيه فعل حقيقي ٢١٣
مسائل من هذا الباب ٢١٦
باب التمييز ٢٢٢
مسائل من باب التمييز ٢٢٥
[ ١ / ٤٤٣ ]
الضرب الثاني: مما يكون المنصوب فيه هو المرفوع في المعنى ٢٢٨
الضرب الثالث: الذي العامل فيه حرف جامد غير متصرف ٢٢٩
مسائل من باب الحروف المشبهة بالفعل ٢٤٤
باب كسر ألف إن وفتحها ٢٦٢
ذكر أن المفتوحة ٢٦٥
ذكر المواضع التي تقع فيها أن وإن المفتوحة والمكسورة ٢٧٠
مسائل في فتح ألف إن وكسرها ٢٧٣
ذكر ما يكون المنصوب فيه في اللفظ غير المرفوع
والمنصوب بعض المرفوع وهو المستثنى ٢٨١
هذا باب ما جاء من الكلم في معنى إلا ٢٨٤
باب الاستثناء المنقطع من الأول ٢٩٠
مسائل من باب الاستثناء ٢٩٥
باب تمييز المقادير ٣٠٧
باب تمييز الأعداد ٣١١
باب كم ٣١٥
مسائل من أبواب الأعداد والمقادير وكم ٣٢١
ذكر الاسم المضموم والمفتوح اللذين يضارعان المعرب ٣٢٨
باب النداء ٣٢٩
شرح الاسم المنادى المضاف ٣٤٠
باب ما خص به النداء من تغيير بناء الاسم المنادى والزيادة
في آخره والحذف فيه ٣٤٧
باب اللام التي تدخل في النداء للاستغاثة والتعجب ٣٥١
باب الندبة ٣٥٥
باب الترخيم ٣٥٩
باب مضارع للنداء ٣٦٧
مسائل من باب النداء ٣٦٨
[ ١ / ٤٤٤ ]
باب النفي بلا ٣٧٩
ذكر الأسماء المنفية في هذا الباب ٣٨٢
باب ما يثبت فيه التنوين والنون من الأسماء المنفية ٣٨٧
باب ما إذا دخلت عليه "لا" لم تغيره عن حاله ٣٩٢
باب لا النافية إذا دخلت عليها ألف الاستفهام ٣٩٦
باب تصرف "لا" ٤٠٠
مسائل من باب "لا" ٤٠٢
ذكر الجر والأسماء المجرورة ٤٠٨
ذكر حروف الجر ٤٠٨
باب "رب" ٤١٦
مسائل من باب "رب" ٤٢١
باب حتى ٤٢٤
مسائل من باب حتى ٤٢٧
باب الأسماء المخفوضة في القسم ٤٣٠
مسائل من باب حروف الخفض ٤٣٦
[ ١ / ٤٤٥ ]