المجرور بالإضافة
مدخل
المجرور * بالإِضافة:
القسم الثاني من الأسماء المجرورة من القسمة الأولى وهو المجرورة بالإِضافة:
الإِضافة على ضربين: إضافة محضة، وإضافة غيرُ محضة.
والإِضافة المحضة تنقسم إلى قسمين: إضافة اسم إلى اسم غيرِه بمعنى اللام وإضافةِ اسم إلى اسم هو بعضُه بمعنى "من".
أما التي بمعنى اللام فتكون في الأسماء والظروف. فالاسم نحو قولِك: غلامُ زيدٍ ومالُ عمرٍو وعبدُ بكرٍ وضَرْبُ خالدٍ وكل الدراهمِ، والنكرة إذا أُضيفت إلى المعرفة صارت معرفةً نحو: غلام زيدٍ ودار الخليفةِ والنكرة تُضاف إلى النكرة وتكون نكرةً نحو: راكب حمارٍ فأما مثل وغير وسوى فإنهن إذا أُضفن إلى المعارف لم يتعرفن لأنهن لم يُخصِّصن شيئًا بعينه.
وأما الظروف فنحو: خَلْفَ، وقُدامَ، ووراءَ، وفوقَ، وما أشبهه، تقول: هو وراءك وفوق البيت وتحت السماء وعلى الأرض.
الإِضافةُ المحضةُ لا تجتمع مع الألف واللام، ولا تجتمع أيضًا الإِضافةُ والتنوينُ ولا يجتمع الألفُ واللامُ والتنوينُ.
الثاني: المضاف بمعنى "من" وذلك قولك: هذا بابُ ساجٍ وثوبُ خَزٍّ وكساءُ صوبٍ وماءُ بحرٍ، بمعنى: هذا بابٌ من ساجٍ وكساءٌ من صوفٍ.
_________________
(١) * هذه الزيادة من كتاب الموجز للمصنف نفسه.
[ ٢ / ٥ ]
الضرب الثاني: الإِضافة التي ليست بمحضة. الأسماء التي أُضيفتْ إليها إضافةً غير محضة أربعة أضرب:
الأول: اسم الفاعل إذا أضفته وأنت تريد التنوينَ نحو: هذا ضاربُ زيدٍ غدًا وهو بمعنى يضرب.
والثاني: الصفةُ الجاري إعرابُها على ما قبلها، وهي في المعنى لما أُضيفتْ إليه، نحو: مررت برجلٍ حسنِ الوجهِ المعنى: حسنٌ وجهُه.
شرح الثالث١: وهو إِضافة أفعلِ إلى ما هو بعضٌ له:
إذا قلت: "زيدٌ أفضل القوم" فقد أضفته إلى جماعة هو أحدهم، تزيد صفته على صفتهم وجميعهم مشتركون في الصفة، تقول: عبد الله أفضل العشيرة، فهو أحد العشيرة وهمْ٢ شركاءُ في الفضل والمفضل من بينهم يزيدُ فضلُه على فضلهم، ويَدُلُّك على أنه لا بد من أن يكون أحد ما أضيف إليه أنك لو قلت: زيد أفضل الحجارة لم يجز، فإن قلت: الباقون أفضل الحجارة، صلُحَ، وأفضل هذه لا تثنى ولا تجمعُ ولا تؤنثُ وهي "أفضل" التي إذا٣ لم تضفها صَحِبَتْها "منك" تقول: فلان خيرٌ منك، وأحسنُ منكَ.
وقد اختلف الناس في الاحتجاج لتركيب اِفعلَ في هذا الباب وجمعِه وتأنيثِه، فقال بعضهم: لأن تأويل هذا يرجع إلى المصدر، كأنه إذا قال: قومك أفضل أصحابنا قد قال: فضلُ قومِك يزيدُ على فضلِ سائِر أصحابنا، وإذا قلت: هو أفضلُ العشيرة فالمعنى أنَّ فضلَه يزيدُ على فضلِ كل واحدٍ من العشيرة وكذلك إذا قلت: زيدٌ أفضلُ منك، فمعناه: فضلُهُ يزيدُ على فضلك٤ فجعلنا موضعَ: يزيدُ فضله، أفضل، تضمن معنى
_________________
(١) ١ هذه بداية نسخة تركيا المرقمة "١٠٧٧" وفيها سقط كما يبدو من هذا العنوان. ٢ في الأصل "وهما". ٣ في الأصل "يمنعها". ٤ في الأصل "فضله".
[ ٢ / ٦ ]
المصدرِ والفعلِ جميعًا وأضفناه إلى القوم وما أشبههم، وفيهم أعداد المفضولين؛ لأنك كنت تذكر الفضلَ مرتين، إذا أظهرت "يزيدُ" فتجعل فضلًا زائدًا على فضل زائدٍ، فصار الذي جمع هذا المعنى مضافًا وقال آخرون: "أفعل" إنما لم يثن ولم يجمع ولم يؤنث لأنه مضارع للبعض الذي يقع للتذكير والتأنيث والتثنية والجمع بلفظ واحد١، وقال الكوفيون -وهو رأيُ الفراءِ- أنه إنما وُحِّد أفعلُ، هذا لأنه أُضيفَ إلى نفسه، فجرى مجرى الفعلِ، وجرى المخفوضُ مجرى ما يُضَمَّنُ في الفعل، فكما لا يثنى ولا يُجمع الفعلُ فكذا لا يثنى هذا ولا يجمع.
قال أبو بكر: وأشبه هذه الاحتجاجات عندي بالصواب الاحتجاجُ الأول، والذي أقوله في ذا أن "أفعلُ" في المعنى لم يثن ولم يجمع لأن التثنيةَ والجمعَ إنما تلحق الأسماءَ التي تنفرد بالمعاني "وأفعلُ" اسم مركب يدل على فعلٍ وغيرِه فلم يجز تثنيته وجمعه، كما لم يجز تثنية الفعل ولا جمعه لما كان مركبًا يدل على معنى وزمان، وإنما فعلت العرب هذا اختصارًا للكلام وإيجازًا، واستغناءً بقليل اللفظ الدال على كثير من المعاني، ولا يجوز تأنيثه لأنك إذا قلت: هندُ أفضل منكَ، فكان المعنى هندُ يزيد فضلُها على فضلكَ٢، فكان أفعلُ ينتظم معنى الفعلِ والمصدرِ، والمصدرُ مذكر، فلا طريق إلى تأنيثه وإنما وقع "أفعل" صفةً من حيثُ وقع "فاعل" لأن فاعل في معنى "يفعل" وقد فسر أبو العباسِ معنى "منكَ" إذا قلت: زيد أفضل من عمرٍو، أنه ابتداءُ فضلِه في الزيادة من عمرٍو، وقد تقدم هذا في ذكرنا معنى "مِن" ومواضِعها من الكلام، فقولُك٣: زيدٌ أفضلُ "منكَ" وزيد أفضلكما،
_________________
(١) ١ قال المبرد: تقول: هذا أفضل من زيد، وهذه أفضل من زيد، فيكون "أفعل" للمؤنث والمذكر والاثنين والجمع على لفظ واحد. انظر المقتضب ١/ ١٢٨. ٢ في الأصل "فضله". ٣ قال المبرد: ولا يضاف "أفعل" إلى شيء إلا وهو بعضه، كقولك: الخليفة أفضل بني هاشم. المقتضب ٣/ ٣٨.
[ ٢ / ٧ ]
في المعنى سواء، إلا أنك إذا أتيت "بمنك" فزيدٌ منفصلٌ ممن فضلته عليه، وإذا أَضفتَ فزيدٌ بعض ممن فضلته عليه١، فإن أردت "بأفعلَ" معنى فاعل ثنيتَ وجمعتَ، وأنَّثت فقلت: زيدٌ أفضلُكم، والزيدانِ أفضلاكم، والزيدونُ أفضلوكم وأفاضلكُم وهند فُضلاكم، والهندانِ فُضلياكم والهنداتُ فُضلياتِكم وفضلُكم، وإذا قلت: زيد الأفضل، استغنى عن "من" والإِضافة وعلم أنه قد بانَ بالفضل، فهو عند بعضهم إذا أُضيف على معنى "من" نكرةٌ وهو مذهبُ الكوفيين وإذا أُضيف على معنى اللام معرفةٌ، وفي قول البصريين هو معرفةٌ بالإِضافة على كل حال إلا أنْ يضاف إلى نكرة.
الرابع: ما كان حقه أن يكون صفة للأول:
فإنْ يكُ من الصفة وأُضيفَ إلى الاسم وذلك نحو: صلاة الأولى، ومسجدُ الجامعِ، فمن قال هذا فقد أزال الكلام عن جهته؛ لأن معناه النعت وحده الصلاةُ الأولى والمسجدُ الجامعُ، ومن أضاف فجواز إضافتهِ على إرادة: هذه صلاةُ الساعةِ الأولى وهذا مسجدُ الوقتِ الجامعِ أو اليومِ الجامعِ، وهو قبيحٌ بإقامته النعتَ مقام المنعوت، ولو أراد به نعت الصلاة والمسجد كانت الإِضافة إليهما مستحيلة لأنك لا تضيف الشيء إلى نفسه لا تقولُ: هذا زيدٌ العاقلِ، والعاقلُ هو زيدٌ، وهذا قول أبي العباس، ﵀.
وسئل عن قولهم: جاءني زيدٌ نفسُه، ورأيت القومَ كلَّهم، وعن قول الناس: بابُ الحديدِ ودارُ الآخرةِ، وحقُّ اليقينِ وأشباه ذلك فقال: ليس من هذا شيء أضيف إلا قد جُعلَ الأول من الثاني بمنزلة الأجنبي، فإضافته راجعة إلى معنى اللام، ومن فأنت قد تقول: له نفسٌ وله حقيقةٌ والكل عقيب البعض فهو منسوب إلى ما يتضمنه الشيء فقد صار الاجتماعُ فيه
_________________
(١) ١ انظر المقتضب ١/ ٤٤.
[ ٢ / ٨ ]
كالتبعيض؛ لأنه محيط بذلك البعضِ الذي كان منسوبًا إليه، ألا ترى أنك لو قلتَ: اخترت من العشرةِ ثلاثةً، لكانت إضافةُ ثلاثةٍ إلى العشرة بعضًا صحيحًا فقلتَ: أضفتُ بعضَها، فإذا أخذتها كلَّها فالكل إنما هو محيط بالأجزاء المتبعضة وكل جزء منه ما كانت إضافته إلى العشرة جائزة، فصار الكل الذي يجمعها إضافته إلى العشرة؛ لأنه اسم لجميع أجزائها، كما جاز أن يضاف كل جزء منها إليها، فقيل له: أفلسنا نرجُع إلى أنه إذا اجتمعت الأجزاء صار الشيء المجزئ هو كل الأجزاء وصار الشيء هو الكل، والكل هو الشيء، فقال: لا؛ لأن الكل منفردًا لا يؤدي عن الشيء كما أن البعضَ منفردًا لا يؤدي عن المبعض دون إضافته إليه، فكذلك الكلُّ الذي جمع التبعيض وليس الكل هو الشيء المجزئ إنما الكل اسم لأجزائه جميعًا المضافة إليه، فصار هو بأنه اسمٌ لكل جزءٍ منها في الحكم بمنزلتها في إضافتها إلى المجزئ.
قال أبو بكر: وهذا القول الذي قالهُ حَسنٌ، ألا ترى أنك لا تقول: رأيتُ زيدًا كلهُ، ولا توقع الكلَّ إلا على ما كان يجوز فيه التبعيض، وسُئل عن قولهم: دار الآخرة لِمَ لَمْ نقل الآخر؟ فقال: لأن أول الأوقات الساعة، فأكثر ما يجوز في هذا التأنيث كقولهم، ذات مرةٍ، ولو جرى بالتذكير كانَ وجهًا، فما جرى منه بالتأنيث حمل على الساعة ألا ترى أنه يسمى يوم القيامة الساعة لأن الساعةَ أولُ الأوقاتِ كلِّها، وأما النفس فهي بمنزلة حقيقة الشيء، وكذلك عينه أما أسماؤه الموضوعة عليه الفاصلة بينه وبين خبرِهِ فلا يجوز إضافة شيء منها إلى شيء ألا ترى أن رجلًا اسمه وهو شاب أو شيخ لا يجوز أن تقول: زيد الشابِ فتضيف، ولا زيد الشيخ، ولا شيخُ زيدٍ، ولا شابُّ زيد؟ فقيل له: وقد رأينا العلماءَ إذا لُقبَ الرجلُ بلقبٍ ثم ذكر لقبه مع اسمه، جاز أن تضيف اسمه إلى لقبه، كقولك: زيد رأسٍ، وثابتُ قطنة ولا تجد بين ثابت وقطنة، إذا كان قد عُرفا فرقًا؟ فقال: اللقب مما يشتهر به الاسم حتى يكون هو الأعرفُ، ويكون اسمه لو ذكر على أفراده مجهولًا، فصار اللقب علمًا، والاسم مجرورًا إليه كالمقطوع عن المسمى؛ لأن الملقب إنما
[ ٢ / ٩ ]
يراد بلقبه طرح اسمه، وقد كانت تسميتهم أن يسمى الشيء بالاسم المضاف إلى شيء كقولك: عبدُ الدارِ، وعبدُ اللهِ فجعلوا الاسم مع لقبه بمنزلة ما أضيف ثم سمي به، وكان اللقب أولى بأن يضاف الاسم إليه؛ لأنه صار أعرف من الاسم وأصل الإِضافة تعريف كقولك: جاءني غلام زيدٍ فالغلام يتعربُ بزيد فلذلك جعل الاسم مضافًا إلى اللقب.
ومن الإِضافة التي ليست بمحضة إضافة أسماء الزمان إلى الأفعال والجمل، ونحن نفرد بابًا لذلك إن شاء الله.
[ ٢ / ١٠ ]
باب إضافة الأسماء إلى الأفعال والجمل:
اعلم: أن حق الأسماء أن تضاف إلى الأسماء، وأن الأصل والقياس أن لا يضاف اسم إلى فعل، ولا فعل إلى اسم، ولكن العرب اتسعت في بعض ذلك فخصت أسماء الزمان بالإِضافة إلى الأفعال؛ لأن الزمان مضارعٌ للفعل؛ لأن الفعل له بنى، فصارت إضافة الزمان إليه كإضافته إلى مصدره لما فيه من الدليل عليهما١، وذلك قولهم: أتيتكُ يوم قام زيدٌ، وأتيتُك يوم يقعدُ عمرو، فإذا أضفت إلى فعل معرب، فإعراب الاسم عندي هو الحسنَ، تقول: هذا يوم يقومُ زيد٢، وقوم يفتحون "اليوم"، وإذا أضفته إلى فعل مبني جاز إعرابه وبناؤه على الفتح، وأن يُبنى مع المبني أحسنُ عندي من أن يُبنى مع المعرب، وهذا سنعيد ذكره في موضع ذكر الأسماء المبنية إن شاء الله.
وقال الكوفيون: تُضاف الأوقات إلى الأفعال وإلى كل كلام تم وتفتح في موضع الرفعِ٣ والخفض والنصب، فتقول: أعجبني يومَ يقومُ، ويوم قمتُ، ويوم زيدٌ قائمٌ، وساعةَ قمت، ويجوز عندهم أن يعرب إذا جعلته بمنزلة إذ وإذا كأنك إذا قلت: يوم قامَ زيدٌ، إذا قام زيد، وإذا قلت: يوم
_________________
(١) ١ هذه المسألة ذكرها السيوطي في الأشباه والنظائر ٢/ ٨٧ عن ابن السراج في الأصول. ٢ في سيبويه ١/ ٤٦٠ "هذا يوم يقوم زيد، وآتيك يوم يقوم ذاك". وانظر المقتضب ٣/ ١٧٧. ٣ انظر: ارتشاف الضرب/ ٢٧٨.
[ ٢ / ١١ ]
يقوم زيد قلت: إذا يقوم، ولك أن تضيف أسماء الزمان إلى المبتدأ وخبره، كقولك: أتيتكَ زمنَ زيدٌ أميرٌ١، كما تقول: إذا زيد أميرٌ، والأوقات التي يجوز أن يفعل فيها هذا ما كان حينًا وزمانًا، يكون في الدهر كله لا يختص منه به شيءٌ، دون شيء كقولك: أتيتك حين قام زيد، وزمن قامَ، ويوم قام، وساعة قام، وعامَ وليلة وأزمان وليالي قام، وأيام قام، ويفتح في الموقتات كقولك: شهر قامَ وسنة قام وقالوا: لا يضاف في هذا الباب شيء له عدد مثل يومين، وجمعه، ولا صباحَ ولا مساءَ، وأما ذو تسلم٢ وآية يفعل، فقال أبو العباس: هذا من الشواذ، قالوا: أفعلُه بذي تسْلم، وآية يقوم زيد، فأما آية فهي علامة والعلامة تقع بالفعل وبالاسم، وإنما هي إشارة إلى الشيء فجعله لك علمًا لتوقَع فعلك بوقوعه، وأما بذي تسْلم فإنه اسم لم يكن إلا مضافًا فاحتمل أن يدخل على الأفعال، والتأويل: بذي سلامتُكَ، وفيه معنى الذي فصرفه إلى الفعل، وليس بقياس عليه.
قال أبو بكر: وللسائل في هذا الباب أن يقول: إذا قلت: آتيكَ يوم تقوم فإنها بمعنى، يوم قيامك فلِمَ لا تنصب الفعل بإضمار "أنْ" كما فعل باللام فإن الإِضافة إنما هي في الأسماء، فالجواب في ذلك أنَّ أنْ لا تصلح في هذا الموضع، لو قلت: أجيئك يوم أن يقوم زيد لم يجز؛ لأن هذا موضع يتعاقب المبتدأ والخبر والفاعل فيه، ويحسن أن يقع موقع اسم إذ وإذا وجميع ذلك لا يصلح مع "أنْ" وليس كل موضع يقع فيه المصدر تصلح فيه "أنْ" ألا ترى أنك إذا قلت: ضربًا زيدًا لم يقع هذا الموضع "أنْ تضرب".
وحكى الكوفيون: أن العرب تضيف إلى "أنّ وأنْ" فتقول: أعجبني يوم أنّكَ محسنٌ ويوم أن تقوم، ومن أجاز هذا فينبغي أن يجيز: يوم يقوم:
_________________
(١) ١ قال المبرد ٣/ ١٧٧: "تقول: جئتك يوم زيد أمير، وأتيتك يوم قام زيد". ٢ في سيبويه ١/ ٤٦١: "ومما يضاف أيضًا إلى الفعل قوله: لا أفعل بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلمان، ولا أفعل بذي تسلمون. المعنى: لا أفعل بسلامته، وذو مضافة إلى الفعل".
[ ٢ / ١٢ ]
فينصب، ولا يجوز أن يبنى اليوم لأنه قد أضافه إضافة صحيحة، وأظن أن الفراء كان ربما أجازه وربما لم يجزه، أعني أنْ يعرب "يومَ" أو يبنيه وكان يقيسه على قوله:
هل غير أنْ كثر الأشد وأهلكت حربُ الملوكِ أكاثر الأقوام١
_________________
(١) ١ استشهد العروضيون بهذا البيت على الخرم بعد الوقص، وروي: غير أن كثر. انظر المعيار في أوزان الأشعار/ ٥١، والبارع لابن القطاع الصقلي/ ٨.
[ ٢ / ١٣ ]
مسائل من هذه الأبواب:
تقول: "هذا معطي زيد أمس الدراهم" بعد الإِضافة أضفتَ "الدراهمَ" قال أبو العباس: وليس كذلك لأنك أعملت فيها "معطي" هذه التي ذكرنا، ولكن جاءت الدراهم بعد الإِضافة فحملت في النصب على المعنى، لأنك ذكرت اسمًا يدل على فعل ولا موضع لما بعده إذا كان قد استغنى بالتعريف فحملته على المعنى الذي دل عليه ما قبله، وكذلك لو قلت: هذا ضاربُ زيدٍ أمسِ وعمرًا، لجاز والوجه الجر؛ لأنهما شريكان في الإِضافة، ولكن الحمل على المعنى يحسن إذا تراخى ما بين الجار والمجرور، ومن ذلك حمل على جعل الليل سكنًا قول الله ﷿: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ ١ لأن الاسم دل على ذلك، ولو قال قائل: "مررت بزيد وعمرو" لجاز لأن "بزيدٍ" مفعول والواصل إليه الفعل بحرف في المعنى كالذي يصل إليه الفعل بذاته، لأن قولكَ: "مررت بزيدٍ" معناه أتيت زيدًا إلا أن الجر الوجه للشركة.
_________________
(١) ١ الأنعام: ٩٦ وقراءة: "وجاعل" من السبعة أيضًا في النشر٢/ ٣٦، قرأ الكوفيون "وجعل" بفتح العين من غير ألف وبنصب اللام من الليل، وقرأ الباقون بالألف وكسر العين ورفع اللام وخفض "الليل". وانظر: الإتحاف/ ٢١٤، والبحر المحيط ٤/ ١٨٦.
[ ٢ / ١٣ ]
وقولك: خشنت بصدره، وصدر زيد، وهو إذا نصبت في هذا الموضع أحسن من قولك: مررتُ بزيدٍ وعمرٍو، لأن قولك: "خشنت" يجوز فيه حذف الباء ولا يجوز في: "مررتُ بزيدٍ" حذفها.
وتقول: "عبد اللهِ الضاربُ زيدًا" جميع النحويين على أن هذا في تقدير: الذي ضرب زيدًا، ولم يجيزوا الإِضافة، وزعم الفراء: أنه جائز في القياس على أن يكون بتأويل: "الذي هو ضارب زيدٍ" وكذا حكم: "زيدٌ الحَسنُ الوجهِ" عنده أن يكون تأويله، الذي هو حسن الوجه، وقد ذكرنا أصول هذا وحقائقه فيما تقدم، وتقول عبد الله الحسنُ وجهًا، ولا يجوز: الحسنُ وجهٍ لأنه يخالف سائر الإِضافات، وأما أهل الكوفة فيجوز في القياس عندهم إلا أنهم يقولون: "الوجهُ" مفسرٌ وإذا دخل في الأول ألف ولام دخل في مفسره عندهم، ومن قولهم: خاصة العشرون الدرهم والخمسة الدراهم والمائة الدرهم ولا يجوزُّ هذا البصريون١؛ لأنه نقض لأصول الإِضافة، والبصريون يقولون: خمسةُ الدراهم، ومائة الدرهم فيدخلون الألف واللام في الثاني، ويكون الأول معرفًا به على سبيل الإِضافة ويقولون: العشرون درهمًا والخمسةَ عشر درهمًا، فيدخلون الألف واللام في الأول فيكون معرفًا، يقرون الثاني على حده في النكرة.
وقيل لأبي العباس ﵀: ألستم تقولون: عبد الله الضاربهُ، والضاربك والضاربي فتجمعون على أن موضع الكاف والهاء خفض؟ قال: بلى، قيل له: فهذا يوجبُ الضاربُ زيدٍ، لأن المكنى على حد الظاهر، ومن قولك أنت خاصة: إن كل من عمل في المظهر، جائز أن يعمل في المضمر، وكذلك ما عمل في المضمر جائز أن يعمل في المظهر، فقال: نحو قول سيبويه: إن هذه الحروف يعني حروف الإِضمار قلَّتْ وصارت بمنزلة التنوين؛ لأنها على حرف، كما أن التنوين حرف، فاستخفوا أن يضيفوا إليها الفاعل، لأنها تصير في الاسم
_________________
(١) ١ انظر الإنصاف/ ١٧٦-١٧٧ "شرح هذه المسألة ابن الأنباري".
[ ٢ / ١٤ ]
كبعض حروفه، وحكَى لي عنه بعدُ أنه قال: "الضاربَهُ" "الهاء" في موضع نصب؛ لأن لا تنوين ههنا، تعاقبه الهاء والضارباه "الهاء" في موضع خفض فإذا أردت النصب أثبت النون بناء على الظاهر، وبه اختلف الناس في المضمر فأما الظاهر فلا أعلم أحدًا يجيزه الخفض إلا الفراء وحكى لنا عنه أنه قال: وليس منْ كلام العرب، إنما هو قياس، ويقول: أعجبني يوم قام زيدٌ ويوم قيامِكَ، نسقت بإضافة محضة على إضافة غير محضة، فإن قلت: أعجبني يوم قمته فرددت إلى "يومٍ" ضميرًا في "قامَ" لم تجز الإِضافة قال الله ﷿: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ١، والمضافُ إلى غير محضٍ لا يؤكد ولا ينعت. ومن الكوفيين من يجيز تأكيده.
وقال الأخفش: في قول العرب: اذهبْ بذي تَسلم وإنما هو اذهب لسلامتِكَ٢ أي: اذهب وأنت سالم، كما تقول: قام بحمقة وقام بغصة وخرج بطلعته أي خرج وهو هكذا وهذا في موضع حال، قال: وإن شئت قلت: معناه معنى سلمكَ اللهُ وجاء في لفظ ما لا يستغنى وحده، ألا ترى أنك [تقول] ٣: زيد بسلامته، كما تقول: زيد سلمهُ اللهُ ولا تقول: إنك بذي تَسلم وتقول: إنك مسلمك الله إلا أن تدعو له فإن دعوت لم يحسن حتى تجيء له بخبر لأن لا بد لها من خبر وقد خرج مسلمك الله من أن يكون خبرًا وقال: تقول: هذه تمرة قريثاء يا هذا، وإن شئت قلت: كريثاء وهما لغتان وتمرتا كريثاء، إذا أردت الإِضافة وهاتان تمرتان قريثاء٤ إذا أردت النعت، وهذه تمرة دقلة وتمرتان دقلتان إذا نعت وتمرتا دقل إذا أضفت، وتقول: هذه تمرة إذاذة، وتمرتان إذاذتان، وتمرتا إذاذ، قال: وليس شيء من الأجناس يثنى ويجمع إذا وصف به إلا التمر.
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٨١. ٢ في سيبويه ١/ ٤٦١: "قوله: لا أفعل بذي تسلم.. المعنى: لا أفعل بسلامتك". ٣ زيادة يقتضيها السياق. ٤ قريثاء وكريثاء: نوع من التمر الأسود، وهو أطيب تمر بسرًا.
[ ٢ / ١٥ ]
قال أبو بكر: والذي عندي أن كل جنس اختلف ضروبه جاز أن يثنى ويجمع إذا أردت ضربين منه أو أكثر، وتقول: هذا رجلٌ حَسنُ وجه الأخ جميلهُ، فتضمنُ الوجهَ لأنك قد ذكرته وتقول هذانِ رجلان حسنا الوجوهِ جميلاها١ تضيف "الجميلين" إلى الوجوه، وإنما قلت: جميلاها فأنثت؛ لأن الوجوه مؤنثة، وتقول: هذا رجلٌ أحمرُ الجاريةِ لا أسودها، فقلت: أحمر وإنما الحمرةُ للجارية لأنك تُجري التأنيث والتذكير على الأول وعطِفت الأسود على الأحمر وأضفت الأسود إلى الجارية كما أضفت الأحمرَ إليها، وتقول: هذانِ رجلانِ أحمرا الجارية لا أسوداها، وهولاء رجال حمرُ الجواري لا سودُها تجعل التثنية والجمع والتأنيث والتذكير على الأول، وتقول: هذا رجلٌ أبيضُ بطنِ الراحة، لا أسوَدُه وإنما قلت: لا أسوده لأن البطنَ مذكرٌ وتقول: هذان رجلان أبيضا بطون الراح لا أسوداها وإنما قلت: الراحُ لأنه جمع جماعة الراحة، وقلت: بطونُ لأن كل شيئين من شيئين فهو جماعةٌ وتقول هؤلاء رجالٌ حمر بطون الراح لا سودها وأجاز الأخفش: هذان أخواك أبيضُ بطوح الراح لا أسوديها، وقال: لأن أخويكَ معرفة وأبيض بطون الراح نكرةٌ، وقال: تقول: هذه جاريتُك بيضاءَ بطن الراحة لا سوداءهُ، لأنك أضفت إلى البطن وهو مذكر ونصبت بيضاء وسوداء لأنه نكرةٌ وهؤلاء رجال بيض بطون الراح لا سودها، لأن هذا نكرةٌ وصف بنكرةٍ وتقول: هذا رجل أحمر شرك النعلين إذ جعلت الشراكين من النعلين وإن شئت لم تجعلهما من النعلين، فقلت: هذا رجل أحمر شراكي النعلين، وتقول: هاتان حمراوا الشراك لا صفراواها وإن شئت: حمراوا الشراكين لا صفراواهما وتقول: مررتُ بنعلك المقطوعتي إحدى الأذنين ومررت برجل مقطوع إحدى الأذنين ولا تقول: مررت برجلينِ مقطوعي إحدى الآذان لأن "إحدى" لا تثنى ولا تجمع وتقول: مررت برجل مكسور إحدى الجانبين ولا تقولُ: مررتُ برجلينِ مكسوري أحد الجنوب لأنه يلزمك أن تثني
_________________
(١) ١ في الأصل "جميلاه" وهو خطأ.
[ ٢ / ١٦ ]
"أحدًا" لأن جنب كل واحدٍ منهما مكسور، ولا يجوز تثنية أحدٍ ولا إحدى، لأن موضع أحدٍ، وإحدى من الكلام في الإِيجاب أن يدلا على أن معهما غيرهما ألا ترى أنك إذا قلت: إحداهما أو أحدهم فليس يكون إلا مضافًا لا بد من أن يكون معه غيره فلو ثنيت زال هذا المعنى وكذلك "كِلا وكلتا" لا يجوز أن يثنى ولا يجمع لأنهما يدلان على اثنين فلو ثنيا لزال ما وضعا له ولو قلت: مررتُ برجلين مكسوري أحد الجنوب، وأنت تريد أن أحدهما مكسور الجنب جاز على قبح؛ لأن تأويله: مررتُ برجلينِ مكسور أحد جنوبهما.
قال الأخفش: ولو قلت: أي النعال المقطوعة إحدى الآذان نعلك وواحدة منهن المقطوعة إحدى الأذنين لجاز على قبحه وقال: ألا ترى أنك لو قلت: ضربت أحد رءوس القوم وإنما ضربت رأسًا واحدا لكان كلامًا ولو قلت: قطعتُ إحدى آذان هؤلاء القوم وإنما قطعت أذنًا واحدة لجاز وتقول: هذا رجلٌ لا أحمر الرأس فأقول: أحمره ولا أسوده فأقول: أسود ومررت برجلينِ لا أحمري الرءوس فأقول: أحمراهُما ولا أسوديهما فأقول: أسوداها ومررتُ برجالٍ لا حمرُ الرءوسِ فأقول: حُمرها ولا سودها فأقول: سودها ومررت بامرأةٍ لا حمراء الرأس فأقول: حمراوة ولا سوداية، فأقول: سودايةً، ونصبت "أقول" في كل هذا لأنها بالفاء وهو جواب النفي ورفعت ما بعد القول؛ لأن ما بعد القول لا يقع إلا مرفوعًا وعطفت قولًا وما بعده على الذي قبله وكذلك: مررت بامرأتين لا حمراوي الرءوس فأقول: حمراواهما ولا سوداويهما، فأقول: سوداواها وتقول: هذه امرأة أحمر ما بين عينيها لا أسود، ترفعُ "بين" إذا جعلت "ما" لغوًا، لأنك جعلت الصفة "للبين" فرفعته بها، كما ترفع بالفعل.
وقلت: أسود ولم تصف لأنك لم تضف الأول، وكذلك تقول: هاتان امرأتان أحمر ما بينَ عينيهما لا أسود، فإن جعلت "ما" بمنزلة "الذي" ولم تجعلها زائدة وجعلتها في موضع رفع فرفعتهما بأحمر، نصبت البينَ لأنه
[ ٢ / ١٧ ]
ظرفٌ فإن أضفت أحمر ونقلت إلى العينين قلت إذا، جعلت "ما" لغوًا قلت١: هذه امرأةٌ حمراءُ ما بينَ العينين لا سودائه، وهذا رجل أحمرُ ما بينَ العينين لا أصفره لما أضفت أحمر إلى ما بين، وأضفت أصفر إلى ضميره وتقول: هذان رجلان أحمرا ما بينَ الأعين لا أصفراه وهؤلاء رجال حمرُ ما بينَ الأعين لا صفره إذا ألغيت "ما" فإن جعلت "ما" بمنزلة "الذي" جعلتها في موضع جر وأضفت إليها الصفة، وجعلت "بين" ظرفًا "لما" فقلت: هاتان امرأتان حمراوا ما بينَ الأعين لا صفراواه، فهذه الهاء التي في قولك: لا صفراواه "لما" فكأنك قلت: هاتان امرأتانِ حمراوا الذي بين الأعينِ.
واعلم أنه من قال: مررت برجلٍ حسنٍ الوجهَ، [قال: مررت برجل أحمرَ الوجهُ] ٢؛ لأن أحمر لا ينصرف ومن قال: مررت برجل حسن الوجه جميله لم يجد بدًّا من أن يضيف جميلًا إلى مررت برجل حسن الوجه جميله لم يجد بدًّا من أن يضيف جميلًا إلى ضمير الوجه فكذلك: مررت برجل أحمر الوجه لا أصفره لم يجد بدًّا من أن يضيف أصفر إلى ضمير الوجه وإذا أضافه انجر ويشبه هذا مررت برجل ضاربٍ أخاكَ لا شاتمِه لا تجد بدًّا من أن تقول: لا شاتمهِ لأنك تجيء بالاسم المفعول فإذا جئت بالاسم المفعول به في هذا الباب مضمرًا لم تكن الصفة إلا مضافة إليه نحو: هذان ضاربان غدًا فلذلك قلت: أصفره فصرفت "أصفر" لأنك أضفته ولم تجعله يعمل كعمل الأول، لأن المضمر والمظهر يختلفان في هذا الباب، ألا ترى أنك تقول: مررت بنسوةٍ ضوارب زيدًا لا قواتله تجر الآخر وتفتح ضوارب؛ لأنك أردت معنى التنوين، ويدلك على ذلك أنك تقول: مررت برجلين أحمرين الوجوه ولا أصفريها ولا يجوز بوجه من الوجوه أصفرنيها فإن قلت: لِمَ لا أقول: لا أصفرين لأن لَم أضف الأول فلا أضيف الآخر فلأن الأول قد وقع على شيء حين صار كالمفعول به، فلا بد من أن يكون
_________________
(١) ١ أظنها زائدة. ٢ أضفت هذه الجملة؛ لأن السياق يقتضيها.
[ ٢ / ١٨ ]
الثاني أيضًا له مفعولٌ. نجزت الأسماء المرفوعاتُ والمنصوباتُ والمجروراتُ، وسنذكر توابعها في إعرابها إن شاء الله.
[ ٢ / ١٩ ]
هذه توابع الأسماء في إعرابها
شرح الأول وهو التوكيد
هذه توابع الأسماء في إعرابها:
التوابع خمسة: التوكيد والنعت وعطف البيان والبدل والعطف بالحروف، وهذه الخمسة: أربعة تتبع بغير متوسط، والخامس وهو العطف لا يتبع إلا بتوسط حرف، فجميع هذه تجري على الثاني ما جرى على الأول من الرفع والنصب والخفضِ.
شرح الأول: وهو التوكيد.
التوكيد يجيء على ضربين، إما توكيد بتكرير الاسم، وإما أن يؤكد بما يحيط به.
الأول: وهو تكرير الاسم:
اعلم: أنه يجيء على ضربين، ضرب يعاد فيه الاسم بلفظه، وضرب يعاد معناه، فأما ما يعاد بلفظه فنحو قولك: رأيت زيدًا زيدًا، ولقيت عمرًا عمرًا، وهذا زيدٌ زيدٌ، ومررت بزيدٍ زيدٍ، وهذا الضرب يصلح في الأفعال والحروف والجمل وفي كل كلام تريد تأكيده، فأما الفعل فتقول: قام عمرو، قامَ، وقم قمْ، واجلس اجلسْ، قال الشاعر:
ألا فَاسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثَمَّتَ اسْلَمِي ثَلاثُ تَحيَّاتٍ وإنْ لم تكلَّمِي١
وأما الحروف فنحو قولك: في الدار زيدٌ قائمٌ فيها، فتعيد فيها
_________________
(١) ١ الشاهد فيه جواز تأكيد الجملة تأكيدًا لفظيًّا كما يجوز تأكيد المفرد كذلك، والجملة مستقبلة كما هو ظاهر. وتكلمي أصله: تتكلمي بتاءين فحذف إحداهما، ولم أعثر على قائل هذا البيت. وانظر: ابن يعيش ٣/ ٣٩، وشرح الحماسة ٣/ ١٣٧٤.
[ ٢ / ١٩ ]
"توكيدًا" وفيك زيدٌ راغِبٌ فيك، وقال الله ﷿: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ١، إلا أن الحرف إنما يكرر مع ما يتصل به لا سيما إذا كان عاملًا، وأما الجملُ فنحو قولك: قام عمرو قام عمرو، وزيدٌ منطلقٌ زيد منطلقٌ، والله أكبر الله أكبر، وكل كلام تريد تأكيده فلك أن تكرره بلفظه.
الثاني: الذي هو إعادة المعنى بلفظٍ آخر نحو قولك: مررتُ بزيدٍ نفسهِ، وبكم أنفسكم، وجاءني زيدٌ نفسُه، ورأيت زيدًا نفسَهُ، ومررت بهم أنفسِهم، فحق هذا أن يتكلم به المتكلم في عقب شك منه ومن مخاطبه فتقول: مررت بزيدٍ نفسِه كما تقول: مررت بزيدٍ لا أشك، ومررت بزيد حقًّا لتزيل الشك فإذا قلت: قمت نفسُك فهو ضعيف لأن النفس لم تتمكن في التأكيد؛ لأنها تكون اسمًا تقول: نزلتُ بنفس الجبلِ، وخرجت نفسه، وأخرج الله نفسه، فلما وصلتها الاسم المضمر في الفعل الذي قد صار كأحد حروفه فأسكنت له ما كان في الفعل متحركًا، ضعف ذلك من حيث ضعف العطف عليه. فإن أكدته ظهر ما يجوز أن تحمل النفس عليه فقلت: قمتَ أنتَ نفسُكَ وقاموا هم أنفسُهم فإن أتبعته منصوبًا أو مجرورًا حسنٌ؛ لأن المنصوب والمجرور لا يغيران الفعل تقول: رأيتكم أنفسكم ومررت بكم أنفسِكم ومررتُ بكم أنفسِكم وتقول: إن زيدًا قامَ هو نفسُه فتؤكد المضمر الفاعل المتصل بالمكنى المنفصل وتؤكد المكنى المنفصل بالنفس كالظاهر. والمضمر المتصل يؤكد بالمضمر المتصل وللمكنيات باب يذكر فيه، فإن قلت: إن زيدًا قامَ نفسُه فحملتَهُ على المنصوب جاز وكذلك: مررت بهِ نفسِه ورأيتُك نفسَك لأن المنصوب والمجرور المضمرين لا يغيرُ لهما الفعل.
_________________
(١) ١ هود: ١٠٨.
[ ٢ / ٢٠ ]
الضرب الثاني في التأكيد وهو ما يجيء للإِحاطة والعموم:
تقول: جاءني القومُ أجمعون، وجاءني القومُ كلهُم، وجاءوني أجمعون وكلهم، وإن المال لكَ أجمع أكتع، ترفع إذا أردت أن تؤكد ما في "لك" وإذا أردت أن تؤكد المال بعينه نصبت وكذلك: مررتُ بدارك جمعاء كتعاء أو مررت بنسائك جمع كتع١. ولا يجوز بزيدٍ أجمع، ولا بزيدٍ كله وإنما يجوز ذلك فيما جازت عليه التفرقة، وأجمعون وما تصرف منها، وكل إذا كانت مضافة إلى الضمير وجميعهن يجرين على كل مضمر إلا أجمعين لا تكون إلا تابعة، لا تقول: رأيت أجمعين ولا مررت بأجمعين، لا يجوز أن يلي رافعًا ولا ناصبًا ولا جارا فلما قويت في الإتباعِ تمكنت فيه، وصلح ذلك في "كُلٍّ" لأنها في معنى "أجمعين" في العموم وذلك قولك: إن قومك جاءوني أجمعون ومررت بكم أجمعين فمعناها العموم وذلك مخالف لمعنى نفسه وأنفسهم؛ لأن أنفسهم وأخواتها تثبت بعد الشك فإذا قلت: مررتُ بهم كلِّهم فهو بمنزلة "أجمعين" ومررت بهم جميعهم، وتقول: مررت بدارك كلها ولا تقول: مررت بزيدٍ كله ولو قلت: أخذت درهمًا أجمع لم يجزْ لأن درهمًا نكرة وأجمع معرفة٢ كما لا يجوز: مررت برجلٍ الظريف إلا على البَدلِ ولا يجوز البدل في "أجمعَ" لأنه لا يلي العوامل، ولكن يجوز: أخذت الدرهم أجمع وأكلت الرغيف كله.
فأما قولهم: مررت بالرجلِ كُلِّ الرجلِ، فقال أبو العباس: معناه: مررت بالرجل المستحقِّ لأن يكون الرجلَ الكاملَ لأنك [لا] ٣ تقول ذاك إلا وأنت تريد حزمه ونفاذه أو جبنه وشجاعتَهُ، وما أشبه ذلك، فإذا
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٥. ٢ قال المبرد في المقتضب ٣/ ٣٤٢، وأجمع لم يكن نكرة وإنما هو معرفة ونعت، فإذا سميت به صرفته في النكرة. ٣ أضفت كلمة "لا" لأن المعنى يحتاجها.
[ ٢ / ٢١ ]
[قلت] ١: مررت بالرجلِ كل الرجلِ، فهو كقولك: مررت بالعالمِ حقِّ العالمِ، ومررت بالظريف حقِّ الظريفِ، ولو قلت على هذا: مررت بزيدٍ كل الرجل لم يجز إلا ضعيفًا، لأن زيدًا اسم علم وليس فيه معنى تقريظ ولا تخسيس وكذلك: مررت برجلٍ كلِّ رجلٍ وبعالم حق عالمٍ وبتاجر خيرِ تاجرٍ فجميع هذا ثناء مؤكد وليس بنعت يخلص واحدًا من آخر ولو قلت: زيدٌ كلُّ الرجلِ فجعلته خبرًا صَلُحَ لأنه ليس بتأكيد لشيء ولكنه ثناءٌ خالص كما تقول: زيدٌ حقٌّ العالمِ وزيد عينُ العالم لأنك لو قلت: مررت بزيدٍ حَقِّ العالمِ لم يكن هذا موضعه وتقول: مررت بالرجلين كليهما ومررت بالمرأتين كلتيهما ولك أن تجري ثلاثتهم وأربعتَهم مجرى كلهم فتقول: مررت بهم ثلاثتهم ولك أن تنصب كما تنصب "وحدَهُ" في قولك: مررت برجلٍ وحدَهُ وكذلك المؤنث: مررت بهن ثلاثَتِهن وأربعَتهن ولك أن تقول: أتينني ثلاثتهن وأربعتهن نصبًا ورفعًا قال الأخفش: فإذا جاوزت العشرة لم يكن إلا مفتوحًا إلى العشرين، تقول للنساء: أتينني ثماني عشرهن وللرجال: أتوني ثمانية عشرهم وأما نصبكَ "وحدَهُ" فعلى المصدر كأنك قلت: أوحدَتُه إيحادًا فصار وحده كقولك: إيحادًا كأنك قلت: أفردتهُ إفرادًا وتقول: إنَّ المالَ لكَ أجمع أكتعُ إذا أردت أن تؤكد ما في "لكَ". وأما "كُلهم" فالأحسن أن تكون جامعين وقد يجوز أن تلي العوامل وتقول إن القومَ جاءوني كلهُم وكلهم: النصب إذا أكدت "القومَ" والرفع إذا أكدت الفاعلين المضمرين في "جاءوني" ويجوز أن تقول: إن قومَك كلهُم ذاهبٌ يحسن عند الخايل أن يكون مبتدأً بعد أن تذكر "قومَك" فيشبه التوكيد لأن التوكيد لا يكون إلا جاريًا على ما قبله ويجوز أيضًا قومكَ ضربت كلهم لهذه الإِضافة الواقعة في "كُلِّ" فصار معاقبًا "لبعضهم" كقولك: ضربتُ بعضهم وهو على ذلك ضعيف والصواب الجيد: قومك ضربتهم كلهم لأن المعنى معنى "أجمعينَ" في العموم والتأكيد فأما قوله عز
_________________
(١) ١ أضفت كلمة "قلت" لإيضاح المعنى.
[ ٢ / ٢٢ ]
وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ١ فالنصب على التوكيد للأمر، والرفع على قولك: إن الأمر جميعه لله٢.
واعلم: أنه لا يجوز أن تقول: مررت بقومِكَ إما بعضهم وإما أجمعينَ، وإما كلهُم وإما بعضهم لأن أجمعينَ لا تنفرد، ولكن تقول: إما بهم كلهم وإما بهم أجمعينَ فإن قلت: مررت بقومكَ إما كلهم وإما بعضهم جاز على قبحٍ فأما ما يؤكد به "أجمعون" من قولك: جاءني قومُكَ أجمعون أكتعونَ ونحوه فإنما هو مبالغة ولا يجوز أن يكون أكتعون قبل "أجمعين" وكذلك سائر هذه التوكيدات نحو قولك: ويلة وعولة وهو جائعُ نائعُ وعطشان نطشان وحسن بسن وقبيح شقيح وما أشبه هذا إلا يكون المؤكِّدُ قبل المؤكَّدِ وكلاهما وكلتاهما وكلهن يجرين مجرى "كلهم" فأما النكرة فلا يجوز أن تؤكدُ بنفسه ولا أجمعينَ ولا كلهم لأن هذه معارف فإن أكدت بتكرير اللفظ بعينه لم يمتنع أن تقول: رأيتُ رجلًا رجلًا وأصبتُ درةً درة فأما قولهم: "مررت برجلٍ كلِّ رجلٍ" فإنما هذا على المبالغة في المدح كأنك قلت: مررت برجلٍ كاملٍ.
_________________
(١) ١ آل عمران: ١٥٤. ٢ أي: على الابتداء.
[ ٢ / ٢٣ ]
الثاني من التوابع وهو النعتُ:
النعت ينقسم بأقسام المنعوتِ في معرفته ونكرتِه، فنعتُ المعرفةِ معرفةٌ، ونعت النكرةِ نكرةٌ والنعت يتبع المنعوت في رفعه ونصبه وخفضه، وأصل الصفة أن يقع للنكرةِ دون المعرفةِ، لأن المعرفةَ كان حقها أن تستغني بنفسها، وإنما عرض لها ضرب من التنكير فاحتيج إلى الصفة، فأما النكرات فهي المستحقة للصفات لتقرب من المعارف، وتقع بها حينئذٍ الفائدة، والصفة: كل ما فرق بين موصوفين مشتركين في اللفظ، وهي تنقسم على خمسة أقسام:
[ ٢ / ٢٣ ]
القسم الأول: حلية للموصوف تكون فيه أو في شيء من سببه.
الثاني: فعلٌ للموصوف يكون به فاعلًا هو أو شيء من سببهِ.
الثالث: وصفٌ ليس بعمل ولا بحليةٍ.
الرابع: وصفٌ ينسبُ إلى أبٍ أو بلدة أو صناعة أو ضرب من الضروبِ.
الخامس: الوصفُ "بذي" التي في معنى صاحبٍ لا بذو التي في معنى "الذي".
شرح الأول: وهو ما كان حلية للموصوف تكون فيه أو في شيء من سببه نحو الحلية:
نحو الزرقة والحمرةِ، والبياضِ والحول، والعور، والطول والقصر والحسنِ والقبح وما أشبهُ هذه الأشياء، تقول: مررت برجل أزرق وأحمرَ وطويل وقصير وأحول وأعور وبامرأة عوراء وطويلة زرقاء وبرجلٍ حَسَنٍ وبامرأة حسنَةٍ فجميعُ هذه الصفات قد فرقت لك بين الرجلِ الأزرق وغيره والأحمر وغيره والرفع والنصب مثل الخفضِ، والرجل والجمل والحجرُ في الوصف سواء إذا وصفتهنَّ بما هو حليةٌ لهن، فأما الموصوف بصفة ليست له في الحقيقة وإنما هي لشيء من سببه، وإنما جرت على الاسم الأول لأنها تفرق بينه وبين منْ له اسم مثل اسمِه، وذلك قولك: مررتُ برجلٍ حَسنٍ أبوهُ ومضيت إلى رجلٍ طويل أخوهُ وقد تقدم ذكر الصفة التي تجري على الموصوف في الإِعرابِ إذا كان لشيءٍ من سببه عورض بها وقلنا: إنه إنما يجري على الاسم منها ما كان مشبهًا باسم الفاعل مما تدخله الألف واللام أو يثنى ويجمع بالواو والنون ويذكّر ويؤنث.
شرح الثاني من النعوت:
وهو ما كان فعلًا للموصوف يكون به فاعلًا أو متصلًا بشيءٍ من سببه وذلك نحو "قائمٍ" وقاعدٍ، وضاربٍ ونائمٍ، تقول: مررت برجلٍ قائمٍ،
[ ٢ / ٢٤ ]
وبرجلٍ نائمٍ، وبرجل ضاربٍ، وهذا رجلٌ قائمٌ ورأيت رجلًا قائمًا، فهذه صفة استحقها الموصوف بفعله، لأنه لما قام وجب أن يقالَ له: قائمٌ ولما ضَرَبَ، وجب أن يُقال له: ضاربٌ، وكذلك جميع أسماء الفاعلينَ على هذا، نحو: مكرم، ومستخرج، ومدحرج، كثرت حروفُه أو قلت ولهذا حَسُنَ أن توصف النكرة بالفعل فتقول: مررتُ برجلٍ ضَرب زيدًا وبرجلٍ قامَ وبرجلٍ يضربُ لأنه ما قيل له ضاربٌ إلا بعد أن ضَربَ أو يضربُ في ذلك الوقت أو يكون مقدرًا للضربِ لأن اسم الفاعل إنما١ يجري [مجرى] ٢ الفعل، فجميع هذا الذي ذكرت لك -من أسماء الفاعلين- يجري على الموصوفات التي قبلها فيفصل بين بعض المسميات وبعضٍ إذا أخلصتها نحو: مررتُ برجلٍ ضاربٍ وقاتلٍ ومكرمٍ ونائمٍ وكذلك إن كانت لما هو من سبب الأول نحو قولك: مررت برجلٍ ضاربٍ أبوه وبرجلٍ قائم أخوهُ ورأيت رجلًا ضاربًا أخوه عمرًا وهذا رجلٌ شاكر أخوه زيدًا ولك أن تحذف التنوين -وأنت تريده- من اسم وتضيف فتقول: مررت [برجل] ٣ ضاربِ زيدٍ غدًا، وبرجلِ قاتلِ بكرٍ الساعةَ، وقد بينت ذا فيما تقدم، وكذا إن كان الفعل متصلًا بشيءٍ من سبب الأول تقول: مررت برجلٍ ضاربٍ رجلًا أبوه وبرجلٍ مخالطِ بدنَه داءٌ ولك أن تحذف التنوين كما حذفت فيما قبله فتقول: مررت برجلٍ ضاربِ رجلٍ أبوهُ وبرجلِ مخالطِ بدنه داءٌ.
وحكى سيبويه عن بعض المتقدمين من النحويين أنه كان [لا] ٤ يجيز إلا النصب في: مررتُ برجلٍ مخالطٍ بدنه داءٌ فينصبون "مخالطَ" وردَّ هذا القول وقال: العمل الذي لم يقع والعمل والواقع الثابت في هذا الباب
_________________
(١) ١ في الأصل: "إما". ٢ أضفت كلمة "مجرى" لإيضاح المعنى. ٣ أضفت كلمة "رجل" لإيضاح المعنى. ٤ أضفت كلمة "لا" لأن المعنى يستقيم بها.
[ ٢ / ٢٥ ]
سواءٌ، قال: وناس من النحويين يفرقون بين التنوين وغير التنوين، ويفرقون إذا لم ينونوا بين العمل الثابتِ الذي ليس فيه علاجٌ يرونَهُ نحو الآخذِ واللازم والمخالطِ، وبين ما كان علاجًا نحو الضاربِ والكاسر فيجعلون هذا رفعًا على كل حال ويجعلون اللازم ما أشبههُ نصبًا إذا كان واقعًا فإن جعلت ملازمهُ وضاربه وما أشبه هذا لما مضى صار اسمًا ولم يكن إلا رفعًا، تقول: مررتُ برجلٍ ضاربهُ زيدٌ أمسِ، وبرجلٍ ضارب أبيه عمرو أمس ورأيتُ رجلًا مخالطه داءٌ أمسِ١.
شرح الثالث: من النعوت وهو ما كان صفة غير عمل وتحلية:
وذلك نحو العقلِ والفهمِ، والعلم والحزنِ، والفرحِ، وما جرى هذا المجرى، تقول: مررتُ برجلٍ عالم وبرجل عاقلٍ ورجل عالمٍ أبوهُ، وبرجل ظريفةٍ جاريتُهُ فجميع هذه الصفات وما أشبهها وقاربها فحكمها حكمٌ واحدٌ، وقياسُها قياسُ ضاربٍ وقائمٍ في إعرابها إذا كانت متصرفةً كتصرفها.
شرح الرابع: وهو النسب:
إذا نسبت إلى أبٍ أو بلدةٍ أو صناعةٍ أو ضربٍ من الضروب جرى مجرى النعوت التي تقدم ذكرها، وذلك قولك: مررتُ برجلٍ هاشمي، وبرجلٍ عربيٍّ منسوب إلى الجنس وكذلك عجمي وبرجلٍ بزازٍ وعطارٍ، وسراج وجمّال ونجار فهذا منسوبٌ إلى الأمور التي تعالج وبرجلٍ بصري، ومصري، وكوفي وشامي فهذا منسوب إلى البلد وتقول: مررتُ برجلٍ دارعٍ ونابلٍ أي: صاحبُ درعٍ وصاحبُ نبلٍ، وكذلك برجلِ
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٢٢٦-٢٢٨.
[ ٢ / ٢٦ ]
فارسٍ، فجميع هذه الأشياءُ إنما صارت صفاتٍ بما لها من معنى الصفةِ، وسنبين النسب في بابه، فإنه حدٌّ من النحو كبير -إن شاء الله- فأما أبٌ وأخٌ وابنٌ وما جرى مجراهن، فصفاتٌ ليست منسوبة إلى شيءٍ، وهي أسماءٌ أوائل في أبوابها و[لا] ١، يجوز أن تنسب إليها كنسب هاشمي المنسوب إلى هاشم ولا كعطارِ المنسوب إلى العطرِ ولا دارع المنسوب للدرعِ.
شرح الخامس: وهو الوصفُ بذي:
وذلك نحو: مررتُ برجلٍ ذي إبلٍ وذي أدبٍ وذي عقل وذي مروءة، وما أشبه ذلك، ويفسر بأن معناه "صاحبٌ" ولا يكون إلا مضافًا ولا يجوز أن تضيفه إلى مضمر وإذا وصفت به نكرةً أضفته إلى نكرةٍ وإذا وصفت به معرفةً أَضَفْتَ إلى الألف واللام ولا يجوز أن تضيفه إلى زيدٍ وما أشبههُ وتقول للمؤنث "ذاتِ" تقول: مررتُ بامرأةٍ ذات جمالٍ وإذا ثنيت قلت: مررت برجلينِ ذوي مالٍ وهذان رجلانِ ذوا مالٍ وهاتانِ امرأتان ذواتا مالٍ وهؤلاء رجالٌ ذوو مالٍ ونساء ذوات مالٍ فأما "ذو" التي بمعنى "الذي" فهي لغةُ طيءٍ فحقها أن يوصفَ بها المعارف.
ذكر الصفات التي ليست بصفات محضة:
هذه الصفات التي ليست بصفات محضة في الوصف يجوز أن تبتدأ كما تبتدأ الأسماء، ويحسن ذلك فيها وهي التي لا تجري على الأول إذا كانت لشيءٍ من سببه، وهي تنقسم ثلاثة أقسام: مفردٍ، ومضافٍ، وموصولٍ.
فالأول: المفرد نحو قولك: مررتُ بثوبٍ سبعٍ، وقول العرب: أخذَ بنو فلانٍ من بني فلانٍ إبلًا مائةً. وقال الأعشى:
لئن كنتَ في جُبٍّ ثمانينَ قامةً ورقيتَ أسبابَ السماءِ بسلمِ٢
_________________
(١) ١ أضفت "لا" لإيضاح المعنى. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٢٣١ "أجرى فيه الثمانين على الجب نعتًا له؛ لأنها تنوب مناب طويل وعميق ونحوه، فكأنه قال: في جب بعيد القعر طويل، يقول هذا ليزيد بن مسهر الشيباني متوعدًا له بالهجاء والحرب، لا ينجيك مني بعدك وضرب رقيه في السماء وهويه تحت الأرض مثلًا، والأسباب الأبواب؛ لأنها تؤدي إلى ما بعدها، وكل ما أدى إلى غيره فهو سببه، وأصل، السبب الحبل؛ لأنه يوصل إلى الماء، ونحوه مما يبعد مرامه، وانظر: ابن يعيش ٢/ ٧٤.
[ ٢ / ٢٧ ]
ومررتُ بحيةٍ ذراعٍ، فإذا قلت: مررت بحيةٍ ذراعٌ طولها رفعت "الذراع" وجعلت ما بعد "حيةٍ" مبتدأً وخبرًا وكذلك مررت بثوب سبعٌ طوله، ومررت برجلٍ مائةٌ إبلُه.
قال سيبويه: وبعض العرب يجره كما يجر الخزَّ حين تقول: مررت برجلِ خَزٍّ صُفَتُه١، وهو قليل: كما تقول: مررت برجل أسد أبوهُ، إذا كنت تريد أن تجعله شديدًا ومررت برجلٍ مثل الأسد أبوهُ إذا كنت تشبهه فإن قلت: مررت بدابةٍ أسدٌ أبوها، فهو رفعٌ لأنك إنما تخبر أن أباها هذا السبعُ قال: فإن قلت: مررت برجلٍ أسدٌ أبوهُ على هذا المعنى رفعت لأنك لا تجعل أباه خلقته كخلقة الأسد ولا صورته هذا لا يكون ولكنه يجيء كالمثل ومن قال: مررتُ برجلٍ أسدٌ أبوهُ قال: مررت برجلٍ مائةٌ إبلُه وزعم يونس: أنه لم يسمعهُ من ثقةٍ٢ ولكنهم يقولون: هو نارٌ جُمْرة لأنهم قد يبنون الأسماء على المبتدأ ولا يصفون بها فالرفع فيما كان بهذه الحال الوجه قال: ومن قال: مررتُ برجلٍ سواءٍ والعدمُ كان قبيحًا حتى تقول: هو والعدمُ لأن في "سواءٍ" اسمًا مضمرًا مرفوعًا، كما تقول: مررتُ بقومٍ عربٍ أجمعونَ، فارتفع "أجمعونَ" على مضمرٍ في "عَربٍ"٣ في النيةِ، فالعدم هنا معطوف على المضمر الثاني المضاف وذلك قولهم: مررتُ برجلٍ أي رجلٍ، وبرجلٍ أيما رجلٍ، وبرجل أبي عشرةٍ، وبرجلٍ كُلِّ
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٢٣٠-٢٣١. ٢ انظر الكتاب ١/ ٢٣١. ٣ انظر الكتاب ١/ ٢٣٢.
[ ٢ / ٢٨ ]
رجلٍ، وبرجل مثلِكَ، وغيرك وبرجلٍ أفضلَ رجلٍ وما أشبههُ، فجميع هذا يجري على الموصوف في إعرابه في رفعه ونصبه وجره إذا أخلصتها له فإن جعلت شيئًا من هذه الصفات رافعًا لشيء من سببه لم يجز أن تصف به الأول، ولا تجريه عليه، ورفعته فقلت: مررت برجلٍ أبو عشرةٍ أبوه وبرجلٍ أفضلَ رجلٍ أبوه وبرجلِ مثلكَ أخوهُ وبرجل غيركَ صاحبُه، وكلُّ ما ورد عليك من هذا النحو فقسهُ عليه.
الثالث: النعت الموصول المشبه بالمضاف:
وإنما أشبه المضاف لأنه غير مستعمل إلا مع صلته، وذلك نحو: أفضل منكَ وأب لكَ وأخ لكَ وصاحبٌ لكَ فجميع هذه لا يحسن أن تفردها من صلاتها لو قلت: مررت برجلٍ أبٍ وبرجلٍ أخٍ لك وبرجلٍ خيرٍ وبرجل شَرٍّ لم يجز حتى تقول: مررتْ برجلٍ أبٍ لك وبرجل أخٍ لك وبرجل خيرٍ منكَ فجميع هذه إذًا أخلصتها للموصوف ولم تعلقها بشيءٍ من سببه أجريتها على الأول فقلت: هذا رجلٌ خيرٌ منكَ وصاحبٌ لكَ وأبٌ لكَ ورأيت رجلًا خيرًا منكَ وأبًا لكَ ومررت برجلِ خيرٍ منكَ وأبٍ لكَ فإن علقتها بشيء من سببه رفعت وغلبت عليها الاسمية فقلت: مررت برجلٍ أبٍ لكَ أبوهُ وبرجلٍ صاحبٍ لكَ أخوه وبرجلٍ خير منه أبوه ترفع جميع هذا على الابتداء والخبر والجر لغة، وليست بالجيدة وتقول: ما رأيت رجلًا أبغضَ إليه الشرُّ منهُ إليه، وما رأيتُ آخر [أحسن] ١ في عينه الكحلُ منه في عين زيدٍ فإنما جرى: "أبغضُ وأحسنُ" على "رجلٍ" في إعرابه. وإن كان قد وقع بهما الشر والكحلَ، لأن الصفة في المعنى له، وليس هنا موصوفٌ غيره لأنه هو المبغضُ للشر وهو الحسنُ بالكحلِ فلهذا لم يشبه: مررت برجلٍ خيرٍ منهُ أبوهُ لأن أباه غيره وليس له في الخبر الذي
_________________
(١) ١ أضفت كلمة "أحسن" لإيضاح المعنى.
[ ٢ / ٢٩ ]
في "أبيهِ" نصيبٌ وقد تخفضُ العرب هذا الكلام فتقول: ما رأيتُ رجلًا أحسن في عينه الكحل من زيدٍ، وما رأيت أبغضَ إليه الشرُّ منهُ فإذا فعلوا هذا جعلوا الهاء التي كانت في "منهُ" للمذكرِ المضمرِ وكانت للكحلِ والشرِّ وما أشبههما، قال الشاعر:
مَرَرْتُ عَلَى وادي السِّبَاعِ ولا أَرَى كَوَادي السِّبَاعِ حِينَ يُظْلمُ وَادِيا
أقلَّ بهِ رَكْبٌ أَتَوْهُ تئيةً وأخوْفَ إلاّ ما وقى الله ساريا١
قال سيبويه: إنما أراد: أقلَّ به الركب تئيةً منهم ولكنه حذف ذلك استخافًا كما تقول: أنت أفضلُ، ولا تقولُ من أحدٍ، وتقول: الله أكبرُ، ومعناه: أكبر من كلِّ كبير وكلِّ شيءٍ. وكما تقول: لا مالَ ولا تقول لك٢.
واعلم: أن ما جرى نعتًا على النكرة فإنه منصوبٌ في المعرفة على الحال وذلك قولك: مررتُ بزيدٍ حسنًا أبوهُ ومررتُ بعبد الله ملازمكَ وما كان في النكرة رفعًا غير صفةٍ فهو في المعرفة رفعٌ فمن ذلك قولهُ ﷿: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ ٣ لأنك تقول: مررت برجلٍ سواءٌ محياهُ ومماتهُ وتقول: مررت بعبد الله خير منهُ أبوهُ، ومن أجرى هذا على الأول في
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٢٣٣ على قوله: "أقل به ركب" وحذفه تمام الكلام اختصارًا لعلم السامع والتقدير: أقل به ركب أتوه منهم بوادي السباع، فجرى في الحذف مجرى قولهم: الله أكبر، ومعناه الله أكبر من كل شيء. والبيتان لسحيم بن وثيل، يقول: وافيت هذا الوادي ليلًا وهو وادٍ بعينه فأوحشني لكثرة سباعه، فرحلت عنه ولم أمكث فيه لوحشته، والتئية: الثابت والماكث، ورفع الركب "بأقل" والمعنى: ولا أرى كوادي السباع واديًا أقل به الركب الآتوه تئية منهم بوادي السباع. وانظر منهج السالك/ ١٣٤، وارتشاف الضرب/ ٣٧٣، وشواهد الألفية للعاملي/ ٣٠٢، وشرح شواهد ابن عقيل/ ١٦٧. ٢ انظر الكتاب ١/ ٢٣٣. ٣ الجاثية: ٢١
[ ٢ / ٣٠ ]
النكرة نصبه هنا على الحال، فقال: مررت بعبدِ اللهِ خيرًا منهُ أبوهُ، وهي لغةٌ رديئةٌ١، وقد يكون حالًا ما لا يكون صفةً، لأن الحال زيادة في الخبر فأشبهت خبر المبتدأ الذي يجوزُ أن يكون صفةً ويجوز أن يكون اسمًا، والصفة ما كانت تفرق بين اسمين، والحال ليست تفرق بين اسمين، وقد يجوز أن يكون من اسم لا شريكَ له في لفظه ولكنها تفرق بين صاحبِ الفعل فاعلًا كان أو مفعولًا وبين نفسه في وقتهن فمما استعملوه حالًا ولم يجز أن يكون صفةً.
قولهم: مررتُ بزيد أسدًا شدة، قال سيبويه: إنما قال النحويون: مررتُ برجلٍ أسدًا شدةً وجرأةً، إنما يريدون: مثل الأسد وهذا ضعيفٌ قبيحٌ لأنه لم يجعل صفةً، إنما قاله النحويون تشبيهًا بقولهم: مررتُ بزيدٍ أسدًا شدةً، وقد يكون خبرًا ما لا يكون صفةً٢ واعلم أنهم ربما وصفوا بالمصدر نحو قولك: رجلٌ عدلٌ وعلم، فإذا فعلوا هذا فحقه أن لا يثنى ولا يجمع، ولا يذكّر ولا يؤنث والمعنى إنما هو ذو عَدلٍ فإن ثنى من هذا شيءٌ فإنما يشبه بالصفة إذا كثر الوصف به والنكرة توصف بالجمل وبالمبتدأ والخبر والفعل والفاعلِ، لأن كلَّ جملة فهي نكرةٌ، لأنها حديثٌ وإنما يحدث بما لا يعرف ليعيدهُ السامع فيقول: مررتُ برجلٍ أبوهُ منطلقٌ فرجل صفته مبتدأ وخبره وتقول: مررتْ برجلِ قائمٌ أبوهُ فهذا موصوف بفعل وفاعلٍ ولا يجوز أن تصف المعرفة بالجمل لأن الجملَ نكراتٌ والمعرفة لا توصف إلا بمعرفةٍ فإذا أردت ذلك أتيت "بالذي" فقلت: مررتُ بزيدٍ الذي أبوهُ قائمٌ، وبعمروٍ الذي قائمٌ أبوهُ.
ذكر وصف المعرفة:
وهو ينقسم بأقسام المعارف إلا المضمر فإنه لا يوصف به، وأقسام
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٢٣٣. ٢ انظر الكتاب ١/ ٢٣٣.
[ ٢ / ٣١ ]
الأسماء المعارف خمسةٌ، العلم الخاصُ والمضاف إلى المعرفةِ، والألف واللام، والأسماء المبهمةُ والإِضمار. فالموصوف منها أربعٌ:
الأول: وهو العلم الخاص: يوصف بثلاثة أشياء بالمضاف إلى مثله، وبالألف واللام نحو: مررتُ بزيدٍ أخيكَ والألف واللام نحو: مررتَ بزيدٍ الطويلِ وما أشبه هذا من الإِضافة والألف واللام. وأما المبهمة فنحو: مررتُ بزيدٍ هذا وبعمروٍ ذاكَ والمرفوع والمنصوب في أتباع الأول كالمجرورِ.
الثاني: المضاف إلى المعرفة يوصف بثلاثة أشياء، بما أضيف كإضافته، وبالألف واللام والأسماء المبهمةُ وذلك مررتُ بصاحبِكَ أخي زيدٍ ومررتُ بصاحبِكَ الطويلِ ومررتُ بصاحبِكَ هذا.
الثالث: الألف واللامُ: يوصف بالألف واللامِ، وربما أضيف إلى الألف واللامِ، لأنه بمنزلة الألف واللامِ وذلك قولكَ مررتُ بالجميلِ النبيلِ، ومررت بالرجلِ ذي المالِ.
الرابع: المبهمةُ: توصف بالأسماء التي فيها الألفُ واللامُ، والصفات التي فيها الألف واللامُ جميعًا.
قال سيبويه: وإنما وصفت بالأسماء١ لأنها والمبهمة كشيءٍ واحدٍ. والصفات التي فيها الألف واللام هي بمنزلة الأسماء في هذا الموضع وليست بمنزلة الصفاتِ في زيدٍ وعمروٍ، يعني أنك إذا قلت: هذا الطويل، فإنما تريد: الرجل الطويل أو الرمح الطويل أو ما أشبه ذلك، لأن هذا مبهم يصلح أن تشير به إلى كل ما بحضرتك فإذا ألبس على السامع فلم يدر إلى الرجل تشير أم إلى الرمح وجب أن تقول: بهذا الرجلِ أو بهذا الرمحِ فالمبهم يحتاج إلى أن يميز بالأجناسِ عند الإِلباس، فلهذا صار هو وصفتُه بمنزلة شيءٍ واحدٍ، وخالف
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٢٢١.
[ ٢ / ٣٢ ]
سائر الموصوفات؛ لأنها لم توصف بالأجناس، وإنما يجوز أن تقول بهذا الطويلِ، إذا لم يكن بحضرتكَ طويلانِ فيقع لبسٌ، فأما إذا كان شيئانِ طويلانِ لم يجز إلا أن تذكر الاسم قبل الصفة وهذا المعنى ذكره النحويون مجملًا وقد ذكرته مفصلًا واعلم أن صفة المعرفة لا تكون إلا معرفةً كما أن صفة النكرةِ لا تكون إلا نكرةً ولا يجوز أن تكون الصفةُ أخص من الموصوفِ ألا ترى أنك إذا قلت: مررتُ بزيدٍ الطويلِ فالطويلُ أعم من زيد وحدُه والأشياء الطوال كثيرة وزيدٌ وحدُه أخص من الطويل وحده فإن قال قائل: فكان ينبغي إذا وصفت الخاص بالعامِ أن تخرجه إلى العموم؟ قيلَ له: هذا كانَ يكونُ واجبًا لو ذكرَ الوصف وحدهُ، فقلت: مررتُ بالطويلِ لكانَ لَعمري أعم من زيدٍ ولكنك إذا قلت: بزيدِ الطويلِ كان مجموع ذلك أحسن من زيدٍ وحده ومن الطويل وحده ولهذا صارت الصفة والموصوف كالشيء الواحد.
واعلم: أنه لك أن تجمع الصفة وتفرق الموصوف إذا كانت الصفة محضة، ولم تكن اسما وصفت به مبهمًا. ولك أن تفرق الصفة وتجمع الموصوف في المعرفة والنكرة فتقول: مررتُ بزيدٍ وعمروٍ وبكرٍ الطوال تجمع النعت وتفرق المنعوت وتقول: مررتُ بالزيدينِ الراكبِ والجالسِ والضاحكِ فتجمع الاسم وتفرق الصفة، ولكن المفرق يجب أن يكون بعدد المجموع وليس لك مثل هذا في المبهم لا يجوز أن تقول: مررتُ بهذينِ: الراكع والساجد، وأنت تريد الوصف؛ لأن المبهم اسم وصفته اسم فهما اسمان يبين أحدهما، الآخر فقاما مقام اسم واحد ولا يجوز أن يفرقا، لا يثني أحدهما ويفرد الآخر، بل يجب أن يكون مناسبًا له في توحيده وتثنيته وجمعه ليكون مطابقًا له، لا يفصل أحدهما عن الآخر.
[ ٢ / ٣٣ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: إن خيرهم كلهم زيدٌ، وإن لي قبلكم كلكم خمسين درهمًا وإن خيرهما كليهما أخوك، لا يكون "كلَيهما" من نعت "خيرٍ" لأن خيرًا واحدٌ.
[ ٢ / ٣٣ ]
وتقول: جاءني خيرُهما كليهما راكبًا، وإن خيرهما كليهما نفسه زيد، فيكون "نفسُه" من نعت "خيرٍ" وتقول: جاءني اليوم خيرهما كليهما نفسُه، وقال الأخفش: أن عبدَ الله ساجٌ بابُهُ منطلقٌ فجعل "ساجٌ بابُه" في موضع نصب على الحال لأَنه كان صفة للنكرة.
وتقول: مررتُ بحسنٍ أبوهُ تريد: رجلٌ حَسن أبوه وبأحمرَ أبوهُ، ولا يجوز: رأيت ساجًا بابُهُ تريد: رأيت رجلًا ساجًا بابُه.
وتقول: مررتُ بأصحابٍ لكَ أجمعونَ أكتعونَ لأن في "لَكَ" اسمًا مضمرًا مرفوعًا، ومررتُ بقومٍ ذاهبينَ أجمعونَ أكتعونَ، لأن في "ذاهبين" اسمًا مرفوعًا مضمرًا، وكذلك: مررت بدرهمٍ أجمع أكتع ومررت بدارٍ لك جمعاءَ كتعاءَ ومررت بنساءٍ لكَ جمع كتع ولا يجوز أن تكون هذه الصفة للأول لأن الأول نكرة وتقول: مررت بالقوم ذاهبينَ أجمعينَ أكتعينَ إذا أكدت القومَ فإن أجريته على الاسم المضمر في "ذاهبين" رفعت فقلت: أجمعونَ أكتعونَ.
وتقول: مررت برجلٍ أيما رجلٍ، وهذا رجلٌ أيما رجلٍ، وهذان رجلانِ أيما رجلينِ وهاتان امرأتانِ أيتما امرأتين ومررت بامرأتين أيتما امرأتينِ و"ما" في كل هذا زائدة وأضفت أيًّا وأية إلى ما بعدها.
وتقول: مررت برجل حسبكَ من رجلٍ، وبامرأة حسبكَ من امرأة، وهذه امرأةٌ حسبك من امرأةٍ، وهاتان امرأتان حسبك من امرأتين وتقول: هذا رجلٌ، ناهيكَ من رجلٍ وهذه امرأة، ناهيتك من امرأةٍ فتذَكر "ناهيًا" وتؤنثه لأنه اسم فاعل ولا تفعل ذلك في "حسبكَ" لأنه مصدر وتقول في المعرفة: هذا عبد الله حسبكَ من رجل وهذا زيد أيما رجلٍ فتنصب "حسبكَ" وأيما على الحال. وهذا زيدٌ ناهيكَ من رجلٍ وهذه أمة الله أيتما جاريةٍ.
وتقول: مررت برجلين لا عطشاني المرأتين، فأقول: عطشاناهما ولا ريانيهما، فأقول: رياناهما وتقول: مررت برجال لا عطاش النساء فأقول:
[ ٢ / ٣٤ ]
عطاشهن ولا روائهن، فأقول: رواؤهن، وإنما قلت: رواء لأنه فعال من رويت. وتقول: هاتان امرأتان عطشيا الزوجين لا ريياهما وتقول هؤلاء نساءٌ لا عطاش الأزواج، فأقول: عطاشهم، ولا رواؤهم، فإذا جمعت: ريّا، وريان، فهو على فعال.
وتقول: مررت برجل حائضٍ جاريتُه، ومررت بامرأة خصي غلامُها، ولو قلت: مررت برجلِ حائض الجارية لقَبحَ لأنك إن أدخلت الألف واللام جعلت التأنيث والتذكير على الأول فأنت تريد أن تذكر حائضًا لأن قبله رجلًا والحائض لا يكون مذكرًا أبدًا، وقال بعضهم: هذا كلام جائز لأن "حائضًا" مذكر في الأصل، وقد أُجيز، مررت بامرأة خصي الزوجِ، لأن خصيًا فعيلٌ مما يكون فيه مفعولُه فهذا يكون للمذكر والمؤنث سواء ولا يجوز: مررت برجلٍ عذر الجاريةِ إذا كان الجارية، عُذرًا وكذلك: مررت بامرأة محتلمة الزوجِ لأن محتلمًا مما لا يكون مؤنثًا وكذلك: مررت بامرأةٍ آدر١ الزوجِ، ولا يجوز: مررت برجلٍ أعْفلَ المرأةِ؛ لأن أعفل مما لا يكون في الكلام٢.
ومن قال: مررت برجل كفاكَ به رجلًا، قال للجميع: كفاكَ بهم، وللاثنين: كفاكَ بهما، لأن اسم الفاعل هو الذي بعد الباء، والباءُ زائدةٌ وفي هذا لغتان: منهم من يجريه مجرى المصدر فلا يؤنثه ولا يثنيه ولا يجمعه، ومنهم من يجمعه فعلًا، فيقول: مررت برجل هدكَ من رجلٍ، وبامرأةٍ هدتك٣ من امرأة، وإن أردت الفعل في "حسبكَ" قلت: مررت برجل
_________________
(١) ١ آدر: الأدرة -بالضم- نفخة في الخصية. ٢ يقال: عفلت المرأة عفلًا فهي عفلاء، والعفلة: بضارة المرأة، ولا يكون بالأبكار ولا يصيب المرأة إلا بعد أن تلد، وقال ابن دريد: العفل في الرجال غلظ يحدث في الدبر وفي النساء غلظ في الرحم. ٣ انظر الكتاب ٢/ ٢١٠ "وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقولون: مررت برجل هدك من رجل وبامرأة هدتك من امرأة". وقال ابن يعيش ٣/ ٥٠: "وأما هدك، فهو من القوة. يقال: فلان يهد على ما لم يسم فاعله: إذا نسب إلى الجلادة، والكفاية، فالهد بالفتح للرجل القوي. وإذا أريد الذم والوصف بالضعف كسر وقيل: هدك".
[ ٢ / ٣٥ ]
حسبكَ من رجلٍ، وبرجلين أحسباك من رجلينِ، وبرجال أحسبوكَ، وتقول: مررت برجلين ملازماهما رجلانِ أمسِ كما تقول: برجلين عبداهما رجلانِ ومررت برجل ملازموهُ رجالٌ أمسِ؛ لأن ملازمه هذا اسم مبتدأ، لأنه بمنزلة غلام إذا كان لما مضى وقد بينا ذا فيما تقدم فإذا كان اسمًا صار مبتدأً ولا بدّ من أن يكون مساويًا للخبر في عدته كما تقول: الزيدانِ قائمانِ وغلاماك منطلقانِ وتقول: مررت برجلٍ حسبكَ ومررت بعبد الله حسبكَ فيكون حالًا فإذا قلت: حسبك يلزمكَ فحسبك، مرتفع بالابتداء والخبر محذوف، وهذا قول الأخفش وغيره من النحويين.
وقال أبو العباس، ﵀: الخبر محذوف لعلتين: إحداهما: أنك لا تقول "حسبَك" إلا بعد شيء قد قاله أو فعله، ومعناه: يكفيك أي: ما فعلت وتقديره: كافيكَ لأن حسبكَ اسم، فقد استغنيت عن الخبر بما شاهدت مما فعل قال: وكذلك أخوات حسبك نحو "هدكَ". والوجه الآخر: في الاقتصار على حسبٍ بغير خبرٍ، إن معنى الأمر لما دخلها استغنت عن ذلك كما تستغني أفعال الأمر تقول: حسبُكَ ينم الناسُ كما تقول: اكففْ ينم الناسُ وكذلك "قدكَ" و"قطكَ" لأن معناهما حسبك إلا أن حسبك معربة، وهاتان مبنيتان على السكون يعني: قَدْ وقَطْ، وتقول: حسبكَ درهمانِ فأنت تجريه مجرى يكفيك درهمانِ وتقول: إن حسبك درهمانِ.
قال الأخفش: إذا تكلمت "بحسب" وحدها -يعني إذا لم تضفها- جعلتها أمرًا وحركت آخرها لسكون السين، تقول: رأيت زيدًا حسب يا فتى، غير منون، كأنك قلت: حسبي أو حسبكَ فأضمر هذا فلذلك لم ينون لأنه أراد الإِضافة. وقال: تقول: حسبُكَ وعبد اللهِ١ درهمان، على
_________________
(١) ١ على أن عبد الله مفعول معه أو مفعول به بإضمار "يحسب" وهو الصحيح؛ لأنه لا يعمل في المفعول معه إلا ما كان من جنس ما يعمل في المفعول به، وجواز جره قيل: بالعطف، وقيل: بإضمار "حسب" أخرى وهو الصواب، ورفعه بتقدير حسب، فحذفت وخلفها المضاف إليه، وانظر المغني/ ٦١٩-٦٢٠ تحقيق مازن المبارك.
[ ٢ / ٣٦ ]
معنى يكفيك وعبد الله درهمانِ، فإن جررت فهو جائز وهو قبيح، وقبحه أنك لا تعطف ظاهرًا على مضمر مجرور، وأنشدوا:
إذَا كَانَتِ الهَيْجَاءُ وانْشَقَّتِ العَصَا فَحَسْبُكَ والضَّحَّاك سَيْفٌ مُهَنَّدُ١
فمنهم من ينصب "الضحاكَ" ومنهم من يجر ومنهم من يرفع، فإن أظهرت قلت: حسب زيدٍ وأخيهِ درهمانِ، وقبح النصب والرفع؛ لأنك لم تضطر إلى ذلك وتقول مررت برجل في ماءٍ خائضهُ هُوَ لا يكون إلا هو، إذا أدخلت الواو لأنك قد فصلت بينه وبين ماء وتقول: مررت برجلٍ معهُ صقْرٌ صائدٌ وصائد بهِ، كما تقول: أتيتَ على رجلٍ ومررت بهِ قائمًا إن حملته على الرجل جررت، وإن حملته على "مررت بهِ" نصبت، وتقول: نحن قومٌ ننطلق عامدونَ وعامدينَ إلى بلد كذا وتقول: مررت برجلٍ معه بازٌ قابض على آخر وبرجل معه جبةٌ لابس غيرها ولابسًا٢ إن حملته على الإِضمار الذي في "معهُ" وتقول: مررت برجل عندهُ صقرٌ صائدٍ ببازٍ وصائدًا، إن حملته على ما في "عندَه" من الإِضمار، وكأنك قلت: عندَه صقرٌ صائدًا ببازٍ، وتقول: هذا رجلٌ عاقلٌ لبيبٌ، لم تجعل الآخر حالًا وقع فيه.
_________________
(١) ١ الشاهد فيه جواز الرفع في "الضحاك" والنصب والجر، على أنه مضاف إلى "حسب" وكانت هنا فعل تام. والهيجاء: الحرب. وانشقت العصا: تفرقت الجماعة ونسب هذا البيت في ذيل الأمالي إلى جرير ولم يوجد في ديوانه. وانظر: معاني القرآن ١/ ٤١٧، والسمط/ ٨٩٩، وذيل الأمالي/ ١٤٠، والمغني/ ٦٢٢، تحقيق الدكتور مازن المبارك، والسيوطي ٢/ ٩٠٠، وكتاب الغريب لعيسى بن إبراهيم الربعي/ ١٠٦، والأمالي لأبي علي القالي ٢/ ٢٦٢، وكتاب إيضاح شواهد الإيضاح/ ١١٨. ٢ في الأصل "وإن" والواو زائدة.
[ ٢ / ٣٧ ]
الأول، ولكنك سويت بينهما في الإِجراء على الاسم، والنصب فيه جائز ضعيفٌ.
قال سيبويه: وإنما ضعف؛ لأنه لم يرد أن الأول وقع وهو في هذه الحال ولكنه أراد أنهما فيه ثابتان لم يكن واحد منهما قبل صاحبه١، وقد يجوز في سعة الكلام، وتقول: مررت برجلٍ معه كيسٌ مختوم عليهِ، الرفع الوجهُ؛ لأنه صفة الكيس والنصب جائز على قوله: فيها رجلٌ قائمًا وهذا رجلٌ ذاهبًا، وتقول: مررت برجلٍ معه صقرٌ صائدًا به غدًا تريد: مقدرًا الصيد به غدًا، ولولا٢ هذا التقدير ما جاز هذا الكلامُ، وتقول: مررتُ برجلٍ معهُ امرأةٌ ضاربتُه فهذا بمنزلة معه كيسٌ مختومٌ عليهِ، فإن قلت: مررت برجلٍ معه امرأةٌ ضارِبها جررت ونصبت على ما فسر٣. وإن شئتَ وصفت المضمر في "ضاربها" في النصب والجر فقلت: مررت برجلٍ معهُ امرأةٌ ضاربها هُوَ أو ضاربها هُو، فإن شئت جعلت "هو" منفصلًا فيصير بمنزلة اسم ليس من علامات الإِضمار، فتقول: مررت برجلٍ معه امرأةٌ ضاربها "هُوَ" كأنك قلت: معه ضاربها زيدٌ وتقول: يا ذا الجاريةُ الواطئَها أبوه كما تقول يا ذا الجارية الواطئَها زيدٌ والمعنى: التي وطئَها زيدٌ، وتقول: يا ذا الجاريةُ الواطئَها أبوهُ فجعل بها "الواطئَها" صفة "ذا" المنادى.
ولا يجوز أن تقول: يا ذا الجاريةُ الواطئُها زيدٌ، من قبل أن "الواطئَها" من صفة المنادى فإذا لم يكن هو الواطئ ولا أحد من سببه؛ لم يكن صفة له كما لا يجوز: يا عبد اللهِ الواطئ الجارية زيدٌ فلم يجز هذا كما لم يجز: مررتُ بالرجل الحسنِ زيدٌ، وقد يجوز أن تقول: مررتُ بالرجل الحسنِ أبوهُ وتقول: يا ذا الجاريةِ الواطئُها هُو، جعلت "هُو" منفصلًا كالأجنبي، لا يجوز حذفه وإن شئت نصبته كما تقول: يا ذا الجاريةِ الواطئَها تجريه على
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٢٤٢. ٢ في الأصل "ولو" ولا يستقيم المعنى. ٣ الجر على أنها نعت سببي، والنصب على الحال.
[ ٢ / ٣٨ ]
المنادى، فإن قلت: يا ذا الجاريةِ الواطئَها، وأنت تريد: الواطئَها هُو، لم يجز أن تطرح "هُوَ" كما لا يجوز بالجاريةِ الواطئها هو أو أنت حتى تذكرهما فإن ذكرتهما جاز، وليس هذا كقولك: مررت بالجاريةِ التي وطئَها أو التي وطئتُها؛ لأن الفعل يضمر فيه وتقع فيه علامة الإِضمار وقد فسرت هذا فيما تقدم، وإنما يقع في هذا إضمار الاسم رفعًا إذا لم يوصف به شيء غير الأول، وذلك قولك: يا ذا الجارية الواطئَها، ففي هذا إضمار "هُوَ" وهو اسم المنادى، والصفة إنما هي للأول المنادى.
قال سيبويه: ولو جاز هذا لجازَ: مررت بالرجلِ الآخذيهِ، تريد: أنتَ، ولجاز: مررت بجاريتِكَ راضيًا عنها١، تريد: أنْتَ ويقبح أن تقول: رُبَّ رجلٍ وأخيهِ منطلقينِ، حتى تقول: وأخٍ لهُ، وإذا قيل: والمنطلقين، مجروران من قبل أنّ قوله: وأخيهِ في موضع نكرة، والمعنى: وأخٍ لَهُ، والدليلُ على أنه نكرةٌ دخول "رُبَّ" عليه، ومثل ذلك قول بعض العرب: كُلُّ شاةٍ وسخلتِها٢، أي: وسخلةٍ لَها، ولا يجوز ذلك حتى تذكر قبله نكرة، فيعلم أنك لا تريد شيئًا بعينه، وأنشد سيبويه في نحو ذلك:
وأيُّ فَتى هَيْجَاءَ أنْتَ وَجَارِها إذا ما رجَالٌ بالرِّجَالِ استقَّلتِ٣
فلو رفع لم يكن فيه معنى: أي جارها، الذي هو في معنى التعجب، والمعنى: أي فتى هيجاءَ، وأي جارٍ لها أنْتَ، قال الأعشى:
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٢٤٤. ٢ انظر الكتاب ١/ ٢٤٤، وانظر شرح الرماني ٢/ ٤٥. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ٢٤٤ على عطف "جارها" على "فتى" والتقدير: أي فتى هيجاء أنت، فجارها نكرة لأن أيًّا إذا أضيفت إلى واحد لم يكن إلا نكرة؛ لأنه فرد الجنس. والهيجاء: الحرب. وأراد بفتاها القائم بها المبلى فيها، وبجارها: المجير منها الكافي لها، واستقلت: نهضت، ولم ينسب سيبويه الشاهد إلى قائل معين.
[ ٢ / ٣٩ ]
وكم دُونَ بيتِكَ منْ صَفْصَفٍ ودَكْدَاكِ رمْلٍ وأعقادِهَا١
ووَضْعِ سِقاءٍ وأحْقابِهِ وحَلِّ حُلوسٍ وأغْمادِهَا
فجميع هذا حجة: لرب رجل وأخيه، وهذا المضافُ إلى الضمير لا يكون وحده منفردًا نكرة، ولا يقع في موضع لا يكون فيه إلا نكرة حتى يكون أول ما يشغل به "رُبَّ" نكرة ثم يعطف عليه ما أضيف إلى النكرة، وتقول: هذا رجلٌ معهُ رجل قائمينِ، فهذا ينتصب؛ لأن الهاء التي في معهُ [معرفةٌ] ٢ وانتصابه عندي بفعلٍ مضمر، ولا يجوز نصبه على الحال لاختلاف العاملين؛ لأنه لا يجوز أن يعمل في شيء عاملان، وتقول: "فوق الدار رجل وقد جئتُكَ برجلٍ آخر عاقلينِ مسلمينِ" فتنصب بفعل آخر مضمر وتقول: "اصنع ما سرَّ أخاكَ وما أحب أبوك الرجلانِ الصالحانِ" فترفع على الابتداء، وتنصب على المدح، كقول الخرنق:
لا يَبْعَدَنْ قَوْمي الَّذِينَ هُمُ سَمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ
النَّازِلِينَ بكُلِّ مُعْتَرَكٍ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ٣
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه أيضًا ١/ ٢٤٥ على إضافة: أعقادها وأحقابه وأغمادها وحملها كلها وهي مضافة إلى الضمائر على الأسماء المجرورة "بمن" وهي أسماء منكورة لوقوعها موقع المنصوب على التمييز. وصف بعد المسافة بينه وبين الممدوح الذي قصده ليستوجب بذلك جائزته. والصفصف: المستوي من الأرض الذي لا ينبت، يريد: الفلاة، والدكداك: الرمل المستوي. والأعقاد: جمع عقد، وهو المنعقد من الرمل المتراكم. ووضع السقاء: حطه على الراحلة. وأغمادها: شدها تحت الرحل. ٢ أضفت كلمة "معرفة" لتوضيح المعنى. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ١٠٤ و١/ ١٤٦ على قطع النازلين والطيبين من الموصوف وحملهما على إضمار الفعل والمبتدأ، لما قصد بهما من معنى المدح دون الوصف. والعداة: الأعداء، جمع عاد، والجزر: جمع الجزور، وهي الناقة التي تنحر وسكنت زاي الجزر للتخفيف. وصفت قومها بالظهور على العدو نحر الجزور للأضياف والملازمة للحرب والعفة عن الفواحش، فجعلت قومها سمًّا لأعدائهم يقضي عليهم، وآفة للجزر لكثرة ما ينحرون منها. وانظر الكامل/ ٤٥٤، والمحتسب ٢/ ١٩٨، والتمام في تفسير أشعار هذيل ٢٠٩، والحماسة البصرية ١/ ٢٢٧، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٥٨، ومعاني الفراء ١/ ١٠٥، والإنصاف/ ٢٤٩، والعيني ٣/ ٦٠٣، والخزانة ١/ ٣٠١، والديوان/ ٢٩: تحقيق الدكتور نصار.
[ ٢ / ٤٠ ]
وسيبويه يجيزُ نصب: هذا رجل مع امرأةٍ قائمين على الحال، ويجيزُ: مررت برجلٍ مع امرأةٍ منطلقينِ على الحال أيضًا، ويحتج بأن الآخر قد دخل مع الأول في التنبيه والإِشارة، وأنك قد جعلت الآخر في مرورك فكأنك قلت: هذا رجل وامرأة، ومررت برجلٍ وامرأةٍ، وتجعل١ ما كان معناهما واحدًا على الحال.
وإذا كان معنى ما بينهما يختلف فهو على "أعني" والقياس المحض يوجب إذا اختلف عاملان في اسمين أو أكثر من ذلك لم يجز أن تثنى صفتهما ولا حالهما؛ لاختلاف العاملين اللذين عملا في الاسمين، وكيف يجوز أن يفترقا في الموصوفين ويجتمعا في الصفة، ولكن يجوز النصب بإضمار شيء ينتظم المعنيين يجتمعان فيه.
واعلم: أنه لا يجوز أن تجيز وصف المعرفة والنكرة، كما لا يجوز وصف المختلفين.
وزعم الخليل: أن الرفعين أو الجرين إذا اختلفا فهما بمنزلة الجر والرفع، وذلك قولك: "هذا رجلٌ وفي الدار آخر كريمينِ" لأنهما٢ لم يرتفعا من جهة واحدة. وشبه بقوله: هذا لابنِ إنسانينِ عندنا كرامًا، فقال: الجر ههنا مختلف ولم يشرك الآخر فيما جر الأول، ومثل ذلك: هذا جارية أخوي
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٢٤٦. ٢ انظر الكتاب ١/ ٢٤٧.
[ ٢ / ٤١ ]
ابنينِ لفلان كرامًا؛ لأن أخوي ابنينِ، اسم واحد والمضاف إليه الآخر منتهاه، ولم يأت بشيء من حروف الإِشراك، ومثل ذلك: هذا فرس أخوي ابنيك العقلاء الحلماء؛ لأن هذا في المعرفة مثل ذلك في النكرة، ولا يجوز إلا النصب على "أعني" ولا يكون الكرام العقلاء صفة للأخوين والابنين، ولا يجوز أن يجري وصفًا لما انجر من وجهين، كما لم يجز فيما اختلف إعرابه.
وقال سيبويه: سألت الخليل عن: مررت بزيدٍ وأتاني أخوهُ أنفسهما فقال: الرفع على هُما صاحباي أنفسهُما والنصب على "أعنيهما" ولا مدح فيه؛ لأنه ليس مما يمدح به، وقال: تقول: هذا رجلٌ وامرأة١ منطلقان، وهذا عبد اللهِ وذاكَ أخوك الصالحانِ؛ لأنهما ارتفعا من وجه وهما اسمان بنيا على مبتدأَين وانطلق عبد اللهِ ومضى أخوك الصالحان؛ لأنهما ارتفعا بفعلين معناهما واحد. والقياس عندي أن يرتفعا على "هُما" لأن الذي ارتفع به الأول غير الذي ارتفع به الثاني. ولكن إن قدرت في معنى التأكيد، ورفعت عبد اللهِ بالعطف من الفعل جازت عندي الصفة، ولا يجوز من: عبد اللهِ وهذا زيدٌ الرجلينِ الصالحينِ، رفعت أم نصبت؛ لأنك لا تثني إلا على من أثبته وعرفته فلذلك لم يجز المدح في ذا، ولا يجوز صفتهما لأنك من يعلم ومن لا يعلمُ فتجعلهما بمنزلة واحدةٍ.
قال أبو العباس في قولهم: ما رأيت رجلًا أحسنُ في عينه الكحلُ منهُ في عين زيدٍ، وما رأيت رجلًا أبغض إليه الشر منهُ إلى زيدٍ: قد علمنا أن الاختيار: مررت برجلٍ أحسنَ٢ منه أبوهُ، ومررت برجلٍ خير منه زيدٌ، فما باله لم يجز الرفع في قوله: أحسنُ في عينه الكحلُ، وأبغض إليه الشر، فقال: الجواب في ذلك: أنه إن أراد أن يجعل الكحل الابتداء كان الاختيار،
_________________
(١) ١ في أصل سيبويه ١/ ٢٤٧ وامرأته، وهو خطأ؛ لأن امرأته معرفة ورجلًا نكرة، ولا يجوز ذلك. ٢ أكثر العرب يوجب رفع "أحسن" في ذلك على أنه خبر مقدم، و"أبوه" مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع خفض نعت لرجل. وانظر التصريح ٢/ ١٠٦.
[ ٢ / ٤٢ ]
ما رأيت رجلًا أحسنُ في عينه منه في عين زيدٍ الكحل، تقديره: ما رأيتُ رجلًا الكحل أحسن في عينه منه في عين زيدٍ، وما رأيت رجلًا الكحل في عينه أحسنُ منهُ في عينِ زيدٍ، كل١ جيد، كما تقول: زيدٌ أحسنُ في الدار منه في الطريق، وزيدٌ في الدار أحسن منهُ في الطريقِ، فتقدم في الدار لأنه ظرف، والتفضيل إنما يقع بأفعل فإن أردت أن يكون "أحسنُ" هو الابتداء فمحالٌ؛ لأنك تضمر قبل الذكر٢؛ لأن الهاء في قولك: "منه" هي الكحل ومنه متصلة "بأفعلَ" لأن "أَفعلَ" للتفضيل فيصير التقدير: ما رأيت رجلًا أحسنُ في عينه منهُ في عينِ زيدٍ الكحلُ، فتضمر الكحل قبل أن تذكره؛ لأن الكحل الآن خبر الابتداء، وإن قدمت الكحل فقلت، على أن ترفع "أحسنَ" بالابتداء: ما رأيتُ رجلًا أحسن في عينه الكحلُ منه في عينِ "زيدٍ" فهو أردأ؛ وذلك لأنه خبر الابتداء وقد فصلت بين "أحسنَ" وما يتصل به وليس منهما في شيء؛ فلذلك لم يجز على هذه الشريطة، إلا أن الجملة على مثل قولك: مررت برجلٍ خيرٌ منهُ أبوهُ٣، فتقول: ما رأيت رجلًا أحسنُ في عينه الكحلُ منه في عين زيدٍ، فترفع الكحلَ "بأحسنَ" ويقع "منهُ" بعده فيكون الإِضمار بعد الذكر وتقديره: ما رأيت رجلًا يحسنُ الكحل في عينه كحسنهِ في عينِ زيدٍ، فالمعرفة والنكرة في هذا واحد إذا كان الفعل للثاني ارتفع به معرفة كان أو نكرة، وإن كان للأول والثاني معرفة بطل، وإن كان الثاني نكرة انتصب على التمييز، وذلك قولك: ما رأيت رجلًا أحسنَ وجهًا من زيدٍ ولا رأيتُ رجلًا أكرمَ حسبًا منهُ؛ لأن أكرم وأحسن للأول لأن فيه ضميره، فإن جعلته للثاني رفعته به ورددت إلى الأول شيئًا يصله بالثاني، كما
_________________
(١) ١ انظر المقتضب ٣/ ٢٤٨-٢٤٩. ٢ في المقتضب ٣/ ٢٤٩: فإن أخرت الكحل فقلت: ما رأيت أحسن في عينه منه في عين زيد الكحل وأنت تقدر أن "أحسن" هو الابتداء، كان خطأ لما قدمت من ضمير الكحل قبل ذكره. وانظر: الكتاب ١/ ٢٣٢. ٣ أي: إن خيرًا تعرب خبرًا مقدمًا، و"أبوه" مبتدأً مؤخرًا.
[ ٢ / ٤٣ ]
تقول: رأيتُ رجلًا حسَن الوجهِ؛ لأن حَسن الوجه "لرجلٍ" فإن جعلته لغيره قلت: رأيتُ رجلًا حسنَ الوجهِ أخوهُ وحسن الوجهِ رجلٌ عندهُ، فإن قلت: ما رأيت قومًا أشبه بعضُ ببعضٍ من قومِكَ، رفعت البعض لأن "أشبَه" له وليس لقومٍ؛ لأن المعنى: ما رأيت قومًا أشبه بعضُهم ببعضٍ كما ذكر ذلك سيبويه في قوله: مررتُ بكُلٍّ صالحًا وببعضٍ قائمًا أنه محذوف من قولك: بعضُهم وكلهم، والمعنى يدل على ذلك، ألا ترى أن تقديره: ما رأيتُ قومًا أشبَهَ بعضُهم بعضًا، كما وقع ذلك في "قومِكَ" وتقول: ما رأيت رجلًا أبر أبٍ لهُ بأُم من أخيكَ؛ لأن الفعل للأب ووضعت الهاء في "لَهُ" إلى الرجل فلم يكن في "أُمٍّ" ضمير؛ لأن الأب قد ارتفع به فإن لم يرد هذا التقدير، قلت: ما رأيتُ رجلًا أبَر أبًا بأُمٍّ من زيدٍ كما تقول: ما رأيت رجلًا أحسنَ وجهًا من زيدٍ، وكذلك: ما رأيت رجلًا أشبه وجهٍ لهُ بقفًا من زيدٍ، فإن حذفت له قلت: ما رأيت رجلًا أشبه بقفًا من زيدٍ؛ لأن في "أشبَه" ضمير رجل.
وأما قولهم: "ما من أيامٍ أحبَّ إلى اللهِ فيها الصومُ منه في عَشْرِ ذي الحجةِ" ١، ولكنه لما قال في الأول "إلى اللهِ" لم يحتج إلى أنْ يذكر "إليه" لأن الرد إلى واحدٍ وليس كقولك: زيدٌ أحب إلى عمرو منه إلى خالدٍ؛ لأنك رددت إلى اثنين فلا تحتاج إلى أن تقول: زيدٌ عندي أحسن من عمرٍو عندي؛ لأن الخبر يرجع إلى واحد فأما قولهم: ما مِن أيامٍ أحب إلى اللهِ فيها الصومُ منه في عَشْرِ ذي الحجةِ فإنما هو بمنزلة: ما رأيت رجلًا أحسنَ في عينه الكحلُ منهُ في عينِ زيدٍ فقولُه: فيها بمنزلة قولهِ: في عينهِ وإنما أضمرت الهاءَ [في] ٢ "فيها" وفي عينِه لأنك ذكرت الأيام وذكرت رجلًا،
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٢٣٢، والمقتضب ٣/ ٢٥٠، وجعل الأشموني هذا حديثًا، والرواية في كتب الحديث: البخاري والترمذي وسنن ابن ماجه وسنن النسائي ليس فيها "أحب" رافعًا للاسم الظاهر. ٢ أضفت "في" لتوضيح المعنى.
[ ٢ / ٤٤ ]
وكذلك قلت: اللهُ ﷿: ما رأَيت أيامًا أحب إليه فيها الصوم، لأضمرته في "إليهِ" ومنه للصوم، كما كان للكحلِ، وأما قولُهُ: إلى اللهِ فتبيينٌ لأحب، وأحسن لا يحتاج إلى ذلك، ألا ترى أنك تقول: زيد أحسن من عمرٍو، فلا تحتاج إلى شيء، وتقول: زيد أحب إلى عمرٍو منكَ، فقولك: إلى عمرٍو كقولك: إلى الله في المسألة الأولى، ولو قلت: ما رأيتُ رجلًا أحسن في عينه الكحلُ عند عمرٍو منهُ في عينِ أخيكَ كان بمنزلة ذلك؛ لأن قولك عندَ عمرٍو قد صار مختصرًا كقولك: إلى اللهِ في تلك المسألةِ وأما قولهم: ما رأيت رجلًا أبغضَ إليه الشرُّ من زيدٍ، وما رأيت رجلًا أحسنَ في عينه الكحل من زيدٍ، فإنما هو مختصر من الأول، والمعنى: إنما هو الأول لا أنك فضلت الكحل على زيدٍ ولكنك أخبرت أن الكحل في عين زيدٍ أحسنُ منه في غيرها، كما أردت في الأول، ولكنك حذفت لقلة التباسه وليست "مِنْ" ههنا بمنزلتها في قولك: ما رأيتُ رجلًا أحسنَ من زيدٍ؛ لأنكَ هنا تخبر أنك لم ترَ من يتقدم زيدًا وأنت في الأول تخبر أنك لم ترَ من يعمل الكحل في عينه عمله في عين زيدٍ، فتقديره: ما رأيت رجلًا أحسنَ كحلًا في عينٍ من زيدٍ، لما أضمرت رجلًا في "أحسَن" نصبت كحلًا على التمييز ليصح معنى الاختصار.
[ ٢ / ٤٥ ]
الثالث من التوابع: وهو عطف البيان.
اعلم: أن عطف البيان كالنعت والتأكيد في إعرابهما وتقديرهما، وهو مبين لما تجريه عليه كما يبينان، وإنما سمي عطف البيان ولم يقل أنه نعت؛ لأنه اسم غير مشتق من فعل، ولا هو تحلية، ولا ضرب من ضروب الصفات فعدل النحويون عن تسميته نعتًا.
وسموه عطف البيان لأنه للبيان، جيء به وهو مفرق بين الاسم الذي يجري عليه وبين ما له مثل اسمه نحو: رأيتُ زيدًا أبَا عمرٍو، ولقيت أخاكَ بكرًا.
[ ٢ / ٤٥ ]
والفرق بين عطف البيان والبدل أن عطف البيان تقديره النعت التابع للاسم الأول، والبدل تقديره أن يوضع موضع الأول، وتقول في النداء إذا أردت عطف البيان: يا أخانا زيدًا١، فتنصب وتنون؛ لأنه غير منادى، فإن أردت البدل قلت: يا أخانا زيدُ، وقد بينت هذا الباب في النداء ومسائله، وستزداد بيانًا في باب البدل إن شاء الله٢.
_________________
(١) ١ قال المبرد في المقتضب ٤/ ٢٢٠: ومن قال: يا زيد الطويل، قال: يا هذا الطويل، وليس بنعت لهذا، ولكنه عطف عليه، وهو الذي يسمى عطف البيان. ٢ ذكر باب النداء في الجزء الأول.
[ ٢ / ٤٦ ]
الرابع من التوابع: وهو عطف البدل.
البدل على أربعة أقسام: إما أن يكون الثاني هو الأول أو بعضه، أو يكون المعنى مشتملًا عليه أو غلطًا، وحق البدل وتقديره أن يعمل العامل في الثاني كأنه خالٍ من الأول، وكان الأصل أن يكونا خبرين، أو تدخل عليه واو العطف، ولكنهم اجتنبوا ذلك للبس.
الأول: ما ابتدلته من الأول وهو هُو: وذلك نحو قولك: مررتُ بعبد الله زيدٍ، ومررت برجلٍ عبد الله، وكان أصل الكلام: مررت بعبد الله ومررت بزيدٍ أو تقول: مررتُ بعبد اللهِ وزيدٍ، ولو قلت ذلك لظن أن الثاني غير الأول؛ فلذلك استعمل البدل فرارًا من اللبس وطلبًا للاختصار والإِيجاز، ويجوز إبدال المعرفة من النكرة والنكرة من المعرفة والمضمر من المظهر والمظهر من المضمر، البدل في جميع ذلك سواء. فأما إبدال المعرفة من النكرة فنحو قول الله: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ﴾ ١ فهذا إبدال معرفة من نكرة، فتقول على هذا: مررت برجلٍ عبد اللهِ، وأما إبدال النكرة من المعرفة
_________________
(١) ١ الشورى: ٥٢-٥٣، والآية: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ﴾ . وانظر الكتاب ١/ ٢٢٤.
[ ٢ / ٤٦ ]
فنحو قولك: مررت بزيدٍ رجلٍ صالحٍ كما قال الله ﷿: ﴿بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ١، فهذا إبدال نكرة من معرفة، وأما إبدال الظاهر من المضمر فنحو قولك: مررتُ بهِ زيدٍ وبهما أخويك، ورأيت الذي قامَ زيدٌ، تبدل زيدًا من الضمير الذي في "قام" ولا يجوز أن تقول: رأيتُ زيدًا أباهُ والأب غير زيدٍ؛ لأنك لا تبينه لغيره.
الثاني: ما أبدل من الأول وهو بعضه: وذلك نحو قولك: ضربتُ زيدًا رأسَهُ٢، وأتيتُ قومَكَ بعضَهم، ورأيتُ قومَكَ أكثَرهم، ولقيت قومكَ ثلاثَتهم، ورأيت بني عمِّكَ ناسًا منهم، وضربت وجوهها أولها قال سيبويه: فهذا يجيء على وجهيِن٣: على أنه أراد أكثَر قومِكَ، وثلثي قومكَ، وضربتُ وجوهَ أولِها، ولكنه ثنى الاسم تأكيدًا، والوجه الآخر: أن يتكلم فيقول: رأيتُ قومَكَ ثم يبدو أن يبين ما الذي رأى منهم، فيقول: ثلاثتَهم، أو ناسًا منهم، ومن هذا قوله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٤ والمستطيعونَ بعضُ الناسِ.
الثالث: ما كان من سبب الأول: وهو مشتمل عليه نحو: سُلبَ زيدٌ ثوبَهُ وسرق زيد مالُه؛ لأن المعنى: سُلبَ ثوب زيد، وسرق مالُ زيدٍ، ومن ذلك قول الله ﷿: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ٥ لأن المسألة في المعنى عن القتال في الشهر الحرام، ومثله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ ٦، وقال الأعشى:
_________________
(١) ١ العلق: ١٥، ١٦، والآية: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ وانظر الكتاب ١/ ٢٦٠، و١/ ١٩٨. ٢ أردت أن تبين موضع الضرب، فصار كقولك: ضربت رأس زيد. ٣ انظر الكتاب ١/ ٧٥. ٤ آل عمران: ٩٧، وانظر الكتاب ١/ ٧٥-٧٦. ٥ البقرة: ٢١٧، وانظر الكتاب ١/ ٧٥. ٦ البروج: ٤، وانظر المقتضب ٤/ ٢٩٧.
[ ٢ / ٤٧ ]
لَقدْ كَانَ في حَوْل ثَوَاءٍ ثَوَيْتُهُ تفضى لَبَانَاتُ ويسأْمُ سائِمُ١
وقال آخر:
وذَكَرَتْ تَقْتُدَ بَرْدَ مَائِهَا وعَتَكُ البولِ على أنسائِها٢
الرابع: وهو بدل الغلط والنسيان: وهو البدل الذي لا يقع في قرآن ولا شعرٍ، وذلك نحو قولهم: مررتُ برجلٍ حمارٍ، كأنه أراد أن يقول: مررتَ بحمار فغلط فقال: برجلٍ أو بشيءٍ.
واعلم: أن الفعل قد يبدل من الفعل وليس شيء من الفعل يتبع الثاني الأول في الإِعراب إلا البدل والعطف، والبدل نحو قول الشاعر:
إنَّ على اللهِ أنْ تُبايعا تُؤخذَ كُرهًا أو تجيء طائعا٣
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤٢٣ على رفع الفعل "يسأم" واستشهد به المبرد على بدل الاشتمال كذلك فعل المصنف. ثويته: الأصل: ثويت فيه، فحذف حرف الجر واتصل الضمير بالفعل، والثواء: الإقامة، اللبانات: الحاجات. وانظر المقتضب ٤/ ٢٩٧، و١/ ٢٧، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٦٣، وابن يعيش ٣/ ٦٥، والديوان/ ١٧٧. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٧٥، على نصب برد مائها على البدل من "تقتد" لاشتمال الذكر عليها. وصف ناقة بعد عهدها بورود الماء لإدمانها السير في الفلاة، فيقول: ذكرت برد ماء تقتد وهو موضع بعينه وأثر بولها على أنسائها ظاهر بين لخثارته. وإذا قل ورودها للماء خثر بولها وغلظ واشتدت صفرته، وعتك البول أن يضرب إلى الحمرة. ويروى: وعبك البول، وهو اختلاطه بوبرها وتلبده به والأنساء: جمع نسأ، وهو عرق يستبطن الفخذ والساق. والبيت لجبر بن عبد الرحمن. وانظر: الجمهرة ٢/ ٢١. ٣ من شواهد الكتاب ١/ ٧٨، على حمل "تؤخذ على تبايع؛ لأنه مع قوله تجيء تفسير للمبايعة إذ لا تكون إلا أحد الوجهين من إكراه أو طاعة". وأراد بقوله الله: القسم. والمعنى: إن على والله، فلما حذف الجار نصبت. والبيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. وانظر المقتضب: ٢/ ٦٣، والخزانة ٢/ ٣٧٣، ومنهج السالك ٢٦، وشواهد الألفية للعاملي/ ٣٤٧، وشرح شواهد ابن عقيل/ ١٧٩.
[ ٢ / ٤٨ ]
وإنما يبدل الفعل من الفعلِ إذا كان ضربًا منه نحو هذا البيت، ونحو قولك: إن تأتني تمشي أمشي معكَ؛ لأن المشيَ ضرب من الإِتيان، ولا يجوز أن تقول: إن تأتي تأكل آكلْ معكَ؛ لأن الأكل ليس من الإِتيان في شيء.
[ ٢ / ٤٩ ]
مسائل من هذا الباب:
تقول: بعتُ متاعَك أسفلَهُ قبلَ أعلاهُ، واشتريتُ متاعَك بعضَهُ أعَجلَ من بعضٍ، وسقيت إبلَك صغارها أحسن من سقي كبارها، ودفعت الناس بعضَهم ببعضٍ، وضربت الناسَ بعضَهم قائمًا وبعضَهم قاعدًا، وتقول: مررت بمتاعِكَ بعضِه مرفوعًا، وبعضِه مطروحًا، كأنك قلت: مررت ببعضِ متاعِكَ مرفوعًا وببعض مطروحًا؛ لأنك مررتَ به في هذه الحال، وإذا كان صفة للفعل لم يجز الرفع، وتقول: بعتُ طعامَكَ بعضه مكيلًا وبعضَهُ موزونًا إذا أردت أن الكيل والوزن وقعا في حال البيع، فإن رفعت فإلى هذا المعنى، ولم يكن متعلقًا بالبيع فقلت: بعتُ طعامَك بعضهُ مكيلٌ وبعضهُ موزونٌ، أي: بعته وهو موجود كذا، فيكون الوزن والكيل قد لحقاه قبل البيع وليسا بصفة للبيع، وتفهم هذا بأن الرجل إذا قال: بعتُكَ هذا الطعامَ مكيلًا وهذا الثوب مقصورًا، فعليه أن يسلمه إليه مكيلًا ومقصورًا، وإذا قال: بعتُكَ وهو مكيل فإنما باعه شيئًا موصوفًا بالكيل ولم يتضمنه البيع، تقول: خَوفتُ الناسَ ضعيفَهم وقويهم، كأنك قلت: خوفت ضعيفَ الناسِ وقويهم، وكان تقدير الكلام قبل أن ينقل فعل إلى "فَعَلتُ" خافهُ الناس ضعيفُهم وقويهم، فلما قلت: خَوَّفتُ صار الفاعلُ مفعولًا وقد بينت هذا فيما
[ ٢ / ٤٩ ]
تقدم. ومثل ذلك ألزمت الناس بعضهم بعضًا، كان الأصل: لزمَ الناسُ بعضهم بعضًا، فلما قلت: ألزمتُ صار الفاعل مفعولًا، وصار الفعل يتعدى إلى مفعولين، وتقول: دفعتُ الناس بعضهم ببعضٍ على قولكَ: دفع الناسُ بعضُهم بعضًا فإذا قلت: دفعَ صار ما كان يتعدى لا يتعدى إلا بحرف جر فتقول: دفعَ الناسُ بعضهم ببعضٍ وتقول: فضلتُ متاعَكَ أسفلَهُ على أعلاه كأنه في التمثيل: فَضل متاعُكَ أسفلهُ على أعلاه، فلما قلت: فضَّلتُ صار الفاعل مفعولًا، ومثله: صككتُ الحجرينِ أحدهما بالآخرِ، كان التقدير: اصطك الحجرانِ أحدهما بالآخرِ، فلما قلت: صككتُ، صار الفاعل مفعولًا، ومثل ذلِكَ: "ولولا دفاعُ* اللهِ الناسَ بعضَهُم ببعضٍ"١ والمعنى: لولا أن دفعَ الناسُ بعضهُم ببعضٍ، ولو قلت: دفعَ الناسُ بعضهم بعضًا لم يحتج إلى الباء؛ لأنه فعل يتعدى إلى مفعول، قلت: دفَع اللهُ الناسَ واستتر في الفعلِ عمله في الفاعل، لم يجز أن يتعدى إلى مفعول ثانٍ إلا بحرفِ جرٍّ، فعلى هذا جاءت الآيةُ؛ ولذلك دخلت الباء وتقول: عجبتُ من دفعِ الناسِ بعضهم بعضًا، إذا جعلت الناس فاعلين كأنك قلت: عجبت من أن دفع الناسُ بعضَهم بعضًا فإن جعلت الناس مفعولين قلت: عجبت من دفعِ الناسِ بعضِهم ببعضٍ؛ لأن المعنى: عجبتُ من أنْ دفَع الناسُ بعضهم ببعضٍ وتقول: سمعتُ وقع أَنيابهِ بعضِها فوقَ بعضٍ، جرى على قولك: وقعت أنيابهُ بعضُها فوقَ بعضٍ، فأنيابُه هنا فاعلةٌ وتقول: عجبتُ من إيقاعِ أنيابهِ بعضِها فوقَ بعضٍ جرًّا، فأنيابه هنا مفعولةٌ قامت مقام الفاعل، ولو قلت: أوقعت أنيابُه بعضُها فوقَ بعضٍ لقلت: عجبتُ من إيقاعي أنيابَهُ بعضَها فوقَ بعضٍ فنصبت أنيابَه، وتقول: رأيتُ متاعك بعضَهُ فوقَ بعضٍ إذا جعلت "فوقَ" في موضع الاسم المبني، على المبتدأ، وجعلت المبتدأ بعضهُ كأنك قلت: رأيتُ متاعَكَ بعضهُ أجود من
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٥١، وانظر الكتاب ١/ ٧٦. * قال شعيب: هي قراءة نافع، وقرأ الباقون: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ﴾ حجة القراءات ص١٤٠.
[ ٢ / ٥٠ ]
بعضٍ، فإن جعلت "فوقَ" وأجودها حالًا نصبتَ "بعضَهُ" وإن شئت قلت: رأيت متاعَك بعضه أحسنَ من بعض فتنصبُ "أَحسنَ" على أنه مفعول ثانٍ وبعضه منصوب بأنه بدلٌ من متاعِكَ.
قال سيبويه: والرفع في هذا أعرف، والنصب عربي جيدٌ١، فما جاء في الرفع: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ ٢. ومما جاء في النصب: "خلقَ اللهُ الزرافةَ يديها أطول من رجلِيها" قال: حدثنا يونس أن العرب تنشد هذا البيت لعبدة بن الطبيب:
فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُه هُلْك وَاحِدٍ ولكنهُ بُنيانُ قَوْمٍ تَهَدَّما٣
وقال رجل من خثعم أو بجيلة:
ذَرِيني إنَّ أَمركِ لَنْ يُطاعَا وما ألفيتِني حِلْمي مُضَاعا٤
وتقول: جعلتُ متاعَكَ بعضَهُ فوقَ بعضٍ، كما قلت: رأيتُ متاعَك
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٧٧. ٢ الزمر: ٦٠، وانظر الكتاب ١/ ٧٧. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ٧٧، على رفع "هلك واحد" ونصبه على جعل هلكه بدلًا من قيس، أو مبتدأ أو خبره فيما بعد. رثى الشاعر: قيس بن عاصم المنقري وكان سيد أهل الوبر من تميم، فيقول: كان لقومه وجيرته مأوًى وحرزًا، فلما هلك تهدم بنيانهم وذهب عزهم. وانظر: شرح المفصل لابن يعيش ٣/ ٦٥. ٤ من شواهد سيبويه ١/ ٧٨ على حمل الحلم على الضمير المنصوب بدلًا منه لاشتمال المعنى عليه، يخاطب عاذلته على إتلافه ماله، فيقول: ذريني من عذلك فإني لا أطيع أمرك، فالحلم وصحة التمييز والفعل يأمرني بإتلافه في اكتساب الحمد ولا أضيع، والبيت من قصيدة لعدي بن زيد العبادي. وانظر: الهمع ٢/ ١٧٢، والدرر اللوامع ٢/ ١٦٥، والمفصل لابن يعيش ٣/ ٦٥، ومعاني الفراء ٢/ ٧٣، وشواهد الألفية للعاملي ٣٤٥، وشرح شواهد ابن عقيل للجرجاوي/ ١٧٨.
[ ٢ / ٥١ ]
بعضَهُ فوقَ بعضٍ، وأنتَ تريد رؤية العين، وتنصب "فوقَ" بأنه وقع موقع الحال، فالتأويل: جعلت ورأيتُ متاعك بعضهُ مستقرًّا فوقَ بعضٍ أو راكبًا فوق بعضٍ أو مطروحًا فوق بعضٍ أو ما أشبه هذا المعنى "ففوقَ" ظرف نصبه الحال وقام مقام الحال كما يقوم مقام الخبر في قولك: زيدٌ فوقَ الحائِط إذا قلت: رأيتُ زيدًا في الدار، فقولك "في الدارِ" يجوز أن يكون ظرفًا لرأيت ويجوز أن يكون ظرفًا لزيدٍ، كما تقول: رميتُ من الأرضِ زيدًا على الحائِط فقولك: على الحائِط، ظرف يعمل فيه استقرار زيدٍ، كأنكَ قلت: رميتُ من الأرضِ زيدًا مستقرًّا على الحائِط، ونحو هذا ما جاء في الخبر: كتب عمر إلى أبي عبيدة بالشام: الغوثَ الغوثَ وأبو عبيدة وعمر -﵀- كتب إليه من الحجاز، فالكتاب لم يكن بالشام ولك أن تعدي "جعلتَ" إلى مفعولين فتقول: جعلتُ متاعَكَ بعضَهُ فوقَ بعضٍ، فتجعل "فوقَ بعضٍ" مفعولًا ثانيًا كما يكون في "ظننتُ" متاعَكَ بعضَه فوقَ بعضٍ "فجعلتُ" هذه إذا كانت بمعنى "علمتُ" تعدت إلى واحد مثل "رأيتُ" إذا كانت من رؤية العين، وإذا كانت جعلتُ ليست بمعنى علمتُ وإنما تكلم بها عن توهم أو رأيٍ أو قولٍ كقول القائل: جَعلتُ حسني قبيحًا وجعلتُ البصرةَ بغدادَ وجعلت الحلالَ حرامًا، فإذا لم ترد فجعلت العلاج والعمل في التعدي بمنزلة "رأيتُ" إذا أردت بها رؤية القلب ولم ترد رؤية العين ولك أن تعدي "جعلتُ" إلى مفعولين على ضرب آخر على أن تجعل المفعول الأول فاعلًا في الثاني، كما تقول: أَضربتُ زيدًا عمرًا تريد: أنك جعلتَ زيدًا يضربُ عمرًا فيكون حينئذٍ قولك: فوقَ بعضٍ مفعول مفعولٍ، وموضعه نصب تعدى إليه الفعل بحرف جرٍّ؛ لأنك إذا قلت: مررت بزيدٍ فموضع هذا نصب وهذا نحو: صُكَّ الحجرانِ أحدهما بالآخرِ، فإذا جعلت أنت أحدهما يفعل بالآخر قلت: صككتُ الحجرين أحدهما بالآخر ولم يكن بُدٌّ من الباء لأن الفعل متعدٍّ إلى مفعولٍ واحدٍ، فلما جعلت المفعول في المعنى فاعلًا احتجت إلى مفعول، فلم يتصل الكلام إلا بحرف جرٍّ، وقد بينت ذا فيما تقدم وأوضحته، فهذه ثلاثة أوجهٍ في نصب "جَعَلْتُ"
[ ٢ / ٥٢ ]
متاعَكَ بعضَهُ على بعضٍ، وهي النصب على الحال، والنصب على أنه مفعولٌ ثانٍ، والنصب على أنه مفعولُ مفعولٍ، فافهمهُ فإنه مشكل في كتبهم ويجوز الرفعُ فتقول: جعلت متاعَك بعضه على بعضٍ، وتقول: أبكيتَ قومكَ بعضهم على بعضٍ، فهذا كان أصله: بكى قومُكَ بعضُهم على بعضٍ، فلما نقلته إلى "أبكيتُ" جعلت الفاعل مفعولًا، وهو في المعنى فاعلٌ، إلا أنك أنت جعلتهُ فاعلًا وقولك: على بعضٍ لا يجوز أن يقع موقع الحال لأنك لا تريد أنّ بعضَهم مستقرٌّ على بعضٍ ولا مطروحٌ على بعضٍ، كما كان ذلكَ في المتاعِ، قال سيبويه: لم ترد أن تقول: بعضُهم على بعضٍ في عونٍ ولا أن أجسادَهم بعضًا على بعضٍ١، وقولك: بعضُهم، في جميع هذه المسائل منصوب على البدل، فإن قلت: حزنتُ قومك بعضُهم أفضلُ من بعضٍ، كان الرفع حُسنًا لأن الآخر هو الأول وإن شئت نصبت على الحال يعني "أفضلَ" فقلت: حَزنت قومَكَ بعضَهم أفضلَ من بعضٍ، كأنك قلت: حَزنت بعضَ قومِكَ فاضلين بعضهم.
قال سيبويه: إلا أن الأعرف والأكثر إذا كان الآخر هو الأول أن يبتدأ، والنصب عربي جيد٢ وتقول: ضُربَ عبد اللهِ ظهرُه وبطنُهُ، ومُطرنا سهلنا وجبلنا، ومطرنَا السهل والجبل، وجميع هذا لك فيه البدل، ولك أن يكون تأكيدًا كأجمعينَ لأنك إذا قلت: ضُرب زيدٌ الظهرُ والبطنُ، فالظهر والبطن هما٣ جماعة زيدٍ وإذا قلت: "مطرنا" فإنما تعني: مطرت بلادُنا، والبلاد يجمعها السهل والجبل.
قال سيبويه: وإن شئت نصبت فقلت: ضُربَ زيدٌ الظهرَ والبطنَ، ومطرنا السهل والجبل، وضُرب زيد ظهرهُ وبطنهُ٤، والمعنى: حرف الجر،
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٧٩. ٢ انظر الكتاب ١/ ٧٩. ٣ في الأصل: "هو". ٤ انظر الكتاب ١/ ٧٩.
[ ٢ / ٥٣ ]
وهو "في" ولكنهم حذفوه قال: وأجازوا هذا كما أجازوا: دخلتُ البيتَ، وإنما معناه: دخلت في البيتِ والعامل فيه الفعل، وليس انتصابه هنا انتصاب الظروف، قال: ولم يجيزوا حذف حرف الجر في غير السهلِ والجبلِ، والظهر والبطنِ، نظير هذا في حذف حرف الجر: نُبئت زيدًا، تريد: عن زيدٍ، وزعم الخليل أنهم يقولون: مطرنا الزرع والضرع، وإن شئت رفعت على البدل على أن تصيره بمنزلة أجمعينَ١، توكيدًا.
قال سيبويه٢: إن قلت: ضُربَ زيد اليدُ والرجلُ، جاز أن يكون بدلًا، وأن يكون توكيدًا، وإن نصبته لم يحسن، والبدل كما قال جائزٌ حَسنٌ، والتوكيد عندي يَقْبُحُ إذا لم يكن الاسم المؤكدُ هو المؤكدُ، واليد والرجل ليستا جماعة زيدٍ وهو في السهلِ والجبلِ عندي يحسنُ لأن السهلَ والجبلَ هما جماعة البلادِ، وكذلك البطنُ والظهرُ، إنما يراد بهما٣ جماعة الشخص، فإن أراد باليد والرجل أنه قد: ضُربت جماعة، واجتزأ بذكر الطرفين في ذلك جاز.
قال: وقد سمعناهم يقولون: ضربتهم٤ ظهرًا وبطنًا، وتقول: ضربت قومَك صغيرهم وكبيرهم على البدل، والتأكيد جميعًا فإن قلت: أو كبيرهم لم يجز إلا البدل وتقول: زيد ضربتهُ أخاكَ فتبدل "أخاك" من الهاء؛ لأن الكلام الأول قد تم وقد خبرتك: أن البدل إنما هو اختصار خبرين فإن قلت: زيدٌ ضربتُ أخاكَ إيّاهُ لم يجز لأن الكلام الأول ما تم فإن قلت: مررتُ برجلٍ قائمٍ رجل أبوهُ، فجعلت أباه بدلًا من رجل، لم يجز لأنه لا يصلح أن تقول: مررت برجلٍ قائمٍ أبوهُ وتسكت ولا يتم بذلك الكلام، فإن قلت: مررتُ برجلٍ قائمٍ زيدٍ أبوهُ فقد أجازه الأخفش
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٧٩. ٢ انظر الكتاب ١/ ٧٩. ٣ في الأصل: "به". ٤ في سيبويه ١/ ٨٠: مطرتهم.
[ ٢ / ٥٤ ]
على الصفة، وقال: لأن قولك: أبوه من صفة زيدٍ، فصار كأنه بعض اسمه، ولو كان بدلًا من زيدٍ لم يكن كلامًا، ونظير هذا: مررتُ برجلٍ قائمٍ رجلٌ يحبهُ، وبرجلٍ قائمٍ زيدٌ الضاربه.
[ ٢ / ٥٥ ]
الخامس من التوابع: وهو العطف بحرف:
حروف العطف عشرة أحرف يتبعنَ ما بعدهن ما قبلهن من الأسماء والأفعال في إعرابها.
الأول: [الواو] ١ ومعناها إشراك الثاني فيما دخل فيه الأول وليس فيها دليل على أيهما كان أولًا نحو قولك: جاء زيدٌ وعمرٌو، ولقيت بكرًا وخالدًا، ومررت بالكوفةِ والبصرةِ، فجائز أن تكون البصرة أولًا، وجائز أن تكون الكوفةُ أولًا، قال الله ﷿: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ٢ والركوع قبل السجود.
الثاني: الفاء. وهي توجب أن الثاني بعد الأول، وأن الأمر بينهما قريبٌ، نحو قولك: رأيتُ زيدًا فعمرًا، ودخلت مكةَ فالمدينةَ٣، وجاءني زيدٌ فعمرٌو، ومررت بزيدٍ فعمرٍو، فهي تجيء لتقدم الأول واتصال الثاني فيه.
الثالث: ثُمَّ. وثم مثل الفاء، إلا أنها أشد تراخيًا، وتجيء لتعلم أن بين الثاني والأول مهلة، تقول: ضربتُ زيدًا ثم عمرًا، وجاءني زيدٌ ثم عمرٌو، ومررت بزيدٍ ثم عمرٍو.
الرابع: أو. ولها ثلاثة مواضع، تكون لأحد الشيئين بغير تعيينه عند
_________________
(١) ١ أضفت "الواو" لإيضاح المعنى، وانظر الموجز/ ٦٥. ٢ آل عمران: ٤٣. ٣ في سيبويه ٢/ ٣٠٤ وإنما جئت بالواو لتضم الآخر إلى الأول وتجمعهما، وليس فيه دليل على أن أحدهما قبل الآخر، وانظر سيبويه أيضًا ١/ ٢١٩.
[ ٢ / ٥٥ ]
شك المتكلم، أو قصده أحدهما، أو إباحة وذلك قولك: أتيت زيدًا أو عمرًا، وجاءني رجلٌ أو امرأةٌ هذا إذا شك، فأما إذا قصد بقوله أحدهما، فنحو: كُلِ السمكَ أو اشربِ اللبنَ، أي: لا تجمعهما، ولكن اختر أيهما شئت، وكقولك: أعطني دينارًا أو اكسني ثوبًا، والموضع الثالث الإِباحة١، وذلك قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، وائت المسجد أو السوق، أي: قد أذنت لك في مجالسة هذا الضرب من الناسِ، وعلى هذا قولُ الله ﷿: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ٢.
الخامس: إما. وإما في الشك والخبر بمنزلة "أو" وبينهما فصل، وذلك أنك إذا قلت: جاءني زيدٌ أو عمرٌو وقع الخبر في "زيدٍ" يقينًا حتى ذكرت "أو" فصار فيه وفي عمرٍو شك و"إما" تبتدئ به شاكًّا، وذلك قولك: جاءني إما زيدٌ وإما عمرٌو أي: أحدهما، وكذلك وقوعها للتخيير٣، تقول: اضرب إما عبد الله وإما خالدًا، فالآمر لم يشك ولكنه خير المأمور كما كان ذلك في "أو" ونظيره قول الله ﷿: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ٤ وكقوله ﷿: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ٥.
السادس: "لاَ". وهي تقع لإخراج الثاني مما دخل فيه الأول، وذلك قولك: ضربتُ زيدًا لا عمرًا، ومررت برجلٍ لا امرأةٍ٦، وجاءني زيدٌ لا عمرٌو.
_________________
(١) ١ في سيبويه ١/ ٤٨٩ "تقول: جالس عمرًا أو خالدًا أو بشرًا، كأنك قلت: جالس أحد هؤلاء، ولم ترد إنسانًا بعينه، ففي هذا دليل على أن كلهم أهل أن يجالس، كأنك قلت: جالس هذا الضرب". ٢ الإنسان: ٢٤. ٣ أضفت كلمة "التخيير" لإيضاح المعنى. ٤ الإنسان: ٣. ٥ سورة محمد "ﷺ": ٤. ٦ في سيبويه ١/ ٢١٨ "ومن ذلك": مررت برجل لا امرأة، أشركت بينهما "لا" في الباء وأحقت المرور للأول وفصلت بينهما عند من التبس عليه فلم يدرِ بأيهما مررت.
[ ٢ / ٥٦ ]
السابع: بلْ. ومعناها الإِضراب عن الأول، والإِثبات للثاني نحو قولك: ضربتُ زيدًا بلْ عمرًا، وجاءني عبد الله بلْ أخوهُ، وما جاءني رجلٌ بل امرأةٌ.
الثامن: لكنْ. وهي للاستدراك بعد النفي، ولا يجوز أن تدخل بعد واجب إلا لترك قصةٍ إلى قصةٍ "تامةٍ"، فأما مجيئها للاستدراك بعد النفي فنحو قولك: ما جاءني زيدٌ لكنْ عمرٌو، وما رأيت رجلًا لكن امرأة، ومررت بزيدٍ لكنْ عمرٍو، لم يجز١.
التاسع: أَمْ. وهي تقع في الاستفهام في موضعين: فأحدهما أن تقع عديلة الألف على معنى "أي" وذلك نحو قولك: أزيدٌ في الدار أم عمرٌو؟ وكقولك: أأعطيتَ زيدًا أم أحرمته؟ فليس جوابُ هذا لا، ولا "نَعَمْ" كما أنه إذا قال: أيهما لقيتَ أو أي الأمرين فعلت؟ لم يكن جواب هذا لا ولا "نعم" لأن المتكلم مدعٍ أن أحد الأمرين قد وقع، لا يدري أيهما هو فالجواب أن يقول: زيدٌ أو عمرٌو٢، فإن كان الأمر على غير دعواه فالجواب: أن تقول: لم ألقَ واحدًا منهما، [أو كليهما] ٣، فمن ذلك قول الله ﷿: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ ٤، ومثل ذلك: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ٥ فخرج هذا من الله مخرج التوقيف والتوبيخ، ومخرجه من الناس يكون استفهامًا، ويكون توبيخًا٦، ويدخل في هذا
_________________
(١) ١ في الأصل الجملة مسبوقة "بما" وقد حذفتها؛ لأنه لا مانع من الاستدراك بعد النفي، والذي يريده المصنف عدم التدارك بعد الإيجاب، ولكنها يثبت بها بعد نفي. وانظر الكتاب ١/ ٢١٦. ٢ في سيبويه ١/ ٤٨٢-٤٨٣ هذا باب "أم" إذا كان الكلام استفهامًا. ويقع الكلام بها في الاستفهام على وجهين: على معنى: أيهم، وأيهما. ٣ أضفت "أو كليهما" لإيضاح المعنى. ٤ النازعات: ٢٧. ٥ الدخان: ٣٧. ٦ انظر المقتضب ٣/ ٢٨٧.
[ ٢ / ٥٧ ]
الباب التسوية؛ لأن كل استفهام فهو تسوية، وذلك نحو قولك: ليتَ شعري أزيدٌ في الدارِ أمْ عمرٌو؟ وسواءٌ عليَّ أذهبت أم جئتَ فقولك: سواءٌ عليَّ تخبر أن الأمرين عندك واحدٌ وإنما استوت التسوية والاستفهام لأنك إذا قلتَ مستفهمًا: أزيدٌ عندك أم عمرٌو؟ فهما في جهلك لهما مستويان لا تدري أن زيدًا في الدار كما لا تدري أن عمرًا فيها، وإذا قلت: قد علمتُ أزيدٌ في الدار أم عمرٌو، فقد استويا عند السامع كما استوى الأولانِ عند المستفهم، وأي داخلة في كل موضع تدخل فيه أم مع الألف، تقول: قد علمتُ أيّهما في الدار، تريد أذَا أم ذَا، قال الله ﷿: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ ١، وقال: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ ٢ فأي تنتظم معنى الألف مع أم جميعًا، وأما الموضع الثاني من موضعي "أمْ" فإن تكون منقطعة مما قبلها خبرًا كان أو استفهامًا، وذلك نحو قولك فيما كان خبرًا: إنَّ هذا لزيد أم عمرٌو يا فتى٣، وذلك أنك نظرت إلى شخصٍ فتوهمته زيدًا فقلت [على] ٤ ما سبق إليك، ثم أدركك الظن أنه عمرو، فانصرفت عن الأول، فقلت: أم عمرٌو مستفهمًا، فإنما هو إضراب على معنى "بَلْ" إلا أن ما يقعُ بعد "بَلْ" يقينٌ وما يقع بعد "أمْ" مظنون مشكوك فيه، وذلك أنك تقول: ضربتُ زيدًا ناسيًا أو غالطًا ثم تذكر فتقول: بَلْ عمرًا مستدركًا مثبتًا للثاني تاركًا للأول فهي تخرج من الغلط إلى استثباتٍ ومن نسيان إلى ذكر و"أمْ" معها ظن أو استفهام وإضراب عما كان قبله ومن ذلك: هل زيدٌ منطلقٌ أم عمرٌو يا فتى قائمًا، أضرب عن سؤاله عن انطلاق زيد، وجعل السؤال عن عمرو، فهذا مجرى هذا، وليس على منهاج
_________________
(١) ١ الكهف: ١٩. ٢ الكهف: ١٢. ٣ في شرح الكافية للرضي ٢/ ٣٤٧ "المتصلة يليها المفرد والجملة بخلاف المنقطعة، فإنه لا يليها إلا الجملة ظاهرة الجزأين نحو: أزيد عندك أم عمرو، مقدرًا أحدهما، نحو: إنها إبل أم شاء، أي: أم هي شاء". ٤ أضفت كلمة "على" لتوضيح المعنى.
[ ٢ / ٥٨ ]
قولك: أزيدٌ في الدار أم عمرٌو، وأنت تريد: أيهما في الدار لأن "أَمْ" عديلة الألف ولا تقع "هَلْ" موقع الألف مع "أَمْ" وقد تدخل "أَمْ" على "هلْ". قال الشاعر:
أمْ هَلْ كَبيرٌ بكى١
العاشر: حتى. تقول: ضربتُ القومَ حتىَّ زيدًا، وقد ذكرتها كيف تكون عاطفة فيما تقدم٢ حين ذكرناها مع حروف الخفض وأفردنا لها بابًا، واعلم أن قومًا يُدخلون ليس في حروف العطف ويجعلونها كلا، وهذا شاذ في كلامهم، وقد حكى سيبويه أن قومًا يجعلونها "كَما" فيقولون: لَيس الطيبُ إلا المسكَ٣.
واعلم: أن حروف العطف لا يدخل بعضها على بعض فإن وجدت ذلك في كلام فقد أُخرج أحدهما من حروف النسق، وذلك مثل قولهم: لم يقم عمرٌو ولا زيدٌ، الواو نَسقٌ و"لا" توكيد للنفي، وكذلك قولك: والله لا فعلتُ ثم والله لا فعلتُ، ثم نَسق والواو قَسمٌ، وحروف العطف لا يفرق
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤٨٧ على دخول "أم" المنقطعة على "هل" و"أم" المتصلة لا تدخل على أدوات الاستفهام، أما "أم" المنقطعة فتدخل عليها إلا ألف الاستفهام. والشاهد جزء من صدر بيت وتكملته: أم هل كبير بكى لم يقض عبرته إثر الأحبة يوم البين مشكوم المشكوم: المجزى، وقال الشجري: مشكوم: مثاب مجازى. إثر الأحبة -بكسر الهمزة وسكون الثاء- وفتحها لغة. البين: الفراق، وإثر ويوم متعلقان "ببكى". والعبرة: الدمعة، أي: لم يشتفِ من البكاء؛ لأن في ذلك راحة والبيت مطلع قصيدة لعلقمة بن عبدة. وانظر المقتضب ٣/ ٢٩٠، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٣٣٤، وابن يعيش ٨/ ١٥٣، والخزانة ٤/ ٥١٦، والمفضليات/ ٣٩٧، وشرح المفضليات للأنباري/ ٧٨٦، وديوان علقمة/ ١٢. ٢ ذكر ذلك في الجزء الأول. ٣ انظر الكتاب ١/ ٣١.
[ ٢ / ٥٩ ]
بينها وبين المعطوف بشيء مما يعترض بين العامل والمعمول فيه، والأشياء التي يعترض بها: الأيمانُ، والشكوكُ والشروطُ. وقد يجوز ذلك في "ثم وأو ولا" لأنها تنفصل وتقوم بأنفسها وقد يجوز الوقوف عليها فتقول: قامَ زيدٌ ثم والله عمرٌو وثم أظن عمرٌو و"لا" التي للعطف يصح أن تلي الماضي لأنه قد غلب عليه الدعاء وقد يجوز أن يكون مع الماضي بمنزلة "لَم" وذلك قولك: زيدٌ قامَ لا قعد، فيلتبس بالدعاء فإن لم يلتبس جاز عندي وقد جاءت "لا" نافية مع الماضي في غير خبر كما جاءت "لَم" وذلك قوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ ١ وتقول: لم يقمْ زيدٌ ولم يقعد، ولا يجوز: ولا يقعدُ إلا أن ترفعه وكذلك: لن يقومَ زيدٌ ولا يقعدُ، بواوٍ وغير واوٍ.
_________________
(١) ١ القيامة: ٣١.
[ ٢ / ٦٠ ]
باب العطف على الموضع:
الأشياء التي يقال: إن لها موضعًا غير لفظها على ضربين: أحدهما اسمٌ مفرد مبني، والضرب الآخر اسم قد عمل فيه عامل أو جعل مع غيره بمنزلة اسم، فيقال: إن الموضع للجميع، فإن كان الاسم معربًا مفردًا، فلا يجوز أن يكون له موضع؛ لأنا إنما نعترف بالموضع إذا لم يظهر [في] ١ اللفظ الإِعراب، فإذا ظهر الإِعراب فلا مطلوب.
الضرب الأول:
وهو الاسم المضمر والمبني، وذلك نحو: هذا، تقول: إن هذا أخوكَ، فموضع "هذَا" نصب؛ لأنك لو جعلت موضع هذا اسمًا معربًا قلت: إن زيدًا أخوكَ فمن أجل هذا جاز أن تقول: إن هذا وزيدًا قائمان؛ ولهذا جاز أن تقول: يا زيدُ العاقلَ، فتنصب على الموضع، وإنما جاز الرفع على اللفظ لأنه مبني يشبه المعرب؛ لاطراده في الرفع، وقد بينت هذا في باب النداء، وليس في قولك "هذا" حركة تشبه الإِعراب فإذا قلت: يا زيد وعمرو فحكم الثاني حكم الأول؛ لأنه منادى فهو مضموم، وقد قالوا على
_________________
(١) ١ أضفت "في" لإيضاح المعنى.
[ ٢ / ٦١ ]
ذلك: يا زيدُ والحارثُ، كما دخلت الألف واللام، و"يا" لا تدخل عليهما، ومن قال: إن موضع الاسم الذي عملت فيه "إنَّ" رفعٌ فقد غلط من قبل أن المعرب لا موضع له، ومن أجل أنه يلزمه أن يكون لهذا موضعان في قولك: إن هذا وزيدًا أخواكَ؛ لأن موضع زيدٍ عنده إذا قال: إن زيدًا، رفعٌ، فيلزمه أن يكون موضع "هذا" نصبًا ورفعًا.
الضرب الثاني:
ينقسم أربعة أقسام: جملة قد عمل بعضها في بعضٍ، أو اسم عمل فيه حرف، أو اسمٌ بني مع غيره بناء، أو اسم موصول لا يتمُّ إلا بصلته.
الأول: جملة قد عمل بعضها في بعض: اعلم أن الجمل على ضربين: ضربٍ لا موضع له وضرب له موضع. فأما الجملة التي لا موضع لها فكل جملة ابتدأتها، فلا موضع لها نحو قولك مبتدئًا: زيدٌ في الدار وعمرٌو عندكَ فهذه لا موضع لها.
الضرب الثاني: الجملة موقع اسم مفرد نحو قولك: زيدٌ أبوهُ قائمٌ، فأبوه قائم جملة موضعها رفع؛ لأنك لو جعلت موضعها اسمًا مفردًا نحو: منطلق لصلح، وكنت تقول: زيدٌ منطلقٌ فتقول على هذا: هندٌ منطلقةٌ وأبوها قائمٌ فيكون موضع أبوها "قائمٌ" رفعًا؛ لأنك لو وضعت موضع هذه الجملة "قائمةً" لكان رفعًا، فإن قلت: هندٌ أبوها قائمٌ ومنطلقةٌ جاز، والأحسن عندي أن تقدم "منطلقةً" لأن الأصل للمفرد، والجملة فرع ولا ينبغي أن تقدم الفرع على الأصل إلا في ضرورة شعرهم، وكذلك: مررت بامرأةٍ أبوها شريفٌ وكريمةٌ حقه أن يقول: بامرأةٍ كريمةٍ وأبوها شريفٌ؛ لأن الأصل للمفرد وإن وصفه مثله مفردا، وتقديم الجملة في الصفة عندي على المفرد أقبح منه في الخبر، إذا قلت: هندٌ أبوها كريمٌ وشريفةٌ؛ لأن أصل الصفة أن تكون مساوية للموصوف تابعة له في لفظها ومعرفتها ونكرتها، وليس الخبر، من
[ ٢ / ٦٢ ]
المبتدأ بهذه المنزلة، فإذا قلت: زيدٌ أبوه قائمٌ، و[كريم] ١ لزيدٍ لم يحسنْ؛ لأنه ملبس، يصلح أن يكون لزيدٍ وللأبِ، والأولى أن يكون معطوفًا على "قائمٍ" لما خبرتك فإن لم يلبس صلُحَ، وكذلك حق حروف العطف أن تعطف على ما قرب منها أولى.
القسم الثاني: اسم عمل فيه حرف.
هذا القسم على ضربين:
ضرب يكون العامل فيه حرفًا زائدًا للتوكيد سقوطه لا يخل بالكلام، بل يكون الإِعراب على حقه والكلام مستعمل.
والضرب الآخر أن يكون الحرف العامل غير زائد، ومتى أسقط لم يتصل الكلام بعضه ببعض.
فالضرب الأول: نحو قولك: لستَ بقائمٍ ولا قاعدٍ، الباء زائدة لتأكيد النفي، ولو أسقطتها لم يخلّ بالكلام واتصل بعضه ببعضٍ، فموضع "بقائمٍ" نصب لأن الكلام المستعمل قبل دخولها "لستَ قائمًا" فهذا لك أن تعطف على موضعه فتقول: "لستَ بقائمٍ ولا قاعدًا"، ومن ذلك: هل من رجلٍ عندك؟ وما من أحد في الدار، فهذا لك أن تعطف على الموضع لأن موضع "من رجلٍ" رفعٌ، وكذلك: خَشَّنتُ بصدره، وصدر زيدٍ٢، ولو أسقطت الباء كان جيدًا فقلت: خَشنت صدره وصدر زيدٍ، وكذلك: كفى
_________________
(١) ١ أضفت كلمة "كريم" لأن المعنى يقتضيها. ٢ قال المبرد في المقتضب ٤/ ٧٣: "وإنما اختاروا إعمال الآخر؛ لأنه أقرب من الأول ألا ترى أن الوجه أن تقول: خشنت بصدرك وصدر زيد، فتعمل الباء؛ لأنها أقرب، وانظر الكتاب ١/ ٣٧".
[ ٢ / ٦٣ ]
بالله١، إنما هو: كفى الله، فعلى ذا تقول: كفى بزيدٍ وعمروٍ، ومن ذلكَ: إن زيدًا في الدار وعمرًا، ولو أسقطت "إنّ" لكان: زيدٌ في الدار وعمرٌو، فإن مع ما عملت فيه في موضع رفعٍ، وينبغي أن تعلم أنه ليس لك أن تعطف على الموضع الذي فيه حرف عامل إلا بعد تمام الكلام، من قبل أن العطف نظير التثنية والجمع ألا ترى أن معنى قولك: قامَ الزيدانِ إنما هو: قامَ زيدٌ وزيدٌ فلما كان العاملان مشتركين في الاسم ثُنيا ولو اختلفا لم يصلح فيهما إلا الواو، فكنت تقول: قامَ زيدٌ وعمرٌو، فالواو نظير التثنية وإنما تدخل إذا لم تكن التثنية، فلما لم يكن يجوز أن يجتمع في التثنية الرفع والنصب، ولا الرفع والخفض، ولا أن يعمل في المثنى عاملان، كذلك لم يجز في المعطوف والمعطوف عليه. فإذا تم الكلام عطفت على العامل الأول، وكنت مقدرًا إعادته وإن كنت لا تقيده في اللفظ لأنك مستغنٍ عنه، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: إن زيدًا وعمرٌو منطلقان لما خبرتك به، ولأن قولك: "منطلقانِ" يصير خبرًا لمرفوع ومنصوب وهذا مستحيل، فإذا قلت: "إن زيدًا منطلق وعمرٌو" صَلُح؛ لأن الكلام قد تم ورفعت، لأن الموضع للابتداء وإن زائدةٌ فعطفت على موضع "إنّ" وأعملت الابتداء وأضمرت الخبر وحذفته اجتزاءً بأن الأول يدل عليه، فإن اختلف الخبران لم يكن بد من ذكره ولم يجز حذفهُ نحو قولك: إن زيدًا ذاهبٌ وعمرٌو جالسٌ؛ لأن "ذاهبًا" لا يدل على "جالس" فإذا تم الكلام فلك العطف على اللفظ والموضع جميعًا، وإذا لم يتم لم يجز إلا اللفظ فقط وكذلك لو قلت: "هَلْ من رجلٍ وحمارٍ موجودان" فإن قلت: وحمارٌ جاز كما تقول: إن عمرًا وزيدًا منطلقان، وكذلك إذا قلت: خشنت بصدره وصدر زيدٍ عطفت على "خشنت" ولم يعرج على الباء٢ وجاز؛ لأن الكلام قد تم، فكأنك قد أعدت: خشنت
_________________
(١) ١ في كتاب الله العزيز: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ النساء: ٧٩. ٢ جعل ابن جني في الخصائص ٢/ ٢٧٨ "خشن" مما يتعدى بنفسه تارة، وبحرف الجر أخرى مثل جاء، ومعنى: خشنت صدره: أوغر صدره وأغضبه. وانظر: المقتضب ٤/ ٧٣.
[ ٢ / ٦٤ ]
ثانية، فالفرق بين العطف على الموضع والعطف على اللفظ أن المعطوف على اللفظ كالشيء يعمل فيهما عامل واحد؛ لأنهما كاسم واحد والمعطوف على المعنى يعمل فيهما عاملان، والتقدير تكرير العامل في الثاني إذا لم يظهر عمله في الأول، وتصير كأنها جملة معطوفة على جملة وكل جملتين يحذف من أحدهما شيء ويقتصر بدلالة الجملة الأخرى على ما حذف، فهي كالجملة الواحدة ونظير هذا قولهم: ضربتُ وضربني زيدٌ، اكتفوا بذكر زيد عن أن يذكروا أولًا إلا أن هذا حذف منه المعمول فيه، وكان الثاني دليلًا على الأول، وذاك حذف العامل منه إلا أن حذف العامل إذا دل عليه الأول أحسن مع العطف؛ لأن الواو تقوم مقام العامل في كل الكلام.
الضرب الآخر: أن يكون الحرف العامل غير زائد، وذلك نحو قولك: مررتُ بزيدٍ وذهبتُ إلى عمرٍو ومُرَّ بزيدٍ وذهب إلى عمرو، فتقول: إن موضع "بزيدٍ" في: "مررتُ بزيدٍ" منصوب، وموضع إلى عمرو في: ذهبت إلى عمرو نصب، وموضع بزيد في: "مر بزيدٍ" رفع، وإنما كان ذلك لأنك لو جعلت موضع: "مررتُ" ما يقارب معناه من الأفعال المتعدية لكان زيد منصوبًا نحو: أتيتُ زيدًا، ولو أسقطت الباء في قولك: مررت بزيدٍ لم يجز؛ لأن الأفعال التي هي غير متعدية في الأصل لا تتعدى إلا بحرف جر، وقد بينت فيما تقدم صفة الأفعال المتعدية والأفعال التي لا تتعدى، فتقول على هذا إذا عطفت على الموضع: مررتُ بزيدٍ وعمرًا وذهبتُ إلى بكرٍ وخالدًا ومُرَّ بزيدٍ وعمروٍ، كأنك قلت: وأتى عمرٌو، وأتيتُ عمرًا، ودل "مررتُ" على "أتيتُ" فاستغنيت بها وحذفت، قال الشاعر:
جِئْنِي بِمِثْلِ بَنِي بَدْرٍ لِقَوْمِهم أو مِثْل أسرةِ مَنظورِ بن سيارِ١
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٨٦ و١/ ٤٨ "على حمل الاسم المعطوف على موضع الباء وما عملت فيه؛ لأن معنى قوله: جئتني بمثل بني بدر: هاتني مثلهم، فكأنه قال: هات مثل بني بدر أو مثل أسرة منظور والبيت لجرير يخاطب الفرزدق فيفخر عليه بسادات قيس، لأنهم أخواله، وبنو بدر من فزارة وفيهم شرف قيس بن عيلان وبنو سيار من سادات فزارة أيضًا، وفزارة من ذبيان من قيس، وأسرة الرجل: رهطه الأدنون إليه، واشتقاقه من أسرت الشيء إذا شددته وقويته". لأن الإنسان يقوى برهطه على العدو ويعز، وانظر المقتضب ٤/ ١٥٣ ورواه: جيئوا بمثل، والخصائص ٢/ ٢٧٨، وجمهرة الأنساب/ ٢٥٨، وديوان جرير/ ٣١٢، ومعاني الفراء ٢/ ٢٢، والمحتسب ٢/ ٧٨، وابن يعيش ٦/ ٩٦.
[ ٢ / ٦٥ ]
كأنه قال: أو هاتِ مثل أسرة منظور؛ لأنّ جئني بمثل بني بدرٍ، يدل على: هاتِ أو أعطني وما أشبه هذا.
القسم الثاني: اسم بني مع غيره.
وذلك نحو: خمسةَ عشرَ وتسعةَ عشرَ، فحكم هذا حكم المبني المفرد، تقول: إن خمسةَ عشرَ درهمًا ويكفيك خمسةَ دنانير وخمسةُ دنانير النصب على "إنَّ" والرفع على موضع "إنَّ" وقولك: لا رجل في الدار بمنزلةِ: خمسة عشر في البناء إلا أن "رجل" مبني يضارع المعرفة فجاز لك أن تقول: لا رجلَ وغلامًا لكَ فتعطف عليه لأن "لا" تعمل في النكرة عمل "إنّ" فبنيت مع "لا" على الفتح الذي عملته "لا" ومنعت التنوين؛ ليدل منع التنوين على البناء لأنه اسم نكرة منصوبٌ متمكنٌ ودل على ذلك قولهم: لا ماءَ ماءَ باردًا لك، ألا تراهم بنوا ماء مع ماءٍ فعلمت بذلك أن هذا الفتح قد ضارعوا به المبني وأشبه خمسة عشر وكان هو الدليل على أن "لا" مبنية مع النكرة المفردة إذا قلت: لا ماءَ لك وقد بينت هذا في باب النفي١، فلهذا جاز أن تقول لا رجل وغلامًا لك على اللفظ، ولا رجل وغلامٌ لك على موضع "لا" ويدل على بناء رجل في قولك: لا رجلَ أنه لا يجوز أن تقول: لا رجلَ وغلامُ لكَ فلو لم يعدلوا فتحة النصب إلى فتحة البناء [لما] ٢ جاز؛ لأنّ الواو تدخل الثاني فيما دخل فيه الأول، ولو وجدنا في كلامهم اسمًا نكرة
_________________
(١) ١ انظر الجزء الأول/ ٤٤١ وما بعدها. ٢ أضفت "لما" لأن المعنى يحتاجها.
[ ٢ / ٦٦ ]
متمكنًا ينصب بغير تنوين لقلنا: إنه منصوب غير مبني، فكما تقول: إن المنادى المفرد بني على الضم كالمعرب المرفوع، تقول في هذا: إنه معرب كالمبني المفتوح؛ ولهذا لا يجوز أن ينعت الرجل على الموضع١، فيرفع لأن موضع "رجلٍ" نصبٌ؛ لأنه لو كان موضعه مضافًا ما كان إلا نصبًا؛ فلهذا قلنا: إنه بني على التقدير الذي كان له وموضع "لا" مع رجلٍ رفعٌ موضعُ ابتداءٍ كما كانت إن مع ما عملت فيه، إلا أن النحويين أجازوا: لا رجلَ ظريفٌ وقالوا: رفعناه على موضع: لا رجل وإنما جاز هذا مع "لا" ولم يجز مع "أن" لأن "لا" مع رجلٍ بمنزلة اسم واحد وليست "إنَّ" مع ما عملت فيه بمنزلة شيء واحد، لو قلت: إن زيدًا العاقلُ منطلقٌ لم يجز وقد ذكرت هذا في باب إنّ ويدلك أيضًا على أن "لا" مع ما عملت فيه بمنزلة اسم واحد أنه لا يجوز لك أن تفصل بين "لا" والاسم ومتى فعلت ذلك لم يكن إلا الرفع، وذلك قولك: لا لك مالٌ، ولا تقول: لا لكَ مالَ، لأن "لكَ" قد منع البناء وقد حكي عن بعضهم: لا رجلَ وغلامَ لك فحذف التنوين من الثاني وشبهه بالعطف على النداء وهذا شاذٌّ لا يعرج عليه وإنما حكمنا على "لا" أنها نصبت في قولك: لا رجلَ لقولهم: لا رجلَ وغلامًا لكَ، وأنه يجوز أن تقول: لا رجل وغلامًا منطلقان، فلو لم تكن "لا" نصبت لم يجز أن تعطف على رجل منصوبًا، فهذا الفرق بين "لا" رجلَ وخمسة عشَر. وقد عرفتك من أين تشابها ومن أين افترقا، وأما عطف المفرد على المفرد في النداء فلا يجوز أن تعطفه على الموضع لو قلت: يا زيدُ وعمرًا لم يجز من قبل أن زيدًا إنما بني؛ لأنه منادى مخاطب باسمه. والصلة التي أوجبت البناء في زيدٍ هي التي أوجبت البناء في عمرٍو وهُما في ذلك سواءٌ، ألا ترى أنهم يقولون: يا عبد الله وزيدٌ فيضمون الثاني والأول منصوب لهذه العلة، ولولا ذلك لما جاز وليس مثل هذا في سائر ما يعطف عليه.
_________________
(١) ١ في الأصل: الموضوع.
[ ٢ / ٦٧ ]
القسم الرابع: وهو ما عطف على شيء موصول لا يتم إلا بصلته.
وذلك قولك: ضربت الذي في الدارِ وزيدًا عطفت على الذي مع صلتها ولو عطفت على الذي مفردًا، لم يجز ولم يكن اسمًا معلومًا، وكذلك "مَن" إذا كانت بمعنى الذي تقول: ضربتُ مَن في الدار وزيدًا، ومثل ذلك "مَا" إذا كانت بمعنى "الذي" تقول: أخرجتُ ما في الدار وزيدًا، فالذي ومَنْ وما مبهمات لا تتم في الإِخبار إلا بصلات، وما يوصل فيكون كالشيء الواحد "أن" مع صلتها تكون كالمصدر نحو قولك: يعجبني أن تقوم، فموضع أن تقوم رفع لأن المعنى: يعجبني قيامُك وكذلك إن قلت: كرهتُ أن تقومَ، فموضع أن تقوم نصب١، وعجبت مِنْ أن تقومَ خَفضٌ، فتقولُ على هذا: عجبتُ من أن يقومَ زيدٌ وقعودِكَ، تريد: من قيامِ زيدٍ وقعودِك.
_________________
(١) ١ أي: إنه مفعول به، على تقدير: كرهت قيامك.
[ ٢ / ٦٨ ]
باب العطف على عاملين:
اعلم: أن العطف على عاملين، لا يجوز من قبل أن حرف العطف إنما وضع لينوب عن العامل، ويغني عن إعادته، فإن قلت: قامَ زيدٌ وعمرٌو فالواو أغنت عن إعادة "قام" فقد صارت ترفع كما يرفع قامَ، وكذلك إذا عطفت بها على منصوب نحو قولك: إن زيدًا منطلقٌ وعمرًا فالواو نصبت كما نصبت "إنَّ" وكذلك في الخفض إذا قلت: مررت بزيدٍ وعمروٍ، فالواو جرت كما جرت الباء فلو عطفت على عاملين أحدهما يرفع والآخر ينصب، لكنت قد أحلت؛ لأنها كان تكون رافعةً ناصبة في حال قد أجمعوا على أنه لا يجوز أن تقول: مَرَّ زيدٌ بعمروٍ وبكرٌ خالدٍ، فتعطف على الفعل والباء ولو جاز العطف على عاملين لجاز هذا واختلفوا إذا جعلوا المخفوض يلي الواو، فأجاز الأخفش١ ومن ذهب مذهبه: مَرَّ زيدٌ بعمرٍو وخالدٌ بكرٍ، واحتجوا بأشياء منها قول الشاعر:
هَوِّنْ عَلَيْكَ فإنَّ الأُمورَ بِكَفِّ الإِلهِ مَقَادِيرُهَا
فَلَيْسَ بآتِيكَ مَنْهِيُّهَا ولاَ قَاصِرٍ عَنْكَ مأمورُهَا٢
_________________
(١) ١ انظر المقتضب ٤/ ١٩٥، وشرح الكافية ١/ ٢٩٩، وابن يعيش ٣/ ٢٧، والمغني ٢/ ١٠١. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٣١ على جواز النصب في الخبر المعطوف على خبر "ليس" وإن كان الآخر أجنبيًّا؛ لأن "ليس" تعمل في الخبر مقدمًا ومؤخرًا لقوتها، وقال ابن هشام في المغني: ومما يشكل على مذهب سيبويه قوله: هون عليك؛ لأن "قاصر" عطف على مجرور الباء، فإن كان مأمورها عطفًا على مرفوع "ليس" لزم العطف على معمول عاملين، وإن كان فاعلًا بقاصر لزم عدم الارتباط بالمخبر عنه، إذ التقدير حينئذ: فليس منهيها بقاصر عنك مأمورها. والبيتان للأعور الشني، وكان الخليفة عمر "﵁" كثيرًا ما يتمثل بالبيتين، وهو على المنبر. وانظر: المقتضب ٤/ ١٩٦، والمغني ١/ ١٢٨ و٢/ ١٠١، والسيوطي/ ١٤٦، والأشباه والنظائر ٤/ ١٢، وشرح السيرافي ١/ ٤٢٠.
[ ٢ / ٦٩ ]
وقال النابغة:
فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ لَنَا أنْ نَرُدَّها صِحَاحًا ولا مستنكرًا أن تُعقَّرا١
وما يحتجون به:
ما كل سوداءَ تمرةً، ولا بيضاءَ شحمةً، فعطف على كُل وما، ومن ذلك:
أَكُلَّ امرِئٍ تَحْسَبِينَ امرأً ونَارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نَارَا٢
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٣٢ قال الأعلم: فرد قوله: ولا مستنكرًا على قوله "بمعروف" وجعل الآخر من سبب الأول؛ لأن الرد ملتبس بالخيل، وكأنه والعقر متصل بضميرها، فكأنه اتصل بضمير الرد حيث كان من الخيل فتقدير البيت: فليس بمعروفة خلينا ردها صحاحًا ولا مستنكر عقرها، لما ذكر من التباس الرد بالخيل، فكأنه من الخيل، والبيت للنابغة الجعدي من قصيدة قالها حينما وفد على النبي -ﷺ- وأنشده إياها. وانظر: المقتضب ٤/ ١٩٤، والخزانة ١/ ٥١٣، واللآلئ/ ٢٤٧، وأمالي المرتضى ١/ ٢٦٧، وجمهرة أشعار العرب/ ٣٠٣، وديوان النابغة/ ٧٣. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٣٣ أراد: "وكل نار" فحذف لما جرى من ذكر كل مع تقديمه المجرورين وحصول الرتبة في آخر الكلام، واتصال المجرور بحرف العطف لفظًا ومعنى فسيبويه يحمله على حذف مضاف تقديره: وكل نار إلا أنه حذف، ويقدرها موجودة، والأخفش يحمله على العطف على عاملين فيخفض نارًا بالعطف على امرئ المخفوض بكل، وينصب نارًا بالعطف على الخبر. والبيت لأبي دواد الإيادي حارثة بن الحجاج من إياد بن نزار، شاعر قديم من شعراء الجاهلية. وانظر المحتسب ٢/ ٢٨١، وأمالي ابن الشجري ١/ ١٩٦، ومفاتيح العلوم: ٦٩، والكامل/ ١٦٣، وابن يعيش ٣/ ٢٧، ومشكل إعراب القرآن ٤٨٩.
[ ٢ / ٧٠ ]
ومذهب سيبويه في جميع هذه أن لا يعطف على عاملين، ويذكر أن في جميعها تأويلًا يرده إلى عمل واحد، ونحن نذكر ما قاله سيبويه في باب "ما"١ تقول: ما أبو زينب ذاهبًا ولا مقيمةٌ أُمها، ترفع لأنك لو قلت: ما أبو زينبَ مقيمةً أمها لم يجز؛ لأنها ليست من سببه ومثل ذلك قول الأعور الشني: هَوّنْ عليكَ فأنشد البيتين ورفَع، ولا قاصر عنك مأمورها، وقال: لأنه جعل المأمور من سبب الأمور ولم يجعله من سبب المذكر وهو المنهي ومعنى كلامه أنه لو كان موضع ليس "ما" لكان الخبر إذا تقدم في "ما" على الاسم لم يجز إلا الرفع، لا يجوز أن تقول: ما زيدٌ منطلقًا ولا خارجًا معنٌ، فإن جعلت في "خارجٍ معن" شيئًا من سبب زيدٍ جاز النصب، وكان عطفًا على الخبر لأنه يصير خبرًا لزيدٍ لأنه معلق بسبب له، فكذلك لو قلت: فما يأتيكَ منهيها ولا قاصرٌ عنك مأمورها غير قولك منهيها، ثم قال: وجَرهُ قومٌ فجعلوا المأمور للمنهي والمنهي هو الأمور؛ لأنه من الأمور وهو بعضُها فأجراه [وأنثه] ٢ كما قال جرير٣:
إذا بَعْضُ السِّنين تَعرَّقتْنا كَفَى الأيتام فَقْد أَبي اليتيمِ٤
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٣١. ٢ زيادة من سيبويه، انظر الكتاب ١/ ٣١-٣٢. ٣ في الأصل: حديث ولا معنى لها. ٤ من شواهد سيبويه ١/ ٢٥ و١/ ٣٢ على تأنيث تعرقتنا فعل بعض لإضافته إلى السنين، ولأنه أراد سنة، فكأنه قال: إذا سنة من السنين تعرقتنا. عنى بالبيت هشام بن عبد الملك، فيقول: إذا أصابتنا سنة جدب تذهب المال قام للأيتام مقام آبائهم. وأراد أن يقول: كفى الأيتام فقد آبائهم، فلم يمكنه، فقال: فقد أبى اليتيم؛ لأنه ذكر الأيتام أولًا، ولكنه أفرد حملا على المعنى، لأن الأيتام هنا اسم جنس فواحدها ينوب مناب جمعها، كان المقام مقام الإضمار فأتى بالاسم الظاهر. وانظر المقتضب ٤/ ١٩٨، وابن يعيش ٥/ ٩٦، والفائق للزمخشري ٣/ ١٣٧، والمذكر والمؤنث لابن الأنباري/ ٣١٨، والخزانة ٢/ ١٦٧، وديوان جرير/ ٥٠٧.
[ ٢ / ٧١ ]
فصار تأويل الخبر ليس: بآتيك الأمور ولا قاصرٌ بعضها، فجعل: بعض الأمور أمورًا وكذلك احتج لقول النابغة في الجر فقال: يجوز أن تجر وتحمله على الرد لأنه من الخيل يعني في قوله: أن تردَها لأن "أن تردهَا" في موضع ردهَا، كما قال ذو الرمة:
مَشَيْنَ كَمَا اهتزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهتْ أَعَاليها مَرَّ الرِّياحِ النَّواسِمِ١
كأنه قال: تسفهتها الرياح، فهذا بناء الكلام على الخيل وذلك ردَّ إلى الأمور وقال: كأنه قال: ليس بآتيكَ منهيها وليست بمعروفة ردها حين كان من الخيلِ والخيلُ مؤنثةٌ فأنثَ وهذا مثل قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا [خَوْفٌ] ٢ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣ أجرى الأول على لفظ الواحد والآخر على المعنى، هذا مثله في أنه تكلم به مذكرًا ثم أنث، كما جمع وهو في قوله: ليس بآتيتكَ منهيها، كأنه قال: ليس بآتيتكَ الأمور، وفي ليس بمعروف ردَها، وكأنه قال: ليست بمعروفةٍ خيلنا صحاصًا قال: وإن شئت نصبت فقلت: ولا مستنكرًا ولا قاصرًا٤.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٢٣، ٢٥ على اكتساب المضاف التأنيث وكذلك استشهد به المبرد في المقتضب. وتسفهت: تحركت. والنواسم التي تهب بضعف. وصف نساء فقال: إذا مشين اهتززن في مشيهن وتثنين فكأنهن رماح نصبت فمرت عليها الرياح فاهتزت وتثنت، وخص النواسم لأن الزعازع الشديدة تعصف ما مرت به وتغيره. ويروى: مرضى الرياح، يريد الفاترة. ولا شاهد فيه، على هذه الرواية، وذكر المبرد في الكامل عن بعضهم أن البيت مصنوع، وأن الصحيح فيه مرضى الرياح النواسم. وانظر المقتضب ٤/ ١٩٧، والخصائص ٢/ ٤١٧، وشرح السيرافي ١/ ٣٢٢، ومعجم المقاييس ٣/ ٧٩، وشرح ابن عقيل/ ٢٩١، والمذكر والمؤنث لابن الأنباري/ ٣١٨، والمحتسب ١/ ٢٣٧، والكامل للمبرد/ ٣١٣ طبعة أوروبا، والديوان/ ١١٦ ورواية الديوان: رويدًا كما اهتزت. ٢ خوف، ساقطة من الآية. ٣ البقرة: ١١٢ وانظر الكتاب ١/ ٣٣. ٤ انظر الكتاب ١/ ٣٣.
[ ٢ / ٧٢ ]
قال أبو العباس١: قال الأخفش: وليس هذان البيتان على ما زعم سيبويه، يعني في الجر؛ لأنه يجوز عند العطف، وأن يكون الثاني من سبب الأول وأنكر ذلك سيبويه لأنه عطف على عاملين على السين والباء فزعم أبو الحسن: أنها غلط منهُ وأن العطف على عاملين جائز نحو قول الله ﷿ في قراءة بعض الناس: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ﴾ ٢، فجر الآيات وهي في موضع نصب، ومثل قوله: ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٣ عطف على خبر "إنّ" وعلى "الكل".
قال أبو العباس: وغلطَ أبو الحسن في الآيتين جميعًا ولكن قوله: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٤ وابتدأ الكلام: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥، ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾ ٦ بعد هذه الآية، وإن جرَّ آيات فقد عطف على عاملين وهي قراءة عطف على "إن" و"في" قال: وهذا عندنا غير جائز٧؛ لأن الذي تأوله سيبويه بعيدٌ وقال: لأن الرد غير الخيل والعقرُ راجع إلى الخيل فليس بمتصل بشيء من الخيل ولا داخل في المعنى، وقال: أما قوله: فليس بآتيكَ منهيها ولا قاصرٌ عنكَ مأمورها فهو أقرب قليلًا وليس
_________________
(١) ١ انظر المقتضب ٤/ ١٩٥. ٢ الجاثية: ٤، قرأ حمزة والكسائي ﴿وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ﴾ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾ بالخفض فيهما، وقرأ الباقون بالرفع فيهما. انظر حجة القراءات ص٦٥٨، وغيث النفع/ ٢٣٦، والنشر٢/ ٣٧١، والإتحاف/ ٣٨٩، والبحر المحيط ٨/ ٤٣. ٣ سبأ: ٢٤. ٤ الجاثية: ٥. ٥ الجاثية: ٣. ٦ الجاثية: ٥، وانظر "ت" ١٤. ٧ انظر المقتضب ٤/ ١٩٥، وهذه الآية موجودة والتي قبلها غير موجودة.
[ ٢ / ٧٣ ]
منه لأن المأمورَ بعضها والمنهي بعضها، وقربه أنهما قد أحاطا بالأمور، وقال: وليس يجوزُ الخفض عندنا إلا على العطف على عاملين فيمن أجازه.
وأما قولُهم: ما كلُّ سوداءَ تمرةٌ ولا بيضاءَ شحمة، فقال سيبويه: كأنكَ أظهرت كُلَّ مضمرٍ فقلت: ولا كُلَّ بيضاء١، فمذهب سيبويه أنَّ "كُلَّ" مضمرة هنا محذوفة وكذلك:
أُكَلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امرأً ونَارٍ تَوقَّدُ بالليلِ نَارا٢
يذهب إلى أنه حذف "كُلُّ" بعد أن لفظ بها ثانية، وقال: استغنيت عن تثنيةِ "كلِّ" لذكرك إياه في أول الكلام ولقلة التباسه على المخاطب قال: وجاز كما جازَ في قوله: ما مثلُ عبد اللَّهِ يقول ذاكَ ولا أخيهِ وإن شئت قلت: ولا مثلَ أخيهِ فكما جاز في جمع الخبر كذلك يجوز في تفريقه وتفريقُه أن تقول: ما مثلُ عبد الله يقولُ ذاك ولا أخيه يكرهُ ذاكَ قال: ومثلُ ذلك: ما مثلُ أخيكَ ولا أبيكَ يقولانِ ذلكَ٣، فلما جاز في هذا جاز في ذاك.
وأبو العباس -﵀- لا يجيزُ: ما مثلُ عبد الله يقولُ ذاكَ، ولا أخيهِ يكرهُ ذاكَ والذي بدأ به سيبويه الرفعُ في قولكَ: ما كُلُّ سوداءَ تمرةٌ ولا بيضاءَ شحمةٌ، والنصب في "ونارًا"٤ هو الوجه، وهذه الحروف شواذ، فأما من ظنَّ أن من جَر آياتٍ٥ في الآية فقد عطف على عاملين فغلطٌ منهُ، وإنما نظير ذلك قولك: إنَّ في الدار علامةً للمسلمين والبيتِ عَلامةً للمؤمنينِ، فإعادة علامة تأكيد وإنما حسنت الإِعادة للتأكيد لما طال الكلام، كما تعاد "إن" إذا طال الكلام، وقد ذكرنا هذا في باب إنَّ وأنَّ، ولولا أنا ذكرنا التأكيد
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٣٣. ٢ مر تفسيره/ ص٧١. ٣ انظر الكتاب ١/ ٣٣. ٤ يشير إلى قول الشاعر: ونار توقد في الليل نارا. ٥ يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ﴾ .
[ ٢ / ٧٤ ]
وأحكامه فيما تقدم لذكرنا ههنا منه طرفًا، كما أنك لو قلت: إنَّ في الدار الخيرَ والسوق والمسجدَ والبلدَ الخير، كان إعادته تأكيدًا وحسُن لما طال الكلام فآياتٌ الأخيرةُ هي الأولى، وإنما كانت تكون فيه حجة لو كان الثاني غير الأول حتى يصيرا١ خبرين وأما من رفع وليست "آيات" عنده مكررة للتأكيد فقد عطف أيضًا على عاملين نصب أو رفع؛ لأنه إذا قال: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢، فإذا رفع فقد عطف "آياتٍ" على الابتداء واختلافًا على "في" وذلك عاملان، ولكنه إذا قصد التكرير رفع أو نصب فقد زال العطف على عاملين فالعطف على عاملين خطأ في القياس غير مسموعٍ من العرب، ولو جاز العطف على عاملين لجاز على ثلاثة وأكثر من ذلك، ولو كان الذي أجاز العطف على عاملين أي شاهد عليه بلفظ غير مكرر نحو: "إنَّ في الدار زيدًا والمسجدَ عمرًا" وعمرٌو غيرُ زيدٍ لكان ذلك له شاهدًا على أنه إنْ حكى مثله حاكٍ ولم يوجد في كلام العرب شائعًا فلا ينبغي أن تقبله وتحمل كتاب الله ﷿ عليه.
_________________
(١) ١ في الأصل: "بصير". ٢ الجاثية: ٣، ٤، ٥ على التوالي.
[ ٢ / ٧٥ ]
باب مسائل العطف:
نقول: مررتُ بزيدٍ أنيسِكَ وصاحبِكَ فإن قلت: مررت بزيدٍ أخيك فصاحبِك، والصاحب زيدٌ لم يجز وتقول: اختصم زيدٌ وعمرٌو ولا يجوز أن تقتصر في هذا الفعل وما أشبهه على اسم واحد؛ لأنه لا يكون إلا من اثنين ولا يجوز أن يقع هنا من حروف العطف إلا الواو١ لا يجوز أن تقول: اختصم زيدٌ فعمرٌو لأنك إذا أدخلت الفاء وثم اقتصرت على الاسم الأول؛ لأن الفاء توجب المهلة بين الأول والثاني وهذا الفعل إنما يقع من اثنين معًا وكذلك قولك: جمعت زيدًا وعمرًا ولا يجوز أن تقول: جمعت زيدًا فعمرًا وكذلك المال بين زيدٍ وعمروٍ ولا يجوز: بين زيدٍ فعمرٍو وتقول: زيدٌ راغبٌ فيك وعمرٌو تعطف "عمرًا" على الابتداء فإن عطفت على "زيدٍ" لم يكن بُد من أن تقول: زيدٌ وعمرٌو راغبانِ فيكَ فإن عطفت عمرًا على الضمير الذي في "راغبٍ" قلت: "زيدٌ راغبٌ هو وعمرو فيكَ" فإن عطفت على ابتداء والمبتدأ لم يجز أن تقول: زيد راغبٌ وعمرو فيك لأن "فيك" معلقة براغب فلا يجوز أن تفصل بينهما وقد أجازوا تقديم حرف النسق في الشعر فتقول على ذاك: قامَ وزيدٌ عمرٌو وقامَ ثُمَّ زيدٌ وعمرو وتقول: زيدٌ وعمرو قاما ويجوز: زيد وعمرو قامَ فحذف "قامَ" من الأول اجتزاءً بالثاني وتقول: زيدٌ ثم عمرو قامَ وزيد فعمرٌو قامَ وقد أجازوا التثنية،
_________________
(١) ١ لأن الواو تشرك الثاني فيما دخل فيه الأول.
[ ٢ / ٧٦ ]
فتقول: زيدٌ فعمرو قاما وزيد ثم عمرو قاما ولا يجيزون مع "أو ولا" إلا التوحيد لا غير نحو زيدٍ لا عمرٍو قامَ وزيد أو عمرو قامَ لا يجوز أن تقول: زيدٌ لا عمرٌو قاما لأنك تخلط من قام بمن لم يقم وكذلك لو قلت قَاما لجعلت القيام لهما إنما هو لأحدهما ومن أجاز: لقيتُ وزيدًا عمرًا لم يجز ذلك في المخفوض لا تقول: مررت وزيدٍ بعمروٍ تريد: مررت بعمروٍ وزيد لأنه قد قدم المعطوف على العامل وإنما أجازوا للضرورة أن يقدم معمولٌ فيه على معمولٍ فيه والعامل قبلهما وذا ليس كذلك وقد حلت بينه وبين ما نسقته عليه بغيره وهو الباء.
وأجاز قوم: قام ثم زيد عمرٌو، ولا يجيزون: إن وزيدًا عمرًا قائمانِ لأن "إنَّ" أداة. ويجيزون: "كيف وزيدٌ عمرٌو" ويقولون: كلُّ شيءٍ لم يكن يرفع لم يجز أن يليه الواو نحو: "هل وزيد عمرو قائمانِ" محال وإنما صار العطف إذا لم يكن قبله ما يرفع أقبح لأنه يصير مبتدأً وفي موضع مبتدأ وليس أحد يجيز مبتدأً: وزيدٌ عمرٌو قائمانِ يريد: عمرو وزيد قائمان وإن بمنزلة الابتداء فلذلك قبح أيضًا فيها وتقول: زيدٌ رغبَ فيكَ وعمرٌو وزيد فيكَ رغبَ وعمرٌو فإن أخرجت "رغب" على هذا لم يجز: أن تقول: زيدٌ فيكَ وعمرٌو رغبَ لأنك قد فصلت بين المبتدأ وخبره بالمعطوف وقدمت ما هو متصل بالفعل وفرقت بينهما بالمعطوف أيضًا وتقول: أنت غير قائمٍ ولا قاعدٍ تريد: وغير قاعد لما في "غير" من معنى النفي وتقول: أنت غير القائم ولا القاعد تريد: غير القاعد كما قال الله ﷿: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١ ولم يجئ هذا في المعرفة، لا يستعملون "لا" مع المعرفة العلم في مذهب "غير" لا يجوز: أنت غيرُ زيدٍ ولا
_________________
(١) ١ الفاتحة: ٧. قال ابن خالويه في إعراب ثلاثين سورة/ ٣٢: "غير" نعت للذين والتقدير: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، غير اليهود؛ لأنك إذا قلت: مررت برجل صادق غير كاذب، فغير كاذب هو الصادق، وانظر المحيط ١/ ٢٨.
[ ٢ / ٧٧ ]
عمروٍ١ تقول: زيدٌ قام أمس ولم يقعدْ، ولا يجوز: زيد قامَ ويقعدُ، وإنما جاز مع "لم" لأنها مع عملت فيه في معنى الماضي، ولا يجوز أن تنسق على "لن ولم" بلا مع الأفعال لا تقول: لم يقم عبد الله لا يقعد وكذلك: لن يقوم عبد الله لا يقعدُ يا هذا لأن "لا" إنما تجيء في العطف لتنفي عن الثاني ما وجب للأول وتقول: ضربتُ عمرًا وأخاهُ وزيدٌ ضربتُ عمرًا ثم أخاه وزيدٌ ضربت عمرًا أو أخاهُ وقوم لا يجيزون من هذه الحروف إلا الواو فقط ويقولون: لأن الواو بمعنى الاجتماع فلا يجيزون ذلك مع ثم وأو لأن مع "ثم وأو" عندهم فعلًا مضمرًا فإن قلت: "زيدٌ ضربت عمرًا وضربتُ أخاهُ" لم يجز: لأن الفعل الأول والجملة الأولى قد تمت ولا وصلةٌ لها بزيد وعطفت بفعل آخر هو المتصل لسببه وليس لأخيه في "ضربتُ" الأولى وصلةٌ فإن أردت بقولك: وضربتُ إعادة للفعل الأول على التأكيد جازَ ومن أجاز العطف على عاملين قال: زيدٌ في الدار والبيت أخوهُ وأمرتُ لعبد الله بدرهمٍ وأخيه بدينارٍ لأن دينارًا ليس إلى جانب ما عملت فيه الباء وحرف النسق مع الأخِ ولا يجوز أيضًا أمرتُ لعبد الله بدرهمٍ ودينارٍ أخيهِ لأن أخاهُ ليس إلى جانب ما عملت فيه اللام وحرف النسق مع دينارٍ وتقول: ضربتُ زيدٌ وعمرًا ويجوز أن ترفع عمرًا وهو مضروب فتقول: ضربتُ زيدًا وعمرٌ تريد: وعمرو كذلك وإنما يجوز هذا إذا علم المحذوف ولم يلبس وتقول: هذان ضاربٌ زيدًا وتاركهُ لأن الفعل لا يصلح هنا لو قلت: هذانِ يضربُ زيدًا ويتركهُ لم يجز وإنما جاز هذا في "فاعلٍ" لأنه اسم فإذا قلت: هذانِ زيدٌ وعمرٌو لم يجز إلا بالواو لأن الواو تقوم مقام التثنية والجمع.
واعلم: أنه لا يجوز عطف الظاهر على المكني المتصل المرفوع حتى تؤكده نحو: قمتُ أنا وزيدٌ وقامَ هُو وعمرٌو قال الله ﷿: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ
_________________
(١) ١ لأن "غيرًا" لا تكون إلا نكرة عند المصنف، وغيره يقول: تكون معرفة في حال، ونكرة في حال، وانظر البحر المحيط ١/ ٢٨.
[ ٢ / ٧٨ ]
وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ ١، فإن فصلت بين الضمير وبين المعطوف بشيءٍ حسنَ، نحو: ما قمتُ ولا عمرٌو، ويجوز أن تعطف بغير تأكيد ولا يجوز عطفُ الظاهر على المكنى المخفوض نحو: مررت به وعمروٍ إلا أن يضطر الشاعر وتقول: أقْبَل إن قيلَ لك الحقُّ والباطل إذا أمرت بالحقِّ: أردت: أقْبَل الحقَّ إن قيلَ لك هُو والباطلُ.
قد ذكرنا جميع هذه الأسماء المرفوعة والمنصوبة والمجرورة وما يتبعها في إعرابها، وكنت قلت في أول الكتاب أن الأسماء تنقسم قسمين: معربٍ ومبنيٍ فإن المعرب ينقسم قسمين: منصرفٍ وغير منصرفٍ وقد وجب أن يذكر من الأسماء ما ينصرفُ وما لا ينصرف ثم نتبعهُ المبنياتِ.
_________________
(١) ١ المائدة: ٢٤.
[ ٢ / ٧٩ ]
ذكر ما ينصرف من الأسماء وما لا ينصرف
مدخل
ذكر ما ينصرف من الأسماء وما لا ينصرف:
اعلم: أن معنى قولهم اسم منصرف أنه يراد بذلك إعرابه بالحركات الثلاث والتنوين والذي لا ينصرف لا يدخله جرٌ ولا تنوينٌ، لأنه مضارعٌ عندهم للفعل، والفعل لا جرَّ فيه ولا تنوين وجر ما لا ينصرف كنصبه، كما أن نصب الفعل كجزمه، والجر في الأسماء نظير الجزم في الفعل لأن الجر يخص الأسماء والجزم يخص الأفعال، وإنما منع ما لا ينصرف الصرف لشبهه بالفعل كما أعرب من الأفعال ما أشبه الاسم فجميعُ ما لا ينصرف إذا أُدخلت عليه الألف واللام أو أُضيف جُرَّ في موضع الجَرِّ وإنما فُعل به ذلك؛ لأنه دخل عليه ما لا يدخل على الأفعال وما يؤمن معه التنوين، ألا ترى أن الألف واللام لا يدخلان على الفعل وكذلك الأفعال لا تضاف إلى شيءٍ وأن التنوين لا يجتمع مع الألف واللام والإِضافة وأصول الأسماء كلها الصرف وإنما في بعضها ترك الصرف وللشاعر إذا اضطر أن يصرف جميع ما لا ينصرف، ونحن نذكر ما لا ينصرف منها ليعلم ما عداها منصرفٌ.
[ ٢ / ٧٩ ]
الأسباب التي تمنع الصرف تسعة:
متى كان في الاسم اثنان منها أو تكرر واحد في شيء منها منع الصرف وذلك وزن الفعل الذي يغلب على الفعل والصفة، والتأنيث الذي يكون لغير فرق والألف والنون المضارعة لألفي التأنيث، والتعريف والعدل، والجمع والعجمة وبناء الاسم مع الاسم كالشيء الواحد.
الأول: وزن الفعل:
فما جاء من الأسماء على أفعل أو يفعلُ، أو تَفعل، أو نَفعل، أو فَعل ويفعلُ، وانضم معه سبب من الأسباب التي ذكرنا لم ينصرف، فأفعل نحو أحمرَ وأصفرَ وأخضرَ لا ينصرف لأنه على وزن أَذَهَبُ وأعلمُ، وهي صفات فقد اجتمع فيها علتان وأحمدُ اسم رجل لا ينصرف، لأنه على وزن أذْهبُ فهو معرفةٌ ففيه علتان فإنْ نكرته صرفته تقول: مررتُ بأحمدَ يا هذا وبأحمدٍ آخر وأعصرُ اسم رجلٍ لا ينصرف لأنه مثل أقَتل وكذلك إن سميته بتنضب، وترتب١ وتألبَ، فأما تولبُ، إذا سميت به فمصروف٢، لأنه مثل جعفر، فإن سميت على هذا رجلًا بيضربَ قلت: هذا يضربُ قد جاءَ ومررت بيضربَ ورأيت يضرب وكذلك: تضربُ ونضربْ واضربُ وإن سميته بفَعَلَ قلت: هذا ضَربَ قَد جاءَ، ورأيتُ ضربَ*، وإن سميته بضربَ صرفته لأنه مثل حَجرٍ وجَملٍ وليس بناؤه بناء يخص الأفعال، ولا هي أولى به من الأسماء بل الأسماء والأفعال فيه مشتركة، وهو
_________________
(١) ١ ترتب: هو الشيء الثابت. ٢ انظر سيبويه ٢/ ٣، وأما ما جاء مثل تولب ونهشل فهو عندنا من نفس الحرف مصروف حتى يجيء أمر يبينه. * منع ذلك من الصرف هو رأي عيسى بن عمر، انظر الكتاب ٢/ ٧.
[ ٢ / ٨٠ ]
كثير فيهما جميعًا، وإن سميتَ رجلًا بنرجس لم تصرفهُ، لأنه على مثال نَصربُ، وليس في الأسماء شيء على مثال فَعْلِلَ ولو كان فيها فَعْلِلٌ لصرفنا نرجسَ إذا سمينا به. أما نهشل١ اسم رجل فمصروفٌ؛ لأنه على مثال "جَعْفَر" وليس هو تفعلُ إنما هو فَعْلَلٌ ولكن لو سميت رجلًا بتذهبُ لتركت صرفه فقلت: هذا تذهبُ ورأيتُ تذهبَ ومررتُ بتذهبَ وجميع هذه إذا نكرتها صرفتها تقول: مرتُ بتغلبَ وتغلبٍ آخر لأنه قد زالت إحدى العلتين. وهي التعريف فإن سميت بقام عمرُو حكيت فقلت: هذا قامَ عمرٌو ورأيت قامَ عمرو وكذلك كل جملة يسمى بها نحو: تأبَّط شرًّا تقول هذا تأبَّط شرًّا وكذلك إذا سميته "بقاما" قلت: هذا قاما ورأيت قاما ومررت بقاما وهذا، قاموا ورأيتُ قاموا ومررت بقاموا وإن سميت "بقام" وفي قام ضمير الفاعل حكيته فقلت: هذا قام قد جاء ومررتُ بقام يا هذا تدعه على لفظه لأنك لم تنقله من فعل إلى اسم إنما سميت بالفعل مع الفاعل جميعًا رجلًا فوجب أن تحكيه فأما إن سميت "بقام" ولا ضمير فيه فهو مصروفٌ لأنه مثل بابٍ ودارٍ وقد نقلته من الفعل إلى الاسم ولو كان فعلًا لكان معه فاعلٌ ظاهر أو مضمرٌ وكذلك لو سميت بقولك: زيدٌ أخوكَ لقلت هذا زيد أخوكَ قد جاءَ ورأيت أخوكَ ومررت بزيدٌ أخوكَ تحكي الكلام كما كان فإن سميت رجلًا "بضربتُ" ولا ضمير فيه قلت: هذا ضَربه فتقف عليه بهاءٍ لأن الأسماء المؤنثة من هذا الضرب إذا وقفت عليها أبدلت التاء هاءً تقول: هذا سلمةُ قد جاءَ فإذا وقفت قلت: سلمهْ وكذلك "ضربتُ" إذا سميت بها خرجت عن لفظ الأفعال ولزمها ما يلزم الأسماء، وليست التاء في "ضربت" اسمًا ولو كانت اسمًا لحكى، وقد ذكرنا فيما تقدم أن هذه التاء إنما تدخل في فعل المؤنث لتفرق بينه وبين فعل المذكر، وإذا سميت "بضربتُ" وفيها ضمير الفاعلة، حكيت، فقلت: هذا ضربتُ قد جاءَ، ورأيت ضربتُ ومررت بضربت لأن فيه ضميرًا، ولو
_________________
(١) ١ النهشل: الشيخ الكبير والأنثى نهشلة، والنهشل أيضًا الذئب.
[ ٢ / ٨١ ]
أظهرت لقلت: ضَرَبَت هِي، وكل اسم صار علمًا لشيءٍ وهو على مثال الأفعال في أوله زياداتها لا تصرفه فإن سميت بأضرب أو أقبل قطعت الألف ولم تصرفه فقلت: هذا أضرب قد جاء وأذهب وأقبل قد جاء لأن ألف الوصل إنما حقها الدخول على الأفعال وعلى الأسماء الجارية على تلك الأفعال نحو: استضرب استضرابًا وانطلق انطلاقًا فأما الأسماء التي ليست بمصادر جاريةٍ على أفعالها فألف الوصل غير داخلة عليها وإنما دخلت في أسماء قليلة نحو ابنٍ وامرئٍ واستٍ وليس هذا بابُها وإن سميت رجلًا "بتضاربَ" صرفته لأنه ليس على مثال الفعل فتقول: هذا تضاربُ قد جاءَ ومررت بتضاربٍ فإن صغرته وهو معرفة قلت: تُضَيرِبُ فلم تصرفه لأنه قد ساوى تصغير "تَضرِب" وأنت لو سميت رجلًا "بتضربَ" ثم صغرته وأنت تريد المعرفة لم تصرفه.
وأفعل منك لا يصرف نحو: أفضل منك وأظرفَ منكَ لأنه على وزن الفعل وهو صفة فإن زال وزن الفعل انصرف ألا ترى أن العرب تقول: هو خيرٌ منك وشرٌ منكَ لما زال بناء "أَفعلَ" صرفوه فإن سميت بأفعلَ مفردًا أو معها "منكَ" لم تصرفها على حال وأما أجمعُ وأكتعُ فلا ينصرفان لأنهما على وزن الفعل وهما معرفتان لأنهما لا يوصف بهما إلا معرفة فإن ذكرتهما صرفتهما وإن سميت رجلًا ضربوا فيمن قال: أكلوني البراغيثُ قلت: هذا ضربونَ قد جاءَ من قبل أن هذه الواو ليست بضمير فلما صار اسمًا صار مثل "مسلمونَ" والاسم لا يجمع بواو ولا نونٍ معها، ومن قال مسلمين قالت: ضَربينَ وكذلك لو سميت "بضَربا" قلت: ضربانِ قد جاءَ فيمن قال: أكلوني البراغيثُ ومن قال: مسلمينَ وعشرينَ لم يقل في مسلمات مسلمينَ؛ لأن ذاك لما صار اسمًا لواحدٍ شبه بعشرينَ ويبرينَ.
الثاني: الصفة التي تتصرف.
وذلك نحو: أفعلَ الذي لَهُ فَعْلاءُ، نحو أحمرَ وحمراءَ، وأصفرَ وصفراءَ، وأعمى وعمياءَ وأحمرُ لا ينصرف لأنه على وزن الفعل، وهو
[ ٢ / ٨٢ ]
صفةٌ، وحمراءُ لا تتصرفُ لأن فيها ألف التأنيث وهي مع ذلك صفة، ولو كان ألف التأنيث وحدها في غير صفةٍ لم تنصرف، ونحن نذكر ذلك في باب التأنيث والصفة لا تكون معرفة إلا بالألف واللام وكل بناء دخلته الألف واللام فهو منصرفٌ ومتى صارت الصفة اسمًا فقد زال عنها الصفة فأما قائمةٌ وقاعدةٌ وما أشبه ذلك إذا وصفت بها فهو منصرفٌ، لأن هذه الهاء إنما دخلت فرقًا بين المذكر والمؤنث وهي غير لازمةٍ فهي مثل التاء في الفعل إذا قلت: ضربتُ وضربتَ وإنما يعتد بالتأنيث الذي لم يذكر للفرق وأجازوا مثنى وثلاثَ ورباعَ غير مصروفٍ وذكر سيبويه أنه نكرةٌ١ وهو معدولٌ فقد اجتمع فيه علتان وإذا حقرت ثُناء وأحادَ صرفته لأنك تقول: أُحَيْدٌ، وثُنيٌّ فيصير مثل حُمَيرٍ فيخرج إلى مثال ما ينصرف.
الثالث: التأنيث:
والمؤنث على ضربين: ضرب بعلامةٍ، وضرب بغير علامة، فأما المؤنث الذي بالعلامة فالعلامةُ للتأنيث علامتان٢: الهاءُ والألفُ، فالأسماء التي لا تنصرف مما فيها علامة فنحو: حَمْدَة اسم امرأة وطلحةَ اسم رجل، لا ينصرفان لأنهما معرفتان، وفيهما علامة التأنيث فإن نكرتهما صرفتهما تقول: مررت بحمدَة وحَمْدةٍ أخرى وبطلحةَ وطلحةٍ آخرَ، وكل اسم معرفة فيه هاء التأنيث فهو غير مصروف فأما ألف التأنيث فتجيء على ضربين: ألف مفردة نحو بُشرى وحبلَى وسكرى وألف قبلها ألف زائدة نحو صحراء وحمراءَ وخُنْفَساءَ، وكل اسم فيه ألف التأنيث ممدودةً أو مقصورة فهو غير مصروف معرفة كان أو نكرة، فإن قال قائل فما العلتان اللتان أوجبتا ترك صرف بُشرى، وإنما فيه ألف للتأنيث فقط؟ قيل: هذه التي تدخلها الألف
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٥. ٢ هكذا في الأصل وفي العبارة ركاكة، والمراد: فللتأنيث علامتان.
[ ٢ / ٨٣ ]
يبنى الاسم لها وهي لازمة وليست كالهاء التي تدخل بعد التذكير، فصارت للملازمة والبناء كأنه تأنيث آخر وتضارع هذه الألفُ الألفَ التي تجيء زائدةً للإِلحاق إذا سميت بما يكون فيه وذلك نحو: ألف ذِفْرَى وعَلْقَى فيمن قال: عَلْقاةٌ وحَبنَطى١، فإن سميت بشيءٍ منها لم تصرفه؛ لأنها ألفٌ زائدةٌ كما أن ألف التأنيث زائدة وقد امتنع دخول الهاء عليها في المعرفة وأشبهت ألف التأنيث لذلك. وحق كل ألف تجيء زائدةً رابعةً فما زاد أن يحكم عليها بالتأنيث حتى تقوم الحجة بأنها ملحقة لأن بابها إذا جاءت زائدةً رابعةً فما زاد فللتأنيث لكثرة ذلك واتساعه والإِلحاق يحتاج إلى دليل لقلته والدليل الذي تعلم به الألف الملحقة أن تنون وتدخل عليها هاءٌ نحو من جعل عَلقًى ملحقةً فنون وألحق الهاء فقال: عَلقاةٌ ولهذا موضع يبين فيه وإنما شبهت ألفُ حبَنَطْىَ بألف التأنيث، كما يثبت الألف والنون في عثمان بالألف والنون في غَضبْانَ لما تعرف عثمان وصار لا يدخله التأنيث، فإن صغرت عَلْقَى اسم رجل صرفته وإن سميت رجلًا بمعزَى لم تصرفه وإن صغرته لم تصرفه أيضًا لأنه اسمٌ لمؤنثٍ فأما من ذكر معزى فهو يصرفه وتَترى فيها لغتان كعَلْقَى فأما أرَطْى ومعْزى فليس فيه إلا لغة واحدة الإِلحاق والتنوين فإن سميت بهما لم تصرفهما كما ذكرت لك وإن سميت بعِلبَاء صرفته لأنه ملحقٌ بسرداحُ٢، تقول عُليبى كما تقول: سُرَيْديحٌ ولو كانت للتأنيث لقلت عُلَبياءٌ. وأما التأنيث بغير علامةٍ فنحو: زينب وسعاد لا ينصرفان لأنهما اسمان لمؤنث وإن سميت امرأة باسمٍ على أربعة أحرف أصلية أو فيها زائدةٌ فما زاد لم يصرف لأن الحرف الرابع بمنزلة الهاء، لأن الهاء لا تكون إلا رابعةً فصاعدًا، إلا في اسم منقوص نحو ثُبَةٍ وكذلك إن سميت مذكرًا باسم مؤنث لا علامة فيه ولم تصرفه نحو رجل سميته بعناق وسعادَ وقالوا: إنّ أسماءَ اسم رجلٍ، إنما لم يصرف وهو جمع
_________________
(١) ١ حبنطى: الكبير البطن. ٢ سرداح: الناقة الطويلة.
[ ٢ / ٨٤ ]
اسم على أفعال، وحق هذا الجمع الصرفُ؛ لأنه من أسماء النساء، فلما سمي به الرجلُ لم يصرف، ولو قال قائل: إنما هو فعلاءُ أرادوا أسماء وأبدلوا الواوَ همزةً كما قال في وسادةٍ إسادةٍ لكان مذهبًا فإن سميت مؤنثا باسم ثلاثي متحرك الأوسط فهو غير مصروف نحو: امرأة سميتَها بقدَمٍ فإن كان الثلاثي ساكن الأوسط نحو هنْدٍ ودَعْدٍ وجُمْلِ فمن العرب من يصرف لخفة الاسمِ١، وأنه أقل ما تكون عليه الأسماء من العدد والحركة، ومنهم من يلزم القياس فلا يصرف، فإن سميت امرأة باسم مذكرٍ -وإن كان ساكن الأوسط- لم تصرفه نحو زيدٍ وعمروٍ، لأن هذه من الأخف وهو المذكر إلى الأثقل وهو المؤنث فهذا مذهب أصحابنا٢، وهو في هذا الموضع نظير رجلٍ سميته بسعادَ وزينبَ وجَيْئَلَ فلم تصرفه؛ لأنها أسماءٌ اختص بها المؤنث وهو على أربعةِ أحرف والرابع كحرف التأنيث، وإن سموا رجلًا بقَدَمٍ وخَشلٍ٣ صرفوه وحقروهُ فقالوا: قُدَيمٌ.
الرابع: الألف والنون اللتان تضارعان ألفي التأنيث:
اعلم: أنهما لا يضارعان ألفي التأنيث إلا إذا كانتا زائدتين، زيدا معًا، كما زيدت ألفا التأنيث معًا، وإذا كانتا لا يدخل عليهما حرف تأنيث كما لا يدخل على ألفي التأنيث تأنيثٌ وذلك نحو سكرانَ وغضبانَ، لأنك لا تقول: سكَرانة ولا غضبانةٌ، إنما تقول: غَضْبَى، وسَكَرى فلما امتنع دخول
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٢٢، والمقتضب ٣/ ٣٥٠. ٢ أي: البصريون، قال سيبويه: فإن سميت المؤنث بعمرو أو زيد لم يجز الصرف، هذا قول أبي إسحاق وأبي عمرو فيما حدثنا يونس وهو القياس؛ لأن المؤنث أشد ملاءمة للمؤنث والأصل عندهم أن يسمى المؤنث بالمؤنث، كما أن أصل تسمية المذكر بالمذكر، وكان عيسى يصرف امرأة اسمها عمرو؛ لأنه أخف الأبنية. انظر الكتاب ٢/ ٢٣، وانظر المقتضب ٣/ ٣٥٠-٣٥١. ٣ الخشل: من معانيه الشيء الخشن والرديء من كل شيء، والحلى والمقل اليابس.
[ ٢ / ٨٥ ]
حرف التأنيث عليهما ضارعا التأنيث وكذلك كل اسمٍ معرفةٍ في آخره ألفٌ ونونٌ، زائدتان زيدا معًا، فهو غير مصروفٍ وذلك نحو عثمانَ اسم رجلٍ لا تصرفه لأنه معرفة وفي آخره ألفٌ ونونٌ، وهما في موضع لا يدخل عليهما التأنيث لأن التسمية قد حظرت ذلك، فهذا مثل حَبَنْطَى وذِفْرى، إذا سميت بهما لما حظرت التسمية دخول الهاء أشبهت الألفُ ألفَ التأنيث، فلم تصرف في المعرفة، وصرف في النكرة، وكذلك عثمان غير مصروف في المعرفة، فإن نكرته صرفته؛ لأنه في نكرته كعطشانَ الذي له عطشى، وكذلك إن سميته بِعُريانَ، وسرحانَ وضُبعانَ لم تصرفه، فإن نكرته صرفته، وإن حقرت سرحان اسم رجلٍ صرفته فقلت: سُريحينٌ؛ لأنه ملحقٌ بسرداحَ في نكرته ولكنك إن حقرت عثمانَ فقلت: عُثيمانُ لم تصرفه وتركت الألف والنون على حالهما، كما فعلت بألفي التأنيث إذا قلت: حُمَيراءُ فعثمانُ مخالفٌ كسرحانَ، كأنه إنما بني هذا البناء في حال معرفته وهذا يبين في التصغير، وإن سميت بطحان من الطحنِ، وسمانَ١ من السمنِ وتبانَ٢ من التبن، صرفت جميع ذلك، وإن سميت بدهقانَ من الدهقِ، لم تصرفه وإن سميته من التدهقن [صرفته] ٣. وكذلك شيطان إن كان من التشيطنِ صرفته، وإن كان من شَيَّطَ لم تصرفه، وقال سيبويه: سألتُ الخليل عن رُمّانَ، فقال: لا أصرفه وأحمله على الأكثر إذا لم يكن له معنى يعرف٤ -يعني أنه إذا سمي لم يصرفه في المعرفة- لأنه لا يدري من أي شيءٍ اشتقاقه فحمله على الأكثر، والأكثر زيادة الألف والنون، قال: وسألته عن سَعْدانَ ومَرْجانَ،
_________________
(١) ١ في اللسان: السمان: بائع السمن. الجوهري السمان: إن جعلته بائع السمن انصرف، وإن جعلته من السم لم ينصرف في المعرفة. ٢ التبان -بالضم والتشديد: سروال صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط، يكون للملاحين وفي اللسان: ورجل تبان يبيع التبن، وإن جعلته فعلان من التبن لم تصرفه. ٣ أضفت كلمة "صرفته" لإيضاح السياق، وانظر الكتاب ٢/ ١١. ٤ انظر الكتاب ٢/ ١١.
[ ٢ / ٨٦ ]
فقال: لا أشكُّ في أن هذه النونَ زائدةٌ؛ لأنه ليس في الكلام مثل: سِرداح، ولا فَعْلالٍ إلا مضعفًا، ولو جاء شيء على مثال جَنْجَانَ لكانت النون عندنا بمنزلة نون مُرّان١، إلا أن يجيء أمرٌ يبين أو يكثر في كلامهم فيدعوا صرفه٢، قال أبو العباس: صُرف جَنْجانُ لأن المضاعف من نفس الحرف بمنزلة خَضْخَاضٍ ونحوه، فأما غَوْغَاء فيختلف فيها، فمنهم من يجعلها كخَضْخاضٍ فيصرف ومنهم من يجعلها بمنزلة عوراء فلا يصرف.
الخامس: التعريف:
متى ما اجتمع مع التعريف التأنيث أو وزن الفعل أو العجمة أو العدل أو الألف والنون لم يصرف، فالتأنيث نحو طلحةَ وحَمْزة وزينبَ، اجتمع في هذه الأسماء أنها مؤنثات وأنها معارف، والألف والنون مثل عثمان، والعدل مثل عُمَر وسَحَر، ووزن الفعل مثل أحَمَد ويشكر، والعجمة نحو إبراهيم وإسماعيل ويعقوبَ، فجميع هذه لا تصرف لاجتماع العلتين فيها، فإن سميت بيعقوب وأنتَ تريد ذكر القبح٣ صرفته، لأنه مثل يربوعَ٤، فأما الصفة والجمع فإنهما لا يجتمعان مع التعريف بالتسمية؛ لأن الصفة إذا سمي بها زال عنها معنى الصفة والجمع لا يكون معرفة أبدًا إلا بالألف واللام، فإن سميت بالجمع الذي لا ينصرف رجلًا نحو: مساجد، لم تصرفه وقلت: هذا مساجدُ قد جاءَ إنما لم يصرف لأنه معرفة، وإنه مثالٌ لا يكون في الواحد فأشبه الأعجمي المعرفة، فإن صغرته صرفته فقلت: مُسَيجِدٌ، لأنه قد عاد
_________________
(١) ١ المران في اللسان: الرماح الصلبة اللدنة واحدتها: مرانة. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٢. وتكملة النص.. فيعلم أنهم جعلوها زائدة. ٣ القبج: الحجل. انظر حياة الحيوان ٢/ ٣٤٠. ٤ اليربوع: حيوان طويل الرجلين قصير اليدين، حياة الحيوان ٢/ ٣٣٩.
[ ٢ / ٨٧ ]
البناء إلى ما يكون في الواحد مثله، وصار مثل مُييسِرٍ، وقال سيبويه: سَراويلُ واحدٌ أعرب وهو أعجمي وأشبه من كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرةٍ، فهو مصروفٌ في النكرة١، وإن سميت به لم تصرفه، وإن حقرته اسم رجلٍ لم تصرفه؛ لأنه مؤنث مثل عَنَاق وعَنَاق إذا سميت به مذكرًا لم تصرفه، وأما شراحيل فمصروفٌ في التحقير، لأنه لا يكون إلا جمعًا وهو عربيٌّ، وقال الأخفش: الجمعُ الذي لا ينصرفُ إذا سميتَ بِه، إنْ نكّرتهُ بعد ذلك لم تصرفه أيضًا.
السادس: العدل:
ومعنى العَدْلِ أن يشتق من الاسم النكرة الشائع اسمٌ ويغير بناؤه، إما لإِزالة معنى إلى معنى وإما لأن يسمى به، فأما الذي عُدل لإِزالة معنى إلى معنى فمثنى وثلاث ورباع وأحادَ، فهذا عُدِلَ لفظه ومعناه، عُدِلَ عن معنى اثنين إلى معنى اثنين اثنين، وعن لفظ اثنين إلى لفظ مثنى، وكذلك أحاد عُدِلَ عن لفظ واحد إلى لفظ أحاد، وعن معنى واحد إلى معنى واحد واحد، وسيبويه يذكر أنه لم ينصرف؛ لأنه معدول وأنه صفةٌ٢، ولو قال قائلٌ: إنه لم ينصرف لأنه عُدل في اللفظ والمعنى جميعًا، وجعل ذلك لكان قولًا. فأما ما عُدل في حال لتعريف، فنحو عُمَرَ وزُفرَ وقثم، عُدلنَ عن عامرٍ، وزافرٍ، وقاَئمٍ٣ أما قولهم: يا فسقُ فإنما أرادوا: يا فاسقُ، وقد ذكر في باب النداء، وسحرُ إذا أردت سحر ليلتك فهو معدول عن الألف واللام٤، فهو لا يصرف تقول: لقيتُهُ سَحَر يا هذا، فاجتمع فيه التعريف
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٦. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٤-١٥. وهو رأي الخليل ويؤيده أبو عمرو بن العلاء. ٣ مطموس في الأصل، وقدره نصف سطر. ٤ انظر الكتاب ٢/ ٤٣، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٥٠، وابن يعيش ٢/ ٤١.
[ ٢ / ٨٨ ]
والعدل عن الألف واللام، فإن أردت سحرًا من الأسحار صرفته وإن ذكرته بالألف واللام أيضًا صرفته، فأما ما عُدِلَ للمؤنث فحقه عند أهل الحجاز١ البناء؛ لأنه عُدل مما لا ينصرف، فلم يكن بعد ترك الصرف إلا البناء. ويجيء على "فَعالِ" مكسور اللام نحو حَذامِ وقَطامِ، وكذلك في النداء نحو: يا فساقِ ويا غَدارِ، ويا لكاعِ ويا خباثِ فهذا اسم الخبيث واللكعاء والفاسقة، وفَعالِ في المؤنث نظيرُ فُعَلٍ في المذكر، وقد جاء هذا البناء اسمًا للمصدر فقالوا: فَجارِ يريدونَ: فَجرةَ وبَدادِ يريدون: بددًا ولا مَساسِ يريدون: المسَّ ويجيء اسمًا للفعل نحو: مَناعَها أي: امنَعْهَا، وحَذارِ اسم احذر، ومما عُدل عن الأربعة: قَرْقَارِ يريدون: قَرقِرْ وعرعَارِ، وهي لعبة ونظيرها من الثلاثة: خراجِ أي اخرجوا وهي لعبة أيضًا، وجميع ما ذكر إذا سمي به امرأة فبنو تميم ترفعه وتنصبه وتجريه مجرى اسمٍ لا ينصرفُ٢، فأما ما كان آخره راء فإن بني تميم وأهل الحجاز يتفقون على الحجازية٣، وذلك: سَفارِ، وهو اسم ماءٍ وحضارِ اسم كوكبٍ، قال سيبويه: يجوزُ الرفع والنصب، قال الأعشى:
ومَرَّ دهرٌ عَلى وبَارِ فهَلكتْ جَهْرَةً وَبارُ٤
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٤٠، قال سيبويه: "وأما أهل الحجاز فلما رأوه اسمًا لمؤنث، ورأوا ذلك البناء على حاله لم يغيروه؛ لأن البناء واحد وهو ههنا اسم للمؤنث". ٢ انظر الكتاب ٢/ ٤٠. ٣ انظر الكتاب ٢/ ٤١، والمقتضب ٣/ ٣٧٥. ٤ من شواهد سيبويه ٢/ ٤١ على إعراب "وبار ورفعها والمطرد فيما كان في آخره الراء أن يبنى على الكسر في لغة أهل الحجاز ولغة بني تميم؛ لأن كسرة الراء توجب إمالة الألف وأعرب في لغة بني تميم فاضطر الأعشى فرفع لأن القوافي مرفوعة". ووبار: اسم أمة قديمة من العرب العاربة هلكت، وانقطعت كهلاك عاد وثمود، وقال السهيلي: وبار: أمة هلكت في الرمل وقال ابن الشجري: وبار: اسم إقليم تسكنه الجن مسخ أهله، وقيل: وبار موضع. وانظر: المقتضب ٣/ ٣٧٦، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١١٥، وابن يعيش ٤/ ٦٥ ومعجم البلدان ٥/ ٣٥٦، والعيني ٤/ ٣٥٩، والمخصص لابن سيده ١٧/ ٦٧، وجمهرة أنساب العرب/ ٤٦٢، والروض الأنف ١/ ١٤، وديوان الأعشى/ ٢٨١، والرواية فيه: ومرحد.
[ ٢ / ٨٩ ]
وجمع هذا إذا سمي به المذكر لم ينصرف؛ لأن هذا بناءٌ بني للتأنيث، وحرك بالكسر لذلك، لأن الكسرة من الياء، والياءُ يؤنثُ بها، وهو متصرف في النكرة، ومنهم من يصرف رقاش وعَلابِ، إذا سمي به كأنهُ سمي بصباح، وإذا كان اسمًا على فعال لا يدري ما أصله بالقياس صرفه؛ لأنه لم يعلم له علةٌ توجبُ إخراجُه عن أصله، وأصل الأسماء الصرف وكل "فَعال" جائزٌ متى كانت من "فَعَل أو فعُلَ أو فعِلَ ولا يجوز من أفعْلتُ" لأنه لم يسمع من بنات الأربعة إلا قَرْقَار وعَرْعَارِ، وفَعالِ إذا كان أمرًا نصب بعده وليس يطرد "فَعالِ" إلا في النداء وفي الأمر.
السابع: الجمع الذي لا ينصرف:
وهو الذي ينتهي إليه الجموع، ولا يجوز أن يجمع، وإنما مُنع الصرف لأنه جمعُ جمع، لا جمع بعده، ألا ترى أن أكلُبًا جمع كَلْبٍ، فإن جمع أَكلُبًا قلت: أكالبُ فهذا قد جمع مرتين، فكل ما كان من هذا النوع من الجموع التي تشبه التصغير وثالثهُ ألفٌ زائدةٌ، كما أن ثالث التصغير ياءٌ زائدة وما بعده مكسور، كما أن ما بعد ثالث التصغير مكسور فهو غير منصرف، وذلك نحو: دراهم ودنانير، فدراهم في الجمع نظير دُريهم في التصغير، ودنانير نظير دُنينير، فليس بين هذا الجمع وبين التصغير إلا ضمة الأول في التصغير، وفتحة في الجمع، وإن ثالث التصغير ياءٌ وثالث هذا ألفٌ، فهذا الجمع الذي لا ينصرف. فإن أدخلت الهاء على هذا الجمع انصرف، وذلك نحو صياقلةٍ١؛ لأن الهاء قد شبهته بالواحد، فصار كمدائني لما نسبت إلى مدائن
_________________
(١) ١ صياقلة: جمع صيقل وهو شحاذ السيوف.
[ ٢ / ٩٠ ]
انصرف، وكان قبل التسمية لا ينصرف، ووقع الإِعراب على الباء، كما وقع على ياء النسب، فإن كان هذا الجمع فيما لامهُ ياء١ مثل جَوارٍ نونت في الجر والرفع؛ لأن هذه الياء تحذف في الوقت، في الجر والرفع، فعوضت النون من ذلك وإذا وقعت موضع النصب بنيت الياء ولم تصرف، وقلت: رأيت جواري يا هذا.
وقال أبو العباس، ﵀: قال أبو عثمان: كان يونس وعيسى وأبو زيد والكسائي ينظرون إلى جوار وبابه أجمع، فكل ما كان نظيره من غير المعتل مصروفًا صرفوه، وإلا لم يصرفوه وفتحوه في موضع الجر، كما يفعلون بغير المعتل يسكنونه في الرفع خاصةً، وهو قول أهل بغداد، والصرف الذي نحن عليه في الجر والرفع هو قول الخليل وأبي عمرو بن العلاء وابن أبي إسحاق، وجميع البصريين، قال أبو بكر: فأما الياء في "ثمانٍ" فهي "ياءُ نسبٍ" وكان الأصل ثمني مثل يمني، فحذفت إحدى الياءين وأبدلت منها الألف، كما فُعل ذلك بيمني حين قالوا: يَمانٍ يا هذا، وقد جعل بعض الشعراء ثماني لا ينصرف. قال الشاعر:
يَحْدو ثَماني مولعًا بلقاحِها٢
وأما بخاتي٣ فلا ينصرف لأن الياء لغير النسب، وهي التي كانت في بُختية وكذلك كُرسي وكَراسي، وقُمْري وقَماري.
_________________
(١) ١ في الأصل "فيما لامه جوار" وهو خطأ. ٢ من شواهد سيبويه ٢/ ١٧ على ترك صرف ثماني تشبيها لها بما جمع على زنة مفاعل، كأنه توهم واحدتها ثمنية كحذرية ثم جمع فقال: ثمان كما يقال: حذار في جمع حذرية، والمعروف في كلام العرب صرفها على أنها اسم واحد أتى بلفظ المنسوب نحو: "يمان" وهو صدر بيت عجزه: حتى هممن بزيغه الإرتاج. وصف إبلا أولع راعيها بلقاحها حتى لقحت ثم حداها أشد الحداء ثم همت بإزلاق ما ارتجت عليه أرحامها من الأجنة والزيغ بها وهو إزلاقها وإسقاطها. وانظر: الخزانة ١/ ٧٤، وشواهد الألفية للعاملي/ ٣٧٥. ٣ بخاتي: جمع بختي، ككرسي، وفي اللسان: البخت والبختية دخيل في العربية أعجمي معرب وهي الإبل الخراسانية تنتج من عربية.
[ ٢ / ٩١ ]
الثامن: العجمة.
الأسماء الأعجمية الأعلام غير مصروفة إذا كانت العرب إنما أعربتها في حال تعريفها نحو: إسحاق، وإبراهيم، ويعقوب؛ لأن العرب لم تنطق بهذه إلا معارف ولم تنقلها من تنكير إلى تعريف، فأما [ما] ١ أعربته العرب من النكرات من كلام العجم، وأدخلت عليه الألف واللام، فقد أجروه مجرى ما أصل بنائه له، وذلك نحو ديباجٍ وإبريسم ونيروز وفِرْنِد٢ وزنجبيلَ، وشهريزَ، وآجر، فهذا كله قد أعربته العرب في نكرته وأدخلت عليه الألف واللام، فقالوا: الديباج والشهريزُ والنيروزُ والفِرنِدُ، فجميع هذا إذا سميت به مذكرًا صرفته، لأن حكمه حكم العربي، فإن كان الاسم العلمُ ثلاثيا صرفوه لخفته نحو نُوحٍ ولُوطٍ، ينصرفانِ على كل حالٍ٣.
التاسع: الاسمان اللذان يجعلان اسمًا واحدًا.
والأول منهما مفتوح، والثاني بمنزلة ما لا ينصرف في المعرفة وينصرف في النكرة، وهو مشبه بما فيه الهاء لأن ما قبله مفتوحٌ، كما أن ما قبل الياء مفتوح وهو مضموم إلى ما قبله، كما ضمت الهاء إلى ما قبلها، وذلك نحو: حضرموت وبعلبكَ ورام هُرمز ومارسَرْجِس، ومنهم من يضيف ويصرف، ومنهم من يضيف ولا يصرف ويجعل كَرِبَ في "معدي كرب" مؤنثًا، ومنهم من يقول: معد يكرب يجعله اسمًا واحدًا٤، إلا أنهم لا يفتحون الياء،
_________________
(١) ١ أضفت كلمة "ما" لإيضاح المعنى. وانظر الموجز/ ٧٣. ٢ فرند: السيف وجوهره. ٣ انظر الكتاب ٢/ ١٩، وأما هود ونوح فتنصرفان على كل حال لخفتهما، والمقتضب ٣/ ٣٥٣. ٤ انظر الكتاب ٢/ ٥٠، وأما معد يكرب ففيه لغات، منهم من يقول: معد يكرب فيضيف، ومنهم من يقول: معد يكرب ولا يصرف، يجعل كرب اسمًا مؤنثًا.
[ ٢ / ٩٢ ]
ويتركونها ساكنةً، يجعلونها بمنزلة الياء في دردبيس١، وكذلك إذا أضافوا، يقولون: رأيت معدي كرب، يلزمون الياء الإسكان استثقالًا للحركةِ فيها.
_________________
(١) ١ دردبيس: الداهية، والشيخ والعجوز الفانية.
[ ٢ / ٩٣ ]
مسائل من هذا الباب:
قال أبو العباس: قال سيبويه: تصرفُ رجلًا سميته قيل أوردَ اللتين تقديرهما فُعِل، فقيل له: لم صرفتهما، وفعِلَ لا ينصرف في المعرفة لأنه مثال لا تكون عليه الأسماء؟ فقال: لما سكنت عيناهما ذهب ذلك البناءُ وصارا بمنزلة فُعْلٍ وفَعْلٍ قيل له: فكيف تزعم أنك إذا قلت لَقضْوُ الرجلُ ثم أسكنت على قول من قال في عَضُدٍ: عَضْدٌ قلت: لَقَضْو الرجل١، ولم ترد الياء وإن كانت الضمة قد ذهبت؛ لأنك زعمت تنويها، وأنك لم تبنها على "فعلٍ" ولكنك أسكنتها من "فَعْلٍ" فذلك البناء في نيتك، وكذلك تقول في "ضوءٍ" كما ترى إذا خففت الهمزة "ضَوٌ" فأثبت واوًا طرفًا وقبلها حركةٌ، ومثل هذا لا يكون في الكلام، فقلت: إنما جاز هذا لأن حركتها إنما هي حركة الهمز لأنها الأصل، فهي في النية وأشباه هذا كثير فَلمَ لَم تترك الصرف في قيل وَردَّ اللتين هُما فَعلَ؛ لأن الإِسكان عارض، والحركات في النية؟ قال: فالجواب في ذلك أنه حين قال: لَقَضْوَ الرجلُ فأسكن الضاد، إنما سكنها من شيءٍ مستعمل يتكلم به، فالإِسكان فيه عارضٌ؛ لأن قولهم المستعمل إنما هو لَقَضُوَ ثم يسكنون، وكذلك الهمزة المخففة إنما المستعمل إثباتها ثم تخفف استثقالًا فيقولون: ضَوٌ وقَضْو استخفافًا، وأما قيلَ، وَردَّ فلا يستعملُ الأصلُ منهما ألبتة، لا يقال: قَول ثم يخففُ ولا رَدُدَ، فهذا يجري مجرى ما لا أصل له إلا ما يستعمل، ولذلك قالوا في تصغير سماءٍ: سُمَيةٌ
_________________
(١) ١ في سيبويه ٢/ ٣٨٢ "ألا تراهم قالوا: لقضوا الرجل ثم قالوا: لقضو الرجل، فلما كانت مخففة مما أصله التحريك وقلب الواو لم يغيروا الواو، ولو قالوا: غزو وشقو لقالوا: لقضي ".
[ ٢ / ٩٣ ]
لأن هذه الياء لا يستعمل إلا حذفها؛ فلذلك دخلت الهاء وصارت بمنزلة ما أصله الثلاثة، وقياس هذا القول أنك إذا سميت رجلًا: "ضَرَبَ" ثم أسكنت فقلت: ضَرْب لم تصرفه؛ لأن الأصل يستعمل، وإن أسكنت فقلت: "ضَرْبُ" التي هي فَعْلٌ ثم سميت بها مسكنة وجب أن تصرف لأن الأصل لم يقع في الاسم قط، وأنه لم يُسم به إلا مسكنًا، والدليل على ذلك أنهم إذا سموا رجلًا جيأَلَ١، ثم خففوا الهمزة قالوا: جمل ولم يصرفوه، وقال: سُئل التوزي وروي عن أبي عبيدة أنه يقال للفرس الذكرِ: لُكَعُ٢، والأنثى لُكَعةُ، فهل ينصرف لُكَع على هذا القول؟ فالجواب في ذلك: أن لُكَعًا هذه تنصرف في المعرفة؛ لأنه ليس ذلك المعدول الذي يقالُ للمؤنث منه "لكاعِ" ولكنه بمنزلة: حُطَمٍ٣، وإن كان حَطْمٌ صفةً؛ لأنه اسم ذكره من باب صُرَدٍ ونَغْرٍ فلم يؤخذ من مثال عامرٍ فيعدلُ في حالة التعريف إلى عُمَر ونحوه، وقال: الأسماء الأعجمية التي أعربتها العرب لا يجيءُ شيءٌ منها على هيئته وأنت إذا تفقدت ذلك وجدته في إبراهيم وإسحاق ويعقوبُ، وكذلك فرعونُ وهامانُ وما أشبهها؛ لأنها في كلام العجم بغير هذه الألفاظ، فمن ذلك أن إبراهيم بلغة اليهود منقوص الياء ذاهب الميم، وأن سارة لما أعربها نقصت نقصًا كبيرًا، وكذلك إسحاق والأسماء العربية ليس فيها تغييرٌ، ويبين ذلك أن الاشتقاق فيها غير موجودٍ ولا يكون في العربية نعتٌ إلا باشتقاقٍ من لفظه أو من معناه، ولو قال قائل: هل يجوز أن يصرف إسحاق كنت مشتركًا إن كان مصدر أسحق السفرُ إسحاقًا، تريد: أبَعَدَه إبعادًا فهو مصروفٌ لأنه لم يغير، والسحيقُ: البعيدُ، قال الله ﷿: ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ
_________________
(١) ١ جيئل: الضبع معرفة بغير ألف ولام، وهو غير معروف؛ لأنه اسم علم بمنزلة جعار. ٢ في اللسان ١٠/ ١٩٩ قال أبو عبيد: اللكع عند العرب: العبد أو اللئيم. ٣ رجل حطم، وحطمة: إذا كان قليل الرحمة للماشية يهشم بعضها ببعض، ويضرب مثلًا لوالي السوء. قال سيبويه ٢/ ٣١٥: فالأسماء نحو: صرد، ونغر، وربع، والصفة نحو: حطم ولبد، قال الله تعالى: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ .
[ ٢ / ٩٤ ]
الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ١ وإن سميته إسحاق اسم النبي -﵇- تصرفه؛ لأنه قد غير عن جهته، فوقع في كلام العرب غير معروف المذهب، وكذلك يعقوب الذي لم يغير، وإنما هو اسم طائر معروف، قال الشاعر:
عَالٍ يُقَصّرُ دونَهُ اليعقوبُ٢
فإذا سمينا بهذا صرفناه، وإن سميناه يعقوب اسم النبي -﵇- لم تصرفه؛ لأنه قد غير عن جهته فوقع غير معروف المذهب، وإنما جاء في القرآن في مواضع من صرف عاد وثمود وسبأ، فالقول فيها أنها أسماء عربية وأن القوم عرب في أنفسهم، فقولُه ﷿: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَا وَأَصْحَابَ الرَّس﴾ ٣، وإنما هم آباء القبائل، كقولك: جاءتني تميم وعامر، إنما هو قبيلة تميم وقبيلة عامر، فحذف قبيلة كقولك: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٤ فأما عاد، فمنصرف اسم رجل على كل حال، لأن كل عجمي لا علامة للتأنيث فيه على ثلاثة أحرف فهو مصروف، وأما ثمودُ فهو فعول من الثَّمَدِ، وهو الماء القليل فمن صرفه جعله أبًا للحي والحي نفسه، وأما سبأ فهو جد بني
_________________
(١) ١ الحج: ٣١ وتكملة الآية: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ . ٢ عجز بيت وصدره: ضحيان شاهقة يرف بشامه، ويروى الشطر الثاني: نديان يقصر دونه اليعقوب. والضحيان: البارز للشمس، وكان القياس في ضحيان ضحوان؛ لأنه من الضحوة، إلا أنه استخف بالياء، أي: إن الياء أخف من الواو. وشاهقة: بقعة عالية. والبشام: نبت طيب الرائحة والطعم، يرف ويهتز خضرة وتلألؤا ونديان أصابه الندى. واليعقوب: الظاهر فيه أنه ذكر العقاب، ومن فسره بذكر الحجل فقد أخطأ؛ لأن الحجل لا يعرف لها مثل هذا العلو في الطيران. وانظر: الحيوان للجاحظ ٥/ ١٤٥، واللسان ٢٠/ ١٨٦ و٢/ ١١٣، والصحاح ١٠/ ١٨٦. ٣ الفرقان: ٣٨. ٤ يوسف: ٨٢.
[ ٢ / ٩٥ ]
قحطان والقول فيه كالقول في ثمود وعاد، والأغلب فيه أنه الأب، والأكثر في القراءة: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَة﴾ ١، و﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ ٢، وتقول: هو اسم امرأة وهي أمهم٣ وليس هذا بالبعيد، قال النابغة الجعدي:
مِنْ سبأَ الحاضرينَ مأَرب إذْ يبنونَ من دونِ سيلهِ العَرِما٤
مأرب: موضع، والعرمُ: هذا الذي يسمى السكر، والسكر فهو من قولك: سميته سكرًا، والسِّكْرُ: اسم الموضع وتقول: كل أفعل يكون وصفًا٥، وكل أفعل يكون اسمًا، وكل أفعل أردت به الفعل [نصب أبدًا] ٦ لأنَّ "كل" لا يليها اسم علم إلا أن تريد كل أجزائه، فأما إذا وليها اسم مفرد يقوم مقام الجمع فلا يكون إلا نكرة، وقد بينتُ ذا فيما تقدم، وتقول: أفعل إذا [كان] ٧ وصفًا فقصته كذا، فتترك صرفه، كما تترك صرف أفعل إذا كان معرفة، وإنما صار معرفة لأنك إذا أردت هذا البناء فقط وهذا الوزن فصار مثل زيد الذي يدل على شيء بعينه، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: الأفعل وإذا كان كذا، فقضيته كذا؛ لأنه لا ثاني له
_________________
(١) ١ سبأ: ١٥. ٢ النمل: ٢٢. ٣ انظر الكتاب ٢/ ٢٨، قال سيبويه: وكان أبو عمرو لا يعرف سبأ يجعله اسمًا للقبيلة. ٤ من شواهد سيبويه ٢/ ٢٨، على ترك صرف سبأ حملا على معنى القبيلة والأم، ولو أمكنه الصرف على معنى الحي والأب لجاز، وقد قرئ بالوجهين. ومأرب: أرض باليمن، والحاضر: المقيم على الماء، والمحاضر: مياه العرب التي يقيمون عليها، والعرم: جمع عرمة وهي السد، ويقال لها السكر والمسناة. انظر: الإنصاف ٢٦٥، واللسان ١٥/ ٢٩٠، والرواية: شرد بدل يبنون. ٥ قال سيبويه في باب ما ينصرف من الأمثلة وما لا ينصرف: تقول: كل أفعل يكون وصفًا لا تصرفه في معرفة ولا نكرة. انظر الكتاب ٢/ ٥. ٦ زيادة من سيبويه ٢/ ٥ لإيضاح المعنى. ٧ أضفت كلمة "كان" للمعنى.
[ ٢ / ٩٦ ]
فإن قلت: هذا رجل أفعل، فلا تصرفه لأنه موضع حكاية حكيت بها رجلًا أحمر كقولك: كلُّ أفعلَ زيدٌ، نصب أبدًا*، إذا مثلت به الفعل خاصة، وتقولُ: هذا رجل فعلان فتصرف؛ لأنه قد يكون هذا البناء منصرفًا إذا لم يكن له فعلى، فإن قلتُ فعلان إذا كان من قصته كذا فجئت به اسما لا يشركه غيره، لم تصرف وتقول: كل فَعْلَى أو فِعْلَى كانت ألفها لغير التأنيث انصرفت، وإن كانت الألف جاءت للتأنيث لم تنصرف لأن ما فيه ألف التأنيث لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، وقال الأخفش: لو سميت رجلًا بخمسة عشر لقلت: هذا خمسةَ عشرَ قد جاء، وهذا خمسةَ عشر آخرَ، ومررت بخمسة عشر مقبلًا، وتقول: بلال أباذ. ومثل ذلك مائة دينار يعني إذا جعلت مائة مع دينار اسمًا واحدًا، قال أبو بكر: وما استعملته العرب مضافًا وعرف ذلك في كلامها فلا يجوز عندي أن يجعل المضاف والمضاف إليه بمنزلة خمسة عشر، من قبل أنهم قد فرقوا بين مائة دينار وخمسة عشر؛ لأن خمسة عشر، عددان فجعلا اسمًا واحدًا للمعنى وهما بمنزلة عشرة؛ لاختلاط العدد بعضه ببعض، ومائة دينار ليس كذلك؛ لأن دينارًا هو مفسر المعدود، والذي ذهب إليه الأخفش: أن مائة دينار إضافته غير إضافة حقيقية لأنه مميز وليس كإضافة صاحب دينار، ولا إضافة عبد الله، واعلم أن من أضاف معدي كرب وحضر موت يقول: هذا رامهرمز يا فتى فترفع "رام" ولا تصرف هرمز؛ لأنه أعجمي معرفة.
واعلم: أنه لا يصلح أن يجعل مثل: مدائن محاريب، ولا مثل: مساجد محاريب، ولا مثل: جلاجل سلاسل، اسمًا واحدًا مثل حضرموت؛ لأنه لم يجئ شيء من هذه الأمثلة، اسمان يكون منهما اسمًا واحدًا، فإن جاء فالقياس فيه أن يجعل كحضرموت، وأن ينصرف في النكرة، وقال الأخفش: إنما صرفته لأني قد حولته إلى باب ما ينصرف في النكرة، وخرج من حد
_________________
(١) * هنا العبارة مضطربة في الأصل والتصحيح من كتاب سيبويه ٢/ ٦.
[ ٢ / ٩٧ ]
البناء الذي لا ينصرف؛ لأني إنما كنت لا أصرفه لأنه على مثال لا يجيء في الواحد مثله١، وأنت الآن لا يمنعك البناء. ألا ترى أنك حين أدخلت في الجمع الهاء صرفته في النكرة نحو: صياقلة٢ وجحاجحة، لما دخل في غير بابه قال: فإن قلت: ما بالي إذا سميت رجلًا بمساجد لم أصرفه في النكرة، قلت على بناء منعه من الصرف ولم يزل لذلك البناء حيث سميت به، وإذا سميته بمساجد محاريب وجعلته اسمًا واحدًا، فقد صغته غير الذي كان وبنيته بناء آخر، وكذلك لو سميت رجلًا بواحد حمراء، وواحدة بشرى أو رجل بيضاء، وأنت تريد أن تجعله اسمًا واحدًا مثل حضرموت، انصرف في النكرة؛ لأن الألف ليست للتأنيث في هذه الحال، ألا ترى أنك لو رخّمته حذفت الاسم الآخر ولم تكن تحذف الهاء، وينبغي في القياس إن بنيته أن تهمز فتقول: واحدة حمران ورجل بيضان؛ لأن الألف ليست للتأنيث عنده في هذه الحال، ولو أسميت امرأة ببنت وأخت لوجب أن يجريهما مجرى من أجرى جملًا وهندًا؛ لأن هذه التاء بدل من واو وأخت في التقدير كقفل، وبنت كَعِدْلٍ ولو كانت التاء تاء التأنيث لكان ما قبلها مفتوحًا، وكانت في الوقف هاء، وقوم لا يجرونها في المعرفة، فإن سميت رجلًا بهنة وقد كانت في هَنْتٍ ياء هذا قلت: هِنَه يا فتى، فلم تصرف وصارت هاء في الوقف وتقول: ما في يدك إلا ثلاثة، إذا أردت المعرفة والعدد فقط؛ لأنه اسم لا ثاني له، وهذا كما عرفتك في "أفعل" البناء الذي تريد به المعرفة، فإذا أردت ثلاثة من الدراهم وغير ذلك تنكر وصرفته، فأما إذا قلت: ثلاثة أكثر من اثنين وأقل من أربعة تريد هذا العدد فهو معرفة غير مصروف، ولا يجوز: رُبَّ ثلاثة أكثر
_________________
(١) ١ انظر المقتضب ٣/ ٣٤٥، فأما العجمة فقد زالت عنها بأنها قد أعربت إلا أن أبا الحسن الأخفش فإنه كان إذا سمى بشيء من هذا رجلًا أو امرأة صرفه في النكرة -وهو القياس عند المبرد- وكان يقول: إنما منعه من الصرف أنه مثال لا يقع عليه الحد. ٢ صرف صياقلة وجحاجحة، وذلك لامتناعهما بالهاء من الصرف في المعرفة؛ لأنهما قد خرجا إلى مثل الواحد.
[ ٢ / ٩٨ ]
من اثنين، ولو سميت امرأة بغلام زيدٍ لصرفت زيدًا؛ لأن الاسم إنما هو غلام زيدٍ، جميعًا، والمقصود هو الأول كما كان قبل التسمية، وكذلك: ذات عرق لأن الاسم "ذات" دون عرق، وكذلك أم بكر وعمرو، تجر بكرًا وعمرًا١ وكذلك أم أناس، وقوم لا يصرفون أم أناس؛ لأنه ليس بابن لها معروف، فصار اسمًا وينشدون:
وإلى ابن أُمِّ أُناسَ تَعمدُ٢ ناقتي
واعلم: أن أسماء البلدان والمواضع ما جاء منها لا ينصرف، فإنما يراد به أنه اسم للبلدة والبقعة، وما أشبه ذلك، وما جاء منها مصروفًا فإنما يراد به البلد والمكان، ووقع هذا في المواضع؛ لأن تأنيثه ليس بحقيقي وإنما المؤنث في الحقيقة هو الذي له فرج من الحيوان، فمن ذلك: واسط٣، وهو اسم قصر، ودابق وهو نهر، وهجر ذكر٤، ومنى ذكر، والشام ذكر، والعراق
_________________
(١) ١ أي: إن بكرًا وعمرًا مصروفان في حالة فصلهما عن "أم". ٢ من شواهد الكتاب ١/ ٢٢٢، على إجراء ملك على ما قبله بدلًا منه وهو من بدل النكرة من المعرفة؛ لما فيه زيادة الفائدة. وقد ذكر سيبويه بيتين هما: فإلى ابن أم أناس أرحل ناقتي عمرو فتبلغ حاجتي أو تزحف ملك إذا نزل الوفود ببابه عرفوا مواد مزبد لا ينزف يمدح عمرو بن هند الملك، وأم أناس بعض جداته وهو من بني يشكر، ومعنى تزحف: تعيا وتكل، والموارد مناهل الماء المورودة، شبه بها عطاياه وجعله كالبحر المزبد لكثرة جوده. ومعنى ينزف: يستنفد ماؤه، ولم يعرف قائل هذين البيتين. وانظر: الإنصاف ٣٦٢، والهمع ٢/ ١٢٧، والدرر اللوامع ٢/ ١٦٥. ٣ قال سيبويه ٢/ ٢٣: وأما واسط فالتذكير والصرف أكثر، وإنما سمي واسطًا؛ لأنه مكان وسط البصرة والكوفة، وانظر معجم البلدان ٥/ ٣٤٧. ٤ قال سيبويه ٢/ ٢٣: هجر يؤنث ويذكر وسمعنا من يقول: كجالب التمر إلى هجر يا فتى
[ ٢ / ٩٩ ]
ذكر، وأما ما يذكر ويؤنث فنحو: مصر١ وأضاخ وقباء٢ وحراء٣ وحجر٤، وحنين، وبدر ماء وحمص، وجور، وماه: لا ينصرف٥؛ لأن المؤنث من الثلاثة الأحرف الخفيفة إن كان أعجميا لم ينصرف؛ لأن العجمة قد زادته ثقلًا، وإنما صرفته ومن صرفه فلأنه معرفة مؤنث فقط لخفته في الوزن، فعادل في خفة أحد الثقلين، فلما حدث ثقل ثالث قاوم الخفة، وتقولُ: قرأت هودًا إذا أردت سورة هود فحذفت سورة، وإن جعلته اسمًا للسورة لم تصرف؛ لأنك سميت مؤنثا بمذكر، وإن سميت امرأة بأم صبيان لم تصرف "صبيان" لأنك لو سميت به وحده لم تصرفه؛ لأن الألف والنون فيه زائدتان، وقد صار معرفة وهو وإن كان لم تتقدم التسمية به فتحكمه حكم ذلك، وإن سميت رجلًا بملح وربح صرفتهما، كما تصرف رجلًا سميته بهند، كأنك قد نقلته من الأثقل إلى الأخف وهو على ثلاثة أحرف، وقد بيَّنا هذا فيما تقدم، وكذلك إذا سميت رجلًا بخمس وست فاصرفه، وإن سميت رجلًا بطالق وطامث فالقياس صرفه لأنك قد نقلته عن الصفة، وهو في الأصل مذكر وصفت به مؤنثًا، وحَمّار جمع حَمَّارةِ القيظ مصروف إذا أردت الجمع الذي بينه وبين واحده الهاء. قال أبو العباس: سألت أبا عثمان عنه فصرفه فقلت: لم صرفته؟ هلاّ كان بمنزلة دواب؟ قال: لأن الأصل الباء الأولى في دواب الحركة، والراء في "حمارٍ" ساكنة على أصلها تجري مجرى الواحد؛ لأنه ليس بين الجمع والواحد إلا الهاء، بمنزلة تمرةٍ وتمرٍ، وأما إذا
_________________
(١) ١ في اللسان ٧/ ٢٤، مصر هي المدينة المعروفة، تذكر وتؤنث عن ابن السراج. ٢ في معجم البلدان ٤/ ٣٠١، قبا -بالضم- وأصله اسم بئر هناك، وألفه واو ويمد ويقصر ويصرف ولا يصرف. ٣ حراء: في معجم البلدان ٢/ ٢٣٣ حراء بالكسر والتخفيف: جبل من جبال مكة. ٤ في معجم البلدان ٢/ ٢٢١، حجر بالفتح: مدينة باليمامة وأم قراها، وانظر الروض الأنف ١/ ١٤. ٥ في سيبويه ٢/ ٢٣: فمن الأعجمية حمص وجور، فلو سميت امرأة بشيء من هذه الأسماء لم تصرفها، كما لا تصرف الرجل لو سميته بفارس.
[ ٢ / ١٠٠ ]
أردت جمع التكسير فهو غير مصروف؛ لأن التقدير حمار، وكذلك في جبنة جبّان يا هذا، وإن سميت رجلًا بأفضل وأعلم بغير منك، لم تصرفه في المعرفة وصرفته في النكرة، فإن سميته بأفعل منك كله، لم تصرفه على حال، لأنك تحتاج إلى أن تحكي ما كان عليه، وإذا سميت بأجمع وأكتع لم تصرفه في المعرفة وصرفته في النكرة، وهما قبل التسمية إذا كانا تأكيدًا لا ينصرفان؛ لأنهما يوصف بهما المعرفة.
فأما أسماء الأحياء، فمعد وقريش وثقيف وكل شيء لا يجوز لك أن تقول فيه من بني فلان، وإذا قالوا: هذه ثقيف، فإنما أرادوا جماعة ثقيفٍ١. وقد يكون تميم اسمًا للحي، فإن جعلت قريش وأخواتها أسماء للقبائل جاز، وتقولُ: هؤلاء ثقيف بن قسي، فتجعله اسم الحي، وابن صفة، فما جعلته اسمًا للقبيلة لم تصرفه وأما مجوس ويهود فلم تقعا إلا اسمًا للقبيلة، ولو سميت رجلًا بمجوس لم تصرفه، وأما قولهم: اليهود والمجوس٢، فإنما أرادوا المجوسيين واليهوديين ولكنهم حذفوا ياءي الإِضافة كما قالوا: زنجي وزنجٌ ونصارى نكرة، وهو جمع نصران ونصرانةٍ، كندمان وندامى، ولكن لم يستعمل نصران إلا بياء النسب.
وقال أبو العباس: إذا سميت رجلًا بنساء، صرفته في المعرفة والنكرة؛ لأن نساء اسم للجماعة وليس لها تأنيث لفظًا، وإنما تأنيثها من جهة الجماعة، فهي بمنزلة قولك كلاب إذا قلت: بني كلاب؛ لأن تأنيث كلاب إنما هو تأنيث جماعة وإنما أنثت كل جماعة كانت لغير الآدميين؛ لأنهم قد نقصوا عن الآدميين فالحيوان الذي لا يعقل والموات متفقان في جمع التكسير، وإنما خص من يعقل بجمع السلامة؛ لأن له أسماء أعلاما يعرف
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٢٦، والمقتضب ٣/ ٣٦١. ٢ في سيبويه ٢/ ٢٩، وأما قولهم: اليهود والمجوس، فإنما أدخلوهما الألف واللام ههنا كما أدخلوهما في المجوس واليهودي، لأنهم أرادوا اليهوديين والمجوسيين، ولكنهم حذفوا ياءي الإضافة.
[ ٢ / ١٠١ ]
بها، وكان جمع السلامة يؤدي الاسم المعروف وبعده علامة الجمع فكان به أولى، ولو أنك لا تخص الموات وما لا يعقل بالواو والنون، وخصصت ما يعقل بالتكسير لكان السؤال واحدا، وإنما قصدنا أن نفضله بمنزلة ليست لغيره، وإنما قلت: هي الرجال؛ لأن الرجال جماعة فكان هذا التأنيث تأنيث الجماعة، وهو مشارك للموات في هذا الموضع إذا وافقه في جمع التكسير.
والتأنيث تأنيثان: تأنيث حقيقي فهو لازم، وتأنيث غير حقيقي فهو غير لازم؛ فالتأنيث اللازم مثل امرأة وما أشبه ذلك، والتأنيث الذي هو غير لازم مثل دار وذراع، فإنما هذا تأنيث لفظ، فلهذا كان تذكير أفعال المؤنث في غير الآدميين أحسن منه في الآدميين، قال محمد بن يزيد: ناظرت ثعلبًا في هذا بحضرة محمد بن عبد الله١ فلم يفهمه، فقلت له: أخبرني عن قولنا: دار، أليس هو مؤنث اللفظ؟ قال: بلى، قلت: فإذا قلنا: منزل، هل زال معنى الدار، أفلا ترى التأنيث إنما هو اللفظ، فلما زال اللفظ زال ذلك المعنى؟ وكذلك قولنا: ساعد وذراع ورمح وقناة أفتراه في نفسه مؤنثًا مذكرًا في حال؟ فقال له محمد بن عبد الله: هذا بين جدا، وليس كذلك ما كان تأنيثه لازمًا، ألا ترى أنا لو سمينا امرأة بجعفر أو بزيد لصغرنا زبيدة، فلما كان مؤنث الحقيقة لم يغير عن تأنيثه، تعليقنا عليه، أسماء مذكرة في اللفظ، وإنما قلت: قالت النساء بمنزلة جاءت الإِبل والكلاب وما أشبه ذلك، وليس تأنيث النساء تأنيثًا حقيقيًّا، وإنما هو اسم للجماعة، تقولُ: قال النساء إذا أردت الجمع، وقالت النساء إذا أردت معنى الجماعة؛ لأن قولك النساء وما أشبهه إنما هو اسم حملته للجمع، وكذلك قوله ﷿: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ ٢، إنما أنث لأنه أراد الجماعة، وتقول في أسماء السور: هذه هود إذا أردت سورة هود، وإن جعلت هودًا اسم السورة لم تصرفه؛ لأنها بمنزلة امرأة سميتها
_________________
(١) ١ أمير من أسرة آل طاهر توفي عام ٢٧٠هـ. ٢ الحجرات: ١٤، والآية: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ .
[ ٢ / ١٠٢ ]
بعمر، وكذا حكم نوح ونون، وإذا جعلت، اقتربت اسمًا قطعت الألف نحو: أصبع وإن سميت بحاميم، لم ينصرف لأنه أعجمي نحو: هابيل وإنما جعلته أعجميا لأنه ليس من أسماء العرب، وكذلك: طس وحسن، وإن أردت الحكاية تركته وقفًا١، وقد قرأ بعضهم: ﴿يّس وَالْقُرْآنِ﴾ ٢، و﴿ق وَالْقُرْآنِ﴾ ٣، جعله أعجميا ونصب "باذكر"٤ وأما صاد فلا تجعله أعجميا لأن هذا البناء والوزن في كلامهم، فإن جعلت اسمًا للسورة لم تصرفه، ويجوز أن يكون ﴿يس﴾ و﴿ص﴾ مبنيين على الفتح لالتقاء الساكنين، فإن جعلت ﴿طسم﴾ اسمًا واحدًا حركت الميم بالفتح، فصار مثل دراب جرد، وبعل بك وإن حكيت تركت السواكن على حالها، قال سيبويه: فأما: ﴿كهيعص﴾ و﴿ألم﴾، فلا تكونان إلا حكاية٥، وإنما أفرد بابًا للحكاية إن شاء الله. وقال سيبويه: أبو جاد وهَوَّار وحُطي، كعمرو وهي أسماء عربية، وأما كَلَمَنْ وسَعْفَص وقُريشيات فإنهن أعجمية لا ينصرفن، ولكنهن يقعن مواقع عمرو فيما ذكرنا، إلاّ أن قريشيات بمنزلة عرفات وأذرعات٦.
_________________
(١) ١ لأنها حروف مقطعة. ٢ سورة يس: ٢ والآية: ﴿يّس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ . ٣ سورة ق: ١ والآية: ﴿ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ . ٤ أي: نصب يس ونون. ٥ انظر الكتاب ٢/ ٣١. ٦ انظر الكتاب ٢/ ٣٦.
[ ٢ / ١٠٣ ]
باب ما يحكى من الكلم إذا سمي به وما لا يجوز أن يحكى
مدخل
باب ما يحكى من الكلم إذا سمي به وما لا يجوز أن يحكى:
اعلم: أن ما يُحكى من الكلم إذا سمي به على ثلاث جهات، إحداها: أن تكون جملة والثانية أن يشبه الجملة وهو بعض لها وذلك البعض ليس باسم مفرد ولا مضاف، ولا فيه ألف ولا مبني مع اسم ولا حرف معنى مفرد، والثالثة: أن يكون اسمًا مثنى أو مجموعًا على حد التثنية.
الأول: نحو: تأبّط شرًّا وبرق نحره وذَرَّى حيا تقول: هذا تأبّط شرا ورأيت تأبّط شرا ومررت بتأبّط شرا وهذه الأسماء المحكية لا تثنى ولا تجمع، إلا أنْ تقول: كلهم تأبّط شرا أو كلاهما تأبّط شرا ولا تحقره ولا ترخمه، فجميع هذه الجمل التي قد عمل بعضها في بعض وتمت كلامًا لا يجوز إلا حكايتها، وكذلك كل ما أشبه ما ذكرت من مبتدأ وخبره وفعل وفاعل، وإن أدخلت عليها إنَّ وأخواتها وكان وأخواتها فجميعه يحكى بلفظه قبل التسمية وإن سميت رجلًا بوزيد أو وزيدًا أو وزيدٌ حكيت؛ لأن الواو عاملة تقوم مقام ما عطفت عليه.
الضرب الثاني: الذي يشبه الجملة.
وهو على خمسة أضرب: اسم موصول واسم موصوف وحرف مع اسم وحرف مع حرفٍ وفعل مع حرف، فجميع هذا تدعه على حاله قبل التسمية من الصرف وغير الصرف؛ لأنك لم تسم بالموصول دون الصلة، ولا بشيء من هذه دون صاحبه.
[ ٢ / ١٠٤ ]
الأول: الاسم الموصول: نحو رجل سميته: خيرًا منك ومأخوذًا بك أو ضاربًا رجلًا، فتقول: رأيت خيرًا منك، وهذا خير منك، ومررت بخير منك، فإن سميت به امرأة لم تدع التنوين، وحكيته كما كان قبل التسمية من قبل أنه ليس منتهى الاسم، كما أن بعض الجملة ليس بمنتهى الاسم.
الثاني: الموصوف: إن سميت رجلًا: زيدٌ العاقلُ، قلت: هذا زيدٌ العاقلُ ورأيت زيدًا العاقلَ وكذلك لو سميت امرأة، لكان على هذا اللفظ، وإن سميت رجلًا "بعاقلة" لبيبةٍ قلت: هذا عاقلة لبيبة ورأيت عاقلةً لبيبةً فصرفته؛ لأنك تحكيه ولو كان الاسم عاقلةً وحدها لم تصرف، فحكاية الشيء أن تدعه على حكمه ما لم يكن معه عاقل، فإن كان معه عاقل أعملت العامل ونقلته بحاله.
الثالث: الحرف مع الاسم: وذلك إذا سميت إنسانًا كزيدٍ، وبزيدٍ، وإن زيدًا حكيته، وحيثما وأنت تحكيهما لأن "حيثما" اسم وحرف، وأنت التاء للخطاب والألف والنون هما الاسم، وكذلك أما التي في الاستفهام حكاية؛ لأنها مع "ما" دخلت عليهما ألف الاستفهام، ومما يحكى: كذا وكأي و"ذلك" يحكى لأن الكاف للخطاب، وهذا وهؤلاء يحكيان؛ لأن ها دخلت على ذا وأولاء، وإن سميت "زيد وعمرو" رجلًا، قلت في النداء: يا زيدًا وعمرًا فنصبت ونونت لطول الاسم.
الرابع: الحرف مع الحرف: وذلك نحو: إنما وكأنما وأما وإن لا في الجزاء ولعل؛ لأن اللام عندهم زائدة وكأن١؛ لأنها كاف التشبيه دخلت على "أن" فجميع هذا وما أشبهه يحكى.
الخامس: الفعل مع الحرف: وذلك هلم: إذا سميت به حكيته وإن أخليته من الفاعل، وإن سميت بالذي رأيت لم تغيره عما كان عليه قبل أن
_________________
(١) ١ قال سيبويه ٢/ ٦٧: ولعل حكاية؛ لأن اللام ههنا زائدة. ألا ترى أنك تقول: علك، وكذلك كأن؛ لأن الكاف دخلت للتشبيه.
[ ٢ / ١٠٥ ]
يكون اسمًا، ولو جاز١ أن تناديه بعد التسمية، لجاز أن تناديه قبلها، ولكن لو سميته: الرجل منطلق بهذه الجملة لناديتها؛ لأن كل واحد منهما اسم تام وذلك غير تام، وإنما يتم بصلته، وهو يقوم مقام اسم مفرد، ولو سميته الرجل والرجلان لم يجز فيه النداء٢.
الضرب الثالث:
من القسمة الأولى، وهو التسمية بالتثنية والجمع الذي على حد التثنية، وذلك إذا سميت رجلًا بسلمانِ وزيدانِ حكيت التثنية، فقلت: هو زيدان، ومررت بزيدين، ورأيت زيدين، فتحكي التثنية ولفظها وإن أردت الواحد، وقد أجازوا أن تقول: هذا زيدان وتجعله كفعلان، وإن سميت بجميع على هذا الحد حكيت فقلت: هذا زيدونَ ورأيت زيدين ومررت بزيدين، ومنهم من يجعله كقنسرين فيقول: هذا زيدون، ومسلمون وقد ذكرت ذا فيما تقدم وإن بجمع مؤنث قلت: هذا مسلمات، ورأيت مسلماتٍ، ومررت بمسلماتٍ، تحكي: تقول العرب: هذه عرفات مباركًا فيها، فعرفات بمنزلة آبانين٣، ومثل ذلك أذرعات، قال امرؤ القيس:
تَنَوَّرْتُها مِنْ أَذْرِعَاتٍ وأهلُها بِيَثْرِبَ أَدْنى دَارِهَا نَظَرٌ عالي٤
_________________
(١) ١ في الأصل "ولا يجوز" ولا يستقيم المعنى. ٢ لأن ذا يجري مجراه قبل أن يكون اسمًا في الجر والنصب والرفع. انظر الكتاب: ٢/ ٦٨. ٣ أبان: جبل أبانان، أبان الأسود، وأبان الأبيض، وانظر معجم البلدان واللسان، والاشتقاق ٧٧، والمغني ٢/ ١٠، والسيوطي ٢٤٧. ٤ من شواهد سيبويه ٢/ ١٨، على تنوين أذرعات، والمتنور: الناظر إلى النار من بعد، أراد قصدها أو لم يرد، وقد نظر امرؤ القيس بقلبه تشوقًا إليها، أذرعات: بلد من أطراف الشام، ويثرب: مدينة الرسول، ﷺ. انظر المقتضب ٣/ ٣٣٣، والخزانة ١/ ٢٦، ومعجم البلدان ١/ ١٣٠، وجـ٥/ ٤٣٠، والديوان ١٠٥.
[ ٢ / ١٠٦ ]
ومن العرب من لا ينون أذرعات ويقول: هذه قريشياتُ، كما ترى، شبهوها بهاء التأنيث في المعرفة؛ لأنها لا تلحق بنات الثلاثة بالأربعة، ولا الأربعة بالخمسة. قال أبو العباس: أنشدني أبو عثمان للأعشى:
تَخَيَّرَهَا أخو عَانَاتِ شَهرا١
فلم يصرف ذلك، قال أبو بكر: قد ذكرت ما ينصرف وبقي ذكر المبني المضارع للمعرف، ونحن نتبع ذلك الأسماء المبنيات، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ صدر بيت وعجزه: ورجى خيرها عامًا فعاما ورواه المبرد في المقتضب: تخيرها أخو عانات دهرا، وفي الخزانة: فخيرها أخو عانات شهرا، وفي اللسان: برها عامًا فعاما، والشاهد حذف التنوين من عانات، ويجوز أن تكسر التاء وأن تفتح فيكون ممنوعًا من الصرف. وعانات: موضع بالجزيرة تنسب إليها الخمرة العانية، وفي معجم البلدان: قرى عانات، سميت بثلاثة إخوة من قوم عاد خرجوا هرابًا فنزلوا تلك الجزيرة، فلما نظرت العرب إليها قالت: كأنها عانات، أي: قطع من الظباء وهي بالشام. وانظر المقتضب ٣/ ٣٣٣، والخزانة ١/ ٢٧، واللسان "عون"، ومعجم البلدان ٤/ ٧٢، والديوان ١٩٧.
[ ٢ / ١٠٧ ]
باب ما لا يجوز أن يحكى:
هذا الباب ينقسم ثلاثة أقسام: وهو كل اسم مبني، أو مضاف ملازم للإِضافة وأفردته أو فعل فارغ، أو حرف قصدت التسمية به فقط، فجميع هذه إذا سميت بشيء منها أعربته إعراب الأسماء الأول، وإن نقص عما كانت عليه الأسماء.
الأول: إن سميت بكم أو بمن، قلت: هذا كم قد جاء؛ لأن في الأسماء مثل دم ويد، وإن سميت بهو قلت: هذا هو، فاعلم، وإن سميت به مؤنثًا لم تصرفه؛ لأنه ضمير مذكر، وإنما ثقلت "هو" لأنه ليس في كلامهم اسم على حرفين أحدهما ياء أو واو أو ألف، وسمع منهم إذا أعربوا شيئًا من هذا الضرب التثقيل، فإن سميت بذو قلت ذوًّا؛ لأنك تقول: هاتان ذواتا مال، فلما علمت الأصل رددته إلى أصله، كما تكلموا به ولو لم يقولوا: ذوا ثم سمينا بذو لما قلت إلا ذو، وكان الخليل١ يقول: ذو أصل، الذال على كل قول الفتح، وإن سميت "بفو" قلت: فم، ولو لم يكن قبل فم لقلت: فوه٢ مؤنثان وأين، ومتى، وثم، وهنا، وحيث، وإذا، وعند وعن فيمن
_________________
(١) ١ في الكتاب ٢/ ٣٣ وكان الخليل يقول: هذا ذو، بفتح الذال لأن أصلها الفتح، تقول: ذوا وتقول: ذوو. ٢ قال سيبويه ٢/ ٣٣: ولو لم يكونوا قالوا: فم لقلت: فوه؛ لأنه من الهاء.
[ ٢ / ١٠٨ ]
قال، من عن يمينه١، ومنذ في لغة من رفع، تصرف الجميع، تحمله على التذكير حتى يتبين غيره، وإن سميت كلمة بتحت أو خلف أو فوق لم تصرفها؛ لأنها مذكرات، يدل على تذكيرها تحت، وخليف ذاك، ودوين، ولو كان مؤنثًا دخلت الهاء كما دخلت في قديديمةٍ، ووريئةٍ.
الثاني: التسمية بالفعل الفارغ من الفاعل والمفعول: إن سميت رجلًا بضرب، أو ضُرِبَ أو يضرِب أعربته، وقد عرفتك ما ينصرف من ذلك وما لا ينصرف، وحكم نعم وبئس حكم الفعل إذا سميت به، تقولُ: هذا نعم وبئس، وإن سميته أزمة قلت: أزمٍ، ورأيت أزمى، وبيغزو٢، قلت: يغز ورأيت يغزى، وإن سميته بعهْ قلت: وعٍ وإن سميت برَه: قلت إرْأً.
_________________
(١) ١ قال سيبويه ٢/ ٣٠٩: وأما "عن" فاسم إذا قلت: من عن يمينك؛ لأن من لا تعمل إلا في الأسماء. ٢ قال سيبويه ٢/ ٦٠: وسألته عن رجل يغزو فقال: رأيت يغزى قبل، وهذا يغزو هذا يغزي زيد وقال: لا ينبغي له أن يكون في قول يونس إلا يغزى وثبات الواو خطأ؛ لأنه ليس في الأسماء واو قبلها مضموم.
[ ٢ / ١٠٩ ]
باب التسمية بالحروف:
وذلك نحو إن، إذا سميت بها قلت: هذا إن، وكذلك أن، وكذلك ليت، وإن سميت بأن المفتوحة لم تكسر، وإن سميت بلو واو زدت واوًا فقلت: لو واو وكان بعض العرب يهمز فيقول: لؤ١، وإن سميت "بلا" زدت ألفًا ثم همزت فقلتَ: لاء؛ لأن الألف ساكنة ولا يجتمع ساكنان، وإذا سميت بحرف التهجي نحو: باء وتاء وثاء وحاء مددت فقلت: هذه باء وتاء، وإذا تهجيت قصرت ووقفت ولم تعرب، وفي "زاي" لغتان٢: منهم من يجعلها "ككي" ومنهم من يقول: زاي، فإن سميته بزي على لغة من يجعلها ككي قلت: زي فاعلم، وإن سميت بها على لغة من يقول: زايٌ قلت: زاءٌ وكذا واوٌ وآءٌ، وسنبين هذا في التصريف وجميع هذه الحروف إذا أردت بالواحد منها معنى حرف فهو مذكر، وإن أردت به معنى كلمةٍ فهو مؤنث، وإن سميت بحرف متحرك أشبعت الحركة إن كانت فتحةً جعلتها ألفًا وضممت إليها ألفًا أخرى، وإن كانت كسرة أشبعتها حتى تصير ياء وتضم إليها أخرى وكذلك المضموم إذا وجدته كذلك وذلك أن تسمي رجلًا بالكاف
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٣٣ قال سيبويه: وكان بعض العرب يهمز كما يهمز النئور فيقول: لوء. ٢ قال سيبويه ٢/ ٣٤: وأما زاي، ففيها لغتان: فمنهم من يجعلها في التهجي ككي، ومنهم من يقول: زاي، فيجعلها بزنة واو وهي أكثر.
[ ٢ / ١١٠ ]
من قولك: كزيدٍ، تقول: هذا "كا" وإن سميته بالباء من بزيد، قلت: بي، فإن سميته بحرف ساكن فإن الحرف الساكن لا يجوز من غير كلمة فترده إلى ما أخذ منه.
واعلم: أن كل اسم مفرد لا تجوز حكايته، وكذلك كل مضاف، وإن سميت رجلًا عم، فأردت أن تحكي به في الاستفهام تركته على حاله، وإن جعلته اسمًا قلت: عن ما تمد "ما" لأنك جعلته اسمًا كما تركت تنوين سبعة إذا سميت فقلت: سبعةُ. والمضاف بمنزلة الألف واللام لا يجعلان الاسم حكاية، قال أبو بكر: قد ذكرنا ما لا ينصرف، وقد مضى ذكر المبني المضارع للمعرب، ونحن نتبع ذلك الأسماء المبنيات إن شاء الله.
[ ٢ / ١١١ ]
ذكر الأسماء المبنية التي تضارع المعرب: شرح الأول من المعرب:
هذه الأسماء على ضربين: مفرد ومركب، فنبدأ بذكر المفرد إذ كان هو الأصل؛ لأن التركيب إنما هو ضم مفرد إلى مفرد، ولنبين أولًا المعرب ما هو لنبين به المبني، فنقول: إن الاسم المفرد المتمكن في الإِعراب على أربعة أضرب: اسم الجنس الذي تعليله من جنس آخر، والواحد من الجنس، وما اشتق من الجنس، ولقب الواحد من الجنس.
شرح الأول من المعرب:
الجنس: الاسم الدال على كل ما له ذلك الاسم، ويتساوى الجميع في المعنى، نحو: الرجل، والإِنسان، والمرأة، والجمل، والحمار، والدينار، والدرهم، والضرب، والأكل، والنوم، والحمرة، والصفرة، والحسن، والقبح وجميع ما أردت به العموم، لما يتفق في المعنى، بأي لفظ كان فهو جنس، وإذا قلت: ما هذا؟ فقيل لك: إنسان، فإنما يراد به الجنس، فإذا قال: الإِنسان فالألف واللام لعهد الجنس، وليست لتعريف الإِنسان بعينه، وإنما هي فرق
[ ٢ / ١١١ ]
بين إنسان موضوع للجنس وبين إنسان هو من الجنس، إذا قلت إنسان، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١ فدل بهذا أن الإِنسان يراد به الجنس، ومعنى قول النحويين: الألف واللام لعهد الجنس أنك تشير بالألف واللام إلى ما في النفس من معرفة الجنس؛ لأنه شيء لا يدرك بالعيان والحس، وكذلك إذا قلت: فضةٌ والفضةُ، وأرضٌ والأرضُ، وأسماء الأجناس إنما قيلت ليفرق بين بعضها وبعض، مثل الجماد والإِنسان، وهذه الأسماء تكون أسماء لما له شخص ولغير شخص، فالذي له شخص نحو: ما ذكرنا من الإِنسان والحمار والفضة، وما لا شخص له مثل الحمرة والضرب والعلم والظن.
_________________
(١) ١ العصر: ٢-٣.
[ ٢ / ١١٢ ]
شرح الثاني من المعرب:
وهو الواحد من الجنس نحو رجل وفرس ودينار ودرهم وضربةٍ وأكلةٍ فتقول: إذا كان واحد من هذه معهودًا بينك وبين المخاطب، الرجل، والفرس، والدينار، والضرب، أي: الفرس الذي تعرف والضرب الذي تعلم، والفرق بين قولك: رجل وبين فضة، أن رجلًا يتضمن معنى جنس له صورة فمتى زالت تلك الصورة زال الاسم، وفضة ليس يتضمن هذا الاسم صورة، فأما درهم فهو مثل رجل في أنه يتضمن معنى الفضة بصورة من الصور.
[ ٢ / ١١٢ ]
الثالث: ما اشتق للوصف من جنس من الأجناس التي لا أشخاص لها.
نحو: ضارب، مشتق من الضرب، وحَسَنٌ مشتق من الحُسْنِ، وقبيحٌ مشتق من القُبحِ، وآكلٌ مشتق من الأكل، وأسود من السواد، وهذه كلها صفات تجري على الموصوفين، فإن كان الموصوف جنسًا، فهي أجناس وإن كان واحد منكورًا من الجنس فهو واحد منكور نحو القائمِ، وقائمٍ، والحَسِنُ، وحَسَنٌ، وإن كان معهودًا فهو معهودٌ وحكم الصفة حكم الموصوف في إعرابه.
[ ٢ / ١١٢ ]
الرابع: ما يلقب به شيء بعينه ليعرف من سائر أمته.
نحو: زيد وعمرو وبكر وخالد وما أشبه ذلك من الأسماء الأعلام التي تكون للآدميين وغيرهم. فجميع هذه الأسماء المتمكنة إلا الجنس يجوز أن تعرف النكرة منها بدخول الألف واللام عليها، ويجوز أن تنكر المعرفة منها، ألا ترى أنك تقولُ: الرجل إذا كان معهودًا، ثم تقول: رجلٌ إذا لم يكن معهودًا والمعنى واحد وكذلك ضرب، والضربُ، وحَسُنَ، والحسنُ، وضاربٌ، والضَارب، وقبيحٌ، والقبيحُ، وتقول: زيدُ عمرٍو، فإذا تنكرا بأن يتشاركا في الاسم قلت: الزيدان والعمران تدخل الألف واللام مع التثنية؛ لأنه لا يكون نكرة إلا ما يثنى ويجمع، والأسماء المبنية بخلاف هذه الصفة، لا يجوز أن تنكر المعرفة منها ولا تعرف النكرة، ألا ترى أنه لا يجوز أن يتنكر "هذا" فتقول: الهذان ولا يتنكر أنا، ولا أنت، ولا هو، فهذا من المعارف المبنيات التي لا يجوز أن يتنكر ما كان منها فيه الألف واللام، فلا يجوز أن يخرج منها الألف واللام نحو: الذي والآن، وأما النكرة التي لا يجوز أن تعرف نحو قولك: كيف وكم، فجميع ما امتنع أن يعرف بالألف واللام، وامتنع من نزع الألف واللام منه لتنكير فهو مبني، ولا يلزم من هذا القول البناء في اسم الله ﷿، إذ كانت الألف واللام لا تفارقانه فإن الألف واللام وإن كانتا غير مفارقتين، فالأصل فيهما أنهما دخلتا على إله، قال سيبويه: أصل هذا الاسم أن يكون إلها١، وتقديره "فعال" والألف واللام
_________________
(١) ١ قال سيبويه ١/ ٣٠٩: وكأن الاسم -والله أعلم- "إله" فلما أدخل فيه الألف واللام حذفوا الألف وصارت الألف واللام خلفًا منها، وفي ٢/ ١٤٤، أنه مأخوذ من "لاه"، وانظر المقتضب ٤/ ٢٤٠.
[ ٢ / ١١٣ ]
عوض من الهمزة التي في "إله" وهو على هذا علم، قال أبو العباس: لأنك تذكر الآلهة الباطلة فتكون نكرات تعرف بالألف واللام، وتجمع كما قال الله ﷿: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَة﴾ ١، وتعالى الله أن يعتور اسمه تعريف بعد تنكير أو إضافة بعد أن كان علمًا، وقال سيبويه في موضع آخر: ويقولون: لاه أبوك يريدون: لله أبوك٢، فيقدمون اللام ويؤخرون العين، والاسم كامل، وهو علم، وحق الألف واللام إذا كانتا في الاسم ألا ينادى إلا الله ﷿، فإنك تقول: يا لله وتقطع الألف، فتفارق سائر ألفات الوصل، والشاعر إذا اضطر فقال: "يا التي"٣ لم تقطع الألف، فهذا الاسم مفارق لجميع الأسماء عز الله وجل.
_________________
(١) ١ يس: ٢٢. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٤٤. ٣ لعله يشير إلى قول الشاعر: من أجلك يا التي تيمت قلبي وأنت بخيلة بالود عني
[ ٢ / ١١٤ ]
أقسام الأسماء المبنيات المفردات
مدخل
أقسام الأسماء المبنيات المفردات ستة:
اسم كني به عن اسمٍ، واسم أشير به إلى مسمى وفيه معنى فِعْلٍ، واسم سمي به فعل، واسم قام مقام الحرف، وظرف لم يتمكن، وأصوات تحكى.
[ ٢ / ١١٤ ]
باب الكنايات وهي علامات المضمرين:
الكنايات على ضربين: متصل بالفعل ومنفصل عنه، فالمتصل غير مفارق للفعل، والفعل غير خالٍ منه، وعلامة المرفوع فيه خلاف علامة المنصوب والمخفوض، فالتاء للفاعل المتكلم مذكرًا كان أو مؤنثًا فعلتُ وصنعتُ وعلامة المخاطب المذكر فعلتَ، والمؤنث فعلتِ، وعلامة المضمر النائب في النية تقول: فعل وصنع، فاستغنى عن إظهاره والعلامة فيه بأن كل واحد من المتكلمين والمخاطبين له علامة، فصار علامة الغائب أن لا علامة له، هذا في الفعل الماضي، فأما الفعل المضارع فليس يظهر في فعل الواحد ضمير ألبتة، متكلمًا كان أو مخاطبًا إلا في فعل المؤنث المخاطب، وذلك أنه استغنى بحروف المضارعة عن إظهار الضمير، يقولُ المتكلمُ: أنا أفعل، ذكرًا كان أو أنثى فالمتكلم لا يحتاج إلى علامة؛ لأنه لا يختلط بغيره، وإنما أظهرت العلامة في "فعلتُ" للمتكلم؛ لأنه لو أسقطها لالتبس بالغائب، فصار فعل، فلا يعلم لمن هو، فإن خاطبت ذكرًا قلت: أنت تفعل، والغائب هو يفعل، فإن خاطبت مؤنثًا قلت: تفعلين، فظهرت العلامة وهي الياء، وإن كانت غائبة قلت: هي تفعل فيصير لفظ الغائبة كلفظ المخاطب، ويفصل بينهما الخطاب وما جرى في الكلام من ذكر ومؤنث، وتقول للمؤنث في الغيبة: فعلتْ وصنعتْ، فالتاء علامة فقط وليست باسمٍ، يدلك على ذلك قولهم: فعلت هند، فأما التاء التي هي اسم فيسكن لام الفعل لها، نحو فَعلْتُ وصنَعْتُ وإنما أسكن لها لام الفعل؛ لأن ضمير الفاعل والفعل
[ ٢ / ١١٥ ]
كالشيء الواحد، فلو لم يسكنوا لقالوا: ضَرَبتُ فجمعوا بين أربعة متحركات، وهم يستثقلون ذلك فإن ثنيت وجمعت الضمير الذي في الفعل، قال الفاعل: فعلنا في التثنية والجمع والمذكر والمؤنث في هذا اللفظ سواء وتقولُ في الخطاب: فعلتما للمذكر والمؤنث، ولجمع المذكرين فعلتم، وللمؤنث فعلتن، فإن ثنيت الغائب قلت: قاما، فظهرت العلامة وهي الألف١ وفي الجمع قاموا، وفي المضارع يقومان ويقومون، تثبت النون في الفعل المعرب وتسقط من الفعل المبني، وقد ذكرناه فيما تقدم، وتقول في المؤنث: قامتا وقمن ويقومان ويقمن، هذه علامات المضمر المتصل المرفوع، فأما علامة المخفوض والمنصوب المتصل فهي واحدة، فعلامة المتكلم ياء قبلها نون نحو: ضربني، وجيء بالنون لتسلم الفتحة، ولئلا يدخل الفعل جر، وللمجرور علامته، ياء بغير نون نحو: مررت بي وغلامي، وهذه الياء تفتح وتسكن، فمن فتح جعلها كالكاف أختها ومن أسكن فلاستثقال الحركة في الياء في أنها تكسر ما قبلها، وكلهم إذا جاء بها بعد ألف فتحها نحو: عصايَ ورحايَ، وإذا تكلم منه ومن غيره قال: ضربنا زيد والمؤنث في ذا كالمذكر، وكذلك هو في الجر، تقول: ضربنا وغلامنا، فإذا خاطبت فعلامة المخاطب المذكر كاف مفتوحة، والمؤنث كاف مكسورة نحو: ضربتك وكذلك المجرور تقول: مررت بكَ يا رجل، وبكِ يا امرأة، وإذا ثنيت قلت في المذكر والمؤنث: ضربتكما، وللجميع المذكرين: ضربتكم، وكذلك تقول: مررت بكما في التذكير والتأنيث، ومررت بكم في المذكرين، ومررت بكن للمؤنث.
الضرب الثاني: وهو علامات المضمرين المتصلة:
أما علامة المرفوعين، فللمتكلم أنا، فالاسم الألف والنون وإنما تأتي بهذه الألف الأخيرة في الوقف، فإن وصلت سقطت فقلت: أن فعلتُ ذاكَ، وإن حدث عن نفسه وعن آخر قال: نحن وكذلك إن تحدث عن نفسه وعن
_________________
(١) ١ في الأصل: والاسم ولا معنى لها.
[ ٢ / ١١٦ ]
جماعة قال: نحن، ولا يقع "أنا" في موضع التاء، والموضع الذي يصلح فيه المتصل لا يصلح فيه المنفصل، لا تقول: فعل أنا وعلامة المخاطب إن كان واحدًا أنت، وإن خاطبت اثنين فعلامتها أنتما، والجميع أنتم فالاسم هو الألف والنون في "أنت" والتاء علامة المخاطب، والمضمر الغائب علامته "هو" وإن كان مؤنثًا فعلامته "هي"، والاثنان والاثنتان هما والجميع هم، وإن كان الجمع جمع مؤنث فعلامته هن، وأما علامة المضمر المنصوب "فإيا" فإن كان غائبًا قلت: إياه، وإن كان متكلمًا قلت: إياي وإيانا في التثنية والجمع، وللمخاطب المذكر: إياكَ وللمؤنث: إياكِ، وإياكما إذا ثنيت، المؤنث والمذكر، وإياكم للمذكرين، وإياكن في التأنيث، وللغائب المذكر إياه، وللمؤنث إياها، وإياهما للمذكر والمؤنث، وإياهم للمذكرين، وإياهن للجميع المؤنث، وقد قالوا: إن "إيا" مضاف إلى الهاء والكاف والقياس أن يكون "إيا" مثل الألف والنون التي في أنت، فيكون "إيا" الاسم وما بعدها للخطاب، ويقوي ذلك أن الأسماء المبهمة وسائر المكنيات لا تضاف، و"إيا" مع ما يتصل بها كالشيء الواحد نحو: أنت، فأما المجرور فليست له علامة منفصلة؛ لأنه لا يفارق الجار ولا يتقدم عليه، وجميع المواضع التي يقع فيها المنفصل لا يقع المتصل، والموضع الذي يقع فيه لا يقع المنفصل؛ لأن المنفصل كالظاهر تقول: إني وزيدًا منطلقانِ، ولا تقول: إن إياي وزيدًا منطلقانِ، وتقول: ما قام إلا أنت ولا تقول: إلاتَ، وتقول: إن زيدًا وإياك منطلقانِ، ولا تقول: إن زيدًا إلاك منطلقان، ومما يدل على "إن وأخواتها" مشبهة بالفعل، أن المكني معها كالمكني مع الفعل، تقول: إنني كما تقول: ضربني، وأما قولهم: عجبتُ من ضريبكَ، وضريبه فالأصل من ضربي إياك وضربي إياه، وأقل العرب١ من يقول: ضَريبهُ وإنما وقع هذا مع المصدر؛ لأنه لم تستحكم علامات الإِضمار معه، ألا ترى أنهم لا يقولون:
_________________
(١) ١ قال سيبويه ١/ ٣٨١: تقول: عجبت من ضريبك ومن ضريبه وضريبكم، فالعرب قد تتكلم بهذا وليس بالكثير.
[ ٢ / ١١٧ ]
عجبت من ضربكني، إذا بدأت بالمخاطب قبل المتكلم، ولا من ضربهيك إذا بدأت بالبعيد قبل القريب، وقالوا: عجبت من ضريبك وضربكه، ولو كان هذا موضعًا يصلح فيه المتصل لجاز فيه جميع هذا، ألا ترى أنك تقول: ضَريبكَ إذا جئت بالفعل ضربته، وموضع ضربكه ضربته، وكان الذين قالوا: ضريبه قالوا ذلك اختصارًا لأن المصدر اسم، فإذا أضفته إلى مضمر فحقه إن عديته لمعنى الفعل أن تعديه إلى ظاهر أو ما أشبه الظاهر من المضمر المتصل، وكان حق المضمر المتصل أن لا يصلح أن يقع موقع المنفصل، والأصل في هذا: عجبتُ من ضربي إياك، كما تقول: من ضربي زيدًا ومن ضربك إياه، كما تقول: من ضربك عمرًا، والكسائي يصل جميع المؤنث فيقول: أعطيتهنه والضارباناه؛ لأنه لم يتفق حرفان ولا أعلم بين الواحد والجمع فرقًا، ومن ذلك قولهم: كان إياه لأن "كانَهُ" قليلة ولا تقول: كانني وليسني١، ولا كانَكَ؛ لأن موضعه موضع ابتداء وخبر، فالمنفصل أحق به، قال الشاعر:
لَيْتَ هَذَا اللَّيْلَ شَهْرٌ لا نَرى فيهِ عَريبا٢
لَيس إيايَ وإيَا كَ ولا نخشَى رَقيبا
_________________
(١) ١ قال سيبويه ١/ ٣٨١: وبلغني عن بعض العرب الموثوق بهم يقولون: ليسني وكأنني. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٣٨١، على إتيانه بالضمير بعد ليس منفصلًا لوقوعه موقع خبرها، والخبر منفصل من المخبر عنه، فكان الاختيار فصل الضمير إذا وقع موقعه، واتصاله بليس جائز؛ لأنها فعل وإن لم تقو قوة الفعل الصحيح ويجوز في شهر الرفع والنصب.. والنصب على لغة من ينصب الجزأين أو على تقدير أن الخبر محذوف. نرى: من رؤية العين وعريب من الألفاظ الملازمة للنفي، ونسب الأعلم الشعر إلى عمر بن أبي ربيعة، ونسبه صاحب الأغاني إلى العرجي. وقد ذكر البيتان في قصيدة لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٤٣٠ وما بعدها، كما ذكرت القصيدة في ديوان العرجي ٦١ وما بعدها مع خلاف في الترتيب، وفي بعض الألفاظ. ورواية البيت الثاني في ديوان العرجي كذا: غير أسماء وجمل ثم لا نخشى رقيبا وانظر المقتضب ٣/ ٩٨، وابن يعيش ٣/ ٧٥، وشرح الرماني ٣/ ٦٥، وشرح السيرافي ٣/ ١٣٦، والخزانة ٢/ ٤٢٤، ولسان العرب مادة "ليس".
[ ٢ / ١١٨ ]
وقد حكوا: ليسني، وكأنني، واعلم أنك إذا أكدت المرفوع المتصل والمنصوب والمخفوض المتصلين أكدته بما كان علامة المضمر المرفوع المنفصل، وذلك قولك: قمت أنتَ وضربتُك أنت وإنما جاز ذلك؛ لأن الخطاب جنس واحد وليس بأسماء معربة، والأصل في كل مبني أن يكون المرفوع والمنصوب والمخفوض على صيغة واحدة وإنما فرق في هذا للبيان، فإذا أمنوا اللبس رجع المبني إلى أصله، ومع ذلك فلو أكد المرفوع والمنصوب المتصلان بالمنفصلين اللذين لهما لبقي المجرور بغير شيء يؤكده ولا يحسن أن يعطف الاسم الظاهر على المرفوع المتصل، لا يحسن أن تقول: قمتُ وزيدٌ حتى تؤكد فتقول: أنا وزيدٌ، ولا تقول: قام وزيدٌ حتى تقول: قام، هو وزيدٌ وقال ﷿: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ ١ ربما جاء على قبحه غير مؤكد ويحتمل لضرورة الشاعر. وإنما قَبُحَ أن تقول: قمت وزيد لأن التاء قد صارت كأنها جزء من الفعل إذ كانت لا تقوم بنفسها، وقد غير الفعل لها، فإن عوضت من التأكيد شيئًا يفصل به بين المعطوف والمعطوف عليه نحو: ما قمتُ ولا عمرو، وقعدتُ اليومَ وزيد فحسن، فأما ضمير المنصوب فيجوز أن يعطف عليه الظاهر تقول: ضربتُك وزيدًا وضربت زيدًا وإياكَ، فيجوز تقديمه وتأخيره، وأما المخفوض فلا يجوز أن يعطف عليه الظاهر لا يجوز أن تقول: مررت بكِ وزيدٍ؛ لأن المجرور ليس له اسم منفصل يتقدم ويتأخر كما للمنصوب، وكل اسم معطوف عليه فهو يجوز أن يؤخر ويقدم الآخر عليه فلما خالف المجرور سائر الأسماء لم يجزْ أن يعطف عليه، وقد حكي أنه قد جاء في الشعر:
فَاذْهَب فَمَا بِكَ والأيَّامِ مِنْ عَجَبِ٢
_________________
(١) ١ طه: ٤٢. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٣٩٢، على عطف الأيام على المضمر المجرور، وهو عجز بيت صدره: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب ومعنى: قربت: جعلت وأخذت، يقال: قربت تفعل كذا، أي: جعلت تفعله، والمعنى: هجوك لنا من عجائب الدهر، فقد كثرت فلا يعجب منها. وانظر: الإنصاف/ ٢٥١، وشرح ابن عقيل ٢/ ٢٤٠.
[ ٢ / ١١٩ ]
وتقول: عجبت من ضربِ زيدٍ أنت، إذا جعلت زيدًا مفعولًا، ومن ضربكه إذا جعلت الكاف مفعولًا، وتقول فيما يجري من الأسماء مجرى الفعل: عليكهُ ورويدهُ وعليكني، ولا تقول: عليك إيايَ ومنهم من لا يستعمل "ني" ولا "نا"، استغناء بعليك "بي" و"بنا"١ وهو القياس، ولو قلت: عليك إياه كان جائزًا؛ لأنه ليس بفعل والشاعر إن اضطر جعل المنفصل موضع المتصل، قال حميد الأرقط:
إليك حَتىَّ بَلَغت إياكا٢
يريد: حتى بلغتكَ، فإن ذكرتَ الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين فحق هذا الباب إذا جئت بالمتصل أن تبتدئ بالأقرب قبل الأبعد، وأعني بالأقرب المتكلم قبل المخاطب، والمخاطب قبل الغائب، وتعرف القوي من غيره، فإن الفعلين إذا اجتمعا إلى القوي، فتقول: قمت وأنت ثم تقول: قمنا وقام وأنتَ، ثم تقول: قمتما فتغلب المخاطب على الغائب وتقول: أعطانيه وأعطانيك ويجوز: أعطاكني، فإن بدأ بالغائب قال: أعطاهوني وقال سيبويه: هو قبيح لا يتكلم به العرب٣، وقال أبو العباس: هذا كلام جيد ليس بقبيحٍ، وقال الله ﷿: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ ٤ فتقول
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٣٨٢. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٣٨٣، على وضعه إياك موضع الكاف ضرورة، وقال الزجاج: أراد بلغتك إياك فحذف الكاف ضرورة، قال الأعلم: وهذا التقدير ليس بشيء؛ لأنه حذف المؤكد وترك التوكيد مؤكدًا لغير موجود، فلم يخرج من الضرورة إلا إلى أقبح منها، والمعنى: سارت هذه الناقة إليك حتى بلغتك. وانظر: الخصائص ١/ ٣٠٧ و٢/ ١٩٤، والإنصاف ٣٦٩. ٣ انظر الكتاب ١/ ٣٨٣. ٤ هود: ٢٨، وانظر الكتاب ١/ ٣٨٤.
[ ٢ / ١٢٠ ]
على هذا أعطاه إياك، وهو أحسن من أعطاهوكَ، فإذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب قلت: لمعطاهوه، وليس بالكثير في كلامهم، والأكثر المعطاه إياه١، والمنفصل بمنزلة الظاهر، فأما المفعولان في ظننت وأخواتها، فأصلها الابتداء الخبر، كما جاء في "كان" فالأحسن أن نقول: ظننتك إياه، كما تقول: كان إياهُ وكنت إياهُ.
واعلم: أنه لا يجوز أن يجتمع ضمير الفاعل والمفعول إذا كان المفعول هو الفاعل في الأفعال المتعدية والمؤثرة، لا يجوز أن تقول: ضربتني ولا أضربك إذا أمرت، فإن أردت هذا قلت: ضربت نفسي واضرب نفسك، وكذلك الغائب لا يجوز أن تقول: ضربه إذا أردت ضرب نفسه، ويجوز في باب ظننت وحسبت، أن يتعدى المضمر إلى المضمر، ولا يجوز أن يتعدى المضمر إلى الظاهر، تقول: ظننتني قائمًا وخلتني منطلقًا؛ لأنها أفعال غير مؤثرة، ولا نافذة منك إلى غيرك، فتقول على هذا: زيد ظنه منطلقًا، فتعدى فعل المضمر في ظن إلى الهاء، ولا يجوز زيدًا ظن منطلقًا، فتعدى فعل المضمر الذي في ظن إلى زيدٍ فتكون قد عديت في هذا الباب فعل المضمر إلى الظاهر، وإنما حقه أن يتعدى فعل المضمر إلى المضمر، وتكون أيضًا قد جعلت المفعول الذي هو فضلة في الكلام لا بد منه، وإلا بطل الكلامُ، فهذه جميع علامات المضمر المرفوع والمنصوب قد بينتها في المنفصل والمتصل، وقد خبرتك أن المجرور لا علامة له منفصلة، وأن علامته في الاتصال كعلامة المنصوب، لا فرق بينها في الكاف والهاء تقول: رأيتك كما تقول: مررت بك، وتقول: ضربته كما تقول: مررت به، فهذا مطرد لا زيادة فيه، فإذا جاءوا إلى الياء التي هي ضمير المتكلم زادوا في الفعل نونا قبل الياء؛ لئلا يكسروا لام الفعل، والفعل لا جرّ فيه فقالوا: ضربني فسلمت الفتحة بالنون، ووقع الكسر على النون، وكذلك: يضربني، فإذا جاءوا بالاسم لم يحتاجوا إلى النون فقالوا: الضاربي في النصب واستحسنوا
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٣٨٤.
[ ٢ / ١٢١ ]
الكسرة في الباء؛ لأنه موضع يدخله الجر، ولم يستحسنوا ذلك في لام الفعل لأنه موضع لا يدخله الجر، وقالوا: إنني ولعلني ولكنني؛ لأن هذه حروف مشبهة بالفعل.
قال سيبويه: قلت له، يعني الخليل: ما بال العرب قالت: إني وكأني ولعلي ولكني؟ فزعم: أن هذه الحروف اجتمع فيها أنها كثيرة١ من كلامهم، وأنهم يستثقلون في كلامهم التضعيف، فلما كثر استعمالهم إياها مع تضعيف الحروف، حذفوا النون التي تلي الياء قال: فإن قلت: "لعلي" ليس فيها تضعيف، فإنه زعم: أن اللام قريبة من النون٢، يعني في مخرجها من الفم، وقد قال٣ الشعراء في الضرورة: ليتي٤. وقال: سألته عن قولهم عني وقطني ولدني: ما بالهم جعلوا علامة المجرور ههنا كعلامة المنصوب؟ فقال: إنه ليس من حرف تلحقه ياء الإِضافة إلا كان متحركًا مكسورًا، ولم يريدوا أن يحركوا الطاء التي في "قط" ولا النون التي في "من" فجاءوا بالنون ليسلم السكون، وقدني بهذه المنزلة٥ وهذه النون لا ينبغي أن نذكرها في غير ما سمع من العرب، لا يجوز أن تقول: قدي كما قلت مني، وقد جاء في الشعر "قدي" قال الشاعر:
قدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الخُبيْبَيْن قَدِي٦
_________________
(١) ١ أظن الأفصح "في كلامهم" وليس من كلامهم. ٢ انظر الكتاب ١/ ٣٨٦. ٣ في الأصل "قالت". ٤ مثل ذلك سيبويه، بقول زيد الخيل: كمنية جابر إذ قال ليتي أصادفه وأتلف بعض مالي ٥ انظر الكتاب ١/ ٣٨٦. ٦ من شواهد سيبويه ١/ ٣٨٧ على حذف النون من "قدني" تشبيهًا بحسبي وإثباتها في قد وقط هو المستعمل؛ لأنها في البناء ومضارعة الحروف بمنزلة من وعن فتلزمها النون المكسورة قبل الياء لئلا يغير آخرها عن السكون، وهو صدر بيت، وعجزه: ليس الإمام بالشحيح الملحد وأراد بالخبيبين: عبد الله بن الزبير وكنيته أبو خبيب ومصعبا أخاه، وغلبه لشهرته، ويروى بالخبيبين على الجمع، يريد أبا خبيب وشيعته، ومعنى قدني: حسبي وكفاني، والبيت لأبي نخيلة حميد بن مالك الأرقط. وانظر الهمع ١/ ٦٤ والدرر اللوامع ١/ ٤٢، والأشباه والنظائر ٢/ ٢٨٢ وشرح الحماسة ٢/ ٨٩٦ والخزانة ١/ ٤٥٣، وشرح السيرافي ٥/ ١٠٩، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٤٢، والمحتسب ٢/ ٢٢٣.
[ ٢ / ١٢٢ ]
فقال: قدي لما اضطر شبهه بحسبي، كما قال: ليتي حيث اضطر، وقال سيبويه: لو أضفت إلى الياء الكاف تجر بها لقلت: ما أنت كِي؛ لأنها متحركة قال الشاعر لما اضطر:
وأمّ أوعالٍ كها أو أقربا١
وقال آخر لما اضطر:
فلا تَرى بَعْلًا ولا حَلائِلا كَهُ ولا كَهُنَّ إلاّ حَاظِلا٢
فهذا قاله سيبويه قياسًا، وهو غير معروف في الكلام، واستغنى عن "كي" بمثلي. ولام الإِضافة تفتح مع المضمر إلا مع الياء؛ لأن الياء تكسر ما قبلها، تقول: لَهُ ولَكَ، ثم تقول: لِي فتكسر؛ لأن هذه الياء لا يكون ما
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٣٩٢ على إدخال الكاف على المضمر تشبيهًا لها بمثل؛ لأنها في معناها واستعمل ذلك عند الضرورة، وأم أوعال: أكمة بعينها، والهاء في قوله: كها عائدة على شيء مؤنث شبه الأكمة به، وعطف أقرب على شيء قبل البيت، والشاهد للعجاج. وانظر: شروح سقط الزند ١/ ٢٦٧، والخزانة ٤/ ٧٧، وشواهد الألفية للعاملي ٢١٨، والتصريح ٢/ ٤، والكنز اللغوي ١٥٥، وشرح شواهد ابن عقيل للجرجاوي ١٢٠. ٢ من شواهد سيبويه أيضًا ١/ ٣٩٢ على كهو ولا كهن وأراد مثله ومثلهن، والوقف على "كهو" بإسكان الواو لأنه ضمير جر متصل بالكاف اتصاله بمثل، فالوقف عليه هنا كالوقف عليه هناك، وصف حمارًا وآتنا، والحاظل هو المانع من التزويج؛ لأن الحمار يمنع آتنه من حمار آخر يريدهن، ولذلك جعلهن كالحلائل وهي الأزواج. والشاهد للعجاج، وانظر الهمع ١/ ٣٠، والدرر اللوامع ٢/ ٢٧، وشرح السيرافي ١٨٦، وحاشية شرح القطر للألوسي ٨٣، ومنهج السالك ٤٩، وشرح ابن عقيل ١٧١، وشروح سقط الزند ١/ ٢٦٧، والخزانة ٤/ ٢٧٦، والعيني ٢/ ٢٥٧.
[ ٢ / ١٢٣ ]
قبلها حرف متحرك إلا مكسورًا، وهي مفارقة لأخواتها في هذا، ألا ترى أنك تقول: هذا غلامُه فتصرف، فإذا أضفت غلامًا إلى نفسك قلت: هذا غلامي، فذهب الإِعراب وإنما فعلوا ذلك؛ لأن الضم قبلها لا يصلح، فلما غير لها الرفع وهو أول غير لها النصب إذا كان ثانيًا وألزمت حالًا واحدًا، فقلت: رأيت غلامي.
واعلم: أن الذي حكي من قولهم: لولاي، ولولا شيء شذ عن القياس كان عند شيخنا١ يجري مجرى الغلط، والكلام الفصيح ما جاء به القرآن: لولا أنت، كما قال ﷿: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ ٢، والذين قالوا: لولاك ولولاي قالوا: لأنها أسماء مبنية يؤكد المرفوع منها المخفوض، فكأنهم إنما يقتصرون العبارة عن المتكلم والمخاطب والغائب لا بأي لفظ كان؛ لأنه غير ملبس، ولكنهم لا يجعلون غائبًا مكان مخاطب، لا يقولون: لولاه مكان لولاك، فأما قولهم: عساك فالكاف منصوبة؛ لأنك تقول: عساني، فعساك مثل رماك، وعساني مثل رماني.
واعلم: أن علامة الإِضمار قد ترد أشياء إلى أصولها، فمن ذلك قولك: لعبد الله مال ثم تقول: لك، وله إنما كسرت مع الظاهر في قولك: لزيدٍ مالٌ كيلا يلتبس بلام الابتداء، إذا قلت: لهذا أفضل منك ألا تراهم قالوا: يا لبَكر حين أمنوا الالتباس فمن ذلك: أعطيتكموه في قول من قال: أعطيتكم ذاك فأسكن ردوه بالإِضمار إلى أصله، كما ردوا بالألف واللام حين قالوا: أعطيتموا اليوم فكان الذين وقفوا بإسكان الميم كرهوا الوقف على الواو،
_________________
(١) ١ أي أبو العباس المبرد؛ لأن المبرد يرى أنه لا يصلح إلا أن تقول: ولولا أنت كما قال الله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ . قال: ومن خالفنا يزعم أن الذي قلناه أجود، ويدعي الوجه الآخر فيجيزه على بعد، فهو ينكر الشواهد التي استدل بها سيبويه ومن سار على نهجه وكذلك ينكر مذهب الأخفش ويرده. انظر: الكامل ٦٥٠ طبعة ليبك. ٢ سبأ: ٣١.
[ ٢ / ١٢٤ ]
فلما وصلوا زال ما كرهوا، فردوا وزعم يونس أنه يقول: أعطيتُكُمْه١، بإسكان الميم كما قال في الظاهر: أعطيتكم زيدًا.
واعلم: أنَّ أنت، وأنا، ونحن، وأخواتهن يكن فصلًا، ومعنى الفصل أنهن يدخلن زوائد على المبتدأ المعرفة وخبره، وما كان بمنزلة الابتداء والخبر ليؤذن بأن الخبر معرفة أو بمنزلة المعرفة، ولا يكون الفصل إلا ما يصلح أن يكون كناية عن الاسم المذكور، فأما ما الخبر فيه معرفة واضحة فنحو قولك: زيد هو العاقلُ وكان زيد هو العاقل، وأما ما الخبر فيه يقرب من المعرفة إذا أردت المعرفة، وكان على لفظه فنحو قولك: حسبت زيدًا هو خيرًا منك وكان زيد هو خيرًا منك وتقول: إن زيدًا هو الظريف فيكون فصل، وإن زيدًا هو الظريف، وتقول: إن كان زيدٌ لهو الظريفُ وإن كنا لنحن، هي "نا" في كنا، ولو قلت: كان زيدٌ أنت خيرا منه، لم يجز أن تجعل "أنت" فصلًا، لأن أنت غير زيد فإن قلت: كنت أنت خيرًا من زيدٍ، جاز أن يكون فصلًا وأن يكون تأكيدًا فجميع هذه لمسائل الاسم فيها معرفة والخبر معرفة، أو قريب منها، مما لا يجوز أن يدخل عليه الألف واللام، ولو قلت: ما أظن أحدًا هو خير منك لم يجز أن تجعل "هو" فصلًا لأن واحدًا نكرة ولكن تقول: ما أظن أحدًا هو خير منك، فجعل: هو مبتدأ و"خير منك" خبره، وهذا الباب يسميه الكوفيون العماد، وقال الفراء: أدخلوا العمادَ ليفرقوا بين الفعل والنعت؛ لأنك لو قلت: زيدٌ العاقل لأشبه النعت، فإذا قلت: زيدٌ هو العاقل قطعت "هو" عن توهم النعتِ، فهذا الذي يسميه البصريون فصلًا ويسميه الكوفيون عِمادًا٢، وهو ملغى من الإِعراب، فلا يؤكد ولا ينسق عليه ولا يحال بينه وبين الألف واللام وما قاربهما، ولا يقدم قبل الاسم المبتدأ ولا قبل "كان" ولا يجوز كان هو القائم زيدٌ، ولا هو القائم كان زيد، وقد حكي هذا عن الكسائي، لأنه كان يجعل العماد بمنزلة الألف
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٣٨٩. ٢ انظر الإنصاف ٣٧٥، فقد شرح ابن الأنباري هذه المسألة وبين فيها آراء الفريقين.
[ ٢ / ١٢٥ ]
واللام في كل موضع يجوز وضعه معهما، فإذا قلت: كنت أنت القائم جاز أن يكون أنت فصلًا، وجاز أن يكون تأكيدًا، ويجوز أن يبتدأ به فترفع القائم، ولك أن تثني الفعل وتجمعه وتؤنثه فتقول: كان الزيدان هما القائمينِ، وكان الزيدونَ هم القائمينَ، وكانت هندٌ هي القائمة، والظن وإنّ، وجميع ما يدخل على المبتدأ والخبر، يجوز الفصل فيه؛ تقول: ظننتُ زيدًا هو العاقلَ، وإن زيدًا هو العاقلُ، فإذا قلت: كان زيدٌ قائمةً جاريته، فأدخلت الألف واللام على "قائمةٍ" وجعلتها لزيدٍ قلت: كان زيد القائمةُ جاريتهُ، فإن كانت الألف واللام للجارية صار المعنى: كان زيد التي قامت جاريتهُ فقلت: كان زيدٌ القائمة جاريتُه حينئذٍ، وهذا لا يجوز عندي ولا عند الفراء، من قبل أنه ينبغي أن يكون الألف واللام هما الفصل بعينه، وأن يصلح أن يكون ضميرًا للأول.
[ ٢ / ١٢٦ ]
الباب الثالث من المبنيات: وهو الاسم الذي يشار به إلى المسمى.
وفيه من أجل ذلك معنى الفعل، وهي: ذَا، وذه، وتثنى ذا وذه فتقول: ذانِ في الرفع وذينِ في النصب والجر وتثنية "تا" تان وتجمع ذا، وذه، وتا، أُولى، وأولاءِ، والمذكر والمؤنث فيه سواء، فذا اسم تشير به إلى المخاطب إلى كل ما حضر كما يدخلون عليه هاء التنبيه، فيقولون: هذا زيدٌ وهذي أمةُ الله، فإذا وقفوا على الياء أبدلوا منها هاءً في الوقف، فإذا وصلوا أسقطوا الهاء وردوا الياء، ويبدلون من الياء فيقولون: هذهِ أمةُ الله، فإذا وصلوا قالوا: هذي أمةُ اللهِ، فإذا وقفوا حذفوا الهاء وردوا الياء، ومنهم من يقول: هذه أمةُ الله. وهؤلاءِ تُمد وتقصرُ، وإذا مدوا بنوه على الكسر لالتقاء الساكنين فإن أدخلوا كاف المخاطبة فأول كلامهم لما يشار إليه وآخره للمخاطب، والكاف ههنا حرف جيء به للخطاب وليس باسمٍ؛ لأن إضافة المبهمة محال من قبل أنها معارف، فلا يجوز تنكيرها، وكل مضافٍ فهو نكرةٌ قبل إضافته فإذا أُضيف إلى معرفة صار بالإِضافة معرفة، وهو قولك: ذاكَ وذلكَ، واللام في "ذلكَ" زائدة والأصل "ذَا" والكاف للخطاب فقط، ومحالٌ أن تكون هنا اسمًا لما بينت لك، فإنما زدت الكاف على "ذَا" وكانت "ذَا" لما يومئ إليه بالقرب. فإذا قلت ذلك، دلت على أن الذي يومئ إليه بعيدٌ، وكذلك جميع الأسماء المبهمة إذا أردت المتراخي زدت كافًا للمخاطبة لحاجتك أن تنبه بالكاف المخاطب، ونظير هذا هنا وههنا، وهناكَ وهنالكَ إذا أشرت إلى مكان، فإن سألت رجلًا عن رجلٍ قلت: كيف ذاكَ الرجلُ؟
[ ٢ / ١٢٧ ]
فتحت الكاف. فإن سألت امرأة عن رجلٍ قلت: كيفَ ذاكِ الرجلُ؟ فكسرت الكاف، قال الله ﷿: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ١، فإن سألت رجلًا عن امرأةٍ قلت: كيفَ تلكَ المرأةُ؟ فإن سألت المرأة عن امرأةٍ، قلت: كيف تلكِ المرأةُ؟ تكسر الكاف، فإن سألت رجلًا عن رجلينِ قلت: كيف ذانكَ الرجلانِ؟ ومن قال في الرجلِ ذلكَ قال في الاثنينِ: ذانّكَ بتشديد النون، أبدلوا من اللام نونًا وأدغمت إحدى النونين في الأخرى، كما قال ﷿: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ ٢، فإن سألت عن جماعةٍ رجلًا، قلت: كيف أولئك الرجالُ، وأولاكَ الرجالُ؟ فإن سألت رجلًا عن امرأتين قلت: كيفَ تانك المرأتانِ؟ وإن سألت امرأة عن رجلين قلت: كيف ذانِك الرجلانِ يا امرأةُ؟ وإن سألتها عن جماعةٍ قلت: كيف أولئكِ الرجالُ يا امرأة؟ فإن سألت رجلينِ عن رجلينِ قلت: كيف ذانكما الرجلانِ يا رجلانِ؟ وإن سألتهما عن جماعةٍ قلت: كيف أولئكما الرجالُ يا رجلانِ؟ وإن سألتهما عن امرأةٍ قلت: كيف تيكما وتلكما المرأةُ يا رجلانِ؟ وإن سألتهما عن امرأتين قلت: كيفَ تانكما المرأتان يا رجلانِ؟ وإن سألت جماعة عن واحدٍ قلت: كيف ذاكم الرجلُ يا رجالُ؟ وإن سألتهم عن رجلين قلت: كيف ذانكم الرجلانِ يا رجالُ؟ وإن سألتهم عن جماعة قلت: كيف أُولئكَ الرجالُ، يا رجالُ؟ وإن سألتهم عن امرأةٍ قلت: كيف تلكم المرأة يا رجال؟ وإن سألتهم عن امرأتين قلت: كيف تانكم المرأتانِ يا رجالُ؟ وإن سألت امرأتين، فعلامة المرأتينِ والرجلين في الخطاب سواءٌ، فإن سألت نساء عن رجلٍ قلت: كيف ذاكنَّ الرجلُ يا نساءُ؟ وباللام: كيف ذلكن الرجلُ يا نساءُ؟ قال الله ﷿: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ٣، فإن سألتهن عن رجلين قلت: كيف تيكن؟ وإن سألتهن عن جماعةٍ قلت: كيفَ أُولئكنَّ النساءُ؟ مثل المذكرِ.
_________________
(١) ١ آل عمران: ٤٧. ٢ القصص: ٣٢. ٣ يوسف: ٣٢.
[ ٢ / ١٢٨ ]
واعلم: أنه يجوز لك أن تجعل مخاطب الجماعة على لفظ الجنس، أو تخاطبُ واحدًا عن الجماعة، فيكون الكلام له والمعنى يرجع إليهم، كما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ ١، ولم يقل: ذلكم؛ لأن المخاطب النبي ﷺ، والدليل على أن في هذا معنى فعلٍ قولهم: هذا زيدٌ منطلقًا؛ لأن منطلقًا انتصب على الحالِ، والحال لا بد من أن يكون العامل فيها فعلٌ أو معنى فعلٍ.
_________________
(١) ١ النساء: ٣.
[ ٢ / ١٢٩ ]
باب الأسماء المبنية المفردة التي سمي بها الفعل:
وذلك قولهم: صه ومه ورويدَ وإيه وما جاء على فَعال، نحو: حَذارِ ونزالِ وشتان، فمعنى صه: اسكت، ومعنى مه: اكفف، فهذانِ حرفانِ مبنيانِ على السكون سمي الفعل بهما، فأما رويدَ: فمعناه المهلةُ، وهو مبني على الفتح ولم يسكن آخره؛ لأن قبله ساكنًا فاختير له الفتح للياء قبله، تقول: رويدَ زيدًا فتعديهِ، فأما قولك: رويدَك زيدًا فإن الكاف زائدةٌ للمخاطبة وليست باسم، وإنما هي بمنزلة قولك: التجاءَك يا فتى، وأرأيتُك زيدًا ما فعلَ، ويدلك على أن الكاف ليست باسمٍ في: التجاءَكَ دخول الألف واللام، والألف واللام والإِضافة لا يجتمعان وكذلك الكاف في: أرأيتُكَ زيدًا زائدةٌ للخطاب وتأكيده، ألا ترى أن الفعل إنما عمل في زيد، فإن قلت: ارودّ كان المصدر اروادًا، وتصرف جميع المصادر فإن حذفت الزوائد على هذه الشريطة صرفت رويدَ فقلت: رويدًا يا فتى، وإن نعت به قلت: ضعهُ وضعًا رويدًا وتضيفه لأنه كسائر المصادر تقول: رويدَ زيدٍ، كما قال الله ﷿: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ١، ورويدًا زيدًا، كما تقول: ضربًا زيدًا في الأمر، فأما إيه وآه فمعنى إيه الأمر بأن يزيدك من الحديث المعهودِ بينكما، فإذا نونت قلت: إيهٍ والتنوين للتنكير، كأنك قلت: هات حديثًا وذاك كأنه قال: هات الحديثَ، قال ذو الرمةِ:
_________________
(١) ١ سورة محمد ﷺ: ٤، وتكملتها: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ .
[ ٢ / ١٣٠ ]
وقَفْنَا فَقُلْنَا إيهِ عَنْ أمِّ سَالِمٍ وَمَا بَالُ تَكْلِيمِ الدِّيَارِ البَلاقِعِ١
فإذا فتحت فهي زجرٌ ونهي كقولك: إيه يا رجلُ إني جئتُكَ، فإذا لم ينون فالتصويت، يريد الزجر عن شيءٍ معروفٍ، وإذا نونت فإنما تريد الزجر عن شيءٍ منكورٍ، قال حاتم:
إيهًا فِدًى لَكُمْ أُمّي وَمَا وَلَدَتْ حَامُوا على مَجْدِكُم واكْفُوا مَنِ اتَّكَلاَ٢
ومن ينون إذا فتح فكثير، والقليل من يفتح ولا ينون، وجميع التنوين الذي يدخل في هذه الأصوات، إنما يفرق بين التعريف والتنكير، تقول: صه يا رجلُ هذا الأصل في جميع هذه المبنيات، ومنها ما يستعمل بغير تنوين ألبتة فما دخله التنوين لأنه نكرةٌ قولهم: فدًى لكَ، يريدون به الدعاء، والدعاء حقه أن يكون على لفظ الأمر، فمن العرب من يبني هذه اللفظة على الكسر وينونها؛ لأنها نكرةٌ يريدُ بها معنى الدعاء.
ومن هذا الباب قولهم: هاء يا فتى، ويثنى فيقول هائِمًا، وهائم
_________________
(١) ١ الشاهد في قوله: إيه بلا تنوين يدل على أنه يريد الاستزادة، من حديث معين. وقيل: تنوين التنكير لا يوجد في معرفة ولا يكون إلا تابعًا لحركات البناء، وذلك نحو: إيه، فإذا نونت وقلت: إيهٍ، فكأنك قلت: استزادة، وإذا قلت: إيه بلا تنوين، فكأنك قلت الاستزادة فصار التنوين علم التنكير وتركه علم التعريف. والبال: الشأن والحال. والديار البلاقع: التي ارتحل سكانها فهي خالية. طلب الحديث من الطلل أولًا ليخبره عن حبيبته أم سالم. وهذا من فرط تحيره وتدلهه في استخباره مما لا يعقل ثم أفاق وأنكر من نفسه بأنه ليس من شأن الأماكن الإخبار عن السواكن. وانظر: المقتضب ٣/ ١٧٩ ورواه المبرد: ما بال تكليم الرسوم بدل الديار، ومجالس ثعلب/ ٢٧٥، وشرح المفصل ٩/ ٣٠، وإصلاح المنطق/ ٢٩١، والمخصص ١٤/ ١٨، والخزانة ٢/ ١٩، واللسان "إيه"، والديوان/ ٣٥٦. ٢ في المقتضب: تقول: أيها يا فتى، إذا أمرته بالكف وويها إذا أغريته، ورواه المبرد: ويهًا فداء لكم أمي وروي البيت في الديوان: ويها فداؤكم أمي وما ولدت. ورواية اللسان: ويهًا فدى لكم أمي وما ولدت. وانظر: المقتضب ٣/ ١٨٠، وابن يعيش ٤/ ٧١، وشرح الكافية ٧/ ٦٧، واللسان "ويه".
[ ٢ / ١٣١ ]
للجميع، كما قال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ ١، وللمؤنث هاء بلا ياءٍ مثل هاكَ، والتثنية هاؤما مثل المذكرين وهاؤن تقوم الهمزة في جميع ذا مقام الكاف، ولك أن تقول: هاءَ يا قوم كما قال ﷿: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٢، وأصل الكلام "ذلكم" هذا في الخطاب يجوز؛ لأن كل واحدٍ منهم يخاطب، وقال: هاكَ وهاكما وهاكم والمؤنث هاكِ، وأما ما كان على مثالِ فَعالِ مكسورِ الآخر فهو على أربعةِ أضربٍ، والأصل واحدٌ.
واعلم: أنه لا يبنى شيءٌ من هذا الباب على الكسر إلا وهو مؤنثٌ معرفة ومعدولٌ عن جهته، وإنما يبنى على الكسر لأن الكسر مما يؤنث به، تقول للمرأة: أنتِ فعلتِ وإنكِ فاعلة وكان أصل هذا إذا أردت به الأمر السكون، فحركت لالتقاء الساكنين، فجعلت الحركة الكسر للتأنيث، وذلك قولك: نَزالِ وتَراكِ، ومعناه: انزلْ واتركْ، فهما معدولان عن المتاركة والمنازلة، قال الشاعر:
وَلِنعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنْتَ إذَا دُعِيت نَزالِ وَلُجَّ في الذُّعْرِ٣
_________________
(١) ١ الحاقة: ١٩. ٢ المجادلة: ١٢. ٣ من شواهد سيبويه ٢/ ٣٧ على أن "نزال" بمعنى انزل، جعل لابس الدرع حشوا لها لاشتمالها عليه، كما يشتمل الإناء على ما فيه، وهو العامل في "ذا" لأنه بمعنى لابس، وقيل: متعلق بنعم لما فيه من معنى الثناء. ومعنى: وعاء الأبطال بعضهم بعضًا بنزال، أن الحرب إذا اشتدت بهم وتزاحموا فلم يمكنهم التطاحن بالرماح، تداعوا بالنزول عن الخيل والتضارب والسيوف، ومعنى: لج في الذعر تتابع الناس في الفزع، وهو من اللجاج وهو التمادي فيه، والبيت لزهير بن أبي سلمى في مدح الهرم بن سنان. وانظر المقتضب ٣/ ٣٧٠، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١١١، وابن يعيش ٤/ ٥٠، وإصلاح المنطق/ ٣٣٦، والخزانة ٣/ ٦٤، وشواهد الشافية/ ٢٣٠، والديوان/ ٨٧، والدرر اللوامع ٢/ ١٣٨، وشرح السيرافي ١/ ٦٦، ومفاتيح العلوم للسكاكي/ ٢٨٥، والإنصاف/ ٢٧٨ وروايته: ولأنت أشجع من أسامة إذ
[ ٢ / ١٣٢ ]
فقال: دُعيت، لما ذكر ذلك في التأنيث. وقالوا: تراكَها١، وحَذارِ٢، ونَظارِ، فهذا ما سمي الفعل به باسم مؤنثٍ، ويكون "فَعالِ" صفةً غالبةً تحل محل الاسم نحو قولهم للضبعِ: جَعارِ يا فتى، وللمنية: حَلاقِ ويكون في التأنيث نحو: يا فَساقِ. والثالث: أن تسمي امرأةً، أو شيئًا مؤنثًا باسم مصوغ على هذا المثال نحو: حَذامِ ورَقاشِ. والرابع: ما عَدَلَ مِن المصدر نحو قوله:
جَمَادِ لَهَا جَمَادِ ولا تَقولِي طَوَالَ الدَّهْرِ ما ذُكِرَتْ حَمَادٍ٣
قال سيبويه: يريد: قولي لَها جمود، ولا تقولي لَها حَمْدًا٤، ومن ذلك فَجارِ، يريدون: الفَجرَة، ومَسارِ يريدون: المَسرةَ، وبَداوِ يريدون: البَدوَ، وقد جاء من بَنات الأربعة معدولًا مبنى قَرْ قارِ، وعَرْ عَارِ، وهي لُغيةٌ وشتان: مبني على الفتح لأنه غير مؤنثٍ فهو اسم للفعل إلا أن الفعل هنا غير أمر، وهو خبر ومعناه: البعدُ المفرط وذلك قولك: شتانَ زيدٌ وعمرٌو فمعناه: بَعُد ما بين زيدٍ وعَمرٍو جدًّا، وهو مأخوذ من شَتَّ، والتشتتُ: التبعيد ما بين الشيئين أو الأشياء، فتقدير: شتانَ زيدٌ وعمرٌو، تباعدَ زيدٌ وعمرٌو، ولأنه اسم لفعلٍ ما تم به كلام قال الشاعر:
_________________
(١) ١ قال الشاعر: تراكها من إبل تراكها. وانظر: الكتاب ٢/ ٣٧. ٢ قال الشاعر: حذار من أرماحنا حذار. وانظر: الكتاب ٢/ ٣٧. ٣ من شواهد سيبويه ٢/ ٣٩، على قوله: جماد وحماد وهما اسمان للجمود والحمد، معدولان عن اسمين مؤنثين سميا بهما كالجمدة والحمدة. ووصف امرأة بالجمود والبخل، وجعلها مستحقة للذم ومستوجبة للحمد، وطوال الدهر وطوله سواء، والبيت للمتلمس. وانظر ابن يعيش ٤/ ٥، ورواية الشطر الثاني هكذا: لها أبدًا ما ذكرت حماد. ٤ انظر الكتاب ٢/ ٣٩.
[ ٢ / ١٣٣ ]
شَتَّانَ هَذَا والعِناقُ والنَّوم والمَشْربُ البَارِدُ في ظِلِّ الدَّوْمْ١
فجميع هذه الأسماء التي سمي بها الفعل إنما أُريد بها المبالغة، ولولا ذلك لكانت الأفعال قد كَفَتْ عنها.
_________________
(١) ١ البيت للقيط بن زرارة بن عدس بن تميم ويكنى أبا نهشل، ويروى الشطر الثاني: والمشرب الدائم في ظل الدوم. ويراد على هذه الرواية بالدوم الدائم، فهو مصدر أقيم مقام اسم الفاعل، وعلى رواية ابن السراج: الدوم شجر المقل وهي رواية أبي عبيدة. وقد أنكرها الأصمعي؛ لأن الدوم لا ينبت في بلاد الشاعر. والعناق بكسر العين: المعانقة، والمعنى: افترق الذي أنا فيه من التعب والمشقة، فليس بشبه المعانقة والراحة، والنوم والماء العذب في ظل هذا الشجر أو تحت الظلال الدائمة. وانظر: المقتضب ٤/ ٣٥٠، وابن يعيش ٤/ ٣٧، والخزانة ٣/ ٥٧، والمخصص ١٤/ ٨٥، والجمهرة ٢/ ٨٧.
[ ٢ / ١٣٤ ]
باب الاسم الذي قام مقام الحرف:
وذلك كَمْ، ومَنْ، وما، وكيفَ، ومتى، وأينَ، فأما "كَمْ" فبنيت لأنها وقعت موقع حرف الاستفهام وهو الألف، وأصل الاستفهام بحروف المعاني؛ لأنها آلة، إذا دخلت في الكلام أعلمت أن الخبر استخبارٌ، و"كَمْ" اسم لعدد مبهم
فقالوا: كَم مالكَ؟ فأوقعوا "كَمْ" موقع الألف لما في ذلك من الحكمة والاختصار إذ كان قد أغناهم عن أن يقولوا: أعشرونَ مالَكَ، أثلاثونَ مالكَ، أخمسونَ؟ والعدد بلا نهايةٍ، فأتوا باسم ينتظم العدد كلَّهُ.
وأما "مَنْ" فجعلوه سؤالًا عن منْ يعقلُ، نحو قولك: مَنْ هذا؟ ومَن عمرٌو؟ فاستغني بمن عن قولك: أزيدٌ هذا، أعمرٌو هذا، أبكرٌ هذا؟ والأسماء لا تحصى فانتظم بِمَنْ جميع ذلك، ووقعت أيضًا موقع حرف الجزاء، وهو "إنْ" في قولك: مَنْ يأتني آتِه.
وأما "ما" فيسأل بها عن الأجناس والنعوت، تقول: ما هذا الشيء؟ فيقال: إنسانٌ أو حمارٌ أو ذهَبٌ أو فِضَّةٌ، ففيها من الاختصار مثل ما كان في "مَنْ" وتسأل بها عن الصفات، فتقول: ما زيدٌ؟ فيقال: الطويلُ والقصيرُ، وما أشبه ذلك، ولا يكون جوابها: زيدٌ ولا عمرٌو، فإن جعلت الصفة في موضع الموصوف على العموم جاز أن تقع على مَن يعقلُ. ومن كلام العرب: سبحانَ ما سبحَ الرعدُ بحمدهِ، وسبحانَ ما سخركن لنا، وقال الله ﷿:
[ ٢ / ١٣٥ ]
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ١، فقال قوم: معناه: ومنْ بَناها، وقال آخرون: إنما: والسماء وبنائها٢، كما تقول: بلغني ما صنعتَ، أي: صنيعُكَ؛ لأن "ما" إذا وصلت بالفعل كانت بمعنى المصدرِ.
وأما "كيفَ" فسؤال عن حال ينتظم جميع الأحوال، يقالُ: كيف أنتَ؟ فتقول: صالحٌ وصحيح، وآكلٌ وشارب، ونائمٌ وجالسٌ وقاعدٌ، والأحوال أكثر من أن يحاط بها، فإذا قلت: "كيفَ" فقد أغنى عن ذكر ذلك كلهِ، وهي مبنيةٌ على الفتح لأن قبل الياءِ فاء فاستثقلوا الكسر مع الياء، وأصل تحريك التقاء الساكنين الكسر، فمتى حركوا بغير ذلك فإنما هو للاستثقالِ أو لإتباع اللفظِ اللفظَ.
فأما "متى" فسؤالٌ عن زمانٍ وهو اسمٌ مبنيٌّ، والقصة فيه كقصةِ "مَنْ وكيفَ" في أنه مغنٍ عن جميع أسماء الزمان، أيوم الجمعةِ القتال، أمْ يوم السبتِ، أم يوم الأحدِ، أم سنة كذا، أم شهر كذا؟ فمتى يغني عَنْ هذا كله، وكذا "أيانَ" في معناها، كما قال الله ﷿: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ ٣ وقال: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ٤ وبنيت على الفتح لأن قبلها ألفًا، فأتبعوا الفتحَ الفتحَ.
وأما "أينَ" فسؤالٌ عن مكانٍ وهي كمَتى في السؤال عن الزمان إذا قلت: أينَ زيد؟ قيل لك: في بغدادَ أو البصرة أو السوقِ، فلا يمتنع مكان من أن يكون جوابًا، وإنما الجواب من جنس السؤال، فإذا سئلت عن مكان لم يجز أن تخبر بزمان، وإذا سئلت عن عددٍ لم يجز أن تخَبرَ بحالٍ، وإذا سئلت عن معرفةٍ لم يجز أن تخبر بنكرةٍ، وإذا سئلتَ عن نكرةٍ لم يجز أن تخبر بمعرفةٍ، فهذه المبنيات المبهمات إنما تعرف بأخواتها وتعلم مواضعها من الإِعراب بذلك.
_________________
(١) ١ الشمس: ٥. ٢ انظر: المقتضب ٢/ ٥٢. ٣ القيامة: ٦. ٤ الأعراف: ١٨٧.
[ ٢ / ١٣٦ ]
باب الظرف الذي يتمكن وهو الخامس من المبنيات:
وذلك نحو الآنَ ومُذْ ومنذُ، فأما الآن فقال أبو العباس ﵀: إنما بني لأنه وقع معرفةً، وهو مما وقعت معرفته قبل نكرته؛ لأنك إذا قلت: الآنَ فإنما تعني به الوقت الذي أنت فيه من الزمان، فليس له ما يشركه، ليس هو آنٌ وآنٌ فتدخل عليه الألف واللام للمعرفة، وإنما وقع معرفةً لِما أنت فيه من الوقت١. وأما "مُنذ" فإذا استعملت اسمًا أن يقع ما بعدها مرفوعًا أو جملة نحو: ما رأيته منذ يومان، وإن المعنى: بيني وبينَ رؤيته يومانِ، وقد فسرت ذلك فيما تقدم وهي مبنيةٌ على الضم، وإنما حركت لذلك لأن قبلها ساكنًا، وبنيت على الضم لأنها غاية عند سيبويه٢، وأتبعوا الضَّم الضَّم، وقد يستعمل حرفًا يجر، وأما "مذ" فمحذوفةٌ من "مُنْذُ" والأغلب على "مُذْ" أن تستعمل اسمًا، ولو سميت إنسانًا بمذ لقلت: مُنيذُ إذا صغرته، فرددت ما ذهب وصار "مُذْ" أغلب على الأسماءِ؛ لأنها منقوصة، ولَدن ومِنْ عَلُ، كما قال الشاعر:
وهي تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن علا٣
_________________
(١) ١ انظر الإنصاف/ ٢٧٢، وشرح الكافية ٢/ ١٤١. ٢ انظر: الكتاب ٢/ ٤٥. ٣ من شواهد سيبويه ٢/ ١٢٣ على أن "علا" محذوف اللام، فإذا صغر اسمًا لرجل ردت لامه فقيل "على" لأن أصله من العلو، وهو صدر بيت لغيلان بن حريث، وعجزه: "نوشا به تقطع أجواز الفلا" وصف إبلًا وردت الماء في فلاة، فعافته وتناولته من أعلاه ولم تمعن في شربه، والنوش: التناول. وانظر: معاني القرآن ٢/ ٣٦٥، ومجالس ثعلب/ ٦٥٥، وشرح السيرافي ١/ ٧٨، والفاخر لأبي طالب المفضل/ ٣٤، والاقتضاب للبطليوسي/ ٤٢٧، وأسرار العربية/ ١٠٣.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وأما الأفعال فنحو: خذْ وكُلْ وعِ كلامي وشِ ثَوبًا، وأما الحروف فلا يلحقها ذلك، وكانت مذ ومنذ أغلب على الحروف، فكل واحدٍ منهما يصلحُ في مكانِ أُختِها وإنما ذكرنا منذُ ومذْ في الظروف؛ لأنهما مستعملان في الزمان.
[ ٢ / ١٣٨ ]
الباب السادس من المبنيات المفردة وهو الصوت المحكي:
وذلك نحو: غاق وهي حكاية صوت الغراب، وماء وهو حكاية صوت الشاةِ، وعاءٍ وحاءٍ زجرٌ، ومن ذلك حروف الهجاء نحو ألفٍ باء تاء ثاء وجميع حروف المعجم إذا تهجيت مقصورة موقوفة، وكذلك كاف ميم، موقوفة في التهجي، أما زاي فيقال: زاي وزي، والعدد مثله إذا أردت العدد فقط، وقال سيبويه تقول: واحد اثنانِ فتشم الواحد؛ لأنه اسمٌ ليس كالصوتِ ومنهم من يقول: ثلاثة أربعة فيطرحُ حركة الهمزة على الهاء ويفتحها، ولم يحولها تاءً لأنه جعلها ساكنة، والساكن لا يغير في الإِدراج فإذا لم ترد التهجي بهذه الحروف، ولم تردْ أن تعد بأسماء العدد فررت منها جرت مجرى الأسماء، ومددت المقصور في الهجاء فقلت: هذه الباء أحسن من هذه الباءِ وتقول: هذه الميم أحسن من هذه الميمِ، وكذلك إذا عطفت بعضها على بعضٍ أعربت؛ لأنها قد خرجت من باب الحكاية، وذلك نحو قولك: ميمٌ وباءٌ، وثلاثةٌ وأربعةٌ إنما مددت المقصور من حروف الهجاء إذا جعلته اسمًا وأعربته؛ لأن الأسماء لا يكون منها شيءٌ على حرفين، أحدهما حرف علةٍ.
ذكر الضرب الثاني من المبنيات، وهو الكلم المركب:
هذه الأسماء على ضربين: فضربٌ منها يبنى فيه الاسم مع غيره وكان الأصل أن يكون كل واحدٍ منهما منفردًا عن صاحبه، والضرب الثاني: أن يكون أصلُ الاسم الإِضافة، فيحذف المضافُ إليه وهو في النية.
[ ٢ / ١٣٩ ]
فالضرب الأول على ستة أقسام: اسمٌ مبني مع اسمٍ، واسمٌ مبني مع فعلٍ، واسم مبني مع حرفٍ، واسم مع صوتٍ، وحرف بنيَ مع فعلٍ، وصوت مع صوتٍ، فأما الاسم الذي بني مع الاسم فخمسةَ عشر وستةَ عشَر، وكل كلمتين من هذا الضرب من العدد فهما مبنيتان على الفتح وكان الأصلُ: خمسةٌ وعشرةٌ، فحذفت الواو وبني أحدهما مع الآخر اختصارًا وجعلا كاسمٍ واحدٍ، وكذلك حادي عشَرَ وثالث عشر إلى تاسعَ عشَر، والعرب تدع خمسة عشر في الإِضافة والألف واللام على حالها، ومنهم من يقول: خمسةَ عشَركَ وهي رديئة١، ومن ذلك: حيصَ بيص بنيا على الفتح، وهي تقال عند اختلاط الأمر، وذهب شغَرَ بغَرَ، وأيادي سبأ، ومعناه الافتراق وقَالى قَلا بمنزلة خمسَةَ عشَر ولكنهم كرهوا الفتح في الياء والألف لا يمكن تحريكها. ومن ذلك: خَازِ بَازَ، وهو ذباب عند بعضهم وعند بعضهم داءٌ، ومنهم من يكسر فيقول: خازِ بازِ، وبعض يقول: الخازَ بازَ كحضرموتَ، ومنهم من يقول: خاز بازٍ فيضيفُ وينون، ومن ذلك قولهم: بيتَ بيتَ وبينَ بينَ، ومنهم من يبني هذا ومنهم من يضيف ويبني صباحَ مساءَ ويومَ يومٍ، ومنهم من يضيف جميع هذا، ومن ذلك لقيته كفةَ كفةَ، وكفةً كفةً.
واعلم: أنهم لا يجعلون شيئًا من هذه الأسماء بمنزلة اسم واحدٍ إلا إذا أرادوا الحالَ والظرفَ، والأصل والقياسُ الإِضافة، فإذا سميت بشيءٍ من ذا أضفته فإذا قلت: أنت تأتينا في كل صباح ومساءٍ أضفت لا غير؛ لأنه قد زال الظرف وصار اسمًا خالصًا، فمعنى قولهم: هُوَ جاري بيتَ بيتَ أي: ملاصقًا، ووقع بينَ بينَ، أي: وسطًا، وأما قَالى قَلا فبمنزلة: حضرموتَ لأنه اسم بلدٍ وليسَ بظرفٍ ولا حالٍ. وأسماء الزمان إذا أضيفت إلى اسمٍ مبني جاز أن تعربَها، وجاز أن تبنيَها، وذاك نحو "يومئذ"، تقول: سيرَ عليهِ يومْئذٍ، ويومئذِ، والتنوين ههنا مقتطع ليعلم أنه ليس يراد به الإِضافة، والكسر في الذال من أجل سكون النون، فتقرأ على هذا إن شئت: ﴿مِنْ
_________________
(١) ١ قال سيبويه ٢/ ٥١: ومن العرب من يقول: خمسة عشرك، وهي لغة رديئة.
[ ٢ / ١٤٠ ]
عَذَابٍ يَوْمَئِذِ﴾ ١، ومن عذابٍ يومئذٍ، ومذهب أبي العباس -﵀- في دخول التنوين هنا أنه عوض من حذف المضاف إليه.
الثاني: اسم بني مع فعل: وهو قولهم: حبذا هندٌ وحبذا زيدٌ، بنيَ حَبَّ وهو فعلٌ مع ذا وهو اسم. ومن العرب من يقول في أحبَّ حَبَّ، وقولهم: محبوب إنما جاء على حَبَّ ولو كان على أحبَّ لكان: محبّ، فإذا بنوا أحَبَّ مع ذا اجتمعوا على طرح الألف، والدليل على أن حبذا بمنزلة اسم أنك لا تقول حبذهِ وأنه لا يجوز أن تقول حبذا، وتقف حتى تقول: زيدٌ أو هندٌ فتأتي بخبرٍ فحبذا مبتدأٌ، وهند وزيد خبرٌ، ومما يدل على أن حَبَّ مع ذَا بمنزلة اسم أنه لا يجوز لك أن تقول: حَبَّ في الدار ذَا زيدٌ، فلا يجوز أن تفصل بينها وبين "ذَا" كما تفصل في باب نِعْمَ.
الثالث: اسم بني مع حرف: وذلك قولك: لا رجل ولا غلامَ، ويدلك على أن "لا" مع رجلٍ بمنزلة اسم واحدٍ أنه لا يجوز لك أن تفصل رجلًا من "لا" لا تقول: لا فيها رحلٌ لكَ، يجوز القول: لا ماءَ ماءَ باردًا، ولا رجلَ رجل صالحًا عندكَ، فبني "ماءٌ مع ماءٍ ورجل مع رجلٍ" قال أبو بكر: وقد استقصيتُ ذكر ذَا في بابه، ومن ذلك قولهم: يا زيداه ويا أيها الرجلُ فأي اسمٌ وهاء حرفٌ وهو غير مفارقٍ لأيٍّ في النداء، وقد بينا ذَا في باب النداء.
الرابع: اسم بني مع صوت: وذلك نحو سيبويه وعمرويه، تقول: هذا سيبويه يا هذا، وهذا عمرويهِ يا فلانُ وهو مبني على الكسرِ، وإن قلت: مررتُ بعمرويهِ وعمرويهٍ آخر، نونت الثاني لأنه نكرةٌ.
الخامس: الحرف الذي بني مع الفعل: وذلك: هَلمَّ مبنيًّا على الفتح وهو اسمٌ للفعل، ومعناه: تعالَ، ويدل على أنه حرفٌ بني مع فعلٍ، قول من
_________________
(١) ١ المعارج: ١١.
[ ٢ / ١٤١ ]
قال من العرب: هلما للاثنينِ، وهلموا للجماعة١، وصرفوه تصريف لمَّ بكذا، والمعنى يدلُّ على ذلكَ.
السادس: الصوت الذي بني مع الصوت: وذلك قولهم: حَيَّ هَلَ الثريدَ، ومعناه: ايتوا الثريدَ، وحكى سيبويه عن أبي الخطاب أن بعض العرب يقول: حَيَّهلَ الصلاةَ٢.
الضرب الثاني من القسمة الأولى: وهو ما أصله الإِضافة إلى اسم، فحذف المضاف إليه:
فهذه المضافات على قسمين: قسم حذف المضاف إليه ألبتة، وضربٌ منع الإِضافة إلى الواحد وأُضيف إلى جملة، فأما ما حذف المضاف إليه فيجيء على ضربين: منهما ما بني على الضمة وهي التي يسميها النحويون الغاياتِ فمصروفة عن وجهها٣ قبلُ وغيرُ وحسبُ فجميع هذه كانَ أصلها الإِضافة، تقول: جئت من قبل هذا، ومن بعد هذا، وكنت أول هذا، أو فوقَ وغيرَ هذا، وهذا حسبُك، أي كافيكَ، فلما حذف ما أُضيفت إليه بنيت، وإنما بنيت على الحركة ولم تبنَ على السكون، وفي بعضها ما قبل لامه متحرك لأنها أسماءٌ أصلها التمكن، وتكون نكراتٍ معرباتٍ، فلما بنيتْ تجنب إسكانها وزادوها فضيلة على ما لا أصل له في التمكن فهذه علة بنائها على الحركة، وأما بناؤها على الضم خاصةً فلأنَّ أكثر أحوالِ هذه الظروف أن تكون منصوبةً وذلك الغالب عليها فأخرجت إلى الضم ولم تخرج إلى الكسر؛ لأن الكسر أخو النصب، وجعلوا ذلك علامة للغاية؛ لأن الكسر حقه أن يكون لالتقاء الساكنين، فتجنبوه ههنا لأنه موضع تحرك لغير التقاء الساكنين.
الثاني: ما بني وليس بغاية، من ذلك: أمس مبنية على الكسر، وكسرت
_________________
(١) ١ هذا على لغة بني تميم، أما أهل الحجاز فلا يصرفونها. انظر الكتاب ٢/ ٦٧. ٢ انظر الكتاب ١/ ١٢٣. ٣ مطموس في الأصل، وهذا يسميه النحويون الظروف المقطوعة عن الإضافة لفظًا.
[ ٢ / ١٤٢ ]
لالتقاء الساكنين، وإنما بني لأنه يقال لليوم الذي قبل يومك الذي أنت فيه، وهو ملازم لكل يوم من أيام الجمعة، ووقع في أول أحواله معرفة، فمعرفته قبل نكرته، فمتى نكرته أعربته، وغدٌ ليس كذلك لأنه غير معلوم؛ لأنه مستقبلٌ لا تعرفه، فإذا أضفت أمسِ نكرته ثم أضفته فيصير معرفة بالإِضافة، كما تقول: زيدكَ إذا جعلتَهُ من أمةٍ كُلها زيدٌ، وعرفته بالإِضافة، وزالت المعرفة الأولى. وقال أبو العباس -﵀- في قول الشاعر:
طَلبُوا صُلْحَنَا وَلاَتَ أَوَانٍ فَأَجَبْنَا أنْ لَيْسَ حِينَ بقاءِ١
كان "أوان" مما لا يستعمل إلا مضافًا، فلما حذف ما يضاف إليه بنوه على الكسر لالتقاء الساكنين كما فُعِلَ بأمسِ وأُدخل التنوين عوضًا لحذف ما يُضاف إليه "أوان"، ألا ترى أنهم لا يكادون يقولون: أوان صدقٍ، كما يقولون في الوقت والزمن، ولكن يدخلون الألف واللام فيقولون: كانَ ذلكَ في هذا الأوانِ، فيكونان عوضًا.
الضرب الثاني: ما منع الإِضافة إلى الواحد وأُضيف إلى جملة:
وذلك: حيثُ، وإذْ، وإذا، فأما "حيثُ" فإن من العرب من يبنيها على الضم٢ ومنهم من يبنيها على الفتح٣، ولم تجئ إلا مضافةً إلى جملةٍ، نحو
_________________
(١) ١ الشاهد فيه على عمل "لات" في لفظ "أوان" وهو من معنى الحين وليس بلفظه، فهو رد على سيبويه ومن معه حيث اشترطوا لعمل "لات" أن يكون معمولاها من لفظ. والبيت لأبي زبيد الطائي، وكان رجل من شيبان نزل برجل طائي، فأضافه وسقاه خمرًا، فلما سكر وثب إليه الشيباني بالسيف فقتله، وافتخر بذلك بنو شيبان، ففي هذا قال أبو زبيد. وانظر: معاني القرآن ٢/ ٣٩٨، وشرح السيرافي ١/ ١٠٨، والخصائص ٢/ ٣٧٧، والمخصص ١٦/ ١١٩، والإنصاف ٦٦، وابن يعيش ٩/ ٣٢، والديوان ٣٠. ٢ الضم هي اللغة الفاشية، قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ فهي غاية، والذي يعرفها ما وقعت عليه من الابتداء والخبر، [سورة الأعراف: ١٨٢] . ٣ قال سيبويه ٢/ ٤٤: "وقد قال بعضهم" حيث شبهوه بأين.
[ ٢ / ١٤٣ ]
قولك: أقومُ حيثُ يقوم زيدٌ وأصلي حيثُ يصلي، فالحركة التي في الثاء لالتقاء الساكنين، فَمنْ فتح فَمِنْ أجل الياء التي قبلها، وفتح استثقالًا للكسر، ومن ضمَّ فلشبهها بالغايات إذ كانت لا تضاف إلى واحدٍ ومعناها الإِضافةُ، وكان الأصل فيها أن تقول: قمتُ حيثُ زيدٌ، كما تقولُ: قمتُ مكانَ زيدٍ وأما إذْ فمبنية على السكون، وتضاف إلى الجمل أيضًا نحو قولك: إذْ قامَ زيدٌ، وهي تدل على ما مضى من الزمان، ويستقبحون: جئتُكَ إذْ زيدٌ قامَ، إذا كان الفعلُ ماضيًا لم يحسن أن نفرق بينه وبين إذْ؛ لأن معناهما في المضي واحدٌ. وتقول: جئتُكَ إذْ زيدٌ قام، وإذ زيدٌ يقوم، فحقها أن تجيء مضافة إلى جملة فإذا لم تضف نونته، قال أبو ذؤيب:
نَهيتُك عنْ طِلابِكَ أُمَّ عَمْرٍو بِعَاقِبةٍ وأَنْتَ إذٍ صَحِيح١
وأما "إذا" فقلما تأتي من الزمان، وهي مضافة إلى الجملة، تقول: أجيئُكَ إذا احمَرَّ البسرُ وإذا قدَم فلانٌ، ويدلك على أنها اسم أنها تقع موقع قولك: آتيكَ يوم الجمعةِ، وآتيكَ زمَن كَذا، ووقتَ كذا، وهي لما يستأنف من الزمان ولم تستعمل إلا مضافةً إلى جملة. فأما "لَدُنْ" فجاءت مضافةً، ومن العرب من يحذف النون فيقول: لدُ كذا، وقد جعل حذف النون بعضهم أن قال: لَدُن غدوةً، فنصب غدوةً لأنه توهم أن هذه النون زائدةٌ تقوم مقام التنوين فنصب كما تقول: قائمٌ غدوةً، ولم يعملوا "لَدن" إلا في غدوةً خاصةً، قال أبو بكر: قد ذكرنا الأسماء المعربة والأسماء المبنية، وقد كنا قلنا: إن الكلام اسم وفعلٌ وحرفٌ، ونحن نتبع الأسماء والأفعال، ونذكر إعرابها وبناءها إن شاء الله.
_________________
(١) ١ الشاهد فيه قوله: "إذ" حيث جاء بالتنوين عوضًا عن الجملة، والأصل: وأنت إذ الأمر على هذه الحال، والمعنى: نهيتك عن طلبها بأن ذكرت لك ما يكون من عاقبة التمادي في حبها وما يفضي أمرك إليه، وكنت سليمًا تستطيع التخلص، وممكن لك النجاة. وانظر: الخصائص ٢/ ٣٧٦، وابن يعيش ٣/ ٢٩، والمغني ١/ ٨٦، والأشموني ٣/ ٤٢٠، والأشباه والنظائر ٢/ ٣١١.
[ ٢ / ١٤٤ ]
باب إعراب الأفعال وبنائها
مدخل
باب إعراب الأفعال وبنائها:
الأفعال تقسم قسمين: مبنيٌّ ومعرب.
فالمبني ينقسم قسمين: مبني على حركةٍ ومبني على سكونٍ، فأما المبني على حركةٍ فالفعل الماضي بجميع أبنيته، نحو: قام واستقام وضربَ واضطربَ، ودحرجَ، وتدحرجَ، واحمر واحمارَّ وما أشبه ذلك، وإنما بني على الحركة لأنه ضارعَ الفعل المضارع في بعض المواضع نحو قولك: إنْ قامَ قمتُ، فوقع في موضع: إنْ تَقم، ويقولون: مررتَ برجلٍ ضَرَبَ كما تقول: مررتُ برجلٍ يضربُ، فبنيَ على الحركة كما بني "أولُ وعلُ" في بابه على الحركة وجعل له فضيلة على ما ليس بمضارع المضارعِ عما حصل "لأول وعل"، أو من قبل ومن بعد فضيلة على المبنيات، وأما المبني على السكون فما أمرت به وليس فيه حرف من حروف المضارعة، وحروف المضارعة الألف والتاءُ والنون والياءُ وذلك نحو قولك: قُم واقعدْ واضربْ، فلما لم يكن مضارعًا للاسم ولا مضارعًا للمضارع ترك على سكونه لأن أصل الأفعال السكونُ والبناءُ، وإنما أعربوا منها ما أشبه الأسماء وضارعها، وبنوا منها على الحركة ما ضارع المضارع وما خلا من ذلك أسكنوهُ، وهذه الألف في قولك: اقعد ألفُ وصلٍ، إنما تنطق بها إذا ابتدأت؛ لأنه لا يجوز أن تبتدئ بساكنٍ، وما بعد حروف المضارعة ساكن، فلما خلا الفعل منها واحتِيجَ إلى النطق به أدخلت ألف الوصل، وحق ألف الوصل أن تدخل على الأفعال المبنية فقط، ولا تدخل على الأفعال المضارعة؛ لأنها لا تدخل على الأسماء إلا
[ ٢ / ١٤٥ ]
على ابنٍ وأخواتها، وهو قليل العدد، وإنما بني فعلُ التعجب الذي يجيء على لفظ الأمر بنيَ على السكونِ نحو قولك: أكرمْ بزيدٍ و﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ١. وقد مضى ذكر ذا في باب التعجب.
وأما الفعل المعرب فقد بينا أنه الذي يكون في أوله الحروف الزوائد التي تسمى حروف المضارعة، وهذا الفعل إنما أُعرب لمضارعته الأسماءَ وشبهه بها، والإِعراب في الأصل للأسماء وما أشبهها من الأفعال أُعرب كما أنه إنما أعرب من أسماء الفاعلين ما جرى على الأفعال المضارعة وأشباهها، ألا ترى أنك إنما تُعمِلُ "ضاربًا" إذا كان بمعنى يفعلُ فتقول: هذا ضاربٌ زيدًا، فإن كان بمعنى "ضرب" لم تعمله، فمنعت هذا العمل كما منعت ذلك الإِعراب، واعلم أنه إنما يدخله من الإِعراب الذي يكون في الأسماء: الرفعُ والنصب، ولا جرَّ فيه، وفيه الجزم وهو نظير الخفض في الأسماء؛ لأن الجَرَّ يخص الأسماء والجزم يخص الأفعال، ونحن نذكرها نوعًا نوعًا بعونِ الله.
_________________
(١) ١ مريم: ٣٨ والآية: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ .
[ ٢ / ١٤٦ ]
الأفعال المرفوعة:
الفعل يرتفع بموقعهِ موقعَ الأسماءِ، كانت تلك الأسماء مرفوعةً أو مخفوضةً أو منصوبةً، فمتى كان الفعل لا يجوز أن يقع موقعه اسمٌ لم يجزْ رفعه، وذلك نحو قولك: يقومُ زيدٌ ويقعدُ عمرٌو، وكذلك عمرو يقولُ وبكرٌ ينظرُ ومررتُ برجلٍ يقومُ ورأيت رجلًا يقولُ ذاكَ، ألا تَرى أنك إذا قلت: يقومُ زيدٌ جاز أن تجعل زيدًا موضع "يقومُ" فتقول: زيدٌ يفعلُ كَذا، وكذلك إذا قلت: عمرو ينطلق، فإنما ارتفع "ينطلقُ" لأنه وقع موقع "أخوكَ" إذا قلت: زيدٌ أخوكَ فمتى وقع الفعل المضارع في موضع لا تقع فيه الأسماء فلا يجوزُ رفعه، وذلك نحو قولك: لم يقمْ زيدٌ، لا يجوز أن ترفعه لأنه لا يجوز أن تقول: لم زيدٌ فافهَم هذا.
واعلم: أن الفعل إنما أُعرب ما أُعرب منه لمشابهته الأسماء، فأما الرفع خاصةً فإنما هو لموقعه موقع الأسماء، فالمعنى الذي رفعت به غير المعنى الذي أعربتَ بهِ.
[ ٢ / ١٤٦ ]
الأفعال المنصوبة:
وهي تنقسم على ثلاثة أقسام: فعلٌ ينصبُ بحرفٍ ظاهرٍ ولا يجوز إضمارهُ، وفعلٌ ينتصبُ بحرفٍ يجوز أن يُضمَر، وفعلٌ ينتصب بحرفٍ لا يجوزُ إظهارهُ، والحروفُ التي تنصبُ: أنْ، ولَن، وكي، وإذن.
الأول: ما انتصب بحرف ظاهر لا يجوز إضماره، وذلك ما انتصب بلن وكي، تقول: لن يقومَ زيدٌ ولن يجلسَ، فقولك: لن يفعلَ يعني: سَيفعلُ١، يقول القائل: سيقومُ عمرٌو، فتقول: لَن يقومَ عمرو، وكان الخليل يقول: أصلها لا أَنْ فألزمه سيبويه أن يكون يقدم ما في صلة "أن"٢ في قوله: زيدًا لَنْ أضربَ، وليس يمتنع أحد من نصب هذا وتقديمه، فإن كان على تقديره فقد قدم ما في الصلة على الموصول.
وأما "كي" فجواب لقولك: لِمه، إذا قال القائل: لِمَ فعلت كذا؟ فتقول: كي يكون كذا ولِمَ جئتني؟ فتقول: كي تعطيَني، فهو مقارب لمعنى اللام إذا قلت: فعلتُ ذلك لِكذا، فأما قول من قال: كيمه في الاستفهام، فإنه جعلها مثل لِمَه، فقياس ذلك أن يُضمر "أنْ" بعد "كي" إذا قال: كي يفعل؛ لأنه قد أدخلها على الأسماء. وكذا قول سيبويه٣: والذي عندي أنه إنما قيل: كيمه لَما٤ تشبيهًا، وقد يشبهون الشيء بالشيءِ وإن كان بعيدًا منه.
_________________
(١) ١ لن: حرف نفي ونصب عند سيبويه يختص "بيفعل" ويفعل بعدها تشعر بالدلالة على ما يأتي من الزمان، فقوله: لن أضرب نفي لقوله: سأضرب. انظر الكتاب ١/ ٦٨ و٢/ ٣٠٤. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤٠٧. ٣ انظر الكتاب ١/ ٤٠٨. ٤ بياض في الأصل قدره كلمتان.
[ ٢ / ١٤٧ ]
وأما إذن، فتعمل إذا كانت جوابًا، وكانت مبتدأة ولم يكن الفعل الذي بعدها معتمدًا على ما قبلها، وكان فعلًا مستقبلًا، فإنما يعمل بجميع هذه الشرائط، وذلك أن يقول القائل: أنا أكرمكَ فتقول: إذن أجيئَك، إذن أحسنَ إليكَ، إذن آتيَكَ. فإن اعتمدت بالفعل على شيءٍ قبل "إذنْ" نحو قولك: أنا إذنْ آتيكَ، رفعت وألغيتَ كما تلغى ظننتُ وحسبتُ وليس بشيءٍ من أخواتها التي تعمل في الفعل يُلغى غيرها، فهي في الحروف نظير أرى في الأفعال، ومن ذلك: إن تأتني إذن آتك، لأن الفعل جواب: إنْ تأتني، فإن تم الكلام دونها جاز أن تستأنف بها وتنصب ويكون جوابًا، وذلك نحو قول ابن عَنَمة:
ارْدُدْ حِمَارَكَ لا تُنْزَع سَوِيَّتُهُ إذنْ يُردَّ وقَيْدُ العَيْرِ مَكْرُوبُ١
فهذا نصبٌ؛ لأن ما قبله من الكلام قد استغنى وتمَّ، ألا ترى أنَّ قوله: اردد حمارَك لا تُنزعْ سويتُه، كلام قد تمَّ، ثم استأنف كأنه أجاب من قال: لا أفعلُ ذاكَ فقال:
إذنْ يُردَّ وقَيْدُ العيرِ مكروبُ
فإن كان الفعل الذي دخلت عليه "إذنْ" فعلًا حاضرًا لم يجز أن تعمل فيه، لأن أخواتها لا يدخلن إلا على المستقبل وذلك إذا حدثت بحديثٍ فقلت: إذنْ أظنه فاعلًا، وإذن أخالكَ كاذبًا، وذلك لأنك تخبر عن الحال
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤١١ على عمل إذن فيما بعدها؛ لأنها مبتدأة والسوية: شيء يجعل تحت البرذعة للحمار كالحلس للبعير، والنزع: السلب وقيد العير مكروب أي: مضيق حتى لا يقدر على الخطو. وجعل الشاعر إرسال الحمار في حماهم كناية عن التحكك بهم والتعرض لمساءتهم. وانظر: المقتضب ٢/ ١٠، وشرح السيرافي ١/ ٣٣، وشرح الرماني ٣/ ٩٤، والمفضليات ٣٨٢، والأصمعيات ٢٦٧، وابن يعيش ٧/ ١٦، وديوان الحماسة ٢/ ١٤٨، وشرح الكافية للرضي.
[ ٢ / ١٤٨ ]
التي أنت فيها في وقت كلامك، فلا تعمل "إذن" لأنه موضع لا تعمل١ فيه أخواتها، فإذا وقعت "إذن" بين الفاء والواو، وبين الفعل المستقبل فإنك فيها بالخيار: إن شئتَ أعملتها كإعمالك أرى وحسبت، إذا كانت واحدةٌ منهما بين اسمين، وإن شئت ألغيت فأما الإِعمال فقولك: فإذنْ آتيكَ، فإذنْ أكرمَكَ قال سيبويه: وبلغنا أن هذا الحرف في بعض المصاحف: ﴿وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢ وأما الإِلغاء فقولك: فإذن أجيئُكَ، وقال ﷿: ﴿فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ ٣.
واعلم: أنه لا يجوز أن تفصل بين الفعل وبين ما ينصبه بسوى إذن، وهي تُلغى وتقدم وتؤخر، تقول: إذنْ والله أجيئكَ فتفصل، والإِلغاء قد عرفتك إياهُ وتقول: أنا أفعلُ كذا إذنْ، فتؤخرها وهي ملغاة أيضًا، وإذا قلت: إذنْ عبدُ الله يقولُ ذلكَ، فالرفع لا غير لأنه قد وليها المبتدأ، فصارت بمنزلة "هَلْ" وزعم عيسى: أن ناسًا يقولون: إذن أفعلُ في الجواب٤.
الثاني: ما انتصب بحرف يجوز إظهاره وإضماره.
وهذا يقع على ضربين: أحدهما أن تعطف بالفعل على الاسم، والآخر أن تدخل لامَ الجر على الفعل، فأما الضرب الأول من هذا وهو أن تعطف الفعل على المصدر فنحو قولك: يعجبني ضربُ زيدٍ وتغضبَ، تريد: وأنْ
_________________
(١) ١ في الأصل "فيها". ٢ الإسراء: ٧٦ وقراءة "ولا يلبثوا" بحذف النون شاذة. انظر شواذ ابن خالويه ٧٧. وأما قراءة "خلفك" فهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر، وقرأ الباقون ﴿خِلافَكَ﴾ بالألف انظر "حجة القراءات" ص٤٠٨ لزنجلة. ٣ النساء: ٥٣. وقد قرئ بنصب المضارع في الشواذ، فإذن لا يأتوا الناس. وانظر البحر المحيط ٣/ ٦٧٣، وشواذ ابن خالويه ٧٧. ٤ انظر الكتاب ١/ ٤١٢.
[ ٢ / ١٤٩ ]
تغضَب، فهذا إظهار "أنْ" فيه أحسن. ويجوز إضمارها فأنْ مع الفعل بمنزلة المصدر، فإذا نصبت فقد عطفت اسمًا على اسمٍ ولولا أنك أضمرت "أنْ" ما جاز أن تعطف الفعل على الاسم؛ لأن الأسماء لا تُعطف على الأفعالِ، ولا تُعطفُ الأفعالُ على الأسماءِ؛ لأن العطف نظير التثنية فكما لا يجتمع الفعل والاسم في التثنية كذلك لا يجتمعان في العطف، فمما نصب من الأفعال المضارعة لما عطف على اسمٍ قول الشاعر:
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيني أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ١
كأنه قال: للبسُ عباءةٍ وأنْ تقرَّ عيني.
وأما الضرب الآخر فما دخلت عليه لام الجر وذلك نحو قولك: جئتُكَ لتعطيني ولتقومَ، ولتذهبَ، وتأويل هذا: جئتُك لأنْ تقومَ، جئتُكَ لأنْ تعطيني ولأن تذهبَ، وإنْ شئتَ أظهرتَ فقلت "لأنَّ" في جميعِ ذلك وإن شئت حذفت "أنْ" وأضمرتها، ويدلك على أنه لا بدّ من إضمار "أنْ" هنا إذا لم تذكرها أن لام الجر لا تدخل على الأفعال، وأن جميع الحروف العوامل في الأسماء لا تدخل على الأفعالِ، وكذلك عوامل الأفعال لا تدخل على الأسماء، وليس لك أن تفعل هذا مع غير اللام، لو قلت: هذا لك بتقوم، تريد بأن تقوم لم يجز، وإنما شاع هذا مع اللام من بين حروف الجر فقط للمقاربة التي بين كي واللام في المعنى.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤٢٦ على إضمار "أن" لأنه لم يكن بد من ذلك، فلم يستقم أن تحمل، وتقر، وهو فعل على "لبس" وهو اسم، والعباءة: جبة من صوف، والشفوف: ثياب رقاق نصف البدن واحدها شف، بكسر الشين وفتحها. والشاهد لميسون بنت بحدل، وانظر المقتضب ٢/ ٢٧، والصاحبي ٨٤، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٨٠، والإنصاف ٢٨٣، وارتشاف الضرب ٨١٠، والمغني ٢/ ٥٣٢، وحياة الحيوان للدميري ٢/ ٢٠٨، وابن يعيش ٧/ ٢٥.
[ ٢ / ١٥٠ ]
الثالث: وهو الفعل الذي ينتصب بحرف لا يجوز إظهاره:
وذلك الحرف "أنْ" والحروفُ التي تضمر معها ولا يجوز إظهارها أربعة أحرفٍ: "حتى" إذا كانت بمعنى إلى أنْ، والفاء إذا عطفت على معنى الفعل لا على لفظه، والواو إذا كانت بمعنى الاجتماع فقط، وأو إذا كانت بمعنى إلى "أنْ".
شرح الأول من ذلك وهو حتى:
اعلم: أن "حتى" إذا وقعت الموقع الذي تخفض فيه الأسماء ووليها فعلٌ مضارع أضمر بعدها "أنْ" ونصب الفعل، وهي تجيء على ضربين: بمعنى "إلى" وبمعنى "كي" فالضرب الأول قولك: أنا أسيرُ حتى أدخلَها والمعنى: أسير إلى أن أدخلَها، وسرت حتى أدخلَها، كأنه قال: سرت إلى دخولِها، فالدخول غايةٌ للسير وليسَ بعلةٍ للسير، وكذلك: أنا أقف حتى تطلعَ الشمسُ، وسرتُ حتى تطلعَ الشمسُ، والضربُ الآخر أن يكون الدخول علة للسيرِ، فتكون بمعنى "كي" كأنه قال: "سرتُ كي أدخلَها" فهذا الوجه يكون السير فيه كان والدخول لم يكن، كما تقول: أسلمت حتى أدخلَ الجنةَ، وكلمته كي يأمر لي بشيءٍ "فَحتَّى" متى كانت من هذين القسمين اللذين أحدهما يكون غاية الفعل وهي متعلقة به، وهي من الجملة التي قبلها، فهي ناصبة وإن جاءت بمعنى العطف فقد تقع ما بعدها جملة، وارتفاع الفعل بعدها على وجهين: على أن يكون الفعل الذي بعدها متصلًا بالفعل الذي قبلها أو يكون منقطعًا منه ولا بدّ في الجميع من أن يكون الفعلُ الثاني يؤديه الفعل الأول، فأما الوجه الأول فنحو قولك: سرتُ حتى أدخلَها، ذكرت أن الدخول اتصل بالسير بلا مهلة بينهما، كمعنى الفاء إذا عطفت بها فقلت: سرت فأنا أدخلَها، وصلت الدخول بالسير، كما قال الشاعر:
تُرادى عَلَى دِمْنِ الحِيَاضِ فإنْ تَعَفْ فإنَّ المُنَدَّى رِحْلَةٌ فَرُكُوبُ١
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤١٤ على قوله: فركوب واتصال هذا بهذا كاتصال الدخول بالسير في قولهم: سرت حتى أدخل، أي: كان مني سير فدخول. وترادى: مقلوب تراود، والدمنة: البعر، والتراب يسقط في الماء فيسمى الماء دمنا أيضًا، والمندى: مصدر ميمي، وهو أن ترعى الإبل قليلًا حول الماء، ثم ترد ثانية للشرب. يقول: يعرض عليها بقايا في الحوض وهي الدمن، فإن عافت الشرب وكرهته فليس إلا الرحلة والركوب، والبيت لعلقمة بن عبدة. وانظر: المقتضب ٢/ ٣١، والمخصص ٧/ ١٠٠، والمفضليات ١١٩، والخصائص ٣٦٨، والسمط ٢٥٤، وابن يعيش ٦/ ٥٠، واللسان ١/ ٤١٨، وشرح الحماسة ٢/ ٧٢٦، والديوان ٣.
[ ٢ / ١٥١ ]
وينشدُ تراد لم يجعل بين الرحلة والركوب مهلة، ولم يرد أنَّ رحلته فيما مضى وركوبه الآن، ولكنه وصل الثاني بالأول، ومعنى قولي: إنَّكَ إذا رفعتَ ما بعد حتى، فلا بدّ من أن يكون الفعلُ الذي قبلها هو الذي أدى الفعلَ الذي بعدها أن السير به، كان الدخول إذا قلت: سرتُ حتى أدخلَها، ولو لمْ يسرْ لَم يدخلْها، ولو قلت: سرتُ حتى يدخلُ زيدٌ فرفعت "يدخلُ" لم تَجر؛ لأن سيرك لا يؤدي زيدًا إلى الدخول، فإن نصبت وجعلتَها غايةً جازَ فقلت: سرتُ حتى يدخلَ زيدٌ، تريدُ إلى أن يدخل زيدٌ، وكذلك: سرتُ حتى تطلعَ الشمسُ ولا يجوز أن ترفع "تَطلعُ" لأنَّ سيركَ ليس بسببٍ لطلوع الشمسِ وجاز النصب لأن طلوع الشمسِ قد يكون غايةً لسيرك. وأما الوجه الثاني من الرفع: فأن يكون الفعلُ الذي بعد "حتَّى" حاضرًا ولا يراد به اتصاله بما قبله، ويجوز أن يكون ما قبله منقطعًا، ومن ذلك قولك: لقد سرت حتى أدخلها، ما أمنع حتى إني أدخلُها الآن، أدخلُها كيفَ شئت، ومثل قول الرجل: لقد رأى مني عامًا أول شيئًا حتى لا أستطيع أن أكلمه العامَ بشيءٍ. ولقد مَرِض حتى لا يرجونه، إنما يراد أنه الآن لا يرجونه، وأن هذه حاله وقت كلامه، "فحتى" ههنا كحرفٍ من حروف الابتداء، والرفع
[ ٢ / ١٥٢ ]
في الوجهين جميعًا كالرفع في الاسم؛ لأن حتى ينبغي١ أن يكون الفعل الأول هو الذي أدى إلى الثاني؛ لأنه لولا سيره لم يدخل، ولولا ما رأى منه في العام الأول ما كان، لا يستطيع أن يكلمه العام ولولا المرضُ ما كان، لا يُرجى، وهذه مسألة تبين لك فيما فرق ما بين النصب والرفع، تقول: كان سيري حتَى أدخلُها، فإذا نصبت كان المعنى: إلى أن أدخلَها، فتكون "حتى" وما عملت فيه خبرَ كان، فإن رفعت ما بعد "حتى" لم يجز أن تقول: كان سيري حتَّى أدخلَها؛ لأنك قد تركت "كانَ" بغير خبرٍ، لأن معنى "حتى" معنى الفاء، فكأنك قلت: كان سيري فأدخلها، فإن زدت في المسألة ما يكون خبرًا "لكانَ" جاز، فقلت: كان سيري سيرًا متعبًا حتى أدخلَها وعلى ذلك قرئ: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ ٢ وحتى يقولُ: مَنْ نصبَ جعلَهُ غايةً، ومَن رفَع جعلَه حالًا٣.
شرح الثاني: وهو الفاء:
اعلم: أن الفاء عاطفة في الفعل كما يعطف في الاسم، كما بينت لك فيما تقدم، فإذا قلت: زيدٌ يقومُ فيتحدث، فقد عطفت فعلًا موجبًا على فعلٍ موجبٍ، وإذا قلت: ما يقومُ فيتحدثَ، فقد عطفت فعلًا منفيًّا على منفيّ، فمتى جئت بالفاء وخالف ما بعدها ما قبلها، لم يجز أن تحمل عليه، فحينئذٍ تحمل الأول على معناه، وينصب الثاني بإضمار "أنْ" وذلك قولك: ما تأتني فتكرمني، وما أزورك فتحدثني، لَم ترد: ما أزورك وما تحدثني، ولو أردت
_________________
(١) ١ الجملة مضطربة والصواب: لأن حتى ينبغي أن يكون الفعل الأول هو الذي أدى إلى الثاني. انظر الكتاب ١/ ٤١٧. ٢ البقرة: ٢١٤، في سيبويه ١/ ٤١٧: وبلغنا أن مجاهدًا قرأ هذه الآية "حتى بقول الرسول" وهي قراءة أهل الحجاز، وقراءة الرفع في هذه الآية سبعية لنافع، انظر: غيث النفع ١٥، والنشر ٢/ ٢٢٧، والبحر المحيط ٢/ ١٤٠. ٣ الرفع على قوله: فإذا الرسول في حال قول، والنصب على معنى: إلى أن يقول الرسول.
[ ٢ / ١٥٣ ]
ذلك لرفعت، ولكنك لما خالفت في المعنى فصار: ما أزوركَ فكيف تحدثني، وما أزوركَ إلاّ لم تحدثني، حمل الثاني على مصدر الفعل الأول، وأضمر "أنْ" كي يعطف اسمًا على اسمٍ، فصار المعنى: ما يكون زيارةٌ مني فحديثٌ منكَ. وكذا كلما كان غير واجب نحو الأمر والنهي والاستفهام؛ فالأمرُ نحو قولك: ائتني فأكرِمَكَ، والنهي مثل: لا تأتني فأكرمَكَ، والاستفهام مثل: أتأتني فأعطيَك لأنه إنما يستفهم عن الإِتيان ولم يستفهم عن الإِعطاء، وإنما تضمر "أنْ" إذا خالف الأول الثاني، فمتى أشركت الفاء الفعلَ الثاني بالأول فلا تضمر "أنْ" وكذلك إذا وقعت موقع الابتداء، أو مبنيٌّ على الابتداء.
شرح الثالث: وهو الواو:
الواو تنصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد الفاء، وإنما تكون كذلك إذا لم ترد الإِشراك بين الفعلِ والفعلِ، وأردت عطفَ الفعلِ على مصدر الفعلِ الذي قبلَها، كما كان في الفاء وأضمرت "أنْ" وتكون الواو في جميع هذا بمعنى "مَع" فقط، وذلك قولك: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنَ، أي: لا تجمعْ بين أكلِ السمكِ وشربِ اللبنِ، فإنْ نهاه عن كل واحدٍ منهما على حالٍ قال: ولاَ تشربِ اللبنَ على حالٍ، وتقول: لا يسعني شيءٌ ويعجز عنكَ فتنصبُ، ولا معنى للرفع في "يعجزُ" لأنه ليس يخبر أن الأشياء كلها لا تسعه، وأن الأشياء كلها لا تعجز عنه، إنما يعني: لا يجتمع أن يسعني شيءٌ ويعجز عنك، كما قال:
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ -إذا فَعَلْتَ- عَظِيمُ١
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤٢٤، على نصب "تأتي" بإضمار أن بعد واو المعية، والتقدير: لا يكن منك نهي وإتيان، وهذا البيت مختلف في قائله، فقد نسب إلى المتوكل الكناني، ونسبه سيبويه إلى الأخطل وليس في ديوانه، ونسب إلى أبي الأسود الدؤلي وهو الصحيح. وانظر المقتضب ٢/ ٢٦، وحماسة البحتري ١٧٣، وشروح الحماسة ٢/ ٥٣٥، ومعاني الفراء ١/ ٣٤، والمؤتلف والمختلف ١٧٩، وابن يعيش ٧/ ٢٤.
[ ٢ / ١٥٤ ]
أي: لا يجتمع أن تنهى وتأتي، ولو جزم كان المعنى فاسدًا. ولو قلت بالفاء: لا يسعني شيءٌ فيعجزَ عنكَ كان جيدًا؛ لأن معناه: لا يسعني شيءٌ إلا لم يعجزْ عنكَ ولا يسعني شيءٌ عاجزًا عنكَ. فهذا تمثيلٌ كما تمثلُ: ما تأتيني فتحدثني إذا نصبت بما تأتيني إلاّ لم تحدثني، وبما تأتيني محدثًا، وتنصب مع الواو في كل موضع تنصب فيه مع الفاء، وكذلك إذا قلت: زرني فأزوركَ، تريدُ ليجتمعَ هذان، قال الشاعر:
أَلم أَكُ جَارَكُمْ ويَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإِخَاءُ١
أراد: ألم يجتمعْ هذانِ، ولو أراد الإِفراد فيهما لم يكن إلا مجزومًا، والآية تقرأ على وجهين: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٢ وإنما وقع النصب في باب الواو والفاء في غير الواجب؛ لأنه لو كان الفعلُ المعطوف عليه واجبًا لم يبنِ الخلاف فيصلحُ إضمارُ "أنْ".
شرح الرابع: وهو "أو":
اعلم: أن الفعل ينتصب بعدها إذا كان المعنى معنى إلا أن تفعلَ، تقول: لألزمنَّكَ أو تعطيني، كأنه قال: ليكوننَّ اللزومُ والعطيةُ، وفي مصحف أُبي: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ ٣ على معنى: إلا أن يُسلموا، أو حتى يسلموا، وقال امرؤ القيس:
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤٢٥ على نصب الفعل "يكون" بإضمار "أن" بعد واو المعية الواقعة بعد الاستفهام، والتقدير: ألم يقع أن أكون جاركم، ويكون بيني وبينكم المودة. والشاهد للحطيئة يقوله لآل الزبرقان بن بدر، وكانوا قد جفوه فانتقل عنهم وهجاهم. انظر المقتضب ٢/ ٢٢، والصاحبي ٩٠، والعيني ٤/ ٤١٧، والهمع ٢/ ١٣، والسيوطي ٣٢١، والدرر اللوامع ٢/ ١٠، والديوان ٤٠. ٢ آل عمران: ١٤٢، وقراءة الجزم من الشواذ، قال ابن خالويه ٢٢ بكسر الميم الحسن، والإتحاف ١٧٩، وانظر الكتاب ١/ ٤٢٦. ٣ الفتح: ١٦ والقراءة برفع يسلمون، أما أو يسلموا فمن الشواذ. انظر ابن خالويه ١٤٢.
[ ٢ / ١٥٥ ]
فَقُلْتُ لَهُ: لا تَبْكِ عَينُكَ إنَّما نُحَاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرَا١
أي: إلا أن نموت فنعذَرا، فكل موضعٍ وقعتْ فيهِ أو يصلح فيه إلا أنْ وحتى، فالفعل منصوب، فإن جاء فعلٌ لا يصلحُ هذا فيهِ رفعت، وذلك نحو قولك: أتجلس أو تقومُ يا فَتى، والمعنى: أيكون منكَ أحدُ هذينِ؟ وهل تكلمنا أو تنبسطُ إلينا؟ لا معنى للنصبِ هنا، وقال الله ﷿: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ ٢ فهذا مرفوع، لا يجوز فيه النصب؛ لأن هذا موضع لا يصلحُ فيه "إلاّ أنْ".
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤٢٧ على نصب "نموت" بأن مضمرة بعد "أو"، والمعنى: على إلا أن نموت. ولو رفع لكان عربيًّا جائزًا، على وجهين: على أن تعطف على "نحاول"، وعلى أن يكون مبتدأً مقطوعًا من الأول، يعني: أو نحن ممن نموت. وانظر: معاني القرآن ٢/ ٧١، والمقتضب ٢/ ٢٨، والخصائص ١/ ٦٣، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٣١٦، وابن يعيش ٧/ ٢٢، والخزانة ٣/ ٦٠٩، والديوان/ ٩١. ٢ الشعراء: ٧٣.
[ ٢ / ١٥٦ ]
شرح القسم الأول: وهو الأحرف الأربعة:
لم ولمَّا ولا في النهي ولام الأمر؛ أما لَمْ فتدخلُ على الأفعال المضارعة، واللفظُ لفظُ المضارع والمعنى معنى الماضي، تقولُ: لَمْ يقمْ زيدٌ أمسِ، ولَم يقعدْ خالدٌ، وأما "لَمَّا" لَمْ ضمتْ إليها "مَا" وبنيتْ معها فغيرت حالها كما غيرت لو "ما" ونحوها، ألا تَرى أنكَ تقول: لمّا ولا يتبعها شيءٌ، ولا تقول ذلك في "لَمْ" وجوابُ "لمّا" قد فَعلَ، يقول القائل: لمَّا يفعلْ فيقول: قد فعَلَ، ويقول أيضًا للأمر الذي قد وقع لوقوع غيره وتقول: لما جئتَ جئتُ، فيصيرُ ظرفًا١، وأما "لا في النهي" فنحو قولِكَ: لا تقمْ ولا تقعدْ، ولفظ الدعاء لفظُ النهي كما كان كلفظِ الأمر تقول: لا يقطع اللهُ يدكَ، ولا يتعس اللهُ جدك، ولا يبعدُ الله غيرَك ولا في النهي بمعنى واحدٍ؛ لأنك إنَّما تأمره أن يكون ذلك الشيء الموجب منفيا، ألا ترى أنَّكَ إذا قلت: قُمْ إنّما تأمره بأن يكون منه قيام، فإذا نهيت فقلت: لا تَقم فقد أردت منه نفي ذلكَ، فكما أنَّ الأمر يراد به الإِيجاب فكذلك النهي يراد به النفي، وأما لام الأمر فنحو قولك: ليقم زيدٌ وليقعدْ عمرٌو ولتقم يا فلانُ، تأمر بها المخاطب كما تأمرُ الغائب، وقال ﷿: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ ٢ ويجوز حذف هذه اللام في الشعر وتعمل مضمرة، قال متمم بن نويرة:
علَى مِثْلِ أَصْحَابِ البَعُوضَةِ فَاخْمِشِي لَكِ الوَيْلُ حُرَّ الوَجْهِ أو يَبْكِ مَنْ بَكَى٣
أراد: ليبكِ، ولا يجوزُ أن تضمر لَمْ وَلا في ضرورة شاعرٍ، ولو أضمرا لالتبس الأمر بالإِيجاب.
_________________
(١) ١ الذي عليه الجمهور: أنها حرف وجود لوجود، وهي عند المصنف ظرف بمعنى: حين. وانظر المغني/ ٣١٠. ٢ يونس: ٥٨، وهذه القراءة عشرية، في النشر ٢/ ٢٨٥ روى رويس بالخطاب، وهي قراءة أبي. وانظر الإتحاف/ ٢٥٢، والبحر المحيط ٥/ ١٧٢. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ٤٠٩ على جزم "يبكي" على إضمار لام الأمر، ويجوز أن يكون محمولًا على معنى: فاخمشي؛ لأنه في معنى لتخمشي، وهذا أحسن من الأول. والبعوضة هنا: موضع بعينه قتل فيه رجال من قوم الشاعر، فحض على البكاء عليهم، ومعنى اخمشي: اخدشي. وانظر: المقتضب ٢/ ١٣٢، والضرائر/ ٨٤، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٧٥، والإنصاف/ ٢٧٦، وابن يعيش ٧/ ٦٠، وشروح سقط الزند ٣/ ١١٢٤، ومعجم البلدان "بعوضة"، والمغني/ ٤١١، والخزانة ٣/ ٦٢٩، والسيوطي ٢٠٤.
[ ٢ / ١٥٧ ]
شرح القسم الثاني: وهو حرف الجزاء:
اعلَمْ: أنَّ لحرف الجزاء ثلاثة أحوال؛ حالٍ يظهر فيها، وحالٍ يقع موقعه اسم يقوم مقامه ولا يجو أن يظهر معه، والثالث أن يحذف مع ما عمل فيه، ويكون في الكلام دليل عليه. فأما الأول الذي هو حرف الجزاء: فإن الخفيفة، ويقال لها: أم الجزاء وذلك قولك: إن تأتني آتِكَ، وإنْ تقمْ أقم، فقولك: إن تأتني شرط وآتِكَ جوابهُ، ولا بُدَّ للشرطِ من جوابٍ وإلا لم يتم الكلام، وهو نظيرُ المبتدأ الذي لا بُدَّ له من خبر، ألا ترى أنَّك لو قلت: "زيدٌ"١ لم يكن كلامًا يقال فيه صدقٌ ولا كذبٌ، فإذا قلت: منطلقٌ تَمَّ الكلام، فكذلك إذا قلت: إنْ تأتني لم يكن كلامًا حتى تقولَ: آتِكَ وما أشبه وحَقُّ "إن" في الجزاء أن يليها المستقبل من الفعل؛ لأنك إنما تشرط فيما يأتي أنْ يقعَ شيءٌ لوقوع غيره، وإنْ وليها فعل ماضٍ أحالت معناه إلى الاستقبال، وذلك قولك: إنْ قمتَ قمتُ، إنما المعنى: إنْ تَقمْ أقم "فإنْ" تجعل الماضي مستقبلًا، كما أنَّ "لَمْ" إذا وليها المستقبل جعلته ماضيًا، تقول: لم يقمْ زيدٌ أمسِ، والمعنى: ما قام، فعلى هذا يجوز أن تقول: إنْ لَم أَقمْ لَم أَقمْ، فلا بد لشرط الجزاء من جواب، والجواب يكون على ضربين: بالفعل ويكون بالفاء، فالفعل ما خبرتُكَ به، فأما الفاء فنحو قولك: إنْ تأتني فأنا أكرمُكَ، وإنْ تأتِ زيدًا فأخوه يحسن إليكَ، وإنْ تتّقِ الله فأنتَ كريمٌ، فحق الفاء إذا جاءت للجواب أن يُبتدأ بعدها اللام، ولا يجوز أن
_________________
(١) ١ في الأصل "إن تأتني" وليس لها معنى.
[ ٢ / ١٥٨ ]
يعمل فيما بعدها شيءٌ مما قبلها، وكذلك قولك: إنْ تأتني فلكَ درهمٌ، وما أشبه هذا، وقد أجازوا للشاعر إذا اضطر أن يحذف الفاء.
وأما الثاني: فأن يقع موقع حرف الجزاء اسم، والأسماء التي تقع موقعه على ضربين: اسمٌ غير ظرفٍ واسمٌ ظرف. فالأسماء التي هي غير الظروف: مَنْ ومَا وأيّهم، تقول: مَنْ تكرمْ أكرمْ وكان الأصل: إنْ تكرمْ زيدًا وأشباهَ زيدٍ أكرم فوقعت "مَنْ" لما يعقل، كما وقعت "مَنْ" في الاستفهام مبهمةً لما في ذلك من الحكمة وكذلك: ما تصنعُ أَصنعْ، وأيَّهم تضرب أَضربْ، تنصب أيهم بتضرب؛ لأن المعنى: إنْ تضربْ أيًّا ما منهم أَضربْ ولكن لا يجوز أن تقدم "تضربْ" على "أي" لأن هذه الأسماء إذا كانت جزاءً أو استفهامًا فلها صدور الكلام، كما كان للحروف التي وقعت مواقعها، فكذلك مَنْ وما إذا قلت: مَنْ تكرمْ أكرمْ، وما تصنعْ أَصنعْ، وموضعها نصب وإذا أردت أن تبين مواضعها من الإِعراب فضع موضعها "إن" حتى يتبين لك، وإذا قلت: مَنْ يقمْ أَقم إليه فموضع "مَنْ" رفعٌ؛ لأنها غير معقولة وكذا أيهم يضرب زيدًا أضربه وأيهم يأتني أحسن إليه، وأما "مَهما" فقال الخليل: هي "مَا" أدخلت معها "ما" لغوًا وأبدلوا الألفَ هاء١. قال سيبويه: ويجوز أن تكون كإِذْ ضُمتْ إليها "مَا"٢، وأما الظروف التي يجازى بها: فمتى وأينَ وأنَّى وأي حين وحيثُما وإذْ ما، لا يجازى بحيثُ وإذْ حتى يُضم إليهما "مَا" تصير مع كل واحد منهما بمنزلة حرف واحد. فتقول إذا جازيت بهن: متى تأتني آتِكَ وأين تقمْ أَقمْ وأَنى تذهبْ أَذهبْ، وأي حين تصلْ أَصلْ، "فأيُّ" إلى أي شيء أضفتها كانت منه، إن أضفتها إلى الزمان فهي زمانٌ، وإن أضفتها إلى المكان فهي مكانٌ، وتقول: حيثُما تذهبْ أذهبْ، وإذ ما تفعل أفعلْ، قال الشاعر:
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٤٣٣. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤٣٣.
[ ٢ / ١٥٩ ]
إِذْ مَا تَرَيْنِي اليَوْمَ مُزْجى ظعينتي أُصَعِّدُ سيرًا في البلادِ وأَفرَعُ
فإِنِّيَ مِنْ قَوْمٍ سِواكُم وإِنَّما رِجالي فَهْمٌ بالحِجَازِ وأشجعُ١
قال سيبويه: والمعنى: إما٢.
وإذا، لا يجازى بها إلا في الشعر ضرورةً، وهي توصل بالفعل كما توصل "حيثُ" ويقع بعدها مبتدأٌ، وكل الحروف والأسماء التي يجازى بها فلك أن تزيد عليها "ما" ملغاةً، فإن زدتَ "مَا" على "مَا" لم يحسن حتى تقول: مهما، فيتغيرُ، فأمَّا "حيثما وإذ ما" لا يجازى بهما إلاّ و"مَا" لازمةٌ لهما.
واعلم: أن الفعل في الجزاء ليس بعلةٍ لما قبله، كما أنه في حروف الاستفهام ليس بعلة لِمَا قبله.
واعلم: أن الفعل إذا كان مجزومًا في الجزاء وغيره، فإنه يعمل عمله إذا كان مرفوعًا أو منصوبًا، تقول: إنْ تأتني ماشيًا أمشِ معكَ، وإن جعلت "تمشي" موضع "ماشيًا" جاز فقلت: إنْ تأتني تمشي أمشِ معكَ، وإن تأتني تضحكُ أَذهبْ معكَ، تريد "ضاحكًا" فإن جئتَ بفعلٍ يجوزُ أن يبدل من فعلٍ ولم ترد الحال جزمت فقلت: إنْ تأتني تمشِ أَمشِ معكَ، وإنَّما جاز البدل لأن المشيَ ضرب من الإِتيان، ولو لَمْ يكن ضربًا منه لم يجز، لا يصلح أن تقول: إنْ تأتني تضحكُ أَمشي معكَ، فتجزم "تضحكُ" وتجعله بدلًا، وقد كنت عرفتك أنَّ جميع جواب الجزاء لا يكون إلا بالفعل أو بالفاء، وحكى الخليل أنَّ "إذا" تكون جوابًا بمنزلة الفاء؛ لأنها في معناها لأن الفاء تصحب الثاني
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١٠/ ٤٣٢، على قوله "إذ ما" والفاء في أول البيت الثاني جوابها؛ ولذلك جاء به، والمزجي من أزجيته إذا سقته برفق، والظعينة المرأة في الهودج، والمفرع: المنحدر وهو من الأضداد. وانتمى في النسب إلى فهم وأشجع، وهو من سلول بن عامر؛ لأنهم كلهم من قيس عيلان بن مضر، والبيتان لعبد الله بن همام السلولي. وانظر شرح السيرافي ١/ ٨٠، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٤٥، وابن يعيش ٧/ ٥٢، وكتاب الحدود للرماني/ ٦١، تحقيق مصطفى جواد. ٢ انظر: الكتاب ١/ ٤٣٢.
[ ٢ / ١٦٠ ]
الأول وتتبعه إياه، وإذا وقعت لشيءٍ يصحبه وذلك قوله ﷿: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُون﴾ ١. والمعنى: إنْ أصابتهُم سيئةٌ قَنطوا، ونظيره: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُون﴾ ٢، بمنزلة: أم صمتم ولا يجوز: إنْ تأتني لأفعلنّ٣، ويجوز: إنْ أتيتني لأكرمنَّك، وإنْ لَم تأتني لأغمنك؛ لأنَّ المعنى: لئن أتيتني لأكرمنَّك فما حسن أن تدخل اللام على الشرط فيه، حسن أن يكون الجواب لأَفعلنَّ، وما لم يحسن في الشرط اللام لم يحسنْ في الجواب؛ لأنَّ الجواب تابعٌ فحقه أن يكون على شكل المتبوع، ولا يحسن أن تقول: لإِنْ تأتني لأَفعلنَّ، فلما قبح دخول اللام في الشرط قَبح في الجواب، ولو قلت ذاك أيضًا لكنت قد جزمت "بإنْ" الشرط وأتيت بجوابها غير مجزومٍ ويجوز أن تقول: "آتيكَ إنْ تأتني" فتستغني عن جواب الجزاء بما تقدم ولا يجوز: إن تأتني آتيكَ إلاّ في ضرورة شاعرٍ على إضمار الفاء، وأما ما كان سوى "إن" منها فلا يحسن أن يحذف الجواب، وسيبويه يجيز: إنْ أتيتني آتِكَ وإنْ لم تأتني أَجزكَ؛ لأنه في موضع الفعل المجزومِ٤، وينبغي أن تعلم أنَّ المواضع التي لا يصلح فيها "إنْ" لا يجوز أن يجازى فيها بشيءٍ من هذه الأسماء ألبتة؛ لأن الجزاء في الحقيقة إنما هو بها، إذا دخل حرف الجر على الأسماء التي يجازى بها لم يغيرها عن الجزاء، تقول: على أي دابةٍ أحمل أَركبه، وبِمَنْ تؤخذْ أوْ خذ به، وإنما قدم حرف الجرِّ للضرورة لأنه لا يكون متعلقًا بالمفعول. فإن قلت: بمَنْ تَمرُّ بهِ أمرُّ وعلى أيهم تنزل عليه [أنزلُ] ٥، رفعت وصارت بمعنى الذي، وصارت الباء الداخلة في "مَنْ" لأمرَّ والباء في "بهِ" لتَمرَّ، وقد يجوز أن تجزم بمَنْ تَمررْ
_________________
(١) ١ الروم: ٣٦، وانظر الكتاب ١/ ٤٣٥. ٢ الأعراف: ١٩٣، وانظر الكتاب ١/ ٤٣٥. ٣ من قبل أن "لأفعلن" تجيء مبتدأ، ألا ترى أن الرجل يقول: لأفعلن كذا وكذا. انظر: الكتاب ١/ ٤٣٦. ٤ انظر الكتاب ١/ ٤٣٧. ٥ أضفت كلمة "أنزل" لإيضاح المعنى.
[ ٢ / ١٦١ ]
أَمررْ، وأنت تريد "بهِ" وهو ضعيفٌ وتقول على ذلك: غلامَ مَنْ تضربْ أضربه، قدمت الغلام للإِضافة كما قدمت الباء وهو منصوب بالفعل، ولكن لا سبيل إلى تقديم الفعل على "مَنْ" في الجزاء والاستفهام.
وأما الثالث: الذي يحذف فيه حرف الجزاء مع ما عمل فيه وفيما بقي من الكلام دليل عليه وذلك إذا كان الفعل جوابًا للأمر والنهي أو الاستفهام أو التمني أو العرض تقول: آتني آتِكَ فالتأويل: ائتني فإِنَّك إنْ تأتني آتِكَ، هذا أمرٌ، ولا تفعلْ يكنْ خيرًا لكَ، وهذا نهيٌ والتأويل لا تفعلْ فإِنَّكَ إن لا تفعلْ يكن خيرًا لكَ، وإلا تأتني أُحدثك وأينَ تكون أزرك، وألا ماءَ أشربهُ، وليته عندنا يحدثْنَا فهذا تمنٍّ، ألا تنزل تُصب خيرًا وهذا عرضٌ، ففي هذا كلِّه معنى "إنْ تفعلْ" فإن كان للاستفهام وجه من التقدير لم تجزم جوابهُ١.
ولا يجوز: لا تدنُ من الأسدِ، فإنَّكَ إن تدنُ مِنَ الأسدِ يأكلكَ، فتجعل التباعد من الأسد سببًا لأكلكَ، فإذا أدخلت الفاء ونصبت جاز فقلت: لا تدنُ منَ الأسد فيأكلَكَ؛ لأنَّ المعنى لا يكونُ دنوٌّ ولا أَكلٌ، وتقول: مُرْهُ يحفرْها وقل له: يقل ذاك فتجزم، ويجوز أن تقول: مُرْهُ يحفرُها، فترفعُ على الابتداءِ، وقال سيبويه: وإن شئتَ على حذف "أنْ" كقوله:
ألا أيُّهَا الزَّاجري احْضر الوَغى٢
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٤٥١. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٤٥٢، على رفع الفعل بعد حذف "أن" وتعري الفعل منها، وقد يجوز النصب بإضمار "أن" ضرورة وهو مذهب الكوفيين. وهذا صدر بيت عجزه: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي والوغى: الحرب، وأصله الأصوات التي تكون فيها، والشهود: الحضور، والبيت من معلقة طرفة بن العبد. وانظر: المقتضب ٢/ ٨٥، ومجالس ثعلب/ ٣٨٣، والصاحبي/ ١٠٤، وأمالي ابن الشجري ١/ ٨٣، والمحتسب ٢/ ٣٣٨، والإنصاف/ ٢٩٦، والديوان/ ٢٧.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وعسينا نفعلُ كذا، وهو قليل١، وقد جاءت أشياء أنزلوها بمنزلة الأمرِ والنهي، وذلك قولهم: حسبُكَ ينمُ الناسُ، واتقى الله امرؤٌ وفعلَ خيرًا يُثَبْ عليهِ.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٤٥٢.
[ ٢ / ١٦٣ ]
باب إعراب الفعل المعتل اللام:
اعلم: أن إعراب الفعل المعتل الذي لامهُ ياءٌ أو واوٌ أو ألفٌ مخالفٌ للفعل الصحيح، والفرق بينهما أن الفعل الذي آخره واوٌ أو ياءٌ نحو: يغزو أو يرمي تقول فيهما: هذا يغزو ويرمي، فيستوي هو والفعل الصحيح في الرفع في الوقت، كما تقول: هو يقتلُ ويضرب فإن وصلت خالف يقتل ويضرب، فقلت: هو يغزو عمرًا، ويرمي بكرًا فتسكن الياء والواو، ولا يجوز ضمها إلا في ضرورة شَاعرٍ، فإن نصبت كان كالصحيح فقلت: لنْ يغزوَ ولَنْ يرميَ، وإنما امتنع من ضم الياء والواو لأنها تثقل فيهما، فإن دخل الجزم اختلفا في الوقف والوصل فقلت: لم يغزُ ولَم يرمِ، فحذفت الياء والواو، وكذلك في الوصل تقول: لم يغزُ عمرًا ولم يرمِ بكرًا، وإنما حذفت الياء والواو في الجزم إذا لم تصادف الجازم حركة يحذفها، فحذفت الياء والواو لأن الحركة منهما وليكون للجزم دليل. والأمر كالجزم تقول: ارمِ خالدًا واغزُ بكرًا فتحذف في الوقف والوصل إلا أنكَ تضم الزايَ من "يغزو" وتكسر الميم من "يرمِي" إذا وصلتَ. فيدلان على ما ذهبَ للجزمِ والوقفِ، وإنما تساوى الوقف في الأمر للجزم؛ لأنهما استويا في اللفظ الصحيح، فلما كان ذلك في الصحيح على لفظٍ واحدٍ جعلوا المعتل مثل الصحيح فقالوا: ارمِ واغزُ، كما قالوا: لم يرمِ ولَم يغزُ، وقالوا: اضربا واضربوا، كما قالوا: لم يضربا، ولم يضربوا.
[ ٢ / ١٦٤ ]
مسائل من سائر أبواب إعراب الفعل:
تقول: انتظرْ حتى إن يقسمْ شيءٌ تأخذْ، تجزم "تأخذْ" لأنه جوابُ لقولك: إنْ يقسمْ وانتظرْ حتى إن قسم شيءٌ تأخذْ، تنصبُ "تأخذ" إن شئت على حتَّى تأخذَ إن قسمَ، وإنْ شئتَ جزمت "تأخذ" فجعلته جوابًا لقولك: إنْ قسَم هذا قول الأخفش، وقبيح أن تفصل بين حتى وبينَ المنصوب قال: ومما يدلُّكَ على أنه يكون جوابًا ولا يحمل على "حتى" أنك تقول: حتى إنْ قسم شيءٌ أخذتُه يعني أنه معلقٌ بالجواب، فلا يرجعُ إلى "حتى" ألا ترى أنك لا تقول: حتى أخذت إنْ قُسِمَ شيءٌ وتقول: اجلسْ حتى إنْ يقلْ شيئًا فتسمعه تجبْنَا، جزمٌ كله ولا يجوز أن تنصب "تُجبنا" على حتى؛ لأن قولك: إن تفعلُ مجزومٌ في اللفظ فلا بد من أن يكون جوابه مجزومًا في اللفظ، وتقول: أَقم حتّى تأكلْ معَنا وأَقم حتى إيانا يخرجْ تخرجْ معَهُ، فأيُّ مبتدأٌ لأنها للمجازاة وحتى معلقةٌ، وكذلك اجلسْ حتى إنْ يخرجْ تخرجْ معَهُ، وانتظر حتى مَن يذهبْ تذهبْ معهُ، "فَمن" في موضعِ رفعٍ، واجلس حتى أَيًّا يأخذْ تأخذْ معهُ "أيا" منصوبة "بتأخذ" وتقولُ: أقم حتى أي القومِ تعط يعْطكَ، تعمل في "أي" ما بعدها، ولا تعمل فيها ما قبلها، وتقول: اجلس حتى غلامَ مَنْ تَلق تُكرمْ تنصب الغلام "بتلق" واجلس حتى غلامُ مَنْ تلقه تكرمْ، ترفع الغلام على الابتداء، ولو أن "حَتَّى" تكون معلقة في شيءٍ ما جاز دخولُها ههُنا لأن حرف١ الجزاء إذا دخل عليه عاملٌ أزالهُ عن حرف الجزاء، ألا ترى أنك تقول: مَنْ يزرنا نزرْهُ فيكون مرفوعًا بالابتداء وتكون للجزاء وذلك لأنَّ حال الابتداء كحالِ "إنْ" التي للجزاء، والشرط نظيرُ المبتدأ، والجوابُ نظيرُ الخبر.
قال الأخفش: ومما يقوي "مَنْ" إذا كانت مبتدأة على الجزاء أنْ "إنْ" التي للجزاء تقع موقعها، ولو أدخلت إنَّ المشددة على "مَنْ" لقلت: إنَّ مَنْ
_________________
(١) ١ في الأصل "الحرف".
[ ٢ / ١٦٥ ]
يزورنا نزورهُ؛ لأنَّ المجازاة لا تقع ههنا فإن قلت: فَلِمَ لا تعملُ إنَّ في "مَنْ" وتدعها للمجازاة كما أعملت إنَّ الابتداء؟ فلأن "إنْ" التي للمجازاة لا تقع ههنا لأن إنَّ المشددة توجب بها والمجازاة أمرٌ مبهمٌ، يعني أنه لا تقع "إنْ" التي للمجازاة بعد "أنَّ" الناصبة، والمجازاة ليست بشيءٍ مخصوص إنما هي للعامة وإن الناصبة للإِيجاب، وكذلك: ليت مَنْ يزورنا نزورُه، ولعلَ وكانَ وليسَ لأنك إذا قلت: مَنْ يزورُنا نزوره، وما تعطي تأخذْ فأنتَ تبهمُ ولا توضحُ، وهكذا يجيءُ الجزاءُ بمَنْ وأخواتها، فإن أوضحت منه شيئًا بصلةٍ ذهبَ عنه هذا العملُ وجرى مجرى "الذي" وتقول: سكتَ حتى أردنا أن نقومَ، تقول: افعلوا كذا وكَذا، فترده على جواب "إذا" ولو رددته على حتى جاز على قبحه وحقُّ "حَتى" أن لا تفصل بينها وبين ما تعمل فيه، وتقول: لا واللهِ حتى إذا أمرتُك بأَمرٍ تطيعني، ترفع جواب "إذا" وإن شئتَ نصبت على "حتى" على قبحٍ عندي، إلا أن الفصل بالظرف أحسن من الفصل بغيره. وتقول: لا والله حتى إنْ أَقلْ لكَ: لا تشتمْ أَحدًا لا تشتمه. ولا تشتمهُ جوابُ "إنْ أَقلْ لك" فلا يكون فيه النصبُ؛ لأنه لا يرجع إلى: حتى لا والله وإذا قلت لكَ: اركبْ تركب يا هذا، تنصبُ "تركب" على أو وفصلت بالظرف والفصل بالظرف أحسنُ من الفصل بغيره، أردت: ولا واللَّه أو تركب، إذا قلت لكَ اركبْ ومَنْ رفع ما بعد "أوْ" في هذا المعنى رفع هذه المسألة وتقول: تسكت حتى إذا قلنا: ارتحلوا لا يذهب الليلُ تخالفْنا فلا تَذهبْ، "تذهبُ" معطوفٌ على "تخالفنا" وحتى إن نقل: ايتِ فلانًا تصبْ منهُ خيرًا لا تأتهِ، فتصب خيرًا جزمٌ على جواب ايتِ ولا تأته جواب "إنْ نقلْ". وتقول: لئن جئتني لأكرمنّكَ، الأولى توكيدٌ والثانية لليمين، ولا يجوز بغير النون ولئن جئتني لإِليكَ أقصدْ ولإِيّاك أكرمْ، ولا تنون أكرمْ لأن اللام لم تقع عليه ولو وقعت عليه فقلتَ: لأكرمنّكَ وكذلكَ: لئن جئتني لأكفلن بكَ، وفي كتابِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ١ لما وقعت اللام
_________________
(١) ١ آل عمران: ١٥٨.
[ ٢ / ١٦٦ ]
على كلام مع الفعل لم تدخله النون، وكذلك: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١ وكذلك لئن جئتني لأهلٌ، وكذلك: ولئن وصلتك للصلة أنفعُ لك.
قالَ الأخفش: المعنى: والله للصلة أنفعُ وإنْ وصلتكَ، كما أن قولك: لئن جئتني لأكرمنكَ، إنما هي: والله لأكرمنك إنْ جئتني، قال: واللام التي في "لئن جئتني" زائدة وقوله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ٢ على معنى اليمين، كأنه قال والله أعلَم: واللهِ لمثوبةٌ مِن عندِ الله خيرٌ لَهم ولو آمنوا وقال لا تقول: إنَّ زيدًا لقامَ وتقولُ: إنَّ زيدًا إليكَ كفيلٌ، وإن زيدًا لهُ ولك منزلٌ؛ لأنَّ اللام لا تقع على فعلٍ، فإذا كان قبلَها كلامٌ ضممتهُ معها جاز دخول اللام، وتقول: سرت حتى أدخلُ أو أكادُ ترفعهما جميعًا لأنك تقول: حتى أكادُ والكيدودة كائنةٌ، وكذلكَ سرت حتى أدخلَها أو أقرب منها لأنه قد كان القرب أو الدخول وكذلك: سرتُ حتى أكاد أو أدخلُ، وأشكلَ عليَّ كُلُّ شيءٍ حتى أظن أني ذاهبُ العقلِ، فجميع هذا مرفوع لأنه فِعلٌ واجبٌ وهو فيه، قال الجعدي:
ونُنْكِرُ يَوْمَ الرَّوْعِ أَلْوانَ خَيْلِنَا مِنَ الطَّعنِ حَتى تحسبَ الجونَ أشقرا٣
قال: يجوز في "تحسب" الرفع والنصب، والرفع على الحال، والنصب على الغاية وكأنكَ أردت إلى أن تحسب، وحكى الأخفش أن النحويين ينصبون إذا قالوا: سرتُ أكادَ أو أدخل يا هذا، ينصبون الدخول ويقولون:
_________________
(١) ١ آل عمران: ١٥٧. ٢ البقرة: ١٠٣. ٣ الشاهد فيه رفع "تحسب" ونصبها، فالنصب على الغاية، كأنك أردت إلى أن تحسب. والبيت للنابغة الجعدي في مدح الرسول، ﷺ. وانظر: معاني القرآن ١/ ١٣٤، والأغاني ١٤/ ١٢٩، ومعجم المرزباني/ ٣٢١، والإصابة/ ٨٦٣٣، وشرح السيرافي ١/ ٤٢٦.
[ ٢ / ١٦٧ ]
الفعلُ لم يجبْ، والكيدودة قد وجَبَتْ. قال: وهذا عندي يجوز فيه الرفع، يعني الدخول؛ لأنه في حال فعل إذا قلت: حتى أكاد، يعني إذا كنت في حال مقاربة، و"حتى" لا تعملُ في هذا المعنى، إنما تعمل في كل فعل لم يقع بعد، والكيدودةُ قد وقعتْ وأنت فيها، وتقول: الذي يأتيني فَلهُ درهم، والذي في الدارِ فلَهُ درهم، فدخولُ الفاء لمعنى المجازاة ولا يجوزُ: ظننتَ الذي في الدار فيأتيك. تريد: ظننتُ الذي في الدار يأتيك، والأخفش يجيزه على أن تكون الفاء زائدة وقال: قول الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ ١ ولكن زدت "إن" توكيدًا، وقالَ: لو قلت: إن هذا لا يجوز أن يكون في معنى المجازاة كان صالحًا؛ لأنك إذا قلت: إن الذي يأتينا فلهُ درهم، فمعناه: الذي يأتينا فله درهم، ولا يحسن ليتَ الذي يأتينا فلَهُ درهم، ولا لعل الذي يأتينا فنكرمُه؛ لأنَّ هذا لا يجوز أن يكون في معنى المجازاة، ولا يحسنُ "كأنَّ الذي يأتينا فلَهُ درهم" لأن معنى الجزاء إنما يكون على ما يأتي لا على ما كان، فإن قدرت فيه زيادة الفاء جاز على مذهب الأخفشِ.
_________________
(١) ١ الجمعة: ٨.
[ ٢ / ١٦٨ ]
فصل يذكر فيه قَلَّ وأقلّ:
اعلم: أنَّ قَلَّ: فعلٌ ماضٍ، وأقلَّ: اسم، إلاّ أن أقلّ رجل قد أَجروه مجرى قَلَّ رجل، فلا تدخل عليه العوامل، وقد وضعته العرب موضع "ما" لأنه أقرب شيءٍ إلى المنفي القليل، كما أن أبعد شيء منه الكثير، وجعلت "أقلَّ" مبتدأةً صدرًا إذا جُعلتْ تنوبُ عن النفي، كما أن النفيَ صدرٌ فلا يبنونَ أقلَّ على شيءٍ، فتقول: أقلّ رجلٍ يقول ذاك، ولا تقولُ: لَيتَ أقلَّ رجلٍ يقول ذاك، ولا لعل ولا إنَّ، إلا أن تضمر في "إنَّ" وترفع أقلّ بالابتداء، قال الأخفش: هو أيضًا قبيحٌ؛ لأن أقلَّ رجلٍ يجري مجرى:
[ ٢ / ١٦٨ ]
قَلَّ رجلٍ، وربُّ رجلٍ، لو قلت: كان أقلُّ رجلٍ يقولُ ذاكَ فرفعت "أقلّ" على "كانَ" لم يجز ولكن تضمر في "كانَ" وترفع أقلَّ على الابتداء، وأقلُّ رجلٍ وقلَّ رجلٌ قد أجروه مجرى النفي، فقالوا: أقلُّ رجلٍ يقولُ ذاكَ إلا زيدٌ وقال سيبويه: لأنه صار في معنى: ما أحَدٌ فيهما إلا زيد١، وقال: وتقولُ: قلَّ رجلٌ يقولُ ذاك إلا زيدٌ، فليس زيدٌ بدلًا من الرجل في "قَلَّ" ولكن: قَلَّ رجلٌ في موضعِ أقلّ رجلٍ، ومعناه كمعناه وأقل رجل مبتدأ مبني عليه، والمستثنى بدل منه لأنك تدخله في شيءٍ يخرج من سواه. قال: وكذلك: أقلُّ مَنْ، وقَلُّ مَنْ، إذا جعلت "مَنْ" بمنزلة رجلٍ. حدثنا بذلك يونس عنِ العرب٢ يجعلونه نكرةً كما قال:
رُبَّما تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ الأمرِ لهُ فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقَالِ٣
يريد أنَّ "رُبَّ" دخلت على "مَا" وهي لا تدخلُ إلا على نكرةٍ، فتنكيرُ "مَا" كتنكير "مَنْ" قالَ: وتقولُ: قَلَّ ما سرتُ حتى أدخلُها، مِنْ قبل أنَّ قَلَّما نفي لقوله كَثُرَ مَا، كما أنَّ ما سرتُ نفي لقوله: سرتُ، ألا ترى أنه قبيح أن تقول: قلما سرتُ فأدخلها، كما يقبح في ما سرت إذا أردت معنى، فإذا أنا أدخل، إنما قبحه لأنه إذا لَمْ يكن سيرٌ، لم يكن دخولٌ، فكذلك قلّما لَمّا أُريدَ بها النفي كان حكمُها حكم قالَ، وتقولُ: قلَّما سرت فأدخلها، فانتصب بإلغائها هنا كما تنصبُ فيما قال. وتقول: قلّما سرت، إذا عنيت سيرًا واحدًا،
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٣٦١. ٢ انظر الكتاب ١/ ٣٦١. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ٢٧٠ و١/ ٣٦٢ على أن "ما" نكرة لوقوعها بعد "رب"، وقيل: إن "ما" هنا غير كافة لأن الضمير قد عاد عليها من قوله: له فرجة. والفرجة بالفتح في الأمر، وبالضم في الحائط ونحوه مما يرى. ونسب سيبويه هذا الشاهد إلى أمية وهو في ديوانه/ ٥٠، وقد ورد في شعر عبيد بن الأبرص في ديوانه/ ٣٦. وانظر: المقتضب ١/ ٤٢، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٣٨، وابن يعيش ٤/ ٢، وارتشاف الضرب/ ٢٦٤، والمغني ١/ ٢٩٧، والسيوطي/ ٣٥٩، والخزانة ٢/ ٥٤١.
[ ٢ / ١٦٩ ]
أو عنيت غير سيرٍ، كأنك قد تنفي الكثيرَ من السيرِ الواحدِ، كما تنفيه من غير سيرٍ، يريدُ بقولِه: من غير سيرٍ أي: سيرًا بعد سيرٍ، قالَ الأخفش: الدليلُ على أن أقلَّ رجلٍ يجري مجرى رُبَّ وما أشبهها أنَّك تقول: أقلَّ امرأةٍ تقولُ ذاك فتجعلُ اللفظَ على امرأة، وأقلَّ امرأتين يقولان ذاكَ، فينفي أقلَّ، كأنه ليس له خبر، ولا تحمله إلا على الآخر، يعني: لا تحمل الفعلَ إلا على الذي أضفت إليه أقلَّ، فهذا يدل على أنه لا يشبه الأسماء، يعني إذا كان الخبر يجيء على الثاني وكذلك: أقلُّ رجال يقولون ذاك، ولا يحسن، كذلك لو قلت: أقَلُّ رجلينِ صالحانِ لم يُحسنْ، ولا يحسنُ من خبره إلا الفعل والظرف، أقلُّ رجلين صالحين في الدار وأقلُّ امرأةٍ ذاتُ جمةٍ في الدار، وأقلُّ رجلٍ ذي جمةٍ في الدار، كان جيدًا، ولو ألغيت الخبر كان مذهبه كمذهب "رُبَّ" فإنْ قلت: فما لي إذا قُلت: قلَّ رجلٌ يقولُ ذاك، وقَلّ رجلٌ قائلٌ ذاكَ، وهو صفة لا يجوز حذفه؛ فلأنك إنما قللتَ الموصوفين ولم تقللِ الرجال مفردين في الوصف، ألا ترى أنك لا تقول: قلّ رجلٌ قائلٌ ذاك إلا وأنت تريد القائلين ولست تريد أن تقلل الرجال كلهم.
[ ٢ / ١٧٠ ]
فصل من مسائل الدعاء والأمر والنهي:
اعلم: أن أصل الدعاء أن يكون على لفظ الأمر وإنما استعظم أن يقال: أمرٌ، والأمر لمن دونَك، والدعاء لمن فوقك، وإذا قلت: اللهم اغفر لي فهو كلفظك إذا أمرت فقلت: يا زيدُ أكرم عمرًا وكذلك إذا عرضت فقلت: انزل، فهو على لفظ اضربْ، وقد يجيء الأمر والنهي والدعاء على لفظ الخبر إذا لم يلبس، تقول: أطالَ الله بقاءهُ، فاللفظُ لفظ الخبر والمعنى دعاءٌ ولم يلبسْ لأنك لا تعلم أنّ الله قد أطالَ بقاءهُ لا محالة، فمتى أُلبسَ شيءٌ مِنْ ذَا بالخبر لم يجز حتى يبينَ، فتقول على ذا: لا يغفر الله لَهُ ولا يرحمهُ، فإن قلت: لا يغفرُ الله لَهُ ويقطعُ يدهُ لم يجز أن تجزم "يقطعُ" لأنهُ لا يشاكل الأول؛ لأنَّ الأول دعاءٌ عليه، وإذا جزمتَ "يقطعُ" فقد أردت: ولا يقطعُ الله، فهذا دعاء له فلا يتفق المعنى. وإذا لم يتفق لم يجز النسق،
[ ٢ / ١٧٠ ]
وكذلك إذا قلت: ليغفر الله لزيدٍ ويقطعُ يَدهُ، لم يجز جزم "يقطعُ" لاختلاف المعنى، ولكن يجوز في جميع ذا الرفع، فيكون لفظه لفظ الخبر، والمعنى الدعاءُ وإذا أسقطت اللام ولا رفعت الفعلَ المضارع فقلت: يغفرُ الله لكَ وغفَر الله لكَ، وقال الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ١، وقال: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ ٢، وقال الله ﵎: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ ٣ باللام. وقال قوم: يجوزُ الدعاءُ بلَنْ، مثل قوله: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ . وقال الشاعر:
"لن تَزالوا كذلكم ثُم لا زلـ ـتَ لهم خالدًا خُلُود الجبال"٤
والدعاء "بلَنْ" غير معروف، إنما الأصلُ ما ذكرنا، أن يجيء على لفظ الأمر والنهي، ولكنه قد تجيء أخبار يقصدُ بها الدعاءُ إذا دلت الحالُ على ذلكَ، ألا ترى أنك إذا قلت: "اللهم افعلْ بنَا" لَم يحسنْ أن تأتي إلا بلفظ الأمر، وقد حكى قوم: اللهم قطعت يده وفقئت عينهُ، قال الشاعر:
لا هم ربَّ الناس إن كذبت ليلى ٥
وإن قدمتَ الأسماءَ فقلتَ: زيدٌ قطعتْ يده كانَ قبيحًا؛ لأنه يشبهُ الخبرِ وهو جائزٌ إذا لم يشكل، وإذا قلت: زيدٌ ليقطع الله يده كانَ أمثلَ؛ لأنهُ غيرُ
_________________
(١) ١ يوسف: ٩٢، والآية: قال: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . ٢ يونس: ٨٨، والآية: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ . ٣ يونس: ٨٨، وتكملتها: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ . ٤ الشاهد فيه خروج الفعل بعد "لن" للدعاء، ولا تقع "لن" دعائية خلافًا للمصنف ومن ذهب مذهبه، ودليلهم على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ . إن معناه: فاجعلني لا أكون، والشاهد للأعشى من قصيدة طويلة يمدح فيها الأسود بن المنذر. وانظر: ارتشاف الضرب/ ٢٤٦، والمغني ١/ ٢٨٤، والتصريح ٢/ ٢٣٠، والسيوطي/ ٦٨٤، وشرح شواهد ابن عقيل للجرجاوي/ ١١، والهمع ٢/ ٤، والدرر اللوامع ٢/ ٣. ٥ لم أتبين هذا البيت؛ لأنه غير واضح في الأصل.
[ ٢ / ١٧١ ]
ملبسٍ وهو على ذلك اتساعٌ في الكلام؛ لأن المبتدأ ينبغي أن يكون خبره يجوزُ فيه الصدق والكذب، والأمر والنهي ليسا بخبرين والدعاء كالأمر، وإنما قالوا: زيدٌ قم إليه وعمرٌو اضربْهُ اتساعًا كما قالوا: زيدٌ هَلْ ضربتَهُ، فسدّ الاستفهام مسد الخبرِ وليس بخبر على الحقيقة وقال: إذا أجزت افعلْ ولا تفعل أمروا ولم ينهُوا، وذلك في المصادر والأسماء والأدوات، فتقول: ضربًا ضربًا والله، تريد: اضربْ ضربا واتقِ الله، وهلمَّ وهاؤم إنما لم يجز في النهي؛ لأنه لا يجوز أن يضمر شيئان لا والفعل، ولو جاءوا "بلا" وحدها لم يجز أيضًا أن يحال بين "لا" والفعل؛ لأنها عاملةٌ وتقولُ: ليضرب زيدٌ وليضرب عمرو وتقولُ: زيدًا اضربْ، تنصبُ زيدًا "باضربْ" وقال قوم: تنصبُ زيدًا بفعل مضمر، ودليلهم على ذلك أنك تدخلُ فيه الفاء فتقول: زيدًا فاضربْ، وقالوا: إنَّ الأمر والنهي لا يتقدمهما منصوبهما؛ لأن لهما الاستصدارَ والذين يجيزونَ التقديم يحتجون بقول العربِ: بزيد امرر ويقولون: إن الباءَ متعلقة بامرر ولأنه لا يكون الفعل فارغًا وقد تقدمه مفعوله ويضمرون إذا شغلوا نحو قولهم: زيدًا اضربْه، ولهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله. وتقول: ضربًا زيدًا، تريد: اضربْ زيدًا، وقوم يجيزون ضرب زيد وأنت تريدُ: ضربًا زيدًا ثم تضيف، وهذا عندي قبيحٌ لأن ضربًا قامَ مقامَ اضربْ واضربْ لا يضاف، والألفُ في الأمر تذهب إذا اتصلت بكلام نحو قولك: اضربْ اضربْ، واذهبْ اذهبْ، ويقولون: ادخلْ ادخلْ، واذهبْ ادخلْ، ويختارون الضم إذا كانت بعد مضمومٍ والكسر جائزٌ، تقول: اذهبْ ادخلْ. وقد حكوا: ادخلِ الدارِ للواحدِ على الإِتباع وهو رديءٌ لأنه ملبسٌ١، وقالوا: يجوز الإِتباع في المفتوح مثل قولك: اصنع الخير. وقالوا: لا نجيزهُ ولم نسمعْهُ لأنّا قد سمعناهُ إذا حرك، نحو قول الشاعر:
يَحسَبُهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلَما٢
_________________
(١) ١ يلتبس في حالة التثنية نحو: ادخلا الدار. ٢ من شواهد سيبويه ٢/ ١٥٢ على تأكيد الفعل المنفي بلم بالنون، وهو صدر بيت عجزه: شيخًا على كرسيه معمما يعلما: أصله "يعلمن" بالنون الخفيفة قلبت ألفًا. ومعمما من عممت الرجل: ألبسته العمامة، أو عمم الرجل: سود؛ لأن العمائم تيجان العرب. وقد ظن الشنتمري أن الراجز وصف جبلًا قد عمه الخصب وحفه النبات وملأه فجعله كشيخ معمم، والواقع أنه في وصف رغوة اللبن. والرجز ينسب إلى المساور العبسي، وإلى العجاج، وإلى أبي حيان الفقعسي وإلى عبد بني عبس. وانظر نوادر أبي زيد/ ١٣، ومجالس ثعلب/ ٦٢٠، وأمالي الزجاجي/ ١٢٠، وابن يعيش ٩/ ٤٢، والإنصاف/ ٣٤٧، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٨٤، وارتشاف الضرب/ ٣٨٢.
[ ٢ / ١٧٢ ]
وقوله:
أَجِّره الرُّمْحَ ولا تُهالَهْ١
لما كان قبله فتحٌ اتبع. فأما قول القائل: ما لَمْ يعلَما، فقد قيلَ فيه: إنهُ يريدُ النونَ الخفيفة، وأما قولُه: لا تُهالِه فإنه حركَ اللام لالتقاء الساكنين؛ لأنه قد علم أنه لا بد من حذفٍ أو تحريكٍ، وكان الباب هُنا الحذف وأن تقولَ: لا تهل ولكن فعلَ ذلك من أجل القافية؛ لأن الألف لازمةٌ لحرف الروي فرده إلى أصله فالتقى ساكنان، الألف واللام التي أسكنت للجزم فحرك اللام بالفتح لفتحة ما قبلها ولما منه الفتح وهي الألف وأدخل الهاءَ لبيان الحركة، وتقولُ: زرني ولأزركَ، فتدخل اللام؛ لأن الأمر لكَ، فإذا كان المأمور مخاطبًا
_________________
(١) ١ عجز بيت، وصدره: إيها فداء لك يا فَضَالَهْ أجره الرمح وهو في نوادر أبي زيد منسوب إلى راجز لم يسمه، وأجره: اطعنه فيه؛ لأن الإجراء الطعن في الفم، ولا تهاله أراد: لا تهل بالجزم على البناء للمجهول، أي: لا يفزعك شيء، والهاء للوقف. وانظر: نوادر أبي زيد/ ١٣، والمقتضب ٣/ ١٦٨، وسر صناعة الإعراب ١/ ٩٢، والتمام في تفسير أشعار هذيل/ ١٤، والاشتقاق/ ٣٢١، وشرح المفضليات للأنباري/ ٥٧، والحجة لأبي علي ١/ ٥٠، والارتشاف/ ٣٨٣، وشرح سقط الزند ٣/ ٩٦٩، وابن يعيش ٤/ ٧٢، واللسان ٣/ ٥١٠، والاقتضاب للبطليوسي/ ٣٤٥.
[ ٢ / ١٧٣ ]
ففعلهُ مبني غير مجزومٍ، وقد بينا هذا فيما تقدم، وقوم من النحويين١ يزعمون أنَّ هذا مجزومٌ، وأن أصل الأمرِ أن يكونَ باللامِ في المخاطب، إلا أنه كثر فأسقطوا التاءَ واللامَ، يعنونَ أن أصلَ اضربْ لتضربْ، فأسقطوا اللامَ والتاء، قال محمد بن يزيد: وهذا خطأٌ فاحش٢؛ وذلك لأن الإِعراب لا يدخل من الأفعال إلا فيما كان مضارعًا للأسماء وقولُكَ: اضربْ وقم ليسَ [فيه شيءٌ] ٣ من حروف المضارعة، ولو كانت فيه لم يكن جزمهُ إلا بحرفٍ يدخل عليه.
ويروى عن رسولِ الله -ﷺ- أنه قرأ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ ٤ فإذا لم يكن الأمرُ للحاضرِ فلا بد من إدخال اللامِ، تقول: ليقمْ زيدٌ، وتقول: زرْ زيدًا وليزرْكَ إذا كان الأمرُ لهما جميعًا؛ لأن زيدًا غائبٌ فلا يكون الأمر له إلا بإدخال اللام، وكذلكَ إذا قلتَ: ضُرِبَ زيدٌ فأردتَ الأمرَ من هذا قلتَ: ليُضرَبْ زيدًا؛ لأنَّ المأمور ليس بمواجه، والنحويون يجيزونَ إضمارَ هذه اللام للشاعر إذا اضطر، وينشدون لمتمم بن نويرة:
على مِثْلِ أصْحَابِ البَعُوضَةِ فاخْمِشِي لكِ الوَيْل حُرّ الوَجْهِ أو يَبْكِ مَنْ بَكَى٥
_________________
(١) ١ يقصد ابن السراج بقوم من النحويين: الكوفيين، وقد عقد ابن الأنباري مسألة في الإنصاف لهذا الخلاف من ٣٠٣-٣١٧، كما عرض لذلك في أسرار العربية ٣١٦-٣٢١. ٢ انظر المقتضب ٢/ ١٣١. ٣ زيادة من المقتضب ٢/ ١٣١ يقتضيها المعنى. ٤ يونس: ٥٨. قراءة "فلتفرحوا" بتاء الخطاب عشرية في النشر ٢/ ٢٨٥. روى رويس بالخطاب وهي قراءة أبي ورويناها مسندة عن النبي -ﷺ- وهي لغة لبعض العرب، أخبرنا شيخنا عن أبي بن كعب -﵁- أن النبي -ﷺ- قرأ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ يعني بالخطاب فيهما، حديث حسن أخرجه أبو داود. وانظر الإتحاف/ ٢٥٢، والبحر المحيط ٥/ ١٧٢. ٥ مر تفسيره/ ١٦٣ من هذا الجزء.
[ ٢ / ١٧٤ ]
أراد: ليبكِ، وقولُ الآخر:
مُحَمَّد تَفْدِ نَفْسُكَ كُلَّ نَفْسٍ إذا مَا خِفْتَ مِنْ شيءٍ تَبَالا١
قال أبو العباس٢: ولا أرى ذا على ما قالوا؛ لأنَّ عوامل الأفعالِ لا تضمرُ وأضعفها الجازمة؛ لأن الجزم في الأفعال نظيرُ الخفض في الأسماء٣، ولكن بيت متمم يُحملُ على المعنى؛ لأنه إذا قال: فاخمشي فهو في موضع فلتَخْمشي، فعطَف الثاني على المعنى. وأما هذا البيت الأخيرُ فليس بمعروف على أنه في كتاب سيبويه على ما ذكرت لكَ، وتقول: ليقمْ زيدٌ ويقعدْ خالدٌ وينطلقْ عبدُ اللهِ؛ لأنك عطفت على اللام. ولو قلت: قُمْ ويقعدْ زيدٌ لم يجز الجزم في الكلام، ولكنْ لو اضطر إليه الشاعر فحمله على موضع الأول لأنه مما كان حقهُ اللام جازَ، وتقول: لا يقمْ زيدٌ ولا يقعدْ عبد الله؛ لأنك عطفت نهيًا على نهيٍ فإن شئتَ قلتَ: لا يقمْ زيدٌ ويقعدْ عبد اللهِ، وهو بإعادتِكَ "لا" أوضحَ؛ لأنك إذا قلت: لا يقمْ زيدٌ ولا يقعدْ عبد الله تبين أنكَ قد نهيتَ كل واحدٍ منهما على حياله فإذا قلت: لا يقمْ زيدٌ ويقعدْ عبدُ الله بغير "لا" ففيه أوجه: قَد يجوزُ أن يقع عند السامع أنك أردتَ لا يجتمع هذان، فإن قَعد عبدُ الله ولم يقمْ زيدٌ لم يكن المأمور مخالفًا، وكذلك إن لَم يقمْ زيدٌ وقعدَ عبدُ الله. ووجه الاجتماع إذا قصدته أن تقول: لا يقمْ زيدٌ ويقعدْ عبدُ الله، أي لا يجتمع قيام عبد الله
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤٠٨ على حذف لام الأمر للضرورة، والتبال: سوء العاقبة وهو بمعنى الوبال، فكأن التاء بدل من الواو. نسب الرضي هذا البيت إلى حسان وليس في ديوانه ونسب إلى الأعشى وليس في ديوانه أيضًا. وانظر: المقتضب ٢/ ١٣٢، والصاحبي/ ٨٦، وشرح السيرافي ١/ ٣٩، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٧٥، والإنصاف/ ٢٧٦، والمغني ١/ ١٨٦، والخزانة ٣/ ٦٣٠، وشرح الكافية ٢/ ٢٤٩، والمفصل للزمخشري ٢/ ٢٢٠، وابن يعيش ٩/ ٢٤. ٢ انظر المقتضب ٢/ ١٣٣. ٣ هذه عبارة سيبويه، انظر الكتاب ١/ ٤٠٩.
[ ٢ / ١٧٥ ]
وأنْ يقعد زيدٌ، "فلا" المؤكدة تدخل في النفي لمعنى، تقول: ما جاءني زيدٌ ولا عمرٌو، إذا أردت أنه لم يأتِكَ واحد منهما على الانفرادِ، ولا مع صاحبه لأنك لو قلت: لم يأتني زيدٌ وعمرٌو، وقد أتاك أحدُهما لم تكن كاذبًا "فلا" في قولك: لا يقمْ زيدٌ ولا يقعدْ عمرو، يجوزُ أن تكون التي للنهي وتكون المؤكدة التي تقعُ لما ذكرت لكَ في كل نفيٍ.
واعلم: أن الطلب من النهي بمنزلته من الأمر، يجري على لفظه، وتقول: ائتني أكرمْكَ، وأينَ بيتُك أزرك، وهل تأتيني أعطك وأحسن إليكَ؛ لأنَّ المعنى: فإنَّكَ إنْ تفعلْ أفعلْ، فأما قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ١ ثم قَال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾ فإن أبا العباس -﵀- يقول: ليسَ هذا الجواب، ولكنه شرح ما دعوا إليه، والجواب: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ فإن قال قائلٌ: فَهلا كان الشرح "أن تؤمنوا" لأنه بدلٌ من تجارةٍ.
فالجواب في ذلك: أن الفعل يكون دليلًا على مصدره، فإذا ذكرت ما يدل على الشيء، فهو كذكرِكَ إياهُ، ألا ترى أنهم يقولون: منْ كذبَ كانَ شَرًّا لَهُ يريدون: كانَ الكذبُ. وقال الله ﷿: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ٢ لأن المعنى: البخل خير لهم، فدل عليه بقوله: ﴿يَبْخَلُونَ﴾ وقال الشاعر:
أَلا أيُّهذا الزَّاجِرِي أحْضُرُ الوَغَى٣
المعنى: عن أن أحضر الوَغَى، فأنْ والفعل كقولك: عن حضور الوغى، فلما ذكر "أَحضرُ" دل على الحضور، وقد نصبه قومٌ على إضمار "أنْ" وقدموا الرفع٤. فأما الرفع فلأن الفعلَ لا يضمرُ عامله، فإذا حذف رفع
_________________
(١) ١ الصف: ١٠ و١١. ٢ آل عمران: ١٨٠، ولا يحسبن "بالياء والتاء سبعيتان". انظر الإتحاف/ ١٨٣. ٣ تقدم في ص١٦٨ من هذا الجزء. ٤ انظر المقتضب ٢/ ١٣٥-١٣٦.
[ ٢ / ١٧٦ ]
الفعل وكان دالا على مصدره بمنزلة الآية، وهي: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم قال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وذلك لو قالَ قائلٌ: ما يصنع زيدٌ؟ فقلت: يأكلُ أو يصلي، لأغناك عن أن تقول: الأكلُ، والصلاةُ
ألا ترى أنَّ الفعل إنَّما مفعوله اللازم له إنما هو مصدرهُ؛ لأن قولك: قد قامَ زيدٌ بمنزلة قولك: قد كان منه قيامٌ. فأما الذين نصبوا فلمْ يأبوا الرفعَ، ولكنهم أجازوا معه النصب؛ لأن المعنى "بأنْ" وقَد أبانَ ذلك بقوله فيما بعده، "وأنْ أَشهد" فجعله بمنزلة الأسماء التي يجيءُ بعضها محذوفًا للدليل عليه وفي كتاب الله ﷿: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ١ قال٢: والقولُ عندنا أنَّ "مَنْ" مشتملةٌ على الجميعِ؛ لأنها تقعُ للجميعِ على لفظها للواحد.
وقد ذهب هؤلاء إلى أن المعنى: ومَنْ في الأرضِ، وليسَ القولُ عندي كما قالوا٣. وقالوا في بيت حسان بن ثابت:
فَمَنْ يَهْجُو رَسُول الله مِنْكُمْ ويَمْدَحهُ ويَنْصُره سَوَاءُ٤
إنما المعنى: ومن يمدحهُ وينصرهُ، وليس الأمر عند أهلِ النظر كذلك، ولكنه جعل "مَنْ" نكرةً، وجعل الفعلَ وصفًا لها، ثم أقام في الثانية الوصف مقامَ الموصوف فكأنه قال: وواحدٌ يمدحهُ وينصرهُ؛ لأن الوصف يقعُ موضع
_________________
(١) ١ الرحمن: ٢٩. ٢ الذي قال هو المبرد أستاذ المصنف، انظر المقتضب ٢/ ١٣٧. ٣ هذا قول المبرد في المقتضب ٢/ ١٣٧، والذين قالوا الكوفيون والأخفش الذين أجازوا حذف الموصول الاسمي واحتجوا بقوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾، وقول حسان: فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء وانظر: المغني ٢/ ٦٩٢. ٤ البيت من قصيدة لحسان بن ثابت في أول ديوانه، وهي في كتاب حسن الصحابة ص١٧-٢٨. والشاهد حذف الموصول الاسمي، والتقدير: ومن يمدحه. وانظر: معاني القرآن ٢/ ٣١٥، والمقتضب ٢/ ١٣٧، وارتشاف الضرب/ ١٤٣، والمغني ٢/ ٦٩٢، والديوان/ ٩.
[ ٢ / ١٧٧ ]
الموصوفِ إذا كان دالا عليه. وعلى هذا قول الله ﷿: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ١، وقال الشاعر:
كأنَّك مِنْ جَمالِ بني أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ٢
يريدُ: كأنَكَ جَملٌ ولذلك قال: يقعقعُ خلفَ رجليهِ. وقالَ في أشد مِن ذا:
مَا لَك عِنْدِي غَيْرُ سَهْم وحَجَرْ وغَيْر كَبْدَاءَ شَدِيدَةِ الوَتَرْ
جَادَت بِكفّيْ كانَ مِنْ أرمى البَشَرْ٣
_________________
(١) ١ النساء: ١٥٩، وانظر الكتاب ١/ ٣٨٥. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٣٧٥ على حذف الموصوف. والقعقعة: تحريك الشيء اليابس الصلب، والشن: القربة البالية، وقعقعتها تكون بوضع الحصا فيها وتحريكها فيسمع فيها صوت، وهذا مما يزيد في نفورها. ومنه: لا يقعقع لي بالشنان، يضرب للرجل الشرس الصعب، أي: لا يهدد، وبنو أقيش: حي من عكل. قال الأصمعي: جمال بني أقيش: حوشية لا ينتفع بها فيضرب بنفارها المثل. والبيت للنابغة الذبياني من قصيدة قالها لما قتلت عبس رجلًا من أسد، فقتلت أسد به اثنين من عبس. وانظر المقتضب ٢/ ١٣٨، والكامل/ ٢١٩، وشرح السيرافي ١/ ٢٧١، والمفصل للزمخشري/ ١١٨، والاقتضاب للبطليوسي/ ٣١٤، وابن يعيش ١/ ٦١، وجمهرة الأنساب/ ١٩٩، والعيني ٤/ ٦٧، والديوان/ ٧٧. ٣ الشاهد فيه حذف الموصوف، والتقدير: بكفي رجل أو إنسان، قال البغدادي: تقدير رام للقرينة، وجادت أي أحسنت، ويروى: بكفي كان من أرمى البشر، بفتح ميم "من" أي: بكفي من هو أرمى البشر. وكان على هذا زائدة وهذا الرجز لا يعرف قائله. وانظر المقتضب ٢/ ١٣٩، ومجالس ثعلب/ ٥١٣، والخصائص ٢/ ٣٦٧، والمحتسب ٢/ ٢٢٧، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٤٩، والإنصاف/ ٦٩، وشواهد الكشاف/ ١٣٧، وابن يعيش ٣/ ٦٢، والخزانة ٢/ ٣١٢.
[ ٢ / ١٧٨ ]
قال أبو بكر: وهذا كله قولُ أبي العباس ومذهبهُ١.
_________________
(١) ١ انظر المقتضب ج٢/ ١٣١-١٣٩.
[ ٢ / ١٧٩ ]
فصل من مسائل الجواب بالفاء:
يَقول: هَلْ يقوم زيدٌ فتكرمُهُ، يجوزُ الرفع والنصب، النصب على الجواب والرفعُ على العطف، وقال الله ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ﴾ ١ يقرأ بالرفع والنصب، وتقول: ما أنَتَ الذي تقومُ فتقومَ إليهِ، الرفع والنصب فالرفعُ على النسق والنصبُ على الجواب، وتقول: مَنْ ذا الذي يقوم فيقومُ إليهِ زيدٌ، الرفع والنصب، وقوم يجيزون توسط الفاء في الجزاء فيقولون: هَلْ تضربْ فيأتيكَ زيدٌ، وهو عندي في الجزاء كما قالوا؛ لأنَّ ما بعد الفاء إذا نُصِبَ فهو مع ما قبله من جملةٍ واحدةٍ، والجزاء وجوابه جملتان تنفصلُ كلُّ واحدة منهما عن صاحبتها فلا يجوز أن يختلطا، فإن قالَ قائلٌ: ينبغي أن يكون غيرَ جائز على مذهبكم من قبل أن التقدير عندكم: هَلْ يقع ضَربٌ زيدًا فإتيانك، فلو أجزت "زيدًا" في هذه المسألة لم يجزْ؛ لأنه في صلة "ضَربٌ" فلا يجوز أن تفصل بين الصلة الموصول بشيءٍ فالجواب في ذلك أنك إذا قلت: هل تضربُ فيأتيكَ زيدًا، فإنما العطفُ على مصدرٍ يدل عليه "يضربُ" فأغنى عنه، وعلى ذلك فينبغي أن لا يجري على التقديم والتأخير في مثل هذا إلا أن يسمع نحوه من العرب؛ لأنه قد خُولفَ به الكلام للمعنى الحادث، وإذا أزيلَ الكلام عن جهته لمعنى فحقه أن لا يزال بضده، ولا يتصرف فيه التصرف الذي له في الأصل إلا أن يقول العرب شيئًا فتقوله، والفراء يقول: إنما نصبوا الجواب بالفاء؛ لأن المعنى كان جوابًا بالجواب، فلما لم يؤتِ بالجزاء فينسق على غير شكله فنصب مثل قولكَ: هل تقومَ فأقومَ، ومَا قمتُ فأقوم إنما التأويلُ لو قمت لقمتُ، وشبههُ بقولهم: لو تركت والأسدَ لأكلك. وتقول: لا يسعني شيء ويضيقَ عنكَ، لم
_________________
(١) ١ الحديد: ١١.
[ ٢ / ١٧٩ ]
يحسن التكريرُ فنصبتَ، وقال بعضهم: إنما نصب الجواب بالفاء، وإنْ لا تلي إلا المستقبلَ فشبه "بأنْ" والفاء في الجزاء تلي كل شيءٍ فبطلتْ، والذين يجيزون توسط الجواب يقولون: ما زيدٌ فنأتيَهُ بمذنبٍ، يجيزونَ النصب ولا يجيزون الرفع، ولا يجوز أن تقول: ما زيدٌ نأتيهِ إلا أن تريد الاستفهامَ.
واعلم: أنه لا يجوز أن تلي الفاء "ما" ولا شيءٌ مما يكون جوابًا، وفي كتاب سيبويه في هذا الباب مسألةٌ مشكلةٌ، وأنا ذاكرٌ لفظَهُ وما يجب فيها من السؤال والجواب عنه. قال سيبويه: لا تدنُ من الأسدِ يأكُلكَ قبيحٌ إن جزمت وليس وجه كلام الناس؛ لأنك لا تريد أن تجعل تباعدهُ مِنَ الأسد سببًا لأكله، فإن رفعت فالكلام حسنٌ، فإن أدخلت الفاء فحسنٌ وذلك قولك: لا تدنُ منهُ فيأكلُكَ، وليس كل موضعٍ تدخل فيه الفاءُ يحسنُ فيه الجزاء، ألا ترى أنه يقول: ما أتيتنا فتحدثنا، والجزاء ههنا محال، وإنما قَبُحَ الجزم في هذا لأنه لا يجيء فيه المعنى الذي يجيء إذا أدخلت الفاء١ فمما يسأل عنه في هذا أن يقال: لِمَ حَسُنَ مع الفاءِ النصبُ وقبح في الجزم ولمْ يفصل بينهما سيبويه بشيءٍ قَبحه؟ فالجواب في ذلك أن الفرق بين المنصوب والمجرور أنك إذا جزمت إنما تقدر مع حرف الجزاء الفعل الذي ظهر، وإن كان أمرًا قدرت فِعلًا موجبًا، وإن كان نهيًا قدرت فِعلًا منفيًّا، ألا ترى أنك إذا قلت: قُم أعطكَ فالتأويلُ: إنْ تَقم أعطِكَ، وإذا قلتَ: لا تقمْ أعطكَ، فالتأويل: إلاّ تقمْ أعطكَ، فالإِيجابُ نظيرُ الأمرِ والنفي نظيرُ النهي؛ لأنَّ النهيَ نفيٌ فهذا الجزاء على أنه لم ينقل فيه فِعلٌ إلى اسمٍ، ولا يستدل فيه بفعل على اسم ثم عطف عليه، وإن قال: ما تأتيني فتحدثني، فما بعد الفاء في تقدير اسم قد عطف على اسم دل عليه "تأتيني" لأن الأفعال تدل على مصادرها، وكذلك إذا قال: لا تفعلْ فأضربكَ، فالتأويل على ما قال سيبويه أن المنصوب معطوفٌ على اسم، كأنه إذا قال: ليس تأتيني
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٤٥١.
[ ٢ / ١٨٠ ]
فتحدثَني. قال: ليسَ إتيانٌ فحديثٌ١، وإذا قال: لا تفعلْ فتضربْ، قد قال: لا يكنْ فِعلٌ فتضربَ، وهذا تمثيلٌ، وقد فَسرهُ وقواهُ، ودل على أن الثاني المنصوب من الجملة الأولى، وإن كانت الأولى مسألة.
قال: اعلم: أن ما ينتصب على باب الفاء ينتصب على غير معنى واحدٍ وكل ذلك على إضمار "أنْ" إلا أن المعاني مختلفة، كما أن قولك: "يعلمُ اللَّهُ" يرتفع كما يرتفعُ: يذهبُ زيدٌ، وعَلِمَ اللَّهُ، يُفتحُ كما يُفتح: ذَهَب زيدٌ وفيها معنى اليمينِ، قال: فالنصب هنا كأنك قلت: لم يكنْ إتيانٌ فإن تحدثَ والمعنى غير ذلك كما أن معنى: عَلِمَ اللَّهُ لأفعلن غير معنى: رَزقَ اللَّهُ، فإن "تحدث" في اللفظ فمرفوعة "بيكن" لأن المعنى: لم يكن إتيانٌ فيكون حديثٌ٢، فقوله: مرفوعةٌ يدل على أن الفاءَ عاطفةٌ عطفت اسمًا على اسمٍ والكلامُ جملةٌ واحدةٌ، ومن شأن العرب إذا أزالوا الكلام عن أصله إلى شيءٍ آخر غيروا لفظه وحذفوا منه شيئًا، وألزموه موضعًا واحدًا إذا لم يأتوا بحرف يدلُّ على ذلك المعنى، ولم يصرفوه وجعلوه كالمثل ليكون ذلك دليلًا لهم على أنهم خالفوا به أصل الكلام، فقد دل ما قال سيبويه: على أن النفي والنهي إنما وقعا على المصدرين اللذين دل عليهما الفعلان، ويقوي أن الفاء للعطف إذا نصبت ما بعدها، الواو، إن قصتها في النصب وهما للعطف، فإن قال قائلٌ: فَلِمَ جاءوا بالفعلِ بعدَ الفاء وهم يريدون الاسمَ؟ قيل: لأن الظاهر الذي عُطِفَ عليهِ فعلٌ، فكانَ الأحسن أن يعطفَ فعلٌ على فعل ويغير اللفظُ، فيكون ذلكَ التغيير دليلًا على المصدرين ألا تراهم في النفي كما قالوا: لا أبا لكَ فأضافوا إلى المعرفة، أقحموا اللام ليشبه النكرة والمعطوف بالفاء والواو وغيرهما على ما قبله، يجوز أن يكون ما قبله سببًا لَهُ، ويجوز أن لا يكون سببًا لهُ، إذا كان لفظهُ كلفظهِ نحو قولك: يقومُ زيدٌ فيضربُ ويقومُ ويضربُ، وزيدٌ يقوم فيقعد عمرٌو،
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٤١٩. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤١٩.
[ ٢ / ١٨١ ]
فيجوز أن يكون القيامُ سببًا للضرب، ويجوز أن لا يكونَ إلا أن الفاء معناه إتباعُ الثاني الأولَ بلا مهلةٍ، فإذا أرادوا أن يجعلوا الفعل سببًا للثاني جاءوا به في الجزاء وفيما ضارعَ الجزاء، وجميع هذه المواضع يصلح فيها المعنى الذي فيها من الإتباع، ألا ترى أن الشاعر إذا اضطر فعطف على الفعل الواجب الذي على غير شرطٍ بالفاءِ، وكان الأول سببًا للثاني نصب، كما قال:
سَأَتْرُكُ مَنْزِلي لِبَني تَمِيمٍ وألْحَقَ بالحِجَازِ فأَسْتَرِيحَا١
جعل لحاقَهُ بالحجاز سببًا لاستراحته، فتقديرهُ لما نصب كأنه قال: يكونُ لحاقٌ فاستراحةٌ، وقد جاء مثله في الشعر أبياتٌ لقوم فصحاءَ، إلاّ أنهُ قبيحٌ أن تنصب وتعطف على الواجبِ الذي على غير شِعْرٍ، وأَلحق بالحجاز فإذا لحقتَ استرحتَ وإنْ أَلحقْ أسترح، ومع ذلك فإن الإِيجاب على غير الشرط أصلُ الكلامِ، وإزالةُ اللفظ عن جهتهِ في الفروعِ أحسنُ منها في الأَصولِ لأنها أَدَلُّ على المعاني٢، ألا ترى أنهم جازوا بحرف الاستفهامِ، والاستفهام، وإنما جازوا بالأخبارِ لأفعالِ المستفهمِ عنها، فقالَ: أَينَ بيتُكَ؟ يُرادُ به أعلمني، والعطفُ بالفاء مضارعٌ للجزاءِ لأنَّ الأولَ سببٌ للثاني وهو مخالف له من قبل عقدَهُ عَقدَ جملةٍ واحدةٍ، ألا ترى أنهم مثلوا: ما تأتينا فتحدثَنا في بعض وجوهها، بما يأتينا محدثنا، فإن قلت: لا تعصِ فتدخل النار فالنهي هُو النفي، كما عرفتُكَ فصارَ بمنزلةِ قولك: ما تعصي فتدخلُ النارَ، فقد نفيتَ العصيانَ الذي يتبعُه دخولُ النارِ،
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ٤٢٣ على نصب "فأستريحا" وهو خبر واجب ضرورة بإضمار "أن" ويروى لأستريحا، ولا ضرورة فيه على هذا. والبيت لم ينسبه أحد ممن شرحوا أبيات سيبويه، ونسبه العيني وتبعه السيوطي في شرح شواهد المغني إلى المغيرة بن حنباء التميمي، ولم يوجد في ديوانه الذي لا يتعدى بضع وريقات. وانظر: المقتضب ٢/ ٢٤، وشرح السيرافي ٣/ ٢٠٩، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٧٩، وارتشاف الضرب/ ٢٥٥، والأبيات المشكلة للفارقي/ ١١٠، والمغني ١/ ١٩٠. ٢ شرح البيت نقله البغدادي ٣/ ٦٠٠ حرفيا من أصول ابن السراج.
[ ٢ / ١٨٢ ]
وكذلك قد نهيتَ عنه. فالنهي قد اشتمل على الجميع إلا أن فيه من المعنى في النصب ما ذكرنا، فإن قلت: قُمْ فأعطيكَ، فالمعنى: ليكن منكَ قيامٌ يوجبُ عَطيتي، وكذلك اقعدْ فتستريحُ، أي: ليكن منكَ قعودٌ تتبعهُ راحةٌ فيقرب معناه من الجزاء إذا قلتَ: قم أعطكَ أي: إن تقم أعطك، وإذا دخلت الفاء في جواب الجزاء فهي غيرُ عاطفةٍ إلاّ أنَّ معناها الذاتي يخصها، تفارقهُ، إنها يتبع ما بعدها ما قبلها في كُلِّ موضعٍ، وقالَ الشاعرُ في جواب الأمر:
يَا نَاقُ سِيرِي عَنقًا فَسِيحَا إلى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَريحَا١
فقد جعل سير ناقته سببًا لراحتِه، فكأنه قال: ليكن منك سيرٌ يوجبُ راحتَنا، وهذا مضارعٌ لقولهِ: إنْ تسيري نستريحْ؛ ولذلكَ سمى النحويون ما عُطفَ بالفاء ونُصِبَ جوابًا لشبهه بجواب الجزاءِ، وكذلك إذا قالَ: ادنُ مِنَ الأسدِ يأكلُكَ فهو مضارعٌ لقولهِ: ادنُ مِنَ الأسد فيأكلكَ لأن معنى ذاكَ: إنْ تدنُ مِنَ الأسدِ يأكلُكَ، ومعنى هذا: ليكن مِنك دنو مِنَ الأسدِ يوجبُ أكلكَ أو يتبعهُ أَكلُكَ، إلاّ أنّ هذا مما لا يؤمر بهِ؛ لأنَّ مِنْ شأنِ الناس النهي عَن مثلِ ذلكَ لا الأمر به، فإنْ أردتَ ذاك جازَ، فإذا قلت: لا تدن مِنَ الأسد يأكلْكَ، لَم يجزْ لأن المعنى أنكَ: تدنُ مِنَ الأسدِ يأكلُكَ، لم يكنْ إلاّ على المجازِ وإن السامعَ يعلمُ ما تعني؛ لأنَّ المعنى: إلاّ تدن مِن الأسدِ يأكلْكَ، وهذا محالٌ لأن البعدَ لا يوجبُ الأكلَ، فإذا قلتَ: لا تدن من الأسدِ فيأكلُكَ جاز؛ لأنَّ النهي مشتملٌ في المعنى على الجميع، كأنه قال: لا يكنْ منكَ دنو مِنَ الأسدِ
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ٤٢١، على نصب الفعل بأنْ مضمرة بعد فاء السببية الواقعة في جواب الأمر، والعنق: ضرب من السير، والفسيح: الواسع. والبيت لأبي النجم العجلي، وأراد سليمان بن عبد الملك. وانظر: معاني القرآن ١/ ٤٧٨، والمقتضب ٢/ ١٤، وشرح السيرافي ٣/ ٢٩، وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٧٢، وشرح ديوان المتنبي ٤/ ٢٤، واللسان "عنق"، والهمع ٢/ ١٠.
[ ٢ / ١٨٣ ]
يوجبُ أكلكَ أو يتبعه أكلُكَ، وكذلك قوله: ما تدنو من الأسدِ فيأكلُكَ، هو مثل لا تدن، لا فرقَ بينهما، وفي الجزاء قد جعل نفي الدنو موجبًا للأكلِ.
واعلَمْ: أنَّ كل نفي في معنى تحقيق للإِيجاب بالفاء نحو: ما زال، ولَم يزلْ، لا تقول: ما زالَ زيدٌ قائمًا فأعطيكَ، وإنما صار النفي في معنى الإِيجاب من أجلِ أنَّ قولهم: زالَ بغير ذكر ما في معنى النفي؛ لأنك تريدُ عدم الخبرِ فكأنكَ لو قلت: زالَ زيدٌ قائمًا لكان المعنى زالَ قيامُه، فهو ضد كان زيدٌ قائمًا وكانَ وأَخواتُها إنما الفائدة في أخبارها والإِيجابُ والنفي يقع على الأخبار، فلما كان زالَ بمعنى: ما كانَ ثم أدخلتْ "ما" صار إيجابًا؛ لأنَّ نفيَ النفي إيجابٌ؛ فلذلك لم يجزْ أن يجابَ بالفاءِ، وقوم يجيزونَ: أنت غيرُ قائمٍ فَتأتيكَ، قال أبو بكر: وهذا عندي لا يجوز؛ لأنَّا إنما نَعطف المنصوب على مصدر يدلُّ عليه الفعلُ، فيكون حرف النفي منفصلًا وغير اسمٍ مضافٍ وليست بحرفٍ فتقول: ما قامَ زيدٌ فيحسنْ إلاّ حُمِدَ وما قامَ فيأكل إلا طعامَهُ، قال الشاعر:
ومَا قَام مِنَّا قَائمٌ في نَدِيِّنَا فَيَنْطِقَ إلا بالَّتِي هِىَ أَعْرَفُ١
تقول: ألا سيفٌ فأكونَ أَولَ مقاتلٍ، وليتَ لي مالًا فأعينَك. وقوله: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ﴾ ٢، كانَ حمزةُ٣ ينصبُ؛ لأنه اعتبر قراءة ابن مسعود
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤٢٠، على نصب "ينطق" ما بعد الفاء على الجواب مع دخول إلا بعده للإيجاب؛ لأنها عرضت بعد اتصال الجواب بالنفي ونصبه على ما يجب له فلم يغيره، والندى: المجلس، أي: إذا نطق منا ناطق في مجلس جماعة عرف، وصوابه قوله فلم ترد مقالته، والبيت للفرزدق. وانظر: شرح الحماسة ٢/ ٥٣٥، والخزانة ٣/ ٦٠٧، وشواهد الألفية للعاملي/ ٣٨٧، والديوان/ ٥٦١. ٢ الأنعام: ٢٧ والآية: ﴿فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ . وانظر النشر ٢/ ٢٥٧، والتيسير/ ١٠٢. ٣ حمزة: هو حمزة بن حبيب أحد قراء الكوفة الثلاثة، هو والكسائي وعاصم.
[ ٢ / ١٨٤ ]
الذي كانَ يقرأُ بالفاء وينصبُ. والفراءُ يختار في الواو والفاء الرفع؛ لأن المعنى: يا ليتنا نرد ولسنا نكذبُ استأنفَ، ومن مسائلهم: لعلِّي سأَحجُّ فأزورَكَ، ولعلكَ تشتمنا فأقومَ إليكَ، ويقولون "لعل" تُجاب إذا كانت استفهامًا أو شكًّا، وأصحابنا لا يعرفون الاستفهامَ بلعلَ، وتقول: إنَّما هي ضربةٌ مِنَ الأسدِ فتحطم ظهرهُ كأنه قال: إنَّما هي ضربةٌ فحطمهُ فأضمر "أنْ" ليعطفَ مصدرًا على مصدر، وقالوا: الأمرُ مَنْ ينصبُ الجوابُ فيه والنهي يُجابُ بالفاءِ؛ لأنهُ بمنزلةِ النفي ويجوزُ النسق. وقالوا: العَربُ تذهبُ بالأمر إلى الاستهزاء والنهي فتنصب الجواب، فيقولون: استأذنْ فيؤذنَ لكَ أي: لا تستأذنْ وتحركْ فأصبنكَ، قالوا: والعربُ تحذفُ الفعلَ الأول مع الاستفهام للجواب ومعرفة الكلام، فيقولون: متى فأَسيرُ معكَ وأجازوا: متى فآتيكَ تخرجْ ولَم فأسيرَ تسرْ، وقالوا: كأنَّ ينصب الجواب معها وليس بالوجه، وذاك إذا كانت في غير معنى التشبيه، نحو قولك: كأنَّكَ والٍ علينَا فتشتمنَا، والمعنى لست واليًا علينا فتشتمنا، وتقول: أريد أن آتيك فأستشيرك؛ لأنك تريد إتيانه ومشورته جميعًا. فلذلك عطفت على "أن" فإن قلت: أريد أن آتيك فيمنعني الشغل، رفعت لأنك لا تريد منع الشغلِ، فإنْ أردت ذلك نصبت وقالوا: "لولا" إذا وليتْ فعلًا فهي بمنزلةِ هَلاّ، ولَو ما، تكون استفهامًا وتجاب بالفاء، وإذا وليت الأسماء لم ينسق عليها بلا ولَم تجب بالفاء، وكانت خبرًا نحو قوله: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ ١ و﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ ٢ وقالوا: الاختيارُ في الواجبِ منها الرفعُ، وقد نصبَ منها الجوابُ، قال الشاعر:
ولَو نُبِشَ المَقَابِرُ عَن كُلَيْبٍ فَيَعْلَمَ بالذَّنائبِ أَيُّ زِيرِ٣
_________________
(١) ١ سبأ: ٣١. ٢ المنافقون: ١٠. ٣ الشاهد فيه على أن "لو" المصدرية أغنت من فعل التمني، والشاهد لمهلهل بن أبي ربيعة في رثاء أخيه كليب، والذنائب: اسم فيه قبر كليب. وانظر الكامل ٣٥١ والجمهرة لابن دريد ١/ ٢٥٣، والارتشاف ٢٩٨، والمغني ١/ ٩٧، واللسان ١/ ٣٧٨، والسيوطي ٦٥٤.
[ ٢ / ١٨٥ ]
ذهب بِه مذهب "ليتَ" والكلام الرفع في قولهِ ﷿: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ١.
واعلم: أن الأسماء التي سمي بها الأمر وسائر الألفاظ التي أقيمت مقام فعلِ الأمر وليست بفعل لا يجوز أن تجاب بالفاء نحو قولك: تراكَها ونَزالِ ودونَك زيدًا وعليك زيدًا، لا يجابُ لأنه لا ينهى به. وكذلك إليك لا يجابُ بالفاءِ؛ لأنه لم يظهر فعلٌ، ومَه وصه كذلك. قالوا: الدعاءُ أيضًا لا يجابُ نحو قولك: ليغفرُ اللَّهُ وغفرَ اللَّهُ لَك، والكسائي يجيزُ الجواب في ذلك كله وأما الفراء فقال في الدعاء: إنَّما يكون مع الشروط: غَفر الله لكَ إنْ اسلمتَ، وإنْ قلتَ: غَفَر اللَّهُ لكَ فيدخلُك الجنةَ جازَ، وهو عندي في الدعاء جائزٌ إذا كان في لفظ الأمر، لا فرق بينهما ولا يكونُ للفاء جواب ثانٍ ولا لشيءٍ جَوابانِ، وأما قولهُ ﷿: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢ إنما هُوَ: ولا تطردِ الذين يدعونَ ربهم فتكون من الظالمينَ ما عليك من حسابهم من شيءٍ فتطردَهم فتكونَ جَوابُ "لا" وقولهُ: فتطردهم جَوابُ "مَا" وتقول: ما قاَم أَحدٌ إلا زيدٌ فتحسنَ إليهِ، إنْ كانتِ الهاءُ لأحدٍ فجائز؛ لأن التقدير ما قام أَحدٌ فيحسنَ إليه وإنْ كانت الفاءُ لزيدٍ فَخطأٌ لأن الموجبَ لا يكون له جوابٌ والاستثناء إذا جاء بعد النفي فالمستثنى موجبٌ. وكذلك إنْ قلت: ما قامَ إلاّ زيدٌ فتحسنَ إليه، محالٌ لأن التحقيق لا جوابَ لَهُ.
_________________
(١) ١ القلم: ٩. ٢ الأنعام: ٥٢.
[ ٢ / ١٨٦ ]
فصل من مسائل المجازاة:
إذا شغلت حروف المجازاة بحرف سواها لم تجزم، نحو: إنْ وكان وإذا عَمِلَ في حرف المجازاة الشيءُ الذي عمل فيه الحرف لم يغيره نحو قولك: مَنْ تَضربْ يَضربْ، وأيًّا تَضربْ يَضربْ، فَمَن وأي قد عملت في الفعل، وعمل الفعلُ فِيهما.
واعلم: أنه لا يجوز الجواب بالواو، ولو قلت: مَنْ يخرجُ الدلو لَهُ درهمانِ، رفعت "يخرجُ" وصار استفهاما، وإن جزمت لم يجز إلا بالفاء، وتقول: مَنْ كانَ يأتينا وأيٌّ كانَ يأتينا نأتيهِ، أذَهبتَ المجازاة لأنكَ قد شغلت "أيا ومَنْ" عن "يأتينا". وحكى الأخفش: "كنتُ ومَنْ يأتني آته" يجعلون الواو زائدة في "بابِ كانَ" خاصةً، وإن توصل "بما" فتقولَ: أمَّا تقمْ أقمْ، تدغم النون في الميم وتوصل "بلا" تقول: ألا تقمْ أقمْ إلا أن "ما" زائدة للتوكيد فقط و"لا" دخلت للنفي، والكوفيون يقولونَ: إذا وليت أنَّ الأسماءَ فُتحت، يقولون: أما زيدٌ قائمًا تقمْ، والفراء يقول: إن نية الجزاء على تقديم الفعل نحو قولك: أقوم إن تقم، وإنْ شرطٌ للفعلِ، وقالَ الكسائي: إنْ شرطٌ والجزاء الفعل الثاني وهذا الذي ذكره الفراء مخالف لمعنى الكلام، وما يجب من ترتيبه وللاستعمال، وذلكَ أنَّ كُل شيءٍ يكون سببًا لشيءٍ أو علةً لهُ فينبغي أن تقدم فيه العلةُ على المعلولِ، فإذا قلت: إن تأتني أعطكَ درهمًا فالإِتيانُ سببٌ للعطيةِ، بهِ يستوجبها، فينبغي أن يتقدم وكذلك إذا قلت: إنْ تعصِ اللَّهَ تدخلِ النَّارَ، فالعصيان سبب لدخول النار فينبغي أن يتقدم فأما قولهم: أَجيئكَ إنْ جئتَني، وإنك إنْ تأتني، فالذي عندنَا أن هذا الجواب محذوف كفى عنه الفعل المقدم وإنَّما يستعملُ هذا على جهتين: إما أنْ يضطر إليه الشاعر فيقدم الجزاء للضرورة وحقه التأخير، وإما أن تذكر الجزاء بغير شرط ولا نية فيه فتقول: أَجيئكَ، فيعدُكَ بذلكَ على كل حال ثم يبدو له ألا يجيئك بسبب فتقول: إنْ جئتني ويستغنى عن الجواب بما قدم، فيشبه الاستثناء وتقول: اضربْ إنْ تضربْ زيدًا، تنصبُ زيدًا بأي الفعلين شئت ما لم يلبسْ، فإذا قدمت فقلتَ: اضربْ زيدًا إنْ تضربْ، فإنما
[ ٢ / ١٨٧ ]
تنصب زيدًا بالأول ولا تنصب بالثاني؛ لأن الذي ينتصبُ بما بعد الشروط لا يتقدم، وكذلك يقول الفراءُ ولا يجوزُ عنده إذا قلت: أَقوم كي تضربَ زيدًا، أنْ تقول: أقوم زيدًا كي تضرب، والكسائي يجيزهُ وينشد:
وشِفَاءُ غَيِّكَ خابرًا أنْ تسألي١
وقال الفراء: "خَابرًا" حال من النفي: قمتُ كي تقومَ، وأقومُ كَيْ تقومَ، فهذا خلاف الجزاء لأن الأول وإن كان سببًا للثاني فقد يكون واقعًا ماضيًا والجزاء ليس كذلك، وهم يخلطونَ بالجزاء كل فعل يكونُ سببًا لفعلٍ، والبصريونَ يقتصرون باسم الجزاء على ما كانَ لهُ شرطٌ وكان جوابه مجزومًا وكان لِما يستقبلُ. وتقول: إنْ لم تقمْ قمتُ فلم في الأصل تقلب المستقبل إلى الماضي؛ لأنها تنفي ما مضى فإذا أدخلت عليها إنْ أحالت الماضي إلى المستقبل، وأما "لا" فتدع الكلام بحاله إلا ما تحدثه مِنَ النفي تقول: إنْ لا تقمْ أقَمْ، وإنْ لا تقمْ وتحسنُ آتكَ، وقوم يجيزون: إنْ لا تقمْ وأَحسنت آتكَ ويقولون: إذا أردت الإِتيانَ بالنسقِ جاز فيه الماضي، فإذا قلت: إنْ لَم تقمْ وتحسنُ آتكَ جاز معه الماضي إذا كان الأول بتأويلِ الماضي تقولُ: إنْ لم تقمْ ورغبتَ فينا نأتكَ، وتقول: إنْ تقمْ فأقومُ فترفعُ إذا أدخلت الفاءَ؛ لأن ما بعد الفاءِ استئنافٌ يقع فيه كل الكلام، فالجوابُ حقهُ أنْ يكونَ على قدر الأول إنْ كان ماضيًا فالجوابُ ماضٍ، وإنْ كانَ مستقبلًا فكذلك. وتقول: إنْ تقمْ وتحسنُ آتكَ، تريد: إنْ تجمع مع قيامِكَ إحسانًا آتك، وكذلك: إنْ تقمْ تحسنُ آتكَ، تريد: إنْ تقمْ محسنًا، ولم ترد:
_________________
(١) ١ عجز بيت لربيعة بن مقروم التميمي "مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام" صدره: هلا سألت وخبر قوم عندهم وشفاء غيك خابرا والشاهد: تقديم "خابرًا" على أن نادر وهو منصوب بفعل يدل عليه المذكور والتقدير: تسألين خابرًا. والخابر: العالم، والغي بفتح الغين مصدر غوى غيًّا أي: انهمك في الجهل، وهو خلاف الرشد. وانظر الخزانة ٣/ ٥٦٤، وشرح الجمل لابن عصفور/ ٦٢٧ مخطوط.
[ ٢ / ١٨٨ ]
إنْ تقمْ وإن تحسنْ آتكَ، وهذا النصب يسميهِ الكوفيونَ الصرف١؛ لأنَّهم صرفوه على النسقِ إلى معنى غيره، وكذلك في الجواب تقول: إنْ تقمْ آتِكَ وأحسنَ إليك، وإنْ تقم آتك فأحسنَ إليكَ، وإذا قلتَ: أَقومُ إن تقمْ، فنسقت بفعل عليها فإن كان من شكل الأول رفعته، وإن كان من شكل الثاني ففيه ثلاثة أوجه: الجزم على النسقِ على "إنْ" والنصب على الصرف والرفع على الاستئناف، فأمَّا ما شاكلَ الأول فقولك: تُحمدُ إنْ تأمرْ بالمعروفِ وتؤجر لأنه من شكل تُحمدُ، فهذا الرفع فيه لا غير، وأما ما يكون للثاني فقولُك: تُحمد إنْ تأمر بالمعروفِ وتنهَ عن المنكرِ فيكون فيه ثلاثة أوجهِ: فإنْ نَسقت بفعلٍ يصلح للأول ففيه أربعة أوجهٍ: الرفع من جهتين نسقًا على الأول وعلى الاستئنافِ، والجزمُ، والنصبُ على الصرفِ، وقال قوم: يردُ بعد الجزاءِ فَعلَ على يفعلُ ويفعلُ على فَعَلَ نحو قولك: آتيكَ إنْ تأتني وأحسنتَ، وإنْ أحسنتَ وتأتني، والوجهُ الاتفاقُ وإذا جئتَ بفعلينِ لا نسق معهما فلك أنْ تجعل الثاني حالًا أو بدلًا، والكوفيون يقولون موضع بدل مترجمًا أو تكريرًا، فإن كررتَ جزمتَ، وإنْ كانَ حالًا رفعتَهُ وهو موضعُ نصبٍ إذا ردَّ إلى اسم الفاعلِ نصب، فأما الحال فقولك: إنْ تأتني تطلب ما عندي أحسنُ إليكَ، تريد: طالبًا، والتكرير مثل قولك: إنْ تأتني تأتني تريدُ الخيرَ أعطكَ، والبدل مثل قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ ٢ ثم فسر فقال: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ ٣، وكذلك إنْ تَبْرر أباكَ تصل رحمك،
_________________
(١) ١ عامل الخلاف أو الصرف كما يسميه الكوفيون، فقد جعله الفراء وبعض الكوفيين عاملًا للنصب في المضارع بعد أو والفاء والواو، من حروف العطف في جواب الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض، أي: مخالفة الثاني للأول. قال الفراء: فإن قلت: ما الصرف؟ قلت: أن تأتي بالواو معطوفة على كلام في أوله حادثة لا تستقيم إعادتها على ما عطف عليها، فإذا كان كذلك فهو الصرف. وانظر معاني القرآن ١/ ٣٣. ٢ الفرقان: ٦٨. ٣ الفرقان: ٦٩.
[ ٢ / ١٨٩ ]
تفعلْ ذاكَ للَّهِ تؤجرْ، إذا ترجمت عن الأفعال بفعلٍ ولا يجوز البدل في الفعل إلا أن يكون الثاني من معنى الأول، نحو قولك: إن تأتني تمشي أَمشِ معكَ لأن المشي ضرب من الإِتيان ولو قلت: إنْ تأتني تضحكُ معي آتكَ فجزمتَ تضحكْ لَمْ يجز، قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله ﷿: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ ١، فقال: المعنى ليَظلُّنَّ، وكذلك: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ ٢ وإنما يقعُ ما بعدها من الماضي في معنى المستقبل؛ لأنها مجازاة، نظير ذلك: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ ٣ أي: لا يمسكهما، وقال محمد بن يزيد، ﵀: وأما قوله٤: والله لا فعلتُ ذاك أبدًا، فإنه لو أراد الماضي لقال: ما فعلتُ فإنما قلبت لأنها لِمَا يقعُ ألا ترى أنها نفي سيفعل، تقول: زيدٌ لا يأكلُ فيكون في معنى ما يستقبل، فإنْ قلت: ما يأكلُ نفيتَ ما في الحال والحروف تغلب الأفعال، ألا ترى أنكَ تدخلُ "لَم" على المستقبل، فيصير في معنى الماضي تقول: لم يقمْ زيدٌ، فكذلك حروف الجزاء تقلب الماضي إلى المستقبل تقول: إنْ أَتيتني أَتيتك، قال أبو العباس، ﵀: مما يسأل عنه في هذا الباب قولك: إنْ كنتَ زرتني أَمسِ أكرمتُكَ اليومَ، فقد صار ما بعد "إنْ" يقع في معنى الماضي فيقال للسائل عن هذا: ليس هذا من قبل "إن" ولكن لقوة كانَ، وأنها أصل الأفعال وعبارتها جازَ أن تقلب "إنْ" فتقول: إنْ كنتَ أعطيتني فسوفَ أكافيكَ، فلا يكون ذلك إلا ماضيًا كقول الله ﷿: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ ٥ والدليل على أنه كما قلت، وأن هذا لقوة "كانَ" أنه ليس شيءٌ من الأفعال يقع بعد "إنْ" غير "كانَ" إلا ومعناه الاستقبال، لا تقول: إن جئتني أمسِ أكرمتُكَ اليومَ، قال أبو بكر:
_________________
(١) ١ الروم: ٥١. وانظر الكتاب ١/ ٤٥٦. ٢ البقرة: ١٤٥. وانظر الكتاب ١/ ٤٥٦. ٣ فاطر: ٤١. ٤ انظر المقتضب ٢/ ٣٣٤-٣٣٥. ٥ المائدة: ١١٦.
[ ٢ / ١٩٠ ]
وهذا الذي قاله أبو العباس -﵀- لست أقوله، ولا يجوز أن تكون "إن" تخلو من الفعلِ المستقبل؛ لأن الجزاء لا يكون إلا بالمستقبل وهذا الذي قال عندي نقض لأصول الكلام. فالتأويل عندي لقوله: إنْ كنتَ زرتني أمسِ أكرمتُك اليومَ، إنْ تكن كنتَ ممن زارني أمسِ أكرمتُكَ اليوم وإن كنت زرتني أمس زرتُكَ اليومَ، فدلتْ "كنت" على "تكن" وكذلك قوله ﷿: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ ١ أي: إنْ أكنْ كنت "أو" إنْ أقل كنت قلته، أو أقر بهذا الكلامِ، وقد حكي عن المازني ما يقاربُ هذا، ورأيت في كتاب أبي العباس بخطهِ موقعًا عند الجواب في هذه المسألة ينظرُ فيه، وأحسبه ترك هذا القولَ وقال: قال سيبويه في قوله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ ٢: إنما دخلت الفاء لذكره تفرون ونحن نعلمُ أنَّ الموتَ ليس يلاقيكم من أجل أنهم فروا كقولكَ: الذي يأتينا فلَهُ درهمانِ، فإنما وجب لَهُ الدرهمانِ من أجل الإِتيان، ولكن القول فيه، والله أَعلم: إنما هو مخاطبة لِمَنْ يهرب من الموت ولَم يتمنَّه، قال الله ﷿: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ ٣ فالمعنى: أي أنتم إنْ فررتم منهُ فإنه ملاقيكم، ودخلت الفاء لاعتلالهم من الموت عن أنفسهم بالفرار، نحو قول زهير:
ومَنْ هَابَ أَسْبَابَ المَنِيَّة يَلْقَها وإنْ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ٤
_________________
(١) ١ المائدة: ١١٦. ٢ الجمعة: ٨، وانظر المقتضب ٢/ ٣٥٦-٣٥٧. ٣ البقرة: ٩٤. ٤ الشاهد من معلقة زهير بن أبي سلمى، والرواية في المعلقات: ومن هاب أسباب المنايا يلنه وإن يرق وأسباب المنايا: ما يفضي إلى الموت، وأسباب السماء: مراقيها أو نواحيها. وانظر الحجة لأبي علي ١/ ٣٣، والخصائص ٣/ ٣٢٤، واللسان ١/ ٤٤١، وشرح المعلقات السبع/ ١١٦.
[ ٢ / ١٩١ ]
ومن يهبها أيضًا يلقَها، ولكنه قالَ هذا لِمَنْ يهابُ لينجو، ومثل ذلك: إنْ شتمتني لم أشتمكَ، وهو يعلم أنه إنْ لم يشتمني لم أشتمه ولكنهُ قيل هذا؛ لأنه كان في التقدير أنه إنْ شتَم شُتِمَ كما كان في تقدير الفارِّ من الموت أن فراره ينجيه. وقال: قال سيبويه: إنَّ حروف الجزاء إذا لم تجزم جاز أن يتقدمها أخبارها نحو: أنت ظالمٌ إن فعلت، ثم أجرى حروفَ الجزاء كلها مجرًى واحدًا وهذه حكاية قول سيبويه، وقد تقول: إنْ أتيتني آتيكَ أي: آتيك إنْ أَتيتني، قال زهير:
وإنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلَةٍ يَقُولُ لا غَائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ١
ولا يحسن: إنْ تأتني آتيكَ، مِنْ قبل أنَّ "إنْ" هي العاملة.
وقد جاء في الشعر، قال:
يَا أَقْرَعُ بن حَابِسٍ يا أَقْرَعُ إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أَخُوكَ تُصْرَعُ٢
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤٣٦ على رفع "يقول" على نية التقديم والتقدير: يقول: إن أتاه خليل، وجاز هذا لأن "إن" غير عاملة في اللفظ، والخليل من الخلة وهو الفقر. والبيت لزهير يمدح الهرم بن سنان. وانظر: المقتضب ٢/ ٧٠، والكامل/ ٧٨، والجمهرة ٢/ ٦٩، والمحتسب ٢/ ٦٥، والأمالي ١/ ١٩٦، والإنصاف/ ٣٢٩، والمسلسل من غريب لغة العرب/ ٩٣، وشروح سقط الزند ١/ ٣٢٨، وتهذيب إصلاح المنطق ٢/ ٢٩، والديوان/ ١٥٣، والرواية: وإن أتاه خليل يوم مسألة. ٢ من شواهد سيبويه ١/ ٤٣٨ على التقديم والتأخير، والتقدير عنده: إنك تصرع إن يصرع أخوك، والجواب محذوف، وابن السراج يقطع بتقدير الفاء فيه؛ لأن ما يحل محلا يمكن أن يكون له، ولا ينوي به غيره. والواقع أن التقديم والتأخير يحوج إلى جواب، ودعوى حذفه وجعل المذكور دليله خلاف الأصل وخلاف المسألة؛ لأن الغرض أنه الجواب، وإضمار الفاء مع غير القول مختص بالضرورة. والبيت من رجز لعمرو بن خثارم البجلي، خاطب به الأقرع بن حابس المجاشعي في شأن منافرة جرير بن عبد الله البجلي وخالد بن أرطأة الكلبي، وهما حكما الأقرع المذكور. وانظر: المقتضب ٢/ ٧٢، والكامل/ ٧٨، وشرح السيرافي ٣/ ٢٢٦، وأمالي ابن الشجري ١/ ٨٤، وارتشاف الضرب/ ٢٨٦، والروض الأنف ١/ ٦٠، وابن يعيش ٨/ ١٥٨، والمغني/ ٦١٠.
[ ٢ / ١٩٢ ]
أي: إنَّكَ تصرعُ إنْ يصرعْ أخوكَ. ومثلَ ذلكَ قوله:
هَذَا سُرَاقَةُ لِلقُرآنِ يَدْرُسُهُ والمَرْء عِنْدَ الرُّشا إن يَلْقَها ذِيبُ١
أي: المرء ذيب إنْ يلقَ الرُّشا، فجاز هذا في الشعر، وشبهوه فالجزاء إذا كان جوابه منجزمًا لأنَّ المعنى واحدٌ، قال٢: ثم قال في الباب الذي بعده: فإذا قلتَ: آتي مَن أتاني، فأنتَ بالخيار إنْ شئت كانت بمنزلتِها في "إنْ" وقد يجوز في الشعر: آتي مَنْ يأتيني، قال الشاعر:
فَقُلتَ تَحَمَّلْ فَوْقَ طَوْقِكَ إنَّها مُطَبَّعَةٌ مَنْ يأتِها لا يَضِيرُهَا٣
كأنه قال: لا يضيرها من يأتها، ولو أريد أنه حذف الفاء لجازَ، وأنشد في باب بعده:
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤٣٧ على التقديم والتأخير، والتقدير عنده: والمرء عند الرشا ذيب إن يلقها. والمبرد يجعله على إرادة الفاء، هجا رجلًا من القراء فنسب إليه الرياء وقبول الرشا والحرص عليها، والهاء في يدرسه كناية عن المصدر والفعل متعدٍّ باللام إلى القرآن لتقدمه على حد قولك: لزيدا ضرب، والتقدير: هذا سراقة يدرس القرآن درسا، والبيت لم يعرف قائله. وانظر: الحجة ١/ ٢١، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٣٩، والسيوطي/ ٢٠٠، والهمع ٢/ ٣٣، والخزانة ١/ ٢٢٧، والأشباه والنظائر ٣/ ١٨٩. ٢ الذي قال هو المبرد. ٣ من شواهد سيبويه ١/ ٤٣٨ على التقديم والتأخير أيضًا، والتقدير: لا يضيرها من يأتها، ثم قال أيضًا: ولو أريد به حذف الفاء جاز، يقدر الضمير في "يضيرها" على ما هو عليه في التأخير. ومطبعة: ملئت وطبع عليها، يصف قرية كثيرة الطعام من امتار منها وحمل فوق طاقته لم ينقصها، والطوق: الطاقة، والبيت لأبي ذؤيب الهذلي. وانظر: المقتضب ٢/ ٧٢، وشرح السيرافي ٣/ ٢٣١، وشرح المفصل ٨/ ١٥٨، وشرح الحماسة ٣/ ٦٨، والخزانة ٣/ ٦٤٧، وديوان الهذليين ١/ ١٥٤.
[ ٢ / ١٩٣ ]
وَمَا ذَاكَ أَنْ كَانَ ابنَ عمِّي ولا أَخِي وَلكِنْ مَتَى مَا أَملكُ الضُّرَّ أَنْفَعُ١
كأنه قال: ولكن أنفع متى ما أَملك الضرَّ، قال أبو العباس، ﵀: أما قوله: آتيك إنْ أتيتني، فغير منكرٍ ولا مرفوع، استغنى عن الجواب بما تقدم، ولم تجزم "إنْ" شيئًا فيحتاج إلى جواب مجزوم أو شيءٍ في مكانه. وأما قولُهم: وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ، تقول على القلب فهو محال وذلك كان الجواب حقه أن يكون بعد "إنْ" وفعلها الأول، وإنما يعني بالشيء موضعه إذا كان في غير موضعه نحو: ضَربَ غلامُهُ زيدٌ٢؛ لأن حد الكلام أن يكون بعد زيدٍ وهذا قد وقع في موضعه من الجزاء، فلو جاز أن يعني به التقديم لجاز أن تقول: ضربُ غلامُهُ زيدًا، تريد: ضربَ زيدًا غلامُه، وأما ما ذكره من "مَنْ ومَتى" وسائر الحروف فإنه يستحيل في الأسماء منها والظروف من وجوه في التقديم والتأخير؛ لأنكَ إذا قلت: آتي مَنْ أتاني وجب أن تكون "مَنْ" منصوبة بقولكَ: أَتى ونحوهُ وحروف الجزاء لا يعمل فيها ما قبلها، فليس يجوز هذا إلا أن تريد بها معنى الذي، و"متى" إذا قلت: آتيك متى أتيتني، فمتى للجزاء وهي ظرف٣ "لأَتيتني" لأنَّ حروف الجزاء لا يعمل فيها ما قبلها، ولكن الفعل الذي قبل متى قد أغنى عن الجواب كما قلت في الجواب: أَنتَ ظالمٌ إنْ فَعَلتَ، فأنتَ ظالمٌ منقطع مِنْ "إنْ" وقَد سَدَّ مسدَّ جواب "متى" و"إنْ" لم تكن منها في شيءٍ لأنَّ "مَتى" منصوبة "بيأتيني" لأنَّ حروف الجزاء من الظروف والأسماء إنما يعملُ فيها ما بعدها، وهو الجزاء الذي يعملُ فيه الجزم. والباب كله على هذا لا يجوز غيره، ولو وضع الكلام في موضعه لكانَ تقديره: متى أتيتني فآتيكَ أي: فأنا
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ٤٤٢ على رفع "أنفع" على نية التقديم، والجزم بمتى على الشرط، والتقدير: ولكن أنفع متى ما أملك الضر، وما زائدة مؤكدة، يقول: إذا قدرت على الضر أخذت بالفضل فجعلت النفع بدلًا منه. ٢ أضفت كلمة "زيد" لإيضاح المعنى. ٣ في الأصل "ظروف".
[ ٢ / ١٩٤ ]
آتيكَ، وإنما قوله "مَنْ" يأتها فمحالٌ أَنْ يرتفع "مَنْ" بقولكَ: لا يضيرها ومَنْ مبتدأٌ، كما لا تقول: زيدٌ يقومُ فترفعه "بيقوم" وكل ما كان مثله فهذا قياسه وهذه الأبيات التي أُنشدت كلها لا تصلح إلا على إرادة الفاء في الجواب. كقوله: "الله يشكرها"١ لا يجوز إلا ذلك. وتقولُ: إن الله أمكنني من فلانٍ فعلتُ، فتلي "إنْ" الاسم إلا أنكَ تضمر فعلًا يليها يفسرهُ "أمكنني" كما تفعل بألف الاستفهام. وزعم سيبويه أنه جاز فيها ما امتنع في غيرها؛ لأنها أصل الجزاء. قال: والدليل على ذلك أنها حرفه الذي لا يزولُ عنه؛ لأنها لا تكون أبدًا إلا للجزاء٢ ومَنْ تكون استفهامًا، وتكون في معنى الذي وكذلكَ ما وأيُّ وأينَ ومتىَ تكون استفهامًا، وجميعُ الحروف تنقل غيرها. قال أبو العباس، ﵀: فيقال له: "إنْ" قد تكون في معنى "مَا" نحو: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ ٣ وتكون مخففة من الثقيلة وتكون زائدةً نحو قوله:
_________________
(١) ١ يشير إلى قول الشاعر: من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان وهو من شواهد سيبويه ١/ ٤٣٥، على حذف الفاء من جواب الشرط ضرورة، والتقدير: فالله يشكرها. وزعم الأصمعي: أن النحويين غيروه، وأن الرواية: من يفعل الخير فالرحمن يشكره. والمثلان السيان؛ لأن مثل الشيء مساوٍ له. وينسب هذا البيت لحسان بن ثابت ولم يوجد في ديوانه، ونسب كذلك لعبد الرحمن بن حسان، ورواه جماعة لكعب بن مالك الأنصاري. وانظر: معاني القرآن ١/ ٤٧٦، والمقتضب ٢/ ٧٢، وشرح السيرافي ٣/ ٢٢٦، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٩٠، وابن يعيش ٩/ ٣، وارتشاف الضرب/ ٢٨٦، والمقرب لابن عصفور/ ١٨٨، والمغني ١/ ١٤١، والعيني ٤/ ٤٣٣، واللسان ١٣/ ٤٩. ٢ انظر الكتاب ١/ ٦٧ و١/ ٤٣٥. ٣ الملك: ٢٠، وانظر المقتضب ٢/ ٣٦٤.
[ ٢ / ١٩٥ ]
وما إنْ طبنَا جُبنٌ١
ثم قال٢: والدليل على ما قال سيبويه: أنَّ هذا السؤال لا يلزمُ أنَّ "مَنْ" تكونُ لِما يعقل في الجزاء والاستفهام، ومعنى الذي فهي حيث تصرفتْ واحدة و"ما" واقعة على كل شيء غير الناس، وعلى صفات الناس وغيرهم حيث وقعت فهي واحدة وكذلك هذه الحروف، و"إنْ" للجزاء لا تخرجُ عنه، وتلك الحروف التي هي "إنْ" للنفي ومخففة من الثقيلة، وزائدة ليسَ على معنى "إنْ" الجزاء ولا منها في شيءٍ، وإنْ وقع اللفظان سواء فإنهما حرفانِ بمنزلةِ الاسم والفعل إذا وقعا في لفظ وليس أحدهما مشتقا من الآخر: نحو قولِكَ: هذا ذهبٌ وأنت تعني التِّبْر وذهب من الذهاب، ونحو قولِكَ: زيدٌ على الجبَلِ وعلا الجبلَ، فهذا فعلٌ، والأول حرفٌ قال: وسألت أبا عثمان عن "ما" و"مَنْ" في الاستفهام والجزاء أمعرفة هما أم نكرةٌ؟ فقال: يجوز أن يكونا معرفة وأن يكونا نكرة، فقلت: فأيُّ، ما تقول فيها؟ قال: أنا أقول: إنَّها مضافة معرفة ومفردة نكرة والدليل على ذلك أنك تقول: أية صاحبتُكَ ولو كانت معرفةً لم تتصرفْ. قال: وكان الأخفش يقول: هي معرفة ولكن أَنونُ لأن التنوينَ وقع وسط الاسم، فهو بمنزلة امرأةٍ سميتَها خيرًا منكَ، وكانَ غيرهُ لا يصرفها ويقول: أيّة صاحبتُك؛ لأنّها معرفةٌ. وشرح أبو العباس ذلك فقالَ: إن مَنْ وما وأيُّ مفردة نكراتٍ، وذلك أنَّ أيًّا منونةٌ في التأنيث، إذا قلت: أيّةٌ جاريتُكَ وقول الأخفش: التنوينُ وقعَ وسطًا غَلَط؛ وذاك لأنَّ "أَيّ" في الجزاء والاستفهام لا صلة لها "ومَنْ وما" إذا كانتا خبرًا فإنهما يعرفانِ بصلتهما، فقد حذفَ ما كان يعرفهما فهما بمنزلة "أي" مفردةً، ومن الدليل على أنهن نكراتٌ، أنك
_________________
(١) ١ يشير إلى قول الشاعر فروة بن مسيك: وما إن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا وقد مر تفسيره في الجزء الأول/ ٢٦٥. ٢ الذي قال المبرد، انظر المقتضب ١/ ٥١، ٢/ ٣٦٤.
[ ٢ / ١٩٦ ]
تسأل بمنْ سؤالًا شائعًا، ولو كنتَ تعرف ما تسأل عنه لم يكنْ للسؤال عنه وجه، فالتقدير فيها على ما ذكرنا إذا قلت: ما زيدٌ؟ وأيُّ زيدٍ؟ وما عندك؟ وأيُّ رجلٍ؟ وأي شيءٍ؟ فإذا قلت: أَيهم وأيُّ القومِ زيدٌ؟ فقد اختصصتَه من قوم فأضفته إليهم، والتقدير: أهذا زيدٌ منَ القومِ أم هذا للاختصاصِ؟ فلذلك كانت بالإِضافة معرفةً وفي الإِفراد نكرةً. وقال سيبويه: سألتُ الخليلَ عن "كيفَ": لِمَ لَمْ يجازوا بها؟ فقالَ: هي فيه مستكرهةٌ وأصلها من الجزاء ذلك لأنَّ معناها على أي حالٍ تكن أكن١. وقال محمد بن يزيد: والقول عندي في ذلك أنَّ علة الجزاءِ موجودةٌ في معناها، فما صَحَّ فيهِ معنى الجزاء جوزيَ بهِ وما امتنعَ فلا جزاءَ فيهِ وإنما امتنعت "كيفَ" من المجازاة؛ لأن حروف الجزاء التي يستفهم بها كانت استفهامًا قبل أن تكون جزاءً، والدليلُ على تقديم الاستفهام وتمكنه، أنَّ الاستفهام يدخل على الجزاء كدخوله على سائر الأخبارِ فتقول: أَإِنْ تأتني آتِكَ ونحوه، ولا يدخلُ الجزاء على الاستفهام ثم رأيتَ أنه ما كان من حروف الاستفهام متمكنًا يقعُ على المعرفة والنكرة جوزيَ به؛ لأنَّ حروفَ الجزاء الخالصة تقع على المعرفة والنكرة، تقول: إنْ تأتني زيدٌ آتِه وإن يأتني رجلٌ أَعطهِ، فكذلك من وما وأي وأينَ ومتَى وأنّى. وذلك إذا قلت في الاستفهام: من عندك؟ جاز أن تقول: زيدٌ أو رجل أو امرأةٌ وكذلك كلما ذكرنا من هذه الحروف. وأما كيف فحقّ جوابها النكرة وذلك قولك كيف زيدٌ؟ فيقالُ: صالحٌ أو فاسدٌ ولا يقالُ: الصالح ولا أخوكَ؛ لأنَّها حالٌ والحالُ نكرةٌ وكذلك "كم" لم يجازوا بها لأنَّ جوابها لا يكون نكرةً إذا قال: كمْ مالُكَ؟ فالجواب: مائةٌ أو ألفٌ أو نحو ذلك، والكوفيون يدخلون "كيف وكيفما" في حروف الجزاء٢، ولو جازت العرب بها
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٤٣٣. ٢ انظر الإنصاف/ ٣٣٧-٣٤٠ مسألة شرحها ابن الأنباري عن المجازاة بكيف عند الكوفيين، وامتناع ذلك لدى البصريين.
[ ٢ / ١٩٧ ]
لأتبعناها، وتقول: إنْ تأمر أن آتيك، تريد أنَّك إنْ تأمرْ بأنْ آتيكَ، وإنْ أسقطت "إنْ" قلت: إنْ تأمر آتيكَ آتكَ، ولا يجوز عندي: إن تأمر لا أقم لا أقم إلا على بعدٍ، وقومٌ يجيزونهُ، وتقول: إنْ تقمْ إنَّ زيدًا قائمٌ تضمرُ الفاء تريدُ: فإنَّ زيدًا قائمٌ، وإنْ تقمْ لا تضرب زيدًا، يريد: فلا تضربْ زيدًا، وإنْ تقمْ أطرفْ بكَ أي: فأطرِفْ بكَ، وتقول: إنْ تَقمْ -يعلم الله- أزركَ تعترضُ باليمينِ ويكون بمنزلة ما لم يذكر، أعني قولك: يعلمُ اللَّهُ، وإنْ جَعلتَ الجواب للقسم أَتيتَ باللام فقلت: إنْ تقمْ -يعلمُ الله- لأزورنَّكَ وتضمر الفاءَ، وكذلكَ: إنْ تقم يعلم الله لآتينك، تريد: فيعلمُ الله لأزورنك، ويعلم اللَّهُ لآتينكَ.
[ ٢ / ١٩٨ ]
باب الأفعال المبنية
ذكر النون الثقيلة
باب الأفعال المبنية:
الأفعال التي تبنى على ضربين: فعلٌ أصله البناء فهو على بنائه لا يزول عنه، وفعلٌ أصله الإِعراب فأدخلَ عليه حرف للتأكيد فبنيَ معَهُ.
فأما الضرب الأول، فقد تقدم ذكره، وهو الفعل الماضي، وفعل الأمر، وأما الضربُ الثاني فهو الفعلُ الذي أصله الإِعراب، فإذا دخلت عليه النون الثقيلة والخفيفة بني معهما.
ذكر النون الثقيلة:
هذه النونُ تلحقُ الفعل غيرَ الماضي إذا كانَ واجبًا للتأكيدِ فيبنى معها، وهي تجيءُ على ضربين: فموضعٌ لا بد منها فيه، وموضعٌ يصلحُ أنْ تخلو منه؛ فأمَّا الموضع الذي لا تخلو منه فإذا كانت مع القسم، وذلك قولُكَ: والله لأفْعَلنَّ وأقسم لأفعلنَّ وأشهد لأفعلنَّ وأقسمت عليك بالله لتفعلنَّ، فهذه النون ملازمةٌ للامِ وهي تفتح لام الفعل الذي كان معربًا وتبنى معهُ وهي إذا كانت مشددةً مفتوحةً، قال سيبويه: سألتُ الخليلَ عن قوله: لتفعلنَّ مبتدأة لا يمين قبلها؟ فقال: جاءت على نية اليمين١. وإذا حكيت عن غيرك
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٤٥٥.
[ ٢ / ١٩٩ ]
قلتَ: أقسم لتفعلنَّ واستحلفتهُ لتفعلنَّ. وزعم١: أنَّ النونَ أُلحقت "في لتفعلنَّ" لئلا يشبه أنه ليفعل، فإذا أقسمتَ على ماضٍ دخلت اللامُ وحدها بغير نون نحو قولكَ: والله لقد قامَ ولقامَ، وحكى سيبويه: والله أنْ لو فعلتَ لفعلت٢ وتقول: والله لا فعلتَ ذاكَ أبدًا، تريد: لا أَفعلُ، وقال الله ﷿: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ على معنى: "ليظلّن"٣، وتقول: لئن فعلت ما فَعلَ، تريد: ما هو فاعلٌ وتقول: والله أفعلُ، تريد: لا أفعلُ وإن شئت أظهرت "لا" وإنما جاز حذف "لا" لأنهُ موضع لا يلبس، ألا ترى أنك لو أردت الإِيجاب ولم ترد النفي قلت: لأفعلن، فلما لم تأت باللام والنون علم أنك تريد النفي، وأما الموضع الذي تقع فيه النون وتخلو منه، فالأمر والنهي وما جرى مجراهما من الأفعال غير الواجبة وذلك قولك: أفعلنَّ ذاكَ ولا تفعلنَّ وهَل تقولنَّ وأتقولنَّ؛ لأن معنى الاستفهام معنى أخبرني، وكذلك جميع حروف الاستفهام. وزعم يونس أنك تقول: هلا تفعلنَّ وألا تقولَنّ؛ لأنك تعرض ومعناه أفعلُ٤، ومثل ذلك: لولا تقولنَّ لأنه عَرض. ومن مواضعها حروف الجزاء إذا أوقعت بينها وبين الفعل "مَا" للتوكيد تقول: إمّا تأتني آتكَ وأيُّهم ما يقولنَّ ذاكَ نجزهِ، وقد تدخل بغير "ما" في الجزاء في الشعر. وقد أدخلت في المجزوم تشبيهًا به للجزم، ولا يجوز إلا في ضرورة، قال الشاعر:
يَحْسَبُهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلَما شَيْخًا على كُرْسِيِّه مُعمَّمَا٥
والخفيفة والثقيلة سواء، ويقولون: أَقسمتُ لمَّا لم تفعلن؛ لأن ذا طلبٌ،
_________________
(١) ١ الذي زعم هو الخليل، انظر الكتاب ١/ ٤٥٥. قال سيبويه: فلم ألزمت النون آخر الكلمة، وهو يخاطب الخليل؟ فقال الخليل: لكي لا يشبه قوله: إنه ليفعل. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤٥٥. ٣ الروم: ٥١، وانظر الكتاب ١/ ٤٥٦. ٤ انظر الكتاب ٢/ ١٥٢، وفيه: وزعم يونس أنك تقول: هلا تقولن، وألا تقولن. ٥ من شواهد سيبويه ٢/ ١٥٢، وقد مر تفسيره/ ١٤٤ من هذا الجزء.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وزعم يونس أنَّهم يقولونَ: رُبَّما تقولنَّ ذاك، وكثر ما تقولنَّ ذاك؛ لأنه فِعْل غير واجبٍ١، ولا يقعُ بعد هذه الحروف إلا و"ما" له لازمة، وإن شئت لم تدخل النون فهو أجودُ، فهذه النون تفتح ما قبلها مرفوعًا كان أو مجزومًا، فإذا أدخلت النون الشديدة على "يفعلانِ" حذفت النون التي هي علامة الرفع لاجتماع النونات، ولأن حقه البناء فينبغي أن تطرح الذي هو علامة الرفع، وكذلك النون في "يفعلون" تقول: ليفعلن ذاكَ وقد حذفت النون فيما هو أشد من هذا؛ لاجتماع النونات قرأ بعض القراء: ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ ٢، و﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونّ﴾ ٣ وسقطت الواو لالتقاء الساكنين، فصار ليفعلنّ فإن أدخلتها على "تَضربينَ" حذفت أيضًا النون لاجتماع النونات لأنها تكون علمًا للرفع، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين فقلت: هل تضربينَ؟ وتقول: اضربنَ زيدًا وأكرمن عمرًا وكان الأصل اضربي وأكرمي وتقول لجماعة المذكرينَ: اضربُنَّ زيدًا، كانَ الأصلُ: اضربوا وأكرموا، فسقطتِ الواو لالتقاء الساكنين، وتقول في التثنية: اضربانِ يا رجلانِ بكسر النونِ تشبيهًا بالنون التي تقعُ بعدَ الألف وهي فيما سوى هذا مفتوحة، ومتى دخلت النون بعد حرف إضمارٍ تحرك إذا لقيته لام المعرفة، حرك لها، تقول: ارضونَّ زيدًا واخشونَّ عمرًا وارضينَّ يا امرأةُ؛ لأنك تقول: اخشُو فتضم، وتقول: ارضي الرجلَ فتكسر فلذلك ضممتَ وكسرتَ مع النونِ، فإنْ أدخلت النون على تضربنَ الذي هو لجماعةِ المؤنث قلت: هَل تضربنانِ يا نسوةُ؟ واضربنانِ، لم تسقطْ هذه النون لأنها اسمٌ للجماعة وفصلت بين النونات بالألف؛ لئلا تجتمعَ النوناتُ.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٥٣. ٢ الأنعام: ٨٠ والآية: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ وقراءة نافع بالتخفيف، وغيره بالتشديد. انظر القرطبي ٧/ ٢٩. ٣ الحجر: ٥٤. والآية: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونّ﴾ نافع وشيبة بكسر النون والتخفيف، وقرأ ابن كثير وابن محيصن بكسر النون مشددة. انظر القرطبي ١٠/ ٣٥.
[ ٢ / ٢٠١ ]
واعلم: أن ما يحذف من اللامات في الجزم والأمر إذا أدخلت النون لم يحذفن، تقول: ارمين زيدًا، وكان اللفظ: ارمِ زيدًا؛ لأن الياء والواو تحذفان في المواضع التي أصلها الإِعراب، فإذا أدخلت النون عادت لأنها تبنى مع ما قبلها ولا سبيل للجزم.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
ذكر النون الخفيفة:
كل شيء تدخله النون الثقيلة تدخله الخفيفة، إلا أن النون الخفيفة في الفعل نظير التنوين في الاسم فلا يجوز الوقف عليها كما لا يجوز الوقف على التنوين، تقول: اضربْن زيدًا إذا وصلت، فإذا وقفت قلت: اضربا كما تقول: ضربتُ زيدًا في الوقف وقد فرقوا بين التنوين والنون الخفيفة بشيءٍ آخر بأن الخفيفة لا تحرك لالتقاء الساكنين، والتنوين يحرك لالتقاء الساكنين فمتى لقي النون الخفيفة ساكن سقطت؛ لأنهم فضلوا ما يدخل الاسم على ما يدخل الفعل وتقول إذا أمرتَ امرأةً: اضربن يا هذه، فإذا وقفت قلت: اضربي ولَم يجز أن تقول: اضربنْ في الوقف لأنها بمنزلة التنوين، وأَنتَ تحذفُ التنوين إذا انكسر ما قبلهُ، فحذفت التنوين ههنا، فلما حذفتها عادت الياء؛ لأن سقوطها كان لالتقاء الساكنين وتقول للجماعة: اضربُنْ يا قومُ فإذا وقفت قلت: اضربوا، أعدت الواو لأنها إنما سقطت لالتقاء الساكنين، ولم يجز أن تقول: اضربنْ في الوقف، كما لم يجز أن تقول: زيد في الوقف، فقد يقفون وهم ينوونَ النونَ، كما ينوون التنوينَ في الرفع والجزم في الوقف. وتقول في الوقف: اخش وللرجال اخشوا، وحكى سيبويه: أن يونس١ يقول: اخْشَي واخْشَوُوا وقال الخليل: لا أرى ذلك إلا على قول مَنْ قال: هذا عمرو، ومررتُ بعمري قول العرب على قول الخليل٢، وإذا أدخلت النون بعد حرف إضمار تحرك إذا لقيتْهُ لام المعرفة حرك من النون،
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٥٥. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٥٥.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وتقول: هَلْ تضربِنْ يا امرأةُ وكان الأصل: تضربينَ، فسقطت النون التي كانت علامة للرفع كما تسقط الضمة في: هَل تضربنْ؟ وتثبت النون الخفيفة أو الثقيلة إنْ شئتَ، وتسقط الياء لالتقاء الساكنين، فيصير: هل تضربِنْ في الوصل وكان في الأصل تضربينَ، وإذا وقفت قلت: هل تضربين، فأعدت النون التي كانت للرفع؛ لأنك لا تقفُ على النون الخفيفة ولا يجوز أن تسقطها لأنك لم تأت بما تسقط من أجله، وكذلك هل تضربونَ وهل تضربانِ؟ فأما الثقيلة فلا تتغير في الوقف، وإذا كان بعد الخفيفة ألف ولام ذهبت لالتقاء الساكنين، تقول: اضربا الرجل. وإذا أردت فِعلَ الاثنين في الخفيفة كان بمنزلته إذا لم ترد الخفيفة في فعلِ الاثنين في الوصل والوقف؛ لأنك لو أتيت بها لاحتجت إلى تحريكها لأنها بعد ألفٍ وهي لا تحرك وذلك قولك: اضربا وأنت تنوي النونَ، وإذا أردت الخفيفة في فعلِ جمعِ النساء قلت في الوقف والوصل: اضربِنْ زيدًا، فيكون بمنزلته إذا لم ترد الخفيفة، ولو أتيت بها للزمكَ أن تقول: اضربنانِ زيدًا فتأتي بالألف لتفصلَ بين النونين وتكسر النون لالتقاء الساكنين فتحركها وهي لا تحركُ. قال سيبويه: وأما يونس وناسٌ من النحويين فيقولون: اضربانْ زيدًا واضربنانْ زيدًا، ويقولون في الوقف: اضربا، واضربْنَا فيمدونَ١. فإذا وقع بعدها ألف ولام أو ألفُ وصلٍ جعلوها همزة مخففة، وهذا لم تفعلْهُ العرب، والقياس أن يقولوا في اضربنْ: اضربِ الرجلَ، فيحذفون لالتقاءِ الساكنين.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٥٧.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
مسائل من باب النون:
تقول في المضاعف من الفعل: رُدّن يا هذا، وردّانِ، ورُدُّن وكان قبل النون ردّوا، فسقطت الواو لالتقاء الساكنين، وتقول في المؤنث: رُدّن وكان قبل النون: ردي، فسقطت الياء لالتقاء الساكنين، وتثنية المؤنث كتثنية
[ ٢ / ٢٠٣ ]
المذكر، تقول: رُدّانِ يا امرأتانِ وتقول لجماعة النساء: ارددنانِ وكان قبل النون: ارددنَ، فجئت بالألف لتفصل بين النونات. وتقولُ: قولنْ وقولانِ وقولَنَّ، والمؤنث قولِنَّ، وقولانِ يا امرأتانِ وقُلنانِ يا نسوةُ، وقس على هذا جميع ما اعتلتْ عينه، وكذلك ما اعتلتْ لامه؛ اقضين زيدًا واقضيانِ واقضين تسقط الواو لسكون النون الأولى، اقضينَ يا امرأةُ تسقط ياءين، التي هي لام الفعل وياء التأنيث، أما لام الفعل فتسقط كما تسقط في "تقضينَ" لالتقاء الساكنين لأنها ساكنة وياء التأنيث ساكنة، وتسقط ياء التأنيث من أجل سكون النون الأولى فإن جمعت قلت: اقضينانِ، والكوفيونَ يحكون إذا أمرت رجلًا: اقضِنَّ يا هذا بكسر الضاد وإسقاط الياء، كأنهم أسقطوا الياءَ لسكونها وسكون النون هكذا اعتلوا. وعندي أنا: الذي فَعلَ هذا إنما أدخلَ النون على "اقضِ" ولم يجد ياءً فترك الكلام على ما كان عليه وهذا شاذ وتقول مِنْ دعوتُ: ادعون زيدًا أو ادعوان وادعنْ للجماعة، سقطت الواوان في "ادعن" الواو التي هي لام الفعل سقطتْ لدخول واو الجمع وسقطت واو الجمع لدخول النون الأولى وهي ساكنة. وتقول للواحدة: ادعَنْ، سقطتْ واوٌ وياءٌ، فالواو لام الفعل سقطت لدخول الياء التي هي للمؤنث حين قلت: ادعي، وسقطت الياء للنون فصار ادعن وتقول: للاثنين: ادعوان مثل المذكرين وللجماعة: ادعونانِ لأنكَ تقول قبل النون: ادعون زيدًا مثل اقضينْ زيدًا، ثم تأتي بالألف إذا أردت النون الشديدة فتفصلُ بين النوناتِ لئلا تجتمع، كما تقول: اقضنانِ زيدًا، وتقول من خَشيتَ: اخشَينَ زيدًا يا هذا واخشينانِ زيدًا يا هذان واخشُون زيدًا يا نسوةُ، تحرك الواو بالضم. وحكمُ هذا الباب أَنَّ كل واوٍ وياءٍ تحركت فيه إذا لقيتها لامُ المعرفة تحركت هنا، وإنْ كانت تسقط هناك لالتقاء الساكنين سقطت هنا؛ فلهذا قلت: اخشُون زيدًا، ضممتَ الواو كما تَضمُّها إذا قلت: اخشُوا الرجلَ وتقول للمرأة: اخشين زيدًا كما تقول: اخشي الرجلَ وتثنية المؤنث كتثنية المذكر، وتقول لجماعة النساء: اخشين زيدًا والكوفيون يحكون: اخشَن يا رجلُ بإسقاط الياء من "اخشين" وهذا
[ ٢ / ٢٠٤ ]
نظيرُ "اقضِن" وحكوا: لا يخفن عليكَ، يريدون: لا يخفين عليكَ، وقال الفراء: هذه لغة طيءٍ؛ لأنهم يسكنون الياء في النصب ولا ينصبونَ، والنونُ لا تشبه ذلك. وتقول: لا تضربني ولا تضربننا، ومنهم من يخفضُ لكثرة النونات فيقول: لا تضربني ولا تضربنَا، والكوفيون يحكون: اضربن يا رجلُ ينوون الجزم، قد ذكرنا جميع أصناف الأسماء المعربة والمبنية والأفعال المبنية، وبقيَ ذكر الحروف مفردةً.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
باب الحروف التي جاءت للمعاني
مدخل
باب الحروف التي جاءت للمعاني:
قد ذكرنا أول الكتاب ما يعرفُ به الحرف والفرق بينه وبين الاسم والفعل، وإنما هي أدوات قليلة تدخل في الأسماء والأفعال وتحفظ لقلتها، وسنذكرها بجميع أنواعها وكلها مبني، وحقها البناء على السكون وما بنيَ منها على حركة فإنما حرك لسكون ما قبله أو لأنه حرف واحد فلا يمكن أن يبتدأ به إلا متحركًا، وهي تنقسم أربعة أقسامٍ: ساكنٌ يقال لهُ موقوفٌ، ومضمومٌ، ومكسور، ومفتوح الأولِ.
الموقوف: ويبدأ بما كان منه على حرفين وذلكَ أَمْ، وأَوْ، وهَلْ وتكون بمعنى: "قَدْ"، ولَم نفيُ فَعَلٍ، ولَنْ نفيُ سيفعلُ، فإنْ للجزاء ووجوب الثاني لوجوب الأول، وتكون لغوًا في "ما إنْ يفعلُ" وتكون "كما" في معنى "ليسَ" قال الشاعر:
وَرجِّ الفتى لِلخَيْرِ ما إنْ رأَيتَهُ١
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ٢/ ٣٠٦ على زيادة "إن" بعد "ما" للتوكيد، وما ههنا مؤدية عن معنى الزمان، فموضعها نصب على الظرفية. وهو صدر بيت عجزه: على السن خيرًا لا يزال يزيد والمعنى: وجه للخير ما رأيته يزيد خيره بزيادة سنه ويكف عن صباه وجهله، ولم يعرف قائل هذا البيت. وانظر: شرح السيرافي ٥/ ٥١٣، والخصائص ١/ ١١٠، والارتشاف ٣٨٣، ومفاتيح العلوم للسكاكي/ ٥٣، وابن يعيش ٨/ ١٣٠، والمغني ٢/ ٧٥٦.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
ومن ذلك "أنْ" المفتوحة يكون وما بعدها بمنزلة المصدر، وتكون بمنزلة "أَي" وتكون مخففة من الثقيلة وتكون لغوًا نحو قولك: لمَّا أَنْ جَاءَ. وأما واللهِ أَنْ فَعَلْتَ، فأما كونها بمنزلة المصدر فقولك: أَنْ تأتيني خيرٌ لَك واللام تحذف من أَنْ كقوله: أَنْ تقتلَ أحدهما وأنْ كانَ ذَا مالٍ، ويجوز أن تضيف إلى "أَنْ" الأسماء تقول: إنهُ أَهلٌ أَن يفعلَ ومخافة أَن يفعلَ، وإنْ شئت قلت: إنَّهُ أهلٌ أنْ يفعلَ ومخافةُ أنْ يفعلَ، وإنَّهُ خليقٌ لأَنْ يفعلَ، وإنَّهُ خليقٌ أنْ يفعلَ، وعسيتَ أَنْ تفعلَ، وقاربتَ أَنْ تفعلَ ودنوتَ أَنْ تفعلَ، ولا تقول: عسيتَ الفعل ولا للفعلِ وتقول: عسى أَنْ يفعلَ وعسى أَن يفعلا وعسى أَن يفعلوا، وتكون عسى للواحد وللاثنين وللجميع، والمذكر والمؤنث. ومن العرب من يقول: عَسى، وعَسيا، وعسوا، وعسيتُ، وعسيتِ، وعسينَ، فمن قال ذاك كانت "أَنْ" فيهن منصوبةً، ومن العرب من يقول: عس يفعلُ فشبهها بكادَ يفعلُ، فيفعلُ في موضعِ الاسمِ المنصوب في قوله: عسَى الغويرُ أَبؤسًا١.
فأما "كادَ" فلا يذكرونَ فيها "أَنْ" وكذلك كربَ يفعلُ ومعناهما واحدٌ، وجعلَ وأَخذَ فالفعلُ هنا بمنزلة الفعلِ في "كانَ" إذا قلت: كانَ يقولُ، وهو في موضع اسم منصوب بمنزلته ثَم وقد جاء في الشعر: كادَ أن يفعلَ، ويجوزُ في الشعر: لعلِّي أَن أفعلَ بمنزلة عسيتُ أَنْ أفعلَ، وتقول: يوشكُ أَنْ تجيءَ، فيكون موضعُ "أَن" رفعًا، ويجوز أن يكون نصبًا وقد يجوز: "يُوشكُ" تجيء بمنزلة "عسَى" قال أمية بن أبي الصلتِ:
_________________
(١) ١ هذا مثل استشهد به سيبويه ١/ ٤٧٨ وفي مجمع الأمثال ٢/ ١٧ "الغوير: تصغير غار، والأبؤس جمع بؤس وهو الشدة". وأصل هذا المثل فيما يقال من قول الزباء، حين قالت لقومها عند رجوع قصير من العراق ومعه الرجال، وبات بالغوير على طريقه: عسى الغوير أبؤسًا، أي: لعل الشر يأتيكم من قبل الغار. وهو يضرب للرجل يخبر بالشر فيتهم به. وانظر: مجالس ثعلب/ ٣٧٢، ومعجم البلدان ٤/ ٢٢٠، واللسان ١٩/ ٢٨٤، والخزانة ٤/ ٧٨-٧٩، وجمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري ٢/ ٥٠.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
يُوشكُ مَنْ فُرَّ مِنْ منيتهِ في بعضِ غراتهِ يُوافقُها١
قال سيبويه: وسألتهُ، يعني الخليل عن معنى أريدُ لأَنْ تفعلَ؟ فقال: المعنى إرادتي لهذا، كما قال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
وأما "أنْ" التي بمعنى "أيْ" فنحو قوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ ٣ ومثله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّه﴾ ٤ فأما كتبت إليه أن افعل، وأمرتهُ أَنْ قُمْ فتكون على وجهينِ: على التي تنصب الأفعالَ وعلى "أَي" ووصلك لها بالأمرِ كوصلِكَ للذي يفعلُ إذا خاطبتَ، والدليل على أنَّها يجوز أن تكون الناصبة قولُكَ: أَوعز إليهِ بأَن افعلْ وقولُهم: أرسل إليه أنْ ما أَنتَ وذَا فهي على أي والتي بمعنى أَنْ لا تجيء إلا بعد استغناء الكلام؛ لأنها تفسيرٌ وأما مخففةٌ من الثقيلة فنحو قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥، يريدُ "أَنهُ" ويجوز الإِضمار بعد أَنْ هذه وقولُكَ "كأنَّ" وهي أنَّ دخلت عليها الكاف٦ كما دخلت على ما خففت منه، وقال سيبويه:
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ٤٧٩ على إسقاط أن بعد يوشك ضرورة كما أسقطت بعد "عسى" والمستعمل في الكلام إثباتها، ومعنى يوشك يقارب، والغرة: الغفلة عن الدهر وصروفه أي: لا ينجي من المنية شيء. وانظر: الكامل ٤٣، والصاحبي ١٧٢، والمفصل للزمخشري ١٧٢، وابن يعيش ٧/ ١٢٦، والتصريح ١/ ٢٠٦، والأشموني ١/ ٤٤٤، وشواهد الألفية للعاملي ١٠٢. ٢ الزمر: ١٢، في سيبويه ١/ ٤٧٩ كما قال ﷿: الآية، إنما هو أمرت لهذا. ٣ سورة ص: ٦. ٤ المائدة: ١١٧. ٥ يونس: ١٠ وانظر الكتاب ١/ ٤٨٠. ٦ اتفق البصريون والكوفيون على تركيب "كأن" فقد ذكر الفراء أنها مركبة من "إن" وكاف التشبيه والأصل: إن زيدًا كأسد، ثم قدم الكاف للاهتمام بالتشبيه، وفتحت همزة إن؛ لأن المكسورة لا تقع بعد حرف الجر. وانظر الكتاب ٣/ ٦٧، وشرح الكافية ٢/ ٣٣٤، والهمع ٩/ ١٣٣.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
لو أنَّهم جعلوا أن المخففة بمنزلة إنَّما كان قويا١ وفي هذا البابِ شيءٌ مشكلٌ أنا أبينهُ.
اعلم: أن الأفعال على ضروب ثلاثة: فضرب منها يقين وهو عَلِمتُ وضَرب هو لتوقعِ الشيءِ نحو: رجوتُ وخفتُ، وضربٍ هو بينهما يحمل على ذا، وعلى ذَا نحو: ظننتُ وحسبتُ.
واعلم: أن "أنّ" إنما هي لما تتيقنه ويستقر عندك و"أَنْ" الخفيفة إنما هي لما لَم يقعْ نحو قولك: أُريد أَنْ تذهبَ، فإذا كانت أن الخفيفة بعد "علمتُ" فهي مخففةٌ من الثقيلة وإذا خففت أتى بلا والسين وسوف عوضًا مما حذف، وجعلوا حذفها دليلًا على الإِضمار، وقد ذكروا فيما تقدم و"أَنْ" التي تنصب بها الأفعال تقع بعد رجوت وخفتُ؛ تقول: خفتُ أَنْ لا تفعلَ. فأما بعد حسبت وظننت فإنها تكون على ضربين: إنْ كان حسبانكَ قد استقر كانت مخففة من الثقيلة وإن حملته على الشك كانت خفيفة كقوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٢، تقرأ بالرفع والنصب، فمن رفع فكأنه أرادَ وحسبوا أَنْ لا تكون لما استقر تقديرهم فصار عندهم بمنزلة اليقين وهذا مذهب مشايخنا٣.
وقد حكي عن المازني نحو منه ثم يتسعون فيحملون "رجوتُ" على علمتُ إذا استقر عندهم الرجاء وهذا أبعدها.
وحكي عن أبي العباس ولستُ أحفظهُ من قوله، أنه إن سُئلَ عن "أَنْ" الخفيفة المفتوحة ومواضعها قال: "أنْ" الخفيفة المفتوحة أصلها أَنَّ المفتوحة الثقيلة في جميع أحوالها، وإنها مفتوحة كما انفتحت أَنَّ المعمول فيها كأنما خففت أنَّ فصارت أنْ مخففة، فلها في الكلام موضعان: أحدهما تقع فيه على
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٤٦٦. ٢ المائدة: ٧١ "والقراءتان برفع الفعل ونصبه من السبعة". غيث النفع/ ٨٦، والنشر ٢/ ٢٥٥. ٣ انظر المقتضب ٢/ ٣٢ و٣/ ٧-٨.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
الأسماء والأخبار، والآخر: تقع فيه على الأفعال المضارعة للأسماء. فأما كون وقوعها على الأسماء والأخبار، فإن ذلك لها إذا دخلت محل "أَنَّ" الثقيلة أعني: في التأكيد للابتداء والخبر، فإذا كانت بهذه المنزلة لم يقع عليها إلا فعل واجب وكانت مؤكدة لما تدخل عليه، وأما كون وقوعها على الأفعال المضارعة فلأنَّ العامل فيها غير واجب ولا واقع، وإنما يترجى كونه ووقوعه فإذا وجدت العامل فيها واجبًا على "أن" ففتحتها وأوقعتها على المضمر وجعلته اسمًا لها. وأما قولهم: أما أَن جزاكَ الله خيرًا، أو أما أنْ يغفر الله لكَ، قال سيبويه: إنما جاز لأنه دعاءٌ وقال: سمعناهم يحذفونَ إنَّ المكسورة في هذا الموضع، ولا يجوز حذفها في غيره. يقولون: أما إنْ جزاكَ الله خيرًا١، وهذا على إضمار الهاء في المحذوفة وقال: يجوزُ ما علمتُ إلا أنْ تأتيهُ إذا أردت معنى الإِشارة، لا أنكَ علمتَ ذلك وتيقنتهُ٢، والمبتدأ وخبره بعد "أَن" يحسنُ بلا تعويض تقول: قَد علمتُ أَن عمرو ذاهبٌ وأَنت تريدُ "أَنهُ" ويجوز: كتبتُ إليه أن لا تقلْ ذاكَ، وأَن ترفعَ "تقولُ" وأنْ تنصب، فالجزم على النهي، والنصبُ على "لئلا"، والرفعُ على "لأنَكَ لا تقول" أو بأنَّكَ لا تقول وقد تكون أَنْ بمنزلة لام القسم في قول الله: ﴿أنْ لَوْ فَعَلَ﴾ وتوكيدًا في قوله: لَما أَن فَعَلَ.
ومن الحروف "مَا" وهي تكونُ نفي هو يفعلُ إذا كان في الحال وتكونُ كلَيْسَ في لغة أهل الحجاز٣، وتكون توكيدًا لغوًا٤ تغيرُ الحرفَ عن عمله نحو: إنما وكأَنما ولعلما جعلتهنَّ بمنزلة حروف الابتداء، ومن [ذلك] ٥ حيثما
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٤٨٢. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤٨٢. ٣ في الكتاب ١/ ٢٨ "وأما أهل الحجاز فيشبهونها بليس، إذ كان معناها كمعناها". وانظر الخصائص ١/ ١٢٥، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٦٠، والإنصاف/ ١٠٧. ٤ قال المبرد في المقتضب ٢/ ٥٤: "فما" تدخل على ضربين: أحدهما: أن تكون زائدة للتوكيد فلا يتغير الكلام بها عن عمل ولا معنى. ٥ أضفت كلمة "ذلك" لإيضاح المعنى.
[ ٢ / ٢١٠ ]
صارت بمجيء "ما" بمنزلة "إنْ" التي للجزاء وما في "لمَّا" مغيرة عن حال لم كما غيرت "لو ما" ألا ترى أنك تقول: "لمَّا" ولا تتبعها شيئًا، ومنها "لا" وهي نفي لقوله يَفْعل ولم يقع الفعلُ، وتكون "كما" في التوكيد واللغو في قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ ١ وهو لأن يعلم ولا تكون توكيدًا إلا في الموضع الذي لا يلتبس فيه الإِيجاب بالنفي من أجل المعنى. وقد تغير الشيء عن حاله كما تفعلُ "مَا" وذلك قولك: "لولا" غيرت معنى لَو وستبين إذا ذكرنا معنى "لو" وكذلك هَلا صيرتْ "لا" هل في معنى آخر، وتكون ضدا لنَعَمْ وَبَلى، ومنها "لوْ" وهو كان التي للجزاء لأَنَّ إنْ توقع الثاني مِنْ أجل وقوع الأول، ولم تمنع الثاني من أجل امتناع الأول تقول: إنْ جئتني أكرمتك فالإِكرامُ إنما يكون متى إذا كان منك مجيءٌ وتقول: لو جئتني لأكرمتُكَ، والمعنى: أنه امتنع إكرامي من أجل امتناع مجيئك. وقال سيبويه: "لو" لما كان سيقع لوقوع غيره٢، وهو يرجع إلى هذا المعنى؛ لأنه لم يقع الأول لَمْ يقع الثاني، فتقدير إنْ قبل "لَو" تقول: إنْ أتيتني أَتيتكَ، يريد فيما يستقبل، فإذا لم تفعلْ وطالبتكَ بالإِتيان قلت: لو أتيتني أَتيتُكَ. ومنها "لَولا" وهي مركبة مِنْ معنى إنْ ولَو، وتبتدأ بعدها الأسماء وذلك أنها تمنع الثاني لوجود الأول، تقول: لَولا زيدٌ لهَلكنا تريدُ: لولا زيدٌ في هذا المكان لهلكنا، وإنما امتنع الهلاك لوجود زيدٍ في المكان وقال ﷿: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ ٣ وقد يستعملونها بمعنى هَلا يولونها الفعل، ومنها "كي" وهي جواب لقوله: كيمه، كما تقول: لِمه٤. ومنها "بَلْ" وهي لترك شيءٍ من الكلام وأخذٍ في غيره. ومنها "قَدْ" وهي جوابٌ لقوله: لمَّا يفعلْ، وزعم الخليل: أَنَّ هذا لقومٍ
_________________
(١) ١ الحديد: ٢٩، قال سيبويه ١/ ٣٠٦: وأما "لا" فتكون "كما" في التوكيد واللغو. وذكر الآية وقال: وتكون لا نفيًا لقوله: يفعل ولم يقع فتقول: لا يفعل. ٢ انظر الكتاب ٢/ ٣٠٧. ٣ سبأ: ٣١. ٤ قال سيبويه ٢/ ٣٠٦: وأما "كي" فجواب لقوله: كيمه، كما يقول: لمه فتقول: ليفعل كذا وكذا.
[ ٢ / ٢١١ ]
ينتظرونَ الخبرَ١، وقد تكونُ "قَدْ" بمنزلة رُبَّما. ومنها "يَا" وهي تنبيهٌ وقد ذكرناها في بابِ النداء، ومنها "مِنْ" وهي لابتداء الغايةِ وتكون للتبعيض وتدخل توكيدًا بمنزلة "مَا" إلا أنها تجرُّ، وذلك قوله: ما أتاني من رجلٍ وويحَهُ من رجلٍ أكدتهما بمنْ، وقد ذكرناها فيما تقدمَ. ومنها "مذْ" وهي في قول مَن جَرَّ بَها حرفٌ فهي لابتداء غاية الأيام والأحيان وحقُّ "مذ" أن لا تدخل على ما تدخلُ عليهِ "مِن" وكذلك "مِنْ" لا تدخلُ على ما تدخل عليه "مذ". ومنها "عن" وهي لِمَا عدا الشيء وقد استعملت اسمًا، وقد ذكرتها في الظروف. وذكرها سيبويه في الحروف وفي الأسماء فقال: "عن" اسم إذا قلتَ: مِنْ عَن يمينِ كذا٢، وأما "مَع" فهي اسمٌ٣ ويدلك على أَنها اسمٌ أنها متحركة، ولو كانت حرفًا لَمَا جاز أَن تحرك العين؛ لأنَّ الحروفَ لا تحرك إذا كان قبلها متحركٌ.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٣٠٧. ٢ انظر الكتاب ٢/ ٣٠٩، قال سيبويه: "وأما عن فاسم إذا قلت: من عن يمينك، لأن "من" لا تعمل إلا في الأسماء". وقال في ٢/ ٣٠٨: "وأما عن فلما عدا الشيء وذلك قولك: أطعمه عن جوع، جعل الجوع منصرفًا تاركًا له قد جاوزه". ٣ قال سيبويه ٢/ ٣٠٩: "وإذ وهي لما مضى من الدهر" وهي ظرف بمنزلة "مع".
[ ٢ / ٢١٢ ]
باب أم وأو والفصل بينهما:
اعلم: أنَّ "أَمْ" لا تكون إلا استفهامًا، وهي على وجهين: على معنى أيهما وأيهم، وعلى أن تكون منقطعة من الأول. فإذا كان الكلام بها بمنزلة أيهما وأيّهم فهو نحو قولك: أزَيدٌ عندكَ أمْ عمرٌو؟ وأزيدًا لقيت أم بشرًا؟ تقديم الاسم أحسن؛ لأَنكَ عنه تسألُ ويجوزُ تقديم الفعل. وإذا قلت: أضَربتَ زيدًا أمْ قتلتَهُ كان البدء بالفعلِ أحَسن لأنك عنهُ تسأل، وتقول: ما أبالي أزَيدًا لقيتُ أمْ عمرًا وسواءٌ عليَّ أزَيدًا كلمتُ أمْ عمرًا، وما أدَري أزيدٌ ثُمَّ عمرو أدخلت حرف الاستفهام للتسوية وعلى ذا: ما أدري أقامَ أمْ قعدَ على التسوية. وأما المنقطعة، فنحو قولك: أعَمرٌو عندكَ أمْ عندكَ زيدٌ؟ وإنَّها لإِبلٌ أَمْ شاءٌ؟ ويجوز حذف ألف الاستفهام في الضرورة. فأما "أو" فقد ذكرناها مع حروف العطف كما ذكرنا أمْ، وقد تختلطُ مسائلهما لاشتراك بينهما في بعض المعاني.
واعلم: أنَّ "أَوْ" إنما تثبت أحد الشيئين أو الأشياء، وأنَّ أَمْ مرتبتها أنْ تأتي بعد أو، ويقول القائل: لقيَ زيدٌ عمرًا أوْ خالدًا، فيثبت عندك أنه قد لقيَ أحدهما إلا أنكَ لا تدري أيَّهما هو فتقول: حَسبَ أعَمرًا لقيَ زيدٌ أَمْ خالدًا. وكذلك إذا قال لك القائل: قد وهبَ لكَ أبوك غلامًا أوْ جاريةً، فقد ثبت عندك أن أحدهما قد وهب لك، إلا أنك لا تدري أَغلامٌ أم جاريةٌ، فإذا سألتَ أباكَ عنْ ذلك قلتَ: أَغلامًا وهبتَ لي أمْ جاريةً؟ وتقول: أَيَّهم تضربُ أو تقتلُ؟ ومن يأتيكَ أو يحدثكَ؟ لأن "أَمْ" قد استقر على أَي ومَنْ، وكأنَّكَ قلتَ: زيدًا أمْ عمرًا تضربُ أوَ تقتلُ؟ ثم أَتيت بأَي موضع زيدٍ وعمرٍو
[ ٢ / ٢١٣ ]
فقلت: أيهما تضربُ أوْ تقتلُ؟ وعلى هذا يجري "مَا ومَتى وكيفَ وأينَ" لأن جميع هذه الأسماء إذا كانت استفهامًا فقد قامت مقام الألف وأمْ جميعًا.
واعلم: أن جواب أوْ، نَعَمْ أو لا، وجواب "أَم" الشيء بعينه؛ إن سأل سائلٌ عن اسم أجبت بالاسم وإن سأل عن الفعل أجبتَ بالفعل، إذا قال: أَزيدٌ في الدارِ أَوْ عمرٌو؟ فالجوابُ نَعَمْ أو لا؛ لأن المعنى: أَأَحدهُما في الدار؟ وجوابُ أَأَحدهما في الدار: نَعَمْ أو لا، وكذلك إذا قال: أَتقعدُ أو تقومُ؟ فالجوابُ: نَعمْ أو لا، فإن قال: أزيدٌ أم عمرو في الدار؟ فالجواب أن تقولَ: زيدٌ إذا كانَ هو الذي في الدار. وكذلك إذا قال: أَتقومُ أمَ تقعدُ؟ قلت: أَقعدُ، "فأَوْ" تثبتُ أَحدَ الشيئين أَو الأشياء مبهمًا وأم تقتضي وتطلب إيضاح ذلك المبهم، و"أَوْ" تقوم مقامَ "أَمْ" مع هل وذلك لأنكَ لم تذكر الألف وأو لا تعادلُ الألفَ وذلك قولُهم: هَلْ عندكَ شعيرٌ أو برٌّ أو تَمرٌ؟ وهل تأتينا أو تحدثنا؟ لا يجوز أن تدخلَ "أَمْ" في "هَلْ" إلا على كلامين وكذلك سائر حروف الاستفهام وتقول: ما أدري هَل تأتينا أو تحدثنا؟ يكون في التسوية كما هو في الاستفهام وإذا قلت: أَزيدٌ أفضل أَمْ عمرو؟ لا يجوز إلا "بأَمْ" لأنك تسأل عن أيهما أفضلُ ولو قلت: "أَو" لم يصلح؛ لأن المعنى يصير أحدهما أفضل فليسَ هذا بكلام ولكنك لو قلت: أَزيدٌ أو عمرو أَفضلُ أم خالدٌ؟ جاز لأنَّ المعنى أحد ذَينِ أفضل أمْ خالدٌ؟ وجواب هذه المسألة أن تقول: خالدٌ إنْ كان هو الأفضل، أو أحدهما إنْ كان هو الأفضل، ويوضح هذه المسألة أن يقول القائل: الحسنُ أو الحسينُ أَشرفُ أم ابن الحنفيةِ؟ فالجواب في هذه المسألة أن تقول: أحدهما بهذا اللفظ ولا يجوز أن تقول: الحسنُ دونَ الحسينِ أو الحسينُ دونَ الحسنِ؛ لأنه إنما سألك: أأَحدهما أَشرفُ أَم ابن الحنفيةِ؟ وكذَاكَ الدرُّ أو الياقوتُ أَفضلُ أم الزجاج؟ فالجواب أحدهما، فإن كان قال: الزُّجاجُ أو الخزفُ أفضلْ أم الياقوت؟ قلت: الياقوتُ. وتقول: ما أدري أقامَ أو قعدَ، إذا لم يطل القيام ولم يبن من سرعته وكان بمنزلة ما لم يكن، كما تقول: تكلمتُ ولَم أَتكلم فيجوز أن يكونَ ثمَّ كلامٌ ولكنه لقلّته جعلهُ بمنزلة مَنْ لم يتكلمْ، ويجوز أن يكون لَم يبلغ
[ ٢ / ٢١٤ ]
به المراد فصار بمنزلة مَنْ لم يتكلم، وهذا في الحكم بمنزلة قولك: صليتَ ولَمْ تصلِّ فإذا قال: ما أَدري أقام أو قعدَ، وهو يريد ذا المعنى فهو قد عَلمَ منه قيامه، ولكنه لم يعتد به وليس "لأمْ" هنا معنى؛ لأنهُ إذا قال: ما أَدري أَقامَ أمْ قعدَ، فقد استوى جهلهُ في القيام والقعود، وههنا قيام قد علم إلا أنه جعل بمنزلة ما يشك فيه لما خبرتك، فعلى هذا تقول: ما أدري أَقامَ أو قعدَ إذا كان لم يبن قيامهُ حتى قعدَ، فهذا الباب كله إنما جعل بأَوْ. وكذلك أَأَذنَ أو أقامَ إذا كان ساعة إذنٍ أقامَ، وما أدري أَبكى أو سكتَ لأنهُ لم يعد بكاؤهُ بكاءً ولا سكوته سكوتًا، فإن كان لا يدري أَأَذنَ أم أَقامَ قال: ما أدري أَأذنَ أم أقامَ كما تقول: ما أدري أَزيدٌ في الدار أو عمرٌو، إذا كنت تستيقن أن أحدهما في الدار ولا تدري أيهما هو.
[ ٢ / ٢١٥ ]
باب ما جاء من ذلك على ثلاثة أحرف:
فمن ذلك "عَلَى" ذكر محمد بن يزيد أنها تكون حرفًا واسمًا وفعلًا١، وأنّ جميع ذلك مأخوذٌ من الاستعلاء وقد ذكرتها فيما تقدم. وقال سيبويه: "عَلى" معناها استعلاءُ الشيءِ، ويكون أَن تطوي مستعليًا كقولك: أمررت يدي عليه ومررتُ على فلانٍ كالمثل، وكذلك علينا أميرٌ وعليه دينٌ؛ لأنهُ شيءٌ اعتلاهُ٢، ويكونُ مررتُ عليه: مررت على مكانه. ويجيءُ كالمثل وهو اسم لا يكونُ إلا ظرفًا، قال٣: ويدل على أنه اسمٌ قول بعضهم: غَدَتْ مِنْ عَليهِ٤ ومن ذلكَ "إلى" وهي منتهًى لابتداءِ الغايةِ ومنها "سَوفَ" وهي
_________________
(١) ١ قال المبرد في المقتضب ١/ ٤٦: وقد يكون اللفظ واحدًا ويدل على اسم وفعل نحو قولك: زيد على الجبل يا فتى، وزيد علا الجبل، فيكون "علا" فعلًا، ويكون حرفًا خافضًا، والمعنى قريب. وقال في ج٣/ ٥٣: فأما "على" فلا تصلح إمالتها؛ لأنها من علوت وهي اسم، يدلك على ذلك قولهم: جئت من عليه، أي: من فوقه. ٢ انظر الكتاب: ٢/ ٣١٠. ٣ الذي قال هو سيبويه، انظر الكتاب ٢/ ٣١٠. ٤ يشير إلى قول الشاعر مزاحم العقيلي في وصف قطاة: غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها تصل وعن قيض ببيداء مجهل وهو من شواهد سيبويه ٢/ ٣١٠، على دخول "من" على "على" لأنها اسم في تأويل "فوق" كأنه قال: غدت من فوقه. وصف قطاة غدت عن فرخها طالبة للورد بعد تمام الخمس، وهو أن تبقى عن الماء ثلاثًا بعد يوم الورد ثم ترد اليوم الخامس ليوم الورد، معنى تصل: يصل جوفها يبس من العطش، والصلال والصلصال: كل شيء جاف يصوت إذا قرع كالفخار. والقيض: قشور البيض، يريد أنها كما أفرخت بيضها فهي تسرع في طيرانها إشفاقًا عليها، والبيداء: القفر، والمجهل: الذي لا يهتدى فيه، ويروى البيت: بزيراء مجهل. وانظر: المقتضب ٢/ ٥٣، والكامل ٤٨٨، وأدب الكاتب ٥٠٠، ومعجم مقاييس اللغة ٤/ ١١٦، والمخصص ١٤/ ٥٧، وابن يعيش ٨/ ٣٩، والاقتضاب للبطليوسي ٤٢٨، والعيني ٣/ ٣١١، والخزانة ٤/ ٢٥٣.
[ ٢ / ٢١٦ ]
تنفيسٌ فيما لم يكن بعد. ألا تراه يقول: سوفتهُ وهذا لفظُ سيبويه١، ومنها "إنَّ" وهي توكيد لقوله: زيدٌ منطلقٌ، وإذا خففت فهي كذلك غير أنَّ لامَ التوكيد تلزمها إذا خفضت عوضًا لما ذهب منها لئلا تلتبس بأن التي للنفي، ومنها "ليت" وهي تَمنٍّ، ومنها بَلى، وهي توجبُ [بها بعد النفي] ٢ ومنها نعم وهي عدةٌ وتصديقٌ، قال سيبويه: ولَيس بَلى ونَعَمْ اسمين وإذا استفهمتَ فأجبتَ بنَعمْ٣، قال أبو بكر: والدليلُ على أنَّ "نعَم" حرفٌ، أنها نقيضةُ "لا" ومنها "إذن" وهي جوابٌ وجزاءٌ، ومنها إلا وهي تنبيهٌ.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٣١١. ٢ التصحيح من سيبويه ٢/ ٣١٢. ٣ انظر الكتاب ٢/ ٣١٢.
[ ٢ / ٢١٧ ]
باب ما جاء منها على أربعة حروف:
من ذلك: حتى، هي كإلى وقد بين أَمرها في بابها ولها نحو ليس "لإِلى" يقول الرجلُ: إنما أَنا إليكَ أي: أنتَ غايتي ولا تكون "حتى" ههُنا، وهي أَعم في الكلام [من] ١ حتى. تقول: قمتُ إليه فتجعلهُ منتهًى لهُ مِنْ مكانِكَ، ولا تقولُ: حتاهُ، ومنها "لكنْ" خفيفةٌ وثقيلةٌ، توجبُ بها بعد النفي، وقد ذكرناها فيما تقدمَ. لَعَلَّ، قال سيبويه: لعلَّ وعسى طَمعٌ وإشفاق٢.
_________________
(١) ١ أضفت كلمة "من" لإيضاح المعنى، وانظر الكتاب ٢/ ٣١٠ " ولها في الفعل نحو: ليس لإلى ويقول الرجل: إنما أنا إليك أي: إنما أنت غايتي، ولا تكون "حتى" ههنا، فهذا أمر "إلى" وأصله وإن اتسعت، وهي أعم في الكلام من "حتى". ٢ انظر الكتاب ٢/ ٣١١.
[ ٢ / ٢١٨ ]
باب ما جاء منها على حرف واحد:
كل هذه التي جاءت على حرف واحد متحركات إلا لام المعرفة، فإنها ساكنة، فإذا أرادوا أن يبدءوا أيضًا أتوا بألف الوصل قبلها، وأما لام الأمر فهي مكسورة، ويجوز أن تسكن ولا تسكن إلا أن يكون قبلها شيءٌ نحو قولك: فليقمْ زيدٌ، فالحروف على ثلاثة أضربٍ: مبني على السكون وعلى الفتح وعلى الكسر؛ فأما المبني على الفتح فواو العطف وليس فيه دليل أن أحد المعطوفين قبل الآخر، والفاء كالواو غير أنها تجعل ذلك بعضه في أثر بعض، وكاف الجر للتشبيه ولام الإِضافة مع المضمر وفي الاستغاثة وواو القسم وتاء القسم بمنزلتها، والسين في "سيفعلُ" وزعم الخليل أنها جواب لَن١، وألف الاستفهام ولام اليمين في لأفعلنَّ، ولام الابتداء في قولك: لزيدٌ منطلقٌ، وأما المبني على الكسر فباء الجر، وهي للإِلزاق والاختلاط، ولام الإِضافة مع الظاهر، ومعناها المُلْك واستحقاقُ الشيء. فجميع هذه جاءت قبل الحرف الذي جيء بها له، فأَما ما جاء بَعْدُ فالكاف التي تكون للخطاب فقط في قولك: ذاكَ، والتاء في أَنتَ.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٣٠٤.
[ ٢ / ٢١٩ ]
باب الحرف المبني مع حرف:
من الحروف ما يبنى مع غيره ويصير كالحرف الواحد ويغير المعنى؛ فمن ذلك لولا غيرت، "لاَ" معنى لَو، وكذلك لما غيرت "مَا" معنى لَمْ و"مهما" زعموا أنها "ما" ضُمت إليها "مَا" وأبدلوا الألف الأولى هاء١، ولما فعلوا ذلك صار فيها معنى المبالغة والتأكيد، فكأنَّ القائل إذا قال: مهما تفعلْ أَفعلْ فقد قال: لا أصغر عن كبير من فعلكَ ولا أكبر عن صغيرٍ أو ما أشبه هذا المعنى. ومن ذلك "إنَّما" إذا رفعت ما بعدها يصير فيها معنى التقليل، تقول: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ ٢، إذا أردت التواضع، وقال أَصحابنا: إنَّ اللام في "لعل"٣ زائدة؛ لأنهم يقولون عَلَّ، والذي عندي أنهما لغتان وأن الذي يقول لَعلَّ لا يقولُ عَلَّ إلا مستعيرًا لغةَ غيره؛ لأَني لَم أَرَ زائدًا لغير معنًى. فإنْ قيل: إنها زيدت توكيدًا فهو قولٌ. ومن ذلكَ كأَنَّ بنيت الكافَ للتشبيه مع أنَّ
_________________
(١) ١ مهما: مركبة عند الخليل من "ما" أدخلت معها "ما" لغوًا بمنزلتها مع "متى" إذا قلت: متى ما تأتني آتك ولكنهم استقبحوا أن يكرروا لفظًا واحدًا، فيقولوا: ما ما، فأبدلوا الهاء من الألف التي في الأولى، أما عند سيبويه فمركبة من "مه" ضُم إليها "ما" كما تُضم "ما" إلى "إذ" فتصبح إذ ما فيجازى بها. وانظر الكتاب ١/ ٤٣٣. ٢ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] . ٣ استدل سيبويه على زيادة اللام الأولى في لعل أنها تجيء محذوفة اللام، قال: ألا ترى أنك تقول: علك. انظر الكتاب ٢/ ٦٧.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وجعلت صدرًا١، ولولا بناؤها معها لم يجز أن تبتدئ بها إلا وأنتَ تريد التأخير، ومنها: هلاّ بنيت "لا" مع "هَلْ" فصار فيها معنى التحضيض وما لم أذكره فهذا مجراه فيما بني له حرفٌ مع حرفٍ، قال أبو بكر: قد أَتينا على ذكر الاسم والفعل والحرف وإعرابها وبنائها ونحنُ نتبعُ ذلك ما يعرض في الكلام من التقديم والتأخير والإِضمار والإِظهار، إن شاء الله.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٦٧، ٣ من هنا تبدأ نسخة المتحف البريطاني.
[ ٢ / ٢٢١ ]
باب التقديم والتأخير
مدخل
باب التقديم والتأخير:
الأشياء التي لا يجوز تقديمها ثلاثة عشر سنذكرها، وأما ما يجوز تقديمه فكل١ ما عمل فيه فعلٌ متصرفٌ أو كان خبرًا لمبتدأ سوى ما استثنيناه، فالثلاثة العشر التي لا يجوز تقديمها: الصلة على الموصول والمضمر على الظاهر في اللفظ والمعنى إلا ما جاء على شريطة التفسير٢ والصفة وما اتصل بها على الموصوف وجميع توابع الاسم حكمها كحكم٣ الصفة، والمضافُ إليه وما اتصل به على المضاف، وما عمل فيه حرف أو اتصل به حرفٌ٤ زائدٌ لا يقدم على الحرف وما شبه من هذه الحروف بالفعل فنصب ورفع فلا يقدم مرفوعه على منصوبه، والفاعل لا يقدم على الفعل والأفعال التي لا تتصرف لا يقدم عليها ما بعدها٥، والصفات المشبهة بأسماءِ٦ الفاعلين، والصفات التي لا تشبه أسماء الفاعلين لا يقدم عليها ما عملت فيه، والحروف التي لها صدر الكلام لا يقدم ما بعدها على ما قبلها، وما عمل فيه معنى الفعل فلا
_________________
(١) ١ في الأصل: "وكلما". ٢ الواو ساقطة في "ب". ٣ في "ب" حكم. ٤ زيادة من "ب". ٥ الواو ساقطة في "ب". ٦ "بأسماء" ساقطة في "ب".
[ ٢ / ٢٢٢ ]
يقدم المنصوب عليه، ولا يقدم التمييز [وما عمل فيه معنى الفعل] ١، وما بعد إلا، وحروف الاستثناء لا تعمل فيما قبلها ولا يقدم مرفوعه على منصوبه٢، ولا يفرق بين الفعل العامل والمعمول فيه بشيءٍ لم يعمل فيه الفعل٣.
_________________
(١) ١ زيادة من في "ب". ٢ ولا يقدم مرفوعه على منصوبه، ساقط في "ب". ٣ نقل السيوطي هذا الباب حرفيا من الأصول. وانظر: الأشباه والنظائر ١/ ١٤٣.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
شرح الأول من ذلك: وهو الصلة:
لا يجوز أن تقدم على الموصول؛ لأنها كبعضه وذلك نحو صلة "الذي" وأَنْ فالذي توصل بأربعة أشياء؛ بالفعل والفاعل والمبتدأ والخبر وجوابه والظرف ولا بدّ من أن تكون في صلتها ما يرجع إليها، والألف واللام إذا كانت بمنزلة "الذي" فصلتها١ كصلة "الذي" إلا أنكَ تنقل الفعلَ إلى اسم الفاعلِ في "الذي" فتقول في "الذي قامَ": القائمُ، وتقول في "الذي ضَربَ زيدًا": الضاربُ زيدًا، فتصير الألف واللام اسمًا يحتاج إلى صلة، وأنْ تكون في صلته ما يرجع إلى الألف واللام، فلو قلتَ: "الذي ضَربَ زيدًا عمرٌو" فأردت أن تقدم زيدًا على "الذي" لم يجزْ ولا يصلح أن تقدم شيئًا في الصلة ظرفًا كان أو غيره على "الذي" ألبتة، فأما قوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ ٢ فلا يجوز أن تجعلَ "فيه" في الصلة. وقد كان بعضُ مشايخ٣ البصريين يقول: إنَّ الألف واللام ههنا ليستا في معنى "الذي" وإنَّهما دخلتا كما تدخلان على الأسماء للتعريف، وأَجاز أن يقدم عليها إذا كانت بهذا المعنى ومتى كانت بهذا المعنى لم يجزْ أن يعمل ما دخلت عليه في شيءٍ فيحتاج فيه إلى عامل فيها، قال [أبو بكر] ٤: وأنا أظن أنهُ مذهبُ أَبي العباسِ [يعني أنَّ
_________________
(١) ١ في "ب" وصلتها. ٢ يوسف: ٢٠. ٣ في "ب" المشايخ. ٤ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٢٣ ]
الألفَ واللامَ للتعريفِ] ١ والذي عندي فيه: أنَّ التأويل "وكانوا فيه زاهدين من الزاهدين" فحذف "زاهدينَ" وبينَهُ [بقولِه] ٢: ﴿مِنَ الزاهدينَ﴾ وهو قول الكسائي، ولكنه لم يفسر هذا التفسيرَ وكان هو والفراءُ لا يجيزانِه إلا [في] ٣ صفتين في "مِن وفي" فيقولان: "أَنتَ فينا مِنَ الراغبينَ٤، وما أَنت فينا من الزاهدينَ" وأما "أَنْ" فنحو قولكَ: "أَن تقيمَ الصلاةَ خيرٌ لكَ" لا يجوز أن تقول: "الصلاةُ أنْ٥ تقيمَ خيرٌ لكَ" ولا تقدمُ "تقيمُ" على "أَنْ" وكذلك لو قلت: "أنْ تقيمَ الصلاةَ الساعةَ خيرٌ لكَ" لم يجزْ تقديمُ "الساعةَ" على "أَنْ" وكذلك إذا قلت: "أَأَنْ تلد ناقتكم٦ ذكرًا أَحبُّ إليكم٧ أَمْ أُنثى" لم يجز أن تقول: أَذكرًا أَأنْ٨ تلدُ ناقتكُم أَحبُّ إليكم أم أُنثى؛ لأن "ذكرًا" العاملُ فيهِ "تلدُ" وتلدُ في صلة "أَنْ" وكذلك المصادر التي في معنى "أَن نفعلَ"٩ لا يجوز أن يتقدم ما في صلتها عليها، لو قلت: أَولادةُ ناقتكم١٠ ذكرًا أَحبُّ إليكم١١ أم ولادتُها أُنثى، ما جاز أَن تقدم "ذكرًا" على "ولادةٍ"، وكل١٢ ما كان١٣ في صلة شيءٍ من اسمٍ أو فعلٍ مما لا يتمُّ إلا به فلا يجوز أن نفصلَ بينَهُ وبين صلته بشيءٍ غريب منه، لو قلت: "زيدٌ
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ زيادة من "ب". ٣ زيادة من "ب". ٤ في "ب" من الزاهدين. ٥ انظر الكتاب ١/ ٤٥٧، باب الحروف التي لا يقدم فيها الأسماء الفعل. ٦ في "ب" ناقتك. ٧ في "ب" إليك. ٨ في "ب" أن، بهمزة واحدة. ٩ أي: المصادر الصريحة. ١٠ في "ب" ناقتك. ١١ في "ب" إليك. ١٢ في الأصل "وكلما". ١٣ في "ب" من.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
نفسهُ راغبٌ فيكم"١ لم يجزْ أن تؤخر "نفسَهُ" فتجعلهُ بين "راغبٍ" و"فيكم"٢ فتقول: زيدٌ راغبٌ نفسهُ فيكم، فإن جعلتَ "نفسَهُ" تأكيدًا لما في "راغبٍ" جاز.
_________________
(١) ١ في "ب" فيك. ٢ في "ب" فيك.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
شرح الثاني: توابع الأسماء.
وهي الصفةُ والبدلُ والعطفُ، لا يجوز أن تقدم الصفة على الموصوف، ولا أن تُعملَ الصفة فيما قبل الموصوف، ولا تقدم شيئًا [بصيغة المجهول] ١ مما يتصل بالصفة على الموصوف٢، وكذلك البدل إذا قلت: مررتُ برجلٍ ضاربٍ "زيدًا" لم يجز أن تقدم "زيدًا" على "رجل"، وكذلك إذا قلت: "هذا رجلٌ يضربُ زيدًا" لم يجز أن تقول: "هذا زيدًا رجلٌ يضربُ" لأن الصفة مع الاسم بمنزلة الشيء الواحد، وكذلك كل ما اتصل بها، فإذا قلت: "عبد الله رجلٌ يأكلُ طعامَكَ" لم يجز أن تقدم "طعامَك" قبل "عبد الله" ولا قبل "رجل". والكوفيون يجيزون إلغاء "رجلٍ" فيجعلونه بمنزلة ما ليس في الكلام فيقولون: "طعامَكَ عبد اللهِ رجلٌ يأكلُ" لا يعتدون "برجلٍ" وتقديره عندهم: "طعامكَ عبد الله يأكلُ" وإلغاء هذا غيرُ معروف، وللإِلغاء حقوق سنذكرها إن شاءَ الله، ولكن هذه المسألة تجوز على غير ما قدروا وهو أنْ تجعل "رجلًا" بدلًا من "عبد الله" ترفعهُ٣ بالابتداء وتجعلُ "يأكلُ" خبرًا، فحينئذٍ يصلحُ تقديم "طعامَك"، وأما٤ البدلُ فلا يتقدم على المبدلِ منه، وكذلك ما اتصل به لا يتقدم على الاسم المبدلِ منه. وأما العطفُ فهو كذلك
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ لأن الصفة والموصوف كالشيء الواحد. ٣ في "ب" فترفعه. ٤ في "ب" فأما.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
لا يجوز أن يتقدم ما بعد حرف العطف عليه، وكذلك ما اتصل به، والذين أجازوا من ذلك شيئًا أجازوه في الشعر، ولو جعلنا ما جاء في ضرورات الشعر أصولًا لزال الكلام عن جهته، فقدموا حرف النسق مع المنسوق به على ما نُسقَ به عليه وقالوا: إذا لم يكن شيءٌ يرفعُ لم يجزْ تقديم الواو، والبيتُ الذي أنشدوه:
عليكِ ورحمةُ اللهِ السلامُ١
فإنما جاز عندهم؛ لأن الرافع في مذهبهم "عليك" وقد تقدم، ولا يجيزونَ للشاعر إذا اضطر أن يقول: "إنَّ وزيدًا عمرًا قائمان" لأن "إنّ" أداةٌ وكل شيءٍ لم يكن يرفع لم يجز أن تليه الواو عندهم على كل حالٍ، فهذا شاذ لا يقاسُ عليه٢، وليس شيءٌ منصوب مما٣ بعد حرف النسق يجوز تقديمه إلا شيئًا أجازهُ الكوفيونَ فقط، وذلك قولهم: زيدًا قمتُ فَضَربتُ، وزيدًا أَقبلَ عبد اللهِ فشتمَ. وقالوا: الإِقبالُ والقيام هُنا لغوٌ.
_________________
(١) ١ صدر بيت للأحوص، وقد مر في الجزء الأول ٣٧٣ من الأصل. ٢ في "ب" ليس عليه، ولا معنى له. ٣ في "ب" بما.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
شرح الثالث: وهو المضاف إليه:
لا يجوز أن تقدم على المضاف ولا ما اتصل به، ولا يجوز أن تقدم عليه نفسه ما اتصل به فتفصل به بين المضاف والمضاف إليه إذا قلت: "هذا يومُ تضربُ زيدًا" لَمْ يجزْ أن تقول: "هذا زيدًا يومُ تضربُ"، ولا هذا يومُ زيدًا "تضربُ"، وكذلك١: هذا يومُ ضربِكَ زيدًا، لا يجوز أن تقدم "زيدًا"٢ على "يومٍ" ولا على٣ "ضربِكَ" وأما قولُ الشاعر٤:
_________________
(١) ١ في "ب" فقولك. ٢ زيدًا ساقط في "ب". ٣ "على" ساقطة من "ب". ٤ من شواهد سيبويه ١/ ٩١ على الفصل بالظرف بين المضاف والمضاف إليه في الضرورة وهو عجز بيت صدره: لما رأت ساتيدما استعبرت لله در وساتيدما: جبل بالهند لا يعدم ثلجه أبدًا، ورجح البغدادي أنه نهر قرب أرزن. واستعبرت: بكت. والبيت لعمرو بن قميئة قاله في خروجه مع امرئ القيس إلى ملك الروم وهو الذي عناه بقوله: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا وانظر: المقتضب ٤/ ٣٧٧، ومجالس ثعلب ١٥٢، ومعجم البلدان ٣/ ١٦٨-١٦٩، وشرح السيرافي ٢/ ٧٢، وابن يعيش ٣/ ٣٠، والضرائر ٤٣، والإنصاف ١/ ٢٢٦، والخزانة ٢/ ٢٤٧، والديوان ٢/ ٦٢.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
للِه دَرُّ اليومَ مَنْ لاَمَهَا
وقوله:
كَما خُطَّ الكِتَابُ بِكَفِّ يومًا [يهوديٍّ يُقارِبُ أو يُزِيلُ] ١
فزعموا٢: أن هذا لما اضطر فصل بالظرف؛ لأنَّ الظروف٣ تقع مواقعَ لا تكون فيها غيرها، وأجازوا: "أَنا طعامَكَ غيرُ آكلٍ" وكان شيخنا يقول: حملته على "لا" إذ كانت "لا" تقعُ موقعَ "غير". [قال أبو بكر] ٤:
_________________
(١) ١ الشطر الثاني زيادة من "ب" وهو من شواهد سيبويه ١/ ٩١ على الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف للضرورة، والأصل: بكف يهودي، وصف رسوم الدار، فشبهها بالكتابة في دقتها والاستدلال بها، وخص اليهود لأنهم أهل كتاب، وجعل الكتابة بعضها متقارب وبعضها مفترق متباين، ومعنى يزيل: يفرق ويباعد، ونسب الشاهد إلى أبي حية النميري. وانظر: المقتضب ٤/ ٣٧٧، وشرح السيرافي ٢/ ٧٢، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٥٠، وابن يعيش ١/ ١٠٣، والعيني ٣/ ٤٧٠، والتصريح ٢/ ٥٩. ٢ في "ب" فزعم. ٣ في "ب" الظرف. ٤ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٢٧ ]
والحق في ذا عندي أنْ يكون طعامُكَ منصوبًا بغيرِ "آكلٍ" هذا، ولكن تقدر ناصبًا يفسره "هذا" كأنك قلت١: أنا لا آكلُ طعامَك، واستغنيت "بغيرِ آكلٍ" ومثل هذا في العربية كثيرٌ مما يضمرُ إذا أتى بما يدل عليه.
_________________
(١) ١ قلت: ساقط من "ب".
[ ٢ / ٢٢٨ ]
شرح الرابع: الفاعل:
لا يجوزُ أن يقدم على الفعل؛ إذا قلت: "قامَ زيدٌ" لا يجوز أن تقدم الفاعل فتقول: زيدٌ قامَ فترفع "زيدًا" بقامَ ويكون "قامَ" فارغًا، ولو جاز هذا لجاز أن تقول: "الزيدانِ قامَ، والزيدونَ قامَ" تريد: "قام الزيدانِ، وقامَ الزيدونَ" وما قام مقام الفاعل مما لم يُسم فاعلهُ، فحكمه حكم الفاعل إذا قلت: "ضُرِبَ زيدٌ" لم يجز أن تقدم "زيدًا" فتقول: "زيدٌ ضُرِبَ" وترفع زيدًا "بضُرِبَ" ولو جاز ذلك لجاز: "الزيدانِ ضُرِبَ، والزيدونَ ضُرِبَ"، فأما تقديم المفعول على الفاعل وعلى الفعل١ إذا كان الفعل متصرفًا فجائزٌ، وأعني بمتصرفٍ أن يقال: [منه] ٢ فَعَلَ يفعلُ فهو فاعلٌ، كضَرَبَ يضربُ وهو ضاربٌ، وكذلك اسم الفاعل الذي يعملُ عملَ الفعل حكمهُ حكمُ الفعلِ.
_________________
(١) ١ على الفعل، ساقط في "ب". ٢ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٢٨ ]
الخامس: الأفعال التي لا تتصرف:
لا يجوز أن يقدم عليها شيءٌ مما عملتْ فيه وهي نحو: نِعْمَ وبِئْسَ وفِعلُ التعجب و"ليسَ" تجري عندي ذلك المجرى؛ لأنها غير متصرفةٍ، ومَه وصَه وعليكَ، وما أشبهَ هذا أبعد في التقديم والتأخير.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
السادس: ما أعمل من الصفات تشبيهًا بأسماء الفاعلين وعمل عمل الفعل:
وذلك نحو "حَسَنٌ وشديدٌ وكريمٌ" إذا قلتَ: هو كريمٌ حَسبَ الأبِ، وهو حَسَن وجهًا، لم يجز أن تقول: هُوَ وجهًا حَسَنٌ، ولا هُوَ حَسَب الأبِ كريمٌ، وما كان من الصفات لا يشبه أسماء الفاعلين فهو أَبعدُ لهُ من العمل والتقديم، وكل ما كان فيه معنى فعل وليسَ بفعلٍ ولا اسم١ فاعلٍ، فلا يجوزُ أن يتقدم ما عَمِلَ فيهِ عليهِ.
_________________
(١) ١ تصحيح من "ب" والأصل "والاسم".
[ ٢ / ٢٢٩ ]
السابع: التمييز:
اعلم: أن الأسماء التي تنتصب انتصاب التمييز لا يجوز أن تقدم على ما عمل فيها، وذلك قولك: "عشرونَ درهمًا" لا يجوزُ: "درهمًا عشرونَ" وكذلك: له عندي رطلٌ زيتًا، لا يجوز: "زيتًا رطلٌ" وكذلك إذا قلت: "هو خيرٌ عبدًا" لا يجوز: "هُو عبدًا خَيرٌ" فإن كان العامل في التمييز فعلًا، فالناس١ على ترك إجازة تقديمه سوى المازني، ومن قال بقوله وذلكَ قولكَ: "تفقأتُ سمنًا" فالمازني يجيز: "سمنًا تفقأتُ"٢ وقياس بابه أن لا يجوز؛ لأنه فاعل في الحقيقة وهو مخالف للمفعولات، ألا ترى أنهُ إذا قال: "تفقأتُ شحمًا" فالشحمُ هو المفقأ، كما أنه إذا قال: "هو خيرٌ عبدًا" فالعبدُ هو خيرٌ، ولا يجوز تعريفهُ فبابه أولى به، وإن كان العاملُ فيه فعلًا، وفي الجملة أن المفسر إنَّما "ينبغي أن"٣ يكون بعد المفسر، واختلف النحويون في: بطرتِ القريةُ
_________________
(١) ١ قال سيبويه ١/ ١٠٥: وقد جاء من الفعل ما أنفذ إلى المفعول ولم يقوَ قوة غيره مما قد تعدى إلى مفعول، وذلك قولك: امتلأت ماء، وتفقأت شحمًا.. ولا يقدم المفعول فيه، فتقول: ماء امتلأت. ٢ انظر: المقتضب ٢/ ٣٦، والإنصاف/ ٤٩٣، وشرح ابن يعيش ٢/ ٧٣. ٣ ينبغي أن، ساقط في "ب".
[ ٢ / ٢٢٩ ]
معيشتَها، وسفه زيدٌ رأيَه، فقال بعضهم: نصبُه كنصبِ التفسير، والمعنى: "سَفِهَ رأي زيد" ثم حول السفهُ إلى زيدٍ فخرج الرأي مفسرًا فكأن حكمه أن يكون: "سفَه زيدٌ رأيًا" فترك على إضافته ونُصبَ كنصبِ النكرة، قالوا: وكما١ لا يجوز تقديم ما نصب على التفسير لا يجوز تقديم هذا، وأجاز٢ بعض التقديم وهو عندي القياس؛ لأن المفسر لا يكون إلا نكرةً، وإنما يجري هذا -والله أعلم- على: جَهِلَ زيدٌ رأيهُ، وضيّعَ زيدٌ رأيهُ، وما أشبه هذا. وكذلك: بطرتْ معيشَتها، كأنه: كرهت معيشتها وأحسبُ البطر أنه كراهيةُ الشيءِ من غير أنْ يستحق أن يكره، وكان شيخنا٣ -﵀- لا يجيز: "وجعَ عبد اللهِ رأسَهُ" في تقديمٍ ولا تأخيرٍ؛ لأن "وجعَ" لا تكون متعدية وهي جائزةٌ في قول الكسائي والفراء.
_________________
(١) ١ في "ب" فكما. ٢ في الأصل "وجاز" والتصحيح من "ب". ٣ أي: أبو العباس المبرد.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
الثامن: العوامل ١ في الأسماء، والحروف التي تدخل على الأفعال:
الأول ٢ من ذلك: ما يدخلُ على الأسماء ويعمل فيها، فمن ذلك: حروف الجر، لا يجوز أن يقدم عليها ما عملت فيه، ولا يجوز أن يفرق بينها وبين ما تعملُ٣ فيه، ولا يجوز أن يفصل بين الجار والمجرور حشو إلا ما جاء في ضرورة الشعر، لا يجوز أن تقول: "زيدٌ في اليوم الدارِ" تريدُ: "في الدار اليومَ" ولا ما أشبه ذلك، وقد أجاز قومٌ: "لستَ زيدًا بضاربٍ" لأن الباء تسقط، والقياس يوجب أن تضمر فعلًا ينصب "زيدًا" تفسرهُ٤
_________________
(١) ١ في "ب" العاملة. ٢ في "ب" فالأول. ٣ في "ب" وما عملت. ٤ في "ب" تفسيره.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
"بضاربٍ" ومن ذلك "إنَّ وأخواتها" لا يجوز أن يقدم عليهن ما عَملن فيه، ولا يجوز أن تفرقَ بينهن وبين ما عَملن فيه بفعلٍ، ولا تقدمُ أخبارهن على أسمائِهن إلا أن تكون الأخبارُ ظروفًا، فإن كان الخبرُ ظرفًا قلت: إنَّ في الدار زيدًا، وإنَّ خلفكَ عمرًا، والظروف يتسع فيهن خاصة، ولكن لا يجوز أن تقدم الظرف على "إنَّ"، ومن الحروف التي لا يقدم عليها ما يليها: "إلا" وجميع ما يستثنى به؛ لأنَّ ما بعد حرف الاستثناء نظيرُ ما بعد "لا" إذا كانت عاطفةً، وقد فسرنا١ هذا فيما تقدم٢.
وأما الحروف التي تدخلُ على الأفعال فلا تتقدم فيها الأسماء، وهي٣ على ضربين: حروفٌ عواملُ، وحروفٌ غير عواملَ، فالحروفُ العوامل في الأفعالِ الناصبةِ نحو: "جئتكَ كي زيدٌ يقولَ ذاكَ"، لا يجوز٤: "ولا خفتُ أن زيدٌ يقول ذاكَ"٥، ومنها الحروف الجوازم وهي: لَمْ ولمَّا ولا التي تجزمُ في النهي واللام التي تجزم في الأمر٦، لا يجوزُ أن تقولَ: "لَمْ زيد يأتِكَ" لأن الجزمَ نظير الجر، ولا يجوز لك أن تفصل بينها وبين الفعلِ بحشو، كما لا يجوز لك أن تفصل بين الجار والمجرور بحشوٍ إلا في ضرورة شعرٍ، ولا يجوز ذلك في التي تعمل في الأفعال فتنصب كراهية أن تشبه بما يعمل في الأسماء؛ لأن الاسم ليس كالفعل كذلك٧ "ما يشبههُ"٨، ألا
_________________
(١) ١ في "ب" فسر. ٢ شرح هذا/ ٣٢٤ من الجزء الأول. ٣ في "ب" فهي. ٤ "لا يجوز" ساقط في "ب". ٥ انظر الكتاب ١/ ٤٥٦-٤٥٧. ٦ لما كان الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، فكما لا يجوز الفصل بين حرف الجر ومعموله، كذلك لا يجوز الفصل بين حرف الجزم ومعموله. ٧ قال سيبويه ١/ ٤٥٧: ومما لا تقدم فيه الأسماء الفعل الحروف العوامل في الأفعال الجازمة وتلك: لم، ولما، ولا التي تجزم الفعل في النهي، واللام التي في الأمر. ٨ "ما يشبهه" ساقطة في "ب".
[ ٢ / ٢٣١ ]
ترى كثرة ما يعمل في الاسم وقلة ما يعملُ في الفعلِ، وحروف الجزاء يقبحُ١ أن يقدم٢ الاسمُ معها على٣ الأفعال، شبهوها بالجوازم التي لا تخلو من الجزم إلا أنَّ حروف الجزاءِ "فقط"٤ جاز ذلك فيها في الشعر؛ لأن حروف الجزاء يدخلها "فَعَلَ ويفعلُ" ويكون فيها الاستفهام، ويجوز في الكلام أن يلي "إن" الاسم إذا لم تجزم نحو قوله:
عَاودْ هراةَ وإنْ معمورُها خرِبا٥
وإن جزمت فلا يجوز إلا في الشعر؛ لأنها تشبهُ "بلَم"، وإنما جازَ هذا في "إنْ" لأنها أم الجزاء لا تفارقه كما جاز إضمار الفعل فيها حين قالوا: "إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرٌّ" وهي على كل حالٍ إنْ لَم يلها فِعلٌ في اللفظ فهو مقدر في الضمير. وأما سائر حروف الجزاء فهذا فيها ضعيفٌ، ومما جاء في الشعر مجزومًا في غير "إنْ" قول عَدي بن زيدٍ٦:
فَمَتَى وَاغِلٌ يَنُبْهُم يُحيُّو هُ وتُعْطَفْ عليهِ كَأْسُ السَّاقي٧
_________________
(١) ١ في الأصل: يصح، ولا معنى له. ٢ في "ب" الأسماء. ٣ في "ب" قبل الأفعال. ٤ في "ب" فقط ساقطة. ٥ من شواهد الكتاب ١/ ٤٥٧ على تقديم الاسم على الفعل بعد "إن" وحمله على إضمار فعل؛ لأن حرف الشرط يقتضيه مظهرًا أو مضمرًا، وجاز تقديمه مع الفعل الماضي في "إن" لأنها أم حروف الجزاء، فقويت وتصرفت في التقديم والتأخير. قال الأعلم: وهراة: اسم أرض، وقال ياقوت: هراة: مدينة عظيمة من أمهات مدن خراسان زارها سنة ٦٠٧هـ، وهذا الشاهد لم ينسب لقائل معين ولم تعرف بقيته. وانظر الحماسة للمرزوقي ١/ ١٧٤. ٦ في "ب" فإن. ٧ من شواهد سيبويه ١/ ٤٥٨، والواغل: الداخل على الشرب من غير دعوة بمنزلة الوارش في الطعام، ينبهم: ينزل بهم. ورواه البغدادي في الخزانة: فمتى واغل يزرهم وانظر المقتضب ٢/ ٧٦، وابن الشجري ٢/ ٣٣٢، والإنصاف/ ٦١٧، وابن يعيش ٩/ ١٠، والخزانة ١/ ٤٥٦ و٣/ ٦٣٩، وحماسة البحتري/ ١٤٠.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وقال الحسامُ:
صَعْدَةٌ نَابِتَةٌ في حَائِرٍ أيْنَمَا الرِّيحُ تُمَيِّلْهَا تَمِلْ١
وإذا قالوا في الشعر: "إنْ زيدٌ يأتكَ يكن كَذا" إنما ارتفع٢ على فعل هذا تفسيره، وهذا يبين في باب ما يضمر من الفعل، ويظهر إن شاء الله.
الضرب الثاني [منه] ٣ الحروف التي لا تعمل فمنها ٤:
"قَدْ" وهي جواب لقوله: "أَفعلُ" كما كانت "ما فعلَ" جوابًا لِهَلْ "فَعَلَ" إذا أخبرت أنه لم يقع، ولما يفعلْ وقد فَعلَ، إنما هُما لقومٍ ينتظرون شيئًا، فمن ثم أشبهت "قَد" لما في أنها لا يفصل بينها وبين الفعلِ، ومن هذه الحروف "سوفَ يفعلُ" لا يجوز أن تفصل بين "سوفَ" وبين "يفعلُ" لأنها بمنزلة "السين" في "سيفعلُ" وهي إثبات لقوله: "لَنْ يفعلَ" ومما شبهَ٥ بهذه
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ١/ ٤٥٨ على تقديم الاسم على الفعل مع "أينما" ضرورة، والصعدة: القناة التي تنبت مستوية فلا تحتاج إلى تثقيف وتعديل، والحائر: المكان المطمئن الوسط المرتفع الحروف، وإنما قيل له حائر؛ لأن المياه تحير فيه فتجيء وتذهب. وصف امرأة فشبه قدها بقناة وجعلها في حائر؛ لأن ذلك أنعم لها وأشد لتثنيها إذا اختلفت الريح. ونسب البغدادي هذا البيت إلى ابن جعيل. وانظر: المقتضب ٢/ ٧٥، وابن الشجري ١/ ٣٣٢، والإنصاف ٦١٨، والعيني ٤/ ٤٣٤، والخزانة ١/ ٤٥٧ و٣/ ٤٦٠. ٢ في "ب" تقع. ٣ زيادة من "ب". ٤ في "ب" منها. ٥ في "ب" يشبه.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
الحروف "رُبَّمَا، وقَلما، وأشباههما" جعلوا "رُبَّ" مع "مَا" بمنزلة كلمة واحدة ليذكر بعدها الفعلُ، ومثل ذلك "هَلاَّ ولولا وألا، ألزموهن لا" وجعلوا كل واحدة مع "لا" بمنزلة حرف واحد، وأخلصوهن للفعلِ حيثُ دخل فيهن معنى التحضيض، وقد يجوز في الشعر تقديمُ الاسم، قال الشاعر:
صَدَدْتِ فأَطْوَلْتِ الصُّدُودَ وقَلَّما وِصَالٌ على طُولِ الصُّدودِ يَدُومُ١
وهذا لفظُ سيبويه٢.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ١٢ و١/ ٤٥٩ على وقوع الجملة الاسمية بعد "قلما" ضرورة؛ لأن ما تكف الفعل "قل" ولا يقع بعد "قلما" إلا الجمل الفعلية. ونسبه الأعلم للمرار الفقعسي، ونسبه سيبويه لعمر بن أبي ربيعة وهو في ديوانه/ ٤٩٤ في قسم الشعر المنسوب إليه. وأطولت: من طال، وكان عليه أن يقول: أطلت، فقد جاء تصحيح الفعل "أطول" شاذًّا قياسًا. وانظر: المنصف ١/ ١٩١، والمقتضب ١/ ٨٤، وابن يعيش ٧/ ١١٦، وشرح السيرافي ٤/ ١٣، والمحتسب ١/ ٩٦، وشرح الرماني ٣/ ١٦٣، والخصائص ١/ ١٤٣، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٣٩. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤٥٩، والتذييل والتكميل ٣/ ٢٦٣.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
التاسع: الحروف التي تكون صدور ١ الكلام:
هذه الحروف عاملة كانت أو غير عاملةٍ، فلا يجوز أن يقدم ما بعدها على ما قبلها وذلك نحو ألف الاستفهام، و"ما" التي للنفي، ولامُ الابتداء، لا يجوز أن تقول: "طعامَكَ أَزيد آكلٌ" ولا "طعامَكَ لزيدٌ آكلٌ" وإنَّما أَجزنا: إنَّ زيدًا طعامَك لآكلٌ؛ لأن تقدير اللام أنْ يكون قبل "إنَّ" وقد بينا هذا فيما تقدم، هذه اللام التي تكسر "إنَّ" هي لام الابتداء، وإنما فُرقَ بينهما لأن معناهما في التأكيد واحدٌ، فلما أُزيلت عن المبتدأ وقعت٢ على خبره، وهي
_________________
(١) ١ في "ب" صدر. ٢ في "ب" أوقعت.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
لا يجوز أن تقع إلا على اسم "إنَّ" أو يكون بعدها خبره، فالاسم نحو قولك: "إنَّ خلفَك لزيدًا" والخبرُ نحو: "إنَّ زيدًا لآكلٌ طعامَكَ" فإن قلت: "إنَّ زيدًا آكلٌ لطعامكَ" لم يجز؛ لأنها لم تقع على الاسم ولا الخبر. ومن ذلك "ما" النافية، تقول: "ما١ زيدٌ آكلًا طعامَك"، ولا٢ يجوزُ أن تقدم "طعامَكَ" فتقول: "طعامَكَ ما زيدٌ آكلًا" ولا يجوز عندي تقديمهُ وإن رفعت الخبر، وأما الكوفيون٣ فيجيزون: "طعامَكَ ما زيد آكلًا" يشبهونها "بلَم" و"لنْ" وأَباهُ البصريون٤، وحجة البصريين أنهم لا يوقعون المفعول إلا حيثُ يصلحُ لناصبه أن يقعه، فلما لم يجزْ أن يتقدم الفعلُ على ما لم يجز أن يتقدم ما عَمِلَ فيه الفعل، والفرق بين "مَا" وبين "لَمْ ولَنْ": أنَّ "لَنْ ولَمْ لا يليهما إلا الفعلُ، فصارتا مع الفعلِ بمنزلة حروف الفعل"٥. وأجازَ البصريون٦: "ما طعامَكَ آكلٌ إلاّ زيدٌ" وأحالها الكوفيونَ إلا أحمد بن يحيى٧.
ومن ذلك "لا" التي تعمل في النكرة النصب وتُبنى معها لا تكون إلا صدرًا ولا يجوز أن تقدم ما بعدها على ما قبلها وهي مشبهة٨ "بإنَّ"، وإنما يقع بعدها المبتدأُ والخبرُ، فكما لا يجوز أن تقدم ما بعد "إنَّ" عليها كذلك
_________________
(١) ١ في "ب" ما زيدًا، وهو خطأ. ٢ في "ب" لا بدون الواو. ٣ جوز الكوفيون: ما زيد آكل؛ لأن "ما" بمنزلة لم ولن ولا، لأنها نافية، كما أنها نافية وانظر الإنصاف/ ١٠١. ٤ لأن "ما" معناها النفي ويليها الاسم والفعل، فأشبهت حرف الاستفهام. وحرف الاستفهام لا يعمل ما بعده فيما قبله، فكذلك "ما" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وانظر الإنصاف/ ١٠١. ٥ في "ب" حروف من الفعل. ٦ في "ب" وأجازه. ٧ أي: ثعلب. ٨ في "ب" تشبه.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
هي، والتقديم فيها أَبعدُ لأن "إنَّ" أشبهُ بالفعل منها، فأما "لا" إذا كانت تلي الأسماء والأفعال، وتصرفت في ذلك ولم تُشبه "بليسَ" فلك التقديم والتأخير؛ تقول: "أَنتَ زيدًا١ لا ضاربٌ ولا مكرمٌ" وما أشبه ذلك، ومن ذلك "إنْ" التي للجزاء لا تكون إلا صدرًا، ولا بُدَّ من شرط٢ وجوابٍ، فالجزاء مشبه بالمبتدأ والخبر إذ كان لا يستغني أحدهما عن الآخر ولا يتم الكلام إلا بالجميع٣ فلا يجوز أن تقدم ما بعدها على ما قبلها، لا يجوز أن تقول: "زيدًا إنْ تضربْ أَضربْ" بأي الفعلين نصبته فهو غير جائزٍ؛ لأنه إذا لم يجز٤ أن يتقدم العاملُ لم يجز أن يتقدم المعمولُ عليه٥ وأجاز الكسائي أن تنصبهُ بالفعل الأول٦، ولم يجزها أحدٌ من النحويين، وأجاز هو والفراءُ أن يكون منصوبًا بالفعل الثاني. قال الفراء: إنما أَجزتُ أن يكونَ منصوبًا بالفعل الثاني وإنْ كان مجزومًا؛ لأنهُ يصلحُ فيه الرفعُ وأن يكون مقدمًا فإذا قلت: "إنْ زيدًا تضربْ آتِكَ" فليس بينهم خلاف "وتضربْ جَزمٌ" إلا أنهم يختلفون في نصب "زيدٍ"، فأَهل البصرة يضمرونَ فعلًا ينصبُ وبعضهم ينصبه بالذي بعدهُ، وهو قولُ الكوفيينَ وأجازوا: "إنْ تأتني زيدًا أضربْ" إلا أنَّ البصريينَ يقولونَ بجزمِ الفعلِ بعد "زيدٍ" وأبى٧ الكوفيونَ جزمَهُ، وكان الكسائي يجيزُ الجزمَ إذا فرق بين الفعلين بصفةٍ، نحو قولك: "إنْ تأتني إليك أَقصدْ"
_________________
(١) ١ في "ب" زيد، بالرفع. ٢ في "ب" شرك، وهو خطأ. ٣ في "ب" ولا. ٤ في "ب" لم يكن. ٥ في "ب" فيه. ٦ في الإنصاف/ ٣٢٧، ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز تقديم المفعول بالجزاء على حرف الشرط نحو: زيدًا إن تضرب أضرب، واختلفوا في جواز نصبه بالشرط، فأجازه الكسائي ولم يجزه الفراء. ٧ في الأصل: "وأبا".
[ ٢ / ٢٣٦ ]
فإذا١ فرق بينهما بشيءٍ من سبب الفعل الأول فكلهم٢ يجزم الفعل الثاني.
_________________
(١) ١ في "ب" وإذا. ٢ في الأصل: وكلهم، والتصحيح من "ب".
[ ٢ / ٢٣٧ ]
العاشر: أن يفرق بين العامل والمعمول فيه بما ليس للعامل فيه سبب، وهو غريب منه:
وقد١ بينا أنَّ٢ العوامل على ضربين: فعل وحرف، وقد شرحنا أمر الحرف فأما الفعل الذي لا يجوز أن يفرق بينه وبينَ ما عَمِلَ٣ فيه٤ فنحو قولك: "كانت زيدًا الحمى تأخذ" هذا لا يجوز٥؛ لأنك فرقتَ بين "كانَ" واسمها بما هو غريبٌ منها؛ لأن "زيدًا" ليس بخبرٍ لها ولا اسم، ولا يجوز: "زيدٌ فيكَ وعمرٌو رغبَ" إذا أردت: " [زيدٌ] ٦ فيكَ رَغِبَ وعمرٌو" لأنك فرقتَ بين "فيكَ" ورغب بما ليس منهُ. وإذا قلت: "زيدٌ راغبٌ نفسه فيكَ" فجعلتَ "نفسَهُ" تأكيدًا "لزيدٍ" لم يجزْ؛ لأنك فرقت بينَ "راغبٍ وفيكَ" بما هو غريب منه، فإنْ جعلتَ "نفسَهُ" تأكيدًا لما٧ في "راغبٍ" جازَ، وكذلك الموصولاتُ لا يجوز أن يفرقَ٨ بين بعض صلاتها وبعضٍ بشيءٍ غريب منها، تقول: "ضربي زيدًا قائمًا" تريد: إذا كان قائمًا، "فقائمًا" حالٌ لزيدٍ، وقد سدت٩ مسدَّ الخبر؛ لأن "ضربي" مبتدأ، فإن
_________________
(١) ١ في "ب" فقد. ٢ "أنّ" ساقط من "ب". ٣ في "ب" أعمل. ٤ فيه ساقطة في "ب". ٥ قال سيبويه / ٣٦: لو قلت: كان زيدًا الحمى تأخذ، وتأخذ الحمى، لم يجز وكان قبيحًا. ٦ زيادة من "ب". ٧ "في" ساقط من "ب". ٨ في "ب" بينها وبين صلاتها. ٩ في "ب" سد، بإسقاط التاء.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
قدمت "قائمًا" على زيدٍ، لم يجزْ لأن "زيدًا" في صلة "ضربي" و"قائمًا" بمنزلة الخبر، فكما لا يجوزُ: "ضَرْبي حَسَنٌ زيدًا" تريد: "ضربي زيدًا حَسَنٌ" كذلك لا يجوز هذا، وكذلك جميع الصلات.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
الحادي عشر: تقديم المضمر على الظاهر في اللفظ والمعنى:
أما تقديم المضمر على الظاهر الذي يجوز في اللفظ فهو أن يكون مقدمًا في اللفظ مؤخرًا في معناهُ ومرتبته، وذلك نحو قولك: "ضَربَ غلامَه زيدٌ" كان الأصل: ضَرَبَ زيدٌ غلامَهُ، فقدمتَ ونيتُكَ التأخير، ومرتبةُ المفعول أن يكون بعد الفاعل، فإذا قلت: "ضَربَ زيدًا غلامُه" كان الأصل: "ضَرَبَ غلامُ زيد زيدًا" فلما قدمتَ "زيدًا" المفعول فقلت: ضَربَ زيدًا، قلت: غلامهُ وكان الأصل: "غلامُ زيدٍ" فاستغنيت عن إظهارهِ لتقدمِه، قال الله ﷿: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ ١ وهذه المسألة في جميع أحوالها لم تقدم٢ فيها مضمر٣ على مظهرٍ، إنما جئتَ بالمضمر بعدَ المظهرِ إذا استغنيتَ عن إعادته، فلو٤ قدمتَ فقلت: "ضَربَ غلامهُ زيدًا" تريدُ: ضربَ زيدًا غلامهُ لم يجزْ؛ لأنك قدمتَ المضمرَ على الظاهر في اللفظ [والمرتبةِ] ٥ لأن حق الفاعل أن يكون قبل المفعول، فإذا كان في موضعه وعلى معناه فليس لك أن تنوي به غير موضعه، إنما تنوي بما كان في غير موضعهِ موضعَه٦ فافهم هذا، فإنَّ هذا٧ الباب عليه يدور. فإذا قلت:
_________________
(١) ١ البقرة: ١٢٤، و"بكلمات" زيادة من "ب". ٢ في "ب" يتقدم، بصيغة المبني للمفعول. ٣ في "ب" مضمرًا بالنصب. ٤ في "ب" لو. ٥ زيادة من "ب". ٦ في "ب" وموضعه، بزيادة واو. ٧ في "ب" فإن ذا.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
"في بيتهِ يؤتى الحكمُ"، جازَ١؛ لأن التقدير "يؤتى الحكمُ في بيتهِ"، فالذي قامَ مقامَ الفاعلِ ظاهرٌ وهو "الحكمُ" ولم تقدم ضميرًا على ظاهرٍ٢ مرتبتُه أنْ يكون قبل الظاهر، فإن قلت: "في بيتِ الحكمِ يؤتى الحكمُ" جاز أن تقول: "يؤتى" وتضمر استغناءً عن إظهاره إذ كان قد ذكره كما تقول إذا ذكر إنسانٌ زيدًا: قامَ وفعلَ، وكذلك إذا ذكر اثنين قلت: "قاماَ وفَعلا" فتضمر اسم من لم تذكر استغناءً بأنَّ ذاكرًا قد ذكره، فإنْ لم تقدره هذا التقدير لم يجز، فإن قدمت فقلت: "يؤتيانِ في بيتِ الحكمينِ" تريد: "في بيتِ الحكمينِ يؤتيانِ" لم يجز، ومن هذا: زيدًا أبوهُ ضَربَ، أو يضربُ، أو ضاربٌ، فحقهُ٣ أن تقول: "زيدًا أبو زيدٍ ضَرَبَ" واختلفوا في قولهم: "ما أَرادَ أَخَذ زيدٌ" فأجازهُ البصريون، ورفعوا زيدًا "بأَخذَ" وفي "أَرادَ" ذكرٌ من زيدٍ، وأبى٤ ذلك الكوفيون ففرقوا٥ بينهُ وبين "غلامَهُ ضَربَ زيدٌ" بأن الهاءَ من نفس الاسم بمنزلة التنوين فصار بمنزلة: غلامًا ضَربَ زيدٌ، ويقولُ قومٌ من النحويين: إذا كان المخفوض ليس في نية نصب فلا يقدم مكنيهُ تقول: "في داره ضربتُ زيدًا" ولا يجوز عندهم: "في داره قيامُ زيدٍ" وهذا الذي لم يجيزوهُ هو كما قالوا مِنْ قبل: إني إذا قلت: "قيامُ زيدٍ" فقيام مبتدأ، ويجوز أن يسقط "زيدٌ" فيتم الاسم، فهو بمنزلة ما ليس في الكلام لأنَّهُ من حشو الاسم وليسَ بالاسم، وإنما أجزت: "قيام زيدٍ في دارهِ"، استغناءً بذكرِ "زيدٍ" ولو قلت: قيام زيدٍ في دارٍ، تمَّ الكلام ولم يُضطر فيه إلى إضمار، فإذا جاءَ الضمير والكلام غير مضطر إليه كان بمنزلة ما لم يذكر، فإذا كان الضمير مؤخرًا بهذه الصفة فهو في التقديم أَبعدُ. واختلفوا في قولهم: "لبستُ مِنَ الثياب أَلينَها" فمنهم من يجيزها كما يجيز: درهَمهُ أَعطيتُ زيدًا، ومن أَباهُ قال:
_________________
(١) ١ جاز، ساقط من "ب". ٢ الحكم، ولم تقدم ضميرًا على ظاهر، ساقط في "ب". ٣ في "ب" حقه، بإسقاط الفاء. ٤ في الأصل: "وأبا". ٥ في "ب" وفرقوا.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
الفعلُ واقعٌ على "أَلينَ" دون الثيابِ، وأَجازوا جميعًا: "أَخذَ ما أرَادَ زيدٌ"، "وأحبَّ ما أَعجبَهُ زيدٌ" "وخَرجَ راكبًا زيدٌ" لم يختلفوا إذا قدموا الفعلَ، وأهل البصرة أجازوا١: "راكبًا خَرجَ زيدٌ" ولم يجزها الفراءُ والكسائي وقالا٢: فيها ذكر من الاسم فلا يقدم على الظاهرِ، ولو كان لا يقدمُ ضمير ألبتة على ظاهرٍ لوجبَ ما قالا٣ ولكن المضمر٤ يقدمُ على الظاهر إذا كان في غير موضعه بالصفة التي ذكرت لك، وأجمعوا على قولهم: "أَحرز زيدًا أَجلُه" وفي القرآن: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ ٥ لأنه ليس في ذا تقديمُ مضمرٍ على ظاهرٍ، وأجمعوا على: "أَحرزَ زيدًا أَجلُه" وعلى: "زيدًا أحرزَ أَجلهُ" فإن قالوا: "زيدًا أَجلهُ أَحرزَ" فأكثر النحويين المتقدمين وغيرهم يحيلُها إلاّ هِشامًا٦ وهي تجوز لأن المعنى: "أَجلُ زيدٍ أحرزَ زيدًا" فلما قلت: "زيدًا أَجلُ زيدٍ أحرزَ" لم تحتج إلى إظهار زيدٍ مع الأجلِ، واختلفوا في: "ثوبِ أَخويكَ يلبسانِ" وهي عندي جائزةٌ؛ لأن المعنى: "ثوبُ أَخويكَ يلبسُ أَخواكَ" فاستغنى عن إعادة الأخوين بذكرهما فأُضمرا.
وأجاز الفراء: دارُ قومِكَ يهدمُ هُم "ويهدمونَ هُم" وتقول: "حينَ يقومُ زيدٌ يغضبُ" لأنكَ تريد: "حينَ يقومُ زيدٌ يغضبُ زيدٌ" فلو أظهرتهُ لجاز واستغنى عن إضماره٧ بذكرِ زيدٍ، ولو أظهرتهُ لظن أنه زيدٌ آخرُ، وهو على إلباسه يجوزُ، ولَيس هذا مثل: "زيدًا ضَربَ" إذا أردتَ: "ضَربَ نفسهُ"
_________________
(١) ١ في "ب" يجيزون. ٢ في الأصل "قالوا" وهذه مسألة شرحها ابن الأنباري في الإنصاف. انظر ص١٤٢-١٤٤. ٣ في الأصل "قالوا". ٤ في الأصل "الضمير" والتصحيح من "ب". ٥ الأنعام: ١٥٨. ٦ هشام: أبو عبد الله هشام بن معاوية الضرير من نحاة الكوفة، مات سنة ٢٠٩هـ، ترجمته في معجم الأدباء ١٩/ ٢٩٢. ٧ في "ب" إظهاره.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
لأن هذا إنما امتنع؛ لأنه فاعل مفعولٍ، وقد جعلت المفعولَ [لا بدّ منهُ] ١، وحقُّ الفاعل أن يكون غير المفعول إلا في الظن وأخواته، فإذا أردت هذا المعنى قلت: "ضَربَ زيدًا نفسُهُ" "وضَربَ زيدٌ نفسَهُ" وقالوا: فإن لم تجئ بالنفس فلا بدّ من إظهار المكني ليقوم مقامَ ما هو منفصلٌ من الفعل؛ لأن الضميرَ المنفصل بمنزلة الأجنبي، فتقول: "ضَربَ زيدًا هُوَ" و"ضَربَ زيدٌ إيَّاهُ" واحتجوا بقوله عز وجل٢: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ ٣ كأنه في التقدير: "وما يَعلمُ جنودَ ربِّكَ إلاّ ربُّكَ" ولو جاز أن تقولَ: ضربتني وضربتُكَ فأوقعتَ٤ فعلَكَ على نفسِكَ ومَنْ تخاطِبهُ للزمكَ٥ أن٦ تقول: "ضَربهُ" للغائبِ، فتوقع فِعْلَ الغائب على نفسه بالكناية فلا يعلم لمن الهاء فإذا قلت: "ضَربَ نفسَهُ" بان لكَ ذلكَ، وأما الذي يجوز فيه تعدي فعلِ الفاعل إلى نفسهِ فقولك: "ظننتني قائمًا وخلتني جالسًا" فإنَّ هذا وما أشبههُ يتعدى فيه فعلُ المضمر إلى المضمر ولا يتعدى فعلُ المضمر إلى الظاهر؛ لأنَّهُ يصيرُ فيه المفعولُ الذي هو فضلةٌ لا بدَّ منهُ وإلا بطلَ الكلام. وهذه مسألةٌ شرحها أبو العباس وذكر قول أصحابه ثم قولهُ، قالَ: قال سيبويه: "أزيدًا٧ ضربَهُ أبوهُ" لأن ما كانَ من سببهِ موقعٌ به الفِعلَ كما يوقعه ما ليس من سببه ولا أقول: "أزيدًا ضربَ" فيكون الضمير في "ضربَ" هو الفاعلُ، وزيدٌ مفعولًا، فيكون هو الضاربُ نفسَهُ وأضع الضمير في موضع أبيه حيث كان فاعلًا، قيلَ لهُ: لِمَ٨ لا يجوزُ هذا وما٩ الفصلُ بينَهُ
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ ﷿ ساقط في "ب". ٣ المدثر: ٣١. ٤ في "ب" فتوقع. ٥ في "ب" للزم. ٦ في "ب" كأن. ٧ في "ب" زيدًا، بدون الهمزة. ٨ في "ب" فلم. ٩ في الأصل "وأما" والتصحيح من "ب".
[ ٢ / ٢٤١ ]
وبينَ أبيه، وقد رأينا ما كانَ من سببه يحلُّ محلَّهُ في أَبوابٍ؟ فالجوابُ في ذلك: أنَ المفعولَ منفصلٌ مستغنٍ عنهُ بمنزلةِ ما ليس في الكلامِ، وإنما ينبغي أن يصححَ الكلامُ بغير مفعولٍ ثم يؤتى بالمفعول فضلةً، وأنت إذا قلت: "أزيدًا ضَربَ" فَلو حذفتَ المفعول بطلَ الكلامُ، فصار المفعولُ لا يستغنى عنه، وإنما الذي لا بدّ منه مع الفعلِ الفاعلُ. وكذلك١ لا تقول: "أَزيدًا ظنهُ منطلقًا" لأن الفاعلَ إذا مَثُلَ بطلَ فصرتَ إنْ قدمتهُ لتضعهُ في موضعه، صار "ظَنَّ زيدًا منطلقًا" فأضمرتَ قبلَ الذكرِ، ولكن لو قلت: "ظنهُ زيدٌ قائمًا" وإياهُ ظُن زيدٌ أَخًا، كان أجود كلامٍ؛ لأنَّ فِعلَ زيدٍ يتعدى٢ إليه في باب "ظننتُ وعلمتُ وأَخواتهما" ولا يتعدى إليه في "ضَربَ" ونحوه، ألا ترى أنكَ تقول: "غلامُ هندٍ ضَربَها" فترد الضمير إليها لأنها٣ مستغنٍ عنها؛ لأنكِ لو قلت: "غلامُ هندٍ ضَربَ" لم تحتج إلى المفعول، فلما كانت في ذكرك رددتَ إليها وحلتْ محل الأجنبي، ولو قلتَ: "غلامُ هندٍ ضربتَ" تجعل ضمير هندٍ الفاعل لكان غلطًا عند بعضهم لأن هندًا من تمام الغلام، والغلامُ مفعولٌ، فقد جعلت المفعول الذي هو فضلة لا بدّ منه ليرجع الضمير الذي هو الفاعلُ إليه، فإن قلت: فما بالي أقول: "غلامُ هندٍ ضاربتهُ هي" فيجوز واجعل هِيَ إنْ شئت إظهارَ الفاعل وهو "لهند"٤، وإنْ شئت ابتداءً وخبرًا، فالجواب فيه أنه إنما جازَ هنا لأن الغلام مبتدأٌ و"ضاربتهُ" على هذا التقدير مبتدأٌ والفاعلُ يسدُّ مسدَّ الخبرِ، فهو منفصلٌ بمنزلةِ الأجنبي، ألا ترى أنَّكَ لو وضعتَ مكانَ "هي" جاريتَكَ أو غيرها استقامَ، والفاعلُ المتصلُ لا يحل محلَّهُ غيرهُ، فإن قلت أَفتجيزُ: "غلامُ هندٍ ضاربتُه هي" تجعلُ "هي" إن شئتَ ابتداءً مؤخرًا وإن شئتَ جعلت "ضاربتُه"٥ ابتداءً، و"هي" فاعلٌ يسدُّ مسد
_________________
(١) ١ في "ب" فكذلك. ٢ في "ب" عليه. ٣ في "ب" لأنه. ٤ في "ب" لهند. ٥ في "ب" ضاربته ضاربة.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
الخبر فكل هذا جيد لأن "هي" منفصلٌ بمنزلة الأجنبي، ولو قلت: "غلامَ هندٍ ضربتْ أمُّها" كان جيدًا؛ لأن الأم منفصلة وإنَّما أضفتها إلى هند لما تقدم من ذكرها، فهندٌ ههنا وغيرها سواءٌ ألا ترى أني١ لو قلتُ: غلامُ هندٍ ضربتْ أمُّ هندٍ كانَ بتلك المنزلةِ، إلا أن الإِضمار أحسن لما تقدم الذكر، والضمير المتصل لا يقع موقعه المنفصل٢ المذكور إلا على معناه وتقديره، وإنما هذا كقولك: "زيدًا ضَربَ أَبُوه" لأنَّ الأب ظاهرٌ ولو حذفت ما أضفت إليه صَلُحَ فقلت: أبٌ وغلامٌ ونحوهما والأول بمنزلة: "زيدًا ضَربَ" الذي لا يحل محله ظاهرٌ؛ فلذلك استحالَ.
قال أبو العباس: وأنا أرى أنه يجوز: "غُلامَ هندٍ ضَرَبتْ" وباب جوازه أنَّك أضمرتَ "هندًا" لذكركَ إياها، وكان التقدير: غُلامَ هندٍ "ضَربَتْ هِندٌ" فلم تحتج إلى إظهارها لتقدم ذكرها، وكان الوجه "غلامَها ضَربَتْ هندٌ" ويجوز الإِظهار على قولك: "ضَربَ أبَا زيدٍ زيدٌ" ولو قلت: "أَباهُ" كان أحسن فإنما أَضمرتَها في موضع ذكرها الظاهر، ولكن لا يجوز بوجهٍ من الوجوه: "زيدًا ضَربَ" إذا جعلت ضمير زيدٍ ناصبًا لظاهره لعلتين: إحداهما: أنَّ فعلَهُ لا يتعدى إليه في هذا الباب، لا تقول: "زيدٌ ضربَهُ" إذا رددتَ الضمير إلى "زيدٍ"، ولا تقول: ضربتني إذا كنتَ الفاعلَ والمفعولَ وقد بينَ هذا، والعلة الأخرى: ما تقدم ذكره من أن المفعول الذي فضلةٌ يصيرُ لازمًا؛ لأنَّ الفاعل الذي لا بدّ منه معلق به؛ ولهذا لم يجز: زيدًا ظَنَّ منطلقًا، إذا أضمرتَ "زيدًا" في "ظَنَّ" وإن كان فعله في هذا الباب يتعدى إليه نحو: "ظننتني أَخاكَ" ولكن لم يتعد المضمر إلى الظاهر لما ذكرتُ لكَ، وأما٣ "غُلامَ هندٍ ضَرَبَتْ" فجاز، لأن هندًا غيرُ الغلامِ وإن كانت بالإِضافة قد صارت من تمامه، ألا ترى أنك تقول: "غلامُ هندٍ ضَربهَا" ولا تقول: "زيدٌ ضربهُ"
_________________
(١) ١ في "ب" أنك. ٢ زيادة من "ب". ٣ في "ب" فأما.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
فهذا بَينٌ جدًّا واختلفوا في: "ضربني وضربت زيدًا"، فرواهُ سيبويه وذكر أنهم أضمروا الفاعلَ قبلَ ذكره على شريطة التفسير١، وزعم الفراء أنه لا يجيزُ نصبَ "زيدٍ" وأجاز الكسائي على أن "ضربَ" لا شيء فيها وحذفَ "زيدًا" وقال بعضُ علمائنا "﵀"٢: والذي قال الفراء، لولا السماعُ لكانَ قياسًا. وأما "عبد اللهِ زيدٌ ضاربٌ أباهُ" فالبصريونَ يجيزون: "أَباهُ عبد اللهِ زيدٌ ضاربٌ"٣، وغيرهم لا يجيزها وهو عندي قبيحٌ؛ لبعدِ العاملِ من الذي عَمِلَ فيه. وطعامَكَ زيدٌ يأكلُ أبوه، لا يجيزها الفراء ولا يجيزُ: "آكلٌ" أيضًا ويجيزها الكسائي إذا قال: "طعامَكَ زيدٌ آكلٌ أبوهُ" لأن زيدًا ارتفع عنده "بآكلٍ" فأجاز تقديم الطعام، ولما كان يرتفع بما عاد عليه من الذكر لم يجزه، وقال الفراء: هو في الدائم٤ غيرُ جائزٍ؛ لأنه لا يخلو من أن أقدرَهُ تقديرَ الأفعال، فيكون بمنزلة الماضي والمستقبل إذا قَدَرهُ تقديرَ الأسماءِ، فلا يجوزُ أنْ أُقدم مفعول الأسماء، ولكني أجيزهُ في الصفات ويعني بالصفات "الظروف"٥. وهذه المسألةُ لم يقدم فيها مضمرٌ على ظاهرٍ،
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٤١. ٢ ﵀، ساقط من "ب". ٣ في الدائم، ساقط من "ب". ٤ يقصد الكوفيون بالدائم أسماء الفاعلين، فقد قالوا: إنها أفعال دائمة عندهم فليست هي من الأسماء العاملة، ولها من قوة العمل ما للأفعال، ما يؤيد ذلك أنهم كانوا يعملونها في الماضي والحال والاستقبال مطلقًا وبلا شرط كما تعمل الأفعال في هذه الأزمنة الثلاثة أخذًا بقول الكسائي. وتجويزه أن يعمل بمعنى الماضي، كما يعمل بمعنى الحال والاستقبال سواء، وتمسك بجواز نحو: زيد معطي عمرو أمس درهمًا. انظر: شرح الكافية ٢/ ٢٠٠. ٥ ويعني به الكوفيون الظرف الذي يطلقه البصريون على نحو: أمام وخلف ويمين وشمال وغيرها من ظروف المكان، وعلى نحو: يوم وليلة، وقبل، وبعد من ظروف الزمان، ومجافاة الكوفيين للتأثر بالفلسفة ظاهرة في هذا المصطلح فلم تعرف العربية كلمة الظرف في هذا المعنى؛ لأن الظرف فيها هو الوعاء، واعتبار مدلولات هذه الألفاظ أوعية للموجودات غنًى بالتأثر الفلسفي.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
والمضمرُ في موضعه إلا أن "أَبوهُ" فاعلُ "يأكلُ" وطعامكَ مفعولٌ، وقد بعد ما بينهما، وفرقت بين الفاعل والمفعول [بهِ] ١ "بزيدٍ" وليسَ لهُ في الفعل نصيبٌ، ولكن يجوز أن تقولهُ من حيث قلت: "طعامَكَ زيدٌ يأكلُ" فالفاعلُ٢ مضمرٌ فقامَ "أَبوهُ" مقامَ ذلك المضمرِ.
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ في "ب" والفاعل.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
الثاني عشر: التقديم إذا ألبس ١ على السامع أنه مقدم:
وذلك نحو قولكَ: "ضربَ عيسى موسى" إذا كان "عيسى" الفاعل لم يجز أن يقدم "موسى" عليه؛ لأنه ملبس لا يبين٢ فيه إعرابٌ، وكذلك: "ضرَبَ العَصا الرحى" لا يجوز التقديم والتأخير، فإن قلت: "كسر٣ الرحى العصا" وكانت الرحى هي الفاعل وقد عُلِمَ أنَّ العَصا لا تكسرُ الرحى جاز التقديم والتأخير، ومن ذلك قولك: "ضربتُ زيدًا قائمًا" إذا كان السامع لا يعلم من القائم، الفاعلُ أم المفعولُ، لم يجز أن تكون الحال مِن صاحبها إلا في وضع الصفة ولم يجز أن تقدم على صاحبها، فإن كنت أنتَ القائم قلت: "ضربتُ قائمًا زيدًا" وإن كان زيدٌ القائمَ قلت: ضربتُ زيدًا قائمًا، فإن لم يُلبس٤ جاز التقديمُ والتأخير، وكذلك إذا قلت: "لقيتُ مصعدًا زيدًا منحدرًا"٥ لا يجوز أن يكون المصعدُ إلا أنتَ، والمنحدرُ إلا "زيدًا" لأنك إن
_________________
(١) ١ "ب" التبس. ٢ "ب" يتبين. ٣ "ب" كسرت. ٤ في "ب" يلتبس. ٥ انظر المقتضب ٤/ ١٦٩، وابن الشجري ٢/ ٢٨٢، والبحر المحيط ١/ ٧١، وهذه المسألة مشروحة بالتفصيل.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
قدمت وأخرتَ التبسَ، ولو قلت: "ضربَ هَذا هَذا" تريدُ تقديمًا وتأخيرًا لم يجز، فإذا قلت: "ضربَ هَذا هذهِ" جازَ التقديمُ والتأخيرُ فقلت: "ضربَ هَذه هَذا" لأنه غيرُ ملبسٍ١، ولو قلتَ: "ضَرَب الذي في الدار الذي في البيت" لم يجز التقديمُ والتأخيرُ لإِلباسه٢، ومن ذلك إذا قلت: "أعطيتُ زيدًا عمرًا" لم يجز أن تقدم "عمرًا" على "زيدٍ" وعمرو هو المأخوذ؛ لأنه ملبس٣ إذا كان كل واحدٍ منهما يجوز أن يكون الآخذَ، فإذا٤ قلت: "أعطيتُ زيدًا درهمًا" جازَ التقديم والتأخير٥ فقلت: "أعطيتُ درهمًا زيدًا" لأنه غير ملبسٍ٦، والدرهم لا يكون إلا مأخوذًا.
_________________
(١) ١ في "ب" ملتبس. ٢ في "ب" لالتباسه. ٣ في "ب" ملتبس. ٤ في "ب" وإذا. ٥ زيادة من "ب". ٦ في "ب" ملتبس.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
الثالث عشر: إذا كان العامل معنى الفعل ١ ولم يكن فعلًا:
لا يجوز أن يقدم ما عمل فيه عليه، إلا أن يكون ظرفًا وذلك قولك: "فيها زيد قائمًا" لا يجوز أن تقدم "قائمًا" على فيها؛ لأنه ليس هنا فعلٌ، وإنما أعملتَ "فيها" في الحال لما تدل عليه من الاستقرار، وكذلك إذا قلت: "هذا زيدٌ منطلقًا" لا يجوز أن تقدم "منطلقًا" على "هذا" لأن العامل [هنا دلَّ على] ٢ ما دل عليه "هذا" وهو التنبيه وليس بفعلٍ ظاهر، ومن٣ ذلك: "هُو عبد الله حقا" لا يجوز أن تقدم "حقًّا" على "هُوَ" لأن العامل هو المعنى٤، وإنما نصبت "حقا" لأنك لما قلت: هُو عبد الله، دَلَّكَ على "أحق
_________________
(١) ١ في "ب" فعل. ٢ هذه الزيادة من "ب". ٣ "من" ساقطة في "ب". ٤ في "ب" الابتداء بدلًا من المعنى.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
ذَلكَ" فقلت "حقا" فأما الظرف١ الذي يقدم إذا كان العامل فيه معنى فنحو٢ قولك: "أكلُّ يومٍ لَكَ ثوبٌ" العامل في "كُلّ" معنى "لَكَ" وهو الملك.
_________________
(١) ١ في "ب" الظروف. ٢ في الأصل: "فكنحو" والتصحيح من "ب".
[ ٢ / ٢٤٧ ]
ذكر ما يعرض من الإِضمار والإِظهار:
اعلم: أنَّ الكلام يجيء على ثلاثة أضربٍ: ظاهر لا يحسنُ إضمارهُ، ومضمر مستعمل إظهارهُ، ومضمر متروك إظهاره.
الأول: الذي لا يحسنُ إضمارهُ: ما ليس عليه دليل من لفظٍ ولا حال مشاهدةٍ، لو قلت: زيدًا، وأنت تريدُ: "كَلِّمْ زيدًا" فأضمرت ولم يتقدم ما يدل على "كَلِّمْ" ولم يكن إنسان مستعدًّا للكلام لم يجز، وكذلك غيره من جميع الأفعال.
الثاني: المضمرُ المستعملُ إظهارهُ: هذا الباب إنما يجوز إذا علمت١ أنَّ الرجل مستغنٍ عن لفظكَ بما تضمره، فمن ذلك ما يجري في الأمر والنهي، وهو أن يكون الرجل في حال ضربٍ فتقول: زيدًا٢ ورأسَهُ وما أشبه ذلك تريد: اضربْ رأسَهُ، وتقول في النهي: الأسدَ الأسدَ، نهيتهُ أنْ يقربَ الأسد، وهذا الإِضمار أجمع في الأمر والنهي، وإنما يجوز مع المخاطب ولا يجوز مع الغائب، ولا يجوز إضمار حرف الجر، ومن ذلك أن ترى رجلًا يسدد سهمًا فتقول: "القرطاس واللهِ" أي: يصيبُ القرطاسَ، أو رأيتهُ في حال رجلٍ قد أوقعَ فِعْلًا أو أخبرت عنهُ بفعلٍ فقلتَ: "القرطاسَ واللهِ" أي: أصاب القرطاسَ، وجاز أن تضمر الفعلَ للغائبِ؛ لأنه غير مأمورٍ ولا منهيٍّ، وإنما الكلامُ
_________________
(١) ١ في "ب" إذا أعملت، وهو خطأ. ٢ في "ب" أو رأسه.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
خبرٌ فلا لبسَ فيه كما١ يقع في الأمر، وقالوا: "الناسُ مجزيونَ بأعمالهم" إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ، يراد إن كانَ خيرًا.
ومن العرب من يقول: "إنْ خيرًا فخيرًا"٢ كأنه قال: "إنْ كان ما فَعلَ خيرًا جُزي خيرًا"٣ والرفع في الآخر أكثر؛ لأن ما بعد الفاء حقه الاستئناف ويجوز: "إن خيرٌ فخيرٌ" على أن تضمر "كانَ" التي لها خبر وتضمر خبرها، وإن شئت أضمرت "كانَ" التي بمعنى "وقَع" ومثل ذلك: قد مررتُ برجلٍ إنْ طويلًا وإنْ قصيرًا، ولا يجوز في هذا إلا النصب٤، وزعم يونس: أنَّ من العرب من يقول: "إنْ لا صالحٌ فطالحٌ"، على: إنْ لا أكن مررتُ بصالحٍ فطالحٍ٥ وقال سيبويه: هذا ضعيفٌ قبيحٌ، قال: ولا يجوزُ أن تقول: عبد الله المقتولُ٦ وأنت تريد "كن عبد اللهِ" لأنه ليس فعلًا يصلُ من الشيء إلى الشيء٧ ومن ذلك: "أو فرقًا خيرًا مِنْ حُبٍّ" ولو رفع جاز، كأنه قال٨: "أو امرئٍ فرقٌ"، وألا طعامَ ولو تمرًا أي: "ولو كانَ الطعامُ تمرًا" ويجوز: "ولو تمرٌ" أي: ولو كان تمرٌ٩، ومن هذا الباب: "خيرَ مقدمٍ"
_________________
(١) ١ "كما" ساقط في "ب". ٢ قال سيبويه ١/ ٤٥٧ مستدلًّا على تقديم الفعل بعد إن الشرطية وحمله على إضمار فعل؛ لأن حرف الشرط يقتضيه مضمرًا أو مظهرًا، جاز تقديمه مع الفعل الماضي في "إن" لأنها أم حروف الجزاء، قال: هذا كما جاز إضمار الفعل فيها حين قالوا: إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا. انظر: الكتاب ١/ ١٣٠. ٣ في الأصل: أجزى، والتصحيح من "ب". ٤ لأنه لا يجوز أن يحمل الطويل والقصير على غير الأول. ٥ انظر الكتاب ١/ ١٣٢. ٦ المقتول، ساقط في "ب". ٧ انظر الكتاب ١/ ١٣٣. ٨ كأنه قال، ساقط في "ب". ٩ قال سيبويه ١/ ١٣٦: ومما ينتصب على إضمار الفعل المستعمل إظهاره، قولك: ألا طعام ولو تمرًا، كأنك قلت: ولو كان تمرًا.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
أي: قدمتَ، وإن شئتَ قلتَ: "خيرُ مقدمٍ" فجميع ما يرفع إنما تضمرُ في نفسك ما تظهرُ، وجميع ما ينصبُ إنما تضمر في نفسكَ غير ما تظهرُ [فافْهم هذا، فإنَّ عليه يجري هذا البابُ، ألا ترى أنكَ إذا قلت: خيرَ مقدمٍ فالمعنى: قدمتَ، فقدمتَ فعْلٌ، وخيرَ مقدم اسمٌ، والاسمُ غيرُ الفعلِ فانتصبَ بالفعل، فإذا رفعتَ فكأنَّك قلت: قدومُكَ خيرُ مقدم] ١ فإنما تضمر، قدومك خيرُ مقدمٍ، فقدومكَ "هو خيرُ مقدمٍ"، وخبرُ المبتدأ هو المبتدأُ وإذا قلت: "خير مقدمٍ" فالذي أضمرت "قدمت" وهو فعلٌ وفاعلٌ، والفعل والفاعل غير المفعول، فافهم هذا فإن عليه يجري هذا الباب، ومن هذا الباب قولهم: "ضربت وضربني زيدٌ" تريد: "ضربتُ زيدًا وضربني" إلا أن هذا الباب أضمرت ما عَمِلَ فيه الفعلُ، وذلك أضمرت الفعل نفسهُ، وكذلك كلُّ فعلين يعطفُ أحدهما على الآخر فيكون الفاعل فيهما هو المفعول، فلك أن تضمره مع الفعل وتعمل المجاور له، فتقول على هذا: متى ظننتُ أو قلتُ: زيدٌ منطلقٌ؛ لأنَّ ما بعد القول محكي، وتقول: "متى قلتَ أو ظننتَ زيدًا منطلقًا" فإذا قلت: "ضربني وضربتُ زيدًا" ثنيت فقلت: "ضرباني وضربتُ الزيدينِ" فأضمرت قبل الذكر؛ لأنَّ الفعلَ لا بد لهُ من فاعل، ولولا أنَّ هذا مسموعٌ من العرب لم يجز، وإنما حَسُنَ هذا لأنكَ إذا قلت: ضربتُ وضربني زيدٌ، وضربني وضربتُ زيدًا، فالتأويل: تضاربنا، فكل واحدٍ فاعلٌ مفعولٌ في المعنى فسُومِحَ في اللفظ لذلك. ومن ذلك: "ما منهم يقومُ" فحذفَ المبتدأُ، كأنهُ قال: "أحدٌ منهم يقومُ" ومن ذلك قوله ﷿: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ٢، أي: "أَمرى صبرٌ جميلٌ".
الثالث: المضمرُ المتروك إظهارهُ: المستولي على هذا الباب الأمر وما جرى مجراه، وقد يجوز فيه غيره، فمن ذلك ما جرى على الأمر والتحذير، نحو قولهم: "إياكَ" إذا حذرته، والمعنى: "باعدْ إياكَ" ولكن لا يجوز إظهاره،
_________________
(١) ١ ما بين القوسين زيادة من "ب". ٢ يوسف: ٨٣.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وإياك والأسدَ وإياك الشرَّ، كأنه قال: إيايَ لأتقينَّ وإياكَ فاتقينَّ، فصارت "إياكَ" بدلًا من اللفظ بالفعلِ، ومن ذلك: "رأسَهُ والحائطَ، وشأنك والحجَّ، وامرأً ونفسَهُ" فجميع هذا المعطوفِ إنما يكون بمنزلة "إياكَ" لا يظهر فيه الفعلُ ما دام معطوفًا، فإن أفردتَ جازَ الإِظهار والواو ههنا بمعنى "مَع". ومما جُعلَ بدلًا من الفعل: "الحذرَ الحذرَ، والنجاءَ النجاءَ، وضربًا ضربًا" انتصب على "الزم"١ ولكنهم حذفوا لأنه صار بمعنى "افعل" ودخولُ "الزم" على "افعلْ" محالٌ، وتقول: "إياكَ أنت نفسُكَ أنْ تفعلَ" ونفسك إنْ وصفتَ المضمر الفاعل رفعت [وإنْ أضفتَ إياكَ نصبتَ وذلك] ٢ لأنَّ "إياكَ" بدلٌ من فِعْلٍ وذلك الفعلُ لا بُدَّ لَهُ من ضمير الفاعل المأمور وإنْ وصفت "إياكَ" نصبتَ وتقول: "إياكَ أنتَ وزيدٌ، وزيدًا"٣ بحسب ما تقدر، ولا يجوز: "إياكَ زيدًا" بغير واوٍ، وكذلك: "إياكَ أن تفعلَ" إن أردتَ: "إياك والفعلَ" وإنْ٤ أردت: إياكَ أعِظُ مخافةَ أَنْ تفعلَ٥، جازَ. وزعموا أن ابن أبي إسحاق٦ أجازَ:
_________________
(١) ١ قال سيبويه ١/ ١٣٩: ومما جعل بدلًا من اللفظ بالفعل قولهم: الحذر الحذر، والنجاء النجاء، وضربًا ضربًا، فإنما انتصب هذا على: الزم الحذر وعليك النجاء، ولكنهم حذفوا لأنه صار بمنزلة أفعل، ودخول الزم وعليك على "أفعل" محال. ٢ زيادة من "ب". ٣ قال سيبويه ١/ ١٤٠: "فإن قلت: إياك أنت وزيد" فأنت بالخيار، إن شئت حملته على المنصوب، وإن شئت على المضمر المرفوع. ٤ في "ب" "فإن". ٥ لأنك تريد أن تضمه إلى الاسم الأول، كأنك قلت: نحِّ لمكان كذا وكذا. ٦ ابن أبي إسحاق: هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، كان أعلم أهل البصرة وأعقلهم، هو الذي فرع النحو وقاسه، وتكلم في الهمز حتى عمل فيه كتابًا مما أملاه، وكان رئيس الناس وواحدهم، أخذ النحو عن يحيى بن يعمر، وأخذ القراءة عنه وعن نصر بن عاصم، مات سنة ١١٧هـ، وقال ابن تغري بردي: إنه توفي سنة ١٢٧هـ. وترجمته في طبقات الزبيدي/ ٧، وإنباه الرواة ٢/ ١٠٧، ومراتب النحويين/ ١٢، والنجوم الزاهرة ١/ ٣٠٣.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
إيَّاكَ إيَّاكَ المِرَاءَ فإنَّهُ إلى الشَّرِّ دعاءٌ ولِلخَيْرِ زَاجِرُ١
كأنهُ قال: "إياكَ" ثم أضمر بعد "إياك" فعلًا آخر، فقال: اتقِ المراءَ٢.
وقال الخليل: لو أنَّ رجلًا قالَ: إياكَ نفسَكَ لم أُعنفْهُ٣، يريدُ أن "الكافَ" اسمٌ وموضعها خفضٌ، قال سيبويه: وحدثني منْ لا أتهم٤ عن الخليلِ أنهُ سمعَ أعرابيا يقول: "إذا بلغَ الستينَ فإيَّاهُ وإيا الشواب٥" ومن ذلك: "ما شأنُكَ وزيدًا" كأنهُ قال: "وما شأنكَ وملابسَة زيدًا"، وإنما فعلوا ذلك فرارًا من العطف على المضمر المخفوض وحكوا: ما أنتَ وزيدًا، وما شأنُ عبد الله وزيدًا كأنه قال ما كان٧. فأما: ويلَهُ وأَخاهُ فانتصب بالفعل الذي نصبَ ويلَهُ، كأنَّكَ قلت: ألزمهُ الله ويلَهُ. وإن قلت: ويلٌ لَهُ وأَخاهُ نصبت؛ لأنَّ فيه ذلك المعنى، ومن ذلك: سقيًا ورعيًا وخيبةً ودفرًا
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ١٤١، على نصب "المراء" بعد إياك مع إسقاط حرف العطف ضرورة، والمعروف في الكلام: إياك والمراء، ورواية سيبويه: إلى الشر دعاء وللشر جالب. وكذلك رواية المبرد في المقتضب، والمراء: مصدر ماريته مماراة، ومراء، أي: جادلته، ويقال: ماريته أيضًا إذا طعنت في قوله تزييفًا للقول وتصغيرًا للقائل، ولا يكون المراء اعتراضًا بخلاف الجدال، فإنه يكون ابتداء واعتراضًا. والبيت ينسب للفضل بن عبد الرحمن القريشي، يقوله لابنه القاسم بن الفضل. وانظر: المقتضب ٣/ ٢١٣، والخصائص ٣/ ١١٢، والمعجم للمرزباني ٣١٠، وابن يعيش ٢/ ٢٥، والعيني ٤/ ١١٣، والخزانة ١/ ٤٦٥. ٢ انظر الكتاب ١/ ١٤١. ٣ قال سيبويه ١/ ١٤١: قال الخليل: لو أن رجلًا قال: إياك نفسك، لم أعنفه؛ لأن هذه الكاف مجرورة. ٤ لعله يعني أبا زيد الأنصاري. ٥ انظر الكتاب ١/ ١٤١، والشواب جمع شابة. ٦ قال سيبويه ١/ ١٤١: "قالوا: ما شأنك وزيدًا" أي: ما شأنك وتناولك زيدًا. ٧ يريد: ما كان شأن عبد الله وزيدًا.
[ ٢ / ٢٥١ ]
وجدعًا وعَقْرًا وبؤسًا وأفةً وتفةً [لهُ] ١ وبُعدًا وسحقًا وتعْسًا وتَبًّا وبَهْرًا، وجميع هذا بدل من الفعلِ كأنه قال: سقاكَ الله ورعاكَ، وأما ذكرهم "لَكَ" بعد "سقيًا" فليبينوا المعنى بالدعاء وليس بمبني على الأول٢، ومنه: "تُربًا" و"جَنْدَلًا" أي: ألزمكَ الله وقالوا: فاهًا لفيك يريدون: الداهية، ومنه هنيئا مَرِيا ومنها ويْلَكَ وويْحَكَ وويْسكَ وويبَكَ وعَوْلكَ لا يتكلمُ به مفردًا ولا يكون إلا بعد "ويلكَ"٣. ومن ذلك سبحان الله ومعاذَ الله وريحانهُ، وعمْرِكَ الله إلا فعلتَ، وقعدك الله إلا فعلت بمنزلة: نشدتُكَ الله، وزعمَ الخليلُ: أنهُ تمثيلٌ لا يتكلمُ به٤، ومنه قولهم: كَرَمًا وصَلَفًَا وفيه معنى التعجب كأنه قال: "أَلزمكَ الله"٥ وصار بدلًا من أكرمْ به وأصْلِفْ بهِ، ومنه: لبيكَ وسعديكَ وحنانيكَ وهذا مثنى، وجميعُ ذا٦ الباب إنما يعرف بالسماع ولا يقاسُ، وفيما ذكرنا ما يدلُّكَ على الشيءِ المحذوف إذا سمعته، ومن ذلك قولهم: "مررتُ به فإذا لَهُ صوتٌ صوت حمارٍ" لأنَّ معنى "لَهُ صوتٌ" هو يصوتُ، فصار لهُ صوتٌ بدلًا منهُ، ومن هذا: "أَزيدًا ضربتَهُ" تريد: أضَرَبْتَ زيدًا ضربتَهُ فاستغنى٧ "بضربتَهُ" وأُضمر فِعْلٌ يلي حرف الاستفهام، وكذلك يحسنُ في كل موضعٍ هو بالفعل أولى، كالأمر والنهي والجزاء، تقول: "زيدًا اضربهُ" وعمرًا لا يقطع الله يدهُ، وبكرًا لا تضربْهُ،
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ يريد: أنه ليس خبرًا له. ٣ انظر الكتاب ١٦٠-١٦٦. ٤ انظر الكتاب ١/ ١٦٣. ٥ قال سيبويه ١/ ١٦٥: "ومما ينتصب فيه المصدر على إضمار الفعل المتروك إظهاره ولكنه في معنى التعجب، قوله: كرمًا وصلفًا، كأنه يقول: ألزمك الله وأدام لك كرمًا، وألزمت صلفًا، ولكنهم حذفوا الفعل ههنا، كما حذفوه في الأول لأنه صار بدلًا من قولك: أكرم به وأصلف به..". ٦ في "ب" هذان بدلًا من "ذا" وهو خطأ. ٧ في "ب" واستغنى.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وإنْ زيدًا ترهُ تضربهُ، وكذلك إذا عطفت جملةً على جملةٍ فكانت الجملة الأولى فيها الاسم مبني على الفعل، كان الأحسنُ في الجملة الثانية أن تشاكلَ الأولى، وذلك نحو: "ضربتُ زيدًا وعمرًا كلمتهُ" والتقدير: ضربتُ زيدًا وكلمتُ عمرًا فأضمرت فعلًا يفسرهُ١ "كلمتهُ" وكذلك إن اتصلَ الفعل٢ بشيءٍ من سبب الأول تقول: "لقيتُ زيدًا وعمرًا ضربتُ أَبَاهُ" كأنك قلت: "لقيتُ زيدًا وأهنتُ عمرًا وضربتُ أبَاهُ" فتضمر ما يليق بما ظهر، فإن كان في الكلام الأول المعطوف عليه جملتان متداخلتان كنت بالخيار، وذلك نحو قولك: "زيدٌ ضربتُه وعمرٌو كلمتهُ" إن عطفت على الجملة الأولى التي هي [الابتداءُ والخبرُ رفعتَ وإنْ عطفت على الثانية] ٣ التي هي فِعْلٌ وفاعلٌ وذلك قولك: ضربتُه، نصبتَ، ومن ذلك قولهم: أمَّا سمينًا فسمينٌ، وأما عالِمًا فعالمٌ، ومنه٤ قولهم: "لكَ الشاءُ شاةً بدرهمٍ" ومنه قولهم: "هذا ولا زعَماتِكَ" أي: لا أتوهم [زَعماتِكَ] ٥ وكِليهما وتمرًا٦. ومن العرب من يقول: "كِلاهما وتمرًا" كأنه قال "كِلاهما لي ثابتانِ، وزدني تمرًا" ومن ذلك: " ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ ٧، ووراءكَ أوسع لك، وحسبك خيرًا لك" لأنَّك تخرجهُ منْ أمرٍ وتدخله في آخر ولا يجوزُ ينتهي خيرًا لي؛ لأنَّكَ إذا نهيتَهُ فأنتَ ترجيه إلى أمرٍ، وإذا أخبرتَ فلستَ تريد شيئًا من ذلك، ومن ذلك: "أخذتُه فصاعدًا وبدرهمٍ فزائدًا"٨. أخبرت بأدنى الثمن، فجعلتَهُ أولًا، ثم قررت
_________________
(١) ١ في "ب" تفسيره. ٢ في "ب" الفعل بالفعل شيء بشيء. ٣ ما بين القوسين ساقط في "ب". ٤ في "ب" ومنهم، والصحيح ما أثبتناه. ٥ زيادة من "ب" وهذا مثل، أي: هذا هو الحق ولا أتوهم زعماتك ولا يجوز ظهور العامل الذي قبله أتوهم؛ لأنه أجرى أتوهم مثلًا، والأمثال لا تغير. وانظر الأشباه والنظائر ١/ ٨٩. ٦ انظر الكتاب ١/ ١٤٢. ٧ النساء: ١٧١، وتكملة الآية: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ . ٨ انظر الكتاب ١/ ١٤٦-١٤٧ بعد زيد.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
شيئًا بعد شيءٍ لأثمانٍ شتى، ولا يجوز دخولُ الواو١ هنا، ويجوز دخول "ثُمَّ" وممَّا انتصب على الفعل المتروك إظهارهُ المنادى في قولِكَ: "يا عبد الله" وقد ذكرت ذلك٢ في بابِ النداءِ٣.
قال سيبويه: ومما يدلُّكَ على أنهُ انتصبَ على الفعل قولُكَ: "يا إياَّكَ" إنما قلت: يا إياكَ أَعني، ولكنهم حذفوا٤، وذكر أَمَّا أنت منطلقًا انطلقتُ معكَ فقال: إنها "إن" ضمت إليها "مَا"٥ وجعلت عوضًا من اللفظ بالفعل، تريد: إن كنتَ منطلقًا، قال٦: ومثل ذلك: "إمّا لا" كأنَّهُ قال: "افعلْ هذا إنْ كنتَ لا تفعلُ غيرهُ"، وإنما هي "لا" أميلت في هذا الموضع؛ لأنَّها جعلت مع ما قبلها كالشيء الواحد، فصارت كأنها ألفٌ رابعةٌ، فأميلتْ لِذاكَ، ومن ذلك: مرحبًا وأهلًا، زعم الخليل أنه بدلٌ من: رحبت بلادكَ٧، ومنهم من يرفع فيجعل ما يضمر هو ما يظهر٨.
واعلم: أن جميع ما يحذف، فإنهم لا يحذفون شيئًا إلا وفيما أبقوا دليلٌ على ما ألقوا.
_________________
(١) ١ قال سيبويه ١/ ١٤٧: "فالواو لم ترد فيها هذا المعنى ولم تلزم الواو الشيئين أن يكون أحدهما بعد الآخر، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو، لم يكن في هذا دليل على أنك: مررت بعمرو". ٢ في "ب" لك. ٣ مر هذا في الجزء الأول ص٤١٤. ٤ انظر الكتاب ١/ ١٤٧. ٥ انظر الكتاب ١/ ١٤٧. ٦ في "ب" وقال، بزيادة واو. ٧ انظر الكتاب ١/ ١٤٩، فإنما رأيت رجلًا قاصدًا إلى مكان أو طالبًا أمرًا، فقلت: مرحبًا وأهلًا، أي: أدركت ذلك وأصبت، فحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه، فكأنه صار بدلًا من رحبت بلادك. ٨ في سيبويه ١/ ١٤٩: ما يضمر هو ما أظهر.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
الاتساع:
اعلم: أن الاتساع ضربٌ من الحذف إلا أن الفرقَ بين هذا الباب والباب الذي قبلهُ، أن هذا تقيمه مقام المحذوف وتعربهُ بإعرابه، وذلك الباب تحذف العاملَ فيه وتدعُ ما عَمِلَ فيه على١ حالهِ في الإِعراب، وهذا البابُ العاملُ فيه بحاله وإنما تقيم فيه المضاف إليه مقام المضاف، أو تجعل الظرف يقوم مقامَ الاسم. فأمَّا الاتساع في إقامة المضاف إليه مقام المضاف فنحو قولِه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٢ تريد: أهل القرية، وقول العرب: بنو فلانٍ يطؤهم الطريقُ، يريدون: أهل الطريقِ وقولهُ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ ٣ إنما هو بر مَنْ آمنَ بالله٤. وأما اتساعهم في الظروف فنحو قولهم: "صيدَ عليه يومانِ" وإنما المعنى: صيدَ عليه الوحش في يومين، و"ولدَ لَهُ ستونَ عامًا" والتأويل: "ولدَ لَهُ الولد في ستين عامًا" ومن ذلك قولهُ عز وجل٥: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ٦ وقولهم: "نَهاركَ صائمٌ وليلُكَ قائمٌ" وإنما المعنى: "أنَّكَ صائمٌ في النهار وقائمٌ في الليل" وكذلك:
يا ساَرِقَ اللَّيلةِ أهلَ الدَّارْ٧
وإنما سرق في الليلة، وهذا الاتساع أكثر في كلامهم من أن يحاط به، وتقول: "سرتُ فرسخينِ يومينِ"٨ إن شئت نصبتَ انتصابَ الظروف، وإن
_________________
(١) ١ في "ب" من، بدلًا من "على". ٢ يوسف: ٨٢، وانظر الكتاب ١/ ١٠٨ وج٢/ ٢٥، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ . ٣ البقرة: ١٧٧، وانظر الكتاب ١/ ١٠٨، والمقتضب ٣/ ٢٣١. ٤ في سيبويه ١/ ١٠٨: إنما هو: "ولكنَّ الْبر برّ من آمن باللَّهِ". ٥ في "ب" تعالى. ٦ سبأ: ٣٣، وانظر الكتاب ١/ ١٠٨. ٧ هذا رجز من شواهد الكتاب ١/ ٨٩ و٢/ ٩٩، وقد مر تفسيره في الجزء الأول ص/ ٢٣٥. ٨ انظر الكتاب ١/ ١١٤.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
شئت جعلت نصبهما بأنهما مفعولان١ على السعة، وعلى ذلك قولك: "سِيرَ بزيدٍ فرسخانِ يومينِ" إذا جعلت الفرسخين يقومان مقامَ الفاعل، ولك أن تقول: سِيرَ بزيدٍ فرسخينِ يومانِ، فتقوم اليومين مقامَ الفاعل.
_________________
(١) ١ في الأصل: "مفعولين" وهو خطأ، وما بعد مفعولين إلى آخر الباب ساقط في "ب".
[ ٢ / ٢٥٦ ]
باب الزيادة والإلغاء
مدخل
باب الزيادة والإلغاء:
اعلم: أن الإِلغاء إنما هو أن تأتي الكلمة لا موضع لها من الإِعراب إنْ كانت مما تعرب، وأنها متى أسقطت من الكلام لم يختل الكلام، وإنما يأتي ما يلغى من الكلام تأكيدًا أو تبيينًا [والجملُ التي تأتي مؤكدةً ملغاة أيضًا، وقد عَمِلَ بعضُها في بعضٍ فلا موضعَ لها من الإِعراب] ١ والتي تلغى تنقسم أربعة أقسام: اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ وجملةٌ.
الأول: الاسمُ: وذلك نحو: "هو"٢ إذا كان الكلام فصلًا٣ فإنه لا موضع له من الإِعراب، ولو كان له موضع لوجبَ أن يكون له خبرٌ إن كان مبتدأ أو يكون له مبتدأٌ إنْ كان هو خبرًا، وقيل في قوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ٤ "ذلك" [زائدةٌ] ٥.
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ يرى الكوفيون أن لهذا الضمير محلًّا من الإعراب وسموه عمادًا؛ لأنه يفصل بين النعت والخبر، أما البصريون فيسمونه ضمير الفصل؛ لأنه يفصل بين النعت والخبر إذا كان الخبر مضارعًا لنعت الاسم، ليخرج من معنى النعت ولا موضع له من الإعراب عندهم؛ لأنه إنما دخل لمعنى هو الفصل. وانظر الإنصاف/ ٣٧٦. ٣ "الكلام" ساقط في "ب". ٤ الأعراف: ٢٦. ٥ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٥٧ ]
الثاني: الفِعْلُ: ولا يجوز عندنا أن يُلغى فعلٌ ينفذ منك إلى غيركَ ولكن الملغى نحو: "كانَ" في قولك: "ما كانَ أحسنَ زيدًا" الكلامُ: ما أحسنَ زيدًا و"كانَ" إنما جِيءَ بها لتبين أنَّ ذلك [كان] ١ فيما مضى.
الثالث: الحرفُ: وذلك نحو: ما في قوله عز وجل٢: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ ٣ لو كان "لِمَا" موضع من الإِعراب ما عملت الباء في "نقضِهم"، وإنما جِيءَ بها زائدةً للتأكيد، ومن ذلك "إنْ" الخفيفة تدخل مع "ما" للنفي٤ في نحو قوله: وما إنْ طُبنا جُبن٥، وكذلك "إنْ" في قولك: "لما إنْ جَاء قمتُ إليه"٦ المعنى: "لَما جاءَ قمتَ" وكذلك "مَا" إذا كانت كافةً فلا موضع لها من الإِعراب في نحو قولك: "إنَّما زيدٌ منطلقٌ" كفت "مَا" "إنْ" عن الإِعراب [كما منعت إنْ "مَا" مِنَ الإِعراب] ٧ وكذلك "رُبَّما" تقول: "رُبَّما يقومُ زيدٌ" لولا "ما" لما٨ جاز أن يلي "رُبَّ" فِعلٌ، ومن ذلك "بعدَما"٩، قال الشاعر:
أَعلاقَة أُمَّ الوُلَيِّدِ بَعْدَمَا أَفنانُ رأسِكَ كالشِّهَابِ المُخْلِس١٠
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ "﷿" ساقط من "ب". ٣ النساء: ١٥٥. ٤ في "ب" من، بدلًا من "في". ٥ مر شرحه في الجزء الأول، ص/ ٢٨٦. ٦ "إليه" ساقط في "ب". ٧ زيادة من "ب". ٨ في الأصل "ما" وإضافة اللام من "ب". ٩ حذفت جملة "زيد منطلق" إذ إنها دخيلة هنا. ١٠ من شواهد سيبويه ١/ ٢٨٣، على زيادة "ما" وجعلها كافة "لبعد" عن الإضافة، ويروى الشاهد: كالثغام المخلس. والعلاقة: الحب، والأفنان: جمع فنن، وهو الغصن، وأراد بها ذوائب الشعر على سبيل الاستعارة، والشهاب معروف، والثغام على روايته به جمع ثغامة، وهي خيوط طوال دقاق من أصل واحد، إذا جفت ابيضت كلها، المخلس: ما اختلط فيه البياض بالسواد، وصغر الوليد ليدل على شباب المرأة، والبيت للمرار الفقعسي. وانظر: المقتضب ٢/ ٥٤، والكامل/ ١٩٤، وابن الشجري ٢/ ٢٤٢، والمغني ٢/ ١٠، وإصلاح المنطق/ ٤٥، والجمهرة ٢/ ٢٢٠، وشرح السيرافي ١/ ٤٥٠.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
فجميع هذه لا موضع لها من الإِعراب، وقد جاءت حروفٌ خافضةٌ، وذكروا أنها زوائد إلا أنها تدخل لمعانٍ١ فمن ذلك: "ليس زيدٌ بقائمٍ" أصل الكلام: "ليسَ زيدٌ قائمًا" ودخلت الباء لتؤكد النفي [وخُص النفي بها دون الإِيجاب] ٢ ومن ذلك: "مَا مِنْ رجلٍ في الدارِ" دخلت "مِنْ" لتبين أن الجنس كله منفي وأنه لم٣ يرد القائلُ أن ينفي رجلًا واحدًا. [قال أبو بكر] ٤: وحقُّ الملغى عندي أنْ لا يكونَ عاملًا ولا معمولًا فيه٥ حتى يلغى من الجميع وأنْ يكون دخوله كخروجه لا يحدث معنى غير٦ التأكيد، وهذه الحروف التي خُفضَ بها قد دخلت لمعانٍ غير التأكيد. من الحروف الملغاة "لا" شبهوها "بمَا" فمن ذلك قولك: "ما قامَ زيدٌ ولا عمرٌو" والواو العاطفةُ ولا لَغْوٌ [و"لا" إنما دخلت تأكيدًا للنفي، وليزولَ بها اللبسُ إذا كانَ منفيا؛ لأنَّهُ قد يجوزُ أنْ تقول: ما قامَ زيدٌ وعمرٌو ما قاما معًا] ٧ وقالوا في قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٨: إنّ "لا" زائدةٌ، ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ ٩ إنما هو: لأَنْ يعلَم، وجملةُ الأمر أنها لا تزادُ إلا في موضع غير مُلبسٍ كما لا تزاد١٠ "مَا" وأما
_________________
(١) ١ في الأصل "لمعاني". ٢ زيادة من "ب". ٣ في "ب" ليس، بدلًا من "لم". ٤ زيادة من "ب". ٥ انظر شرح المفصل ٨/ ١٣٧، فقد ذكر ابن يعيش هذا عن ابن السراج. ٦ "غير" ساقطة في "ب". ٧ زيادة من "ب". ٨ القيامة: ١. ٩ الحديد: ٢٩. ١٠ كما لا تزاد، ساقط من "ب".
[ ٢ / ٢٥٩ ]
قولك١: "حسبُكَ بِه" كلامٌ صحيحٌ كما تقول: كفايتُك بهِ وفيه معنى الأمر٢ أو التعجب وقولهم: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ ٣ قال سيبويه: إنما هو "كفى الله" والباء زائدة٤، والقياس يوجب أنْ يكون التأويل: "كفى كفايتي بالله" فحذفَ المصدر٥ لدلالة الفعل عليه، وهذا في العربية موجود٦.
الرابع: الجملةُ: وذلك نحو قولك: "زيدٌ ظننتُ منطلقٌ" بنيتَ "منطلقًا" على "زيد" ولم تعمل "ظننتُ" وألغيته وصار المعنى: زيدٌ منطلقٌ في ظني، فإنْ قدمت "ظننتُ" قَبُحَ الإِلغاء. ومن هذا الباب الاعتراضات، وذلك نحو قولك: زيدٌ -أشهدُ بالله- منطلقٌ، وإنَّ زيدًا -فافهمْ ما أقولُ- رجلُ صدْقٍ، وإنَّ عمرًا -والله- ظالمٌ، وإنَّ زيدًا -هو المسكينُ- مرجومٌ، وعلى ذلك يتأول قوله عز وجل٧: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ٨، فـ ﴿أُولَئِكَ﴾ هو الخبر و﴿إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ "اعتراض" ومنه قول الشاعر:
إنِّي لأَمنَحُكَ الصُّدُودَ وإنَّني -قسمًا- إلَيكَ معَ الصُّدودِ لأَميَلُ٩
_________________
(١) ١ في "ب" قولهم. ٢ في "ب" والتعجب. ٣ العنكبوت: ٥٢. ٤ انظر الكتاب ١/ ١٩. ٥ في "ب" المضاف. ٦ في "ب" موجود في العربية. ٧ كلمتا "﷿" ساقطتان في "ب". ٨ الكهف: ٣٠. ٩ من شواهد سيبويه ١/ ١٩٠، على نصب "قسمًا" على المصدر المؤكد لما قبله، وابن السراج جعله توكيدًا على جهة الاعتراض. والبيت للأحوص يمدح به عمر بن عبد العزيز. وانظر الأغاني ١٨/ ١٩٥، والعقد الفريد ٤/ ٣٦٣، وابن يعيش ١/ ١١٦، ومهذب الأغاني ٣/ ١٨٧، وشرح الرماني ٣/ ١٦٣، والخزانة ١/ ٢٤٧ و٤/ ١٥.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
قوله "قسمًا" اعتراض، وجملة هذا الذي يجيء معترضًا، إنما يكون توكيدًا للشيء أو لدفعه؛ لأنَّهُ بمنزلة الصفة في الفائدة يوضحُ عن الشيء ويؤكده.
واعلم: أنهُ لا يجوز أن يعترض بين واو العطف وبين المعطوف بشيءٍ، لا يجوز أن تقول: "قامَ زيدٌ -فافْهَم- عمرٌو، ولا قام زيدٌ -ووالله- عمرٌو". وقد أجاز قوم الاعتراض في "ثُمَّ وأوْ ولا" لأنَّ أوْ ولا وثُمَّ "يقمنَ بأنفسهنَّ" فيقولون: "قامَ زيدٌ ثم -والله- محمدٌ". ومما يلغيه الكوفيون ولا يعرفه البصريون: "زيدًا قمتُ فضربتُ"، يلغون القيام كأنهم قالوا: "زيدًا ضربتُ" وهذا رديءٌ في الإِلغاء؛ لأن ما يلغى ليس حقه أن يكون بعد فاءٍ تعلق ما بعدها به. [قال أبو بكر] ١: قد انتهينا إلى الموضع الذي يتساوى فيه كتابُ الأصول وكتاب الجُمل بعد ذكر "الذي" والألف واللام ثُمَّ لا فرق بينهما إلا أنَّ بعد التصريف زيادة المسائل فيه، والجملُ ليسَ فيه ذلك.
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". وقد ذكر البغدادي في شرح هذا البيت قول ابن السراج في الأصول.
[ ٢ / ٢٦١ ]
ذكر الذي والألف واللام:
الإِخبار بالذي والألف واللام التي في معناهُ: ضربٌ من المبتدأ والخبر، وموضع "الذي" من الكلام أن يكون مع صلته صفةً لشيءٍ وإنما اضطر إلى الصفة "بالذي" للمعرفة؛ لأن وصف النكرة على ضربين: مفردٌ وجملةٌ، فالمفرد نحو قولك: مررتُ برجلٍ عاقلٍ وقائمٍ وما أشبه ذلك، والجملة التي توصفُ بها النكرة تنقسم قسمين: مبتدأٌ وخبرٌ، نحو قولهم: مررتُ برجلٍ "أبوهُ منطلقٌ" وفِعْلٌ وفاعلٌ نحو قولك: مررتُ برجلٍ قامَ أبوهُ، فلما كانت النكرات قد توصف بالحديث والكلام التام احتيج في المعرفة إلى مثل ذلك، فلم يجز أن توصف المعرفة بما توصفُ به النكرة لأن
[ ٢ / ٢٦١ ]
صفة النكرةِ نكرةٌ مثلها وصفة المعرفةِ معرفةٌ مثلها، فجاز وصف النكرة بالجمل؛ لأن كُلَّ جملةٍ فهي نكرةٌ ولولا أنها نكرة ما كان للمخاطب فيها فائدة؛ لأن ما يعرف لا يستفاد، فلما كان الأمر كذلك وأريد مثلهُ في المعرفة جاءوا باسمٍ مبهمٍ معرفةٍ لا يصح معناه إلا بصلتهِ١ وهو "الذي" فوصلوهُ بالجمل التي أرادوا أن يضعوا المعرفة بها لتكونَ صفةُ المعرفةِ معرفةً كما أن صفةَ النكرةِ نكرةٌ، "فالذي"٢ عند البصريين أصلُه "لذي" مثل "عمى" ولزمته الألف واللام فلا يفارقانه ويثنى فيقال: "اللذانِ" في الرفع "واللذينِ" في الخفض والنصبِ٣، ويجمع فيقال: "الذينَ" في الرفع وغيره، ومنهم من يقول: "اللذونَ" في الرفع "واللذينَ" في الخفض والنصب، والمؤنث "التي واللتان واللاتي واللواتي" وقد حكي في "الذي" "الذي" بإثبات الياء "والذِ" بكسر الذال بغير ياء و"الذْ"٤ بإسكان الذال، "والذيّ" بتشديد الياء وفي التثنية "اللذان" بتشديد النون، "واللّذا" بحذف النون وفي الجمع "الذينَ والذونَ واللاءونَ، وفي النصب والخفض اللائينَ واللاءِ بلا نونٍ واللاي" بإثبات الياء في كل حالٍ [والأولى] ٥ وللمؤنث، التي واللاءِ بالكسر ولا ياءَ والتي والتِ بالكسر بغير ياءٍ، والتْ بإسكان التاء، واللتانِ واللتا بغير نونٍ، واللتانَّ بتشديد النون وجمعُ "التي" اللاتي، واللاتِ بغير ياءٍ، واللواتي واللواتِ بالكسر بغير ياء، واللواء واللاءِ بهمزةٍ مكسورةٍ، واللااتِ مثل اللغات، ممدودٌ مكسور التاءِ وطيء٦ تقول: "هذا ذو قالَ ذاكَ" يريدون: الذي [قالَ ذلكَ] ٧
_________________
(١) ١ في "ب" بصلة. ٢ في "ب" والذي. ٣ في "ب" في النصب والخفض. ٤ في "ب" واللذ. ٥ زيادة من "ب". ٦ انظر: التصريح ١/ ١٣٧. ٧ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٦٢ ]
و"مررت بذو قال ذاك"١ في كل وجهٍ في الجمع، وحكي٢: أنه يجوز ذواتِ قلت ذاكَ٣، ورأيتُ ذو قالَ ذاكَ، وللأنثى: ذاتَ قالتْ ذاكَ قُلتِ ذاكَ "فذو" يكون في كل حالٍ رفعًا ويكون موحدًا في التثنية والجمع من المذكر والمؤنث، قالوا: ويجوز في المؤنث أن تقول: "هذه ذاتُ قالتْ ذاكَ" في الرفع والنصب والخفض، فأما التثنية في "ذو وذاتِ"، فلا يجوز فيه إلا الإِعراب في كل الوجوه، وحكي: أنه قد سمع في "ذاتِ" و"ذواتِ" الرفع في كل حالٍ.
وقال غير البصريين: إن أصل "الذي" هَذا، وهَذا عندهم أصلهُ ذال واحدةٌ وما قالوه: بعيد جدا لأنه لا يجوز أن يكون اسمٌ على حرفٍ في كلام العرب إلا المضمر المتصل، ولو كان أيضًا الأصلُ حرفًا واحدًا ما جاز أن يصغر والتصغير لا يدخلُ إلا على اسمٍ ثلاثي، وقد صغرت العربُ "ذَا" والموجودُ والمسموعُ مع ردنا له إلى الأصول من "الذي" ثلاثة أحرفٍ: لامٌ وذالٌ وياءٌ، وليس لنا أن ندفع الموجود إلا بالدليل الواضح والحجة البينة على أني لا أدفع أنَّ "ذَا" يجوز أن يستعمل في موضع "الذي" فيشار به إلى الغائب ويوضح بالصلة؛ لأنه نقل من الإِشارة إلى الحاضر إلى الإِشارة إلى الغائب فاحتاج إلى ما يوضحه لما ذكرنا.
وقال سيبويه: إن "ذَا" تجري بمنزلة "الذي" وحدها وتجري مع "مَا" بمنزلة اسم واحد، فأما٤ إجراؤهم "ذَا" بمنزلة "الذي" فهو قولهم: ماذا رأيت؟ فيقول: متاعٌ حَسَنٌ٥، وقال لبيد:
_________________
(١) ١ "ذاك" ساقط من "ب". ٢ في "ب" ويحكى. ٣ زيادة من "ب". ٤ في الأصل "فإنما" والتصحيح من "ب". ٥ انظر الكتاب ١/ ٤٠٥.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
أَلا تَسْأَلاَنِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاوِلُ أَنَحْبٌ فيُقْضَى أَمْ ضَلالٌ وبَاطِلُ١
وأما إجراؤهم إياه مع "مَا" بمنزلة اسم واحد فهو قولك: ماذا رأيتَ؟ فتقولُ: خيرًا، كأنك قلت: مَا رأيتَ؟ [ومثل ذلكَ قولهم] ٢: ماذا تَرى؟ فتقول: خيرًا٣ وقال الله٤: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ، قَالُوا: خَيْرًا﴾ ٥ [كأنه قال: ما أنزلَ ربكم؟ قالوا: خيرًا، أي: أَنزل خيرًا"٦ فلو كان "ذَا" لغوًا لَمَا قالت العربُ: عما ذا تسألُ؟ ولَقالوا: عَمَّ ذَا تسألُ؟ ولكنهم جعلوا "مَا وذَا" اسمًا واحدًا كما جَعلوا "مَا وإنَّ" حرفًا واحدًا حين قالوا: "إنَّما" ومثل ذلكَ كأنَّما و"حيثُما" في الجزاء ولو كان "ذَا" بمنزلة "الذي" في هذا الموضع ألبتة لكان الوجه في "ماذا رأيتُ؟ " إذا أراد الجواب أن تقول: خيرٌ٧، فهذا الذي ذكر سيبويه بَيّنٌ واضح من استعمالهم "ذَا" بمنزلة "الذي"، فأما أنْ تكون "الذي" هي "ذَا" فبعيدٌ جدا، ألا ترى أنَّهم حين استعملوا "ذَا" بمنزلة "الذي" استعملوها بلفظها ولم يغيروها، والتغيير لا يبلغ هذا الذي ادعوه والله أعلم، ولا يعرف له نظير في كلامهم. ومَنْ
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤٠٥، على رفع "نحب" وما بعده، وهو مردود على "ما" في قوله: ماذا، فدل ذلك على أن "ذا" في معنى الذي، وما بعده من صلته. والنحب: النذر، يقول: ألا تسألان مجتهدًا في أمر الدنيا وتتبعها، فكأنما أوجب على نفسه ذلك نذرًا يجري إلى قضائه وهو منه في ضلال. وانظر: شرح السيرافي ٣/ ١٨٢، وابن يعيش ٣/ ١٤٩، والمغني/ ٣٣٢، والتصريح ١/ ١٣٩، والخزانة ٢/ ٥٥٦، واللسان "نحب"، والسيوطي/ ٧١١، والأشموني ١/ ٧٩، والشعراء المخضرمين د. الحبوري/ ٢٣٧، والديوان ٢٥٤ "ط. ليبسك". ٢ ما بين القوسين ساقط في "ب". ٣ في "ب" خير، بالرفع. ٤ وقال الله، ساقط من "ب". ٥ النحل: ٣٠، وانظر الكتاب ١/ ٤٠٥. ٦ زيادة من "ب". ٧ انظر الكتاب ١/ ٤٠٥.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
ومَا وأي، يستعملن بمعنى "الذي" فيوصلن كما توصل، ولكن لا يجوز أن "يوصفَ بهن"١ كما وصف "بالذي" لأنها أسماءٌ لمعانٍ تلزمها، ولهن تصرفٌ غير تصرف "الذي" لأنهن يكنَّ استفهامًا وجزاء، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم والألفُ واللام تستعمل في موضع "الذي"٢ في الوصف ولكنها لا تدخل إلا على اسم، فلما كان ذلك من شأنها وأرادوا أن يصلوها بالفعل نقلوا الفعْلَ إلى اسم الفاعل، والفعل يريدون فيقولون في موضع "الذي قامَ" القائم [فالألفُ] ٣ واللام قد صارتا اسمًا وزال المعنى الذي كان له واسمُ الفاعلِ ههنا فِعلٌ وذاكَ يرادُ بهِ، أَلاَ تَرى أنهُ لا يجوز أن تقول: "هذا ضَاربٌ زيدًا أَمسِ" حتى تضيف، ويجوز أن تقولَ: "هَذا الضاربُ زيدًا أمسِ" لأنك تنوي "بالضاربِ" الذي ضربَ، ومتى لم تنو بالألف واللام "الذي" لم يجز أن تعمل ما دخلت عليه، وصار بمنزلة سائر الأسماء إلا أن الفاعل هنا إعرابُه إعراب "الذي" بغير صلةٍ؛ لأنه لا يمكن فيه غير ذلكَ، وكان الأخفش يقول: "إنَّ زيدًا" في قولك: "الضارب زيدًا أَمسِ" منصوبٌ انتصابَ: الحسَنِ وجهًا٤، وأنه إنما نصب لأنه جاء بعد تمام الاسم. وقال٥ أبو بكر: ليس عندي كَما قَالَ؛ لأن الأسماءَ التي تنتصبُ عن تمام الاسم إنما يكنَّ نكراتٍ، والحَسَنُ وما أشبههُ قد قال سيبويه: إنه مشبه باسم الفاعلِ٦، وقد ذكرنا ذَا فيما تقدم.
_________________
(١) ١ يوصف بهن، ساقط من "ب". ٢ قال سيبويه ١/ ٩٣: "هذا باب صار الفاعل فيه بمنزلة الذي فعل في المعنى وما يعمل فيه، وذلك قولك: هذا الضارب زيدًا، في معنى: هذا الذي ضرب زيدًا، وعمل علمه؛ لأن الألف واللام منعتا الإضافة وصارتا بمنزلة التنوين". ٣ زيادة من "ب". ٤ منصوب على التمييز، انظر التذييل والتكميل لأبي حيان ١/ ٣٧٨، وشرح الإيضاح للرهاوي ١/ ٥٠. ٥ في "ب" قال، بإسقاط الواو. ٦ انظر الكتاب ١/ ٩٩.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
ذكر ما يوصل به الذي ١:
اعلمْ: أنَّ "الذي" لا تتم صلتها إلا بكلامٍ تام وهي توصل بأربعة أشياء: بالفعل والمبتدأ والظرف والجزاء بشرطه وجوابهِ، ولا بد من أن يكون في صلته ما يرجع إليه، فإن لم يكن كذلك فليس بصلة لهُ والفعل الذي يوصل به "الذي" ينقسم انقسامه [أربعة أقسام] ٢ قبل أن يكون صلةً: فِعْلٌ غير متعد، وفِعل متعد إلى مفعولٍ واحدٍ، وفِعلٌ متعد إلى مفعولين، وفِعْلٌ متعد إلى ثلاثة مفاعيل، وفِعْلٌ غيرُ حقيقي نحو "كانَ" و"ليسَ" فهذه الأفعالُ كلها يوصل بها "الذي" مع جميع ما عملت فيه، وذلك قولك: الذي قامَ والذي ضَربَ زيدًا، والذي ظَنَّ زيدًا منطلقًا، والذي أعطى زيدًا درهمًا، والذي أعلمَ زيدًا عمرًا أبَا فلانٍ "والذي كانَ قائمًا والذي ليسَ منطلقًا" ففي هذه كلها ضمير "الذي" وهو يرجع إليه وهو في المعنى فاعلٌ، فاستتر٣ في الفعل ضمير الفاعل؛ لأنه قد جرى على من هو لهُ فإن كان الفعل لغيره لم يستتر٤ الضمير وقلت: "الذي قامَ أبوهُ أَخوك" والذي ضربَ أخوهُ زيدًا صاحبكَ، وأما وصله بالمبتدأ فنحو "الذي هُوَ زيدٌ أخوك" والذي زيدٌ أبوهُ غلامُكَ والذي غلامُه في الدار عبد الله. وأما صلته بالظرف فنحو قولك: "الذي خلفَكَ زيدٌ" كأنَّك
_________________
(١) ١ أطال ابن السراج القول في هذا الباب ولم يوجد في كتب النحو مثل هذه الإطالة سوى ما في المقتضب ٣/ ٨٩ إلى ١٣٢. وشرح الكافية للرضي ٢/ ٤٢، وقد لام العصام الرضي على هذا فقال في شرحه للكافية/ ٢٠١: أكثر الرضي عنه لا سيما في الإخبار عن المتنازع فيه وفي إملال لا يتبعه مزيد نفع، ومسائل الرضي هذه منقولة من كتاب أصول ابن السراج/ ٢٢٣ وما بعدها، وقد تنبه البغدادي إلى هذه الحقيقة. انظر الخزانة ٢/ ٥٣٠. ٢ زيادة من "ب". ٣ في "ب" فانستر. ٤ في "ب" ينستر.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
قلت: "الذي استقرَّ خلفَكَ زيدٌ"١ والذي عندَك والذي أمامَكَ وما أشبه ذلك وأما وصلُه بالجزاء فنحو قولك: "الذي إنْ تأتِه يأتِك عمرو" و"الذي إنْ جئتَهُ فهو يُحسنُ إليكَ" ولا يجوز أن تصلَ "الذي" إلا بما يوضحهُ ويبينهُ من الأخبار فأما الاستخبار فلا يجوز أنْ يوصل به "الذي" وأَخواتُها، لا يجوز أن تقول: "الذي أَزيدٌ أَبوهُ قائمٌ" وكذلك النداءُ والأمر والنهي. وجملة هذا أن كل ما تمكن في باب الأخبار ولم يزد فيه معنى على جملة الأخبار وصَلُحَ أن يقال فيه صدقٌ وكذبٌ، وجازَ أن توصف به النكرة فجائزٌ أن يوصل به "الذي" ويجوز أن تصل بالنفي فتقول: "الذي ما قامَ عمرو" لأنه خبرٌ يجوز فيه الصدقُ والكذبُ ولأنك٢ قد تصفُ به النكرة فتقول: "مررتُ برجلٍ ما صَلى"، وكل فعلٍ تصلُ به "الذي" أو تصفُ به النكرة لا يجوز أن يتضمن ضمير الموصول أو الموصوف، فغير جائزٍ أن تصل به "الذي"٣ لو قلت: "مررتُ برجلٍ نِعم الرجلُ" لَما جاز إلا أن تريد: "هُوَ نِعْمَ الرجلُ" فتضمر المبتدأ على جهةِ الحكاية. ومن ذلك فِعْلُ التعجبِ، لا يجوز أن تصل به ولا تصف، لا تقول: "مررتُ برجلٍ أكرمْ به من رجلٍ" لأنَّ الصفةَ موضعها من الكلام أن تفصل بين الموصوفات وتبين٤ بعضها من بعض، وإنما تكون كذلك إذا كانت الصفة محدودةً متحصلة، فأما إذا كانت مبهمة [غير متحصلةٍ] ٥ فلا يجوز، ألا ترى أنك
_________________
(١) ١ انظر المقتضب ٣/ ١٠٢ قال المبرد: اعلم أن كل ظرف متمكن فالإخبار عنه جائز، وذلك قولك إذا قال قائل: زيد خلفك، أخبر عن "خلف" قلت: الذي زيد فيه خلفك، فترفعه؛ لأنه اسم، وقد خرج من أن يكون ظرفًا. وإنما يكون ظرفًا إذا تضمن شيئًا نحو: زيد خلفك؛ لأن المعنى: زيد مستقر في هذا الموضع والخلف مفعول فيه. ٢ في "ب" لأنك، بإسقاط الواو. ٣ "الذي" ساقط في "ب". ٤ في "ب" وبين. ٥ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٦٧ ]
إذا قلت: "أكرم بزيد وما أكرمه" فقد فضلتهُ في الكرم على غيره إلا أنكَ لم تذكر المفضول إذ كان أبلغ في المدح أن يظن به كل ضربٍ من الكرم، فإذا قلت: أكرم من فلانٍ فَقَدْ تَحصّلَ وزالَ معنى التعجب وجاز أن تصفَ به وتصل١ به، فنعم وبئس من هذا الباب، فإن أضمرت مع جميع هذه القولَ جازَ فيهنَّ أن يكُنَّ صفاتٍ وصلاتٍ؛ لأن الكلام يصير خبرًا فتقول: مررتُ برجلٍ يقالُ [لَهُ] ٢: ما أحسنه ويقالُ: أَحسنْ به، وبرجلٍ تقولُ لَهُ: اضربْ زيدًا وبالذي يقالُ لهُ: اضربْ زيدًا، وبالذي يقول: اضربْ زيدًا، ومررتُ برجلٍ نِعْمَ الرجل هُوَ، أي: تقولُ: نِعْمَ الرجلُ هُوَ، وبالذي نِعْمَ الرجلُ هُوَ أي: بالذي يقول: نِعْمَ الرجلُ هُوَ.
واعلم: أنَّ الصلةَ والصفة حقهما أن تكونا موجودتينِ في حال الفعل الذي تتذكرهُ لأنَّ الشيءَ إنما يوصفُ بما فيه، فإذا وصفتهُ بفعلٍ أو وصلتهُ فالأولى به أن يكون حاضرًا كالاسم، ألا ترى أنكَ إذا قلت: مررتُ برجلٍ "قائمٍ" فهو في وقت مروركَ في حال قيامٍ، وإذا قلت: "هذا رجلٌ قامَ أمسِ" فكأنكَ قلتَ: "هذا رجلٌ معلومٌ" أي: "أعلمه"٣ الساعة أنهُ قامَ أمسِ، ولأنكَ٤ محققٌ ومخبرٌ عما تعلمه في وقت حديثكَ، وكذلكَ إذا قلت: "هذا رجل يقومُ غدًا" فإنما المعنى: "هذا رجلٌ معلومٌ الساعةَ أنَّهُ يقومُ غدًا" وعلى هذا أجازوا: مررتُ برجلٍ معه صقْرٌ صائدًا به غدًا، فنصبوا "صائدًا" على الحال؛ لأنَّ التأويل "مقدرًا الصيد بهِ غدًا" فإن لم يتأولْ ذلك فالكلام محالٌ، وكل موصوفٍ فإنما ينفصلُ من غيره بصفةٍ لزمته في وقته، وكذلك الصلة إذا قلت: "الذي قامَ أمسِ، والذي يقومُ غدًا" فإن وصلت "الذي" بالفعل المقسم عليه نحو قولك: "ليقومنَّ" لم تحتج إليه
_________________
(١) ١ في "ب" نصف، وهو خطأ. ٢ زيادة من "ب". ٣ أي: أعلمه، ساقط من "ب". ٤ في "ب" لأنك، بإسقاط الواو.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
لأن القسمَ إنما يدخلُ على ما يؤكد إذا خِيفَ ضَعفُ علم المخاطب بما يقسم عليه، والصفة إنما يراعى فيها من الكلام مقدار البيان، وبابها: أن يكون خبرًا خالصًا لا يخلطه معنى قسم ولا غيره، فإن وصل به فهو عندي جائز؛ لأن التأكيد لا يبعده من أن يكون خبرًا، وأما إنَّ وأخواتها فحكم "إنَّ" من بين أخواتها، حكم الفعل المقسم عليه إن لم تذكرها في الصلة، فالكلام غير محتاج إليها وإن ذكرتها جاز، فقلت: "الذي إنَّ أباهُ منطلقٌ أخوكَ" وفي "إنَّ" ما ليس في الفعل المقسم عليه؛ لأن خبر "إنَّ" قد يكون حاضرًا وهو بابها، وفعلُ القسمِ ليس كذلك إنما يكون ماضيًا أو مستقبلًا فحكمه حكم الفعلِ١ الماضي والمستقبل إذا وصف به، و"ليت ولعلَّ" لا يجوز أن يوصلَ بهما؛ لأنهما غيرُ أخبارٍ ولا يجوز أن يقال فيهما صدقٌ ولا كذبٌ، و"لكنَّ" لا يجوز أن يوصل بها ولا يوصفُ لأنها لا تكون إلا بعد كلام. وأما "كأَنَّ" فجائزٌ أن يوصل بها ويوصفُ بها وهي أحسنُ من "إنَّ" من أجل كافِ التشبيه، تقول: "الذي كأنَّهُ الأسدُ أَخوكَ، ومررت بالذي٢ كأنَّهُ الأسدُ" لأنه في معنى قولك: مثلُ الأسَدِ [واعْلَم أنَّهُ لا يجوز أن تقدم الصلة على الموصولِ، ولا تفرق بين الصلة والموصول بالخبر، ولا بتوابع الموصول بعد تمامه كالصفة والبدلِ، وما أشبه ذلك] ٣.
_________________
(١) ١ الفعل، ساقط في "ب". ٢ في "ب" برجل، ولا معنى لها. ٣ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٦٩ ]
ذكر الإِخبار عن الذي:
اعلم: أنَّ "الذي" إذا تمت بصلتها كان حكمها حكم سائر الأسماء التامة فجاز أن تقع فاعلةً ومفعولةً ومجرورةً ومبتدأةً وخبرًا لمبتدأ، فتقول: "قامَ الذي في الدارِ، ورأيت الذي في الدار، ومررتُ بالذي في الدار، وزيدٌ الذي في الدار" فيكون خبرًا١، والذي في الدار زيدٌ، فتكون
_________________
(١) ١ فيكون خبرًا، ساقط في "ب".
[ ٢ / ٢٦٩ ]
"الذي" مبتدأةً وزيدٌ خبر المبتدأ، وإذا جعلت مبتدأةً فحينئذٍ تكثر المسائلُ وهو الباب الذي أفرده النحويون١ وجعلوه كحد من الحدودِ، فيقولون: إذا قلتَ "قامَ زيدٌ" كيف تخبر عن زيدٍ بالذي وبالألف واللام؟ فيكون الجواب: الذي قامَ زيدٌ والقائمُ زيدٌ "فتكون" الذي مبتدأ وقامَ صلتهُ وفيه ضمير يرجع إليه وبه تمَّ. وهو في المعنى: "زيدٌ" لأنَّ الضمير هو الذي والذي هو زيدٌ، فهو في المعنى الفاعلُ، كما كان حين قلتَ: "قامَ زيدٌ" وكذلك إذا دخلت الألف واللامُ بدلًا من الذي قلت: "القائمُ زيد" فالألف واللامُ قد قامتا مقامَ الذي و"قائم"٢ [قَدْ] حَلَّ مقامَ "قامَ" وفي "قائمٍ" ضمير يرجع إلى الألف واللام، والألفُ واللام هما زيدٌ إلا أنكَ أعربت "القائمَ" بتمامه بالإِعراب الذي يجبُ "للذي" وحدها إذ لم يكن سبيلٌ إلى غير ذلك، وكل اسم قيل لك أخبر عنه فحقه أن تنتزعه من الكلام الذي كانَ فيه وتضع موضعه ضميرًا يقومُ مقامهُ، ويكون ذلك الضمير راجعًا إلى الذي أو الألف واللام، وإنما كان كذلك لأن كل مبتدأٍ فخبره إذا كان اسمًا مفردًا في المعنى هُوَ هُوَ، فإذا ابتدأتَ "بالذي" وجعلت اسمًا من الأسماء خبره، فالخبر هو "الذي" والذي هو الخبر، وهذا شرط المبتدأ والخبر، وإنما الأخبار عن "الذي والألف واللامِ" ضربٌ من المبتدأ والخبر، وقد كنت عرفتك أن الصلة كالصفة للنكرة فإذا أشكل عليك شيءٌ من ذلك فاجعل الصلة صفة٣ ليبين لك إنْ قالَ قائلٌ إذا قلت: "ضربتُ زيدًا" كيف تخبر عن زيد، قلت: "الذي ضربتهُ زيدٌ" فجعلت موضع "زيدٍ" الهاء وهي مفعول كما كان زيدٌ وهو٤ "الذي والذي هو زيد" فإن جعلته صفةً قلت: "رجلٌ ضربتهُ زيدٌ" إلا أنَّ حذف الهاء في
_________________
(١) ١ انظر المقتضب ٣/ ٩٩ وما بعدها، وشرح الرضي ٢/ ٤٢ وما بعدها. ٢ ٣ في الأصل "صلة" والتصحيح من "ب". ٤ في الأصل "وهي" والتصحيح من "ب".
[ ٢ / ٢٧٠ ]
صلة "الذي" حَسَنٌ؛ لأنهم استثقلوا اجتماع ثلاثة أشياء في الصلة "فِعْلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ" فصرن١ مع "الذي" أربعة أشياء تقوم مقامَ اسمٍ واحدٍ فيحذفون الهاءَ لطول الاسم، ولك أن تثبتها على الأصلِ، فإن أخبرت عن المفعولِ بالألف واللام قلت: "الضاربُهُ أنا زيدٌ" وكان حذفُها قبيحًا، وقد أجازوهُ على قبحه. وقال المازني: لا يكادُ يسمع من العرب وحذفُ الهاء من الصفة قبيحٌ إلا أنه قد جاء في الشعر. والفرق بينهُ وبين الألف واللامِ أنَّ الهاء ثَمَّة تحذفُ من اسمٍ وهي في هذا تحذف من فعلٍ وإن قيلَ لكَ: أخبرْ عن "زيدٍ" من قولك: "زيدٌ أَخوكَ" قلت: "الذي هو أَخوك زيدٌ" أخذت زيدًا من الجملة وجعلت بدله ضميرهُ وهو مبتدأٌ كما كانَ زيدٌ مبتدأً وأخوك خبره كما كان، وقولك: هو وأخوك جميعًا صلة "الذي" وهي راجعة إلى "الذي" والذي هو "زيدٌ" وإن أردتَ أن تجعلهُ صفةً فتعتبره بهاء قلت: "رجلٌ هُو أخوكَ زيدٌ" فقولك٢: هو أخوكَ جملةٌ، وهي صفةٌ لرجلٍ وزيدٌ الخبرُ، فإن أردت أن تخبر عن "أخوكَ" قلت: "الذي زيدٌ هُوَ أخوكَ" فجعلت الضميرَ موضعَ "الذي" انتزعتهُ من الكلام وجعلتهُ خبرًا، وإنما قال النحويونَ: أخبر عنهُ وهو في اللفظ خبر؛ لأنه في المعنى محدثٌ عنهُ، ولأنه قد يكون خبرًا٣ ولا يجوز أن يحدث٤ عنه نحو الفعل، والألف واللام لا مدخل لهما في المبتدأ والخبر كما عرفتك، وهذه المسائل تجيءُ في أبوابها مستقصاةً إن شاء الله، فإن كان خبر المبتدأ فعلًا أو ظرفًا غير متمكنٍ لم يجز الإِخبارُ عنه إذا قال لكَ: "زيدٌ قامَ" كيفَ تخبرُ عن "قامَ" لم يجز؛ لأن الفعل لا يضمر، وكذا٥ لو قال: "زيدٌ في الدار" أخبر عن "في الدار" لم يجز؛ لأن هذا مما لا يضمر، وقد بينا أن معنى قولهم: أخبر
_________________
(١) ١ في "ب" فصارت. ٢ في "ب" وقولك. ٣ زيادة الواو من "ب". ٤ في "ب" يخبر. ٥ في "ب" وكذلك.
[ ٢ / ٢٧١ ]
عنهُ أي: انتزعهُ من الكلام واجعل موضعهُ ضميرًا، ثم اجعله خبرًا، فهذا لا يسوغُ في الأفعال ولا الحروف.
واعلم: أنهُ إذا كان صلةُ "الذي" فعلًا جاز أن يدخل الفاء في الخبر نحو: "قامَ فلَهُ درهمٌ" والذي جاءني فأنا أكرمهُ، شبهَ هذا١ بالجزاء لأن قولك: فلَهُ درهمٌ تبع المجيء، وكذلك هو في الصفة تقول: "كُلُّ رجلٍ جاءني فلَهُ درهمٌ، وكلُّ رجلٍ قام فإني٢ أكرمهُ" والأصل في جميع هذا طرح الفاء وأنت في ذكرها مخيرٌ إلا أنها إذا دخلت ضارع الكلام الجزاء ويبين أن الخبر من أجل الفعل؛ ولذلك لم يجزْ أن تدخل الفاءُ في كل حالٍ [وبأن] ٣ لو قلت: "الذي إنْ قمتُ قام فلَهُ درهمٌ" لم يجزْ؛ لأن معنى الجزاء قد تمَّ في الصلة ولكن لو قلت: "الذي إنْ قمتُ قامَ [فلَهُ درهمٌ] ٤ إنْ أعطاني أعطيتهُ" جاز لأنه بمنزلة قولك: "زيدٌ إن أعطاني أعطيتهُ" وكذلك إذا قلت: "الذي إنْ أَتاني فلَهُ درهمٌ لَهُ دينارٌ" لا يجوز أن تدخل الفاء على "لَهُ دينارٌ" فالفاء إذا دخلت في خبر "الذي" أشبه الجزاء من أجل أنه يقعُ الثاني بالأول، ألا ترى أنكَ إذا قلت: الذي يأتيني لهُ درهمٌ، قد يجوز أن يكون لهُ درهمٌ لا من أجل إتيانهِ، ويجوز أن يكونَ لهُ درهمٌ من أجلِ إتيانه، فإذا قلت: الذي يأتيني فلهُ درهمٌ دلت الفاءُ على أنَّ الدرهمَ إنما يجب لهُ من أجلِ الإِتيان، إلا أن الفرق بين الذي وبين الجزاء الخالص أنَّ الفِعلَ الذي في صلة "الذي" يجوز أن يكون ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، والجزاء لا يكون إلا مستقبلًا وإذا جاءت الفاء فحق الصلة٥ أن تكون٦ على اللفظ الذي يحسن في الجزاء في اللفظ
_________________
(١) ١ "هذا" ساقط من "ب". ٢ في "ب" فأنا. ٣ زيادة من "ب". ٤ زيادة من "ب". ٥ في "ب" الصفة. ٦ تكون، ساقطة من "ب".
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وإن١ اختلفَ المعنى. فمن أجل هذا يقبحُ أن تقول: "الذي ما يأتني فلَهُ درهمٌ" لأنه لا يجوز أن تقول: "إنْ ما أتاني زيدٌ فلَهُ درهمٌ و"لاَ" كُلّ رجلٍ ما أتاني فلهُ درهمٌ" إذا أردتَ هذا المعنى، قلت: "الذي لم يأتني فلَهُ درهمٌ، وكُلُّ رجلٍ لم يأتني فلَهُ درهمٌ" والقياسُ يوجبُ إجازتهُ للفرق الذي بين "الذي [وبين] ٢ الجزاء" لأنهُ إذا جازَ أن يلي الذي من الأفعال ما لا يلي "إنْ" وكان المعنى مفهومًا غير مستحيل فلا مانع يمنعُ من إجازته، وإنما أجزنا دخولَ الفاء في هذا لأن الذي ما فَعَل قد يجبُ لهُ شيءٌ بتركه الفعل إذا كان ممن يقدر منه ذلك الفِعْلُ، وإنما لم يجز "ما" مع "إنْ" في الجزاء؛ لأن "ما" لا تكون إلا صدرًا والجزاء لا يكون إلا صدرًا فلم يجز لأن "إن" تعمل فيما بعد "ما" فلما أرادوا النفي أتوا "بلَمْ" وبنوها مع الفعل حتى صارت كأنها جزءٌ منه أو "بلا" فقالوا: "إنْ لَمْ تَقمْ قمتُ، وإنْ لم٣ تقمْ لا أقمْ".
واعلم: أن كل اسمٍ لا يجوز أن تضمره وترفعهُ من الكلام وتكني عنه، فلا يجوز أن يكون خبرًا في هذا الباب من أجل أنكَ متى انتزعته من الكلام وهو اسم ظاهرٌ أو مضمر فلا بد [من] ٤ أن تضمر في موضعه، كما خبرتُكَ. ولك اسم مبني إلا المبهمات والمضمرات والذي وما كان في معناهُ فإنهن في٥ أصول الكلام لا يجوز أن يكُنَّ خبرًا "للذي"٦، وكذلك كلُّ ظرفٍ غير متمكنٍ في الإِعراب ليس مما يرفع لا يجوز أن يكون خبرًا [للذي] ٧ لأن جميع الأسماء إذا صارت أخبارًا "للذي" والذي مبتدأ
_________________
(١) ١ "إن" ساقطة من "ب". ٢ زيادة من "ب". ٣ في "ب" وإن لا تقم لا أقم. ٤ زيادة من "ب". ٥ زيادة من "ب". ٦ في "ب" للمبتدأ. ٧ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٧٣ ]
لم يكن بد من رفعها فكلُّ ما لا١ يرتفع لا يجوز أن يكون خبرًا، لو قلت: الموضع الذي فيه زيدٌ عندك، لم يجز لأنه كان يلزم أن يرفع "عنه" وهو لا يرتفع، وكذلك ما أشبهه، ولو قلتَ: الموضع الذي قمتَ فيه خلفكَ، جاز لأن "خلفَ" قد يرفعُ ويتسعُ فيه فيقالُ: "خلفكَ٢ واسع" وأما ما يجوز من المبهمات والمضمرات فنحو قولك: "الذي في الدار هَذا، والذي في الدار الذي كانَ يُحبُّك، والذي في الدار هُوَ" وكذلك ما كان في معنى "الذي" تقول: "الذي في الدار مَنْ تُحبُّ، والذي في الدار ما تحبُّ" فيكون٣ الخبر "مَا ومَن" بصلتهما وتمامهما فإن كانتا٤ مفردتين لم يجز أن يكونا خبرًا٥ "للذي" وكذلك الذي لا يجوز أن يكون خبرًا وهو بغير صلة إلا على نحو ما جاء في الشعر مثل قوله:
بَعْدَ اللتيّا واللتيّا والتي٦
_________________
(١) ١ في "ب" فما. ٢ يكون خلفك هنا خبرًا وليس بظرف؛ لأنه من الظروف المتصرفة، ومثل ذلك اليوم، تقول: يوم الجمعة، تخبر عن اليوم كما تخبر عن سائر الأسماء؛ لأنه ليس بظرف. ٣ في "ب" ليكون. ٤ في "ب" كانا. ٥ في "ب" خبرين. ٦ من شواهد الكتاب ١/ ٣٧٦، على حذف الصلة اختصارًا لعلم السامع. واقتصر على الشطر الأول كذلك فعل ابن السراج. واستشهد به ٢/ ١٤٠ على تصغير التي على اللتيا، وتكملة البيت: بعد اللتيا واللتيا والتي إذا علتها أنفس تردت اللتيا والتي ههنا، إنما هو لتأنيث الداهية، وتردت: تفعلت، من الردى مصدر ردى: إذا هلك، أو من التردي الذي هو السقوط من علو. وينسب هذا الرجز إلى العجاج. وانظر: المقتضب ٢/ ٢٨٩، والرماني ٣/ ٥٦، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٤، وشرح المفصل ٥/ ١٤٠، والديوان/ ٥، وارتشاف الضرب/ ١٣٥، والخزانة ٢/ ٥٦٠.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
فإن هذا حذف الصلات لعلم المخاطب بالقصة، ولا يجوز أن تخبر عن النعت لأنك تحتاج أن تضمره، فإذا أضمرته زال أن يكون نعتًا، لو قيل لك: أخبر عن العاقل في قولك: "زيدٌ العاقلُ أخوكَ" فأخبرت، لزمكَ أنْ تقول: "الذي زيدٌ هوَ أخوكَ العاقلُ" فتضع موضع "العاقل" هو١ فيصيرُ نعتًا لزيدٍ وهو لا يكون نعتًا ولا يجوز أن تخبر عن "زيدٍ" وحده في هذه المسألة؛ لأنه يلزمك أن تقول: "الذي هو العاقل أخوك زيدٌ، فتصف "هُوَ" بالعاقل وهذا لا يجوز، ولكن إذا قيل لك: أخبر عن مثل هذا فانتزع زيدًا وصفتهُ جميعًا من الكلام، وقل: "الذي هو أخوكَ زيدٌ العاقلُ" ومما لا يجوز أن يكون خبرًا المضافُ دون المضاف إليه، لو قيل: "هذا غلامُ زيدٍ" أخبر عن "غلامٍ" ما جاز؛ لأنه كان يلزم أن تضمرَ موضع غلامٍ وتضيفه إلى "زيدٍ" والمضمر لا يضاف، فأما المضاف إليه فيجوز أن٢ يكون خبرًا؛ لأنه يجوز أن يضمر، وجميع ما قدمتُ سيزداد وضوحًا إذا ذكرت الأبواب التي أجازها النحويون.
_________________
(١) ١ هو، ساقط في "ب". ٢ في "ب" يضمر بعد "أن" ولا معنى لها.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
باب ما جاز أن يكون خبرا
مدخل
باب ما جاز أن يكون خبرًا:
اعلم: أن أصول الكلام جملتان: فعلٌ وفاعلٌ ومبتدأٌ وخبرٌ، وقد عرفتُك كيفَ يكون الفاعل خبرًا وأن الفعل لا يجوز أن يكون خبرًا مخبرًا عنه في هذا الباب، وذكرت لك المبتدأ والخبر والإِخبار عن كُل واحدٍ منهما، وأبواب هذا الكتاب تنقسم بعددِ أسماء الفاعلين والمفعولين وبحسب ما يتعدى من الأفعال وما لا يتعدى، فكلُّ ما يتعدى إليه الفعلُ ويعمل فيه إلا ما استثنيناه [مما تقدمَ] ١ فهو جائز أن تخبر عنه، إلا أن يكون اسمًا نكرةً لا يجوز أن يضمر [فيعرف] ٢ فإنه لا يجوز الإِخبار عنه نحو ما ينتصب بالتمييز، فجميع الأبواب التي يجوز الإِخبار عن الأسماء التي فيها [مميزٌ] ٣ أربعة عشر بابًا:
الأول: الفعل الذي لا يتعدى.
والثاني: الفعلُ الذي يتعدى إلى مفعولٍ واحدٍ.
والثالث٤: ما يتعدى إلى مفعولين، ولكَ٥ أن تقتصر على أحدهما.
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ زيادة من "ب". ٣ زيادة من "ب". ٤ في "ب" الفعل، بدلًا من "ما". ٥ في "ذلك" بإسقاط الواو.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
والرابع: ما يتعدى إلى مفعولين وليس لكَ أن تقتصر على أحدهما.
والخامس: ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولينَ.
والسادس: الفعلُ الذي بنيَ للمفعول الذي لم يذكر مَنْ فعَلَ بهِ.
والسابع: الذي تعداهُ فعلهُ إلى مفعول واسم الفاعل والمفعول لشيءٍ واحدٍ.
والثامن: الظروف من الزمان والمكان.
والتاسع: المصدرُ.
والعاشر: المبتدأُ والخبرُ.
والحادي عشر: المضافُ إليهِ.
والثاني عشر: البدلُ.
والثالث عشر: العطفُ.
والرابع عشر: المضمرُ.
وقد كان يجب أن يقدم باب١ ما يخبر فيه "بالذي" ولا يجوز أن يخبر عنه٢ بالألف واللام ولكنا أخرناهُ ليزداد وضوحه بعد هذه الأبواب. فأما ما قاسه النحويون من المحذوفات في الكلام ومن٣ إدخال "الذي" على "الذي" و"التي" وركبوه من ذلك، فنحن نفرده بعد إن شاء الله.
_________________
(١) ١ في الأصل "الباب" التصحيح من "ب". ٢ في الأصل "فيه" والتصحيح من "ب". ٣ الواو، زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٧٧ ]
الأول: باب الفعل الذي لا يتعدى الفاعل إلى المفعول:
وهو "ذهبَ زيدٌ وقعدَ خالدٌ"١ وكذلك جميع ما أشبههُ من الأفعال التي
_________________
(١) ١ في "ب" عمرو بدلًا من خالد.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
لا تتعدى إذا قيل لك: أخبرْ عن "زيدٍ" بالذي قلت: "الذي ذَهَبَ زيدٌ"١ فالذي مبتدأٌ، و"ذهبَ" صلته وفيه ضمير الفاعل وهو يرجع إلى "الذي" فقد تم "الذي" بصلته وخبرهُ زيدٌ، فإن قيل لك: أخبر عنه بالألف واللام قلت: "الذاهبُ أَخوكَ" فرفعت الذاهب؛ لأنهُ اسمٌ ومعناه: "الذي ذهبَ" ولم يكن بد من رفعه؛ لأن اللام لا تنفصل من الصلة كانفصال "الذي" وهي٢ جزءٌ من الاسم ولكن المعنى معنى "الذي" فإن ثنيتَ "الذي" قلت: "اللذان قاما أَخواكَ" فإن جعلتَ "موضعَ" الذي٣، الألف واللام قلت: "القائمانِ أخواك" ثنيتَ "القائمَ" إذ لم يكن سبيلٌ إلى ثنيةِ الألف واللام، والتأويل: "اللذان قاما" ويرجع إلى الألف واللام الضميرُ الذي في "القائمينِ" وليست الألفُ بضميرٍ في "قائمانِ" وإنما هي ألفُ التثنية مثلها في سائر الأسماء التي ليس فيها معاني الأفعال، كما تقول: الزيدان أخواكَ، فإن جمعتَ قلت: "الذينَ قاموا إخوتُكَ" وبالألف واللام: "القائمونَ إخوتُكَ" وتفسيرُ الجمع كتفسير التثنية، ومن استفهم قال٤: "القائمونَ إخوتُكَ" و"القائمانِ أخواكَ"٥ ولا يجوز أن تقول: "القائمُ إخوتُكَ" على قول من قالَ: "أَقائمٌ إخوتُكَ" لأن قولهم٦: "أقائمٌ إخوتكَ"٧ يجري مجرى: أَيقومُ إخوتُكَ، وما كان فيه الألف واللام لا يجري هذا المجرى؛ لأنه قد تكمل اسمًا معرفة والمعارف لا تقومُ مقامَ الأفعالِ؛ لأن الأفعالَ نكراتٌ، ولكن لا يجوز أن تعمل ما في صلة الألف واللام وهو "قائمٌ" فتقول: "القائمُ أَبوهُ وأَخوكَ، والقائمُ أَبوهما أَخواكَ" ولا يجوز أن تقول: "القائمانِ أَبواهما أَخواكَ" من أجل
_________________
(١) ١ "زيد" ساقط من "ب"، وانظر المقتضب ٣/ ٩١. ٢ في "ب" وهو. ٣ في "ب" اللين، ولا معنى له. ٤ قال: ساقط في "ب". ٥ في "ب" الذاهبان. ٦ في "ب" قولك. ٧ أي: إن إعراب "إخوتك" فاعل سد مسد الخبر، وأقائم: مبتدأ.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
أنَّ "قائمٌ" قد عَمِلَ عَمَلَ الفعْلِ وما تمت الألف واللامُ بعد بصلتهما وما لم يتم فلا يجوز أن يُثنى، فإذا١ أَعملت "ما" في صلة الألف واللام في "فاعل" امتنعت التثنية وإنّما جاز أن تقول: "القائمانِ أَخواكَ" لأن الاسم قد تم والضمير الذي في "القائمِ" لا يظهر فأشبه ما لا ضمير فيه، وإنما احتمل الضمير الاسم إذا كان في٢ صلة ما هو له وجاريًا عليه استغناءً بعلم السامع، وليس بابُ الأسماء أن تضمر فيها إنما ذلك للأفعال، فإذا لم يكن اسمُ الفاعل فعلًا في الحقيقة للألف واللام أو لما يوصف به أو يكون خبرًا لهُ لم يحتمل الضمير ألبتة، وقد بينتُ ذا فيما تقدم. وتقول: "القائمُ أخواهُ زيدٌ، والقائمُ إخوتهُ عمرٌو" لأن الفعلَ للأَخوينَ وللإخوة وهو مقدمٌ، فالضمير أبدًا عدته بحسب الألف واللام إن عنيت بهما واحدًا كان واحدًا، وإن عنيتَ اثنين كانَ مُثنى، وإن عنيتَ جميعًا كان جمعًا، وكذلك الألف واللام والذي، إنما هي٣ بحسب من تضمر في العدة، وإذا٤ قلت: "اللذانِ ذهبا أخواك" قلت: "الذاهبان أخواك" وإذا قلت "الذين يذهبونَ قومكَ" قلت: "الذاهبونَ قومُكَ" تثني اسمَ الفاعل في الموضع الذي تثني فيه الفِعْلَ، ألا ترى أنكَ تقولُ: "الزيدانِ ذاهبانِ" لما كنت تقول: "الزيدانِ يذهبانِ" ولا يجوز أن تقول "الزيدانِ ذاهبٌ" وتضمرهما، وتقول: "الزيدانِ ذاهبٌ أبوهما" كما كنت تقول: "الزيدانِ يذهبُ٥ أَبوهما" إلا أنَّ تقدير الألف في "ذاهبانِ" غير تقديرها٦ في "يذهبان" لأنَّ ألفَ٧ "يذهبانِ" للتثنية والضمير، وهي في "ذاهبانِ" تثنيةٌ وإنما الضميرُ في النية.
_________________
(١) ١ زيادة الفاء من "ب". ٢ في "ب" من، بدلًا من "في". ٣ في "ب" هو. ٤ في "ب" فإذا. ٥ في الأصل "يذهبان" والتصحيح من "ب". ٦ الهاء في "تقديرها" ساقطة من "ب". ٧ في "ب" لأنها "في".
[ ٢ / ٢٧٩ ]
الثاني: الفعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد.
وذلك قولك: "ضَربَ زيدٌ عمرًا" اعلم أن هذا الباب لا بد من أن يكون في جميع١ مسائله اسمانِ في كل مسألة: فاعلٌ ومفعولٌ، فإن قيل لك: "أخبرْ عن الفاعلِ بالذي" قلت: "الذي ضَربَ عمرًا زيدٌ" فالذي رفع بالابتداء "وضَربَ عمرًا" صلتهُ وفي "ضَرَبَ" ضميرُ "الذي" هو راجع إليه، وضَربَ وعمرو في صلة "الذي" وبهما تم اسم، والخبرُ زيدٌ، وزيدٌ هو "الذي"، فإن قيلَ لكَ: ثَنِّ واجمعْ قلتَ: "اللذانِ ضربا عمرًا الزيدانِ" والذين ضربوا عمرًا الزيدونَ، لا بد من أن يكون الخبرُ بعدَ المبتدأ مساويًا لهُ، وكذلك الضمير الذي في الصلة وهي٢ كلها يشار بها إلى معنى واحدٍ [الذي والضميرُ والخبرُ] ٣، فإن قيل لك: أخبر بالألف واللام عن الفاعل في هذه المسألة قلت: "الضاربُ عمرًا زيدٌ" والتفسير كالتفسير في "الذي" فإن قيل لك٤: ثَنِّ واجمعْ قلتَ: "الضاربانِ عمرًا الزيدانِ" والضاربون عمرًا الزيدون، ولا يجوز أن تقول: "الضارب عمرًا الزيدانِ" لأن المبتدأَ قد نقص عدده٥ عن عدة الخَبر، والضاربُ عمرًا واحدٌ وليسَ في الصلةِ دليلٌ على أن الألف واللام لجماعةٍ، فإذا٦ ثنيتَ وجمعت قام الدليل وقد مضى تفسيرُ ذا، وينبغي أنْ تراعي في التثنية والجمع "اللذين" في الألف واللام أن يكون الاسم الذي فيه الألف واللام بأسره نظير "الذي" وحدها في إعرابه وتثنيته وجمعه، فإن رفعتَ "الذي" رفعتهُ وإن نصبتهُ نصبتهُ وإن خفَضتَهُ خفضتهُ، وإنْ ثنيتَه وجمعتَه ثنيتهُ وجمعتهُ٧، وكذلك يكونان إذا قامَ
_________________
(١) ١ في الأصل "أربع" والتصحيح من "ب". ٢ وهي، ساقطة في "ب". ٣ زيادة من "ب". ٤ زيادة من "ب". ٥ في الأصل "عدته" والتصحيح من "ب". ٦ في "ب" وإذا. ٧ الواو، زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٨٠ ]
أحدهما مقامَ الآخر. ومن حيث أعرب الفاعل في هذا الباب نحو: "الضاربُ" كإعرابِ "الذي" كذلك ثُني وجُمع تثنيته١ وجمعهُ، ولو كانت الألف واللام تُثنى أو يكون فيها دليل إعرابٍ لانفصلت كانفصال "الذي" من الصلة، فما فيه الألف واللام مما جاء على معنى الذي لفظهُ لفظ الاسم غير الموصول ومعناهُ معنى الموصول، فإن قيل لكَ: أخبرْ عن المفعول في قولك: ضَربَ زيدٌ عمرًا قلت: "الذي ضربَهُ زيدٌ عمرٌو" وحذف الهاء حسنٌ٢ كما خبرتك به، وإنْ٣ شئت قلتَ: الذي ضربه٤ زيدٌ عمرو، فالذي مبتدأٌ وضربَهُ زيدٌ صلتهُ، والهاء ترجع٥ إلى "الذي" وعمرو خبر المبتدأ، والذي هو عمرو. فإن ثنيتَ وجمعتَ قلتَ: اللذانِ ضربهما زيدٌ العمرانِ، والذينَ ضربهم زيدٌ العمرونَ، فإن أخبرتَ بالألف واللام قلتَ: الضاربهُ زيدٌ عمرٌو، جعلتَ: الضاربَهُ مبتدأً والهاء ترجع إلى الألف واللام ورفعت زيدًا٦ بأنه خبرُ الضاربِ وحذف الهاء في هذه المسألة قبيحٌ وهو يجوزُ على قبحه، فإن ثنيتَ وجمعتَ قلتَ: الضاربهما٧ زيدٌ العمرانِ والضاربهم زيدٌ العمرونَ، فإذا٨ قلتَ: "ضربتُ زيدًا" فقيلَ لك: أَخبر عن "التاءِ" فهو كالإخبار عن الظاهر وتأتي٩ بالمكني المنفصل فتقول: "الذي ضَربَ زيدًا أنا" فإن١٠ قيل لك: أَخبرْ عن زيدٍ، قلتَ: "الذي ضربتهُ زيدٌ" لأن الضميرَ وقعَ موقعهُ من الفعل فلم يحتج إلى المنفصل، فإن ثنيتَ أو جمعتَ
_________________
(١) ١ في "ب" بتثنية. ٢ في "ب" لما. ٣ في "ب" فإن. ٤ في الأصل "ضرب" والتصحيح من "ب". ٥ في الأصل "راجع" والتصحيح من "ب". ٦ في "ب" عمرًا. ٧ في الأصل: الضاربهم، والتصحيح ما أثبت. ٨ في "ب" وإذا. ٩ في "ب" فتأتي. ١٠ في "ب" وإن.
[ ٢ / ٢٨١ ]
قلت: "اللذان ضربا زيدًا نحن"١ والذين ضربوا زيدًا نحن، فإن أتيت بالألف واللام قلت: "الضارب زيدًا أنا" فالضارب مبتدأ [الذي هو صلة الألف واللام] ٢ وفي "ضارب"٣ ضمير الألف واللام فهو يرجع إليهما، "وأنا" الخبر، "فأنا والذي" والضمير الذي يرجع إلى "الذي" هذه الثلاثة شيء واحد في كل مسألة [إذا كان خبر المبتدأ اسمًا واحدًا] ٤ فافهم ذا٥ فإن عليه تدور هذه المسائل، فإن أخبرت عن زيد بالألف واللام قلت: "الضاربه أنا زيد" فلم يكن بد من أن تأتي "بأنا" موضع الفاعل؛ لأن الضارب اسم والتاء إنما تتصل بالفعل فإن ثنيت وجمعت قلت: الضاربهما أنا الزيدانِ، والضاربهم أنا الزيدونَ.
_________________
(١) ١ "نحن" ساقط في "ب". ٢ زيادة من "ب". ٣ وفي "ضارب" ساقط من "ب". ٤ زيادة من "ب". ٥ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٨٢ ]
الثالث: الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين:
ولك أن تقتصر على أحدهما وذلك قولك: "أعطى عبد الله زيدًا درهمًا١، وكسا عبد الله زيدًا جبةً، واختار عبد الله الرجالَ زيدًا" فإن أخبرت عن الفاعل "بالذي" فعلت به ما فعلت به٢ فيما تقدم، قلت٣: "الذي أعطى زيدًا درهمًا عبد الله" فالذي مبتدأ و"أعطى زيدًا درهمًا" صلة "الذي" وعبد الله الخبر، وإن ثنيت قلت: اللذان أعطيا زيدًا درهمًا عبد الله، وإن جمعت قلت: "الذين أعطوا زيدًا درهمًا عبد الله" وكذلك تقول: "الذي كسا زيدًا جبة عبد الله" فانتزعت٤ عبد الله من
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١٦، والمقتضب ٣/ ٩٦. ٢ "به" ساقط من "ب". ٣ في "ب" فقلت. ٤ الفاء ساقطة في "ب".
[ ٢ / ٢٨٢ ]
الكلام وجعلت موضعه ضميرًا يرجع إلى "الذي" والذي هو عبد الله كما عرفتك، فإن قلت ذلك بالألف واللام قلت: المعطي زيدًا درهمًا عبد الله، فإن ثنيت قلت: المعطيان زيدًا درهمًا عبد الله، أضمرت في "معطيان"١ ما يرجع إلى الألف واللام، وإذا جمعت قلت: المعطون. [وإن أخبرت عن المفعول الأول قلت: الذي أعطى عبد الله درهمًا زيد] ٢ تريد الذي أعطاه، ولكنك حذفت الهاء [وإن شئت أظهرت الضمير ولم تحذف] ٣ لما عرفتك، ويجوز إثباتها، فإن ثنيت قلت: اللذان أعطى عبد الله درهمًا الزيدان، وكذلك إن جمعت قلت: "الذين أعطى عبد الله درهمًا الزيدون" وإن شئت أظهرت الضمير ولم تحذف، فإن قلت ذلك بالألف واللام قلت: "المعطية عبد الله درهمًا زيد" وإن ثنيت قلت: المعطيهما عبد الله درهمًا الزيدان، وإن جمعت قلت: "المعطيهم عبد الله درهمًا الزيدون"، فإن أخبرت عن الدرهم "بالذي" قلت: "الذي أعطى عبد الله زيدًا درهمٌ" تريد: الذي أعطاه عبد الله زيدًا درهم، فحذفت الهاء ويجوز إثباتها، ولك أن تقول: "الذي أعطى عبد الله زيدًا إياه درهم" وهو القياس؛ لأنك جعلت ضمير الدرهم في موضعه، ألا ترى أنك لو جعلت في هذه المسألة موضع الدرهم عمرًا، لم يحسن أن تجعل الضمير إلا [في] ٤ موضع المفعول الثاني لأنه ملبس، وليس كالدرهم الذي لا يكون إلا مأخوذًا ولا يكون آخذًا، ومن قال في شيء من هذه المسائل "إياه" لم يجز حذفه لأنه كالظاهر، وليس بمنزلة الضمير المتصل بالفعل؛ لأنهم قد يحذفون من الفعل فكان ما اتصل به أولى أن يحذف إذا أمن الالتباس، فإن ثنيت قلت: اللذان أعطى عبد الله زيدًا درهمان، [وإن شئت قلت: أعطاهما] ٥، [وإن جمعت قلت: اللواتي أعطى
_________________
(١) ١ في "ب" المعطيان. ٢ ما بين القوسين ساقط من "ب". ٣ ما بين القوسين ساقط من "ب". ٤ زيادة من "ب". ٥ ما بين القوسين ساقط من "ب".
[ ٢ / ٢٨٣ ]
عبد الله زيدًا دراهم، وإن شئت قلت "التي"١] فإن قلت ذلك بالألف واللام قلت: "المعطيه عبد الله زيدًا درهم" وإن شئت قلت: "المعطي عبد الله زيدًا إياه درهم" وهو القياس كما خبرتك.
قال المازني: في٢ الإخبار عن الدرهم: المعطيه عبد الله زيدًا درهم، فجعلت الدرهم معلقًا بالمعطي، لأنك إذا قدرت على الهاء لم تجئ بإياه، ألا ترى أنك تقول: ضربته٣ ولا تقول: ضربت إياه، قال: وإن شئت قلت: "المعطي عبد الله زيدًا إياه درهم" فجعلت ضمير الدرهم في موضعه، إذ كان مظهرًا فهذا مذهب حسن.
قال أبو بكر: وهذا الذي قال المازني: إنه مذهب هو عندي الأجود.
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ في الأصل "وليس" والتصحيح من "ب". ٣ في الأصل "ضربته إياه" والتصحيح من "ب".
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الرابع: الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين وليس لك أن تقتصر على أحدهما ١:
وذلك قولك: "ظننت زيدًا أخاك، وعلمت زيدًا صاحبك، وحسبت زيدًا أبا عبد الله" فإن أخبرت عن الفاعل من قولك: ظننت زيدًا أخاك "بالذي" قلت: الذي ظن زيدًا أخاك أنا "فالذي" مبتدأ و"ظن" وما عمل فيه في صلته و"أنا" الخبر، وقياسه قياس الباب الذي قبله لا فرق بينهما إلا أن ذاك يجوز الاقتصار فيه على المفعول الأول، وهذا لا يجوز "ذلك فيه"٢.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١٨، والمقتضب ٣/ ٩٥. ٢ في "ب" فيه ذلك.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الخامس: الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة مفعولين:
قال سيبويه: وليس لك أن تقتصر على المفعول الأول؛ لأن المفعول الأول في ذا كالفاعل في الذي قبله١، وقال المازني: مثلُ ذلك [قال أبو بكر] ٢ والذي عندي أنَّ المفعولَ الأول يجوز أن يقتصر عليه كما "كانَ"٣ يجوز أن يقتصر على الفاعل بغير مفعولٍ وليس في الأفعال الحقيقية فِعْلٌ لا يجوز أن تقتصر فيه على الفاعل بغير مفعولٍ. وكل فعلٍ لا يتعدى إذا نُقل إلى "أَفعلَ" تعدى، فلما كانَ يجوز أن أقول: "عَلمَ زيدٌ" فاقتصر٤ على الفاعل، جاز أنْ أقول: "أَعلمَ اللهُ زيدًا" ولكن لا يجوز أن يقتصر على المفعول الثاني في هذا الباب؛ لأنه المفعولُ الأولُ في الباب الذي قبله٥، وإنما استحالَ هذا من جهة المعنى؛ لأنَّكَ إذا قلت: "ظننتُ زيدًا منطلقًا" فالشكُّ إنما وقعَ في الانطلاق لا في زيدٍ؛ فلذلك لا يجوز أن تقول: "ظننتُ زيدًا" وتقطع الكلام ويجوز أن تقول: ظننتُ وتسكت فلا تعديه إلى مفعولٍ، وهذا لا خلاف فيه، وإذا جازَ أن تقول: "ظننتُ وتسكت فيساوي٦ "قمت" في أنه لا يتعدى جاز أن تقول: "أظننت زيدًا" إذا جعلته يظن [بهِ] ٧، [كما تقول: أَقمتُ زيدًا] ٨ لأنه لا فرق بين "ظَنَّ زيدٌ" إذا لم تعده وبين قامَ زيدٌ [كما تقولُ: أَقمتُ زيدًا] ٩ وكل فِعْلٍ لا يتعدى إذا نقلته إلى "أفعلَ" تعدّى إلى واحدٍ، فإن كان يتعدى إلى واحدٍ تعدّى إلى اثنين، وإنْ كانَ يتعدى إلى اثنينِ تعدى إلى ثلاثةٍ، فإن نقلتَ "فَعَلَ" إلى "فُعِلَ" كان بالعكس لأنه إنْ كان لا يتعدى لم يجز نقلهُ إلى "فُعِلَ"، وإنْ١٠ كان يتعدى إلى
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١٩. ٢ زيادة من "ب". ٣ "كان" ساقط من "ب". ٤ في "ب" اقتصر بإسقاط الفاء. ٥ أي: باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين. ٦ في الأصل "فيتعدى" والتصحيح من "ب". ٧ زيادة من "ب". ٨ ما بين القوسين ساقط من "ب". ٩ زيادة من "ب". ١٠ في "ب" فإن.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
مفعولٍ واحدٍ أُقيمَ المفعولُ فيه مقامَ الفاعلِ ولم يتعد بعدهُ إلى مفعولٍ، وإن كان يتعدى إلى مفعولين أقيمَ أحدهما مقام الفاعل فتعدى إلى مفعولٍ واحدٍ، وكذلك إن كان يتعدى إلى ثلاثة مفعولينَ تعدى إلى مفعولينِ "فَفُعِلَ" ينقصُ [مِن] ١ المفعولاتِ و"أَفعل" يزيدُ فيها إذا كان منقولًا من "فَعَلَ" فإذا أخبرتَ عن الفاعل "بالذي" من قولكَ: أعلمَ اللهُ زيدًا عمرًا خيرَ الناسِ، قلت: "الذي أَعلمَ زيدًا عمرًا خيرَ الناسِ اللهُ"٢ وتفسيرهُ كتفسير ما قبله، فإن قيلَ لكَ: ثنِّ هذه المسألة بعينها فهو محالٌ، كُفرٌ؛ لأنَّ الله -﷿- لا سمي له ولا يجوز تثنيته ولا جمعه، ولكن لو قلت: "أعلمَ بكرٌ عمرًا زيدًا خيرَ الناسِ" لجاز تثنية بكرٍ٣ وجمعهُ على ما تقدمَ من البيان، وإن قلته٤ بالألف واللام وأردت الإِخبار عن الفاعل فهو كالإِخبار عنه في الباب الذي قبله، وذلك قولك: "المعلمُ زيدًا عمرًا خير الناسِ اللهُ" والمنبئ زيدًا عمرًا أَخاكَ اللهُ، وإن أخبرت عن المفعول الأول قلت: "المعلمهُ الله عمرًا خيرَ الناسِ زيدٌ" وإثباتُ الهاءِ ههنا هو الوجه وحذفها جائز، وهو ههنا أسهل [عندَ المازني وعندي] ٥ لكثرة صلة هذا حتى قد أفرط طولهُ، وإن٦ أخبرت عن المفعول الثاني قلت: "المعلمهُ الله زيدًا خيرَ الناسِ عمرٌو" وإن شئتَ قلت: "المعلم الله زيدًا إيَّاهُ خيرَ الناسِ عمرو" وهو الوجهُ والقياسُ٧؛ لأنَّ تقديمَ الضمير كأنهُ يدخلُ الكلام لبْسًا، فلا يعلم عن أي مفعولٍ أخبرتَ، أَعن الأول أم٨ الثاني؟ وكذلك إذا أخبرتَ عن الثالث [قدمتَ الضمير إنْ
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ "الله" ليس في "ب". ٣ "بكر" ساقط في "ب". ٤ في الأصل: قلت هو، والتصحيح من "ب". ٥ زيادة من "ب". ٦ في "ب" فإن. ٧ والقياس: ساقط من "ب". ٨ في "ب" أو بدلًا من أم.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
شئتَ] ١ قلت: "المعلمهُ الله زيدًا عمرًا خيرُ الناسِ" وإنْ أخرت قلت: المعلمُ اللهُ زيدًا عمرًا إيَّاهُ خيرُ الناسِ، وهو القياسُ لِما يدخل من اللبسِ، ولأنَّ حقَّ الضمير أن يقعَ موقع الاسم الذي انتزع ليخبر عنه في٢ موضعه.
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ في الأصل "وفي" والتصحيح من "ب".
[ ٢ / ٢٨٧ ]
السادس: الفعل الذي بني للمفعول ولم يذكر من فعل به:
اعلم: أن المفعول الذي تقيمه مقامَ الفاعل، حكمهُ حكم الفاعل، تقول: ضُرِبَ زيدٌ كما تقول: "ضَربَ زيدٌ" فإذا أردت أن تخبر عن "زيدٍ" من قولك: ضُربَ زيدٌ بالذي، قلت: "الذي ضُرِبَ زيدٌ" ففي "ضُرِبَ" ضميرُ "الذي" والذي مبتدأٌ وضرِبَ مع ما فيه من الضمير صلة لهُ، وزيدٌ الخبر على ما فسرنا في الفاعل، فإن ثنيتَ قلت: "اللذانِ ضُرِبا الزيدانِ" وإن جمعت قلت: "الذينَ ضُرِبوا الزيدونَ" فإنْ قلتَ ذلك بالألف واللام قلت: "المضروب زيدٌ" لأن مفعولًا في هذا الباب كفاعل في غيره، أَلا ترى أنَّكَ إذا١ جعلتهُ صفة قلتَ: "رجلٌ ضُرِبَ زيدٌ" ورجلٌ مضروبٌ زيدٌ، فإن ثنيتَ قلت: "المضروبانِ الزيدانِ" وإن جمعت قلت: "المضروبونَ الزيدونَ" وتفسيرُ المفعول كتفسير الفاعل، فإن قلتَ: "أُعطِي زيدٌ درهمًا" فأخبرتَ عن "زيدٍ" قلتَ: "أُعطي درهمًا زيدٌ" وإن أخبرتَ عن الدرهم قلتَ: "الذي أُعطِي زيدٌ درهمٌ" وإن شئتَ قلتَ: "الذي أُعطيهُ زيدٌ درهمٌ" ولكَ أن تقولَ: "أُعطيَ زيدٌ إيَّاهُ درهمٌ" وهو القياسُ؛ لأن الضمير في موضعه والتقديم في هذه المسألة جائزٌ لأنهُ غيرُ ملبس٢، ولكن لو كان أصل المسألة: أُعطي زيدٌ عمرًا، ما جاز هذا عندي فيه؛ لأنه ملبس٣ لا يعرف المأخوذ من الآخذ، وليس الدرهم
_________________
(١) ١ "إذا" ساقطة من "ب". ٢ في "ب" ملتبس. ٣ في "ب" كذاك.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
كذلك١؛ لأنه لا يجوز أن يكون آخذًا وعلى هذا المثال: "بابُ ظننتُ وأخواتُها" تقول: ظُنَّ زيدٌ قائمًا، فإن أخبرتَ عن "زيدٍ" بالذي قلتَ: الذي ظُنَّ قائمًا زيدٌ، وإن٢ أخبرت عن "قائمٍ" قلت: "الذي ظُنَّ قائمًا زيدٌ" وإن أخبرتَ عن "قائمٍ" قلت: "الذي ظُنَّ زيدٌ قائمٌ" وإن شئتَ قلتَ: الذي ظَنَّهُ زيدٌ قائمٌ، ولكَ أن تقول: "الذي ظُنَّ زيدٌ إياهُ قائمٌ" وهو القياسُ، وإن٣ قلتهُ بالألف واللام وأخبرت عن "زيدٍ" قلتَ: "المظنونُ قائمًا" وإن أخبرتَ عن "قائمٍ" قلتَ: "المظنونهُ زيدٌ قائمٌ" وإن شئتَ قلتَ: "المظنونُ زيدٌ إياهُ قائمٌ" فإن ثنيتَ قلتَ: "المظنونانِ قائمين الزيدانِ" وإن جمعتَ قلتَ: "المظنونون قائمينَ الزيدونَ"٤، فإذا٥ أخبرتَ عن "قائمٍ" قلتَ: "المظنونهما الزيدانِ قائمانِ" وإن شئت قلت: "المظنونُ الزيدانِ إيّاهما قائمانِ" وعلى هذا القياسُ [في الفِعْلِ الذي يتعدى إلى ثلاثة مفعولينَ] ٦.
_________________
(١) ١ في الأصل كذاك، وما أثبته من "ب". ٢ في "ب" فإن. ٣ في "ب" فإن. ٤ في الأصل "زيدون" والتصحيح من "ب". ٥ في "ب" وإن. ٦ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٨٨ ]
السابع: الفاعل ١ الذي تعداه فعله إلى مفعول واسم الفاعل والمفعول فيه لشيء واحد ٢:
وذلك، كانَ ويكونُ وما تصرف منهُ، وليسَ وما دامَ وما زال وأصبحَ وأمسى وما كانَ نحوهنَّ، تقول٣: "كانَ عبدُ الله أَخاكَ، وأَصبحَ زيدٌ أَباك"
_________________
(١) ١ الفاعل، ساقط من "ب". ٢ قال سيبويه ١/ ٢٠: "هذا باب الفعل الذي يتعدى اسم الفاعل إلى اسم المفعول، واسم الفاعل والمفعول فيه لشيء واحد". ٣ في "ب" وتقول.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
فإن أخبرت عن الفاعل في هذا الباب بالذي قلت: "الذي كانَ أخاكَ عبد اللهِ" ففي كانَ ضميرُ الذي وهو اسمُها، وأخاك خبرها وهي اسمُها وخبرها صلة "الذي" و"الذي" مبتدأٌ وعبد اللهِ خبرهُ، والذي أصبحَ أباكَ زيدٌ مثله.
فإن أخبرتَ بالألف واللامِ قلت: "الكائنُ أَخاكَ زيدٌ" وتقديرهُ تقديرُ: "الضاربِ أخاكَ زيدٌ" ولا خلافَ في الإِخبار عن اسم "كانَ" فأما خبرها ففيه اختلاف١، فمن الناس من يجيزُ الإِخبار عنه فيقول: الكائنهُ زيدٌ أَخوكَ، والمصبحهُ عمرو أخوكَ، وإن شئتَ جعلتَ المفعولَ منفصلًا فقلت: "الكائنُ زيدٌ إياهُ أَخوكَ" والمصبحُ زيدٌ إياهُ أَبوكَ، وقال قوم: إن الإِخبار عن المفعول في هذا الباب محالٌ؛ لأن معناهُ: "كانَ زيدٌ مِن أَمرهِ كذا وكذا" فكما لا يجوز أن تخبر عن "كانَ من أمرهِ كذا وكذا" كذلك لا يجوز أن تخبر عن المفعول إذا٢ كان في معناه، كذا حكى المازني جميع هذا. قال أبو بكر: والإِخبار عندي في هذا الباب عن المفعول قبيحٌ؛ لأنه ليس بمفعولٍ على الحقيقة وليس٣ إضمارهُ متصلًا إنما هو مجازٌ، وعلامات الإِضمارِ ههنا غيرُ محكمةٍ؛ لأنَّ الموضع الذي تقعُ فيه الهاءُ لا يجوز أن تقع "إياَّه" ذلك الموقع، فإجازتهم إيّاهُ "في" كانَ وأخواته دليلٌ على أن علامات الإِضمار لا تستحكم ههنا، قال الشاعر:
ليتَ هذَا اللَّيْلَ شَهْرًا٤ لا تَرى فيه عَريبا
لَيْسَ إيَّايَ وإيَّا كَ ولا نَخْشَى رَقِيبَا٥
فقال: "ليسَ" إيَّاي، ولم يقل: ليسني، فقد فارقَ باب "ضربني" وقد
_________________
(١) ١ انظر المقتضب ٣/ ٩٧، وشرح الكافية للرضي ٢/ ٤٤، والهمع ٢/ ١٤٧-١٤٨. ٢ في الأصل "إذ" والتصحيح من "ب". ٣ "ليس" ساقطة من "ب". ٤ في "ب" شهر بالرفع، وتجوز الروايتان. ٥ مر تفسيره ٢/ ٩٨ من هذا الجزء.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
روى "عليهِ رجلًا١ ليسني" وإنما هذا كالمثل؛ لأنهم لا يأمرون "بعليكَ" إلا المخاطبَ، فقد شذ هذا من جهتين من قولهم: "عليهِ" فأمروا غائبًا٢ ومن قولهم: "ليسني" فأجروهُ مجرى "ضربني" فإذا قلت: "ليسَ زيدٌ أخاكَ" وأخبرتَ عن الفاعلِ والمفعول٣ فإنَّهُ لا يجوز إلا "بالذي" ولا يجوز بالألف واللام٤؛ لأن "ليسَ" لا تتصرف ولا يبنى منها فاعلٌ، أَلا ترى أَنَّكَ لا تقول: "يفعلُ" منها ولا شيئًا من أمثلةِ الفِعْلِ وهي فِعْلٌ، وأصلها "لَيِسَ" مثل "صَيِدَ" [البعيرُ] ٥، وألزمتِ الإِسكانَ إذ٦ كانت غير متصرفةٍ، فتقول إذا أَخبرتَ عنِ الفاعل من قولكَ "ليسَ زيدٌ أَخاكَ": "الذي ليسَ أَخاكَ زيدٌ"٧ وإن أخبرتَ عن المفعول قلت: "الذي ليسَ زيدٌ إياهُ أَخوكَ" وإن شئتَ قلتَ: "الذي ليسهُ زيدٌ أَخوكَ" على قياسِ الذين أجازوهُ في "كانَ" والذين أجازوا الإِخبارَ عن المفعول في بابِ "كانَ" وأخواتِها يحتجون٨ بقول أبي٩ الأَسود الدؤلي:
فإنْ لا تَكُنْهَا أَوْ تَكُنْه فإنَّهُ أَخوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بلبانِها١٠
فجعله كقولك: اضربها١١ ويضربها، ولو قلت: "كانَ زيدٌ حسنًا
_________________
(١) ١ انظر الكتاب: ١/ ٣٨١، فقد جوز سيبويه: ليسني، وكأنني. ٢ في الأصل "غائب" وهو خطأ. ٣ في الأصل "أو" والتصحيح من "ب". ٤ في "ب" فإنه لا يجوز بالألف واللام، ولا يجوز إلا بالذي. ٥ زيادة من "ب". ٦ في "ب" إذا. ٧ ما بين القوسين ساقط من "ب". ٨ في "ب" احتجوا. ٩ أبي، ساقط من "ب". ١٠ مر تفسيره في الجزء الأول صفحة ١٠٤. ١١ في "ب" وتضربه.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وجههُ" فأخبرت١ عن الوجه لم يجز؛ لأنَّك كنتَ تضع موضعهُ "هُوَ" فتقول: الذي كانَ زيدٌ حسنًا هُو وجههُ، إذا كانَ يلزمك أن تضعَ موضع الاسم الذي تخبر عنه ضميرًا يرجعُ إلى "الذي" كما بينت فيما تقدمَ، فإذا٢ كان "هو" يرجع إلى "الذي" لم يرجع إلى زيدٍ شيءٌ [وإن رجعَ إلى زيدٍ لم يرجعْ إلى الذي] ٣ ولكن لو أخبرتَ عن قولكَ: "حسنًا وجههُ بأَسرهِ" جازَ في قول من أجاز الإِخبار عن المفعول في هذا الباب، فتقول: الكائنهُ زيدٌ حَسنٌ وجههُ، ولو أخبرتَ "بالذي" لقلت: "الذي كانَ زيدٌ حَسنٌ وجههُ" وحذفت٤ ضميرَ المفعولِ من "كانَ" كما حذفتهُ من "ضَرَبتُ" [حينَ قلتَ: الذي ضَربَ زيدٌ"٥ ولو أَثبتَ الهاءَ لجازَ، وإنْ أخبرت بالذي على٦ قول من جعل المفعول "إيَّاهُ" لم يجز حذفهُ؛ لأنه منفصلٌ وكنتَ تقول: الذي كانَ زيدٌ إياهُ حَسَنٌ وجهه.
_________________
(١) ١ في "ب" وأخبرت. ٢ في "ب" وإذا. ٣ زيادة من "ب". ٤ ضمير، ساقط من "ب". ٥ ما بين القوسين ساقط من "ب". ٦ في "ب" عن.
[ ٢ / ٢٩١ ]
الثامن: الظروف من الزمان والمكان:
اعلم: أنَّ الظرف١ إذا أخبرتَ عنه فقد خَلُصَ اسمًا وصار كسائر المفعولات، إلا أنَّكَ إذا أضمرتهُ أدخلتَ حرف الجرِّ على ضميره ولم تعد الفعلَ إلى ضميره إلا بحرف الجر٢ إلا أنْ تريد السعة فتقدر نصبه كنصبِ سائر المفعولاتِ، وهذه الظروف منها ما يكون اسمًا وظرفًا، ومنها ما يكونُ ظرفًا
_________________
(١) ١ في "ب" الظروف. ٢ في "ب" جر، بلا ألف ولام.
[ ٢ / ٢٩١ ]
ولا يكون اسمًا١ وقد تقدم ذكرها في هذا٢ الكتاب، إلا أنَّا نعيدُ منه شيئًا هاهنا٣ ليقومَ هذا الحدُّ بنفسه، فالذي يكون [منه] ٤ ظرفًا واسمًا [ضمّ] ٥ اليومُ والليلةُ والشهرُ والسنةُ والعامُ والساعةُ ونحو ذلك، وأما ما٦ يكون ظرفًا ولا يكون اسمًا فنحو: "ذاتَ مرةٍ وبُعيدات بَين وبكرًا وسَحَرًا" إذا أردتَ "سَحرًا" بعينه ولم تصرف٧ ولَم تُردْ سحرًا من الأسحارِ، وكذلك ضحيًّا إذا أردت ضُحَى يومِكَ، وعشيةً وعتمةً إذا أردتَ عشيةَ يومكَ وعتمة ليلتِكَ، لم يستعملنَ على هذا المعنى إلا ظروفًا٨، وأما الأماكن وما يكون منها اسم فنحو: المكان والخَلْف والقدام والأمام والناحية، وتكون هذه أيضًا ظروفًا والظروفُ كثيرةٌ، وأما ما يكون ظرفًا ولا يكون اسمًا فنحو: عندَ وسوى وسواء إذا أردتَ بهنَّ معنى "غير" لم تستعمل إلا ظروفًا٩، ورُبَّما كان الظرفُ ظرفًا والعمل في بعضه لاَ في كله، نحو: آتيكَ يومَ الجمعةِ، وإنما تأتيهِ في بعضه [لا كلهِ] ١٠، وكذلك آتيكَ شهرَ رمضانَ وكل ما كان في جواب "مَتى" فعلى هذا يجيء، وأما ما كان جوابًا "لكم" فلا يكون العمل إلا فيه
_________________
(١) ١ يرى سيبويه أن الجر يكون في كل مضاف إليه، وأنه ينجر بثلاثة أشياء: بشيء ليس باسم ولا ظرف، وبشيء يكون ظرفًا، وباسم لا يكون ظرفًا. انظر: الكتاب ١/ ٢٠٩. ٢ في "ب" ذا. ٣ "ها" ساقطة في "ب". ٤ زيادة من "ب". ٥ زيادة من "ب". ٦ "ما" ساقطة من "ب". ٧ في "ب" تصرفه. ٨ انظر الكتاب ١/ ١١٥، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٢٥٠، نقلًا عن أصول ابن السراج. ٩ في الأصل "ظرفًا" والتصحيح من "ب". ١٠ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٩٢ ]
كله نحو: سرتُ فرسخينِ وفرسخًا وميلًا، لا يجوز١ العمل في بعضه دون بعضٍ. وإذا٢ قلت: صمتُ يومًا، لم يجزْ أن يكون الصوم في بعضه من أجل أنه وضع للإِمساكِ عن الطعام والشراب وغيره في اليوم كُله. فما كان من الظروف قد يستعمل اسمًا فالإِخبار عنه جائزٌ وما كان مِنها لا يجوز إلا ظرفًا لم يجز الإِخبارُ عنه، تقول٣: "ذهبتُ اليومَ" فإذا قيلَ لكَ: أَخبرْ عنِ اليومِ "بالذي" قلتَ: الذي ذهبتُ فيهِ اليوم، ولَمْ يجز حذفُ "فيهِ" كما كان يجوز حذف الهاء؛ لأن الضمير قد انفصل بحرف الجر، وكذلك إذا قلتَ: "قمتُ اليومَ يا هذا" فجعلتَ اليومَ مبتدأ، قلت: "اليومُ قمتُ فيهِ" لأنه قد صار اسمًا والمضمر لا يكون ظرفًا وكل ما دخل عليه حرفُ الجر فهو اسمٌ، وإنما الظرفُ هو الذي قد حُذفَ حرف الجر منه، وذلك المعنى يُراد به، فإن ثنيتَ قلتَ: اللذان ذهبتُ فيهما اليومانِ، فإن قلت ذلك بالألف واللامِ قلتَ: "الذاهبُ فيهِ أَنا اليومُ" والذاهبُ فيهما أَنا اليومانِ، فالألفُ واللامُ قد قامَتا مقامَ "الذي" وأفردت "ذاهبًا" ولم تثنهِ؛ لأن فاعله غير مضمرٍ فيه وهو مذكور بعده [وإنْ جمعتَ قلتَ: الذاهبُ فيهن أَنا الأيامُ] ٤ وكذلك الإِخبار عن المكان إذا قلت: "جلستُ مكانكَ" فإذا٥ أردتَ الإِخبارَ عن "مكانك" قلت: "الذي جلستُ فيه مكانكَ" واللذانِ جلستُ فيهما مكاناكَ، وبالألف واللامِ: "الجالسُ فيهِ أنا مكانكَ" والجالسُ فيهما أنا مكاناكَ، فإن جعلتَ الزمان والمكان في هذه المسائل مفعولين على السعة أسقطت حرف الجر فصار حكمه حكم المفعول الذي تقدم ذكره، فقلت في: "ذهبتُ اليوم" إذا أردت أن تخبر عن اليوم بالذي، قلت: "الذي ذهبتُ اليوم" كما تخبرُ عن زيدٍ في
_________________
(١) ١ في "ب" لا يكون. ٢ في "ب" فإذا. ٣ في "ب" وتقول بزيادة الواو. ٤ زيادة من "ب". ٥ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٩٣ ]
قولك: "ضربتُ زيدًا" تريد: الذي ذهبتهُ١ اليوم، وإن شئتَ أظهرتَ الهاءَ [وهو الأصل] ٢ وإثباتها عندي في هذا أَولى منهُ في ضربتُ؛ لأنَّ هنا حرف الجر محذوف الهاء معه إخلالٌ بالكلام، وتقولهُ بالألف واللام: الجالسهُ أَنا مكانكَ وتقول: "سرتُ بزيدٍ فرسخينِ يومين" فالفرسخان ظرفٌ من المكان واليومان ظرفٌ من الزمان، فإن أخبرت عن اليومين "بالذي" قلت: اللذان سرتُ بزيدٍ فرسخين فيهما يومانِ، وبالألف واللام: السائرُ أَنا بزيدٍ فرسخين "فيهما يومان" وإن أخبرت عنهما على٣ السعة قلت: السائرهما أنا بزيدٍ فرسخينِ يومانِ، وبالذي: اللذانِ سرتُ بزيدٍ فرسخين يومانِ، وإن شئتَ قلت: سرتهما وهو أحبها٤ إليَّ كي لا يكثر ما يحذفُ، فإن بنيت الفعل للمفعول فقلت: "سِيرَ بزيدٍ فرسخانِ يومينِ" فأنتَ بالخيار، إن شئتَ نصبتَ الفرسخينِ ورفعت اليومينِ، وإن شئتَ رفعتَ الفرسخينِ ونصبتَ اليومينِ٥، إلا أنَّ الذي ترفعهُ تجعلهُ مفعولًا على السعة؛ لأنه قد صار اسمًا وخرج عن حد الظرف، وتجعلُ الثاني ظرفًا إن شئت، وإن شئتَ جعلتهُ مفعولًا على السعة أيضًا، فإذا أخبرتَ عن الفرسخين -فيمن رفعهما- بالذي قلت: "اللذانِ سيرا بزيدٍ يومينِ الفرسخانِ" وإن قلتهُ بالألف واللام قلت: "المسيرانِ بزيدٍ يومينِ فرسخانِ" وإن أخبرت عن "اليومينِ" في هذه المسألة -وقد رفعت الفرسخينِ- قلت: "المسيرُ بزيدٍ فرسخانِ فيهما يومانِ" هذا إذا كان "اليومانِ" ظرفًا فإن جعلتهما مفعولين على السعة قلت: "المسيرُهما بزيدٍ فرسخانِ يومانِ" وإذا قدمتَ الفرسخينَ من قولك: "سير بزيدٍ فرسخانِ
_________________
(١) ١ في "ب" ذهبت بإسقاط الهاء. ٢ زيادة من "ب". ٣ في "ب" في، بدلًا من "على". ٤ في "ب" أحب، بإسقاط "ها". ٥ إن نصبتهما نصبت الظروف، قلت: فرسخين يومين. قال المبرد في المقتضب ٣/ ١٠٦: والاختيار أن تقيم أحدهما مقام الفاعل، وإن نصبت اليومين نصبت الظرف، قلت: سير بزيد فرسخان يومين.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
يومينِ" قلت: "الفرسخانِ سيرا بزيدٍ يومينِ" فجعلت ضمير الفرسخينِ في "سِيرَ" فقلت: سيرا وخَلف الضمير الفرسخين فقامَ مقامهما، فإن قدمت اليومين قلت: "اليومانِ سير بزيدٍ فيهما فرسخانِ" فأظهرتَ حرفَ الجرِّ لمَّا احتجتَ إلى إضمار "اليومينِ" فإن جعلتهما مفعولين على السعة قلت: اليومانِ سيرهما بزيدٍ فرسخانِ، فإن قدمت الفرسخينِ واليومين قلت: "الفرسخانِ اليومانِ سيراهما بزيدٍ" فالفرسخان مبتدأٌ واليومانِ مبتدأٌ ثانٍ وسيراهما بزيدٍ خبر اليومين والألف ضمير الفرسخين وهي ترجع إليهما وهما ضمير اليومين، هذا إذا جعلتهما في أصل المسألة مفعولين على السعة، فإن لم تجعلهما كذلك قلت: سيرا فيهما وكل١ ما قدمته فقد قامَ مقامهُ ضميره، فإن أدخلت "اللذينِ" في "سيرَ" وجعلتَ "اللذينِ" هما الفرسخانِ قلت: "الفرسخانِ اليومانِ اللذانِ سيرا بزيدٍ فيهما هما" فالفرسخان: مبتدأٌ أولُ واليومان مبتدأٌ ثانٍ واللذان مبتدأٌ ثالثٌ وصلته سيرا بزيدٍ٢ فيهما والخبرُ "هُما" والألف في "سيرا" ترجع إلى اللذين و"فيهما" ترجعُ إلى اليومين واليومانِ مبتدأٌ وخبرهما اللذان وصلتهما مع خبرهما الجملة، واليومان وما بعدهما٣ خَبر الفرسخينِ، وإن شئتَ قلت: "اللذانِ سيراهما" فإن أخبرت بالألف واللام قلت: "الفرسخانِ اليومانِ المسيرانِ بزيدٍ فيهما هما" وإن شئت قلت على الاتساع: "الفرسخان اليومان المسيراهما بزيد هما" واعتبرْ صحةَ هذه المسائل بأنْ تجعل كل اسمٍ ابتدأتهُ موضعَ ضميره، فإن استقام ذلك وإلا فالكلام خطأٌ، ألا ترى أن قولك: "هما" ضمير الفرسخين و"هُما" التي في قولكَ: المسيراهُما ضمير اليومين، فإذا جعلت كلَّ واحدٍ منهما موضع ضميره صار الكلام: "المسيرانِ بزيدٍ يومين فرسخانِ" فعلى هذا يقعُ التقديم والتأخير في كل٤ هذه المسائل، فإن جعلتَ "اللذين" في هذه المسألة لليومين قلت:
_________________
(١) ١ في "ب" فكل ما. ٢ في الأصل: "وبزيد سيرا بزيد" والتصحيح من "ب". ٣ في الأصل: "بعده" والتصحيح من "ب". ٤ "كل" ساقط من "ب".
[ ٢ / ٢٩٥ ]
الفرسخانِ اليومان اللذان سيرا فيهما [بزيدٍ] ١ فالفرسخان مبتدأٌ، واليومانِ مبتدأٌ ثانٍ و"اللذانِ" خبرُ "اليومينِ" وهُما اليومانِ، والألفُ في "سيرا" ضمير الفرسخين، وفيهما ضميرُ "اللذينِ" فلو جعلتَ "الفرسخين" موضعَ ضميرهما لقلت: اليومانِ اللذان سير الفرسخان فيهما بزيدٍ [هما] ٢ فإن أخبرت بالألف واللام في هذه المسألة وجعلتهما "لليومين" أيضًا قلت: "الفرسخانِ اليومانِ المسيرهما بزيدٍ هما" فهما الأولى: مفعول على السعةِ والثانيةُ: فاعل، وإنما ظهر الفاعل ههنا لأن كُلَّ اسم كان فيه ضمير الفاعل جرى على غير نفسه فإن الفاعل يظهر فيه، وإنما جاز في "اللذينِ سيرا" لأنَّهُ فِعْلٌ فتثنيه وإن كان جاريًا على غير مَنْ هُو لهُ، ومعنى قولي: جَارٍ على غير مَنْ هو له، أن اللذينِ لليومين والألف في "سيرا" للفرسخين، فلما قلتهُ بالألف واللام لم يصلح أن تقول: المسيراهما كما قلت: "اللذانِ سيراهما" لأن مسيرًا اسمٌ ولو ثنيتهُ لكان فيه٣ ضمير الألف واللام، ولا يجوز غير ذلك كما بينت فيما تقدم، لا يجوز أن تقول٤: القائمان، وضمير الفاعل٥ للألف واللام، وكذلك المضروبان فالألف واللام في هذا بخلاف "الذي" [وحده] ٦ لأنها تتحد مع الاسم الذي بعدها فيثنى تثنية "الذي" وحدهُ إذا كان الفعلُ لهُ، فإن لم يكن الفعل للألف واللام يدخل على اسم الفاعل، واسم الفاعل لا يحتملُ الضمير إذا جرى على غير من هو لهُ، فإذا جرى اسمُ الفاعلِ على غير من هو له٧ أفرد وذكر الفاعل بعده إما مظهرًا وإما مكنيا، فلذلك قلت: الفرسخانِ اليومانِ المسيرهما بزيدٍ هُما؛ لأنك لو جعلتَ الفرسخين في موضعهما
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ زيادة من "ب". ٣ "فيه" ساقطة من "ب". ٤ "تقول" ساقطة من "ب". ٥ في "ب" إلا للألف واللام. ٦ زيادة من "ب". ٧ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٢٩٦ ]
لقلت: اليومانِ المسيرهما بزيدٍ الفرسخانِ، ويبينُ لكَ اسمُ الفاعلِ والمفعول إذا جرى على غير من هو لهُ في هذه المسألة تقول: الفرسخان اليومانِ مسيرهما بزيدٍ "هما" فتجعل الأولى مفعولا والثانيةَ تقومُ مقامَ الفاعلِ؛ لأن١ قولك: مسيرهما هُما الفرسخانِ، فإذا جعلت "مسيرهما" خبرًا عن اليومين فقد أجريتهما على غير من هُما لهُ فلم يحتمل الاسم إذ جرى على غير نفسه أن يكون فيه ضميرٌ مرفوع، ولو قلت: "الفرسخان اليومانِ سيراهما بزيدٍ" جازَ والألف للفرسخينِ ألا ترى أنك تقول: "زيدٌ ضاربُه أَنا" ولو قلت: "زيدٌ اضربْهُ" لم تحتجْ إلى "أنا" لأن الفعل مما يضمر فيه، وإن جرى على غير صاحبه.
_________________
(١) ١ في "ب" لقولك.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
التاسع: الإِخبار عن المصدر:
اعلَم: أن المصدر إذا كان منصوبًا وجاء للتوكيد في الكلام فقط ولم يكن معرفة ولا موصوفًا١، فالإِخبار عنه قبيحٌ؛ لأنهُ بمنزلة ما ليس في الكلام، ألا ترى أنكَ إذا قلت: "ضربتُ ضربًا" فليس في "ضربًا" فائدةٌ لم تكن في "ضربتُ" وإنما تجيء تأكيدًا، فإذا قلت: ضربتُ ضربًا شديدًا أو الضرب الذي تعلمُ فقد أفادكَ ذلك أمرًا لم يكن في "ضربتُ" فهذا الذي يحسنُ الإِخبار عنه، فإن أردتَ الإِخبار عن ذلك قلت: "الذي ضربتُ ضربٌ شديدٌ" تريد: "الذي ضربتهُ ضربٌ شديدٌ" وإن قلت: "سِيرَ بزيدٍ سيرٌ شديدٌ" قلت: "الذي سِيرَ بزيدٍ سيرٌ شديدٌ" والذي يجوز أن تخبر عنه من المصادر ما جاز أن يقومَ مقامَ الفاعل كما كانَ ذلك في الظروف، قال الله تبارك وتعالى٢: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٣. وذكر المازني أن الإخبار عن النكرة يجوزُ من هذا الباب، وأن الأحسن أن يكون معرفةً أو
_________________
(١) ١ في "ب" موصولًا. ٢ في "ب" ﷿. ٣ الحاقة: ١٣، وانظر المقتضب ٣/ ١٠٤.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
موصوفًا، وهو عندي غيرُ جائزٍ إلا أنْ تريد بالمصدر نوعًا من الفعل، فتقول على ذلك: "ضُرِبَ ضَرْبٌ" أي: نوعٌ من الضرب وفيه بعدٌ، وتقول: "ضربتُكَ ضربًا شديدًا" فإذا أخبرتَ عنهُ بالألف واللام قلت: "الضاربكَ١ أنا ضَرْبٌ شديدٌ" أي: "الذي ضربتكه ضربٌ شديدٌ" فإن ثنيتَ المصدر أو أفردتَ المرة فيه حَسُنَ الإِخبار؛ لأنك تقول: ضُرِبَ ضربتانِ، فتكونُ فيه فائدة لأن قولك: "ضُرِبَ" لا يفصح عن ضربتين وكذلك لو قلت: "ضُرِبَ ضربةٌ واحدةٌ" أو ضربةٌ ولم تذكر واحدةً، فإذا قلت: "ضُرِبَ بزيدٍ ضربٌ شديدٌ" قلت: "المضروبُ بزيدٍ ضَرْبٌ شديدٌ" و"المنفوخُ في الصور نفخٌ شديدٌ"٢، وإذا قلت: "شربتُ شربَ الإبلِ" قلت: "الشاربهُ أَنا شرب الإِبلِ" وإذا قلت: "تبسمتُ وميضَ البرقِ" قلت: المتبسمه أنا وميضُ البرقِ، وقد قال قومٌ: إنَّ وميضَ البرقِ ينتصبُ على "فعلٍ" غير "تبسمتُ"٣ كأنهم قالوا: "ومضتُ وميضَ البرقِ" فهؤلاءِ لا يجيزون الإِخبار عن٤ هذه الجهة، ومن نصب المصادر إذا كانت نكرةً على الحال لم يجز الإِخبار عنها، كما لا يجوز الإِخبار عن الحال، وإذا كانت المصادر وغيرها أيضًا٥ حالًا فيها الألف واللام لم يجز أن تخبر عنها نحو: أَرسلها العِراكَ، والقومُ فيها الجماءَ الغفيرَ، ورجعَ عودَهُ على بدئهِ، وما أشبه هذا مما جاء حالًا وهو معرفة، وكل ما شذَّ عن بابه فليس لنا أن نتصرفَ فيه ولا نتجاوز ما تكلموا به، وكل اسمٍ لا يكون إلا نكرةً فلا يجوز الإِخبار عنهُ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، فقصة: رُبَّ رَجلٍ وأخيهِ، وكُلُّ شاةٍ وسخلتها، وما أشبه هذا مما جاء معطوفًا نكرةً فهو كالحالِ لا يجوز الإِخبارُ عنهُ، ولو أجزتهُ لوجبَ أن تكرر "رُبّ" فتقول: "الذي رُبّهُ"
_________________
(١) ١ في "ب" الضاربكه. ٢ قال المبرد في المقتضب ٣/ ١٠٤: "فإن أخبرت عن الصور قلت: المنفوخ فيه نفخة واحدة الصور، وإن أخبرت عن النفخة قلت: المنفوخة في الصور نفخة واحدة. ٣ انظر: ارتشاف الضرب/ ١٤٦، نقل هذه المسألة من أصول ابن السراج. ٤ "عن" ساقط في "ب". ٥ في "ب" وأيضًا بعد "حالًا".
[ ٢ / ٢٩٨ ]
ولا حجةَ في قول العربِ: رُبّهُ رجلًا، ورُبّها امرأةً؛ لأنَّ هذا ليس بقياسٍ ولا هو اسم تقدم. قال المازني: وأما قول العرب: "ويحَهُ رجلًا" فإنَّما جاءت الهاءُ بعد مذكورٍ، وقد يجوز الإِخبار عنها كما يجوز الإِخبارُ عن المضمر المذكور فتقول: "الذي ويحهُ رجلًا هو"١ وفيه قبحٌ؛ لأنَّ "ويح" بمعنى٢ الدعاءِ مثل الأمر والنهي، والذي لا يوصل بالأمر والتي؛ لأنَّهما لا يوضحانه، والدعاءُ بتلكَ المنزلة، قال: إلا أنَّ هذا أسهل لأن لفظه كلفظ الخبر [قال أبو بكر] ٣ أنا أقولُ: "وهو عندي غير جائزٍ؛ لأن هذه أخبار جعلتْ بموضع الدعاء فلا يجوز أن تحالَ عن ذلك، وأما ما جاء من المصادر مضمرًا فعله مثل: إنما أنتَ ضربًا وأنتَ سيرًا وضربًا ضربًا" فلا يجوز عندي الإِخبار عنها لأنها مصادر استغني بها عن ذكرِ الفعلِ فقامت مقامه، فلا يجوز الإِخبار عنها كما لا يجوز الإِخبار عن الفعل، والمصدر يدل على فعله المحذوف فإذا أضمرتهُ لم يدل ضميره على الفعل٤. والمازني يجيزُ الإِخبار عن هذا فيقولُ إذا أخبرتَ عن "سير"٥ من قولك: إنَّما٦ أَنتَ سيرًا، قلتَ٧: "الذي أنتَ إيّاهُ سيرٌ شديدٌ" كأنَّكَ قلتَ: الذي أنتَ تسيرهُ سيرٌ شديدٌ.
_________________
(١) ١ انظر: شرح الرضي على الكافية ٢/ ٤٣-٤٥. ٢ في "ب" في معنى. ٣ زيادة من "ب". ٤ في "ب" فعل، بدون الألف واللام. ٥ انظر: شرح الكافية للرضي ٢/ ٤٣. ٦ زيادة من "ب". ٧ قلت: ساقط من "ب".
[ ٢ / ٢٩٩ ]
العاشر: الابتداء والخبر:
اعلمْ: أنَّ هذا الباب لا يجوزُ الإخبار فيه إلا بالذي؛ لأنه لا يكونُ منه فاعل، وذلك قولكَ: "زيدٌ أخوكَ" إن أخبرتَ عن "زيد" قلت: "الذي
[ ٢ / ٢٩٩ ]
هو أخوكَ زيدٌ" انتزعت زيدًا من الصلة وجعلتَ موضعهُ "هو" فرجع١ إلى "الذي" والذي هُو زيدٌ على ما بينت فيما تقدم، وإن أخبرت عن الأخ قلت: "الذي زيد هو أخوكَ" جعلتَ "هو" مكان الخبر كما كان في أصل المسألة، ولا يجوز هذا التقديم والتأخير لأنهُ ملبسٌ٢. وتقولُ: "أنتَ منطلقٌ" للذي تخاطبُ وإن٣ أردتَ أن تخبر عن المخاطب قلت: "الذي هو منطلق أنت" وإن أخبرتَ عن "منطلق" قلت: "الذي أنت هو منطلقٌ" وإنْ أخبرتَ عن المضمر في "منطلقٍ" لم يجز لأنكَ تجعل مكانهُ ضميرًا يرجعُ إلى "الذي" ولا يرجع إلى المخاطب فيصيرُ المخاطب مبتدأ ليس في خبره ما يرجع إليه، وإذا قلت: "زيدٌ ضربته" فأخبرت عن "زيدٍ" أقمت مقامه "هو" فقلت: "الذي هو ضربتهُ زيدٌ" فهو، يرجع إلى "الذي" والهاءُ في "ضربتهُ" لم يجز لأنكَ تصيرُ إلى أن تقول: "الذي زيدٌ ضربتهُ هو" فإن جعلت الهاء التي في "ضربتهُ" ترجع إلى "زيدٍ" لم يرجع إلى "الذي" شيءٌ، وإن رددته إلى "الذي" لم يرجع إلى "زيدٍ" شيءٌ.
قال المازني: هل يجوز أن أحملَ هذا على المعنى؛ لأنَّ زيدًا هو الذي في المعنى؟ فإن ذلك أيضًا غير جائز لأنك لا تفيدُ حينئذ بالخبر معنى، ولا يجوز الإِخبار عن "ضربتهُ" في هذه المسألة لأنه فعلٌ وجملةٌ، والأفعال والجملُ لا يخبر عنها لأنك إذا أخبرتَ احتجت أن تضمر ما تخبرُ عنهُ والفعلُ لا يضمرُ، وكذلكَ الجملةُ لأن ذلك محالٌ وإذا قلت: زيدٌ ذهب عمرو إليهِ، جاز أن تخبر عن زيدٍ فتقول: "الذي هو٤ ذهبَ عمرو إليه زيدٌ" لأنك تجعل الهاء التي في "إليه" ترجع إلى "هو" وتجعلُ "هو" يرجع إلى "الذي" وإن أخبرت عن "عمرو" فجائزٌ فتقول: "الذي زيدٌ ذهبَ إليه عمرو" وتجعل٥ للفاعل في "ذهب" ضميرًا،
_________________
(١) ١ في "ب" ورجع. ٢ في "ب" ملتبس. ٣ في "ب" فإن. ٤ هو، ساقطة من "ب". ٥ في "ب" فتجعل.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
يرجع إلى "الذي" وتجعل عمرًا خبرًا للمبتدأ وإن جعلت في١ موضع "عمرو" في هذه المسألة "هندًا" كان أبين إذا قلت: "زيدٌ ذهبتْ هندٌ إليهِ" فأخبرتَ عن "هندٍ" قلتُ: التي زيد٢ ذهبتْ إليهِ هندٌ، فإن ثنيتَ هندًا قلت: "اللتانِ زيدٌ ذهبتا إليه الهندانِ" فصار٣ الكلام أوضح لما ظهر ضمير الفاعل، وهو الراجع إلى "اللتين" فإن أخبرتَ عن "الهاءِ" في هذه المسألة لم يجز من حيث لم يجز الإِخبار عن الهاء في "زيد ضربتهُ" فإن قلت: "زيدٌ ذاهبٌ إليه عمرو" فأخبرتَ عن "عمرو" قلت: الذي زيدٌ ذاهبٌ إليه هو "عمرو" جعلتَ "هو" فاعلًا وجعلتَ "هو"٤ منفصلًا؛ لأن "ذاهبًا" اسمٌ إذا صار خبرًا لغير من هو لهُ أو صفةً أو حالًا صار فاعلهُ منفصلًا والفعلُ ليس كذلك، وقد مضى تفسير هذا وتقول: "زيدٌ يضربهُ أبوهُ" فإن أخبرت عن "زيدٍ" قلت: "الذي هو يضربه أبوهُ زيدٌ" جعلتَ "هو" موضعَ "زيدٍ" وهو الراجعُ إلى "الذي" والهاء في يضربهُ ترجع إلى "هو" وكذلك الهاء في "أبيهِ" كما كان في أصل المسألة، وإن أخبرتَ عن الأبِ قلتَ: "الذي زيدٌ يضربه أبوهُ" فتجعل٥ في "يضربهُ" فاعلًا وهو صلة "الذي" وجعلت الأب خبرًا وهو "الذي". وهذه المسألة تلبس٦ بقولك: "زيدٌ يضربُ أبَاهُ" لو قيلَ لك: أخبر عن "الأبِ" لقلت: الذي زيدٌ يضربهُ أبوهُ، ولو جعلتَ موضع أبيهِ أمهُ لارتفعَ اللبْسُ، لو قيلَ لك: كيفَ تخبرُ عن الأم من قولك: "زيدٌ تضربهُ أمهُ" لقلت: "التي زيدٌ تضربهُ أمهُ" ولو قلت: "زيدٌ يضرب أمه" فأخبرت عن الأم لقلتَ: "التي زيدٌ يضربُها أمهُ" وهذه المسألة متى ما لم يخالف فيها بين
_________________
(١) ١ "في" ساقطة من "ب". ٢ في "ب" الذي، بدلًا من "زيد". ٣ في "ب" وصار. ٤ في "ب" وجعلته. ٥ في "ب" وتجعل. ٦ في "ب" تلتبس.
[ ٢ / ٣٠١ ]
المبتدأ والفاعل أو المفعول ألبسَ١ فلم يعلم الفاعلُ من المفعول، فإن خالفتَ بأن تجعلَ أحدهما مفردًا والآخر مثنى أو مجموعًا أو تجعلَ أحدهما مذكرًا والآخر مؤنثًا زال اللبسُ، ألا ترى أن أصل المسألة٢ إذا قلت: "زيدٌ يضربهُ عمرو" وعمرٌو فاعلٌ لو قيلَ لك: قدم عمرًا لقلت: عمرٌو زيدٌ يضربهُ ففي "يضربُه" ضمير "عمرٍو" مرفوعٌ، ولو قيلَ لك: قدم عمرًا من٣ قولك: "زيدٌ يضربُ عمرًا" لقلت: "عمرٌو زيدٌ يضربهُ" ففي "يضربهُ" ضمير "زيدٍ" واللفظُ واحدٌ جعلتَ عمرًا فاعلًا أو مفعولًا إذا قدمتهُ وابتدأتهُ فإن خالفتَ بين الاسمين حتى يقعَ ضميراهما متخالفين بان المرادُ، وذلك أن تجعلَ موضع عمرٍو "العمرانِ" فإذا قلتَ: زيدٌ يضربهُ العمرانِ، فقدمتَ العمرين مبتدأينِ قلت: "العمرانِ زيدٌ يضربانهِ" وإن٤ قلت: "زيدٌ يضربُ العمرين" فقدمتَ العمرينِ مبتدأينِ قلت: العمرانِ زيدٌ يضربهما، فإن جعلت موضعَ "يضربُ"٥ ضاربًا من قولك: زيدٌ٦ يضربهُ أبوهُ، قلتَ: زيدٌ ضاربهُ أبوهُ، فإن أخبرتَ عن الأب قلت: الذي زيدٌ ضاربهُ هو أبوهُ، فأظهرتَ "هو" منفصلةً لما تقدم ذكره، فإن أخبرتَ عن الأب من قولك: "زيدٌ ضاربٌ أباهُ" قلتَ: "الذي زيدٌ ضاربهُ أبوهُ" ولم تحتجْ إلى "هو" لأن "ضاربَ" إلى جانب زيدٍ وهو لهُ، فأما قولهم: "السمنُ منوانِ بدرهمٍ" فهذا مستعملٌ بالحذف، يريدونَ: السمن منوانِ منهُ بدرهمٍ، فإن أخبرتَ عن السمن قلت: "والذي هو منوانِ بدرهمٍ السمنُ" تريد: "الذي هو منوانِ منه بدرهمٍ السمنُ" نقلتهُ عما كانَ والحذفُ بحاله، والهاءُ التي في "منهُ" ترجِعُ إلى
_________________
(١) ١ في "ب" التبس. ٢ في "ب" وإذا قيل لك، وهي جملة دخيلة. ٣ في "ب"، بدل "من". ٤ في "ب" وإذا. ٥ في "ب" يضربه. ٦ زيد ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣٠٢ ]
"هو" كما كانت ترجعُ إلى السمن في أصل المسألة. وإن١ أخبرت عن "المنوينِ" قلت: "اللذانِ السمنُ هما بدرهم منوانِ" وإن أتممت الكلامَ قلت: "اللذانِ السمنُ هُما بدرهمٍ منهُ منوان" والإِتمامُ هو٢ أحبُّ إليّ؛ لأن المحذوفَ لا ينبغي أن يُصرفَ تصرفَ غير المحذوف وحقه٣ أن يترك على لفظه ليدل على ما حذف منه، وهذه المسألة نظير قولك٤: "زيدٌ عمرٌو قائمٌ إليه" فزيدٌ: مبتدأٌ كالسمنِ ومنوان مبتدأٌ ثانٍ كعمرٍو، وقولكَ: "بدرهمٍ منهُ" خبر "منوينِ" والهاءُ في "منهُ" ترجعُ إلى "السمنِ" كرجوع الهاء في "إليهِ" فإن قيلَ لك: أخبر عن خبر السمنِ بأسره، وهو قولك: "منوانِ منهُ بدرهمٍ"٥ لم يجز؛ لأن الجمل لا تضمر، وكذلكَ لو قيلَ لك: أخبر في قولك: زيدٌ عمرٌو قائمٌ إليهِ، عن خبر "زيدٍ" بأسرهِ لَمْ يَجزْ.
_________________
(١) ١ في "ب" فإن. ٢ هو، ساقط من "ب". ٣ في "ب" فحقه. ٤ في "ب" قولهم. ٥ في "ب" بدرهم منوان منه.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
الحادي عشر: المضاف إليه ١:
اعلم: أن المضاف إليه٢ على ضربين: فضربٌ [منه] ٣ يكون الاسمانِ فيه كحروف زيدٍ وعمرٍو، يرادُ بهما التسميةُ فقط كرجل اسمهُ عبد الله أو٤ عبد الملك، فهذا الضرب لا يجوز أن تخبر فيه عن المضاف إليه؛ لأنه كبعض حروف الاسم، وضربٌ ثانٍ من الإِضافة وهي التي يراد بها الملك نحو: "دارُ عبد الله" وغلامُ زيدٍ، فهذانِ منفصلان جمع بينهما المُلك، ومتى
_________________
(١) ١ إليه، ساقط في "ب". ٢ إليه، ساقط في "ب". ٣ زيادة من "ب". ٤ في "ب" وعبد الملك.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
زالَ الملكُ زالتِ الإِضافة فهذا الضرب الذي يجوز أن تخبر عن المضاف إليه، أما المضاف الأول فلا يجوزُ أن تخبر عنه ألبتة، أعني "غلامًا ودارًا" إذا قلت: غلامُ زيدٍ ودارُ عمرٍو؛ لأنكَ لو أخبرتَ عنهُ لوجبَ أن تضمره وتضيفهُ والمضمر لا يضاف، فإذا قلت: "هذا غلامُ زيدٍ" فأردت١ الإِخبار عن "زيدٍ" قلت: "الذي هذا غلامهُ زيدٌ" جعلت الهاء موضع زيدٍ وهي الراجعة إلى الذي وكذلك إذا قلت: "قمتُ في دار زيدٍ" فأخبرت عن زيد، قلت: "الذي قمتُ في داره زيدٌ" فإن قلت: هذا ابن عرس وسام أبرص، وحَمارُ قَبان وأبو الحرثِ، وأنتَ تعني الأسدَ فأخبرت عن المضاف إليه في هذا الباب لم يجز لأن الثاني ليس هو شيئًا يقصدُ إليه، وإنما حُمار قبان اسم للدابةِ، ليس أن قبان شيءٌ يقصدُ إليهِ، كما كان زيد شيئًا يقصد إليه. وقال أبو العباس عن أبي عثمان: إنه قد جاء الإِخبار في مثل حُمار قبان وأبي الحرثِ وما أشبههُ ولكنه في الشعر شاذٌّ.
_________________
(١) ١ في "ب" وأردت.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
الثاني عشر: البدل:
اختلف النحويون في الإِخبار في هذا الباب؛ فمنهم من لا يجيز الإِخبار عن المبدل منهُ إلا والبدلُ معه كما يفعلُ في النصب١، قال أبو بكر: وإلى هذا أذهبُ وهو الذي يختارهُ المازني، ومنهم من يجيز الإِخبار عن المبدل منهُ دون البدلِ، فإذا قلت: "مررتُ برجلٍ أخيكَ" فأخبرت عن "رجلٍ" قلت: الذي مررت بهِ رجلٌ أخوكَ، والمار به أنا رجلٌ أخوكَ، تجعلُ الرجل خبرًا ثم تبدلُ الأخ منه كما كان في أصل المسألة، وقومٌ يقولون: المار به أنا أخيك رجلٌ، فيجعلون "الأخ" بدلًا من الاسم المضمر كما كان بدلًا من مظهرٍ٢. قال المازني: فإنْ أخبرت عن أخيك من قولك: "مررتُ برجلٍ أخيكَ"٣ قلت:
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب ٣/ ١١١، وشرح الكافية للرضي ٢/ ٤٢، والهمع ٢/ ١٤٨. ٢ في "ب" مظهره. ٣ "من" ساقطة في "ب".
[ ٢ / ٣٠٤ ]
المار أنا برجلٍ بهِ أخوكَ، قال: وهذا قبيحٌ؛ لأنَّكَ جئتَ بالبدلِ الذي لا يصح الكلام إلا به، فجعلته بعدما قدرت كلامكَ تقديرًا فاسدًا، قال: ومن أجاز هذا أجازَ: "زيدٌ ضربتُ أخاكَ أباهُ" قال: وهو جائز على قبحه [قال أبو بكر] ١: ومعنى قول المازني: قدرت كلامكَ تقديرًا فاسدًا يعني: أنَّ حقَّ الكلامِ أن يستغني بنفسه قبل دخول البدل؛ لأن حقَّ البدلِ أن يكون بمنزلة ما ليسَ في الكلام وأن يكون متى أسقط استغنى الكلامُ، فلو قلت: "المارُّ أنَا برجلٍ أخوكَ" لم يجز لأنهُ لم يرجع إلى الألف واللام شيءٌ، فكان٢ الكلام فاسدًا وكذلك لو قلت: "زيدٌ ضربتَ أخاكَ" لم يجز؛ لأنهُ لم يرجع إلى "زيدٍ" شيءٌ، وقولكَ: "أباهُ" بعدُ بمنزلة ما ليس في الكلام [قال المازني: وكِلا القولينِ مذهبٌ، وليسا بقويين] ٣.
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ في "ب" وكان. ٣ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣٠٥ ]
الثالث عشر: العطف:
اعلم: أن العطف يشبهُ الصفة والبدل من وجهٍ ويفارقهما من وجهٍ؛ أما الوجهُ الذي أشبههما فإنه تابعٌ لِما قبلهُ في إعرابه، وأما الوجه الذي يفارقهما فيه فإن الثاني غير الأول، والنعتُ والبدلُ هما الأول، ألا ترى أنكَ إذا قلت: "زيدٌ العاقلُ" فالعاقل هو زيدٌ، وإذا١ قلت: "مررتُ بزيدٍ أخيكَ" فأخوكَ هو زيدٌ، وإذا قلت: "قامَ زيدٌ وأخوكَ" فأخوك غيرُ زيدٍ؛ فلذلك يجوز أن تخبر عن الاسم [المعطوفِ عليهِ الأولِ] ٢، ويجوز أن تخبر عن الاسم المعطوف الثاني التابع لما قبلهُ، ولك أن تخبر عنهما جميعًا؛ تقول: زيدٌ وعمرٌو في الدارِ، فإن أخبرتَ عنهما جميعًا قلت: "اللذانِ هما في الدار زيدٌ وعمرٌو"،
_________________
(١) ١ في "ب" وكان. ٢ ما بين القوسين ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣٠٥ ]
وإن١ أخبرتَ عن زيدٍ قلت: "الذي هو وعمرٌو في الدار زيدٌ" وإن أخبرتَ عن "عمرٍو" قلت: "الذي زيدٌ وهو في الدار عمرٌو" وإن شئت قلتَ: "الذي هو وزيدٌ في الدار عمرٌو" لأن المعنى واحدٌ فإن قلت: "قامَ زيدٌ وعمرٌو" فأخبرتَ عنهما جميعًا قلت: "اللذانِ قاما زيدٌ وعمرٌو" وإن أخبرت عن "زيدٍ" قلت: الذي قامَ هو وعمرٌو "زيدٌ" فأكدت الضمير في "قامَ" بهو؛ لتعطف عليه الظاهر، ويجوز أن لا تذكر٢ "هو" فتقول: "الذي قامَ وعمرٌو زيدٌ" وفيه قبحٌ، وإن٣ أخبرت عن "عمرٍو" قلت: "الذي قامَ زيدٌ وهو عمرٌو زيدٌ" فإن قلت في هذه المسائل٤ بالألف واللام فقياسهُ قياسُ ما تقدم، وإن أخبرت عن المفعول من قولك: ضربتُ زيدًا وعمرًا [فإن] ٥ أردتَ أن تخبر عن "زيدٍ" قلت: الذي ضربتهُ وعمرًا زيدٌ، وإن أخبرتَ عن عمرٍو قلت: "الذي ضربتُ زيدًا وإياهُ عمرٌو" فإن لم تردْ ترتيب الكلام على ما كان عليه قلت: الذي ضربتهُ وزيدًا عمرٌو، وجاز ذلك لأنَّ قولك: "ضربتُ زيدًا وعمرًا، وضربتُ عمرًا وزيدًا" في الفائدة سواءٌ، فإن قلت: ضربتُ زيدًا وقامَ عمرٌو، لم يجز الإِخبار عن واحدٍ منهما؛ لأنهما من جملتين والعاملان يختلفان، فلو أخبرت عن "زيدٍ" لكنت قائلًا: "الذي ضربتهُ وقامَ عمرٌو زيدٌ" فليس لقولكَ: قامَ عمرٌو اتصالٌ بالصلة، فإن زدتَ في الكلام [فقلتَ] ٦: وقامَ عمرٌو إليه أو من أجله جاز، فإن قلت: ضربتُ زيدًا أو عمرًا فأخبرت عن "زيدٍ" فإن الأخفش يقولُ: "الضاربهُ أنا أو عمرًا زيدٌ" قال لأنَّ
_________________
(١) ١ في "ب" فإن. ٢ في الأصل "تؤكد" والتصحيح من "ب". ٣ في "ب" فإن. ٤ في "ب" المسألة. ٥ زيادة من "ب". ٦ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣٠٦ ]
عمرًا قد١ صار كأنه من سببه إن وقع عليهما فِعْلٌ واحدٌ، كما تقول: مررتُ برجلٍ ذاهبٍ أبوهُ أو٢ عمرو، ولو قلت: أو ذاهبٌ عمرٌو لم يجز؛ لأنهما لم يجتمعا في فِعْلٍ واحدٍ فيصير عمرٌو إذا جعلت لهُ فعلًا على حدته٣ كأنك قلت: مررتُ برجلٍ ذاهبٌ عمرٌو وكذلك لا يجوز: الضاربه أنا والضاربُ زيدًا عمرٌو [قال أبو بكر] ٤: لأنه قد انفصل من العامل الذي في صلة الضاربِ، وإذا قلت: ضربتُ أو شتمتُ عمرًا فأخبرت عن "عمرٍو" قلت: "الذي ضربتُ أو شتمتُ عمرٌو" تريد: "الذي ضربتهُ أو شتمتهُ عمرٌو" فالفعلانِ داخلانِ في الصلة، فإن٥ قلتهُ بالألف واللام احتجتَ أن تقول: الضاربه أنا والشاتمه أنا عمرٌو، فأخرجتَ ما كان في صلة "الذي" عنها؛ لأنه لا بد من ألف ولامٍ أخرى حتى يصير فاعلٌ بمعنى الفعل، وهذا لا يجوز، ومعنى الكلام أيضًا يتغير لأنك إذا قلت: "الذي ضربتُ أو شتمتُ عمرٌو" فالشك واقع في الفعلين، وإذا قلت: "الضاربهُ أنا أو الشاتمهُ أنا عمرٌو" فالشك في الاسمين، فإن قلت: ضربتُ زيدًا أو شتمتُ عمرًا لم يجز أن تخبر عن زيدٍ إلا أن تضمر في الجملة الثانية ما يرجعُ إلى "زيدٍ" فتقول: "الذي ضربتُ أو شتمتُ عمرًا من أجله أو لهُ زيدٌ".
واعلم: أنه قد جاء في العطف أشياء مخالفةٌ للقياس، فمن ذلك قولك: "مررت برجلٍ قائمٍ أبواه، لا قاعدين" فقولك: "لا قاعدينِ" معطوفٌ على "قائمٍ" وليس في قولك: "قاعدينِ" شيءٌ يرجعُ إلى رجلٍ، [كما كان في قولك: قائمٌ أبواهُ، ضميرٌ يرجع إلى "رجل"٦] فجاز هذا في المعطوف على
_________________
(١) ١ "قد" ساقط في "ب". ٢ في "ب" وعمرو. ٣ في "ب" حده. ٤ زيادة من "ب". ٥ في "ب" فإذا. ٦ ما بين القوسين ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣٠٧ ]
غير قياسٍ، وهذا لفظُ المازني وقول كلّ من يرضى قوله، وكان ينبغي أن تقول: مررتُ برجلٍ قائمٍ أبواه ولا قاعدٍ أبواه، وأن لا يجيء الأبوان مضمرين ولكنه حكي عن العرب وكثر في كلامهم حتى صار قياسًا مستقيمًا، ومما جاء في العطف لا يجوز في الأول قول العرب: "كُلُّ شاةٍ وسخلتها بدرهمٍ"١ ولو جعلتَ السخلةَ تلي "كُلّ" لم يستقمْ، ومثلهُ: "ربَّ رجلٍ وأخيهِ" فلو كان الأخ يلي "رُبَّ" لم يجز، ومن كلام العرب: "هذا الضاربُ الرجلِ وزيدٍ" ولو كان زيدٌ يلي الضاربَ لم يكن جرا، وينشدونَ هذا البيتَ [جرا] ٢:
الواهب المائةِ الهجانِ وعبدِها عوذًا تُزجَّى خلفَها أطفالها٣
وكان أبو العباس٤ -﵀٥ يفرقُ بين عبدها وزيدٍ، ويقول: إن الضمير في "عبدِها" هو للمائة فكأنه قال: وعبدُ المائة، ولا يستحسنُ٦ ذلك في "زيدٍ" ولا يجيزه٧ وأجاز ذلك سيبويه٨ والمازني، ولا أعلمهم قاسوه إلا على هذا البيت. وقال المازني: إنه من كلام العرب، والذي قال أبو العباس٩ أولى وأحسن، فإذا قلت: "مررتُ بزيدٍ القائمِ أبواه، لا القاعدينِ" أجريتَ "القاعدينِ" على: القائم أبواه عطفًا، فصارا جميعا من صفة زيدٍ ولم يكن في "القاعدينِ" ما يرجع إلى الموصول في اللفظ، ولكنه جاز في المعرفة كما جاز في النكرة، وتقول على هذا القياس: مررتُ بهند القائمِ أبواها لا القاعدين، فتجري "القاعدينِ" عليها.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٢٤٤، وشرح الرماني ٢/ ٤٥، والخزانة ٢/ ١٨١. ٢ زيادة من "ب". ٣ مر تفسيره في الجزء الأول، صفة ٨٨ من الأصل. ٤ انظر: الخزانة ٢/ ١٨١، والدرر اللوامع ٢/ ٥٧. ٥ ﵀، ساقط من "ب". ٦ في "ب" استحسن. ٧ في "ب" أجيزه. ٨ انظر الكتاب ١/ ٩٣، والخزانة ٢/ ١٨١، والدرر اللوامع ٢/ ٥٧. ٩ انظر: المقتضب ٤/ ١٦٤.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
قال المازني: وقد قال قوم من أهل العلم: نجيزُ هذا في الألف واللام، ولا نجيزهُ في "الذي"؛ لأن الألف واللام ليستا على القياس و"الذي" لا بد في صلته من ضميره، وقال هؤلاء: ألا ترى أنك تقول: "نِعْمَ الذاهبُ زيدٌ، ونِعْمَ القائمُ أبوهُ زيدٌ، ونِعْمَ الضارب زيدًا عمرٌو" ولا تقول: "نِعْمَ الذي ذهبَ زيدٌ" ألا تَرى أن الألفَ واللامَ قد دخلتا مدخلًا لا يدخلهُ "الذي" وكذلك١ جاز: مررتُ بهندٍ القائمِ أبواها لا القاعدينِ، ولم يجز: "مررتُ بهندٍ القائم أبواها لا٢ اللذينِ قَعَدا" وقال الآخرون: نجيزهُ "بالذي" معطوفًا ونجعل صلتهُ على المعنى، كما قلنا: أنا الذي قمتُ، وأنت الذي قمتَ، وأنا الذي ضربتُكَ فحملناهُ على المعنى فكان الحملُ على المعنى في العطف أقوى، إذ كان يكون ذلك في هذا وليس معطوفًا؛ لأنّا قد رأينا أشياء تكون في العطف فلا تكون في غيره، فإذا كانت صلةُ "الذي" جائزة أن تحمل على المعنى غير معطوفةٍ فهي معطوفةٌ أشد احتمالًا، فأجازوا هذا الباب على ما ذكرتُ لك. قال المازني: وهو عندي جائزٌ على المعنى كما تقول: "اللذانِ قامَ وقعدَ أخواك" فتجعل الضمير الذي في "قام وقعد" يرجع إلى "اللذينِ" على معناهما لا على لفظِهما. ومما جاءَ في الشعر في صلة الذي محمولًا على معناه لا على لفظه:
وأَنَا الَّذِي قَتَّلتُ بَكْرًا بالقَنَا وتَرَكْتُ تَغْلِبَ غَيْرَ ذَاتِ سَنَامِ٣
ولو حمله على لفظه لقال٤: "قَتَل" قال: وليس كل كلام يحتمل٥ أن
_________________
(١) ١ في "ب" فكذلك. ٢ في "ب" إلا، ولا معنى لها ههنا. ٣ الشاهد فيه "قتَّلت" والكثير: قتل، والقنا: جمع قناة، يكتب بالألف؛ لأنك تقول في جمعه: قنوات، والبيت للمهلهل بن ربيعة. وانظر: المقتضب ٤/ ١٣٢، والمقصور والممدود لابن ولاد ٨٨، والأبيات المشكلة للفارقي/ ٢٣٨، وشرح السيرافي ٣/ ١٣٦. ٤ في "ب" قال. ٥ في "ب" محتملًا.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
يحمل على المعنى، لو قلت: أخَواكَ قامَ وأنتَ تريدُ: قامَ أحدهُما، لم يكن كلامًا؛ لأنك ابتدأت الأخوين ولم تجئ في خبرهما بما١ يرجعُ إليهما، فلذلك لم يجز هذا، ولو قلت: أخواكَ قام وقعد فحملت "قامَ وقعدَ" على معنى الأخوين، كان هذا أقوى؛ لأن الكلام كلما طال جاز فيه ما لا يجوز فيه إذا لم يطل، ولو قلت: "اللذانِ قامَ أخواكَ" تريد: "اللذان قامَ أحدهما أخواك" لم يجز وقد يضطر الشاعر فيجيء بالشيء على المعنى فيكون ذلك جائزا٢ كما جاز له صرف ما لا ينصرف ووضع الكلام في غير موضعه، ولا يجوز ذلك في غير الشعر [فكلُّ ما شنَع في السمع أجازته ولم يستعمل لا تجزه] ٣. وقال الأخفش: لو أنَّ رجلًا أجاز: مررت بالذي ذهبت جاريتاهُ والذي أقَامتا على القياس -يعني في هذا الباب- وعلى أنه يجوز في العطف ما لا يجوز في الإِفراد كان قياسًا على قبحه، وعلى أنه ليس من كلام العرب، ومن لم يجز هذا لم يجز: "مررتُ بالحَسنة جاريتاهُ لا القبيحتينِ" إذا أرادَ معنى "الذي" ويجوز هذا على أن لا يجريه مجرى "الذي" ولكن يدخل الألف واللام للمعرفة، وإذا قلت: "ضربتُ زيدًا فعمرًا" فأردتَ الإِخبارَ عن "زيدٍ"٤ قلت: "الذي ضربتُه فعمرًا زيدٌ" فإن أخبرت عن "عمرٍو" قلت: "الذي ضربتُ زيدًا فإياهُ عمرٌو" ولا يجوز أن تجعل ضميره متصلًا وتقدمهُ كما فعلت في الواو؛ لأن معنى الفاء خلاف ذلك وثمَّ كالفاء، وكذلك "لا" إذا كانت٥ عاطفة فإذا قلت: "ضربتُ زيدًا ثمَّ شتمتُ عمرًا" لم يجز أن تخبر عن زيدٍ بالألف واللام؛ لأنهُ يلزمكَ أن تقول: "الضاربهُ أنا ثُمَّ الشاتمُ أنَا عمرًا زيدٌ" فلا يكون لقولك: "الشاتمُ أنا عمرًا" اتصال بما في الصلة إلا أن تريد له أو من أجله كما بينا في مسائل تقدمت، لو قلت: الذي ضربتهُ
_________________
(١) ١ في الأصل "ما" والتصحيح من "ب". ٢ جائز، ساقط في "ب". ٣ زيادة من "ب". ٤ في "ب" زيد عمرو. ٥ في "ب" كان.
[ ٢ / ٣١٠ ]
وضربتُ عمرًا زيدٌ، أو ثمَّ ضربتُ عمرًا أو فضربتُ عمرًا لم يجز ذلك كله إلا على هذا الضمير أو تكون تريد: "ضربتهُ وزيدًا" فتقول: ضربتهُ وضربتُ زيدًا، تريد الفعل الثاني توكيدًا فيجوز على هذا وهو أيضًا قبيحٌ، وكذلك لو قلت: الذي ضربتهُ وقمتُ أو ثم قمتُ أو قلتُ زيدٌ، لم يجز إلا على ما ذكرتُ لك وهو قبيحٌ، ألا ترى أنَّكَ لو قلت: "مررتُ برجلٍ قائمٍ أبوه وأنا" جاز ولو قلت: "مَرَّ زيدٌ برجلٍ وذاهبٌ أنا" لم يجز إلا على ما ذكرت [لك] ١ من الضمير فتقول٢: وذاهبٌ أنا من أجلهِ ولو قلت: "الذي ضربتُه فبكى٣ زيدٌ أخَوكَ" جاز لأَنَّ بكاء زيدٍ كان لضربِكَ إياهُ، ولو قلت: "الضاربهُ أنا٤ والباكي زيدٌ أَخوكَ" لم يجز لأنك إذا أدخلت الألف واللام لم تجعل الأول علةً للآخر وإنما يكون ذلك في الفعل، ولو قلت: الذي ضربتهُ وقمتُ زيدٌ كان جيدًا؛ لأنَّ الفعلين جميعًا من صلة "الذي". وقال الأخفش: لو قلت: الضاربهُ أنا وقمتُ زيدٌ كان جائزًا على المعنى؛ لأن معنى الضاربهُ أنا الذي ضربتهُ٥، وفي "كتاب الله ﷿"٦: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ ٧، ولو قلت: "الضاربه أنا، والقائم أنا زيدٌ" لم يجز لأن كل واحدٍ منهما اسمٌ على حياله، والقائمُ أنا ليس فيه ذكرُ زيدٍ، ولو قلت: "الضاربُ زيدًا فمبكيه أنتَ" كان جائزًا٨ على أن يكون الضربُ علةً للبكاءِ؛ لأنك لو قلت: الضاربُ زيدًا
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ في "ب" تقول. ٣ في الأصل "فبكا". ٤ "أنا" ساقط من "ب". ٥ الذي ضربته، ساقط من "ب". ٦ في "ب" قال الله ﷿. ٧ الحديد: ١٨. ٨ في "ب" جاز على أن يكون.
[ ٢ / ٣١١ ]
[فبكى أنا "كان جيدًا"] ١ ولو قلت: "الضاربُ زيدًا فالباكي هو أنا" لم يحسن. وقال الأخفش: إلا على وجهٍ بعيدٍ، كأنه ليس فيه ألفٌ ولامٌ، كما قالت العرب: هم فيها الجماءَ الغفير، يريدون: هُم فيها جما غفيرًا، وأرسلها العراك٢ يريد: أرَسلها عِراكًا، وقال: قالت العربُ: "همُ الخمسة العشَر" يريدون: "هُم الخمسةَ عَشَرَ".
_________________
(١) ١ ما بين القوسين ساقط في "ب". ٢ أي: إن الألف واللام زائدتان، والعراك تعرب حالًا.
[ ٢ / ٣١٢ ]
الرابع عشر: الإِخبار عن المضمر:
إذا قلت: "قمتُ" فأخبرتَ عن "التاءِ" قلت: "القائمُ أنَا" فإن١ قلت: "قمتَ" فأخبرتَ عن "التاءِ" قلت: "القائمُ أنتَ" فإنْ كان الضمير غائبًا قلتُ: "القائمُ هوَ" وإن أخبرتَ "بالذي" قلت: "الذي قامَ هُوَ، والذي قامَ أنتَ، والذي قامَ أنَا" لأنك لو قلت: "الذي قمتُ أنا والذي قمتَ أنتَ" لم يكن في صلة "الذي" شيءٌ يرجع إليه، وزعموا أنه سمع من العرب وهو في أشعارهم: أنا الذي قمتُ وأنت الذي قمتَ، إذا بدأت بالمخاطب قبل "الذي" أو بدأ المتكلم "بأنا" قبل "الذي" فحملت "الذي" في هذا الباب على المعنى، والجيد٢: أنا الذي قامَ والآخر جائزٌ، فإذا قلتَ: "ضربتني" فأخبرت عن المفعول قلت: "الذي ضربته أنا" فإن قلت: "ضربتك" فأخبرت عن الفاعل قلت: الذي ضربكَ٣ أنا، ولا يجوز: "الذي ضربتُكَ أنتَ" ولا "الذي ضربتني أنا" إذا أخبرت عن "التاء" فإن قدمت "نفسَكَ" قبلَ "الذي" قلتَ: "أنا الذي ضربتُكَ وأنا الذي ضربتني". قال المازني: ولولا أن هذا حكي عن العرب الموثوق بعربيتهم لرددناه٤ لفساده، وإذا قلتَ:
_________________
(١) ١ في "ب" وإن. ٢ في "ب" الجيد، بإسقاط الواو. ٣ "ضربك" ساقط من "ب". ٤ في "ب" رددناه بإسقاط اللام.
[ ٢ / ٣١٢ ]
ضربتُكَ فخبرتَ عن المفعول بالذي، قلت: "الذي ضربتُ أنتَ" إن شئتَ حذفتَ الهاء من "ضربتُ" وإن شئت أثبتها وكذلك إذا قلت: مررتُ بِكَ فأخبرتَ عن "الكاف"١ بالذي، قلت: "الذي مررتُ بهِ أنتَ" فإن قلتَ: ضربتني أو مررت بي فأخبرتَ عن نفسك قلتَ: "الذي مررتُ بهِ أنا، والذي ضربتهُ أنا" فالمجرور٢ والمنصوب والمرفوع من المضمر على هذا، فإذا قلت: هذا غلامُك فأخبرت عن "الكاف" قلت: الذي هذا غلامهُ أنتَ، وإذا قلت: هذا غلامي فأخبرت عن الياء قلت: "الذي هذا غلامهُ أنَا"٣ وإذا قلت: "هذا غلامُه" قلت: "الذي هذا غلامُه هُوَ"٤ لأن "أنَا" للمتكلم وأنتَ للمخاطب وهو للغائب. وقال المازني في هذا الباب: إنه جائزٌ عند جميع النحويين، ثم قال: وهو عندي رديءٌ في القياس، ولولا اجتماع النحويين على إجازته ما أجَزتُهُ، قال أبو بكر: والذي جعلهُ عندهُ رديئًا في القياس أنكَ تخرج المضمر الذي هو أعرف المعارف إلى الظاهر؛ لأن "الذي" وإن كان مبهمًا فهو كالظاهر لأنه يصحُّ بصلته.
_________________
(١) ١ الكاف، ساقط من "ب". ٢ في "ب" والمجرور. ٣ في "ب" هو. ٤ هو، ساقط في "ب".
[ ٢ / ٣١٣ ]
باب ما تخبر فيه بالذي ولا يجوز أن تخبر فيه بالألف واللام
مدخل
باب ما تخبر فيه ١ بالذي ولا يجوز أن تخبر فيه ٢ بالألف واللام، وما يجوز بالألف واللام ولا يجوز بالذي [وذلك المبتدأ والخبر] ٣:
أما ما يخبر فيه "بالذي" ولا يجوز بالألف واللام فالمبتدأ والخبر، وقد بيناه فيما تقدم، وكذلك ما جرى مجراهما، والمضاف إليه، والاسم المعطوف، وكل اسمٍ لا يتصلُ به فعلٌ فيرفعه أو ينصبه أو يتصل به بحرف جر، لا يجوز أن تخبر٤ عنهُ إلا "بالذي" وكل فعلٍ لا يتصرف فلا يجوز عنه الإِخبار إلا "بالذي"٥، وقد تقدم ذكر هذا. وأما ما يجوز بالألف واللام ولا يجوز "بالذي" مكانَهُ فقال الأخفش تقول: "مررتُ بالقائم أخواهُ إلا القاعدين" ولو قلت: "مررتُ بالذي قعدت جاريتاهُ لا الذي قامَتا" لم يجز؛ لأن "الذي" لا بد من أن يكون في صلتها ذكرها، وكذلك لو قلت: "مررتُ بالقاعد أبواها٦ لا القائمين" كان جيدًا. ولو قلت: مررت بالتي٧ قعدَ أبواها٨ لا التي قاما لم يجز؛ لأنه ليس في صلة "التي" ذكر لها، ألا ترى أنكَ
_________________
(١) ١ في "ب" عن. ٢ في "ب" عن. ٣ زيادة من "ب". ٤ في "ب" الإخبار. ٥ الذي، ساقط في "ب". ٦ في "ب" أبواه. ٧ في "ب" الذي. ٨ في "ب" أبواه.
[ ٢ / ٣١٤ ]
تقول: "المضرُوبُ الوجه عبد الله" ولا تقول: "الذي ضُرِبَ الوجهُ عبد الله" وتقول: المضروبةُ الوجهِ ضربتين أمةُ الله، ولا تقول: التي ضُرِبتِ الوجهُ ضربتين أمةُ الله؛ لأنهُ ليسَ في صلة "التي" لها ذِكْرٌ.
[ ٢ / ٣١٥ ]
ذكر المحذوفات التي قاس عليها النحويون:
وذلك قولك: "ضربتُ وضربَني زيدٌ" وضربني وضربتُ زيدًا، قال الأخفش: إذا قلتَ: "ضربتُ وضربني زيدٌ" فأدخلتَ عليه الألفَ واللام، وجعلتَ "زيدًا" خبرًا قلت: "الضاربهُ أنَا، والضاربي زيدٌ" لا يحسن غير ذلك؛ لأنك حين طرحتَ المفعول في "ضربتُ وضربني" لم تزد على ذلك، وأنت لو طرحتَ "الهاءَ" من قولكَ: "الضاربهُ أنَا والضاربي زيدٌ" كنتَ قد طرحتَ المفعول به كما طرحتَهُ في "ضربتُ" وطرحت الشيءَ الذي تصحُّ به الصلة؛ لأن كلَّ شيءٍ من صلة "الذي" لا يرجع فيه ذكر "الذي" فليس هو بكلام، قال: إلا أنَّ بعض النحويين قد أجازَ هذا، وهو عندي غير جائز لطول الاسم لأنه صيرَ "الضارب أنا والضاربي" كالشيء الواحد، وإذا جعلتَ "أنا" هُو الخبر يعني: إذا أخبرت عن "التاء" كان حذفُ "الهاء" أمثل من هذا وذلك أنك إذا قلت: "الضاربُ والضاربهُ زيدٌ أنَا" إنما أوقعت من "الضاربِ" المفعول به ولم توقع ذكر "الذي" فلم تزد على مثل ما صنعت في "ضربتُ وضربني زيدٌ" لأنك إنما ألغيتَ، ثم المفعول، وألغيتهُ ههُنا أيضًا وإن كان في قولك: "الضاربُ والضاربهُ زيدٌ أنا" أقبح منهُ في "ضربتُ وضربني زيدٌ" لأنَّ هذا مما يخل بصلة الاسم أن يحذف منه المفعول به حتى يصير الاسم كأنهُ لم يتعد.
قال المازني: إذا أردتَ الإِخبار عن زيد فإن ناسًا من النحويين يقولون: "الضاربُ أنا والضاربي زيدٌ"١، قال: وما أرى ما قالوا إلا محالًا، إن
_________________
(١) ١ تجعل الضارب مبتدأ، وأنا خبره ولا تعده، كما لم يكن في الفعل متعديا، وتأتي بالفعل والفاعل في الإخبار، وهو: والضاربي زيد؛ لأن الكلام إنما كان: ضربت وضربني زيد فجعلت الابتداء والخبر كالفعل والفاعل، وجعلت المتعدي متعديا، والممتنع ممتنعًا. انظر المقتضب ٣/ ١٢٨، وشرح الكافية للرضي ٢/ ٤٩.
[ ٢ / ٣١٥ ]
كنت لم تنوِ أن يكون في "الضارب" مفعولٌ محذوفٌ، فإن كنت أردت أن يكون محذوفًا فإثباته أجودُ، قال: وإن قلت: إني١ إنما أحذفه كما أحذفه في الفعل فإن ذلك غير جائز؛ لأنكَ حين حذفته في الفعل لم تضمر، وأنت [ها] ٢ هنا تحذفه مضمرًا فحذفهما مختلف؛ فلذلك لم يكن مثله في الفعل، قال: والقياس عندي أن أقول: "الضاربُ أنا والضاربي زيدٌ" فأجعل "الضارب" مبتدأ وأجعل "أنا" خبره، فأجعل "الضاربي" مبتدأ وأجعل زيدًا خبره، وأجعله تفسيرًا لما وقع عليه "ضربتُ" كما كان تفسيرًا له مع الفعل، وأجعل الضارب الأول غير متعدٍّ كما كان الفعل الذي بنيته منه غير متعدٍّ، وأجعل "أنا" خبرًا له؛ لأن الفعل والفاعلَ نظيرهما من الأسماء المبتدأ والخبر لأنك إذا قلت: "ضرب زيدٌ" فلا بد لضرب من "زيدٍ" كما أنك إذا قلت: "زيدٌ منطلقٌ" فلا بد له من "منطلقٍ" أو ما أشبههُ، فجعلت الأول مبتدأً و"أنا" خبره، وعطفت عليه مبتدأ وخبره لتكون جملة عطفتَها على جملةٍ، كما كان الفعل والفاعل جملة عطفت عليها فعلًا وفاعلًا جملةً، قال: فهذا أشبه وأقيسُ مما قال النحويون.
قال أبو بكر: وهذا الباب عندي لا يجوز الإِخبار فيه من أجل [أن] ٣ هاتين الجملتين كجملة واحدة؛ لحاجة الأولى إلى ما يفسرها من الثانية، وإذا أدخلت الألف واللام فصلت، فإن أحوجت الضرورة إلى الإِخبار فهما بالألف واللام، فأَقيسُ المذهبين مذهب المازني ليكون الاسم محذوفًا ظاهرًا غير مضمرٍ، كما كان في الفعل. وقال الأخفش: من جوز الحذف في "ضربتُ وضربني زيدٌ" إذا أَدخلَ عليه الألف واللام، قال في
_________________
(١) ١ "إني" ساقط في "ب". ٢ زيادة من "ب". ٣ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣١٦ ]
"ظننتُ وظنني زيدٌ عاقلًا" إذا أعمل الآخر: "الظانُّ" [أنَا] ١ و"الظاني عاقلًا زيدٌ" فإن قال: قد أضمرت اسمين من قبل أن تذكرهما قلت: أما الأول منهما فأضمرتهُ ليكونَ له في الصلة ذكرٌ، والثاني أضمرتهُ لأنهُ لا بد إذا أعملتَ الفعلَ في واحد من أن تعمله في الآخر، قال: فإن جعلتَ "أنَا" هو الخبر يعني: إذا أخبرت عن الياء فحذف الهاء أمثل شيء؛ لأنك لم تزد على حذف المفعول به كما حذفته من قبل الألف واللام، فتقول: "الظانُّ والظانهُ زيدٌ عاقلًا أنا" وإن ألحقت "الهاء" قلت: "الظانهُ إياهُ، والظانهُ عاقلًا زيدٌ أنا". قال المازني: فإن قلت: "ضربني وضربتُ زيدًا" فأخبرت عن "زيدٍ" قلت: "الضاربي هُوَ والضاربهُ أنَا" فجعلت الضاربي مبتدأ وهو خبره كما كان فاعلًا في "ضربني" ليكون الضاربُ يستغني٢، ويكون "هُو" يحتاج٣ إلى أن يفسر كما كان محتاجًا وهو في موضع "ضربني" وليكون جملةً معطوفة على جملةٍ، وكذلك إن كان فعلًا تعدى إلى مفعولين نحو: أعطيتُ وأعطاني زيدٌ درهمًا إذا أخبرت عن نفسك قلت: المعطي أنا، والمعطي درهمًا زيدٌ، فجعلت "أنا" الأول خبرًا "للمعطي" كما كان فاعلًا "لأعطيتُ" وجعلت الثاني مبتدأ وآخر الكلام خبره فجعلته جملة معطوفة على جملة، قال أبو بكر٤: فعلى هذا يجيء هذا الباب وإن كثرت مسائله فقسه على ما ذكرت لك وليس أحد يقوله علمت من أهل العلم؛ لأنهم إنما جروا على أشياء اصطلحوا عليها لم يفكروا في أصولها، وهذا أقيس وأشبه بكلام العرب.
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ في "ب" مستغنيًا. ٣ في "ب" محتاجًا. ٤ قال أبو بكر: ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣١٧ ]
باب ما ألف النحويون من "الذي" و"التي" وإدخال الذي على "الذي" وما ركب من ذلك:
وقياسه قد تقدم من قولنا: إن "الذي" لا يتم إلا بصلة، وإنه وصلتهُ بمنزلة اسم مفرد، فمتى وصلت "الذي" بالذي فانظر إلى الأخير منهما فهو صلته١، فإذا تم بصلته وخبره فضع موضعه اسمًا مضافًا إلى ضمير ما قبله؛ لأنه إن لم يكن فيه ضمير يرجع إليه لم يصلح، فإذا كان الأول مبتدأً فإنه يحتاج إلى صلة وخبر كما كان يحتاج وصلته غير "الذي" ويكون "الذي" الثاني يحتاج إلى صلة وخبر ويكون الثاني وصلته وخبره صلة للأول ولا بد من أن يرجع إلى كل واحد منهما ضمير في صلته حتى يصح معناه، إلا أن "الذي" التالي للأول يحتاج [إلى] ٢ أن يكون فيه ضميران أحدهما يرجع إلى الثاني، والآخر يرجع إلى "الذي"٣ الأول، وإن كان "الذي" بعد "الذي" [الأول] ٤، مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا أو ما بلغ، فحاله كحال الذي ذكرت لك من المبتدأ والخبر وحاجة كل واحد منهما إلى ما يتمه وما يكون خبرًا له، تقول: "الذي التي قامت في داره هندٌ عمرٌو" فيكون "الذي"٥
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب ٣/ ١٣٠، وشرح الكافية ٢/ ٤٣. ٢ زيادة من "ب". ٣ الذي، ساقط من "ب". ٤ زيادة من "ب". ٥ الذي، ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣١٨ ]
الأول مبتدأً وتكون "التي" الثانية مبتدأ أيضًا، ويكون "قامت في داره" فيه ضميران: أحدهما مرفوع وهو المضمر في "قامتْ" وهو راجع إلى "التي" والهاءُ راجعة إلى "الذي" الأول، وتكون "هندٌ" خبر "التي" الثانية، وتكون "التي" الثانية وصلتها وخبرها صلة للذي "الأول" ويكون "عمرٌو" خبر "الذي" الأول، فإن ثنيت قلت: "اللذانِ اللتانِ قامَتا في دارهما الهندانِ العمرانِ" فظهر الضمير الذي كان في "قامت" في الواحدة والتفسير ذلك التفسير، وكذلك لو قلت: الذي التي في داره هندٌ عمرٌو، ففي "داره" ضميران أحدهما مرفوعٌ والآخر مجرور، فالمرفوع مضمر في الاستقرار المحذوف الذي قام الظرف مقامه، "فالتي" مع صلتها تقوم مقام اسم مضاف إلى ضمير "الذي" ألا ترى أنك لو وضعت موضع ذلك "أُختهُ" لجاز أن تقول: "الذي أُختهُ هندٌ عمرٌو" وتقول: "الذي [الذي] ١ ضرب عمرٌو زيدٌ" تجعل الفاعل الذي في "ضَربَ" يرجع إلى "الذي" الأول، وإن شئت إلى الثاني وتجعل المفعول المحذوف في "ضرب" يرجع إلى الآخر، وتجعل عمرًا خبرًا للثاني وزيدًا خبرًا للأول، وتقول: "الذي التي أختهُ أُمها هندٌ زيدٌ" فتجعلُ "الذي" مبتدأً والتي مبتدأً ثانيًا، وأختهُ أمها "صلة التي" وفيها ما يرجع إلى "الذي" وإلى "التي" وهند خبر "التي" فصارت "التي" مع صلتها مبتدأ خبره "هندٌ" وهذا المبتدأُ والخبر صلةُ "الذي" وقد تم به؛ لأن فيه ذكره و"زيدٌ" خبر "الذي" فكأنكَ قلت: "الذي أُختهُ هندٌ زيدٌ" فلو٢ قلت: الذي التي أُختهُ هندٌ أُختها زيدٌ، لم يجز لأنك لم تجعل في صلة "التي" شيئًا يرجع إليهما، ولو قلت: "الذي التي أُختها هندٌ أُخته زيدٌ" جازَ؛ لأنكَ جعلتَ "أُختَها" مبتدأ و"هندًا" خبرًا، وهما في صلة "التي" وجعلت قولك: أُختهُ خبر التي وجعلت "الهاء" التي أضفت الأخت إليها راجعةً إلى "الذي" وجعلت التي وصلتها وخبرها صلةً "للذي" فصار خبرها مضافًا إلى الضمير الذي يرجع إلى "الذي"
_________________
(١) ١ الذي، ساقط من "ب". ٢ في "ب" ولو.
[ ٢ / ٣١٩ ]
في صلته وصار زيدٌ خبرًا عن "الذي" فكأنك قلت: "الذي هندٌ أُختهُ زيدٌ" فصلح أن تضع هذا موضع "التي" لأنه ليس في "التي" وصلتها ما يرجع إلى "الذي" ولولا الهاء في "أخته" ما كان كلامًا، فإن أدخلت كان١ على هذا قلت: "كان الذي التي أُختها هندٌ أختهُ زيدًا" وإن أدخلت "ظننتُ" قلت: "ظننتُ الذي التي أُختها هندٌ أخته زيدًا" فنصبت "الذي وزيدًا" وتركت سائر الكلام الذي هو صلة للذي مرفوعًا، فإن أدخلت في هذه المسائل "الذي" ثالثة فالقياس واحد، تقول: "اللذان الذي التي أُخته أُختها أخُتهما [هندٌ] ٢ زيدٌ أخواكَ"٣ لا بد في صلة الأخير وخبره من ثلاثة مضمرات بعدد المبتدآت الموصولات٤. فإن لم يكن كذلك فالمسألة خطأٌ فتجعل اللذين ابتداءً، والذي ابتداءً ثانيًا، والتي ابتداءً ثالثًا، وتجعل أُخته أُختها صلة "للتي" والهاء في "أُختهِ" ترجع إلى "الذي" وها في "أُختها صلة للتي" والهاء في "أُختِه" ترجع إلى "الذي" وها في "أُختها" ترجع إلى "التي" وأُختهما خبر للتي وهي مضافةٌ إلى ضمير "اللذين" وهي وصلتها وخبرها صلة "للذي" وزيدٌ خبر الذي، والذي وصلته وخبره صلة للذين، وأخواك خبر "اللذين" وتعتبر هذا بأن تجعل موضع "التي" مع صلتها اسمًا مؤنثًا مضافًا إلى ضمير ما قبله كما كان في قولك: "أُختهُ" فتقول: "اللذانِ الذي أمهُ أختهما زيدٌ أخواكَ" فتجعل موضع "الذي" بتمامه صاحبهما فتقول: "اللذان صاحبهُما زيدٌ أخواكَ" فالكلام وإن طال فإلى هذا يرجع، فنعتبره إذا طال بهذا الامتحان فإنه يسهله وتعرف به الخطأ من الصواب. وتقول: "اللذان الذي أخوهُ زيدٌ أخوهما أبوه أخواكَ" تجعل اللذين ابتداءً والذي ابتداءً ثانيًا و"أخوهُ زيدٌ" صلة الذي، و"أخوهما" ابتداءً و"أبوهُ" خبرهُ، وهما جميعًا خبر "الذي" والضمير الذي في "أخيهما" راجع
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب ٣/ ١٣٢. ٢ زيادة من "ب". ٣ وخبره، ساقط من "ب". ٤ الموصولات، ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣٢٠ ]
إلى "اللذينِ" والضمير الذي في قولك: "أبوه" راجع إلى الذي، والكلام الذي بعد "اللذين" إلى قولك: "أبوهُ" صلة للذينِ، وأخواكَ خبرٌ عنهما، ولو أدخلت على هذا "كانَ" أو ظننتُ وما أشبههما من العوامل، كان الكلام على حاله كله١ ما خلا "اللذين وأخويكَ" فإنهما يتغيرانِ وذلك قولك: "ظننت اللذينِ الذي أخوهُ زيدٌ أخوهما أبوهُ أخَويك" فلو أخبرت عن اللذينِ لقلت: "الظانّهما أنا أخويكَ اللذانِ الذي أخوهُ زيدٌ أخوهما أبوهُ". قال المازني٢: فإن٣ أخبرت عن زيد جازَ فقلت: "الظانُّ أنَا اللذين الذي أخوهُ هو أَخوهما أَبوهُ أخويك زيدٌ" جعلت "الظانَّ" ابتداءً وأوقعته على "اللذين والأخوينِ" وجعلت صلتهما على حالها وجعلت قولك: هو راجعًا إلى "الظانِّ" فلذلك صح الكلام، قال: ولو أخبرت عن "غير زيدٍ" مما في الصلة لم يجز وإنما لم يجز ذلك لأن ما في الصلة من الأسماء التي هي غير "زيدٍ" كلها مضافات إلى مضمراتٍ٤، فلو أخبرت عنهما احتجت أن تنتزعهما من الكلام وتجعل موضعهما ضميرًا فلا يقومُ مقامَ الراجع الذي كان شيءٌ، ولو أخبرت عن "الذي" لقلت: الظانُّ أنا اللذينِ هو أَخوهما أبوه أَخويكَ الذي أخوهُ زيدٌ. [وقال أبو بكر] ٥: وهذه مسألة في كتاب المازني ورأيتها في كثير من النسخ مضطربة معمولة على خطأ، والصواب ما وجدته في كتاب أبي العباس محمد بن يزيد بخطه عن المازني وقد أثبته كما وجدته، قال: لو قلت: "الذي التي اللذانِ التي أبوهما أُختها أخواكَ أُختهُ زيدٌ"٦ جاز [أن] ٧ تجعل "الذي" مبتدأً "والتي" مبتدأ أيضًا "واللذين" مبتدأين والتي مبتدأ
_________________
(١) ١ في "ب" كله على حاله. ٢ انظر المقتضب ٣/ ١٢٨-١٢٩. ٣ في "ب" وإن. ٤ مضمرات، ساقط في "ب". ٥ زيادة من "ب". ٦ انظر: المقتضب ٣/ ١٣٢. ٧ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣٢١ ]
وتجعل "أبوها" مبتدأً وهو مضاف إلى ضمير "التي" الثانية وأبوهما خبر "أبيها" وهو مضاف إلى ضمير "اللذينِ" وأُختها خبر "التي" الثانية وهو مضاف إلى ضمير "التي" الأولى، وهذا كله صلة للذينِ، وأخواك خبر اللذينِ وهذا كله صلة للتي الأولى، يعني اللذينِ وصلتهما وخبرهما "وأُختهُ" خبر عن "التي" وهي وصلتُها وخبرها صلة "للذي" وزيدٌ خبر عن "الذي". قال أبو بكر: ويعتبر هذا بأن تقيم مقام كل موصول مع صلته اسمًا حتى تردَّ الجميع إلى واحد، فإذا قلت: "الذي التي اللذانِ التي أبوها أبوهما أُختها أَخواكَ أُختهُ زيدٌ" عمدت إلى "التي" الثانية وصلتها أبوها أبَوهما، فأَقمتَ مقامهما "أمهما" فصار الكلام: الذي التي اللذان أُمهما أختها أخواكَ أختهُ زيدٌ، ثم تقيم مقام "اللذين" وصلتهما اسمًا فتقول: الذي التي صاحباها أَخواكَ أختهُ زيدٌ، ثم تقيم مقام "التي" مع صلتها "هندٌ" فيصير الكلام: "الذي هندٌ أُختهُ زيدٌ" فإلى١ هذا التقدير ونحوه ترجع جميع المسائل وإن طالت. وإذا قلت: "الذي التي اللذانِ التي أبوها أبوهما أُختها أَخواكَ أُخته زيدٌ" فأردت الإِخبار عن "الذي" قلت: "الذي هو زيدٌ الذي التي اللذانِ التي أبوهما أُختها أخواكَ أُخته" لأن هذا كله صلة "للذي" الذي أخبرت عنه، وإن أخبرت عن شيءٍ في الصلة وكان مضافًا إلى ضمير لم يجز، وإن كان غير مضاف فالإِخبار عنه جائزٌ نحو الأخوين وزيدٍ فالإِخبار عن هذا كله جائز، وتقول: "الذي إنَّهُ زيدٌ الذي إنَّ أباهُ منطلقٌ" تجعل "الذي" مبتدأ وتعمل "إنَّ" في ضميره وتجعل "زيدًا" خبرًا "لأن" وتجعل "إن" وما عملت فيه صلة "للذي" وتجعل "الذي" الثاني خبرًا للذي الأول وتجعل "إنَّ أباهُ منطلقٌ" صلة للذي الثاني. قال المازني: وإنما جاز أن تجعل في صلة "الذي" إنَّ؛ لأنهُ٢ قد جاء في القرآن: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ ٣ كأنهُ قال، والله أعلم: الذي إنَّ "مفاتحهُ" لأن "ما" إذا كانت بمنزلة "الذي" كانت صلتها كصلة الذي.
_________________
(١) ١ في "ب" وإلى. ٢ في "ب" أنه. ٣ القصص: ٧٦، وانظر الكتاب ١/ ٤٧٣، والمقتضب ٣/ ١٩٤.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
باب أخوات الذي:
وهي "ما ومن وأي" مضافات ومفردات، يكُنَّ استفهامًا وجزاءً وخبرًا بمنزلة "الذي" فإذا كن استفهامًا أو جزاءً لم يحتجن إلى صلات وكن أسماء على حدتهن تامات نحو: "من أبوك؟ " وما مالك؟ وأي أبوك؟ والجزاء نحو: "من يأتنا نأته" وأي يذهب تذهب معه، وأيا تأكل آكل، وقد يكن بمنزلة "الذي" فإذا كن كذلك وصلن١ بما وصل به "الذي" بالابتداء والخبر وبالظروف وبالفعل، وما يعمل فيه نحو: "اضرب من في الدار واضرب من أبوه منطلق" وكل ما أكل زيد، تريد: "ما أكله زيد" وتحذف الهاء من الصلة كما تحذفها من صلة "الذي" لطول الاسم، وقد توصل "أي" بالابتداء والخبر، وقد يحذف المبتدأ من اللفظ ويؤتى بالخبر، فإذا كانت كذلك وكانت مضافة بنيت على الضمة في كل أحوالها، كقولك: اضرب أيهم أفضل، واضرب أيهم قائم، ومثل ذلك قراءة الناس: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ ٢ لأنك لو وضعت "الذي" ههنا كان قبيحًا، إنما تقول: "الذي هو قائم" فإن قلت: "الذي قائم" كان قبيحًا، فإن قلت: اضرب أيهم في الدار واضرب أيهم هو قائم واضرب أيهم يأتيك، نصبت لأنك لو وضعت "الذي" ههنا كان حسنًا وزعموا أن من العرب من يقول: "اضرب أيهم أفضل" على
_________________
(١) ١ في "ب" وصلت. ٢ مريم: ٦٩.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
القياس وقد قرأ بعض١ أهل الكوفة٢: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾، وإنما حذف المبتدأ من صلة "أي" مضافة لكثرة استعمالهم إياها، فإذا كانت مفردة لزمها الإِعراب فقلت: "اضرب أيًّا أفضل" ولا تثني ههنا، وإن كانت "الذي" تقبح ههنا من قبل أنهم إنما بنوها مضافة وتركوها مفردة على القياس. قال أبو بكر: هذا مذهب أصحابنا٣ وأنا أستبعد بناء "أي" مضافة، وكانت مفردة أحق بالبناء، ولا أحسب الذين رفعوا أرادوا إلا الحكاية٤، كأنه إذا قال: "اضرب أيهم أفضل" فكأنه قال: اضرب رجلًا إذا قيل: "أيهم أفضل" قيل: هو. والمحذوفات في كلامهم كثيرة والاختصار في كلام الفصحاء كثير٥ موجود إذا آنسوا بعلم المخاطب ما يعنون، وهذا الذي اختاره مذهب الخليل. قال سيبويه: زعم الخليل أن "أيهم" إنما وقع في قولهم: اضرب أيهم على أنه حكاية، كأنه قال: "اضرب الذي يقال له: أيُّهم أفضل"٦.
وشبهه بقول الأخطل:
ولَقَدْ أَبِيتُ مِنَ الفَتَاةِ بِمَنْزِلٍ فَأَبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ٧
_________________
(١) ١ بعض، ساقط من "ب". ٢ انظر الكتاب ١/ ٣٩٧. ٣ أي: البصريين، انظر الكتاب ١/ ٣٩٧. ٤ ذكر سيبويه ١/ ٣٩٨ أن الخليل زعم أن "أيهم" وقع في: اضرب أيهم أفضل على أنه حكاية، كأنه قال: اضرب الذي يقال له: أيهم أفضل، يعني: أن من رفعها من العرب إذا حذف المبتدأ من صلتها فهو يعرب أيًّا مطلقًا، وإن أضيفت وحذف صدر صلتها وجعل "أيا" استفهامية محكية بقول مقدر. أما يونس فيجعلها استفهامية أيضًا لكنه حكم بتعليق الفعل قبلها عن العمل؛ لأن التعليق عنده غير مخصوص بأفعال القلوب، وكذلك يراها مبنية لا معربة. وقد نقل ابن الشجري ٢/ ٢٩٧-٢٩٨ ما ذكره ابن السراج بشأن "أي". ٥ في "ب" منهم. ٦ انظر الكتاب ١/ ٣٩٧-٣٩٨. ٧ من شواهد الكتاب ١/ ٢٥٩، على رفع "حرج" و"محروم" وكان وجه الكلام نصبهما على الحال والخبر، ووجه رفعهما عند الخليل على الحكاية، والمعنى: فأبيت كالذي يقال له: لا حرج ولا محروم. وانظر: شرح الرماني ٢/ ١٠٩، وشرح السيرافي ٢/ ١٩٧، والحماسة/ ٨٠، والمخصص ٨/ ٦٩، واللسان مادة "حرج"، والخزانة ٢/ ٥٥٣، وابن يعيش ٢/ ٦٧، والديوان/ ٨٤، وروايته: ولقد أكون من الفتاة بمنزل
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وأما يونس فزعم: أنه بمنزلة قولك: "أشهد أنه لعبد الله" واضرب "معلقة"١ يعني "بمعلقةٍ" أنها لا تعمل شيئًا٢، والبناء مذهب سيبويه٣ والمازني٤ وغيرهما من أصحابنا، ومن العرب من يعمل "منْ" وما نكرتين، فإذا فعلوا ذلك ألزموهما الصفة ولم يجيزوهما بغير صفة، قالوا: اضرب من طالحًا، أو امرر بمن صالح، قال الشاعر:
يا رُبَّ مَنْ يُبْغِضُ أَذْوَادَنَا رُحْنَ عَلَى بَغْضائِه واغْتَدَيْن٥
وقال الآخر:
رُبَّما تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأَمْرِ لَهُ فَرْجةٌ كَحَلِّ العِقَال٦
فجعلها نكرة وأدخل عليها "رُبَّ".
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٣٩٨، والإنصاف/ ٣٧٩. ٢ شيئًا، ساقطة في "ب". ٣ انظر الكتاب ١/ ٣٩٧. ٤ ذكر ابن الشجري في أماليه ٢/ ٣٩٧ أن المازني يرى أن "أيا" مبنية؛ لأن التقدير عنده: الذي هو أشد على الرحمن عتيا، أو الذين هم أشد، فالضمة على قوله ضمة بناء، لا ضمة إعراب. ٥ من شواهد الكتاب ١/ ٢٧٠، على إدخال "رب" على "من" والاستدلال على تنكيرها؛ لأن رب لا تعمل إلا في نكرة، ويبغض في موضع الوصف "لمن". والمعنى: إنهم محسودون لشرفهم وكثرة مالهم، والحاسد لا ينال منهم أكثر من إظهار البغضاء لهم؛ لعزهم ومنعتهم. والشاهد لعمرو بن قميئة. وانظر: المقتضب ١/ ٤١، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٣١١، وابن يعيش ٤/ ١١، وشرح الرماني ٢/ ١٢٢، والوحشيات/ ٩، ومعجم الشعراء/ ٢١٤. ٦ مر تفسيره صفحة ١٤١ من هذا الجزء.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
واعلم: أنه يجوز أن تقول: لأضربن أيهم في الدار، وسأضرب أيهم في الدار، ولا يجوز: "ضربت أيهم في الدار" وهذه المسألة سُئِلَ عنها الكسائي في حلقة يونس فأجازها مع المستقبل ولم يجزها مع الماضي، فطُولب بالفرق فقال: "أي" كذا خلقت١. قال أبو بكر: والجواب عندي [في ذلك] ٢ أن "أيا" بعض لما تضاف إليه مبهم مجهول، فإذا كان الفعل ماضيًا فقد علم البعض الذي وقع به الفعل وزال المعنى الذي وضعت له "أيّ" والمستقبل ليس كذلك.
_________________
(١) ١ انظر حاشية الصبان ١/ ٣١٢. ٢ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣٢٦ ]
باب الاستفهام إذا أردت الإِخبار عنه:
إذا قلت: "أيهم كان أخاك" فأردت الإِخبار عن الأخ، قلت: أيهم الذي هو كانه أخوك، وإن شئت "كان إيّاه" كما ذكر في مفعول "كان" المضمر فيما مضى، وذلك أن اسم "أي" كان مضمرًا في "كان" ولم يستقم أن تجعل "الذي" قبل "أي" لأنه استفهام، فجعلت "هو الذي" هو١ ضمير أي تقوم مقامه فصار "أي" ابتداء في "كان"، وأخوك خبر "الذي" والذي وخبره خبر أي، وتقديره تقدير: زيد الذي أبوه ضربه عمرو؛ تجعل "الذي" لعمرو والأب هو الفاعل، فإن أخبرت عن "أي" في هذه المسألة قلت: "أيهم الذي هو ضرب أخاك" تجعل٢ "أيهم" خبرًا مقدمًا وتجري الكلام مجراه كأنه في الأصل: "الذي هو ضرب أخاك أيُّهم" ثم قدمته؛ لأنه بمنزلة: زيد ضرب أخاك، فالإِخبار عن "زيد" الذي هو ضرب أخاك زيد، فإذا قدمت زيدًا وأدخلت عليه ألف الاستفهام قلت: "أزيد الذي هو ضرب أخاك" فهذا نظير "أيهم" فإن قلت: "أيهم ضرب أخوك؟ " فجعلت "أي" مفعولًا فأردت الإِخبار عن "أي" قلت: أيهم الذي إياهُ ضربت أخوك، والتقدير: "الذي إياه ضرب أخوك أيهم" إلا أنك قدمت "أي" وهي٣ خبر الابتداء لأنها استفهام،
_________________
(١) ١ هو، ساقط في "ب". ٢ في "ب" فجعل. ٣ في "ب" هو.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
ويسهل هذه المسائل أن تجعل "بعضهم" موضع "أيهم" ونعتبره، وإن قلت: "أيهم زيد" فجعلتها ابتداء وزيد الخبر فأخبرت عن "أي" قلت: "أيهم الذي هو زيد" وتقديرها: "الذي هو زيد أيهم" كأنك قلت: "الذي هو زيد بعضهم" ثم قدمت لأنه استفهام، وإن أخبرت على هذه الشريطة عن "زيد" قلت: أيهم الذي هو هو زيد، وتقديره: الذي أيهم هو "زيد" فجعلت "هو" الأولى١ ضمير "أي" يقوم مقامها إذ لم يجز أن تزيل "أي" عن أول الكلام، فهذا إخبار على المعنى، فأما "أي" فلا يجوز أن تكون صلة. وإن٢ قلت: "أيهم كان أبوه منطلقًا" فأخبرت عن "أي" قلت: "أيهم الذي هو كان أبوه منطلقًا" قدمت "أيًّا" وهي الخبر، وتقديرها: "الذي هو كان أبوه منطلقًا أيهم" كأنك قلت: بعضهم ولكنك قدمت لأنه استفهام، وإن أخبرت عن "أبيه" لم يجز من أجل الضمير، وإن أخبرت عن "منطلق" قلت: "أيهم الذي هو كان أبوه إياه منطلق" وتقديرها: "الذي أيهم كان أبوه إياه منطلق" كأنك قلت: الذي بعضهم، فقدمت "أيا" لما ذكرت لك وجعلت "هو" يقوم مقامه؛ لأنك لو قلت: "زيد كان أبوه منطلقًا" ثم أخبرت عن "منطلق" لقلت: الذي زيد أبوه إياه منطلق" ويسهل عليك هذا الباب أن تضع أبدًا "بعضهم" موضع "أيهم" فتنظر ما يجب أن تفعله في "بعضهم" فتفعله في "أيهم" فإذا قلت: "أيهم زيد" فكأنك قلت: "أبعضهم زيد" فإن أردت أن تخبر عن "بعضهم" والألف معه لم يجز إلا أن تقدمه فتقول: "أبعضهم الذي هو زيد" والتقدير: "الذي هو زيد بعضهم" ثم قدمت "بعضهم" وأدخلت عليها ألف الاستفهام، وكذلك إذا أردت أن تخبر عن "زيد" في هذه المسألة، فإنك قلت: "أبعضهم زيد" فإذا احتجت إلى أن تخبر عن "زيد" احتجت إلى أن تضمره وتحتاج أن تضمر "بعضهم" فتقول: "أبعضهم الذي هو هو زيد" كأنك قلت: "الذي
_________________
(١) ١ في "ب" الأول. ٢ في "ب" فإن.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
بعضهم هو زيد" ولكنك قدمت للاستفهام١، "فبعض" يجوز فيها التقديم والتأخير وأن تقع صلةً وغير صلةٍ وخبرًا، وأيهم إذا كانت استفهامًا لا يجوز أن تكون إلا صدرًا كسائر حروف الاستفهام.
_________________
(١) ١ في "ب" الاستفهام.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
باب من الألف واللام يكون فيه المجاز:
تقول في قولك: "ضربنا الذي ضربني" إذا كنت وصاحبك ضربتما رجلًا ضربك، فأردت أن تجعل اسميكما١ الخبر قلت: "الضاربان الذي ضربني نحن"٢، وتصحيح المسألة: "الضاربان الذي ضرب أحدهما نحن" وإنما جاز أن تقول: "الذي ضربني" على المجاز وإنه في المعنى واحد، ألا ترى أنك لا تقول: "الضارب الذي ضربني أنا" إلا على المجاز، وتصحيح المسألة: "الضارب الذي ضربه أنا" لأن الضارب للغائب وإنما جاز الضارب الذي ضربني أنا، على قصد الإِبهام كأنه قال: "من ضرب الذي ضربك"، فأجبته بحسب سؤاله فقلت: "الضارب الذي ضربني أنا" كما تقول: "الضارب غلامي أنا" والأحسن: "الضارب غلامه أنا" لأن الذي هو غلامه قد تقدم ذكره، والأحسن٣ أن تضيفه إلى ضميره، فإن أردت أن تجعل اسم المضروب هو الخبر من قولك: "ضربنا الذي ضربني" قلت: "الضاربه نحن الذي ضربني" هذا المجاز، وتصحيح المسألة: الضاربه نحن الذي ضرب أحدنا.
_________________
(١) ١ في الأصل "اسماكما". ٢ ما بين القوسين، ساقط من "ب". ٣ في "ب" فالأحسن.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
باب مسائل [من] ١ الألف واللام:
تقول: هذا ثالث ثلاثة قلت: الذين هذا ثالثهم ثلاثة، فإن قيل لك في حادي أحد عشر وثالث ثلاثة عشر: أخبر عن أحد عشر وثلاثة عشر، لم يجز أن تقول: الذين هذا حاديهم أحد عشر، ولا الذين هذا ثالثهم ثلاثة عشر، كما قلت: الذين هذا ثالثهم ثلاثة؛ لأن أصل "حادي" أحد عشر وثالث ثلاثة عشر، حادي عشر أحد عشر، وثالث عشر ثلاثة عشر، هذا الأصل ولكن استثقلوا أن يجيئوا باسم قد جمع من اسمين ويوقعوه على اسم قد جمع من اسمين، فلما ذهب لفظ "أحد عشر" وقام مقامه ضمير رد حادي عشر إلى أصله. ومع هذا فلو جاز أن تضمر أحد عشر واثني عشر من قولك: حادي أحد عشر٢ وثاني اثني عشر ولا ترد ما حذف لوجب أن تقول: حاديهم وثانيهم وثالثهم ورابعهم فيلبس بثالثهم، وأنت تريد ثلث ثلاثة٣، ولو أردت إدخال الألف واللام فقلت: الحادي عشر هم أنا أو٤،
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ في سيبويه ٢/ ١٧٢: ومن قال: خامس خمسة، قال: خامس خمسة عشر، وحادي أحد عشر، وكان القياس أن يقول: حادي عشر أحد عشر؛ لأن حادي عشر وخامس عشر بمنزلة: خامس وسادس، ولكنه يعني: حادي ضم إلى عشر بمنزلة "حضرموت". وانظر الإنصاف/ ١٩٩. ٣ في "ب" بثالهم، ولا معنى لها. ٤ في "ب" والثاني.
[ ٢ / ٣٣١ ]
الثاني الثاني عشرهم أنا، لم يجز في شيء من هذا إلى العشرين؛ لأن هذا مضاف ولا يجري مجرى الفعل لأنه اشتقّ من شيئين، وكان حق هذا أن لا يجوز في القياس، ولولا أن العرب تكلمت به لمنعه القياس، وإنما ثاني اثني عشر في المعنى أحد اثني عشر وليس يراد به الفعل، وثالث ثلاثة إنما يراد به أحد ثلاثة. قال الأخفش: ألا ترى أن العرب لا تقول: هذا خامس خمسة عددًا ولا ثاني اثنين عددًا، وقد يجوز فيما دون العشرة أن تنون وتدخل الألف واللام؛ لأن ذلك بناء يكون في الأفعال وإن كانت العرب لا تتكلم به في هذا المعنى، قال: ولكنه في القياس جائز أن تقول: الثاني اثنين أنا، والثانيهما أنا اثنان، ليس بكلام حسن، وإذا قلت: هذا ثالث اثنين ورابع ثلاثة فهو بما يؤخذ من الفعل أشبه؛ لأنك تريد: هذا الذي جعل اثنين ثلاثة، والذي جعل ثلاثةً أربعةً، ومع ذلك فهو ضعيفٌ؛ لأنه ليس١ له فعل معلوم إنما هو مشتق من العدد، وليس بمشتق من مصدر معروف كما يشتق "ضارب"٢ من الضرب ومن ضرب، فإذا٣ قلت: هذا رابع ثلاثة تريد رابع ثلاثة، فأخبرت عن ثلاثة، قلت: الذين هذا رابعهم ثلاثةٌ، وبالألف واللام: الرابعهم هذا ثلاثة وإنما يجوز مثل ذا عندي في ضرورة؛ لأن هذه الأشياء التي اتسعت فيها العرب مجراها مجرى الأمثال، ولا ينبغي أن يتجاوز بها استعمالهم ولا تصرف تصرف ما شبهت به، فثالث ورابع، مشبه٤ بفاعل وليس به، وتقول: مررت بالضاربين أجمعون زيدًا، فتؤكد المضمرين في "الضاربين" لأن المعنى: "الذين ضربوا أجمعون زيدًا" ولو قلت: مررت بالضاربينَ أجمعين زيدًا، لم يجز لأن الصلة ما تمت، ولا يجوز أن تؤكد "الذين" قبل أن يتم بالصلة، ألا ترى أنك لو قلت: "مررت بالذين أجمعين في الدار" لم يجز لأنك
_________________
(١) ١ ليس، ساقط من "ب". ٢ انظر: المقتضب ٢/ ١٨٣. ٣ في "ب" إذا. ٤ في "ب" يشبه.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
وصفت الاسم قبل أن يتم. وتقول: "زيد الذي كان أبواه راغبين فيه" فزيد: مبتدأٌ و"الذي" خبره، ولا بد من أن يرجع إليه ضمير، أما الهاء في "أبويه"١ وأما الهاء في "فيه" لا بد من أن يرجع أحد الضميرين إلى "الذي" والآخر إلى "زيد" فكأنك قلت: "زيد الرجل الذي من٢ قصته كذا وكذا" فإن جعلت "الذي" صفة لزيد، احتجت إلى خبر فقلت: زيد الذي كان أبواه راغبين فيه منطلق، فكأنك٣ قلت: "زيد الظريف منطلق" فإن جعلت موضع زيد "الذي" فلا بد من صلة، ولا يجوز أن تكون "الذي" الثانية صفة؛ لأن "الذي" لا يوصف حتى يتم بصلته، فإذا قلت: الذي الذي كان أبواه راغبين فيه، فقد تم الذي الثاني بصلته والأول ما تم، فإذا٤ جئت بخبر تمت صلة الأولى "بالذي الثانية" وخبرها، فصار جميعه يقوم مقام قولك: زيد فقط واحتجت إلى خبر، فإن قلت: أخوك تم الكلام فقلت: الذي الذي كان أبواه راغبين فيه منطلق أخوك، كأنك قلت: "الذي أبوه منطلق أخوكَ" فإن جعلت موضع "منطلق" مبتدأ وخبرًا لأن كل مبتدأ يجوز٥ أن تجعل خبره مبتدأ وخبرًا، قلت: "الذي الذي كان أبواه راغبين فيه جاريته منطلقةٌ أخوك"٦. فكأنك قلت: "الذي أبوه جاريته منطلقة أخوك" فإن جعلت موضع "أخوك" مبتدأ وخبرًا قلت: الذي٧ الذي كان أبواه راغبين فيه جاريته منطلقة عمرو أخوه، فالذي الثانية صلتها: "كان أبواه راغبين فيه" وهي مع صلتها موضع مبتدأ وجاريته مبتدأ ومنطلقة خبر جاريته، وجاريته ومنطلقة جميعًا خبر الذي الثانية، والذي الثانية وصلتها وخبرها صلة
_________________
(١) ١ أبويه، ساقط من "ب". ٢ في "ب" في. ٣ في "ب" كأنك. ٤ في "ب" وإذا. ٥ في "ب" فيجوز. ٦ في "ب" أخواك. ٧ الذي، ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣٣٣ ]
للذي الأولى، فقد تمت الأولى بصلتها وهي مبتدأ، وعمرو مبتدأ ثانٍ، وأخوه خبر عمرو، وعمرو وأخوه جميعًا خبر الذي الأولى، فإن جعلت "من" موضع الذي فكذلك لا فرق بينهما، تقول: مَنْ مَنْ كان أبواه راغبين فيه جاريته منطلقة عمرو أخوه، فإن أدخلت "كان" على "من" الثانية قلت: "من كان من أبواه راغبين فيه جاريته منطلقة عمرو أخوه" لا فرق بينهما في اللفظ، إلا أن موضع جاريته منطلقة نصب، ألا ترى أنك لو جعلت خبر "من" الثانية اسمًا مفردًا كمنطلق لقلت: "من من كان أبواه راغبين فيه منطلقًا عمرو أخوه" فإن أدخلت على "من" الأولى "ليس" فاللفظ كما كان في هذه المسألة، إلا أن موضع قولك: "عمرو أخوه" نصب؛ لأن "من" بجميع صلتها اسم ليس وعمرو أخوه الخبر، فكأنك قلت: "ليس زيد عمرو أخوه". وقال الأخفش: "إذا قلت الضاربهما أنا رجلان" جاز ولا يجوز: الثانيهما أنا اثنانِ؛ لأنك إذا قلت: "الضاربهما" لم يعلم أرجلانِ١، أم امرأتان فقلت: رجلان أو امرأتان، وإذا قلت: الثانيهما أنا لم يكونا إلا اثنين، فكان٢ هذا الكلام فضلًا أن تقول: الثانيهما أنا اثنانِ، قال: ولو قالت٣ المرأة: الثانيتهما أنا اثنان، كان كاملًا لأنها قد تقول٤: الثانيتهما أنا اثنتان، إذا كانت هي وامرأة قال: فإن قلت: الضاربتهن أنا إماء اللهِ، والضاربهن أنا إماء الله، وقد علم إذا قلت: الضاربهن أنهن من المؤنث قلت: أجل، ولكن لا يدري لعلهن جوار أو بهائم وأشباه ذلك مما يجوز في هذا، ولو قالت المرأة: "الثالثتهن أنا ثلاث" كان رديئًا؛ لأنه قد علم إذا قالت: الثالثتهن أنه لا يكون إلا ثلاث، وكذلك إذا قالت: الرابعتهن أنا أربع، يكون رديئًا لأنه قد علم. فإذا٥ قلت: رأيت الذي قاما إليه، فهو غير جائز؛ لأن قولك:
_________________
(١) ١ الهمزة، ساقطة من "ب". ٢ في "ب" وكان. ٣ في "ب" قلت. ٤ لأنها قد تقول، ساقط من "ب". ٥ في "ب" وإذا.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
الذي قاما إليه ابتداء لا خبر له، وتصحيح المسألة: رأيت اللذين الذي قاما إليه أخوك، فترجع الألف في "قاما" إلى "اللذين" والهاء في "إليه" إلى "الذي" وأخوك خبر "الذي" فتمت صلة اللذين وصح الكلام، ولو قلت: "ظننت الذي التي تكرمه يضربها" لم يجز، وإن تمت الصلة لأن "التي" ابتداء ثانٍ، وتكرمه صلة لها، وتضربها خبر "التي" وجميع ذلك صلة "الذي" فقد تم الذي بصلته وهو مفعول أول "لظننت" وتحتاج "ظننت" إلى مفعولين، فهذا لا يجوز إلا أن تزيد في المسألة مفعولًا ثانيًا، فتقول: "ظننت الذي التي تكرمه يضربها أخاك" وما أشبه [ذلك] ١ وتقول: "ضرب اللذان القائمان إلى زيد أخواهما الذي المكرمهُ عبد الله" فاللذان ارتفعا "بضرب" والقائمان إلى "زيد" مبتدأ، وأخواهما خبرهما، وجميع ذلك صلة اللذين، فقد تمت صلة "اللذينِ" والذي مفعول، والمكرمة مبتدأ وعبد الله خبره، وجميع ذلك صلة "الذي" وقد تم بصلته، وإن جعلت "الذي" الفاعل نصبت "اللذينِ" وتقول: رأيت الراكبَ الشاتمهُ فرسكَ، والتقدير: رأيت الرجل الذي ركب الرجل الذي شتَمهُ فرسكَ٢، وتقول: "مررت بالدار الهادمها المصلح داره عبد الله" فقولك: "الهادمها" في معنى "التي٣ هدمها الرجل الذي أصلح دارَهُ عبدُ الله" وتقول: "رأيت الحاملَ المطعمَةُ طعامَك٤ غلامُكَ" [أردت: رأيت الرجل الذي حمل الذي أطعمه غلامك طعامك] ٥ وحق هذه المسائل إذا طالت أن تعتبرها بأن تقيم مقام "الذي" مع صلته اسمًا مفردًا وموضع "الذي" صفة مفردة لتتبين صحة المسألة، وتقدير هذه المسألة: رأيت الحاملَ الرجلَ الظريفَ، وتقول: "جاءني القائم إليه الشارب ماءهُ الساكن داره الضارب أخاه زيد" فالقائم إليه اسم واحد، وهذا كله في صلته، والشارب ارتفع
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ معناها: رأيت الرجل الذي شتمه الرجل الذي ركب فرسك. ٣ في "ب" الذي. ٤ في "ب" غلامك طعامك. ٥ ما بين القوسين، ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣٣٥ ]
بقائم والساكن ارتفع "بشارب" والضارب ارتفع "بساكن" وزيد "بضارب" وتقول: "الضارب الشاتم المكرم المعطيه درهمًا القائم في داره أخوك سوطًا أكرم الآكل طعامَهُ غلامَهُ" تريد: "أكرم الآكلُ طعامَهُ غلامَهُ الضاربُ الشاتم المكرم المعطيهُ درهمًا القائم في داره أخوك سوطًا"١ كأنك قلت: أكرم زيد الضارب الرجل سوطًا.
واعلم: أنه لك أن تبدل من كل موصول إذا تم بصلته، ولا يجوز أن تبدل من اسم موصول قبل تمامه بالصلة فتفقد ذا، فمن قولك "الضارب" إلى أن تفرغ من قولك سوطًا اسم واحد، فيجوز أن تبدل٢ من القائم بشرًا ومن المعطي بكرًا ومن المكرم عمرًا ومن الشاتم خالدًا، ثم لك أن تبدل من الضارب وما في صلته فتقول: "عبد الله" فتصير المسألة حينئذ: الضاربُ الشاتمُ المكرمُ المعطيهُ درهمًا القائم في داره أخوك سوطًا بشر بكرًا عمرًا خالدًا عبد الله أكرم الآكل طعامه غلامه٣، وإنما ساغ لك أن تبدل من القائم مع صلته؛ لأنك لو جعلت موضعه ما أبدلته منه ولم تذكره لصلح ولا يجوز أن تذكر البدل من "المعطيه" قبل البدل من "القائم" لأنك إذا٤ فعلت ذلك فرقت بين الصلة والموصول والبدل من "القائم" في صلة المعطي، والبدل من المعطي في صلة المكرم، فحق هذه المسألة وما أشبهها إذا أردت الإِبدال أن تبدأ بالموصول الأخير فتبدل منه ثم الذي يليه وهو قبله، فإذا استوفيت ذلك أبدلت من الموصول الأول؛ لأنه ليس لك أن تبدل منه قبل تمامه، ولا لك أن تقدم البدل من الضارب الذي هو الموصول الأول على اسم من المبدلات الباقيات؛ لأنها كلها في صلة الضارب، ولو فعلت ذلك كنت قد
_________________
(١) ١ في "ب" سوطان. ٢ فيجوز أن تبدل، ساقط من "ب". ٣ انظر: المقتضب ٤/ ٥٩، مثل هذا الذي ذكره ابن السراج تحت عنوان: مسائل يمتحن بها المتعلمون. ٤ في "ب" إذ لو.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
أبدلت منه قبل أن يتم. فإن أبدلت من الفاعل وهو "الآكل" فلك ذاك، فتقول: الضارب الشاتم المكرم المعطيه درهمًا القائم في داره أخوك سوطًا أكرم الآكل طعامَهُ غلامهُ جعفر، وتقول: الذي ضربني إياه ضربت، فالذي مبتدأ وخبره إياه ضربت، والهاء في "إياه" ترجع إلى الذي، وإنما جاء الضمير منفصلًا لأنك قدمته [وتقول: بالذي مررت بأخيه مررت، تريد: مررت بأخيه] ١ إذا قلت: "الذي كان أخاه زيد" إن أردت النسب، لم يجز لأن النسب لازم في كل الأوقات، وإن أردت من المؤاخاة والصداقة جاز أن تكون الهاء ضمير رجل مذكور، وتقول: الذي ضربت داره دارك فالذي مبتدأ وضربت صلته، وداره مبتدأ ثان، ودارك خبرها وهما جميعًا خبر "الذي" وتقول: "الذي ضربت زيد أخوك" فالذي مبتدأ و"ضربت" صلته وزيد الخبر وأخوك بدل من زيد، وتقول: الذي ضربت زيدًا شتمت تريد: "شتمت الذي ضربته زيدًا" فتجعل زيدًا بدلًا من الهاء المحذوفة٢، وتقول: "الذي إياه ظننت زيد" "الذي ظننته زيدًا" وتجعل إياه لشيء مذكور، ولا يجوز أن تقول: "الذي إياه ظننت زيد" إن جعلت "إياه" للذي؛ لأن الظن لا بد أن يتعدى إلى مفعولين ولا يجوز أن تعديه إلى واحد، فإن قلت: المفعول الثاني الهاء محذوفة٣ من "ظننت" فلا يجوز في هذا الموضع أن تحذف الهاء؛ لأنها ليست براجعة إلى الذي، وإنما هي راجعة إلى مذكور قبل الذي، وإنما تحذف الهاء من صلة "الذي" متى كانت ترجع إلى "الذي" وكذاك: "الذي أخاه ظننت زيد" وإن أضمرت هاء في "ظننت" ترجع إلى الذي جاز وإن جعلت الهاء في "أخيه" ترجع إلى "الذي" لم يجز أن تحذف الهاء من "ظننت" لأنها حينئذ لمذكور غير الذي، وإنما جاز حذف الهاء إذا كانت ضمير "الذي" لأنها [حينئذ] ٤ لا يتم الذي إلا بها فتحذف منه لطول الاسم كما
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ زيادة من "ب". ٣ في "ب" المحذوفة. ٤ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣٣٧ ]
حذفوا الياء من اشهيباب فقالوا: اشهباب لطول الاسم١. فأما إذا كانت الهاء ضميرًا لغير الذي فقد يجوز أن تخلو الصلة من ذلك ألبتة، فأفهم الفرق بين الضميرين وما يجوز أن يحذف منهما وما لا يجوز حذفه، وتقول: "الذي ضارب أخوك" تريد: الذي هو ضارب أخوك، فتحذف هو وإثباتها أحسن "فهو" مبتدأ وضارب خبره، وهما جميعًا صلة "الذي" وهو يرجع إلى "الذي". وتقول: الذي هو وعبد الله ضاربان لي أخواك؛ نسقت بعبد الله على "هو" فتقول في هذه المسألة على قول من حذف: "هو الذي وعبد الله ضاربان لي أخوك" عطفت "عبد الله" على "هو" المحذوف وهو عندي قبيح والفراء يجيزه٢، وإنما استقبحته لأن المحذوف ليس كالموجود وإن كنا ننويه، ويجب أن يكون بينهما فرق والعطف كالتثنية، فإذا جئت بواو وليس قبلها اسم مسموع يعطف عليه كنت بمنزلة من ثنى اسمًا واحدًا لا ثاني له، ألا ترى أن العرب قد استقبحت ما هو دون ذلك، وذلك قولك: "قمت وزيد" يستقبحونه حتى يقولوا: [قم] ٣ أنت وزيد، فَاذْهَبْ ٤ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ ٥؛ لأنه لو قال: "اذهب وربكَ" كان في السمع العطف على الفعل، وإن كان المعنى غير ذلك، وهو يجوز على قبحه وتقول: "الذي هو وعبد الله ضَرباني أخوكَ" فإن حذفت "هو" من هذه المسألة لم يجز، لا تقول: "الذي وعبد الله ضرباني أخوكَ" فتضمر "هو" لأن هو إنما تحذف إذا كان خبر المبتدأ اسمًا، ألا ترى أنكَ إذا قلت: "الذي هو ضربني زيد" لم يجز أن تحذف "هو" وأنت تريده فتقول: "الذي ضربني زيد" لأنَّ الذي قد وصلت بفعل وفاعل، والفاعلُ ضمير "الذي" ولا دليل في "ضربني" على أن هنا محذوفًا كما يكون في الأسماء، ألا ترى أنك إذا قلت: "الذي منطلقٌ زيد" فقد دلك ارتفاع
_________________
(١) ١ انظر المقتضب ٣/ ١٢٢. ٢ انظر معاني القرآن ١/ ١٣٢. ٣ زيادة من "ب". ٤ في الأصل "واذهب" والآية ﴿فَاذْهَبْ﴾ . ٥ المائدة: ٢٤، وانظر المقتضب ٣/ ٢١٠، والكتاب ١/ ٣٩٠.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
"منطلقٍ" على أن ثم محذوفًا قد ارتفع به، ولا يجوز حذف ما لا دليل عليه، فلما لم يجز هذا في الأصل لم يجز في قولك: "الذي١ وعبد الله ضرباني أخوكَ" وجاز في قولك: "الذي وعبد الله ضاربانِ لي أخوكَ" فهذا فرق ما بين المسألتين، ولا يجوز أيضًا: "الذي وعبد اللهِ خلفكَ زيد" تريد: "الذي هو"٢ فإن أظهرت "هو" جاز، والفراء يجيز: الذي نفسه محسن أخوكَ، تريد: الذي هو نفسهُ محسن أخوكَ، يؤكد المضمر وكذاك: "الذين أجمعون محسنون إخوتك"٣ تريد: "الذين هم أجمعونَ" فيؤكد المضمر، قال: ومحال: "الذي نفسهُ يقومُ زيد" وقام أيضًا، وكذلك في الصفة يعني الظرف، محال: الذي نفسه عندنا عبد اللهِ، فإن أبرزته فجيد٤ في هذا كله، ومن قال: "الذي ضربتُ عبد اللهِ" لم يقل: "الذي كان ضربتُ عبد الله" وفي "كان" ذكر الذي؛ لأن الضمير الراجع إلى الذي في "كان" فليس لك أن تحذفه من "ضربت"٥ لأن الهاء إذا جاءت بعد ضميرٍ يرجع إلى "الذي" لم تحذف وكانت بمنزلة ضمير الأجنبي، فإن جعلت في "كان" مجهولًا جاز أن تضمر الهاء؛ لأنه لا راجع إلى الذي غيرها وليس في هذه المسألة "ككان" تقول: "الذي ليس أضربُ عبد اللهِ" وفي "ليس" مجهول، فإن كان فيه ذكر "الذي" لم يجز٦، فإن ذهبت "بليس" مذهب ما جاز أن ترجع الهاء المضمرة إلى "الذي" فإذا قلت: "الذي ما ضربتُ عبد اللهِ" الهاء المضمرة ترجع إلى "الذي" فإن قلت: "الذي ما هو أكرمتُ زيد" في قول من جعل "هو" مجهولًا جاز؛ لأن الإِضمار يرجع إلى "الذي" وتقول: "الذي كنت أكرمتُ عبد الله" تريد: أكرمتهُ، وتقول: "الذي أكرمتُ ورجلًا صالحًا عبد الله"
_________________
(١) ١ في "ب" لم يجز الذي في قولك. ٢ هو ساقط في "ب". ٣ أجمعون محسنون إخوتك، ساقط من "ب". ٤ في "ب" وإن أردت هو. ٥ في "ب" ضربته. ٦ من لم يجز إلى ما يعادل صفحة، ساقط في "ب".
[ ٢ / ٣٣٩ ]
تريد: أكرمته، وعطفت على الهاء والأحسن عندي أن تظهر الهاء إذا عطفت عليها، وتقول: "الذي محسنًا ظننتُ أخوكَ" تريد: ظننتهُ، ومحسنًا مفعول ثان، فإذا قلت: "الذي محسنًا ظننتُ وعبد الله أخوك" قلت: محسنينِ؛ لأنك تريد: الذي ظننتهُ وعبد الله محسنينِ. وأجاز الفراء: "ما خلا أخاهُ سارَ الناسُ عبد اللهِ" تريد: الذي سارَ الناسُ ما خلا أخاهُ عبد الله، ويقول: الذي قيامًا ليقومن عبد الله، تريد: "الذي ليقومن قيامًا عبد الله" وكذلك: "الذي عبد الله ليضربن محمدٌ". ورد بعض أهل النحو "الذي ليقومن١ زيدٌ" فيما حكى الفراء، وقال: فاحتججنا عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ٢ وإذا قلت: "الذي ظنَّكَ زيدًا منطلقًا عبد الله" فهو خطأ؛ لأنه لم يعد على الذي ذكره، وإذا قلت: "الذي ظنكَ زيدًا إياهُ عبد الله" فهو خطأ أيضًا؛ لأنه لا خبر٣ للظن وهو مبتدأ، فإن قلت: "الذي ظنكَ زيدًا إياهُ صواب عبد الله" جاز لأن الذكر قد عاد على "الذي" وقد جاء الظن بخبر، ولا يجوز أن تقول: "الذي مررتُ زيدٌ" تريد: "مررت به زيدٌ" كما بينت فيما تقدم. ويجوز: "الذي مررت مَمر حسنٌ" لأن كل فعل يتعدى إلى مصدره بغير حرف جر و"الذي" هنا هي المصدر في المعنى ولك أن تقول: "الذي مررتهُ ممر حسنٌ" وقال الفراء: لا إضمار هنا لأنه مصدر، كأنك قلت: "ممركَ مَمر حَسنٌ" واحتج بقول الله ﷿: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ ٤ وقال: لا إضمار هنا لأنه في مذهب المصدر، وكذاك: ﴿مَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ٥ لم يعد على "ما" ذكر؛ لأنه في مذهب المصدر، قال أبو بكر: أما قوله في "ما" ففيها خلاف من النحويين، من يقول: إنها وما بعدها قد يكونان بمعنى المصدر٦،
_________________
(١) ١ انظر معاني القرآن ١/ ٢٧٦. ٢ النساء: ٧٢. ٣ في الأصل "لا خير" بالياء. ٤ الحجر: ٩٤، وانظر معاني القرآن ٢/ ٩٣. ٥ الليل: ٣. ٦ انظر: المقتضب ٣/ ١٩٧.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
ومنهم من يقول: إنها إذا وقعت بمعنى١ المصدر فهي أيضًا التي تقومُ مقامَ "الذي" ولا أعلم أحدًا من البصريين يجيز أن تكون "الذي" بغير صلة، ولا يجيز أحدٌ منهم أن تكون صلتها ليس فيها ذكرها إما مظهرًا وإما محذوفًا، ولا أعرف لمن ادعى ذلك في "الذي" حجة قاطعة، وقوله ﷿: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ قد بينت ذلك: أن الأفعال كلها ما يتعدى منها وما لا يتعدى فإنه٢ يتعدى إلى المصدر بغير حرف جر، وتقول: "ما تضربُ أخويك عاقلين" تجعل "ما" وتضرب في تأويل المصدر، كأنك قلت: "ضَرْبُكَ أَخويكَ إذا كانا عاقلين وإذْ كانا عاقلينِ" ولا يجوز أن تقدم "عاقلين" فتقول: "ما تضرب عاقلينِ أَخويكَ" ولا يجوز أيضًا: ما عاقلينِ تضربُ أَخويكَ، وإنما استحال ذلك٣ من قبل أن صلة "ما" لا يجوز أن تفصل بين بعضها وبعض، ولا بين "ما" وبينها بشيءٍ ليس من الصلة. وتقول: الذي تضربُ أَخوينا "قبيحينِ" تريد: "إذا كانا قبيحينِ" فإن قلت: قبيحٌ، رفعت فقلت: "الذي تضربُ أخوينا قبيحٌ".
واعلم: أن هذه الأسماء المبهمة التي توضحها صلاتها لا يحسن أن توصف بعد تمامها بصلاتها؛ لأنهم إذا أرادوا ذلك أدخلوا النعت في الصلة إلا "الذي" وحدها لأن "الذي" لها تصرف ليس هو لمنْ وما، ألا ترى أنك تقول: "رأيتُ الرجلَ الذي في الدار" ولا تقول: رأيتُ الرجلَ مَنْ في الدار، وأنت تريد الصفة وتقول: "رأيتُ الشيءَ الذي في الدار" ولا تقول: "رأيتُ الشيءَ ما في الدار" وأنت تريد الصفة، فالذي لما كان يوصف بها حَسُنَ أن توصف، و"مَنْ وما" لما لمْ يجز أن يوصف بهما لم يجز أن يوصفا، ويفرق بين الذي وبين "مَنْ" وما، أن الذي تصلح لكل موصوف مما يعقل ولا يعقلُ، وللواحد العلم وللجنس، وهي تقوم -في كل موضع- مقام الصفة و"مَنْ"
_________________
(١) ١ في "ب" على معنى. ٢ فإنه، ساقط في "ب". ٣ ذلك، ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣٤١ ]
مخصوصة بما يعقل١ ولا تقع موقع الصفة، و"ما" مخصوصة بغير ما يعقل٢ ولا يوصف بها. وقال الفراء: مَنْ نعت "مَنْ وما" على القياس لم نردد عليه ونخبره أنه ليس من كلام العرب، قال: وإنما جاز في القياس؛ لأنه إذا ادعى أنه معرفة لزمه أن ينعته، قال: وأما "ما ومن" فتؤكدان يقال: نظرتُ إلى ما عندكَ نفسه ومررت بمَن عندكَ نفسِه، قال أبو بكر: والتأكيد عندي جائزٌ كَما قال، وأما وصفهما فلا يجوز؛ لأن الصلة توضحهما وقد بينت الفرق بينهما وبين "الذي" وقد يؤكد ما لا يوصف نحو المكنيات، وأما "أنْ" إذا وصلتها فلا يجوز وصفها؛ لأنها حرف والقصد أن يوصف الشيء الموصول وإنما الصلة بمنزلة بعض حروف الاسم، وإنما تذكر "أن" إذا أردت أن تعلم المخاطب أن المصدر وقع من فاعله فيما مضى، أو فيما يأتي إذا كان المصدر لا دليل فيه على زمانٍ بعينه، فإذا احتجت إلى أن تصف المصدر تركته على لفظه ولم تقله إلى "أنْ" وتقول: "مَنْ أحمرُ أخوكَ" تريد: منْ هو أحمرُ أخوكَ، مَنْ حمراءُ جاريتُكَ، تريد: مَنْ هي حمراءُ جاريتُكَ، وليس لك أن تقول: "منْ أَحمر جاريتُكَ" فتذكر أحمر للفظ "مَنْ" لأن أحمر ليس بفعل تدخل التاء في تأنيثه ولا هو أيضًا باسم فاعل يجري مجرى الفعل في تذكيره وتأنيثه، لا يجوز أن تقول: "مَنْ أحمر جاريتُكَ"٣ ويجوز أن تقول: منْ محسنٌ جاريتُكَ؛ لأنك تقول: محسنٌ ومحسنةٌ، كما تقول: ضَربَ وضربتُ،
_________________
(١) ١ قال سيبويه ٢/ ٣٠٩: "من" هي للمسألة عن الأناسي ويكون بها الجزاء للأناسي وتكون بمنزلة الذي للأناسي. وانظر المقتضب ٢/ ٥٠ و٣/ ٦٣ و٤/ ٢١٧. ٢ في الكتاب ٢/ ٣٠٩ "ما" مثل "من" إلا أنها مبهمة تقع على كل شيء، أي لغير ذوي العقول. وانظر المقتضب ٢/ ٢٩٦. ٣ يذهب ابن السراج هنا إلى منع الجمع بين الجملتين، وذلك إذا كان هذا الجمع بين الجملتين من الصفات المفصول بين مذكرها ومؤنثها بالتاء. فإن كان من غيرها وكانت صفة المذكر والمؤنث ترجع إلى مادة واحدة وأدى الحمل إلى جعل صفة المذكر للمؤنث، وصفة المؤنث للمذكر لم يجزه الكسائي. وأجاز الفراء: من كانت حمراء جاريتك على معنى "من" كان حمراء جاريتك، الاسم على اللفظ والخبر على المعنى. انظر الارتشاف/ ١٤٠.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
فليس بين محسنٍ ومحسنةٍ في اللفظ والبناء إلا الهاء وأحمر وحمراء ليس كذلك للمذكر لفظ وبناء غير بناء المؤنث، وهذا مجاز والأصل غيره وهو في الفعل عربي حَسنٌ، تقول: منْ أحسَن جاريتُكَ ومن أحسنت جاريتكَ كلٌّ عربي فصيح ولست١ تحتاج أن تضمر "هو" ولا "هي" فإذا قلت: "محسنٌ جاريتُكَ" فكأنَّكَ قلت: "مَنْ هو محسنٌ جاريتُكَ، فأكدت تذكير "مَنْ" بهو، ثم يأتي بعد ذلك بمؤنث فهو قبيح إذا أظهرت "هو" وهو مع الحذف أحسن، وتقول: "ضربتُ الذي ضربني زيدًا" إذا جعلته بدلًا من "الذي" فإن جعلته بدلًا من اسم الفاعل وهو المضمر في "ضربني" رفعته فقلت: ضربتُ الذي ضربني زيدٌ؛ لأن في "ضربني" اسمًا مرفوعًا تبدل زيدًا منه، وتقول: "ضربتُ وجه الذي ضَربَ وجهي أخيكَ" لأن الأخ بدل من "الذي" فإن أبدلتهُ من اسم الفاعل المضمر في "ضربَ" رفعته، ولا يجوز أن تنصب "الأخ" على البدل من الوجه؛ لأن الأخَ غير الوجه. وتقول: ضربتُ وجوهَ اللذينِ ضربا وجهي أخويكَ إذا جعلت أخويكَ بدلًا من "اللذينِ" فإن جعلتهما بدلًا من الألف التي في "ضربا" رفعت، وإنما قلت: ضربتُ وجوهَ "اللذينِ" لأن كل شيئين من شيئين إذا جمعتهما جعلت لفظهما على الجماعة. قال الله جل ثناؤه٢: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣ وقال: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ٤ وتقول: "ضربَ وجهي الذين ضربتُ وجوههم إخوتُكَ" ترفع الإخوة إذا جعلتهم بدلًا من "الذين" فإن جعلتهم بدلًا من الهاء والميم اللتين في وجوههم جررت. وتقول: "مررت باللذينِ مَرا بي أخويكَ" إذا كانا بدلًا من "اللذينِ" فإن٥
_________________
(١) ١ في الأصل: وليست. ٢ في "ب" ﷿. ٣ المائدة: ٣٨، والآية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ . ٤ التحريم: ٤، وانظر معاني القرآن ١/ ٣٠٧. وإنما اختير الجمع على التثنية لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنان في الإنسان: اليدان، والرجلان، والعينان، فلما جرى أكثره على هذا ذهب الواحد منه إذا أضيف إلى اثنين مذهب التثنية. ٥ في "ب" وأن.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
كانا بدلًا من الألف في "مَرا" رفعت فقلت: "أخواكَ" لأن في "مَرا" اسمين مضمرين، ولو قلت: "ضربني اللذان ضربتُ الصالحانِ" وأكرمتُ، وأنت تريد أن تجعل: "وأكرمت" من الصلة لم يجز؛ لأنك قد فرقت بين بعض الصلة وبعض بما ليس منها، وتقول: المدخولُ به السجنَ زيدٌ؛ لأن السجن قام مقام الفاعل وشغلت الباء بالهاء، فالمدخولُ به [السجنَ] ١ ابتداء وزيد خبر الابتداء، وتقول: المدخل السجن زيد، على خبر الابتداء وأضمرت الاسم الذي يقوم مقامَ الفاعل في "المدخل" ويدلك على أن في "المدخل" إضمارًا أنك لو ثنيته لظهر، [فقلت] ٢ المدخلان، وأقمت السجن مقام المفعول به والتأويل الذي أدخل السجن زيد، وإن شئت قلت: "المدخلهُ السجنَ زيدٌ" كأنك قلت: "الذي أَدخلهُ السجن زيد" ولك أن تقول: "الذي أُدخلَ السجن إياهُ زيد" لأن "أدخل" في الأصل يتعدى إلى مفعولين، فإذا بنيته للمفعول قام أحد المفعولين مقام الفاعل واقتضى مفعولًا آخر، ولا بدّ من إظهار الهاء في "المدخله" وقد بينت هذا وضربه فيما تقدم. وتقول: "أُدخلَ المدخلُ السجنَ الدارَ"٣ لأن في "المدخل" ضمير الألف واللام وهو الذي قام مقام الفاعل، والسجن مفعول للفعل الذي في الصلة، والمدخلُ وصلته مرفوع٤ بأدخل، والدار منصوبة بأدخل لأنه مفعول له٥، كأنك قلت: أدخلَ زيد الدارَ، وتقول: "أُدخلَ المدخولُ به السجنُ الدارَ" قام المدخول به مقام الفاعل، ورفعت السجن لأنك شغلت الفعل به وشغلت الهاء بالباء، ومن قال: "دخلَ بزيدٍ السجنُ" قال: أُدخلَ المدخولُ به السجنُ الدار. وتقول: "دُخلَ بالمدخلِ السجنَ الدار" والتأويل: "دخلَ بالذي أدخلَ السجنَ الدارُ" فإن ثنيت قلت: "باللذينِ أُدخلا السجنُ الدارَ" وتقول:
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ في الأصل "تقول" والتصحيح من "ب". ٣ انظر: المقتضب ٤/ ٥٨. ٤ في "ب" مرفوعًا، وهو خطأ. ٥ "له" ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣٤٤ ]
"جاريةُ منْ تضربْ نضربْ" تنصبهما بالفعل الثاني إذا جعلت "مَنْ" بمعنى "الذي" كأنك قلت: "جارية الذي تضربه تضربُ" فإن جعلت "من" للجزاء قلت: "جاريةُ مَنْ تضربْ نضربْ" تجزم الفعلين، وتنصب الجارية بالفعل الأول؛ لأن الثاني جواب فإن جعلت "من" استفهامًا قلت: "جاريةُ من تضربْ" جزمت "أضرب" لأنه جواب، كما تقول: "أتضربُ زيدًا أضربْ" أي: إنْ تفعل ذاك أفعل، وتقول: جارية من تضربها نضربْ، ترفع الجارية بالابتداء وشغلت الفعل بالهاء و"من" وحدها اسم؛ لأنه استفهام والكلام مستغن في الاستفهام والجزاء لا يحتاج "من" فيهما إلى صلة، فإن جئت بالجواب بعد ذلك جزمت على الجزاء، وإن أدخلت في الجواب الفاء نصبت، وتقول: على منْ أنتَ نازل؟ إذا كنت مستفهمًا توصل نازلًا "بعلى" إلى "من" فإن جعلت "من" بمعنى الذي في هذه المسألة لم يكن كلامًا؛ لأن الذي تحتاج إلى أن يوصل بكلام تام يكون فيه ما يرجع إليها، فإن١ كانت مبتدأ احتاجت إلى خبر، وإن لم تكن كذلك فلا بدّ من عامل يعمل فيها، فلو قلت: على من أنت نازلٌ عليه، لم يجز لأنك لم توصل بعلى إلى "من" شيئًا، فإن قلت: "نزلتُ على من أنتَ عليه٢ نازلٌ" جاز، وتقول: أبا مَنْ تكنى؟ وأبا من أنتَ مكنى؟ "فمنْ" في هذا استفهام، ولا يجوز أن تكون فيه بمعنى "الذي" أضمرت٣ الاسم الذي يقوم مقام الفاعل في مكنى، وتكنى ونصبت أبا منْ؛ لأنه مفعول به متقدم، وإنما نصبته "بتكنى" وهو لا يجوز أن يستقدم عليه؛ لأنه استفهام، فالاستفهام صدر أبدًا مبتدأ كان أو مبنيًّا على فعل والفعل الذي بعده يعمل فيه إذا كان مفعولًا، ولا يجوز تقديم الفعل على الاستفهام، وكلما أضفته إلى الأسماء التي يستفهم بها فحكمها حكم الاستفهام، لا تكون إلا صدرًا، ولا يجوز أن يقدم على حرف الاستفهام
_________________
(١) ١ في "ب" وإن. ٢ في "ب" نازل عليه. ٣ أضمرت، ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣٤٥ ]
شيء مما يستفهم عنه من الكلام، وتقول: أبو مَنْ أنتَ مكنى به؟ رفعت الأول لأنك شغلت الفعل بقولك: "به" كأنك قلت: أأبو زيد أنتَ مكنى به١، ولو قلت: بأبي من تكنى به، كان خطأ لأنك إنما توصل الفعل بياء واحدة، ألا ترى أنك تقول: "بعبد الله مررتُ" ولا يجوز: "بعبد الله مررتُ به" ولو جعلت "من" في هذه المسألة بمعنى "الذي" لم يجز حتى تزيد فيها فتقول: "أبو منْ أنت مكنى به زيد؟ " ألا ترى أنك تقول: من قام؟ فيكون كلامًا تاما في الاستفهام، فإن جعلت "من" بمعنى "الذي" صار "قام" صلة واحتاجت إلى الخبر، فلا بدّ أن تقول: "من قام زيد" وما أشبهه وتقول: "إنَّ بالذي به جراحات أخيكَ زيد عيبين" فقولك: "عيبين" اسم "إنَّ" وجعلت الهاء٢ بدلًا من الذي ثم جعلت زيدًا بدلًا من الأخ، وتقول: إن الذي به جراحات كثيرة أخاك زيدا به عيبان، تجعل الأخ بدلًا من "الذي" وزيدًا بدلًا من الأخ، وبه عيبين خبر إنّ. وتقول: "إنّ الذي في الدار جالسًا زيدٌ" تريد: إنّ الذي هو في الدار جالسًا زيد، وإن شئت لم تضمر وأعملت الاستقرار في الحال، ألا ترى أن "الذي" يتم بالظرف كما يتم بالجمل، وإن شئت قلت: "إنّ الذي في الدار جالس زيد" تريد: "الذي هو في الدار جالس" فتجعل جالسًا خبر هو، وتقول: "إنّ الذي فيكَ راغب زيد" لا يكون في "راغب" إلا الرفع لأنه لا يجوز أن تقول: "إن الذي فيك زيدٌ" وتقول: "إن اللذين بك كفيلان أخويك زيد وعمرو" تريد: "إنّ" أخويك٣ اللذين هما بك كفيلان زيد وعمرو، فزيد وعمرو خبر "إنّ" ولا يجوز أن تنصب كفيلين؛ لأن بك لا تتم بها صلة "الذي" في هذا المعنى، وقال الأخفش: تقول: "إنّ الذي به كفيل أخواك زيد" لأنها صفة مقدمة، قال: وإن شئت قلت: "كفيلًا" في قول من قال: أكلوني البراغيثُ٤. قال أبو بكر: معنى قوله: صفة مقدمة
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ١٢١. ٢ في "ب" ساقط ما يعادل ثلاثة أسطر. ٣ أخويك، ساقط في "ب". ٤ أي: من يجعل الواو في "أكلوني" علامة للجمع وليست فاعلًا.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
يعني أن كفيلا صفة وحقها التأخير، فإذا قدمت أعملت عمل الفعل، ولكن لا يحسن أن تعمل إلا وهي معتمدة على شيءٍ قبلها وقد بينا هذا في مواضع، ومعنى قوله: في قول من قال: "أكلوني البراغيث" أي: تثنيه على لغتهم وتجريه مجرى الفعل الذي يثنى قبل مذكور ويجمع ليدل على أن فاعله اثنان أو جماعة كالتاء التي تفصل فعل المذكر من فعل المؤنث نحو: قامَ وقامتْ، وقد مضى تفسير هذا أيضًا. وتقول: "إن اللذين في دارهما جالسين أخواك أبوانا" تريد: أن اللذين أخواكَ في دارهما جالسين، تنصب "جالسين" على الحال من الظرف. وإن رفعت "جالسين" [فقلت: إن اللذين في دارهما جالسان أخواك أبوانا، تريد أن اللذين أخواك في دارهما جالسينِ، رفعت وجعلتهما خبر الأخوينِ] ١ وتقول: منهن منْ كان أختُكَ، وكانت أُختكَ؛ فمن ذكر فللفظ ومن أنث فللتأويل، وكذلك: منهن من كانتا أُختيكَ، ومنهن من كان أخواتك، وكنَّ أخواتكَ، ومن يختصمان أخواك، وإن شئت: من يختصمُ أخواكَ توحد اللفظ، وكذاك: من يختصمُ إخوتُكَ ويختصمون، وتقول: منْ ذاهب، وعبد الله محمد، نسقت بعبد الله على ما في "ذاهب" والأجود أن تقول: "من هو وعبد الله ذاهبان محمد" فإذا قلت: "من ذاهب وعبد الله محمد" فالتقدير من٢ هو ذاهب هو وعبد الله محمد "فهو الأول" مبتدأ محذوف. وتقول: "من يحسن إخوتك" ولك أن تقول: "من يحسنون إخوتُكَ" مرة على اللفظ ومرة على المعنى. وتقول: "من يحسنُ ويسيءُ إخوتُكَ، ومن يحسنون ويسيئونَ إخوتك، وقبيح أن تقول: "من يحسنُ ويسيئونَ إخوتُكَ لخلطك المعنى باللفظ في حالٍ واحدة، وتقول: "الذي ضربتُ عبد الله فيها" تجعل عبد الله بدلًا من "الذي" بتمامها، فإن أدخلت "إن" قلت: "إن الذي ضربتُ عبد الله فيها" نصبت عبد الله على البدل، فإن٣ قلت: "الذي فيك
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ "من" ساقط في "ب". ٣ في "ب" فإذا.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
عبد الله راغب" لم يجز لأن "راغبًا" مع "فيك" تمام الذي، فلا يجوز أن يفرق بينهما، وتقول: "الذي هو هو مثلُكَ" الأول كناية عن الذي، والثاني كناية عن اسم قد ذكر وكان تقديم ضمير الذي أولى من تقديم١ ضمير الأجنبي ومن قال: "الذي منطلق أخوك" وهو يريد: "الذي هو منطلق أخوك" جاز أن تقول: "الذي هو مثلك" يريد: "الذي هو هو مثلُكَ" فتحذف "هو" التي هي ضمير الذي، وتتركُ "هو" التي هي ضمير مذكور، وقد تقدم لأنها موضع "منطلق" من قولك: الذي منطلق مثلك. وتقول: "مررتُ بالذي هو مسرع، ومسرعًا" فمن رفع "مسرعًا" جعل هو مكنيا من "الذي" ومن نصب فعلَى إضمار "هو" أخرى، كأنه قال: الذي هو هو مسرعًا؛ لأن النصب لا يجوز إلا بعد تمام الكلام. وتقول: "مررت بالذي أنت محسنًا" تريد: الذي هو أنت محسنًا، ولا يجوز رفع "محسن" في هذه المسألة، وتقول: من عندك أضرب نفسهُ، تنصب "نفسه" لأنه تأكيد "لمنْ" فموضع٢ "من" نصب "بأضربُ" فإن جعلت نفسه تأكيدًا للمضمر في "عند" رفعت وقدمته قبل "أضربُ" ولم يجز تأخيره؛ لأن وصف ما في الصلة وتأكيده في الصلة، فتقول: إذا أردت ذلك من عندك نفسه أضرب، وتقول: "من من أضربُ أنفسهم عبد الله" تؤكد "من" فتجر، وإن شئت نصبت أنفسهم تتبعه المضمر، كأنك قلت: من٣ من أضربُهم أنفسَهم، وأجاز الفراء: "من٤ من أضربُ أنفسهُ" يجعل الهاء "لمْن" ويوحد للفظ "من" وقال: حكى الكسائي عن العرب: ليت هذا الجراد قد ذهب فأراحنا من أنفسهِ٥، الهاء للفظ الجراد، وقال: تقول: "من من داره تبنى زيد؟ " تريد: "مِنَ الذينَ دورهم تبنى زيد؟ " قال: ولا يجوز أن تقول: "مِنْ مَنْ رأسهُ يخضبُ بالحناء زيد" حتى تقول:
_________________
(١) ١ تقديم، ساقط في "ب". ٢ في "ب" وموضع. ٣ من، ساقط من "ب". ٤ من، ساقط من "ب". ٥ في "ب" نفسه.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
"مِنْ مَنْ أَرؤسهُ مخضوباتٌ" فرق بين رأس ودار؛ لأن الدار قد تكون لجماعة والرأس لا يكون لجماعة، قال: ويجوز: "مِنْ مَنْ رأسهُ يخضبُ بالحناء زيد" فيمن أجاز: ضربت رأسكم وتقول: "مِنَ المضروبين أحدُهم محسنٌ زيدٌ" تريد: "مِنَ المضروبين وأحدهم محسن زيد" والأحسن أن تجيء بالواو إلا أن لك أن تحذفها إذا كان في الكلام ما يرجع إلى الأول، فإن لم يكن لم يجز حذف الواو، فإن قلت: "من المظنونين أحدُهم محسن زيد" جاز بغير إضمار واو لأن قولك: "أحدُهم محسنٌ" مفعول للظن، كما تقول: "ظننت القوم أحدهم محسن" فأحدهم محسن مبتدأ وخبر١ في موضع مفعول ثانٍ للظن، فإذا رددته إلى ما لم يُسم فاعله قلت: "ظُنَّ القومُ أحدُهم محسنٌ" وتقول: "مررت بالتي بنى عبد الله" تريد: "الدار التي بناها عبد الله" وتقول: "الذي بالجارية كفل أبوهُ أبوها" ولا يجوز: "الذي بالجارية كفل أبوهُ" ولو جازَ هذا لجاز: زيد أبوهُ، وهذا لا يجوز إذا لم يكن مذكور غير زيد؛ لأنه لا٢ يجب منه أن يكون زيد أبا نفسِه، وهذا محال إلا أن تريد التشبيه، أي: زيد كأبيهِ، وتقول: "مررت بالذي كَفلَ بالغلامين أبيهما" تجعل "الأبَ" بدلًا من الذي "وهما في أبيهما ضمير الغلامين" وكذاك: "إنَّ الذي كفلَ بالغلامين أبوهما" فأبوهما خبر إن "وهما" من أبيهما يرجع إلى الغلامين، وتقول: "مررت بالذي أكرمني وألطفني عبد الله" نسقت "ألطفني" على "أكرمني" وهما جميعًا في صلة الذي، وعبد الله بدل من الذي، فإن عطفت "ألطفني" على مررت رفعت عبد الله، فقلت: "مررت بالذي أكرمني وألطفني عبد الله" فأخرجت "ألطفني عبد الله" من الصلة، كأنك قلت: "مررت بزيد وألطفني عبد الله" وتقول: "الذي مررت وأكرمني عبد الله" رجع إلى الذي ما في "أكرمني" فصح الكلام، ولا تبال أن لا تعدى "مررت" إلى شيءٍ، هو نظير قولك: الذي قعدتُ وقمتُ إليه زيدٌ. فإن قلت: "الذي أكرمني ومررتُ عبد الله" جاز
_________________
(١) ١ "وخبر" ساقط في "ب". ٢ "لا" ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣٤٩ ]
أيضًا؛ لأن الكلام لا خلل فيه كما تقول: "أكرمني زيد ومررتُ" لا تريد: أنك مررت بشيءٍ وإنما تريد: مضيتَ. وقال قوم: "الذي أكرمني ومررت عبد الله" محال، لا بدّ من إظهار الباء وهو قولك: "الذي أكرمني ومررت به عبد الله" وهذا إنما لا يجوز إذا أراد أن يعدي "مررت" إلى ضمير الذي، فإن لم ترد ذلك فهو جائز وهم مجيزون: "الذي مررت وأكرمني عبد الله" على معنى الإِضمار، وإذا قلت: "الذي أكرمتُ وظننتُ محسنًا زيد" جاز تريد: "ظننتهُ" لا بدّ من إضمار الهاء في "ظننتُ" لأن الظن لا يتعدى إلى مفعول واحد، وأما أكرمتُ فيجوز أن تضمرها معها ويجوز أن لا تضمر، كما فعلت في "مررت". وتقول: "مررت بالذي ضربتُ ظننتُ عبد الله" تلغي الظن، فإن قدمت "ظننت" على "ضربتُ" قبح؛ لأن الإِلغاء كلما تأخر كان أحسن وتقول: "الذي ضربتُ ضربتُ عبد الله" والتأويل: "الذي ضربتهُ أمس ضربُ اليوم" "فالذي" منصوب "بضربتُ" الثاني وعبد الله بدل من "الذي". وتقول: "للذي ظننتهُ عبد الله درهمان" تريد: للذي ظننته عبد الله درهمان، فإذا قلت: للذي ظننت ثم عبد الله درهمان، صار "ثم" المفعول الثاني للظن والمفعول الأول الهاء المحذوفة من "ظننت" وجررت عبد الله مبدلًا له من الذي، وتقول: تكلم الذي يكلم أخاكَ مرتين، إن نصبت أخاك "بيكلم" الفعل الذي في الصلة فتكون مرتين إن شئت في الصلة، وإن شئت كان منصوبًا بتكلم بالفعل الناصب "للذي" فإن جعلت أخاك بدلًا من "الذي" لم يجز أن يكون "مرتين" منصوبًا بالفعل الذي في الصلة؛ لأنك تفرق بين بعض الصلة وبعض بما ليس منها. وتقول: الذين كلمت عامةً إخوتك تريد: "الذين كلمتهم عامة إخوتُكَ" والذين كلمتُ جميعًا١ أخوتكَ، مثله تنصب "عامة" [وجميعًا] ٢ نصب الحال، فإن قلت: الذين "عامة" كلمتُ إخوتُكَ، قبحَ عندي لأنه في المعنى ينوب عن التأكيد، والمؤكِّدُ لا يكون قبل المؤكَّدِ، كما
_________________
(١) ١ بعد جميعًا، ساقط من "ب" مقدار صفحة واحدة على الأقل. ٢ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣٥٠ ]
أن الصفة لا تكون قبل الموصوف، وتقول: "الذي عَن الذي عنكَ معرضٌ زيدٌ" تريد: الذي هو معرض عن الذي هو عنك معرض زيد، كأنك قلت: "الذي معرض عن الرجل زيدٌ" وهذا شيءٌ يقيسه النحويون ويستبعده بعضهم لوقوع صلة الأول وصلة الثاني في موضع واحد، وتقول: "أعجبني ما تصنع حسنًا" تريد: "ما تصنعهُ حَسنًا" وكذلك: "أعجبني ما تضربُ أخاكَ" تريد: "ما تضربهُ أخاكَ" فما وصلتُها في معنى مصدر وكذلك: "أعجبني الذي تضربُ أخاكَ" تريد: الذي تضربهُ أخاكَ و"ما" أكثر في هذا من "الذي" إذا جاءت بمعنى المصدر.
واعلم: أنك إذا قلت: "الذي قائم زيد" فرفعت قائمًا وأضمرت "هو" لم يجز أن تنسق على١ هو ولا تؤكده، لا تقول: "الذي نفسه قائمٌ زيدٌ" ولا الذي وعمرو قائمان زيد، وقوم يقولون إذا قلت: "الذي قمتُ فضربتهُ زيد": إن كان القيام لغوًا فالصلة "الضربُ"، وإن كان غير لغوٍ فهو الصلة، ولا يجيزون أن يكون لغوًا إلا مع الفاء، ولا يجيزونَهُ مع جميع حروف النسق، فإن زدت في الفعل جحدًا أو٢ شيئًا فسد، نحو قولك: "الذي لَم يقمْ فضربته زيد" وإلغاء القيام لا يعرفه البصريون، وإنما من الأفعال التي تلغى الأفعال التي تدخل على المبتدأ وخبره نحو: "كانَ وظننتُ" لأن الكلام بتم دونها و"قامَ" ليس من هذه الأفعال، وهؤلاء الذين أجازوا إلغاء "القيام" إنما أن يكونوا سمعوا كلمة شذت فقاسوا عليها كما حكى سيبويه: ما جاءت حاجتك٣، أي: صارت على جهة الشذوذ، فالشاذ محكي ويخبر بما قصد فيه ولا يقاس عليه، وأما أن يكونوا تأولوا أنه لغو وليس بلغوٍ لشبهة دخلت
_________________
(١) ١ على، ساقط من "ب". ٢ جحدًا، ساقط من "ب". ٣ انظر الكتاب ١/ ٢٥. قال سيبويه: ومن العرب من يقول: ما جاءت حاجتك كثير كما تقول: من كانت أمك، ولم يقولوا: ما جاء حاجتك، كما قالوا: من كان أمك؛ لأنه بمنزلة المثل فألزموه التاء.
[ ٢ / ٣٥١ ]
عليهم، وقال من يجيز اللغو: إذا قلت: "الذي قامَ قيامًا فضربتهُ زيد" خطأٌ إذا أردت اللغو، وكذاك: الذي قمتُ قيامًا فضربتهُ وهؤلاء يجيزون: "الذي ضاربٌ أنتَ زيد" يريدون: "الذي ضاربهُ أنتَ زيدٌ" فإذا حذفوا نونوا، ومثل ذا يجوز عندي في شعر على أن ترفع أنت بضاربٍ وتقيمه مقامَ الفعل، كما تقول: "زيد ضاربهُ أنتَ" تريدُ: "ضارب أنت إيَّاهُ" إذا أقمنا "ضاربٌ" مقام الفعل حذفنا معه، كما تحذف مع الفعل ضرورة، ولا يحسن عندي في غير ضرورة؛ لأنه ليس بفعل وإنما هو مشبه بالفعل، وما شبه بالشيء فلا يصرف تصريفه ولا يقوى قوته، وإنما هذا شيءٌ قاسوهُ ولا أعرف له أصلًا في كلام العرب، وهؤلاء لا يجيزون: "الذي يقوم كان زيدٌ" على أن تجعل "يقومُ" خبر كان، تريد: "الذي كانَ يقومُ زيدٌ" والقياس يوجبه؛ لأنه في موضع "قائم" وهو يقبح عندي من أجل أن "كان" إنما تدخل على مبتدأ وخبر، فإذا كان خبر المبتدأ قبل دخولها لا يجوز أن يقدم على المبتدأ، فكذا ينبغي أن تفعل إذا دخلت "كانَ" وأنت إذا قلت: "زيدٌ يقوم" فليس لك أن تقدم "يقومُ" على أنه خبر زيدٍ، وإذا قلت: "الذي كانَ أضربُ زيدٌ" كان خطأ؛ لأن الهاء المضمرة تعود على ما في "كان" ولا تعود على الذي، وإنما يحذف الضمير إذا عاد على "الذي" فإن قلت: "الذي كنتُ أضرب زيد" جاز لأن الهاء "للذي" وتقول: "الذي ضربتُ فأوجعتُ زيد" تريد: "الذي ضربته فأوجعتهُ" إذا كان الفعلان متفقين في التعدي وفي الحرف الذي يتعديان به، جاز أن تضمر في الثاني. وكذلك: "الذي أحسنتُ إليه وأسأتُ زيدٌ" أحسنت تعدت "بإليهِ" وأسأتُ مثلها، وإذا اختلف الفعلان لم يجز لو قلت: "الذي ذهبتُ إليه١ وكفلتُ زيد" تريد: بهِ لم يجز؛ لأن "به" خلاف "إليه" وحكوا: مررتُ بالذي مررتُ وكفلتُ بالذي كفلتُ، فاجتزوا بالأول، فإذا اختلف كان خطأ لو قالوا: "كفلتُ بالذي ذهبتُ" لم يجز حتى تقول: إليه. وقالوا: "أمرُّ بِمَنْ تمرُّ وأرغب فيمن ترغبُ" قالوا: وهو في "مَنْ" أجود لأَن تأويل الكلام عندهم
_________________
(١) ١ "إليه" ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣٥٢ ]
جزاءٌ، ومن قولهم: "إنْ هذا والرجلُ" وكل ما دخلته الألف واللام وكل نكرةٍ وكل ما كان من جنس هذا وذاك يوصل كما توصل "الذي" فما كان منه معرفة ووقع في صلته نكرة نصبت النكرة على الحال وهي في الصلة، وإذا كان نكرة تبع النكرة وهو في الصلة، وإذا كان في الصلة معرفة جئت "بهو" لا غير فتقول في هذا والرجل قام: "هذا ظريفًا" فظريف حال من "هذا" وهو في صلة "هذا" وضربت هذا قائمًا١، وقام الرجل ظريفًا، وظريف في صلة الرجل، وضربتُ الرجلَ يقومُ وقامَ، وعندك يجري على ما جرى عليه "الذي" لا فرق بينهما عندهم إلا في نصب النكرة، فتقول٢ في النكرة: ضربتُ رجلًا قامَ ويقومُ وقائمًا، وضربتُ رجلًا ضربتُ، وضربت في صلة "رجلٍ" وثم هاء تعود على "رجل" ويقولون إذا قلت: "أنتَ الذي تقومُ وأنت رجلٌ تقومُ وأنتَ الرجلُ تقوم" فإن هذا كله يلغى؛ لأن الاعتماد على الفعل فإن جعلوا الفعل للرجل قالوا: "أنت الرجلُ يقوم" وقالوا إذا قلت: "أنت من يقومُ": لم يجز إلا بالياء؛ لأن "مَنْ" لا تلغى وقالوا: [قلت] ٣: "أنت رجلٌ تأكلُ طعامَنا" وقدمت الطعام حيث شئت فقلت: "أنت طعامنا رجلٌ تأكلُ" أجازوه في٤ "رجل" وفي كل نكرة، وهذا لا يجوز عندنا لأن إلغاء "رجلٍ" والرجل والذي غير معروف [عندهم] ٥ وهؤلاء يقولون إذا قلت: "أنت الرجل تأكلُ طعامَنا" أو آكلًا طعامَنا: لم يجز أن تقول: "أنت طعامَنا الرجل آكلًا" لأنه حال وصلة الحال والقطع عندهم لا يحال بينهما، وقالوا: إذا قلت: "أنت فينا الذي ترغبُ" كان خطأ؛ لأن "الذي" لا يقوم بنفسه ورجل قد يقوم بلا صلة، قالوا: فإن جعلت "الذي" مصدرًا جاز، فقلت: "أنت
_________________
(١) ١ قائمًا منصوب على الحال. ٢ في "ب" وتقول. ٣ زيادة من "ب". ٤ في "ب" من. ٥ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣٥٣ ]
فينا الذي ترغب" ووحدت "الذي" في التثنية والجمع، قال الله ﷿: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ ١ يريد: كخوضهم، ويقولون على هذا القياس: "أنت فينا الذي ترغبُ" وأنتما فينا الذي ترغبان، وأنتم فينا الذي ترغبونَ، وكذاك المؤنث: "أنتِ فينا الذي ترغبينَ" تريد: "أنتِ فينا رغبتُك" ولا تثنى "الذي" ولا تجمع٢ ولا تؤنث، وكذاك: "الذي تضربُ زيدًا قائمًا، وما تضربُ زيدًا قائمًا" تريد: "ضربكَ زيدًا قائمًا" قالوا: ولا يجوز هذا في "إنْ" لأن "إنْ" أصله الجزاء٣ عندهم، وإذا٤ قدمت رجلًا والرجل، والذي وهو ملغى كان خطأ في قول الفراء قال: إنه لا يلغى متقدمًا، وقال الكسائي: تقديمه وتأخيره واحد. وإذا قلت: "أين الرجلُ الذي قلتَ؟ وأينَ الرجلُ الذي زعمتَ؟ " فإن العرب تكتفي "بقلتُ وزعمتُ" من جملة الكلام الذي بعده؛ لأنه حكاية، تريد: الذي قلتَ: إنه من أمره كذا وكذا وقد كنت عرفتك أن العرب لا تجمع بين الذي، والذي٥ ولا ما كان في معنى ذلك شيءٌ قاسهُ النحويون ليتدرب به المتعلمون، وكذا يقول البغداديون الذين على مذهب الكوفيين يقولون: إنه ليس من كلام العرب، ويذكرون أنه إن اختلف جاز، وينشدون:
مِنَ النَّفَرِ اللاَّئِي الَّذِينَ إذَا هُمُ يَهَابُ اللِّئَامُ حَلْقَةَ البَابِ قَعْقَعُوا٦
_________________
(١) ١ التوبة: ٦٩. ٢ "تجمع" ساقط من "ب". ٣ قال سيبويه ١/ ٤٣٤: وزعم الخليل أن "إن" هي أم حروف الجزاء. ٤ في "ب" فإذا. ٥ انظر: المقتضب ٣/ ١٣٠، وشرح الرضي ٢/ ٤٣. ٦ اختلف في رواية هذا الشاهد، فرواه صاحب الموشح: من النفر البيض الذين إذا اعتزوا وهاب اللئام ورواه القالي: من النفر البيض الذين إذا انتموا وهاب اللئام ورواه الجاحظ: من النفر البيض الذين إذا انتموا وهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا وكذلك روى: من النفر الشم والنفر: اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة، ما بين الثلاثة إلى العشرة ولا واحد له من لفظه. وإنما أطلقه الشاعر هنا على الكرام إشارة إلى أنهم ذوو عدد قليل. واللئام جمع لئيم، وهو الشحيح والدنيء النفس والمهيمن، واللؤم: ضد الكرم، وحلقة بفتح اللام جمع: حالق، وحلقة القوم وهم الذين يجتمعون مستديرين، وقعقعوا بمعنى: ضربوا الحلقة على الباب ليصوت. ونسب البغدادي هذا الشاهد إلى الربيس بن عباد بن عباس بن عوف. وانظر: الحيوان للجاحظ ٣/ ٤٨٦، والموشح للمرزباني ٢٤٥، والكامل للمبرد ١٠٣، وشرح الكافية ٢/ ٥٠، والخزانة ٢/ ٥٣٠.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
قالوا: فهذا جاء على إلغاء أحدهما، وهذا البيت قد رواه الرواة فلم يجمعوا بين "اللائي والذينَ" ويقولون: "على هذا مررتُ بالذي ذو قال ذاك" على الإِلغاء، فقال أبو بكر: وهذا عندي أقبحُ؛ لأن الذي يجعل "ذو" في معنى "الذي" من العرب طيءٌ١، فكيف يجمع بين اللغتين ولا يجيزون: "الذي منْ قامَ زيدٌ" على اللغو؟ ويحتجون بأنَّ "منْ" تكون معرفة ونكرة، مررتُ بالذي القائم "أبوهُ" على أن تجعل الألف واللام للذي٢، وما عاد من الأب على الألف واللام، ويخفض [القائم] ٣ يتبع "الذي" وهذا لا يجوز عندنا؛ لأن "الذي" لا بدّ لها من صلة توضحها، ومتى حذفت الصلة في كلامهم فإنما ذاك لأنه قد علم، وإذا حذفت الصلة وهي التي توضحه ولا معنى له إلا بها، كان حذف الصفة أولى فكيف تحذف الصلة وتترك الصفة، ويقولون: إن العرب إذا جعلت "الذي والتي" لمجهول مذكر أو مؤنث، تركوه بلا صلة نحو قول الشاعر:
_________________
(١) ١ انظر التصريح ١/ ١٣٧، والخزانة ٢/ ٥٣٠. ٢ "للذي" ساقط من "ب". ٣ أضفت كلمة "القائم" لأن المعنى يحتاجها. وانظر الخزانة ٢/ ٥٣٠، وشرح الكافية ١/ ٤٣.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
فإن أَدْعُ اللَّوَاتِي مِنْ أُنَاسٍ أَضَاعُوهُنَّ لا أَدعُ الَّذِينا١
ويقولون: الذي إذا كان جزاء فإنه لا ينعت ولا يؤكد ولا ينسق عليه؛ لأنه مجهول، لا تقول: "الذي يقومُ الظريفُ فأخواكَ، ولا الذي يقوم وعمرو فأَخواكَ" لأنهُ مجهول "وعمرو" عندهم٢ معروف. قال أبو بكر: إن كانَ "أخاهُ" من النسب فلا معنى لدخول الفاء؛ لأنه أخوه على كل حال، وإن كان من المؤاخاة فجائز، وأما النعت والتوكيد فهو عندي -كما قالوا- إذا جعلت "الذي" في معنى الجزاء؛ لأنه لم يثبت شيئًا منفصلًا من أمة فيصفه، وإذا قلت: "الذي يأتيني فلَهُ درهم" على معنى الجزاء فقد أردت: "كل من يأتيني" فلا معنى للصفة هنا، والعطف يجوز عندي كما تقول: الذي يجيءُ مع زيد فلهُ درهم، فعلى هذا المعنى تقول: "الذي يجيء هو وزيد فلهُ درهم" أردت الجائي مع زيد فقط، ولك أيضًا أن تقول في هذا الباب: "الذي يجيئني راكبًا فلهُ درهم" ويجيزون [أيضًا] ٣ الدار تدخلُ فدارنا، يجعلونها مثل "الذي" كأنك قلت: "الدار٤ التي تدخلُ فدارُنا" وهذا لا يجوز لما عرفتك إلا أن يصح أنه شائع في [كلام] ٥ العرب، وأجازوا "الذي يقوم مع زيد أخواكَ" يريدون: "الذي يقومُ وزيد أخواكَ" يعطفون "زيدًا" على "الذي" وإنما يجيزون أن يكون مع بمنزلة الواو إذا كان الفعل تاما، وإذا كان ناقصًا لم يجز هذا.
قال٦ الفراء: إذا قلت: "الذي يقومُ مع زيدٍ أخواكَ" لم أقل:
_________________
(١) ١ الشاهد فيه حذف صلة الموصول وهذا قليل، والمعنى: أنه لا يهجو النساء ولكن يهجو الرجال الذين لم يمنعوهن. وانظر ارتشاف الضرب ١٣٥. ٢ عندهم، ساقط من "ب". ٣ زيادة من "ب". ٤ الدار، ساقطة من "ب". ٥ أضفت كلمة "كلام" لإيضاح المعنى. ٦ في "ب" وقال.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
"أخواكَ الذي يقومُ مع زيدٍ" قال: ولا أقولُ: "الذي يختصمُ مع زيدٍ أخواكَ" لأن الاختصام لا يتم، والطوال١ وهشام يجيزانه مع الناقص وفي التقديم والتأخير، ويجعلون "مع" بمنزلة الواو، والفراء لم يكن يجيزه إلا وهو جزاء، وإذا قلت: "الذي يختصمُ وزيدٌ أخواكَ" فزيد لا يجوز أن ينسق به إلا على ما في الاختصام؛ لأنه لا يستغني عن اسمين، ويقول: "اللذانِ اختصما كلاهما أخواكَ" فاللذان ابتداء، واختصما صلة لهما، و"كلاهما" ابتداء ثانٍ، وأخواك خبره، وهذه الجملة خبر اللذين فإن جعلت "كلاهما" تأكيدًا لما في اختصما، لم يجز لأن الاختصام لا يكون إلا من اثنين فلا معنى للتأكيد هنا، فإن قلت: اللذان اختصما كلاهما أخوان، لم يجز على تأويل، وجاز على تأويل آخر إن أردت بقولك: "أخوان" أن كل واحد منهما أخ لصاحبه، لم يجز لأن "كلاهما" لا معنى لها ها٢ هنا، وصار مثل "اختصما" الذي لا يكون إلا من اثنين؛ لأن الأخوين كل واحد منهما أخ لصاحبه، مثل المتخاصمين والمتجالسين، فإن أردت بأخوين أنهما أخوان لا نسيبان جاز؛ لأنه قد يجوز أن يكون أحدهما أخًا لزيد ولا يكون الآخر أخًا لزيد، فإذا كان أحدهما أخًا لصاحبه فلا بدّ من أن يكون الآخر أخًا له فلا معنى "لكلا" ههنا، وتقول: "الذي يطيرُ الذبابُ فيغضبُ زيدٌ" فالراجع إلى "الذي" ضميره في "يغضبُ" والمعنى: الذي إذا طار الذباب غضب زيد، ولا يجوز: "الذي يطير الذبابُ" فالذي يغضبُ زيدٌ؛ لأن الذي الأولى ليس في صلتها ما يرجع إليها، وقوم يجيزون: الطائر الذباب "فالغاضبُ زيدٌ" لأن الألف واللام الثانية ملغاة عندهم، فكأنهم قالوا: "الطائرُ الذبابُ" فغاضبٌ زيدٌ وهذا لا يجوز عندنا على ما قدمنا في الأصول أعني: إلغاء الألف واللام.
_________________
(١) ١ الطوال: محمد بن أحمد أبو عبد الله من أهل الكوفة، صاحب الفراء، كان حاذقًا بإلقاء المسائل العربية، ولم يشتهر له تصنيف، مات سنة ٢٤٣هـ، ترجمته في تاريخ بغداد ٩/ ٣٦٥-٣٦٦، والفهرست ٦٨، وطبقات الزبيدي ٩٦، وإنباه الرواة ٢/ ٩٢، ومعجم الأدباء ٢/ ١١٦-١١٧، وطبقات القراء ١/ ٣٣٨. ٢ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣٥٧ ]
واعلم: أن من قال: "من يقومُ ويقعدونَ قومُكَ، ومن يقعدونَ ويقومونَ إخوتكَ" فيرد مرة إلى اللفظ ومرة إلى المعنى، فإنه لا يجيز أن تقول: "من قاعدونَ وقائمُ إخوتكَ" فيرد "قائمًا" إلى لفظ "مَنْ" لأنك إذا جئت بالمعنى لم يحسن أن ترجع إلى اللفظ، وتقول: "منْ كان قائمًا إخوتُكَ، ومن كان يقومُ إخوتُكَ" ترد ما في كان على لفظ "مَنْ" وتوحد، فإذا وحدت اسم كان لم يجز أن يكون خبرها إلا واحدًا، فإذا١ قلت: مَنْ كانوا؟ قلت: قيامًا ويقومون، ولا يجوز: "منْ كانَ يقومونَ إخوتُكَ" وقوم يقولون إذا قلت: "أعجبني ما تفعلُ" فجعلتها مصدرًا فإنه لا عائد لها مثل "أَنْ" فكما أنَّ "أَنْ" لا عائد لها٢ فكذلك ما، وقالوا: إذا قلت: "عبد الله أحسنُ ما يكون قائمًا" فجاءوا "بما" مع "يكونُ" لأن "ما" مجهول و"يكون" مجهول، فاختاروا "ما" مع يكون، أردت: "عبد الله أحسن شيء يكونُ" فما في "يكون" "لِمَا" فإذا قلت: "عبد اللهِ أحسنُ مَنْ يكونُ" فأردت أحسن من خلق، جاز ولا فعل "ليكون" يعنون: لا خبر لها٣، وقالوا إذا قلت: "عبد الله أحسنُ ما يكونُ قائمًا" إذا أردت أن تنصب "قائمًا" على الحال أي: أحسن الأشياء في حال قيامه، قالوا: ولك أن ترفع عبد الله بما في "يكون" وترفع أحسن بالحال، وتثني وتجمع فتقول: "الزيدانِ أحسنُ ما يكونانِ قائمينِ، والزيدونَ أحسنُ ما يكونون قائمينَ" يرفعون "أحسنَ" بالحال ولا يستغنى عن الحال ههنا عندهم، فإن قلت: "عبد اللهِ أحسنُ ما يكونُ" وأنت أحسن ما تكون على هذا التقدير، لم يجز لأَن عبد الله إذا ارتفع بما في "يكون" لم يكن لأحسن خبر٤، ومعنى
_________________
(١) ١ في "ب" وإذا. ٢ زيادة الفاء من "ب". ٣ أي "كان" هنا تامة. ٤ في الكتاب ١/ ٢٠٠، وبعضهم يقول: الحرب أول ما تكون فتية، كأنه قال: الحرب أول أحوالها إذا كانت فتية، كما تقول: عبد الله أحسن ما يكون قائمًا، لا يجوز فيه إلا النصب؛ لأنه لا يجوز لك أن تجعل أحسن أحواله قائمًا على وجه من الوجوه.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
قولهم: ارتفع بما في "يكون" يعنونَ أنهم يرفعون بالراجع من الذكر، وهذا خلاف مذهب البصريين؛ لأن البصريين يرفعون بالابتداء، قالوا: فهذا وقتٌ فلا يرتفع عبدُ اللهِ بجملته، فإن أردت: "عبد الله أحسنُ شيءٍ يكونُه" فهو جائز وهو صفة، فإذا قلت: "أحسنُ ما يكون عبد الله قائمًا" جرى مجرى: "ضربي زيدًا قائمًا" وقال محمد بن يزيد١: قول سيبويه: أخطبُ ما يكون الأمير قائمًا، تقديره على ما وضع عليه الباب: أخطبُ ما يكونُ الأمير إذا كانَ قائمًا، كما قال٢: "هذا بُسْرًا أطيبُ منه تمرًا"٣ فإن قال قائل: أحوال زيد إنما هي القيام والقعود ونحو ذلك فكيف لم يكن أخطب ما يكون الأمير بالقيام، أي: "أخطبُ أحوالهِ القيامُ"؟ فالجواب في ذلك: أن "القيامَ" مصدر وحال زيد هي الحال التي يكون فيها من قيام وقعود أو نحوه، فإن ذكرت المصدر أخليته من زيد وغيره، وإنما المصدر لذات الفعل، فأما اسم الفاعل فهو المترجم عن حال الفاعل لما يرجع إليه من الكناية، ولأنه مبني له، وذلك نحو: "جاءني زيدٌ راكبًا" لأن في "راكب" ضمير زيد وهو اسم الفاعل لهذا الفعل، فإن احتج القائل في إجازتنا: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة٤، فالتقدير: "أخطبُ أيامِ الأميرِ يوم الجمعة" فجعلت الخطبة للأيام على السعة، وقد تقدم تفسير ذلك في الظروف مبينًا، كما قال الله ﷿: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ٥ أي: مكركم فيهما. قال محمد٦: وجملة هذا أن الظرف من الزمان متضمن الفاعل لا يخلو منه، وقد يخلو من فعل إلى آخر، وقال في موضع آخر: كان سيبويه يقول في قولهم: أكثرُ ضربي
_________________
(١) ١ في "ب" ﵀. ٢ في "ب" قالوا. ٣ ذكر المبرد في المقتضب ٣/ ٢٥٢ أن الحال يسد مسد الخبر، كقولك: الأمير أخطب ما يكون قائمًا. وانظر الكتاب ١/ ٢٠٠. ٤ انظر الكتاب ١/ ٢٠٠. ٥ سبأ: ٣٣ وانظر المقتضب ٣/ ١٠٥. ٦ "محمد" ساقط في "ب" وهو محمد بن يزيد المبرد، أستاذ المصنف.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
زيدًا قائمًا، إن قائمًا سَد مسدّ الخبر وهو حال١، قال: وأصله إنما هو على "إذ كان" وإذا كان، ومثله: "أخطبُ ما يكونُ الأمير قائمًا، وأكثر شربي السويقَ ملتوتًا، وضربي زيدًا قائمًا" وتقول ذلك في كل شيء كان المبتدأ فيه مصدرًا، وكذلك إن كان في موضع الحال ظرف، نحو قولك: أخطبُ ما يكونُ الأمير يوم الجمعة، وأحسنُ ما يكونُ زيدٌ عندكَ، وقال: وكان أبو الحسن الأخفش يقول: "أخطبُ ما يكونُ الأميرُ قائمٌ" ويقول: أضفت أخطبَ إلى أحوال، قائم أحدُها، ويزعم سيبويه أنك إذا قلت: "أخطبُ ما يكونُ الأميرُ قائمًا" فإنما أردت: "أخطبُ ما يكون الأمير إذا كان قائمًا" فحذفت؛ لأنه دل عليهما ما قبلها، و"قائمًا" حال وقد بقي منها بقية٢، وكذلك قوله: ضربي زيدًا راكبًا أي: إذا كان راكبًا وهي "كان" التي معناها "وقع" فأما: أكلي الخبز يوم الجمعة فلا يحتاج فيه إلى شيءٍ؛ لأن يوم الجمعة خبر المصدر وينبغي أن يكون على قول سيبويه: ظننتُ ضربي زيدًا قائمًا، وظننتُ أكثر شربي السويقَ ملتُوتًا، أنه أتى "لظننتُ" بمفعول ثانٍ على الحال التي تسد مسد المفعول الثاني كما سدت مسد الخبر، فإن قيل: إن الشك إنما يقع في المفعول الثاني قيل: إن الشك واقع في "إذ كان" و"إذا كان" والحال دليل؛ لأن فيها الشك وأن يعمل فيها "ظننت" ولكن في موضعها كما كنت قائلًا: القتالُ يوم الجمعةِ، فتنصب يوم الجمعة بقولك: القتالُ، فإن جئت بظننت قلت: "ظننتُ القتالَ يوم الجمعةِ" فيوم الجمعة منتصب بوقوع القتال، وليس "بظننتُ" والدليل على ذلك أنه ليس يريد أن يخبر أن القتال هو اليوم، هذا محال ولكنه يخبر أن القتال في اليوم [وتقول: إنَّ القتالَ اليومَ ظننتُ] ٣ فتنصب؛ لأنَّ "إنَّ" لا تعمل فيه٤ شيئًا، إنما تعمل في موضعه كما وصفت
_________________
(١) ١ انظر: المقتضب ٣/ ٢٥٢. ٢ انظر الكتاب ١/ ٢٠٠-٢٠١. ٣ زيادة من "ب". ٤ في "ب" فيها.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
لك، وقياس "ظننتُ" وإن وكان والابتداء [والخبر] ١ واحد، وكذلك لو قلت: "كانَ زيدٌ خلفكم"٢ لم تكن كانَ الناصبة "لخلف"٣ فكذلك إذا قلت: "كانَ أكثر شربي السويقَ ملتُوتًا" نصب٤ "ملتُوتًا" بما كان انتصب به قبل دخول "كانَ" سد مسد خبرها، كما سد مسد خبر الابتداء، ولكن ما ينصب هذه الظروف هو الخبر لهذه العوامل كما كان خبر الابتداء، فإذا قلت: "كان زيدٌ خلفكم" فتقديره: "كان زيد مستقرًّا خلفكم"٥ وكان ضربي زيدًا إذا كان قائمًا، وما كان مثلهن فهذا مجراه. [تم الكتابُ بمَنِّ الله وعونِه من باب الألف واللام] ٦.
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ في "ب" خلفك. ٣ في "ب" بخلف. ٤ في "ب" نصبت وهو الصحيح. ٥ هذا مذهب البصريين، أما الكوفيون فلا يقدرون مستقرًّا، بل يعربون الظروف والمجرورات أخبارًا. ٦ ما بين القوسين غير موجود في "ب" ويظن أنه من عمل الناسخ.
[ ٢ / ٣٦١ ]
ذكر ما يحرك من السواكن في أواخر الكلم
مدخل
ذكر ما يحرك من السواكن في أواخر الكلم، وما يسكن من المتحركات، وما تغير حركته لغير إعراب، وما يحذف لغير جزم:
أما ما يتحرك من السواكن لغير إعراب فهو على ضربين: إما أن يحرك من أجل ساكن يلقاه ولا يجوز الجمع بين ساكنين، وإما أن يكون بعده حرف متحرك فيحذف ويلقي حركته عليه. الأول على ضربين: أحدهما: إما أن يكون آخر الحرف ساكنًا فيلقاه ساكن نحو قولك: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ ١ حركت الميم بالكسر لالتقاء الساكنين، وأصل التحريكات لالتقاء الساكنين الكسر، ولم تردِ الواو؛ لأن الكسر غير لازمة في الوقف، وكذلك قولك: "كَمِ المالُ؟ ومَنِ
_________________
(١) ١ المزمل: ٢، قرئ بالكسر والفتح والضم في قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾، وانظر البحر الميحط.
[ ٢ / ٣٦١ ]
الرجلُ؟ " فإن قلت: "مِنَ الرجل" فالفتح١ أحسن، من قبل أن الميم مكسورة فيثقل الكسر بعد كسرة ولكثرة الاستعمال أيضًا، والكسرة الأصل، فكل ما لا يتحرك إذا لقيهُ ساكن حرك، من ذلك قولك: "هذا زيد العاقلُ" حركت التنوين بالكسر.
والآخر: ما حرك من أواخر الكلم السواكن من أجل سكون ما قبلها، وليس التحريك تحريك البناء كأين وأولاءِ وحيث، فمن ذلك الفعل المضاعف والعرب تختلف فيه، وذلك إذا اجتمع حرفان من موضع واحد؛ فأهل الحجاز يقولون: "ارددْ وإنْ تضاررْ أضاررْ"٢ وغيرهم٣ يقول: "ردَّد" وفرّ، وإنْ تردَّ أرَدّ ويقولون: لا تضار؛ لأن الألف يقع بعدها المدغم، والذين يدغمون يختلفون في تحريك الآخر، فمنهم من يحركه بحركة ما قبلها أي: حركة كانت وذلك٤ رُدَّ وعُضَّ وفُرَّ واطمئن واستعدَّ واجترَّ؛ لأن قبلها فتحة٥، فإذا جاءت الهاء والألف التي لضمير المؤنث فتحوا أبدًا فقالوا: رُدَّها وعُضَّها وفُرَّها؛ لأن الهاء خفية فكأنه قال: فِرّا ورِدّا ولم يذكرها، فإذا٦ كانت الهاء [مضمومة] ٧ في مثل قولهم: ردهو ضموا كأنهم قالوا: رُدوا. فإن جئت بالألف واللام [وأردت] ٨ الوصل كسرت الأول كله فقلت: رُدِّ القومَ وردِّ ابنكَ وعَضِّ الرجل وفُرِّ اليوم؛ وذلك لأن الأصل: ارْدُدْ فهو ساكن، فلو قلت: اردُدِ
_________________
(١) ١ يقول الكسائي: إن سبب فتح النون في "من" هو أن أصلها "منا" انظر شرح الشافية ٢/ ٤٤٦، وفي اللسان ١٧/ ٣١١ أن قبيلة قضاعة تقول "منا" بدلًا من "من". ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٥٨، وقرأ ابن مسعود: "ولا تضارر" على لغة أهل الحجاز، البقرة: ٢٣٣، وانظر البحر المحيط. ٣ يريد بني تميم وكثيرًا من العرب، انظر الكتاب ٢/ ١٥٨-١٥٩. ٤ في "ب" نحو. ٥ انظر: الكتاب ٢/ ١٥٩. ٦ في "ب" وإذا. ٧ زيادة من "ب". ٨ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣٦٢ ]
القومَ لم يكن إلا الكسر فهذه الدال تلك١ وهي على سكونها وهو الأصل على لغة أهل الحجاز٢، ألا ترى أن الذال في "مُذْ" واليوم في ذهبتم لما لقيها الألف واللام احتيج إلى تحريكها لالتقاء الساكنين رُدَّ إلى٣ الأصل، وأصلها الضم٤، فقلت: مُذُ اليوم وذهبتمُ اليوم؛ لأن أصل "مُذْ" منذُ يا هذا، وأصل ذهبتم: ذهبتُمُ يا قوم فرد مذ وذهبتم إلى أصله وهي الحركة، ومنهم من يفتح على كل [حال] ٥ إلا في الألف واللام وألف الوصل وهم بنو أسد، قال الخليل: شبهوه "بأين وكيف"٦ ومنهم من يدعه إذا جاء بالألف واللام مفتوحًا، يجعله في جميع الأشياء "كأينَ" ومن العرب من يكسرُ ذا أجمع على كل حال فيجعله بمنزلة "اضرب الرجلَ" وإن لم تجئ بالألف واللام لأنه فعل حرك لالتقاء الساكنين والذين يكسرون كعب وغني٧. ولا يكسر هلم٨ ألبتة من قال: هلما، وهلمي٩ ليس إلا الفتح وأهل الحجاز وغيرهم يجمعون على أنهم يقولون للنساء: ارددنَ؛ لأن سكون الدال هنا لا
_________________
(١) ١ يشير إلى أن الدال الساكنة هي نفسها التي كسرت لالتقاء الساكنين. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٦٠. ٣ في "ب" ردوا. ٤ قال سيبويه ٢/ ١٦٠: "ومثل ذلك مذ وذهبتم فيمن أسكن، تقول: مذ اليوم، وذهبتم اليوم؛ لأنك لم تبن الميم على أن أصله السكون، ولكنه حذف كياء قاضٍ ونحوها. ٥ زيادة من "ب". ٦ قال سيبويه ٢/ ١٦٠: زعم الخليل: أنهم شبهوه بأين وكيف وسوف وأشباه ذلك وفعلوا به إذا جاء بالألف واللام والألف الخفيفة ما فعل الأولون وهم بنو أسد وغيرهم من بني تميم. ٧ كعب وغني من قيس، انظر الكتاب ٢/ ١٦٠، وشرح الرضي ٢/ ٢٤٣. ٨ لم يكسر "هلم" لأنه ضعف تمكنه وتصرف بما ضم إليه، فألزموه أخف الحركات كما اجتمعوا على فتح الدال في "رويد" انظر الكتاب ٢/ ١٦٠. ٩ في "ب" أو.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
يشبه سكون الجزم ولا سكون الأمر والنهي؛ لأنها إنما سكنت من أجل النون كما تسكن مع التاء١، وزعم الخليل وغيره أن ناسًا من بكر بن وائل يقولون: "ردَّنَ ومرَّنَ وردَّتْ"٢، كأنهم قدروا الإِدغام قبل دخول النون والتاء، والشعراء إذا اضطروا إلى ما يجتمع أهل الحجاز وغيرهم على إدغامه أخرجوه على الأصل، ومن ذلك الهمزة إذا خففت وقبلها حرف ساكن حذفت وألقيت الحركة على الساكن، وسنذكر باب الهمزة٣ إن شاء الله.
والثاني: ما يسكن لغير جزم وإعراب، وهو على ثلاثة أضرب: إسكان لوقف وإسكان لإِدغام وإسكان لاستثقال؛ أما الوقف فكل حرف يوقف عليه فحقه السكون كما أن كل حرف يبتدأ به فهو متحرك وأنا أفرد ذكر الوقف والابتداء. وأما الإِدغام فنحو قولك: "جَعَلَ لَكَ" فمن العرب من يستثقل اجتماع كثرة المتحركات فيدغم وهذا يبين في الإِدغام. وأما إسكان الاستثقالِ فنحو ما حكوا في شعر امرئ القيس في قوله٤:
"فاليومَ أشربْ غَيْرَ مُسْتَحْقَبٍ إثمًا مِنَ الله ولا وَاغِلِ"٥
_________________
(١) ١ يشير إلى تاء: رددتُ، ورددتِ، ورددتَ. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٦٠. ٣ في "ب" الهمز. ٤ من شواهد سيبويه ٢/ ٢٩٧ على تسكين الباء من قوله: "أشرب" في حال الرفع والوصل، ويروى: فاليوم فأشرب.. وكذلك: فاليوم أسقى.. ولا شاهد فيه على هذه الرواية. والمستحقب: المكتسب، وأصله من استحقب، أي: وضع الحقيبة، وهي خرج يربط بالسرج خلف الراكب، والواغل: الذي يأتي شراب القوم من غير أن يدعى إليه. وهو مأخوذ من الوغول، وهو الدخول، ومعناه أنه وغل في القوم وليس منهم. وانظر: شرح السيرافي ١/ ٢٢٩، والتمام في تفسير أشعار هذيل ٢٠٥، والخصائص ١/ ٧٤ وج٢/ ٢٧٤، والحماسة ٦١٢، والفاخر للمفضل بن سلمة ٦٣، وابن يعيش ١/ ٤٨، وإصلاح المنطق ٢٤٥، والشعر والشعراء ٩٨، والأصمعيات ٤٠، والضرائر ٢٢٥، والحجة ١/ ٨٦، والخزانة ٣/ ٥٣١، والديوان ١٥٠. ٥ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣٦٤ ]
كان الأصل: أشربُ فأسكن الباءَ كما تسكن في "عَضُدِ" فتقول: "عَضْدٌ" للاستثقال فشبه المنفصل والإِعراب بما هو من نفس الكلمة، وهذا عندي غير جائز لذهاب علم الإِعراب، ولكن الذين قالوا "وهو" فأسكنوا الهاء تشبيهًا "بِعَضْدٍ" والذين يقولون في "عَضُدٍ": "عَضْدٌ"؛ وفي "فَخذٍ" إنما يفعلون هذا إذا كانت العين مكسورة أو مضمومة فإذا انفتحت لم يسكنوا.
الثالث: ما غيرت حركته لغير إعراب تقول: هذا غلامٌ فإذا أضفته إلى نفسك قلت: غُلامي، فزالت حركت الإِعراب، وحدث موضعها كسرة، وقد ذكرت ذا فيما تقدم فهذه الياء تكسر ما قبلها إذا كان متحركًا، فإن كان قبلها ياءٌ نحو: "يا قاضي" قلت: قاضِيّ وجواريّ، فإن كان قبلها واو ساكنة وقبلها ضمةٌ قلبتها ياءً وأدغمت نحو "مسلميّ" فإن كان ما قبلها١ ياء ساكنة وقبلها حرف مفتوح لم تغيرها تقول: "رأيتُ غُلامي" تدع الفتحة على حالها وكل اسم آخره ياءٌ يلي حرفًا مكسورًا فلحقته الواو والنون والياء للجمعِ تحذف منه الياء ويصير مضمومًا، تقول في "قاضٍ" إذا جمعت: "قاضونَ" وقاضينَ لما لزم الياء التي هي لام السكون أسقطت لالتقاء الساكنين، فإن أضفت "قاضُون" إلى نفسك قلت: "قاضي" كما قلت: مُسلِميّ، وتختلف العرب في إضافة المنقوص إلى الياء فمن العرب٢ من يقول: بُشرايَ بفتح الياء، ومنهم من يقول: بشريّ، وأما قولهم: في عَلَيّ عليكَ، ولَدَيّ لديكَ، فإنما ذاك ليفرقوا بينهما وبين الأسماء المتمكنة كذا قال سيبويه: وحدثنا الخليل٣، أن ناسًا من العرب يقولون: علاكَ ولداكَ وإلاكَ وسائر علامات المضمر المجرور بمنزلة الكاف، وهؤلاء على القياس، قال: وسألته عَنْ مَنْ قال: رأيتُ كلا أَخويكَ، ومررت بكلا أخويكَ، ومررت
_________________
(١) ١ "ما" ساقطة من "ب". ٢ في الأصل "فالأعرف" والتصحيح من "ب". ٣ انظر الكتاب ٢/ ١٠٤-١٠٥، والحجة للفارسي ١/ ٣٢.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
بكليهما، فقال: جعلوه بمنزلة: عليكَ ولديكَ، وكِلا لا تفرد أبدًا، إنما تكون للمثنى١.
الرابع: ما حذف لغير جزم، وذلك على ضربين: أحدهما ما يحذف من الحروف المعتلة لالتقاء الساكنين، والآخر ما٢ يحذف في الوقف ويثبت في الإِدراج. فأما الذي يحذف لالتقاء الساكنين، فالألف والياءُ التي قبلها كسرة والواو التي قبلها ضمة، وذلك نحو: هو يغزو الرجل، ويرمي القومَ، ويلقي الفارسَ، وكذلك إن كانت واو جمع أو ياء نحو: مسلمو القوم ومسلمي الرجل، فإن كان قبل الواو التي للجمع فتحة لم يجز أن يحذف؛ لأنها لا تكون كذا إلا وقبلها حرف قد حذف لالتقاء الساكنين، وهي مع ذلك لو حذفت لالتبست بالواحد، وذلك قولك: هم مصطفو القوم واخشوا الرجلَ، والفتح مع ذلك أخف من الضم، وأما الذي يحذف في الوقف ويثبت في غيره فنذكره في الوقف والابتداء ونجعله يتلو ما ذكرنا، ثم نتبعه الهمزَ للحاجة إليه إن شاء الله.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٠٥. ٢ "ما" ساقطة من "ب".
[ ٢ / ٣٦٦ ]
باب ذكر الابتداء:
كل كلمة يبتدأ بها من اسم١ وفعل وحرف، فأول حرف تبتدئ به وهو متحرك ثابت في اللفظ، فإن كان قبله كلام لم يحذف ولم يغير إلا أن يكون ألف وصل فتحذف ألبتة من اللفظ وذلك إجماع من العرب، أو همزة قبلها ساكن فيحذفها من يحذف٢ الهمزة ويلقي الحركة على الساكن، وسنذكر هذا في تخفيف الهمزة، فأما ما يتغير ويسكن من أجل ما قبله فنذكره بعد ذكر ألف الوصل إن شاء الله.
_________________
(١) ١ في "ب" أو. ٢ في الأصل "يخفف" والتصحيح من "ب".
[ ٢ / ٣٦٧ ]
ألف الوصل:
ألف الوصل همزة زائدة يوصل بها إلى الساكن في الفعل والاسم والحرف إذ كان لا يكون أن يبتدأ بساكن، وبابها أن تكون في الأفعال غير المضارعة، ثم المصادر الجارية على تلك الأفعال، وقد جاءت في أسماء قليلة غير مصادر ودخلت على حرف من الحروف التي جاءت لمعنى، ونحن نفصلها بعضها من بعض إن شاء الله. أما كونها في الأفعال غير المضارعة١ فنحو قولك مبتدئًا: اضربْ، اقتلْ٢، اسمعْ، اذهب، كان الأصل: تذهبُ، تضربُ،
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٢٧١. ٢ في "ب" أقبل.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
وتقتلُ، وتسمعُ، فلما أزلت حرف المضارعة وهو "التاءُ" بقي ما بعد الحرف ساكنًا فجئت بألف الوصل لتصل إلى الساكن وأصل كل حرف السكون، فكان أصل هذه الهمزة أيضًا السكون فحركتها لالتقاء الساكنين بالكسر، فإن كان الثالث في الفعل مضمومًا ضممتها، وتكون هذه الألف في "انفعلت" نحو: انطلقت، وافعللت نحو: احمررتُ، وافتعلتُ نحو: احتبستُ، وتكون في استفعلتُ نحو: استخرجتُ، وافعللتُ نحو: اقعنسستُ، وافعاللتُ نحو: اشهاببتُ، وافعولتُ نحو: اجلوذتُ، وافعوعلتُ نحو: اغدودنتُ، وكذلك ما جاء من بنات الأربعة على مثال استفعلتُ، نحو: احرنجمت واقشعررتُ، فألف الوصل في الفعل في الابتداء مكسورة أبدًا إلا أن يكون الثالث مضمومًا فتضمها نحو قولك: اقتل، استضعف، احتقر، احرنجم، والمصادر الجارية على هذه الأفعال كلها١ وأوائلها ألفاتُ الوصل مثلها في الفعل، ولا تكون إلا مكسورة تقول: انطلقتُ انطلاقًا واحمررتُ احمرارًا واحتبستُ احتباسًا واستخرجت٢ استخراجًا واقعنسستُ اقعنساسًا واشتهاببتُ اشتهبابًا واجلوذتُ اجلواذًا واغدودنتُ اغديدانًا، وأما الأسماء التي تدخل عليها ألف الوصل سوى المصادر الجارية على أفعالها وهي أسماء قليلة، فهي: ابن وابنة واثنانِ واثنتانِ وامرؤٌ وامرأَة وابنم واسم واستٌ، فجميع هذه الألفات مكسورة في الابتداء٣، ولا يلتفت إلى ضم الثالث، تقول مبتدئًا: ابنم وامرءٌ؛ لأنها ليست ضمة تثبت في هذا البناء على حال كما كانت في الفعل، وأما الحرف٤ الذي تدخل عليه٥ ألف الوصل، فاللام التي يعرف بها الأسماء، نحو: القوم والخليل والرجل والناس وما
_________________
(١) ١ كلها، ساقطة في "ب". ٢ في "ب" استخرجت قبل احتبست. ٣ انظر الكتاب ٢/ ٢٧٣. ٤ في "ب" الحروف. ٥ عليه، ساقط في "ب".
[ ٢ / ٣٦٨ ]
أشبه ذلك، إلا أن هذه الألف مفتوحة وهي تسقط في كل موضع تسقط فيه ألف الوصل إلا مع ألف الاستفهام، فإنهم يقولون: أَالرجل عندك؟ فيمدون كيلا يلتبس الخبر بالاستفهام، وقد شبهوا بهذه الألف التي في "ايم وايمن" في القسم ففتحوها لما كان اسمًا مضارعًا للحروف، وأما ما يتغير إذا وصل بما قبله ولا يحذف فالهاء من "هو" إذا كان قبلها واو أو فاء نحو قولهم: فهو قالَ ذاكَ وهي أُمكَ، وكذلك لامُ [الأمر] ١ في قولك: لتضربْ زيدًا، إذا كان قبلها واو [وصلت] ٢ فقلت: ولتضربْ، والعرب تختلف في ذلك، فمنهم من يدع الهاء في "هو" على حالها ولا يسكن، وكذلك هي، ومن ترك الهاء على حالها في "هي" و"هو" ترك الكسرة في اللام على حالها، فقال في قوله: فلينظرْ "فلينظر"٣ فإن كان قبل ألف الوصل ساكن حذفت ألف الوصل وحركت ما قبل الساكن لالتقاء الساكنين، وإن كان مما يحذف لالتقاء الساكنين حذفته، فأما الذي يحرك لالتقاء الساكنين من هذا الباب فإنه يجيء على ثلاثة أضرب، يحرك بالكسر والضم والفتح؛ فالمكسور نحو قولك: "اضرب ابنَكَ واذهبِ اذهبْ" و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ٤، اللَّهُ﴾ ٥، وإن الله٦، وعنِ الرجلِ، وقَطِ الرجل، وأما الضم فنحو قوله: "قُلْ اُنُّظُرُوْا﴾ ٧، وقالتُ اُخرج"٨ ﴿وَعَذَابٍ، ارْكُضْ﴾ ٩ ومِنهُ١٠ ﴿أَوِ انْقُصْ﴾ ١١، إنما فعل هذا
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ زيادة من "ب". ٣ فلينظر، ساقط من "ب". ٤ الإخلاص: ١. والشاهد في الآية كسر التنوين في أحدن الله. ٥ قال سيبويه ٢/ ٢٧٥: لأن التنوين ساكن وقع بعد حرف ساكن، فصار بمنزلة باء أضرب ونحو ذلك. ٦ انظر: الكتاب ٢/ ٢٧٥. ٧ يونس: ١٠١، ضموا الساكن حيث حركوه كما ضموا الألف في الابتداء. وقد قرأ حفص بكسر اللام من "قل" على أصل التقاء الساكنين، انظر الكتاب ٢/ ٢٧٥. ٨ يوسف: ٣١، والآية: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾، وقراءة حفص بكسر التاء على أصل التقاء الساكنين. ٩ سورة ص: ٤١ والآية: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ ﴿وَعَذَابٍ، ارْكُضْ﴾ . ١٠ أضفت "ومنه" لأن المعنى يقتضيها. ١١ المزمل: ٣، والآية: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ .
[ ٢ / ٣٦٩ ]
من أجل١ الضم الذي بعد الساكن، ومنهم من يقول: قلِ انظرا ويكسر جميع ما ضم غيره، ومن٢ ذلك الواو التي هي علامة الإِضمار يُضمُّ إذا كان ما قبلها مفتوحًا نحو: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ ٣ قال الخليل٤: لفصلَ بينها وبين واو "لَو" وأو التي من نفس الحرف وقد كسر قوم٥، وقال قوم: لو استطعنا، والياء التي هي علامة الإِضمار وقبلها مفتوح تكسر لا غير، نحو: اخشي الرجل يا هذهِ، وواو الجميع وياؤه مثل الضمير تقول: مصطفو الله في الرفع ومصطفى الله في النصب والجر، وأما الفتح فجاء في حرفين ﴿الم، اللَّهُ﴾ ٦ فرقوا بينه وبين ما ليس بهجاء، والآخر: مِنَ الله ومِنَ الرسولِ لما كثرت٧، وناس من العرب يقولون: "مِنِ الله"٨ واختلفت العرب في "مِنْ" إذا كان بعدها ألف وصل غير الألف
_________________
(١) ١ أجل، ساقط في "ب". ٢ في "ب" إلا أن الواو التي هي علامة الإضمار، والمعنى واحد. ٣ البقرة: ٢٣٧، وانظر الكتاب ٢/ ٢٧٦، والجدير بالذكر: أن همز هذه الواو هو لغة قيس عامة وغني خاصة، كما قال ابن جني في المحتسب ١/ ٢٠، وقد وردت قراءات شاهدة على هذه اللغة في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾، وفي قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦]، وذلك لانضمام الواو. ٤ انظر الكتاب ٢/ ٢٧٦، قال سيبويه: وزعم الخليل أنهم جعلوا حركة منها ليفصل بينها وبين الواو التي من نفس الحرف، نحو: واو لو وأو. ٥ ضموا واو "لو" شبهوها بواو اخشوا الرجل حيث كانت ساكنة مفتوحًا ما قبلها وهي في القلة بمنزلة: ولا تنسوا الفضل بينكم فيمن كسر الواو في "لا تنسوا". ٦ آل عمران: ١. ٧ انظر الكتاب ٢/ ٢٧٥، والجملة ناقصة هنا، قال سيبويه: لما كثرت في كلامهم ولم تكن فعلًا وكان الفتح أخف عليهم فتحوا، وشبهوها بأين وكيف. ٨ أي: يكسرونه ويجرونه على القياس لالتقاء الساكنين.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
واللام، فكسره قوم ولم يكسره قوم١، ولم يكسروا في الألف واللام لكثرتها معها إذ كانت الألف واللام كثيرة في الكلام، وذلك: "مِن ابنِك" "ومِنِ امرئ" وقد فتح قوم فصحاء فقالوا: "مِنَ ابنكَ" وأما ما يحذف من السواكن إذا وقع بعدها حرف ساكن فثلاثة أحرف، الألف والياء التي قبلها حرف مكسور٢، والواو التي قبلها حرف مضموم؛ فالألف نحو: رمى الرجل٣، وحُبلى الرجل ومعزى القوم ورَمَتْ، دخلت التاء وهي ساكنة على ألف "رَمَى" فسقطت وقالوا: رَمَيا وغَزَوا؛ لئلا٤ يلتبس بالواحد وقالوا: حبليان وذفريانِ٥، لئلا يلتبس بما فيه ألف تأنيث، والياء مثل: يقضي القوم ويرمي الناس، والواو نحو: يغزو القوم، ومن ذلك: لم يبعْ ولم يقُلْ ولم يَخفْ، فإذا قلت: لم يخفِ الرجلُ ولم يبعِ الرجلُ ورمت المرأة، لم ترد الساكنَ الساقط وكان الأصل في "يبع" "يبيعُ" وفي "يخف" يخاف وفي "يَقلْ" يقول، فلم نرد لأنها حركة جاءت لالتقاء الساكنين غير لازمة، وقولهم: "رَمَتا" إنما حركوا للساكن الذي بعده، ولا يلزم هذا في "لم يخافاَ" و"لم يبيعَا" لأن الفاء غير مجزومة وإنما حذفت النون للجزم، ولم تلحق الألف شيئًا٦ حقه السكون.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٢٧٥. ٢ في "ب" قبلها كسرة. ٣ انظر الكتاب ٢/ ٢٧٦. ٤ في الأصل لأن لا. ٥ في "ب" مغزيان، والذفري: العظم الشاخص خلف الأذن. ٦ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣٧١ ]
ذكر الوقف على الاسم والفعل والحرف:
أما الأسماء فتنقسم في ذلك على أربعة أقسام: اسمٍ ظاهرٍ سالمٍ وظاهر معتل ومضمر مكني ومبهم مبنيّ.
الأول: الأسماء الظاهرة السالمة نحو: "هذا خالدٌ، وهذا حَجر،
[ ٢ / ٣٧١ ]
ومررت بخالد وحجرٍ" فأما المرفوع والمضموم فإنه يوقف عنده على أربعة أوجه: إسكان مجرد وإشمام وروم التحريك والتضعيف، وجعل سيبويه لكل شيءٍ من ذلك علامة في الخط١، فالإِشمام نقطة علامة٢، وعلامة الإِسكان وروم الحركة خط بين يدي الحرف وللتضعيف الشين٣، فالإِشمام لا يكون إلاّ في المرفوع خاصة؛ لأنك تقدر أن تضع لسانك في أي موضع شئت ثم تضم شفتيكَ، وإشمامُك للرفع٤ إنما هو للرؤية وليس بصوت يسمع، فإذا قلت: "هذا مَعْنٌ" فأشممت كانت عند الأعمى بمنزلتها إذا لم تشم وإنما هو أن تضم شفتيكَ بغير تصويت، ورومُ الحركة صوت ضعيف ناقص، فكأنك تروم ذاك ولا تتممهُ، وأما التضعيف فقولك: هذا خالدٌ، وهو يجعل، وهذا فَرِحٌ، ومن ثم قالت العرب٥ في الشعر في القوافي: "سبسبا، تريد: السبسب، وعَيهَل تريد: العَيهل" وإنما فعلوا ذلك ضرورة وحقه الوقف إذا شدد وإذا وصل رده إلى التخفيف فإن كان الحرف الذي قبل آخر حرف ساكنًا لم يضعفوا نحو "عمرٍو"٦ فإذا نصبت فكل اسم منون تلحقهُ الألف في النصب في الوقف فتقول: "رأيتُ زيدًا وخالدًا" فرقوا بين النون والتنوين ولا يفعل ذلك في غير النصب، وأزد السراة٧ يقولون:
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٥٨٢. قال سيبويه: ولهذه علامات، فللإشمام نقطة، والذي أجرى مجرى الجزم والإسكان الخاء، ولزوم الحركة خط بين يدي الحرف، وللتضعيف الشين. ٢ علامة، ساقطة من "ب". ٣ لم يذكر ابن السراج الذي أجرى مجرى الجزم والإسكان، والذي جعل له سيبويه علامة هي "خ". ٤ في "ب" الرفع. ٥ العرب، ساقط في "ب". ٦ لأن الذي قبله لا يكون ما بعده ساكنًا؛ لأنه ساكن، وانظر الكتاب ٢/ ٣٨٢. ٧ قال سيبويه ٢/ ٢٨١: "وزعم أبو الخطاب: أن أزد السراة يقولون: هذا زيدو وهذا عمرو، ومررت بزيدي وبعمري، جعلوه قياسًا واحدًا فأثبتوا الياء والواو كما أثبتوا الألف".
[ ٢ / ٣٧٢ ]
هذا زيدوْ وهذا عَمرُوْ وبكرُوْ، ومررت بزيدي؛ يجعلون الخفض والرفع مثل النصب، والذين يرومون الحركة يرومونها في الجر [والنصب] ١ والذين يضاعفون يفعلون ذلك أيضًا في الجر والنصب إذا كان مما لا ينون٢، فيقولون: مررت بخالد ورأيت أحمر. وقال سيبويه: وحدثني من أَثقُ به أنه سمع أعرابيا يقول٣: أبيضه، يريد: أبيض وألحق٤ الهاء مبنيا للحركة، فأما٥ المنون في النصب فتبدل الألف من التنوين بغير تضعيف، وبعضُ العرب يقول في "بكرٍ": هذا بكرو من بكرٍ، فيحرك العين بالحركة التي هي اللام في الوصل ولم يقولوا: رأيتُ البكرَ؛ لأنه في موضع التنوين، وقالوا: هذا عِدِل وفِعِل فأتبعوها الكسرة الأولى؛ لأنه ليس من كلامهم فِعلٌ٧، وقالوا في اليسر فأتبعوها الكسرة الأولى؛ لأنه ليس في الأسماء فُعِل وهم الذين يقولون في الصلة: اليُسْر فيخففون، وقالوا: "رأيتُ العِكِمَ"٨ ولا يكون هذا في "زيدٍ وعَوْنٍ" ونحوهما لأنهما حَرفا مَدٍّ، فإن كان اسمٌ آخره هاء٩ التأنيث نحو: "طلحة وتمرةٍ وسفرجلةٍ" وقفت عليها بالهاء في الرفع والنصب والجر وتصير تاء في الوصل، فإذا ثنيت الأسماء الظاهرة وجمعتها قلت: زيدانِ ومسلمانِ، وزيدونَ ومسلمونَ، تقف على النون في جميع ذلك، ومن العرب
_________________
(١) ١ زيادة من "ب". ٢ لا، ساقط من "ب". ٣ انظر الكتاب ٢/ ٢٨٣ ألحق الهاء في أبيضه، كما ألحقها في "هنه" وهو يريد: هن. ٤ في "ب" فألحق. ٥ في "ب" وأما. ٦ انظر الكتاب ٢/ ٢٨٣. ٧ قال سيبويه ٢/ ٢٨٤: وقالوا: هذا عدل وفعل، فأتبعوها الكسرة الأولى ولم يفعلوا ما فعلوا بالأول؛ لأنه ليس من كلامهم "فعل" فشبهوها "بمنتن" أتبعوها الأول. ٨ لم يفتحوا كاف "العكم" كما لم يفتحوا كاف "البكر" وجعلوا الضمة إذا كانت قبلها بمنزلتها إذا كانت، وهو قولك: رأيت الحجر. انظر الكتاب ٢/ ٢٨٤. ٩ هاء، ساقط من "ب".
[ ٢ / ٣٧٣ ]
من يقول: ضَاربانِهْ، ومسلمونَهْ، فيزيد هاء يبين١ بها الحركة، ويقف عليها، والأجود ما بدأت به، وإذا جمعت المؤنث بالألف والتاء نحو تمراتٍ ومسلماتٍ فالوقف على التاء٢، وكذلك الوصل لا فرق بينهما، فإذا استفهمت منكرًا، فمن العرب من [يقول] ٣ إذا قلت: رأيت زيدًا قال: أزيدنيه، وإن كان مرفوعًا أو مجرورًا فهذا حكمه [في إلحاق الزيادة فيه، فأما آخر الكلام فعلى ما شرحتُ لكَ من الإِعراب] ٤ فإذا كان قبل هذه العلامة حرف ساكن كسرته لالتقاء الساكنين، وإن كان مضمومًا جعلته واوًا، وإن كان مكسورًا جعلته ياءً، وإن كان مفتوحًا جعلته ألفًا، فإن قال: "لقيتُ زيدًا وعمرًا" قلت: أَزيدًا وعمرنَيْهِ، وإذا٥ قال: "ضربتُ عُمَر" قلت: أَعمراهُ، وإن قال: "ضربتُ زيدًا الطويلَ" قلت: الطويلاه، فإن قال: "أَزيدًا يا فتى؟ " تركت العلامة لما وصلت، ومن العرب من يجعل بين هذه الزيادة وبين الاسم "إنْ" فتقول: أعمرَانِيه.
القسم الثاني: وهو الظاهر المعتل:
المعتل من الأسماء على ثلاثة أضرب: ما كان آخره ياءً قبلها كسرة أو همزة أو ألف مقصورة، فأما ما لامه ياءٌ فنحو: "هذا قاضٍ وهذا غازٍ وهذا العَمِ" يريد: القاضيَ والغازيَ والعَمِيَ، أسقطوها في الوقف؛ لأنها تسقط في الوصل من أجل التنوين. قال سيبويه٦: وحدثنا٧ أبو
_________________
(١) ١ في "ب" لبيان. ٢ التاء، ساقط من "ب". ٣ أضفت كلمة يقول؛ لأن المعنى يحتاجها. ٤ زيادة من "ب". ٥ في "ب" فإذا. ٦ انظر الكتاب ٢/ ٢٨٨. ٧ في "ب" وحكى.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
الخطاب١ أنَّ بعض من يوثق بعربيته من العرب يقول: "هذا رامي وغازي وعَمِي" يعني في الوقف والحذف فيما فيه تنوين أجود، فإن لم يكن في موضع تنوين فإن البيان أجود في الوقف، وذلك قولك: هذا القاضِي والعاصِي، وهذا العَمِي لأنها ثابتة في الوصل، ومن العرب من يحذف هذا في الوقف شبهوه بما ليس فيه ألف ولام، كأنهم أدخلوا الألف واللام بعد أن وجب الحذف فيقولون: "هذا القاض والعاص" هذا في الرفع والخفضِ، فأما النصب فليس فيه إلا البيان؛ لأنها ثابتة في الوصل، تقول: رأيتُ قاضيًا ورأيتُ القاضي٢، وقال الله٣ ﷿: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ ٤ وتقول: رأيت جواريَ، وهُنَّ جوارٍ يا فَتى في الوصل، ومررتُ بجوارٍ، فالياء كياء "قاضي" والياء الزائدة ههنا كالأصلية نحو ياءِ ثَمانٍ ورباع إذا كان يلحقها التنوين في الوصل. قال سيبويه٥: وسألت الخليلَ عن "القاضي" في النداء، فقال: "اختر يا قاضي" لأنه ليس بمنون كما اختار هذا القاضي٦ فأما يونس فقال: "يا قاض"٧ بغير ياء، وقالا في "مُر" وهو اسم من أرى: هذا مُرِي بياء في الوقف كرهوا أن يخلو بالحرف فيجمعوا عليه -لو قالوا:
_________________
(١) ١ أبو الخطاب وهو المعروف بالأخفش الكبير، واسمه عبد الحميد بن عبد المجيد، والأخافش الثلاثة المشهورون من النحاة، وهم: أبو الخطاب وسعيدة بن مسعدة وعلي بن سليمان، أخذ النحو عن أبي عمرو بن العلاء، مات ولم تعرف سنة وفاته. ترجمته في أخبار النحويين ٣٧، ومراتب النحويين ٢٣، وطبقات الزبيدي ٣٥، وإنباه الرواة ٢/ ١٥٧. ٢ لأنه لما تحركت الياء أشبهت غير المعتلّ. ٣ في "ب" ﵎. ٤ القيامة: ٢٦. ٥ انظر الكتاب ٢/ ٢٨٩. ٦ انظر الكتاب ٢/ ٢٨٩. ٧ قال سيبويه ٢/ ٢٨٩: "وقول يونس أقوى؛ لأنه لما كان من كلامهم أن يحذفوا في غير النداء أجدر، لأن النداء موضع حذف، يحذفون التنوين ويقولون: يا حار، ويا صاح، ويا غلام أقبل".
[ ٢ / ٣٧٥ ]
مُر-١ ذهاب الهمزة والياء وذلك أن أصله: مُرئِي مثل: مُرْعِي، فإن كان الاسم آخره ياء قبلها حرف ساكن أو واو قبلها ساكن فحكمه حكم الصحيح نحو "ظَبيٍ وكرسيٍّ" وناس من بني سعد يبدلون الجيم مكان الياء في الوقف؛ لأنها خفيفة فيقولون: هذا تميمج، يريدون "تميمي" وهذا عَلِجّ يريدون "عَلي" وعربَانج يريدون "عرباني" والبرنج٢ يريدون "البِرَني" وجميع ما لا يحذف في الكلام وما لا٣ يختار فيه أن لا يحذف يحذفُ في الفواصل والقوافي، فالفواصل٤ قول الله ﷿: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ٥، و﴿ذَلِكَ نَبْغِ﴾ ٦، ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ ٧ ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ٨.
الضرب الثاني: وهو ما كان آخره همزة:
ما كان في الأسماء في آخره همزة وقبل الهمزة ألف فحكمهُ حكم الصحيح وإعرابُه كإعرابِه، تقول: هذا كساءٌ ومررتُ بكساء، وهو٩ مثل حُمارٍ في الوصل والوقف، فإن كانت الهمزة ألف قبلَها وقبلها ساكن فحكمها [حكم الصحيح وحكمها] ١٠ أن تكون كغيرها من الحروف كالعين، وذلك
_________________
(١) ١ يريد "مفعل" من "رأيت". ٢ يشير إلى قول الشاعر: وبالغداة فلق البرنج.. يريد: البرني، انظر الكتاب: ٢/ ٢٨٨. ٣ سيبويه، ساقط من "ب". ٤ في "ب" والفواصل. ٥ الفجر: ٤. ٦ الكهف: ٦٤، والآية: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ . ٧ غافر: ٣٢، والآية: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ . ٨ الرعد: ٩، والآية: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ . ٩ وهو، ساقط من "ب". ١٠ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣٧٦ ]
قولك: الخَبءُ حكمهُ حكم الفرع في الإِسكان، وروم الحركة والإِشمام، فتقول: هو الخَبْء، ساكن، والخَبء بروم الحركة، والخَبَءْ تشم، وناس من العرب كثير يلقون على الساكن الذي قبل الهمزة الحركة١، ومنهم تميم وأسد، يقولون٢: "هو الوثُوء" فيضمون الثاء بالضمة التي كانت في الهمزة في الوصل وفي الوثيء ورأيت الوثأ٣ وهو البطء، ومن البطيء، ورأيت البطأ، وهو الردؤ، وتقديرها: الردعُ ومن الرديء ورأيتُ الردأ٤، وناس من بني٥ تميم يقولون: هو الردِيء كرهوا الضمة بعد الكسرة٦، وقالوا: رأيتُ الردِيء سووا بين الرفع والنصب، وقالوا: من البُطء؛ لأنه ليس في الكلام "فُعِلٌ" ومن العرب من يقول: هو الوَثُو، فيجعلها واوًا٧ من الوثُيْ ورأيتُ الوثَاءَ ومنهم من يسكن الثاء في الرفع والجر ويفتحها في النصب، وإذا كان ما قبل الهمزة متحركًا لزم الهمزة ما يلزم النَّطع من الإِشمام والسكون وروم الحركة٨، وكذلك يلزمها هذه الأشياء إذا حركت الساكن قبلها، وذلك قولك: هو الخَطأ، والخَطأ تشم والخَطأ ترومُ، قال سيبويه: ولم نسمعهم ضاعفوا؛ لأنهم لا يضاعفون الهمزة في آخر الكلمة، ومن العرب من يقول: هو الكَلَو حرصًا على البيان، ويقول: من الكَلَى ورأيت الكلاء٩، وهذا وقف الذين يحققون الهمزة فأما الذين لا يحققون الهمزة من أهل الحجاز فيقولون: الكَلاَ، وأكمُو، وأهنى١٠، يبدل من الهمزة حرفًا من
_________________
(١) ١ يعني حركة الهمزة. ٢ في "ب" فيقولون. ٣ الوثوء، والوثيء: البطء، انظر الكتاب ٢/ ٢٨٦. ٤ الردأ يعني به: الصاحب. ٥ بني، ساقط من "ب". ٦ لأنه ليس في الكلام "فعل" فتنكبوا هذا اللفظ؛ لاستنكار هذا في كلامهم. ٧ حرصًا على البيان، ويقول: من الوثي فيجعلها ياء، انظر الكتاب ٢/ ٢٨٦. ٨ انظر الكتاب ٢/ ٢٨٦. ٩ انظر الكتاب ٢/ ٢٨٦. ١٠ تقديرها: أهنع.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
جنس الحركة التي قبلها، وإذا كانت الهمزة قبلها ساكن فالحذف عندهم لازم ويلزم الذي ألقيت عليه الحركة ما يلزم سائر الحروف من أصناف الوقف.
الضرب الثالث منه: وهو ما كان في آخره ألف مقصورة:
حقُّ هذا الاسم أن تقف عليه في الرفع والنصب والجر بغير تنوين، وإن كان منصرفًا فتقول: هذا قَفَا ورأيت قَفا ومررت بقفا، إلا أن هذه الألف التي وقفت عليها يجب أن تكون عوضًا من التنوين في النصب، وسقطت الألف التي هي لام لالتقاء الساكنين، كما تسقط مع التنوين في الوصل، هذا إذا كان الاسم مما ينون مثلهُ، وبعض العرب يقول في الوقف: هذا أَفْعَى، وحُبْلَى١، وفي مُثنّى مُثَنًّى٢، فإذا وصل صيرها ألفًا وكذلك كل ألف في آخر٣ اسم وزعموا أن بعض طَيء يقول: "أَفْعَو"٤ لأنها أبين من الياء، وحكى الخليل عن بعضهم: هذه حُبْلأ، مهموز مثل حُبْلَع، ورأيت رَجُلًا مثل رَجُلَع، فهمزوا في الوقف فإذا وصلوا تركوا ذلك٥.
القسم الثالث: وهي الأسماء المكنية:
من ذلك: "أَنا" الوقف بألف، فإذا وصلت قلت: أَنَ فعلت ذاك، بغير ألف، ومن العرب من يقول في الوقف: هذا غُلام، يريد: هذا غُلامي،
_________________
(١) ١ أي: يقول في أفعى وحبلى. ٢ ومثنى ساقط من "ب". ٣ في سيبويه ٢/ ٢٨٧ "حدثنا الخليل وأبو الخطاب أنها لغة لفزارة وناس من قيس وهي قليلة، أما الأكثر الأعرف فإن تدع الألف في الوقف على حالها ولا تبدلها ياء، وإذا وصلت استوت اللغتان. ٤ يشير إلى أفعى، قال سيبويه ٢/ ٢٨٧: "وأما طيء فزعموا أنهم يدعونها في الوصل على حالها في الوقف لأنها خفية لا تحرك، قريبة من الهمزة، حدثنا بذلك أبو الخطاب وغيره من العرب.. زعموا أن بعض طيء يقول: "أفعو" لأنها أبين من الياء". ٥ انظر الكتاب ٢/ ٢٨٥.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
شبهها١ بياء قاضٍ، وقد أسقَان وأَسْقِن يريد: أسقاني وأسقني لأن "في" اسم. وقد قرأ أبو عمرو فيقول: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ ٢، و﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ ٣ على الوقف، وترك٤ الحذف أقيس، فأما: هذا قاضِيَّ وهذا غلاميَّ ورأيتُ غلاميَّ فليس أحد يحذف هذا، ومن قال: غلاميَّ فاعلم، وإني ذاهبٌ لم يحذف في الوقف لأنها كياء القاضي في النصب، ومن ذلك قولهم: "ضربَهُو زيد وعليهُو مالٌ، ولديهو رجلٌ، وضربَها زيد" وعليها مالٌ فإذا كان قبل الهاء حرف لين فإن حذف الياء والواو في الوصل أحسن٥ وأكثر، وذلك قولك: عليه يا فتى ولديه فلان ورأيتُ أباهُ قَبلُ، وهذا أبوه كما ترى وأحسنُ القراءتين: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٦ ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ ٧، ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ ٨، ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ٩. والإِتمام عربي ولا يحذف الألف في المؤنث فيلتبس المذكر والمؤنث فإن لم يكن قبل هاء التذكير حرف لين أثبتوا الواو والياء في الوصل وجميع هذا الذي يثبت في الوصل من الواو والياء يحذف في الوقف إلا الألف في "هَا" وكذلك إذا كان قبل الهاء حرف ساكن وذلك قول بعضهم: منهُ يا فتى وأصابتهُ جائحةٌ والإِتمام أجودُ، فإن كان الحرف الذي قبل الهاء متحركًا فالإِثبات ليس إلا كما تثبت الألف في التأنيث، وهاتان، والواو والياء تلحقان الهاء التي هي كناية تسقطان في
_________________
(١) ١ في "ب" تشبيها. ٢ الفجر: ١٥، انظر البحر المحيط. ٣ الفجر: ١٦. ٤ في "ب" وتركوا. ٥ لأن الياء من مخرج الألف، والألف تشبه الياء والواو تشبيهًا في المد وهي أختهما، فلما اجتمعت حروف متشابهة حذفوا، وهو أحسن وأكثر، وذلك قولك: عليه يا فتى، وانظر الكتاب ٢/ ٢٩١. ٦ الإسراء: ١٠٦. ٧ الأعراف: ١٧٦. ٨ يوسف: ٢٠. ٩ الحاقة: ٣٠.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
الوقف، هذا في المكني المتصل، فأما إن كانت الكناية منفصلة نحو: هُو وهي وهما وهنَّ، فإن جميع ذا لا يحذف منه في الوقف شيءٌ، ومن العرب من يقول: هُنَّهْ وضَرَبتنّهْ وذَهَبتنَّهْ وغُلاميهْ ومن بَعْدِيَهْ وضَربنهْ، فأما من رأى أن يسكن الياء فإنه لا يلحق الهاء، وَهِيَهْ يريدون "هي" وهوَهْ يريدون "هُوَ" يا هذا، وخُذه بحكمكهْ، وكثير من العرب لا يلحقون الهاء في الوقف فإذا قلت: عليكمو١ مال، وأنتُمو ذاهبونَ٢، ولديهمي مال، فمنهم من يثبت الياء والواو في الوصل ومنهم من يسقطهما في الوصل٣ ويسكن الميم، والجميع إذا وقفوا وقَفوا على الميم ولو حركوا الميم كما حركوا الهاء في "عليه مال" لاجتمع أربعة متحركات نحو: "رُسُلكمو"٤، وهم يكرهون الجمع بين أربعة متحركات، وهذه الميمات من أسكنها في الوصل لا يكسرها إذا كان بعدها ألف وصل ولكن يضمها؛ لأنها في الوصل متحركة بعدها٥ واو كما أنها في الاثنين متحركة بعدها ألف نحو: غُلامكُما، وإنما حذفوا وأسكنوا استخفافًا وذلك قولك: كنتُمُ اليومَ وفعلتُمُ الخير وتقول: مررتُ بهي قَبلُ، ولديهي مال، ومررت بدارهي، وأهل الحجاز يقولون: مررتُ بِهُو قَبلُ، ولديهو مال٦ ويقرءون: "فخسفنا بهو" وبدارهُو الأرض٧، وجميع هذا الوقف فيه على الهاء ويقول: بهمي دَاءٌ وعليهمي مالٌ ومن قال: "بدارِهُو الأرض" قال: عليهمو مال وبهمو داءٌ والوقف على الميم.
_________________
(١) ١ في الأصل "عليكموا". ٢ في الأصل "وأنتم". ٣ الوصل، ساقط من "ب". ٤ في الأصل "رسلكم" وهو يشير إلى الآية الكريمة: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر: ٥٠]، وانظر الكتاب: ٢/ ٢٩٢. ٥ في "ب" وبعدها. ٦ مال، ساقط من "ب". ٧ القصص: ٨١، وانظر الكتاب ١/ ٢٩٣-٢٩٤، والمقتضب ١/ ٣٧.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
الرابع: المبهم المبني:
تقول في الوصل: علامَ تقولُ كَذا وكَذا؟ ١، وفيمَ صنعتَ؟ ولِمَ فعلتَ؟ وحتامَ؟ وكان الأصل: على "مَا" وفي ما ولِما صنعت، فالأصل "مَا" إلا أن الألف تحذف مع هذه الأحرف إذا كان "ما"٢ استفهامًا، فإذا وقفت فلك أن تقول: فيمَ وبِمَ ولِمَ وحتامَ، ولك أن تأتي بالهاء فتقول: لِمَه وعلامَه وحتامَه وبِمَهْ، وإثبات الهاء أجود في هذه الحروف؛ لأنك حذفت الألف من "ما" فيعوضون منها في الوقف الهاء ويبينون الحركة، وأما قولهم: مجيءُ مَ جِئتَ؟ ومثلُ مَ أنتَ؟ فإنك إذا وقفت ألزمتها الهاء لأن "مجيء ومثل" يستعملان في الكلام مفردين لأنهما اسمان، ويقولون: مثلَ ما أنتَ، ومجيءُ ما جئتَ، وأما حَيهلَ إذا وصلت فقلت: حَيهلَ بِعُمَر، وإذا وقفت فإن شئت قلت: حَيهلْ وإن شئت قلت: حَيهلا تقف على الألف كما وقفت في "أنَا" وتقول: هذي أمةُ الله، فإذا وقفت قلت: "هَذِهْ" فتكون الهاء عوضًا عن الياء، وقد مضى ذكر ذا، وقد تلحق الهاء بعد الألف في الوقف؛ لأن٣ الألف خفية وذلك قولهم: هؤلاءِ وههُناهُ، والأجود أن تقف بغير هاءٍ٤، ومن قال: هؤلاء وههُناه لم يقل في "أَفعى وأَعمى" ونحوهما من الأسماء المتمكنة كيلا يلتبس بهاء الإِضافة؛ لأنه لو قال: أَعماه وأَفعاه لتوهمتَ الإِضافة إلى ضمير.
واعلم: أنهم لا يتبعون الهاء ساكنًا سوى هذا الحرف٥ الذي يمتد به الصوت؛ لأنه خفي، وناس من العرب كثير لا يلحقون الهاء٦.
_________________
(١) ١ وكذا، ساقط من "ب". ٢ ما، ساقط من "ب". ٣ في الأصل: إلا أن، والتصحيح من "ب". ٤ ما، ساقط من "ب". ٥ أي: الألف؛ لأنه خفي فأرادوا البيان كما أرادوا أن يحركوا. ٦ انظر الكتاب ٢/ ٢٨١.
[ ٢ / ٣٨١ ]
الوقف على الفعل:
الفِعْلُ ينقسم إلى قسمين: سالم ومعتلّ، فأما السالم فما لم تكن لامه ألفًا ولا ياءً ولا واوًا، والمعتل ما كان لامهُ ألفًا أو ياءً أو واوًا.
الأول: الفعل السالم والوقفُ عليه كما تقف على الاسم السالم في الرفع في جميع المذاهب غير مخالف له إلا في الاسم المنصوب المنصرف الذي تعوض فيه الألف من التنوين فيه فتعوض منه، تقول: لن نضرب أما١ المجزوم فقد استغني فيه عن الإِشمام والروم وغيره؛ لأنه ساكن وكذلك فعلُ الأمر، تقول: لم يضربْ ولَم يقتلْ، واضربْ واقتلْ، وإذا وقفت على النون الخفيفة في الفعل كان بمنزلة التنوين في الاسم المنصوب فتقول: اضربا، ومنهم من إذا ألحق النون الشديدة قال في الوقف: اضربنَّهْ وافعَلنَّهْ، ومنهم من لا يلحق الهاء، وقد ذكرنا باب النونين الخفيفة والشديدة.
الثاني: الفعل المعتل:
نحو: يرمي ويغزو وأخشى ويقضي ويرضى، وجميع هذا يوقف عليه بالواو والياء والألف، ولا يحذف منه في الوقف شيء٢؛ لأنه ليس مما يلحقه التنوين في الوصل فيحذف، فأما المعتل إذا جزم أو وقف للأمر ففيه لغتان: من العرب من يقول: ارْمِهْ ولَم يَغْزه واخشَهْ ولم يقضِهْ ولم يَرضَهْ٣، ومنهم من يقول: ارمِ واغزُ واخشَ، فيقف بغير هاء. قال سيبويه: حدثنا بذلك عيسى بن عمر ويونس، وهذه اللغة أقل اللغتين٤، فأما: لا تقهِ من وقيتُ، وإن تَعِ أَعِهْ من "وعَيتُ" فإنه
_________________
(١) ١ في "ب" فأما. ٢ شيء، ساقط من "ب". ٣ قال سيبويه ٢/ ٢٧٨: لأنهم كرهوا ذهاب اللامات والإسكان جميعًا، فلما كان ذلك إخلالًا بالحرف كرهوا أن يسكنوا المتحرك، فهذا تبيان أنه قد حذف من آخرها هذه الحروف. ٤ انظر الكتاب ٢/ ٢٧٨.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
يلزمها الهاء في الوقف من تركها في "اخشَ"١ وقد قالوا: لا أَدر في الوقف لأنه كثر في كلامهم وهو شاذ كما قالوا: "لم يَكُ" شبهت النون بالياء حيث سكنت، ولا يقولون: لَم يكُ الرجلُ؛ لأنها في موضع تحريك فيه، فلم يشبه بلا أدرِ ولا تحذف الياء إلا في: أَدرِ وما أَدرِ.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٢٧٨.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
الوقف على الحرف:
الحروف كلها لك أن تقف عليها على لفظها، فالصحيح فيها والمعتل سواء، وقد ألحق بعضهم الهاء في الوقف لبيان الحركة فقال: إنَّهْ، يريدون "أنَّ" ومعناها أَجَلْ، قال الشاعر:
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ: إنَّهُ١
ولَيتَهْ، ولعَلهْ كذاك٢.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ٢/ ٢٧٩ على تبين حركة النون بالهاء، وعلته أنها حركة بناء لا تتغير، فكرهوا تسكينها لأنها حركة مبني لازمة. وينسب هذا الشاهد إلى ابن الرقيات وهو موجود في ديوانه. وانظر: الأغاني ١/ ١٦، وابن يعيش ٨/ ٦، والمغني ١/ ٣٧، والسمط ٢/ ٩٣٩، والجمهرة ١/ ٢٢، والخزانة ٤/ ٤٨٥، والديوان ١٤٢، وشرح السيرافي ٥/ ٤٠٥، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٢٢. ٢ انظر الكتاب ٢/ ٢٨٧ في ليت ولعل.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
باب الساكن الذي تحركه في الوقف
باب الساكن الذي تحركه في الوقف إذا كان بعدها المذكر الذي هو علامة الإِضمار:
وذلكَ قولك في: "ضربتُهُ ضَربْتُهُ وأضرِبُه، وقَدهُ، ومِنه، وعَنه" قال سيبويه: سمعنا ذلك من العرب ألقوا عليه حركة الهاء١، وقال أبو النجم:
فَقَرِّبَنْ هذا وهذا أَزْحِلُه ٢
وسمعنا بعض بني تميم من بني عدي يقولون: قد ضَرَبتِهْ وأَخَذتِهْ حرك لسكون الهاء وخفائها، فإذا وصلت أسكنت جميع هذا لأنك تحرك الهاء فتبينُ.
الوقف على القوافي:
العرب إذا ترنمت في الإِنشاد ألحقت٣ الألف والياء والواو فيما ينون ولا ينون؛ لأنهم أرادوا مدَّ الصوت فإذا لم يترنموا فالوقف على ثلاثة أوجه: أما
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٢٨٧. ٢ من شواهد سيبويه ٢/ ٢٨٧ على نقل حركة الهاء إلى اللام ليكون أبين لها في الوقف؛ لأن مجيئها ساكنة بعد ساكن أخفى لها. ومعنى: أزحله: أبعده، ومنه سمي زحل لبعده عن الأرض أكثر من غيره من النجوم. انظر: الكامل ٣٢٥، والمفصل للزمخشري ٣٣٩. ٣ في "ب" ألحقوا.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
أهل الحجاز، فيدعون هذه القوافي ما نونَ منها وما لم ينونْ على حالها في الترنم؛ ليفرقوا بينهُ وبين الكلام، فيقولون:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَىَ حَبِيبٍ ومنزلي١
وفي النصب:
فَبِتْنَا نَحِيدُ الوَحْشَ عَنَّا كأنما قَتِيلانِ لَمْ يَعْلَمْ لَنَا النَّاسُ مصْرَعَا٢
وفي الرفع:
هُرَيْرَةَ وَدعْهَا وإنْ لاَمَ لاَئِمُو ٣
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ٢/ ٢٩٨ على وصل اللام في حال الكسر بالياء للترنم ومد الصوت. والشاعر قد أجرى خطاب الاثنين على الواحد لمرونة ألسنتهم عليه. وقيل: يجوز أن يكون المراد: قف، قف، فإلحاق الألف أمارة دالة على أن المراد تكرير اللفظ. والشاهد صدر بيت لامرئ القيس، وعجزه: بسقط اللوى بين الدخول فحومل وانظر: المنصف ١/ ٢٢٥، وشرح السيرافي ٥/ ٤٧٧، والحجة لأبي علي ١/ ٥٤، وارتشاف الضرب ٣٨٢، والمحتسب ٢/ ٤٩، والمغني ١/ ٣٩٤، وشرح المعلقات السبع ٣، والخزانة ٤/ ٣٩٧. ٢ من شواهد سيبويه ٢/ ٢٩٨، على إثبات الألف في الوقف في حال النصب كما ثبت الياء في الجر والواو في الرفع للترنم. ويروى: فبتنا نصد الوحش عنا كأننا وصف الشاعر أنه خلا بمن يحب بحيث لا يطلع عليهما إلا الوحش. والبيت لزيد بن الطثرية، وقيل: لامرئ القيس ولم يوجد في ديوانه. وانظر: شرح السيرافي ٥/ ٤٧٦. ٣ من شواهد الكتاب ٢/ ٢٩٨ على وصل القافية بالواو في حال الرفع. وهو صدر بيت للأعشى، وعجزه: غداة غد أم أنت للبين واجم يعاتب فيه يزيد بن مسهر الشيباني، وهريرة: مولاة حسن بن عمرو بن مرثد، وواجم: حزين. وانظر الكامل للمبرد ٣٩٤، والحجة للفارسي ١/ ٥٤، وشرح السيرافي ٥/ ٤٤٧، وشعراء النصرانية ٣٧١، والديوان ٦٤٦.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
هذا فيما ينون، فأما ما لا ينون في الكلام وقد فعلوا به كفعلهم بما ينون، فقول جرير في الرفع:
مَتى كَانَ الخِيَامُ بِذِي طُلُوحٍ سُقِيتِ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيَامُو١
وقال في الجر:
أَيْهَاتَ مَنْزِلُنَا بِنَعْفِ سُوَيقَةٍ كَانَتْ مُبَارَكةً مِنَ الأَيامِي٢
وفي النصب:
أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ والعِتَابَا٣ وقُولِي: إنْ أَصَبْت لَقَد أَصَابَا٤
فهذا وجهٌ.
الثاني: ناس كثيرون من بني تميم يُبدلون مكانَ المدةِ النونَ فيما ينونُ ولا ينونُ لمَّا لم يريدوا الترنم، يقولون:
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه أيضًا ٢/ ٢٩٨ على وصل القافية بالواو مع الألف اللام. وذي طلوح: اسم موضع، وسمي بما فيه من الطلح وهو الشجر. وانظر: التصريف ١/ ٢٢٤، والحماسة ٦١٧، وشرح السيرافي ١/ ٢٠١، والارتشاف ٣٠٢، والجمهرة ٢/ ١٧١، والعمدة ٢/ ٣٨. ٢ من شواهد الكتاب ٢/ ٢٩٩ على وصل القافية بالياء في الجر، وأيهات لغة في هيهات، وروي في الخصائص: هيهات منزلنا ونعف سويقة: موضع، وقوله: مباركة، أي: كانت تلك الأيام التي جمعتنا ومن نحب، فأضمرها ولم يجر لها ذكرًا لما جاء بعد ذلك من التفسير. والبيت لجرير، وانظر شرح السيرافي ٥/ ٤٧٧، والخصائص ٣/ ٤٣، وابن يعيش ٣/ ٦٧، والعيني ١/ ٣٨. ٣ من شواهد سيبويه ٢/ ٢٩٨، على إجراء المنصوب وفيه الألف واللام مجرى ما لا ألف فيه ولا لام؛ لأن المنون وغير المنون في القوافي سواء. والبيت لجرير أيضًا وهو مطلع قصيدة مشهورة يهجو فيها الراعي النميري. وانظر المقتضب ١/ ٢٤٠، والخصائص ١/ ١٧١، وشرح السيرافي ١/ ١٣٤، والمنصف ١/ ٢٢٤، والنقائض ٤٣٢، والحجة لأبي علي الفارسي ١/ ٥٤، والديوان ٦٤. ٤ زيادة من "ب".
[ ٢ / ٣٨٦ ]
يا أبتا عَلَّك أو عَسَاكنْ١ ويا صاحِ ما هاجَ الدموعَ الذُّرفنَّ٢
وقال العجاجُ:
مِنْ طَللٍ كالأَتْحَمِي أنهجن٣
وكذلك الجر والرفع، والمكسور والمبني، والمفتوحُ المبني، والمضموم المبني في جميع هذا كالمجرور والمرفوع والمنصوب.
الثالث: إجراء القوافي في مجراها لو كانت في الكلام ولم تكن قوافي شعر، يقولون:
_________________
(١) ١ من شواهد الكتاب ٢/ ٢٩٩ و١/ ٣٨٨ على وصل القافية؛ لضرب من الترنم. قيل: هذا الشاهد لرؤبة، ونسبه سيبويه للعجاج، وهو موجود في زيادات ديوان رؤبة بن العجاج وقبله: تقول بنيتي: قد أني أناكا يا أبتا علك أو عساكا وانظر شرح السيرافي ٥/ ٤٧٧، والخصائص ٢/ ٩٦، وشروح سقط الزند ٢/ ٧١٤، ارتشاف الضرب ٣٥٠. ٢ هذا الرجز من شواهد سيبويه ٢/ ٢٩٩، على وصل القافية بالنون لضرب من الترنم، والذرفن: جمع ذارف. والرجز للعجاج من أرجوزة طويلة منها: وقاتم الأعماق خاوي المخترفن وانظر السيرافي ١/ ٢٠٧، والمحتسب ١/ ٨٦، والجمهرة ٢/ ٢٣٦، والحجة ١/ ٦٥، ومقاييس اللغة ٢/ ١٧٢، وشروح سقط الزند ٢/ ٥٨٢، والديوان ١٠٤. ٣ من شواهد الكتاب ٢/ ٢٩٩ على وصل القافية بالنون كالذي قبله، وهو عجز بيت وصدره: ما هاج أشجانًا وشجوًا قد شجن وشجن أصله: شجًا، فألحقه تنوين الترنم، وأنهجن رسم بالألف "أنهجا" والأتحمي: ضرب من البرود، وشبه الطلل به في اختلاف آثاره، ومعنى أنهجن: أخلق، وهذا الرجز من نفس الأرجوزة التي ذكرت في الشاهد الذي قبل هذا الشاهد. وانظر: شرح السيرافي ٥/ ٤٧٨، والخصائص ١/ ١٧١، والديوان ٧.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
أقِلِّي اللَّومَ عَاذِلَ والعِتَاب١
وقال الأخطلُ:
واسأَلْ بمصقَلة البَكْرِي ما فَعَلْ٢
ويقولون:
قَدْ رَابَنِي حَفْصٌ فَحَرِّكْ حَفْصَا٣
يثبتون الألف التي هي بدل من التنوين في النصب، كما يفعلون في الكلام، والياءات والواوات اللواتي هُنَّ لاماتٌ، إذا كان ما قبلها حرف الروي فُعِلَ بها ما فُعِلَ بالواو والياء اللتين ألحقتا للمد في القوافي، فالأصل والزائد للإِطلاق والترنم سواءٌ في هذا، من أثبت الزائد أثبت الأصل، ومن لم يثبت الزائد لم يثبت الأصل، فمن ذلك إنشادهم لزهير:
وبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يفْر٤
_________________
(١) ١ من تفسيره وهو الشاهد رقم ٣ ص٤٠٩. ٢ من شواهد سيبويه ٢/ ٢٩٩ على حذف الألف من "فعلا" حيث لم يرد الترنم ومد الصوت. وهذا عجز بيت صدره: دع المضمر لا تسأل بمصرعه واسأل والبيت للأخطل التغلبي من قصيدة يمدح فيها مصقلة بن هبيرة أحد بني ثعلبة بن شيبان. وانظر أدب الكتاب ٥٠٧، وشرح السيرافي ٥/ ٤٧٨، والاقتضاب ٤٣٤. ٣ من شواهد الكتاب ٢/ ٣٠٠ على إثبات الألف في قوله "حفصا" لأنه منون ولا تحذف ألفه هنا في الوقف كما لا تحذف في الكلام إلا على ضعف، ولم يعرف قائل هذا الشاهد. وانظر شرح السيرافي ٥/ ٤٧٨. ٤ من شواهد سيبويه ٢/ ٣٠٠ على حذف الياء، وإن شاء أثبتها في "يفري" والشاهد عجز بيت صدره: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم وهو من قصيدة لزهير يمدح فيها هرم بن سنان المري بالحزم ومضاء العزيمة. قال شارح الديوان: قوله: لأنت تفري ما خلقت، هذا مثل ضربه، والخالق: الذي يقدد الأديم ويهيئه لأن يقطعه ويخرزه، والفري: القطع، والمعنى: إنك إذا تهيأت لأمر مضيت له وأنفذته ولم تعجز عنه، وبعض القوم يقدر الأمر ويتهيأ له ثم لا يقدم عليه ولا يمضيه عجزًا وضعف همة. وانظر: الشعر والشعراء ١٣٩، والأغاني ٥/ ١٦٤، والحجة ١/ ٣٠٧، والمفصل للزمخشري ٣٤١، والحيوان للجاحظ ٣/ ٣٨٣، والحماسة ٢/ ٧٤، والديوان ٩٤.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وكذلك: يغزو لو كانت في قافية كنت حاذفًا الواو إن شئت، وهذه اللامات لا تحذف في الكلام وتحذف في القوافي والفواصل، فتقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ١ إذا وقفت وأما يخشى ويرضى ونحوهما مما لامه ألف فإنه لا يحذف منهنَّ الألف لأنَّ هذه الألف لما كانت تثبتُ في الكلام جُعلت بمنزلة ألف النصب التي في الوقف بدلًا من التنوين فلم تحذف هذه الألف كما لم يجز حذف ألف النصب، ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول: لم يعلمْ لنا الناسُ مصرع٢، فتحذف الألف، قال رؤبة:
دايَنتُ أروى والدُّيونُ تُقضَى فَمَطَلتْ بعضًا وأَدَّتْ بَعْضَا٣
فكما لا تحذف ألف "بعضا" لا تحذف ألف "تقضى". وزعم الخليل أن واو يغزو، وياء "يقضي" إذا كانت واحدة منهما حرف الروي ثم تحذف لأنها ليست بوصل حينئذ وهي حرف روي كما أن القاف في "وقاتم الأعماق خاوي٤ المخترق"٥ حرف رويٍّ، فكما لا تحذف القاف لا تحذف
_________________
(١) ١ الفجر: ٤. يريد في الآية: "والليلِ إذا يَسْري" بالياء. ٢ يشير إلى قول يزيد بن الطثرية الذي مر "صفحة ٤٠٨". ٣ رجز من شواهد سيبويه ٢/ ٣٠٠ على إثبات الألف في "تقضى" كما تثبت ألف "بعضا" لأنها عوض من التنوين في حال النصب. وينسب هذا الرجز إلى رؤبة بن العجاج، داينت فلانًا: إذا أقرضته وأقرضك، وداينت فلانًا: إذا عاملته فأعطيته دينًا وأخذت بدين. وانظر شرح السيرافي ٥/ ٤٨٤، والخصائص ٢/ ٩٦، والحجة ١/ ٥٨، والجمهرة ١/ ١٨، والخزانة ٤/ ٣٣٤، وديوان رؤبة ٧٩. ٤ في الأصل "خاوٍ". ٥ من شواهد الكتاب ٢/ ٣٠ على ما يلزم من إثبات الياء والواو إذا كانتا قافيتين لما يلزم إثبات القاف في "المخترقن" لأنها حرف الروي. والرجز لرؤبة بن العجاج، وبعده: مشتبه الأعلام لماع الخفق والقاتم: المغبر، والقتام: الغبار، والأعماق: النواحي القاصية، وعمق الشيء قعره ومنتهاه. والخاوي: الذي لا شيء به، والمخترق المتسع، يعني: جوف الفلاة. وانظر: المنصف ٢/ ٣، والمحتسب ١/ ٨٦، وشرح السيرافي ٥/ ٤٩٤، والتهذيب ١/ ٢٩٠، والجمهرة ٢/ ٢٣٦، والحماسة ٥٨٢.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
واحدة منهما، وهذا هو القياس كما قال إذا كانتا حرفي روي، فأما إذا جاءتا بعد حرف الروي فحكمها حكم ما يزاد للترنم. وقال سيبويه١: وقد دعاهم حذف ياء "يقضي" إلى أن حذف ناس كثيرون من قيس وأسد الواو والياء اللتين هما علامتا المضمر ولم تكثر واحدة منهما في الحذف ككثرة ياء "يقضي" لأنهما يجيئان لمعنى الأسماء وليستا حرفين [بنيا] ٢ على ما قبلهما فهما بمنزلة الهاء في قوله٣:
يا عَجبًا لِلدّهْرِ شَتَّى طَرَائِقُهْ٤
وقال: سمعت من العرب من يروي هذا الشعر:
لا يُبْعِد الله أصحابًا تَركْتُهُمُ لَمْ أَدْرِ بَعْدَ غَدَاة الأمْسِ ما صَنَعْ٥
يريدُ: ما صنعوا.
وقال عنترةُ:
_________________
(١) يلزم إثبات القاف في "المخترقن" لأنها حرف الروي. والرجز لرؤبة بن العجاج، وبعده: مشتبه الأعلام لماع الخفق والقاتم: المغبر، والقتام: الغبار، والأعماق: النواحي القاصية، وعمق الشيء قعره ومنتهاه. والخاوي: الذي لا شيء به، والمخترق المتسع، يعني: جوف الفلاة. وانظر: المنصف ٢/ ٣، والمحتسب ١/ ٨٦، وشرح السيرافي ٥/ ٤٩٤، والتهذيب ١/ ٢٩٠، والجمهرة ٢/ ٢٣٦، والحماسة ٥٨٢. ١ قال سيبويه، ساقط في "ب" وانظر الكتاب ٢/ ٣٠١. ٢ أضفت كلمة "بنيا" لإيضاح المعنى. ٣ زيادة من "ب". ٤ من شواهد سيبويه ٢/ ٣٠١، على لزوم الياء والواو، إذا كانتا للإضمار واتصلتا بحرف الروي. والشتى: المتفرقة المختلفة، أي: تأتي بخير وشر. وانظر الحجة ١/ ٥٧. ٥ من شواهد الكتاب ٢/ ٣٠١، على حذف واو الجماعة من "صنعوا" كما تحذف الواو الزائدة إذا لم يريدوا الترنم، وهذا قبيح. ولم ينسب هذا البيت لقائل معين، بل قال: إنه سمعه من بعض العرب. انظر: الحجة ١/ ٥٧، وشرح السيرافي ٥/ ٤٨٦، والمفصل للزمخشري ٣٤١.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
يا دَارَ عَبْلَةَ بالجَوَاءِ تَكَلَّمْ١
يريد: تكلمي. فأما "الهاءُ" فلا تحذف من قولك: شتَّى طرائقهُ٢ وما أشبهه؛ لأنَّ الهاء ليست من حروف المد واللين، قال٣: وأنشدنا الخليل:
خَلِيلَيَّ طِيرَا بالتَّفَرُّقِ أو قعَا٤
فلم يحذف الألف كما لم يحذفها من "يقضى" فإنما جاء الحذف في الياء والواو إذا كانا ضميرين فقط، ولم يجئ في الألف ولم يجز لما تقدم ذكره.
واعلم: أن الساكن والمجزوم يقعان في القوافي٥، فإذا وقع واحد منهما في القافية حرك، وجعلوا الساكن والمجزوم لا يكونان إلا في القوافي المجرورة حيث احتاجوا إلى حركتها، ولا يقع ذلك في غير المجرور، كما أنهم إذا اضطروا إلى تحريكها لالتقاء الساكنين كسروا، قال امرؤ القيس:
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ٢/ ٣٠٢ على حذف الياء من "تكلمي" وهي ضمير المؤنث، كما حذفت واو الجماعة من "صنعوا" في الشاهد الذي قبله. والشاهد صدر بيت عجزه: وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي والجواء: اسم موضع، وعبلة اسم معشوقة الشاعر، يقول: يا دار، حبيبتي بهذا الموضع تكلمي وأخبريني عن أهلك ما فعلوا. ثم أضرب عن استخبارها إلى تحيتها فقال: طاب عيشك في صباحك وسلمت يا دار عبلة. وانظر: الحجة ١/ ٥٧، وشرح السيرافي ٥/ ٤٨٦، وشروح سقط الزند ٢/ ٦٠٧، وشرح المعلقات السبع للزوزني ١٦٣، والديوان ٢١٤. ٢ يشير إلى شطر البيت السابق ص٤١٤. ٣ يعني سيبويه، انظر الكتاب ٢/ ٣٠٢. ٤ من شواهد سيبويه ٢/ ٣٠٢ على أن الألف من قوله: "قعا" لا تحذف، كما لا تحذف ألف "بعضا" يقال: وقع الطائر: إذا نزل بالأرض، والوقوع ضد الطيران. وانظر الحجة ١/ ٥٧، وشرح السيرافي ٥/ ٤٨٧. ٥ قال سيبويه ٢/ ٣٠٣: ولو لم يفعلوا ذلك لضاق عليهم، ولكنهم توسعوا بذلك.
[ ٢ / ٣٩١ ]
أَغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قَاتِلي وأنَّك مَهْمَا تَأمري القَلْبَ يَفْعَلِ١
وقال طرفة:
مَتَى تَأْتِنِي أُصْبِحكَ كأسًا رَوِيَّةً فإنْ كُنْتَ عَنْها غَانِيًا فَاغْنَ وَازْدَدِ٢
ولو كانت في قواف٣ مرفوعة أو منصوبة كان إقواء، وقال أبو النجم:
إذا استحثُّوها بَحَوْبٍ أو حلِ٤
وحلْ، مسكنة في الكلام. قال سيبويه٥: ويقول الرجل إذا تذكر ولم يرد أن يقطع كلامهُ: "قالا" فيمد "قال" و"يقولوا" فيمد "يقولُ" ومن٦
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ٢/ ٣٠٣ على كسر اللام في حال الجزم للإطلاق والوصل وإجرائها في ذلك مجرى المجرور، والشاهد لامرئ القيس يقول: قد غرك مني كون حبي لك قاتلي وكون قلبي منقادًا لك بحيث مهما أمرته بشيء فعله. وانظر شرح السيرافي ٥/ ٤٨٨، وشرح المعلقات السبع ١٣، والديوان ١٤٣. ٢ في "ب" ساقط بيت طرفة. والشاهد في كتاب سيبويه ٢/ ٣٠٣، على أن ازدد بالسكون، ولكنه كسر للإطلاق في القافية ووصلها بحرف المد للترنم. وأراد بالكأس: الخمر في إنائها ولا تسمى كأسًا إلا كذلك، ومعنى أصبحك: أسقك صبوحًا، وهو شرب الغداة، والروية: المروية، وهي فعلية بمعنى مفعلة. ٣ الغاني والمستغني سواء، يقال: غنيت عن الشيء، استغنيت. وصف الشاعر كلفه بالخمر واستهلاكه في شربها، والبيت من معلقة طرفة. وانظر: المقتضب ٢/ ٤٩، وشرح السيرافي ٥/ ٤٨٨، وجمهرة أشعار العرب ١٣٨، وشرح المعلقات السبع لابن الأنباري ١٨٧، والديوان ٢٥ في الأصل "قوافي". ٤ من شواهد الكتاب ٢/ ٣٠٣، على كسر لام "حل" للإطلاق والوصل، وحوب وحل زجر للناقة لحثها وحملها على السير، وحوب مكسورة لالتقاء الساكنين كما كسرت "جير" و"حل" ساكنة على ما يجب فيها، إلا أنها حركت للإطلاق. ونسب هذا الرجز إلى أبي النجم العجلي، وانظر: شرح السيرافي ٥/ ٤٨٨، والمخصص ٧/ ٨٠. ٥ انظر الكتاب ٢/ ٣٠٣. ٦ انظر الكتاب ٢/ ٣٠٣، ونص سيبويه: و"بين" بدلًا من "من".
[ ٢ / ٣٩٢ ]
العامي فيمدُّ "العام" سمعناهم يتكلمون به في الكلام، ويجعلونه علامة ما يتذكرونه١ ولم يقطعوا٢ كلامهم، فإذا اضطروا إلى مثل هذا في الساكن كسروا سمعناهم يقولون: إنه "قدي" في "قَدْ" ويقولون: إلى في الألف واللام يتذكرون٣ الحارث ونحوه. قال: وسمعنا من يوثق به في ذلك يقول: "هذا سيفني يريد: سيفٌ، ولكنَّهُ تذكر بعدُ كلامًا ولم يرد أن يقطع اللفظ، ولو أراد القطعَ ما نونَ، فالتنوين حرف ساكن فكسر كما كسر دال٤ "قَدْ".
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٣٠٣، والنص "يتذكر به". ٢ انظر الكتاب ٢/ ٣٠٣، والنص "يقطع". ٣ نص الكتاب ٢/ ٣٠٣ "يتذكر الحارث". ٤ في الأصل "ذاك" وهو تصحيف؛ لأنه يريد كسر دال قد في "قدي".
[ ٢ / ٣٩٣ ]
باب من وأي إذا كنت مستفهما عن نكرة
مدخل
باب "من" وأي إذا كنت مستفهمًا عن نكرة:
إذا قال القائل: رأيتُ رجلًا قلتَ: مَنَا وإذا قال: هذا رجلٌ قلت: مَنُو وإن قال: رأيتُ رجلين قلت: مَنَيْن وإن قال: "هذانِ رجلانِ" قلت: مَنَان وفي الجميع: مَنونْ ومَنَينْ، وللمؤنث: مَنَهْ ومَنَتْ مثل بنتٍ وابنةٍ ومنتانْ ومناتْ. وزعَمَ الخليل١: أنَّ هذا الباب في "مَا" إذا وصلت قلت: مَنْ يَا فتى؟ وإنما يصلحُ هذا في الوقف فقط. قال سيبويه٢: وحدثنا يونس أن ناسًا يقولون: مَنَا ومِنَي ومَنَو واحدًا كان أو اثنين أو جماعة، وإذا قال: رأيتُ امرأة ورجلًا قلت: مَنْ ومَنَا؛ لأنكَ تقول: مَنْ يا فتى في الصلة للمؤنث وإن بدأت بالمذكر قلت: مَنْ ومنَهْ؟ قال: فإذا قال: "رأيتُ عبد اللهِ" فلا تقل: مَنَا، لا يصلح ذلك في شيءٍ من المعرفة، قال سيبويه٣: وسمعنا من العرب من يقال لهُ: ذهب٤ مَعَهم، فيقول: مع مَنِين وقد رأيتهُ فيقولُ: مَنَا، وذلك أنه سأله، على أن الذين ذكر ليسوا عنده ممن يعرفهم بأعيانهم، والعرب تختلف في الاسم المعروف فأهل الحجاز٥ إذا
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٤٠٣. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤٠٢. ٣ انظر الكتاب ١/ ٤٠٣. ٤ في الكتاب ١/ ٤٠٣، ذهبنا بدلًا من "ذهب". ٥ انظر الكتاب ١/ ٤٠٣.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
قال الرجلُ: "رأيتُ زيدًا" قال: "مَنْ زيدًا" يحكون النصب أو الرفع أو الجر، وأما بنو تميم فيرفعون على كل حال وإنما يكون هذا في الاسم الغالب فإذا قال: "رأيتُ أَخا زيدٍ" لم يجز: "منْ أخا زيدٍ" إلا قول من قال: "دَعنا من تمرتانِ"١ وليس بقرشيا٢، والواجبُ الرفعُ٣ وقال يونس٤: إذا قال رجل: رأيت زيدًا وعمرًا أو زيدًا وأخاهُ أو زيدًا أخا عمرو فالرفع يرده إلى القياس والأصل إذا جاوز الواحد كما ترد: ما زيد إلا منطلق إلى الأصل، فأما ناس فإنهم قالوا: منْ أخو زيدٍ وعمرٍو؟ ومَنْ عمرًا وأخا زيدٍ؟ يتبع الكلام بعضُه بعضًا وإذا قالوا: "منْ عمرًا؟ ومنْ أخو زيدٍ؟ " رفعوا "أخا زيدٍ"٥ قال٦: وسألت يونس عن: رأيت زيد بن عمرٍو فقال: أقول: مَنْ زيد بن عمرو لأنه كالواحد، فَمنْ نونَ زيدًا رفع في قول يونس٧، فإن أدخلت الواو والفاء في "مَنْ" فقلت: فَمن أو منون لم يكن فيما بعده إلا الرفع، ويقول القائل: رأيت زيدًا فتقول: المَنيَّ فإن قال: رأيت زيدًا وعمرًا قلت: المَنين وإن ذكر ثلاثة قلت: المنيين، تحمل الكلام على ما حمل عليه المتكلم كأنك قلت: القرشيَّ أم الثقفيَّ، نصب، وإن شاء رفع على "هو" كما قال صالح في جواب: كيف أنتَ؟ وما أي فهي مخالفة "لِمَنْ" لأنها معرفة فإذا استفهمت بها عن نكرة قلت إذا قال: رأيتُ رجلًا، أيا؟ فإن قال: رجلين قلت: أيين؟ وللجميع: أيينَ فإن ألحقت "يا فتى" فهي على
_________________
(١) ١ يعني الحكاية لقوله: ما عنده تمرتان. ٢ انظر الكتاب ١/ ٤٠٣. ٣ لأنه ليس باسم غالب. ٤ انظر الكتاب ١/ ٤٠٣. ٥ انظر الكتاب ١/ ٤٠٣-٤٠٤، تبدأ الزيادة من "ب" من هذه الصفحة إلى ٤٢٢ من الأصل. ٦ أي: سيبويه، انظر الكتاب ١/ ٤٠٤. ٧ لأنه يجعل الابن صفة منفصلة.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
حالها١، وإذا قلت: رأيتُ امرأةً، قلت: أية يا فتى؟ وللاثنتين: أَيتين يا فتى؟ والجماعة: أيَّات يا فتى؟ وإن تكلم بجميع ما ذكرنا مجرورًا جررت وإن رفع رفعت، فإن قال: رأيت عبد الله فإن الكلام من عبد الله وأي عبد الله ليس مع "أيٍّ" في المعرفة إلا الرفع، فأيٌّ ومَنْ يتفقان في أشياء ويختلفان؛ فأما اتفاقهما فإنهما يستفهم بهما ويكونان بمعنى "الذي" تقول: اضرب أيهم هو أفضل وأعط أيهم كان أفضل واضربْ أيهم أبوهُ زيد، كما تقول: اضربْ منْ أبوهُ زيد، ومن هو أفضل، فإن قلت: "اضربْ أيهم عاقلٌ" رفعت هذا مذهب سيبويه٢، وهو عندي مبني "لأنَّ" الذي عاقل قبيح، فإن دخلت "هو" نصبت، وزعم الخليل أنه سمع أعرابيا يقول: ما أنا بالذي قال لك شيئًا٣، فعلى هذا تقول: اضربْ أيهم قائل لك خيرًا، إذا طال الكلام حَسُنَ حذف "هو" ومن لا يقدر فيها الرفع إذا قلت: اضربْ منْ أفضلُ، ورفع اضربْ أيُّهم أفضلُ وهو بمعنى "الذي" عندي ناقص لأصول العربية، إلا أنْ تراد الحكاية أو ضَرب من الضروب يمنع الفعل من الاتصال "بأي" وما يفارق "أي" فيه "من" أن أي تضاف و"من" لا تضاف، ومن تصلح للواحد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث، فمن ذلك: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٤، ومَنْ كانت أُمُّكَ، وتقول أيضًا: أَيهم كانت أمُّكَ؟ وزعمَ الخليل٥ أن بعضهم قرأ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ﴾ ٦، وقال الفرزدق:
_________________
(١) ١ قال سيبويه: فإن ألحقت "يا فتى" في هذا الموضع فهي على حالها قبل أن تلحق "يا فتى". وانظر الكتاب ١/ ٤٠١. ٢ انظر الكتاب ١/ ٣٩٩. ٣ انظر الكتاب ١/ ٣٩٩. ٤ يونس: ٤٣. ٥ انظر الكتاب ١/ ٤٠٤. ٦ الأحزاب: ٣١.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ١
فأي: إنما هي بعض لما أضيفت إليه، ومن قد حكي فيها أنها تكون نكرة وتوصف نحو قولك: مررت بمن صالح، وقالوا: من تكون استفهامًا وتعجبًا وجزاءً، قال بعض الكوفيين: إذا وقعت على نكرة كانت تعجبًا ولم تكن استفهامًا، ولم يجاز بها إذا وقعت على نكرة أزادتها كلها، وإذا وقعت على معرفة أزادت بعضها في الجزاء والاستفهام، فإذا قلت: أيُّ الرجلين أخواكَ؟ وأي رجالٍ إخوتُكَ؟ فهو على العدد، وإذا قلت: أي الزيدينِ أخوكَ؟ وأي الثلاثةِ صاحبُكَ وصاحباكَ؟ فلا يجوز أصحابكَ لأنها تزيد بعد المعرفة.
واعلم: أنها في جميع ذلك لا تخرج عن معنى البعض؛ لأنك إذا قلت: أي الرجلينِ أخواكَ؟ إنما تريد: أي الرجالِ، إذا صُنفوا رجلينِ رجلينِ أخواك، وقد حكي أن "ذا" قد جاءت بمعنى "الذي".
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ١/ ٤٠٤ على تثنية "يصطحبان" حملًا على معنى "من" لأنها كناية عن اثنين وأخبر عنه وعن الذئب فجعله ونفسه بمنزلتهما في الاصطحاب، وهو عجز بيت صدره: تعال فإن عاهدتني لا تخونني. ويروى يصطلحان، ورواه المبرد: تعش فإن عاهدتني لا تخونني. وصف ذئبًا طرقه عندما أوقد نارًا فدعاه إلى العشاء والصحبة. وانظر المقتضب ٢/ ٢٩٥، ٣/ ٢٥٣، وشرح السيرافي ١/ ٧٦، وارتشاف الضرب/ ١٤٠، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٣١١، والمحتسب ١/ ٢١٩، والخصائص ٢/ ٤٢٢، والعيني ١/ ٤٦١، والديوان/ ٨٧٠.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
باب ما تلحقه الزيادة في الاستفهام:
يقول الرجل: ضربتُ زيدًا، فتقول إذا أنكرت: أزيدَنِيه، وإن كان مرفوعًا أو مجرورًا فهذا حكمه. إذا كان قبل هذه العلامة حرف ساكن كسرتَهُ لالتقاء الساكنين مثل التنوين، وإن كان مضمومًا جعلته واوًا، وإن كان مكسورًا جعلته ياءً، وإن كان مفتوحًا جعلته ألفًا، فإن قال: "لقيتُ زيدًا وعمرًا" قلت: أزيدًا وعَمرنيه وإذا قال: ضربتُ عمر، قلت: أعُمراهُ، فإن قال: ضربتُ زيدًا الطويلَ قلت: الطويلاه وإن قلت: أزيدًا يا فتى، تركت الزيادة إذا وصلت، ومن العرب من يجعل بين هذه وبين الاسم أن فيقول: أَعُمرانيه، قال سيبويه: سمعنا رجلًا من أهل البادية قيل له: أتخرجُ إنْ أخصبتِ الباديةُ؟ فقال: أَنَا إِنِيه منكرًا١. ومما زادوا الهاء فيه بيانًا قولهم: اضْرِبْهُ يريد: اضرِبْ وتقول: إني قد ذهبتُ فيقول: أذهبتوه ويقول: أنا خارج فتقول: أنا إنِيه، تلحق الزيادة ما لفظتهُ وتحكيه.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ١/ ٤٠٦.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
ذكر الهمز وتخفيفه
مدخل
ذكر الهمز وتخفيفه:
الهمزة لا تخلو من أن تكون ساكنة أو متحركة، فالساكنة لها ثلاث جهات، إما أن يكون قبلها فتحة أو كسرة أو ضمة، فإن كان قبلها فتحة أبدلت ألفًا وذلك في رأس، راس، وفي يأس ياس، وفي قرأتُ قراتُ، وإن كان قبلها كسرة أُبدلت ياء وذلك قولهم في الذئب: الذيبُ، وفي المئرةِ١: الميرةُ، وإن كان قبلها ضمة أبدلتها واوًا، وذلك قولك في البؤسِ: البوسُ، والمؤمنِ: المومنُ وإنما يبدل مكان كل همزة ساكنة الحرف الذي منه حركة ما قبلها؛ لأنه ليس شيءٌ أقرب منه، فالفتحة من الألف والضمة من الواو والكسرة من الياء، والهمزة المتحركة لا تخلو من أن يكون ما قبلها ساكنًا أو متحركًا فالهمزة المتحركة التي قبلها ساكن تكون على ضربين: همزة قبلها حرف مد وهو واو قبلها ضمة أو ياء قبلها كسرة أو ألف زيد للمد. والضرب الآخر: همزة قبلها حرف غير مد فالضرب الأول: الهمزة المتحركة التي قبلها مدَّةٌ فهي تبدل إذا كان قبلها واو أو ياء، وذلك في قولك مقروءة مقروة ومقروٌّ فاعلم، وأبدلت الهمزة واوًا، وإنما فعلت ذاك لأن الواو زائدة وقبلها ضمة وهي على وزن مَفْعُولةٍ ومَفْعُولٍ، وإذا كان قبل الهمزة ياء ساكنة قبلها كسرة وهي زائدة أبدلت الهمزة ياء، تقول في خطيئةٍ: خَطيّة، في النسيء: النسيُّ يا هذا، وفي أفَيئسٍ تصغير أفْؤسٍ أُفَيّس، وفي سُويئلٍ وهو تصغير سائل: سُويَلٍ، فياء التصغير بمنزلة ياء خطيةٍ. وإن كان ما قبل ياء التصغير مفتوحًا قلبوها لأنهم أجروها مجرى المدةِ كانت لا تحرك أبدًا، وهي نظير الألف التي تجيء في جمع التكسير نحو ألف دراهم، ألا ترى أنك تقول: دُرَيهم فتقع ياء التصغير ثالثة كما تقع الألفُ ويكسر ما بعدها كما يكسر ما بعد الألف، ولا تحرك كما لا تحرك الألف، وإن كان الساكن الذي قبل الهمزة ألفًا جعلت بينَ بينَ ومعنى قول النحويين: "بَينَ بينَ" أن تجعل الهمزة في اللفظ بين الحرف الذي منه حركتها وبين الهمزة بأنْ تلينَها، فإن كانت مفتوحة جعلت بين الألف والهمزة، وإن كانت مضمومة جعلت بين الواو والهمزة، وإن كانت مكسورة جعلت بين الياء والهمزة. وقال سيبويه٢:
_________________
(١) ١ المئرة بالهمزة: النحل والعداوة، وجمعها: مئر. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٢٤.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
ولا يجوز أن تجعل الهمزة بينَ بينَ في التخفيف، إلا في موضع يجوز أن يقع موضعها حرف ساكن، ولولا أن الألف يقع بعدها الحرف الساكن ما جاز ذلك؛ لأنه لا يجمع بين ساكنين وذلك في المسائِل المسايل، يجعلها بين الياء والهمزة، وفي هباءةٍ هَبَاأَةٌ، فيجعلونها بين الهمزة والألف، يلينُ الصوتُ بها وتقول في جزاءُ أُمه، جَزاؤامهِ.
الضرب الثاني:
الهمزة المتحركة التي قبلها حرف ساكن ليس بحرف مَدٍّ، فَمنْ يخفف الهمزة يحذفها ويلقي حركتها على الساكن الذي قبلها، وذلك قولك في المرأة، المَرة، وفي الكمأة الكَمَة، وقال الذين يخففون: "أَلا يسْجدوا لِلَّهِ الَّذي يُخْرجُ الْخبَ فِي السَّمواتِ وَالْأرْضِ"١، ومن ذلك: مَن بُوكَ ومَن مُّكَ وكَم بلكَ إذا خففت ومثل ذلك: الحمر تريد الأحمر، وقد قالوا: الكماةُ والمراة ومثله قليل، ومما حذف في التخفيف لأن ما قبله ساكن قولهم: أَرَى وتَرَى ونَرى ويَرى. وقد أجمعت العرب على تخفيف المضارع من رأيت لكثرة استعمالهم إياه فإذا خففت همزة أرأَوهُ قلت: رَوْهُ حذفت الهمزة وألقيت حركتها وهي الفتحة على الراء وسقطت ألف الوصل وتقديره: أرَأوهُ مثل: أرَعوهُ دخلت ألف الوصل من أجل سكون الراء فلما حركت سقطت ألف الوصل، فإن أمرت واحدًا قلت: ذاك نطقت بالراء وحدها وكان الأصل أرْأى فحذفت الألف التي هي لام الفعل للأمر كما حذفتها في: اخشَ يا هذا وكان الأصل: اخشى وحذفت الهمزة للتخفيف وألقيت حركتها على الراء، فسقطت ألف الوصل فبقيت الراء وحدها، قال سيبويه: وحدثني أبو الخطاب٢ أنه سُمعَ من يقول: قد أَراهُم فجاء به على الأصل٣.
_________________
(١) ١ النمل: ٢٥. وهذه القراءة من الشواذ، انظر شواذ ابن خالويه ١٠٩، وتنسب إلى أبي بكر وعيسى بن عمر الثقفي، وقراءة الجمهور الخبء بالهمز. ٢ أي: الأخفش الكبير. ٣ انظر: الكتاب ٢/ ١٦٥.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
باب ذكر الهمزة المتحركة:
لا تخلو الهمزة المتحركة من أحد ثلاث جهات من الضم أو الكسر أو الفتح وكل همزة متحركة وقبلها حرف متحرك فتخفيفها أن تجعلها "بينَ بينَ" إلا أن تكون مفتوحة قبلها ضمة أو كسرة، فإنك تبدلها وإنما صار ذلك كذلك؛ لأن الهمزة لو خففتها وقبلها ضمة أو كسرة لنحوت بها نحو الألف، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا وذلك محال، فأما ما تجعل من ذلك "بينَ بينَ" فنحو: سأل وسَيئمَ وقد قَرأَهُ، وكل همزة متحركة قبلها حرف متحرك فهذا حكمها أن تجعلها "بينَ بينَ" إلا ما استثنيتَهُ من الهمزة المفتوحة التي قبلها ضمة أو كسرة، فإن كانت وقبلها فتحة جعلت بينَ بينَ، بين الألف والهمزة، وإن كان قبلها ضمة أبدلتها واوًا وإن كان قبلها كسرة أبدلتها ياءً فتقول في التخفيف في التؤدةِ التودة، فيجعلونها واوًا خالصة، ونريدُ أن نقريَكَ في نقرئك، وفي المئرِ١ المير ياء خالصة، وتقول في المتصل منْ غلامُ يبِيكَ وهذا غلامُ وبِيكَ، وإن كانت الهمزةُ مكسورةً وقبلها فتحة صارت بين الهمزة والياء وذلك في يَئسَ ييسَ، وفي سَئِمَ سَيِمَ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ ٢. وإن كانت مضمومة وقبلها فتحة صارت بين الهمزة والواو وذلك قولك: ضربتُ أُختَكَ وإن كانت مضمومة وقبلها ضمة جعلت بينَ
_________________
(١) ١ المئرة: جمع مئرة وهي العداوة. ٢ البقرة: ١٢٦، ٢٦٠.
[ ٢ / ٤٠١ ]
بينَ، وذلك: هذا دِرهمُ أُختِكَ، وإن كانت مضمومة وقبلها كسرة جعلت بينَ بينَ، وذلك من عند أُختكَ؟ وقال سيبويه: وهو قول العرب والخليل١.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٦٤.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
باب الهمزتين إذا التقتا:
وذلك على ضربين: فضرب يكونان فيه في كلمة واحدة، وضرب في كلمتين منفصلتين، اعلم: أن الهمزتين إذا التقتا في كلمة واحدة لم يكن بُدٌّ من إبدال الآخرةِ ولا تخفف، فمن ذلك قولك في فاعل من "جئت": جائي، أبدلت مكانها الياء لأن ما قبلها مكسور وكذلك إن كان قبلها مفتوح جعلتها ألفًا نحو آدمَ لانفتاح ما قبلها، قال١: وسألت الخليل٢ عن فَعْلَلٍ من جئتُ [فقال] ٣: جَيأَي، مِثال جَيعا، وإذا جمعت آدم قلت: أَوادم كما أنك إذا حقرت قلت: أُويدم، صيروا ألفهُ بمنزلة ألف خالدٍ؛ لأن البدل من نفس الحرف فشبهت ألف آدم بألف "خالدٍ" لانفتاح ما قبلها لأنها ليست من نفس الكلمة ولا بأصل فيها، وأما خَطايا فأصلها خَطَائي فحقها أن تبدل ياء، فتصير: خطائي فقلبوا الياء ألفًا ورفَعوا ما قبلها، كما قالوا "مُداري" أبدلوا الهمزة الأولى ياء كما أبدلوا "مَطايا" وفرقوا بينها وبين الهمزة التي من نفس الحرف، وناس يحققون فإذا وقعت الهمزة بين ألفين خففوا، وذلك قولهم: كساءان ورأيت كساءين كما يخففون إذا التقت الهمزتان؛ لأن الألف أقرب الحروف إلى الهمزة ولا يبدلون ياء لأن الألف الآخرة تسقط، ويجري الاسم في الكلام.
_________________
(١) ١ أي سيبويه، انظر الكتاب ٢/ ١٦٩. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٦٩. ٣ أضفت كلمة "فقال" للمعنى.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
الضرب الثاني: من التقاء الهمزتين وهو ما كان منه في كلمتين منفصلتين:
اعلم: أن الهمزتين إذا التقتا وكل واحدة منهما في كلمة، فإن أهل التحقيق يخففون إحداهما ويستثقلون تحقيقهما، كما يستثقل أهل الحجاز تحقيق الواحدة، وليس من كلام العرب أن تلتقي همزتان محققتان إلا إذا كانتا عينًا مضاعفة في الأصل نحو سماءين ومن كلامهم تحقق الآخرة وهو قول أبي عمرو١ وذلك قول الله ﷿: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ٢، ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا﴾ ٣، ومنهم من يحقق الأولى ويخفف الآخرة، وكان الخليل٤ يستحب هذا ويقول: لأني رأيتهم يبدلون الثانية في كلمة واحدة كآدم، وأخذ به أبو عمرو٥ في قوله: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ ٦ فحقق الأولى وقال سيبويه: وكل عربي والزنة واحدة محققة ومخففة، ويدلك على ذلك قول الأعشى٧:
_________________
(١) ١ أي: أبو عمرو بن العلاء، وانظر الكتاب ٢/ ١٦٧، والمقتضب ١/ ١٥٨. ٢ محمد عليه الصلاة السلام: ١٨. ٣ مريم: ٧ والآية: ﴿زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ . ٤ انظر الكتاب ٢/ ١٩٦. ٥ انظر الكتاب ٢/ ١٩٧. ٦ هود: ٧٢ وفيها قراءات كثيرة سبعية، انظر إتحاف فضلاء البشر/ ٢٥٩، وغيث النفع/ ١٣٠. ٧ من شواهد الكتاب ٢/ ١٦٧ على أن الهمزة المخففة بزنة المحققة، ولولا ذلك لانكسر البيت؛ لأن بعد الهمزة نونًا ساكنة، فلو كانت بين بين في حكم الساكنة، لالتقى ساكنان في الحشو، ولا يكون ذلك في الشعر إلا في القوافي. وعجز البيت: ريب المنون ودهر مفسد خبل. ورأيت بمعنى: أبصرت، والأعشى: هو الذي لا يبصر بالليل. وانظر المقتضب ١/ ١٥٥، والحجة ١/ ٢٣١، وشرح السيرافي ٥/ ١١، والإنصاف/ ٣٨٩، والديوان/ ٥٥.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
أَانْ رَأَتْ رَجُلًا أَعْشَى أَضَرَّ بِهِ
فلو لم يكن بزنتها محققة لانكسر البيت، وأما أهل الحجاز١ فيخففون الهمزتين لأنه لو لم يكن إلا واحدة لخففت، فتقول: اقرأ آية في قول من خفف الأولى؛ لأن الهمزة الساكنة إذا خففت أبدلت بحركة ما قبلها، ومن حقق الأولى قال: اقْر آية ويقولون: اقْرِي مثل: اقر آية؛ لأنه خفف همزة متحركة قبلها حرف ساكن، وأما أهل الحجاز٢ فيقولون: اقرأ آيةً ويقولون: أَقرِي باكَ السلام، يبدلون الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ويحذفون الثانية لسكون ما قبلها، ومن العرب ناس٣ يدخلون بين ألف الاستفهام وبين الهمزة ألفًا إذا التقتا؛ وذلك لأنهم كرهوا التقاء الهمزتين ففصلوا كما قالوا: اخشينانِ٤، فهؤلاء أهل التحقيق، وأما أهل الحجاز فمنهم من يقول: آإنكَ وآأنتَ وهي التي يختار [أبو عمرو] ٥ ويدخلون بين الهمزتين ألفًا ويجعلون الثانية بينَ بين كما يخفف بنو تميم في التقاء الهمزتين، وكرهوا الهمزة التي هي بينَ بين مع الأول كما كرهوا معها المخففة، وأما الذين لا يخففون الهمزة فيحققونهما جميعًا ويدخلون٦ بينها ألفًا، وإن جاءت ألف الاستفهام وليس قبلها شيء لم يكن من تحقيقها بد وخففوا الثانية، واعلم: أن الهمزة التي يحقق أمثالها أهل التحقيق من بني تميم وأهل الحجاز وتُجعل في لغة أهل التخفيف بينَ بين، قد تبدل مكانها الألف إذا كان ما قبلها مفتوحًا والياء إذا كان ما قبلها مكسورًا، ياء مكسورة، وليس هذا بقياس مطرد، وإنما يحفظ عن العرب٧ حفظًا، فمن ذلك قولهم
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٦٧-١٦٨. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٦٨. ٣ انظر الكتاب ٢/ ١٦٨. ٤ فصلوا هنا بالألف كراهية التقاء هذه الحروف المضاعفة. ٥ أبو عمرو، زيادة من الكتاب ٢/ ١٦٨ يقتضيها المعنى. ٦ في سيبويه ٢/ ١٦٨: "ولا يدخلون"، وأظنها أصح من عبارة: "ويدخلون". ٧ انظر الكتاب ٢/ ١٦٩.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
في "منسأةٍ" مِنْسأة، ومن العرب من يقول في أوْ أَنْتَ، أوَّنْتَ وأبو يوب في "أبو أيوب" وكذلك المنفصلة إذا كانت الهمزة مفتوحة وقال بعض هؤلاء: سَوَّةٌ وضَو شبهوهما بأوَّنْتَ، فإن خففت في قولهم: أحْلِبني إبلَكَ وأبو أُمِّكَ لم تثقل الواو كراهية لاجتماع الواوات والضمات والياءات والكسرات وحذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها، وبعضهم يقول: يريد أن يَجيكَ ويَسُوكَ وهو يجيكَ ويَسُوكَ يحذف الهمزة ويكره الضمة مع الياء والواو، وعلى هذا تقول: هُوَ يَرم خوانَهُ يريد: يَرمِ إخْوانه حذف الهمزة وأذهب الياء لالتقاء الساكنين. قال أبو بكر: ذكرنا ما يلحق الكلم بعد تمامها وبقي ما يلحق الكلم في ذاتها وهو تخفيف الهمز وقد ذكرناه، والمذكر والمؤنث والمقصور والممدود، والتثنية والجمع الذي على حدها، والعدد، وجمع التكسير، والتصغير، والنسب، والمصادر وما اشتق منها، والإمالة، والأبنية، والتصريف، والإِدغام، وضرورة الشاعر.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
باب المذكر والمؤنث
مدخل
باب المذكر والمؤنث
التأنيث يكون على ضربين: بعلامة وغير علامة؛ فعلامة التأنيث في الأسماء تكون على لفظين: فأحد اللفظين التاء، تبدل منها في الوقف هاء في الواحدة، والآخر الألف، أما الهاء فتأتي على سبعة أضرب.
الأول: دخولها على نعت يجري على فعله وذلك قولك: في قائمٍ ومفطرٍ وكريم ومنطلقٍ إذا أردت تأنيث قائمة وقاعدة ومفطرة وما لم يُسم فهذا بابه، وجميع هذا نعت لا محالة، وهو مأخوذ من الفعل.
الثاني: دخولها فرقًا بين الاسم المذكر والمؤنث الحقيقي الذي لأُنثاهُ ذكر، وذلك قولهم: امرؤٌ وامرأةٌ ومرءٌ ومرأةٌ، ويقولون: رجَلٌ وللأُنثى رَجُلةٌ، قال الشاعر:
وَلَمْ يُبالوا حُرْمةَ الرَّجُلَة١
والثالث: دخولها فرقًا بين الجنس والواحد منه، نحو قولك: تَمْرٌ وتَمرةٌ،
_________________
(١) ١ هذا عجز بيت وصدره: خرقوا جيب فتاتهم ولم يبالوا حرمة الرجلة ويروى: فرقوا مكان "خرقوا" وأراد بجيبها هنها. والشاهد فيه "التاء" للفرق بين جنس المذكر والمؤنث، ولم يعرف قائل هذا الشاهد. وانظر: الكامل ١٥٩، وشروح سقط الزند ٣/ ١٢١١، وأمالي ابن يعيش ٥/ ٩٨.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
وبُسرٌ وبُسرةٌ، وشعير وشعيرةٌ وبقَر وبقَرةٌ، فحق هذا إذا أخرجوا منه الهاء أن يجوز فيه التأنيث والتذكير، فتقول: هو التَّمرُ وهو البُسرُ وهو العنب وكذلك ما كان في منهاجه، ولك أن تقول: هي التمرُ وهي الشعيرُ، وكذلك ما كان مثلها قال الله ﷿: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ١ فالتذكير على معنى الجمع والتأنيث على معنى الجماعة، ومن هذا الباب جَرادٌ وجرادةٌ، وإنما هو واحد من الجنس، ليس جرادٌ بذكرِ جَرادةٍ.
واعلم: أن هذا الباب مؤنثه لا يكون له مذكر من لفظه؛ لأنه لو كان كذلك لالتبس الواحد المذكر بالجمع، وجملتها أنها مخلوقات على هيئة واحدة، فأما حَيّةٌ فإنما منعهم أن يقولوا في الجنس: "حَيٌّ" لأنه في الأصل نعت حَي يقع لكل مذكر من الحيوان ثم تنفصل أجناسها لضروب.
الرابع: ما دخلته الهاء وهو مفرد لا هو من جنس ولا له ذَكرٌ، وذلك: بلدة ومدينة وقرية وغُرفة.
الخامس: ما تدخله الهاء من النعوت لغير فرق بين المذكر والمؤنث فيه، وهو نعت للمذكر للمبالغة وذلك: عَلاّمةٌ ونَسابةٌ وراويةٌ، فجميع ما كانت فيه الهاء من أي باب كان، فغير ممتنع جمعه من الألف والتاء لحيوان أو غيره، لمذكر أو مؤنث، قَلتْ أو كثرتْ.
السادس: الهاء التي تلحق الجمع الذي على حد مفَاعِلَ، وبابه ينقسم إلى ثلاث أنحاء، فمن ذلك ما يراد به النَّسبُ نحو الأَشاعثةِ والمهالبةِ والمناذرةِ والثاني: أن يكون من الأعجمية المعربة نحو الجَواربةِ والمَوازجةِ والسيابجةِ والبرابرةِ. وهذا خاصة يجتمع فيه النسب والعجمة فأنث في حذف الهاء من هذا والذي قبله بالخيار.
الثالث: أن تقع الهاء في الجمع عوضًا من "ياء" محذوفة فلا بد منها أو
_________________
(١) ١ الحاقة: ٧.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
من الياء وذلك في جمع جحجاجٍ، جَحاجيج، وفي جمع زنديق، زَناديق وفي فرزان، فرازين، فإن حذفت الياء قلت: فَرازنةٌ وزَنادقةٌ وجحاجحَةٌ، وليس هذا كعَساقلةٍ وصيَاقلةٍ لأنك حذفت من هذا شيئًا لا يجتمع هو والهاء، ولو اجتمعا لم يكن مُعاقبًا ولا عوضًا. وإنما قلت: إن باب الهاء في الجمع للنسب والعجمة لمناسبة العجمة أن تناسب الهاء، ألا ترى أن الاسم تمنعه الهاء من الانصراف كما تمنعه العجمة فيما جاوز الثلاثة، وإن الهاء كياء النسب تقول: بطةٌ وبَط وتَمرةٌ وتَمرٌ، فلا يكون بين الواحد والجمع إلا الهاء، وكذلك تقول: "زنجي وزنجٌ، وسندي وسندٌ، وروميٌّ ورومٌ، ويهوديٌّ ويهودٌ" فلا يكون بين الجمع والواحد إلا الياء المشددة، وكذلك التصغير إنما يصغر ما قبل الياء المشددة التي للنسبة، تأتي بها في أي وزن كان، وكذلك تفعل بالهاء تقول في تصغير تَميمي: تُميميٌّ، وفي تصغير جمزي: جُمَيزيٌّ، وتقول في عنترةَ: عُنيتريٌّ، فالاسم على ما كان عليه.
السابع: ما دخلت عليه الهاء وهو واحد من جنس إلا أنه للمذكر والأنثى، وذلك نحو حمامةٍ، ودجاجةٍ، وبطةٍ، وبقرةٍ، واقع على الذكر والأنثى، ألا ترى قول جرير:
لمَّا تَذَكَّرتُ بِالدَّيْرَيْنِ أَرَّقَنِي صَوْتُ الدَّجَاجِ وقَرْعٌ بالنَّواقِيسِ١
إنما يريد: زُقاء الديوكِ.
_________________
(١) ١ الشاهد فيه: صوت الدجاج، وإنما يريد: زقاء الديوك. وقيل: إنه أراد ديرًا واحدًا هو دير الوليد بالشام، وقد صرح ياقوت أنه أراد ديرين: دير فطرس ودير بطرس بظاهر دمشق. وانظر: الكامل ٦١، والحيوان للجاحظ ٢/ ٣٤٢، والعقد الفريد ٥/ ٣٨٨، والمسلسل في غريب لغة العرب ٢٤٠، والديوان ١٤٨.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
باب التأنيث بالألف:
هذه الألف تجيء على ضربين: ألف مقصورة وألف ممدودة، والألف المقصورة تجيء على ضربين: فضرب لا يشك في ألفهِ أنها ألف تأنيث، وضرب يلبس فيحتاج إلى دليل.
الأول: ما جاء على فُعْلَى فهو أبدًا للتأنيث، لا يكون هذا البناء لغيره، وذلك نحو: حُبْلى وأُنثى وخُنْثى ودُنْيا؛ لأنه ليس في الكلام اسم على مثال "جَعْفَر" فهذا ممتنع من الإلحاق.
الثاني منه: ما جاء على وزن الأصول، وبابه أن ينظر: هل يجوز إدخال الهاء عليه، فإن دخلت فإنه ليس بألف تأنيث؛ لأن التأنيث لا يدخل على التأنيث، وإن امتنعت فهي للتأنيث، فأما الذي لا تدخل عليه الهاء فَسكرى وغضْبى ونحوهما مما بني الذكر منه على فَعْلانَ نحو سَكْرانَ وغَضبانَ وكذلك جمعه نحو: سَكارى في أن الألف للتأنيث، ومن ذلك: مَرْضَى وهَلْكَى ومُوتى، فأما ما تدخله الهاء فنحو عَلْقَاةٍ وأرطأَةٍ، وقد ذكرته فيما ينصرف وما لا ينصرف.
الضرب الثاني من ألف التأنيث: هو الألف الممدودة:
وهي تجيء على ضربين: منه ما يكون صفة للمؤنث ولمذكره لفظ منه على غير بنائه، ومنه ما يجيء اسمًا وليس له مذكر اشتق له من لفظه، فالضرب
[ ٢ / ٤١٠ ]
الأول يجيء على فَعْلاء، نحو حَمْراءَ، وخَضْراءَ، وسوداءَ، وبيضاءَ، وعوراءَ، والمذكر من جميع ذا على "أَفعلَ" نحو أَحمرَ وأخضرَ وأَعورَ، وجميع ما جاء على هذا اللفظ مفتوح الأول فألفه للتأنيث. وأما ما جاء اسمًا لواحد ولجميع، فالواحد نحو صَحْراءَ وطَرْفاءَ وقَعْساءَ وحلفاء وخنفساء وقرفصاء، وأما ما جاء لجمع فنحو: الحكماء، والأصدقاء، والأخمساء، وأما بطحاء وأبطحُ فأصله صفة وإن كان قد غلب عليه حتى صار اسمًا، مثل أَبرق وبَرقاءَ وإنما هو اختلاط بياض البقعة بسوادها يقال: جبَلٌ أَبرق، وأما قوباء١ وخُششَاء فهو ملحق بفسطاط وقرطاطَ، وكذلك: علباء٢، وحرباءُ٣، وقِيقاء٤، وزيزاءُ٥ مذكرات ملحقات بسرداح٦، ومداتُهن منقلبات، وما كان على هذا الوزن مضموم الأول أو مفتوحًا فليست ألفه للتأنيث.
الضرب الثاني: من القسمة الأولى من المؤنث:
وهو ما أُنث بغير علامة من هذه العلامات، وهذا النوع يجيء على ثلاثة أضرب: منه ما صيغ للمؤنث ووضع له وجعل لمذكره اسم يخصه أيضًا فغير عن حرف التأنيث، واسم يلزم التأنيث وإن لم تكن له علامة ولا صيغة تخصه ولكن بفعله وبالحديث عنه تأنيثه، واسم يذكر ويؤنث.
الأول: قولك: أَتانٌ، وحمارٌ، وعَناقٌ٧، ورخلٌ٨، وجملٌ، وناقةٌ، صار
_________________
(١) ١ قوباء: بثر يظهر على الجلد. ٢ علباء: عرق في العنق. ٣ حرباء: فكر أم حبين. ٤ قيقاء: المكان المرتفع المنقاد المحدودب. ٥ زيراء: وهو الغليظ من الأرض. ٦ سرداح: الضخم من كل شيء. ٧ عناق: الأنثى من أولاد المعز. وانظر حياة الحيوان ٢/ ١٢٩، والعناق: دويبة طويلة الظهر. ٨ رخل: ذكر المعز.
[ ٢ / ٤١١ ]
هذا المؤنث بمخالفته المذكر معرفًا معروفًا "بذي" عن العلامة، ومن قال رجل وامرأة وهو المستعمل الكثير فهو من ذلك، وكذلك حَجَرٌ.
الثاني: ما كان تأنيثه بغير علامة ولا صيغة وكان لازمًا، أما الثلاثي فنعرفه بتصغيره، وذلك أنه ليس شيءٌ من ذوات الثلاثة كان مؤنثًا إلا وتصغيره يرد الهاء فيه؛ لأنه أصل للمؤنث، وذلك قولك في بَغْل: بُغَيلَةٌ وفي ساقٍ: سُويقةٌ وفي عَين: عيينةٌ وأما قولهم في: حَرْبٍ حُرَيْبٌ وفي فَرَسٍ فُرَيسٌ فإن حربًا إنما هو في الأصل مصدر سمي به، وأما فرس فإنه يقع للمذكر والأنثى فإن أردت الأنثى خاصة لم تقل إلا فُرَيسة، فإن كان الاسم رباعيا لم تدخله الهاء في التصغير وذلك نحو مَقْربٍ وأرنب، وكل اسم يقع على الجمع لا واحد له من لفظه إذا كان من غير الآدميين فهو مؤنث، وذلك نحو إبلٍ وغنمٍ تقول في تصغير [غنمٍ]: غُنَيمةٌ وفي إبلٍ: أُبَيلَةٌ ولا واحد من لفظه، وكذلك خَيلٌ هو بمنزلة هندٍ ودعدٍ وشمسٍ فتصغر ذلك فتقول: غُنَيمةٌ وخُيَيلَةٌ، فإن كان شَيءٌ من ذلك من الناس فهو مذكر ولك أن تحمله على التأنيث.
الثالث: وهو ما يذكر ويؤنث:
فمن ذلك الجموع، لك أن تذكر إذا أردت الجمع وتؤنث إذا أردت الجماعة، فأما قومٌ فيقولون في تصغيره: قوَيمٌ، وفي بَقَرٍ: بُقَيرٌ، وفي رَهْطٍ: رُهَيطٌ؛ لأنك تقول في ذلك "هم" ولا يكون ذلك لغير الناس، فإن قلت فقد أقول: جاءتِ الرجالُ و﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ ١ وما أشبه ذلك، فإنما تريد: جاءتْ جماعةُ الرجالِ، وكذبت جماعة قوم نوح، كقول الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ
_________________
(١) ١ الحج: ٤٢ وسورة ص: ١٢ والقمر: ٩، وانظر شرح الشافية ٢/ ١٥٩-١٦٠ والشعراء: ١٠٥.
[ ٢ / ٤١٢ ]
الْقَرْيَة﴾ ١، إنما هو أهل القرية، وأهل العيرِ، فما كان من هذا فأنت في تأنيثه مخير ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ ٢ فهذا على لفظ الجنس. وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ٣ على معنى الجماعة، وتقول: هذه حصًى كبيرةٌ وحصًى كثيرةٌ، وكذلك كل ما كان ليس بين جمعه وواحده إلا الهاء، قال الأعشى:
فإنْ تُبْصِرِيني وَلِي لِمَّةٌ فإنَّ الحَوَادِثَ أَودَى بِهَا٤
لأن الحوادث جمع حَدثٍ، والحدثُ مصدر والمصدر واحدهُ وجمعه يؤولان إلى معنى واحد، وكذلك قول عامر بن حريم الطائي:
فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ولا أَرْضَ أَبْقَلَ إبقَالها٥
لأن أرضًا ومكانًا سواءٌ، ولو قال على هذا: "إنَّ زينبَ قامَ" لم يجز لأن
_________________
(١) ١ يوسف: ٨٢، وانظر الكتاب ١/ ١٠٨ و٢/ ٢٥. ٢ القمر: ٢٠. ٣ الحاقة: ٧، وانظر أمالي الشجري ٨٣١، والبحر المحيط ١/ ٨٣، وشرح الكافية للرضي ٢/ ١٥٢. ٤ من شواهد سيبويه ١/ ٢٣٩ على حذف التاء من "أودت" ضرورة، ودعاه إلى حذفها أن القافية مردفة بالألف، وسوغ له حذفها أن تأنيث الحوادث غير حقيقي، وهي في معنى الحدثان. ومعنى فأودى بها: ذهب ببهجتها وحسنها، واللمة: الشعرة تلم بالمنكب، وتبدلها: تغيرها من السواد إلى البياض. ورواية الديوان: فإن تعهديني ولي لمة فإن الحوادث وانظر: معاني القرآن ١/ ١٢٨، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٢٧، والإنصاف ٤١٠، والغيث المنسجم ٢/ ٤٤٦، وابن يعيش ٥/ ٩٥ و٩/ ٦ والمسلسل في غريب لغة العرب ٢٥٠، والديوان ١٧١. ٥ من شواهد الكتاب ١/ ٢٤٠ على حذف التاء من "أبقلت" لأن الأرض بمعنى المكان، فكأنه قال: ولا مكان أبقل إبقالها. وصف أرضًا مخصبة لكثرة ما نزل بها من الغيث، والودق: المطر، والمزنة: السحابة، ويروى: أبقلت إبقالها، بتخفيف الهمزة ولا ضرورة فيه على هذا. وانظر: الخصائص ٢/ ٤١١، والكامل ٤٠٥، ومعاني القرآن ١/ ١٢٧، والخزانة ١/ ٢١.
[ ٢ / ٤١٣ ]
تأنيث هذا تأنيث حقيقي، فمهما اعتوره من الاسم فخبرت عنه بذلك، فإنّ الخبر عنه لا عن الاسم.
واعلم: أن من التأنيث والتذكير ما لا يعلم ما قصد به، كما أنه يأتيك من الأسماء ما لا يعرف لأي شيء هو، تقول: فِهْرٌ فهي مؤنثةٌ وتصغيرها فُهَيرَةٌ وتقول: قَتبٌ لحشوةِ البَطنِ وهو المعى وتصغيره قُتَيبَةٌ، وبذلك سمي الرجل قُتَيبَة وكذلك: طريقٌ وطرقٌ وطريقين جُرن وجُرنات وأوطبُ وأواطبُ والشيء قد يكون على لفظ واحد مذكر ومؤنث فمن ذلك: اللسان يقال: هو وهي والطريقُ مثله والسبيلُ مثلهُ، وأما قولهم: أرضٌ فكان حقه أن يكون الواحدُ أرضة والجمع أرضا، لو كان ينفصل بعضها من بعض كتمرةٍ من تَمرٍ، ولكن لما كانت نَمطًَا واحدًا وقع على جميعها اسم واحد كما قال الله ﷿: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ١، وقال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ ٢، فإذا اختلفت أجناسها بالخلقة أو انفصل بعضها من بعض بما يعرض من حزنٍ وبَحرٍ وجَبلٍ قيلَ: أرضون كما تقول في التَمرِ: تمرانِ تريد ضربين، فكان حق أرض أن تكون فيها الهاء لولا ما ذكرنا وإنما قالوا: أرضونَ والمؤنث لا يجمع بالواو والنون إلا أن يكون منقوصًا كمشيةٍ وثُبةٍ وقُلةٍ، وكليةٌ لا بد أنها كانت هاءً في الأصل؛ فلذلك جاءت الواو والنون عوضًا. وطاغوت فيها اختلاف؛ فقوم يقولون: هو أحد مؤنث، وقال قوم: بلْ هو اسم للجماعة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ ٣ فهذا قول، قال محمد بن يزيد: والأصوب عندي والله أعلم أنه جماعة، وهو كل ما عُبد من دون الله من إنسٍ وجِن وغيره، ومن حَجرٍ وخَشبٍ وما سوى ذلك، قال الله ﷿:
_________________
(١) ١ يوسف: ١٠١. ٢ الطلاق: ١٢. ٣ الزمر: ١٧.
[ ٢ / ٤١٤ ]
﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَات﴾ ١ فهذا مبين لا شك فيه ولا مدافعة له، وقولهم: إنه يكون واحدة لم يدفعوا به أن يكونوا الجماعة، وادعاؤهم أنه واحدة مؤنثة تحتاج إلى نعت، والعنكبوت مؤنثة، قال الله جل اسمه: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ ٢، والسّماء تكون واحدة مؤنثة بالبنية، على وزن عناقٍ٣ وأتانٍ، وكل ما أُنث وتأنيثه غير حقيقي، والحقيقي: المؤنثُ الذي له ذكر، فإذا ألبس عليك فرده إلى التذكير فهو الأصل، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾ ٤ لأن الوعظ والموعظة واحد، وأما حائض وطامثٌ ومُفْصلٌ فهو مذكر وصف به مؤنث.
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٥٧. ٢ العنكبوت: ٤١. ٣ عناق: الأنثى من ولد الضأن. ٤ البقرة: ٢٧٥، وهي قراءة الجمهور. وقد قرأ أبي بن كعب والحسن البصري على الأصل: "ممن جاءته موعظة" انظر البحر المحيط.
[ ٢ / ٤١٥ ]
ذكر المقصور والممدود:
وهما بناتُ الياء والواو اللتين هما لامات، فالمنقوص كل حرف من بنات الياء والواو وقعت ياؤه أو واوه بعد حرف مفتوح فأشياء يعلم أنها منقوصة؛ لأن نظائرها من غير المعتل إنما يقع أواخرهنَّ بعد حرف مفتوح، وذلك بنظائرها من غير المعتل وذلك نحو "مُعْطي" وأشباهه لأنه معتل مثل مُخْرَجٍ١، ومثل ذلك المفعول وذلك أن المفعول من سَلقيتَهُ٢ فهو مُسَلْقًى، والدليل على ذلك أنه لو كان بدل هذه الياء التي في "سلقيتُ" حرفًا غير الياء لم يقع إلا بعد مفتوح، فكذلك هذا وأشباهه، وكل شيءٍ كان مصدرًا لفَعلَ يفعلُ، وكان الاسم أَفعل، فهو منقوص لأنه على مثال: حول يحول فهو حول واسمه أحول، فمن ذلك قولهم للأعشى به عَشي، وللأعمى به عَمًى،
_________________
(١) ١ أي: الباء بمنزلة الجيم. ٢ سلقيته: سلقاه: إذا ألقاه على قفاه.
[ ٢ / ٤١٥ ]
وللأقنى١ به قُنى، ومما يعلم أنه منقوص أن ترى الفعلَ فعَلَ يَفْعَلُ، والاسم منهُ فَعلٌ وذلك فَرقَ يَفْرَقُ فَرقًَا، فمصدر هذا من بنات الياء والواو على "فَعَلٍ" هَويَ يَهْوى، ورديت تَردى وهو رَد وهو الردى، وصديت صَدًى وهو صَدٍّ ولويتَ لوًى، وكذلك كَري يكْرى كرًى، وإذا كان "فَعِلَ" يَفعَلُ فَعلاء والاسمُ منه فَعْلانُ فهو أيضًا منقوص، نظيره من الصحيح: عَطشَ يعطَشُ عَطَشًا وهو عطشانُ، وله فَعْلَى نحو: عَطْشى، والمعتل نحو: طَوِيَ يَطوى طَوًى، وصَديَ يَصْدى صَدًى وهو صديانُ، وقالوا: رَضيَ يَرضى رضًا وهو رَاضٍ، وهو الرضا ونظيره: سَخِطَ يسخطُ سخطًا وهو ساخطٌ، وكسروا الراء من رضًا كما قالوا: الشيعُ فلم يجيئوا به على نظائره وذا لا يُجسر عليه إلا سماعًا، ومن المنقوص ما لا يعلم أنه منقوص إلا بالسماع نحو: قَفًَا ورحى، وقد يستبدل بالجمع إذا سمعتَ أرحاء وأقفاء علمت أنه جمع لمنقوص، وهذا بين في الجمع وكل جماعة واحدها فِعْلة أو فُعْلَة فهي مقصورة نحو عُروة وعُرًى وفرية وفِرًى، أما الممدود فكل شيء ياؤه أو واوه بعد ألف، فمنها ما يعلم أنه ممدود في كل شيء نحو: الاستسقاء؛ لأن استسقيتُ مثل استخرجتُ فكذلك الاشتراء لأن اشتريتُ مثل احتقرت، ومن ذلك الاحبنطاء٢، والاسلنقاء٣، فإنه يجيء على مثال الاستفعال في وروده ووزن متحركاته وسواكنه، ومما يعلم أنه ممدود أن تجد المصدر مضموم الأول ويكون للصوت وذلك نحو: العُواء، والزقاء٤، والرُّغاء، ونظيره من غير المعتل الصُّراخُ والنُّباحُ، ومن ذلك البُكاءُ، قال الخليل٥: والذينَ
_________________
(١) ١ الأقني: يقال: أنف أقنى، فيه ارتفاع من أعلاه بين القصبة والمارن من غير قبح. ٢ الاحبنطاء: يقال: حبط بطنه: إذا انتفخ. ٣ الاسلنقاء: يقال: سلقاه: إذا ألقاه على قفاه. ٤ الزقاء: صوت الديكة. ٥ انظر الكتاب ٢/ ١٦٣.
[ ٢ / ٤١٦ ]
قصروهُ جعلوهُ كالحزنِ ويكون العلاج كذلك نحو النُّزاء١، ونظيره من غير المعتل القُماصُ٢، وقلما يكون ما ضُم أوله من المصدر منقوصًا؛ لأن فُعلًا لا تكاد تراه مصدرًا من غير بنات الياء والواو، ومنه ما لا يعلم إلا سماعًا نحو: السماءِ والرشاءِ٣ والألاء٤ والمقلاء٥، ومما يعرف به الممدود الجمع الذي يكون على مثال أَفْعِلَةٍ فواحدها ممدود نحو أَفْنِيةٍ واحدُها فِنَاء، وأرشِيَةٍ واحدها رشاء.
_________________
(١) ١ النزاء: يقال: نزا ينزو نزوًا ونزاء ونزوانًا: إذا علا وارتفع. ٢ القماص: داء في الدابة يأخذها حتى تموت. ٣ الرشاء: رسن الدلو. ٤ الألاء: الفرح التام. ٥ المقلاء: المقلة: شحمة العين التي تجمع السواد والبياض.
[ ٢ / ٤١٧ ]
ذكر التثنية والجمع الذي على حد التثنية
مدخل
ذكر التثنية والجمع الذي على حد التثنية:
الأسماء المثناة والمجموعة على ضربين: صحاحٌ ومعتلة؛ فأما الصحاحُ فقد تقدمت معرفتها، وهذا الجمع إنما يكون لمن يعقل خاصة، والمعتل على ثلاثة أضرب: مقصورٍ وممدودٍ وما آخرهُ ياءٌ.
الأول المقصور: ما كان على ثلاثة أحرف فصاعدًا، فالألف بدل غير زائدة، فإن كان من بنات الواو أظهرت الواو وإن كان ياء أظهرت الياء، فبنات الواو مثل: قَفًا وعَصًا ورَحًا، والدليل عليه قولهم: رضا فلا يميلون وليس شيءٌ من بنات الياء لا يجوز فيه الإِمالةُ، فتقول على هذا فيه: قَفوانِ وعصوانِ ورحوانِ ومن ذلك رِضا والدليل على أن الألف منقلبة من واو قولهم: مرضُوّ ورُضوان، وأما مرضي فبمنزلة مَسنيةٍ١، وهي من سنوتُ، استثقلوا الواوين فأبدلوا، وبنات الياء مثل: رَحى وعَمى وهُدى،
_________________
(١) ١ مسنية: يقال: أرض مسنية: مسقية بالسانية، والسانية: الناقة، أو البعير يسقى عليه الماء من البئر.
[ ٢ / ٤١٧ ]
وفَتى لأنهم يقولون: فتيانِ ورَحيانِ، فأما الواو في الفتوةِ فمن أجل الضمة التي قبلها، وحكم الجمع بالتاء في هذا حكم التثنية، قالوا: قنواتٌ وأدواتٌ وتقول في ربًا: ربوانِ لقولهم: ربوتُ، فإذا جاء من المنقوص شيءٌ ليس له فعل ولا اسم تثبت فيه الواو وألزمت ألفه الانتصاب فهو من بنات الواو نحو: لَديَّ وإليَّ، وإنما يثنيان إذا صارا اسمين، وإن جاء من المنقوص شيء ليس فِعلٌ تثبت فيه الياء والاسم، وجازت إمالته فالياء أولى به، وذلك نحو: مَتى وبَلى وحكم الجمع بالتاء حكم التثنية، فإن كان الاسم المقصور على أربعة أحرف فما زاد أو كانت ألفهُ بدلًا من نفس الحرف أو زائدة فتثنية ما كان من الواو من هذا كتثنية ما كان من الياء والجمع بالتاء كالتثنية، وذلك نحو قولك في مصطفى: مصطفيانِ ومصطفيات وأعمى: أعميانِ، فإن جمعتَ المنقوص جمع السلامة فإنك تحذف الألف وتدع الفتحة التي قبلها على حالها، تقول في مصطفى: مصطفَون وفي رجل سميتهُ قَفًا: قَفَونَ.
الثاني من الممدود: اعلم أن الممدود بمنزلة غير المعتل، تقول في كساءٍ: كساءانِ وهو الأجودُ، فإن كان لا ينصرف وآخره زيادة جاءت للتأنيث فإنك تبدل الألف واوًا، وكذلك إذا جمعته بالتاء، وذلك قولك: حمراوان وحمراواتٌ وناس كثيرون يقولون: علباوانِ وحرباوانِ، شبهوه بحمراء إذ كان زائدًا مثله، وإنما تثنيته علباءانِ١ وحرباءانِ؛ لأَن علباء ملحق بسرداح٢، والملحق كالأصل، وهذا يبين في التصريف، وقال ناس: كساوانِ، وغطاوانِ، ورداوانِ، وإن جعلوه بمنزلة علْبَاءَ، وعلباوان أكثر من كساوان، قال سيبويه: وسألته -يعني الخليل- عن عقلتُهُ بثنايينِ، لِمَ لَمْ يهمز؟ فقال: لأنه لم يفرد لهُ واحدٌ٣.
_________________
(١) ١ علباءان مثنى: علباء، وهي عرق في العنق، ويقال: عصبة. ٢ سرداح: الضخم من كل شيء. ٣ انظر الكتاب ٢/ ٩٥.
[ ٢ / ٤١٨ ]
الثالث: الاسم المعتل: الذي لامهُ ياء قبلها كسرة نحو قاضٍ وغَازٍ، تثنيه: قاضيان وغازيانِ، وتجمعهُ: قاضونَ، وتثبت الياء في التثنية وتسقط في الجمع، كما كانت في مصطفى إذا ثنيت قلت: مصطفيان، وإذا جمعت قلت: مصطفَونَ والتثنية ترد فيها الأشياء إلى أصولها.
[ ٢ / ٤١٩ ]
باب جمع الاسم:
الذي آخره هاء التأنيث، إذا سميتَ رجلًا: طلحة أو امرأة، فجمعهُ بالتاء لا تغيره عما كان عليه، فأما حُبلَى وحمراءُ وخُنفساءُ إن سميتَ بها رجلًا قلت: حبلون وحمراوونَ، تجمع جميع هذا بالواو والنون؛ لأنها ليست تَزولُ إذا قلت: حَمراوان، فمن حيثُ قلت: حمراوانِ قلت: حمراوونَ، ولما لم يجزْ: تمرتانِ لم يجز: تَمرتونَ، وتجمعُ عيسى وموسى: عيسونَ وموسونَ.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
باب جمع الرجال والنساء:
قال سيبويه: إذا جمعت اسمَ رجلٍ فأنت فيه بالخيار؛ إن شئت جمعته بالواو والنون وإن شئت كسرته، وإذا جمعت اسم امرأةٍ فأنت بالخيار جمعت بالتاء، وإن شئت كسرته على حد ما تكسر عليه الأسماء للجمع١، فإذا سميت بأحمر قلت: الأحامر جعلته مثل أرنبٍ وأرانب، وأخرجته من جمع الصفة، وإن سميت بورقاء جعلتها كَصلْفاء تقول: صلاف وصحراء: صَحارٍ، وإن جمعت خالدًا وحاتمًا قلت: خَوالد وحواتمُ، ولو سميت رجلًا أو امرأةً بسنَةٍ لكنت بالخيار، إن شئت قلت: سنونَ وإن شئت قلت: سنواتٌ، وكذلك ثُبةٌ تقول: ثُباتٌ وثُبونَ، لا تجاوز جمعهم الذي كانوا عليه، وشِيةٌ وظُبَةٌ: شِياتٌ وظُباتٌ لأنهم لم يجاوزوا هذا، وكان اسمًا قبل أن يسمى به. وابنٌ بنون، وأبناء، وأُم أُمهاتٌ وأُمات، واسمٌ اسمون وأسماء، وامرؤ امرءونَ مستعمل بألف الوصل، وإنما سقطت في بنون لكثرة استعمالهم إياه، وشاةٌ إذا سميت بها [لمْ تقلْ إلا] ٢ شِيَاه؛ لأنهم قد جمعوه [ولم يجمعوه بالتاء] ٣. ولو سميت رجلًا بربةَ فيمن خفف قلت: رُباتٌ وربونَ، وعِدةٌ:
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٩٦. ٢ أضفت "لم تقل إلا" لأن الكلام مضطرب. ٣ أضفت "ولم يجمعوه بالتاء" لأن الجملة مضطربة، والأصل هكذا: وشاة إذا سميت بها شياه؛ لأنهم قد أجمعوه.
[ ٢ / ٤٢١ ]
عِدات وعدونَ كَلدونَ، وشَفَةٌ في التكسير: شفاهٌ ولا يجوز في أُمة: آمات ولا شفاتٌ، كذا قال سيبويه١ والقياسُ يجيزهُ وقالوا: آمٌ وإماءٌ في أمةٍ، وقال بعضهم: أَمَّةٌ وإموانٌ٢، ولو سميت رجلا بِبُرة لقلت: بُرًى مبرةٌ كما فعلوا به قبل٣. وإذا جاء شيء مثل "برة" لم تجمعه العرب ثم قست ألحقت التاء والواو والنون؛ لأن الأكثر مما فيه هاء التأنيث من الأسماء التي على حرفين الجمع بالتاء والواو والنون ولم تكسر على الأصل، وإن سميت رجلا وامرأة بشيء كان وصفًا ثم أردت أن تكسره كسرته على تكسيرك إياه لو كان اسمًا على القياس، فإن كان اسمًا قد كسرته العرب لم تجاوز٤ ذلك، وأما والدٌ وصاحبٌ فجعلوهما كضاربٍ وإن تكلم بهما كما يتكلم بالأسماء فإن أصلهما الصفة، وإذا كسرت الصفة على شيءٍ قد كسر عليه نظيرها من الأسماء كسرتها إذا صارت اسمًا على ذلك، كما قالوا في أحمرَ: أحامر والذين قالوا في حارثٍ: حَوارث إنما جعلوه اسمًا، ولو كان صفة لكان: حارثونَ، ولو سميت رجلًا بِفَعيلةٍ قلت: فَعَائِل وإن سميته بشيء قد جمعوهُ فُعُلًا جمعته كما جمعوه مثل: صَحيفة وصُحُف وسفينة وسُفُن، وإن سميته بفَعيلة صفة لم يجز إلا فَعَائلُ؛ لأنه الأكثر ولو سميته بعجوز قلت: العُجُزُ٥، نحو عَمودٍ وعُمُد، وقالوا في أَبٍ: أبونَ، وفي أخٍ: أخونَ، لا يغير إلا أن تحذف العرب شيئًا، كما قال:
وفَديننَا بالأَبينا٦
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ٩٩. ٢ انظر الكتاب ٢/ ٩٩. ٣ الجملة في الكتاب ٢/ ١٠٠: "ولو سميت رجلا ببرة ثم كسرت لقلت: برى مثل ظلم، كما فعلوا به ذلك قبل التسمية لأنه قياس". ٤ لم يمثل ابن السراج لهذا النوع بمثال، وانظر الكتاب ٢/ ١٠٠ فإنه مفصل فيه. ٥ في الأصل: العجوز، وهو خطأ. ٦ من شواهد سيبويه ٢/ ١٠١ على جمع "أب" جمعًا سالمًا على "أبين" وهو جمع غريب؛ لأن حق التسليم أن يكون في الأسماء الأعلام والصفات على الفعل كمسلمين ومسلمات ونحوهما. وتمام البيت: فلما تبين أصواتنا بكين وفديننا بالأبينا وهو لزياد بن واصل، شاعر جاهلي، ومعناه: أنه يفخر بآباء قومه وبأماتهم من بني عامر وأنهم قد أبلوا في حروبهم. فلما عادوا إلى نسائهم وعرفن أصواتهم فدينهم لأجل بلائهم في الحروب. وانظر المقتضب ٢/ ١٧٤، والمخصص لابن سيده ١٣/ ١٧١، وأمالي ابن الشجري ٢/ ٣٧، والمفصل للزمخشري ١١٠، والمحتسب ١/ ١١٢، والخصائص ١/ ٣٤٦، وابن يعيش ٣/ ٣٧.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وعثمان: لا يجوز أن تكسره لأنك توجب في تحقيره: عُثَيمينَ، وإنما تحقيره عُثَيمان وهذا يبين في التصغير، وما يجمع الاسم فيه بالتاء من هذه المنقوصة لمذكر كان أو لمؤنث فرجلٌ تسميه ببنتٍ وأُختٍ وهنتٍ وذَيتٍ تقول في جمعه: بنات وذَيَّات وهَنات وفي أختٍ: أخواتٌ، وإن سميته بمساجد ومفاتيح جمعته للمذكر بالواو والنون، والمؤنث بالالف والتاء؛ لأنه جمع لا يكسر، وكذلك قالوا: سَراويلاتٌ حين جاء على هذا المثال، وإن سميت بجمع يجوز تكسيره كسرته، وإن سمعت اسمًا مضافًا فهو مثل جمعه مفرد، تقول في عبد الله كما تقول: عبدونَ وأسقطت النون للإِضافة وإن جمعت أبا زيدٍ قلت١: آباءُ زيدٍ؛ لأنك عرفتهم بالثاني وإن جمعت بالواو والنون قلت: أبو زيدٍ تريد: أبونَ، قال سيبويه: وسألت الخليل عن قولهم: الأشعرونَ فقال: كما قالوا: الأشاعرةُ والمسامعةُ حين أراد بني مِسْمَعٍ، وكذلك الأعجمون كما قال بعضهم: النميرونَ، وليس كل هذا النحو تلحقه الواو والنون ولكن تقول فيما قالوه٢، يعني بقوله: هذا النحو الجمع الذي جاء على معنى النسبة. قال سيبويه: وسألت الخليل عن "مقتوًى ومقتوينَ" فقال: هو بمنزلة النسب للأشعرين٣، وقال سيبويه: لم يقولوا:
_________________
(١) ١ في الأصل "قال". ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٠٣. ٣ نص الكتاب ٢/ ١٠٣ فقال: هذا بمنزلة الأشعري والأشعرين.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
"مَقتَونَ" جاءوا به على الأصل، وليس كل العرب تعرف هذه الكلمة١، وقوله: جاءوا به على الأصل؛ لأن الواو حقها إذا تحرك ما قبلها فانفتح أن تقلب ألفًا، فإن صارت ألفًا طرحت لالتقاء الساكنين كما قال: مصطفونَ وقال في تثنية المبهمة: ذانِ وتانِ واللذانِ ويجمع: اللذونَ، وإنما حذفت الياء "في" الذي، والألف في ذا في هذا الباب ليفرق بينهما وبين الأسماء المتمكنة غير المبهمة، وهذه الأسماء لا تضاف٢.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢/ ١٠٣. ٢ أي: لا تقول: هذا زيدك؛ لأنها لا تكون نكرة فصارت لا تضاف، كما لا يضاف ما فيه الألف واللام.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
ذكر العدد
مدخل
ذكر العدد:
الأسماء التي توقع على عدة المؤنث والمذكر لتبين ما العدد إذا جاوز الاثنين والثنتين إلى أن يبلغ [تسعَ] ١ عشرة وتسعةَ عشَر، فإذا جاوز الاثنين فيما واحدة مذكر فإن أسماء العدد مؤنثة فيها الهاء، وذلك ثلاثة بنين، وأربعةُ أجمالٍ، فإن كان واحده مؤنثًا أخرجت الهاء وذلك قولك: ثلاث بناتٍ وأربعُ نسوةٍ، فإذا جاوز المذكر العشرة فزاد عليها واحدًا قلت: أحدَ عشَر وإن جاوز المؤنث العشرةَ فزاد عليها واحدًا قلت: إحدى عشِرَةَ٢ في لغة بني تميم وبلغة أهل الحجاز: إحدى عَشْرَةَ٣، وإن زاد المذكر واحدًا على أحدَ عَشَر قلت: اثنا عشرَ وإن له اثني عَشر، حذفت النون؛ لأن عشرَ بمنزلة النون والحرف الذي قبل النون حرف إعراب، وإذا زاد المؤنث واحدًا على إحدى عَشرة، قلت: ثِنتا عَشِرَةَ وإن له ثنتي عشِرة واثنتي عشِرة، وبلغة أهل
_________________
(١) ١ أضفت كلمة "تسع" لأن المعنى يحتاجها. ٢ في لغة بني تميم تكسر الشين من "عشرة". قال سيبويه ٢/ ١٧١: كأنما قلت: إحدى نبقة. ٣ في لغة أهل الحجاز بسكون الشين من عشرة، كأنما قلت: إحدى تمرة.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
الحجاز: عَشْرة١، فإذا جاوزت ذلك قلت: ثلاثة عشَر وإذا زاد على ثنتي عشَرة واحدًا قلت: ثلاثَ عشَرة، وحكم أربعةَ عشَر وما يليها من العدد إلى العشرين من حكم ثلاثةَ عشَر.
_________________
(١) ١ أي: بسكون الشين من "عشرة" وبكسرها في لغة تميم.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
باب ما اشتق له من العدد اسم به تمامه وهو مضاف إليه:
وذلك قولهم: خامسُ خَمْسَةٍ، وثاني اثنينِ١، وثالثُ ثلاثةٍ إلى قولك: عاشرُ عَشرةٍ، فقولك: ثاني وثالث مشتق من اثنين وثلاثة، وبالثالث كمل العدد فصار ثلاثة، وقد أضفته إلى العدد وهو "ثلاثة" فمعناه: أحد ثلاثةٍ وأحدُ أربعة، وتقول للمؤنث: خامسة فتدخلها الهاء كما تدخل في "ضاربةٍ" لأنك قد بنيته بناء اسم الفاعل، فإذا أضفت قلت: ثالثة ثلاث ورابعة أربع وتقول: هذا خامس أربعةٍ، تريد: هذا الذي خمس الأربعة، وتقول في المؤنث: هذه خامسة أربعٍ وكذلك جميع هذا من الثلاثة إلى العشرة، فإذا أردت أن تقول في أحدَ عَشر كما قلت: في "خامس" قلت: حادي عَشر وثاني عشر وثالث عشر إلى أن تبلغ إلى تسعة عشر، ويجري مجرى خمسة عشر في فتح الأول والآخر. وفي المؤنث: حادية عشرة كذلك إلى أن تبلغ تسعةَ عشَر. ومن قال: خامسُ خمسةٍ قال: خامسُ خمسةَ عَشَر وحادي أحد عَشر "فحادي وخامس" ههنا يجران ويرفعان ولا يبنيان، وبعضهم٢ يقول: ثالثَ عشر، ثلاثةَ عشَر، ونحوهما وهو القياس٣، وليس قولهم:
_________________
(١) ١ قال الله تعالى في سورة التوبة: ٤٠ ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ . قراءة سكون الياء سمعها من العرب. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٧٢. ٣ انظر الكتاب ٢/ ١٧٢-١٧٣.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
ثالثُ ثلاثةَ عشَر في الكثرة كثالث ثلاثةٍ؛ لأنهم قد يكتفون بثالث عشر وتقول: هذا حادي أحد عشَر، إذا كُنَّ عشر نسوة فيهن رجل١، ومثل ذلك: خامسُ خمسة، إذا كن أربع نسوة فيهن رجلٌ كأنك قلت: هو تمامُ خمسةٍ والعرب تغلب التذكير إذا اختلط بالمؤنث وتقول: هو خامسُ أربعةٍ، إذا أردت به أن صير أربع نسوةٍ خمسةً [ولا] ٢ تكاد العرب تتكلم به، وعلى هذا تقول: رابعُ ثلاثةَ عشَر، كما قلت: خامسُ أربعةٍ، فأما بضعةَ عشر فبمنزلة تسعةَ عشَر في كل شيء، وبضعَ عشرة كتسعَ عشرة في كل شيءٍ.
_________________
(١) ١ لأن المذكر يغلب المؤنث. ٢ في الأصل "تكاد".
[ ٢ / ٤٢٧ ]
باب العدد المؤنث الواقع على معدود مؤنث:
تقول: ثلاث شياهٍ ذكورٌ، ولهُ ثلاثٌ من الشَّاءِ والإِبل والغنم، فأجريت ذلك على الأصل؛ لأن أصله التأنيث، وقال الخليل: قولك: هذا شَاةٌ بمنزلة قولك: هذا رحمةٌ١ أي: هذا شيء رحمةٌ، وتقول: له ثلاث من البط لأنك تصيره إلى بطةٍ، وتقول: له ثلاثة ذكور من الغنم لأنك لم تجئ بشيء من التأنيث إلا بعد أن أضفت إلى المذكر ثم جئت بالتفسير، فقلت: من الإِبل ومن الغنم لا تذهب الهاء كما أن قولك: ذكورٌ بعد قولك: من الإِبل لا تثبت الهاء، وتقول: ثلاثةُ أشخصٍ وإن عنيتَ نساءً؛ لأن الشخص اسم مذكر، وكذلك: ثلاثُ أعينٍ وإن كانوا رجالًا؛ لأن العين مؤنثةُ تريد: الرجل الذي هو عين القوم، وثلاثة أنفسٍ لأن النفس عندهم إنسان، وثلاثة نساباتٍ وهو قبيح لأن النسابةَ صفةٌ فأقمت الصفة مقام الموصوف، فكأنه لفظ بمذكر ثم وصفه فلم يجعل الصفة تقوى قوة الاسم. وتقول: ثلاثةُ دواب إذا أردت المذكر؛ لأن أصل الدابة عندهم صفة فأجروها على الأصل وإن كان [لا] ٢ يتكلم بها كأسماء. وتقول: ثلاثُ أَفراسٍ إذا أردت المذكر لأنه قد ألزم التأنيث، وتقول: سار خمس عشرة من بين يوم وليلةٍ؛ لأنك ألقيتَ الاسم على الليالي فكأنك قلت: خمسَ عشَرة
_________________
(١) ١ يشير إلى قوله تعالى: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] . ٢ أضفت كلمة "لا" لأن المعنى يحتاجها.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
ليلةٍ، وقولك: من بين يومٍ وليلةٍ تؤكد بعد ما وقع على الليالي؛ لأنه قد علم أن الأيام داخلة مع الليالي، وتقول: أعطاهُ خمسَةَ عشَرَ من بين عبدٍ وجاريةٍ، لا غيرَ؛ لاختلاطها، قال سيبويه: وقد يجوز في القياس: خمسةَ عشَر من بين يومٍ وليلةٍ وليس بحدٍّ في كلام العرب١، وتقول: ثلاثُ ذَودٍ؛ لأن الذود أنثى وليس باسم كسر عليه، فأما ثلاثة أشياء فقالوها؛ لأنهم جعلوا أشياء بمنزلة أفعال لو كسروا عليه "فَعْل" ومثل ذلك: ثلاثَةُ رَجْلةٍ لأنه صار بدلًا من أرجالٍ، وزعم الخليل: أن أشياء مقلوبةٌ كقسي٢، وزعم يونس عن رؤبة٣: أنه قال: ثلاث أنفسٍ على تأنيث النفس، كما قلت: ثلاثُ أعينٍ٤.
واعلم: أن الصفة في هذا الباب لا تجري مجرى الاسم ولا يحسن أن تضيف إليها الأسماء التي تعد، تقول: هؤلاء ثلاثةٌ قرشيونَ، وثلاثة مسلمونَ؛ كراهية أن يجعل الاسم كالصفة إلا أن يضطر شاعر.
_________________
(١) ١ نظر الكتاب ٢/ ١٧٤. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٧٤. ٣ رؤبة: واسمه عبد الله الطويل ويكنى أبا الحجاف، من فحول رجاز الإسلام، أدرك الأمويين والعباسيين ومدحهم، وكان وجوه أهل اللغة يأخذون عنه ويحتجون بشعره، مات في أيام المنصور ١٣٦-١٥٨هـ. ٤ انظر الكتاب ٢/ ١٧٤.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
ذكر جمع التكسير
مدخل
ذكر جمع التكسير:
هذا الجمع يسمى مكسرًا؛ لأن بناء الواحد فيه قد غُير عما كان عليه فكأنه قد كسر؛ لأن كسر كل شيءٍ تغييره عما كان عليه، والتكسير يلحق الثلاثي من الأسماء والرباعي ولا يكادون يكسرون اسمًا خماسيا لا زائد فيه، فمتى كسروه حذفوا منه وردوه إلى الأربعة، ويكسرون ما يبلغ بالزيادة أربعة أحرف فأكثر من ذلك؛ لأنه يسوغ لهم حذف الزائد منه،
[ ٢ / ٤٢٩ ]
والذي يحذف على ضربين: ضرب يحذف ويعوض من الحذف الياء تعويضًا لازمًا وضرب التعويض فيه وتركه جائزان، وسنذكر كل واحد من ذلك في موضعه إن شاء الله، وأبنية هذه الجموع تجيء أيضًا على ثلاثة أضربٍ: ضرب يكون اسمًا للجمع، ومنها ما بني للأقل من العدد وهي العشرة فما دونها، ومنها ما هي للأكثر، والكثير ما جاوز العشرة ويتسعون فيها، فمنها ما يستعمل في غير بابه، ومنها ما يقتصر به على بناء القليل عن الكثير، والكثير منها ما يستغنى فيه بالقليل عن الكثير، فالذي يستغنى فيه بناء الأقل عن الأكثر فتجده كثيرًا، والاستغناء بالكثير عن القليل نحو ثلاثة شسوعٍ١، وثلاثة قُروءٍ، وإذا أردت أن تعرف ما يكون اسمًا للجمع فهو الذي ليس له باب يكسر فيه، وتطرد الأسماء المجموعة المكسرة على ضربين: أحدهما عدته ثلاثةُ أحرفٍ والآخر عدتهُ أربعةُ أحرف والثلاثة على ضربين: أحدهما مذكر لا هاء فيه أو على لفظ المذكر، والآخر فيه هاء التأنيث وكذلك ما كان على أربعة أحرفٍ، ونبدأ بالاسم الثلاثي الذي لا زائد فيه، وهو يجيء على عشرة أبنيةٍ: فُعْلٌ، فِعْلٌ، فَعْلٌ، فَعَلٌ، فَعِلٌ، فَعُلٌ، فِعُلٌ، فِعِلٌ، فُعَلٌ، فُعُلٌ. وأبنية الجموع على ثلاثة عشَر بناءً: فَعْلٌ، فُعُلٌ، فُعْلَةٌ، فِعُلَةٌ، أَفعُلٌ، فَعيلٌ، فَعَالٌ، فُعُولٌ، فِعَالةٌ، فُعُولةٌ، فُعْلان، فِعْلانٌ، أَفعالٌ، فأَفعلُ وإفعالُ بناءانِ للقليل، وفِعَالُ وفُعولٌ أخوان وهما للكثير، وفِعالةٌ وفعُولة ومؤنثاهما يجريان مجراهما، والثلاثي يجيء أكثره على بناء هذه الأربعة، وفُعولٌ وفِعالٌ أخوان، وليس أَفعل وإفعال أخوينِ؛ لأن ما يجيء على فِعال يجيء فيه بعينه كثيرًا فَعولٌ، وفُعلانٌ وفِعلانٌ أيضًا للكثير وما لم يخص القليل ولا الكثير فيهما فهو اسم للجمع، وأسماء الجمع منها: فُعلٌ وفَعْلٌ إلا أن يكون مقصورًا من فُعُولٍ وفِعْلةٍ وفِعَلَةٍ إن لم تكن مقصورة من فَعلةٍ وفَعيلٍ.
_________________
(١) ١ قال سيبويه ٢/ ١٧٩: فأما القردة فاستغنوا بها عن أقراد، كما قالوا: ثلاثة شسوع، فاستغنوا بها عن أشساع. وانظر ابن يعيش ٢/ ٢٥ وانظر البحر المحيط ٢/ ١٨٧.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
الأول: من أبنية الجموع فُعْلٌ:
فُعْلٌ كسروا "فَعَل" على "فُعْل" وهو قليل قالوا: أسدٌ وأُسْدٌ، وقد جاء في "فَعَل" "فُعْل" وهو قولهم: الفَلْكُ للواحدِ وللجمع الفُلْكُ وهو اسم للجميع لا يقاس عليه، وقالوا: أركن وركْنٌ، وبعض العرب يقول: نَصَفٌ ونُصْفٌ وقد جاء في "فَعْلٍ": رَهْنٌ وَرَهَنٌ، فَفُعْل: اسم للجميع ولمتأولٍ أن يتأولَ أنَّ "فُعْل" مخفف "فُعَلٍ" وأن "فَعَل" مقصور من "فُعولٍ" وكيف كان الأمر فهو بمنزلة اسم للجمع لا يقاس عليه، وقالوا فيما أعلت عينهُ: دارٌ ودورٌ، وساقٌ وسوقٌ، ونابٌ ونيبٌ فهذا في الكثير.
الثاني: فَعَلٌ:
قالو: أَسَدٌ وأُسْدٌ، فهذا مما يدل على أن "فُعُل" في ذلك الباب مخفف من "فُعْلٍ" وكسروا "فَعِل" عليه، قالوا: نمرٌ ونُمُرٌ، قال الراجز:
فيها عَياييلُ أُسودٌ ونُمُرْ١
وهو عندي مقصور عن فُعولٍ حذفت الواو وبقيت الضمة، والذين قالوا: أُسْدٌ وفُلْكٌ ينبغي أن يكون خففوا "فُعُل" والقياس يوجب أن يكون لفظ الجمع أثقل من لفظ الواحد.
الثالث: فَعْلَةٌ:
جَمعوا "فَعُل" عليه قالوا: رَجُلٌ وثلاثةُ رَجْلَةٍ استغنوا بها عن أَرجال.
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ٢/ ١٧٩ على جمع "نمر على نمر" كما جمع: أسد على أسد، والرجز لحكيم بن معية، راجز إسلامي معاصر للعجاج، وصف قناة نبتت في موضع محفوف بالجبال والشجر. وانظر: المقتضب ٢/ ٢٠٣، والصاحبي ٣٨٢، وشرح السيرافي ٦/ ١٨٧، وابن يعيش ٥/ ١٨ و١٠/ ٩٢.
[ ٢ / ٤٣١ ]
الرابع: فِعْلَةٌ:
كسروا عليه ثلاثة أبنية: فَعْلٌ وفِعْلٌ وفُعْلٌ، وذلك قولهم: فَقعٌ١ وفِقْعَةٌ، وجَبٌّ٢ وجِبْأَةٌ وهو اسم جمع، وقالوا في المعتل: عُودٌ وعِودَةٌ، وزَوجٌ وزِوجَةٌ، وثَورٌ وثِورَةٌ، وبعض يقول: ثِيرَةٌ فأما فِعْلٌ فنحو: حِسْل٣ وحِسْلَةٌ، وقِرْد وقِرْدَة للقليل والكثير، وقالوا فيما اعتلت عينه: دِيكٌ ودِيكَةٌ وكِيسٌ وكِيسَةٌ وفيل وفِيلَةٌ. وأما فُعْلٌ فنحو حُجْرٍ٤ وحِجْرَة وخُرجٍ٥ وخِرْجَة وكُرْز٦ وكِرْزَة، وهو كثير ومضاعفهُ حُب وحِبْبَة.
الخامس: فَعيلٌ:
جاء فَعْلٌ على فَعيلٍ، قالوا: كَلْبٌ وكَليبٌ، وهو اسم للجمع لا يقاس عليه، وعَبْد وعَبيدٌ، وجاء فيه فِعْلٌ قالوا: ضِرْسُ وضَريسٌ.
السادس: أَفعُل:
وهو يجيء جمعًا لخمسة أبنية: فَعْلٌ، فَعَلٌ، فَعِلٌ، فِعْلٌ، فُعْلٌ، فأما فَعْلٌ فنحو كَلْبٍ وأَكلُب وفَلْس وأَفلُس، وأَفْعلٌ في الثلاثي إنما يكون لأقل العدد وأقل العدد العشرة فما دونها والمضاعف يجري هذا المجرى، وذلك ضَبٌّ وأَضب وبنات الياء والواو بهذه المنزلة تقول: ظَبْيٌ وأَظْب، ودَلْوٌ وأَدْلٍ، كان الأصل: أَظبو وأدلو، ولكن الواو لا تكون لامًا في الأسماء
_________________
(١) ١ فقع: وفقع بالكسر والفتح، الأبيض الرخو من الكمأة وهو أردؤها. ٢ الجب: الكمأة الحمراء. ٣ حسل: ولد الضب حين يخرج من بيضته. انظر الحيوان ١/ ٢١٢. ٤ حجر: الفرس الأنثى، ولم يدخلوا فيه الهاء لأنه اسم لا يشركه المذكر فيه. ٥ خرج: نوع من الأوعية "جوالق". ٦ كرز: ضرب من الجوالق أو الجوالق الصغيرة.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وقبلها متحرك فقلبوها ياء وكسروا ما قبلها. وجاء في المعتل العين: ثَوْبٌ وأَثوُبٌ، وقَوْس وأَقْوُسٌ وذلك قليل. وقالوا: أَيْرٌ وآيَرٌ، وقد جاء أَفعُلٌ في الكثير أيضًا جمع فَعْلٍ، قالوا: أكفّ.
الثاني: فَعَلٌ نحو زَمَنٍ وأَزْمُن، وقالوا في المعتل: عَصا وأَعص بدلا من أَعصاء.
الثالث: فِعَلٌ نحو ضِلَع وأَضْلُع.
الرابع: فِعْلٌ.
نحو ذِئْبٍ وأَذْؤُب، وقِطْعٍ وأقْطُع، وجِرْوٍ وأَجْرّ، ورِجْل وأَرْجُل، إلا أنهم لا يجاوزون "أَفْعُل" في القليل والكثير.
الخامس: فُعْلٌ:
ركْنٌ وأَركُنٌ، وجاء في "فُعْل" مما اعتلتْ عينه: دَارٌ وأَدْوُرٌ، وسَاقٌ وأَسوُقٌ، ونار وأَنوُرٌ، وقال يونس: وما جاء مؤنثًا من "فُعْل" من هذا الباب فإنه يكسر على أَفْعُل١، وقال سيبويه: لو كان هذا صُحَّ للتأنيث لما قالوا: رَحا وأَرحاء، وقَفًَا وأَقفاء، في قول من أنثَ القَفَا وقال في جمع قَدَم: أَقدام٢، وأَفْعُلٌ إنما هو مستعار في فُعْلٍ، وإنما حقه "أَفعال" في القليل ولكنهم قد يدخلون بعض هذه الجموع على بعض؛ لأن جمعها إنما هو جمع اسمٍ ثلاثي.
السابع من أبنية الجموع: فِعَالٌ:
وهو جمعُ خمسة أبنية: فَعْلٌ، فَعَلٌ، فَعِلٌ، فَعُلٌ، فُعْلٌ. فأما فَعْلٌ فهو كلْبٌ وكِلابٌ، وربما كان في الحرف الواحد لغتان قالوا: فَرخٌ وفُروخٌ وفِراخٌ؛ لأن فُعولًا أختُ فِعَالٍ، والمضاعف يجري هذا المجرى، قالوا: ضَبٌّ وضِبَابٌ، وصَكٌّ وصِكَاكٌ، والمعتل مثله وقالوا: ظَبْيٌ وظِبَاءٌ، ودَلْوٌ ودِلاءٌ، وقالوا فيما اعتلت عينهُ: سَوْطٌ وسِيَاطٌ، ولم يستعملوا فُعولًا حينما
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٨٧. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٨٧.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
اعتلت عينه من ذوات الواو، وقد يجيء خَمسةُ كِلابٍ يراد به خمسة من الكلاب أي: من هذا الجنس، وكان القياس خَمسة أَكْلُبٍ؛ لأن "أَفْعُل" للقليل وفِعَالًا للكثير، وأما فَعَلٌ فيجمع في الكثير على فِعالٍ أيضًا نحو جَمَلٍ وجِمَالٍ وهو أكثر من فُعُولٍ، وأما فَعُلٌ فنحو رَجُلٍ ورِجَالٍ، وسَبُعٍ وسِبَاعٍ، وأما فِعْلٌ فنحو بِئْرٍ وبِئَارٍ وذِئْبٍ وذِئَابٍ، ومضاعفهُ زِقٌّ وزِقاقٌ والمعتل نحو رِيحٍ ورِياحٍ، وأما فُعْلٌ فنحو جُمْد وجِمَادٍ وقُرْطٍ وقِراطٍ ومضاعفه خُصٌّ وخِصَاصٌ وعُشٌّ وعِشَاشٌ والمضاعف فيه كثير.
الثامن من الجموع: فُعُولٌ:
وقد جاء جمعًا لستة أبنية: فَعُلٌ وفَعَلٌ وفَعِلٌ وفِعَلٌ وفِعْلٌ فُعْلٌ، فأما فَعْلٌ فإذا جاوز العشرة فإنه قد يجيء على "فُعُول" قال: نَسْرٌ ونُسُورٌ وبَطْنٌ وبُطُونٌ والمضاعف مثله: صَكٌّ وصُكُوكٌ، وبَتٌّ١ وبُتُوتٌ، وبنات الياء والواو مثله قالوا: ثَدْيٌ وثُدُي، ودَلْوٌ ودُلُي، فهو فُعُولٌ وذلك يبين في التصريف، وفَوْجٌ وفُئُوجٌ وبَحْرٌ وبُحُورٌ وبَيْتٌ وبُيُوتٌ، ابتزتْ فُعُول الياء كما ابتزت فِعَالٌ الواو، فأما "فَعَلٌ" فيجمع في الكثير على فُعُولٍ نحو أَسَدٍ وأُسُودٍ وذكَرٍ وذُكُورٍ وهو أقل من فِعَالٍ والمضاعف فيه قياسه فُعُولٌ، فالذي جاء على أفعالٍ نحو لبَب٢ وأَلبابٍ، والمعتل: نحو قَفًَا وقُفُيٌّ وقِفيٌّ، وعَصا وعُصُيٌّ وعِصِيٌّ، وإنما كسرت الفاء من أجل الياء والكسرة، والمعتل العين نحو نَابٍ ونُيُوبٍ، وقال بعضُهم في سَاقٍ: سُئُوقٌ٣ فهمزوا، وأما فَعِلٌ فنحو نَمرٍ ونُمُورٍ ووَعِلٍ ووُعُولٍ وأما فِعَلٌ فنحو ضِلَعٍ وضُلُوعٍ وإرَمٍ وأُرُوُمٍ، وأما فِعْلٌ فنحو حِمْلٍ وحُمُولٍ وعِرْقٍ وعُرُوقٍ،
_________________
(١) ١ بت: ضرب من الطيالسة غليظ أخضر، والبت: القطع المستأصل. ٢ لبب: ما يشد على صدر الدابة أو الناقة. ٣ في الكتاب ٢/ ١٨٧، وقال بعضهم: سئوق، فيهمز كراهية الواوين والضمة في الواو.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
وشِسْعٍ وشُسُوعٍ، استغنوا فيها عن بناء أدنى العدد، والمضاعف: لِصّ ولُصُوصٌ والمعتل: فِيلٌ وفُيُولٌ ودِيكٌ ودُيُوكٌ، وأما فُعْلٌ فنحو بُرْجٍ وبُرُوجٍ وخُرْجٍ وخُرُوجٍ.
التاسع من أبنية الجموع: فِعَالةٌ:
جاء في فَعْلٍ فُعُولةٌ وفِعَالةٌ، وزعم الخليل: إنما أرادوا أن يحققوا التأنيث نحو الفِحَالةِ١، يعني تأنيث الجمع، وجاء في فَعَلٍ: جَمَلٌ وجِمَالةٌ وحَجَرٌ وحِجَارةٌ وقالوا: أَحجارٌ.
العاشر من أبنية الجموع: فَعُولةٌ:
جاء في فَعْلٍ فُعُولةٌ، نحو بَعْلٍ وبُعُولةٍ، وعَمٍّ وعُمُومةٍ، وجاء فيما اعتلت عينه: عَيْرٌ وعُيُورٌ وخَيْطٌ وخُيُوطٌ.
الحادي عشَر: فِعْلان:
وهو لأربعة أبنية: فَعَلٌ وفَعْلٌ وفِعْلٌ وفُعْلٌ؛ فأما فَعْلٌ فنحو خرْب٢ وخرْبان، وبَرْقٌ وبَرقَان في الكثير، وفي المعتل: جَارٌ وجِيران وقاعٌ وقِيعانٌ وقل فيه فِعَالٌ، وألزموهُ "فِعْلان" وقد يستغنى فيه بأَفعالٍ نحو مَال وأَموال. وأما فَعَلٌ فنحو جَحَلٍ وجِحْلانٍ، ورَألٍ٣ ورِئْلانٍ وفيما اعتلت عينهُ نحو ثَورٍ وثِيرانٍ وقَوزٍ وقِيزانٍ وهو قطعة من الرمل. وأما فِعْلٌ فنحو رِئْدٍ٤ ورِئْدانٍ وهو فَرْخُ الشجرة وصِنْوٍ وصنوان وقِنْوٍ وقنوانٍ، وأما فُعْلٌ فنحو خُشٍّ وخُشان وقالوا: خُشّانٌ لأن
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٧٦. ٢ الخرب: ذكر الحبارى. وانظر حياة الحيوان ١/ ٢٦٣. ٣ رأل: ولد النعام. ٤ رئد: ترب أو فرخ الشجرة.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
"فِعْلان" و"فُعْلان" أُختان وجاء في المعتل من بنات الواو التي هي عين فِعْلان انفردت به فِعْلان نحو عُودٍ وعِيدانٍ وغُولٍ وغِيلانٍ وكُوزٍ وكِيزانٍ وحُوتٍ وحِيتَانٍ ونُونٍ ونينَانٍ.
الثاني عشر: فُعْلان:
وهو لأربعة أبنية: فَعَلٌ وفَعْلٌ وفِعْلٌ وفُعْلٌ جاء في الكثير جمعًا لِفَعَلٍ نحو جَمَلٍ وجُمْلانٍ وسَلَقٍ وسُلْقانٍ، وجاء فَعْلٌ على فُعْلانٍ نحو ثَغْبٍ وثُغْبانٍ وبَطْنٍ وبطنانٍ وظَهْرٍ وظُهرانٍ، وجاء في فِعْلٍ نحو ذِئْبٍ وذئبانٍ وفي مضاعفه: زقٌّ وزُقانٌ وجاء في "فُعْلٍ" في المضاعف نحو خُشٍّ وخشَّانٍ جميعًا.
الثالث عشر: أَفعالٌ جاءت جمعًا لعشرة أبنية:
فَعَلٌ، فَعِلٌ، فُعُلٌ، فُعَلٌ، فِعَلٌ، فِعِلٌ، فَعْلٌ، فُعْلٌ، فُعِلٌ.
فأما فَعَلٌ فنحو جَمَلٍ وأَجمالٍ وجَبَلٍ وأَجبالٍ وأَسَدٍ وآسادٍ وهذا لأدنى العدد، وفي المعتل: قاعٌ وأَقواعٌ وجارٌ وأَجوارٌ ويستغنى به عن الكثير في: مَالٍ وأَموالٍ وبَاعٍ وأبواع، وأما فَعْلٌ فقد جاء جمعه "أفعال" وليس ببابه فقالوا: زَنْدٌ وأزنادٌ، وقال الأعشى:
وزَنْدُكَ أَثْقَبُ أَزنَادِها١
_________________
(١) ١ من شواهد سيبويه ٢/ ١٧٦ على جمع "زند" على أزناد وهو جمع شاذ، لأن باب "فَعْل" حكمه أن يكسر في القليل على "أفعل" وهو عجز بيت صدره: وجدت إذا اصطلحوا خيرهم وزندك أثقب وهو من قصيدة يقولها لقيس بن معد يكرب الكندي، أي: إذا اصطلحت القبائل كنت خيرها وأدعاها إلى الصلح واجتماع الكلمة، وضرب ثقوب زنده مثلًا لكثرة خيره وسعة معروفه. وانظر: المقتضب ٢/ ١٩٦، والديوان ٧٣، والموجز ١٠٤.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
وقالوا في المضاعف: جدٌّ وأجدادٌ وفيما اعتلت عينه لأدنى العدد: سَوْطٌ وأسواطٌ وقد يقتصرون عليها للقليل والكثير نحو لَوْحٍ وألواحٍ ونَوْعٍ وأنواعٍ وبَيْتٍ وأبياتٍ للقليل. ومما جاء أَفعالٌ لأكثر العدد وذلك نحو قَتَبٍ وأقتابٍ ورسنٍ وأرسانٍ وقد جاء في فَعِلٍ للكثير قالوا: أرآدٌ١، ومضاعف "فَعَلٍ" أفعالٌ لم يجاوزوه في القليل والكثير نحو لَبَبٍ وألبابٍ ومَدَدٍ وأمدادٍ وفَنَن وأفنانٍ كما لم يجاوزوا الأَقدامَ والأرسانَ٢، والمعتل اللام من فَعَلٍ نحو صَفًا٣ وأصفاء وصُفِيٍّ وقَفًَا وأقفاء، وقالوا: أَرْحاء في القليل والكثير. قال أبو بكر: ومن ذكري قَتَبٍ إلى هذا الموضع فهو في الصنف الأول في باب فَعَلٍ، وأما فَعِلٌ فنحو كَبِدٍ وأكباد وفَخذٍ وأفخاذٍ ونَمرٍ وأنمارٍ، وقلما يجاوزُ بِفَعِلٍ هذا الجمع. فأما فِعَل فنحو ضِلَعٍ وأضلاعٍ وإرَمٍ٤ وأَرماءٍ، وأما فَعُلٌ فنحو عَضُدٍ وأَعضادٍ وعَجُزٍ وأعجازٍ، اقتصروا على أفعالٍ في "عَضُدٍ" وأما فُعُلٌ فنحو عُنُقٍ٥ وأعناقٍ، وطُنُبٍ٦ وأَطنابٍ، مقتصرا عليه في جمع "طُنُبٍ" وأما فُعَلٌ فنحو رُبَعٍ وأرباعٍ ورُطَبٍ وأرطابٍ وأما فِعِلٌ فنحو إبِلٍ وآبالٍ وأما فِعْلٌ فنحو حِمْلٍ وأحمالٍ وجِذْعٍ وأجذاعٍ، ومما استعمل فيه للقليل والكثير: خِمْسٌ وأخماسٌ وشِبْرٌ وأشبارٌ وطِمْرٌ وأطمارٌ، والمعتل نحو نِحيٍ وأنحاءٍ وفيما اعتلت عينه: فِيلٌ وأفيالٌ وجِيدٌ وأجيادٌ ومِيلٌ وأميالٌ في القليل، وقد يقتصر فيه على أَفعال.
قال سيبويه: وقد يجوز أن يكون أصل "فِيلٍ" وما أشبهه فُعْلًا، كسر
_________________
(١) ١ أرآد: جمع رئد، وهو الترب. ٢ أي: لم يجاوزوا الأفعال كما لم يجاوزوا الأقدام والأرسان. ٣ صفا: يقال صفا: خلص من كل شيء فهو "صفي". ٤ إرم: حجارة تنصب علمًا في المغارة. ٥ عنق: وعنق، وصلة ما بين الرأس والجسد. ٦ طنب: وطنب، حبل الخباء والسرادق ونحوهما.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
من أجل الياء كما قالوا: أبيضُ١ وبِيضٌ، قال أبو الحسن الأخفش: هذا لا يكون في الواحد إنما للجميع. وإنما اقتصارهم على أفعالٍ كقولهم: أَميالٌ وأَنيابٌ وقالوا: ريحٌ وأرواحٌ٢، فأما فُعْلٌ فَجُنْدٌ وأَجنادٌ، وبُرْدٌ وأَبرادٌ في القليل، وربما استغنوا به في الكثير نحو رُكْنٍ وأركانٍ وجُزْءٍ وأَجزاءٍ وشُفْرٍ وأشفارٍ ومضاعفه: حُبٌّ وأَحبابٌ، والمعتل: مُدْيٌ وأمدادٌ لا يجاوز به٣، وفيما اعتلت عينه: عُودٌ وأعواد وغُول وأغوالٌ وحُوتٌ وأحواتٌ وكُوزٌ وأكوازٌ في القليل.
_________________
(١) ١ زيادة من سيبويه ٢/ ١٨٧ لإيضاح المعنى. ٢ هذا في بنات الواو من "فعل". ٣ أي: لقلته في هذا الباب لا يجاز به.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
باب جمع الثلاثي الذي فيه هاء التأنيث في الجمع:
فَعْلٌ، فَعَلٌ، فَعِلٌ، فُعُولٌ، فَعُولٌ، فِعَالٌ، فَعْلانٌ، فِعَلانٌ، فِعْلانٌ، فَعُلاتٌ، فَعُلاتٌ، فَعْلاء، أَفْعَل، وإنما يقع فَعْلٌ في الباب الثاني وهو ما الفرق بين جمعه وواحده الهاء فقط.
هذه أبنية الجمع فيه:
فأما أبنية الأسماء المجموعة فستة: فَعْلَةٌ، وفَعَلةٌ، وفُعَلَةٌ، وفُعْلَةٌ، وفِعْلَةٌ، وفَعِلَةٌ.
الأول: فَعْلَةٌ: جمعها بالتاء في أدنى العدد، وتفتح العين فتقول: فَعَلاتٌ نحو جَفْنَةٍ وجَفَناتٍ فإذا جاوزت أدنى العدد صار على فعَالٍ مثل قِصَاعٍ وقد جاء على فُعُولٍ وهو قليل مثل: مأنةٌ ومُئونٌ والمأنةُ أسفل البطن وقد يجمعون بالتاء وهم يريدون الكثير، وبنات الياء والواو بهذه المنزلة، وكذلك المضاعف فالمعتل نحو ركوةٍ ورِكاءٍ وقَشوةٍ وقِشَاءٍ وركواتٍ وقَشَواتٍ وظَبيةٍ وظَبياتٍ، والمضاعف نحو سَلَّةٍ وسَلاتٍ، فأما ما اعتلت عينه فإذا أردت أدنى العدد ألحقت التاء ولم تحرك العين وذلك نحو عَيبةٍ وعَيباتٍ وعِيابٍ، وضَيْعَةٍ وضَيْعَاتٍ وضِياعٍ، ورَوْضَةٍ ورَوْضات ورياضٍ، وقد قالوا: نَوْبةٌ ونُوبٌ ودَولةٌ ودُولٌ وجَوبة١ وجُوبٌ، ومثلها: قَرْيةٌ وقُرًى، ونَزوَةٌ ونُزًى، وفَعْلَةٌ من بنات الياء على "فِعَلٍ" نحو خَيْمَةٍ وخِيَمٍ.
_________________
(١) ١ جوبة: حفرة مستديرة، والفرجة في السحاب وفي الجبال.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
الثاني: فَعَلةٌ، وهو بمنزلة فَعْلَةٍ، وإن جاء شيء من بنات الواو والياء والمضاعف أجري مجرى الضرب وهو عزيز، وذلك قولك: رَحَبةٌ ورَحبَاتٌ ورَقَبَةٌ ورَقباتٌ ورِقابٌ، ولم يذكر سيبويه مثالًا لما اعتلت لامه١، فأما ما اعتلت عينه فيكسر على "فِعَالٍ" قالوا: نَاقةٌ ونِياقٌ وقد كسر على "فِعَلٍ" قالوا: قَامةٌ وقِيَم، وتَارَةٌ وتِيَرٌ. قال الراجز:
يَقومُ تاراتٍ ويمشي تِيرا٢
فكأنَّ "فِعَل" في هذا الباب مقصورة من فِعَالٍ.
الثالث: فُعْلَةٌ، تجمع [على] ٣ فُعُلاتٍ، نحو رُكْبةٍ ورُكُباتٍ، وغُرفَةٍ وغُرُفاتٍ، فإذا أردت الكثير كسرته على "فُعَلٍ" قلت: رُكَبٌ وغُرَفٌ، وقد جاء: نُقرةٌ ونِقارٌ وبُرْمَةٌ وبِرامٌ، ومن العرب٤ من يفتح العين فيقول: رُكباتٌ، وغُرفاتٌ، وبنات الواو بهذه المنزلة نحو خُطْوة وخُطُواتٍ وخُطًى ومن العرب٥ من يسكن فيقول: خُطْواتٌ، وبناء الياء نحو كُليةٍ وكُلًى ومُديةٍ ومُدًى، اجتزءوا ببناء الأكثر، ومَن خفف قال: كُلْياتٌ ومُدْياتٌ، والمضاعف يكسر على "فُعَلٍ" مثل ركبة ورُكَب، وقالوا: سُرّات وسُرَرٌ ولا يحركون العين لأنها كانت مدغمةً، والفِعالُ في المضاعف كثير نحو جِلالٍ وقِبابٍ والمعتل العين نحو دَولةٍ ودُولاتٍ ودُولٍ.
الرابع: فِعْلَةٌ، نحو ما في القليل بالألف والتاء وتكسر العين، نحو
_________________
(١) ١ انظر الكتاب/ ١٨٨. ٢ من شواهد سيبويه ٢/ ١٨٨ على جمع "تارة" على "تير" والقياس "تيار" بالألف؛ لأن تارة "فعلة" في الأصل كرحبة، وجمع رحبة رحاب، إلا أن المعتل من "فعال" قد تحذف ألفه، كما قالوا: ضيعة وضيع؛ طلبًا للخفة لثقله بالاعتلال، ومعنى يقوم: يثبت قائمًا غير ماشٍ، ولم ينسب هذا إلى قائل معين. وانظر: كتاب إيضاح شواهد الإيضاح ١٧١، والصحاح ١/ ٢٩٢، والموجز ١٠٨. ٣ أضفت "على" لإيضاح المعنى. ٤ انظر الكتاب ٢/ ١٨٢. ٥ انظر الكتاب ٢/ ١٨٢.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
سِدرةٍ وسِدراتٍ وكِسْرةٍ وكِسراتٍ. ومن العرب من يفتح العين [فيقول] ١: سدراتٌ وكَسراتٌ٢، فإن أردت الكثير قلت: سِدرٌ. ومن قال: غُرْفاتٌ فخفف قال: سِدْراتٌ، وقد يريدون الأقل٣ فيقولون: كِسَرٌ وفِقَرٌ في القليل لقلة استعمالهم التاء في هذا الباب. والمعتل اللام فيه نحو لِحيةٍ ولِحًى وفِريةٍ وفِرًى ورِشوةٍ ورِشا، اجتزءوا بهذا عن التاء، ومن قال: كِسْراتٌ قال: لِحْيَاتٌ والمضاعف: قِدّةٌ٤ وقِدّاتٌ وقِدةٌ ورِبَّةٌ ورِبَّاتٌ ورِببٌ، وقد جاء "فِعْلَةٌ" على "أَفْعُل" قالوا: نِعْمَةٌ وأنْعُمٌ، وشِدّةٌ وأشَد، ولم تجمع رِشوةٌ بالتاء ولكن من أسكن قال: رِشْواتٌ؛ لأنَّ الواو لا تعتل في الإِسكان هنا، والمعتل العين: قِيمةٌ وقِيماتٌ ورِيبةٌ، وقِيَمٌ ورَيبٌ.
الخامس: فَعِلَةٌ، نحو نَعمة ونَعمٍ ومَعِدةٍ ومَعِد، وذلك أن تجمع بالتاء ولا تغير.
السادس: فُعَلةٌ، نحو تُخَمةٍ وتُخَمٍ وتُهَمةٍ وتُهَمٍ، وليس هذا كرُطَبةٍ ورُطَبٍ، ألا ترى أن الرطب مذكرٌ كالبُرّ وهذا مؤنث كالظُّلَمِ والغُرَفِ.
_________________
(١) ١ "فيقول" أضيفت لإيضاح المعنى. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٨٢. ٣ في الأصل "الأول" ولا معنى لها. ٤ قدة: القدة: القطعة من الشيء، والفرقة، والطريقة من الناس.
[ ٢ / ٤٤١ ]
باب ما يكون من بنات الثلاثة واحدًا يقع على الجميع:
ويكون واحدا على بنائه من لفظه إلا أنه [مؤنث] ١ تلحقه الهاء للفصل، وهذا الباب حقه أن يكون لأجناس المخلوقات وهي تجيء على تسعة أبنية.
الأول: فَعْلَةٌ: نحو طَلْحَة وطَلْحٍ، وتَمْرةٍ وتَمرٍ، ونَخْلَةٍ ونَخلٍ، وصَخْرَةٍ وصخرٍ، وإذا أردت القليل جمعت بالتاء، وربما جاءت الفَعْلَةُ على فِعَالٍ نحو سَخْلَةٍ وسِخَالٍ، وبهمةٍ وبِهَام وهم شبهوها بالقِصَاعِ٢. وقال بعضهم: صَخْرةٌ وصُخورٌ، وبنات الياء والواو نحو مَرْوةٍ٣ ومَروٍ، وسَروةٍ٤ وسَرْو. وقالوا: صَعْوةٌ٥ وصِعَاءٌ، وشَريةٌ٦ وشَرْي، والمضاعف نحو حَبَّةٍ وحَبٍّ، والمعتل العين نحو جَوْزةٍ وجُوزٍ، وبَيْضَةٍ وبَيْضٍ وبَيضاتٍ، وقد قالوا: روضَةٌ ورِياضٌ.
الثاني: فَعَلةٌ: وهي مثل فَعْلَةٍ، قالوا: بَقَرةٌ وبَقَرٌ وبَقراتٌ، وقالوا:
_________________
(١) ١ زيادة من سيبويه ٢/ ١٨٣ لإيضاح المعنى. ٢ القصاع: جمع قصعة، وهي الضخمة تشبع العشرة. ٣ المروة: حجارة بيضاء براقة، تكون فيها النار وتقدح منها النار. ٤ السروة: تقع في النبات فتأكله. ٥ صعوة: صغار العصافير، ويقال: صعوة واحدة وصعو كثير، والأنثى: صعوة. ٦ الشرية: الحنظل، وقيل: شجر الحنظل، وقيل: ورقه، وجمعها: شري.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
أكمَةٌ وإكَامٌ وبنات الياء والواو نحو حَصًى وحَصاةٍ، وقَطاةٍ وقَطًا وقَطواتٍ، وقال: أَضاةٌ١ وأَضًى، وإضاءٌ مثل إكَامٍ وأَكمٍ، وقالوا: حَلَقٌ وفَلَكٌ ثم قالوا: حَلْقَةٌ وفَلْكَةٌ، فخففوا في الواحد حيث ألحقوه الزيادة وغيروا المعنى، هذا لفظ سيبويه، قال: وزعم يونس عن أبي عمرو أنهم يقولون: حَلقَة٢، والمعتل٣ العين: هام وهَامَةٌ وهَاماتٌ، وراحٌ وراحَةٌ وراحاتٌ، وسَاعةٌ وساع وسَاعاتٌ.
الثالث: فَعِلَةٌ: نحو نَبِقَةٍ ونَبِقَاتٍ ونَبِق، فلم يجاوزوا هذا.
الرابع: فِعَلَةٌ: نحو عِنَبَةٍ وعِنَبٍ، وإبَرةٍ وإبَراتٍ، وهو فسيلُ المُقل.
الخامس: فَعُلَةٌ: نحو سَمُرَةٍ وسَمُرٍ وسَمُراتٍ.
السادس: فُعُلَةٌ: نحو بُسُرةٍ وبُسُرٍ.
السابع: فُعَلَةٌ: نحو عُشَرٍ وعُشَرةٍ، ورُطَبٍ ورُطَبَة ورُطَباتٍ، ويقول ناس٤ للرطب: أرطابُ مثل عِنَبٍ وأعنابٍ، وهذا عندي إنما يجوز إذا اختلفت أنواعه، ونظيره من الياء: مُهاة ومُهي وهو ماء الفحل في رحم الناقة.
الثامن: فِعْلَةٌ: نحو سِلْقَةٍ وسِلْقٍ وسِلْقاتٍ. وقد قالوا: سِدْرةٌ وسِدْرٌ، وقالوا: لِقْحَةٌ ولِقَاحٌ، وفي المضاعف: حِقَّة وحِقَاق، وقالوا: حِقَقٌ، قال المسيب بن علس:
قَد نالني منهم على عَدَمٍ مثْلُ الفسيلِ صغارُها الحِقَقُ٥
_________________
(١) ١ الأضاة بفتح الهمزة: المستنقع من سيل وغيره. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٨٣. ٣ أضفت كلمة "والمعتل" لإيضاح المعنى. ٤ انظر الكتاب ٢/ ١٨٤. ٥ من شواهد سيبويه ٢/ ١٨٤، على جمع حقة على حقق والمستعمل تكسيرها على "حقاق" والحقة التي استحقت أن تركب، ويضربها الفحل من النوق. مدح قومًا وهبوا له أذوادًا من الإبل، شبه صغارها بفسيل النخل، والفسيل صغار النخل، واحدها: فسيلة. وانظر اللسان ١١/ ٣٣٩، وشرح السيرافي ٥/ ٤٥، والمخصص ٧/ ٢١.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
والمعتل العين نحو تِينةٍ وتينٍ وتِيناتٍ، وطِين وطِينَةٍ وطِينَاتٍ، قال سيبويه: وقد يجوز أن يكون هذا "فُعْلًا"١.
التاسع: فُعْلَةٌ: نحو دُخْنَةٍ ودُخْنٍ ودُخْنَانٍ، ومن المضاعف: دُرَّةٌ ودُرٌّ ودُرّاتٌ، وقالوا: دُرَرٌ كما قالوا: ظُلَمٌ، ومن المعتل العين: تُومةٌ٢ وتُومٌ وتُوماتٌ، وصُوفَةٌ وصُوفَاتٌ وصُوفٌ.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٨٩. ٢ تومة: اللؤلؤة، والتومة: القرط فيه حبة.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
باب ما جاء لفظ واحده وجمعه سواء:
وقالوا: حَلْفاءُ للجميع، وحَلْفاءُ واحده، وطَرْفاءُ مثله، وهذا عندي إنما يستعملُ فيهما ليحقر الواحدُ منهُ، قال أبو العباس: حدثني أبو عثمان المازني عن الأصمعي١، قال: واحدُ الطرْفاء طرفَة، وواحدُ القُصْباءِ قَصِبةٌ، وواحدُ الحَلْفاءِ حَلِفَة تكسر اللام مخالفة لأختيها.
_________________
(١) ١ في اللسان ١/ ٤٠٢ قال الأصمعي: حلقة، بكسر اللام.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
باب ما كان على حرفين وليس فيه علامة التأنيث:
اعلم: أن ما كان أصلهُ "فَعْلًا" كسر على "أَفْعِلٍ" نحو يدٍ وأَيدٍ، وفي الكثير على "فِعَالٍ" و"فُعولٍ" وذلك: دِمَاءٌ مدمي، فإن كان "فَعَلٌ" كسر في القليل على "أفعالٍ" وذلك أبٌ وآباء. وزعم يونس أنه يقول: أخ وآخاءٌ، وقال: إخوانٌ١، وبنات الحرفين تكسر على قياس نظائرها التي لم تحذف. وأما ما كان من بنات الحرفين وفيه الهاء للتأنيث، فإنهم يجمعونها بالتاء وبالواو والنون، كأنه عوضٌ، فإذا جمعت بالتاء لم [تغير] ٢ وذلك: هَنَةٌ وهَناتٌ، وشِيَةٌ وشِياتٌ، وفِئَةٌ وفِئاتٌ، وثُبَةٌ وثُبَاتٌ، وقُلةٌ وقُلاّتٌ، وربما ردوها إلى الأصل إذا جمعوها بالتاء فقالوا: سَنَواتٌ وعضَواتٌ، فإذا جمعوا بالواو والنون كسروا الحرف الأول وذلك نحو: سِنُونَ، وقِلُونَ، وثِبُونَ، ومِئُونَ، فرقوا بين هذا وبين ما الواو له في الأصل نحو قوله: هَنُونَ، ومَنُونَ، وبَنُونَ، وبعضهم يقول: قُلونَ٣ فلا يغير، وأما هَنَةٌ ومَنَةٌ، فلا يجمعان إلا بالتاء؛ لأنهما قد ذكرا. وقد يجمعون الشيء بالتاء فقط استغناءً وذلك نحو قولهم: ظُبَةٌ وظُباتٌ، وشِيةٌ وشِياتٌ، والتاء تدخل على ما دخلت فيه الواو والنون لأن الأصل لها، فقد يكسرون هذا النحو على بناء يرد ما ذهب من الحرف،
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٩٠. ٢ في الأصل: "لم يعرف" ولا معنى لها، والمقصود أنه لم يغير البناء. ٣ انظر الكتاب ٢/ ١٩١.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وذلك قولهم: شَفَةٌ وشِفَاهٌ، وشَاةٌ وشِيَاهٌ، واستغنوا عن التاء حيث عنوا بها أدنى العدد، وتركوا الواو حيث ردوا ما يحذف منه، وقالوا: أمَةٌ وآم وإماءٌ وهي "فَعَلةٌ" لأنهم كسروا "فَعَلة" على "أَفعُلٍ" ولم نرهم كسروا "فَعْلَةً" على "أَفعُلٍ" وقالوا: بُرَةٌ وبراتٌ وبُرونَ وبُرى، ولُغَةٌ ولُغًى، وقد يستغنون بالشيء عن الشيء وقد يستعملون فيه جمع ما يكون في بابه، وقالت العرب: أَرْضٌ وأرضاتٌ وأرضونَ، فجمعوا بالواو والنون عوضًا من حذفهم الألف والتاء، وتركوا الفتحة على حالها. وزعم يونس أنهم يقولون: حَرَّةٌ وحَرُّون١، وقالوا: إوَزّةٌ وإوَزون وزعم يونس أيضا أنهم يقولون: حَرّةٌ وإحرون يعنونَ الحِرارَ كأنه جمع إحَرَّة ولكن لا يتكلم بها٢. وقد يجمعون المؤنث الذي ليست فيه هاءُ التأنيث بالتاء وذلك قولهم: عُرُساتٌ٣، وأَرضاتٌ، وقالوا: سَمواتٌ استغنوا بالتاء عن التكسير، وقالوا: أهلاتٌ فشبهوها بصَعْباتٍ، وقالوا: أهَلاتٌ٤، وقالوا: إمْوان جماعةُ أمةٍ.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٩١. ٢ انظر الكتاب ٢/ ١٩١. ٣ في الأصل "عرسيات" وهو خطأ. ٤ الذين قالوا: أهلات ثقلوا كما قالوا: أرضات.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
باب تكسير ما عدة حروفه بالزيادة أربعة أحرف للجمع:
الأسماءُ المكسرةُ في هذا الباب ستةٌ: فِعَالٌ، فَعَالٌ، فُعَالٌ، فَعِيلٌ، فُعُولٌ، فَاعلٌ.
فالأول: فِعَالٌ: جاء في القليل على "أَفْعَلةٍ" نحو حِمَارٍ وأَحْمَرةٍ، والكثير "فُعُلٌ" نحو حُمُرٍ ولك أن تخفف في لغة بني تميمٍ١، فتقول: حُمْرٌ، ورُبما عنوا ببناء أكثر العدد أدناه وذلك قولهم: ثلاثةُ جُدُرٍ، وثلاثةُ كُتُبٍ، والمضاعف لا يجاوز به أدنى العدد، وإن عنوا الكثير، وذلك: جِلالٌ وأَجلةٌ، وعِنَانٌ وأَعنّةٌ، وكِنَانٌ وأَكنةٌ، وكذلك المعتل نحو رِشَاءٍ وأَرشيةٍ وسِقَاء وأَسقيةٍ. وما اعتلت عينهُ فيكسر على "أَفعِلَةٍ" نحو خِوانٍ٢ وأَخونةٍ، ورِواقٍ وأروقَةٍ، فإن أردت الكثير جاء على "فُعْلٍ" وذلك نحو خُونٍ وروقٍ وبونٍ، وذوات الياء، عِيَانٌ وعُيُنٌ، والعِيَانُ: حديدةٌ تكون في مَتاعِ الفَدان، فثقلوا لأن الياء أخفُّ من الواو كما قالوا: بَيُوضٌ وبُيُضٌ، وزعم يونس: أن من العرب من يقول: صَيُودٌ، وصِيدٌ٣.
والثاني: فَعَالٌ: يجيء على "أَفْعِلَةٍ" في القليل نحو زَمانٍ وأزْمنَةٍ، وقَذالٍ
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢/ ١٩٢. ٢ خوان: يجوز فيه ضم الخاء وكسرها، وكذلك "رواق". ٣ انظر الكتاب ٢/ ١٩٢.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وأقذَلةٍ، والكثير "فُعُلٌ" نحو قُذُلٍ، وقد يقتصرون على أدنى العدد فيه١.
وبنات الواو والياء على "أَفعِلَةٍ" نحو سَمَاءٍ وأَسمِيةٍ، وكرهوا بناء الأكثر٢.
الثالث: فُعَالٌ: يجيء على "أَفْعِلَةٍ" في القليل: غُرابٌ وأَغْرِبةٌ، والكثير "فِعْلانٌ" نحو غِرْبانٍ وغِلْمَانٍ، ولم يقولوا: أَغْلِمَةٌ، استغنوا بغِلْمَةٍ والمضاعف: ذُبابٌ وأذبةٌ في القليل وذِبَّانٌ في الكثير، وقالوا في المعتل في أدنى العدد: أحْوِرةٌ والذين يقولون: حِوارٌ يقولون: حِيران. وأما سُوارٌ وسُورٌ فوافق الذين يقولون: سُوارٌ للذين يقولون: سِوارٌ كما اتفقوا في الحُوار٣ وقال قوم: حُوران وربما اقتصروا على بناء أدنى العدد فيه كما فعلوا ذلك في غيره وقالوا: فُؤَادٌ وأَفْئدةٌ، وقالوا: قُراد وقُرُدٌ، وذُبَابٌ وذُب.
الرابع: فَعيلٌ: يجمع في القليل على "أَفْعِلَةٍ" والكثيرُ فُعُلٌ وفُعْلان، مثل رَغيفٍ وأرْغفَةٍ ورُغُفٍ ورُغْفَانٍ، وربما كسروه على "أفْعِلاء" نحو أَنْصباء. وقد قال بعضهم٤ فيه: "فِعْلان" قال: فصِيلٌ وفِصلانٌ، والمعتل نحو قَريٍّ وأقريةٍ وقُريَانٍ، ولم يقولوا في صَبِيٍّ وأَصْبِيةٍ، استغنوا بِصبيةٍ، وقالوا في المضاعف: حزيز٥ وأحزةٌ وحُزَّانٌ، وقال بعضهم: حِزَّانٌ وقالوا: سريرٌ وأسِرةٌ وسُرُرٌ وقالوا: فَصِيلٌ وفصالٌ حيث قالوا: فَصِيلةٌ وتوهموه الصفة فشبهوه بظَريفةٍ وظِرافٍ حيث أنثوا، وكان هو المنفصل من أبٍ، وقد قالوا: أَفِيلٌ وأَفَائل وهو حاشية الإِبل. وقالوا: إفَالٌ شبهوها بِفصَالٍ حيث قالوا في الواحد: أفْيلة فأشبه الصفة.
الخامس: فَعولٌ: ويذكر في باب المؤنث.
_________________
(١) ١ كما فعلوا ذلك في بنات الثلاثة وهو أزمنة وأمكنة. ٢ الاعتلاء بالياء؛ لأنها أقل الياءات احتمالًا وأضعفها، وانظر الكتاب ٢/ ١٩٣. ٣ أي: يجوز في الحوار ضم وكسر الحاء. ٤ انظر الكتاب ٢/ ١٩٣. ٥ حزيز: رجل شديد السوق والعمل، والمكان الغليظ المنقاد.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
السادس: فَاعِلٌ وفَاعَلٌ: يكسران على فَواعلَ، ويكسرونَ الفَاعِلَ أيضًا على "فُعلانٍ" نحو حَاجرٍ١ وحُجْرانٍ وعلى فِعْلانٍ في المعتل نحو حائِطٍ وحِيطاَنٍ وكان أصله صفةً، فأجري مجرى الأسماء فيجيء على "فُعْلانٍ" نحو راكبٍ ورُكْبَانٍ وفارسٍ وفُرْسانٍ. وقد جاء على فِعَالٍ نحو صِحَابٍ، ولا يكون فيه فواعلُ؛ لأن أصله صفةٌ وله مؤنث، فيفصلونَ بينهما إلا في فَوارس.
تم الجزء الثاني.
ويليه الجزء الثالث.
_________________
(١) حاجر: الحاجر من مسائل المياه ومنابت العشب ما استدار به سند أو نهر مرتفع.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
فهرست الموضوعات
الموضوع الصفحة
المجرور بالإضافة ٥
باب إضافة الأسماء إلى الأفعال والجمل ١١
مسائل من هذا الباب ١٣
هذه توابع الأسماء في إعربها ١٩
شرح الأول: وهو التوكيد ١٩
الثاني من التوابع: وهو النعت ٢٣
ذكر وصف المعرفة ٣١
مسائل من هذا الباب ٣٣
الثالث من التوابع: وهو عطف البيان ٤٥
الرابع من التوابع: وهو عطف البدل ٤٦
مسائل من هذا الباب ٤٩
الخامس من التوابع: وهو العطف بحرف ٥٥
باب العطف على الموضع ٦١
باب العطف على عاملين ٦٩
باب مسائل العطف ٧٦
ذكر ما ينصرف من الأسماء وما لا ينصرف ٧٩
الأسباب التي تمنع الصرف تسعة ٨٠
[ ٢ / ٤٥١ ]
الأول: وزن الفعل ٨٠
الثاني: الصفة التي تتصرف ٨٢
الثالث: التأنيث ٨٣
الرابع: الألف والنون اللتان تضارعان ألفي التأنيث ٨٥
الخامس: التعريف ٨٧
السادس: العدل ٨٨
السابع: الجمع الذي لا ينصرف ٩٠
الثامن: العجمة ٩٢
التاسع: الاسمان اللذان يجعلان اسمًا واحدًا ٩٢
مسائل من هذا الباب ٩٣
باب ما يحكى من الكلم إذا سمي به وما لا يجوز أن يحكى ١٠٤
باب ما لا يجوز أن يحكى ١٠٨
باب التسمية بالحروف ١١٠
ذكر الأسماء المبنية التي تضارع المعرب ١١١
باب الكنايات: وهي علامات المضمرين ١١٥
الباب الثالث من المبنيات: وهو الاسم الذي يشار به إلى المسمى ١٢٧
باب الأسماء المبنية المفردة التي سمي بها الفعل ١٣٠
باب الاسم الذي قام مقام الحرف ١٣٥
باب الظرف الذي يتمكن وهو الخامس من المبنيات ١٣٧
الباب السادس من المبنيات المفردة: وهو الصوت المحكي ١٣٩
باب إعراب الأفعال وبنائها ١٤٥
الأفعال المرفوعة ١٤٦
الأفعال المنصوبة ١٤٧
الأفعال المجزومة ١٥٦
باب إعراب الفعل المعتل اللام ١٦٤
مسائل من سائر أبواب إعراب الفعل ١٦٥
[ ٢ / ٤٥٢ ]
فصل يذكر فيه قل وأقل ١٦٨
فصل من مسائل الدعاء والأمر والنهي ١٧٠
فصل من مسائل الجواب بالفاء ١٧٩
فصل من مسائل المجازاة ١٨٧
باب الأفعال المبنية ١٩٩
ذكر النون الثقيلة ١٩٩
ذكر النون الخفيفة ٢٠٢
مسائل من باب النون ٢٠٣
باب الحروف التي جاءت للمعاني ٢٠٦
باب أم وأو والفصل بينهما ٢١٣
باب ما جاء من ذلك على ثلاثة أحرف ٢١٦
باب ما جاء منها على أربعة أحرف ٢١٨
باب ما جاء منها على حرف واحد ٢١٩
باب الحرف المبني مع حرف ٢٢٠
باب التقديم والتأخير ٢٢٢
شرح الأول: وهو الصلة ٢٢٣
شرح الثاني: توابع الأسماء ٢٢٥
شرح الثالث: وهو المضاف إليه ٢٢٦
شرح الرابع: الفاعل ٢٢٨
الخامس: الأفعال التي لا تتصرف ٢٢٨
السادس: ما أعمل من الصفات تشبيهًا بأسماء الفاعلين
وعمل عمل الفعل ٢٢٩
السابع: التمييز ٢٢٩
الثامن: العوامل في الأسماء والحروف التي تدخل على الأفعال ٢٣٠
التاسع: الحروف التي تكون صدور الكلام ٢٣٤
العاشر: أن يفرق بين العامل والمعمول فيه بما ليس
[ ٢ / ٤٥٣ ]
للعامل فيه سبب وهو غريب منه ٢٣٧
الحادي عشر: تقديم المضمر على الظاهر في اللفظ والمعنى ٢٣٨
الثاني عشر: التقديم إذا ألبس على السامع أنه مقدم ٢٤٥
الثالث عشر: إذا كان العامل معنى الفعل ولم يكن فعلًا ٢٤٦
الاتساع ٢٥٥
باب الزيادة والإلغاء ٢٥٧
ذكر الذي والألف واللام ٢٦١
ذكر ما يوصل به الذي ٢٦٦
ذكر الإخبار عن الذي ٢٦٩
باب ما جاز أن يكون خبرًا ٢٧٦
الأول: باب الفعل الذي لا يتعدى الفاعل إلى المفعول ٢٧٧
الثاني: الفعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد ٢٨٠
الثالث: الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين ٢٨٢
الرابع: الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين وليس لك أن تقتصر على أحدهما ٢٨٤
الخامس: الفعل الذي يتعدى إلى ثلاثة مفعولين ٢٨٤
السادس: الفعل الذي بني للمفعول ولم يذكر من فعل به ٢٨٧
السابع: الفاعل الذي تعداه فعله إلى مفعول واسم الفاعل والمفعول فيه لشيء واحد ٢٨٨
الثامن: الظروف من الزمان والمكان ٢٩١
التاسع: الإخبار عن المصدر ٢٩٧
العاشر: الابتداء والخبر ٢٩٩
الحادي عشر: المضاف إليه ٣٠٣
الثاني عشر: البدل ٣٠٤
الثالث عشر: العطف ٣٠٥
الرابع عشر: الإخبار عن المضمر ٣١٢
[ ٢ / ٤٥٤ ]
باب ما تخبر فيه بالذي ولا يجوز بالألف واللام ٣١٤
ذكر المحذوفات التي قاس عليها النحويون ٣١٥
باب ما ألف النحويون من الذي والتي وإدخال الذي على الذي ٣١٨
باب أخوات الذي ٣٢٣
باب الاستفهام إذا أردت الإخبار عنه ٣٢٧
باب من الألف واللام يكون فيه المجاز ٣٣٠
مسائل من الألف واللام ٣٣١
ذكر ما يحرك من السواكن في أواخر الكلم ٣٦١
باب ذكر الابتداء ٣٦٧
ألف الوصل ٣٦٧
ذكر الوقف على الاسم والفعل والحرف ٣٧١
القسم الثاني: وهو الظاهر المعتل ٣٧٤
الضرب الثاني: وهو ما كان آخره همزة ٣٧٦
الضرب الثالث منه: وهو ما كان آخره ألف مقصورة ٣٧٨
القسم الثالث: وهي الأسماء المكنية ٣٧٨
الرابع: المبهم المبني ٣٨١
الوقف على الفعل ٣٨٢
الثاني: الفعل المعتل ٣٨٢
الوقف على الحرف ٣٨٣
باب الساكن الذي تحركه في الوقف ٣٨٤
باب من وأي إذا كنت مستفهمًا عن نكرة ٣٩٤
باب ما تلحقه الزيادة في الاستفهام ٣٩٨
ذكر الهمز وتخفيفه ٣٩٨
باب ذكر الهمزة المتحركة ٤٠١
باب الهمزتين إذا التقتا ٤٠٣
باب المذكر والمؤنث ٤٠٧
[ ٢ / ٤٥٥ ]
باب التأنيث بالألف ٤١٠
ذكر المقصور والممدود ٤١٥
ذكر التثنية والجمع الذي على حد التثنية ٤١٧
باب جمع الاسم ٤٢٠
باب جمع الرجال والنساء ٤٢١
ذكر العدد ٤٢٤
باب ما اشتق له من العدد اسم به تمامه وهو مضاف إليه ٤٢٦
باب العدد المؤنث الواقع على معدود مؤنث ٤٢٨
ذكر جمع التكسير ٤٢٩
باب جمع الثلاثي الذي فيه هاء التأنيث في الجمع ٤٣٩
باب ما يكون من بنات الثلاثة واحدًا يقع على الجميع ٤٤٢
باب ما جاء لفظ واحده وجمعه سواء ٤٤٥
باب ما كان على حرفين وليس فيه علامة التأنيث ٤٤٦
باب تكسير ما عدة حروفه بالزيادة أربعة أحرف للجمع ٤٤٨
فهرست الموضوعات ٤٥١
[ ٢ / ٤٥٦ ]